← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 261

فضل الرحيم الودود تخريج سنن أبي داود

ياسر فتحي

Полный текст (16 465 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

هشام بن عروة، عن زييد بن الصلت، كذا رواه يحيى، وسائر الرواة يقولون فيه: عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زييد". الثاني: أخطأ معمر فيه على هشام، فأسقط من الإسناد زييد بن الصلت، والجماعة على إثباته، وهو المحفوظ. • وروى سليمان بن يسار هذه القصة عن عمر، من طريقين عنه، وفي أحدهما: أن عمر بن الخطاب صلى بالناس الصبح، ثم إذا إلى أرضه بالجرف، فوجد في ثوبه احتلامًا، فقال: إنا لما أصبنا الودك لانت العروق، فاغتسل، وغسل الاحتلام من ثوبه، وعاد لصلاته. أخرجه مالك في الموطأ [(١٢٣ و ١٢٤ - رواية يحيى)، و (٧٢ - رواية القعنبي)، و (١٣٥ و ١٣٦ - رواية أبي مصعب)، و (٥٥ - رواية سويد بن سعيد)، و (٢٨٤ - رواية محمد بن الحسن الشيباني)]، وعبد الرزاق (٢/ ٣٤٧/ ٣٦٤٦)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٤٥/ ٣٩٧٢)، والبيهقي (١/ ١٧٠). وسليمان بن يسار: حديثه عن عمر: مرسل، قاله أبو زرعة [المراسيل (٢٩٥)، جامع التحصيل (١٩٠)، تحفة التحصيل (١٣٨)]. وثبته فيه: الشريد بن سويد الثقفي، وهو صحابي. قال سليمان بن يسار: حدثني الشريد، قال: كنت أنا وعمر جالسين بيننا جدول … ، فذكر القصة. أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٣٤٧/ ٣٦٤٦). ب- وروى الدارقطني في سننه (١/ ٣٦٤). ومن طريقه: البيهقي (٢/ ٣٩٩ - ٤٠٠). بإسناد صحيح إلى ابن مهدي، قال: ثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن ابن المنكدر، عن الشريد الثقفي: أن عمر بن الخطاب ﵁ صلى بالناس وهو جنب، فأعاد، ولم يأمرهم أن يعيدوا. وهذا إسناد صحيح، رجاله رجال الشيخين غير الشريد بن سويد الثقفي، فإنه صحابي، أخرج له مسلم والبخاري في الأدب المفرد. • وله إسناد آخر عن الشريد، وهو صحيح أيضًا، بدون ذكر: ولم يأمرهم بالإعادة. أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٤/ ٢١٢/ ٢٠٥١). ج- روى ابن المنذر في الأوسط (٤/ ٢١٢/ ٢٠٥٢)، قال: حدثنا علان بن المغيرة، قال: ثنا عمرو بن الربيع، قال: ثنا يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن عمر، عن الحكم بن عتيبة، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد، قال: كنت مع عمر بن الخطاب بين مكة والمدينة فصلى بنا، ثم انصرف فرأى في ثوبه احتلامًا، فاغتسل، وغسل ما رأى في ثوبه، وأعاد صلاته، ولم نعد صلاتنا. وهذا إسناد صحيح، رجاله رجال الشيخين؛ عدا علان بن المغيرة، وهو: علي بن

стр. 982

عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة المخزومي مولاهم المصري: ثقة، ويحيى بن أيوب هو: المصري. • وقد روي من طرقٍ أخرى: عن إبراهيم بن يزيد النخعي: أن عمر بن الخطاب، هكذا مرسلًا. أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٩٨/ ٤٥٧٠)، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (١٨٩ و ٣٧٣). وانظر: تحفة التحصيل (١٩). • فهذه ثلاثة أسانيد صحيحة عن عمر بن الخطاب، الخليفة الراشد الثاني: أنه صلى بالناس وهو جنب ولم يشعر، فلما علم أعاد الصلاة وحده، ولم يأمرهم بالإعادة. • وله إسنادان آخران نذكرهما للفائدة: الأول: يرويه ابن وهب، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله التيمي، عن عمه عيسى بن طلحة، عن مطيع بن الأسود، قال: صلى عمر بن الخطاب ﵁ بالناس الصبح … ، فذكر القصة مطولة، وفي آخرها: واغتسل، ثم أعاد صلاة الصبح، ولم يأمر أحدًا، بإعادة الصلاة. أخرجه البيهقي (٢/ ٣٩٩). وهذا إسناد ضعيف، يصلح في المتابعات، فإن إسحاق بن يحيى بن طلحة: ضعيف يعتبر به، وقد وافق الثقات. ومطيع بن الأسود: صحابي، من مسلمة الفتح، مات في خلافة عثمان. الثاني: رواه عبد الرزاق في المصنف (٢/ ٣٥١/ ٣٦٦٢)، عن حسين بن مهران، عن المطرح أبي المهلب، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: صلى عمر بالناس وهو جنب، فأعاد، ولم يعد الناس، فقال له علي: قد كان ينبغي لمن صلى معك أن يعيدوا، قال: فنزلوا إلى قول علي، قال: قلت: ما نزلوا؟ قال: رجعوا. قال القاسم: وقال ابن مسعود مثل قول علي. وهذا باطل، إسناده مسلسل بالضعفاء، قال ابن حبان: "إذا اجتمع في إسناد خبر. عبيد الله بن زحر، وعلي بن يزيد، والقاسم أبو عبد الرحمن، لم يكن متن ذلك الخبر إلا مما عملته أيديهم" [التهذيب (٣/ ١٠)]. ومطرح أبو المهلب: ضعيف، ويجانَب روايته عن ابن زحر. قال ابن حجر في الدراية (١/ ١٧٣): "وإسناده واهٍ". ٢ - وأما أثر عثمان بن عفان: فيرويه هشيم، عن خالد بن سلمة المخزومي، قال: حدثني محمد بن عمرو بن الحارث بن المصطلق [بن أبي ضرار]: أن عثمان بن عفان ﵁ صلى بالناس وهو جنب، فلما أصبح نظر في ثوبه احتلامًا، فقال: كبرت والله، إني لأراني أجنب ثم لا أعلم، ثم أعاد، ولم يأمرهم بالإعادة.

стр. 983

أخرجه أحمد في العلل ومعرفة الرجال (٢/ ١١٠/ ١٧٢٨)، وابن المنذر (٤/ ٢١٢/ ٢٠٥٣)، والدارقطني (١/ ٣٦٤ - ٣٦٥)، والبيهقي (٢/ ٤٠٠). وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات معروفون؛ غير محمد بن عمرو بن الحارث: فقد روى عنه جماعة، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، ولم يذكر البخاري ولا ابن أبي حاتم فيه جرحًا ولا تعديلًا [الثقات (٧/ ٣٦٨)، التاريخ الكبير (١/ ١٩٠)، الجرح (٨/ ٢٩ و ٣١)]، فمثله يعد في كبار التابعين، وقد أدرك عثمان، فقد ذكر البخاري في التاريخ، أنه قال: سافرت مع ابن مسعود، ووفاة ابن مسعود متقدمة على وفاة عثمان بسنتين أو ثلاث، وكما قال الذهبي: فإن الرجل إذا كان من كبار التابعين، أو أوساطهم: احتمل حديثه وتلقي بحسن الظن؛ إذا سلم من مخالفة الأصول وركاكة الألفاظ [انظر: الديوان (٣٧٤)]. ٣ - وأما أثر ابن عمر، فمروي من طريقين: أ- معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: في رجل صلى بقوم وهو على غير وضوء؟ قال: يعيد ولا يعيدون. وفي رواية: أن ابن عمر صلى بأصحابه صلاة العصر وهو على غير وضوء، فأعاد، ولم يعد أصحابه. أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٣٤٨/ ٣٦٥٠)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٩٧/ ٤٥٦٩)، وابن المنذر (٤/ ٢١٣/ ٢٠٥٥)، والدارقطني (١/ ٣٦٥)، والبيهقي (٢/ ٤٠٠). وهذا إسناد صحيح. ب- عبد الله بن عمر العمري [ضعيف]، عن نافع: أن ابن عمر صلى بأصحابه، ثم ذكر أنه مس ذكره، فتوضأ، ولم يامرهم أن يعيدوا. أخرجه أحمد في مسائل صالح (٩٨٧)، والدارقطني (١/ ٣٦٥). وهذا إسناد صالح في المتابعات. • وبعد هذا العرض لما ورد من أحاديث وآثار في هذا الباب، نلخص الأدلة ودلالتها: وأما الأدلة فقد صح منها: حديث أبي بكرة، وحديث أنس، وأثر عمر، وعثمان، وابن عمر. وأما ما روي عن علي في هذا الباب: فلا يصح منه شيء، إلا أن الرواية الموافقة للسُّنَّة، ولفعل صاحبيه عمر وعثمان: أصلح من الرواية الأخرى فمنها واهية. وأما ما دلت عليه هذه الأدلة: ١ - أن صلاة المأموم لا تفسد بفساد صلاة الإمام: أ- وذلك لأن النبي ﷺ دخل في الصلاة، وكبَّر، وكبَّر الناس معه، ثم تذكر الجنابة فانصرف، وأشار إليهم أن: امكثوا كما أنتم، فبقي الناس قيامًا منتظرين، إلى أن رجع إليهم فاستأنف صلاته، وبنى القوم على ما مضى من إحرامهم؛ حيث لم يأمرهم النبي ﷺ

стр. 984

بأن يستأنفوا صلاتهم، وألا يعتدوا بما مضى منها، ولو أمرهم بذلك، بأن يكبروا للإحرام ثانية لنُقل، فلما لم ينقل علمنا أنهم بنوا على ما مضى من إحرامهم وصلاتهم معه ﷺ وهو جنب، فثبت بهذا: صحة صلاة المأمومين خلف الإمام الجنب الناسي إذا تذكر في أثنائها، وأن الإمام مخيَّر بين أن يستخلف كما استخلف عمر بن الخطاب عبد الرحمن بن عوف لما طُعن [البخاري (٣٧٠٠)]، وكان ذلك بمحضر الصحابة فلم ينكر عليه، وإما أن يأمر الإمام القوم أن ينتظروه إن ظن رجوعه سريعًا. وانظر: الأم (٢/ ٣٥٢)، ورجح الانتظار على الاستخلاف. فإن قيل: لم ينقل في هذا الحديث أنه كبَّر لما رجع وصلى بهم، فيكون قد بنى على التكبيرة التي كبَّرها وهو جنب. قلنا: قد حصل الإجماع على عدم صحة بناء المحدث على ما صلاه غير طاهر، لفقدان الشرط المصحح لهذه الصلاة التي يبني عليها وهو الطهارة، ولقوله ﷺ في حديث أبي هريرة المتفق عليه: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ"، ولحديث ابن عمر عند مسلم: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور"، وإنما وقع الاختلاف بينهم في بناء المحدث على ما صلى وهو طاهر قبل حدثه [انظر: التمهيد (١/ ١٤٤)]. وإن قيل: حديث أبي هريرة في الصحيحين صرح فيه أنه انصرف قبل أن يكبر، وما في الصحيحين أو أحدهما مقدم على غيرهما عند التعارض. قلنا: هذا إذا اتحد المخرج، فأما وهما حديثان متغايران: هذا عن أبي بكرة وأنس، وهذا عن أبي هريرة، والكل صحيح ثابت من جهة السند، فهما إذًا فعلان في موضعين متباينين، وواقعتان مختلفتان، ليس بينهما تضاد أو تعارض، وبهذا قال ابن حبان [الصحيح (٦/ ٧)]. • فإن قيل: هذا معارض لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "إذا فسدت صلاة الإمام، فسدت صلاة من خلفه". قلنا: هذا إنما يرويه أحمد بن نصر بن أشكاب [هو أحمد بن نصر بن محمد بن أشكاب أبو نصر القاضي الزعفراني البخاري: قال الخطيب: "وكان ثقة". تاريخ بغداد (٥/ ١٨٣)]، قال: حدثنا محمد بن خلف بن رجاء، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الحسن بن صالح، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا فسدت صلاة الإمام، فسدت صلاة من خلفه". أخرجه ابن شاهين في الناسخ (٢٢٢)، قال: حدثنا أحمد بن نصر به. والخطيب في المتفق والمفترق (١/ ٦٦٧/ ٣٨٣)، قال: أخبرنا الحسن بن أبي بكر: أخبرنا القاضي أبو النصر أحمد بن أشكاب البخاري به، وفي سند المطبوع سقط ظاهر، وعزاه صاحب كنز العمال (٢٠٤١٠)، وصاحب جامع الأحاديث والمراسيل (١/ ٣٢٧/ ٢٤٠٥): للخطيب وحده في المتفق والمفترق.

стр. 985

قال ابن الجوزي في التحقيق (١/ ٤٨٨) بأن هذا الحديث: لا يعرف، وأقره ابن عبد الهادي في التنقيح (٢/ ٣٧). قلت: هذا حديث باطل، باطل، باطل. قال الخطيب: "لم أكتبه إلا من هذا الوجه". قلت: ومحمد بن خلف بن رجاء، وأبوه خلف بن رجاء، وشيخه الحسن بن صالح: لم أجد من ترجم لهم سوى الأخير الذي ترجم له الخطيب في المتفق، وأخرج له هذا الحديث في ترجمته، وهو الحسن بن صالح أبو علي البيكندي: حدث عن سفيان بن عيينة، ووكيع، وأبي معاوية، ومحمد بن عبيد، وحفص بن غياث، ومروان بن معاوية. وروى عنه: السري بن عصام، وقيس بن أنيف، وخلف بن رجاء: البخاريون. اهـ. وبِيكَنْد: بالكسر وفتح الكاف وسكون النون: من بلاد ما وراء النهر، على مرحلة من بخارى إذا عبرت النهر، بين بخارى وجيحون، لها ذكر في الفتوح، وكانت بلدة حسنة كبيرة كثيرة العلماء [الأنساب (١/ ٤٣٤)، معجم البلدان (١/ ٦٣٢)]، قال السمعاني: "خربت الساعة". فكيف لمثل هذا أن يتفرد عن أهل الكوفة بحديث كهذا من أحاديث الأحكام، وهو فصلٌ في كثير من مسائل الإمامة. وأبو معاوية الكوفي، وهو: محمد بن خازم الضرير، قد روي عنه خلق كثير، فكيف يتفرد عنه أحد الغرباء غير المشاهير، الذي لم يترجم له أئمة الجرح والتعديل، مثل: البخاري وابن أبي حاتم وابن حبان وغيرهم؛ إلا لكونه من المغمورين غير المعروفين بالطلب. ثم إنه قد تفرد عنه خلف بن رجاء، ولم يروه عنه سوى ابنه محمد، وهما لا يُعرفان. فمثل هذا يجزم ببطلانه؛ لا سيما وسياقه يشبه كلام الفقهاء، فإن الحكم على الصلاة بالفساد: هو مصطلح اصطلح عليه الفقهاء والأصوليون، وإنما الذي جاء على لسان نبينا ﷺ من ذلك إنما هو نفي الصلاة، سواء أريد به الصحة أو الكمال، مثل قوله ﷺ : "لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس … " الحديث، وقوله: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، وقوله: "لا صلاة بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الأخبثان"، وقوله: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة". أو نفي القبول: مثل قوله ﷺ : "إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة"، وقوله: "من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة". أو نفي الإجزاء: مثل قوله ﷺ : "لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب". والدليل على أن هذا إنما هو عين كلام الفقهاء، فنسبه بعضهم إلى النبي ﷺ : ما رواه عبد الرزاق في مصنفه (٢/ ٣٥٠/ ٣٦٥٩)، عن الثوري، قال: سمعت حمادًا، يقول: إذا فسدت صلاة الإمام؛ فسدت صلاة القوم.

