Полный текст (16 465 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
وقال الحافظ ابن رجب: "وهو مخالف لرواية الزهري عن عمرة، كما سبق، ورواية الزهري أصح".
قلت: وإن كان رجاله رجال الشيخين، فهو كما قال الإمام الشافعي، والقول فيه: قول الزهري، وخبر ابن الهاد غير محفوظ.
• وأما قول عائشة: "الأقراء الأطهار": فقد صح عنها:
من رواية مالك، وسفيان بن عيينة، ومعمر بن راشد: ثلاثتهم عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة به.
أخرجه مالك في الموطأ (٢/ ٩٠/ ١٦٨٤)، والشافعي في المسند (٢٩٦)، وسعيد بن منصور في السنن (١/ ٣٣٤/ ١٢٣١)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (٣/ ٧٠)، وابن جرير الطبري في تفسيره (٢/ ٤٤٢)، وابن أبي حاتم في التفسير (٢/ ٤١٤/ ٢١٨٧)، والطحاوي في شرح المعاني (٣/ ٦١)، والبيهقي (٧/ ٤١٥).
وانظر أيضًا: مصنف ابن أبي شيبة (٤/ ١٤٣/ ١٨٧٣٧)، وتفسير الطبري (٢/ ٤٤٢)، وسنن الدارقطني (١/ ٢١٤).
وصححه ابن عبد البر في التمهيد (١٥/ ٩٥).
***
٢٨٦ - . . . محمد بن أبي عدي، عن محمد -يعني: ابن عمرو-، قال: حدثني ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن فاطمة بنت أبي حبيش: أنها كانت تستحاض، فقال لها النبي ﷺ : "إذا كان دم الحيضة: فإنه دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي، فإنما هو عرق".
قال أبو داود: وقال ابن المثنى: حدثنا به ابن أبي عدي من كتابه هكذا.
ثم حدثنا به بعدُ حفظًا قال: حدثنا محمد بن عمرو، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: أن فاطمة كانت تستحاض … فذكر معناه.
• حديث منكر.
أما الوجه الأول: والذي حدث به ابن أبي عدي من كتابه:
فأخرجه أبو داود هنا (٢٨٦)، وأعاده برقم (٣٠٤).
وأخرجه: النسائي (١/ ١٢٣/ ٢١٥) و (١/ ١٨٥/ ٣٦٢)، والحاكم (١/ ١٧٤)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٦/ ٢٥١/ ٣٤٨٣)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٢٢٠/ ٨٠٦)، والدارقطني في السنن (١/ ٢٠٦ - ٢٠٧ و ٢٠٧)، وفي العلل (١٤/ ١٤٣/ ١٣٤٨٤، وابن حزم (١/ ٢٥١ - ٢٥٢) و (٢/ ١٦٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٢٥)، وفي المعرفة (١/ ٣٦٩/ ٤٧٢)، وفي الخلافيات (٣/ ٣١١ و ٣١٢/ ١٠٠٩ و ١٠١٠)، وابن عبد البر
стр. 1157
(٦/ ٣٣)، والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (٢/ ٤١)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٢٥٥/ ٣٠٠).
وأما الوجه الثاني: والذي حدث به ابن أبي عدي من حفظه:
فأخرجه أبو داود هنا (٢٨٦ م)، وأعاده برقم (٣٠٤ م).
وأخرجه النسائي (١/ ١٢٣ و ١٨٥/ ٢١٦ و ٣٦٣)، وابن حبان (٤/ ١٨٠/ ١٣٤٨)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٦/ ٢٥١ / ٣٤٨٤)، والطحاوي في المشكل (١/ ٣٥٣/ ٣٣٠ - ترتيبه)، والدارقطني في السنن (١/ ٢٠٧)، وفي العلل (١٤/ ١٤٤/ ٣٤٨٤)، والبيهقي في السنن (١/ ٣٢٦)، وفي المعرفة (١/ ٣٦٩/ ٤٧٢)، وفي الخلافيات (٣/ ٣١١ و ٣١٢/ ١٠٠٩ و ١٠١٠)، وابن عبد البر (٦/ ٣٣)، والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (٢/ ٤١).
وهذا الحديث صححه ابن حبان والحاكم وابن حزم وابن القيم.
• لكن قد أعله جماعة من الأئمة:
١ - قال أبو داود: "وحديث محمد بن عمرو عن الزهري: فيه شيء يقرب من الَّذي زاد الأوزاعي في حديثه" [تقدم تحت الحديث السابق].
قلت: يعني: كما أن الأوزاعي أدخل في حديث الزهري ما ليس منه فأتى بجملة من حديث هشام بن عروة فأدخلها في حديث الزهري، فادخل قصة فاطمة بنت أبي حبيش في قصة أم حبيبة، كذلك فعل محمد بن عمرو جعل حديث الزهري في شأن فاطمة بنت أبي حبيش، وإنما هو في شأن أم حبيبة بنت جحش.
٢ - وقال النسائي: "قد روى هذا الحديث غير واحد، لم يذكر أحد منهم ما ذكره ابن أبي عدي، والله تعالى أعلم".
قلت: إما أن يقصد بذلك الحديث: حديث الزهري، وقد رواه جماعة أصحاب الزهري (١٠) في شأن أم حبيبة بنت جحش، وإما أن يقصد به حديث فاطمة بنت أبي حبيش الَّذي يرويه هشام بن عروة، وليس فيه هذه الألفاظ، وحمل فيه النسائي على ابن أبي عدي لأنَّه هو المتفرد بهذا الحديث عن محمد بن عمرو.
٣ - قال الإمام أحمد بعد أن روى هذا الحديث، عن ابن أبي عدي، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن الزهري، عن عروة: أن فاطمة بنت أبي حبيش، … وساق الحديث، قال: "كان ابن أبي عدي حدثنا به عن عائشة، ثم تركه" [سنن البيهقي (١/ ٣٢٥)].
وهذا يعني: أن ابن أبي عدي كان يحدث به من حفظه متصلًا فلما راجع كتابه وجده فيه مرسلًا ليس فيه ذكر عائشة، ولا يعرف لعروة سماع من فاطمة بنت أبي حبيش [أعني: سماعًا صحيحًا وإلا فقد روي التصريح بسماعه منها من طريق لا يصح، روي من طريق: المنذر بن المغيرة، عن عروة: أن فاطمة حدثته، والمنذر: مجهول؛ وروي من طريق: سهيل بن أبي صالح، عن الزهري، عن عروة: حدثتني فاطمة، والمحفوظ فيه: عن سهيل،
стр. 1158
عن الزهري، عن عروة، عن أسماء بنت عميس، وتقدم تحقيق القول في هذين الإسنادين فيما تقدم برقم (٢٨٠ و ٢٨١)].
ويبدو لي - والله أعلم - أن محمد بن المثنى كان يحدث به أولًا متصلًا بذكر عائشة في الإسناد فلما أنكر عليه، أظهر علَّته، وأخبر أن ابن أبي عدي كان يحدث به من حفظه متصلًا، ويحدث به من كتابه مرسلًا، ودليل ذلك ما قاله الطحاوي في المشكل (١/ ٣٥٤ - ترتيبه) قال: "غير أنا كشفنا عن إسناد هذا الحديث، فلم نجد أحدًا يرويه عن عائشة إلا محمد بن المثنى، وذكر لنا أحمد بن شعيب [يعني: الإمام الحافظ الكبير أبا عبد الرحمن النسائي صاحب السنن، أنَّه أنكر عليه لما حدث به كذلك [يعني: محمد بن المثنى]، وقيل له: إن أحمد بن حنبل قد كان حدث به عن محمد بن أبي عدي فأوقفه على عروة، ولم يتجاوز به إلى عائشة [يعني: قال فيه: "عن عروة أن فاطمة"]، فقال: إنما سمعته من ابن أبي عدي من حفظه، فكان ذلك دليلًا على أنَّه لم يكن فيه بالقوي، وقوي في القلوب أن حقيقته عن ابن أبي عدي كما حدث به أحمد بن حنبل، لا كما حدث به هو".
