← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 261

فضل الرحيم الودود تخريج سنن أبي داود

ياسر فتحي

Полный текст (16 465 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وقد صحح أبو زرعة سماعه منه [جامع التحصيل (٦٣٣)، تحفة التحصيل (٢٦٤)]. ومن قبلهما ابن المديني قد أثبت له السماع منه [جامع التحصيل. تحفة التحصيل. البدر المنير، التلخيص، تحفة المحتاج (١/ ١٦٢)]. ثم إن الإمام أحمد لم ينكر سماع قتادة من ابن سرجس، وإنما توقف فيه كما في رواية حرب المتقدمة [المراسيل (٦١٩)]. ويؤيد ذلك أن ابنه عبد الله سأله فقال: "قتادة سمع من عبد الله بن سرجس؟ " قال: "ما أشبهه، قد روى عنه عاصم الأحول" [العلل (٣/ ٨٦/ ٤٣٠٠)]. يعني: أن عاصمًا سمع من ابن سرجس، مع كونه أصغر سنًا من قتادة؛ فسماع قتادة منه أشبه. بل إنه يبدو لي أن الإمام أحمد بعد ذلك بدا له ثبوت ذلك فجزم به، فقد قال ابنه عبد الله في العلل (٣/ ٢٨٤/ ٥٢٦٤): "قيل [يعني: لأبيه]: سمع قتادة من عبد الله بن سرجس؟ قال: نعم. قد حدث عنه هشام. يعني: عن قتادة عن عبد الله بن سرجس حديثًا واحدًا. وقد حدث عنه عاصم الأحول". فوافق بذلك الإمام أحمد: ابن المديني وأبا زرعة وأبا حاتم، في إثبات السماع لقتادة من ابن سرجس بهذا الحديث وحده. فدل ذلك على اتصاله عندهم، فلا يقال بعد ذلك بأن قتادة مدلس، ولم يصرح بالسماع فترد روايته هذه، لا سيما وشأن قتادة في التدليس قريب من شأن الحسن البصري، أعني: أن الغالب عليه التدليس عمن لم يسمع منه أصلًا أو لم يلقه، فإذا ثبت لنا سماعه فتحمل عنعنعته إذًا على الاتصال. وممن ذكر قتادة في طبقة من احتمل الأئمة تدليسه: ابن حزم في إحكام الأحكام (١/ ١٤١)، ومع هذا فقد ذكره ابن حجر والعلائي في الطبقة الثالثة [تعريف أهل التقديس (٩٢)، جامع التحصيل (١١٣)]. وهذا الحاكم قد رفع شأنه، وذكره في الجنس الأول من أجناس المدلسين ممن يدلس عن الثقات [المعرفة (١٤٢)] وصحح له هذا الحديث. • ثم إن المتن ليس فيه ما يستنكر: فإن البول في الجحر قد يعود على فاعله بأذى الهوام التي تسكن هذه الأجحرة، أو يتأذى بذلك الحيوان الساكن فيها إن كان ضعيفًا، أو قد يكون ساكنه جنًّا فيؤذيه كما قال قتادة. قال ابن القيم في إعلام الموقعين (٣/ ١٤٧): "وما ذاك إلا لأنه قد يكون ذريعةً إلى خروج حيوان يؤذيه، وقد يكون من مساكن الجن فيؤذيهم بالبول فربما آذوه" [وانظر: المجموع (٢/ ١٠٤)، المغني (١/ ١٠٩)، المبدع (١/ ٨٣)]. وأما قول العراقي: "ويؤيده الأثر الصحيح أن سعد بن عبادة بال في جحر، فخر ميتًا، فسُمعت الجن تقول:

стр. 107

نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة … رميناه بسهم فلم يخط فؤاده". [فيض القدير (٦/ ٣٤٤)] [وانظر: المغني (١/ ١٠٩)، المبدع (١/ ٨٣)]. فلم أقف عليه بهذا اللفظ، ورواه بمعناه ابن سعد في الطبقات (٣/ ٦١٧) و (٧/ ٣٩٠) مطولًا وفيه: "جلس يبول في نفق"، إلا أن إسناده واهٍ؛ فإن شيخ ابن سعد فيه هو الواقدي محمد بن عمر، وهو: متروك. وقد رواه بنحو ما ذكر العراقي: ابن سيرين وقتادة فلم يذكرا البول في الجحر، وإنما فيه أنه بال قائمًا، وابن سيرين وقتادة لم يدركا سعدًا؛ قاله الهيثمي في المجمع (١/ ٢٠٦)، وهو ظاهر من التأريخ، وتقدم من كلام الأئمة أن قتادة لم يسمع من الصحابة غير أنس وابن سرجس. وقد أخرج أثر ابن سيرين وقتادة: الحاكم (٣/ ٢٥٣)، وعبد الرزاق (١١/ ٤٣٤/ ٢٠٩٣١)، وابن سعد (٣/ ٦١٧) و (٧/ ٣٩٠)، والحارث بن أبي أسامة (١/ ٢٠٧/ ٦٧ - زوائده)، والطبراني في الكبير (٦/ ١٦/ ٥٣٥٩ و ٥٣٦٠)، والخطابي في غريب الحديث (٢/ ٣٢٤)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٣/ ١٢٤٥ - ١٢٤٦/ ٣١٢٠). • وأما قوله ﷺ : "وإذا نمتم فأطفئوا السراج … " الحديث، فإن أصله متفق عليه من حديث جابر [البخاري (٣٢٨٠ و ٣٣٠٤ و ٣٣١٦ و ٥٦٢٣ و ٤ ٥٦٢ و ٦٢٩٥ و ٦٢٩٦)، مسلم (٢٠١٢ و ٢٠١٣ و ٢٠١٤)]، وهو مخرج في الدعاء في موضعين (٣٤٨ و ٣٧٩). *** ١٧ - باب ما يقول الرجل إذا خرج من الخلاء ٣٠ - . . . إسرائيل، عن يوسف بن أبي بردة، عن أبيه: حدثتني عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان إذا خرج من الغائط قال: "غفرانك". • حديث حسن أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٦٩٣)، وفي التاريخ الكبير (٨/ ٣٨٦)، والترمذي (٨)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٧)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٧٩)، وابن ماجه (٣٠٠)، وأبو الحسن القطان في زياداته عليه (٣٠٠ م)، والدارمي (١/ ١٨٣/ ٦٨٠)، وابن خزيمة (٩٠)، وابن حبان (٤/ ٢٩١/ ١٤٤٤)، وابن الجارود (٤٢)، والحاكم (١/ ١٥٨)، وأحمد (٦/ ١٥٥)، وابن أبي شيبة (١/ ١١/ ٧) و (٦/ ١١٤/ ٢٩٩٠٤)، وأبو العباس السراج في مسنده (٣٠)، وابن المنذر في الأوسط (١/ ٣٥٨/ ٣٢٥)، وابن الأعرابي في معجمه (٢/ ٨٢٢/ ١٦٨٤)، والطبراني في الدعاء (٣٦٩)، وابن السُّني في عمل اليوم والليلة (٢٣)، وابن المقرئ في الأربعين (١٨)، والدارقطني في الأفراد (٥/ ٥٤٠/ ٦٣٣٩ - أطرافه)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٩٧)، وفي الدعوات (٥٦)، والبغوي في شرح السُّنَّة (١/ ٣٧٩/ ١٨٨)، وابن الجوزي في العلل

стр. 108

المتناهية (١/ ٣٣٠/ ٥٤٠)، والمزي في التهذيب (٣٢/ ٤١٤)، والذهبي في تذكرة الحفاظ (٢/ ٥٦٦). قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل عن يوسف بن أبي بردة … ، ولا نعرف في هذا الباب إلا حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ ". قال ابن الملقن في البدر المنير (٢/ ٣٩٤) بعد قول الترمذي: "حسن غريب"، قال: "وصحيح". وقال العلامة أحمد شاكر -رحمه الله تعالى-: "وغرابته لانفراد إسرائيل به، وإسرائيل ثقة حجة" [حاشيته على جامع الترمذي (١/ ١٢)]. وقال الحاكم: "صحيح؛ فإن يوسف بن أبي بردة من ثقات آل أبي موسى، ولم نجد أحدًا يطعن فيه، وقد ذكر سماع أبيه من عاثشة ﵂ ولم يتعقبه الذهبي. وقال الدارقطني: "تفرد به يوسف عن أبيه عنها، وتفرد به عنه إسرائيل". قلت: رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير يوسف فإنه: لم يرو عنه سوى إسرائيل وسعيد بن مسروق، وذكره ابن حبان في الثقات، ووثقه العجلي والحاكم، فحديثه محتمل للتحسين، لا سيما وقد صححه ابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود والحاكم، وقال أبو حاتم الرازي: "أصح حديث في هذا الباب … حديث عائشة" [لعلل (١/ ٤٣/ ٩٣)]. وصححه النووي في الأذكار (٥٤)، وفي المجموع (٢/ ٩٤)، وفي الخلاصة (٣٩١). وقال الحافظ ابن حجر في نتائج الأفكار (١/ ٢١٦): "حسن صحيح". وقد حسنته في تخريج أحاديث الدعاء (٥٤)، وانظر: تعليق ابن عبد الهادي على علل ابن أبي حاتم (٤). • وفي الباب عن أنس وأبي ذر وسهل بن أبي حثمة وابن عباس وابن عمر، ولا يصح منها شيء. قال الأمير الصنعاني: "وكل أسانيدها ضعيفة … لكنه لا بأس في الإتيان بها جميعًا شكرًا على النعمة، ولا يشترط الصحة للحديث في مثل هذا" [سبل السلام (١/ ١٦٦)]. قلت: يعني: في باب الدعاء، فإن مجال الاجتهاد فيه مفتوح، مقيدًا بضوابطه الشرعية من عدم دعاء غير الله تعالى، وعدم الاعتداء، وعدم مخالفته لمقاصد الشريعة، أو مخالفته لشيء مما جاء فيها، وغير ذلك. فهذا الإمام الكبير أبو زرعة الرازي بعدما بيَّن رأيه في حديثي أنس وزيد بن أرقم فيما يقال عند دخول الخلاء، وقد تقدم معنا برقم (٤ و ٥ و ٦) وأحد ألفاظه: "أعوذ بالله من الخبث والخبائث" وهو متفق عليه من حديث أنس، قال ابن أبي حاتم لأبي زرعة: "قلت: فحديث إسماعيل بن مسلم يزيد فيه: "الرجس النجس"؟ قال: وإسماعيل ضعيف، فأرى أن يقال: الرجس النجس الخبيث الشيطان الرجيم؛ فإن هذا دعاء" [العلل (١/ ١٧/ ١٣)]. فعلَّق العلامة عبد الرحمن المعلمي اليماني عليه في فوائده على العلل (٢٧) بقوله: "العمل بالضعيف في الدعاء".

стр. 109

• فمن هذا مثلًا: ما يرويه حبان بن علي العنزي، عن إسماعيل بن رافع، عن دويد بن نافع، عن ابن عمر ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء قال: "اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من الرجس النجس الخببث المخبث الشيطان الرجيم، وإذا خرج قال: "الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى فيَّ قوته، وأذهب عني أذاه". أخرجه الطبراني في الدعاء (٣٦٧ و ٣٧٠)، وابن السُّني (٢٥)، ومن طريقهما ابن حجر في نتائج الأفكار (١/ ٩٨ و ٢١٩) (المجلس ٣٨ و ٤٣). ووقع في روايةٍ للطبراني، وعنه ابن حجر: ذكر نافع في الإسناد بين دويد وابن عمر. قال ابن حجر في الموضع الأول: "حسن غريب" وفي الثاني: "غريب". قلت: إسناده ضعيف جدًّا، دويد بن نافع: قال أبو حاتم: "شيخ"، وقال ابن حبان: "مستقيم الحديث، إذا كان دونه ثقة" [التهذيب (٣/ ٣٥)]، والراوي عنه هنا: ليس بثقة، ودويد دمشقي سكن مصر، ولا يحتمل تفرد مثله عن نافع المدني، ولا إرساله عن ابن عمر، قال ابن حجر في النتائج (١/ ٢١٩): "وأما دويد فوثق، لكنه لم يسمع من ابن عمر". وإسماعيل بن رافع: منكر الحديث [التهذيب (١/ ٣٠٨)، الميزان (١/ ٢٢٧)]. وحبان بن علي: ضعيف [التقريب (٢١٧)]. واكتفى الحافظ بقوله: "ففي السند ضعف وانقطاع". • ومنه أيضًا: ما رُوي عن أبي ذر مرفوعًا وموقوفًا، والموقوف أصح: أنه كان إذا خرج من الخلاء، قال: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى، وعافاني. انظر: علل ابن أبي حاتم (١/ ٢٧/ ٤٥)، علل الدارقطني (٦/ ٢٣٥/ ١٠٩٦)، العلل المتناهية (٥٣٩)، عمل اليوم والليلة للنسائي (٩/ ١٩٥/ ١٢٠٠٣ - تحفة الأشراف)، مصنف ابن أبي شيبة (١/ ١٢/ ١٠) و (٦/ ١١٥/ ٢٩٩٠٧)، الأوسط لابن المنذر (١/ ٣٥٩/ ٣٢٦)، الدعاء للطبراني (٣٧٢)، عمل اليوم والليلة لابن السُّني (٢٢). *** ١٨ - باب كراهية مس الذكر باليمين في الاستبراء ٣١ - . . . يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: قال نبي الله ﷺ : "إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه، وإذا أتى الخلاء فلا يتمسح بيمينه، وإذا شرب فلا يشرب نفسًا واحدًا". • شاذ بهذا للفظ، وهو متفق عليه بلفظ: "ولا يتنفس في الإناء" بدل "فلا يشرب نفسًا واحدًا". هذا الحديث متفق على صحته، مخرج في الذكر والدعاء برقم (٢٦٣) [البخاري (١٥٣ و ١٥٤ و ٥٦٣٠)، مسلم (٢٦٧) (١/ ٢٢٥) (٣/ ١٦٠٢)].

стр. 110

لكن انفرد هنا عند أبي داود وغيره: أبان بن يزيد العطار [وهو: ثقة] بهذا اللفظ: "فلا يشرب نفسًا واحدًا". ورواه جماعة الثقات من أصحاب يحيى بن أبي كثير: هشام الدستوائي [وهو: ثقة ثبت، أثبت أصحاب يحيى]، وأيوب السختياني، وهمام بن يحيى، وشيبان بن عبد الرحمن النحوي، وحجاج الصواف، وعلي بن المبارك، والأوزاعي، ومعمر: ثمانيتهم رووه عن يحيى بغير هذا اللفظ، ولفظ الجماعة: "ولا يتنفس في الإناء" ولفظ أيوب: "نهى أن يتنفس في الإناء". ورواية الجماعة هي المحفوظة، ورواية أبان هاتيك شاذة، والله أعلم [راجع: تحفة الأشراف (٩/ ٢٥١)، الإتحاف (٤/ ١٢٢)، التوضيح لابن الملقن (٤/ ١٤٨)]. *** ٣٢ - . . . ابن أبي زائدة قال: حدثني أبو أيوب -يعني: الأفريقي-، عن عاصم، عن المسيَّب بن رافع ومعبد، عن حارثة بن وهب الخُزاعي، قال: حدثتني حفصة زوج النبي ﷺ : أن النبي ﷺ كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه، ويجعل شماله لما سوى ذلك. • حديث حسن، والمحفوظ: عن سواء عن حفصة. أخرجه ابن حبان (١٢/ ٥٢٢٧/٣١)، والحاكم (٤/ ١٠٩)، وأبو يعلى في المسند (١٢/ ٤٧٠ و ٤٨٤/ ٧٠٤٢ و ٧٠٦٠)، وفي المعجم (٢٢٢)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٢٠٣/ ٣٤٦)، والدارقطني في الأفراد (٥/ ٣٧٢/ ٥٧٨٢ - أطرافه)، والبيهقي (١/ ١١٢). قال ابن حبان: "أبو أيوب اسمه: عبد الله بن علي الأفريقي". وقال الدارقطني: "تفرد به أبو أيوب الأفريقي عبد الله بن علي بن مهران، عن عاصم، عن المسيب بن رافع ومعبد كليهما، عن حارثة بن وهب عنها". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد"، وتعقبه الذهبي في التلخيص بقوله: "في سنده مجهول". يعني بذلك: أبا أيوب الأفريقي، فقد ذكره في الميزان (٢/ ٤٦٣)، والمغني (٣٢٧٤)، والكاشف (١/ ٥٧٦) مقتصرًا على تليين أبي زرعة له، وكأنه لم يطلع على قول ابن معين فيه: "ليس به بأس"، وذِكْرِ ابن حبان له في ثقاته [تاريخ ابن معين (٢/ ٣٢٠)، الثقات (٧/ ٢١)، التهذيب (٤/ ٤٠٤)]. لكن قول أبي زرعة: "ليس بالمتين، في حديثه إنكار، هو ليِّن": جرح مفسر يقدم على تعديل ابن معين وابن حبان المجمل، وذلك لما عند أبي زرعة في ذلك من زيادة علم لم يطلعا عليها [الجرح (٥/ ١١٦)].