стр. 986

وحماد: هو ابن أبي سليمان: الفقيه الكوفي المشهور، شيخ أبي حنيفة، ومنه أخذ الأحناف هذه القاعدة وساروا عليها، وهي داخلة عندهم تحت قاعدة: "إذا بطل الشيء بطل ما في ضمنه"، أو: "إذا بطل المتضمِّن بطل المتضمَّن" [انظر: الحجة (١/ ٢٦٦)، المبسوط (١/ ١٨٥ و ٣٩٧)، كلاهما لمحمد بن الحسن الشيباني، الآثار لأبي يوسف (١٤٤)، شرح القواعد الفقهية للزرقا (٥١)]. فإن قيل: فهل يستدل بهذا الحديث على جواز إحرام المأموم قبل إمامه؟ قلنا: ليس في الحديث ما يدل على ذلك؛ لأن المأموم هنا إنما كبَّر مقتديًا بإمام يصح الاقتداء به، ثم بطلت صلاته بذكره، فاستأنفت صلاته، فلم يخرج المأموم عن كونه مقتديًا بإمام يصح الاقتداء به، فهو كمن صلى خلف إمام متطهر ثم سبقه الحدث في أثناء صلاته في المعنى [انظر: التمهيد (١/ ١٤٤)، فتح الباري لابن رجب (٣/ ٦٠١)]. ونختم الكلام على هذه الجملة بقول الإمام أحمد، فقد روى ابن عبد البر في التمهيد (١/ ١٤١)، بسنده إلى أبي بكر الأثرم: أنه سأل الإمام أحمد عن حديث أبي بكرة؟ وفيه: "قيل له: فلو فعل هذا إنسان اليوم هكذا، أكنت تذهب إليه؟ قال: نعم". وانظر كلام الإمام الشافعي في الأم (٢/ ٣٥٢)، وقد رجح الانتظار على الاستخلاف، وكذلك رجح إتمامهم فرادى. هله هي الحالة الأولى: وهي صحة صلاة المأمومين خلف الإمام الجنب الناسي، إذا تذكر في أثناء الصلاة. ب- وأما الحالة الثانية، وهي: إذا تذكر الإمام بعدما يفرغ من الصلاة: فنقول: بأن صلاتهم صحيحة، ولا إعادة عليهم، وإنما تجب الإعادة على الإمام وحده. ودليل ذلك: حديث أبي بكرة، وحديث أنس، وفعل عمر، وعثمان، وابن عمر. قال ابن عبد البر (١/ ١٤٥): "وحسبك بحديث عمر في ذلك، فإنه صلى بجماعة من الصحابة صلاة الصبح، ثم غدا إلى أرضه بالجرف، فوجد في ثوبه احتلامًا فغسله واغتسل، وأعاد صلاته وحده، ولم يأمرهم بإعادة، وهذا في جماعتهم من غير نكير … ". وصح ذلك أيضًا عن عثمان وابن عمر. وانظر إلى جواهر العلم في كلام هذا الإمام المطلبي بعد أن ذكر أدلته من مرسل عطاء بن يسار، ومرسل ابن سيرين، ومسند أبي هريرة [وقلنا بأنه: شاذ]، ومسند أبي بكرة: قال الإمام الجليل الشافعي في الأم (٢/ ٣٢٩): "وبهذا نأخذ، وهذا يشبه أحكام الإسلام؛ لأن الناس إنما كلفوا في غيرهم الأغلب فيما يظهر لهم، وأن مسلمًا لا يصلي إلا على طهارة، فمن صلى خلف رجل، ثم علم أن إمامه كان جنبًا، أو على غير وضوء، وإن كانت امرأته أمت نساءً، ثم علمن أنها كانت حائضًا، أجزأت المأمومين من الرجال والنساء صلاتهم، وأعاد الإمام صلاته.

стр. 987

ولو علم المأمومون من قبل أن يدخلوا في صلاته أنه على غير وضوء، ثم صلوا معه، لم تجزهم صلاتهم؛ لأنهم صلوا بصلاة من لا تجوز له الصلاة عالمين. ولو دخلوا معه في الصلاة غير عالمين أنه على غير طهارة، وعلموا قبل أن يكملوا الصلاة أنه على غير طهارة، كان عليهم أن يتموا لأنفسهم، وينوون الخروج من إمامته مع علمهم، فتجوز صلاتهم؛ فإن لم يفعلوا، فأقاموا مؤتمين به بعد العلم، أو غير ناوين الخروج من إمامته، فسدت صلاتهم، وكان عليهم استئنافها؛ لأنهم قد ائتموا بصلاة من لا تجوز لهم الصلاة خلفه عالمين. وإذا اختلف علمهم، فعلمت طائفة، وطائفة لم تعلم، فصلاة الذين لم يعلموا أنه على غير طهارة جائزة، وصلاة الذين علموا أنه على غير طهارة فأقاموا مؤتمين به غير جائزة. ولو افتتح الإمام طاهرًا، ثم انتقضت طهارته فمضى على صلاته عامدًا أو ناسيًا، كان هكذا، وعمد الإمام ونسيانه سواء، إلا أنه يأثم بالعمد، ولا يأثم بالنسيان إن شاء الله تعالى". وانظر أيضًا: الأم (٢/ ٣٥١)، في الصلاة بإمامين أحدهما بعد الآخر، ففيه فوائد جمة في أحكام الإمامة والاستخلاف. ج- الحالة الثالثة: في الإمام يتمادى في صلاته ذاكرًا لجنابته، أو ذاكرًا أنه على غير وضوء، أو مبتدئًا صلاته كذلك، وهو مع ذلك معروف بالإسلام. والحكم في هذا هو ما ذكره الإمام الشافعي في الفقرة الثانية، والثالثة، والرابعة، والخامسة. ودليل ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه (٦٩٤)، وأحمد (٢/ ٣٥٥ و ٥٣٦ - ٥٣٧)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ١٤)، وابن حزم في المحلى (٤/ ٢١٥)، والبيهقي (٢/ ٣٩٦) و (٣/ ١٢٦)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٣/ ٤٠٥/ ٨٣٩). من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "يصلون لكم [وفي رواية: يصلون بكم]، فإن أصابوا فلكم [ولهم]، وإن أخطؤوا فلكم وعليهم". قال ابن حجر في الفتح (٢/ ٢٢٠): "قال ابن المنذر: هذا الحديث يرد على من زعم أن صلاة الإمام إذا فسدت، فسدت صلاة من خلفه". وقال البغوي: "هذا حديث صحيح، قلت: فيه دليل على أنه إذا صلى بقوم وكان جنبًا أو محدثًا أن صلاة القوم صحيحة، وعلى الإمام الإعادة سواء كان الإمام عالمًا بحدثه متعمد الإمامة أو كان جاهلًا". وروي معناه من حديث عقبة بن عامر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أم الناس فأصاب الوقت وأتم الصلاة، فله ولهم، ومن انتقص من ذلك شيئًا فعليه ولا عليهم"، وهو حديث حسن.

стр. 988

أخرجه أبو داود (٥٨٠)، وابن ماجه (٩٨٣)، وابن خزيمة (٣/ ٧ - ٨/ ١٥١٣)، وابن حبان (٥/ ٥٩٩/ ٢٢٢١)، والحاكم (١/ ٢١٠)، وأحمد (٤/ ١٤٥ و ٢٠١)، وابن وهب في الجامع (٣٨٢)، وسمويه في فوائده (٣٩)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٢٨٩)، وأبو يعلى (٣/ ٢٩٧/ ١٧٦١)، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ١٦٣/ ١٩٥٣)، والطحاوي في المشكل (٥/ ٤٣٩)، والطبراني في الكبير (١٧/ ٣٢٩/ ٩١٠)، والبيهقي (٣/ ١٢٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٠/ ٤٩٩). ويأتي الكلام عليه في موضعه من السنن، وانظر: فيض القدير (٦/ ٨٧)، فتح الباري لابن رجب (٤/ ١٧٩)، بيان الوهم (٤/ ١٤٩/ ١٥٩٢). ترجم ابن خزيمة لهذا الحديث بقوله: "باب: التغليظ على الأئمة في تركهم إتمام الصلاة، وتأخيرهم الصلاة، والدليل على أن صلاة الإمام قد تكون ناقصة، وصلاة المأموم تامة، ضد قول من زعم: أن صلاة المأموم متصلة بصلاة إمامه، إذا فسدت صلاة الإمام، فسدت صلاة المأموم، زعم". وقال ابن المنذر: "يدل هذا الحديث على أن المأموم لا يضره تقصير الإمام في صلاته، إذا أتى هو بما يجب عليه فيها، إذ كلٌّ مؤدٍّ فرضًا عن نفسه ولا يضره تقصير غيره، وهذا الحديث يدل على إغفال من زعم: أن صلاة الإمام إذا فسدت فسدت صلاة من خلفه". وبنحو كلام الإمام الشافعي قال ابن حزم، وننقله بتمامه للفائدة، قال في المحلى (٤/ ٢١٤ - ٢١٥): "ومن صلى جنبًا أو على غير وضوء، عمدًا أو نسيانًا، فصلاة من ائتم به صحيحة تامة، إلا أن يكون علم ذلك يقينًا فلا صلاة له؛ لأنه ليس مصليًا، فإذا لم يكن مصليًا فالمؤتم بمن لا يصلي عابثٌ عاصٍ مخالف لما أمر به، ومن هذه صفته في صلاته فلا صلاة له. وقال أبو حنيفة: لا تجزئ صلاة من ائتم بمن ليس على طهارة، عامدًا كان الإمام أو ناسيًا. وقال مالك: إن كان ناسيًا فصلاة من خلفه تامة، وإن كان عامدًا فلا صلاة لمن خلفه. وقال الشافعي وأبو سليمان كما قلنا. قال ابن حزم: برهان صحة قولنا: قول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]: وليس في وسعنا علم الغيب من طهارته، وكل إمام يصلى وراءه في العالم ففي الممكن أن يكون على غير طهارة عامدًا أو ناسيًا، فصح أننا لم نكلف علم يقين طهارتهم، وكل أحد يصلي لنفسه، ولا يبطل صلاة المأموم إن صحت، بطلان صلاة الإمام، ولا يصح صلاة المأموم إن بطلت، صحة صلاة الإمام .... ثم مثل على ذلك، واستدل له بحديث البخاري الآنف الذكر، وبحديث أبي بكرة، ثم قال: فقد اعتدوا بتكبيرهم خلفه وهو ﵇ جنب". ذكر ابن حزم مذاهب الأئمة الثلاثة، وأما الإمام أحمد: فمذهبه مثل مذهب مالك،

стр. 989

فيما إذا علم الإمام بعد فراغه، أو تذكر، أما لو علم أثناء الصلاة أو تذكر: فعنه روايتان. وانظر: فتح الباري لابن رجب (٣/ ٥٩٧)، التمهيد (١/ ١٤١)، مسائل صالح (٩٠ و ٩٨٧ و ١٠٧٨ و ١٢٧٨)، مسائل أبي داود (٣١٢). وقال عبد الرحمن بن مهدي: "وهذا المجمع عليه: الجنب يعيد، ولا يعيدون، ما أعلم فيه اختلافًا" [البيهقي (٢/ ٤٠١)]. وقال ابن المبارك: "ليس في الحديث قوة لمن يقول: إذا الإمام بغير وضوء أن أصحابه يعيدون، والحديث الآخر: أثبت، أن لا يعيد القوم، هذا لمن أراد الإنصاف بالحديث" [البيهقي (٢/ ٤٠١)]. وبهذا قال الحسن البصري، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، والشعبي، وغيرهم. وقال حماد بن أبي سليمان، وعطاء: يعيدون [انظر: مصنف عبد الرزاق (٢/ ٣٤٨ - ٣٥٠)، مصنف ابن أبي شيبة (١/ ٣٩٨)، السنن الكبرى للبيهقي (١/ ٤٠١)، تاريخ الدوري (٣/ ٤٧٦)، الأوسط (٤/ ٢١٢ - ٢١٥)، مختصر الخلافيات (٢/ ٢٣٢)]. قال أبو بكر بن المنذر (٤/ ٢١٤): "ومن حجة بعض من رأى أن لا إعادة على من صلى خلف جنب: خبر أبي هريرة، وخبر أبي بكرة. قال: وفي خبر أبي بكرة: أن رسول الله ﷺ دخل في صلاة الفجر، وفي ذلك في ليل على أن لا إعادة على المأموم؛ لأن حكم القليل من الصلاة كحكم الكثير فيمن صلى خلف جنب. قال: ولو لم يكن في ذلك عن النبي ﷺ حديث، لكان فيما روي عن الخلفاء الراشدين في هذا الباب كفاية، وقد ثبت عن ابن عمر مثل قولهم، ولا نعلم عن أحد من أصحاب النبي ﷺ خلاف قولهم. فأما ما حُدِّث عن علي: ففي الإسنادين جميعًا مقال، فكأن عليًّا لم يأتنا عنه في هذا الباب شيء؛ لضعف الروايتين وتضادهما، واللازم لمن يرى اتباع أصحاب رسول الله ﷺ أن لا يخالف ما رويناه عن عمر وعثمان وابن عمر في هذا الباب. والنظر مع ذلك دال على ذلك؛ لأن القوم لما صلوا كما أمروا، وأدوا فرضهم، ثم اختلف في وجوب الإعادة عليهم، لم يجز أن يلزموا إعادة ما صلوا على ظاهر ما أمروا به بغير حجة". وقال ابن رجب في الفتح (٤/ ١٧٩) معلقًا على تصرف البخاري إذ ترجم لحديث أبي هريرة (٦٩٤) بقوله: "باب: إذا لم يتم الإمام وأتم من خلفه"، قال ابن رجب: "وقد استدل البخاري بهذا الحديث على أن من صلى خلف من لا يتم صلاته فأتم صلاته، فإن صلاته صحيحة، ودخل في هذا: من صلى خلف محدث، يعلم حدث نفسه أو لا يعلمه … ، ومن صلى خلف إمام يؤخر الصلاة عن مواقيتها، … ، ومن صلى خلف من ترك ركنًا أو شرطًا، في صلاته متأولًا، والمأموم يخالف تأويله، … ".

стр. 990

٢ - وفيه: جواز الخروج من المسجد لعلة. ٣ - وفيه: جواز عبور الجنب في المسجد لحاجة. ٤ - وفيه: أن الجنب إذا ذكر في المسجد فيخرج كما هو، ولا يتيمم. ٥ - وفيه: جواز النسيان على الأنبياء في أمر العبادة لأجل التشريع. ٦ - وفيه: أن النبي ﷺ خرج من الصلاة ولم يمسك بأنفه موهمًا أنه رعف، فلما قضى الصلاة أخبرهم بأنه كان جنبًا، فلا ينبغي للمؤمن أن يستحيي من ذلك، فإن النسيان وارد على البشر جميعًا حتى الأنبياء؛ لذا قال ﷺ : "إنما أنا بشر"، ومقام البشرية لا ينفك عن مثل ذلك. وحديث أبي بكرة وأنس، وكذا حديث أبي هريرة المتفق عليه الآتي، هذه الأحاديث الثلاثة الثابتة، لا سيما ما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة: أثبت من حديث عائشة ﵂ مرفوعًا: "إذا أحدث أحدكم في صلاته فليأخذ بأنفه ثم لينصرف"، فإنه مختلف في وصله وإرساله، وسيأتي تحقيق القول فيه إن شاء الله تعالى في تخريج السنن برقم (١١١٤). ٧ - وفيه: دليل على جواز تأخير الاغتسال عن وقت الحدث. *** ٢٣٥ - . . . الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: أقيمت الصلاة وصف الناس صفوفهم، فخرج رسول الله ﷺ حتى إذا قام في مقامه ذكر أنه لم يغتسل، فقال للناس: "مكانكم"، ثم رجع إلى بيته، فخرج علينا ينطف رأسه، وقد اغتسل، ونحن صفوف. وفي رواية: فلم نزل قيامًا ننتظره حتى خرج علينا، وقد اغتسل. • حديث متفق على صحته وفي رواية يونس عند مسلم: أقيمت الصلاة فقمنا فعدلنا الصفوف، قبل أن يخرج إلينا رسول الله ﷺ ، فأتى رسول الله ﷺ حتى إذا قام في مصلاه قبل أن يكبر، ذكر فانصرف، وقال لنا: "مكانكم" فلم نزل قيامًا ننتظره حتى خرج إلينا، وقد اغتسل، ينطف رأسه ماءً، فكبر فصلى بنا. وفي رواية صالح عند البخاري (٦٣٩): أن رسول الله ﷺ خرج، وقد أقيمت الصلاة، وعُدِّلت الصفوف، حتى إذا قام في مصلاه انتظرنا أن يكبر انصرف، قال: "على مكانكم"، فمكثنا على هيئتنا حتى خرج إلينا ينطف رأسه ماءً، وقد اغتسل. أخرجه البخاري (٢٧٥ و ٦٣٩ و ٦٤٠)، ومسلم (٦٠٥)، وأبو عوانة (١/ ٣٧٠ و ٣٧١/ ١٣٤٢ - ١٣٤٥)، وأبو نعيم في المستخرج (٢/ ٢٠٢/ ١٣٤٣ - ١٣٤٥)، والنسائي

