Полный текст (1 636 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
«المرم»: الساكت المطرق، وقوله: «يغربون» من أغرب في الضحك واستغرب إذا أكثر، و «وينسبون»: يتكلمون كلامًا خفيًا، وهذا مثل قول كثير:
ترى القوم يخفون المواعظ عنده
وليس هذا ولا قول كثير بأجود ولا أبلغ من قول البحتري في الفتح بن خاقان.
وقال أبو العتاهية في الهادي:
يضطرب الخوف والرجاء إذا ... حرك موسى القضيب أو فكر
وإنما حذاه على قول ابن هرمة في المنصور:
له لحظات عن حفافي سريره ... إذا كرها منها عقاب ونائل
стр. 947
* إفاضة العدل وإقامة الحق:
«...... ؟» بما قالوه في الخلفاء.
وقال أبو تمام في المأمون:
يأ أيها الملك الهمام وعدله ... ملك عليه في القضاء همام
ما زال حكم الله يشرق وجهه ... في الأرض مذ نيطت بك الأحكام
قوله: «يشرق في الأرض» عموم يليق بالخليفة، ولكن لا يقبح أن يوصف به وزير أو من يقوم مقامه، لأن الخليفة ينوط أمر الأحكام وغير الأحكام به.
وقوله: «وعدله ملك» ليس بمنكر أن يجعل العدل ملكًا على الحقيقة إذا كان يتدبر بإفاضته واستعماله، فلم يقنع بهذه الاستعارة حتى جعل العدل ملكاً همامًا من أجل قوله: «يا أيها الملك الهمام»، على مذهبه في رديء الاستعارة.
والهمام: ذو الهمة البعيدة، ويقال: الذي إذا همَّ بشي أمضاه ولم يتعذر عليه.
والجيد النادر في إفاضة العدل قول منصور:
لقد شمل البرية منه عدل ... سيجعله أئمتهم مثالا
يقدم عفوه وإذا استخفوا ... نكال عقوبة مطل النكالا
وقال أبو تمام في المعتصم:
جلا ظلمات الظلم عن وجهه أمة ... أضاء لها من كوكب الحق آفله
стр. 948
وقام فقام العدل في كل بلدة ... خطيباً وأضحى الملك قد شق بازله
وجرد سيف الحق حتى كأنه ... من السل موذ جفنه وحمائله
البيت الأول والثاني جيدان في مدح الخلفاء، وقوله في البيت الثالث: «من السل» لفظ غير جيد ولا متمكن.
وقال أيضًا المعتصم:
سكن الزمان فلا يد مذمومة ... للحادث ولا سوام يذعر
في الأرض من عدل الإمام وجوده ... ومن النبات الغض سرج تزهر
البيت الاول في غاية الجودة، والثاني في غاية الركاكة لأنه من ألفاظ العوام.
وقال البحتري في المتوكل:
تحسنت الدنيا بعدلك فاغتدت ... وآفاقها بيض وأكنافها خضر
هنيئًا لأهل الشام أنك سائر ... إليهم مسير الشمس يتبعها القطر
وهذا في غاية الحسن والحلاوة، وقال فيه:
أظهر العدل فاستنارت به الأر ... ض وعم البلاد غورًا ونجدا
وهذا عموم لا يحسن أن يقال إلا لخليفة، أو ولي عهد أو وزير.
وقال في المتوكل:
ما ضيع الله في بدو ولا حضر ... رعية أنت بالإحسان راعيها
وأمة كان قبح الجور يسخطها ... دهرًا فأصبح حسن العدل يرضيها
стр. 949
وقال في المعتز:
إمام هدى عم البرية عدله ... فأضحى لديه آمنًا كل راهب
وردت وما كانت ترد بعدله ... ظلامات قوم مظلمات المطالب
وقال في المهتدي:
ملي بنصر الحق والحق واحد ... إذا عصبة يومًا لظلم تصدت
وتأييده حكم الهدى بخشونة ... من الجد لو مرت على الصخر خدت
وهذا في غاية الجودة إلا أنه خال من العموم، ويصلح أن يمدح به قاض وغيره من الولاة.
وقال فيه:
بالمهتدي بالله والهادي به ... أرست قواعد ديننا فتأثلا
ورث النبي سجية مرضية ... وطريقة قصداً وقولاً فيصلا
فإذا قضى في المشكلات ترادفت ... حكم تريك الوحي كيف ينزلا
وقال فيه:
أسفت لأقوام ملكت بعيدهم ... وكانت دجت أيامهم فاسوأدت
стр. 950
مضوا لم يروا من حسن عدلك منظرًا ... ولم يلبسوا نعماك حين استنجدت
ولم يعلموا أن المكارم أبديت ... جذاعًا ولا أن المظالم ردت
وقال فيه:
أرى حوزة الإسلام حين وليتها ... تخرم باغيها وحيط حريمها
تدارك مظلوم الرعية حقه ... وخلى له وجه الطريق ظلومها
وقال في المعتمد:
بلغ احتياطك وفد كل قبيلة ... وأغاث عدلك أهل كل بلاد
وقال في المعتز:
أقام منار الحق حتى اهتدت به ... وأبصرها من لم يكن قط مبصرا
وعادت على الدنيا عوائد فضله ... فأقبل منها كل ما كان مدبرا
وهذا كله في غاية الجودة والصحة والاستقامة، وهو عموم لا يكون إلا من خليفة، أو من يقوم مقامه.
وقال في المتوكل:
عرفتنا سنن النبي وهديه ... وقضيت فينا بالكتاب المنزل
لولا قوله: «وهديه» كان يصلح أن يكون مدحاً لقاض أو فقيه، إلا أن يسرف مسرف.
стр. 951
وقال فيه:
إمام يراه الله أولى عباده ... بحق وأهداهم لقصد سبيله
خليفته في أرضه ووليه المـ ... ـرضي لديه وابن عم رسوله
ترى الأرض تسقى غيثها بمروره ... عليها وتكسى نبتها بنزوله
وقال فيه:
أو ما ترى حسن الزمان وما بدا ... وأعاد في أيامه المتوكل
أشرقن حتى كاد يقتبس الدجى ... ورطبن حتى كاد يجري الجندل
فهذا ما يليق بالخلفاء من ذكر العدل وإقامة الحق وصلاح الأمور، والبحتري فيما أورده من ذلك كله أشعر من أبي تمام.
