← Адаб

Адаб · id 26183

الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري

أبو القاسم الآمدي

Полный текст (1 636 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

إذا راوحتها مزنة بكرت لها ... شآبيب مجتاز عليها وقاصد (١) كأن يد الفتح بن خاقان أقبلت ... تليها بتلك البارقات الرواعد وقال: سقيت رباك بكل نوء جاعل ... من وبله حقاً لها معلوما (٢) فلو أنني أعطيت فيهن المنى ... لسقيتهن بكف إبراهيما (٣) بسحابة غراء متئمة إذا ... كان الجهام من السحاب عقيما (٤) فقوله: «سقيت رباك» بيت ليس بالبارع لفظاً ولا معنى، وما بعده جيد حلو. وإنما خص الجهام لأنه الذي قد كان فيه ماء فأراقه، ومثله لا يكون عقيماً، جعله كالمرأة الوالد. وقال أبو تمام في هذا المعنى أيضاً: شجاً في الحشا ترداده ليس يفتر ... به ضمن آمالي وإني لمفطر (٥) حلفت بمستن المنى تسترشها ... سحابة كف بالرغائب تمطر إذا درجت فيه الصبا كفكفت لها ... وقام يباريها أبو الفضل جعفر (٦) وهذه ألفاظ ومعان ونسج في غاية الرداءة والهجانة، والبعد من البلاغة والبراعة، على ما فيها من التعقيد واتفاق المعاني. فقوله: «حلفت» يعني نفسه.

стр. 877

و «مستن المنى»: المحل الذي يستن فيه المنى، أي يطرد، يذهب ويجيء ويكثر، يريد محل الممدوح وساحته. وقوله: «يسترشها» إنما أراد يسترش سحابة كف فقال: «يسترشها» فقدم الكناية، وجعل «سحابة كف» بدلاً من الهاء والألف. يقول: حللت بمحل تستن فيه المنى، وتطلب رشاش سحابة كف. وقوله: «إذا درجت فيه الصبا» يريد في مستن المنى، كفكفت لها أي للسحابة. وكفكفت: أي دنت وقربت. و «قام يباريها» أي يباري الصبا بسحابة كفه أبو الفضل جعفر. وهذان البيتان لا يتصلان بالبيت الأول، وإنما كان وجه الكلام أن يقول: شجاً في الحشا كان ترداده ليس يفتر، وكانت آمالي به صائمة، فحللت بمستن منى من حاله وصفته، حتى يتصل الكلام بعضه ببعض. والحذف والاختصار في كلام العرب موجود، ولكن ليس في مثل هذا. ... ومن هذا الباب، وفيه بعض الغموض، قوله: إن الذي خلق الخلائق قاتها ... أقواتها لتصرف الأحراس (١) فالأرض معروف السماء قرى لها ... وبنو الرجاء لهم بنو العباس يريد أن الله تعالى، جعل أقوات عباده من وجوه مختلفة على قدر أزمانها. والأحراس: الدهور، واحدها حرس.

стр. 878

يقول: فالأرض إنما تحيا بما تقريها السماء من الغيث، وبنو الرجاء لهم بنو العباس، أي بنو الرجاء بنو العباس لهم، أي لهم عصمة، كما يقال: الله لك، أي معين ومغيث. ويجوز أن يكون أبو تمام ذهب في ذكر الأرض والغيث ها هنا (١) وجعل بني العباس رجاء الناس لذلك؛ لأن الناس في أيام عمر بن الخطاب رحمة الله عليه احتبس عنهم المطر فأخذ عمر بضبع العباس وقال: اللهم إن هذا عم نبيك، اللهم اسقنا غيثك، فما برح الناس حتى وافاهم المطر، فلعل أبا تمام ذهب إلى هذا المعنى، والله أعلم. والبيتان رديئان نسجاً ولفظاً. ولا محالة أن البحتري أيضاً في هذا الباب يتقدم أبا تمام.

стр. 879

وهذا وجه آخر في خروجهما إلى المدح وهو وصف الرياح، وتشبيه أخلاق الممدوح بها فمن ذلك قول أبي تمام: من فاقع غض النبات كأنه ... دور يشقق قبل ثم يزعفر (١) صنع الذي لولا بدائع صنعه ... ما عاد أصفر بعد إذ هو أخضر خلق أطال من الربيع كأنه ... خلق الإمام وهديه المتيسر فقوله: «خلق أطل كأنه خلق الإمام» معنى صحيح. «وهديه المتيسر» فالهدي: سمته ودله وشكله، و «المتيسر» قافية رديئة جداً. ... ومثله قول البحتري: ويريك الأحباب يوم تلاق ... باعتناق الحوذان والأقحوان (٢) صاغ منها الربيع شكلاً لأخلا ... ق حسين ذي الجود والإحسان (٣) وهذا أيضاً خروج ليست له قوة لفظ ولا حلاوة فيه ولا معنى.

стр. 880

وهذا وجه آخر من خروجهما إلى المدح منه قول أبي تمام: صب الفراق علينا صب من كثب ... عليه إسحاق يوم الروع منتقما (١) وهذا خروج حسن (٢) وقال أيضاً: فليبلغ الفتيان عني مألكاً ... أني متى يتثلموا أتهدم (٣) ولتعلم الأيام أني فتها ... بأبي الحسين محمد بن الهيثم قوله: «مألكاً»: جمع مألكة، وهي الرسالة، ونصبها على الحال. وقال أبو تمام أيضاً: وعاذل هاج لي باللوم مأربة ... باتت عليها هموم الصدر تصطخب (٤) لما أطال ارتجال العذل قلت له ... الحزم يثني خطوب الدهر لا الخطب لم يجتمع قط في مصر ولا طرف ... محمد بن أبي مروان والنوب (٥) قوله: «الحزم يثني خطوب الدهر» ليس بواجب قاطع على كل حال، ولو كان ذلك كذلك لما رأيت حازماً قط يصيبه خطب من الدهر يكرهه، ولكنه لما كان الحزم قد يفعل ذلك صلح أن يذكره.