стр. 991

(٢/ ٨١ و ٨٩/ ٧٩٢ و ٨٠٩)، وابن خزيمة (٣/ ٦٢/ ١٦٢٨)، وابن حبان (٦/ ٧/ ٢٢٣٦)، وأحمد (٢/ ٢٣٧ و ٢٥٩ و ٢٨٣ و ٣٣٨ - ٣٣٩ و ٥١٨)، وأبو أمية الطرسوسي في مسنده (١٣)، وأبو العباس السراج في مسنده (٩١٨ - ٩٢١)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (٧٠٤ - ٧٠٨)، وابن المنذر (٤/ ٢١١/ ٢٠٤٩)، والطحاوي في المشكل (٢/ ١٧٠ و ١٧١/ ٧٨٧ - ٧٩٠ - ترتيبه)، والطبراني في مسند الشاميين (٣/ ٢٩/ ١٧٤١)، وابن حزم في المحلى (٣/ ١٤٧) و (٤/ ١١٤)، والبيهقي (٢/ ٣٩٨)، وابن عبد البر (١/ ١٤١). رواه عن الزهري: يونس بن يزيد الأيلي، ومحمد بن الوليد الزبيدي، والأوزاعي، ومعمر بن راشد، وصالح بن كيسان، والنعمان بن راشد. • وانظر فيه تفصيلًا آخر عند الحديث الآتي برقم (٥٤١). • وفيه من الفوائد غير ما نقدم: ١ - جواز الكلام بعد الإقامة لحاجة. ٢ - جواز الفضل بين الإقامة والصلاة لحاجة. ٣ - جواز انتظار المأمومين مجيء الإمام قيامًا. *** ٩٤ - باب في الرجل يجد البِلَّة في منامه ٢٣٦ - . . . عبد الله العمري، عن عبيد الله، عن القاسم، عن عائشة، قالت: سئل النبي ﷺ عن الرجل يجد البلل، ولا يذكر احتلامًا؟ قال: "يغتسل". وعن الرجل يُرى أنْ قدِ احتلم، ولا يجد البلل؟ قال: "لا غسل عليه". فقالت أم سليم: المرأة ترى ذلك أعليها غسل؟ قال: "نعم، إنما النساء شقائق الرجال". • حديث منكر أخرجه من طريق حماد بن خالد الخياط، عن عبد الله بن عمر العمري به: أبو داود (٢٣٦)، والترمذي (١١٣)، وأبو علي الطوسي في مختصر الأحكام (٩٦)، وابن ماجه (٦١٢)، وابن الجارود (٨٩ و ٩٠)، وأحمد (٦/ ٢٥٦)، وإسحاق بن راهويه (٣/ ٩٨٤/ ١٧٠٦)، وابن أبي شيبة (١/ ٧٨/ ٨٦٣)، وأبو يعلى (٨/ ١٤٩/ ٤٦٩٤)، والدارقطني (١/ ١٣٣)، وابن بشران في الأمالي (٨٢)، والبيهقي (١/ ١٦٧ و ١٦٨)، وابن عبد البر (٣/ ٥١٠). • ورواه عبد الرزاق، عن عبد الله بن عمر، عن عبيد الله بن عمر، عن القاسم، عن عائشة، عن النبي ﷺ : في الرجل يستيقظ فيرى بللًا ولم يذكر احتلامًا؟ قال: "ليغتسل، فإن رأى احتلامًا ولم ير بللًا فلا غسل عليه".

стр. 992

أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١/ ٢٥٤/ ٩٧٤)، ومن طريقه: الدارمي (١/ ٢١٥/ ٧٦٥). • ورواه ابن نافع، عن عبد الله بن عمر، عن عبيد الله، عن القاسم، عن عائشة: أن النبي ﷺ سئل، فقال: إن أحدنا يرى أنه قد أصاب امرأته في النوم، ولا يجد بللًا؟ قال: "لا يغتسل" وقال: "إن وجد ماءً ولم ير شيئًا، فليغتسل". أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٨٦/ ٥٩٤). قال الترمذي: "وإنما روى هذا الحديث: عبد الله بن عمر، عن عبيد الله بن عمر: حديث عائشة، في الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلامًا. وعبد الله بن عمر: ضعفه يحيى بن سعيد من قِبل حفظه في الحديث". وقال ابن المنذر: "عبد الله: كان يحيى القطان يضعفه"، وقال قبلُ: "وقد تكلم في إسناده"، يعني: هذا الحديث. وقال الخطابي في شرحه لهذا الحديث في معالم السنن (١/ ٦٨): "وعبد الله بن عمر العمري: ليس بالقوي عند أهل الحديث". وقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (١/ ١٩٢): "هذا يرويه عبد الله بن عمر العمري، وليس بقوي في الحديث، مرة وثقه يحيى بن معين، ومرة قال فيه: لا بأس به، وضعفه غير يحيى. وهو عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، يكنى أبا عبد الرحمن. وهذا اللفظ: "إنما النساء شقائق الرجال" قد روي فيما أعلم من حديث أنس بن مالك: بإسناد صحيح". وأقره على ذلك ابن القطان الفاسي في بيان الوهم (٢/ ٢٨٨/٢٩٩) و (٤/ ١٩٨/ ١٦٨٦) و (٥/ ٤٦٧/ ٢٢٧٠). وقال في الموضع الثاني متعقبًا عبد الحق في تضعيفه لأحاديث لأجل العمري، ثم سكوته عن أحاديث أخرى هي من رواية العمري، قال ابن القطان: "وهذا الذي عمل به في هذه الأحاديث، من تضعيفها من أجل العمري [وهذا منها]: هو الأقرب إلى الصواب، وأصوب منه أن يقال، فيما لا عيب له إلا العمري: إنه حسن، فإنه رجل مختلف فيه، فإن الناس من يوثقه ويثني عليه، ومنهم من يضعفه … ". وبذا تعلم خطأ ما نقله العجلوني في كشف الخفاء (٦٤٩) بقوله: "قال ابن القطان: هو من طريق عائشة: ضعيف، ومن طريق أنس: صحيح"، وانظر أيضًا: رقم (٢٨٥٧)، ثم وجدته بنصه في فيض القدير (٢/ ٥٦٣). وقال الشوكاني في نيل الأوطار (١/ ٢٨١): "فالحديث معلول بعلتين: الأولى: العمري المذكور، والثانية: التفرد وعدم المتابعات، فقصُر عن درجة الحسن والصحة، والله أعلم".

стр. 993

قلت: هو حديث منكر، لتفرد عبد الله بن عمر العمري به عن أخيه الثقة الثبت المتقن المكثر: عبيد الله بن عمر العمري، فلم يتابعه عليه أحد من أصحاب أخيه على كثرتهم وجمعهم لحديثه، ومثل عبد الله بن عمر لا يحتمل تفرده بمثل هذا. والراجح في عبد الله بن عمر العمري أنه ليس بالقوي يكتب حديثه للاعتبار، ولا يحتج به عند التفرد، وقد وثقه وأثنى عليه جماعة من الأئمة، وضعفه آخرون وأجمع ما قيل فيه عندي، قول العلامة المعلمي اليماني في التنكيل (٢/ ٦٩): "كثير الخطأ، حتى قال البخاري: "ذاهب لا أروي عنه شيئًا"، ومن أثنى عليه فلصلاحه وصدقه، وأنه ليس بالساقط". • ثم إنه لم يتفرد فقط بهذا الحديث عن عبيد الله بن عمر العمري، بل إنه خولف فيه: فقد رواه عروة عن عائشة، فلم يذكر فيه شأن الرجل والاحتلام، وإنما ذكر فيه قصة أم سليم في سؤالها النبي ﷺ عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، وجواب النبي ﷺ عليها، وليس فيه قوله: "إنما النساء شقائق الرجال" على ما يأتي تفصيله في طرق حديث عروة عن عائشة في الحديث الآتي برقم (٢٣٧)، وهو في مسلم برقم (٣١٤). وعلى هذا فقد حصلت مخالفته لحديث الثقات في أول الحديث وآخره، حيث انفرد بما لم يتابع عليه من حديث عائشة. قال ابن رجب في الفتح (١/ ٣٤٣): "وقد استنكر أحمد هذا الحديث في رواية مهنا، وقال في رواية الفضل بن زياد: أذهب إليه". ومع كون الحفاظ قد جزموا بأن هذا الحديث إنما يعرف بعبد الله بن عمر العمري؛ أي: أنه هو المتفرد به: فقد وجدت الطبراني قد رواه في الأوسط (٩/ ١٠/ ٨٩٦٦)، قال: حدثنا مقدام: ثنا أبو الأسود: ثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة والقاسم بن محمد، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ سئل عن الرجل يرى في منامه شيئًا ولا يرى بللًا، ويرى بللًا ثم لا يرى شيئًا؟ قال: "إذا وجد أحدكم بللًا، ولم ير شيئًا فليغتسل، وإذا رأى شيئًا ولم ير بللًا فلا يغتسل". قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن القاسم بن محمد إلا عبيد الله بن عمر وأبو الأسود، تفرد به عن عبيد الله بن عمر: أخوه عبد الله بن عمر، وتفرد به عن أبي الأسود: ابن لهيعة". قلت: لا أراه يصح عن ابن لهيعة، ولا عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل يتيم عروة، ولا عن عروة، إنما هو حديث عبد الله العمري عن أخيه عن القاسم. وشيخ الطبراني: مقدام بن داود بن عيسى بن تليد الرعيني أبو عمرو المصري: ضعيف، بل قد اتهمه الذهبي في تلخيص المستدرك (١/ ٥٦٩) بوضع حديث أبي هريرة في

стр. 994

الحال المرتحل، حيث قال: "وهو موضوع على سند الصحيحين، والمقدام: متكلم فيه، والآفة منه". وقد اتهم بحديث: "طعام البخيل داء، وطعام السخي شفاء"، وهو حديث باطل، واختلف فيمن عليه تبعته، المقدام هذا، أم محمد بن نوح الأصبهاني، فإنه لا يعرف، وقد قال فيه ابن القطان (٢/ ٣٣٢/ ٣٢٥): "وإنهم لمشاهير ثقات إلا مقدام بن داود، فإن أهل مصر تكلموا فيه، وقال فيه الدارقطني: ضعيف"، إلا أن القاضي عياض وابن حجر حملا التبعة فيه على محمد بن نوح الأصبهاني [انظر: اللسان (٥/ ٤٦٣) و (٦/ ٩٨)]. وانظر ترجمة المقدام بن داود في: الجرح والتعديل (٨/ ٣٠٣)، سير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٤٥)، الكشف الحثيث (٧٨٢)، اللسان (٦/ ٩٨)، وقد ضعفه الهيثمي في مواضع كثيرة من مجمع الزوائد (٢/ ٢٤٣) و (٣/ ١٢٩) و (٤/ ٨٩ و ٢٩١ و ٣٢٨) و (٥/ ٥٤ و ٧٦ و ١١٤ و ١٠٢ و ١٣٠ و ١٦٧ و ٣٤١) و (١/ ١٤٦ و ٢٩٨ و ٣٠٠) و (٧/ ١٦٨) و (٨/ ٢٠ و ٢٥ و ٦٧ و ٨٤ و ٩٤ و ٩٥ و ١١٦ و ٢٥١ و ٢٣٣ و ٢٥٦) و (٩/ ٥٣ و ٧٤ و ٨٠ و ٨٦ و ٢٥٤ و ٢٩٢) و (١٠/ ٣٣ و ٤٧ و ١٠٦ و ١٢٥ و ٢٣٨ و ٣٢٣). فإن سلم المقدام من عهدته، فابن لهيعة: ضعيف مدلس، وقد عنعنه. • وحديث العمري هذا قد روي بعضه من حديث خولة بنت حكيم الأنصارية، ومن حديث أنس بن مالك، والذي أشار إليه عبد الحق وصحح إسناده. ١ - أما حديث خولة: فيرويه علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيب، عن خولة بنت حكيم: أنها سألت رسول الله ﷺ عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل؟ فقال: "ليس عليها غسل حتى تنزل، كما أنه ليس على الرجل غسل حتى ينزل". أخرجه ابن ماجه (٦٠٢)، وأحمد (٦/ ٤٠٩)، وإسحاق (٥/ ٤٤/ ٢١٤٧)، وابن سعد (٨/ ١٥٨)، وابن أبي شيبة (١/ ٨٠/ ٨٨٠)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٦/ ٥٩/ ٣٢٦٦)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ٢٤٠ و ٢٤١/ ٦١٢ و ٦١٣)، وفي الأوسط (١/ ٢٠٤/ ٦٥٢)، وابن شاهين في الناسخ (٢٥). • خالفه في متنه فلم يذكر شأن الرجل: عطاء بن أبي مسلم الخراساني، فرواه عن سعيد بن المسيب، عن خولة بنت حكيم، قالت: سألت رسول الله ﷺ عن المرأة تحتلم في منامها؟ فقال: "إذا رأت الماء فلتغتسل". أخرجه النسائي (١/ ١١٥/ ١٩٨)، والدارمي (١/ ٢١٤/ ٧٦٢)، وأحمد (٦/ ٤٠٩)، وابن أبي عاصم من الآحاد والمثاني (٦/ ٥٨/ ٣٢٦٤ و ٣٢٦٥)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ٢٤٠/ ٦١٠ و ٦١١)، وفي مسند الشاميين (٣/ ٣٢٣/ ٢٤٠٥ و ٢٤٠٦)، وابن عدي في الكامل (٥/ ٣٦٠)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٢٠٦)، وفي معرفة، الصحابة (٨/ ٣٣٠٦/ ٧٥٩٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٢/ ٢٠٢).

стр. 995

رواه عن عطاء: شعبة، وإسماعيل بن عياش، واللفظ لشعبة، والمعنى واحد. وعلى هذا فإن زيادة ابن جدعان: "كما أنه ليس على الرجل غسل حتى ينزل": زيادة منكرة، لم يأت بها عطاء في حديثه، وعطاء الخراساني أثبت وأضبط من علي بن زيد، فإن عطاء: صدوق، تكلم في حفظه، والجمهور على توثيقه [راجع الحديث المتقدم برقم (٢٢٦)]، بخلاف علي بن زيد بن جدعان، فإنه: ضعيف، ضعفه الجمهور، والواقع هنا يؤيد ذلك فإن رواية عطاء الخراساني موافقة لرواية الثقات من حديث: أنس، وأم سلمة، وعائشة، بخلاف رواية ابن جدعان. وحديث خولة بنت حكيم -من رواية عطاء الخراساني-: حديث حسن. وعلى هذا فلا يقال إذن بأن حديث خولة بنت حكيم شاهد لحديث عائشة من رواية العمري، لنكارة الزيادة موضع الشاهد، والله أعلم. وانظر في الاختلاف في حديث خولة: علل الدارقطني (١٥/ ٤٣٠/ ٤١٢٤). ٢ - وأما حديث أنس بن مالك: الذي عناه عبد الحق الإشبيلي وابن القطان: فهو ما رواه محمد بن كثير بن أبي عطاء الثقفي مولاهم، أبو يوسف الصنعاني، نزيل المصيصة، عن الأوزاعي، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس قال: دخلت على النبي ﷺ أم سليم، وعنده أم سلمة، فقالت: المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل؟ فقالت أم سلمة: تربت يداك يا أم سليم، فضحكت النساء! فقال النبي ﷺ منتصرًا لأم سليم: "بل أنت تربت يداك، إن خيركن التي تسأل عما يعنيها، إذا رأت [المرأة] الماء فلتغتسل"، قالت أم سلمة: و [هل] للنساء [من] ماء؟ يا رسول الله! قال: "نعم، فأنى يشبههن الولد، إنما من شقائق الرجال". أخرجه الدارمي (١/ ٢١٥/ ٧٦٤)، وأبو عوانة في صحيحه (١/ ٢٤٤/ ٨٣٢)، والبزار في مسنده (١٣/ ٧٤/ ٦٤١٨). قال البزار: "وهذا الحديث قد رواه جماعة عن أنس، ولا نعلم أحدًا جاء بلفظ إسحاق". قلت: محمد بن كثير هذا: صاحب الأوزاعي إلا أنه لم يكن يفهم الحديث، وهو صدوق كثير الغلط، وهو ضعيف الحديث في معمر خاصة [التهذيب (٣/ ٦٨٢)، الميزان (٨/ ١٤)، الجامع في الجرح والتعديل (٣/ ٧١)، السير (١٠/ ٣٨٠)، تاريخ دمشق (٥٥/ ١١٨)، الجرح (٨/ ٦٩)، الثقات (٩/ ٧٠)، الكامل (٦/ ٢٥٤)، ضعفاء العقيلي (٤/ ١٢٨)، العلل ومعرفة الرجال (٥١٠٩)، سؤالات البرذعي (٤٩٩)]. • خالفه: أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج [ثقة]، والوليد بن مسلم [ثقة ثبت في الأوزاعي]، ويحيى بن عبد الله [البابلتي، وهو: ضعيف]: رووه عن الأوزاعي، قال: حدثني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري، عن

