Полный текст (16 465 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
أخرجه أبو نعيم الفضل بن دكين في الصلاة (٧٨)، قال: حدثنا العلاء بن صالح به.
• وهذا مع كون إسناء واهيًا؛ فقد ثبت في الصحيح عن عائشة وغيرها ما يخالفه، ويُظهر عواره:
١ - فقد روى عبيد بن عمير، قال: بلغ عائشة أن عبد الله بن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، فقالت: يا عجبًا لابن عمرو هذا! يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن؛ أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن! لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، ولا أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات.
وزاد في رواية: ما أنقض لي شعرًا.
أخرجه مسلم (٣٣١)، والنسائي (٤١٦)، وابن خزيمة (٢٤٧)، وغيرهم، وتقدم تخريجه تحت الحديث رقم (٧٧).
٢ - وفي حديث أم سلمة الآتي برقم (٢٥١)، وهو عند مسلم برقم (٣٣٠) مرفوعًا: "إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين".
٣ - وفي حديث شعبة، عن أبي بكر بن حفص، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: دخلت على عائشة أنا وأخوها من الرضاعة، فسألها عن غسل النبي ﷺ من الجنابة؟ فدعت بإناء قدر الصاع، فاغتسلت وبيننا وبينها ستر، وأفرغت على رأسها ثلاثًا، قال: وكان أزواج النبي ﷺ يأخذن من رؤوسهن حتى تكون كالوفرة.
أخرجه البخاري (٢٥١)، ومسلم (٣٢٠)، واللفظ له، وأبو عوانة (١/ ٢٤٧ و ٢٤٨/ ٨٤٩ - ٨٥١)، وأبو نعيم في المستخرج (١/ ٣٧٠/ ٧٢٠)، والنسائي (١/ ٢٢٧/١٢٧)، وأحمد (٦/ ٧١ - ٧٢ و ١٤٣)، والبيهقي (١/ ١٩٥).
وانظر: فتح الباري لابن رجب (١/ ٢٦٠). وقال ببطلان حديث جميع بن عمير هذا: الألباني في ضعيف سنن أبي داود (١/ ٩٤) المجلد التاسع، وقال بعدما ذكر الصحيح: "فهذا كله يدل على بطلان حديث عمير هذا"، يعني: جميع بن عمير.
***
٢٤٢ - قال أبو داود: حدثنا سليمان بن حرب الواشحي، ومسدد قالا: حدثنا حماد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة -قال سليمان: يبدأ فيفرغ بيمينه على شماله، وقال مسدد:- غسل يديه يصب الإناء على يده اليمنى -ثم اتفقا -، فيغسل فرجه -وقال مسدد: يُفرغ على شماله، وربما كَنَتْ عن الفرج-، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يُدخل يديه
стр. 1017
في الإناء فيخلِّل شعره، حتى إذا رأى أنه قد أصاب البَشَرة -أو: أنقى البشرة- أفرغ على رأسه ثلاثًا، فإذا فضل فضلة صبَّها عليه.
• حديث متفق على صحته.
أخرجه من طريق حماد بن زيد:
البخاري (٢٦٢) مختصرًا، وابن خزيمة (٢٤٢)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (١/ ٣٦٧/ ٧١١).
• وهذا الحديث قد رواه عن هشام بن عروة بألفاظ متقاربة:
مالك بن أنس، وعبد الله بن المبارك، ويحيى بن سعيد القطان، وزائدة بن قدامة، وسفيان بن عيينة، وعبدة بن سليمان، وجرير بن عبد الحميد، وعبد الله بن نمير، وعلي بن مسهر، وابن جريج، وجعفر بن عون، وحفص بن غياث، ومعمر بن راشد، ومحمد بن عبد الله بن عبد الأعلى الأسدي أبو يحيى بن كناسة، ويحيى بن عبد الله بن سالم، وعمر بن علي المقدمي، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، وعيسى بن يونس، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي.
ولفظ مالك فيه: أن رسول الله ﷺ كان إذا اغتسل من الجنابة، بدأ فغسل يديه، ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أصول شعره، ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه، ثم يفيض الماء على جلده كله.
ولفظ سفيان بن عيينة: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يغتسل من الجنابة: بدأ فغسل يديه قبل أن بدخلهما في الإناء، ثم غسل فرجه، ويتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يُشرب شعره الماء، ثم يحثي على رأسه ثلاث حثيات.
أخرجه البخاري (٢٤٨ و ٢٧٢)، ومسلم (٣١٦)، وأبو عوانة (١/ ٢٤٩ و ٢٥٠/ ٨٥٩ - ٨٦١)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (١/ ٣٦٦/ ٧١١)، ومالك في الموطأ (١/ ٨٨ ١٠٩)، والترمذي (١٠٤)، وقال: "حسن صحيح". وأبو علي الطوسي في مستخرجه على الترمذي (٨٧)، والنسائي (١/ ١٣٤ و ١٣٥ و ٢٠٥ و ٢٠٦/ ٢٤٧ و ٢٤٨ و ٢٤٩ و ٤٢٠ و ٤٢٣)، والدارمي (١/ ٢٠٩/ ٧٤٨)، وابن حبان (٣/ ٤٦٨/ ١١٩٦)، وابن الجارود (٩٩)، وأحمد (٦/ ٥٢)، والشافعي في الأم (١/ ٤٠ و ٤١)، وفي المسند (١٩)، والحميدي (١٦٣)، وعبد الرزاق (١/ ٢٦٠ - ٢٦١ و ٢٦١/ ٩٩٧ و ٩٩٩)، وإسحاق بن راهويه (٢/ ٩٤/ ٥٦١)، والحسن بن سفيان النسوي في الأربعين (٢١)، وأبو يعلى (٧/ ٤٠٥ - ٤٠٦/ ٤٤٣٠)، وأبو بكر بن أبي داود في مسند عائشة (١٢ و ٧٧)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ١٢٥ و ١٢٦ و ١٢٧/ ٦٦٢ و ٦٦٥ و ٦٦٧)، والطحاوي في أحكام القرآن (١/ ٨٧/ ٥٢)، والجوهري في مسند الموطأ (٧٣٩)، والدارقطني (١/ ١١٣ - ١١٤)، وابن بشران في الأمالي (٨٩٧)، وابن حزم (٢/ ٤٤)، والبيهقي في السنن (١/ ١٧٢ و ١٧٣ و ١٧٥ و ١٧٦)،
стр. 1018
وفي المعرفة (١/ ٢٦٨/ ٢٧٠)، وفي الخلافيات (٢/ ٤٢٥ - ٤٢٧/ ٧٧١ و ٧٧٢)، والبغوي في شرح السُّنَّة (١/ ٣٤٠ و ٣٤١/ ٢٤٦ و ٢٤٧)، وقال: "هذا حديث متفق على صحته"، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٢٢٥/ ٢٦٠).
وانظر: التنقيح (١/ ٢٠٦).
هكذا روى الناس هذا الحديث عن هشام بن عروة، وقد عددت منهم -ممن رواه على الوجه الصحيح-: عشرين نفسًا، فيهم أثبت أصحاب هشام: مالك بن أنس، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الله بن نمير [انظر: شرح علل الترمذي (٢/ ٦٨٠)، وسؤالات ابن بكير (٤٠)].
• وشذ عن هؤلاء:
١ - أبو معاوية الضرير محمد بن خازم، رواه عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة، يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله، فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ الماء، فيدخل أصابعه في أصول الشعر؛ حتى إذا رأى أن قد استبرأ، حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه.
أخرجه مسلم (٣١٦)، وأبو نعيم في المستخرج (٧١١)، وإسحاق (٢/ ٩٥/ ٥٦٢)، والبيهقي في السنن (١/ ١٧٤)، وفي الخلافيات (٢/ ٤٢٧/ ٧٧٣).
شذ أبو معاوية عن الجماعة، بزيادة: "ثم غسل رجليه" في آخره، ودخل له حديث في حديث.
قال البيهقي: "غريب صحيح، رواه مسلم في الصحيح عن يحيى بن يحيى، وقوله في آخر هذا الحديث: "ثم غسل رجليه": غريب صحيح، حفظه أبو معاوية دون غيره من أصحاب هشام من الثقات، وذلك للتنظيف إن شاء الله تعالى".
قلت: هذه الزيادة وهي تأخير غسل الرجلين إلى آخر الغسل: ثابتة صحيحة من حديث ميمونة المتفق عليه، وسيأتي معنا برقم (٢٤٥)، وهي صحيحة أيضًا من حديث عائشة من غير هذا الطريق، كما سيأتي بيانه، وأما من حديث هشام بن عروة فلا، بل هي زيادة شاذة، شذ بها أبو معاوية، وليس بذاك الحافظ -في غير حديث الأعمش-، عن بقية أصحاب هشام، لا سيما وفيهم أثبتهم: الإمام مالك الذي تابعه على ترك هذه الزيادة ما يربو على عشرين نفسًا من الثقات؛ فكيف يقال بعدُ: حفظه أبو معاوية، وقد سأل الأثرمُ الإمامَ أحمد، فقال له: أبو معاوية صحيح الحديث عن هشام؟ فقال الإمام: "لا، ما هو بصحيح الحديث عنه"، وقال أبو داود: قلت لأحمد: كيف حديث أبي معاوية عن هشام بن عروة؟ قال: "فيها أحاديث مضطربة، يرفع منها أحاديث إلى النبي ﷺ [شرح علل الترمذي (٢/ ٦٨٠)، التعديل والتجريح (٢/ ٦٣١)، التهذيب (٣/ ٥٥٢)].
قال ابن رجب في فتح الباري (١/ ٢٣٥): "ويدل على أنها غير محفوظة عن هشام:
стр. 1019
أن أيوب روى هذا الحديث عن هشام، وقال فيه: "فقلت لهشام: يغسل رجليه بعد ذلك؟ فقال: وضوءه للصلاة، وضوءه للصلاة" أي: أن وضوءه في الأول كافٍ، ذكره ابن عبد البر"، انظره في التمهيد (٨/ ١٧٤).
وقال أبو الفضل بن عمار الجارودي الشهيد في العلل (٩): "ووجدت فيه حديث: أبي معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: في الاغتسال من الجنابة، وفيه: "ثم غسل رجليه"، قال أبو الفضل: وهذا الحديث رواه جماعة من الأئمة عن هشام، منهم: زائدة، وحماد بن زيد، وجرير، ووكيع، وعلي بن مسهر، وغيرهم: فلم يذكر أحد منهم غسل الرجلين إلا أبو معاوية.
ولم يذكر غسل اليدين ثلاثًا من ابتداء الوضوء غير وكيع.
وليس زيادتهما عندنا بالمحفوظة.
وسمعت أبا جعفر الحضرمي يقول: سمعت ابن نمير يقول: "كان أبو معاوية يضطرب فيما كان عن غير الأعمش".
وسمعت الحسين بن إدريس يقول: سمعت عثمان بن أبي شيبة يقول: "أبو معاوية في حديث الأعمش حجة وفي غيره لا". اهـ كلامه.
قلت: كلامه في نفسه صحيح، وأما الاعتراض به على مسلم فليس بجيد؛ فإنه -فيما يبدو لي- أن مسلمًا قد أعل هذه الزيادة، وزيادة وكيع الآتية.
فإن مسلمًا بدأ برواية أبي معاوية عن هشام فذكر نصها، ثم أتبعها برواية: جرير بن عبد الحميد، وعلي بن مسهر، وعبد الله بن نمير، فقال: "وليس في حديثهم غسل الرجلين".
ثم أتبع ذلك برواية وكيع، فذكر أولها إلى قوله: "فبدأ فغسل كفيه ثلاثًا"، فقال: "ثم ذكر نحو حديث أبي معاوية، ولم يذكر غسل الرجلين".
ثم ختم برواية زائدة بن قدامة، وليس فيها شيء من ذلك: لا تأخير غسل الرجلين، ولا تثليث غسل الكفين.
وليس يخفى على كل ممارس لهذا الفن، عالم بقواعد الأئمة في التعليل، لا سيما الإمام مسلم نفسه في كتاب التمييز، ليس يخفى عليه أن هؤلاء الخمسة أثبت في هشام من أبي معاوية.
فكيف يخفى مثله على الإمام مسلم، ولا أراه ذكر ذلك إلا تعليلًا لهاتين الروايتين، والله أعلم.
وفي هذا كفاية.
والذي يظهر لي -والله أعلم-: أن أبا معاوية قد دخل له حديث في حديث، فإن أبا معاوية يروي حديث ميمونة أيضا، وهو المشتمل على هذه الزيادة، فأدرجها في حديث عائشة، وانظر: حديث ميمونة الآتي برقم (٢٤٥).
стр. 1020
٢ - وكيع بن الجراح، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ اغتسل من الجنابة، فبدأ فغسل كفيه ثلاثًا، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم أدخل يده، فخلل بها أصول شعره، حتى خيل إليه أنه استبرأ البشرة، ثم صب على رأسه الماء، ثم أفاض على سائر جسده الماء.
أخرجه مسلم (٣١٦)، وأبو نعيم في المستخرج (٧١١)، وأحمد (٦/ ٥٢)، وإسحاق (٢/ ٩٤/ ٥٦٠)، وابن أبي شيبة (١/ ٦٤ و ٦٥/ ٦٨٥ و ٦٩٨)، والبيهقي (١/ ١٧٢).
قال ابن عمار الشهيد بأن هذه الزيادة "فغسل كفيه ثلاثًا" ليست بالمحفوظة.
وهو كما قال، ويقال فيها ما قيل في زيادة أبي معاوية، وانظر: شرح العلل (٢/ ٦٨١).
ولم يتابعه على هذه الزيادة سوى:
٣ - مبارك بن فضالة، رواه عن هشام بنحو رواية أبي معاوية، دون آخره: "ثم غسل رجليه".
أخرجه الطبراني في الأوسط (٩/ ١٢٤/ ٩٣١١).
ومبارك بن فضالة: بصري، صدوق، يدلس، وقد عنعنه.
ووكيع بن الجراح: كوفي، ثقة حافظ.
وحديث أهل المدينة عن هشام: أصح من حديث أهل العراق، لا سيما وقد تفردا بهذه الزيادة دون بقية من روى الحديث عن هشام من الثقات المدنيين والعراقيين.
٤ - حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان يتوضأ من الجنابة، ثم يدخل يده اليمنى في الماء، ثم يخلل بها شق رأسه الأيمن، فيتبع بها أصول الشعر، ثم يفعل بشق رأسه الأيسر بيده البسرى كذلك، حتى يستبرئ البشرة، ثم يصب على رأسه ثلاثًا.
أخرجه أحمد (٦/ ١٠١)، وأبو يعلى (٧/ ٤٥٧/ ٤٤٨٢)، والطحاوي في أحكام القرآن (١/ ٨٨/ ٥٣)، والبيهقي (١/ ١٧٥)، واللفظ له.
وقد اختلف في لفظه على حماد، وقد رواه عفان بن مسلم عن حماد بدون هذا التفصيل في غسل الرأس [عند أحمد]، وليس هذا بمحفوظ من حديث هشام بن عروة، وإن كان يحفظ من حديث غيره، مثل: حديث حنظلة بن أبي سفيان، عن القاسم، عن عائشة، والذي تقدم برقم (٢٤٠).
• وأما الطرق التي فيها تأخير غسل القدمين، فمنها:
١ - ما رواه عطاء بن السائب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة، بدأ فغسل يديه، ثم أخذ بيمينه فصب على شماله، فغسل فرجه حتى ينقيه، ثم مضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، وذراعيه ثلاثًا ثلاثًا، ثم صب على رأسه وجسده الماء، فإذا فرغ غسل قدميه.
стр. 1021
أخرجه الطيالسي (٣/ ٨١/ ١٥٧٧)، وأحمد (٦/ ٩٦)، والحسن بن سفيان النسوي في الأربعين (٢٢)، وأبو يعلى (٧/ ٤٥٦/ ٤٤٨١)، وابن المنذر (٢/ ٣٢٧/ ٦٦٦)، والطحاوي في أحكام القرآن (١/ ٨٨/ ٥٤)، والبيهقي (١/ ١٧٤).
