Полный текст (1 636 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
ومثله في الجودة بل يزيد عليه قول البحتري في المتوكل:
يابن عم النبي حقاً، ويا أز ... كى قريش نفساً وديناً وعرضاً (١)
بنت بالفضل والعلو فأصبحـ ... ـت سماء وأصبح الناس أرضا
ولو قال قائل مثل هذا لغير خليفة لكان قد تجشم أعظم الخطأ إذ ليس أحد من الناس يطالبه بأن يمدحه هذا المدح، ولا أن يفضله هذا التفضيل.
وقال البحتري أيضاً في المهدي (٢):
أقرت له بالفضل أمة أحمد ... فدان له معوجها وقويمها (٣)
والتفضيل الحسن الذي لا غلو فيه وكأن قائله قد غلا قول البحتري أيضاً في أبي ليلى الحارث بن عبد العزيز بن دلف:
يبين بالفضل أقوام فيفضلهم ... موحد بغريب الذكر منفرد (٤)
توحد القمر الساري بشهرته ... وأنجم الليل نثر حوله بدد
ومثله في الحسن قوله في الفتح:
ولما جرى في المجد والقوم خلفه ... تغول أقصى جهدهم وهو وادع (٥)
وهل يتكافا الناس شتى خلالهم ... وما تتكافا في اليدين الأصابع
стр. 912
وهذا كله عجيب في معانيه ولكنهما في معانيهما حذو على قول معن بن أوس:
وما بلغت كف امريء متطاول ... يد المجد إلا حيث ما نلت أطول (١)
وما بلغ المهدون في القول مدحة ... ولو أكثروا إلا الذي فيك أفضل (٢)
стр. 913
* و من باب المجد والسؤدد
قول أبي تمام في المأمون:
هدمت مساعيه وابتنت ... خطط المكارم في عراض الفرقد (١)
سبقت خطى الأيام عمرياتها ... ومضت فصارت مسنداً للمسند
ما زال يمتحق العلا ويروضها ... حتى اتقته بكيمياء السؤدد (٢)
قوله: «سبقت خطى الأيام» أي طاولت الدهر في البقاء، فجعل مطاولتها للدهر سيراً مع الدهر، فلذلك قال: «سبقت خطى الأيام» «عمرياتها»: واحدة عمرية، منسوبة إلى العمر.
وقوله: «ومضت فصارت مسنداً للمسند» فالمسند: الدهر، أي صارت دهراً للدهر.
وهذا من كلام أهل الوسواس والخطرات وأصحاب السوداء.
وقوله: «بكيمياء السؤدد» مما أنكروه عليه.
وقد أتى به بكر بن النطاح في موضعه فقال:
مدح ابن عيسى قاسم فاشدد به ... كلتا يديك الكيمياء الأعظم (٣)
لو لم يكن في الدهر إلا درهم ... ومدحته لأتاك ذاك الدرهم
стр. 914
وقال البحتري في المهتدي:
وللمهتدي بالله مجد لو ارتقت ... إليه النجوم رفعة ما تهدت (١)
وهذا أبلغ من قول أبي تمام: «وابتنت خطط المكارم في عراض الفرقد» (٢)
... ولهما في السؤدد والمجد والشرف في مدح سائر الناس ما أذكره من بعد تأييد الدين وتقوية أمره.
وواجب أن يمدح الخليفة بهذا المعنى.
... قال أبو تمام في مدح المعتصم:
بمعتصم قد عصمت به ... عرا الدين والتفت عليه وسائله (٣)
وهذا كان يصلح أن يقال لمن له نباهة وديانة وقول بحق، ولكن خصصه بالخليفة قوله: «والتفت عليه وسائله».
وقال في الواثق:
بهارون عز الدين واشتد ركنه ... ودانت دوانيه وقرب شاسعه (٤)
... وقال البحتري في المتوكل:
خلق الله جعفراً قيم الدنـ ... ـيا سدادًا وقيم الدين رشداً (٥)
стр. 915
فاختص هذا القول بالخليفة؛ لأنه جعله قيماً على الدين والدنيا، ولا يجوز أن يقال هذا لغير خليفة إلا أن يكون نائباً عنه.
وقال مثل ذلك في المعتز بالله:
لقد حمل الخلافة مستقل ... بها وبحقه فيها المبين (١)
يسوس الدين والدنيا برأي ... رضاً لله في دنيا ودين
وقال عبد الله بن السمط بن مروان في المأمون:
أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلاً ... بالدين والناس في الدنيا مشاغيل (٢)
فلم يهش له، فشكى ذلك عبد الله، فقيل له: ما زدت على أن جعلته عجوزاً في محرابها ومعها سبحتها.
فألا قلت كما قال جرير في عمر بن عبد العزيز (٣):
فلا هو الدنيا مضيع نصيبه ... ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله (٤)
وقال ابن هرمة:
فرغت لدين الله ترفع وهيه ... وما بك عن كسب المحامد من شغل
فحذا حذو قول جرير.
وقال البحتري أيضاً في المتوكل مما لا يقال لخليفة إلا أن يفرط مفرط فيقوله لغيره:
стр. 916
حلفت بمن أدعوه رباً ومن له ... صلاتي ونسكي خالصاً وصيامي (١)
لقد حطت دين الله خير خياطة ... وقمت بأمر الله خير قيام
وقال البحتري في المتوكل:
علم الله كيف أنت فأعطا ... ك المحل الرفيع من سلطانه (٢)
جعل الدين في ضمانك والدنـ ... ـيا فعش سالماً لنا في ضمانه
وهذا لا يكون إلا لخليفة.