стр. 996

جدته أم سليم، قالت: وكانت مجاورة أم سلمة زوج النبي يأكل ﷺ فكانت تدخل عليها، فدخل النبي ﷺ ، فقالت أم سليم: يا رسول الله أرأيت إذا رأت المرأة أن زوجها يجامعها في المنام، أتغتسل؟ فقالت أم سلمة: تربت يداك يا أم سليم، فضحكت النساء عند رسول الله ﷺ ، فقالت أم سليم: إن الله لا يستحي من الحق، وإنا إن نسأل النبي ﷺ عما أشكل علينا خير من أن نكون منه على عمياء، فقال النبي ﷺ لأم سلمة: "بل أنت تربت يداك، نعم يا أم سليم! عليها الغسل إذا وجدت الماء"، فقالت أم سلمة: يا رسول الله وهل للمرأة ماء؟ فقال النبي ﷺ : "فأنى يشبهها ولدها، من شقائق الرجال". لفظ أبي المغيرة. هكذا لم يذكروا في إسناده أنس بن مالك. أخرجه أحمد (٦/ ٣٧٧)، وذكره الدارقطني في العلل (١٢/ ٩/ ٢٣٤٢). وهذا هو المحفوظ عن الأوزاعي: مرسل [انظر: المراسيل (٣٦)، جامع التحصيل (١٧٠)، تحفة التحصيل (٢٥)]. • وقد اختلف فيه على إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة: أ- فرواه الأوزاعي في المحفوظ عنه: عن إسحاق، عن جدته أم سليم به هكذا مرسلًا، وتقدم. • وتابعه على إرساله: يحيى بن أبي كثير، وحسين المعلم، وهمام بن يحيى [وهم: ثقات، لا سيما يحيى بن أبي كثير، فإنه: ثقة ثبت إمام]: فرووه عن إسحاق، أن أم سليم [أو: عن جدته] به. أخرجه أبو نعيم الفضل بن دكين في الصلاة (١٢١)، وذكره الدارقطني في العلل (١٢/ ٩/ ٢٣٤٢). قال أبو نعيم: حدثنا شيبان النحوي، عن يحيى بن أبي كثير، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، قال: قالت أم سلمة [كذا، وإنما هي أم سليم]: يا رسول الله ما تقول في المرأة ترى في المنام ما يرى الرجل؟ قال: "إذا رأت الماء فلتغتسل". وهذا إسناد صحيح إلى إسحاق. ب- خالف الجماعة فوصله: عكرمة بن عمار، قال: قال إسحاق بن أبي طلحة: حدثني أنس بن مالك، قال: جاءت أم سليم [وهي جدة إسحاق] إلى رسول الله ﷺ فقالت له، وعائشة عنده: يا رسول الله! المرأة ترى ما يرى الرجل في المنام، فترى من نفسها ما يرى الرجل من نفسه؟ فقالت عائشة: يا أم سليم! فضحكت النساء، تربت يمينك، فقال لعائشة: "بل أنت، فتربت يمينك، نعم، فلتغتسل يا أم سليم إذا رأت ذاك". أخرجه مسلم (٣١٠)، وأبو عوانة (١/ ٢٤٣/ ٨٣١)، وأبو نعيم في المستخرج (١/ ٣٦٣/ ٧٠٤)، والدارقطني في العلل (٩/ ١٢ - ١٠/ ٢٣٤٢). من طريق: عمر بن يونس الحنفي، قال: حدثنا عكرمة به.

стр. 997

وهذا إسناد صحيح متصل، لا مطعن فيه، وعكرمة بن عمار، إنما تكلم في روايته عن يحيى بن أبي كثير خاصة، فإن روايته عنه مضطربة، وهو ثقة في غيره، وإن كان ثمة شيء أخطأ فيه في هذه الرواية فإنما هو جعله الرادة على أم سليم: عائشة ﵂، والمحفوظ من حديث أنس أنها: أم سلمة، لا سيما وفي رواية الأوزاعي ما يرجح ذلك لقوله عن أم سليم: وكانت مجاورة أم سلمة زوج النبي ﷺ فكانت تدخل عليها. فإن قيل بأن عكرمة بن عمار لم يسمع من إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة هذا الحديث [مع كونه قد صرح بالسماع منه في أحاديث أخرى. انظر مثلًا: صحيح مسلم (٢٨٥ و ٢٥٠٧ و ٢٦٠٣ و ٢٧٤٧)] وعكرمة موصوف بالتدليس فلعله دلسه، حيث قال: قال إسحاق. فيقال: لم يظهر من طرق الحديث أنه دلس هذا الحديث عن إسحاق، ثم هو قد صرح بالسماع في بعض طرق هذا الحديث بعينه، كما عند أبي عوانة في صحيحه: "قال: ثنا إسحاق"، فانتفت شبهة تدليسه. • لكن أبا حاتم والدارقطني ذهبا إلى خلاف ما ذهب إليه مسلم، فقد رجحا رواية الجماعة المرسلة على رواية عكرمة بن عمار الموصولة: قال أبو حاتم في العلل (١/ ٦٢/ ١٦٣): "إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أم سليم: مرسل، وعكرمة بن عمار روى عن إسحاق عن أنس: أن أم سليم، وحديث الأوزاعي: أشبه مرسل من الموصَّل" كذا في نسخة التيمورية، وفي نسخة دار الكتب المصرية: "أشبه مرسل من الموصول". قال ابن عبد الهادي في شرح العلل ص (٢١٠): "وحديث الأوزاعي أشبه مرسل من الموصل، كذا قال، والصواب أن يقال: أشبه من الموصول، وحديث الأوزاعي عن إسحاق: لم يخرجه أحد من الأئمة السنة، وحديث عكرمة: انفرد به مسلم عن الجماعة، والله أعلم". كذلك فقد ذهب الدارقطني في العلل (١٢/ ٩/ ٢٣٤٢) إلى ترجيح الرواية المرسلة على الموصولة، فقال: "والمرسل أشبه بالصواب". وبناء على ما تقدم، فإن حديث: "هن شقائق الرجال" يعنى: النساء: محفوظ من حديث الأوزاعي عن إسحاق عن جدته أم سليم مرفوعًا، وفي سنده انقطاع، وهو منكر من حديث العمري. • ولحديث أنس طرق أخرى، منها ما رواه: ١ - سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: أن أنس بن مالك حدثهم: أن أم سليم حدثت: أنها سألت نبي الله ﷺ [كذا في رواية عن يزيد بن زريع، وعبدة بن سليمان، وجاء عنهما أيضًا، وعن عبد الأعلى، وابن أبي عدي، ويزيد بن هارون، ومحمد بن جعفر، ومحمد بن بكر: سبعتهم عن سعيد، عن قتادة، عن أنس: أن أمه أم سليم سألت رسول الله ﷺ ، كذا

стр. 998

من مسند أنس، وهي رواية الجماعة. وانظر: تحفة الأشراف (١/ ٣١٠) و (١٣/ ٨٤)، النكت الظراف (١/ ٣١١)]، عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل؟ فقال رسول الله ﷺ : "إذا رأت ذلك المرأة فلتغتسل"، فقالت أم سليم [كذا عند مسلم، والصواب: أم سلمة، وسيأتي بيانه، واستحييتُ من ذلك، قالت: وهل يكون هذا؟ فقال نبي الله ﷺ : "نعم، فمن أين يكون الشبه، إن ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فإن أيهما علا -أو: سبق- يكون منه الشبه". أخرجه مسلم (٣١١)، وأبو عوانة (١/ ٢٤٣/ ٨٢٩ و ٨٣٥)، وأبو نعيم في المستخرج (١/ ٣٦٣ - ٣٦٤/ ٧٠٥)، والنسائي في المجتبى (١/ ١١٢ و ١١٥ - ١١٦/ ٩٥١ و ٢٠٠)، وفي الكبرى (١/ ١٥٣ و ١٥٤ - ١٥٥/ ٢٠٠ و ٢٠٤) و (٨/ ٩٠٢٨/٢٢١ و ٩٠٢٩)، وابن ماجه (٦٠١)، وابن حبان (٣/ ٤٣٩ - ٤٤٠/ ١١٦٤) و (١٤/ ٦٢ و ٦٣/ ٦١٨٤ و ٦١٨٥)، وأحمد (٣/ ١٢١ و ١٩٩ و ٢٨٢)، وإسحاق (٥/ ٥٤/ ٢١٥٩)، وابن أبي شيبة (١/ ٨٠/ ٨٧٩)، والبزار (١٣/ ٣٨٩/ ٧٠٧٦)، وأبو يعلى (٥/ ٢٩٩ و ٤٢٦ و ٤٥١/ ٢٩٢٠ و ٣١١٦ و ٣١٦٤)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٦/ ٣٥٠٦/ ٧٩٤٢)، وابن حزم (٢/ ٥)، والبيهقي (١/ ١٦٩)، وابن عبد البر في التمهيد (٣/ ٥١١)، وفي الاستذكار (١/ ٢٩٢). • تنبيهات: الأول: كذا وقع عند مسلم، وفي بعض المصادر: "قالت أم سليم"، فكانت هي الرادة على نفسها، المنكرة على قولها، فلا يستقيم بذلك المعنى. قال المازري: "قال بعضهم: كذا وقع في أكثر النسخ [يعني: نسخ مسلم]: "فقالت أم سليم"، وغُيِّر في بعض النسخ فجُعل: "فقالت أم سلمة" مكان أم سليم، والمحفوظ من طرق شتى: "فقالت أم سلمة". قال القاضي عياض: وهو الصواب؛ لأن السائلة هي أم سليم، والرادة عليها هي أم سلمة في هذا الحديث، أو عائشة في الحديث الآخر، ويحتمل أن عائشة وأم سلمة كلتاهما أنكرتا عليها، فأجاب النبي ﷺ كل واحدة بما أجابها، وإن كان أهل الحديث يقولون: إن الصحيح هنا: أم سلمة، لا عائشة" [إكمال المعلم (٢/ ١٤٩ - ١٥٠)، ونقله النووي في المنهاج (٣/ ٢٢١)]. قلت: قد رواه البيهقي من نفس طريق مسلم من طريق العباس بن الوليد النرسي، عن يزيد بن زريع به، فقال: "فقالت أم سلمة". وكذا قال الجماعة: عبدة بن سليمان، وعبد الأعلى، وابن أبي عدي، ويزيد بن هارون، ومحمد بن بكر، ومحمد بن جعفر، وقال الأخير: "فقالت أم سلمة زوج النبي ﷺ . فلا شك أن رواية مسلم: "فقالت أم سليم": وهم. وأما ما وقع من ذلك في مسند أبي يعلى فما أراه إلا من الناسخ أو من الطابع.

стр. 999

التنبيه الثاني: قوله: "فمن أيهما علا -أو: سبق- يكون منه الشبه" الشك فيه من سعيد بن أبي عروبة، رواه عنه الجماعة هكذا بالشك، وفي رواية عبد الأعلى عند أحمد (٣/ ١٩٩): قال سعيد: نحن نشك. التنبيه الثالث: قال يحيى بن سعيد القطان: كان شعبة يقول في حديث قتادة عن أنس: حديث أم سليم: في المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل: ليس بصحيح، وينكره، وفي رواية: كأنه يرى أنه عن عطاء الخراساني. أسنده عبد الله بن أحمد في العلل ومعرفة الرجال (٣/ ٢٢٢/ ٤٩٦٦)، وابن أبي حاتم في مقدمة الجرح والتعديل (١/ ١٥٧ - ١٥٨). قلت: لم تظهر لي علة لهذا الحديث، ولم أر عطاء بن مسلم الخراساني رواه فيما وقفت عليه من مصادر، وقد روى هذا الحديث عن ابن أبي عروبة جماعة ممن روى عنه قبل الاختلاط، مثل: يزيد بن زريع، وعبدة بن سليمان، ويزيد بن هارون، وعبد الأعلى السامي، وغيرهم، وهو إسناد صحيح على شرط الشيخين، ما أعلم له علة. ويكفي في الاحتجاج به: تصحيح الإمام مسلم له، وتابعه على تصحيحه: أبو عوانة، وابن حبان، واحتج به النسائي في صحاحه، ولم يذكر فيه اختلافًا. وأما إن أراد شعبة ما رواه هو عن عطاء الخراساني عن ابن المسيب عن خولة بنت حكيم، فلا يُعلُّ هذا بهذا. ٢ - صالح بن عمر، قال: حدثنا أبو مالك الأشجعي، عن أنس بن مالك، قال: سألت امرأة رسول الله ﷺ عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل في منامه؟ فقال: "إذا كان منها ما يكون من الرجل فلتغتسل". أخرجه مسلم (٣١٢)، وأبو عوانة (١/ ٢٤٤/ ٨٣٣ و ٨٣٤)، وأبو نعيم في المستخرج (١/ ٣٦٤/ ٧٠٦)، والبزار (١٤/ ٤٩/ ٧٤٨٤)، والبيهقي (١/ ١٦٨). • هذا ما صح عن أنس، وله أسانيد أخرى لا تصح، انظر: مصنف عبد الرزاق (١/ ٢٨٣/ ١٠٩٣)، مسند البزار (١٤/ ٧٥/ ٧٥٣٦)، المعجم الأوسط للطبراني (٨/ ١٨٧/ ٨٣٥٥)، الكامل (٣/ ٣٨٤)، جزء أبي الطاهر (٢٠)، الموضع (٢/ ١٢٩)، الفقيه والمتفقه (١/ ١٧٧). • والخلاصة: فإن حديث أنس: حديث صحيح، لكن بطريقيه الأخيرين في شأن ماء المرأة، وقياسها على الرجل في الغسل من الاحتلام، وأما حديث عبد الله العمري، فإنه وإن كان ضعيفًا؛ إلا أن ما دل عليه صحيح. أما سؤال أم سليم: فقد صح من حديث أنس. وأما السؤال عن الرجل يجد البلل، ولا يذكر احتلامًا، أو: الرجل يرى أنه قد احتلم ولا يجد البلل؟ فهذا الذي انفرد به العمري من حديث عائشة، ولم يرو أيضًا من حديث أنس، ولا من حديث أم سلمة، صريحًا.

стр. 1000

لكن دلت الأحاديث الصحيحة: حديث أنس وأم سلمة وعائشة، على أن الرسول ﷺ قاس المرأة على الرجل، ففي سؤال أم سليم: المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، أتغتسل؟ ثم جواب النبي ﷺ لها بأنها تغتسل إذا رأت الماء فقط، فهذا هو معنى كون الرجل يجد البلة في ثيابه إذا استيقظ من النوم، فإن كان ذكر احتلامًا فالأحاديث قاضية بوجوب اغتساله، وأما إذا لم يذكر احتلامًا ففيه تفصيل يأتي ذكره. ثم تعليق النبي ﷺ إيجاب الغسل برؤية الماء؛ دليل على أن الرجل والمرأة كلاهما إذا ذكرا احتلامًا ولم يريا أثرًا في ثيابهما فلا غسل عليهما. ثم قول النبي ﷺ في حديث أنس -الرواية الثانية-: "إذا كان منها ما يكون من الرجل فلتغتسل": ظاهر في قياس المرأة على الرجل في هذا الباب، وأن كلًّا منهما إذا رأى الماء مع ذكر الاحتلام فقد وجب عليه الغسل، وإذا ذكر احتلامًا ولم ير أثرًا فلا غسل عليه. ثم قول النبي ﷺ أيضًا: "هن شقائق الرجال" [أي: نظائرهم وأمثالهم في الخلق والطباع، فكأنهن شُققن من الرجال. معالم السنن (١/ ٦٨)]: ظاهر أيضًا في التسوية بين الرجل والمرأة في حكم هذه المسألة، لكن هذا يبنى على ثبوت الحديث، وفي ثبوته نظر، لكونه لا يحفظ إلا من حديث أم سليم، وفي سنده انقطاع. وأما ما جاء في حديث العمري: سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلامًا؟ قال: "يغتسل"، فلو صح هذا لكان فصلًا في المسألة، وإنما نقول بإيجاب الغسل عليه إذا ذكر احتلامًا لما دل عليه ما صح من الأحاديث، مثل: حديث أم سلمة [الآتي ذكره]: هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ قال: "نعم؛ إذا رأت الماء"؛ فحصل تعليق الحكم هنا بوقوع أمرين معًا، وهما ذكر الاحتلام، ورؤية الماء، فإذا تخلف أحدهما لم يلزم الحكم حينئذ كما هو مقرر في الأصول. لكن يمكن أن نقول: إذا لم يكن ثم سبب لنزول هذا الماء قبل النوم، فلا يمكن وجوده إذًا إلا في حال النوم بالاحتلام، ولو استدل مستدل حينئذ بأثر عمر وعثمان، لكان جيدًا، فإن أحدًا منهما لم يذكر أنه احتلم، ففي قول عمر: "احتلمت وما شعرت، وصليت وما اغتسلت" ما يدل على أنه لم يذكر احتلامًا، ثم رأى في ثيابه أثر الماء الدافق، ولم يعلم وجود سبب قبل النوم يقتضي نزوله، فقام واغتسل وغسل أثر الماء من ثيابه، وأعاد الصلاة. قال الترمذي بعد حديث العمري في الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلامًا: "وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين: إذا استيقظ الرجل فرأى بلة: أنه يغتسل، وهو قول سفيان الثوري وأحمد. وقال بعض أهل العلم من التابعين: إنما يجب عليه الغسل إذا كانت البلة بلة نطفة، وهو قول الشافعي وإسحاق.