وعلى هذا فالمنفرد بوصله هو محمد بن المثنى، على ما حدثه به ابن أبي عدي من حفظه.
ورواه عن ابن أبي عدي مرسلًا - ليس فيه ذكر عائشة -: أحمد بن حنبل [وذكر أن ابن أبي عدي رجع عن وصله]، ومحمد بن المثنى [وذكر أن هذا هو ما حدث به ابن أبي عدي من أصل كتابه]، وخلف بن سالم المخرمي [ثقة حافظ].
• وعلى هذا فإن الرواية التي حدث بها ابن أبي عدي من حفظه قد وهم فيها لأمرين:
الأول: أنَّه ثبت عنه أنَّه ترك التحديث بها، مما يدل على أنَّه تبين له خطؤه فيها.
والثاني: أنَّه كان يحدث بها من حفظه بخلاف ما كان في أصل كتابه، ومعلوم أن الحفظ يدخله الوهم والخطأ ما لا يدخل في التحديث من الكتاب؛ لا سيما إذا كان الكتاب مصونًا من التحريف والزيادة والنقصان.
يزاد على ذلك أنَّه قد انفرد برواية الوصل: محمد بن المثنى [وهو ثقة ثبت] ولم يتابع عليها، وأما الرواية المرسلة: فقد رواها هو أيضًا، وتابعه عليها: أحمد بن حنبل، وخلف بن سالم، مما يؤكد رجوع ابن أبي عدي عن الرواية الموصولة؛ لما تبين له خطؤه فيها.
• وعلى هذا فالمحفوظ في هذا الإسناد: عن ابن أبي عدي، عن محمد بن عمرو، عن الزهري، عن عروة: أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض … الحديث؛ هكذا مرسلًا.
وبذا تعلم ضعف ما ذهب إليه ابن حزم في تصحيح هذا الحديث، وتبعه عليه ابن القيم.
стр. 1159
٤ - قال أبو حاتم لما سأله ابنه عن رواية محمد بن أبي عدي المرسلة، قال: "لم يتابع محمد بن عمرو على هذه الرواية، وهو منكر" [العلل (١/ ٤٩ - ٥٠/ ١١٧)].
قلت: وهو كما قال: حديث منكر؛ فقد روى عشرة من أصحاب الزهري، منهم: عمرو بن الحارث، وإبراهيم بن سعد، والليث بن سعد، وابن أبي ذئب، ويونس بن يزيد، وسفيان بن عيينة - في رواية -، والأوزاعي - في رواية -، ومعمر بن راشد: رووا هذا الحديث عن الزهري في قصة أم حبيبة بنت جحش، لا في قصة فاطمة بنت أبي حبيش، وبغير هذه الألفاظ التي تفرد بها محمد بن عمرو بن علقمة، عن الزهري. [راجع الحديث رقم (٢٨٥)].
ومحمد بن عمرو بن علقمة [صدوق له أوهام]: ليس من أصحاب الزهري المعروفين بالرواية عنه، حتَّى إنه قال ابن السكن في كتاب الصحابة: "إنه لم يرو عن الزهري مسندًا غير هذا الحديث" [بيان الوهم (٢/ ٤٦٠)].
فكيف يقبل بعد هذا تفرده عنه بما لم يروه عنه أحد من أصحابه، هذا فضلًا عن المخالفة، فكيف وقد خولف فيه، خالفه فيه ثقات أصحاب الزهري المقدمين فيه، وانظر: علل الدارقطني (١٤/ ١٤٢/ ٣٤٨٤).
٥ - قال ابن القطان الفاسي في بيان الوهم (٢/ ٤٥٧): "وهو فيما أرى منقطع؛ وذلك أنَّه حديث انفرد بلفظه: محمد بن عمرو، عن الزهري، عن عروة، فرواه عن محمد بن عمرو: محمد بن أبي عدي مرتين: أحدهما من كتابه؛ فجعله عن محمد بن عمرو، عن الزهري، عن عروة، عن فاطمة: أنها كانت تستحاض.
فهو على هذا منقطع؛ لأنَّه قد حدث به مرة أخرى من حفظه، فزادهم فيه: "عن عائشة"، فيما بين عروة وفاطمة، فاتصل، فلو كان بعكس هذا كان أبعد من الريبة، أعني: أن يحدث به من حفظه مرسلًا، ومن كتابه متصلًا، فأما هكذا فهو موضع نظر … "، ثم بيَّن ضعف الطرق التي ورد فيها التصريح بسماع عروة من فاطمة إلى أن قال: "وزعم أبو محمد بن حزم أن عروة أدرك فاطمة بنت أبي حبيش، ولم يستبعد أن يسمعه من خالته عائشة، ومن ابنة عمه فاطمة، وهذا عندي غير صحيح، ويجب أن يزاد في البحث عنه … [إلى أن قال:] ولا يعرف لها حديث غير هذا، ولم يتبين منه أن عروة أخذه عنها.
ومما ينبغي أن تعرفه من أمر هذا الحديث - وإن لم يكن مما نحن فيه -. . . أن محمد بن عمرو هذا هو ابن عمرو بن علقمة، وهو شيخ للزهري، قد روى عنه الزهري أحاديث، وتبين هذا في نفس هذا الإسناد في مواضع: منها كتاب سنن ابن السكن، وقال في كتاب الصحابة: إنه لم يرو عن الزهري مسندًا غير هذا الحديث؛ فاعلم ذلك".
وعدد ابن رجب في الفتح (١/ ٥٣٢) من أخطأ في حديث أم حبيبة على الزهري، فذكر الأوزاعي، وابن عيينة، ومحمد بن عمرو، وسهيل؛ وقال في هذا الحديث: "ورواه محمد بن عمرو عن الزهري، وزاد فيه: "إذا كان دم الحيض: فإنه أسود يعرف"، وقيل:
стр. 1160
إنه وهم منه، أيضًا، لكنه جعله عن عروة، عن فاطمة بنت أبي حبيش"، إلى أن قال: "المحفوظ عن الزهري في هذا الحديث: ما رواه عنه أصحابه الحفاظ، وليس فيه شيء من ذلك، والله أعلم".
وانظر أيضًا: الفتح لابن رجب (١/ ٤٣٧).
• وقد روي حديث آخر - لا يصح - في التمييز بين دم الحيض ودم الاستحاضة:
رواه حسان بن إبراهيم الكرماني: أخبرنا عبد الملك، عن العلاء، قال: سمعت مكحولًا، يقول: عن أبي أمامة الباهلي، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يكون الحيض للجارية والثَّيِّب التي قد أيست من الحيض: أقل من ثلاثة أيام، ولا أكثر من عشرة أيام، فإذا رأت الدم فوق عشرة أيام فهي مستحاضة، فما زاد على أيام إقرائها قضت، ودم الحيض: أسود خاثر [وفي رواية: لا يكون إلا دمًا أسود عبيطًا] تعلوه حمرة، ودم المستحاضة: أصفر رقيق، فإن غلبها فلتحتش كرسفًا، فإن غلبها فتعليها بأخرى، فإن غلبها في الصلاة فلا تقطع الصلاة وإن قطر، [وفي رواية: ويأتيها زوجها وتصوم] ".
أخرجه ابن حبان في المجروحين (٢/ ١٨٢)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٣٧٣)، والطبراني في الكبير (٨/ ١٢٩/ ٧٥٨٦)، وفي الأوسط (١/ ١٩٠/ ٥٩٩)، وفي مسند الشاميين (٢/ ٣٧٠/ ١٥١٥) و (٤/ ٣١٧ - ٣١٨/ ٣٤٢٠)، والدارقطني (١/ ٢١٨)، والبيهقي في السنن (٦/ ٣٢١)، وفي المعرفة (١/ ٣٨٣/ ٤٩٤)، وفي الخلافيات (٣/ ٣٧٤/ ١٠٤٠ و ١٠٤١)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٢٦٠/ ٣٠٣)، وفي العلل المتناهية (١/ ٣٨٣/ ٦٤٢).