وقال في المعتز بالله:
ما زال يكلأ ديننا ويحوطه ... بالمشرفية والوشيج الذبل (٣)
وهذا يصلح أن يقال لبعض ولاة الثغور وغيرهم من الولاة يخص الخليفة.
وليس ذلك بعيب في مدح الخلفاء، ولكن إذا كان مما يخص الخليفة دون غيره كان ذلك أمدح له.
والعيب على الشاعر أن يمدح غير الخليفة بما لا يستحقه إلا الخليفة.
وقال في المهتدي بالله مما يختص بالخليفة:
هنتك أمير المؤمنين مواهب ... من الله مشكور لديك جسيمها (٤)
وتأييد دين الله إذ رد أمره ... إليك فروي في الأمور عليمها
فخصصه قوله: «وتأييد دين الله إذ رد أمره إليك».
стр. 917
وقال أبو تمام في تقوية الإسلام:
أمسى بك الإسلام بدراً بعدما ... محقت بشاشته محاق هلال (١)
أكملت منه كل كل نقص بعدما ... نقصته أيدي الكفر بعد كمال (٢)
ألبسته أيامك الغر التي ... أيام غيرك عندهن ليال
إنما قال: «أمسى» ولم يقل أضحى من أجل قوله: «بدراً»؛ لأن البدر لا ضوء له في الضحى.
وهذا يصلح أن يقال لوزير ولوالي الثغور، وإن كان في غاية الجودة.
وقال البحتري في المتوكل:
يا كالي الإسلام في غفلاته ... ومقيم نهجي حجه وجهاده (٣)
وقال أبو تمام في مديح محمد بن عبد الملك:
إن الخليفة قد عزت بدولته ... دعائم الدين فليعزز به الأدب (٤)
ودعائم الدين قد توصف بأنها ثبتت، وتمكنت، وأقامت، وتوطدت، فهذا هو اللفظ المستعمل فيها، ألا ترى أنها إذا وصفت بضد هذا الوصف قيل: وهت، وسقطت، وخرت، ولا يقال: ذلت، وإنما قال: «عزت» من أجل قوله: «فليعزز به الأدب» وهذا وإن لم يكن خطأ فليس بالجيد؛ لأنه لفظ موضوع في غير موضعه.
стр. 918
وقال أبو تمام في إسحاق بن إبراهيم المصعبي:
ترضى السيوف به في الروع منتصراً ... ويعضب الدين والدنيا إذا غضبا (١)
وهذا مدح لا يليق إلا بأفضل الخلفاء، وسبيل الشاعر أن يتفقد مثل هذا؛ فقد جرت به على قوم من الشعراء سلكوا دون هذا المسلك مكاره، وكان الحرمان أحسن أحوالهم التي عادوا بها.
ونحو هذا قوله في محمد بن يوسف:
حياتك للدنيا حياة ظليلة ... وفقدك للدنيا فناء مواشك (٢)
وهذا عموم؛ لذكره الدنيا ولا يصلح أن يكون إلا لخليفة، أو من ينفد في أكثر بلاد الله أمره.
وهذا متجاوز لقدر محمد بن يوسف، وفي الممادح التي ترضى الممدوحين متسع.
... وهو في هذا الباب أشعر من البحتري.
стр. 919
* ومما يجب في مدح الخلفاء، كانت تلك حالهم أو لم تكن، ذكر التقى والورع
قال أبو تمام في المأمون:
يتجنب الآثام ثم يخافها ... فكأنما حسناته آثام (١)
هذا وصف لطاعة الله حسن مستقصى، ولكنه ألم بمعنى قول أبي العتاهية:
يعتد بإحسان كل محسن ... إليه بعد إساءة كان منه (؟)
وعكس أبو تمام المعنى:
لم تنتقصني إذا أسأت وزدتني ... حتى كأن إساءتي إحساني
بيت أبي تمام هذا من بيت أبي العتاهية (٢).
... وقال البحتري في المهتدي بالله:
مزايد نفس في تقى الله لم تدع ... له غاية في جدها واجتهادها (٣)
وما نقلت منه الخلافة شيمة ... وقد مكنته عنوة من قيادها (٤)
ولا مالت الدنيا به حين أشرقت ... له في تناهي حسنها واحتشادها
стр. 920
وقال في المعتمد:
ملك تحييه الملوك ودونه ... سيما التقى وتخشع الزهاد (١)
متهجد يخفي الصلاة وقد أبى ... إخفاءها أثر السجود البادي (٢)
وقال في المهدي (٣):
فضل الأنام أرومة محمودة ... وتقى وأنعم في الأنام وافضلا (٤)
وقال في المعتز بالله:
يتقبل المعتز فضل جدوده ... بخلال محمود الخلال موفق (٥)
ويظل يخشى في الإله ويتقى ... فيه كما يخشى الإله ويتقى (٦)
... ومع وصف الخليفة بالتقى والورع يجب أن يوصف بالرأفة والرحمة.
قال أبو تمام في المعتصم:
رعى الله فيه للرعية رأفة ... تزايله الدنيا وليست تزايله (٧)
فأضحى وقد فاضت إليه قلوبهم ... ورحمته فيهم تفيض ونائله (٨)
فقوله: «فاضت إليه قلوبهم» ليس بالجيد؛ لأن هذه لفظة غير مستعملة في مثل هذا، وإنما قال ذلك من أجل قوله: «ورحمته فيهم تفيض».