стр. 1001

وإذا رأى احتلامًا، ولم ير بلة: فلا غسل عليه عند عامة أهل العلم". وقال ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٨٣): "أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على: أن الرجل إذا رأى في نومه أنه احتلم أو جامع ولم يجد بللًا أنه لا غسل عليه"، وقال نحوه في الإجماع (٣٥). ثم قال بعد ذكر مذاهب العلماء فيمن وجد بلة (٢/ ٨٦): "فإن رأى بللًا، فإن أيقن أنه بلة نطفة اغتسل، وإن علم أنه مذي أو غيره بعد أن يعلم أن البلة ليست ببلة نطفة، لم يجب عليه الاغتسال، والأحوط له إذا شك فلم يدر بلة نطفة أو مذي: أن يغتسل، فإن أمكنه التمييز بينها بشم كما قال قتادة فعل، فإن رائحة نطفة الرجل يشبه رائحة الطلع". وقال الخطابي في المعالم (١/ ٦٨): "ظاهر هذا الحديث يوجب الاغتسال إذا رأى البلة وإن لم يتيقن أنها الماء الدافق. وروي هذا القول عن جماعة من التابعين، منهم: عطاء والشعبي والنخعي، وقال أحمد بن حنبل: أعجب إلي أن يغتسل إلا رجلًا به إِبرِدة. وقال أكثر أهل العلم: لا يجب عليه الاغتسال حتى يعلم أنه بلل الماء الدافق، واستحبوا أن يغتسل من طريق الاحتياط. ولم يختلفوا: أنه إذا لم ير الماء وإن كان رأى في النوم أنه قد احتلم فإنه لا يجب عليه الاغتسال". وقال البغوي نحوه في شرح السُّنَّة (١/ ٣٤٠). وقال ابن عبد البر في التمهيد (٣/ ٥١٠): "وفي إجماع العلماء على: أن المحتلم رجلًا كان أو امرأة إذا لم ينزل، ولم يجد بللًا، ولا أثر للإنزال: أنه لا غسل عليه، وإن رأى الوطء والجماع الصحيح في نومه، وأنه إذا أنزل فعليه الغسل، امرأة كان أو رجلًا، وأن الغسل لا يجب في الاحتلام إلا بالإنزال: ما يغني عن كل تأويل وتفسير، وبالله التوفيق". وقال مالك: "من انتبه من نومه فرأى بللًا على فخذيه أو في فراشه. قال: ينظر فإن وإن مذيًا توضأ، ولم يكن عليه الغسل، وإن كان منيًّا اغتسل. قال: والمذي في هذا يعرف من المني. قال: وهو بمنزلة الرجل في اليقظة إذا لاعب امرأته إن أمذى توضأ، وإن أمنى اغتسل. قال: وقد يكون الرجل يرى في منامه أنه يجامع فلا يمني ولكنه يمذي، وهو في النوم مثل من لاعب امرأته في اليقظة. قال: وقد يكون الرجل يرى في منامه أنه يجامع في منامه فلا ينزل، وليس الغسل إلا من المني. وقال: والمرأة في هذا بمنزلة الرجل في المنام في الذي يرى" [المدونة (١/ ٣١)].

стр. 1002

وقال الشافعي: "ولو شك رجل أنزل أو لم ينزل، لم يجب عليه الغسل حتى يستيقن بالإنزال، والاحتياط أن يغتسل" [الأم (٢/ ٨٢)]. وقال أبو يوسف: "لا غسل عليه حتى يستيقن أنه قد احتلم" [المبسوط لمحمد بن الحسن الشيباني (١/ ٤٩)]. وقال ابن رجب في شرح حديث أم سلمة في صحيح البخاري [فتح الباري (١/ ٣٤١)]: "فبيَّن ﷺ أن للمرأة ماء كما للرجل، وأنها إذا رأت الماء في نومها باحتلام فإنه يجب عليها الغسل منه، وفي ذلك تنبيه على أن الرجل كذلك، وأنه إذا رأى حلمًا ورأى الماء أنه يلزمه الغسل، وهذا مما لا اختلاف فيه بين العلماء … قال: ولو رأى الرجل والمرأة بللًا ولم يذكرا احتلامًا، فإن كانت أوصاف المني موجودة فيه لزمه الغسل، وإن احتمل أن يكون منيًّا وأن يكون مذيًا وغير ذلك ففيه قولان: أحدهما: عليه الغسل، حكاه الترمذي في كتابه عن غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين، وعن سفيان وأحمد. وممن روي عنه أنه قال: يغتسل: ابن عباس، وعطاء، والشعبي، والنخعي، وهو قول أبي حنيفة، وظاهر مذهب أحمد؛ إلا أنه استثنى من ذلك: أن يكون ثم سبب يقتضي خروج غير المني، مثل أن يكون قد سبق منه ملاعبته لأهله، أو فكر قبل نومه، أو يكون به إبردة فخرج منه بلل بسببها، فلم يوجب الغسل في هذه الصور؛ لأن إحالة البلل الخارج على السبب الموجود المعلوم أولى من إحالته على سبب موهوم. فإن لم يوجد شيء من هذه الأسباب لزمه الغسل؛ لأن خروج المني من النائم بالاحتلام هو الأغلب، فيحال البلل عند الشك عليه دون المذي وغيره؛ لأن خروج ذلك في النوم أندر، ولأن ذمته قد اشتغلت بطهارة قطعًا ولا يتيقن، بل ولا يغلب على الظن صحة صلاته بدون الإتيان بطهارة الوضوء والغسل، فلزمه ذلك. والقول الثاني: لا غسل عليه بذلك حتى يتيقن أنه مني، وهو قول: مجاهد، وقتادة، والحكم، وحماد، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبي يوسف؛ لأن الأصل الطهارة، فلا يجب الغسل بالشك. والقول الأول أصح. … ورجح هذا القول طائفة من محققي الشافعية أيضًا. وأما إن رأى الرجل والمرأة احتلامًا، ولم ير بللًا فلا غسل عليه، كما دل عليه هذا الحديث الصحيح [يعني: حديث أم سلمة الآتي]، وحكاه الترمذي عن عامة أهل العلم، وحكاه ابن المنذر إجماعًا عن كل من يحفظ عنه من أهل العلم، … ". وانظر أيضًا: بدائع الفوائد (٥٢٠)، وفيه كلام جيد فليراجع، المغني (١/ ٢٠١)، الإنصاف (١/ ٢٢٢)، شرح السُّنَّة (١/ ٣٤٠). ***

стр. 1003

٩٥ - باب في المرأة ترى ما يرى الرجل ٢٣٧ - . . . يونس، عن ابن شهاب، قال: قال عروة: عن عائشة: أن أم سليم الأنصارية -وهي أم أنس بن مالك- قالت: يا رسول الله! إن الله لا يستحيي من الحق! أرأيتَ المرأةَ إذا رأتْ في النوم ما يرى الرجلُ، أتغتسل أم لا؟ قالت عائشة: فقال النبي ﷺ : "نعم، فلتغتسل إذا وجدت الماء". قالت عائشة: فأقبلت عليها فقلت: أفٍّ لكِ، وهل ترى ذلك المرأة؟! فأقبل عليَّ رسول الله ﷺ فقال: "تربت يمينك يا عائشة، ومن أين يكون الشبه؟! ". قال أبو داود: وكذا رواه عقيل، والزبيدي، ويونس، وابن أخي الزهري، [عن الزهري]، و [إبراهيم] بن أبي الوزير، عن مالك، عن الزهري. • حديث صحيح أخرجه من طريق يونس بن يزيد الأيلي: أبو عوانة في صحيحه (١/ ٢٤٥/ ٨٤٠)، وابن حبان (٣/ ١١٦٦/٤٤١). وقال الدارقطني في الأحاديث التي خولف فيها مالك بن أنس (١٠): "روى مالك في الموطأ عن الزهري عن عروة: أن أم سليم قالت للنبي ﷺ في المرأة تحتلم، لم يذكر في الموطأ: عائشة، وتابعه ابن أخي الزهري. خالفه: عقيل ويونس والزبيدي: فرووه عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: أن أم سليم. وكذلك قال ابن أبي الوزير عن مالك، وتابعه حباب بن جبلة". وقال البيهقي في المعرفة (١/ ٢٦٥): "رواه الشافعي ﵀ في كتاب "القديم"، عن مالك بن أنس هكذا مرسلًا. ورواه ابن أبي الوزير عن مالك، فأسنده عن عائشة، وكذلك رواه عقيل ويونس بن يزيد والزبيدي وابن أخي الزهري: عن الزهري، عن عروة، عن عائشة". وقال ابن عبد البر في التمهيد (٣/ ٥٠٨ و ٥٠٩): "هكذا هذا الحديث في الموطأ: عن عروة: أن أم سليم. وقال فيه ابن أبي أويس: عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن أم سليم، وكل من روى هذا الحديث عن مالك لم يذكر فيه: "عن عائشة"، فيما علمت إلا ابن أبي الوزير وعبد الله بن نافع أيضًا، فإنهما روياه عن مالك، عن عروة، عن عائشة … قال الدارقطني: تابع ابن أبي الوزير على إسناد هذا الحديث عن مالك: حباب بن جبلة، وعبد الملك بن عبد العزيز الماجشون، ومعن بن عيسى، فيما ذكره ابن رشيد في

стр. 1004

غرائب حديث مالك، عن عبد الرحمن بن يعقوب بن أبي عباد، عن معن. ولم يذكر الدارقطني: ابن نافع. ورواية عبد الأعلى السامي هذا الحديث عن معمر، كرواية يحيى. وجمهور رواة الموطأ له: عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، لم يذكروا عائشة. ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عائشة، ولم يذكر عروة. ورواه يونس، وعقيل، وصالح بن أبي الأخضر، والزبيدي، وابن أخي الزهري، كلهم: عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة. والحديث عند أهل العلم بالحديث: صحيح لابن شهاب عن عروة عن عائشة". هذا ما وقفت عليه من كلام أهل العلم على الاختلاف الواقع في هذا الحديث على ابن شهاب: • أما رواية يونس بن يزيد: فقد تقدم ذكر من أخرجها. • وأما رواية عقيل بن خالد: فأخرجها مسلم (٣١٤/ ٣٢)، وأبو عوانة (١/ ٢٤٥/ ٨٤١)، وأبو نعيم في المستخرج (١/ ٣٦٥/ ٧٠٨)، والدارمي (١/ ٢١٤/ ٧٦٣)، والبيهقي (١/ ١٦٨)، والخطيب في الأسماء المبهمة (١٢٥). • وأما رواية الزبيدي، محمد بن الوليد: فأخرجها أبو عوانة في صحيحة (٨٣٩)، والنسائي (١/ ١١٢ - ١١٣/ ١٩٦)، والطبراني في مسند الشاميين (٣/ ٣٢/ ١٧٤٩). ووقع فيها زياة شاذة عند أبي عوانة، تفرد بها سلم بن قادم، عن محمد بن حرب، عن الزبيدي به، وزاد في آخره: قيل له: أرأيت إذا لم تهريق الماء؟ قال: "لا غسل اذًا". وحديث الزبيدي: رواه كثير بن عبيد بن نمير الحمصي [ثقة]، ومحمد بن مصفى الحمصي [صدوق]، وسليمان بن سلمة أبو أيوب الخبائري الحمصى [متروك. اللسان (٣/ ١١١)]: رواه ثلاثتهم عن محمد بن حرب الخولاني الحمصي [كاتب الزبيدي: ثقة]، عن الزبيدي، عن ابن شهاب به، مثل رواية يونس، فلم يذكروا هذه الزيادة. وإنما تفرد بها سلم بن قادم البغدادي، أحد الغرباء، عن محمد بن حرب الحمصي، عن الزبيدي، عن ابن شهاب به. وسلم بن قادم: صدوق، ليس بذاك الحافظ الذي تحتمل منه هذه الزيادة، ولا سيما وقد قال فيه ابن حبان في الثقات: "يخطئ" [سؤالات ابن الجنيد (٣٥)، وقال: "ليس به بأس، ثقة". تاريخ بغداد (٩/ ١٤٥)، وقال: "ثقة"، ونقل عن صالح جزرة، قوله: "بغدادي ثقة". الثقات (٨/ ٢٩٧)، الجرح (٤/ ٢٦٨)]، وهو بغدادي غريب تفرد بها عن أهل حمص، فقد رواه الحمصيون بدونها، وبلدي الرجل أعرف به من الغرباء.

стр. 1005

• وأما رواية صالح بن أى الأخضر: فلم أقف على من أخرجها موصولة. • وكذا رواية ابن أخي الزهري. والذي يظهر لي أن رواية ابن أخي الزهري مثل رواية الجماعة موصولة بذكر عائشة. جزم بذلك أبو داود والبيهقي وابن عبد البر، خلافًا لما ذكره الدارقطني من أن روايته موافقة لرواية مالك عن الزهري بإسقاط عائشة من الإسناد. • وأما رواية مالك بن أنس: فرواها عنه جماعة رواة الموطأ بدون ذكر عائشة في الإسناد: كذا في: رواية يحيى بن يحيى الليثي (١/ ٩٦/ ١٢٧)، ورواية القعنبي (٧٥)، ورواية أبي مصعب الزهري (١/ ٥٧/ ١٣٩)، ورواية سويد بن سعيد (٥٦)، ورواية محمد بن الحسن الشيباني (٨١). وكذلك رواه عن مالك مرسلًا: الشافعي في القديم: ذكره البيهقي في المعرفة (١/ ٢٦٥). وأبو نعيم الفضل بن دكين في الصلاة (١٢٣). • ورواه كذلك مرسلًا من طريق مالك: الجوهري في مسند الموطأ (١٧٤)، من طريق القعنبي. والبيهقي في المعرفة (١/ ٢٦٣/ ٢٦٤)، من طريق ابن بكير عن مالك به مرسلًا. • خالف هؤلاء الثمانية الثقات؛ فذكر عائشة في إسناد مالك: ١ - إبراهيم بن عمر بن مطرف، المعروف بابن أبي الوزير، وهو مكي نزل البصرة: صدوق. وصله من طريقه: ابن عبد البر في التمهيد (٣/ ٥٠٨). ٢ - عبد الله بن نافع بن أبي نافع الصائغ المدني: ثقة، صحيح الكتاب، في حفظه لين، وقد لزم مالكًا وصحبه وهو فيه ثبت، إلا أنه يروي عنه غرائب [التهذيب (٢/ ٤٤٣)]، وحديثه هذا من الكتاب. وصله من طريقه: ابن عبد البر في التمهيد (٣/ ٥٠٩). ٣ - حباب بن جبلة الدقاق: قال الدارقطني: "حدث عنه موسى بن هارون، وأثنى عليه خيرًا"، وقال دعلج في غرائب مالك: "حدثنا موسى بن هارون: حدثنا حباب بن جبلة الدقاق، وهو ثقة"، وقد تفرد عن مالك بحديث، وقال الأزدي: "كذاب" [المؤتلف والمختلف (١/ ٤٧٩)، تاريخ بغداد (٨/ ٢٨٤)، اللسان (٢/ ٢٠٨)]. لم أر من وصل روايته. ٤ - عبد الملك بن عبد العزيز الماجشون: مدني، صدوق له أغلاط، حدث عن مالك بمناكير.