стр. 111

ومع ما فيه من ضعف فإنه قد خولف في إسناده، فقد اختلف على عاصم بن أبي النجود في هذا الإسناد اختلافًا شديدًا: ١ - فقد رواه أبو أيوب الأفريقي عنه به هكذا. ٢ - ورواه حماد بن سلمة: ثنا عاصم بن بهدلة، عن سواء الخزاعي، عن حفصة زوج النبي ﷺ قالت: كان النبي ﷺ إذا أوى إلى فراشه اضطجع على يده اليمنى، ثم قال: "رب قني عذابك يوم تبعث عبادك" ثلاث مرار. وكان يجعل يمينه لأكله وشربه، ووضوئه وثيابه، وأخذه وعطائه، ويجعل شماله لما سوى ذلك. وكان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر: الاثنين والخميس، والاثنين من الجمعة الأخرى. أخرجه هكذا مطولًا أو طرفًا منه: أبو داود (٢٤٥١)، والنسائي في المجتبى (٤/ ٢٠٣/ ٢٣٦٥) وقال: "عن أم سلمة" بدل "حفصة"، و (٢٣٦٦) وقال: "عن حفصة"، وفي عمل اليوم والليلة (٥٦١)، وأحمد (٦/ ٢٨٧) واللفظ له. وإسحاق بن راهويه (٤/ ١٩١/ ١٩٨٧)، وابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٣٢٣/ ٢٦٥٣١) و (٦/ ٣٩/ ٢٩٣٠٩)، وفي الأدب (٢٤٥)، وعبد بن حميد (١٥٤٤)، وأبو يعلى (١٢/ ٤٦٥ و ٤٧٦ و ٤٨٣ و ٤٨٤/ ٧٠٣٤ و ٧٠٤٧ و ٧٠٥٨ و ٧٠٥٩)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (٢/ ٨٨٢/ ٩٨٧) (٢٨ ٥ - المنتقى)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٢٠٤/ ٣٥٢)، وابن السني (٧٢٨ و ٧٢٩)، والبيهقي في السنن (٤/ ٢٩٤)، وفي الشعب (٣/ ٣٠ و ٣٨٩/ ٢٧٨٦ و ٢٧٨٧ و ٣٨٥٠)، وفي فضائل الأوقات (٢٩٨). ٣ - ورواه زائدة بن قدامة، عن عاصم، عن المسيب بن رافع، عن حفصة به، وفيه الأطراف الثلاثة مختصرًا، وزاد بعضهم في الإسناد: "عن سواء" بعد المسيب. أخرجه مطولًا ومختصرًا: النسائي في المجتبي (٤/ ٢٠٣ - ٢٠٤/ ٢٣٦٧)، وفي عمل اليوم والليلة (٧٦٤)، وأحمد (٦/ ٢٨٧)، وابن أبي شيبة (١/ ١٤٠/ ١٦١٦) و (٢/ ٣٠٠/ ٩٢٢٨) و (٥/ ٣٢٤/ ٢٦٥٣٥)، وعبد بن حميد (١٥٤٥)، وأبو يعلى (١٢/ ٧٠٣٧/٤٦٦)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٢٠٣ / ٣٤٧)، وابن السني (٧٣٠)، وابن حزم في المحلى (٧/ ١٧). ٤ - ورواه أبان بن يزيد العطار: ثنا عاصم، عن معبد بن خالد، عن سواء، عن حفصة به مطولًا. أخرجه مطولًا أو طرفًا منه: أبو داود (٥٠٤٥)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٧٦٢)، وأحمد (٦/ ٢٨٨)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٢١٦/ ٣٩٤)، وابن السني (٧٣٢)، والبيهقي في الشعب (٤/ ١٧٤ - ١٧٥/ ٤٧٠٩).

стр. 112

٥ - ورواه سفيان الثوري، عن عاصم، عن المسيب، عن سواء الخزاعي، عن حفصة به مختصرًا. أخرجه النسائي في المجتبى (٤/ ٢٠٣/ ٢٣٦٤)، وفي عمل اليوم والليلة (٧٦٣)، وابن خزيمة (٣/ ٢٩٨/ ٢١١٦)، وأبو علي الطوسي في مختصر الأحكام (٣/ ٣٩٤/ ٦٩٠)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (٢/ ٨٨٥/ ٩٨٩)، وابن السني (٧٣١)، والدارقطني في العلل (١٥/ ٢٠٠/ ٣٩٤٦)، وابن البخاري في مشيخته (٢/ ١٠٧٥ - ١٠٧٦/ ٥٨٧). • تنبيه: وقع عند النسائي في المجتبى، وابن خزيمة، وأبي علي الطوسي: "عن عائشة" بدل "حفصة"، وهو وهم من يحيى بن اليمان العجلي؛ فإنه: صدوق، لكنه يخطئ كثيرًا، ويهم على الثوري ويحدث عنه بعجائب [انظر: التهذيب (٤/ ٤٠١)، الميزان (٤/ ٤١٦)]. • تابع الثوري على هذا الوجه بطرف الصوم فقط: قيس بن الربيع [حديثه يكتب في المتابعات والشواهد]. أخرجه الطبراني في الكبير (٢٣/ ٢٠٤/ ٣٥٣). قلت: وهذا الاضطراب إنما هو من عاصم بن بهدلة فإن في حفظه شيء [انظر: التهذيب (٤/ ١٣١)]، والذين رووا عنه هذا الاختلاف كلهم ثقات؛ عدا أبي أيوب الأفريقي وقيس بن الربيع، وهم: سفيان الثوري وزائدة بن قدامة وأبان العطار وحماد بن سلمة. ويحتمل أن يكون عاصمًا أخذه عن المسيب بن رافع ومعبد بن خالد الجهني القدري كليهما، وأخذاه عن سواء الخزاعي، فهو الذي رواه عن حفصة، وأما ذكر حارثة بن وهب في الإسناد فهو وهم محض. وعلى هذا ففي الإسناد ضعف؛ لأجل سواء الخزاعي، فإنه لم يوثقه معتبر، ولما فيه من الجهالة، فقد روى عنه اثنان: المسيب بن رافع، ومعبد بن خالد الجهني، وذكره ابن حبان في ثقاته، لكن احتجاج النسائي وابن خزيمة به مما يرفع حاله [التهذيب (٢/ ١٣٠)]، كما أن لحديثه هذا شواهد تعضده، وترفعه إلى درجة الحسن والقبول، والله أعلم. قال الدارقطني في العلل (١٥/ ٢٠٠): "ويشبه أن يكون عاصم سمعه من المسيب ومن معبد جميعًا". وقال النووي في المجموع (١/ ٤٤٥): "رواه أبو داود وغيره بإسناد جيد". وقال ابن حجر في نتائج الأفكار (١/ ١٤٦): "هذا حديث حسن"، ثم قال متعقبًا تصحيح الحاكم له: "وفي تصحيحه نظر؛ لأن في أبي أيوب الأفريقي -واسمه عبد الله بن علي- مقالًا، مع الاضطراب من عاصم في سنده، وقد تكلموا في حفظه، وإنما قلت: حسن؛ لاعتضاده بما قبله" قلت: يعني: حديث عائشة الآتي، وصحح إسناد النسائي في الفتح (١١/ ١١٥).

стр. 113

• قلت: وفي هذا الحديث ثلاثة أطراف: أما الأول: "رب قني عذابك يوم تبعث عبادك": فهو حديث صحيح، جاء من حديث البراء وابن مسعود وحذيفة وأنس وعلي وعائشة وحفصة، وهو مخرج في الدعاء برقم (١٥٩). وأما الطرف الثاني: "وكان يجعل يمينه لأكله وشربه … ": فقد صح معناه من حديث عائشة: "كان النبي ﷺ يحب التيمن -ما استطاع- في شأنه كله: في طهوره وترجله وتنعله"، وهو حديث متفق عليه [البخاري (١٦٨ و ٤٢٦ و ٥٣٨٠ و ٥٨٥٤ و ٥٩٢٦)، مسلم (٢٦٨)] وسيأتي في سنن أبي داود برقم (٤١٤٠) إن شاء الله تعالى، وهو مخرج في الدعاء برقم (٦٧)، ومن شواهده أيضًا حديث عائشة الآتي. وأما الطرف الثالث: في هيئة صيام الثلاث من كل شهر، فسيأتي الكلام عليه عند الحديث رقم (٢٤٥٢) إن شاء الله تعالى. *** ٣٣ - . . . عيسى بن يونس، عن ابن أبي عروبة، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن عائشة قالت: كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى. • منقطع، وهو حسن لغيره. لم ينفرد به عيسى بن يونس، بل تابعه عليه: عبدة بن سليمان، وغندر محمد بن جعفر، وأبو أسامة حماد بن أسامة. أخرجه أحمد (٦/ ٢٦٥)، وإسحاق (٣/ ٩٣٦/ ١٦٣٩)، وأبو الشيخ في أخلاق النبي ﷺ (٤/ ١٥ و ١٧/ ٧٦١ و ٧٦٢)، والبيهقي (١/ ١١٣)، والبغوي في شرح السُّنَّة (١/ ٣٦٨ و ٤٢٤/ ١٨٢ و ٢١٧). وخالفهم: أ- محمد بن أبي عدي، عن سعيد، عن رجل، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن عائشة … نحوه. أخرجه أحمد (٦/ ٢٦٥)، والبيهقي (١/ ١١٣). ب- عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، عن سعيد، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، عن النبي ﷺ بمعناه، وهو الحديث الآتي: ***

стр. 114

٣٤ - . . . عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، عن النبي ﷺ بمعناه. • متصل شاذ، والمحفوظ منقطع، وهو حسن لغيره. أخرجه أحمد (٦/ ٢٦٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١١٣)، وفي الشعب (٥/ ٧٧/ ٥٨٤٠). قلت: رواية الجماعة أولى بالصواب؛ فإن ابن أبي عدي ممن سمع من ابن أبي عروبة بعد الاختلاط، قاله يحيى بن سعيد القطان [ضعفاء العقيلي (٢/ ١١٢)، التهذيب (٣/ ٣٥٣)]. وعبد الوهاب بن عطاء الخفاف: وإن كان من أروى الناس عن ابن أبي عروبة، وممن روى له مسلم عنه؛ إلا أن الإمام أحمد يرى بأنه ممن سمع من سعيد بعد الاختلاط [التهذيب (٣/ ٣٥٣)، الكواكب النيرات (٢٥)، الكامل (٣/ ٣٩٣)، سؤالات المروذي لأحمد (٢٥٤)] [وانظر: سؤالات الآجري (٣/ ٢٢٣) ففيه قول الإمام أحمد: "عبد الوهاب أقدم" يعني: من عبد الله بن بكر السهمي]، وقال يحيى بن معين: "قلت لعبد الوهاب: سمعت من سعيد في الاختلاط؟ قال: سمعت منه في الاختلاط وغير الاختلاط، فليس أميز بين هذا وهذا" [شرح علل الترمذي (٢/ ٧٤٧)]، وعبد الوهاب الخفاف: صدوق يخطئ. وأما عبدة بن سليمان: فهو ثقة ثبت، وقد أخبر عن نفسه بأنه سمع من سعيد في الاختلاط، إلا أن ابن معين قال: "وأثبت الناس سماعًا منه عبدة بن سليمان"، وقد جُمع بينهما بأن عبدة إنما أراد بقوله بيان اختلاط سعيد وأنه لم يحدث عنه بما سمعه منه في الاختلاط [انظر: الكامل (٣/ ٣٩٤)، التقييد والإيضاح (٤٢٨)، الكواكب النيرات]، وقال أحمد بأن سماع عبدة منه جيد، وكذا قال في سماع عيسى بن يونس، قال: "سماع عيسى منه جيد، سمع منه بالكوفة" [شرح العلل (٢/ ٧٤٤)]. وأما غندر محمد بن جعفر: فاختلف في سماعه من سعيد أكان قبل الاختلاط أو بعده، فقال ابن مهدي بأنه سمع منه بعد الاختلاط، وذكر ابن عدى هذا القول لابن مكرم فأنكره، وكذا أنكره عمرو بن علي الفلاس، وسأل ابن الجنيد ابن معين عن سماع غندر فقال ابن معين: "زعموا أنه لم يسمع منه إلا في الصحة، وأن أول من عرف اختلاط سعيد بن أبي عروبة: غندر" [انظر: الكامل. شرح العلل. التقييد والإيضاح. سؤالات ابن الجنيد (٧١)]. وقيل: إن أبا أسامة كتب عن سعيد بالكوفة، وروى له مسلم من روايته عن سعيد [شرح العلل. الكواكب النيرات]. وعلى هذا فرواية هؤلاء الأربعة: عبدة وعيسى وأبي أسامة وغندر [وهم ثقات،

стр. 115

وفيهم من وصف بأنه أثبت الناس سماعًا من ابن أبي عروبة، وسمع منه قبل الاختلاط]: أولى بالصواب من رواية ابن أبي عدي الذي لم يسمع منه إلا في الاختلاط، ومن رواية الخفاف الذي لم يميز بين هذا وهذا، والله أعلم. رواه أربعتهم عن ابن أبي عروبة، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن عائشة به، منقطعًا، وهو الصواب. فإن قيل: رجح الدارقطني في العلل (١٤/ ٢٨٥/ ٣٦٢٧) رواية ابن أبي عدي، فيقال: إنما رجحها على رواية الخفاف وحده، وهو لم يتعرض لرواية هؤلاء الأربعة ولم يذكرها في وجوه الاختلاف، وروايتهم مقدمة بلا شك على رواية الخفاف وابن أبي عدي. فإن قيل: قد وصف ابن أبي عروبة بالتدليس، فيقال: فلا يعلل هذا الإسناد بتدليس ابن أبي عروبة، فإن الذين وصفوه بالتدليس إنما عابوا عليه روايته عن أقوام لم يسمع منهم، وعلى هذا فإن عنعنته مقبولة فيمن عُلم أنه سمع منهم [انظر: التهذيب (٣/ ٣٥٤) وغيره] ولذلك ذكره ابن حجر في المرتبة الثانية فيمن احتمل الأئمة تدليسه [تعريف أهل التقديس (٥٠)]، وقد قال الإمام أحمد: "أروى الناس عن أبي معشر: ابن أبي عروبة" [العلل (٥٢٤٨)]، وأبو معشر: هو زياد بن كليب: ثقة. وإنما يعلل هذا الحديث بالانقطاع بين إبراهيم بن يزيد النخعي وعائشة، فإنه دخل عليها وهو صغير، ولم يسمع منها شيئًا [المراسيل (١)، جامع التحصيل (١٣)، تحفة التحصيل (١٩)]، وسيأتي حديث بهذا الإسناد (٢٤٣)، ونقلت هناك أقوال الأئمة في ذلك. قال النووي في المجموع (١/ ٤٤٥): "حديث صحيح، رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح"، وصححه أيضًا في الخلاصة (٣٨٦). وقال العراقي في طرح التثريب (٢/ ٦٧): "رواه أبو داود بإسناد صحيح". وانظر: الأحكام الوسطى (١/ ١٣٢)، بيان الوهم (٢/ ٢١١/ ١٩٦) و (٥/ ٢٦١/ ٢٤٦١). وقال ابن حجر في نتائج الأفكار (١/ ١٤٣): "هذا حديث غريب"، وتعقب قول النووي في الأذكار، وفي المجموع (٢/ ١١٧): "بإسناد صحيح" بقوله: "والتحرير أنه حسن، فإن فيه علتين: الاختلاف على سعيد في وصله وإرساله، وفي زيادة راوٍ على السند الموصول" ثم ذكر أن الدارقطني رجح رواية ابن أبي عدي ثم قال: "وإنما قلت أن الحديث حسن لاعتضاده بالحديث الذي بعده، والله أعلم" يعني: حديث حفصة المتقدم. [وانظر: التلخيص (١/ ١٩٨)، الإرواء (١/ ١٣١) وصححه]. وهو كما قال الحافظ، حسن لغيره، فإن رجاله ثقات إلا أنه منقطع، ويعتضد بحديث حفصة المتقدم. • ورُوي بإسناد آخر: رواه محمد بن فضيل، قال: ثنا الأعمش، عن رجل [وفي رواية: عن بعض