стр. 921
وقال في الواثق:
فغدوا وقد وثقوا برأفة واثق ... بالله طائره لهم ميمون (١)
... وقال البحتري في المتوكل:
يحببه عند الرعية أنه ... يذبب عن أعراضهم ويحامي (٢)
وأن له عطفاً عليهم ورأفة ... وفضل أياد بالعطاء جسام (٣)
... وليس لأحدهما فضل في هذا الباب على صاحبه.
стр. 922
* ما قالاه في الجمال والجلال والهيبة والبهاء والجهارة
قال أبو تمام:
إنا غدونا واثقين بواثق ... بالله شمس ضحى وبدر تمام (١)
ثم قال بعد في القصيدة:
ما أحسب البدر المنير إذا بدا ... بدراً بأضوأ منك في الأوهام (٢)
قوله: «في الأوهام» قد عيب به، وقيل لم يجعله مضيئاً في العين، وجعله مضيئاً في الأوهام، والذي ذهب إليه أبو تمام معنى صحيح؛ لأن وجه الإنسان لا يكون أضوأ من البدر، فجعله أضوأ منه في الصدور وفي النفوس، يريد الجلال والهيبة.
وأجود من هذا قول محمد بن وهيب:
تعظمه الأوهام قبل عيانه ... ويصدر عنه الطرف والطرف حاسر
وأحسن من قول ابن (٣) وهيب قول الأحوص:
تراهم خضع الأبصار هيبته ... كما استكان لضوء الشارق الرمد
... وقال أبو تمام في خالد بن يزيد بن مزيد:
كالبدر حسناً وقد يعاوده ... عبوس ليث العرين في عبده (٤)
стр. 923
كالسيف يعطيك ملء عينيك من ... فرنده تارة ومن ربده (١)
وهذا غاية في حسنه وصحته وبراعته.
وقال جعفر الخياط:
فتى في يديه البأس يضحك والندى ... وفي سرحه بدر وليث غضنفر (٢)
وهذا مأخوذ من قول مسلم بن الوليد:
تمضي المنايا كما تمضي أسنته ... كأن في سرحه بدراً وضرغاما (٣)
وقد أحسن محمد بن وهيب كل الإحسان في قوله:
وكأن ضوء جبينه قمر ... وكأن سائر خلقه أسد
... وقال أبو تمام في خالد بن يزيد بن مزيد:
وقد كان مما يضيء السريـ ... ـر والبهو يملؤه بالبهاء (٤)
مضى خالد بن يزيد بن مز ... يد قمر الليل شمس الضحاء
وهذا يمر في المراثي.
... وقال البحتري في المهتدي بالله:
زاد في بهجة الخلافة نوراً ... فهو شمس النهار وهي نهار (٥)
طلعة تملأ القلوب ووجه ... خشعت دون ضوئه الأبصار
стр. 924
ذكروا الهدى من أبيك وقالوا ... هو ذاك السيما وذاك النجار (١)
وعليهم سكينة لك إلا ... مد أيد يوماً بها ويشار
بهتوا حيرة وصمتاً فلو قيـ ... ـل أحيروا مقالة ما أحاروا (٢)
وقليل إن أكبروك لك الهيـ ... ـبة ممن رآك والإكبار
وقال في المتوكل لما خرج لصلاة العيد:
وافتن فيك الناظرون فإصبع ... يوماً إليك بها وعين تنظر (٣)
يجدون رؤيتك التي فازوا بها ... من أنعم الله التي لا تكفر
ذكروا بطلعتك النبي فهللوا ... لما طلعت من الصفوف وكبروا
حتى انتهيت إلى المصلى لابساً ... نور الهدى يبدو عليك ويظهر
ومشيت مشية خاشع متواضع ... لله لا يزهو ولا يتكبر (٤)
ولو أن مشتاقاً تكلف فوق ما ... في وسعه لمضى إليك المنبر (٥)
وقال فيه لما دخل عليه وفد الروم:
وأيت وفد الروم بعد عنادهم ... عرفوا فضائلك التي لا تجهل (٦)
لحظوك أول لحظة فاستصغروا ... من كان يعظم فيهم ويبجل
ورأوك وضاح الجبين كما يرى ... قمر السماء السعد ساعة يكمل (٧)
стр. 925
نظروا إليك فقدسوا لو أهم ... نظقوا الفصيح لكبروا ولهللوا
حضروا السماط فكلما راموا القرى ... مالت بأيديهم عقول ذهل
تهوي أكفهم إلى أفواههم ... فتجور عن قصد السبيل وتعدل (١)
متحيرين فباهت متعجب ... مما يرى أو ناظر متأمل (٢)
ويود قومهم الأولي بعثوهم ... لو ضمهم بالأمس ذاك المحفل (٣)
قد نافس الغيب الحضور على الذي ... شهدوا وقد حسد الرسول المرسل
قوله: «باهت»، من بهت يبهت وقد قيلت وهي رديئة والجيد بهت يبهت.