كلهم من طريق حماد بن سلمة عن عطاء به هكذا، بذكر غسل القدمين في آخره.
ورواه شعبة بن الحجاج، وزائدة بن قدامة، وعمر بن عبيد الطنافسي، عن عطاء بن السائب به نحوه؛ إلا أنهم لم يذكروا في آخره: غسل القدمين.
أخرجه النسائي (١/ ١٣٢ - ١٣٣ و ١٣٣ و ١٣٤/ ٢٤٣ - ٢٤٦)، وابن حبان (٣/ ٤٦٥ ١١٩١)، وأحمد (٥/ ١١٦ و ١٤٣ و ١٦١ و ١٧٣ - ١٧٤)، وابن أبي شيبة (١/ ٦٤ و ٦٨/ ٦٨٦ و ٧٤٠).
وأشبههم رواية برواية حماد بن سلمة: زائدة بن قدامة، رواه عن عطاء بن السائب، قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يجنب؛ فيوضع له الإناء فيه الماء، فيفرغ على يديه فيغسلها قبل أن يدخلهما في الإناء، ثم يدخل بده اليمنى في الإناء، فيفرغ بها على بده اليسرى فيغسل فرجه، ثم يمضمض ويستنشق ثلاثًا، ويغسل وجهه وذراعيه، ثم يغرف ثلاث غرفات فيصبها على رأسه، ثم يغتسل [أحمد (٦/ ١٦١)].
وعلى هذا فإن رواية زائدة، وكذا شعبة، وعمر بن عبيد، وإن لم يكن فيها ذكر غسل القدمين، فإنه داخل في قوله: "ثم يغتسل"، أو قوله: "ثم يفيض على سائر جسده"؛ لأنهم ذكروا الوضوء كاملًا، أو بعضه دون غسل القدمين، مما يقتضي تأخير غسلهما إلا آخر الغسل وصب الماء.
وحماد بن سلمة: ثقة حافظ تقبل زيادته مع هذه القرينة، ولو أن شعبة وزائدة والطنافسي قالوا في روايتهم: "ثم توضأ وضوءه للصلاة" لكان غسل القدمين داخلًا فيه، ولرددنا بذلك رواية حماد.
وأما عطاء بن السائب، فإن اختلاطه مشهور، وممن سمع منه قبل الاختلاط: شعبة، وزائدة، وحماد بن سلمة.
قال ابن معين: "حديث سفيان وشعبة بن الحجاج وحماد بن سلمة عن عطاء بن السائب: مستقيم" [تاريخ الدوري (٢/ ٤٠٣)، الكامل (٥/ ٣٦١ - ٣٦٢)، شرح علل الترمذي (٢/ ٧٣٥). وانظر: فوائد التقريب (٤٢٨)، لحسان عبد المنان فقد جمع المتفرق].
فهو إسناد حسن.
وصححه الحافظ في الفتح (١/ ٤٢٩).
٢ - وروى الطبراني في الأوسط (٨/ ٢٧٤/ ٨٦١٩)، قال: حدثنا مسعود بن محمد الرملي: ثنا عمران بن هارون: ثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير، عن
стр. 1022
عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة بدأ فأفرغ على يديه، ثم يدخلها في الإناء، ثم يغسل فرجه وما مس النكاح، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يفيض على رأسه ثلاث حثيات، يخلل بين أصول شعره، ثم يفيض على جسده، ثم يغسل قدميه حين ينصرف.
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن أبي الأسود إلا ابن لهيعة".
فإن كان كما قال: أعني: توبع عليه عمران بن هارون، وهو حديث معروف عن ابن لهيعة، فحينئذ يكون مثله صالحًا للاستشهاد، وإلا فلا.
فإن إسناد الطبراني هذا مسلسل بالضعفاء:
ابن لهيعة: ضعيف، وعمران بن هارون الرملي الصوفي: قال أبو زرعة: "صدوق"، وروى عنه، وقال ابن حبان في الثقات: "يخطئ ويخالف"، وقال ابن يونس: "في حديثه لين" [الجرح والتعديل (٦/ ٣٠٧)، الثقات (٨/ ٤٩٨)، تاريخ الإسلام (١٦/ ٣٠٨)، اللسان (٤/ ٤٠٤)]، ومسعود بن محمد الرملي: قال الهيثمي في المجمع (٥/ ٣١): "وهو ضعيف"، وقد ذهب العلامة الألباني -رحمه الله تعالى- في الضعيفة (٨/ ٢٩١/ ٣٨٢٦) إلى توهيم الهيثمي في حكمه هذا، بناءً على أنه التبس عليه بأبي سعيد مسعود بن محمد الجرجاني المترجم له في الميزان (٤/ ١٠٠)، وذيله (٤١٨)، وإنما هذا آخر غيره، وهو أبو الجارود مسعود بن محمد بن مسعود الرملي: شيخ روى عنه الطبراني أحاديث، وهو شيخ مقل، ليس بالمكثر، وله أفراد [انظر: أطراف الغرائب والأفراد للدارقطني (٥/ ١٣٩/ ٤٩٣٠)].
• وللحديث أسانيد أخرى، وألفاظ أخرى:
انظر: صحيح مسلم (٣٢١/ ٤٣)، صحيح أبي عوانة (١/ ٢٤٩/ ٨٥٨)، مسند أحمد (٦/ ٢٥٢)، المعجم الأوسط للطبراني (٨/ ٣٥٦/ ٨٨٦٢)، الناسخ لابن شاهين (٤٦)، سنن البيهقي (١/ ١٧٢).
قال ابن عبد البر في أول شرحه لحديث عائشة في صفة غسل النبي ﷺ من الجنابة: "في هذا الحديث كيفية غسل المغتسل من الجنابة، وهو من أحسن حديث روي في ذلك، وفيه فرض وسُّنَّة، فأما السُّنَّة: فالوضوء قبل الاغتسال من الجنابة، ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ أنه كان يفعل ذلك.
إلا أن المغتسل من الجنابة إذا لم يتوضأ، وعم جميع جسده ورأسه ويديه ورجليه وسائر بدنه بالماء، وأسبغ ذلك وأكمله بالغسل، ومرر يديه؛ فقد أدى ما عليه -إذا قصد الغسل ونواه-، وتم غسله.
لأن الله إنما فرض على الجنب الغسل دون الوضوء بقوله : ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]، وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦].
وهذا إجماع لا خلاف فيه بين العلماء.
إلا أنهم مجمعون أيضًا على استحباب الوضوء قبل الغسل للجنب تأسيًا برسول الله ﷺ ، ولأنه أعون على الغسل، وأهذب فيه.
стр. 1023
وأما بعد الغسل فلا" اهـ كلامه من التمهيد (٨/ ١٧٤ - ط إحياء التراث).
***
٢٤٣ - . . . محمد بن أبي عدي: حدثنا سعيد، عن أبي معشر، عن النخعي، عن الأسود، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يغتسل من الجنابة: بدأ بكفيه فغسلهما، ثم غسل مراففه، وأفاض عليه الماء، فإذا أنقاهما أهوى بهما إلى الحائط، ثم يستقبل الوضوء، ويفيض الماء على رأسه.
• حديث ضعيف.
أخرجه أبو يعلى (٨/ ٢٦٨/ ٤٨٥٥)، من طريق ابن أبي عدي.
وأخرجه أحمد (٦/ ١٧١)، من طريق غندر محمد بن جعفر، وعبد الوهاب بن عطاء الخفاف: كلاهما عن سعيد بن أبي عروبة به.
خالفهم: عبدة بن سليمان، فرواه عن ابن أبي عروبة، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يغتسل من الجنابة بدأ فغسل يمينه، ثم غسل ما هناك بشماله، وأفرغ بيمينه، ثم أهوى بيده إلى الحائط فدلكها، ثم أفاض عليه الماء. قال إبراهيم: والاستنشاق ثلاث.
أخرجه إسحاق (٣/ ٩٣٦/ ١٦٣٨).
هكذا رواه عبدة بن سليمان بدون ذكر الأسود في إسناده، وهو الصواب.
وذلك لأن عبدة بن سليمان: ثقة ثبت، وهو أثبت الناس سماعًا من ابن أبي عروبة، وممن سمع منه قبل الاختلاط.
وأما الثلاثة: ابن أبي عدي، ومحمد بن جعفر، وعبد الوهاب الخفاف: فإنهم سمعوا منه بعد الاختلاط، نعم الخفاف سمع منه قبل الاختلاط وبعده، إلا أنه لم يكن يميز هذا من هذا، فالتحق بالآخرين [انظر: الكواكب النيرات (٢٥)، شرح العلل (٢/ ٧٤٣)].
وأما عبدة بن سليمان: فإنه سمع منه في الحالين لكنه ميز بينهما، ولم يحدث عن ابن أبي عروبة بما سمعه منه في الاختلاط.
وعلى هذا فإن هذا الإسناد رجاله ثقات، إلا أنه منقطع؛ فإن إبراهيم بن يزيد النخعي: دخل على عائشة وهو صغير، ولم يسمع منها شيئًا [المراسيل (١)، جامع التحصيل (١٣)، تحفة التحصيل (١٩)].
قال علي بن المديني: "إبراهيم النخعي: لم يلق أحدًا من أصحاب النبي ﷺ ، قيل له: فعائشة؟ قال: "هذا شيء لم يروه غير سعيد بن أبي عروبة عن أبي معشر عن إبراهيم، وهو ضعيف"، وقد أثبت له اللقي أبو حاتم إلا أنه جزم بأنه لم يسمع منها شيئًا لصغره.
стр. 1024
وأبو معشر هو زياد بن كليب: ثقة، من قدماء أصحاب إبراهيم [التهذيب (١/ ٦٥٢)، مسائل الإمام أحمد لأبي داود (٢٠١٠ و ٢٥١١)].
وسعيد بن أبي عروبة قد سمع من أبي معشر، وقال الإمام أحمد: "أروى الناس عن أبي معشر: ابنُ أبي عروبة" [العلل ومعرفة الرجال (٥٢٤٨)، مصنف ابن أبي شيبة (٥/ ٤٤٤/ ٢٧٨٣٥)، مسند علي من تهذيب الآثار (٤٣٦)]، فلا يعلُّ إذًا بتدليس ابن أبي عروبة، أو بعدم سماعه من أبي معشر [وانظر: المراسيل (٢٧٨)، جامع التحصيل (١٨٢)، تحفة التحصيل (١٢٥)]، وقد تقدم معنا مثل هذا الإسناد، وتكلمنا عليه فيما سبق، فليراجع ففيه فوائد، الحديث رقم (٣٣ و ٣٤).
• وقد تابع ابنَ أبي عروبة على هذا الوجه المحفوظ عنه:
قتادة، فرواه عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن عائشة، مرسلًا.
ذكره الدارقطني في العلل (١٤/ ٢٦١/ ٣٦١٢).
فهو حديث ضعيف؛ لانقطاعه، والله أعلم.
***
٢٤٤ - قال أبو داود: حدثنا الحسن بن شوكر: حدثنا هشيم، عن عروة الهمداني: حدثنا الشعبي، قال: قالت عائشة ﵂: لئن شئتم لأرينكم أثر يد رسول الله ﷺ في الحائط حيث كان يغتسل من الجنابة.
• حديث ضعيف.
أخرجه من طريق أبي داود: البيهقي (١/ ١٧٣).
ورواه أحمد في مسنده (٦/ ٢٣٦ - ٢٣٧)، قال: حدثنا يزيد [يعني: ابن هارون]: أخبرنا عروة أبو عبد الله البزاز، عن الشعبي، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة بدأ فتوضأ وضوءه للصلاة، وغسل فرجه وقدميه، ومسح يده بالحائط، ثم أناض عليه الماء، فكأني أرى أثر يده في الحائط.
ثم وجدت بحشلًا أخرجه في تاريخ واسط (١٢٠)، من طريق: هشيم، عن عروة بن عبد الله البزاز، عن الشعبي، عن عائشة ﵂، قالت: إن شئتم أريتكم المكان الذي كان رسول الله ﷺ يدلك يده إذا توضأ.
ثم قال: "هذا عروة بن عبد الله الهمداني، يكنى أبا عبد الله".
وبهذا يظهر جليًّا أن عروة هذا ليس هو عروة بن الحارث أبا فروة الهمداني، وإنما هو غيره، وهذا إنما يؤكد ما ذهب إليه البخاري وابن أبي حاتم وابن حبان إلى التفرقة بينهما [التاريخ الكبير (٧/ ٣٤)، الجرح والتعديل (٦/ ٣٩٨)، الثقات (٥/ ١٩٧) و (٧/ ٢٨٧ و ٢٨٨)، وقال في الأخير هذا: "يروي المقاطيع"].
стр. 1025
وعروة أبو عبد الله البزاز هذا: ذكر ابن أبي حاتم في ترجمته قول ابن معين: "عروة أبو عبد الله الهمداني: ثقة".
وعلى هذا فإن رجال هذا الإسناد ثقات؛ إلا أنه منقطع، فقد قال ابن معين وأبو حاتم: "الشعبي عن عائشة: مرسل"، زاد أبو حاتم: "إنما يحدث عن مسروق عن عائشة" [المراسيل (٥٨٩ و ٥٩١)، جامع التحصيل (٢٠٤)، تحفة التحصيل (١٦٣)].
فهو حديث ضعيف.
***
٢٤٥ - . . . الأعمش، عن سالم، عن كريب: حدثنا ابن عباس، عن خالته ميمونة، قالت: وضعت للنبي ﷺ غسلًا يغتسل به من الجنابة، فأكفأ الإناء على يده اليمنى، فغسلها مرتين -أو: ثلاثًا-، ثم صب على فرجه، فغسل فرجه بشماله، ثم ضرب بيده الأرض فغسلها، ثم مضمض واستنشق، وغسل وجهه ويديه، ثم صب على رأسه وجسده، ثم تنحى ناحيةً فغسل رجليه، فناولته المنديل فلم يأخذه، وجعل ينفض الماء عن جسده.
فذكرت ذلك لإبراهيم فقال: كانوا لا يرون بالمنديل بأسًا، ولكن كانوا يكرهون العادة.
قال مسدد [شيخ أبي داود في الحديث]: قلت لعبد الله بن داود [راويه عن الأعمش]: كانوا يكرهونه للعادة؟ فقال: هكذا هو، ولكن وجدته في كتابي هكذا.
• حديث متفق على صحته.
أخرجه البخاري (٢٤٩ و ٢٥٧ و ٢٥٩ و ٢٦٥ و ٢٦٥ و ٢٦٦ و ٢٧٤ و ٢٧٦ و ٢٨١)، ومسلم (٣١٧) و (٣٣٧)، وأبو عوانة (١/ ٢٥٠ و ٢٥١/ ٨٦٤ - ٨٦٦)، وأبو نعيم في المستخرج (١/ ٣٦٧ و ٣٦٨ و ٣٨٥/ ٧١٢ - ٧١٥ و ٧٦٢)، والترمذي (١٠٣)، وقال: "حسن صحيح". وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه (٨٥ و ٨٦)، والنسائي (١/ ١٣٧ - ١٣٨ و ١٣٨ و ٢٠٠ و ٢٥٤ و ٢٠٨/ ٢٥٣ و ٢٥٤ و ٤٠٨ و ٤١٨ و ٤١٩ و ٤٢٨)، وابن ماجه (٤٦٧) و (٥٧٣)، والدارمي (١/ ٢٠٨/ ٧٤٧)، وابن خزيمة (١/ ١٢٠/ ٢٤١)، وابن حبان (٣/ ٤٦٣/ ١١٩٠)، وابن الجارود (٩٧ و ١٠٠)، وأحمد (٦/ ٣٢٩ - ٣٣٠ و ٣٣٠ و ٣٣٥ و ٣٣٦)، وابنه عبد الله في زيادات المسند (٦/ ٣٣٠)، والطيالسي (٣/ ١٩٨ و ١٩٩/ ١٧٣٣ و ١٧٣٤)، والحميدي (٣١٦)، وعبد الرزاق (١/ ٢٦١/ ٩٩٨)، وابن أبي شيبة (١/ ٦٤ و ٧٠/ ٦٨٤ و ٧٥٥)، وابن سعد في الطبقات (١/ ٣٨٦)، وإسحاق بن راهويه (٤/ ٢١٦ و ٢١٧ و ٢٣١ - ٢٣٢/ ٢٠٢١ - ٢٠٢٤ و ٢٠٤٠)، وأبو يعلى (١٣/ ١٧ و ٢٥/ ٧١٠١
стр. 1026
و ٧١٠٨)، وابن المنذر (١/ ٣٥٧ و ٤١٩/ ٣٢٢ و ٤٣٠) و (٢/ ١١٩ و ١٢٦ و ١٣٠/ ٦٤٧ و ٦٦٤ و ٦٧٥)، والطحاوي في أحكام القرآن (٥٥)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٤٢٢ - ٤٢٤/ ١٠٢٣ - ١٠٢٦) و (٢٤/ ١٨/ ٣٥ و ٣٨)، والدارقطني (١/ ١١٤)، وابن حزم (٢/ ٢٩ و ٤٧)، والبيهقي (١/ ١٧٣ و ١٧٤ و ١٧٦ و ١٧٧ و ١٨٤ و ١٨٥ و ١٩٧ و ٢٣٦)، وابن عبد البر (٨/ ١٧٥)، والبغوي في شرح السُّنَّة (١/ ٢٤٨/٣٤٢)، وقال: "هذا حديث متفق على صحته". وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٣/ ٣٤١)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٢٢٤ - ٢٥٨/ ٢٢٥)، وابن دقيق العيد في الإمام (٣/ ١٠٧).