стр. 881

وقال أبو تمام: يا أيهذا السائلي أنا شارح ... لك غائبي حتى كأنك حاضره (١) إني ونصراً والرضا بجواره ... كالبحر لا يبغي سواه مجاوره ما إن يخاف الخذل من أيامه ... أحد تيقن أن نصراً ناصره قوله: «أنا شارح لك غائبي» لست أراه شرح شيئاً، وإنما ذكر أن رضاه بجوار نصر كالبحر لا يبغي سواه مجاوره، وهذا خبر مختصر؛ والشرح لا يكون في نصف البيت. فأما قوله: «ما إن يخاف الخذل» فليس يتعلق بقوله: «أنا شارح لك غائبي حتى كأنك حاضره». وقد أخبر البحتري بخبر حسن هو أولى بالشرح من أبي تمام فقال: ومن غرائب ما تأتي الخطوب به ... في أول من صروف الدهر أوتال (٢) أحدوثة عجب أنبيك عن خبري ... فيها وعن خبر الشاه بن ميكال فررت منه حياء من قصوري عن ... جزاء ما زاد في جاهي وفي مالي (٣) لو لم أعوضه شكراً عن تطوله ... إذ لم أقابله إفضالاً بإفضال (٤) وقد ذكر هذا المعنى في غير موضع، وإنما أذكره في أبوابه إذا جاءت بإذن الله. ... وقال البحتري: لعمر أبي الأيام ما جار حكمها ... علي ولا أعطيته ثنى مقودي (٥)

стр. 882

وكيف أخاف الحادثات وصرفها ... علي ودوني أحمد بن محمد (١) وقال: فإن أراب صديقي في الوداد فكم ... أمسيت أحذر ما قد كنت آمله (٢) يكفيك من عدة في الدهر تجعلها ... ذخراً سماع أبي بكر ونائله (٣) وقال: لا أمدح المرء أقصى ما يجود به ... نيل يكسر من حافات جلمود حسبي بأحمد إحساناً يبلغني ... مدى الغنى وبفعل منه محمود قوله: «وبفعل منه محمود»، يريد معونته إياه على أموره، وبذله جاهه له: ومن طريف خروج البحتري وعجيبه قوله: إذا الرجال اعتمت أجوادهم ... فاسم إلى الأشرف ما فالأشرف (٤) ادفع بأمثال أبي غالب ... عادية العدم أو استعفف ومن جيد ذلك ونادره أيضاً قوله: يرجو البخيل اغتراري أو مخادعتي ... حتى أسوق إليه المدح مجاناً لأكسون بني الفياض من مدحي ... ما بات منه لئيم الناس عريانا وهذا في غاية الحسن.

стр. 883

وقال: هل الشباب ملم بي فراجعة ... أيامه لي في أعقاب أيامي (١) لو أنه نائل غمر يجاد به ... لقد تطلبته عند ابن بسطام وهذا أيضاً خروج حسن طريف. ومن جيد خروجه (٢) أيضاً قوله: لتسرين قوافي الشعر معجلة ... ما بين سيره المثلى وشرده (٣) جوازياً حسناً من حسن أنعمه ... وعن بواديه في الجدوى وعوده (٤) ... ومن طريفات الخروج أيضاً قول أبي تمام: تداو من شوقك الأقصى بما فعلت ... خيل ابن يوسف والأبطال تطرد (٥) ذاك السرور الذي آلت بشاشته ... أن لا يجاورها في مهجة كمد وهذا -لعمري- معنى في غاية الحسن والحلاوة. وقال أبو تمام: تواترت نكبات العسر ترشقني ... بكل صائبة عن قوس عضبان (٦) مدت عنان رجائي فاستقدت لها ... حتى رمتني في بحر ابن حسان (٧)

стр. 884

بحر من الجود يرمي موجه زبداً ... حبابه الودق مقرون بعقيان (١) وهذا من لفظ العوام وأشعار الصبيان. ومن رديء خروجه أيضاً قوله: ودع فؤادك توديع الفراق فما ... أراه من سفر التوديع منصرفا (٢) يجاهد الشوق طوراً ثم يجذبه ... جهاده القوافي في أبي دلفا (٣) وقد أصلحه الناس: «مجاهدات القوافي»، وبقي ما لا يمكن إصلاحه وهو قبح قوله: «يجذبه»، فإنها لفظة بشعة. ومجاهدته للقوافي أيضاً معنى رديء، وإنما كان ينبغي أن يقول: إن الشعر ييسر فيه، وتطرد قوافيه بمدحه لكثرة فضائله، ويأتي فيه عفواً، ولا يتعذر، كما قال: تغاير الشعر فيه إذ سهرت له ... حتى ظننت قوافيه ستقتتل (٤) ... ومن رديء خروجه (٥) أيضاً قوله: يعجبن مني أن سمحت بمهجتي ... وكذاك أعجب من سماحة جعفر (٦) ملك إذا الحاجات لذن بحقوه ... صافحن كف نواله المتيسر فلم عجب من سماحة جعفر؟، وإنما العجب من سماحة البخلاء، فأما