стр. 116

أصحابه]، عن مسروق، عن عائشة، قالت: كان يمين رسول الله ﷺ لطعامه وصلاته وكانت شماله لما سوى ذلك. أخرجه أحمد (٦/ ١٦٥)، وابن أبي شيبة (١/ ١٤٠/ ١٦١٥) و (٥/ ٢٢٤/ ٢٥٤٦٩). والمحفوظ في هذا عن مسروق: ما رواه أشعث بن سليم، عن أبيه، عن مسروق، عن عائشة قالت: "كان النبي ﷺ يحب التيمن -ما استطاع- في شأنه كله: في طهوره وترجله وتنعله"، وهو متفق عليه، وتقدم ذكره قريبًا. • وانظر فيما لا يثبت من أسانيد أخر: تاريخ أصبهان (١/ ١٥٥). • وحديثا حفصة وعائشة استدل بهما أبو داود على كراهية مس الذكر باليمين في الاستبراء، وشاهده من حديث حفصة: "ويجعل شماله لما سوى ذلك" ومن حديث عائشة: "وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى". قال النووي في شرح مسلم (٣/ ١٦٠): "هذه قاعدة مستمرة في الشرع، وهي: أن ما كان من باب التكريم والتشريف: كلبس الثوب والسراويل والخف، ودخول المسجد، والسواك والاكتحال، وتقليم الأظفار وقص الشارب، وترجيل الشعر وهو مشطه، ونتف الإبط، وحلق الرأس، والسلام من الصلاة، وغسل أعضاء الطهارة، والخروج من الخلاء، والأكل والشرب، والمصافحة، واستلام الحجر الأسود، وغير ذلك مما هو في معناه يستحب التيامن فيه. وأما ما كان بضده: كدخول الخلاء، والخروج من المسجد، والامتخاط والاستنجاء، وخلع الثوب والسراويل والخف، وما أشبه ذلك فيستحب التياسر فيه، وذلك كله لكرامة اليمين وشرفها، والله أعلم". ولخصه ابن حجر في الفتح (١/ ٣٢٥) بقوله نقلًا عن النووي: "قاعدة الشرع المستمرة: استحباب البداءة باليمين في كل ما كان من باب التكريم والتزيين، وما كان بضدها استحب فيه التياسر". وراجع: الأوسط لابن المنذر (١/ ٣٣٨)، المغني (١/ ١٠٣)، المجموع (١/ ١٢٨)، البيان (١/ ٢٢١)، الإنصاف (١/ ١٠٤)، الفتح (١/ ٣٢٥)، الإحكام لابن دقيق العيد (١/ ٩١)، الإرواء (١/ ١٣١)، وغيرها. *** ١٩ - باب الاستتار في الخلاء ٣٥ - . . . ثور، عن الحصين الحبراني، عن أبي سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "من اكتحل فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج، ومن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج، ومن أكل فما تخلَّل فلْيَلْفِظ، وما لاك بلسانه فليبتلع، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج، ومن أتى الغائط

стр. 117

فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيبًا من رمل فليستدبره، فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج". قال أبو داود: رواه أبو عاصم، عن ثور، قال: حصين الحميري، قال: ورواه عبد الملك بن الصباح، عن ثور، فقال: أبو سعد الخير. قال أبو داود: أبو سعد الخير هو من أصحاب النبي ﷺ . • حديث ضعيف أخرجه ابن ماجه (٣٣٧ و ٣٣٨ و ٣٤٩٨)، والدارمي (١/ ١٧٧/ ٦٦٢) و (٢/ ١٤٩/ ٢٠٨٧)، وابن حبان (٤/ ٢٥٧/ ١٤١٠)، والحاكم (٤/ ١٣٧)، وأحمد (٢/ ٣٧١)، والطبري في تهذيب الآثار "مسند ابن عباس" (١/ ٤٨٢/ ٧٦٠)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١٢١ و ١٢٢)، وفي المشكل (١/ ١٢٧)، والطبراني في مسند الشاميين (١/ ٢٧٥/ ٤٨١)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٩٤ و ١٠٤)، وفي الخلافيات (٢/ ٣٦٧/٨٥)، وفي الشعب (٥/ ١٢٥/ ٦٠٥٣)، وفي الآداب (٦٩٣)، وابن عبد البر في التمهيد (١١/ ١٧ - ١٨)، والبغوي في شرح السُّنَّة (١٢/ ١١٨/ ٣٢٠٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٣/ ٢٩٠). وفي رواية عيسى بن يونس عند أحمد: "عن أبي سعد الخير -وكان من أصحاب ابن عمر-". قال الحاكم: "صحيح الإسناد"، وصححه ابن حبان. وقال النووي في المجموع (٢/ ٥٥)، وفي الخلاصة (٣١٢): "هذا حديث حسن". وقال ابن حجر في الفتح (١/ ٢٠٦): "إسناده حسن". وقال ابن الملقن في الدر المنير (٢/ ٣٠٢): "حديث صحيح". قلت: وليس الأمر كما قالوا، أما أبو سعيد الخير: فقد اختلفوا فيه، فمنهم من قال: أبو سعيد، ومنهم من قال: أبو سعد، ورجح الدارقطني في العلل (٨/ ٢٨٣) قول من قال: أبو سعيد، فقال: "والصحيح: عن أبي سعيد". وقال الحافظ في التهذيب (١٠/ ١٢٤): "الصواب التفريق بينهما، فقد نص على كون أبي سعد الخير صحابيًّا: البخاري وأبو حاتم وابن حبان والبغوي وابن قانع وجماعة، وأما أبو سعيد الحبراني فتابعي قطعًا، وإنما وهم بعض الرواة فقال في حديثه: عن أبي سعد الخير، ولعله تصحيف وحذف، والله تعالى أعلم"، وقال في التلخيص (١/ ١٩٠): "وقيل: إنه صحابي، ولا يصح"، لذا قال في التقريب (١١٥٣): "مجهول"، وقال الذهبي في الميزان (٤/ ٥٣٠): "ولا يُدرى من ذا، ولا مَن حصين". وقال ابن أبي حاتم: "سألت أبا زرعة عنه؟ فقال: لا أعرفه. فقلت: لقي أبا هريرة؟ قال: على هذا يوضع" [الجرح (٩/ ٣٧٨)].

стр. 118

وعلى هذا فهو تابعي مجهول. وأما حصين الراوي عنه: فمجهول أيضًا، قال ابن حجر: "مجهول" [التقريب (٢٥٦)]، وقال الذهبي: "لا يعرف" [الميزان (١/ ٥٥٥)]، وانظر: التلخيص (١/ ١٨٠). وممن نص على ضعف هذا الحديث لجهالة هذين الراويين: ابن حزم وابن عبد البر: قال ابن حزم في المحلى (١/ ٩٩): "فإن [ابن] الحصين: مجهول، وأبو سعيد أو أبو سعد كذلك". وقال ابن عبد البر في التمهيد (١١/ ٢١): "وهو حديث ليس بالقوي؛ لأن إسناده ليس بالقائم، فيه مجهولون". وضعفه أيضًا البيهقي، فقد قال في الخلافيات: "ليس هذا بمشهور، ولا يعارض حديث سلمان المخرج في الصحيح، ولم يحتج بهذا الإسناد أحد منهما"، وقال في المعرفة (١/ ٢٠١): "ليس بالقوي"، وأشار إلى ذلك في السنن (١/ ١٠٤). وقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (١/ ١٣٦): "في إسناده الحصين الحبراني، وليس بقوي". وفي متن الحديث نكارة، ومخالفة للأحاديث الصحيحة، ألمح البيهقي إلى شيء منها. كما ضعفه الألباني في الضعيفة برقم (١٠٢٨). • ومما صح في الاستتار: ١ - حديث جابر الطويل الذي رواه مسلم (٣٠١٢ - ٣٠١٤) وغيره، وتقدم ذكره تحت الحديث الثاني. ٢ - حديث عبد الله بن جعفر، قال: وكان أحب ما استتر به رسول الله ﷺ لحاجته هدفًا أو حائش نخل. أخرجه مسلم (٣٤٢ و ٢٤٢٩) وغيره، ويأتي عند أبي داود برقم (٢٥٤٩) إن شاء الله تعالى. *** ٢٠ - باب ما يُنهى عنه أن يُستنجى به ٣٦ - . . . المُفضَّل -يعني: ابن فَضالة المصري-، عن عياش بن عباس القِتْباني، أن شِيَيْمَ بن بَيتانَ، أخبره عن شيبان القتباني، قال: إن مَسْلمة بن مُخلَّد استعمل رُويفِع بن ثابت على أسفل الأرض. قال شيبان: فَسِرنا معه من كُوم شريك إلى عَلقماء، أو: من عَلقماء إلى كُوم شريك -يريد: عَلقام- فقال رويفع: إن كان أحدنا في زمن رسول الله ﷺ ليأخذ نِضْوَ أخيه على أن له النصف مما يغنم ولنا النصف، وإن كان أحدنا لَيَطيرُ له النَّصل والريش وللآخر القِدْح، ثم قال: قال لي

стр. 119

رسول الله ﷺ : "يا رويفع لعل الحياة ستطول بك بعدي، فأخبر الناس أنه من عقد لحيته، أو تقلَّد وَتَرًا، أو استنجى برجيع دابة أو عظم؛ فإن محمدًا ﷺ منه بريء". • شاذ بذكر شيبان القتباني في الإسناد، وهو حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ١٠٩)، وابن عبد الحكم في فتوح مصر (١٤٠ و ٤٧٠)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٤/ ٢١٠/ ٢١٩٦)، والبزار (٦/ ٣٠١/ ٢٣١٧)، والطبراني في الكبير (٥/ ٢٨/ ٤٤٩١)، والخطابي في غريب الحديث (١/ ٤٢٢ - ٤٢٣) و (٢/ ١٦٩ - ١٧٠)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٢/ ١٠٦٨/ ٢٧٠٤)، والبيهقي (١/ ١١٠)، والبغوي في شرح السُّنَّة (١١/ ٢٨/ ٢٦٨٠)، والمزي في تهذيب الكمال (١٢/ ٥٩٢). قال البزار: "وإسناده حسن غير شيبان، فإنه لا نعلم روى عنه غير شِييم بن بيتان، وعياش بن عباس مشهور". قلت: رجاله ثقات؛ غير شيبان بن أمية أو ابن قيس القتباني المصري، فإنه مجهول [التقريب (٤٤١)]. وللمفضل بن فضالة فيه إسناد آخر: فقد روى الحديث عن المفضل: يحيى بن غيلان، وسعيد بن أبي مريم، ومُعلَّى بن منصور، وعبد الأعلى بن حماد، ويزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب، وأبو الأسود النضر بن عبد الجبار [وهم ثقات]، وقد رواه الأخيران عنه بالإسنادين جميعًا: *** ٣٧ - قال أبو داود: حدثنا يزيد بن خالد: حدثنا مفضل، عن عياش، أن شييم بن بيتان أخبره بهذا الحديث أيضًا، عن أبي سالم الجيشاني، عن عبد الله بن عمرو، يذكر ذلك وهو معه مُرابِط بحصن باب أَليُون. قال أبو داود: حصن أليون بالفسطاط على جبل. قال أبو داود: وهو شيبان بن أمية، يُكْنى أبا حذيفة. • حديث صحيح وأخرجه ابن عبد الحكم في فتوح مصر (١٤٠ - ١٤١)، قال: حدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبار، قال: حدثنا المفضل بن فضالة، قال: أخبرنا عياش بن عباس القتباني … فذكر حديث شيبان عن رويفع، ثم قال: قال عياش بن عباس: أخبرني شييم بن بيتان، عن أبي سالم الجيشاني، أنه سمع عبد الله بن عمرو -وهو مرابط حصن باب أليون- يحدث عن رسول الله ﷺ بهذا الحديث. وأعاده مرة أخرى في موضع آخر (٤٧٠).

стр. 120

وأبو سالم الجيشاني: هو سفيان بن هانئ المصري ممن شهد فتح مصر ووفد على عليٍّ، وهو تابعي مخضرم، ثقة مشهور، وقد سمع من عبد الله بن عمرو كما ترى، وهما مرابطان معًا بحصن باب أليون؛ فالإسناد صحيح. • تابع المفضل بن الفضالة على إسناده الأول: عبد الله بن عياش، عن أبيه، عن شييم بن بيتان، عن شيبان بن أمية، عن رويفع بن ثابت، قال: كنت في مجلس فيه رسول الله ﷺ ، قال: وكنت من أحدثهم سنًا، فنظر إلي رسول الله ﷺ فقال: "رويفع! لعله سيطول بك العمر، فأخبر الناس أنه من استنجى بروث دابة أو بعظم، أو تعلق وترًا -يريد تميمة-، أو عقد لحيته في الصلاة؛ فقد برئت منه ذمة محمد". أخرجه ابن عبد الحكم في فتوح مصر (٤٦٩). وعبد الله بن عياش بن عباس القتبانى: ضعيف [التهذيب (٢/ ٤٠٠)، الميزان (٢/ ٤٦٩)]. • وقد خالفهما: حيوة بن شريح [ثقة ثبت فقيه زاهد. التقريب (٢٨٢)]، وابن لهيعة [ضعيف]: فروياه: عن عياش بن عباس القتباني، أن شييم بن بيتان حدثه، أنه سمع رويفع بن ثابت يقول: إن رسول الله ﷺ قال: "يا رويفع لعل الحياة ستطول بك بعدي، فأخبر الناس أنه من عقد لحيته، أو تقلد وترًا، أو استنجى برجيع دابة أو عظم؛ فإن محمدًا بريء منه". أخرجه النسائي (٨/ ١٣٥ - ١٣٦/ ٥٠٦٧)، وأحمد (٤/ ١٠٨)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١٢٣)، وابن الأثير في أسد الغابة (٢/ ٢٨٦). وحيوة بن شريح المصري: ثقة ثبت فقيه، قدمه أبو حاتم على المفضل بن فضالة، فقال: "حيوة أعلى القوم، وهو ثقة، وأحب إليَّ من المفضل بن فضالة" [التهذيب (٢/ ٤٨٧)]. وعلى هذا فروايته المتصلة مقدمة على رواية المفضل وابن عياش، ولم ينفرد بذلك حيوة -وإن كان لا يضره التفرد-، فقد تابعه ابن لهيعة على ذلك، فاتصل الإسناد برواية الثقات، فهو إسناد مصري صحيح، وصح الحديث والحمد لله. والحديث جوَّد إسناده النووي في المجموع (١/ ٣٥٩) و (٢/ ١٣٥)، وابن الملقن في البدر المنير (٢/ ٣٥٢). وقد وهم فيه ابن لهيعة حيث رواه مرة: عن عياش بن عباس، عن شييم بن بيتان، عن أبي سالم، عن شيبان بن أمية، عن رويفع بن ثابت الأنصاري: أنه غزا مع رسول الله ﷺ ، قال: وكان أحدنا يأخذ الناقة على النصف مما يغنم، حتى أن لأحدنا القاخ وللآخر النصل والريش. أخرجه أحمد (٤/ ١٠٨).