رواه عن الأعمش جمع كبير من الثقات، منهم: سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وأبو معاوية، وعبد الواحد بن زياد، وحفص بن غياث، وأبو عوانة، والفضل بن موسى، وأبو حمزة السكري، وعيسى بن يونس، ووكيع بن الجراح، وعبد الله بن إدريس، وزائدة بن قدامة، وعبد الله بن داود، وعبيدة بن حميد، وجرير بن عبد الحميد، ومحمد بن فضيل، وعبد الحميد بن عبد الرحمن أبو يحيى الحماني، ومحاضر بن المورع (١٨).
وفي إحدى روايات البخاري [رواية أبي حمزة السكري] قالت ميمونة: وضعت للنبي ﷺ غسلًا، فسترته بثوب، وصب على يديه فغسلهما، ثم صب بيمينه على شماله فغسل فرجه، فضرب بيده الأرض فمسحها، ثم غسلها فمضمض واستنشق، وغسل وجهه وذراعيه، ثم صب على رأسه، وأفاض على جسده، ثم تنحى فغسل قدميه، فناولته ثوبًا فلم يأخذه، فانطلق وهو ينفض يديه [البخاري (٢٧٦)].
وفي رواية: ثم مسح بيده على الحائط أو الأرض [البخاري (٢٨١)].
وفي رواية مسلم [رواية عيسى بن يونس]: أدنيت لرسول الله ﷺ غسله من الجنابة، فغسل كفيه مرتين -أو: ثلاثًا- ثم أدخل يده في الإناء، ثم أفرغ به على فرجه، وغسله بشماله، ثم ضرب بشماله الأرض، فدلكها دلكًا شديدًا، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفه، ثم غسل سائر جسده، ثم تنحى عن مقامه ذلك، فغسل رجليه، ثم أتيته بالمنديل فرده.
وقد زاد حديث ميمونة على حديث عائشة المتفق علىه بأمور:
منها: أنها سترته بثوب.
ومنها: دلك يده اليسرى بالأرض أو بالحائط.
ومنها: تأخير غسل الرجلين.
ومنها: ترك التنشيف.
• فإن قيل: أيهما أفضل إتمام الوضوء، أم تأخير غسل الرجلين؟
فنقول: حديث عائشة في إتمام الوضوء أولى بالعمل، وذلك لأن حديث عائشة حكاية عن فعل النبي ﷺ الدائم في غسله للجنابة، وأما حديث ميمونة الذي روت فيه تأخير غسل الرجلين؛ فإنه واقعة عين لا عموم لهما.
стр. 1027
وأيًّا كان فكلاهما جائز لفعله ﷺ ، لكن ما داوم عليه أفضل، وهو إتمام الوضوء.
انظر: فتح الباري لابن رجب (١/ ٢٣٩)، وشرحه لحديث ميمونة في مواضعه من الصحيح.
ولحديث ميمونة طريق أخرى: عن كريب، عن ابن عباس، عن ميمونة به نحوه.
أخرجه الدارمي (١/ ١٩٤/ ٧١٢)، وعبد بن حميد (١٥٥٠)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٤٢٤/ ١٠٢٧).
***
٢٤٦ - . . . ابن أبي ذئب، عن شعبة، قال: إن ابن عباس كان إذا اغتسل من الجنابة: يفرغ بيده اليمنى على يده اليسرى سبع مرار، ثم يغسل فرجه، فنسي مرة كم أفرغ، فسألني: كم أفرغت؟ فقلت: لا أدري، فقال: لا أمَّ لك، وما يمنعك أن تدري؟ ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يفيض على جلده الماء، ثم يقول: هكذا كان رسول الله ﷺ يتطهر.
• حديث منكر.
أخرجه أحمد (١/ ٣٠٧)، والطيالسي (٤/ ٤٤٨/ ٢٨٥١)، والطبراني في الكبير (١١/ ٤٣٠/ ١٢٢٢١)، والمزي في التهذيب (١٢/ ٥٥٠).
قلت: هذا حديث منكر، مخالف للأحاديث الصحيحة المروية في الصحيحين وغيرهما في صفة غسل النبي ﷺ ؛ لا سيما: حديث عائشة، وحديث ميمونة الذي يرويه ابن عباس نفسه.
وغاية ما في حديث ميمونة الذي يرويه ابن عباس: أن النبي ﷺ غسل يديه في أول الغسل ثلاث مرات لم يزد عليها، بخلاف ما يرويه شعبة هذا فإنه جعله سبع مرار.
وشعبة هذا هو: ابن دينار المديني، مولى ابن عباس، قال فيه مالك -وهو الحكم في أهل المدينة، ولا قول لأحد فيهم بعده- قال: "ليس بثقة"، وهذا جرح شديد، موافق لقول ابن حبان فيه: "يروي عن ابن عباس ما لا أصل له، كأنه ابن عباس آخر"، والجمهور على تليينه، وأنه ليس بقوي [انظر: التهذيب (٢/ ١٧٠)، الميزان (٢/ ٢٧٤)، بيان الوهم (٥/ ٢٤٩٨/٣٢٤ و ٢٤٩٩) ولم يعمل شيئًا].
والحديث ضعفه عبد الحق الإشبيلي في أحكامه الوسطى (١/ ١٩٨)، وتعقبه ابن القطان فلم يعمل شيئًا.
وقال ابن عبد البر في التمهيد (٨/ ١٧٥) بعد حديث ميمونة المتفق عليه: "هذا الحديث لصحته يرد: ما رواه شعبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس: أنه كان إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه سبعًا، وفرجه سبعًا، وشعبة هذا: ليس بالقوي".
***
стр. 1028
٢٤٧ - . . . أيوب بن جابر، عن عبد الله بن عُصْم، عن عبد الله بن عمر، قال: كانت الصلاة خمسين، والغُسل من الجنابة سبعَ مرار، وغَسل البول من الثوب سبع مرار، فلم يزل رسول الله ﷺ يسأل حتى جُعلت الصلاة خمسًا، والغُسل من الجنابة مرة، وغَسل البول من الثوب مرة.
• حديث منكر.
أخرجه أحمد (١/ ١٠٩)، وابن حبان في المجروحين (٢/ ٥)، والطبراني في الصغير (١/ ١٢٣/ ١٨٢)، وابن شاهين في الناسخ (٤٥)، والبيهقي (١/ ١٧٩ و ٢٤٤)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ٤٣/ ٥٣٣٢)، وفي التحقيق (١/ ٥٨/٧٥).
قال الطبراني: "لم يروه عن ابن عمر: إلا عبد الله بن عصم أبو علوان الكوفي، تفرد به اْيوب بن جابر، وقد قيل: عبد الله بن عصمة، والصواب: عبد الله بن عصم".
وقال ابن الجوزي: "هذا حديث لا يصح".
وقال ابن عبد البر في التمهيد (٨/ ١٧٥): "وإسناد هذا الحديث أيضًا عن ابن عمر: فيه ضعف ولين".
وضعفه ابن حبان جدًّا فأفحش القول في عبد الله بن عصم، وأفرط فيه فقال: "منكر الحديث جدًّا على قلة روايته، يروي عن الأثبات ما لا يشبه أحاديثهم، حتى يسبق إلى القلب أنها موهومة أو موضوعة".
ثم ذكر حديثه هذا، ثم قال: "على أن أيوب بن جابر: أيضًا لا شيء".
قلت: قوله في الثقات (٥/ ٥٧) عنه: "يخطئ كثيرًا" أقرب إلى الاعتدال، فقد قال فيه ابن معين: "ثقة"، وقال أبو زرعة: "ليس به بأس"، وقال أبو حاتم: "شيخ"، وقال البخاري: "مقارب الحديث" [الجرح والتعديل (٥/ ١٢٦)، ترتيب علل الترمذي (٣٤٢)، التهذيب (٢/ ٣٨٦)، الميزان (٢/ ٤٦٠)].
فمثله يقال فيه كما قال ابن حجر في التقريب (٣٣٠): "صدوق يخطئ".
فلا ينبغي إذًا الحمل عليه في هذا الحديث، وإنما علة الخبر: أيوب بن جابر؛ فإنه: ضعيف، بل قد خالف فيه من هو أقوى منه: شريك بن عبد الله النخعي، فشريك وإن كان سيء الحفظ؛ إلا أنه أقوى من أيوب بن جابر بلا شك.
• رواه شريك، عن عبد الله بن عصم أبي علوان، عن ابن عباس، قال: أمر نبيكم ﷺ بخمسين صلاة، فنازل ربكم [وفي رواية: فسأل ربه] أن يجعلها خمس صلوات.
أخرجه ابن ماجه (١٤٠٠)، وأحمد (١/ ٣١٥)، والطبراني في الأوسط (٦/ ١٧٢/ ٦١٠٩)، والخطيب في الموضح (٦/ ٢٠٢)، وفي تالي تلخيص المتشابه (٢/ ٥٣٠/ ٣٢٣) والمزي في التهذيب (١٥/ ٣٠٧ - ٣٠٨).
стр. 1029
قال المزي في تحفة الأشراف (٥/ ٤٧): "كذا قال، والصواب: عن ابن عمر".
وكذا قال البوصيري في مصباح الزجاجة (٢/ ١٢).
لكن تعقب المزيَّ، ابنُ حجر فقال في النكت الظراف: "رواه كذلك عن عبد الله بن عصم: أيوب بن جابر، وشريك أقوى منه"، صححت ما فيه من تحريف.
وهذا ظاهر.
• وعليه فإن حديث ابن عمر هذا: حديث منكر، زاد فيه أيوب بن جابر، عن عبد الله بن عصم، ما ليس منه وجعله من مسند حديث ابن عمر.
والصواب ما رواه شريك فجعله من مسند ابن عباس، ولم يذكر التخفيف إلا في الصلاة، فلم يذكر التخفيف في غُسل الجنابة، ولا في غَسل البول.
وما رواه شريك من التخفيف في الصلاة من خمسين إلى خمس: قد صح من حديث مالك بن صعصعة وغيره في الصحيح.
[انظر: حديث أبي ذر: "هي خمس وهي خمسون"، عند: البخاري (٣٤٩ و ١٦٣٦ و ٣٣٤٢)، ومسلم (١٦٣)].
[حديث مالك بن صعصعة: جعلها خمسًا … "قد أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي"، عند: البخاري (٣٢٠٧ و ٣٣٩٣ و ٣٤٣٠ و ٣٨٨٧)، ومسلم (١٦٤)].
***
٢٤٨ - . . . الحارث بن وجيه: حدثنا مالك بن دينار، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن تحت كلِّ شعرة جنابة، فاغسلوا الشَّعر، وأنقوا البَشَر".
قال أبو داود: الحارث بن وجيه: حديثه منكر، وهو ضعيف.
• حديث منكر.
أخرجه الترمذي (١٠٦)، وأبو علي الطوسي في مختصر الأحكام (٩٢)، وابن ماجه (٥٩٧)، والعقيلي في الضعفاء الكبير (١/ ٢١٦)، وابن جرير الطبري في مسند علي من تهذيب الآثار (٣/ ٤٢٨/ ٢٧٨)، والسهمي في تاريخ جرجان (١٠٢)، وابن عدي في الكامل (٢/ ١٩٢)، والدارقطني في الأفراد (٥/ ٢٥١/ ٥٣٢٦ - أطرافه)، وابن الغطريف في جزئه (٧٦)، وتمام في الفوائد (١/ ٣٤١/ ٨٦٧ - ٨٦٩)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٨٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٧٥ و ١٧٩)، وفي الخلافيات (٢/ ٤٤١/ ٧٨٩ و ٧٩٠)، وفي المعرفة (١/ ٢٧٠/ ٢٧٦)، وابن عبد البر في التمهيد (٨/ ١٧٨ - ١٧٩ و ١٧٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٢/ ٣٥٧ و ٣٥٨)، وابن الجوزي في التحقيق (٢٦١)، وفي العلل المتناهية (١/ ٣٧٣/ ٦٢١)، والذهبي في التذكرة (٣/ ٩٤٢).
стр. 1030
وهذا حديث منكر، تفرد به الحارث بن وجيه، عن مالك بن دينار، والحارث بن وجيه هذا: ضعيف، قليل الحديث، ما له شيخ سوى مالك بن دينار.
قال أبو داود: "الحارث بن وجيه: حديثه منكر، وهو ضعيف".
وقال الترمذي: "حديث الحارث بن وجيه: حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديثه، وهو شيخ ليس بذاك، وقد روى عنه غير واحد من الأئمة، وقد تفرد بهذا الحديث عن مالك بن دينار، ويقال: الحارث بن وجيه، ويقال: ابن وجبة".
وقال العقيلي: "لا يتابع عليه، وله غير حديث منكر، وله إسناد غيرهما فيه لين أيضًا".
وقال ابن جرير الطبري بأنه واهي الإسناد.
وقال ابن عدي بعد أن روى له حديثين هذا أحدهما: "وهذان الحديثان بأسانيدهما عن مالك بن دينار، لا يحدث [بهما]، عن مالك بن دينار، غير الحارث بن وجيه، وللحارث بن وجيه غير ما ذكرت من الروايات شيء يسير، ولا أعلم له رواية إلا عن مالك بن دينار".
وقال الدارقطني: "غريب من حديث محمد عنه، تفرد به مالك بن دينار، وعنه الحارث بن وجيه" [أطراف الغرائب والأفراد (٢/ ٣٢٠/ ٥٤١٠)].
وقال أبو نعيم: "تفرد به الحارث عن مالك".
وقال البيهقي في السنن: "تفرد به موصولًا: الحارث بن وجيه، والحارث بن وجيه: تكلموا فيه".
وقال أيضًا: "قال الشافعي فيما حُكي عنه: فأما ما روي عن النبي ﷺ : "تحت كل شعرة جنابة، فبلُّوا الشعر، وأنقوا البشر": فإنه ليس بثابت" … ، ثم قال البيهقي: "تفرد به هكذا الحارث بن وجيه … "، ثم أسند إلى عباس الدوري قوله: سألت يحيى بن معين عن الحارث بن وجيه؟ فقال: "ليس حديثه بشيء"، ثم قال البيهقي: "وأنكره غيره أيضًا من أهل العلم بالحديث: البخاري، وأبو داود السجستاني، وغيرهما، وإنما يروى عن الحسن، عن النبي ﷺ : مرسلًا، وعن الحسن، عن أبي هريرة: موقوفًا، وعن النخعي: كان يقال".
وذكر نحوه في المعرفة والخلافيات، وزاد: "والحسن لم يسمع من أبي هريرة".