ومما قالاه من ذلك في سائر الناس، قال أبو تمام في محمد بن عبد الملك:
أرى ابن أبي مروان أما لقاؤه ... فدان وأما حكمه فهو عادل
وقال في إبراهيم بن الخصيب:
ما لأهل الشام أن يكفروا بعـ ... ـدك فيهم نعماء أهل العراق
فلقد صار أفقهم بأياديـ ... ـك حديثًا لسائر الآفاق
стр. 952
نزل العدل حيث شاءوا وأضحى الـ ... ـجور والظلم عنهم في وثاق
كل يوم تزيدهم منك عدلاً ... ونوالاً كذاك جري العتاق
هذه الأبيات كلها رديئة، وقوله: «كذاك جري العتاق»؛ لأن الخيل العتاق إذا استزدتها في الجري زادتك، وليس بالمعنى الحلو ها هنا.
وقال البحتري في صاعد بن مخلد:
فكيف وجدتم عدله وقد التقت ... مساوية شاء البلاد وسيدها
فإن تخرج الأيام مذخور حسنها ... فقد آن أن يبدي النضارة عودها
وهذا غاية في حسنه وحلاوته.
وقال في أبي الصقر:
تقرى جنوب الأرض جودًا ونائلاً ... وطبق عدلاً حزنها وسهولها
ولو سيقت الدنيا إليه بأسرها ... ولم يتلها حمد لعاف قبولها
وقال في أبي يعقوب إسحاق بن إسماعيل:
إن العواصم قد عصمن بأبيض ... ماض كصدر الأبيض المسلول
стр. 953
أعطى الضعيف من القوي ورد من ... نفس الوحيد ومنة المخذول
عز الذليل وقد رآك تشد من ... وطء على عنق العزيز ثقيل
رعت الرعية مرتعًا بك مونقًا ... وثنت بظل في ذراك ظليل
أعطيتها حكم الصبي وزدتها ... في الرفد إذ زادتك في التأميل
وقال في إبراهيم بن المدبر:
نافر الجأش لا تقر حشاه ... أو تؤدى ظلامة المظلوم
وهذا كله جيد نادر فوق ما قاله أبو تمام.
стр. 954
* سداد الرأي والتدبير والاضطلاع بالأمور وحسن الكفاءة وإمضاء العزائم
قال أبو تمام في المعتصم:
فكر إذا راضه راض الأمور به ... رأى تفنن عنه الريث والعجل
أراد أن الرأي يروض الأمور بالفكر، وقوله: «تفنن عنه الريث والعجل» أي تشعب منه، وصار أفناناً، يقول: يريث في حال إذا كان الريث أولى، ويعجل في حال إذا كانت العجلة أحزم، فالريث والعجل يصدران جميعًا عنه، وهذا بيت غير جيد ولا شهي.
وقال في المأمون:
وأرى الأمور المشكلات تمزقت ... ظلماتها عن رأيك المتوقد
عن مثل نصل السيف إلا أنه ... مذ سل أول سلة لم يغمد
فبسطت أزهرها بوجه أزهر ... وقبضت أربدها بوجه أربد
له في هذا البيت إساءة قد ذكرتها في أغاليطه.
ولله در أبي عبادة إذ يقول في المهتدي بالله:
стр. 955
وقد علم الأقوام أن صريمة ... إذا اختلفت شورى النجي استبدت
متى وقدت في مظلم الأمر ضوأت ... وإن ضربت في جانب الخطب قدت
وقوله فيه:
له عزمة ما استبطأ الملك نجحها ... ولا استعتب الإسلام ورى زنادها
إذا شوهدت بالرأي بان اختيارها ... وإن غاب ذو الرأي اكتفت بانفرادها
وقال ابن هرمة في المنصور:
ولا ينتجى الأدنون فيما يحاول
وتبعه أبو العتاهية فقال:
إذا هم لم يشركه في الأمر غيره ... وكان بما يأتي أطب وأبصرا
وقوله في المعتمد:
تبعت بنو العباس هدي محمد ... ثبت البصيرة في المحجة هاد
وكأنهم لما اقتفوا منهاجه ... تبعوا ضياء الكوكب الوقاد
وقوله:
متيقظ عصمت بوادر حكمه ... بعرى من الرأي الأصيل شداد
كالسيف في ذات الإله وقد يرى ... كرمًا كفرع النبعة المياد
стр. 956
وقوله في المهتدي:
تثني بوادره الأناة وإنما ... سارت عزيمته فكانت جحفلا
وقال أبو تمام:
وعزائماً في الروع معتصمية ... ميمونة الإدبار والإقبال
فتعمق الوزراء يطفو فوقها ... طفو القذى وتعقب العذال
والسيف ما لم يلف فيه صيقل ... من سنخه لم ينتفع بصقال
ما كان ينبغي أن يجعل العزائم إدباراً، لأنها لفظة قبيحة ولا يصح لها أيضًا معنى في هذا الموضع، وخاصة وقد قال: «في الروع»، إلا أن يتأول أن يكون أراد قولهم: فلان يضرب الأمر ظهرًا لبطن ويقبل بالرأي ويدبر، يريد أنه يصرفه ويقلبه، وبين اللفظتين فرق كبير، وما كانت ها هنا ضرورة إلى هذا اللفظ الرديء، لأن في سائر الألفاظ والمعاني مندوحة، و «تعقب العذال» رديء أيضاً، لأن الخليفة يجل أن يقدم أحد على عذله، وقوله: «فتعمق الوزراء يطفو فوقها» في غاية الحسن والجودة والحلاوة.
وقال أبو تمام:
ترى الحادث المستعجم الخطب معجماً ... لديه ومشكولاً إذا كان مشكلا
стр. 957
وهذا من أشعار المعلمين ومعانيهم؛ لأنه أراد بقوله «معجما» أي: منقوطاً؛ و «مشكولا» أراد الشكل.