стр. 1006

لم أر من وصل روايته. ٥ - معن بن عيسى بن يحيى الأشجعي المدني: ثقة ثبت، من أثبت أصحاب مالك، لكن الراوي عنه: عبد الرحمن بن يعقوب بن أبي عباد القلزمي: لم أر من ترجم له؛ سوى أن يعقوب بن سفيان الفسوي ذكره في المعرفة والتاريخ (٢/ ٨٢)، في ذكر منقبة لعلي بن المديني، فقال فيه الفسوي: "وكان من أصحاب علي"، ونقلها الخطيب في تاريخه (١١/ ٤٦١). فلا أرى مثل هذا يصح عن معن بن عيسى. • والخلاصة: أن الذين لم يذكروا عائشة في إسناد حديث مالك: أوثق وأثبت وأكثر، لا سيما وفيهم: الإمام الشافعي، ومحمد بن الحسن الشيباني، وجمهور رواة الموطأ، كما قال ابن عبد البر، فروايتهم هي المحفوظة عن مالك. • وأما رواية معمر: فقد اختلف عليه: ١ - فرواه عبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي البصري، عن معمر، كرواية مالك -في المحفوظ عنه-، بدون ذكر عائشة. ورواية أهل البصرة عن معمر: فيها اضطراب كثير [انظر: شرح علل الترمذي (٢/ ٧٦٧)]. ٢ - ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عائشة. لم يذكر بينهما عروة. أخرجه عبد الرزاق (١/ ٢٨٣/ ١٠٩٢). وروايته أولى بالصواب من رواية عبد الأعلى، فإن حديث معمر باليمن جيد، وعبد الرزاق من أثبت الناس في معمر. • وخلاصة ما تقدم: أن حديث الجماعة: عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: أولى بالصواب، من حديث مالك ومعمر. فإن يونس، وعقيل، والزبيدي: من أثبت الناس في الزهري، وقولهم مقدَّم لكثرتهم، وحفظهم. وقد تابعهم: صالح بن أبي الأخضر، وابن أخي الزهري. قال ابن عبد البر: "والحديث عند أهل العلم بالحديث: صحيح لابن شهاب عن عروة عن عائشة". فإرسال مالك لا يقدح فيه، فقد وصله جماعة من الثقات المقدمين في الزهري: يونس وعقيل والزبيدي، لا سيما الزبيدي: فقد كان من الحفاظ المتقنين، أقام مع الزهري عشر سنين حتى احتوى على علمه، وقد سمع من الزهري مرتين، وهو من أثبت الناس فيه [التهذيب (٣/ ٧٢٤)، شرح علل الترمذي (٢/ ٦٧١)].

стр. 1007

ومما يرجح روايتهم: تصحيح الإمام مسلم له بإخراجه في صحيحه، كذا تصحيح أبي عوانة، وابن حبان، وقد احتج به النسائي في صحاحه. • وثم وجه ثالث لترجح هذه الرواية: *** قال أبو داود: ووافق الزهريَّ: مسافعٌ الحجبي، قال: عن عروة عن عائشة. وقال البيهقي في المعرفة (١/ ٢٦٥): "وكذلك رواه مسافع الحجبي، عن عروة، عن عائشة، وأخرجه مسلم في الصحيح". وهذا إنما يرويه: يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن أبيه، عن مصعب بن شيبة، عن مسافع بن عبد الله، عن عروة بن الزبير، عن عائشة: أن أمرأة قالت لرسول الله ﷺ : هل تغتسل المرأة إذا احتلمت، وأبصرت الماء؟ فقال: "نعم"، فقالت لها عائشة: تربت يداك، قالت: فقال رسول الله ﷺ : "دعيها، وهل يكون الشبه إلا من قبل ذلك، إذا علا ماؤها ماء الرجل أشبه الولد أخواله، وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه أعمامه". أخرجه مسلم (٣١٤/ ٣٣)، وأبو عوانة (١/ ٢٤٥/ ٨٤٢)، وأبو نعيم في مستخرجه (١/ ٣٦٥/ ٧٠٩)، وأحمد (٦/ ٩٢) [وفي سنده تصحيف يصحح من إتحاف المهرة (١٧/ ٢٧٢)]، وأبو يعلى (٧/ ٣٦٠/ ٤٣٩٥)، والطحاوي في المشكل (٤/ ٦/ ٢٢٤٣ - ترتيبه)، والبيهقي (١/ ١٦٨) و (١٠/ ٢٦٥)، والخطيب في الأسماء المبهمة (١٢٤). وهذا الحديث مما انتقده الإمام الحافظ أبو الفضل ابن عمار الجارودي الشهيد على الإمام مسلم في كتابه العلل رقم (٨)، حيث قال: "هذا الحديث رواه عن ابن أبي زائدة غير واحد، فقالوا: عبد الله بن مسافع الحجبي، وهو صحيح. وقد روى عنه ابن جريج حديثًا غير هذا، وحديث أبي غريب خطأ؛ حيث قال: مسافع بن عبد الله". قلت: لم ينفرد به أبو غريب محمد بن العلاء؛ بل تابعه على تسمية: مسافع بن عبد الله، هكذا: إبراهيم بن موسى الرازي [عند مسلم]، وسهل بن عثمان [عند مسلم]، ومحمد بن الصلت [عند أبي عوانة]، وقتيبة بن سعيد [عند أحمد، والبيهقي]، وسويد بن سعيد [عند أبي يعلى]، وإسماعيل بن خليل [عند البيهقي]. وهؤلاء سبعة من الثقات الحفاظ [عدا سويد بن سعيد؛ فإنه تغير بعدما عمي، فضعف بسبب ذلك]، رووه هكذا: مسافع بن عبد الله، ولم أر من خالفهم في هذا الإسناد عن ابن أبي زائدة. وأما عبد الله بن مسافع الذي يروي عنه ابن جريج: فهو راو آخر غير مسافع بن عبد الله بن شيبة، كما قال البخاري في التاريخ الكبير (٥/ ٢١٠)، وهذا الحديث الذي يعنيه هو في سجود السهو، فراجعه في الجزء الخاص بتخريج أحاديث سجود السهو ص (٤٠).

стр. 1008

• قلت: فإن كان ثم شيء يستدرك على هذه الرواية فإنما هو مراعاة علو المني في معنى الشبه، فإن المحفوظ في قصة أم سليم هو مراعاة سبق المني في معنى الشبه. ورجال هذا الإسناد ثقات، غير مصعب بن شيبة؛ فإنه: ليس بالقوي، ولا بالحافظ الذي يعتمد على حفظه فنقبل منه الزيادة، ومسلم لم يخرج لمصعب حديثًا انفرد بأصله، بل ما توبع عليه في الجملة، وإن كان من جهة المعنى، وقد سبق أن تكلمت على مصعب بن شيبة، وبينت حاله في الحديث المتقدم برقم (٥٣). والذي أراه أن مسلمًا قد أخرج هذه الرواية تقوية لرواية ابن شهاب عن عروة عن عائشة، ولبيان صحة هذا الطريق، وصحة حديث عائشة في قصة أم سليم. وإلا فإن مصعب بن شيبة: لا يحتج بمثله، ولا تستقل روايته بإثبات حكم، فكيف وقد خولف في هذه القصة: • فقد روى ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أم سلمة: أن أم سليم امرأة أبي طلحة قالت: يا رسول الله! المرأة ترى زوجها في المنام يقع عليها، أعليها غسل؟ قال: "نعم، إذا رأت بللًا"، فقالت أم سلمة: أو تفعل ذلك؟ فقال: "تربت يمينك؛ أنى يأتي شبه الخؤلة إلا من ذلك، أي النطفتين سبقت إلى الرحم غلبت على الشبه". أخرجه أحمد (٦/ ٣٠٨ - ٣٠٩)، وإسحاق (٤/ ١١٥ - ١١٦/ ١٨٨٢)، والطحاوي في المشكل (٤/ ٦ - ٧/ ٢٢٤٥)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٢٩٧ و ٤١٤/ ٦٥٩ و ٩٩٨)، وابن عبد البر في الاستذكار (١/ ٢٩٤)، وعلقه في التمهيد (٣/ ٥١٠). وهذا إسناد مدني صحيح، رجاله رجال مسلم، وعبد الله بن رافع سمع مولاته أم سلمة [التاريخ الكبير (٥/ ٩٠)]، وابن أبي ذئب، محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة: من أثبت الناس في سعيد المقبري، قال ابن معين: "ابن أبي ذئب: أثبت من ابن عجلان في سعيد المقبري"، وقال ابن المديني: "الليث، وابن أبي ذئب: ثبتان في حديث سعيد المقبري" [التهذيب (٣/ ٦٢٩)، شرح علل الترمذي (٢/ ٦٧٠)]. وقد تابع ابن أبي ذئب عليه: أيوب بن موسى بن عمرو المكي الأموي [ثقة]. ذكره الدارقطني في العلل (٨/ ١٤٣/ ١٤٦٢). وانظر فيمن وهم فيه فجعله من مسند أبي هريرة: المعجم الأوسط (٢/ ٣٧٣ ٢٢٦٧)، الكامل (٥/ ٤٦)، علل الدارقطني (٨/ ١٤٣/ ١٤٦٢). فهذه الرواية الصحيحة عن أم سلمة: تبين أن الشبه إنما يرجع إلى السبق لا إلى العلو، وهذه الرواية المجزوم بها هي التي ترجح أي الأمرين هو الراجح في رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس، والتي شك فيها ابن أبي عروبة، فقال: "فمن أيهما علا -أو: سبق- يكون منه الشبه". وبهذا يظهر وهم مصعب بن شيبة في هذه الرواية، وأن الذي يؤثر في الشبه سبق مني

стр. 1009

الرجل أو المرأة، وليس علو أحدهما على الآخر، إذ العلو هو الذي يؤثر في الذكورة والأنوثة، كما في حديث ثوبان عند مسلم (٣١٥)، والشاهد منه قوله ﷺ : "ماء الرجل أبيض، وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا فعلا منيُّ الرجل منيَّ المرأة أذكرا بإذن الله، وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنثا بإذن الله". وله شاهد من حديث ابن عباس بسند حسن: عند النسائي في الكبرى (٨/ ٢١٨ ٩٠٢٤)، وأحمد (١/ ٢٧٤)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٤٥/ ١٢٤٢٩)، وأبي نعيم في الحلية (٤/ ٣٠٥)، ورواه الترمذي (٣١١٧)، مختصرًا بدون موضع الشاهد. وهو يعتضد بطريق آخر: عند أحمد (١/ ٢٧٨)، والطيالسي (٢٧٣١)، والطبراني (١٢/ ٢٤٧/ ١٣٠١٢)، وسنده حسن أيضًا. ومما يؤكد ما ذهبت إليه من أن رواية مصعب بن شيبة: وهم، وأن المحفوظ في قصة أم سليم أن الماء الذي يسبق يكون له الشبه، فالسبق يؤثر في الشبه، والعلو يؤثر في الإذكار والإيناث: أن العلو وتأثيره في الإذكار والإيناث: اتفق وروده من حديث ثوبان وابن عباس. وأن السبق وتأثيره في الشبه: ورد من حديث أنس وأم سلمة: في قصة أم سليم، وورد أيضًا من حديث أنس: في قصة إسلام عبد الله بن سلام: والتي أخرجها: البخاري في صحيحه (٣٣٢٩ و ٣٩٣٨ و ٤٤٨٠)، والشاهد منها: قوله ﷺ : "وأما الشبه في الولد: فإن الرجل إذا غشى المرأة فيسبقها ماؤه كان الشبه له، وإذا سبق ماؤها كان الشبه لها"، والله أعلم. • وقد أعل ابن عبد البر في التمهيد (٣/ ٥١٠)، رواية مصعب بن شيبة هذه بكلام طويل، قال في آخره: "الإسناد في ذكر سبق النطفة أثبت". وأعلها أيضًا الطحاوي في المشكل (٤/ ٨ - ترتيبه)، وقدم عليها رواية: سعيد المقبري، عن عبد الله بن رافع، عن أم سلمة، وقال فيهما: "هو الصحيح عندهم". *** قال أبو داود: وأما هشام بن عروة، فقال: عن عروة، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة: أن أم سليم جاءت إلى رسول الله ﷺ . • حديث متفق على صحته. وصله من طريق: هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة، قالت: جاءت أم سليم إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا [هي] احتلمت؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم، إذا رأت الماء"، فقالت أم سلمة: يا رسول الله! وتحتلم المرأة؟! فقال: "تربت يداك، فبم يشبهها ولدها". البخاري (١٣٠ و ٢٨٢ و ٣٣٢٨ و ٦٠٩١ و ٦١٢١)، ومسلم (٣١٣)، وأبو عوانة

стр. 1010

(١/ ٢٤٤ و ٢٤٥/ ٨٣٥ - ٨٣٨)، وأبو نعيم في مستخرجه (١/ ٣٦٤/ ٧٠٧)، ومالك في الموطأ (١/ ٩٦ - ٧٩/ ١٢٨) بدون الزيادة، والترمذي (١٢٢)، وقال: "حسن صحيح"، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (١٠١)، والنسائي في المجتبى (١/ ١١٤ - ١١٥/ ١٩٧)، وفي الكبرى (١/ ١٥٣/ ١٩٩) و (٥/ ٣٨٣/ ٥٨٥٦)، وابن ماجه (٦٠٠)، وابن خزيمة (١/ ١١٨/ ٢٣٥)، وابن حبان (٣/ ٤٤٠ و ٤٤٢/ ١١٦٥ و ١١٦٧)، وابن الجارود (٨٨)، والشافعي في الأم (٢/ ٨٠ - ٨١/ ٨٧)، وفي المسند (١٨)، وأحمد (٦/ ٢٩٢ و ٣٠٢ و ٣٠٦)، وإسحاق (٤/ ٥٨/ ١٨١٩ و ١٨٢٠) و (٥/ ٥٥/ ٢١٦٠ و ٢١٦١)، والحميدي (٢٩٨)، وعبد الرزاق (١/ ٢٨٣/ ١٠٩٤)، وابن أبي شيبة (١/ ٧٩/ ٨٧٨)، وأبو يعلى (١٢/ ٣٢١ و ٤٣٧/ ٦٨٩٥ و ٧٠٠٤)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٥٨٨/٨٢)، والطحاوي في المشكل (٤/ ٦/ ٢٢٤٤ - ترتيبه)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٣٤٢ و ٣٨٢/ ٧٩٤ و ٧٩٥ و ٩٠٨ و ٩٠٩)، وفي الأوسط (٣/ ٢١٢/ ٢٩٤٥)، وفي الصغير (١/ ١٤٧/ ٢٢٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٦٧ - ١٦٨ و ١٦٨)، وفي المعرفة (١/ ٢٦٤/ ٢٦٢)، والبغوي في شرح السُّنَّة (١/ ٣٣٨ - ٣٣٩ و ٣٣٩/ ٢٤٤ و ٢٤٥). وانظر: علل الدارقطني (١٥/ ٢٤١/ ٣٩٨٨). • والحديثان محفوظان عن عروة: ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة. هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب، عن أم سلمة. ومثله لا يحتاج إلى التدليل عليه؛ لظهوره عند طلاب هذا العلم. قال ابن عبد البر في التمهيد (٣/ ٥١٠): "قال محمد بن يحيى [يعني: الذهلي]: وهما حديثان عندنا". • وللحديث أسانيد أخرى أعرضنا عن ذكرها لعدم الحاجة إليها، انظر: مصنف عبد الرزاق (١/ ٢٨٤/ ١٠٩٥)، معجم الطبراني الكبير (٢٣/ ٢٥٧ و ٢٦٣ و ٣٤٤ و ٤١١/ ٥٣٢ و ٥٥٣ و ٨٠٢ و ٩٩٠). *** ٩٦ - باب في مقدار الماء الذي يجزئ في الغسل ٢٣٨ - . . . مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ كان يغتسل من إناء -هو الفَرَق- من الجنابة. قال أبو داود: وروى ابن عيينة نحو حديث مالك. قال أبو داود: قال معمر عن الزهري في هذا الحديث: قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد فيه قدْرُ الفَرَق.