стр. 885

الكرماء الذين من عاداتهم البذل فما وجه التعجب من سماحتهم؟ وليس في البيت الثاني ما يوجب التعجب، وإنما ذكر فيه أن نواله متيسر، وهو بيت رديء. ... ومن رديء خروجه (١) أيضاً لفظاً ومعنى قوله: يقول أناس في جبيناء عاينوا ... عمارة رحلي من طريف وتالد (٢) أأظهرت كنزاً أم صبحت بغارة ... ذوي غرة حاميهم غير شاهد (٣) فقلت لهم لاذا وذاك ديدني ... ولكنني أقبلت من عند خالد وهذا من معاني العوام أن يقولوا لمن رأوا حاله قد حسنت على من أغرت أو أي كنز وجدت، وما ظننت مثل هذا ينظم في شعر. وقوله: «أقبلت من عند خالد» كلام الفارغ، وإنما كان ينبغي لمن ابتلاه الله بهذا المعنى أن يقول في جوابهم: نعم كنز خالد، وأغار على ندى خالد، ولكنه -لعمري- بين المعنى في البيت الثاني، وعرفهم سبب عمارة رحله بأن قال: جذبت نداه غدوة السبت جذبة ... فخر صريعاً بين أيدي القصائد وهذا وأبيه معنى متناه في برده وغثاثته وركاكته، ولشتيمة الممدوح عندي بالزنى أحسن وأجمل من جذب نداه حتى يخر صريعاً!!! ولو لم يعلمنا أن ذلك كان غدوة السبت كيف كان يتم برد المعنى. و «حبيناء»: اسم موضع، في غاية القبح والهجانة، فإنهم وإن كانوا

стр. 886

قالوا ما قالوا له في هذا الموضع فإنه لم يكن مضطراً إلى ذكره، كما أنه لم يك مضطراً إلى ذكر غدوة السبت. ومن سبيل الشاعر أن لا يذكر إلا ما حسن من أسماء المواضع، وأن يعتمد أسماء المواضع الغريبة المتكررة في أشعار الفصحاء؛ ألا ترى أن الفرزدق أنكر على مالك بن أسماء بن خارجة وقد أنشده: * حبذا ليلتي بتل بونا (١) * فقال: وأفسدت أبياتك بذكر بوناً، فقال له: ففي: «بوناً» كان ذلك، قال: وإن كان. ... ومن خروجه الرديء قوله (٢): يد الشكوى أتتك على البريد ... تمد بها القصائد من نشيد (٣) تقلب بينها أملاً جديداً ... تدرع حلتي طمع جديد شكوت إلى الزمان نحول جسمي ... فأرشدني إلى عبد الحميد فقوله: «تقلب بينها» يعني القصائد. وقوله: «أملاً جديداً حلتي طمع جديد» (٤) لفظ رديء جداً؛ لأن معنى الطمع والأمل والرجاء معنى واحد في مقاصد الناس واستعمالهم،

стр. 887

تقول: أنا آمل من الله تعالى الفرج، كما تقول: أطمع وأرجو، وإنما ينسق بعضها على بعض لاختلاف اللفظ. وتقول: قد انقطع من فلان الطمع، وانقطع الأمل، وانقطع الرجاء. وكذلك خاب. فإن كان بين هذه الألفاظ فرق في أصل وضع الكلام [فقد أجريت] (١) مجرى واحداً فلا فائدة إذاً في قوله: «أملاً جديداً تدرع حلتي طمع جديد». ولو كان قال: تدرع حلتي عزم جديد كان أولى بالصواب، إن شاء الله. قوله: شكوت إلى الزمان نحول جسمي ... فأرشدني إلى عبد الحميد لو كان عبد الحميد طبيباً كان يكون معنى البيت مستقيماً؛ لأن الرجل المعتر (٢) الطالب الجدوى لا يشكو نحول جسمه إلى ممدوحه الذي يلتمس الفضل منه، وإنما يشكو إليه اختلال الحال، وقصور اليد، فأما أن يشكو إليه نحول الجسم فإن ذلك غاية الخناعة (٣) والنذالة والانحطاط في المسألة. إنه (٤) يخبره بشدة جوعه وأن ذلك هو الذي أذاب لحمه، وهذا لا يقوله شاعر على هذا الوجه، بل إنما يذكر المص بوجه (٥) حسن، ولفظ معتاد. ونحول الجسم فإنما يشتكي إلى الحبيب إذا كان من غلة أو عشق.

стр. 888

ولو كان قال: شكوت إلى الزمان قصور حال، كان أشبه من نحول الجسم الذي قد يكون من أشياء كثيرة. أو لو كان هجر حبيب وما لحقه من الضنى والسقم لصلح أن يجعل شكواه إلى الممدوح كما قال أبو نواس: سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالد ... هواكم لعل الفضل يجمع بيننا (١) فقال الفضل: جعلني قواده، وإنما أراد أبو نواس لعل الفضل يثيبني بما أصل به إلى الاجتماع معكم. ... وهذا الباب في الخروج من النسيب إلى المديح مما لا خفاء بفضل البحتري فيه على أبي تمام.