والبحتري في هذا الباب أشعر من أبي تمام ألفاظاً ومعاني، وليس لأبي تمام فيه إلا قوله: «يطفو فوقها طفو القذى».
стр. 958
* في مراعاة أمر الدنيا والإضطلاع بالأمور وحسن الكفاءة:
وهو قريب المعنى من الباب الذي قبله، يقول البحتري في مدح المعتز بالله:
به تعدل الدنيا إذا مال قصدها ... ويحسن صنع الدهر والدهر أخرق
وقال فيه:
مدبر دنيا أمسكت يقظاته ... بآفاقها القصوى وما طر شاربه
وقال في المتوكل:
وله وإن غدت البلاد عريضة ... طرف بأطراف البلاد موكل
وأجود من هذا قول أبي تمام يعني نفسه في اغترابه:
أطل على طلى الآفاق حتى ... كأن الأرض في عينيه دار
стр. 959
وهذا المعنى حسن جدًا، ولكنه ليس له، وإنما سمع منصورًا النمري يقول في الرشيد:
وعين محيط بالبرية طرفها ... سواء عليه قربها وبعيدها
فحذاء عليه، غير أن قوله: «كأن الأرض في عينيه دار» في غاية الحسن والحلاوة.
وقال البحتري في عبيد الله بن يحيى بن خاقان:
طرف مطل على الآفاق يكلأها ... بناظر لم ينم عنها ولم ينم
وبيت منصور أجود من هذا، وبيت أبي تمام أجود من بيت منصور، وإن كان منه أخذ، وما قاله الناس في السياسة أحسن من قول محمد بن وهيب:
وكأن ضوء جبينه قمر ... بدر وسائر خلقه أسد
وكأنه روح تدبرنا ... حركاته وكأننا جسد
ونحوه قول أبي العتاهية:
أمين الله أمنك خير أمن ... عليك من التقى فيه لباس
تساس من السماء بكل بر ... وأنت به تسوس كما تساس
كأن الخلق ركب فيه روح ... له جسد وأنت عليه راس
стр. 960
وقال علي بن جبلة في حميد بن عبد الحميد:
يفتق ما يرتق أعداؤه ... وما لما يفتق من آس
فالناس جسم وإمام الهدى ... رأس وأنت العين في الرأس
وقال أبو تمام في محمد بن عبد الملك:
ردء الخلافة في الجلي إذا نزلت ... وقيم الملك لا الواني ولا النصب
جفن يعاف لذيذ النوم نافره ... شحاً عليه وقلب حولها يجب
طليعة رأيه من دون بيضتها ... كما انتمى رابيء في الغزو منتصب
حتى إذا ما انتضى التدبير ثاب له ... جيش يصارع عنه ماله لجب
شعارها اسمك إن عدت محاسنها ... إذا اسم حاسدك الأدنى لها لقب
وزير حق ووالي شرطة ورحا ... ديوان ملك وشيعي ومحتسب
كالأرحبي المذكي سيره المرطى ... والوخد والملع والتقريب والخبب
عود تساجله أيامه فبها ... من مسه وبه من مسها جلب
قوله: «كما انتمى رابيء»: ارتفع إلى رأس جبل، وانتمت أي: ارتفعت، ومنه انتمى في النسب إلى بني فلان، أي ارتفع، و «الرابيء» الذي يربأ للقوم كأنه يرتفع إلى موضع عال، وليس هو من «الربوة» لأن تلك غير مهموزة، يفعل ذلك يرقب للقوم أمر العدو، والرابيء لا ينتصب وإنما ينام على بطنه
стр. 961
أو يستلقي على جنبه ليخفى شخصه؛ لأنه إن قام أدركته العين من بعد كما قال الهذلي:
أقمت بريدها يومًا طويلاً ... ولم أشرف بها مثل الخيال
ولم يشخص بها بصري ولكن ... دنوت تحدر الماء الزلال
فإن كان حذا على قول متقدم فالصواب هو هذا، إلا أن يكون أراد: نصب نفسه لذلك، أي: أعدها، ولم يرد الانتصاب.
و «الأرحبي» من الإبل منسوب إلى «أرحب» حي من همدان تنسب إليهم النجائب، و «المذكي» الذي قد انتهى في سنة وقوته، و «المرطى»: عدو الخيل فوق التقريب ودون الإلهاب، و «الوخذ» الاهتزاز في السير، مثل وخد النعام.
و «الملع» من سير الإبل السريع، و «التقريب» من عدو الخيل معروف، و «الخبب» دونه.
وليس التقريب من عدو الإبل، وهو عندي في هذا الموضع مخطيء، وقد يكون التقريب لأجناس من الحيوان ولا يكون من الإبل، فإنا ما رأينا قط بعيراً يقرب تقريب الفرس، و «المرطى» من عدو الخيل، ولم أره في أوصاف الإبل.
стр. 962
وقوله: «شعارها اسمك» يعني الخلافة، والشعار هو العلامة التي تخص الشيء، أخذ من الشعار وهو الثوب يصل شعر الجسد، وقسمة البيت رديئة على مذهبه في الطباق، لأن الشعار طباقه الدثار، واللقب طباقه الاسم، وكان ينبغي أن يقول: إذا اسم حاسدك الأدنى لها دثار، وذلك أن الشعار أخص بالجسد من الدثار، ولو استوى له أن يقوله كان أيضاً في غاية الرداءة، لأن الدثار يعلو على الشعار ويغطيه، وليس بجيد أن يعلو لقب حاسده على اسمه، وإنما يعني هذا الحاسد المعروف بأبي الوزير وكان قد اختص بالواثق، ولطفت منزلته عنده جداً، حتى كان ربما عرض عليه الكتب، وكان عدو محمد بن عبد الملك، فيقول: شعار الخلافة اسمك، لأنك الوزير، وذلك أبو الوزير لقب، فلهذا قال:
وزير حق ووالي شرطة ورحا ... ديوان ملك وشيعي ومحتسب
فجعله الوزير حقاً، وأنه ينظر في الأمور كلها، ليعلم أنها إليه، وأنه القيم بها، وهذا بيت من مدح الوزراء في غاية الركاكة والسخف، وقبح المعاني والألفاظ، ومن الذي يشك في أن الوزير إليه النظر في هذه الأشياء، وكأنه أراد أنه يعانيها بنفسه، من غير واسطة، ليدل على كفاءته.