قال ابن حبان: "العلاء بن كثير: مولى بني أمية، من أهل الشام، يروي عن مكحول، وعمرو بن شعيب، روى عنه أهل الشام ومصر، كان ممن يروي الموضوعات عن الأثبات، لا يجوز الاحتجاج بما رواه وإن وافق الثقات، ومن أصحابنا من زعم أن هذا هو العلاء بن الحارث، وليس كذلك؛ لأنَّ العلاء بن الحارث: حضرمي من اليمن، وهذا من موالي بني أمية، ذاك صدوق، وهذا ليس بشيء في الحديث، وهو الَّذي روى عن مكحول عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يكون الحيض … ""، فذكره ثم أسنده، لكنه ذكر في إسناده، قال:: حدثنا عبد الملك بن عمير، قال: سمعت العلاء" [المجروحين (٢/ ١٧٣ - ط الصميعي)].
فتعقبه الدارقطني في تعليقاته على المجروحين (٢٦٣) فقال: "قوله في هذا الإسناد: "عبد الملك بن عمير": وهم، حسان بن إبراهيم لم يسمع من عبد الملك بن عمير، وعبد الملك بن عمير لا يحدث عن العلاء بن كثير، وإنما هو عبد الملك: رجل مجهول؛ غير منسوب ولا معروف، وهو بلية الحديث".
وأورده ابن عدي في ترجمة حسان بن إبراهيم الكرماني، وقال في إسناده: "حدثني عبد الملك - رجل من أهل الكوفة -، قال: سمعت العلاء، قال: سمعت مكحولًا".
وأما الطبراني في الكبير، وفي مسند الشاميين، قال: حدثنا أحمد بن بشير الطيالسي:
стр. 1161
ثنا الفضل بن غانم: ثنا حسان بن إبراهيم، عن عبد الملك، عن العلاء بن الحارث به مختصرًا.
وقال في الأوسط: حدثنا أحمد [يعني: ابن القاسم]، قال: نا محرز بن عون، والفضل بن غانم، قالا: نا حسان بن إبراهيم، عن عبد الملك، عن العلاء بن كثير به مختصرًا.
وهذه الرواية الأُولى هي التي اعترض بها ابن التركماني في الجوهر النقي (١/ ٣٢٦) على الدارقطني لكون العلاء لم ينسب في رواية الدارقطني، وإنما نسبه الدارقطني نفسه فقال: "والعلاء: هو ابن كثير: ضعيف الحديث".
قلت: الحق مع الدارقطني فهو أعلم بالرجال، وطبقاتهم، وتراجمهم، ومن روى عنهم، ومن رووا عنه: من ابن التركماني.
ورواية الطبراني في الكبير ومسند الشاميين لا يعول عليها: فإن الفضل بن غانم: ضعيف [اللسان (٤/ ٥٢٠)، تاريخ بغداد (١٢/ ٣٥٧)، الجرح والتعديل (٧/ ٦٦)]، وأحمد بن بشير الطيالسي، لينه الدارقطني [اللسان (١/ ١٤٥)]، وعلى هذا فلا يصح كونه العلاء بن الحارث، والرواية الأخرى في الأوسط والتي جاء فيها التصريح بأنه العلاء بن الكثير أولى منها، فإن الفضل بن غانم قد توبع عليها، تابعه محرز بن عون: وهو صدوق روى عنه مسلم [التقريب (٥٨١)]، وشيخ الطبراني: أحمد بن القاسم بن مساور: وثقه الخطيب [تاريخ بغداد (٤/ ٣٤٩)].
ويكفي جزم ابن حبان والدارقطني بأنه العلاء بن كثير، وقد تقدم في ذلك كلام ابن حبان بأبلغ البيان.
قال الدارقطني: "لا يثبت، عبد الملك والعلاء: ضعيفان، ومكحول: لا يثبت سماعه".
وقال بعدما أخرجه من طريق آخر عن حسان: "وعبد الملك هذا: رجل مجهول؛ والعلاء: هو ابن كثير؛ وهو ضعيف الحديث، ومكحول لم يسمع من أبي أمامة شيئًا".
ونقله البيهقي في السنن والمعرفة والخلافيات، وزاد في المصدرين الأخيرين ما رواه بإسناده عن البخاري، قوله: "العلاء بن كثير عن مكحول: منكر الحديث".
وقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (١/ ٢١٤): "وهذا إسناد ضعيف منقطع".
قلت: هو حديث منكر، باطل.
العلاء بن كثير: متروك، منكر الحديث، رواه ابن حبان بالوضع، وقال ابن عدي: "وللعلاء بن كثير عن مكحول عن الصحابة، نسخ كلها غير محفوظة، وهو منكر الحديث" [التهذيب (٣/ ٣٤٨)].
وعبد الملك: رجل مجهول؛ وحسان بن إبراهيم الكرماني - المتفرد بالحديث -: صدوق يخطئ.
стр. 1162
• وبمناسبة اشتمال هذا الحديث على تقدير أقل مدة الحيض وأكثره:
فنقول: أجمع الأئمة على أنَّه لا يثبت فيه حديث.
قال ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٢٢٩): "ذكر الميموني أنَّه قال: قلت لأحمد بن حنبل: أيصح عن رسول الله ﷺ شيء في أقل الحيض وأكثره؟ قال: لا.
قلت: أفيصح عن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ؟ قال: لا.
قلت: فحديث أَنس؟ قال: ليس بشيء، أو قال: ليس يصح.
قلت: فأعلى شيء في هذا الباب؟ فذكر حديث معقل عن عطاء: "الحيض يوم وليلة"".
وقال البيهقي في السنن (١/ ٣٢٣): "وقد روي في أقل الحيض وأكثره أحاديث ضعاف، قد بينت ضعفها في الخلافيات".
وانظر الخلافيات (٣/ ٣٤٩ - ٣٩٧).
وقال ابن رجب في الفتح (١/ ٥١٧): "والمرفوع كلُّه: باطل لا يصح، وكذلك الموقوف: طرقه واهية، وقد طعن فيها غير واحد من أئمة الحفاظ"، وقال: "ولم يصح عند أكثر الأئمة في هذا الباب توقيت مرفوع، ولا موقوف".
وقال ابن تيمية في المجموع (٢١/ ٦٢٣): "فهم يقولون [يعني: الأئمة]: لم يثبت عن النبي ﷺ ، ولا عن أصحابه: في هذا شيء، والمرجع في ذلك إلى العادة، كما قلنا"، وقال أيضًا (١٩/ ٢٣٩): "وهي أحاديث مكذوبة عليه باتفاق أهل العلم بحديثه".
وقال ابن القيم في المنار المنيف ص (٩٧): "وكذلك تقدير أقل الحيض بثلاثة أيام، وأكثره بعشرة: ليس فيها شيء صحيح، بل كلُّه باطل".
• ومن أحسن ما قيل في هذه المسألة ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في المجموع (١٩/ ٢٣٧): من ذلك اسم الحيض، علَّق الله به أحكامًا متعددة في الكتاب والسُّنَّة، ولم يقدر لا أقله ولا أكثره، ولا الطهر بين الحيضتين، مع عموم بلوى الأمة بذلك، واحتياجهم إليه، واللغة لا تفرق بين قدر وقدر، فمن قدر في ذلك حدًّا فقد خالف الكتاب والسُّنَّة، والعلماء منهم من يحد أكثره وأقله، ثم يختلفون في التحديد، ومنهم من يحد أكثره دون أقله، والقول الثالث أصح: أنَّه لا حد له لأقله ولا لأكثره، بل ما رأته المرأة عادة مستمرة فهو حيض، وإن قدر أنَّه أقل من يوم استمر بها على ذلك، فهو حيض، وإن قدر أن أكثره سبعة عشر استمر بها على ذلك فهو حيض، وأما إذا استمر الدم بها دائمًا فهذا قد علم أنَّه ليس بحيض؛ لأنَّه قد علم من الشرع واللغة، أن المرأة تارة تكون طاهرًا، وتارة تكون حائضًا، ولطهرها أحكام، ولحيضها أحكام، والعادة الغالبة أنها تحيض ربع الزمان ستة أو سبعة، وإلى ذلك رد النبي ﷺ المستحاضة التي ليس لها عادة ولا تمييز، والطهر بين الحيضتين لا حد لأكثره باتفاقهم؛ إذ من النسوة من لا تحيض بحال … ، وكذلك أقله على الصحيح لا حد له؛ بل قد تحيض المرأة في الشهر ثلاث حيض … ".