стр. 889

وللمتأخرين خروجات ظريفة حلوة نادرة فمن ذلك قول ابن وهيب: ربما أبيت معانقي قمر ... للحسن فيه مخايل تضح (١) نثر الجمان على محاسنه ... بدعاً وأذهب همه الفرح (٢) يختال في ودق الشباب به ... مرح وداؤك أنه مرح (٣) ما زال يلثمني مراشفه ... ويعلني الإبريق والقدح (٤) حتى استرد الليل خلعته ... ونشا خلال سواده وضح وبدا الصباح كأن غرته ... وجه الخليفة حين يمتدح (٥) وحسبك بهذاحسناً يزيد عل كل ما تقدم للطائيين. ... ومن المذاهب الطريفة في باب الخروج قول بكر بن النطاح الحنفي في قصيدة يمدح فيها مالكاً الخزاعي: عرضت عليها ما أرادت من المنى ... لترضى فقالت قم جئني بكوكب (٦)

стр. 890

فقلت لها هذا التعنت كله ... كمن يتشهى لحم عنقاء مغرب فلو أنني أصبحت في جود خالد ... وعزته ما نال ذلك مطلبي (١) فتى شقيت آماله بسماحه ... كما شقيت قيس بأرماح تغلب ... ونحوه قول الخليع (٢) في كلمة يمدح فيها عاصماً الغساني: أقول ونفسي بين شوق وحسرة ... وقد شخصت عيني ودمعي على خدي (٣) أريحي بقتل من تركت فؤاده ... بلحظته بين التأسف والجهد فقالت عذاب بالهوى قبل ميتة ... وموت إذا أقرحت قلبك من بعدي لقد فطنت بالجود فطنة عاصم ... لصنع الأيادي الغر في طلب الحمد وهذا يسميه قوم الاستطراد، وهو حسن جداً.

стр. 891

* باب المديح أول ما أبدأ به من مدائحهما ذكر السؤدد والمجد وعلو القدر، ثم ما يخص الخلفاء من ذلك دون غيرهم: من (١) ذكر الخلافة وما يتصرف عليه القول من معانيها. وذكر الملك والدولة. وذكر ما يخص أهل بيت النبوة من المدح دون من سواهم: من ذلك ذكر طاعتهم، والمحبة لهم، والمعرفة لحقهم. وذكر الآلة التي كانت للنبي ﵇ فصارت إليهم. وذكر الآثار بالحرم، وذكر علو القدر وعظم الفضل. وذكر تأييد الدين وتقوية أمره. وذكر الرأفة والرحمة، وذكر إفاضة العدل وإقامة الحق. وذكر سداد الرأي وحسن السياسة والتدبير والاضطلاع بالأمور والحلم والعقل. وذكر الجلال والجمال والبهاء والجهارة والهيبة. وذكر كرم الأخلاق ولينها. وذكر ما ينبغي أن يمدح به الخلفاء من الجود والكرم. وذكر ما ينبغي أن يمدحوا به من الشجاعة والبأس.

стр. 892

* أمر الخلافة وما يتصرف عليه القول من معانيها قال أبو تمام في المعتصم: إن الخليفة حين يظلم حادث ... عين الهدى وله الخلافة محجر (١) كثرت به حركاتها ولقد ترى ... من فترة وكأنها تتفكر (٢) ما زلت أعلم أن عقد مرامها ... في كفه مذ خليت تتخير (٣) قوله: «كثرت به حركتها»، يريد به ظهور الأمر والنهي والتدبير والسياسة. ويريد بالفترة ما كان من إهمال هذه الأشياء، و «كأنها تتفكر» لفظ ليس بالحلو ولا الشهي ها هنا. وقال فيه: فلاذت بحقويه الخلافة والتقت ... على خدرها أرماحه ومناصله (٤) أتته معداً قد أتاها كأنها ... ولا شك كانت قبل ذاك تراسله فالبيت الأول جيد بالغ. والبيت الثاني في غاية السخف والرداءة؛ لأنه جعل الخلافة قد أتته، وجعله قد أتاها، وكان ينبغي أن يقتصر إتيانه، أو إتيانها إياه وهو أجود.

стр. 893

فأما أن يجمع بين الحالين فما وجهه وكان ينبغي أن يعلمنا لما توجه كل واحد إلى صاحبه: أين التقيا؟ أفي منتصف الطريف؟ وقصد هذا الرجل الإغراب في الألفاظ والمعاني؛ ومن ها هنا فيسد أكثر شعره. وقوله (١): «ولا شك» من سخيف الألفاظ وسفسافها، وهي حشو رديء، وليس بالبيت إليه حاجة. ... والجيد النادر في هذا قول البحتري في المهدي بالله: بارك الله للخليفة في الملـ ... ـك الذي حازه له المقدار (٢) رتبة من خلافة الله قد طا ... لت بها رقبة له وانتظار طلبته فقراً إليه وما كا ... ن به ساعة إليها افتقار (٣) ومثله في الجودة قوله فيه: سرت تتبغاه الخلافة رغبة ... إليه بأوفى قصدها واعتمادها (٤) فما علقته خبط عاشية الدجى ... ولكنها اختارته بعد ارتيادها فهذه هي المعاني الصحيحة، واللفظ المستقيم، والسبك الرصين. وما أحسن ما قال «سلم الخاسر» في المهدي: هبطت إليك من السماء خلافة ... دفعت إليك زمامها وقيادها

стр. 894

ومثل قول البحتري قول الحطيئة: أنت الإمام الذي من بعد صاحبه ... ألقى إليك مقاليد النهي البشر (١) ما آثروك بها إذ قدموك لها ... لكن بك استأثروا إن كانت الأثر (٢) وقال ابن هرمة في المنصور: وما الناس أعطوك الخلافة عنوة ... ولكنه من يعله الله يستعلي ومن ذلك في الجودة قول البحتري: اليوم أطلع للخلافة سعدها ... وأضاء فيها بدرها المتهلل (٣) لبست جلالة جعفر فكأنها ... سحر تجلله النهار المقبل (٤) جاءته طائعة ولم يهزز لها ... رمح ولم يشهر عليها منصل (٥) أنى وإن كانت تعلت نحوه ... من قبل أن يقع الفضاء فتعقل (٦) حتى أتته يقودها استحقاقه ... ويسوقها حظ إليه مقبل (٧) ويروى: «ويسوقها حظ إليه مكمل». و «تصنع» كانت ها هنا أحسن من «تعقل» فجاء بتعقل من أجل القافية. ... وقال أبو تمام في الواثق: إن الخلافة أصبحت حجراتها ... ضربت على ضخم الهموم همام (٨)