وجعله «رحا ديوان ملك»، و «الرحا» ها هنا في غاية القبح، وأراد أنه هو الذي يدبر أمور الديوان دون الكتاب، فجعله هو الذي يدور، ولم يقنع حتى جعله رحا، وإنما المستعمل من الاستعارة لمثل هذا المعنى: قطب الرحا لا الرحا، لأن المدار على القطب.
وقد جعل البحتري «رحى» في موضع أشبه بالصواب من هذا الموضع فقال:
стр. 963
لله أنت رحا هيجاء مشعلة ... إذا القنا من صبابات الطلى رعفا
ثم قال أبو تمام: «وشيعي»، منسوب إلى شيعة ولد العباس، وكان لهم في كل ديوان رجل من الشيعة، يخزن الديوان ويحفظ الحساب، فجعل الوزير أيضاً خازناً، وكان ينبغي أن يجري عليها أيضاً للخزن جراية!، ثم ختم البيت «بالمحتسب»، وما علمنا أحدًا مدح وزيرًا فجعله والي شرطة ولا محتسباً ولا خازناً، وقد كان يكفيه من ذلك كله أن يقول إنه ينظر في كبارها نحو ما قال البحتري في أبي نوح عيسى بن ابراهيم:
يؤيد الملك منهم نصح مجتهد ... لله يسرع بالتقوى ويتئد
مباشر لصغار الأمر لا سلس ... سهل ولا عسر التنفيذ منعقد
ولا يؤخر شغل اليوم يذخره ... إلى غد إن يوم الأعجزين غد
وقال البحتري في الفتح بن خاقان:
تحمل أعباء المعالي بأسرها ... إذا خط منها مغرم عاد مغرم وقام بما لو قام رضوى ببعضه ... هوى الهضب من أركان رضوى الململم مدبر ملك أي رأييه صارعوا ... به الخطب رد الخطب يدمى ويكلم
أمد الرجال لبثة حين يرتئي ... وأسرعهم إمضاءة حين يعزم
بتسديده تلغى الأمور وتجتبى ... وتنقض أسباب الخطوب وتبرم
стр. 964
وما أحسن ما قال منصور النمري في حسن الكفاءة وسرعة إمضاء الأمور:
وليس لأعباء الأمور إذا عرت ... بمكترث لكن لهن صبور
يرى ساكن الأوصال باسط وجهه ... يريك الهوينا والأمور تطير
وقال آخر -أظنه أشجع السلمي-:
بديهته مثل تفكيره ... إذا رمته فهو مستجمع
وقال البحتري في ابن بسطام:
بتدبير مأمون على الأمر رأيه ... ذكير وأمضى المرهفات ذكيرها تحاط قواصي الملك فيه وتسكن الـ ... خلافة ملقاة إليه أمورها وذو هاجس لا يحجب الغيب دونه ... تريه بطون المشكلات ظهورها وقال أبو تمام في محمد بن عبد الملك:
هززت أمير المؤمنين محمدًا ... فكان ردينيًا وأبيض منصلا
فما إن تبالي إذ تجهز رأيه ... إلى ناكث ألا تجهز جحفلا
стр. 965
ترى شخصه وسط الخلافة هضبة ... وخطبته دون الخلافة فيصلا
وما هضبتا رضوى ولا ركن معنق ... ولا الطود من قدس ولا انف يذبلا
بأثقل منه وطأة يوم يغتدي ... فيلقى وراء الملك نحرًا وكلكلا
وهذا جيد بالغ، إلا أن قول البحتري في الرأي «رد الخطب يدمى ويكلم»
أجود من قوله «ألا تجهز جحفلا»، وقوله «هوى الهضب من أركان رضوى الململم» أجود من قوله «بأثقل منه وطأة» وإن كان هذا قد جمع عدة جبال، ولكن قوله «فيلقي وراء الملك نحرًا وكلكلا» حسن جدًا. وقال أبو تمام في محمد بن عبد الملك:
وأنت شهاب في الملمات ثاقب ... وسيف إذا ماهزك الحق قاصل
من البيض لم تنض الأكف كنصله ... ولا حملت مثلا إليه الحمائل
مورث نار والإمام يشبها ... وقائل فصل والخليفة فاعل
وإنك إن صد الزمان بوجهه ... لطلق ومن دون الخلافة باسل
قوله: «مؤرث نار»، بنى البيت على معنى له وجه جيد، ولكن عكسه
أجود وأبلغ وأعرق، وذلك أنه قال: «مؤرث نار والإمام يسبها»، «فمؤرث» موقد، و «يشبها» يرفع لهبها، فجعله مبتدئاً، والخليفة متمماً، وكذلك قوله: «وقائل فصل والخليفة فاعل» وكان الأحسن أن يكون الخليفة المبتديء بتأريث النار وهو الذي يشب،
стр. 966
والخليفة القائل، وهو الذي يفعل؛ لأن القائل هو الآمر، والفاعل هو المأمور، ولكنه بنى الأمر على أن الخليفة يعمل على رأيه، فصار الخليفة مأمورًا عليه، ولو سمع الخليفة لأنكره وعاقب من أجله.
وقال البحتري يخاطب صالحاً مولى المهتدي بالله:
إن الخليفة ليس ينظر بالذي ... طالبت إلا أن تقول فيفعلا
وليس هذا من قول أبي تمام في شيء، إنما استشفع البحتري إلى المهتدي
بصالح، فقال إن الخليفة ينتظر أن يسأله في أمري فيفعل ما يقول، فأبو تمام أطلق القول عموماً في الأمور كلها، وأن وزيره يقول وأن الخليفة يفعل.