***
стр. 1163
قال أبو داود: وروى أَنس بن سيرين، عن ابن عباس - في المستحاضة - قال: "إذا رأت الدم البحراني فلا تصلي، وإذا رأت الطهر ولو ساعة، فلتغتسل وتصلي".
• موقوف بإسناد صحيح.
وصله الدارمي (١/ ٢٢٤ و ٢٢٥/ ٨٠٠ و ٨٠١)، وابن أبي شيبة (١/ ١٢٠/ ١٣٦٧)، وعلقه البيهقي (١/ ٣٤٠).
من طريق خالد الحذاء، عن ابن سيرين [أعني: أَنسًا]، قال: استحيضت امرأة من آل أَنس، فأمروني فسألت ابن عباس فقال: … فذكره.
وهذا إسناد صحيح؛ رجاله ثقات رجال الشيخين.
والدم البحراني: شديد الحمرة، كأنه قد نسب إلى البحر، وهو اسم قعر الرحم، وزادوه في النسب ألفًا ونونًا للمبالغة، يريد: الدم الغليظ الواسع، وقيل: نسب إلى البحر لكثرته وسعته [النهاية (١/ ٩٩)].
***
قال أبو داود: وقال مكحول: النساء لا تخفى عليهن الحيضة، إن دمها أسود غليظ، فإذا ذهب ذلك، وصارت صفرةً رقيقةً، فإنها مستحاضة، فلتغتسل ولتصل.
• لم أر من وصله.
وفي معناه: حديث مكحول، عن أبي أمامة مرفوعًا؛ وهو حديث منكر باطل، تقدم قريبًا.
***
قال أبو داود: وروى حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن القعقاع بن حكيم، عن سعيد بن المسيب، - في المستحاضة -: إذا أقبلت الحيضة تركت الصلاة، وإذا أدبرت اغتسلت وصلت.
وروى سمى وغيره عن سعيد بن المسيب: تجلس أيام أقرائها.
وكذلك رواه حماد بن سلمة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب.
يأتي تخريج هذه الآثار تحت الأثر الآتي برقم (٣٠١).
***
قال أبو داود: وروى يونس، عن الحسن: الحائض إذا مد بها الدم تمسك بعد حيضتها يومًا أو يومين؛ فهي مستحاضة.
وقال التيمي، عن قتادة: إذا زاد على أيام حيضها خمسة أيام فلتصلي، قال
стр. 1164
التيمي: فجعلت أنقص حتَّى بلغت يومين، فقال: إذا كان يومين فهو من حيضها.
وسئل ابن سيرين عنه فقال: النساء أعلم بذلك.
أما أثر الحسن: فوصله الدارمي (١/ ٢٣٠/ ٨٣٨)، بإسناد صحيح.
وأما أثر قتادة: فوصله الدارمي (١/ ٢٢٤/ ٧٩٥)، بإسناد صحيح.
***
٢٨٧ - . . . عبد الله بن محمد بن عقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة، عن أمه حمنة بنت جحش، قالت: كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فأتيت رسول الله ﷺ أستفتيه وأخبره، فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش، فقلت: يا رسول الله! إني امرأة أستحاض حيضة كثيرة شديدة فما ترى فيها؟ قد منعتني الصلاة والصوم؟ قال: "أنعت لك الكرسف؛ فإنه يذهب الدم" قالت: هو أكثر من ذلك، قال: "فاتخذي ثوبًا، فقالت: هو أكثر من ذلك، إنما أثج ثجًا، قال رسول الله ﷺ : "سآمرك بأمرين أيهما فعلت أجزأ عنك من الآخر، وإن قويت عليهما فأنت أعلم، قال لها: "إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان، فتحيضي ستة أيام، أو سبعة أيام في علم الله تعالى ذكره، ثم اغتسلي، حتَّى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت، فصل ثلاثًا وعشرين ليلة، أو أربعًا وعشرين ليلة وأيامها، وصومي، فإن ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي كل شهر، كما تحيض [يحضن] النساء، وكما يطهرن، ميقات حيضهن وطهرهن.
وإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر، فتغتسلي [فتغتسلين]، وتجمعين بين الصلاتين: الظهر والعصر، وتؤخرين المغرب، وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين، فافعلي، وتغتسلين مع الفجر فافعلي، وصومي إن قدرت على ذلك".
قال رسول الله ﷺ : "وهذا أعجب الأمرين إليَّ".
قال أبو داود: ورواه عمرو بن ثابت، عن ابن عقيل، فقال: قالت حمنة: فقلت: هذا أعجب الأمرين إليَّ، لم يجعله من قول النبي ﷺ ، جعله كلام حمنة.
قال أبو داود: وعمرو بن ثابت: رافضي، رجل سوء، ولكنه كان صدوقًا في الحديث، وثابت بن المقدام: رجل ثقة، وذكره عن يحيى بن معين.
قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: حديث ابن عقيل في نفسي منه شيء.
• حديث حمنة لا يثبت.
أخرجه: البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٣١٦)، وفي الأدب المفرد (٧٩٧) مختصرًا، والترمذي (١٢٨)، وأبو علي الطوسي في مختصر الأحكام (١٠٧ و ١٠٨)، وابن ماجة
стр. 1165
(٦٢٢ و ٦٢٧)، والحاكم (١/ ١٧٢ - ١٧٣)، وأحمد (٦/ ٣٨١ - ٣٨٢ و ٤٣٩ و ٤٣٩ - ٤٤٠)، والشافعي في الأم (٢/ ١٣٣/ ١٢٤)، وفي المسند (٣١٠ - ٣١١)، وعبد الرزاق (١/ ٢٩٩ و ٣٠٦ - ٣٠٧/ ١١٤٩ و ١١٧٤)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في غريب الحديث (١/ ١٦٨)، وابن أبي شيبة (١/ ١٢٠/ ١٣٦٤)، وإسحاق بن راهويه (٥/ ٨٢ - ٨٣/ ٢١٩٠)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٦/ ١٢ - ١٤/ ٣١٨٩ و ٣١٩٠)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٢٢٢ - ٢٢٣/ ٨١٠ و ٨١١)، والطحاوي في المشكل (١/ ٣٣٩ و ٣٤٢ و ٣٤٣/ ٣١٨ و ٣١٩ و ٣٢٠)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ٢١٧ - ٢١٩/ ٥٥١ و ٥٥٢ و ٥٥٣)، والدارقطني (١/ ٢١٤ و ٢١٥)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٦/ ٣٢٩٤/ ٧٥٦٧)، والبيهقي في السنن (١/ ٣٣٨ و ٣٣٩)، وفي المعرفة (١/ ٣٧٣ و ٣٧٤/ ٤٧٨ و ٤٧٩)، وفي الخلافيات (٣/ ٣٢٦ - ٣٢٧) (١٠١٣ و ١٠١٤)، وابن عبد البر (٦/ ٣٢ و ٣٣)، والبغوي في شرح السُّنَّة (١/ ٤٢٢/ ٣٢٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٣/ ٥٠٤ - ٥٠٦)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٢٥٦ - ٢٥٧/ ٣٠١).