стр. 895

ضخم الهموم: يريد ضخم الهمة لا الهم الذي يراد به الحزن، وهذا لفظ هجين في هذا الموضع. لا قدح في عود الخلافة بعدما ... متت إليك بحرمة وذمام (١) هيهات تلك قلادة الله التي ... ما كان يتركها بغير نظام إرث النبي وجمرة الملك التي ... لم تخل لهب بكم وضرام (٢) مذخورة أحرزتها بحكومة ... لله تشدخ أرؤس الحكام (٣) وقال أبو تمام في الواثق أيضاً: جعل الخلافة فيه رب قوله ... سبحانه للشيء كن فيكون (٤) ولقد رايناها له بقلوبنا ... وظهور دونه وبطون (٥) ولذلك قيل من الظنون جلية ... صدق وفي بعض القلوب عيون (٦) ولقد علمنا مذ ترعرع أنه ... لأمين رب العالمين أمين قوله: «جعل الخلافة فيه رب» بيت في غاية الركاكة والرداءة؛ لأن مثل هذا إنما يقال في الأمر العجب الذي لم يكن يقدر ولا يتوقع. ولا يظن أن مثله يكون، فيقال إذا وقع ذلك: قدرة قادر، وفعل من لا يعجزه أمر، ومن يقول للشيء: كن فيكون، فأما الأمور التي لا يتعجب منها، ولا تستغرب، والعادات جارية بها وبما يشبهها فلا يقال فيها

стр. 896

مثل هذا، وإنما يسبح الله تعالى، وتذكر قدرته على تكوين الأشياء لو جاءوا بأبي العبر (١) أو بجحا فجعلوه خليفة. فأما الواثق فما وجه تسبيح أبي تمام في أن أفضت إليه الخلافة وأبوه خليفة وهو المعتصم، وجده خليفة وهو الرشيد، وجد أبيه خليفة وهو المنصور، وأخو جده خليفة وهو الهادي، وأخو جد جده خليفة وهو السفاح، وعماه خليفتان: الأمين والمأمون؟ ثمانية خلفاء هو تاسعهم (٢) وقد عدد أبو تمام منهم خمسة في البيت فقال: يسمو بك السفاح والمنصور الـ ... ـمهدي والمعصوم والمأمون (٣) وذكر الرشيد قبل هذا بأبيات، وشبه الواثق به قال: [وجدوا جناب الملك أخضر] واجتلوا ... هارون فيه كأنه هارون فما وجه التعجب من خلافة من كانت هذه صورته؟ وقوله: «ولقد رأيناها له بقلوبنا» وقوله: «ولذاك قيل من الظنون جلية صدق» فهذه كهانة عجيبة من أبي تمام في الواثق لم يفطن لها غيره. وعلى أن هذين البيتين رجيدان في نظمهما ولفظهما، ولكنه وضع المعاني في غير مواضعها. وقوله: «لأمين رب العالمين أمين» يعني محمداً ﷺ .

стр. 897

وقد أصاب أبو الجنوب مروان بن أبي حفصة في هذا المعنى إذ يقول للأمين: إن الخلافة قد تبين نورها ... للناظرين على جبين محمد إني لأعلم أنه لخليفة ... إن بيعة عقدت وإن لم تعقد وما أحسن ما قال الحسين بن الضحاك (١) الباهلي في المأمون أيضاً: رأى الله عبد الله خير لداته ... فملكه والله أعلم بالعبد (٢) ... وقال البحتري في المتوكل وزاد على الإحسان: الله آثر بالخلافة جعفراً ... ورآه ناصرها الذي لا يخذل (٣) هي أفضل الرتب التي جعلت له ... دون البرية وهو منها أفضل (٤) وقال فيه: إن الخلافة لما اهتز منبرها ... بجعفر أعطيت أقصى أمانيها (٥) أبدى التواضع لما نالها رعة ... عنها ونالته فاختالت به تيها (٦) وهذا هو المعنى الحلو، والمدح الذي يليق بالخلفاء.

стр. 898

وقال في المهدي: زاد في بهجة الخلافة نوراً ... فهو شمس للناس وهي نهار (١) وأجار الدنيا من الحيف والخو ... ف فهل يشكر المجير المجار وقال في المتوكل: عادت بحقويك الخلافة إنها ... قسم لأفضل هاشم فالأفضل (٢) وتمنعت في ظل عزك واغتدت ... في خير منزلة وأحصن معقل (٣) أخذ قوله: «عادت بحقويلك (٤) الخلافة» من قول أبي تمام: عادت بحقويك الخلافة والتقت ... على خدرها أرماحه ومناصله (٥) وقال في المعتز: حامل من خلافة الله ما يعـ ... ـجز عنه ذو الأيد والإضطلاع (٦) مستقل بالثقل منها رحيب الـ ... ـصدر نهضاً بها رحيب الباع وقال في المتوكل: وقد سر في أن الخلافة فيكم ... مخيمة ما إن يخاف انتقالها (٧) لكم إرثها والحق منها ولم يكن ... لغيركم إلا اسمها وانتحالها وقال فيه: وأرى الخلافة وهي أعظم رتبة ... حقاً لكم ووراثة ما تنزع (٨)