وقوله:
وإنك إن صد الزمان بوجهه ... لطلق ومن دون الخلافة باسل
بيت غير جيد القسمة، لأن الصدود بالوجه لا يكون مقابلته طلاقة الوجه، و «الباسل» هو الشديد، والبسالة الشدة، ولذلك قيل للشجاع باسل، فذهب أبو تمام إلى أن الطلاقة في الوجه أن يكون منبسطاً مسفراً، والبسالة الشدة، فجعلها في موضع النقيض كما قال ابن هرمة:
كريم له وجهان وجه لذي الرضا ... أسيل ووجه في الكريهة باسل
والجيد النادر قول البحتري في محمد بن عبد الملك:
стр. 967
علقوا من «محمد» خير حبل ... لرواق الخلافة الممدود
لم يخن ربها ولم يعمل التد ... بير في حل تاجها المعقود
مصلتاً بينها وبين الأعادي ... حد رأي يفل حد الحديد
صارم العزم حاضر الحزم ساري الـ ... ـفكر ثبت المقال صلب العود
وقال البحتري في الحسن بن مخلد:
وزرالخلافة حين يعضل حادث ... وشهابها في المظلمات الواقد
المذهب الأمم الذي عرفت له ... فيه الفضائل والطريق القاصد
ولي الأمور بنفسه ومحلها ... متقارب ومرامها متباعد
إن غار فهو من النباهة منجد ... أو غاب فهو من المهابة شاهد
فقد اغتدى المعوج وهو مقوم ... بيديه واستوفى الصلاح الفاسد
أوفى فأغشاك الصباح بضوئه ... وجرى فغرقك الفرات الذائد
وهذا هو القول الذي لو عصرته لانعصر، لكثرة مائه ورونقه.
وقوله:
«وشهابها -في المظلمات- الواقد»
مثل قول أبي تمام:
«وأنت شهاب في الملمات ثاقب»، وليس هذا بمأخوذ من ذاك، لأن المعنى مشترك وليس من خاص المعاني الذي يأخذها واحد عن آخر.
وقال البحتري في عبيد الله بن يحيى بن خاقان:
стр. 968
وكم لعبيد الله من يوم سؤدد ... يجلي طخا الأيام ضوء شعاعه
وكم بحثوه عن طباع تكرم ... يرد الزمان صاغرًا عن طباعه
سل الوزراء عن تقدم شأوه ... وعن فوته من بينهم وانقطاعه
وهل وازنوه عند جد حقيقة ... بمثقاله أو كايلوه بصاعه
زعيم بفتح الأمر عند انغلاقه ... عليهم ورتق الفتق عند اتساعه
علا رأيه مرمى العقول فلم تكن ... لتنصفه في بعده وارتفاعه
وقارب حتى أطمع الغمر نفسه ... مكاذبة في ختله واختداعه
تضيع صروف الدهر في بعد همه ... وتتوى الخطوب في اتساع ذراعه
وتعلم أعباء الخلافة أنها ... وإن ثقلت موجودة في اضطلاعه
وما طاولته محنة من ملمة ... فينزع إلا باعها دون باعه
رعى الله من تلقى الرعية أنسها ... إلى ذبه من دونها ودفاعه
فهل تريد زيادة في مدح وزير على هذا حسناً، وبلاغة وحلاوة معان؟!
وإذ قد انتهيت إلى هذا الموضع من الأبيات، فأذكر ما بعدها من اعتذار البحتري، وذلك قوله:
تصرعت حولاً بالعراق مجرماً ... مدافعة مني ليوم وداعه
أأنساك بعد الهول ثم ائصرافه ... وبعد وقوع الكره ثم اندفاعه
إذا نسى الله اطيافي ببيته ... ووفد الحجيج حاشد في اجتماعه
ووالله لاحدثت نفسي بمنعم ... سواك ولا عنيتها باتباعه
ولو بعت يوماً منك بالدهر كله ... لفكرت دهراً ثانياً في ارتجاعه
стр. 969
وقال فيه:
الدهر يضحك عن بشاشة بشره ... والعيش يرطب من نضارة عوده
ونصيحة السلطان موقع طرفه ... ونجي فكرته وحلم هجوده
إن أوقف الكتاب أمر مشكل ... في حيرة رجعوا إلى تسديده
والحزم يذهب غير ملتاث إلى ... تصويبه في الرأي أو تصعيده
أوفى على ظلم الشكوك فشقها ... كالصبح يضرب في الدجى بعموده
وهذا هو القول الذي لو قدحت منه النار لأورى.
وقال في أبي الحسن بن عبد الملك بن صالح:
أفنى «أبو الحسن» المحاسن منعماً ... بخلائق للقطر بعض شكولها
وإذا الأمور تصعبت شبهاتها ... سبقت رياضته إلى تذليلها
عرف المصادر قبل حين ورودها ... ومواقع البدهات قبل حلولها
وهذا مثل قول الآخر:
مطل على الأشياء حتى كأنما ... له من وراء الغيب مقلة شاهد
يرى عاقبات الأمر والأمر مقبل ... كأن له في اليوم عيناً على غد
стр. 970
وحسبك بهذا حسناً، وهو ألطف من معنى البحتري.
وقال آخر:
بصير بأعقاب الأمور كأنما ... يخاطبه من كل أمر عواقبه
وقال آخر:
بصير بأعقاب الأمور كأنما ... يرى بصواب الرأي ماهو واقع
ورواه المبرد:
يرى فلتات الرأى والرأي واثق ... كأن له في اليوم عيناً على غد
وقال البحتري في أبي العباس أحمد بن الموفق:
وإن «أبا العباس» من تم رايه ... ومن شهرت آثاره ومناقبه
يريناك لا نرتاب فيك إذا بدا ... يؤديك نصًا نجره وضرائبه
وقد شحذت منه حداثة سنه ... شهامة غطريف حداد مخالبه
إذا المرء لم تبدهك بالحزم كله ... قريحته لم تغن عنك تجاربه
стр. 971
* بلاغة الوزراء وحسن عبارتهم ووصف القلم
وإذ قد ذكرت كفاية الوزراء واضطلاعهم بالأمور، فأذكر ها هنا شيئاً من بلاغتهم، وحسن عبارتهم ووصف القلم.