هكذا رواه عن ابن عقيل: زهير بن محمد التميمي [ثقة؛ رواية أهل العراق عنه مستقيمة، ورواية أهل الشام عنه غير مستقيمة، وقد روى عنه هذا الحديث: أبو عامر عبد الملك بن عمرو العقدي البصري - ثقة مأمون -، وأبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي البصري - صدوق -؛ فهو من صحيح حديثه]، وعبيد الله بن عمرو الرقي [ثقة فقيه]، وشريك بن عبد الله النخعي [صدوق سيئ الحفظ]، وإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى [متروك، كذبه يحيى القطان وابن معين وابن المديني وغيرهم] (٤):
وخالفهم: عبد الملك بن عبد العزيز ابن جريج [ثقة فقيه فاضل، مشهور بالتدليس، وكان قبيح التدليس لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح]:
١ - فرواه كالجماعة: عن عبد الله بن محمد بن عقيل [ابن ماجة، عبد الرزاق، الآحاد والمثاني، ابن المنذر، الطبراني].
ورواه مرة فقلب اسمه، وقال: محمد بن عبد الله بن عقيل، قاله الإمام أحمد [العلل ومعرفة الرجال (٤١٢٠ و ٥٢٧١)].
٢ - وقال: "عمر بن طلحة"، بدل: "عمران بن طلحة".
٣ - وقال: "أم حبيبة بنت جحش"، بدل: "حمنة بنت جحش".
قال البخاري بعدما ذكر اتفاق شريك، وزهير، وعبيد الله، في رواية الحديث عن ابن عقيل، ومخالفة ابن جريج لهم، قال البخاري في رواية الجماعة: "والأول أصح".
وقال الترمذي بعدما أخرجه من طريق زهير بن محمد: "ورواه عبيد الله بن عمرو الرقي، وابن جريج، وشريك، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمران، عن أمه حمنة، إلا أن ابن جريج يقول: عمر بن طلحة، والصحيح: عمران بن طلحة".
стр. 1166
ولا أرى أن ابن جريج أُتي في ذلك كلُّه إلا من قبل التدليس، فإن عبد الرزاق قد رواه عن ابن جريج، عن ابن عقيل، عن إبراهيم بن محمد، عن عمه عمر بن طلحة، عن أم حبيبة به هكذا.
قال البخاري: "وقال غيره: عن ابن جريج حُدثت عن ابن عقيل".
وقال أحمد بن حنبل في حديث حمنة بنت جحش: "قال ابن جريج: حُدثت عن ابن عقيل، محمد بن عبد الله بن عقيل، وهو خطأ، وقال: إنما هو عبد الله بن محمد بن عقيل، وقال: عن حبيبة بنت جحش، خالف الناس" [العلل (٤١٢٠)].
وقال في موضع آخر: "ابن جريج يرويه -يعني: حديث حمنة- يقول: حُدثت عن ابن عقيل، لم يسمعه، ويقول: عن محمد بن عبد الله بن عقيل؛ قلب اسمه، قال: يقولون: وافقه النعمان بن راشد، قال: ابن جريج يروي عن النعمان بن راشد، وما أراه إلا سمعه منه، والنعمان بن راشد: ليس بقوي في الحديث، تعرف فيه الضعف" [العلل (٣/ ٢٨٦/ ٥٢٧١)].
• قلت: فالحمل في هذه الأوهام الثلاثة ليس على ابن جريج نفسه، ولكن على الواسطة التي بينه وبين ابن عقيل، وذهب الإمام أحمد إلى أن الواسطة هو النعمان بن راشد: وهو سيئ الحفظ، ليس بالقوي.
والقول فيه: قول الجماعة: زهير بن محمد، وعبيد الله بن عمرو، وشريك.
• وممن خالفهم أيضًا: فجعل آخر الحديث "وهذا أعجب الأمرين إليَّ" المرفوع، جعله من كلام حمنة وأوقفه عليها: عمرو بن ثابت؛ وهو ضعيف؛ تركه بعضهم لغلوه في الرفض.
والقول فيه: قول الجماعة أيضًا.
وانظر: علل الدارقطني (١٥/ ٣٦٣/ ٤٠٦٧).
• وأما كلام الأئمة في هذا الحديث:
فقال أبو داود هنا: "سمعت أحمد يقول: حديث ابن عقيل: في نفسي منه شيء".
وقال في مسائله لأحمد (١٦٠): "سمعت أحمد قال: يروى في الحيض حديث ثالث: حديث عبد الله بن محمد بن عقيل، في نفسي منه شيء".
ونقل ابن عبد البر في التمهيد (٦/ ٣٢) قول أبي داود من سننه، قال أبو داود: "سمعت أحمد بن حنبل يقول: في الحيض حديثان، والآخر في نفسي منه شيء [ونقله ابن التركماني في الجوهر النقي (١/ ٣٣٩) بلفظ: "في هذا الباب حديثان، وثالث في النفس منه شيء"]، قال أبو داود: يعني: أن في الحيض ثلاثة أحاديث هي أصول هذا الباب، أحدها: حديث مالك، عن نافع، عن سليمان بن يسار، والآخر: حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، والثالث؛ الَّذي في قلبه منه شيء: هو حديث حمنة بنت جحش، الَّذي يرويه ابن عقيل".
стр. 1167
هكذا حكاه ابن عبد البر في التمهيد أوله كلام الإمام أحمد، وباقيه تفسير من أبي داود، ولكنه في الاستذكار (٢/ ٢٣٦) جعله كلّه من كلام الإمام أحمد، فقال: "وقال أحمد بن حنبل: في الحيض ثلاثة أحاديث: اثنان ليس في نفسي منها شيء: أحدهما: حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، في قصة فاطمة بنت أبي حبيش، والثاني: حديث نافع، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة، والثالث: الَّذي في قلبي منه شيء: فحديث حمنة بنت جحش".
وقال ابن هانئ: "قيل له [يعني: لأبي عبد الله أحمد بن حنبل]: حديث حمنة [يعني: في الاستحاضة] عندك قوي؟ قال: ليس هو عندي بذلك، حديث فاطمة أقوى عندي وأصح إسنادًا منه" [مسائل ابن هانئ (١٦٤)].
وقال ابن رجب في الفتح (١/ ٤٤٣): "والمعروف عن الإمام أحمد أنَّه ضعفه ولم يأخذ به، وقال: ليس بشيء، وقال مرة: ليس عندي بذلك، وحديث فاطمة أصح منه، وأقوى إسنادًا، وقال مرة: في نفسي منه شيء، لكن ذكر أبو بكر الخلال أن أحمد رجع إلى القول بحديث حمنة والأخذ به، والله أعلم".
وقال قبل ذلك: "ونقل حرب عن أحمد أنَّه قال: "نذهب إليه، ما أحسنه من حديث" [وانظر: مسائل ابنه عبد الله (١٧٥)، مسائل ابنه صالح (١٢٧٥)].
قلت: وهذا خلاف ما سبق نقله عن الإمام أحمد من تضعيف حديث ابن عقيل، وكذلك نقل عنه الترمذي تصحيحه:
قال الترمذي في الجامع (١٢٨): "هذا حديث حسن صحيح … قال: وسألت محمدًا [يعني: البخاري] عن هذا الحديث؟ فقال: هو حديث حسن صحيح، وهكذا قال أحمد بن حنبل: هو حديث حسن صحيح".
وكلمة "صحيح" في كلام البخاري هي زيادة من بعض نسخ الجامع، وليست في جميع النسخ، ولا أراها تصح عنه، فإنها ليست في مخطوطة الكروخي (١٣/ أ) [وهي من أوثق نسخ الجامع]، وكذا نقل الترمذي عن البخاري تحسينه فقط في العلل، وأما أبو علي الطوسي فقد جرت عادته في مستخرجه على الترمذي أنَّه ينقل أحكام الترمذي، فقال أبو علي: "هذا حديث حسن، … ، وحُكي عن أحمد بن حنبل، قال: هو حديث حسن صحيح"، كذا قال، ولم ينقل عنه قول البخاري، كذلك فإن قول الترمذي هذا قد نقله البيهقي في المعرفة (١/ ٣٧٥) قال: "وقال البخاري: هو حديث حسن، وكان أحمد بن حنبل يقول: هو حديث صحيح"، ونقله ابن دقيق العيد في الإمام (٣/ ٣٠٩ - ٣١٠) بتمامه بدون زيادة: "صحيح" في قول البخاري، وكذلك عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (١/ ٢١٧)، وابن القطان في بيان الوهم (٤/ ٩٨)، والنووي في المجموع (٢/ ٣٧٨)، ونقل عن الترمذي تحسينه فقط، وابن عبد الهادي في شرح العلل (١٢٣)، وفي التنقيح (١/ ٤٠٥)، وأبو الفتح اليعمري في النفح الشذي (٣/ ١٣٤)، وقال ابن الملقن في البدر المنير
стр. 1168
(٣/ ٥٩): "قال الترمذي: هذا حديث حسن، … ، قال: وسألت محمدًا [يعني: البخاري، عنه فقال: هو حديث حسن، قال: وهكذا قال أحمد بن حنبل: هو حديث حسن صحيح".