стр. 899

أعطاكموها الله عن علم بكم ... والله يعطي من يشاء ويمنع وقال في المعتز: أغر من الأملاك إما رأيته ... رأيت أبا إسحق والقرم جعفرا (١) تقدم في حق الخلافة سهمه ... إذا رد عنها غيره فتأخرا (٢) ويصبح معروفاً له الفضل دونهم ... وما يتدعاه الأباعد منكرا (٣) وقال في المتوكل: فضل الخلائف بالخلافة واقف ... في الرتبة العليا وفضلك أفضل (٤) أوفيت عاشرهم فإن نسبوا إلى كرم وإحسان فأنت الأول (٥) وهذا غاية في مدح الخلفاء. وقال في المتوكل أيضاً بفضله على الخلفاء وأحسن كل الإحسان: وما الخلفاء لو جاروك يوماً ... بمعتلقيك رأياً واعتزاما (٦) ألست أعمهم جوداً وأزكا ... هم عوداً وأمضاهم حساما؟ ولو جمع الأئمة في مقام ... تكون به لكنت لهم إماما ولست أعرف لأبي تمام في الخلافة غير ما قدمته.

стр. 900

* ومن مدح الخلفاء ذكر الملك والدولة قال أبو تمام في المعتصم: بالقائم الثامن اطأدت ... قواعد الملك ممتداً هل الطول (١) بيمن معتصم بالله لا أود ... بالملك مذ ضم قطريه ولا خلل (٢) قوله: «ممتداً له الطول» والطول: الحبل ولا وجه له ها هنا، وليس يريد قواعد الملك ممتداً أزمانه، ولا يصلح في الحال ها هنا، لأن الفعل وهو اطأدت لا يكون عاملاً فيها، لا تقول: قد استقر البناء طويلاً زمانه؛ لأن استقراره ليس هو من طول مدته في شيء، وإنما تقول: قد استقر البناء جيداً عمله، ومتقناً أساسه، أو وثيقاً صنعته، أو أن تقول: طويلاً شرفه أو علوه، وإلى هذا أذهب كأنه أراد واطأدت قواعد الملك ممتداً له الطول أي رسا أصله، وعلا فرعه، كما قال البحتري في المعتز بالله: بك اشتد عظم الملك فيهم فأصبحت ... تقر رواسيه وتعلو مراتبه (٣) فجعل موضع تعلو مراتبه: «ممتداً له الطول»، وهذا غير حسن ولا لائق، بلى، لو قال: «فليمدد له الطول» على الدعاء كان سائغاً، إلا أن الطول ها هنا عل كل حال غير جيد؛ لأنها لفظة مشتركة (٤).

стр. 901

وقال أبو تمام في نحوه: بيمن أبي إسحق طالت يد الهدى ... وقامت قناة الملك واشتد كاهله (١) وهذا بيت جيد، وقد قال قبله:. . .؟ «وأضحى قد شق بازله» (٢) وكان أحدهما يغني عن الآخر. ... وقال البحتري في المعتز: أقام قناة الملك بعد اعوجاجها ... وأربى على شغب العدو المشاغب (٣) وقال البحتري: ملك حصنت عزيمته الملـ ... ـك فأضحت له معاناً وردءاً (٤) وقال في تعظيم الملك في المتوكل: ملك كملك سليمان الذي خضعت ... له البرية قاصيها ودانيها (٥) ... وأجود من هذا قول أبي تمام في المأمون: في دولة لحظ الزمان شعاعها ... فارتد منقلباً بعيني أرمد (٦)

стр. 902

من كان مولده تقدم قبلها ... أو بعدها فكأنه لم يولد (١) وهذا من أجود ما يقال في مدح دولة وأبلغه. ... فأبو تمام في هذا الباب على إساءته في الأبيات المتقدمة أشعر من البحتري.

стр. 903

* م ما يخص أهل بيت النبوة من المدح دون غيرهم ذكر طاعتهم، والمحبة لهم والمعرفة لحقهم فمن ذلك قول البحتري في المتوكل: مخالف أمركم لله عاص ... ومنكر حقكم لاق أثاما (١) وليس بمسلم من لم يقدم ... ولا يتكم ولو صلى وصاما وفيه قوله: نصلي وإتمام الصلاة اعتقادنا ... بأنك عند الله خير إمام (٢) وفيه قوله: فضل الله جعفراً بخصال ... جعلت حبه على الناس فرضاً (٣) وفي المعتز بالله قوله: من أبى حبكم فليس من اللـ ... ـه ولو صام ألف عام وصلى (٤) وقال فيه: قضى الله للمعتز بالله أنه ... هو القائم العدل الرشيد الموفق (٥) محبته فرض من الله واجب ... وعصيانه سخط من الله موبق

стр. 904

وقوله في المهدي (١): أقرت له بالفضل أمة أحمد ... فدان له معوجها وقويمها (٢) ولو جحدته ذلك الحق لم تكن ... لتبرح إلا والنجوم رجومها ... ولست أعرف لأبي تمام في هذه المعاني شيئاً.