قال أبو تمام في سليمان بن وهب:
ما على الوشج الرواتك من عتـ ... ـب إذا ما أتت أبا أيوب
حول لا فعاله مرتع الذم (م) ... ولا عرضه مراح العيوب
سرح قوله إذا ما استمرت ... عقدة العي في لسان الخطيب
وقال في الحسن بن وهب:
стр. 972
لصدور الأقلام أمضى بكفيـ ... ـك إذا شئت من سهام نبال
بمصفى فرندها النير الوشـ ... ـي وحدثان عهدها بالصقال
نطف تثلج امرءًا وهو حرًا ... ن ببرد من المعاني زلال
وتناغي الهوى وتنساب في الرو ... ح بسحر من البيان حلال
يشرع الذهن والمسامع فيها ... في صفايا أمثالها أمثالي
يريد أمثاله من الشعر الذي يقوله.
وقال فيه:
ولقد سمعتك والكلام لآليء ... توم وبكر في النظام وثيب
فكأن قساً في عكاظ يخطب ... وكأن ليلى الأخيلية تندب
وكثير عزة يوم بين ينسب وابن المقفع في اليتيمة يسهب
تكسو الوقار وتستخف موقراً ... طوراً وتبكي سامعين وتطرب
قوله: «بكر في النظام» يريد مالم يسبق إليه، و «ثيب» يريد الألفاظ والمعاني قد تقدم الناس فيها واستعملوها، والبيتان بعد هذا رديئان جداً، وما ندبة ليلى الأخيلية من النساء وغيرها، والرجال أندب منها؟!، وكان ينبغي أن يفضله على ابن المقفع وغيره إلا أن يشبهه به، وكذلك ذكره «لكثير» ركاكة وضيق حيلة. وقال فيه حين ورد عليه كتابه:
стр. 973
لقد جلى كتابك كل بث ... جو وأصاب شاكلة الرمي
فضضت ختامه فتبلجت لي ... غرائبه عن الخبر الجلي
وكان أغض في عيني وأندى ... على كبدي من الزهر الجني
وأحسن موقعًا مني وعندي ... من البشرى أتت بعد النعي
وضمن صدره مالم يضمن ... صدور الغانيات من الحلي
وكائن فيه من معنى خطير ... وكائن فيه من لفظ بهي
وكم أفصحت عن بر جليل ... به ووأيت من وأي سني
فأطلق من عقالي في الأماني ** ومن عقل القوافي والمطي
فيا ثلج الفؤاد وكان رضفًا ... ويا شبعي برونقه وري
لئن غربتها في الأرض بكراً ... لقد زفت إلى سمع كفي
بيان لم ترثه تراث دعوى ... ولم تنبطه من حسي بكي
وهذه أبيات مضطربة، وليس فيها جيد إلا قوله: «ويا شبعي برونقه وري» وقال فيه:
فأجل القذى عن مقلتي بأسطر ... يكشفن من كربات باك بالي
سود يبيضن الوجوه بمصطفى ... تلك النوادر منك والأمثال
стр. 974
واحثث أناملك السوابغ كلها ... حتى يجول هناك كل مجال
فى بطن قرطاس رخيص ضمنت ... أحشاوه غرر الكلام الغالي
وهذا البيت الأخير جيد، والباقي صالح.
وقال في ابن الصالح الهاشمي:
لقمان صمتاً وحكمة فإذا ... قال لقطنا الجمان من خطبه
ولله در أبي معاذ بشار بن برد إذ يقول على هذا الروي:
لله ما قد حواه منطقه ... من لؤلؤ لا ينام عن طلبه
يخرج من فيه في الندى كما ... يخرج ضوء السراج في لهبه
وما أحسن ما قال أبو عبادة البحتري في الحسن بن وهب أيضًا:
وإذا استهل «أبو علي» في الندى ... جاء الغمام المستهل بسكبه
وإذا احتبى في عقدة من حلمه ... يوماً رأيت متالعًا في هضبه
وإذا تألق في الندي كلامه الـ ... ـمصقول خلت لسانه من عضبه
وإذا دجت أقلامه ثم انتحت ... برقت مصابيح الدجى من كتبه
стр. 975
باللفظ يقرب فهمه في بعده ... منا ويبعد نيله فى قربه
حكم فسائحها خلال بنانه ... متدفق وقليبها فى قلبه
كالروض مؤتلقًا بحمرة نوره ... وبياض زهرته وخضرة عشبه
أو كالبرود تخيرت لمتوج ... من خاله أو وشيه أو عصبه
وكأنها والسمع معقود بها ... شخص الحبيب بدا لعين محبه
قوله: «دجت أقلامه» يريد إذا أخذت المداد.
قوله: «باللفظ يقرب فهمه في بعده منا» أي: يقرب فهمه منا لحسن بيانه وتلخيصه، «في بعده» أي: في دقة معانيه.
«ويبعد نيله في قربه» أي: ويبعد أن ينال أحد، أي: يأتي بمثله، «في قربه» يريد أنه مطمع ممتنع، إذا سمعه سامع ظن أنه قريب عليه، وأنه يأتي بمثله، وهو منه بعيد.
وقوله: «فسائحها» أي ما يسيح منها فيجري، أي يتدفق ذلك خلال بنانه.
وقوله: «كالروض مؤتلقاً بحمرة نوره وبياض زهرته»، قد أنكر ذلك على البحتري بعض أهل اللغة وذكر أن النور هو الأبيض خاصة، وأن الزهر هو الأصفر لا محالة، وإنما يضمهما إذا قلت: أنوار وأزهار، فيدخل في هذا اللفظ سائر الألوان.
وقد قال -لعمري- قوم من أهل اللغة -منهم ابن الأعرابي وغيره- إن النور هو الأبيض والزهر هو الأصفر، فما يصنع إذًا بقول حميد بن ثور:
стр. 976
كأن على أشداقه نور حنوة ... إذا هو مد الجيد منه ليطعما
يصف فرخ الحمامة، وصفرة أشداقها، ويشبهها بزهر الحنوة، وهو أصفر شديد الصفرة، فقال: «نور حنوة»، ولم يقل: «زهر حنوة».