وقال في المعتز:
يبهت الوفد في أسرة وجه ... ساطع الضوء مستنير الشعاع (٤)
وقال فيه:
إذا نظر الوفود إليه فقالوا ... أبدر الليل أم شمس النهار (٥)
وأجود من هذا قول ابن هرمة:
لا يرفعون إليه الطرف خشيته ... لا خوف بأس ولكن خوف أجلال
وأجود من هذا قول طريح الثقفي:
يعروهم أفكل لديك كما ... قفقف تحت الدجنة الصرد (٦)
لا خوف ظلم ولا قلى خلق ... لكن خلال كساكه الصمد
стр. 926
وأصل الباب كله قول الحزين الكناني:
يغضي حياء ويغضي من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم (١)
... وقال في المتوكل:
اليوم أطلع للخلافة سعدها ... وأضاء فيها بدرها المتهلل (٢)
لبست جلالة جعفر فكأنها ... سحر تجلله النهار المقبل (٣)
وقال في المعتز ويذكر الزو (٤):
ولم أر كالمعتز إذ راح موفياً ... عليه بوجه لاح في الرونق النضر (٥)
ملياً بأن يجلو الظلام بغرة ... تخضع إكباراً لها غرة الفجر
إذا اهتز غب الأريحية والندى ... وأسفر في ضوء الطلاقة والبشر (٦)
стр. 927
وقابله بدر السماء بحسنه ... فبدر على بدر وبحر على بحر
رأيت بهاء الملك مجتمعاً له ... وديباجة الدنيا ومكرمة الدهر
وقال فيه:
ملك يملأ العيون بهاء ... حين يبدو في تاجه المعقود (١)
والخلفاء وملوك الإسلام لا يلبسون التيجان، وأظنها كانت يتخذها الأحداث منهم فيلبسونها في خلواتهم، ومع نسائهم، ومن لا يحتشمونه من ندمائهم، فأما القلانس المعممة التي ترصع بالجوهر فلا شك فيها، ومن ذكر تيجان الخلفاء من الشعراء فلعله رأى على رؤسهم هذا الجنس، فقد قال البحتري أيضاً في المهتدي ينفي عنه لبس التاج:
لسجادة السجاد أحسن منظراً ... من التاج في أحجاره وأتقادها (٢)
وقال في المعتز:
كأنما التاج إذا ما علا ... غرته بالدور الزهر (٣)
كواكب الفكة في أفقها ... دنت فحفت غرة البدر (٤)
وقد تقدم من إنكار عبد الملك بن مروان على ابن الرقيات قوله:
* يعتدل التاج فوق مفرقه *
стр. 928
فأما الجلال والبهاء والهيبة وسائر ما مضى من ذلك في هذا الباب فإنه واجب في مدح الخلفاء والملوك والعظماء؛ لأنه من الأوصاف التي تخصهم، ويحسن موقع ذكرها عندهم.
وكذلك جمال الوجه وحسنه مما يجب المدح به؛ فإن الوجه الجميل يزيد في الهيبة، ويتيمن به العرب؛ لأنه يدل على الخصال المحمودة، كما أن قبح الوجه والدمامة يسقط الهيبة، ويدل على الخصال المذمومة، وذلك ما تكرهه العرب، وتتشاءم به؛ لأن أول ما تلقاه من الإنسان وتعاينه وجهه.
ألا ترى إلى قول البحتري:
أغر كبارق الغيث المرجى ... يحبب في الأباعد والأداني (١)
تخاضعت الوجوه لحسن وجه ... يدل على خلائقه الحسان
وقال في مثل ذلك:
حسن الوجه والرواء وكم د ... ل على سؤدد الشريف رواؤه (٢)
ماء وجه إذا تبلج أعطا ... ك أماناً من نبوة الدهر ماؤه
يتعالى ضياؤه فيجلى ... طخية الحادث المضب ضياؤه (٣)
... وقد غلط بعض المتأخرين في هذا الباب ممن ألف في نقد الشعر كتاباً غلطاً فاحشاً (٤)، فذكر أن المدح بالحسن والجمال، والذم بالقبح والدمامة ليس بمدح على الحقيقة، ولاذم على الصحة، وخطأ كل من يمدح
стр. 929
بهذا أو يذم بذاك، فعدل بهذا المعنى عن مذاهب الأمم كلها عربيها وعجميها، وأسقط أكثر مدح العرب وهجائها، وقد بينت قبح غلطه في تبييناً شافياً مستقصى في كتاب منفرد (١).
... وقال البحتري يمدح المعتز ويذكر ابنه عبد الله:
عليه من المعتز بالله بهجة ... أضاءت فلو يسري بها الركب لاهتدى (٢)
يروق العيون الناظرات بطلعة ... من الحسن لو وافى بها البدر ما عدا (٣)
تأمل أمين الله فرط جلالة ... رائعة تبدو عليه إذا بدا
وقد تصرف البحتري في المدح بالجمال والهيبة والجلال تصرفاً كثيراً في غير مدح الخلفاء، فقال في الفضل بن إسماعيل الهاشمي:
لا تطلبن له الشبيه فإنه ... قمر التأمل مزنة التأميل (٤)
وقال في الفتح بن خاقان:
تكشف الليل من لألاء غرته ... عن بدر داجيه أو شمس إصباح (٥)
وقال يمدحه:
ويبتدر الراءون منه إذا بدا ... سنا قمر من سدة الملك مطلع (٦)
стр. 930
يقومون من بعد إذا بصروا به ... لأبلج من نور الجلالة أروع (١)
ويدعون بالأسماء مثنى وموحداً ... إذا حضروا باب الرواق المرفع (٢)
إذا سار كف اللحظ عن كل مبصر ... سواه وغض الصوت عن كل مسمع (٣)
فلست ترى إلا إفاضة شاخص ... إليه بعين أو مشير بإصبع
الإفاضة: الدفع، يريد أنه يدفع ببصره إليه، وينحو به نحوه.