стр. 121

وانظر أيضًا: مسند ابن أبي شيبة (٧٣٦). • غريب الحديث: كوم شريك: قرب الإسكندرية بمصر، وعلقماء أو علقام: موضع بأسفل مصر [معجم البلدان (٤/ ٤٩٥)]. نضو أخيه: يعني: الناقة المهزولة. ليطير له النصل: أي يصيبه في القسمة. القِدح: خشب السهم قبل أن يراش ويُركَّب فيه النصل، وفيه جواز قسمة الشيء ما لم تذهب منفعته وتبطل قيمته. وأما نهيه ﷺ عن عقد اللحية فإن ذلك يفسر على وجهين: أحدهما: ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من عقد اللحى في الحروب، وذلك من زي الأعاجم، يفتلونها، ويعقدونها، وقيل معناه: معالجة الشعر ليتعقد ويتجعد، وذلك من فعل أهل التوضيع والتأنيث، ووقع في رواية ابن أبي عاصم: "عقص لحيته". وأما نهيه ﷺ عن تقليد الوتر، فقد قيل: إن ذلك من أجل العُوَذ التي يعلقونها عليه، والتمائم التي يشدونها بتلك الأوتار، وكانوا يرون أنها تعصم من الآفات، وتدفع عنهم المكاره، وقيل غير ذلك [معالم السنن (١/ ٢٤)، غريب الحديث للخطابي (١/ ٤٢٢ - ٤٢٣) و (٢/ ١٦٩ - ١٧٠)، شرح السُّنَّة (١١/ ٢٨)، النهاية (٣/ ٢٧٠) و (٤/ ٩٩)، المجموع (١/ ٣٥٩)، الإمام (٢/ ٥٦٠)، البدر المنير (٢/ ٣٥٣)، زهر الربى (٨/ ١٣٥)، عون المعبود (١/ ٣٩)، تيسير العزيز الحميد (١٣٤)]. *** ٣٨ - . . . روح بن عبادة: حدثنا زكريا بن إسحاق: حدثنا أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: نهانا رسول الله ﷺ أن نتمسح بعظم، أو بعر. • حديث صحيح أخرجه مسلم (٢٦٣)، وأبو عوانة (١/ ١٨٦/ ٥٨٣)، وأبو نعيم في مستخرجه (١/ ٣١٩/ ٦٠٨)، وأحمد (٣/ ٣٤٣ و ٣٨٤)، وأبو يعلى (٤/ ١٦٨/ ٢٢٤٢)، والبيهقي (١/ ١١٠)، وابن عبد البر (١١/ ١٩). ولم ينفرد بذلك زكريا بن إسحاق المكي عن أبي الزبير المكي به، وإن كان لا يضره تفرده لو تفرد، فقد تابعه: ابن لهيعة عن أبي الزبير به. قال ابن لهيعة: حدثنا أبو الزبير، عن جابر: أن رسول الله ﷺ نهى أن يستنجى ببعرة أو بعظم. أخرجه أحمد (٣/ ٣٣٦). ***

стр. 122

٣٩ - . . . ابن عياش، عن يحيى بن أبي عمرو السيباني، عن عبد الله بن الديلمي، عن عبد الله بن مسعود، قال: قدم وفد الجن على النبي ﷺ فقالوا: يا محمد! اِنْهَ أُمتَّك أن يستنجوا بعظم أو رَوْثة أو حُمَمَة؛ فإن الله جعل لنا فيها رزقًا، قال: فنهى النبيُّ ﷺ عن ذلك. • حديث ضعيف أخرجه الدارقطني (١/ ٥٥ - ٥٦)، والبيهقي (١/ ١٠٩)، والبغوي في شرح السُّنَّة (١/ ٣٦٦/ ١٨٠). قال الدارقطني: "إسناد شامي ليس بثابت". وقال البيهقي: "إسناد شامي غير قوي". وقال الحازمي: "لا يعرف متصلًا إلا من حديث الشاميين، وهو على شرط أبي داود" [البدر المنير (٢/ ٣٥١)]. وقال النووي في المجموع (٢/ ١٣٦): "هذا الحديث ضعيف"، وذكره في فصل الضعيف من الخلاصة (٣٧٧). لكن أخرج الطبراني في مسند الشاميين (٢/ ٣٧/ ٨٧٢)، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرق الحمصي: ثنا محمد بن مصفى: ثنا بقية، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي عمرو السيباني، عن عبد الله بن الديلمي، عن عبد الله بن مسعود، قال: قدم وفد الجن … الحديث. وليس هذا من حديث الأوزاعي في شيء: بقية بن الوليد: يدلس ويسوي عن الكذابين والمجهولين، وقد عنعنه، وتفرد به عن الأوزاعي [التهذيب (١/ ٤٩٥)، الميزان (١/ ٣٣١)]. وشيخ الطبراني: قال الذهبي "شيخ للطبراني غير معتمد" [الميزان (١/ ٦٣)، اللسان (١/ ١٠٤)]. وعليه: فالحديث إنما يعرف بإسماعيل بن عياش ولا متابع له، والله أعلم. ومع كون ابن عياش إنما ضُعِّف في روايته عن غير أهل الشام وأما روايته عنهم فمستقيمة، مع ذلك فلم يحتج بهذا الإسناد الدارقطني ولا البيهقي مع كونه إسنادًا شاميًّا. فإن لم يكونا قد أعلاه بابن عياش، فقد أعلاه بمخالفة أهل الشام في روايتهم لرواية أهل الكوفة وهم أعلم بابن مسعود من غيرهم؛ كما سيأتي بيانه. • ولم ينفرد أهل الشام بذلك بل تابعهم عليه أهل مصر. وقبل أن نستطرد بذكر رواية أهل مصر؛ فقد يقال بأن لإسناد ابن عياش علة أخرى، وهي أن عبد الله بن فيروز الديلمي الشامي لا يعرف له سماع من ابن مسعود [انظر:

стр. 123

التاريخ الكبير (٥/ ٨٠)، فيقال: قد ثبت لقاؤه به وسماعه منه في حديث: "لو أن الله عذَّب أهل سماواته وأهل أرضه … " [أخرجه أبو داود (٤٦٩٩)، وابن ماجه (٧٧)]. • وأما رواية أهل مصر: فيرويها موسى بن عُلَي بن رباح عن أبيه عن عبد الله بن مسعود: أن النبي ﷺ نهى أن نستنجي بعظم حائل أو روثة أو حممة. أخرجه أحمد (١/ ٤٥٧)، والطبراني في الأوسط (٩/ ١٧/ ٨٩٩٥)، والدارقطني (١/ ٥٦)، والخطابي في غريب الحديث (١/ ٢٣٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٠٩)، وفي الدلائل (٢/ ٢٣١). ولفظ أحمد: أن رسول الله ﷺ أتاه ليلة الجن ومعه عظم حائل وبعرة وفحمة، فقال: "لا تستنجين بشيء من هذا إذا خرجت إلى الخلاء". ولفظ البيهقي في الدلائل: استتبعني رسول الله ﷺ فقال: "إن نفرًا من الجن خمسة عشر بني إخوة وبني عم يأتونني الليلة فأقرأ عليهم القرآن" فانطلقت معه إلى المكان الذي أراد، فخط لي خطًّا، وأجلسني فيه، وقال لي: "لا تخرج من هذا" فبِتُّ فيه حتى أتاني رسول الله ﷺ مع السَّحَر، في يده عظم حائل وروثة وحممة، فقال لي: "إذا ذهبت إلى الخلاء فلا تستنج بشيء من هؤلاء" قال: فلما أصبحت قلت: لأعلمن علمي حيث كان رسول الله ﷺ ، قال: فذهبت فرأيت موضع مبرك ستين بعيرًا. والعظم الحائل: المتغير من البلى. قال الدارقطني: "عُلَي بن رباح لا يثبت سماعه من ابن مسعود ولا يصح". وقال البيهقي في السنن: "عُلَي بن رباح لم يثبت سماعه من ابن مسعود، والأول: إسناد شامي غير قوي، والله أعلم". • وقد رُوي نحو هذا: عن أبي عثمان بن سَنَّة الخزاعي، وعبد الرحمن بن رافع التنوخي، عن ابن مسعود؛ إلا أنه ليس في روايتهما ذكر الحممة. وانظر: تحفة التحصيل (٢٣٤)، ولا تغتر بتعقب ابن التركماني في الجوهر النقي فقد جانب الصواب ومشى على ظاهر الإسناد. ولحديث ابن مسعود طرق كثيرة جدًّا أغلبها لا يصح [انظر: تفسير الطبري (١١/ ٢٩٨)، المعجم الكبير للطبراني (١٠/ ٦٣)، سنن البيهقي (١/ ٩ - ٠ ١)، تفسير ابن كثير (٤/ ١٦٦)، مجمع الزوائد (٨/ ٣١٣)، نصب الراية (١/ ١٣٧)، وغيرها] وليس في شيء منها ذكر الحممة أو الفحمة. وقد اشتمل بعض هذه الطرق أو أغلبها على زيادات لا تصح في قصة وفد الجن. ومن هذه الطرق: أ- ما رواه يونس بن يزيد، وعقيل بن خالد: عن ابن شهاب قال: أخبرني أبو عثمان بن سَنَّة الخزاعي -وكان رجلًا من أهل الشام-، أنه سمع ابن مسعود يقول: إن

стр. 124

رسول الله ﷺ قال لأصحابه وهو بمكة: "من أحب منكم أن بحضر الليلة أمر الجن فليفعل" فلم يحضر منهم أحد غيري، فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة خط لي برجله خطًّا، ثم أمرني أن أجلس فيه، ثم انطلق حتى قام فافتتح القرآن، فغشيته أَسْوِدة كثيرة حالت بيني وبينه، حتى ما أسمع صوته، ثم انطلقوا فطفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين حتى بقي منهم رهط، وفرغ رسول الله ﷺ مع الفجر، فانطلق فتبرز، ثم أتاني فقال: "ما فعل الرهط؟ " فقلت: هم أولئك يا رسول الله، فأخذ عظمًا وروثًا فأعطاهم إياه زادًا، ثم نهى أن يستطيب أحد بعظم أو روث. أخرجه النسائي (١/ ٣٧ - ٣٨/ ٣٩) مختصرًا. والحاكم (٢/ ٥٠٣ - ٥٠٤)، والفاكهي في أخبار مكة (٤/ ٢١/ ٢٣١٦)، وابن جرير الطبري في تفسيره (١١/ ٢٩٩)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١٢٣)، وأبو الشيخ في العظمة (٥/ ١٦٦٢/ ١١٠٢)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٥/ ٢٩٧١/ ٦٩٢٤)، وفي الدلائل (٢٦٣)، والبيهقي في الدلائل (٢/ ٢٣٠) واللفظ له. وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٧/ ٧٤ و ٧٥)، والمزي في التهذيب (٣٤/ ٦٧). قال الحاكم: "وقد رُوي حديث تداوله الأئمة الثقات، عن رجل مجهول، عن عبد الله بن مسعود: أنه شهد مع رسول الله ﷺ ليلة الجن" ثم أخرج حديث ابن سَنَّة هذا. وأبو عثمان بن سَنَّة هذا في عداد المجهولين، كما قال الحاكم، لم يرو عنه سوى الزهري، وقال أبو زرعة الرازي: "لا أعرف اسمه"، ولم أر من وثقه [انظر ترجمته في: المنفردات والوحدان لمسلم (٢٣٦)، طبقات ابن سعد (٥/ ٢٤٨)، علل ابن المديني (١٠٠)، الإصابة (٤/ ١٤٩)، الاستيعاب (٤/ ١٤٢ - بهامش الإصابة)، الجرح والتعديل (٩/ ٤٠٨)، التهذيب (١٠/ ١٨٥)، الميزان (٤/ ٥٤٩)]. ب- ومنها ما رواه أبو فزارة العبسي الكوفي راشد بن كيسان، عن أبي زيد مولى عمرو بن حريث المخزومي، عن عبد الله بن مسعود قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ بمكة وهو في نفر من أصحابه إذ قال: "لِيَقُم معي رجل منكم، ولا يقومَنَّ معي رجل في قلبه من الغش مثقال ذرة" قال: فقمت معه وأخذت إداوة، ولا أحسبها إلا ماءً، فخرجت مع رسول الله ﷺ حتى إذا كنا بأعلى مكة، رأيت أسودة مجتمعة، قال: فخط لي رسول الله ﷺ خطًّا، ثم قال: "قم ها هنا حتى آتيك" قال: فقمت، ومضى رسول الله ﷺ إليهم فرأيتهم يتثورون إليه، قال: فسمر معهم رسول الله ﷺ ليلًا طويلًا حتى جاءني مع الفجر، فقال لي: "ما زلت قائمًا يا ابن مسعود؟ " قال: فقلت له: يا رسول الله أولم تقل لي: قم حتى آتيك؟! قال: ثم قال لي: "هل معك من وضوء؟ " قال: فقلت: نعم، ففتحت الإداوة، فإذا هو نبيذ، قال: فقلت له: يا رسول الله، والله لقد أخذت الإداوة، ولا أحسبها إلا ماءً، فإذا هو نبيذ، قال: فقال رسول اللّه ﷺ : "تمرة طيبة وماء طهور" قال: ثم توضأ منها، فلما قام يصلي أدركه شخصان منهم، قالا له: يا رسول الله إنا نحب أن تؤمنا في صلاتنا، قال: فصفهما رسول الله ﷺ خلفه ثم صلى بنا، فلما انصرف قلت له: من هؤلاء يا

стр. 125

رسول الله؟ قال: "هؤلاء جن نصيبين، جاؤوا يختصمون إليَّ في أمور كانت بينهم، وقد سألوني الزاد فزودتهم" قال: فقلت له: وهل عندك يا رسول الله من شيء تزودهم إياه؟ قال: فقال: "قد زودتهم الرجعة، وما وجدوا من روث وجدوه شعيرًا، وما وجدوه من عظم وجدوه كاسيًا" قال: وعند ذلك نهى رسول الله ﷺ عن أن يستطاب بالروث والعظم. أخرجه هكذا مطولًا: أحمد (١/ ٤٥٨) بإسناد صحيح إلى راشد. وأخرجه مطولًا ومختصرًا: أبو داود (٨٤)، والترمذي (٨٨)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٧١)، والنسائي في كتاب الأغراب (٢٠٥)، وابن ماجه (٣٨٤)، وأحمد (١/ ٤٠٢ و ٤٤٩ و ٤٥٠)، وعبد الرزاق (١/ ١٧٩/ ٦٩٣)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في الطهور (٢٥٢)، وابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٢٦٣/٣١)، وفي المسند (٣٠٠)، وأبو يعلى (٨/ ٤٥٩/ ٥٠٤٦) و (٩/ ٢٠٣/ ٥٣٠١)، وابن المنذر في الأوسط (١/ ٢٥٦/ ١٧٣)، والهيثم بن كليب في مسنده (٢/ ٢٤٨ و ٢٥٤/ ٨٢٢ و ٨٢٧ و ٨٢٨)، وابن الأعرابي في المعجم (٧٢٧)، وابن حبان في المجروحين (٣/ ١٥٨)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٦٣ - ٦٦/ ٩٩٦٢ - ٩٩٦٧)، وابن عدي في الكامل (٤/ ١٥) و (٧/ ٢٩١ و ٢٩٢)، وابن شاهين في الناسخ (٩٤)، والبيهقي في السنن (١/ ٩ و ٩ - ١٠)، وفي الخلافيات (١/ ١٥٧ - ١٦٠/ ١٩ - ٢٥)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٥٢/ ٣٠ و ٣١)، وفي العلل المتناهية (١/ ٣٥٥/ ٥٨٧)، والمزي في تهذيب الكمال (٣٣/ ٣٣٣). قال أبو عبيد القاسم بن سلام في الطهور (ص ٢٠١): "وأما الذي رُوي عن ابن مسعود في ليلة الجن فإنا لا نثبته؛ من أجل أن الإسناد فيه من ليس بمعروف، وقد وجدنا مع هذا أهل الخبرة والمعرفة بابن مسعود ينكرون أن يكون حضر في تلك الليلة مع النبي ﷺ ، منهم: ابنه أبو عبيدة بن عبد الله، وصاحبه علقمة بن قيس، مع هذا كله أنه لو كان له أصل لكان منسوخًا … ". وقال ابن المديني: "ورواه سفيان عن أبي فزارة عن أبي زيد مولى عمرو بن حريث عن عبد الله بن مسعود؛ فخفت أن لا يكون أبو زيد سمعه من عبد الله؛ لأني لم أعرفه، ولم أعرف لقيه له؛ فرواه شريك عن أبي فزارة عن أبي زيد قال: حدثنا عبد الله بن مسعود فجوَّده بقوله: حدثنا عبد الله بن مسعود" [علل ابن المديني (١٠٠)، المراسيل (٩٦٦)]. وقال البخاري: "أبو زيد الذي روى حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: "تمرة طيبة وماء طهور": رجل مجهول لا يعرف بصحبة عبد الله، وروى علقمة عن عبد الله أنه قال: لم أكن ليلة الجن مع رسول الله ﷺ ، وروى شعبة عن عمرو بن مرة قال: سألت أبا عبيدة: أكان عبد الله مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا" [الكامل (٧/ ٢٩١)، سنن البيهقي (١/ ١٠)] [وانظر: الكامل (٤/ ١٥)]. وقال أبو زرعة: "حديث أبي فزارة: ليس بصحيح، وأبو زيد مجهول" [العلل (١/ ١٤/ ١٧)].