وقال الترمذي في العلل (٧٤): "قال محمد: حديث حمنة بنت جحش في المستحاضة: هو حديث حسن؛ إلا أن إبراهيم بن محمد بن طلحة هو قديم لا أدري سمع منه عبد الله بن محمد بن عقيل أم لا؟ وكان أحمد بن حنبل يقول: هو حديث صحيح".
ولعل ما قاله الترمذي في العلل أقرب إلى الصواب مما قاله في الجامع، لا سيما ولا يعهد من الإمام أحمد مثل هذا الإطلاق في حكمه على الأحاديث، لا سيما وقد خالف الترمذي في ذلك: أصحاب الإمام أحمد المعروفين بنقل كلامه وأحكامه على الأحاديث والرجال، مثل: ابن هانئ، وأي داود، وغيرهما.
ونقل البيهقي في سننه الكبرى (١/ ٣٣٩)، قول الترمذي في العلل، وقال ابن القطان في بيان الوهم (٤/ ٩٨): "وإن كان البخاري لم يقل فيه إلا أنَّه: حسن، ذكر ذلك الترمذي عنه في علله".
والحديث قواه الحاكم، وحسنه البغوي في شرح السُّنَّة (١/ ٤٢٢)، وابن القطان الفاسي في بيان الوهم (٤/ ٩٨).
• وممن تكلم أيضًا في هذا الحديث:
قال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٥١ / ١٢٣): "وسألت أبي عن حديث رواه ابن عقيل، عن إبراهيم بن محمد، عن عمران بن طلحة، عن أمه حمنة بنت جحش في الحيض؟ فوهَّنه، ولم يقوِّ إسناده".
وقال ابن منده: "وحديث حمنة: "تحيضي في علم الله ستًّا أو سبعًا": لا يصح عندهم من وجه من الوجوه؛ لأنَّه من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل، وقد أجمعوا على ترك حديثه" [الإمام (٣/ ٣١٠)، الجوهر النقي (١/ ٣٣٩)، تهذيب السنن (١/ ١٨٤). ولم يرتض الثلاثة قول ابن منده وتعقبوه فيه].
قلت: يعني بقوله: "أجمعوا" أي: أصحاب الصحيح. انظر: نيل الأوطار (١/ ٤١٢).
وقال ابن خزيمة: [لا يصح؛ لأنَّ ابن جريج لم يسمعه من ابن عقيل" [تهذيب السنن].
وقال البيهقي في المعرفة (١/ ٣٧٥): "تفرد به عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو مختلف في الاحتجاج به".
وقال الخطابي في معالم السنن (١/ ٧٧): "وقد ترك بعض العلماء القول بهذا الخبر؛ لأنَّ ابن عقيل راويه ليس بذلك".
وضعفه أيضًا ابن حزم بكلام فيه مآخذ [المحلى (٢/ ١٩٤ - ١٩٥)]، رده ابن القيم وغيره [تهذيب السنن، نيل الأوطار (١/ ٤١٣)].
وضعفه ابن المنذر فقال في الأوسط (٢/ ٢٢٤): "وأما حديث ابن عقيل عن
стр. 1169
إبراهيم بن محمد بن طلحة في قصة حمنة: فليس يجوز الاحتجاج به من وجوه:
كان مالك بن أَنس لا يروي عن ابن عقيل.
قال الدافع لهذين الخبرين: وفي متن الحديث كلام مستنكر؛ زعمت أن النبي ﷺ جعل الاختيار إليها، فقال لها: "تحيضي في علم الله ستًّا أو سبعًا"، قالوا: وليس يخلو اليوم السابع من أن تكون حائضًا أو طاهرًا، فإن كانت حائضًا فيه واختارت أن تكون طاهرًا؛ فقد ألزمت نفسها الصلاة في يوم هي فيه حائض، وصلت وصامت وهي حائض، وإن كانت طاهرًا واختارت أن تكون حائضًا فقد أسقطت عن نفسها فرض الله عليها في الصلاة والصوم، وحرمت نفسها على زوجها في ذلك اليوم، وهي في حكم الطاهر، وهذا غير جائز، وغير جائز أن تخير مرة بين أن تلزم نفسها الفرض في حال، وتسقط الفرض عن نفسها إن شاءت في تلك الحال".
وقد رد الطحاوي على صاحب هذا القول فقال: "إن الَّذي ظنه مما أمرت به هذه المرأة مما ذكر في هذا الحديث ليس كما ظن، ولم يأمرها رسول الله ﷺ بما توهم أنَّه أمرها به مما رد الخيار فيه إليها: أن تتحيض ستًّا أو سبعًا، ولكنه أمرها أن تتحيض في علم الله ما أكبر ظنها أنها فيه حائض بالتحري منها لذلك، كما أمر من دخل عليه شك في صلاته فلم يدر أثلاثًا صلى منها أم أربعًا أن يتحرى أغلب ذلك في قلبه، فيعمل عليه، فمثل ذلك أمره هذه المرأة في حيضها بما أمرها به فيه، ولا يكون ذلك منه ﷺ إلا وقد أعلمته أنَّه قد ذهب عنها علم أيامها التي تحيضهن أي أيام هي من كل شهر، فأمرها بتحريها، كما أمر المصلي في صلاته عند شكه كم صلى منها بالعمل على ما يؤديه إليه تحريه فيه، [أ] وكان ما في هذا الحديث من الستة أو السبعة: إنما هو شك دخل على بعض رواته، فقال ذلك على الشك، فأما رسول الله ﷺ فلم يأمرها إلا بستة أيام أو بسبعة أيام لا باختيار منها في ذلك لأحد العددين، ولكن لأنَّ أيامها كانت - والله أعلم - أحد العددين، وذهب عنها موضعها من كل شهر، وأعلمته ﷺ ذلك، فأمرها بما أمرها به فيه، [شرح مشكل الآثار (١/ ٣٤٣ - ترتيبه)].
وقال الخطابي في المعالم (١/ ٧٦): "ويشبه أن يكون ذلك منه ﷺ على غير وجه التخيير بين الستة والسبعة؛ لكن على معنى اعتبار حالها بحال من هي مثلها، وفي مثل سنها من نساء أهل إقليمها، فإن كانت عادة مثلها منهن أن تقعد ستًّا قعدت ستًّا، وإن سبعًا فسبعًا.
وفيه وجه آخر؛ وذلك أنَّه قد يحتمل أن تكون هذه المرأة قد ثبت لها فيما تقدم أيام ستة أو سبعة، إلا أنها قد نسيتها فلا تدري أيتها كانت، فأمرها أن تتحرى وتجتهد وتبني أمرها على ما تتيقنه من أحد العددين، ومن ذهب إلى هذا استدل بقوله: "في علم الله أي: فيما علم الله من أمرك من ستة أو سبعة".
وانظر أيضًا في معنى هذا: الأم (٢/ ١٣٧)، المجموع (٢/ ٤٠٦ و ٤٢٥).
стр. 1170
والحديث ضعفه أيضًا: الدارقطني؛ فيما نقله عنه ابن رجب في الفتح (١/ ٤٤٣).
واحتج به إسحاق، وأبو عبيد، وأخذا به [الفتح لابن رجب (١/ ٤٤٣)].
ورد ابن القيم على من ضعف هذا الحديث في تهذيب السنن (١/ ١٨٣ وما بعدها).