والإفاضة في الكلام أن يدفعوا أيضاً القول، ويبعثوا الكلام، وهذه هيبة وجلال ما وراءها غاية، وكان المتوكل أولى بهذا الوصف من الفتح وإن كان الفتح أوفر وأهيب.
... وقال البحتري في دخوله إلى الفتح:
ولما حضرنا سدة الإذن أخرت ... رجال عن الباب الذي أنا داخله (٤)
فأفضيت ممن ثقرب إلى ذي مهابة ... أقابل بدر الأفق حين أقابله
فسلمت واعتاقت جناني هيبة ... تنازعني القول الذي أنا قائله
فلما تأملت الطلاقة وانثنى ... إلي ببشر آنستني مخايله
دنوت فقبلت الندى في يد امريء ... جميل محياه سباط أنامله (٥)
صفت مثلما تصفوا المدام خلاله ... ورقت كما رق النسيم شمائله (٦)
هكذا لعمري تمدح الملوك.
стр. 931
وقال فيه:
مهيب تعظم العلماء منه ... جلالة أروع واري الزناد (١)
يؤدون التحية من بعيد ... إلى قمر من الإيوان باد
قيام في المراب أو قعود ... سكون من أناة واتئاد
فليس اللحظ بالمكرور شزراً ... ولا الحديث بمستعاد (٢)
... وقال فيه أيضاً لما دخلت إليه بنو تغلب بعدما أصلح بينهم حتى سكنت حربهم، يقول ذلك في قصيدته المنصفة:
تراءوك من أقصى السماط فقصروا ... خطاهم وقد جازوا الستور وهم عجل (٣)
إذا قلبوا أبصارهم من مهابة ... ومالوا بلحظ خلت أنهم قبل (٤)
وهذا من فاخر المدح ومصيب الوصف.
وفي اقتصاص مثل هذه الأحوال التي تشاهد يظهر (٥) حذق الشاعر وبراعته.
والله الموفق.
стр. 932
الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري
لأبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي
ت: ٣٧٠ هـ
стр. 933
صفحة فارغة
стр. 934
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
* ما قالاه في الجمال والجلال والهيبة والبهاء والجهارة
قال أبو تمام:
إنا غدونا واثقين بواثق ... بالله شمس ضحى وبدر تمام
ثم قال بعد في القصيدة:
ما أحسب البدر المنير إذا بدا ... بدراً بأضوأ منك في الأوهام
قوله: «في الأوهام» قد عيب به، وقيل لم يجعله مضيئًا في العين، وجعله مضيئًا في الأوهام، والذي ذهب إليه أبو تمام معنى صحيح؛ لأن وجه الإنسان لا يكون أضوأ منه في الصدور وفي النفوس، يريد الجلالة والهيبة.
وأجود من هذا قول محمد بن وهيب:
تعظمه الأوهام قبل عيانه ... ويصدر عنه الطرف والطرف حاسر
وأحسن من قول ابن وهيب قول الأحوص:
تراهم خضع الأبصار هيبته ... كما استكان لضوء الشارق الرمد
وقال أبوتمام في خالد بن يزيد بن مزيد:
стр. 935
وقال أبو تمام في خالد بن يزيد بن مزيد:
كالبدر حسناً وقد يعاوده ... عبوس ليث العرين في عبده
كالسيف يعطيك ملء عينيك من ... فرنده تارة ومن ربده
وهذا غاية في حسنه وصحته وبراعته.
وقال في جعفر الخياط:
فتى في يديه البأس يضحك والندى ... وفي سرجه بدر وليث غضنفر
وهذا مأخوذ من قول مسلم بن الوليد:
تمضي المنايا كما تمضي أسنته ... كأن في سرجه بدرًا وضرغاما
وقد أحسن محمد بن وهيب كل الإحسان في قوله:
وكأن ضوء جبينه قمر ... وكأن سائر خلقه أسد
وقال أبو تمام في خالد بن يزيد بن مزيد:
وقد كان مما يضيء السريـ ... ـر والبهو يملؤه بالبهاء
مضى خالد بن يزيد بن مز ... يد قمر الليل شمس الضحاء
وهذا يمر في «المراثي».
وقال البحتري في المهتدي بالله:
زاد في بهجة الخلافة نورًا ... فهو شمس النهار وهي نهار
стр. 936
طلعة تملأ القلوب ووجه ... خشعت دون ضوئه الأبصار
ذكروا الهدى من أبيك وقالوا ... هو ذاك السيما وذاك النجار
وعليهم سكينة لك إلا ... مد أيد يومًا بها ويشار
بهتوا حيرة وصمتًا فلو قيـ ... ـل أحيروا مقالة ما أحاروا
وقليل إن أكبروك لك الهيـ ... ـبة ممن رآك والإكبار
وقال في المتوكل لما خرج لصلاة العيد:
وافتن فيك الناظرون فإصبع ... يومًا إليك بها وعين تنظر
يجدون رؤيتك التي فازوا بها ... من أنعم الله التي لا تكفر
ذكروا بطلعتك النبي فهللوا ... لما طلعت من الصفوف وكبروا
حتى انتهيت إلى المصلى لابسًا ... نور الهدى يبدو عليك ويظهر
ومشيت مشية خاشع متواضع ... لله لا يزهو ولا يتكبر
ولو أن مشتاقًا تكلف فوق ما ... في وسعه لمضى إليك المنبر
وقال فيه لما دخل عليه وفد الروم:
ورأيت وفد الروم بعد عنادهم ... عرفوا فضائلك التي لا تجهل
لحظوك أول لحظة فاستصغروا ... من كان يعظم فيهم ويبجل
ورأوك وضاح الجبين كما يرى ... قمرالسماء السعد ساعة يكمل
نظروا إليك فقدسوا ولو أنهم ... نطقوا الفصيح لكبروا ولهللوا
стр. 937
حضروا السماط فكلما رامو القرى ... مالت بأيديهم عقول ذهل
تهوي أكفهم إلى أفواههم ... فتجور عن قصد السبيل وتعدل
متحيرين فباهت متعجب ... مما يرى أو ناظر متأمل
ويود قومهم الألي بعثوهم ... لو ضمهم بالأمس ذاك المحفل
قد نافس الغيب الحضور على الذي ... شهدوا وقد حسد الرسول المرسل
قوله: «باهت»، من بهت يبهت وقد قيلت، وهي رديئة، والجيد بهت يبهت.