стр. 126

وقال أبو حاتم وأبو زرعة: "هذا حديث ليس بقوي" [العلل (١/ ٤٤/ ٩٩)] وسينقل بتمامه إن شاء الله في موضعه. وقال أبو حاتم أيضًا: "لم يلق أبو زيد: عبد الله" [المراسيل (٩٦٧)]. وتصرف أبي داود في سننه يدل على تضعيفه وإنكاره له؛ فقد أخرج بعده ما يعارضه من قول ابن مسعود في ليلة الجن: "ما كان معه منا أحد". وقال الترمذي: "وإنما رُوي هذا الحديث عن أبي زيد عن عبد الله عن النبي ﷺ ، وأبو زيد: رجل مجهول عند أهل الحديث، لا تعرف له رواية غير هذا الحديث". وقال ابن المنذر: "وضعف هذا الحديث غير واحد من أصحابنا، وقالوا: حديث ابن مسعود لا يثبت؛ لأن الذي رواه أبو زيد وهو: مجهول، لا يعرف بصحبة عبد الله، ولا بالسماع منه، ولا يجوز ترك ظاهر الكتاب وأخبار النبي ﷺ لرواية رجل مجهول، مع أن علقمة قد أنكر أن يكون عبد الله مع النبي ﷺ ليلة الجن"، وتبعهما ابن قدامة في المغني (١/ ٢٤). وقال ابن حبان في أبي زيد: "يروي عن ابن مسعود ما لم يتابع عليه، ليس يُدرى من هو، لا يعرف أبوه ولا بلده، والإنسان إذا كان بهذا النعت ثم لم يرو إلا خبرًا واحدًا خالف فيه الكتاب والسُّنَّة والإجماع والقياس والنظر والرأي يستحق مجانبته فيها ولا يحتج به"، وانظر نفيه لشهود ابن مسعود ليلة الجن: صحيح ابن حبان (١٤/ ٦٣١٩/٢٢٤). وقال ابن عدي: "وهذا الحديث مداره على أبي فزارة عن أبي زيد مولى عمرو بن حريث عن ابن مسعود، وأبو فزارة مشهور واسمه: راشد بن كيسان، وأبو زيد مولى عمرو بن حريث: مجهول، ولا يصح هذا الحديث عن النبي ﷺ ، وهو خلاف القرآن، وقد رواه ابن لهيعة عن حبيش [كذا، ولعله: حنش] عن أبي هبيرة عن ابن عباس عن ابن مسعود شبه من هذا المتن، وهو غير محفوظ أيضًا"، وقال في الموضع الأول: "وأبو فزارة: راشد بن كيسان، وأبو زيد مولى عمرو بن حريث: مجهول، والحديث ضعيف لأجل أبي زيد هذا". وقال الدارقطني في السنن (١/ ٧٦): "وقيل: إن ابن مسعود لم يشهد مع النبي ﷺ ليلة الجن، كذلك رواه علقمة بن قيس وأبو عبيدة بن عبد الله وغيرهما عنه: أنه قال: ما شهدت ليلة الجن"، ثم قال (١/ ٧٧) بعد رواية علقمة عن ابن مسعود في عدم شهوده ليلة الجن: "هذا الصحيح عن ابن مسعود"، وقال في العلل (٥/ ٣٤٧): "والصحيح: ما رُوي عن ابن مسعود أنه لم يشهد مع النبي ﷺ ليلة الجن، والله أعلم". وضعف ابن حزم هذا الحديث في مواضع كثيرة من المحلى منها (١/ ٢٠٤) و (٢/ ١٨٩) و (٥/ ٧٥) و (٨/ ٤٦٦) و (٩/ ٣٤٦) و (١٠/ ١٦ و ٣٦٧) وقال في بعضها بأنه خبر مكذوب. وقال البيهقي في المعرفة (١/ ١٤٠ - ١٤١): "وأما حديث ابن مسعود … فقد رُوي

стр. 127

من أوجه كلها ضعيف، وأشهرها رواية أبي زيد مولى عمرو بن حريث عن ابن مسعود، وقد ضعفها أهل العلم بالحديث". وقال البغوي في شرح السُّنَّة (٢/ ٦٤): "وهذا حديث غير ثابت؛ لأن أبا زيد: مجهول، وقد صح عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود قال: لم أكن ليلة الجن مع رسول الله ﷺ ". وقال الجوزقاني في الأباطيل (١/ ٤٩٨): "هذا حديث باطل، مخالف للكتاب والسُّنَّة والإجماع والقياس". وقال النووي في شرح مسلم (٤/ ١٦٩): "وحديث النبيذ ضعيف باتفاق المحدثين، ومداره على أبي زيد مولى عمرو بن حريث، وهو مجهول"، وقال في المجموع (١/ ١٤١): "ضعيف بإجماع المحدثين"، وذكره في فصل الضعيف من الخلاصة (٢٩)، وقال: "أجمعوا على ضعفه". وقال ابن حجر في الفتح (١/ ٤٢٢): "وهذا الحديث: أطبق علماء السلف على تضعيفه". وحديث الوضوء بالنبيذ له طرق كثيرة يأتي الكلام عليها مفصلًا عند الحديث رقم (٨٤) من سنن أبي داود، إن شاء الله تعالى. لكني أردت من ذكر هذين الطريقين: بيان اشتمالهما على زيادات لا تصح، ومع ذلك فلم يرد فيها ولا في غيرها ذكر الحممة. • بقي أن نتكلم عن مسألتين هامتين: الأولى: وهي: هل حضر ابن مسعود ليلة الجن مع رسول الله ﷺ ، كما دلت على ذلك طرق كثيرة لهذا الحديث أم لا؟ والثانية: الكلام عن ثبوت موضع الشاهد في حديث ابن مسعود. أما المسألة الأولى: فيشفي غليلنا فيها أصحاب عبد الله بن مسعود الكوفيون، الذين لازموه دهرًا طويلًا، وكانوا أعرف به من غيرهم، وهؤلاء يمثلهم: علقمة بن قيس النخعي الكوفي: الثقة الثبت الفقيه العابد، والذي ولد في حياة النبي ﷺ ، وكان أعلم الناس بعبد الله بن مسعود، وأشبههم به هديًا وسمتًا ودلًا [انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٣)، تذكرة الحفاظ (١/ ٤٨)، التاريخ الكبير (٧/ ٤١)، الجرح والتعديل (٦/ ٤٠٤)، علل ابن المديني (٤٢)، تاريخ بغداد (١٢/ ٢٩٦)، الطبقات الكبرى (٦/ ٨٦)، وغيرها] فإذا خالف علقمة مائة من مثل ابن سَنَّة أو غيره فلا يؤبه له. ومن ألصق الناس بالرجل وأعرفهم به من غيرهم: أهل بيته، وهؤلاء يمثلهم ابنه أبو عبيدة: فقد روى شعبة عن عمرو بن مرة قال: قلت لأبي عبيدة: حضر عبد الله بن مسعود ليلة الجن؟ قال: لا.

стр. 128

أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٢٠١)، وفي الأوسط (١/ ٣٤٢)، وأحمد في العلل (١/ ٢٨٤/ ٤٥٦) و (٢/ ١١٥/ ١٧٤٥)، وابن أبي شيبة (٧/ ٢٦/ ٣٣٩٤٦)، ويعقوب بن سفيان الفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٣٢١) و (٣/ ٢٤١)، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (١٠٦)، والطحاوي (١/ ٩٥)، والشاشي في مسنده (٢/ ٣٣٠/ ٩٢٠)، وابن المظفر في حديث شعبة (١٩٢)، والدارقطني (١/ ٧٧)، وابن شاهين في الناسخ (٩٩)، والخليلي في الإرشاد (٢/ ٥٥٩/ ١٦٩)، والبيهقي (١/ ١١). قال الطحاوي: "فإن قال قائل: الآثار الأول أولى من هذا لأنها متصلة، وهذا منقطع لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه شيئًا. قيل له: ليس من هذه الجهة احتججنا بكلام أبي عبيدة، إنما احتججنا به لأن مثله -على تقدمه في العلم، وموضعه من عبد الله، وخلطته لخاصته من بعده- لا يخفى عليه مثل هذا من أموره، فجعلنا قوله ذلك حجة فيما ذكرناه، لا من الطريق الذي وضعت، وقد روينا عن عبد الله بن مسعود من كلامه بالإسناد المتصل، ما قد وافق ما قال أبو عبيدة. حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن خالد الحذاء، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: لم أكن مع النبي ﷺ ليلة الجن، ولوددت أني كنت معه"، ثم أخرجه من الطريق الآخر الذي سنذكره بعد. أخرجه من طريق خالد بن عبد الله الواسطي الطحان: مسلم (٤٥٠/ ١٥٢)، وأبو عوانة (٢/ ٤٥١/ ٣٧٩٠ و ٣٧٩١)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٩٩٨)، والبزار (٤/ ٣٤٨/ ١٥٤٥)، وابن المنذر (١/ ٢٥٦/ ١٧٤)، والشاشي (١/ ٣٤٩/ ٣٣١)، والطبراني في الكبير (٦٨/ ١٠/ ٩٩٧١)، وابن عدي (٧/ ٢٩١)، وابن شاهين في الناسخ (١٠٠)، والبيهقي (١/ ١١). • تابع أبا معشر عليه: سليمان الأعمش. أخرجه الشاشي (٣٣٢) بإسناد صحيح إليه. وأخرجه الخطيب في الموضح (١/ ٤٩٠) من طريق آخر عن الأعمش به. • وقد رواه داود بن أبي هند عن الشعبي قال: سألت علقمة: هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استطير أو اغتيل، قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء، قال: فقلنا: يا رسول الله فقدناك فطلبناك، فلم نجدك فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فقال: "أتاني داعي الجن، فدهبت معه فقرأت عليهم القرآن" قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم. قال الشعبي: وسألوه الزاد، وكانوا من جن الجزيرة. فقال: "لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا، وكل

стр. 129

بعرة علف لدوابكم"، فقال رسول الله ﷺ : "فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم [وفي رواية: زاد إخوانكم من الجن] ". هكذا جزم ابن مسعود نفسه -من رواية علقمة صاحبه عنه-، وكذا ابنه أبو عبيدة بعدم حضور ابن مسعود ليلة الجن مع رسول الله ﷺ بالأسانيد الصحيحة المتصلة، وبذا تكون جهيزة قد قطعت قول كل خطيب. • وبهذا احتج الأئمة: قال ابن المديني في العلل (١٠٠) في حديث ابن مسعود في ليلة الجن: "رواه غير واحد عن عبد الله؛ منهم: علقمة، وأبو عثمان النهدي، وعمرو البكالي، وأبو عثمان بن سَنَّة الخزاعي، وأبو زيد مولى عمرو بن حريث، فأما علقمة: فكان منكرًا أن يكون ابن مسعود معه ليلة الجن، وكان أعلمهم بعبد الله … ". وقال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث (٣٢): "وأصحاب الحديث لا يثبتون حديث الزط وما ذكر من حضوره مع رسول الله ﷺ ليلة الجن، وهم القدوة عندنا في المعرفة بصحيح الأخبار وسقيمها … ". وقال الدارقطني في العلل (٥/ ٣٤٧): "والصحيح: ما رُوي عن ابن مسعود أنه لم يشهد مع النبي ﷺ ليلة الجن، والله أعلم". وقال في السنن (١/ ٧٧) بعد رواية الشعبي عن علقمة: "وهذا الصحيح عن ابن مسعود" يعني: عدم شهوده ليلة الجن. وقال البيهقي في الخلافيات (١/ ١٤٢ - مختصره): "فهذان الخبران اللذان اتفق العلماء بصحيح الأخبار وسقيمها على صحتهما وعدالة رواتهما يدلان على أن عبد الله لم يكن مع النبي ﷺ ليلة الجن، وانظر: المعرفة (١/ ١٤٠). وقال في الدلائل (٢/ ٢٣٠): "والأحاديث الصحاح تدل على أن عبد الله بن مسعود لم يكن مع النبي ﷺ ليلة الجن، وإنما كان معه حين انطلق به وبغيره يريهم آثار الجن وآثار نيرانهم". وبهذا احتج ابن عدي في رد حديث أبي زيد في الوضوء بالنبيذ؛ وهو ما فهمه من مسلك البخاري في تاريخه الكبير (٢/ ٢٠١)، والأوسط (١/ ٣٤١ - ٣٤٢) وعليه يدل مسلكه. وهو أيضًا ما يدل عليه مسلك مسلم في الصحيح، وسبق نقل كلام أبي عبيد القاسم بن سلام في هذا المعنى. وقال النووي في شرح مسلم (٤/ ١٦٩): "هذا صريح في إبطال الحديث المروي في سنن أبي داود وغيره: المذكور فيه الوضوء بالنبيذ، وحضور ابن مسعود معه ﷺ ليلة الجن، فإن هذا الحديث: صحيح، وحديث النبيذ: ضعيف باتفاق المحدثين، ومداره على أبي زيد مولى عمرو بن حريث، وهو مجهول".

стр. 130

وهذا يقتضي رد كل الروايات التي تثبت شهود ابن مسعود ليلة الجن، وكذا رد كل التفاصيل التي اشتملت عليها هذه الروايات. وهذا تضعيف مطلق مجمل لكل هذه الروايات بدون الخوض في تفاصيل أسانيدها، وإن كان بعضها يبدو متماسكًا إلا إنه عند التحقيق لا يلبث أن تتهاوى دعائمه، والله أعلم. • نرجع مرة أخرى إلى رواية داود بن أبي هند، فقد اختلف عليه: ١ - فرواه عبد الأعلى بن عبد الأعلى [بصري، ثقة. التقريب (٥٦٢)]، وعلي بن عاصم [واسطي، صدوق يخطئ ويصر. التقريب (٦٩٩)]، وعدي بن عبد الرحمن الطائي [ذكره البخاري وابن أبي حاتم ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في الثقات من رواية ثلاثة عنه ثم قال: "روى الزبيدي عنه عن داود بن أبي هند نسخة مستقيمة"، لكن يعكر عليه قول ابن أبي حاتم: "فسألت أبي عن الزبيدي هذا من هو؟ فقال: هو سعيد بن عبد الجبار الزبيدي. قال أبو محمد: سعيد بن عبد الجبار هذا هو الذي قدم الري: ضعيف، وسعيد بن عبد الجبار أبو شيبة: قوي"، التاريخ الكبير (٧/ ٤٥)، الجرح والتعديل (٧/ ٣)، الثقات (٧/ ٢٩١)، والراوي عنه هنا هو الزبيدي هذا سعيد بن عبد الجبار: ضعيف، كان جرير يكذبه. التقريب (٣٨٢)]. فأدرج ثلاثتهم: عبد الأعلى وعلي وعدي، قول الشعبي المرسل: "وسألوه الزاد … " في الحديث. أخرجه مسلم (٤٥٠/ ١٥٠)، وأبو نعيم في مستخرجه (٢/ ٦٩/ ٩٩٦)، وابن خزيمة (٨٢)، وابن حبان (١٤/ ٤٦١/ ٦٥٢٧)، وأبو العباس السراج في مسنده (١٠٤)، والبيهقي (١/ ١١ و ١٠٨ - ١٠٩)، والبغوي في تفسيره (٤/ ١٧٤)، والخطيب في الفصل (٢/ ٦٢١ و ٦٢٢ و ٦٢٦)، والذهبي في السير (١٤/ ٣٩١). وتابعهم: حفص بن غياث [كوفي، ثقة فقيه تغير حفظه قليلًا في الآخر. التقريب (٢٦٠)] فاختصر الحديث واقتصر على آخره المدرج، فرواه مسندًا مرفوعًا، عن داود، عن الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا نستنجوا بالروث ولا بالعظام؛ فإنه زاد إخوانكم من الجن". أخرجه الترمذي (١٨)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (١٧)، والنسائي في الكبرى (١/ ٣٩/٧٢)، وابن أبي شيبة في المصنف (١/ ١٤٣/ ١٦٤٩)، وفي المسند (١٩٧)، والبزار (٥/ ٣٧/ ١٥٩٨)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١٢٤)، والشاشي (١/ ٣٣٧/ ٣١٦)، وابن حزم في المحلى (١/ ١٤)، والخطيب في الفصل (٢/ ٦٣٢ - ٦٣٤)، والبغوي في شرح السُّنَّة (١/ ٣٦٣ - ٣٦٤/ ١٧٨)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ١٢٥/ ١٠٩). قال الدارقطني في التتبع (٢٣٥): "ووهم فيه حفص". وقال الترمذي: "وكأن رواية إسماعيل أصح من رواية حفص بن غياث".