стр. 905

* ذكر الآلة التي كانت للنبي ﷺ فصارت إليهم قال البحتري في المتوكل: عليك ثياب المصطفى ووقاره ... وأنت به أولى إذا حصحص الأمر (١) عمامته وسيفه ورداؤه ... وسيماه والهدى المشاكل والنجر وقال فيه: يتولى النبي ما تتولا ... هـ ويرضى من سيرة ما تسير (٢) حزت ميراثه بحق مبين ... كل حق سواه إفك وزور فلك السيف والعمامة والخا ... تم والبرد والعصا والسرير وقال في المهدي بالله: إمام إذا أمضى الأمور تتابعت ... على سنن من قصدها وسدادها (٣) متى يتعمم بالسحاب تلث على ... كفيء لها محتاز إرث اسودادها (٤) وإن يتقلد ذا الفقار يضف إلى ... شجاع قريش في الوغى وجوادها وقال في المعتز: وقد ترك العباس عندك وابنه ... علا طلن مرمى النجم حتى تحيرا (٥) هما ورثاك ذا الفقار وصيرا ... إليك القضيب والرداء المحبرا

стр. 906

وأي سناء لست أهلاً لفضله ... وأولى به من كل حي وأجدرا وأنت ابن من أسقى الحجيج على الظما ... وناشد في المحل السحاب فأمطرا ... وقال أبو تمام في نحو هذا يمدح الواثق: قوم غدا الميراث مضروباً لهم ... سور عليه من القران حصين (١) فيهم سكينة ربهم وكتابه ... وإمامتاه واسمه المخزون فالسكينة وزنها فعلية، من السكون وهو الوقار، وهذه لفظة لا تلائم البيت كل الملاءمة؛ لأنه لا وجه لأن يقول فيهم: وقار ربهم، لا سيما وقد قال: كتابة وإمامتاه واسمه المخزون، فالوقار ليس من هذه الأشياء في شيء (٢). والسكينة التي في قوله : «أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم» (٣)، وقد قيل في تفسيرها: إنها حيوان له وجه مثل وجه الإنسان وقيل: لها رأس مثل رأس الهرة وله جناحان، وقيل: بل هي ريح هفافة، وقيل: هي شيء من أمر الله (٤) فإن كان هذه أراد فما كان ينبغي أن يدعي للقوم (٥) ما لا يدعونه لأنفسهم. وقوله: وإمامتاه يعني النبوة والخلافة. «واسمه المخزون» يعني اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به جل وعز أجاب.

стр. 907

* و من المجد والشرف في مدح الخلفاء ذكر الآثار بالحرم نحو قول البحتري في المعتز: لكم زمزم وأفنية الكعـ ... ـبة والحجر والصفا والمصلى (١) وقوله في المتوكل: نعد لك السقاية والمصلى ... وأركان البنية والمقاما (٢) مكارم قد وزنت بها ثبيرا ... فلم يرجح وطلت بها شماما (٣) وقوله في المتوكل: لكم كل بطحاء بمكة إذ غدا ... لغيركم ظهرانها وجبالها (٤) وأنتم بنو عم النبي محمد ... يمين قريش إذ سواكم شمالها (٥) وقال فيه: شرفاً بني العباس إن أباكم ... عمم النبي وعيصه المتفرغ (٦) إن الفضيلة للذي استسقى به ... عمر وشفع إذ غدا يستشفع من ذا يساجلكم وحوض محمد ... بسقاية العباس فيكم يشفع

стр. 908

وقال في المعتز: إمام هدى تأوي به مكرماته ... إلى مرتع من بطن مكة أفيح (١) له شرف البيت الحرام وفخره ... وزمزم والركن العتيق الممسح أراد شرف زمزم.

стр. 909

* و من باب السؤدد والشرف ذكر علو القدر وعظيم الفضل قال أبو تمام: الله أكبر جاء أكبر من جرت ... فتعثرت في كنهه الأوهام (١) من لا يحيط الواصفون بقدره ... حتى يقولوا قدره إلهام قوله: «الله أكبر»، يقول فيما أظنه عند قدوم المأمون من خراسان، أي الله أكبر من كل أحد، قد جاء أكبر من جرت فتعثرت في كنهه الأوهام. وكنه الشيء: غاية صفته. وقوله: «حتى يقولوا قدره إلهام» من جنونه؛ لأن الإلهام هو ما يلقيه الله، ، في قلب الإنسان حتى يعرفه بغير تعرف، ويعلمه من غير تعلم، فيقول: لا يحاط بقدره إلا أن يكون ذلك إلهاماً من الله، جل وعز، فيعرف. وقدر كل شيء: هو مبلغه، فيقول: سرنا قدر ميل، وقدر فرسخ، وأخذت منه قدر عشرين درهماً، أي مبلغ عشرين. وإنما سمع الناس يقولون هذا أمر لا يقدر قدره، وسمع قول الله : «وما قدروا الله حق قدره» (٢)، قيل في التفسير: ما عرفوه حق معرفته، فأراد أن ينجو بقدر المأمون هذا النحو فأخرجه بهذه العبارة المستكرهة. يريد أن قدره لا يعرف إلا بالإلهام من الله ﷻ .

стр. 910

وقد كان يكفي من هذا العويص الذي جاء به أن يقول كما قال البحتري في المتوكل: وأنت أمين الله بالموضع الذي ... أبي الله أن يسمو إلى قدره قدر (١) فجعل قدره فوق قدر كل ذي قدر، ومثل هذا لا يقال إلا لخليفة أو لأفضل الناس من أهل بيت النبوة. وقد أفرط البحتري في مدح إبراهيم بن المدبر، وإن كان لم يصرح في تفضيل قدره، وذلك قوله: دنوت تواضعاً وعلوت قدراً ... فشأنك انحدار وارتفاع (٢) كذاك الشمس يبعد أن تسامى ... ويدنو الضوء منها والشعاع وما قيل في التواضع ألطف من هذا ولا أحسن، ولو مدح خليفة بالتواضع لما وجد شيئاً يليق به غير هذا الوصف أو معناه. ... وقال أبو تمام في المعتصم مادة (؟) فضل على فضله كل أحد من الناس. إلى قطب الدنيا الذي لو بفضله ... مدحت بني الدنيا كفتهم فضائله (٣) وهذا تفضيل في غاية الاستقصاء والجودة والحسن والصحة، ولا يقال مثله إلا لخليفة من أفضل الخلفاء؛ لقوله: مدحت بني الدنيا.