وقال في المعتز:
يبهت الوفد في أسرة وجه ... ساطع الضوء مستنير الشعاع
وقال فيه:
إذا نظر الوفود إليه قالوا ... أبدر الليل أم شمس النهار
وأجود من هذا قول ابن هرمة:
لا يرفعون إليه الطرف خشيته ... لا خوف بأسٍ ولكن خوف إجلال
وأجود من هذا قول طريح الثقفي:
يعروهم أفكل لديك كما ... قفقف تحت الدجنة الصرد
لا خوف ظلم ولا قلى خلق ... لكن جلال كساكه الصمد
стр. 938
وأصل الباب كله قول الحزين الكناني:
يغضي حياءً من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم
وقال في المتوكل:
اليوم أطلع للخلافة سعدها ... وأضاء فيها بدرها المتهلل
لبست جلالة جعفر فكأنها ... سحر تجلله النهار المقبل
وقال في المعتز ويذكر الزو:
ولم أر كالمعتز إذ راح موفيًا ... عليه بوجه لاح في الرونق النضر
مليًا بأن يجلو الظلام بغرة ... تخاضع إكبارًا لها غرة الفجر
إذا اهتز غب الأريحية والندى ... وأسفر في ضوء الطلاقة والبشر
стр. 939
وقابله بدر السماء بحسنه ... فبدر على بدر وبحر على بحر
رأيت بهاء الملك مجتمعًا له ... وديباجة الدنيا ومكرمة الدهر
وقال فيه:
ملك يملأ العيون بهاء ... حين يبدو في تاجه المعقود
والخلفاء وملوك الإسلام لا يلبسون التيجان، وأظنها كانت يتخذها الأحداث منهم فيلبسونها في خلواتهم، ومع نسائهم، ومن لا يحتشمونه من ندمائهم، فأما القلانس المعممة التي ترصع بالجوهر فلا شك فيها. ومن ذكر تيجان الخلفاء من الشعراء فلعله رأى على رؤسهم هذا الجنس، فقد قال البحتري أيضًا في المهتدي ينفي عنه لبس التاج:
لسجادة السجاد أحسن منظرًا ... من التاج في أحجاره واتقادها
وقال في المعتز:
كأنما التاج إذا ما علا ... غرته بالدرر الزهر
كوكب الفكة في أفقها ... دنت فحفت غرة البدر
وقد تقدم من إنكار عبد الملك بن مروان على ابن الرقيات قوله:
* يعتدل التاج فوق مفرقه *
стр. 940
فأما الجلال، والبهاء، وسائر ما مضى من ذلك في هذا الباب، فإنه واجب في مدح الخلفاء والملوك والعظماء؛ لأنه من الأوصاف التي تخصهم، ويحسن موقع ذكرها عندهم، وكذلك جمال الوجه وحسنه مما يجب المدح به؛ فإن الوجه الجميل يزيد في الهيبة، ويتيمن به العرب؛ لأنه يدل على الخصال المحمودة، كما أن قبح الوجه والدمامة يسقط الهيبة، ويدل على الخصال المذمومة، وذلك ما تكرههه العرب، وتتشاءم به؛ لأن أول ما تلقاه من الإنسان وتعاينه وجهه، ألا ترى إلى قول البحتري:
أغر كبارق الغيث المرجى ... يحبب في الأباعد والأداني
تخاضعت الوجوه لحسن وجه ... يدل على خلائقه الحسان
وقال في مثل ذلك:
حسن الوجه والرواء وكم د ... ل على سؤدد الشريف رواؤه
ماء وجه إذا تبلج أعطا ... ك أمانًا من نبوة الدهر ماؤه
يتعالى ضياؤه فيجلي ... طخية الحادث المضب ضياؤه
وقد غلط بعض المتأخرين في هذا الباب - ممن ألف في «نقد الشعر» كتابًا- غلطاً فاحشاً، فذكر أن المدح بالحسن والجمال، والذم بالقبح والدمامة ليس بمدح على الحقيقة، ولا ذم على الصحة، وخطأ كل من يمدح بهذا أو يذم بذاك،
стр. 941
فعدل بهذا المعنى عن مذاهب الأمم كلها عربيها وعجميّها، وأسقط أكثر مدح العرب وهجائها، وقد بينت قبح غلطه في هذا تبيينًا شافيًا مستقصى في كتاب منفرد.