стр. 131

٢ - ورواه عبد الوهاب بن عطاء الخفاف [بصري، صدوق ربما أخطأ. التقريب (٦٣٣)]، فرواه عنه بعضهم بآخره مدرجًا مرفوعًا، ورواه عنه الصاغاني مطولًا، وفصل مرسل الشعبي، لكن قال في آخره: "قال داود: فلا أدري هو في الحديث أو شيء قاله الشعبي" فأسند التردد إلى ابن أبي هند، والذي يظهر لي أن الخفاف كان يختصره أحيانًا فيدرجه، وأحيانًا يرويه على الوجه مفصولًا، لكن يسند التردد إلى داود بن أبي هند، والله أعلم. أخرجه أبو عوانة (١/ ١٨٦/ ٥٨٤) و (٢/ ٤٥٠/ ٣٧٨٧)، والطحاوي (١/ ١٢٤)، والخطيب في الفصل (٢/ ٦٣٢). ٣ - ورواه يحيى بن زكريا أبي زائدة [كوفي، ثقة متقن. التقريب (١٠٥٤)]، ويزيد بن زريع [بصري، ثقة ثبت. التقريب (١٠٧٤)]، ووهيب بن خالد [بصري، ثقة ثبت. التقريب (١٠٤٥)] واختلف عليهم: أ- أما ابن أبي زائدة: فرواه أبو هاشم زياد بن أيوب [بغدادي، ثقة حافظ. التقريب (٣٤٣)]، وعمرو بن زرارة [نيسابوري، ثقة ثبت. التقريب (٧٣٥)]: كلاهما عن ابن أبي زائدة به فأدرجاه. أخرجه ابن خزيمة (٨٢)، وابن حبان (٤/ ٢٨١/ ١٤٣٢). ورواه عنه بدون مرسل الشعبي: أحمد بن منيع [بغدادي ثقة حافظ. التقريب (١٠٠)]، وأسد بن موسى [مصري، صدوق يغرب وفيه نصب. التقريب (١٣٤)]. أخرجه النسائي في الكبرى (٦/ ٤٩٩/ ١١٦٢٣)، والطحاوي (١/ ٩٦). ورواه عنه ففصل المدرج من المرفوع: إمام الحفظ والإتقان أحمد بن حنبل في المسند (١/ ٤٣٦)، ومن طريقه: البيهقي في الدلائل (٢/ ٢٢٩)، والخطيب في الفصل (٢/ ٦٢٩). وعليه تحمل رواية ابن أبي زائدة؛ أعني: على الفصل. ب- وأما يزيد بن زريع: فأدرجه عنه: أبو داود الطيالسي سليمان بن داود [بصري، ثقة حافظ غلط في أحاديث. التقريب (٤٠٦)]، ونصر بن علي الجهضمي الحفيد [بصري، ثقة ثبت. التقريب (١٠٠٠)]. أخرجه أبو داود الطيالسي (٢٨١)، والبزار (٥/ ٣٥/ ١٥٩٤)، وأبو عوانة (٢/ ٤٥١/ ٣٧٨٩). ورواه عنه ففصل مرسل الشعبي من المرفوع: إسحاق بن أبي إسرائيل [مروزي نزيل بغداد، صدوق. التقريب (١٢٦)]. ويحيى بن غيلان [بغدادي، ثقة. التقريب (١٠٦٣)]. أخرجه أبو عوانة (١/ ١٨٦/ ٥٨٦) و (٢/ ٤٥١/ ٣٧٨٨)، والخطيب في الفصل (٢/ ٦٣١). وعليه تحمل أيضًا رواية يزيد بن زريع -على الفصل-.

стр. 132

ج- وأما وهيب بن خالد: فرواه عنه مدرجًا مقرونًا بيزيد بن زريع: أبو داود الطيالسي (٢٨١)، ومن طريقه: أبو عوانة (٢/ ٤٥١/ ٣٧٨٩). ورواه عنه بدون مرسل الشعبي: موسى بن إسماعيل أبو سلمة التبوذكي [ثقة ثبت. التقريب (٩٧٧)]. أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٢٠١)، والأوسط (١/ ٣٤٢)، وأبو داود (٨٥). وبذا يعلم أن أبا داود الطيالسي أحال رواية وهيب على رواية يزيد بعد أن أدرج فيها المرسل. ٤ - ورواه عبد الله بن إدريس [كوفي، ثقة فقيه عابد. التقريب (٤٩١)] فلم يزد شيئًا على قوله: "وآثار نيرانهم"، فلم يذكر مرسل الشعبي. أخرجه مسلم (٤٥٠/ ١٥١)، وأبو نعيم (٢/ ٩٩٧/٦٩)، وابن أبي شيبة في المسند (٢١١)، والخطيب في الفصل (٢/ ٦٣١ - ٦٣٢). ٥ - ورواه على الصواب ففصل قوله: "وسألوه الزاد … " إلى آخره عن المرفوع، فلم يدرجه في الحديث، وجعله من مرسل الشعبي. إسماعيل بن إبراهيم المعروف بابن علية [بصري، ثقة حافظ. التقريب (١٣٦)]، وبشر بن المفضل [بصري، ثقة ثبت عابد. التقريب (١٧١)]، ومحمد بن أبي عدي [بصري، ثقة. التقريب (٨٢٠)]، إلا أن ابن أبي عدي قال في روايته: "قال داود: ولا أدري في حديث علقمة أو في حديث عامر أنهم سألوا رسول الله ﷺ تلك الليلة الزاد … " فذكره. أخرجه مسلم (٤٥٠/ ١٥٠)، وأبو نعيم (٢/ ٦٩/ ٩٩٦)، والترمذي (٣٢٥٨)، وابن حبان (١٤/ ٢٢٥/ ٦٣٢٠)، وأحمد (١/ ٤٣٦)، وأبو يعلى (٩/ ١٥٣/ ٥٢٣٧)، وأبو العباس السراج في مسنده (١٠٥)، وابن عدي (٧/ ٢٩١)، والدارقطني (١/ ٧٧)، والبيهقي في السنن (١/ ١٠٩)، وفي الدلائل (٢/ ٢٢٩)، والخطيب في الفصل (٢/ ٦٢٨ - ٦٣٠). قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح" وكان قبلُ أعلَّ رواية من أدرجه. وبذا يظهر أن غالب البصريين فصلوا مرسل الشعبي؛ فلم يدرجوه في حديث ابن مسعود المرفوع، وهو الصواب؛ إذ إن أهل بلد الرجل أعلم بحديثه من غيرهم، وداود بن أبي هند: بصري، وهو ثقة متقن. قال الإمام أحمد: "أما إسماعيل بن إبراهيم ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة فقالا جميعًا: قال الشعبي، وليس هو في حديث علقمة: "سألوه الزاد وكانوا من جن الجزيرة … "، قال: فبلغني أن حفص بن غياث حدث به، فجعله في حديث علقمة عن عبد الله، فنرى أنه وهم، وهذا أثبت" [مسائل صالح (٦٩٠)].

стр. 133

وقال الدارقطني في العلل (٥/ ١٣٢): "والصحيح قول من فصله فإنه من كلام الشعبي مرسلًا"، وقال في التتبع (٢٣٤): "وآخر الحديث إنما هو من قول الشعبي مرسل عن النبي ﷺ ". وقال الترمذي: "وكأن رواية إسماعيل أصح من رواية حفص بن غياث". وهو ما ذهب إليه مسلم -فيما يدل عليه مسلكه في الصحيح-، وما صرح به الخطيب في الفصل، والله أعلم. وانظر كلام ابن خزيمة في: إتحاف المهرة (١٠/ ٣٥١). وقال النووي في شرح مسلم (٤/ ١٧٠) معلقًا على كلام الدارقطني: "ومعنى قوله أنه من كلام الشعبي: أنه ليس مرويًا عن ابن مسعود بهذا الحديث، وإلا فالشعبي لا يقول هذا الكلام إلا بتوقيف عن النبي ﷺ ، والله أعلم". قلت: قد صح ذلك من حديث أبي هريرة ويأتي. وعلى هذا فإن قوله ﷺ : "لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم" و "فلا تستنجوا بهما فإنهما زاد إخوانكم من الجن": لا يصح من حديث ابن مسعود مرفوعًا، وإنما هو من مرسل الشعبي، والله أعلم. وبهذا نصل إلى الجواب عن المسألة الثانية: وهي في ثبوت موضع الشاهد من حديث ابن مسعود. فالجواب ظاهر في عدم ثبوت ذلك من حديث ابن مسعود، أعني: النهي عن الاستنجاء بالعظم والروث -في حديث الجن-، فضلًا عن ثبوت النهي عن الاستنجاء بالحممة. • إلا أن هذا الأخير قد ورد النهي عنه في حديث عبد الله بن الحارث بن جَزْء: يرويه ابن لهيعة، عن ابن المغيرة -يعني: عبيد الله-، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن الحارث بن جزء، قال: نهى رسول الله ﷺ أن يستنجي أحد بعظم أو روثة أو حممة. أخرجه البزار (٩/ ٢٤٣/ ٣٧٨٣). وإسناده ضعيف؛ لضعف ابن لهيعة. وانظر: مجمع الزوائد (١/ ٢٠٩). • وعليه فلا يثبت في النهي عن الاستنجاء بالحممة -وهي: الفحمة- شيء، قال في مغني المحتاج (١/ ١٦١): "والنهي عن الاستنجاء بالفحم ضعيف". • وأما النهي عن الاستنجاء بالعظم والروث، وتعليل ذلك بأنهما من طعام الجن فثابت: من حديث أبي هريرة الذي أخرجه: البخاري (١٥٥ و ٣٨٦٠)، والطحاوي (١/ ١٢٤)، والبيهقي في السنن (١/ ١٠٧)، وفي الدلائل (٢/ ٢٣٣). من طريق عمرو بن يحيى بن سعيد، قال: أخبرني جدي، عن أبي هريرة ﵁: أنه

стр. 134

كان يحمل مع النبي ﷺ إداوةً لوَضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها، فقال: "من هذا؟ " فقال: أنا أبو هريرة، فقال: "ابغني أحجارًا أستنفض بها [وفي رواية: أستطيب بهن]، ولا تأتني بعظم ولا بروثة، فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي، حتى وضعتها إلى جنبه، ثم انصرفت، حتى إذا فرغ مشيت معه، فقلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: "هما من طعام الجن، وإنه أتانى وفد جن نَصِيبين، ونعم الجن!، فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعامًا". هذا هو الصحيح الثابت في تعليل النهي عن الاستنجاء بالعظم والروث، وهو لكونهما من طعام الجن، ويلتحق بهما جميع المطعومات التي للآدميين قياسًا من باب الأولى، وكذا المحترمات كأوراق كتب العلم [انظر: الفتح (١/ ٣٠٨)، شرح العمدة لابن تيمية (١/ ١٦٠)، المغني (١/ ١٠٤)]. • وأما تعليل النهي بكونهما لا يطهران، فقد رُوي من حديث أبي هريرة: يرويه يعقوب بن حميد بن كاسب: نا سلمة بن رجاء، عن الحسن بن فرات القزاز، عن أبيه، عن أبي حازم الأشجعي، عن أبي هريرة، قال: إن النبي ﷺ نهى أن يُستنجى بعظم أو روث، وقال: "إنهما لا يطهران". أخرجه ابن عدي في الكامل (٣/ ٣٣١)، والإسماعيلي في معجم شيوخه (٢/ ٦٦٩)، والدارقطني في السنن (١/ ٥٦)، وفي العلل (٨/ ٢٤٠)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ١٢٥/ ١١٠). قال الدارقطني: "إسناد صحيح". وقال ابن عدي: "لا أعلم رواه عن فرات القزاز غير ابنه الحسن، وعن الحسن: سلمة بن رجاء، وعن سلمة: ابن كاسب، ولسلمة بن رجاء غير ما ذكرت من الحديث، وأحاديثه أفراد وغرائب، ويحدث عن قوم بأحاديث لا يتابع عليها". وقال ابن حجر في الدراية (١/ ٩٧): "إسناده حسن". وما قاله ابن عدي هو الصواب في إنكاره لهذا الحديث؛ لتفرد هؤلاء به بهذه الزيادة "إنهما لا يطهران"، والتبعة فيه: إما على سلمة بن رجاء، فقد قال فيه الدارقطني وابن عدي بأنه ينفرد عن الثقات بأحاديث لا يتابع عليها [التهذيب (٣/ ٤٣١)، الميزان (٢/ ١٨٩)]. وإما على ابن كاسب فقد ضعفه جماعة لكثرة مناكيره وغرائبه، وهو في الأصل صدوق من علماء الحديث [التهذيب (٩/ ٤٠١)، الميزان (٤/ ٤٥٠)]. وابن كاسب: مدني نزل مكة، وقد تفرد بهذا الحديث عن أهل الكوفة ولم يتابع عليه، فالإسناد كله كوفيون سواه؛ فالحمل عليه فيه أولى، والله أعلم. وقد رواه بدون الزيادة: نصر بن حماد البصري الوراق، عن شعبة، عن فرات، عن أبي حازم، عن أبي هريرة: نهى أن يُستنجى بعظم أو روث. أخرجه الدارقطني في العلل (٨/ ٢٣٩).

стр. 135

ولو صح هذا عن شعبة لكان حجة دامغة في إسقاط رواية ابن كاسب؛ إلا أن نصر بن حماد هذا: متروك، كذبه ابن معين، واتهمه الأزدي بالوضع [التهذيب (٨/ ٤٩٠)، الميزان (٤/ ٢٥٠)]، وفي تفرد مثله عن شعبة نكارة ظاهرة. • وعليه فالعلة في تحريم الاستنجاء بالعظم والروث هي كونهما طعام الجن لحديث أبي هريرة. • وقد ورد في حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ ألقى الروثة وقال: "هذا ركس"، وهو حديث مداره على أبي إسحاق السبيعي وقد اختلف عليه فيه اختلافًا شديدًا. وقد أخرجه البخاري (١٥٦)، والترمذي في الجامع (١٧)، وفي العلل (١١)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (١٦)، والنسائي (١/ ٣٩ - ٤٠/ ٤٢)، وابن ماجه (٣١٤)، وأبن خزيمة (٧٠)، وأحمد (١/ ٣٨٨ و ٤١٨ و ٤٢٧ و ٤٥٠ و ٤٥٦ و ٤٦٥)، والطيالسي (٢٨٧)، وابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٤٣/ ١٦٤٣) و (٧/ ٣٠٥/ ٣٦٣١١)، وفي المسند (٤٢٤)، والبزار (٥/ ٥٠ و ٧٤ و ٧٥/ ١٦١١ و ١٦٤٥ و ١٦٤٦)، وأبو يعلى (٨/ ٣٩٠/ ٤٩٧٨) و (٩/ ٦٣ و ١١٤ و ٢٢٩/ ٥١٢٧ و ٥١٨٤ و ٥٣٣٦)، وابن المنذر في الأوسط (١/ ٣٤٤ و ٣٥٠ و ٣٥٥/ ٢٩٦ و ٣١٢ و ٣١٨)، والطحاوي (١/ ١٢٢)، والعقيلي (٢/ ٢١٤)، والشاشي (٢/ ٣٣٠/ ٩٢١)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٦١ - ٦٣/ ٩٩٥١ - ٩٩٦٠)، وفي الأوسط (٥/ ٧ - ٨/ ٥٦٣٧)، والدارقطني في السنن (١/ ٥٥)، وفي العلل (٥/ ٢٨ - ٣٩)، والبيهقي في السنن (١/ ١٠٨) و (٢/ ٤١٣)، وفي الخلافيات (٢/ ٨٩ - ١٠٠/ ٣٧٣ - ٣٧٨)، وابن الجوزي في التحقيق (١٠٨)، وذكره ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٤١/ ٩٠)، والدارقطني في التتبع (٣٣٠ - ٣٣٤). ولفظ البخاري: أتى النبيُّ ﷺ الغائطَ فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين، والتمست الثالث فلم أجد، فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: "هذا ركس". وفي بعض الروايات عند ابن ماجه وابن خزيمة وأبي يعلى وغيرهم: "رجس"، وقال النسائي: "الركس: طعام الجن"، وفي رواية عند الدارقطني في العلل: "وكان أبو إسحاق إذا سئل عن الركس؟ قال: طعام الجن"، وفي أخرى "إنها ركس، يعني: رجيعًا"، وفي رواية لأحمد والدارقطني: "المني بحجر"، وفي أخرى: "فأتني بغيرها"، وفيهما ضعف. • ولا بأس بذكر بعض الاختلاف الوارد في هذا الحديث على سبيل الإجمال لا التفصيل للفائدة: ١ - فقد رواه إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، قال: خرج رسول الله ﷺ لحاجةٍ، فقال: "التمس لي ثلاثة أحجار"، فأتيته بحجرين وروثة، فأخذ الحجرين وطرح الروثة، وقال: "إنها ركس". ٢ - ورواه زهير بن معاوية: حدثنا أبو إسحاق، قال: ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن

стр. 136

عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبد الله؛ أن رسول الله ﷺ أتى الخلاء، وقال: "ائتني بثلاثة أحجار"، فالتمست، فوجدت حجرين، ولم أجد الثالث، فأتيته بحجرين وروثة، فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: "إنها ركس". ٣ - ورواه معمر بن راشد، عن أبي إسحاق، عن علقمة بن قيس، عن ابن مسعود؛ أن النبي ﷺ ذهب لحاجته، فأمر ابن مسعود أن يأتيه بثلاثة أحجار، فجاءه بحجرين وبروثة، فألقى الروثة، وقال: "إنها ركس؛ ائتني بحجر". ٤ - ورواه زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن الأسود بن يزيد، عن عبد الله، عن النبي ﷺ نحوه. ٥ - ورواه يزيد بن عطاء الواسطي [ليس بالقوي]، عن أبي إسحاق، عن علقمة والأسود، قالا: قال ابن مسعود، … فذكر نحوه. قلت: هكذا اختلف على أبي إسحاق السبيعي في هذا الحديث اختلافًا شديدًا، وهذا بعضه، واختلف فيه على إسرائيل، وشريك، وابن أبي زائدة، وغيرهم، ولا يصح من حديث الثوري ولا من حديث شعبة عن أبي إسحاق، والكلام عليه يطول جدًّا، انظر مثلًا: صحيح البخاري (١٥٦)، جامع الترمذي (١٧)، علل الترمذي (١١)، علل ابن أبي حاتم (٩٠)، معجم الطبراني الكبير (١٠/ ٦١ - ٦٣/ ٩٩٥١ - ٩٩٦٠)، الإلزامات والتتبع (٩٤)، علل الدارقطني (٥/ ١٨ - ٣٩/ ٦٨٦)، النفح الشذي (١/ ١٩٧ - ٢١٥)، الإمام (٢/ ٥٦٦ - ٥٧١)، هدي الساري (٣٤٨)، الفتح لابن حجر (١/ ٢٥٧). وقد قال باضطراب هذا الحديث أو مال إلى القول به: الدارمي، والترمذي، والدارقطني، ورجح أبو زرعة والترمذي رواية إسرائيل، وهو الذي يتبادر إلى الذهن لأول وهلة، لكن مع إمعان النظر، يظهر قوة الوجه الذي لأجله رجح البخاري رواية زهير، فأخرجها في صحيحه، فمنها مثلًا: ١ - زهير أثبت وأحفظ وأضبط لحديثه من إسرائيل، ولا مقارنة، مع كون إسرائيل مقدم عليه في أبي إسحاق خاصة. ٢ - أبو إسحاق بيَّن في رواية زهير أنه كان يقول: أبو عبيدة، لكن الآن رجع عن ذلك، فالحديث ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن ابن مسعود، فقد استحضر رواية أبي عبيدة ونفى صحتها، لا سيما مع كون زهير متأخر السماع من أبي إسحاق، وهذا القول من أبي إسحاق يدل على تيقظه وضبطه حال روايته لهذا الحديث، وأنه لم يكن متغيرًا ذاهلًا. ٣ - توبع زهير على هذا الوجه عن أبي إسحاق من قِبَل: يوسف بن أبي إسحاق، وشريك، وابن أبي زائدة، وغيرهم، وإن كان اختلف على الأخيرين. ٤ - تابع أبا إسحاق على هذا الوجه من رواية زهير: ليث بن أبي سليم، وهو صالح في المتابعات.

стр. 137

٥ - ما ادعاه بعضهم من تدليس أبي إسحاق لهذا الحديث فليس بشيء، فقد صرح يوسف بن أبي إسحاق فيه بالسماع، وقد علقه البخاري، وقال الإسماعيلي في مستخرجه على البخاري: بأن يحيى بن سعيد لا يرضى أن يأخذ عن زهير عن أبي إسحاق ما ليس بسماع لأبي إسحاق. ونختم ببيان أن زيادة: ائتني بحجر، ائتني بغيرها: زيادة غير محفوظة، فإنها لا تحفظ إلا من حديث أبي إسحاق عن علقمة عن ابن مسعود، وأبو إسحاق لم يسمع من علقمة، فضلًا عن كون هذا الطريق غير محفوظ، وإنما اختلف النقاد في ترجيح رواية إسرائيل على رواية زهير، أو العكس، واتفقوا على اطراح بقية الطرق عن أبي إسحاق، والله أعلم. • أما على تأويل الركس بأنه طعام الجن فموافق لما تقدم من حديث أبي هريرة ومرسل الشعبي، وأما على تأويله بأنه نجس فمحمول على روث غير مأكول اللحم، ففي رواية ابن خزيمة بإسناد حسن: "وروثة حمار" [وانظر: الإمام (٢/ ٥٦٧)، فتح الباري (١/ ٣١٠)، عون المعبود (١/ ٢٢٠)، هدي الساري (١٢٥)، وغيرها]. • بقيت مسألة أخيرة: هل ما قال به بعض أهل الظاهر، وهو رواية أبي بكر عبد العزيز عن أحمد: بأن الاستجمار بالحجر متعين لنصه ﷺ عليه فلا يجزئ غيره، ولأن النبي ﷺ أمر به، والأمر للوجوب، ولأنه موضع رخصة ورد الشرع فيها بآلة مخصوصة فوجب الاقتصار عليها؛ كالتراب في التيمم؟ [المغني (١/ ١٠٣)، النيل (١/ ٩٤)]. والصحيح: هو ما ذهب إليه الجمهور: أن الحجر ليس متعينًا بل تقوم الخرقة والخشب وغير ذلك مقامه وكل جامد طاهر مزيل للعين ليس له حرمة ولا هو جزء من حيوان. ويدل عليه: أن النبي ﷺ إنما نهى عن الاستنجاء بالعظم والروث، ثم علل ذلك النهي بكونهما طعام الجن، وبأن الروث نجس، فلما حصر المنهي عنه مع بيان علة النهي دل على أن غيره مما يقوم مقام الحجر مجزئ، وإلا لو كان الحجر متعينًا لنهى عما سواه مطلقًا، ولما علل رده للروثة بأنها ركس، ولقال بأنها ليست بحجر، ولما كان للتخصيص معنى. "وإنما نص على الأحجار لكونها غالب الموجود للمستنجي بالفضاء، مع أنه لا مشقة فيها، ولا كلفة في تحصيلها، وهذا نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١] وقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] ونظائر ذلك، فكل هذا مما ليس له مفهوم يعمل به لخروجه على الغالب" [قاله النووي في المجموع (٢/ ١٣٢ - ١٣٤)]. "ولأنه متى ورد النص بشيء لمعنى معقول وجب تعديته إلى ما وجد فيه المعنى،

стр. 138

والقصد ههنا إزالة عين النجاسة، وهذا يحصل بغير الأحجار كحصوله بها، وبهذا يخرج التيمم فإنه غير معقول" [قاله ابن قدامة في المغني (١/ ١٠٤)]. وقال البغوي في شرح السُّنَّة (١/ ٣٦٣): "ونهي النبي ﷺ عن الاستنجاء بالروث والرمة دليل على أن الاستنجاء لا يختص بالحجر، بل يجوز بكل ما يقوم مقام الحجر في الإنقاء، وهو كل ما كان جامدًا طاهرًا قالعًا غير محترم، مثل المدر والخشب والخزف والخرق ونحوها، ولا يجوز بما يكون نجسًا قياسًا على الروث، ولا يجوز بما لا يقلع كالأملس من الأشياء؛ لأنه ينشر النجاسة ولا يقلعها، ولا يجوز بالعظم؛ لأن النجس منه كالروث، والطاهر منه في معنى الطعام". وقال شيخ الإسلام [المجموع (٢١/ ٢٠٥)]: "لما أمر بالاستجمار بالأحجار لم يختص الحجر إلا لأنه كان الموجود غالبًا، لا لأن الاستجمار بغيره لا يجوز، بل الصواب قول الجمهور في جواز الاستجمار بغيره، كما هو أظهر الروايتين عن أحمد، لنهيه عن الاستجمار بالروث والرمة وقال: "إنهما طعام إخوانكم من الجن"، فلما نهى عن هذين تعليلًا بهذه العلة؛ علم أن الحكم ليس مختصًا بالحجر، وإلا لم يحتج إلى ذلك". وقال أيضًا: "وليس نهيه عن الاستجمار بالروث والرمة إذنًا في الاستجمار بكل شيء، بل الاستجمار بطعام الآدميين وعلف دوابهم أولى بالنهي عنه من طعام الجن وعلف دوابهم، ولكن لما كان من عادة الناس أنهم لا يتوقون الاستجمار بما نهى عنه من ذلك، بخلاف طعام الإنس وعلف دوابهم فإنه لا يوجد من يفعله في العادة الغالبة" وانظر: (٢١/ ٥٧٧) و (١٩/ ٣٧). وقال رحمه الله تعالى (٢١/ ٢١١): "وأما إذا استجمر بالعظم واليمين فإنه يجزئه؛ فإنه قد حصل المقصود بذلك -وإن كان عاصيًا- والإعادة لا فائدة فيها، ولكن قد يؤمر بتنظيف العظم مما لوثه به". قلت: وهذا مبني على ضعف حديث "إنهما لا يطهران". وقال ابن القيم في إعلام الموقعين (١/ ٢٠٧): "ومن هذا قول النبي ﷺ : "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار"، فلو ذهب معه بخرقة وتنظَّف أكثر من الأحجار، أو قطن، أو صوف، أو خَزٌّ، ونحو ذلك: جاز، وليس للشارع غرض في غير التنظيف والإزالة، فما كان أبلغ في ذلك كان مثل الأحجار في الجواز وأولى". [راجع: الفتح (١/ ٣٠٨)، المغني (١/ ١٠٣)، كشاف القناع (١/ ٦٨)، المبدع (١/ ٩١)، الإنصاف (١/ ١٠٩)، إعلام الموقعين (٣/ ١٤)، بلغة السالك لأقرب المسالك (١/ ٧١)، مغني المحتاج (١/ ١٦١)، المجموع شرح المهذب (١/ ١٣٢)، الأشباه والنظائر للسيوطي (٥٣١)، التمهيد (١١/ ١٨)، الهداية (١/ ٣٤)، نيل الأوطار (١/ ٩٤)، وغيرها]. ***

стр. 139

٢١ - باب الاستنجاء بالحجارة ٤٠ - . . . عن أبي حازم، عن مسلم بن قُرْط، عن عروة، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيبُ بهنَّ فإنها تجزئ عنه". • حديث منكر، والصواب مرسل. أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٧/ ٢٧١)، والنسائي (١/ ٤١/ ٤٤)، والدارمي (١/ ١٨٠/ ٦٧٠)، وأحمد (٦/ ١٠٨ و ١٣٣)، وأبو يعلى (٧/ ٣٤٠/ ٤٣٧٦)، والطحاوي (١/ ١٢١)، والدارقطني في السنن (١/ ٥٤)، والبيهقي في السنن (١/ ١٠٣)، وفي الخلافيات (٢/ ٧٧/ ٣٥٩)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٢/ ٣١٠ و ٣١١)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ١١٦/ ١٠٥)، والمزي في التهذيب (٢٧/ ٥٢٩). وقد سمع مسلم بن قرط من عروة [شرح المعاني (١/ ١٢١)]. قال الدارقطني في السنن: "إسناد صحيح"، وفي بعض النسخ: "إسناده حسن"، وهو أشبه، وانظر: البدر المنير (٢/ ٣٣٦)، التهذيب (٤/ ٧١). وقال في العلل: "إسناد متصل صحيح" [البدر المنير (٢/ ٣٣٦)، التلخيص (١/ ١٩٢)]. وصححه ابن عبد البر في جملة أحاديث [التمهيد (٢٢/ ٣١٢)]. وقال النووي في المجموع (٢/ ١١٣)، وفي الخلاصة (٣٦٤): "حديث حسن"، وقال في المجموع (٢/ ١١٥) مرة أخرى: "حديث صحيح". وقال ابن الملقن في البدر المنير (٢/ ٣٤٧): "هذا الحديث حسن". قلت: مسلم بن قرط: لم يذكروا له راويًا سوى أبي حازم سلمة بن دينار؟ وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: "يخطئ"، وقال الذهبي: "لا يعرف"، وقال مرة: "نكرة"، وهو مقل جدًّا، لا يكاد يعرف إلا بهذا الإسناد وهذا الحديث، فإذا كان هذا حاله، ثم هو يخطئ بعد ذلك، فما أحراه أن يكون ضعيفًا، فضلًا عن جهالته، قال ابن حجر في التهذيب: "هو مقل جدًّا، وإذا كان مع قلة حديثه يخطئ؛ فهو ضعيف [التاريخ الكبير (٧/ ٢٧١)، الجرح والتعديل (٨/ ١٩٢)، الثقات (٧/ ٤٤٧)، الميزان (٤/ ١٠٦)، الكاشف (٢/ ٢٥٩)، التهذيب (٤/ ٧١)، التقريب (٩٤٠) وقال: "مقبول "]، فإن قيل: فما تقول في حكم الدارقطني على إسناد هو فيه بأنه صحيح، ألا يُعد هذا توثيقًا ضمنيًا له؟ فالجواب: أن يقال: إن الذين نقلوا كلام الدارقطني في العلل قد اختصروه اختصارًا مخلًا؛ إذ نص ما في العلل (٥/ ٤٩/ أ) (١٤/ ٢٠٧/ ٣٥٥٩): "وحديث أبي حازم، عن مسلم بن قرط، عن

стр. 140

عروة، عن عائشة: متصل صحيح عن أبي حازم"، وكان قال قبل ذلك في رواية ابن عيينة، عن هشام، عن أبيه، مرسلًا قال: "وهو الصحيح عن هشام"، ومعلوم أن هشامًا مقدم في أبيه على غيره لا سيما الضعفاء والمجهولين، وهذا منهم، وشرح عبارة الدارقطني: أن إسناد أبي حازم، عن مسلم بن قرط، عن عروة، عن عائشة: إسناد متصل، وهو صحيح عن أبي حازم، ولا يعني هذا: أن هذا الإسناد إسناد صحيح، وإنما هو ضعيف لأجل جهالة وضعف مسلم بن قرط، وكذلك الحكم عليه بالحسن إنما هو من جهة غرابته، والله أعلم. وعلى هذا فإن حديثه هذا منكر؛ فقد خالف في إسناده من هو أثبت من مائةٍ مثله في عروة: فقد روى مالك بن أنس، وعبد الله بن المبارك، ويحيى بن سعيد القطان، وسفيان بن عيينة: عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ سئل عن الاستطابة؟ فقال: "أو لا يجد أحدكم ثلاثة أحجار؟ " لفظ مالك. أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٥٤/ ٢٧)، وأحمد (٥/ ٢١٥)، والحميدي (٤٣٢)، ومسدد (١/ ٦٨/ ٤٩ - المطالب العالية)، والطبراني في الكبير (٤/ ٨٦/ ٤ ٣٧٢)، والبيهقي في المعرفة (١/ ٢٠٠/ ١٣٧)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٢/ ٣١٠). هكذا رواه هشام عن عروة مرسلًا، وهو المعروف، فإن أهل بيت الرجل أعلم بحديثه من الغرباء والمجاهيل، وقد اختلف فيه على هشام بن عروة، وهذا أحد الوجوه المحفوظة عن هشام، كما سيأتي بيانه في الحديث الآتي. • وقد رُوي من حديث: ١ - أبي أيوب: يرويه الأوزاعي: حدثني عثمان بن أبي سودة: حدثني أبو شعيب الحضرمي، قال: سمعت أبا أيوب الأنصاري الذي نزل عليه رسول الله ﷺ يقول: قال رسول الله ﷺ : "إذا تغوط أحدكم فليستنج بثلاثة أحجار فإن ذلك طهور" وفي رواية: "فإن ذلك كافيه". أخرجه الهيثم بن كليب (٣/ ٩٦/ ١١٥٣)، والطبراني في الكبير (٤/ ١٧٤/ ٤٠٥٥)، وفي الأوسط (٣/ ٢٨٠/ ٣١٤٦)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٢/ ٣١١ - ٣١٢)، وابن عساكر في التاريخ (٦٦/ ٢٨٥). قال الهيثمي في المجمع (١/ ٢١١): "إلا أن أبا شعيب صاحب أبي أيوب لم أر فيه تعديلًا ولا جرحًا". قلت: إسناده شامي متصل، رجاله ثقات مشهورون غير أبي شعيب الحضرمي صاحب أبي أيوب الأنصاري، لم يرو عنه سوى عثمان بن أبي سودة، وعثمان: تابعي من الطبقة الثالثة، روى عن جماعة من الصحابة، وقد أدرك عبادة بن الصامت وكان مولاه، وهو ثقة، وهذا مما يرفع من حال أبي شعيب هذا، وقد ذكره ابن حبان في الثقات، وخلطه ابن