стр. 911

ومثله في الجودة بل يزيد عليه قول البحتري في المتوكل: يابن عم النبي حقاً، ويا أز ... كى قريش نفساً وديناً وعرضاً (١) بنت بالفضل والعلو فأصبحـ ... ـت سماء وأصبح الناس أرضا ولو قال قائل مثل هذا لغير خليفة لكان قد تجشم أعظم الخطأ إذ ليس أحد من الناس يطالبه بأن يمدحه هذا المدح، ولا أن يفضله هذا التفضيل. وقال البحتري أيضاً في المهدي (٢): أقرت له بالفضل أمة أحمد ... فدان له معوجها وقويمها (٣) والتفضيل الحسن الذي لا غلو فيه وكأن قائله قد غلا قول البحتري أيضاً في أبي ليلى الحارث بن عبد العزيز بن دلف: يبين بالفضل أقوام فيفضلهم ... موحد بغريب الذكر منفرد (٤) توحد القمر الساري بشهرته ... وأنجم الليل نثر حوله بدد ومثله في الحسن قوله في الفتح: ولما جرى في المجد والقوم خلفه ... تغول أقصى جهدهم وهو وادع (٥) وهل يتكافا الناس شتى خلالهم ... وما تتكافا في اليدين الأصابع

стр. 912

وهذا كله عجيب في معانيه ولكنهما في معانيهما حذو على قول معن بن أوس: وما بلغت كف امريء متطاول ... يد المجد إلا حيث ما نلت أطول (١) وما بلغ المهدون في القول مدحة ... ولو أكثروا إلا الذي فيك أفضل (٢)

стр. 913

* و من باب المجد والسؤدد قول أبي تمام في المأمون: هدمت مساعيه وابتنت ... خطط المكارم في عراض الفرقد (١) سبقت خطى الأيام عمرياتها ... ومضت فصارت مسنداً للمسند ما زال يمتحق العلا ويروضها ... حتى اتقته بكيمياء السؤدد (٢) قوله: «سبقت خطى الأيام» أي طاولت الدهر في البقاء، فجعل مطاولتها للدهر سيراً مع الدهر، فلذلك قال: «سبقت خطى الأيام» «عمرياتها»: واحدة عمرية، منسوبة إلى العمر. وقوله: «ومضت فصارت مسنداً للمسند» فالمسند: الدهر، أي صارت دهراً للدهر. وهذا من كلام أهل الوسواس والخطرات وأصحاب السوداء. وقوله: «بكيمياء السؤدد» مما أنكروه عليه. وقد أتى به بكر بن النطاح في موضعه فقال: مدح ابن عيسى قاسم فاشدد به ... كلتا يديك الكيمياء الأعظم (٣) لو لم يكن في الدهر إلا درهم ... ومدحته لأتاك ذاك الدرهم

стр. 914

وقال البحتري في المهتدي: وللمهتدي بالله مجد لو ارتقت ... إليه النجوم رفعة ما تهدت (١) وهذا أبلغ من قول أبي تمام: «وابتنت خطط المكارم في عراض الفرقد» (٢) ... ولهما في السؤدد والمجد والشرف في مدح سائر الناس ما أذكره من بعد تأييد الدين وتقوية أمره. وواجب أن يمدح الخليفة بهذا المعنى. ... قال أبو تمام في مدح المعتصم: بمعتصم قد عصمت به ... عرا الدين والتفت عليه وسائله (٣) وهذا كان يصلح أن يقال لمن له نباهة وديانة وقول بحق، ولكن خصصه بالخليفة قوله: «والتفت عليه وسائله». وقال في الواثق: بهارون عز الدين واشتد ركنه ... ودانت دوانيه وقرب شاسعه (٤) ... وقال البحتري في المتوكل: خلق الله جعفراً قيم الدنـ ... ـيا سدادًا وقيم الدين رشداً (٥)

стр. 915

فاختص هذا القول بالخليفة؛ لأنه جعله قيماً على الدين والدنيا، ولا يجوز أن يقال هذا لغير خليفة إلا أن يكون نائباً عنه. وقال مثل ذلك في المعتز بالله: لقد حمل الخلافة مستقل ... بها وبحقه فيها المبين (١) يسوس الدين والدنيا برأي ... رضاً لله في دنيا ودين وقال عبد الله بن السمط بن مروان في المأمون: أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلاً ... بالدين والناس في الدنيا مشاغيل (٢) فلم يهش له، فشكى ذلك عبد الله، فقيل له: ما زدت على أن جعلته عجوزاً في محرابها ومعها سبحتها. فألا قلت كما قال جرير في عمر بن عبد العزيز (٣): فلا هو الدنيا مضيع نصيبه ... ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله (٤) وقال ابن هرمة: فرغت لدين الله ترفع وهيه ... وما بك عن كسب المحامد من شغل فحذا حذو قول جرير. وقال البحتري أيضاً في المتوكل مما لا يقال لخليفة إلا أن يفرط مفرط فيقوله لغيره:
следующие страницы →