وقال البحتري يمدح المعتز ويذكر ابنه عبد الله:
عليه من المعتز بالله بهجة ... أضاءت فلو يسري بها الركب لاهتدى
يروق العيون الناظرات بطلعة ... من الحسن لو وافى بها البدر ما عدا
تأمل أمين الله فرط جلالة ... وأبهة تبدو عليه إذا بدا
... وقد تصرف البحتري في المدح بالجمال والهيبة والجلال تصرفًا كثيرًا في غير مدح الخلفاء، فقال في الفضل بن إسماعيل الهاشمي:
لا تطلبن له الشبيه فإنه ... قمر التأمل مزنة التأميل
وقال في الفتح بن خاقان:
تكشف الليل من لألاء غرته ... عن بدر داجية أو شمس إصباح
وقال يمدحه:
ويبتدر الراءون منه إذا بدا ... سنا قمر من سدة الملك مطلع
стр. 942
يقومون من بعد إذا بصروا به ... لأبلج من نور الجلالة أروع
ويدعون بالأسماء مثنى وموحدًا ... إذا حضروا باب الرواق المرفع
إذا سار كف اللحظ عن كل مبصر ... سواه وغض الصوت عن كل مسمع
فلست ترى إلا إفاضة شاخص ... إليه بعين أو مشير بإصبع
الإفاضة: الدفع، يريد أنه يدفع ببصره إليه وينجو به نحوه.
والإفاضة في الكلام: أن يدفعوا أيضًا القول، ويبعثوا الكلام، وهذه هيبة وجلال ما وراءهما غاية.
وكان المتوكل أولى بهذا الوصف من الفتح أوقر وأهيب.
وقال البحتري في دخوله إلى الفتح:
ولما حضرنا سدة الإذن أخرت ... رجال عن الباب الذي أنا داخله
فأفضيت من قرب إلى ذي مهابة ... أقابل بدر الأفق حين أقابله
فسلمت وأعتاقت جناني هيبة ... تنازعني القول الذي أنا قائله
فلما تأملت الطلاقة وأنثنى ... إلى ببشر آنستني مخايله
دنوت فقبلت الندى في يد امريء ... جميل محياه سباط أنامله
صفت مثل ما تصفو المدام خلاله ... ورقت كما رق النسيم شمائله
هكذا - لعمري- تمدح الملوك.
стр. 943
وقال فيه:
مهيب يعظم العلماء منه ... جلالة أروع واري الزناد
يؤدون التحية من بعيد ... إلى قمر من الإيوان باد
قيام في المراتب أو قعود ... سكون من أناة واتئاد
فليس اللحظ بالمكرر شزرًا ... إليه ولا الحديث بمستعاد
وقال فيه أيضاً لما دخلت إليه بنو تغلب بعدما أصلح بينهم حتى سكنت حربهم، يقول ذلك في قصيدته المنصفة:
تراءوك من أقصى السماط فقصروا ... خطاهم وقد جازوا الستور وهم عجل
إذا قلبوا أبصارهم من مهابة ... ومالوا بلحظ خلت أنهم قبل
وهذا من فاخر المدح، ومصيب الوصفن وفي اقتصاص مثل هذه الأحوال التي تشاهد يظهر حذق الشاعر وبراعته.
стр. 944
وقال البحتري في الفتح:
تلفت فوق العالمين فطالهم ... تشوف بسام إلى الوفد قاعد
جهير الخطاب يخفض القوم عنده ... معاريض قول كالرياح الرواكد
يخصون بالتبجيل أطولهم يدًا ... وأظهرهم أكرومة في المشاهد
ولم أر أمثال الرجال تفاوتت ... إلى الفضل حتى قيس ألف بواحد
وقال في عبيد الله بن عبد الله بن طاهر حين قدم بغداد:
وتعطف أثناء السرداق حوله ... على قمر تنجاب عنه سدولها
إذا القوم قاموا يرقبون بدوه ... بدا حسن الأخلاق فيهم جميلها
стр. 945
كأنهم عند استلام ركابه ... غضائب عند البيت حان قفولها
إذا ازدحموا قدامه ووراءه ... مشوا مشية يأبى الأناة عجولها
وقال أبو عمرو والمفضل: كثير أشعر الناس في وصف الهيبة إذ يقول:
شهدت ابن ليلى في مواطن قد خلت ... يزيد بها ذا الحلم حلمًا حضورها
فلا هاجرات القول يورثن عنده ... ولا كلمات النصح ملقى مشيرها
ترى القوم يخفون المواعظ عنده ... وينذرهم عور الكلام نذيرها
وقد أحسن ذو الرمة كل الإحسان إذ يقول في مدح بلال بن أبي بردة:
من آل أبي موسى ترى القوم حوله ... كأنهم الخربان أبصرن بازيا
مرمين من ليث عليه مهابة ... تفادى الأسود الغلب منه تفاديا
فما يغربون الضحك إلا تبسمًا ... ولا ينسبون القول إلا تناجيا
لدى ملك يعلو الرجال بضوئه ... كما بهر البدر النجوم السواريا
ولا الفحش فيه يرهبون ولا الخنا ... عليهم ولكن هيبة هي ما هيا
стр. 946
«المرم»: الساكت المطرق، وقوله: «يغربون» من أغرب في الضحك واستغرب إذا أكثر، و «وينسبون»: يتكلمون كلامًا خفيًا، وهذا مثل قول كثير:
ترى القوم يخفون المواعظ عنده
وليس هذا ولا قول كثير بأجود ولا أبلغ من قول البحتري في الفتح بن خاقان.