وقال النووي في المجموع (٢/ ٣٥٦ و ٤٠٥): "إن أئمة الحديث صححوه، وهذا الراوي] أي: ابن عقيل] وإن كان مختلفًا في توثيقه وجرحه؛ فقد صحح الحفاظ حديثه هذا، وهم أهل هذا الفن".
وقال في موضع آخر (٢/ ٤٢٢): "حديث حمنة صحيح".
وصحح الحديث أيضًا: ابن العربي وغيره [نيل الأوطار (١/ ٤١٤)].
• وبعد سرد أقوال الأئمة في هذا الحديث أقول: عبد الله بن محمد بن عقيل: سيئ الحفظ، ليس بالقوي، وليس بالحافظ عندهم، وقد تفرد بهذا الحديث.
والجمهور على تضعيف ابن عقيل وتليينه، وممن ضعفه أو لينه: سفيان بن عيينة، وابن سعد، وابن المديني، وابن معين، وأحمد -في رواية-، ويعقوب بن شيبة، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والنسائي، وأبو داود، وابن حبان، وابن عدي، والعقيلي، والدارقطني، والحاكم، وابن خزيمة، والساجي، وأبو أحمد الحاكم، وابن شاهين، والخطيب، وغيرهم، ولم يرو عنه مالك، وهو الحكم في أهل المدينة.
وفي المقابل: فقد احتج بحديثه: أحمد، وإسحاق، والحميدي، وقال البخاري: "مقارب الحديث"، وقواه أيضًا: الترمذي، والعجلي، والحاكم.
راجع ترجمته فيما تقدم: الذكر والدعاء (٢/ ٨٢٣)، تخريج سنن أبي داود الحديث رقم (٦١ و ١٢٦).
• وقد تقدم لابن عقيل معنا ثلاثة أحاديث:
الأول: في "الذكر والدعاء" حديث جابر في الأضحية، وقد اضطرب ابن عقيل في إسناده [راجع الذكر والدعاء برقم (٣٧٠ و ٣٧١) (٢/ ٨٢٣)].
الثاني: في "سنن أبي داود" الحديث رقم (٦١)، حديث علي بن أبي طالب مرفوعًا: "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم".
وقد صححته من طريق ابن عقيل لأمور:
١ - لأنَّه لم يختلف عليه في إسناده ولا في متنه.
٢ - أن إسناده مدني.
٣ - أن ابن عقيل يرويه عن خاله محمد ابن الحنفية، وأهل بيت الرجل أعلم بحديثه.
٤ - أن لحديثه شواهد بعضها صحيح؛ فلم ينفرد فيه ابن عقيل بأصل وسُنَّة بل قد توبع عليه.
الثالث: في "سنن أبي داود" الحديث رقم (١٢٦ - ١٣١)، حديث ابن عقيل، عن الربيع بنت معوذ في صفة وضوء النبي ﷺ ، وقد اضطرب ابن عقيل في متنه اضطرابًا
стр. 1171
شديدًا، وخالف في حديثه هذا الأحاديث الصحيحة المروية في صفة وضوء النبي ﷺ ، سواء ما اتفق عليه الشيخان من حديث عثمان وابن زيد، أو ما صح - مما ليس فيهما - عن علي وابن عمرو وغيرهم.
فإن قيل: فصَّل النووي القول في هذا الحديث بقوله رادًا على من ضعفه بابن عقيل: "هذا الَّذي قاله هذا القائل لا يقبل؛ فإن أئمة الحديث صححوه - كما سبق -، وهذا الراوي وإن كان مختلفًا في توثيقه وجرحه فقد صحح الحفاظ حديثه هذا، وهم أهل هذا الفن، وقد علم من قاعدتهم في حد الحديث الصحيح والحسن، أنَّه إذا كان في الراوي بعض الضعف أجيز حديثه بشواهد له أو متابعة، وهذا من ذلك" [المجموع (٢/ ٤٠٥)].
قلت: لو توبع ابن عقيل على حديث حمنة هذا، أو كان له شاهد، لا سيما في رد المستحاضة إلى عادة النساء لا إلى عادة نفسها التي كانت تعرفها من نفسها قبل أن تستحاض، لو وُجد ذلك لصح حديث ابن عقيل، هذه واحدة.
والثانية: أنَّه كما رُوي عن جماعة من الأئمة أنهم صححوا حديث ابن عقيل هذا، فقد عورض هذا التصحيح وقوبل بتضعيف أئمة آخرين لحديثه.
فكما رُوي تصحيحه عن أحمد، والبخاري، والترمذي، وغيرهم، فقد ضعفه أيضًا: أحمد في رواية أكثر أصحابه عنه، وأبو حاتم الرازي، وابن خزيمة، وابن المنذر، والدارقطني، وابن منده، وغيرهم.
• ثم إن تصحيح هؤلاء الأئمة يقال فيه:
أولًا: ما نقله الترمذي عن أحمد أنَّه قال: "هو حديث صحيح"، فإنه معارض بقول أبي داود -وهو أعلم وألصق بأحمد من الترمذي-، قال: "سمعت أحمد قال: يُروى في الحيض حديث ثالث؛ حديث عبد الله بن محمد بن عقيل: في نفسي منه شيء"، وقال ابن هانئ -وهو من أثبت أصحاب الإمام-: "قيل له: حديث حمنة عندك قوي؟ قال: ليس هو عندي بذلك، حديث فاطمة أقوى عندي وأصح إسنادًا منه"، بل قال ابن رجب: "والمعروف عن الإمام أحمد أنَّه ضعفه ولم يأخذ به"، فالذين رووا عنه التضعيف أكثر وأشهر وأكثر صحبة من الذين رووا عنه التصحيح.
ثانيًا: قول البخاري: "هو حديث حسن"، لا أراه أراد به الحسن الاصطلاحي، وذلك لأنَّه أعقبه بما يدل على إعلاله للحديث من جهة الاتصال؛ فاستدرك وقال: "إلا أن إبراهيم بن محمد بن طلحة هو قديم، لا أدري سمع منه عبد الله بن محمد بن عقيل أم لا؟ ".
قال الشوكاني في نيل الأوطار (١/ ٤١٢): "ويجاب على البخاري بأن إبراهيم بن محمد بن طلحة مات سنة عشر ومائة - فيما قاله أبو عبيد القاسم بن سلام وعلي بن المديني وخليفة بن خياط -، وهو تابعي سمع عبد الله بن عمرو بن العاص، وأبا هريرة، وعائشة، وابن عقيل سمع عبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، والربيع
стр. 1172
بنت معوذ، فكيف ينكر سماعه من إبراهيم بن محمد بن طلحة لقدمه؟ وأين ابن طلحة من هؤلاء في القدم، وهم نظراء شيوخه في الصحبة، وقريب منهم في الطبقة، فينظر في صحة هذا عن البخاري"، هكذا نقله الشوكاني من البدر المنير لابن الملقن (٣/ ٦٣)، ونقله ابن الملقن من النفح الشذي لشيخه أبي الفتح اليعمري (٣/ ١٣٧)، وبنحوه قال ابن التركماني في الجوهر النقي (١/ ٣٣٩).
قلت: هو صحيح عن البخاري، ولا يلزم من تعاصرهما سماع أحدهما من الآخر، وإلا فمراد البخاري - والله أعلم - أنَّه لا يعلم لابن عقيل سماعًا من إبراهيم بن محمد بن طلحة، لا سيما وإبراهيم: قليل الحديث [كما قال ابن سعد في الطبقات (٩٣ - القسم المتمم). وانظر: تاريخ دمشق (٧/ ١٤٩)]، ولا أظن أن لابن عقيل عن إبراهيم حديثًا غير هذا.
• وعلى هذا فالحديث معلول عند البخاري، ولا يقال حينئذ بأن البخاري قد صححه أو حسنه على اصطلاح المتأخرين!