وقال الأعشى:
وشمول تحسب العين إذا ... صفقت وردتها نور الذبح
«والذبح» نبت، ونوره أحمر شديد الحمرة، ويروى «الذبح».
وقال أبو النجم:
فالروض قد نور في حوائه ... نورًا تحار الشمس في حمرائه
مكللاً بالنور من صفرائه
فجعل الأحمر والأصفر نورًا، وقد ذكرت هذا مشروحًا في الجزء الذي بينت فيه معايب البحتري، وذكرت ما عيب عليه مما هو عيب صحيح وما ادعى عليه مما ليس بعيب.
وقال البحتري في محمد بن عبد الملك الزيات:
стр. 977
لتفننت في الكتابة حتى ... عطل الناس فن عبد الحميد
في نظام من البلاغة ماشك ... امرؤ أنه نظام فريد
وبديع كأنه الزهر الضا ... حك في رونق الربيع الجديد
مشرق في جوانب السمع مايخـ ... لقه عوده على المستعيد
ما أعيرت منه بطون القراطيـ ... ـس وما حملت ظهور البريد
حجج تخرس الألد بألفا ... ظ فرادى كالجوهر المعدود
ومعان لو فصلتها القوافي ... هجنت شعر جرول ولبيد
حزن مستعمل الكلام اختيارًا ... وتجنبن ظلمة التعقيد
وركبن اللفظ القريب فأدركـ ... ـن به غاية المراد البعيد
كالعذراى غدون في الحلل الصفـ ... ـر أو رحن في الخطوط السود
وقد وصف أبو تمام القلم فقال في مديح محمد بن عبد الملك:
لك القلم الأعلى الذي بشباته ... تصاب من الأمر الكلى والمفاصل
له الخلوات اللاء لولا نجيها ... لما احتفلت للملك تلك المحافل
لعاب الأفاعي القاتلات لعابه ... وأرى الجنى اشتارته أيد عواسل
له ريقة طل ولكن وقعها ... بآثاره في الشرق والغرب وابل
فصيح إذا استنطقته وهو راكب ... وأعجم إن خاطبته وهو راجل
إذا ما امتطى الخمس اللطاف وافرغت ... عليه شعاب الفكر وهي حوافل
أطاعته أطراف القنا وتقوضت ... لنجواه تقويض الخيام الجحافل
стр. 978
وقد رفدته الخنصران وشددت ... ثلاث نواحيه الثلاث الأنامل
رأيت جليلاً شأنه وهو مرهف ... ضناً وسمينا خطبه وهو ناحل
وما وصف الناس القلم بأجود ولا أبرع، ولا أصح معان وألطف من هذا الوصف
وقد كان الناس يستحسنون قول المقنع الكندي:
قلم كخرطوم الحمامة ماثل ... مستحفظ للعلم من علامه
يسم الحروف إذا تشابه أيها ... لبيانها بالنقط من إعجامه
يحفى فيقضم من شعيرة أنفه ... كقلامة الأظفور من مقلامه
وبأنفه شق تلاءم فاستوى ... سقي المداد فزاد في تلآمه
مستعجم وهو الفصيح بكل ما ... نطق الرجال به على استعجامه
وهجاه قاف ثم لام بعدها ... ميم معلقة بأسفل لامه
وهذه الأبيات في قصيدة يمدح فيها الوليد بن يزيد، ولا تبلغ في الجودة أبيات
أبي تمام، ولا تعشرها.
وما سمعت فيه وصفاً أردأ ولا أقبح من أبيات منسوبة إلى البحتري وهي لوهب ابن شاذان الهمداني، رواها أبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح في كتاب
стр. 979
«الورقة» ووصف وهباً هذا بشدة التكلف وقال:
وعريان من خلفه مكتس ... يسير من الوشي في يلمق
يحذف في الرأس شابورة ... تسيل على ذروة المفرق
فعمر في البحر مستأنساً ... فلم ير يبساً ولم يغرق
وناصب في البر شمس الهجير ... فما لوحته ولم يفرق
إذا أنت مشيته راكباً ... تسمع منك ولم يخرق
يقيم بغريبه غرب البلاد ... وينهى ويأمر في المشرق
إذا ما استقام سقى غيره ... من الثمد الآجن الأورق
وأطرق ثم جرى ماضياً ... على فكرة الساكن المطرق
فكم من طليق له موثق ... وكم من وثيق له مطلق
يسوق إلى المطبق الناكثيـ ... ـن ومثواه في مطبق الخندق
стр. 980
* العفو والحلم
ويوصف الخليفة بالعفو والحلم، وذلك موجود في سائر الناس، وينبغي أن يتوصل إلى لفظ تكون للخليفة فيه مزيه على غيره.
قال أبو تمام:
وكم ناكث للعهد قد نكثت به ... أمانيه واستخذى لحقك باطله
فأمكنته من رمة العفو رأفة ... ومغفرة إذ أمكنتك مقاتله
وحاط له الإقرار بالذنب روحه ... وجثمانه إذ لم تحطه قنابله
وهذا لعمري حسن، ولكنه يصلح أن يوصف به غير خليفة.
وقال / البحتري في المتوكل:
وله وراء المذنبين ودونهم ... عفو كظل المزنة الممدود
قوله: «كظل المزنة الممدود» لفظ ومعنى ما لحسنه نهاية، وكأنه أليق بالخلفاء من غيرهم، من أجل جعله عفوًا يعلوهم ويظلهم، كما تعلو المزنة وتظل.
وقال بعده في الأناة والحلم:
وأناة مقتدر تكفكف بأسه ... وقفات حلم كالجبال عتيد
стр. 981
وقال في المعتز:
بحلم كأن الأرض منه توقرت ... وجود كأن البحر منه تفجرا
وهذا حلم عظيم في البيتين، وجود في هذا البيت هو أعظم.
وقال أيضاً في المتوكل:
أكرم الناس شيمة وأتم النـ ... ـاس حلماً وأكثر الناس رفدا
ففضل حلمه على حلوم الناس.