стр. 1011

قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الفرق: ستة عشر رطلًا، وسمعته يقول: صاع ابن أبي ذئب خمسة أرطال وثلث، قال: فمن قال: ثمانية أرطال؟ قال: ليس ذلك بمحفوظ. قال: وسمعت أحمد يقول: من أعطى في صدقة الفطر برطلنا هذا خمسة أرطال وثلثًا فقد أوفى، قيل: الصَّيْحاني ثقيل! قال: الصيحاني أطيب، قال: لا أدري. • حديث صحيح. تقدم تحت الحديث رقم (٧٧). *** ٩٧ - باب في الغسل من الجنابة ٢٣٩ - . . . أبو إسحاق: أخبرني سليمان بن صرد، عن جبير بن مطعم: أنهم ذكروا عند رسول الله ﷺ الغسل من الجنابة: فقال رسول الله ﷺ : "أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثًا" وأشار بيديه كلتيهما. • حديث متفق على صحته. أخرجه البخاري (٢٥٤)، ومسلم (٣٢٧)، وأبو عوانة (١/ ٢٤٨ و ٢٤٩/ ٨٥٥ و ٨٥٦)، وأبو نعيم في المستخرج (١/ ٣٧٣ و ٣٧٤/ ٧٣١ و ٧٣٢)، وفي المعرفة (٨/ ٥١٢/ ١٤٥٠)، والنسائي (١/ ١٣٥ و ٢٠٧/ ٢٥٠ و ٤٢٥)، وابن ماجه (٥٧٥)، وأحمد (٤/ ٨١ و ٨٤ و ٨٥)، والطيالسي (٢/ ٢٥٦/ ٩٩٠)، وعبد الرزاق (١/ ٢٦٠/ ٩٩٥)، وابن أبي شيبة (١/ ٦٥/ ٦٩٥)، والبزار (٨/ ٣٢٧/ ٣٤٠٠ و ٣٤٠١)، وأبو يعلى (١٣/ ٣٩٢ و ٤١٣/ ٧٣٩٧ و ٧٤١٧)، وابن المنذر (٢/ ١٢٨/ ٦٦٩)، والطحاوي في أحكام القرآن (١/ ٨٧/ ٥٠ و ٥١)، والطبراني في الكبير (٢/ ١١٢ و ١١٣ و ١١٤/ ١٤٨٠ - ١٤٨٩)، والبيهقي في السنن (١/ ١٧٦ و ١٧٧)، وفي الخلافيات (٢/ ٤٣٣/ ٧٧٧)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٢٢٤/ ٢٥٧). وفي رواية لمسلم: قال جبير بن مطعم: تماروا في الغسل عند رسول الله ﷺ ، فقال بعض القوم: أما أنا فإني أغسل رأسي كذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ : "أما أنا فإني أفيض على رأسي ثلاث أكف". هكذا روى الحديث عن أبي إسحاق السبيعي: سفيان الثوري، وشعبة، وزائدة بن قدامة، وزهير بن معاوية، وأبو الأحوص، وزكريا بن أبي زائدة، ورقبة بن مصقلة، وشريك بن عبد الله النخعي.

стр. 1012

وأما إسرائيل فقال في روايته: "أما أنا فآخذ ملء كفي ثلاثًا فأصب على رأسي، ثم أفيضه بعدُ على سائر جسدي" [أحمد (٤/ ٨١)]. وأما ورقاء بن عمر، فقال: "أما أنا فأتوضأ وضوئي للصلاة، ثم أخذ ملء كفي ثلاث مرات، فأصبه على رأسي، ثم أغتسل" [المعجم الكبير للطبراني (١٤٨٨)]. قلت: رواية الجماعة أولى بالصواب، لا سيما وفيهم: سفيان وشعبة، وهما أثبت في أبي إسحاق وأقدم، رويا عنه قبل التغير، وإسرائيل وإن كان ثبتًا في جده أبي إسحاق؛ إلا أنه خالف ثمانية من أصحاب أبي إسحاق، ولا يقال تابعه ورقاء، فإنه ليس من أصحاب أبي إسحاق، وهو فيه دون هؤلاء الثمانية. والحديث إنما ورد لبيان ما يكفي من الماء لغسل شعر الرأس، حسب، وليس لبيان صفة الغسل، كما بيَّنه نص الحديث وسياقه عند مسلم، من أن الصحابة كانوا لا يكتفون بهذا المقدار البسيط من الماء. وعلى هذا فليس فيه مستدل لمن لم يوجب الدلك ولا المضمضة والاستنشاق، كما قال المجد ابن تيمية في المنتقى [(١/ ٣٧٨) نيل]. • ولهذا الحديث شواهد وردت نفس مورده، وتؤيد ما ذكرناه من أن الغرفات الثلاث كافية لغسل شعر الرأس مع وفرته وكثرته، ولا ينافي هذا ما سيأتي في بيان صفة غسل النبي ﷺ من حديث عائشة وميمونة وغيرهما. ١ - فقد روى أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين، قال: قال لي جابر: أتاني ابن عمك -يعرض بالحسن بن محمد ابن الحنفية- قال: كيف الغسل من الجنابة؟ فقلت: كان النبي ﷺ يأخذ ثلاثة أكف ويفيضها على رأسه، ثم يفيض على سائر جسده. فقال لي الحسن: إني رجل كثير الشعر؟ فقلت: كان النبي ﷺ أكثر منك شعرًا. [البخاري (٢٥٦)]. وفي رواية: قال أبو جعفر: تمارينا في الغسل عند جابر بن عبد الله، فقال جابر: يكفي من الغسل من الجنابة صاع من ماء، قلنا: ما يكفي صاع ولا صاعان. قال جابر: قد كان يكفى من كان خيرًا منكم، وأكثر شعرًا. [النسائي (٢٣٠)]. أخرجه البخاري في الصحيح (٢٥٢ و ٢٥٥ و ٢٥٦)، وفي الأدب المفرد (٩٥٩)، ومسلم (٣٢٩)، وأبو عوانة (١/ ١٩٦ - ١٩٧ و ١٩٧/ ٦٢٥ و ٦٢٦)، وأبو نعيم في المستخرج (١/ ٣٧٥/ ٧٣٥)، وفي الحلية (٣/ ٢٠٠)، والنسائي (١/ ١٢٧ و ٢٠٧/ ٢٣٠ و ٤٢٦)، وابن ماجه (٥٧٧)، وابن خزيمة (٢٤٣)، وأحمد (٣/ ٢٩٨ و ٣١٩ و ٣٧٠ و ٣٧١)، وأبو نعيم الفضل بن دكين في الصلاة (٧٣)، وابن أبي شيبة (١/ ٦٥/ ٦٩٧)، وابن جميع الصيداوي في معجم الشيوخ (١٨٧)، وابن حزم (١/ ١٨٨)، والبيهقي (١/ ١٧٦ و ١٧٧ و ١٩٥)، وابن عساكر (٥٤/ ٢٧٤).

стр. 1013

٢ - وروى أبو سفيان، عن جابر بن عبد الله: أن وفد ثقيف سألوا النبي ﷺ فقالوا: إن أرضنا أرضٌ باردة، فكيف بالغسل؟ فقال: "أما أنا فأفرغ على رأسي ثلاثًا". أخرجه مسلم (٣٢٨)، وأبو عوانة (١/ ٢٤٩/ ٨٥٧)، وأبو نعيم في المستخرج (١/ ٣٧٤/ ٧٣٣)، وأحمد (٣/ ٣٠٤)، والطيالسي (٣/ ٣٢٩/ ١٨٨٧)، وأبو يعلى (٤/ ١١/ ٢٠١١)، والسهمي في تاريخ جرجان (٢٣٧)، وأبو بكر الإسماعيلي في معجم شيوخه (٢/ ٦٦١)، والبيهقي في السنن (١/ ١٧٨)، وفي الخلافيات (٢/ ٧٧٨/٤٣٤ - ٧٨٠). ٣ - وروى معتمر بن سليمان التيمي، عن حميد الطويل، عن أنس: أن وفد ثقيف قالوا: يا رسول الله! إن أرضنا أرض باردة، فما يكفينا من غسل الجنابة؟ قال: "أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثًا". أخرجه ابن أبي شيبة في المسند (٢/ ٤٥٣/ ١٧٠ - مطالب)، وأبو يعلى (٦/ ٣٩٢/ ٣٧٣٩)، ومن طريقه: الضياء في المختارة (٩/ ٥٦/ ٢٠٣٥). وهذا إسناد بصري صحيح. قال الحافظ في المطالب: "صحيح". ٤ - وروى ابن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال رجل [وفي رواية: سأله رجل]: كم يكفي رأسي في الغسل من الجنابة؟ قال: كان رسول الله ﷺ يصب بيده على رأسه ثلاثًا. قال: إن شعري كثير؟ قال: كان شعر رسول الله ﷺ أكثر وأطيب. أخرجه ابن ماجه (٥٧٨)، وأحمد (٢/ ٢٥١)، والحميدي (٩٧٧)، وابن أبي شيبة (١/ ٦٥/ ٦٩٦)، والبزار (١/ ١٥٩ - كشف)، وأبو يعلى (١١/ ٤١٣/ ٦٥٣٨)، وابن المنذر (٢/ ١٢٨/ ٦٧٠)، وابن عبد البر (٦/ ٨١). وهذا إسناد مدني حسن. وفي الباب أيضًا: عن أبي سعيد الخدري، وسنده ضعيف [عند: ابن ماجه (٥٧٦)، وأحمد (٣/ ٥٤ و ٧٣)، وابن أبي شيبة (٧٠٥)، وأبي القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (٢٠٤٢)]. • وأما ما يصح الاستدلال به على جواز تعميم البدن بالماء فحسب دون إيجاب المضمضة والاستنشاق في فرض الغسل: فهو حديث عمران بن حصين: الذي رواه عوف بن أبي جميلة، عن أبي رجاء العطاردي، عن عمران، قال: كنا في سفر مع رسول الله ﷺ . . . فذكر الحديث. وفيه: ثم نزل فدعا بالوضوء ليتوضأ، ونودي بالصلاة فصلى بالناس، فلما انفتل من صلاته إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم، فقال: "ما يمنعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟ " قال: يا رسول الله! أصابتني جنابة ولا ماء، قال رسول الله ﷺ : "عليك بالصعيد

стр. 1014

فإنه يكفيك"، ثم ذكر الحديث … إلى أن قال: كان آخر ذلك أن أعطى الذي أصابته الجنابة إناءً من ماءٍ، قال: "اذهب فأفرغه عليك". أخرجه البخاري (٣٤٤)، ومسلم (٦٨٢)، وأبو عوانة (١/ ٢٥٧/ ٨٨٩)، وأبو نعيم في المستخرج (٢/ ٢٧٨/ ١٥٣٥)، وابن خزيمة (٢٧١) و (٩٨٧)، وابن حبان (٤/ ١٢٢ و ١٢٥/ ١٣٠١ و ١٣٠٢)، وأحمد (٤/ ٤٣٤ - ٤٣٥)، وعبد الرزاق (٢٠٥٣٧)، وابن أبي شيبة (١/ ١٥٦)، والبزار (٩/ ٥٩/ ٣٥٨٤)، والروياني (٨٧ و ٨٨)، وأبو العباس السراج في مسنده (١٣٧٥)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (١٧٧٩)، والطبراني في الكبير (١٨/ ١٣٣ و ١٣٤/ ٢٧٦ و ٢٧٧)، والدارقطني (١/ ٢٠٢)، وابن حزم (٢/ ٢٨ و ١٢٣)، والبيهقي في السنن (١/ ٣٢ و ١٧٨ و ٢١٨)، وفي الخلافيات (٢/ ٤٣٥ و ٤٦٩/ ٧٨١ و ٨١٤)، وفي الدلائل (٤/ ٢٧٧ - ٢٧٨)، والخطيب في تلخيص المتشابه (١/ ٤٦٨)، والجوزقاني في الأباطيل والمناكير (٣١٩). وكذا حديث أم سلمة الآتي برقم (٢٥١). *** ٢٤٠ - . . . أبو عاصم، عن حنظلة، عن القاسم، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب، فأخذ بكفه، فبدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ثم أخذ بكفيه، فقال بهما على رأسه. • حديث متفق على صحته. أخرجه البخاري (٢٥٨)، ومسلم (٣١٨)، وأبو عوانة (١/ ٢٤٨/ ٨٥٣ و ٨٥٤)، وأبو نعيم في المستخرج (١/ ٣٦٩/ ٧١٦)، والنسائي (١/ ٢٠٦/ ٤٢٤)، وابن خزيمة (١/ ١٢٢/ ٢٤٥)، وابن حبان (٣/ ١٩٧/ ١٤٦٩)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٤٢٠)، والقطيعي في جزء الألف دينار (٣٠٩)، والخطابي في غريب الحديث (١/ ١٦٢)، والبيهقي (١/ ١٨٤)، والخطيب في الموضع (٢/ ١٨٥)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٢/ ١٦/ ٢٥٠)، وابن عساكر (٢٤/ ٣٥٧) و (٤٩/ ١٥٩). والحلاب: هو الإناء الذي يحلب فيه، وقال الخطابي: "إناء يسع حلبة ناقة". وفيه: الاقتصار على ثلاث حفنات. وفيه: استحباب البداءة باليمين. وفيه: عدم التحديد فيما يكفي للغسل من الماء. *** ٢٤١ - . . . صدقة: حدثنا جميع بن عمير -أحد بني تيم الله بن ثعلبة-، قال: دخلت مع أمي وخالتي على عائشة، فسألتها إحداهما: كيف كنتم تصنعون عند

стр. 1015

الغسل؟ فقالت عائشة: كان رسول الله ﷺ يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يفيض على رأسه ثلاث مرات، ونحن نفيض على رؤوسنا خمسًا من أجل الضَّفْر. • حديث منكر. أخرجه النسائي في الكبرى (١/ ١٦٨/ ٢٤٢) [وانظر: تحفة الأشراف (١٦٠٥٣)]، وابن ماجه (٥٧٤)، والدارمي (١/ ٢٧٨/ ١١٤٩)، وأحمد (٦/ ١٨٨)، وإسحاق (٣/ ٩٢٧/ ١٦٢٢)، وأبو يعلى (٨/ ٢٧٩/ ٤٨٦٥)، والدارقطني في السنن (١/ ١١٤)، وفي الأفراد (٥/ ٤٢١/ ٥٩٢١ - أطرافه)، والبيهقي (١/ ١٨٠). وهذا حديث منكر. جميع بن عمير التيمي: خفي أمره على أبي حاتم الرازي فقال فيه: "من عُتُق الشيعة، ومحله الصدق، صالح الحديث، كوفي، من التابعين"، ومثله العجلي حيث قال: "تابعي ثقة". وظهر أمره لغيرهما، قال البخاري: "فيه نظر"، وقال ابن عدي: "هو كما قاله البخاري، في أحاديثه نظر، وعامة ما يرويه لا يتابعه عليه أحد"، وقال ابن نمير: "كان من أكذب الناس، كان يقول: إن الكراكي تفرخ من السماء، ولا يقع فراخها"، وذكره ابن حبان في الثقات، ثم رجع وقال في المجروحين: "كان رافضيًّا، يضع الحديث"، وقال الساجي: "له أحاديث مناكير، وفيه نظر، وهو صدوق" [التاريخ الكبير (٢/ ٢٤٢)، الجرح والتعديل (٢/ ٥٣٢)، معرفة الثقات (٢٢٩)، الكامل (٢/ ١٦٦)، الثقات (٤/ ١١٥)، المجروحين (١/ ٢١٨)، بيان الوهم (٥/ ٣٢٧)، الميزان (١/ ٤٢١)، إكمال مغلطاي (٣/ ٢٣٨)، التهذيب (١/ ٣١٥)، وقال ابن حجر في التقريب (١٢١) فلم يصب: "صدوق يخطئ، ويتشيع"، وأصاب الذهبي حيث قال في الكاشف (١/ ٥٠١): "واهٍ، قال البخاري: فيه نظر"، قلت: وهو كما قال؛ ضعيف جدًّا، منكر الحديث]. وصدقة بن سعيد الحنفي: قال أبو حاتم: "شيخ"، وذكره ابن حبان في الثقات، لكن قال البخاري: "عنده عجائب"، وقال ابن وضاح: "ضعيف"، وقال الساجي: "ليس بشيء"، وقال ابن القطان الفاسي: "وهو علة الخبر، … [وقال بعد أن ذكر أقوال الأئمة فيه:] وبالجملة فلم تثبت عدالته، ولم يثبت فيه جرح مفسر" [الميزان (٢/ ٣١٠)، إكمال مغلطاي (٦/ ٣٦١)، بيان الوهم (٥/ ١٩/ ٢٢٥٤)، التهذيب (٢/ ٢٠٦)، فتح الباري لابن رجب (١/ ٢٦٠)]. قلت: قد خولف فيه: خالفه: العلاء بن صالح التيمي [صدوق، له أوهام]، قال: حدثنا جميع بن عمير -رجل من بني تيم الله-، قال: دخلت مع خالتي على عائشة، فسألتها -أو قال: ذكرت الجنابة-: الرجل يكفيه ثلاث مرات على رأسه، والمرأة خمس لقرونها. موقوف على عائشة.