وقال ابن عبد البر: "وحديث: "فأبلوا الشعر، وأنقوا البشرة": يدور على الحارث بن وجيه، وهو ضعيف".
وقال ابن الجوزي في العلل: "تفرد به الحارث عن مالك مرفوعًا، وإنما يروى هذا عن أبي هريرة قوله.
قال يحيى: الحارث ليس بشيء. وقال ابن حبان: يتفرد بالمناكير عن المشاهير".
هذا ما وقفت عليه من كلام المصنفين الذين أخرجوا الحديث، وضعفوه.
стр. 1031
• وقد ضعفه غيرهم:
فقال أبو حاتم الرازي: "هذا حديث منكر، والحارث: ضعيف الحديث" [العلل (١/ ٢٩/ ٥٣)].
وقال الخطابي: "والحديث ضعيف، والحارث بن وجيه: مجهول" [المعالم (١/ ٦٩)].
وقال البزار: "ولا نعلم رواه عن مالك إلا الحارث بن وجيه".
وقال البغوي في شرح السُّنَّة (٢/ ١٨): "هو غريب الإسناد".
ونقل ابن عبد الهادي والنووي عن ابن معين أنه ضعفه [التنقيح (١/ ٢٠٧)، المجموع (٢/ ٢١٣)].
وقال الدارقطني في العلل (٨/ ١٠٣): "يرويه الحارث بن وجيه، عن مالك بن دينار، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ .
وغيره يرويه عن مالك بن دينار، عن الحسن: مرسلًا.
ورواه أبان العطار، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة.
ولا يصح مسندًا، والحارث بن وجيه: من أهل البصرة، ضعيف".
قال ابن حزم في المحلى (٢/ ٣٢): "فإنه من رواية الحارث بن وجيه، وهو ضعيف".
وقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (١/ ٢٠١): "هذا يرويه الحارث بن وجيه، وهو: ضعيف عندهم، ويقال: ابن وجبة".
وقال النووي في المجموع (٢/ ٢١٣): "ضعيف".
وقال ابن الملقن في البدر المنير (٢/ ٥٧٥): "وهو حديث ضعيف".
وقال ابن حجر في هداية الرواة (١/ ٢٣٥): "ضعيف".
وقال في التلخيص (١/ ٢٤٨): "ومداره على الحارث بن وجيه، وهو ضعيف جدًّا".
ومما نقله مغلطاي في شرح سنن ابن ماجه (٣/ ٧٨٩ و ٩٧٠) من كلام الأئمة زيادة على ما تقدم ذكره قال: "هذا حديث لما رواه أبو داود، أتبعه: الحارث: حديثه منكر، وهو ضعيف، كذا في كتاب اللؤلؤي وابن العبد، وعند ابن داسة: هذا الحديث ضعيف"، وما عند ابن داسة نقله البيهقي أيضًا في المعرفة (١/ ٢٧١).
وقال مغلطاي: "وفي علل الخلال: قال أبو عبد الله: الحارث بن وجيه: لا أعرفه، وهذا حديث منكر، إنما يروى عن الحسن: مرسلًا، وأما من حديث ابن سيرين فلا أعلمه".
"وفي كتاب الساجي: إنما يروى هذا عن الحسن، عن أبي هريرة: من قوله".
وقال البزار: "لا نعلم أسند مالك عن ابن سيرين إلا هذا الحديث، ولا نعلم رواه عن مالك إلا ابن وجيه".
وضعفه أيضًا: الألباني في مصنفاته، ومنها ضعيف سنن أبي داود (٩/ ١٠٠) رقم (٣٧).
стр. 1032
• وقد خالف الحارث بن وجيه:
عبد الله بن الوليد [أظنه: المزني الكوفي، وهو: ثقة] فرواه عن مالك بن دينار، عن الحسن، قال: قال رسول الله ﷺ : "تحت كل شعرة جنابة، بلوا الشعر، وأنقوا البشرة".
أخرجه البيهقي في الخلافيات (٢/ ٤٤٤/ ٧٩٢).
وهذا هو المحفوظ عن مالك بن دينار: عن الحسن مرسلًا.
• وتابعه على هذا الوجه فرواه عن الحسن، عن النبي ﷺ : مرسلًا هكذا بمثله:
يونس بن عبيد بن دينار العبدي البصري: ثقة ثبت فاضل ورع، من أثبت أصحاب الحسن البصري.
أخرجه من طريق يونس بإسناد صحيح إليه: عبد الرزاق (١/ ٢٦٢/ ١٠٠٢)، وأبو نعيم الفضل بن دكين في الصلاة (٩٣)، وابن البختري في الجزء الحادي عشر من فوائده (١٦٩) [مجموع مصنفاته برقم (٦٦٥)].
• ورواه سعيد بن أبي عروبة، وأبان بن يزيد العطار: كلاهما عن قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة قال: تحت كل شعرة جنابة، فبلوا الشعر، وأنقوا البشر.
أخرجه البيهقي في الخلافيات (٢/ ٤٤٤/ ٧٩٣)، من طريق سعيد. وذكره الدارقطني في العلل (٨/ ١٠٤)، من طريق أبان.
وهذا موقوف على أبي هريرة قوله، بإسناد رجاله ثقات، وهو منقطع، فإن الحسن لم يسمع من أبي هريرة، كما قال البيهقي قريبًا.
• وتابع قتادة:
قرة بن خالد السدوسي البصري [ثقة ضابط]، فرواه عن الحسن البصري، قال: تحث كل شعرة جنابة، قال: وقال أبو هريرة: أما أنا فأبل الشعر وأنقي البشر.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٩٦/ ١٠٦٨)، وابن جرير الطبري في مسند علي من تهذيب الآثار (٣/ ٢٨١/ ٤٣٢)، وجعله كله من قول أبي هريرة مثل قتادة.
• وقد روي هذا الحديث أيضًا ببعضه أو بمعناه من حديث: أبي أيوب الأنصاري، ومن حديث أنس بن مالك، ومن حديث عائشة، ولا يصح من ذلك شيء:
١ - أما حديث أبي أيوب:
فيرويه يحيى بن حمزة: حدثني عتبة بن أبي حكيم: حدثني طلحة بن نافع: حدثني أبو أيوب الأنصاري: أن النبي ﷺ قال: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، وأداء الأمانة: كفارة لما بينها"، قلت: وما أداء الأمانة؟ قال: "غسل الجنابة، فإن تحت كل شعرة جنابة".
أخرجه ابن ماجه (٥٩٨)، وابن نصر في تعظيم قدر الصلاة (٥١١)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٣/ ٢٨٠/ ٤٣٠)، وأبو العباس السراج في مسنده (٥٣٥ و ١٠٨٣)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (١٨٤٠)، والهيثم بن كليب الشاشي في مسنده
стр. 1033
(٣/ ٩٨ / ١١٥٧)، والمحاملي في الأمالي (٥٢٠)، والطبراني في الكبير (٤/ ١٥٥/ ٣٩٨٩)، وفي مسند الشاميين (١/ ٤١٦/ ٧٣٢)، والبيهقي في الشعب (٣/ ١٩/ ٢٧٤٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٨/ ٢٢٩) و (٥٣/ ٢٦٦).
وهو حديث ضعيف، رجاله ثقات، غير عتبة بن أبي حكيم؛ فإن فيه مقالًا لا ينزل بحديثه عن رتبة الحسن، إذا لم يتبين لنا خطؤه، ولم ينفرد بأصل وسُنَّة.
وقد أشبعت الكلام عليه وذكرت كلام الأئمة فيه في الحديث المتقدم برقم (٤٤) فليراجع.
وأما علة هذا الحديث: فهو الانقطاع فيه بين أبي سفيان طلحة بن نافع وأبي أيوب فإنه لم يسمع منه، وإن وقع التصريح بالسماع في هذه الرواية فإنه لا يغني شيئًا.
فإثبات السماع لا بد له من سند قوي لا سيما مع تصريح الأئمة بنفي هذا السماع، ولا يقوى عتبة على مثل هذا المقام.
قال ابن أبي حاتم في المراسيل (٣٥٩): "سمعت أبي يقول: وذكر حديثًا رواه عتبة بن أبي حكيم، عن أبي سفيان طلحة بن نافع، قال: حدثني أبو أيوب، وأنس وجابر عن النبي ﷺ حديثين.
قال أبي: لم يسمع أبو سفيان من أبي أيوب شيئًا. فأما جابر: فإن شعبة يقول: لم يسمع أبو سفيان من جابر إلا أربعة أحاديث.
قال أبي: وأما أنس فإنه يحتمل.
ويقال: إن أبا سفيان أخذ صحيفة جابر عن سليمان اليشكري".
وهذا الحديث وهَّى إسناده ابن جرير الطبري.
وقال ابن حجر في التلخيص (١/ ٢٤٩): "وإسناده ضعيف".
وضعفه الألباني في الضعيفة برقم (٣٨٠١) (٨/ ٢٧٢).
وإذا علمت ما تقدم فلا تغتر بكلام البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ٨٢)، ولا بقول مغلطاي في شرح سنن ابن ماجه (٣/ ٧٩١): "إسناده صحيح".
٢ - وأما حديث أنس: فهو حديث طويل مروي بأسانيد كثيرة منكرة، لا يصح منها شيء، ولا يصلح في الشواهد، خرجته في أحاديث الدعاء برقم (٦٣) (١/ ١٢٠).
والشاهد منه قوله ﷺ : "يا بني بالغ في الغسل من الجنابة؛ [فإن تحت كل شعرة جنابة]، تخرج من مغتسلك ليس عليك ذنب ولا خطيئة"، قلت: بأبي وأمي! ما المبالغة في الغسل؟ قال: "تبل أصول شعرك، وتنقي البشرة".
٣ - وأما حديث عائشة، فله طرق:
أ- شريك، عن خصيف، قال: حدثني رجل منذ ثلاثين سنة [وفي رواية: منذ ستين سنة]، عن عائشة، قالت: أجمرت شعري إجمارًا شديدًا، فقال لي رسول الله ﷺ : "يا عائشة أما علمت أن على كل شعرة جنابة".
стр. 1034
أخرجه أحمد (٦/ ١١٠ - ١١١ و ٢٥٤)، وإسحاق (٣/ ٩٦٤/ ١٦٨٠).
وإسناده ضعيف، شريك بن عبد الله النخعي، وشيخه: خصيف بن عبد الرحمن: صدوقان، سيئا الحفظ جدًّا، وفيه رجل مبهم.
ب- قال ابن عدي في الكامل (٧/ ٩٦): ثنا الخضر بن أحمد بن أمية: ثنا أحمد بن بكار بن أبي ميمونة: ثنا مسكين -هو: ابن بكير-، عن الوازع، عن أبي سلمة، عن عائشة: دخل رسول الله ﷺ وأنا أضفر شعري، قال: "وما تصنعين يا عائشة -وجعل يطعن بمخصرة في رأسي- إن تحت كل شعرة جنابة".
وهذا باطل منكر.
تفرد به الوازع بن نافع، عن أبي سلمة، والوازع: متروك، منكر الحديث، وقد أنكره عليه ابن عدي [اللسان (٦/ ٢٥٩)].
ج- أبو عبيدة شاذ بن الفياض: حدثنا الحارث بن شبل، عن أم النعمان، عن عائشة، قالت: سئل رسول الله ﷺ عن الغسل من الجنابة؟ فقال: "بلوا الشعر، وأنقوا البشر".
رواه عن شاذ: سمويه في فوائده (٨٠)، ومن طريقه: أبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ٢٥٥)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ١٢٧/ ٦٦٨).
وهذا منكر أيضًا.
قال البخاري: "الحارث بن شبل، عن أم النعمان، سمع منه هلال بن فياض: ليس بمعروف الحديث" [التاريخ الكبير (٢/ ٢٧٠)، الأوسط (٢/ ١٤٦)، الصغير (٥٩)].
وقال أبو حاتم في الحارث بن شبل: "هو منكر الحديث، ليس بالمعروف"، وقال ابن معين: "ليس بشيء"، وقال الدارقطني: "الحارث بن شبل: بصري، عن أم النعمان: مقل، وليست بمعروفة"، وقال أبو داود: "ليس بشيء"، وقال يعقوب بن سفيان: "مهجور، لا يعرف"، وضعفه أيضًا: ابن الجارود، والعقيلي، والساجي، وخالف الجميع: ابن حبان، فذكره في الثقات [الجرح والتعديل (٣/ ٧٧)، تاريخ الدوري (٢/ ٩٣)، تالي تلخيص المتشابه (٢/ ٥٨٦)، أسامي الضعفاء (٥٦)، سؤالات الآجري (٤/ ق ١٥)، المعرفة والتاريخ (٣/ ١٤١)، الضعفاء للدارقطني (١٥٦)، التهذيب (١/ ٣٣٠)، اللسان (٢/ ١٩٣)].
قال الحاكم في المعرفة (٥٧): "وأوهى أسانيد عائشة: نسخة عند البصريين، عن الحارث بن شبل، عن أم النعمان الكندية، عن عائشة".
وقال البيهقي في الخلافيات (٢/ ٤٤٥): "وقد كتبناه من حديث عائشة، وأنس ﵄ مرفوعًا: بإسنادين ضعيفين، لا يسويان ذكرهما".
• وروي معناه أيضًا من حديث ميمونة بنت سعد:
أخرجه الطبراني في الكبير (٢٥/ ٣٦/ ٦٤)، بإسناد مجهول، تقدم الكلام عليه تحت الحديث رقم (٢٢٧).
***
стр. 1035
٢٤٩ - . . . حماد: أخبرنا عطاء بن السائب، عن زاذان، عن علي: أن رسول الله ﷺ قال: "من ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسلها، فُعل به كذا وكذا من النار".
قال علي: فمِن ثَمَّ عاديتُ شعرَ رأسي، فمِن ثَمَّ عاديتُ رأسي، ثلاثًا، وكان يجز شعره ﵁.
• حديث ضعيف، والصحيح: موقوف على عليّ.
أخرجه ابن ماجه (٥٩٩)، والدارمي (١/ ٢١٠/ ٧٥١)، والضياء في المختارة (٢/ ٧٤ و ٧٥/ ٤٥١ - ٤٥٣)، وأحمد (١/ ٩٤ و ١٥١)، وابنه في زيادات المسند (١/ ١٣٣)، والطيالسي (١/ ١٤٥/ ١٧٠)، وابن أبي شيبة (١/ ٩٦/ ١٠٦٧)، والبزار (٣/ ٥٥ - ٥٦/ ٨١٣)، وابن جرير الطبري في مسند علي من تهذيب الآثار (٣/ ٢٧٦ و ٢٧٧/ ٤١ و ٤٢)، وابن عدي في الكامل (٥/ ٣٦٤)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٠٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٧٥ و ٢٢٧)، وفي الخلافيات (٢/ ٤٤٦/ ٧٩٥ و ٧٩٦)، وابن عبد البر (٨/ ١٧٨)، وابن الجوزي في التحقيق (٢٦٢).
وهذا الحديث إنما يعرف عن حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، وهو مشهور عنه، رواه عنه جماعة من الثقات، مثل: موسى بن إسماعيل، وأسود بن عامر، ويحيى بن سعيد القطان، وأبو داود الطيالسي، وعفان بن مسلم، وحسن بن موسى، وأبو الوليد الطيالسي، وحجاج بن منهال، وعبيد الله بن محمد العيشي، وابراهيم بن الحجاج الناجي، ومحمد بن أبان بن عمران الواسطي، وأبو النعمان محمد بن الفضل عارم (١٢).
واختلف من بين هؤلاء على عفان بن مسلم:
١ - فرواه الإمام أحمد بن حنبل، وأبو جعفر محمد بن علي بن عبد الله بن مهران الوراق [ثقة حافظ. سؤالات السلمي (٠ ٣٣)، تاريخ بغداد (٣/ ٦٢)، السير (١٣/ ٥٠)، التذكرة (٢/ ٥٩٠)]:
كلاهما عن عفان، عن حماد، عن عطاء، عن زاذان، عن علي، به مرفوعًا [عند: أحمد (١/ ١٠١)، والبيهقي (١/ ١٧٥)].