стр. 141

عساكر بأبي شعيب الذي شهد مع عمر فتح بيت المقدس، قال ابن حجر في الإصابة (٧/ ٢١٢): "والذي يظهر لي أنه غيره"، فمثله تحتمل روايته لا سيما وحديثه هذا قد روى معناه من غير وجه، فهو حديث حسن. [انظر في ترجمة أبي شعيب: الجرح والتعديل (٩/ ٣٨٩)، الثقات (٥/ ٥٧٢)، المقتنى في سرد الكنى (٣٠٥٦)، فتح الباب (٥٣١ و ٣٨٠٣)، الاستغناء (٢٤٦٣)]. ٢ - السائب بن خلاد الجهني: يرويه هدبة بن خالد: ثنا حماد بن الجعد: ثنا قتادة: حدثني خلاد الجهني، عن أبيه السائب؛ أن النبي ﷺ قال: "إذا دخل أحدكم الخلاء فليتمسح بثلاثة أحجار". أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ١٥١)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٥/ ٥٣/ ٢٥٨٩)، والطبراني في الكبير (٧/ ١٤١/ ٦٦٢٣)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٢٤٥)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٣/ ١٣٧٢/ ٣٤٦٢)، وابن عبد البر (٢٢/ ٣١٢) وصححه في جملة أحاديث. وقال ابن عدي: "وهذا الحديث يرويه حماد عن قتادة بهذا الإسناد". وقال الترمذي في العلل الكبير (١٠): "وسألت محمدًا [يعني: البخاري] عن حديث خلاد بن السائب عن النبي ﷺ في الاستنجاء؟ فقال: لم أر أحدًا رواه عن قتادة، غير حماد بن الجعد، وعبد الرحمن بن مهدي كان يتكلم في حماد بن الجعد". قلت: هو حديث منكر، تفرد به عن قتادة: حماد بن الجعد الهذلي، وهو ضعيف، كان عنده كتاب عن محمد بن عمرو، وليث، وقتادة، فما كان يفصل بينهم [التهذيب (١/ ٤٧٨)، الميزان (١/ ٥٨٩)]، فلا يحتمل تفرد مثله عن قتادة. • وله طريق ثانية: يرويها محمد بن يزيد بن سنان الرهاوي: ثنا أبي، عن يحيى بن أبي كثير، عن خلاد، عن أبيه، بمثله. وفي رواية: "إذا خرج أحدكم يتغوط أو يبول، فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ولا يستقبل الريح، وليتمسح ثلاث مرات، وإذا خرج الرجلان جميعًا فليتفرقا، ولا يجلس أحدهما قريبًا من صاحبه، ولا يتحدثان، فإن الله يمقت على ذلك". أخرجه الدولابي في الكنى (١/ ٧٥ - ٧٦/ ١٦٨)، وابن حبان في المجروحين (٢/ ٤٥٨ - ٤٥٩ - ط. حمدي السلفي)، والطبراني في الكبير (٦٦٢٤). قلت: وهذا منكر، كالذي قبله، وإسناده أشد ضعفًا، يزيد بن سنان أبو فروة الرهاوي: ضعيف، روى عن يحيى بن أبي كثير وغيره: مناكير، ويروي أحيانًا عن رجل عن يحيى [التهذيب (٤/ ٤١٦)، الميزان (٤/ ٤٢٧)]، وابنه محمد: ليس بالقوي، يروي عن أبيه مناكير [التهذيب (٣/ ٧٣٤)، الميزان (٤/ ٦٩)].

стр. 142

• وله طريق ثالثة: يرويها محمد بن يحيى النيسابوري، قال: حدثنا أبو غسان محمد بن يحيى الكناني، قال: حدثني أبي، عن ابن أخي ابن شهاب، عن ابن شهاب، قال: أخبرني ابن خلاد [كذا]، أن أباه سمع النبي ﷺ يقول: "إذا تغوط أحدكم فليتمسح ثلاث مرار". أخرجه الطبراني في الأوسط (٢/ ١٩٥/ ١٦٩٦)، وعزاه ابن الملقن في البدر (٢/ ٣٥٧)، وابن حجر في التلخيص (١/ ١١٠) للنسائي في "شيوخ الزهري"، وعلقه الفسوي في المعرفة (١/ ١٩٧)، قال: قال الزهري: أخبرني خلاد، أن أباه سمع من رسول الله ﷺ يقول: … فذكره. قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن الزهري إلا ابن أخيه، ولا عن ابن أخي الزهري إلا أبو غسان، تفرد به محمد بن يحيى النيسابوري". وقال ابن حزم في المحلى (١/ ٩٨): "ابن أخي الزهري: ضعيف، والذي رواه عنه محمد بن يحيى الكناني، وهو: مجهول". قلت: محمد بن يحيى النيسابوري هو: الذهلي الإمام: ثقة حافظ، لا يضره تفرده، وشيخه هو أبو غسان محمد بن يحيى بن علي الكناني: روى له البخاري، وهو: صدوق مشهور [التهذيب (٣/ ٧٣١)، ذيل الميزان (٦٧٥)]، وأبوه يحيى بن علي بن عبد الحميد الكناني، ترجم له البخاري وابن أبي حاتم، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا [التاريخ الكبير (٨/ ٢٩٧)] الجرح والتعديل (٩/ ١٧٥)]، وابن أخي ابن شهاب هو: محمد بن عبد الله بن مسلم الزهري: ليس بذاك القوي، تفرد عن عمه الزهري بأحاديث لم يتابع عليها، وتكلم أحمد وابن معين في حديثه عن الزهري [التهذيب (٣/ ٦١٦)، الميزان (٣/ ٥٩٢)، شرح علل الترمذي (٢/ ٦٧٥)]، ولا أراه يثبت عن الزهري. وعليه: فحديث السائب بن خلاد هذا لا يثبت، ولا يصلح مثله في الشواهد، والله أعلم. ٣ - جابر بن عبد الله: قال ابن عدي في الكامل (٢/ ١٦٠): ثنا أحمد بن خالد بن عبد الملك بن مسرح: ثنا عمي الوليد بن عبد الملك بن مسرح: ثنا مغيرة -يعني: ابن سقلاب-، عن أبي العطوف، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : "من استنجى منكم فليستنج بثلاثة أحجار". أخرجه ابن عدي في ترجمة أبي العطوف الجراح بن منهال، ثم قال في آخر ترجمته: "والضعف على رواياته بيِّن، وذلك لأن له أحاديث عن الزهري والحكم وأبي الزبير وغيرهم، ويبين ضعفه إذا روى عن هؤلاء الثقات، فإنه يروي عنهم ما لا يتابعه أحد عليه". قلت: إسناده واهٍ بمرة؛ أبو العطوف: متروك، منكر الحديث، كذبه ابن حبان وغيره

стр. 143

[اللسان (٢/ ٤٢٦)]، والمغيرة بن سقلاب: مشاه بعضهم، وهو: ضعيف [اللسان (٨/ ١٣٣)]، وشيخ ابن عدي: ضعيف [اللسان (١/ ٤٥٠)، سؤالات حمزة السهمي (١٤٨)]. • ورواه ابن لهيعة: ثنا أبو الزبير، عن جابر، أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا تغوط أحدكم فليمسح ثلاث مرات". أخرجه أحمد (٣/ ٣٣٦). وابن لهيعة: ضعيف. والمحفوظ: ما رواه ابن جريج، ومعقل بن عبيد الله الجزري: قال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله: "إذا استجمر أحدكم فليوتر". أخرجه مسلم (٢٣٩ و ١٣٠٠)، وأبو عوانة (١/ ١٨٧/ ٥٨٧)، وأبو نعيم في مستخرجه (١/ ٣٠٢/ ٥٦٥) [وفي متنه وهم] و (٣/ ٣٨٠/ ٣٠٠٢)، وأحمد (٣/ ٢٩٤)، وعبد الرزاق (٥/ ٤٩٩/ ٩٨٠٤)، والفاكهي في أخبار مكة (١/ ٢٧٣/ ٥٤٩) و (٢/ ٢٢٤/ ١٤٠٢)، والبيهقي (٥/ ٩٠). • ورواه سفيان الثوري، وأبو معاوية، وجرير بن عبد الحميد، وعيسى بن يونس: عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا استجمر أحدكم فليستجمر ثلاثًا". أخرجه ابن خزيمة (٧٦)، وأحمد (٣/ ٤٠٠)، وابن أبي شيبة (١/ ١٤٣/ ١٦٤٤)، وابن المنذر في الأوسط (١/ ٣٤٥/ ٢٩٧)، وابن الحامض في الثالث من فوائده (٢١ - المنتقى)، وابن المقرئ في المعجم (٦٩٤)، والبيهقي (١/ ١٠٣). وأبو سفيان طلحة بن نافع لم يسمع من جابر سوى أربعة أحاديث، والباقي صحيفة أخذها من صحيفة سليمان بن قيس اليشكري، ويبدو أن هذا من الصحيفة، وهذه وجادة صحيحة احتج بها مسلم، وأبو الزبير مقدم في جابر على أبي سفيان، وأكثر رواية منه، إلا أن هذه الرواية مفسرة لما أجمل في رواية أبي الزبير، ومثل هذا مما يحتمل من أبي سفيان، لا سيما وقد قال ابن عدي: "لا بأس به، روى عنه الأعمش أحاديث مستقيمة" [التهذيب (٢/ ٢٤٤)، مختصر الكامل للمقريزي (٩٥٨)، الكامل (٤/ ١١٣) وفي عبارته تصحيف، [وانظر في الترجيح بين أبي الزبير وأبي سفيان، وبعض مرويات أبي سفيان عن جابر: الأحاديث الآتية برقم (٩٧ و ١٧٣ و ٥١٦)]. قال البيهقي: "وفي هذا كالدلالة على أن أمره بالاستجمار وترًا هو الوتر الذي يزيد على الواحد". • وفي معناه حديث سلمان، والشاهد منه قوله: "أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار". وفي رواية: "ولا نكتفي بدون ثلاثة أحجار". وقد تقدم برقم (٧) وهو حديث صحيح، أخرجه مسلم.

стр. 144

وحديث أبي هريرة، والشاهد منه: "وكان يأمر بثلاثة أحجار". وقد تقدم برقم (٨) وهو حديث صحيح، والله أعلم. *** ٤١ - . . . هشام بن عروة، عن عمرو بن خزيمة، عن عمارة بن خزيمة، عن خزيمة بن ثابت، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الاستطابة؟ فقال: "بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع". قال أبو داود: كذا رواه أبو أسامة وابن نمير، عن هشام. • حسن بشواهده. أخرجه الترمذي في العلل (٩)، والدارمي (١/ ١٨٠/ ٦٧١)، وابن ماجه (٣١٥)، وأحمد (٥/ ٢١٣ و ٢١٤ و ٢١٥)، والحميدي (٤٣٣)، وابن أبي شيبة في المصنف (١/ ١٤٢ و ١٤٣/ ١٦٣٨ و ١٦٥٢) و (٧/ ٣٠٤/ ٣٦٣٠٩)، وفي المسند (٥ ١)، والطحاوي (١/ ١٢١)، والطبراني في الكبير (٤/ ٨٦/ ٣٧٢٥ - ٣٧٢٧)، وابن المقرئ في الأربعين (١٥)، والبيهقي في السنن (١/ ١٠٣)، وفي الخلافيات (٢/ ٨٠ و ٨٢ و ٨٤/ ٣٦٢ و ٣٦٣ و ٣٦٦)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٢/ ٣٠٨ - ٣١٠)، وابن الأثير في أسد الغابة (٢/ ١٦٥)، والمزي في التهذيب (٢١/ ٦٠٨). • وقد اختلف في هذا الحديث على هشام: ١ - فرواه عنه به هكذا: عبدة بن سليمان، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وعبد الرحمن بن سليمان، وأبو أسامة حماد بن أسامة، وزائدة بن قدامة، وعبد الله بن المبارك، ومفضل بن فضالة، وعلي بن مسهر، ومحمد بن بشر، ووكيع بن الجراح، ويحيى بن سعيد القطان. إلا أن وكيعًا قال: "عن أبي خزيمة" بدل "عمرو بن خزيمة" فكناه ولم يسمه، وأما يحيى بن سعيد القطان فأبهمه وقال: "عن رجل". ورواه أبو معاوية مثل رواية الجماعة، وقد أخرجه أبو داود من طريقه. ٢ - ورواه أبو معاوية مرة أخرى عن هشام، عن عبد الرحمن بن سعد، عن عمرو بن خزيمة، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن خزيمة بن ثابت، به مرفوعًا. أخرجه الطبراني (٣٧٢٣)، والبيهقي (١/ ١٠٣)، والخطيب في المتفق والمفترق (٣/ ١٤٨٢/ ٨٩٦). ٣ - ورواه سفيان بن عيينة، قال: أخبرني هشام بن عروة، قال: أخبرني أبو وجزة، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن أبيه به. فقال: "أبو وجزة" بدل: أبي خزيمة عمرو بن خزيمة.

стр. 145

أخرجه الشافعي في المسند (١٣)، وفي الأم (١/ ٢٢)، والحميدي (٤٣٢)، والطبراني (٣٧٢٤)، والبيهقي في المعرفة (١/ ٢٠٠/ ١٣٨)، وفي الخلافيات (٢/ ٧٩ و ٨٤/ ٣٦٠ و ٣٦٥)، والبغوي في شرح السُّنَّة (١/ ٣٦٥/ ١٧٩). هكذا رواه عن ابن عيينة جماعة من أصحابه الثقات المتقنين، منهم: الشافعي والحميدي وعبد الرزاق وإبراهيم بن بشار الرمادي. وخالفهم: محمد بن الصباح الجرجرائي، فرواه عن ابن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبي خزيمة، عن عمارة بن خزيمة، عن خزيمة به. أخرجه ابن ماجه (٣١٥) عن محمد بن الصباح هذا. وهو وهم، والصواب رواية الجماعة، والوهم فيه إما من محمد بن الصباح [وهو: صدوق]، أو من ابن ماجه نفسه؛ حمل رواية ابن عيينة على رواية وكيع لما جمع بين حديثهما، فإن الذي يقول في حديثه: "عن أبي خزيمة" إنما هو وكيع وحده، وأما ابن عيينة فيقول: "عن أبي وجزة"، ويفرق بينهما؛ فإنه لما قيل لسفيان: إنهم يقولون: أبو خزيمة، قال: لا إنما هو أبو وجزة الشاعر [المعجم الكبير (٤/ ٨٦)، وانظر: المعرفة (١/ ٢٠٠)]. ٤ - ورواه يحيى بن سعيد القطان، وسفيان بن عيينة، ومالك بن أنس، وعبد الله بن المبارك: فقالوا: عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ سئل عن الاستطابة؟ فقال: "أو لا يجد أحدكم ثلاثة أحجار؟ " لفظ مالك. هكذا رووه مرسلًا، عن هشام، عن عروة. أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٥٤/ ٢٧)، وأحمد (٥/ ٢١٥)، والحميدي (٤٣٢)، ومسدد (١/ ٦٨/ ٤٩ - المطالب العالية)، والطبراني (٣٧٢٤)، والبيهقي في المعرفة (١/ ٢٠٠/ ١٣٧)، وفي الخلافيات (٢/ ٨٢ و ٨٤/ ٣٦٤ و ٣٦٥)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٢/ ٣١٠). • قلت: وهم أبو معاوية في زيادة عبد الرحمن بن سعد في الإسناد، والصواب ما رواه الجماعة بدونها، لا سيما وقد صرح هشام بسماعه من عمرو بن خزيمة في رواية ابن نمير والمفضل بن فضالة وعلي بن مسهر، ولا يقال بأن أبا معاوية قد حفظ الإسنادين جميعًا؛ فإنه ممن يهم في غير حديث الأعمش، وقد لينه أحمد فيما يرويه عن هشام، وقد خالفه في ذلك جماعة كبيرة من الثقات الحفاظ المتقنين، وقد جزم بوهمه في هذا الإسناد البخاري وغيره، قال البخاري: "أخطأ أبو معاوية في هذا الحديث إذ زاد فيه: عن عبد الرحمن بن سعد" [علل الترمذي الكبير (٩)، سنن البيهقي (١/ ١٠٣)]. • ووهم أيضًا سفيان بن عيينة في قوله: "أبو وجزة" وإنما هو أبو خزيمة عمرو بن خزيمة كما رواه الجماعة. قال علي بن المديني: "الصواب رواية الجماعة عن هشام عن عمرو بن خزيمة"
следующие страницы →