وقال أبو العتاهية في الهادي:
يضطرب الخوف والرجاء إذا ... حرك موسى القضيب أو فكر
وإنما حذاه على قول ابن هرمة في المنصور:
له لحظات عن حفافي سريره ... إذا كرها منها عقاب ونائل
стр. 947
* إفاضة العدل وإقامة الحق:
«...... ؟» بما قالوه في الخلفاء.
وقال أبو تمام في المأمون:
يأ أيها الملك الهمام وعدله ... ملك عليه في القضاء همام
ما زال حكم الله يشرق وجهه ... في الأرض مذ نيطت بك الأحكام
قوله: «يشرق في الأرض» عموم يليق بالخليفة، ولكن لا يقبح أن يوصف به وزير أو من يقوم مقامه، لأن الخليفة ينوط أمر الأحكام وغير الأحكام به.
وقوله: «وعدله ملك» ليس بمنكر أن يجعل العدل ملكًا على الحقيقة إذا كان يتدبر بإفاضته واستعماله، فلم يقنع بهذه الاستعارة حتى جعل العدل ملكاً همامًا من أجل قوله: «يا أيها الملك الهمام»، على مذهبه في رديء الاستعارة.
والهمام: ذو الهمة البعيدة، ويقال: الذي إذا همَّ بشي أمضاه ولم يتعذر عليه.
والجيد النادر في إفاضة العدل قول منصور:
لقد شمل البرية منه عدل ... سيجعله أئمتهم مثالا
يقدم عفوه وإذا استخفوا ... نكال عقوبة مطل النكالا
وقال أبو تمام في المعتصم:
جلا ظلمات الظلم عن وجهه أمة ... أضاء لها من كوكب الحق آفله
стр. 948
وقام فقام العدل في كل بلدة ... خطيباً وأضحى الملك قد شق بازله
وجرد سيف الحق حتى كأنه ... من السل موذ جفنه وحمائله
البيت الأول والثاني جيدان في مدح الخلفاء، وقوله في البيت الثالث: «من السل» لفظ غير جيد ولا متمكن.
وقال أيضًا المعتصم:
سكن الزمان فلا يد مذمومة ... للحادث ولا سوام يذعر
في الأرض من عدل الإمام وجوده ... ومن النبات الغض سرج تزهر
البيت الاول في غاية الجودة، والثاني في غاية الركاكة لأنه من ألفاظ العوام.
وقال البحتري في المتوكل:
تحسنت الدنيا بعدلك فاغتدت ... وآفاقها بيض وأكنافها خضر
هنيئًا لأهل الشام أنك سائر ... إليهم مسير الشمس يتبعها القطر
وهذا في غاية الحسن والحلاوة، وقال فيه:
أظهر العدل فاستنارت به الأر ... ض وعم البلاد غورًا ونجدا
وهذا عموم لا يحسن أن يقال إلا لخليفة، أو ولي عهد أو وزير.
وقال في المتوكل:
ما ضيع الله في بدو ولا حضر ... رعية أنت بالإحسان راعيها
وأمة كان قبح الجور يسخطها ... دهرًا فأصبح حسن العدل يرضيها
стр. 949
وقال في المعتز:
إمام هدى عم البرية عدله ... فأضحى لديه آمنًا كل راهب
وردت وما كانت ترد بعدله ... ظلامات قوم مظلمات المطالب
وقال في المهتدي:
ملي بنصر الحق والحق واحد ... إذا عصبة يومًا لظلم تصدت
وتأييده حكم الهدى بخشونة ... من الجد لو مرت على الصخر خدت
وهذا في غاية الجودة إلا أنه خال من العموم، ويصلح أن يمدح به قاض وغيره من الولاة.
وقال فيه:
بالمهتدي بالله والهادي به ... أرست قواعد ديننا فتأثلا
ورث النبي سجية مرضية ... وطريقة قصداً وقولاً فيصلا
فإذا قضى في المشكلات ترادفت ... حكم تريك الوحي كيف ينزلا
وقال فيه:
أسفت لأقوام ملكت بعيدهم ... وكانت دجت أيامهم فاسوأدت
стр. 950
مضوا لم يروا من حسن عدلك منظرًا ... ولم يلبسوا نعماك حين استنجدت
ولم يعلموا أن المكارم أبديت ... جذاعًا ولا أن المظالم ردت
وقال فيه:
أرى حوزة الإسلام حين وليتها ... تخرم باغيها وحيط حريمها
تدارك مظلوم الرعية حقه ... وخلى له وجه الطريق ظلومها
وقال في المعتمد:
بلغ احتياطك وفد كل قبيلة ... وأغاث عدلك أهل كل بلاد
وقال في المعتز:
أقام منار الحق حتى اهتدت به ... وأبصرها من لم يكن قط مبصرا
وعادت على الدنيا عوائد فضله ... فأقبل منها كل ما كان مدبرا
وهذا كله في غاية الجودة والصحة والاستقامة، وهو عموم لا يكون إلا من خليفة، أو من يقوم مقامه.
وقال في المتوكل:
عرفتنا سنن النبي وهديه ... وقضيت فينا بالكتاب المنزل
لولا قوله: «وهديه» كان يصلح أن يكون مدحاً لقاض أو فقيه، إلا أن يسرف مسرف.
следующие страницы →