٢ - وخالفهما:
علي بن سهل بن المغيرة [ثقة، وكان ملازمًا لعفان بن مسلم حتى نسب إليه، وكان وراقه]، وعيسى بن جعفر أبو موسى الوراق [أثنى عليه ابن المنادي خيرًا ووصفه بالصدق والفضل. تاريخ بغداد (١١/ ١٦٨)]:
قالا: ثنا عفان بن مسلم: ثنا حماد بن سلمة، وشعبة، قالا: أنا عطاء بن السائب به.
أخرجه ابن المظفر في حديث شعبة (٢٤)، ومن طريقه: الضياء في المختارة (٤٥٣).
стр. 1036
والذي يظهر لي -والله أعلم- أن كلمة: "شعبة" قد أقحمت في السند وليست منه، أو تصحفت كما قال الدارقطني، إذ كيف يروي شعبة هذا الحديث ثم لا يشتهر عنه، ولا عن أصحابه؛ حتى يأتينا من إسناد يرويه الضياء وهو متأخر جدًّا، وليست العهدة فيه على هذين الراويين -والله أعلم-، وإنما العمدة في هذا على ما رواه الإمام أحمد عن عفان، وتابعه عليه أحد الثقات الحفاظ، وليس فيه ذكر شعبة.
قال الدارقطني في العلل (٣/ ٢٠٨): "والمحفوظ عن عفان، عن حماد، قال: سمعته يذكر عن عطاء بن السائب، فصحفه الراوي فقال: شعبة".
فلا تغتر بعد ذلك بمن اعتمد على هذه المتابعة الساقطة التي لا وجود لها في الحقيقة، فصحح بها الحديث [انظر: شرح مغلطاي (٣/ ٧٩٤)].
• روى الطبراني في الاوسط (٧/ ١٢٠/ ٧٠٣٤)، وفي الصغير (٢/ ١٧٩/ ٩٨٧)، قال: حدثنا محمد بن الأعجم الصنعاني بصنعاء: حدثنا حريز بن المسلم الصنعاني: حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، عن أبيه، عن عطاء بن السائب، عن زاذان، عن علي، عن النبي ﷺ قال: "من ترك شعرة من جسده لم يغسلها في غسل الجنابة فعل بها [به] كذا وكذا في النار"، قال علي: فمن ثم عاديت شعري، وكان يجز شعره.
قال الطبراني في الصغير: "لم يروه عن عبد العزيز إلا ابنه، تفرد به حريز بن المسلم، والمشهور من حديث حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب".
قلت: لا تصح هذه المتابعة، ولا تثبت عن عبد المجيد بن أبي رواد المكي، حيث تفرد بها عنه أحد الغرباء من أهل اليمن.
فهو حديث منكر، لتفرد حريز [بالحاء والزاي] بن المسَلَّم [بالتضعيف] به عن عبد المجيد.
وحريز هذا: رجل مجهول من أهل صنعاء، ترجم له ابن حبان في الثقات، فقال: "حريز بن مسلم بن حريز الصنعاني: يروي عن سفيان بن عيينة، روى عنه أهل اليمن" [الثقات (٨/ ٢١٣)]، وترجم له ابن ماكولا في الإكمال (٧/ ٢٤٤) فقال: "يروي عن عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد وغيره، روى عنه الفاكهي"، وله ترجمة في المؤتلف والمختلف للدراقطني (٤/ ٢٠٠٢)، وتوضيح المشتبه لابن ناصر الدين الدمشقي (٢/ ٢٩١) و (٨/ ١٤٨)، وقال الهيثمي في المجمع (٥/ ١٧٥) و (٧/ ٢٨١): "لم أعرفه".
ثم إن الراوي عنه: محمد بن الأعجم الصنعاني، شيخ الطبراني: لم أعثر له على ترجمة.
• وفي الجملة: فإن هذا الحديث إنما يعرف بحماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، تفرد به عنه، ولم يتابع عليه.
• وقد اختلفت أقوال العلماء في هذا الحديث بين مصحح ومضعف:
قال الطبري في التهذيب (٣/ ٢٧٧): "وهذا خبر عندنا: صحيح سنده، وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين: سقيمًا غير صحيح لعلل:
стр. 1037
إحداها: أنه خبر لا يعرف له مخرج يصح عن علي عن رسول الله ﷺ إلا من هذا الوجه، والخبر إذا انفرد به عندهم منفرد وجب التثبت فيه.
والثانية: أن راويه عن زاذان: عطاء بن السائب، وعطاء بن السائب عندهم كان قد تغير حفظه أخيرًا فاضطرب عليه حديثه، فغير جائز الاحتجاج عندهم بحديثه.
والثالثة: أن حماد بن سلمة كان قد استنكر حديثه أصحابه أخيرًا حتى هموا بترك حديثه.
والرابعة: أن المعروف عن علي أنه كان يقول: إذا اغتسلت من الجنابة أجزأك أن تصب على رأسك مرتين"، ثم رواه بإسناد ضعيف.
وذكر ابن عدي حديثه هذا في جملة ما أنكر على عطاء بن السائب.
وقال البزار: "وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن علي عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد".
وقال أبو نعيم في الحلية: "هذا حديث غريب، تفرد به حماد عن عطاء".
وذكر الدارقطني الاختلاف فيه في العلل (٣/ ٢٠٨) ولم يقض فيه بشيء، بل قال: "وعطاء تغير حفظه".
وقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (١/ ٢٠٠): "هذا يروى موقوفًا على علي، وهو الأكثر" [تصحفت في المطبوع إلى "مرفوعًا"، والتصحيح من بيان الوهم (٣/ ٢٧٢)، وشرح ابن ماجه لمغلطاي (٣/ ٧٩٣)].
وتعقبه ابن القطان الفاسي في بيان الوهم بقوله: "وهذا الحديث قد أعرض أبو محمد منه عما هو في الحقيقة علته، وهي أنه من رواية حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب، عن زاذان، عن علي، وحماد بن سلمة إنما سمع من عطاء بعد اختلاطه، وإنما يقبل من حديث عطاء ما كان قبل أن يختلط، … ، وإنما ينبغي أن يقبل من حديثه ما روى عنه مثل شعبة وسفيان، فأما جرير، وخالد بن عبد الله، وابن علية، وعلي بن عاصم، وحماد بن سلمة، وبالجملة أهل البصرة، فأحاديثهم عنه مما سمع منه بعد الاختلاط؛ لأنه إنما قدم عليهم في آخر عمره، وقد نص العقيلي على حماد بن سلمة أنه ممن سمع منه بعد الاختلاط، وأما أبو عوانة فسمع منه في الحالين، ولما أورد أبو أحمد [يعني: ابن عدي] في بابه ما أنكر عليه من الحديث، أو ما خلط فيه، أو ما رُوي عنه بعد اختلاطه، أورد في جملة ذلك هذا الحديث" [بيان الوهم (٣/ ٢٧٢ و ٢٧٣)].
وصححه مغلطاي في شرح سنن ابن ماجه (٣/ ٧٩٣).
وقال ابن حجر في التلخيص (١/ ٢٤٩): "وإسناده صحيح، فإنه من رواية عطاء بن السائب، وقد سمع منه حماد بن سلمة قبل الاختلاط … ، لكن قيل: إن الصواب وقفه على علي"، وسكت عنه في هداية الرواة (١/ ٢٣٥) مصححًا له.
وضعفه النووي في المجموع (٢/ ٢١٣)، فقال: "فهو ضعيف أيضًا".
стр. 1038
وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (٩/ ١٠٣).
• قلت: حديث عطاء بن السائب قبل اختلاطه صحيح، وأما بعد اختلاطه. فليس بشيء.
قال يحيى بن سعيد القطان: "من سمع من عطاء بن السائب قديمًا فسماعه صحيح" [جامع الترمذي (٢٨١٦)، شرح العلل (٢/ ٧٣٤)].
وقال أيضًا: "ما سمعت أحدًا من الناس يقول في عطاء بن السائب شيئًا في حديثه القديم" [التاريخ الكبير (٦/ ٤٦٥)، الجرح والتعديل (٦/ ٣٣٣)، الضعفاء الكبير (٣/ ٣٩٩)].
وقال أحمد بن حنبل: "من سمع منه قديمًا كان صحيحًا، ومن سمع منه حديثًا لم يكن بشيء" [الجرح والتعديل (٦/ ٣٣٣)، التهذيب (٣/ ١٠٤)].
وكذا قال ابن معين، وأبو حاتم، والعجلي، والنسائي، والساجي، ويعقوب بن سفيان، وغيرهم [انظر: التهذيب (٣/ ١٠٤) وغيره].
أما من سمع منه قديمًا: فشعبة، وسفيان الثوري، وحماد بن زيد، وأيوب السختياني، وسفيان بن عيينة، وهشام الدستوائي، وزهير، وزائدة.
وسمع منه في الحالين في الصحة والاختلاط، فلم يفصل هذا من هذا، ولم يميز بينهما: أبو عوانة، قال: "كتبت عن عطاء قبلُ وبعدُ فاختلط عليَّ".
وسمع منه بأخرة بعد الاختلاط: جرير بن عبد الحميد، وإسماعيل ابن علية، وخالد بن عبد الله الواسطي، وعلي بن عاصم، ووهيب بن خالد، وعبد الوارث، ومحمد بن فضيل، وهشيم، وجعفر بن سليمان الضبعي، وروح بن القاسم، وعبد العزيز بن عبد الصمد، وابن جريج، وبالجملة: أهل البصرة، قال أبو حاتم: "وفي حديث البصريين الذين يحدثون عنه تخاليط كثيرة لأنه قدم عليهم في آخر عمره"، وقال أبو داود: "قال غير أحمد: قدم عطاء البصرة قدمتين: فالقدمة الأولى سماعهم صحيح، وسمع منه في القدمة الأولى: حماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وهشام الدستوائي، والقدمة الثانية كان متغيرًا فيها، سمع منه: وهيب، وإسماعيل، وعبد الوارث، سماعهم منه فيه ضعيف"، وقال الدارقطني: "دخل عطاء البصرة مرتين، فسماع أيوب، وحماد بن سلمة، في الرحلة الأولى: صحيح"، وقال به النسائي أيضًا في عمل اليوم والليلة (٢٢٤)، إلا أنه لم يسمِّ [انظر: تاريخ ابن معين للدوري (٢/ ٤٠٣)، الجرح والتعديل (٦/ ٣٣٤)، المعرفة والتاريخ (٣/ ٨٤)، الكواكب النيرات (٣٩)، مسائل أحمد لأبي داود (١٨٤٧ - ١٨٥٣)، الضعفاء الكبير (٣/ ٣٩٩)، الكامل (٥/ ٣٦١)، التقييد والإيضاح (٤٢٣)، التاريخ الكبير (٣/ ١٦٠)، شرح علل الترمذي (٧٣٥)، التهذيب (٣/ ١٠٤)، هدي الساري (٤٤٦)].
وأما حماد بن سلمة: راوي هذا الحديث عن عطاء والمتفرد به: فتقدم قول أبي داود فيما نقله عن غير أحمد أنه سمع من عطاء في القدمة الأولى قبل الاختلاط.
وقال به أيضًا: الدارقطني كما تقدم.
стр. 1039
وقال ابن معين: "حديث سفيان، وشعبة الحجاج، وحماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب: مستقيم، وحديث جرير بن عبد الحميد، وأشباه جرير: ليس بذاك لتغير عطاء في آخر عمره" [تاريخ الدوري (٢/ ٤٠٣)، الكامل (٥/ ٣٦٢)، التمهيد (١/ ١٠٩)].
وقال يعقوب بن سفيان الفسوي: "ثقة، حديثه حجة، ما روى عنه سفيان، وشعبة، وحماد بن سلمة، وسماع هؤلاء سماع قديم، وكان عطاء تغير بآخرة، فرواية جرير وابن فضيل وطبقتهم: ضعيفة" [المعرفة والتاريخ (٣/ ٨٤)].
وقال ابن معين أيضًا: "وحماد بن سلمة سمع من عطاء بن السائب قديمًا قبل الاختلاط" [سؤالات ابن الجنيد (٨٨٢)، شرح العلل (٢/ ٧٣٥)].
وقال الطحاوي: "وإنما حديث عطاء الَّذي كان منه قبل تغيره: يؤخذ من أربعة لا من سواهم: وهم شعبة، وسفيان الثوري، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد" [التقييد والإيضاح (٤٢٣)، الكواكب النيرات (٧٢)].
وقال حمزة بن محمد الكناني في أماليه: "حماد بن سلمة: قديم السماع من عطاء" [نفس المصدرين].
وقال ابن الجارود في الضعفاء: "حديث سفيان، وشعبة، وحماد بن سلمة، عنه: جيد [يعني: قبل الاختلاط]، وحديث جرير وأشباه جرير: ليس بذاك" [التهذيب].
• والحاصل: أن ابن معين، وأبا داود، والطحاوي، والدارقطني، وحمزة الكناني، ويعقوب بن سفيان، وابن الجارود: ذكروا أن حماد بن سلمة قديم السماع من عطاء بن السائب، وأن سماعه منه كان قبل الاختلاط؛ فحديثه عنه إذًا صحيح، مثل سفيان، وشعبة.
لكن نقل العقيلي في الضعفاء الكبير (٣/ ٣٣٩)، بإسناد صحيح إلى علي بن المديني قال: قلت ليحيى [يعني: ابن سعيد القطان]: وكان أبو عوانة حمل عن عطاء بن السائب قبل أن يختلط؟ فقال: كان لا يفصل هذا من هذا، وكذلك حماد بن سلمة، وكان يحيى لا يروي حديث عطاء بن السائب إلا عن شعبة وسفيان، قال يحيى: قلت لأبي عوانة، فقال: كتبت عن عطاء قبل وبعد فاختلط علي".
ونقله ابن رجب في شرح العلل (٢/ ٧٣٥) فقال: "ونقل ابن المديني عن يحيى بن سعيد: أن أبا عوانة، وحماد بن سلمة، سمعا منه قبل الاختلاط وبعده، وكانا لا يفصلان هذا من هذا، خرجه العقيلي".
وقال ابن القطان الفاسي فيما تقدم نقله قريبًا في بيان الوهم والإيهام (٣/ ٢٧٢) اعتمادًا على هذا النقل عند العقيلي: "وحماد بن سلمة إنما سمع من عطاء بعد اختلاطه"، وقال أيضًا: "وقد نص العقيلي على حماد بن سلمة أنَّه ممن سمع منه بعد الاختلاط، وأما أبو عوانة فسمع منه في الحالين".
قلت: ليس هذا كلام العقيلي، وإما نقله عن يحيى بن سعيد القطان في التسوية بين حماد وأبي عوانة.
стр. 1040
فهل نأخذ بقول الجمهور؟ أم نأخذ بقول يحيى بن سعيد القطان؟
الَّذي يظهر لي - والله أعلم - هو الأخذ بقول القطان فإن معه زيادة علم.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى: فإنه باستقراء مناهج الأئمة في حديث عطاء بن السائب فيما يرويه عنه حماد بن سلمة: يتبين في أنهم يعاملونه معاملة من روى عنه بعد الاختلاط.
١ - فمثلًا: ذكر الدارقطني في العلل (١١/ ١٤٣/ ٢١٧٩)، الاختلاف في حديث: "قالت الجنّة: لا يدخلني إلا الضعفاء … " على عطاء بن السائب، فرواه عنه ابن فضيل بإسنادٍ، ورواه حماد بن سلمة عنه بإسناد آخر، فلم يقض فيه لحماد، بل سوى بينهما فقال: "وعطاء اختلط، ولم يخرجوا عن عطاء، ولا يحتج من حديثه إلا بما رواه الأكابر: شعبة، والثوري، ووهيب، ونظراؤهم.
وأما ابن علية والمتأخرون ففي حديثهم عنه نظر".
٢ - سأل ابن أبي حاتم أباه عن حديث اختلف فيه على عطاء بن السائب فقضى فيه لشعبة على عبد الوارث وجرير، فقال: "شعبة أقدم سماعًا من هؤلاء، وعطاء تغير بأخرة" [العلل (١/ ٤٤٢/ ١٣٢٧)].