стр. 1016

أخرجه أبو نعيم الفضل بن دكين في الصلاة (٧٨)، قال: حدثنا العلاء بن صالح به. • وهذا مع كون إسناء واهيًا؛ فقد ثبت في الصحيح عن عائشة وغيرها ما يخالفه، ويُظهر عواره: ١ - فقد روى عبيد بن عمير، قال: بلغ عائشة أن عبد الله بن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، فقالت: يا عجبًا لابن عمرو هذا! يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن؛ أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن! لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، ولا أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات. وزاد في رواية: ما أنقض لي شعرًا. أخرجه مسلم (٣٣١)، والنسائي (٤١٦)، وابن خزيمة (٢٤٧)، وغيرهم، وتقدم تخريجه تحت الحديث رقم (٧٧). ٢ - وفي حديث أم سلمة الآتي برقم (٢٥١)، وهو عند مسلم برقم (٣٣٠) مرفوعًا: "إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين". ٣ - وفي حديث شعبة، عن أبي بكر بن حفص، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: دخلت على عائشة أنا وأخوها من الرضاعة، فسألها عن غسل النبي ﷺ من الجنابة؟ فدعت بإناء قدر الصاع، فاغتسلت وبيننا وبينها ستر، وأفرغت على رأسها ثلاثًا، قال: وكان أزواج النبي ﷺ يأخذن من رؤوسهن حتى تكون كالوفرة. أخرجه البخاري (٢٥١)، ومسلم (٣٢٠)، واللفظ له، وأبو عوانة (١/ ٢٤٧ و ٢٤٨/ ٨٤٩ - ٨٥١)، وأبو نعيم في المستخرج (١/ ٣٧٠/ ٧٢٠)، والنسائي (١/ ٢٢٧/١٢٧)، وأحمد (٦/ ٧١ - ٧٢ و ١٤٣)، والبيهقي (١/ ١٩٥). وانظر: فتح الباري لابن رجب (١/ ٢٦٠). وقال ببطلان حديث جميع بن عمير هذا: الألباني في ضعيف سنن أبي داود (١/ ٩٤) المجلد التاسع، وقال بعدما ذكر الصحيح: "فهذا كله يدل على بطلان حديث عمير هذا"، يعني: جميع بن عمير. *** ٢٤٢ - قال أبو داود: حدثنا سليمان بن حرب الواشحي، ومسدد قالا: حدثنا حماد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة -قال سليمان: يبدأ فيفرغ بيمينه على شماله، وقال مسدد:- غسل يديه يصب الإناء على يده اليمنى -ثم اتفقا -، فيغسل فرجه -وقال مسدد: يُفرغ على شماله، وربما كَنَتْ عن الفرج-، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يُدخل يديه

стр. 1017

في الإناء فيخلِّل شعره، حتى إذا رأى أنه قد أصاب البَشَرة -أو: أنقى البشرة- أفرغ على رأسه ثلاثًا، فإذا فضل فضلة صبَّها عليه. • حديث متفق على صحته. أخرجه من طريق حماد بن زيد: البخاري (٢٦٢) مختصرًا، وابن خزيمة (٢٤٢)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (١/ ٣٦٧/ ٧١١). • وهذا الحديث قد رواه عن هشام بن عروة بألفاظ متقاربة: مالك بن أنس، وعبد الله بن المبارك، ويحيى بن سعيد القطان، وزائدة بن قدامة، وسفيان بن عيينة، وعبدة بن سليمان، وجرير بن عبد الحميد، وعبد الله بن نمير، وعلي بن مسهر، وابن جريج، وجعفر بن عون، وحفص بن غياث، ومعمر بن راشد، ومحمد بن عبد الله بن عبد الأعلى الأسدي أبو يحيى بن كناسة، ويحيى بن عبد الله بن سالم، وعمر بن علي المقدمي، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، وعيسى بن يونس، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي. ولفظ مالك فيه: أن رسول الله ﷺ كان إذا اغتسل من الجنابة، بدأ فغسل يديه، ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أصول شعره، ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه، ثم يفيض الماء على جلده كله. ولفظ سفيان بن عيينة: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يغتسل من الجنابة: بدأ فغسل يديه قبل أن بدخلهما في الإناء، ثم غسل فرجه، ويتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يُشرب شعره الماء، ثم يحثي على رأسه ثلاث حثيات. أخرجه البخاري (٢٤٨ و ٢٧٢)، ومسلم (٣١٦)، وأبو عوانة (١/ ٢٤٩ و ٢٥٠/ ٨٥٩ - ٨٦١)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (١/ ٣٦٦/ ٧١١)، ومالك في الموطأ (١/ ٨٨ ١٠٩)، والترمذي (١٠٤)، وقال: "حسن صحيح". وأبو علي الطوسي في مستخرجه على الترمذي (٨٧)، والنسائي (١/ ١٣٤ و ١٣٥ و ٢٠٥ و ٢٠٦/ ٢٤٧ و ٢٤٨ و ٢٤٩ و ٤٢٠ و ٤٢٣)، والدارمي (١/ ٢٠٩/ ٧٤٨)، وابن حبان (٣/ ٤٦٨/ ١١٩٦)، وابن الجارود (٩٩)، وأحمد (٦/ ٥٢)، والشافعي في الأم (١/ ٤٠ و ٤١)، وفي المسند (١٩)، والحميدي (١٦٣)، وعبد الرزاق (١/ ٢٦٠ - ٢٦١ و ٢٦١/ ٩٩٧ و ٩٩٩)، وإسحاق بن راهويه (٢/ ٩٤/ ٥٦١)، والحسن بن سفيان النسوي في الأربعين (٢١)، وأبو يعلى (٧/ ٤٠٥ - ٤٠٦/ ٤٤٣٠)، وأبو بكر بن أبي داود في مسند عائشة (١٢ و ٧٧)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ١٢٥ و ١٢٦ و ١٢٧/ ٦٦٢ و ٦٦٥ و ٦٦٧)، والطحاوي في أحكام القرآن (١/ ٨٧/ ٥٢)، والجوهري في مسند الموطأ (٧٣٩)، والدارقطني (١/ ١١٣ - ١١٤)، وابن بشران في الأمالي (٨٩٧)، وابن حزم (٢/ ٤٤)، والبيهقي في السنن (١/ ١٧٢ و ١٧٣ و ١٧٥ و ١٧٦)،

стр. 1018

وفي المعرفة (١/ ٢٦٨/ ٢٧٠)، وفي الخلافيات (٢/ ٤٢٥ - ٤٢٧/ ٧٧١ و ٧٧٢)، والبغوي في شرح السُّنَّة (١/ ٣٤٠ و ٣٤١/ ٢٤٦ و ٢٤٧)، وقال: "هذا حديث متفق على صحته"، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٢٢٥/ ٢٦٠). وانظر: التنقيح (١/ ٢٠٦). هكذا روى الناس هذا الحديث عن هشام بن عروة، وقد عددت منهم -ممن رواه على الوجه الصحيح-: عشرين نفسًا، فيهم أثبت أصحاب هشام: مالك بن أنس، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الله بن نمير [انظر: شرح علل الترمذي (٢/ ٦٨٠)، وسؤالات ابن بكير (٤٠)]. • وشذ عن هؤلاء: ١ - أبو معاوية الضرير محمد بن خازم، رواه عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة، يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله، فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ الماء، فيدخل أصابعه في أصول الشعر؛ حتى إذا رأى أن قد استبرأ، حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه. أخرجه مسلم (٣١٦)، وأبو نعيم في المستخرج (٧١١)، وإسحاق (٢/ ٩٥/ ٥٦٢)، والبيهقي في السنن (١/ ١٧٤)، وفي الخلافيات (٢/ ٤٢٧/ ٧٧٣). شذ أبو معاوية عن الجماعة، بزيادة: "ثم غسل رجليه" في آخره، ودخل له حديث في حديث. قال البيهقي: "غريب صحيح، رواه مسلم في الصحيح عن يحيى بن يحيى، وقوله في آخر هذا الحديث: "ثم غسل رجليه": غريب صحيح، حفظه أبو معاوية دون غيره من أصحاب هشام من الثقات، وذلك للتنظيف إن شاء الله تعالى". قلت: هذه الزيادة وهي تأخير غسل الرجلين إلى آخر الغسل: ثابتة صحيحة من حديث ميمونة المتفق عليه، وسيأتي معنا برقم (٢٤٥)، وهي صحيحة أيضًا من حديث عائشة من غير هذا الطريق، كما سيأتي بيانه، وأما من حديث هشام بن عروة فلا، بل هي زيادة شاذة، شذ بها أبو معاوية، وليس بذاك الحافظ -في غير حديث الأعمش-، عن بقية أصحاب هشام، لا سيما وفيهم أثبتهم: الإمام مالك الذي تابعه على ترك هذه الزيادة ما يربو على عشرين نفسًا من الثقات؛ فكيف يقال بعدُ: حفظه أبو معاوية، وقد سأل الأثرمُ الإمامَ أحمد، فقال له: أبو معاوية صحيح الحديث عن هشام؟ فقال الإمام: "لا، ما هو بصحيح الحديث عنه"، وقال أبو داود: قلت لأحمد: كيف حديث أبي معاوية عن هشام بن عروة؟ قال: "فيها أحاديث مضطربة، يرفع منها أحاديث إلى النبي ﷺ [شرح علل الترمذي (٢/ ٦٨٠)، التعديل والتجريح (٢/ ٦٣١)، التهذيب (٣/ ٥٥٢)]. قال ابن رجب في فتح الباري (١/ ٢٣٥): "ويدل على أنها غير محفوظة عن هشام:

стр. 1019

أن أيوب روى هذا الحديث عن هشام، وقال فيه: "فقلت لهشام: يغسل رجليه بعد ذلك؟ فقال: وضوءه للصلاة، وضوءه للصلاة" أي: أن وضوءه في الأول كافٍ، ذكره ابن عبد البر"، انظره في التمهيد (٨/ ١٧٤). وقال أبو الفضل بن عمار الجارودي الشهيد في العلل (٩): "ووجدت فيه حديث: أبي معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: في الاغتسال من الجنابة، وفيه: "ثم غسل رجليه"، قال أبو الفضل: وهذا الحديث رواه جماعة من الأئمة عن هشام، منهم: زائدة، وحماد بن زيد، وجرير، ووكيع، وعلي بن مسهر، وغيرهم: فلم يذكر أحد منهم غسل الرجلين إلا أبو معاوية. ولم يذكر غسل اليدين ثلاثًا من ابتداء الوضوء غير وكيع. وليس زيادتهما عندنا بالمحفوظة. وسمعت أبا جعفر الحضرمي يقول: سمعت ابن نمير يقول: "كان أبو معاوية يضطرب فيما كان عن غير الأعمش". وسمعت الحسين بن إدريس يقول: سمعت عثمان بن أبي شيبة يقول: "أبو معاوية في حديث الأعمش حجة وفي غيره لا". اهـ كلامه. قلت: كلامه في نفسه صحيح، وأما الاعتراض به على مسلم فليس بجيد؛ فإنه -فيما يبدو لي- أن مسلمًا قد أعل هذه الزيادة، وزيادة وكيع الآتية. فإن مسلمًا بدأ برواية أبي معاوية عن هشام فذكر نصها، ثم أتبعها برواية: جرير بن عبد الحميد، وعلي بن مسهر، وعبد الله بن نمير، فقال: "وليس في حديثهم غسل الرجلين". ثم أتبع ذلك برواية وكيع، فذكر أولها إلى قوله: "فبدأ فغسل كفيه ثلاثًا"، فقال: "ثم ذكر نحو حديث أبي معاوية، ولم يذكر غسل الرجلين". ثم ختم برواية زائدة بن قدامة، وليس فيها شيء من ذلك: لا تأخير غسل الرجلين، ولا تثليث غسل الكفين. وليس يخفى على كل ممارس لهذا الفن، عالم بقواعد الأئمة في التعليل، لا سيما الإمام مسلم نفسه في كتاب التمييز، ليس يخفى عليه أن هؤلاء الخمسة أثبت في هشام من أبي معاوية. فكيف يخفى مثله على الإمام مسلم، ولا أراه ذكر ذلك إلا تعليلًا لهاتين الروايتين، والله أعلم. وفي هذا كفاية. والذي يظهر لي -والله أعلم-: أن أبا معاوية قد دخل له حديث في حديث، فإن أبا معاوية يروي حديث ميمونة أيضا، وهو المشتمل على هذه الزيادة، فأدرجها في حديث عائشة، وانظر: حديث ميمونة الآتي برقم (٢٤٥).

стр. 1020

٢ - وكيع بن الجراح، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ اغتسل من الجنابة، فبدأ فغسل كفيه ثلاثًا، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم أدخل يده، فخلل بها أصول شعره، حتى خيل إليه أنه استبرأ البشرة، ثم صب على رأسه الماء، ثم أفاض على سائر جسده الماء. أخرجه مسلم (٣١٦)، وأبو نعيم في المستخرج (٧١١)، وأحمد (٦/ ٥٢)، وإسحاق (٢/ ٩٤/ ٥٦٠)، وابن أبي شيبة (١/ ٦٤ و ٦٥/ ٦٨٥ و ٦٩٨)، والبيهقي (١/ ١٧٢). قال ابن عمار الشهيد بأن هذه الزيادة "فغسل كفيه ثلاثًا" ليست بالمحفوظة. وهو كما قال، ويقال فيها ما قيل في زيادة أبي معاوية، وانظر: شرح العلل (٢/ ٦٨١). ولم يتابعه على هذه الزيادة سوى: ٣ - مبارك بن فضالة، رواه عن هشام بنحو رواية أبي معاوية، دون آخره: "ثم غسل رجليه". أخرجه الطبراني في الأوسط (٩/ ١٢٤/ ٩٣١١). ومبارك بن فضالة: بصري، صدوق، يدلس، وقد عنعنه. ووكيع بن الجراح: كوفي، ثقة حافظ. وحديث أهل المدينة عن هشام: أصح من حديث أهل العراق، لا سيما وقد تفردا بهذه الزيادة دون بقية من روى الحديث عن هشام من الثقات المدنيين والعراقيين. ٤ - حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان يتوضأ من الجنابة، ثم يدخل يده اليمنى في الماء، ثم يخلل بها شق رأسه الأيمن، فيتبع بها أصول الشعر، ثم يفعل بشق رأسه الأيسر بيده البسرى كذلك، حتى يستبرئ البشرة، ثم يصب على رأسه ثلاثًا. أخرجه أحمد (٦/ ١٠١)، وأبو يعلى (٧/ ٤٥٧/ ٤٤٨٢)، والطحاوي في أحكام القرآن (١/ ٨٨/ ٥٣)، والبيهقي (١/ ١٧٥)، واللفظ له. وقد اختلف في لفظه على حماد، وقد رواه عفان بن مسلم عن حماد بدون هذا التفصيل في غسل الرأس [عند أحمد]، وليس هذا بمحفوظ من حديث هشام بن عروة، وإن كان يحفظ من حديث غيره، مثل: حديث حنظلة بن أبي سفيان، عن القاسم، عن عائشة، والذي تقدم برقم (٢٤٠). • وأما الطرق التي فيها تأخير غسل القدمين، فمنها: ١ - ما رواه عطاء بن السائب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة، بدأ فغسل يديه، ثم أخذ بيمينه فصب على شماله، فغسل فرجه حتى ينقيه، ثم مضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، وذراعيه ثلاثًا ثلاثًا، ثم صب على رأسه وجسده الماء، فإذا فرغ غسل قدميه.
следующие страницы →