ولم يرض أبو تمام أن يجعل الحلم رزيناً ثقيلاً على مذاهب الناس كلهم عربهم وعجمهم، ولكن جعله رقيقاً، قال:
رقيق حواشي الحلم لو أن حلمه ... بكفيك ما ماريت في أنه برد
فجعله كالبرد، والبرد لا يوصف بالرقة، وكان ينبغي أن يجعله كالهوء!!.
وقال البحتري في المعتز:
وعفوت عفوًا عم أمة أحمد ... في الغرب من أوطانهم والمشرق
ولقد رددت على الأنام عقولهم ... بهلاك سلطان الرقيق الأحمق
وقال فى المعتز:
وأبيض من آل النبي إذا احتبى ... لساعة عفو فالنفوس مواهبه
تغمد بالصفح الذنوب وأسمحت ... سجاياه في أعدائه وضرائبه
стр. 982
قوله: «فالنفوس مواهبه» لفظ ومعنى في غاية الحسن والحلاوة، ولكنه
يصلح أن يقال لخليفة وغير خليفة إذا كان عظيمًا مسلطاً.
وينبغي للشاعر أن ينظر أغلب خلال الخير على الممدوح فيمدحه، ويكرره
في أوصافه ويردده.
ومن أشهر فضائل المأمون وأحبها إليه أن يذكر بها الحلم والعفو، ومما يؤثر
عنه أنه قال:
«أنا ألذ العفو حتى أخاف ألا أوجر عليه، ولو علم الناس مقدار محبتي للعفو لتقربوا إلي بالذنوب».
وقد مدحه أبو تمام بقصيدتين فما وصفه فيهما بعفو ولا حلم، إلا ماذكره
من منه على أسرى الروم، لما أتوه بهم، في غزاته، وذلك قوله:
/ لما رأيتهم تساق ملوكهم ... حزقاً إليك كأنهم أنعام
جرحى إلى جرحى كأن جلودهم ... يطلى بها الشيان والعلام
متساقطي ورق الثياب كأنهم ... دانوا فأحدث فيهم الإحرام
أكرمت سيفك غربه وذبابه ... عنهم وحق لسيفك الإكرام
فرددت حد الموت وهو مركب ... في حده فارتد وهو زؤام
والمن على هؤلاء الأسرى المثخنين من الروم يلزم المأمون، ولا يسوغ له الدين تجاوزه إلى غيره، لأن الله قال:
стр. 983
«فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق
فإما منًا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها».
وقوله في القصيدة الأخرى:
فانتاش مصر من اللتيا والتي ... بتجاوز وتعطف وتغمد
وهذا كان منه على سبيل السياسة والإصلاح والضرورة، وليس هذا مما يعتد
به المأمون في فضائل الحلم، ولا لأبي تمام في مدحه به، وإنما يعتد به المأمون في سياسته وحسن تدبيره، وما أحسن ما قال فيه محمد بن عبد الملك الفقعسي:
أمير المؤمنين عفوت حتى كأن الناس ليس لهم ذنوب
وقال فيه عبد الله بن أبي السمط:
عفوت حتى تمنينا الذنوب كما ... أعطيت حتى لقلنا إنه سوف
أخذ هذا من قول أبي دهبل:
مازلت في العفو للذنوب وإطـ ... ـلاق لعان بجرمه غلق
حتى تمنى البراة أنهم ... عندك أمسوا في القد والحلق
стр. 984
ونحوه قول الآخر في المأمون:
صفوح عن الإجرام حتى كأنه ... من العفو لم يعرف من الناس مجرما
وقال البحتري في المتوكل:
ملك إذا عاذ المسيء بعفوه ... غفر الإساءة قادر لا يعجل
وعفا كما صفح السحاب ورعده ... قصف وبارقه حريق مشعل
وهذا نسج في غاية الحسن وتمثيل يروق سامعه، ولكنه غير معروف، ولا معتاد أن يشبه عفو القادر عن إساءة المسيء بإمساك السحاب عن المطر، وهذا إنما يصلح أن يكون تمثيلاً لصفحه عن ذنب المذنب، والإمساك عن عقوبته، فإن قيل إن الوعيد والتهدد قد يرضعان في معنى الرعد والبرق وذلك جائز فى كلام العرب، وكثير في أشعارها، ومنه قول الشاعر:
فابرق بأرضك مابدا لك وارعد
стр. 985
وقول الكميت:
أرعد وأبرق يا يزيـ ** ـد فما وعيدك لي بضائر
فإلى هذا ذهب البحتري في أن جعل البرق والرعد بإزاء الوعيد والتهدد، قيل: ليس في البيت الأول إفصاح بذكر تهدد ولا وعيد، ولا كل من أراد العقوبة يفصح بالتهدد، وخاصة الملوك والعظماء، ألا ترى إلى قوله:
«قادر لا يعجل»
وبعد، فإن صفح الممدوح إنما هو عن إيقاع المكروه، وصفح السحاب إنما هو عن إسبال المطر، وهذا تشبيه الشيء بضده، فإن قيل: فإن الغيث قد يضر ضرراً عظيماً، إذا جاء في غير حينه، وقد يكون معه الصواعق والغرق وذهاب النفوس، قيل: الأشياء إنما تحمل على الأغلب الأكثر، دون الأخص الأقل، الذي إنما يقع في الفرط.
والغيث إذا أتى فإنه حياة الأرض على كل، وفي أكثر الأمر، وإن ضر، فإن ضرره لا يبين في عظم منفعته والمصلحة بمكانه، وخاصة مواطن العرب، ومحاضرهم ومباديها، التي عليه فيها يعولون، وبه يحيون، وبه يخصبون، فإساءة البحتري عندي في هذا ظاهرة، ألا ترى أنه لو كان في وصف الحرمان فقال:
ملك رأيت البشر منه مبشراً ... بنوال كف تستهل وتمطل
فأبى كما امتنع السحاب ورعده ... قصف وبارقه حريق يشعل
لكانت هذه الألفاط من أليق شيء بهذا المعنى، وأصحها فيه؟
следующие страницы →