فلو كان حماد بن سلمة عنده مثل شعبة في قدم السماع الَّذي لم يختلط عنده بما رواه عنه بعد الاختلاط، لقضى لحماد بن سلمة مثل ما قضي لشعبة لكنه لما سأله ابنه عن حديث رواه أبو كدينة [يحيى بن المهلب]، وعمران بن عيينة، وشعيب بن صفوان، عن عطاء بن السائب، عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن جده، قال: جاء حبر إلى النبي ﷺ . . .، وذكر الحديث، قال أبو حاتم: "رواه حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن القاسم، قال: جاء حبر إلى النبي ﷺ ، فقال ابنه: قلت لأبي: أيهما أصح من حديث عطاء بن السائب؟ فقال: اتفق ثلاثة أنفس على التوصيل" [العلل (٢/ ٣٩١/ ٢٦٨٤)].
فلم يقض لحماد، ولم يرجح روايته.
٣ - رجح أبو زرعة رواية جرير على رواية حماد بن سلمة، فقال: "حديث جرير أصح"، وهذا مع كون جرير لم يسمع من عطاء قبل الاختلاط مثل حماد [العلل (٢/ ١٧٤٦/٨٤)].
٤ - روى سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وورقاء بن عمر، وموسى بن أعين، وعبيدة بن حميد، وابن فضيل، وقيس بن الربيع:
عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن حفص، عن يعلى بن مرة، قال: أبصرني رسول الله ﷺ وبي ردع خلوق … الحديث.
أخرجه النسائي (٨/ ١٥٣/ ٥١٢٤ و ٥١٢٥)، وأحمد (٤/ ١٧٢ و ١٧٣)، وابنه في زيادات المسند (٤/ ١٧٢)، والحميدي (٨٢٢)، وعبد الرزاق (٤/ ٣٢١/ ٧٩٣٧)، وابن أبي شيبة (٤/ ٥٠/ ١٧٦٧٤)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣/ ٢١٢/ ١٥٦٩)، وابن
стр. 1041
قانع في المعجم (٣/ ٢١٦)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٦٧ و ٢٦٨/ ٦٨٤ و ٦٨٦ - ٦٨٨).
هكذا قالوا جميعًا، عبد الله بن حفص.
ورواه شعبة فقال: "أبو حفص بن عمرو"، فوهم.
أخرجه النسائي (٨/ ١٥٢/ ٥١٢١ - ٥١٢٣)، والترمذي (٢٨١٦)، وأحمد (٤/ ١٧١ و ١٧٤)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٦٧/ ٦٨٣).
وخالفهم: حماد بن سلمة، فقال: "حفص بن عبد الله".
أخرجه أحمد (٤/ ١٧١)، والطبراني (٦٨٥).
قال أبو زرعة: "عبد الله بن حفص أصح" [العلل (١/ ٤٧٨/ ١٤٩٣). وانظر: (٢/ ٣١٩/ ٢٤٧٢)].
وعلى هذا فيكون حماد أخذ هذا الحديث عن عطاء بعد الاختلاط، أو أخذه في الحالين ثم حدث بالأخير، والله أعلم.
• ومع هذا فقد رجحوا في بعض الأحوال رواية حماد بن سلمة على غيره لسبب ما:
١ - روى أبو الأحوص، عن عطاء بن السائب، عن مرة الهمداني، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن للشيطان لمة بابن آدم، وللملك لمة، فأما لمة الشيطان: فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك: فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنَّه من الله، فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم قرأ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ " الآية [البقرة: ٢٦٨].
أخرجه الترمذي في الجامع (٢٩٨٨)، وفي العلل (٦٥٤)، والنسائي في الكبرى (١٠/ ٣٧/ ١٠٩٨٥)، وابن حبان (٣/ ٢٧٨/ ٩٩٧)، والبزار (٥/ ٣٩٤/ ٢٥٢٧)، وأبو يعلى (٨/ ٤١٧/ ٤٩٩٩)، وابن جرير الطبري في تفسيره (٣/ ٨٨/ ٦١٦٩)، وابن أبي حاتم في التفسير (٢/ ٥٢٩/ ٢٨١٠)، والبيهقي في الشعب (٤/ ١٢٠/ ٤٥٠٦).
قال الترمذي في الجامع: "هذا حديث حسن غريب، وهو حديث أبي الأحوص، لا نعلمه مرفوعًا إلا من حديث أبي الأحوص".
وقال في العلل: "سألت محمدًا [يعني: البخاري] عن هذا الحديث؟ فقال: روى بعضهم هذا الحديث عن عطاء بن السائب وأوقفه، وأرى أنَّه قد رفعه غير أبي الأحوص عن عطاء بن السائب، وهو حديث أبي الأحوص".
وقال البزار: "وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عبد الله عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، وقد رواه غير أبي الأحوص موقوفًا".
وقال ابن أبي حاتم: "وسألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه أبو الأحوص عن عطاء بن السائب … فذكره؟ فقال أبو زرعة: الناس يوقفونه عن عبد الله وهو الصحيح.
فقال أبي: رواه حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن مرة، عن عبد الله، موقوفًا.
стр. 1042
قلت: فأيهما الصحيح؟
قال: هذا من عطاء بن السائب كان يرفع الحديث مرة، ويوقفه أخرى، والناس يحدثون من وجوه عن عبد الله، موقوف، ورواه الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن مسعود، موقوف، وذكر أشياء من هذا النحو موقوف" [العلل (٢/ ٢٤٤/ ٢٢٢٤)].
والذي أراه - والله أعلم - أن حماد بن سلمة سمع هذا الحديث من عطاء قبل الاختلاط، وحدث به على الوجه المحفوظ، ولم ينفرد حماد بذلك، فقد تابعه على وقفه عن عطاء، عن مرة، عن ابن مسعود: حماد بن زيد، وابن علية، وجرير، وغيرهم.
أخرجه ابن جرير الطبري (٣/ ٨٨ و ٨٩/ ٦١٧٠ و ٦١٧١ و ٦١٧٣ و ٦١٧٥)، والطبراني في الكبير (٩/ ١٠١/ ٨٥٣٢).
وحماد بن زيد ممن سمع من عطاء قبل الاختلاط: قاله يحيى بن سعيد القطان، وعلي بن المديني، والنسائي.
ثم إن للحديث طرقًا أخرى موقوفة تؤيد ذلك.
• والخلاصة: أنَّه لم تُرجَّح رواية حماد بن سلمة هنا إلا لأمر خارج عنها، وهو متابعته لمن روى عن عطاء قبل الاختلاط مثل حماد بن زبد، ولموافقته في ذلك طرق الحديث الأخرى، والله أعلم.
• والحاصل: أن حماد بن سلمة شأنه شأن أبي عوانة: سمع من عطاء بن السائب في حال الصحة والاختلاط، ولم يفصل هذا من هذا، كما قال الإمام الناقد يحيى بن سعيد القطان، وله عنه أحاديث مستقيمة كما قال ابن معين وغيره، والأصل في هذه الأحاديث أنَّه لم ينفرد بها دون من روى عن عطاء قبل الاختلاط، أو قامت القرائن على أنَّه حمله عنه حال الصحة دون الاختلاط.
وهذا هو الَّذي ذهب اليه ابن حجر في التهذيب (٣/ ١٠٥)، فقال: "فيحصل لنا من مجموع كلامهم: أن سفيان الثوري، وشعبة، وزهيرًا، وزائدة، وحماد بن زيد، وأيوب، عنه صحيح، ومن عداهم يتوقف فيه إلا حماد بن سلمة، فاختلف قولهم، والظاهر: أنَّه سمع منه مرتين، مرة مع أيوب، كما يومع إليه كلام الدارقطني، ومرة بعد ذلك لما دخل إليهم البصرة، وسمع منه مع جرير وذويه، والله أعلم".
وعليه فهذا الحديث ليس عندنا ما يرجح أنَّه سمعه من عطاء بن السائب قبل الاختلاط في حال الصحة، فهو ضعيف.
وعلى هذا: فالراجح في هذا الحديث أنَّه موقوف.
فقد رواه حماد بن زيد -وهو ممن سمع من عطاء في حال الصحة- عن عطاء، عن زاذان، عن علي، موقوفًا.
ذكره الدارقطني في العلل (٣/ ٢٠٨).
وقال عبد الحق الإشبيلي: "هذا يروى موقوفًا على علي، وهو الأكثر".
стр. 1043
فهو موفوف على علي بن أبي طالب قوله بإسناد صحيح، وزاذان سمع من علي [التاريخ الكبير (٣/ ٤٣٧)].
***
٩٨ - باب في الوضوء بعد الغسل
٢٥٠ - . . . زهير: حدثنا أبو إسحاق، عن الأسود، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يغتسل، ويصلي الركعتين، وصلاة الغداة، ولا أراه يحدث وضوءًا بعد الغسل.
• حديث صحيح.
أخرجه الحاكم (١/ ١٥٣)، وأحمد (٦/ ١١٩ و ١٥٤)، والطيالسي (٣/ ٢١/ ١٤٩٣)، وإسحاق (٣/ ٨٥٧/ ١٥٢١)، والبيهقي (١/ ١٧٩).
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".
قلت: هو على شرط مسلم فقط، فقد أخرج بهذا الإسناد حديثًا برقم (٧٣٩)، وتقدم ذكره تحت الحديث رقم (٢٢٨).
• تابع زهير بن معاوية عليه:
١ - شريك بن عبد الله النخعي، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة: أن النبي ﷺ كان لا يتوضأ بعد الغسل.
أخرجه الترمذي (١٠٧)، والنسائي (١/ ١٣٧ و ٢٠٩/ ٢٥٢ و ٤٣٠)، وابن ماجة (٥٧٩)، والحاكم (١/ ١٥٣)، وأحمد (٦/ ٦٨ و ١٩٢ و ٢٥٨)، والطيالسي (١٤٩٣)، وابن أبي شيبة (١/ ٦٩/ ٧٤٤)، وأبو يعلى (٨/ ٢٥ و ٢٥١/ ٤٥٣١ و ٤٨٣٤)، وابن المنذر (٢/ ١٢٩/ ٦٧٢)، وابن شاهين في الناسخ (٤٨)، وتمام في الفوائد (٢/ ٢٨/ ١٠٣٩)، والبيهقي (١/ ١٧٩)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٢/ ٩٣)، والبغوي في شرح السُّنَّة (١/ ٣٤٣/ ٢٤٩).
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
وهو كما قال، فإن شريكًا وإن كان سيئ الحفظ، فإنه لم ينفرد به؛ بل توبع عليه كما ترى.
٢ - الحسن بن صالح [هو: ابن حي، وهو ثقة حافظ متقن]، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ لا يتوضأ بعد الغسل.
أخرجه النسائي (١/ ١٣٧ و ٢٠٩/ ٢٥٢ و ٤٣٠)، وأحمد (٦/ ٢٥٣)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٣٣٥)، وأبو سعيد النقاش في فوائد العراقيين (٩٨)، والذهبي في السير (٢٣/ ٣٨ - ٣٩).
٣ - عمار بن رزيق [ثقة]، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يغتسل من الجنابة، ثم لا يتوضأ إذا اغتسل.
стр. 1044
أخرجه إسحاق بن راهويه (٣/ ٨٨٢/ ١٥٥٥).
وهذا على شرط مسلم (٧٤٠).
٤ - الأعمش [ولا يصح عنه]، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ لا يتوضأ بعد الغسل.
أخرجه ابن شاهين في الناسخ (٤٧)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (٣/ ٤٤٠)، وعنه: أبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ١٩٣).
من طريق محمد بن سليمان بن حبيب لوين: حدثنا حبان بن علي العنزي، عن الأعمش به.
وهذا إسناد ضعيف؛ حبان بن علي: كوفى ضعيف؛ تفرد به عنه: لوين، وهو صدوق، له إفرادات.
٥ - موسى الجهني، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة، به مرفوعًا.
أخرجه الدارقطني في الأفراد (٥/ ٤٢٠/ ٥٩١٤ - أطرافه).
وقال: "تفرد به حصين بن مخارق أبو جنادة عن موسى الجهني عن أبي إسحاق به".
وهذا منكر جدًّا، حصين بن مخارق: منكر الحديث، متروك، قال الدارقطني: "يضع الحديث"، وخفي أمره على الطبراني فقال: "ثقة" [الضعفاء والمتروكين (١٧٩)، الميزان (١/ ٥٥٤) و (٤/ ٥١١)، اللسان (٢/ ٣٨٩)، الدراية (٢/ ٣٨)].
قال الترمذي: "وهذا قول غير واحد من أصحاب النبي ﷺ والتابعين: أن لا يتوضأ بعد الغسل".
وقال البغوي: "وهو قول عامة أهل العلم".
وقال ابن عبد البر في الاستذكار (١/ ٢٦١): "وأما الوضوء بعد الغسل: فلا وجه له عند أهل العلم".
وقال أيضًا (١/ ٢٦١): "وقد أجمع العلماء على أن الوضوء لا يعاد بعد الغسل، من أوجب منهم المضمضة والاستنشاق، ومن لم يوجبها".
وقد مضى قوله في التمهيد تحت الحديث رقم (٢٤٢).
• قال الحاكم: "وله شاهد صحيح عن ابن عمر":
ثم أخرجه من طريق محمد بن عبد الله بن بزيع: ثنا عبد الأعلى: ثنا عبيد الله بن عمر [في المطبوعة: عبد الله مكبر، والتصحيح من إتحاف المهرة (٩/ ٢٠٧ - ٢٠٨/ ١٠٩٠٣)]، عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي ﷺ سئل عن الوضوء بعد الغسل؟ فقال: "وأي وضوء أفضل من الغسل".
ثم قال: "محمد بن عبد الله بن بزيع: ثقة، وقد أوقفه غيره" [المستدرك (١/ ١٥٣ - ١٥٤)].
وأخرجه من طريق ابن بزيع به: الطبراني في الكبير (١٢/ ٣٧١/ ١٣٣٧٧).
стр. 1045
قال الذهبي متعقبًا الحاكم في التلخيص، مرجحًا قول من أوقف الحديث على ابن عمر: "وهو الصواب".
وهذا إلاسناذ، إسناد صحيح، رجاله رجال مسلم.
وكلام الحاكم والذهبي يشير إلى أن ابن بزيع قد تفرد برفعه، وأن غيره رواه عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي البصري به فأوقفه.
ولم أقف على من أخرج هذه الرواية.
• لكن رواه ابن جريج، وعبد الله بن عمر، كلاهما: عن نافع، عن ابن عمر، قوله.
ابن جريج، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر، كان يقول: إذا لم تمس فرجك بعد أن تقضي غسلك، فأي وضوء أسبغ من الغسل.
رواه عن ابن جريج: عبد الرزاق في المصنف (١/ ٢٧١/ ١٠٣٩).
عبد الله بن عمر، عن نافع، قال: سئل ابن عمر عن الوضوء بعد الغسل؟ فقال: أي وضوء أفضل من الغسل.
رواه عن عبد الله: عبد الرزاق (١٠٤٠).
ورواه أيضًا: الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، أنَّه كان يقول: وأي وضوء أتم من الغسل إذا اجتنب الفرج.
أخرجه عبد الرزاق (١/ ٢٧٠/ ١٠٣٨)، وابن المنذر (٢/ ١٣٠/ ٦٧٣)، والبيهقي (١/ ١٧٨).
رواه عن الزهري: سفيان بن عيينة - وهذه لفظه -، ومعمر بن راشد بلفظ مطول، والأوزاعي مختصرًا.
وهذا إسناد مدني صحيح، من أصح الأسانيد.
ورواه أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو معاوية، عن عاصم الأحول، عن غنيم بن قيس، عن ابن عمر، سئل عن الوضوء بعد الغسل؟ فقال: وأي وضوء أعم من الغسل.
أخرجه في المصنف (١/ ٦٩/ ٧٤٣).
وإسناده صحيح، وغنيم بن قيس: ثقة، مخضرم.
• وأما حديث: "من توضأ بعد الغسل فليس منا":
فهو حديث منكر، لا يصح من وجه:
١ - رواه سليمان بن أحمد الواسطي: حدثنا الوليد بن مسلم، عن سعيد بن بشير، عن أبان بن تغلب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "من توضأ بعد الغسل فليس منا".
أخرجه بحشل في تاريخ واسط (٢٤٣)، وعنه: الطبراني في الكبير (١١/ ٢٦٧/ ١١٦٩١)، وفي الأوسط (٣/ ٢٤٣/ ٣٠٤١)، وفي الصغير (١/ ١٨٦/ ٢٩٤)، وابن عدي في
стр. 1046
الكامل (٣/ ٢٩٣)، وابن شاهين في الناسخ (٤٩)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين (٣/ ١٦٨).
قال الطبراني: "لم يروه عن أبان بن تغلب إلا سعيد بن بشير، ولا عن سعيد إلا الوليد، تفرد به سليمان بن أحمد الجرشي الشامي سكن واسط".
وقال ابن عدي: "غريب جدًّا عن الوليد، وإن كان قد حدث به غير سليمان بن أحمد".
وسليمان بن أحمد الواسطي هذا: كذاب [اللسان (٣/ ٨٧)].
٢ - ورواه أبان بن أبي عياش بأسانيد، فمرة يقول:
أ - عن زيد بن صبيح، عن عكرمة، عن ابن عباس، به مرفوعًا.
أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ٣٦١/ ١٢٠١٩).
زيد بن صبيح: مجهول [اللسان (٢/ ٦٢٥)]، وأبان بن أبي عياش: متروك.
وفي الإسناد إليه: أبو بلال الأشعري: ضعيف [الميزان (٤/ ٥٠٧)، اللسان (٧/ ٢٤)].
ب - ومرة يقول: عن عكرمة، عن ابن عباس، به مرفوعًا.
أخرجه ابن عدي (٧/ ١٦١).
أبان: متروك، وفي الإسناد إليه: يوسف بن خالد السمتي: كذاب.
ج - ومرة يقول: عن عكرمة، عن يزيد بن ضمرة، عن ابن عباس به مرفوعًا.
أخرجه الدارقطني في الأفراد (٣/ ٢٥٨ - ٢٥٩/ ٢٥٩٠ - أطرافه).
يزيد بن ضمرة: لم أعرفه، وأبان: متروك.
د - ومرة يقول: عن يزيد بن نعامة الضبي به مرفوعًا.
أخرجه ابن منده في مسند إبراهيم بن أدهم (٢٩)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٥٢).
قال أبو نعيم: "أبان هذا هو ابن أبي عياش، ويزيد الضبي: ليس بصحابي، والحديث فيه إرسال، وأبان: هو متروك الحديث".
٣ - ورواه عمرو النميري: ثنا ثابت، عن أَنس به مرفوعًا.
أخرجه الرامهرمزي في المحدث الفاصل (٣٤٤ - ٣٤٥).
ولا أدري من النميري هذا.
وفي الجملة: هو حديث منكر.
***
٩٩ - باب في المرأة هل تنقض شعرها عند الغسل
٢٥١ - . . . سفيان بن عيينة، عن أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أم سلمة، أن امرأة من المسلمين - وقال زهير: أنها - قالت: يا رسول الله! إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه للجنابة؟
стр. 1047
قال: "إنما يكفيك أن تحفني عليه ثلاثًا - وقال زهير: تحثي عليه ثلاث حثيات - من ماء ثم تفيضي على سائر جسدك، فإذا أنت قد طهرت".
• حديث صحيح.
ولفظ مسلم: قلت: يا رسول الله! إني امرأة أشد ضفر رأسي، فأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: "لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء، فتطهرين".
أخرجه مسلم (٣٣٠)، وأبو عوانة (١/ ٢٥٢ و ٢٦٤/ ٨٦٨ و ٩١٨ و ٩١٩)، وأبو نعيم في المستخرج (١/ ٣٧٥/ ٧٣٦)، والترمذي (١٠٥)، والطوسي في مستخرجه عليه (٩١)، والنسائي (١/ ١٣١/ ٢٤١)، وابن ماجة (٦٠٣)، وابن خزيمة (١/ ١٢٢/ ٢٤٦)، وابن حبان (٣/ ٤٧٠ - ٤٧١/ ١١٩٨)، وابن الجارود (٩٨)، وأحمد (٦/ ٢٨٩)، والشافعي في الأم (١/ ٤٠)، وفي المسند (١٩)، وإسحاق (٤/ ٨٦ - ٨٧/ ١٨٥١)، والحميدي (٢٩٤)، وابن أبي شيبة (١/ ٧٣/ ٧٩٢)، وأبو يعلى (١٢/ ٣٨٩/ ٦٩٥٧)، وابن المنذر (٢/ ١٣٢/ ٦٧٩)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٢٩٦/ ٦٥٨)، والدارقطني (١/ ١١٤)، وابن حزم (١/ ١٨٧ - ١٨٨) و (٢/ ٣٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٧٨)، وفي المعرفة (١/ ٢٦٨/ ٢٧١)، وفي الخلافيات (٢/ ٤٣٢/ ٧٧٦)، والبغوي في شرح الكامَة (١/ ٣٤٥/ ٢٥١)، وابن. الجوزي في التحقيق (١/ ١٣٦ و ٢٢٥/ ١١٥ و ٢٥٩).
تنبيه: سقط من مطبوعة صحيح ابن خزيمة: "ثنا عبد الجبار بن العلاء"، ومن مطبوعة مسند الحميدي: "ثنا سفيان".
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
وقال البغوي: "هذا حديث صحيح".
• تابع سفيان بن عيينة عليه:
روح بن القاسم، وإبراهيم بن طهمان، كلاهما: عن أيوب بن موسى به.
أخرجه مسلم (٣٣٠)، وأبو عوانة (٨٦٩)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٢٢٧/ ١٨٢١).
• وأما سفيان الثوري فقد رواه عن أيوب بن موسى، واختلف عليه:
١ - فرواه يزيد بن هارون، وعمر بن علي المقدمي، ومخلد بن يزيد:
ثلاثتهم [وهم ثقات لا سيما يزيد بن هارون؛ فإنه ثقة ثبت]: عن سفيان الثوري، عن أيوب بن موسى به، نحو رواية ابن عيينة.
أخرجه مسلم (٣٣٠)، وأبو عوانة (١/ ٢٥١ - ٢٥٢ و ٢٦٣ - ٢٦٤ و ٢٦٤/ ٨٦٧ و ٩١٦ و ٩١٧)، وأبو نعيم في المستخرج (١/ ٣٧٥/ ٧٣٧)، وأحمد (٦/ ٣١٤ - ٣١٥)، وابن الأعرابي في المعجم (٧١٦).
٢ - ورواه عبد الرزاق، عن الثوري، واختلف عليه:
стр. 1048
أ - فرواه إسحاق بن إبراهيم الدبري [وهو ممن سمع من عبد الرزاق بأخرة بعدما عمي وأضر. شرح العلل لابن رجب (٢/ ٧٥٤)]، عن عبد الرزاق، عن الثوري به، مثل رواية الجماعة.
أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١/ ٢٧٢/ ١٠٤٦)، وأبو عوانة (٨٦٧ و ٩١٦)، وأبو نعيم (٧٣٧)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٢٩٦/ ٦٥٧).
ج - وخالفه عبد بن حميد، وأحمد بن منصور الرمادي [وهما ثقتان حافظان]: فروياه عن عبد الرزاق، عن الثوري، عن أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أم سلمة، قالت: يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي - أو: قالت: عقص رأسي - أفأنقضه للجنابة والحيضة؟ قال: "لا، إنما يكفيك أن تفرغي عليك ثلاث حفنات، ثم قد طهرت".
أخرجه مسلم (٣٣٠)، ومن طريقه: ابن حزم في المحلى (٢/ ٣٨)، والبيهقي (١/ ١٨١)، وهذا لفظه.
هكذا قال عبد الرزاق - في المحفوظ عنه -، عن الثوري: "أفأنقضه للجنابة والحيضة؟ " فزاد: "والحيضة".
وهي كما ترى: زيادة شاذة، انفرد بها عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، ولم يتابع عليها، وقد رواه عن الثوري بدون هذه الزيادة "والحيضة": يزيد بن هارون، ومخلد بن يزيد، وعمر بن علي المقدمي، وهم أثبت وأكثر من عبد الرزاق، لا سيما وعبد الرزاق ممن كان يهم على الثوري، ولم يكن فيه بالثبت، بل هو في الثوري مثل: قبيصة وأبي حذيفة، ممن يخطئ ويهم على الثوري [انظر: شرح علل الترمذي (٢/ ٧٢٢)].
ثم إن رواية الجماعة عن الثوري -وهي المحفوظة-: موافقة لرواية من روى الحديث عن أيوب بن موسى من الثقات الحفاظ، مثل: سفيان بن عيينة، وروح بن القاسم، وإبراهيم بن طهمان، فلم يذكروا هذه الزيادة.
وقد أشار مسلم في صحيحه إلى هذا الاختلاف، وإلى تفرد عبد الرزاق بهذه اللفظة التي لم يروها غيره في هذا الحديث، وهذا ﵀ إعلال لهذه اللفظة، وبيان بأنها زيادة شاذة مردودة.
قال ابن القيم في حاشيته على سنن أبي داود (١/ ٢٩٥): "أما حديث أم سلمة، فالصحيح فيه: الاقتصار على ذو الجنابة دون الحيض، وليست لفظة "الحيضة" فيه محفوظة … ، ورواية الجماعة أولى بالصواب … ، ومن أعطى النظر حقه علم أن هذه اللفظة: ليست محفوظة في الحديث"، ووافقه الألباني في صحيح السنن (٢/ ٤).
وقال ابن رجب في فتح الباري (١/ ٤٨١): "وهذه اللفظة - أعني: لفظة الحيضة - تفرد بها عبد الرزاق عن الثوري، وكأنها غير محفوظة، فقد رواه غير واحد عن الثوري فلم يذكروها.
وقد رويت - أيضًا - هذه اللفظة من حديث: سالم الخياط، عن الحسن، عن أم سلمة، وسالم: ضعيف؛ والحسن: لم يسمع من أم سلمة".
стр. 1049
• خالف أيوب بن موسى بن عمرو بن سعيد بن العاص المكي الأموي [وهو ثقة حافظ، متفق على توثيقه]:
***
٢٥٢ - . . . أسامة، عن المقبري، عن أم سلمة، أن امرأة جاءت إلى أم سلمة … بهذا الحديث، قالت: فسألت لها النبي ﷺ . . . بمعناه، قال فيه: "واغمزي قرونك عند كل حفنة".
• رواية شاذة.
أخرجه الدارمي (١/ ٢٧٩/ ١١٥٧)، وإسحاق بن راهويه (٤/ ٨٧/ ١٨٥٢)، وابن أبي شيبة (١/ ٧٣/ ٧٩٨)، والبيهقي (١/ ١٨١).
وفي رواية ابن وهب [عند البيهقي]: أخبرك أسامة بن زيد الليثي: أن سعيد بن أبي سعيد المقبري حدثه: أنَّه سمع أم سلمة زوج النبي ﷺ ، تقول: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! إني امرأة أشد ضفر رأسي، فكيف أصنع إذا اغتسلت؟ قال: "احفني على رأسك ثلاث حفنات، ثم اغمزيه على أثر كل حفنة يكفيك".
وفي رواية عبيد الله بن موسى، ووكيع: "على أثر كل حفنة غمزة".
قال البيهقي: "وقصر بإسناده أسامة بن زيد، وفي رواية ابن وهب عنه أن سعيدًا سمعه من أم سلمة … ، [ثم أسنده وقال:] ورواية أيوب بن موسى: أصح من رواية أسامة بن زيد، وقد حفظ في إسناده ما لم يحفظ أسامة بن زيد".
قلت: وما قاله هو الصواب، فإن أسامة بن زيد الليثي: متكلم فيه، وقد أنكروا عليه أحاديث، وهو صدوق يهم، وأما أيوب بن موسى فهو: ثقة حافظ، متفق على توثيقه، فروايته أولى [وانظر: بيان الوهم (٣/ ٢٧/ ٦٧٤)].
قال الألباني في صحيح السنن (٢/ ٥): "فإن كان أسامة قد حفظه، فهو، وإلا فالرواية التي قبلها أصح".
***
٢٥٣ - . . . إبراهيم بن نافع، عن الحسن بن مسلم، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة، قالت: كانت إحدانا إذا أصابتها جنابة، أخذت ثلاث حفنات هكذا - تعني: بكفيها جميعًا - فتصب على رأسها، وأخذت بيد واحدة فصبتها على هذا الشق، والأخرى على الشق الآخر.
• حديث صحيح.
أخرجه البخاري (٢٧٧).
стр. 1050
ولفظه: كنا إذا أصاب إحدانا جنابة، أخذت بيديها ثلاثًا فوق رأسها، ثم تأخذ بيدها على شقها الأيمن، وبيدها الأخرى على شقها الأيسر.
وقد ورد هذا من فعله ﷺ ، وقد تقدم في الحديث رقم (٢٤٥)، ومن فعلها بحضرته ﷺ مختصرًا [عند مسلم (٣٣١)].
***
٢٥٤ - قال أبو داود: حدثنا نصر بن علي: حدثنا عبد الله بن داود، عن عمر بن سويد، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة، قالت: كنا نغتسل وعلينا الضِّماد، ونحن مع رسول الله ﷺ محلات ومحرمات.
• حديث صحيح.
أخرجه البيهقي (١/ ١٨٢).
وهذا إسناد صحيح متصل، رجاله ثقات رجال البخاري غير عمر بن سويد بن غيلان، وهو: ثقة.
عبد الله بن داود: هو الخريبي: ثقة عابد، روى له البخاري.
ونصر بن علي: هو الجهضمي: ثقة ثبت، روى له الجماعة.
والضماد: قال في النهاية (٣/ ٩٩): "وأصل الضمد: الشد، يقال: ضمد رأسه وجرحه؛ إذا شده بالضماد، وهي: خرقة يشد بها العضو المؤوف، ثم قيل لوضع الدواء على الجرح وغيره، وإن لم يشد".
وقال الأزهري في تهذيب اللغة (٣/ ٢١٣٢ - معجمه): "قال شمر: يقال: ضمدت الجرح: إذا جعلت عليه الدواء، وقال: ضمدته بالزعفران والصبر، أي: لطخته، وضمدت رأسه: إذا لففته بخرقة، … ، وقال ابن هانئ: هذا ضماد، وهو الدواء الَّذي يضمد به الجرح".
قال صاحب عون المعبود (١/ ٢٩٦): "والمراد بالضماد في هذا الحديث: ما يلطخ به الشعر مما يلبده ويسكنه من طيب وغيره، لا الخرقة التي يشد بها العضو المؤوف".
قلت: وروايات هذا الحديث توضح هذا المعنى المقصود:
١ - فقد رواه وكيع، قال: حدثنا عمر بن سويد الثقفي، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة زوج النبي ﷺ ، قال: كن أزواج النبي ﷺ يخرجن معه عليهن الضماد، يغتسلن فيه ويعرقن، لا ينهاهن عنه، محلات ولا محرمات.
أخرجه أحمد (٦/ ١٣٧)، والخطيب في الموضح (١/ ١٤٥).
٢ - ورواه أبو أحمد الزبيري [ثقة ثبت]، قال: حدثنا عمر بن سويد، قال: سمعت عائشة ابنة طلحة تذكر، وذكر عندها المحرم يتطيب، فذكرت عن عائشة أم المؤمنين: أنهن
стр. 1051
كن يخرجن مع رسول الله ﷺ عليهن الضماد، قد اضمدن قبل أن يحرمن، ثم يغتسلن وهو عليهن، يعرقن ويغتسلن، لا ينهاهن عنه.
أخرجه أحمد (٦/ ٧٩).
٣ و ٤ - تابعه عليه بنحوه:
أبو نعيم الملائي الفضل بن دكين، وعبيد الله بن موسى [وهما: ثقتان ثبتان]، كلاهما: عن عمر بن سويد به، نحوه.
أخرجه إسحاق بن راهويه (٢/ ٤٥١/ ١٠٢١ و ١٠٢٢).
٥ - ورواه أبو أسامة حماد بن أسامة [ثقة ثبت]: نا عمر بن سويد، قال: سمعت عائشة بنت طلحة، تقول: أخبرتني عائشة، قالت: كن يخرجن مع رسول الله ﷺ عليهن الضماد بالمسك المطيب قبل أن يحرمن، ثم يعرقن فيُرى في جباهن، فيراهن رسول الله ﷺ فلا ينهاهن.
أخرجه إسحاق (٣/ ١٠٢٣ و ١٠٣٩/ ١٧٧٢ و ١٧٩٧).
وهذا قد رواه أبو داود في المناسك برقم (١٨٣٠)، ومن طريقه: البيهقي (٥/ ٤٨)، بلفظ قريب: كنا نخرج مع النبي ﷺ إلى مكة، فنضمد جباهنا بالمسك المطيب عند الإحرام، فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها، فيراه النبي ﷺ فلا ينهاها.
ورواه ابن حزم في حجة الوداع (٢٤٧)، من طريق ابن أبي شيبة: حدثنا أبو أسامة به، بلفظ: كنا نضمخ جباهنا بالمسك المطيب … ، فذكره نحوه.
ففي هذه الرواية والتي بعدها كان أن المقصود بالضماد إنما هو التضمخ الطيب، وأنهن كن يضعنه على الجباه.
٦ - ورواه القاسم بن مالك المزني [صدوق]، عن عمر بن سويد بن غيلان، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين، قالت: كنا نخرج مع رسول الله ﷺ وقد تضمخنا بالزعفران والورس، وقد أحرمنا، فنعرق فيسيل على وجوهنا، فيراه رسول الله ﷺ فلا يعيب ذلك علينا.
أخرجه أبو يعلي (٨/ ٢٩٦ / ٤٨٨٦).
والحاصل من مجموع هذه الروايات: أن هذا الضماد الَّذي كن يلطخن به رؤوسهن، ويغتسلن وهو عليهن، لم يكن يمنع وصول الماء إلى أصول الشعر، بحيث يحتجن معه إلى نقض رؤوسهن، والله أعلم.
***
٢٥٥ - قال أبو داود: حدثنا محمد بن عوف، قال: قرأت في أصل إسماعيل بن عياش، قال ابن عوف: وحدثنا محمد بن إسماعيل، عن أبيه: حدثني ضمضم بن زُرعة، عن شريح بن عُبيد، قال: أفتاني جُبير بن نُفير عن الغسل من
стр. 1052
الجنابة: أن ثوبان حدثهم: أنهم استفتوا النبي ﷺ عن ذلك؟ فقال: "أما الرجل فلينشر رأسه، فليغسله حتَّى يبلغ أصول الشعر، وأما المرأة فلا عليها أن لا تنقضه، لتغرف على رأسها ثلاث غرفات بكفَّيها".
• حديث صحيح.
أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (٢/ ٤٥١/ ١٦٨٦)، قال: حدثنا هاشم بن مرثد الطبراني: ثنا محمد بن إسماعيل به، وفي آخره: "ثلاث غرفات تكفيها".
قلت: وهذا إسناد شامي صحيح، فإن محمد بن إسماعيل بن عياش، وإن كان قد تكلم فيه وفي روايته عن أبيه، فقال أبو حاتم: "لم يسمع من أبيه شيئًا، حملوه على أن يحدث عنه فحدث"، وقال أبو زرعة الرازي: "كان لا يدري أمر الحديث"، وقال أبو داود: "لم يكن بذاك، قد رأيته، ودخلت حمص غير مرة وهو حي، وسألت عمرو بن عثمان عنه فدفعه، [الجرح والتعديل (٧/ ١٩٠)، علل الحديث (٢/ ٣٧٤)، سؤالات الآجري (٥/ ق ٢٣)، التهذيب (٣/ ٥١٤)].
مع هذا كلُّه فإن الاعتماد في تصحيح هذا الإسناد على أن محمد بن عوف قد رأى هذا الحديث وقرأه في أصل إسماعيل بن عياش، قال العلامة الألباني -رحمه الله تعالى - في صحيح سنن أبي داود (٢/ ٧): "وهذه وجادة صحيحة من ثقة في أصل ثقة، وهي حجة على المعتمد".
قال الحافظ في نتائج الأفكار (١/ ١٧٢): "قال أبو حاتم: لم يسمع من أبيه فحملوه على أن حدث عنه، قلت: لعله كانت له من أبيه إجازة، فأطلق فيها التحديث، أو تجوز في إطلاق التحديث على الوجادة".
راجع الحديث رقم (٦١) من أحاديث الذكر والدعاء (١/ ١١٩).
قال ابن القيم في حاشية السنن (١/ ٣٠٦): "وهذا إسناد شامي، وأكثر أئمة الحديث يقول: حديث إسماعيل بن عياش عن الشاميين: صحيح، ونص عليه أحمد بن حنبل ﵁".
وقال الشوكاني في نيل الأوطار (١/ ٣٨٠): "وأكثر ما علل به أن في إسناده إسماعيل بن عياش، والحديث من مروياته عن الشاميين، وهو قوي فيهم، فيقبل".
وانظر: تهذيب السنن، نصب الراية (١/ ٨٠).
• ومما فات أبا داود مما يحسن الاستدلال به في هذا الباب:
ما رواه مسلم (٣٣١) وغيره، من حديث: عبيد بن عمير، قال: بلغ عائشة أن عبد الله بن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، فقالت: يا عجبًا لابن عمرو هذا! يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن، لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، ولا أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات.
стр. 1053
وفي رواية صحيحة عند النسائي: وما أنقض في شعرًا.
تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (٧٧)، وأعدت ذكره تحت الحديث رقم (٢٤١).
• والاستدلال بهذه الأدلة ظاهر في كون المرأة لا يلزمها أن تنقض شعرها وضفائرها لغسل الجنابة، وهذه الأحاديث الصحيحة نص في المسألة: حديث أم سلمة، وحديث ثوبان، وحديث عائشة.
قال الترمذي: "والعمل على هذا عند أهل العلم أن المرأة إذا اغتسلت من الجنابة فلم تنقض شعرها أن ذلك يجزئها بعد أن تفيض الماء على رأسها".
وقال ابن القيم في حاشية السنن (١/ ٢٩٢): "وهذا اتفاق من أهل العلم، إلا ما يحكى عن عبد الله بن عمرو إبراهيم النخعي، أنهما قالا: تنقضه، ولا يعلم لهما موافق، وقد أنكرت عائشة على عبد الله قوله".
• وأما نقض الضفائر لغسل الحيض، فقد استدل فيه بأدلة منها:
١ - حديث عائشة: أنها أهلت بعمرة، ثم قدمت مكة وهي حائض، فلم تطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكت ذلك إلى النبي ﷺ فقال: "انقضي رأسك، وامتشطي، وأهلي بالحج، ودعي العمرة".
متفق عليه [البخاري (٢٩٤، وأطرافه)، مسلم (١٢١١)] وسيأتي تخريجه بتمامه إن شاء الله تعالى في "إفراد الحج" من المناسك برقم (١٧٧٨ و ١٧٨١).
فهذا الحديث وإن لم يكن فيه ذكر الاغتسال فقد احتج به البخاري في صحيحه على هذا المعنى فقال: "باب: نقض المرأة شعرها عند غسل المحيض"، مشيرًا بذلك إلى حديث جابر في صحيح مسلم (١٢١٣) وفيه: "فاغتسلي، ثم أهلي بالحج" ويأتي تخريجه إن شاء الله تعالى برقم (١٧٨٥).
وفي الاستدلال بهذا الحديث على المعنى المقصود إشكال، قال ابن رجب في الفتح (١/ ٤٧٦): "هذا الحديث قد استنبط البخاري ﵀ منه حكمين، عقد لها بابين: أحدهما: امتشاط المرأة عند غسلها من المحيض، والثاني: نقضها شعرها عند غسلها من المحيض. وهذا الحديث لا دلالة فيه على واحد من الأمرين، فإن غسل عائشة الَّذي أمرها النبي ﷺ به لم يكن من الحيض، بل كانت حائضًا وحيضها حينئذ موجود، فإنه لو كان قد انقطع حيضها لطافت للعمرة، ولم تحتج إلى هذا السؤال، ولكن أمرها أن تغتسل في حال حيضها، وتهل بالحج، فهو غسل للإحرام في حال الحيض، كما أمر أسماء بنت عميس لما نفست بذي الحليفة أن تغتسل وتهل".
ثم بيَّن ابن رجب وجه استدلال البخاري بهذا فقال (١/ ٤٧٧): "وقد يحمل مراد البخاري ﵀ على وجه صحيح، وهو أن النبي ﷺ إنما أمر عائشة بنقض شعرها وامتشاطها عند الغسل للإحرام؛ لأنَّ غسل الإحرام لا يتكرر، فلا يشق نقض الشعر فيه، وغسل الحيض والنفاس يوجد فيه هذا المعنى، بخلاف غسل الجنابة، فإنه يتكرر فيشق النقض فيه، فلذلك لم يؤمر فيه بنقض الشعر".
стр. 1054
وقال ابن القيم في الرد على من قال بأن هذا إنما هو في غسل الإحرام لا غسل الحيض، فقال: "وأما قولكم: إنه كان في غسل الإحرام، فصحيح، وقد بيَّنَّا أن غسل الحيض آكد الأغسال، وأمر فيه النبي ﷺ بما لم يأمر به في سواه من زيادة التطهر والمبالغة فيه، فأمرها بنقضه وهو غير رافع لحدث الحيض، تنبيه على وجوب نقضه إذا كان رافعًا لحدثه بطريق الأُولى" [الحاشية (١/ ٢٩٧)].
٢ - حديث عائشة: أن أسماء سألت النبي ﷺ عن غسل المحيض؟ " فقال: "تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها، فنطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكًا شديدًا، حتَّى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها"، فقالت أسماء: وكيف تطهر به؟ فقال: "سبحان الله! "، فقالت أسماء: وكيف تطهر به؟ فقال: "سبحان الله! تطهرين به"، فقالت عائشة - كأنها تخفي ذلك -: تتبعين أثر الدم.
وسألته عن غسل الجنابة؟ فقال: "تأخذ ماء فتطهر، فتحسن الطهور أو: تبلغ الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه، حتَّى تبلغ شؤون رأسها، ثم تفيض عليها الماء"، فقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين.
أخرجه مسلم (٣٣٢/ ٦١)، وسيأتي تخريجه برقم (٣١٣ - ٣١٦) إن شاء الله تعالى.
قال ابن القيم في الحاشية (١/ ٢٩٣): "وهذا دليل على أنَّه لا يكتفى فيه بمجرد إفاضة الماء كغسل الجنابة، ولا سيما فإن في الحديث نفسه: وسألته عن غسل الجنابة … ، ففرق بين غسل الحيض وغسل الجنابة في هذا الحديث، وجعل غسل الحيض آكد، ولهذا أمر فيه بالسدر المتضمن لنقضه … ، [ثم ذكر حديث عائشة المتقدم ثم قال:] والأصل نقض الشعر لتيقن وصول الماء إلى ما تحته إلا أنَّه عفي عنه في غسل الجنابة لتكرره، ووقوع المشقة الشديدة في نقضه بخلاف غسل الحيض، فإنه في الشهر أو في الأشهر مرة، ولهذا أمر فيه بثلاثة أشياء لم يأمر بها في غسل الجنابة: أخذ السدر، والفرصة الممسكة، ونقض الشعر" [وانظر: المحلى (٢/ ٣٧)].
وقد يجاب عن ذلك بأنه ﷺ لم يأمرها بالنقض صريحًا، وإنما أمرها بدلكه دلكًا شديدًا حتَّى يبلغ شؤون رأسها، وأمرها في غسل الجنابة بمثل ذلك؛ غير أنَّه لم يقل: "دلكًا شديدًا" [انظر: فتح الباري لابن رجب (١/ ٤٨٠)].
وقال ابن قدامة في المغني (١/ ١٤٣): "ولو كان النقض واجبًا لذكره؛ لأنَّه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولأنه موضع من البدن فاستوى فيه الحيض والجنابة كسائر البدن".
٣ - حديث أم سلمة: إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة والحيضة؟ قال: "لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضي عليك الماء فتطهري".
رواه مسلم، وقد تقدم كان شذوذ هذه اللفظة "والحيضة"، وأنها غير محفوظة، راجع الحديث رقم (٢٥١).
стр. 1055
قال ابن رجب في الفتح (١/ ٤٨١): "وقد رُويت هذه اللفظة من حديث: سالم الخياط، عن الحسن، عن أم سلمة، وسالم: ضعيف؛ والحسن: لم يسمع من أم سلمة".
٤ - روى أبو بكر الحنفي، قال: ثنا سفيان الثوري، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يضر المرأة الحائض ولا الجنب: أن لا تنقض شعرها؛ إذا بلغ شؤون الرأس".
أخرجه أبو عوانة في صحيحه (١/ ٢٦٥/ ٩٢٢)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (٣/ ٤١)، والخطابي في غريب الحديث (١/ ٦٣٧)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ١٢٠).
قلت: أبو بكر الحنفي، هو عبد الكريم بن عبد المجيد البصري، وهو ثقة، إلا أن في تفرده عن سفيان الثوري الكوفي الإمام: نكارة؛ فإنه ليس من أصحابه المشهورين، ولا من أهل بلده.
قال ابن رجب في الفتح (١/ ٤٨١): "تفرد به الحنفي، ورفعه منكر"، ثم قال: "وقد روي عن أبي الزبير عن جابر: موقوفًا وهو أصح".
• رواه أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن أبي الزبير، عن جابر، في الحائض والجنب: يصبان الماء صبًا، ولا ينقضان شعورهما.
أخرجه الدارمي (١/ ٢٧٨/ ١١٥٢)، وابن أبي شيبة (١/ ٧٤/ ٨٠٢).
٥ - روى مسلم بن صبيح أبو عثمان البصري: ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أَنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ""إذا اغتسلت المرأة من حيضها نقضت شعرها نقضًا، وغسلته بخطمي وأشنان، فإذا اغتسلت من الجنابة صبت على رأسها الماء، وعصرته".
أخرجه الطبراني في الكبير (١/ ٢٦٠/ ٧٥٥)، ومن طريقه: الضياء في المختارة (٥/ ٦٨ - ٦٩/ ١٦٩٣)، وفيهما: "سلمة بن صبيح".
وأخرجه الدارقطني في الأفراد (٢/ ١٧٣ - ١٧٤/ ١٠٤٩ - أطرافه)، وفيه: "ليث بن أبي سليم"، بدل: "ثابت" وهو خطأ بيِّن. ومن طريقه: الخطيب في تلخيص المتشابه في الرسم (١/ ٧١)، والبيهقي (١/ ١٨٢). وعندهم: "مسلم بن صبيح".
قال الدارقطني: "هذا حديث غريب، من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أَنس، تفرد به مسلم بن صبيح، عن حماد، ولم نكتبه إلا من هذا الوجه".
قلت: وهو كما قال، حديث منكر؛ لتفرد مسلم بن صبيح به، وهو مجهول؛ لا يعرف [تلخيص المتشابه (١/ ١٧٠)، الإكمال (٥/ ١٧٠)، التوضيح (٥/ ٤١١)، فتح الباري (١/ ٤٨٠)، وقال: "فليس بالمشهور"، الدراية (١/ ٤٨)، وقال: "وفي إسناده من لا يعرف"]، [وأورده الألباني في الضعيفة برقم (٩٣٧) فراجعه].
• والحاصل: أن أحاديث الباب: إما صحيح غير صريح، وإما صريح غير صحيح، ولا يوجب على العباد حكم بمثل هذا، لا سيما وقد وردت أحاديث في كان صفة الغسل
следующие страницы →