وأما تصحيح الترمذي، فقد اختلف النقل عنه فيه، فمنهم من نقل عنه التحسين فقط دون التصحيح، ومنهم من نقل عنه التحسين والتصحيح معًا، فإن كان الثابت عنه التحسين فقط [كما نقله عنه جماعة، منهم أبو علي الطوسي في مستخرجه]، فإنه في ذلك على أصله في الحديث الحسن، والذي سبق أن قررناه مرارًا، من كونه معدود في قسم الضعيف المحتمل، وإلا فقد يقال إنه اعتمد في ذلك على ما نقله عن البخاري وأحمد، والله أعلم.
وأما الذين ضعفوه من الأئمة فلم يختلف عليهم، وقولهم أقرب إلى الصواب لحال ابن عقيل؛ فإنه لا يحتج به إذا انفرد بأصل وسُنة لم يتابع عليها، وهذا منها.
فهذا الحديث من أحاديث الأحكام التي انفرد بها ابن عقيل في رد المستحاضة إلى عادة النساء لا إلى عادة نفسها، كما صح من حديث أم سلمة، ومن حديث عائشة في قصة أم حبيبة، فقد رد النبي ﷺ المستحاضة إلى عادة نفسها، فقال في حديث أم سلمة: "لتنظر عدة الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الَّذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر … "، وقال في حديث عراك بن مالك، عن عروة، عن عائشة؛ في قصة أم حبيبة: "امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي وصلي".
ومعلوم أن أكثر الأئمة على التشديد في أحاديث الأحكام [سير أعلام النبلاء (٨/ ٥٢٠)]: قال سفيان الثوري: "خذوا هذه الرغائب، وهذه الفضائل من المشيخة، فأما الحلال والحرام فلا تأخذوه إلا عمن يعرف الزيادة فيه من النقص"، وفي رواية: "لا تأخذوا هذا العلم من الحلال والحرام إلا من الرؤساء المشهورين بالعلم الذين يعرفون الزيادة والنقصان، فلا بأس بما سوى ذلك من المشايخ".
رواه بسنده إلى سفيان: الرامهرمزي في المحدث الفاصل (٤٠٦ و ٤١٨)، والخطيب في الكفاية (١٦٢)، وفي الجامع لأخلاق الراوي (٢/ ٩١ / ١٢٦٦).
стр. 1173
وقال عبد الرحمن بن مهدي: "إذا روينا في الثواب والعقاب وفضائل الأعمال تساهلنا في الأسانيد والرجال، وإذا روينا في الحلال والحرام والأحكام تشددنا في الرجال".
رواه بسنده إلى ابن مهدي: الحاكم في المستدرك (١/ ٤٩٠)، والخطيب في الجامع (٢/ ٩١ / ١٢٦٧).
وقال نحوه أحمد بن حنبل:
رواه الخطيب في الكفاية (١٦٣).
وقال ابن أبي حاتم في تقدمة الجرح والتعديل (١/ ٦ و ١٠) في مراتب الرواة: "ومنهم: الصدوق الورع، المغفل الغالب عليه الوهم والخطأ والغلط والسهو، فهذا يكتب من حديثه الترغيب والترهيب والزهد والآداب، ولا يحتج بحديثه في الحلال والحرام".
وقال البيهقي: "واللائق في أحاديث الأحكام أن يتحرى منها ما تقوم به الحجة" [فيض القدير (٤/ ٧٢)].
وقال الخطيب في الجامع (٢/ ٩١): "وينبغي للمحدث أن يتشدد في أحاديث الأحكام التي يفصل بها بين الحلال والحرام؛ فلا يرويها إلا عن أهل المعرفة والحفظ وذوي الإتقان والضبط، وأما الأحاديث التي تتعلق بفضائل الأعمال وما في معناها فيحتمل روايتها عن عامة الشيوخ".
وانظر في هذا المعنى: تاريخ الدوري (٣/ ٦٠ و ٢٤٧)، الجرح والتعديل (٧/ ١٩٣)، التمهيد (١/ ١٢٧)، تذكرة الحفاظ (١/ ١٧٣)، شرح علل الترمذي (١/ ٣٧٢).
وابن عقيل - كما تقدم - موصوف بسوء الحفظ، والجمهور على تضعيفه، وقد أعرض عن حديثه صاحبا الصحيح، فلم يخرجا له شيئًا من حديثه ولا حتَّى متابعة، والنسائي لشدة تحريه في الرجال؛ لم يخرج له شيئًا في سننه، فمثل هذا إذا انفرد بأصل وسنة لم يحتج به.
• فإن قيل: لم يخالف ابن عقيل في حديثه هذا:
ما رواه: نافع، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة، في المستحاضة المعتادة.
ولا ما رواه الزهري، وعراك بن مالك، عن عروة، عن عائشة، في قصة أم حبيبة، في المعتادة أيضًا.
ولا ما رواه هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، في قصة فاطمة بنت أبي حبيش، في المستحاضة المميزة لدم الحيض من دم الاستحاضة.
وإنما حديث ابن عقيل هذا في المبتدأة التي لم تحض قبلُ، فابتدأها الدم، واستمر بها حتَّى صارت مستحاضة.
• فيجاب عن هذا بكلام الأئمة:
قال أبو داود: "قلت لأحمد: فحديث حمنة بنت جحش لا يكون للبكر حجة؟ قال: لا، وحمنة امرأة عجوز كبيرة، وهي تقول: إني أستحاض حيضة كثيرة، أثجه ثجًا" [مسائله (١٥٦)].
стр. 1174
إلى هذا ذهب الشافعي أيضًا فقال في الأم (٢/ ١٣٧): "فقد علمنا أن حمنة كانت عند طلحة، وولدت له، وأنها حكت حين استفتت: ذكرت أنها تثج الدم ثجًا، وكان العلم يحيط أن طلحة لا يقربها في هذه الحال، ولا تطيب هي نفسها بالدنو منه، وكان مسألتها بعدما كانت زينب [يعني: أم المؤمنين] عنده [يعني: النبي ﷺ ]، دليلًا محتملًا على أنَّه أول ما ابتليت بالاستحاضة، وذلك بعد بلوغها بزمان، فدل على أن حيضها كان يكون ستًّا أو سبعًا … ".
وقال ابن عبد البر في الاستيعاب (٣٢٦٠): "كانت عند مصعب بن عمير وقتل عنها يوم أحد، فتزوجها طلحة بن عبيد الله … ".
قلت: فإن قيل: لا تعارض بينه وبين حديث أم سلمة وعائشة في المعتادة؛ بل هو في معناهما، من جهة أن حمنة كانت عادتها ستًّا أو سبعًا، وكانت أخبرت النبي ﷺ بذلك فأفتاها بما يوافق عادتها؟
فيقال: لم يوقف على رواية تدل على أنها أخبرت النبي ﷺ بعادتها، وإنما حصل التراجع في الكلام بينها وبين النبي ﷺ في وصف العلاج الَّذي يوقف الدم من القطن والثوب، ولم يقع الاستفصال منها عن عادتها، فدل ذلك على أن حكم النبي ﷺ إنما هو عام في المستحاضة، إذ إن: "ترك الاستفصال في مقام الأحوال يقوم مقام العموم في المقال".
هذا من جهة، ومن جهة أخرى: فقد جاءت قرينة في النص تدل على أن النبي ﷺ لم يحلها إلى عادتها، وإنما أحالها على الغالب من عادة النساء، وهي قوله ﷺ : "كما تحيض النساء، وكما يطهرن؛ لميقات حيضهن وطهرهن" أي: تحيض ستًّا أو سبعًا كما تحيض النساء في الغالب من أحوالهن، والله أعلم.
فظهرت بذلك معارضة حديث حمنة لحديث أم سلمة، وحديث عائشة.
فإن قيل: هذا الحديث لم يختلف فيه على ابن عقيل: لا في متنه، ولا في إسناده، مما يدل على أنَّه حفظه.
فيقال: "وإن حفظه ابن عقيل، فيكفينا تفرده فيه بأصل وسُنَّة لم يتابع عليه فيها، ثم مخالفة حديثه هذا للأحاديث الصحيحة في رد المعتادة إلى عادة نفسها، لا إلى عادة النساء.
• وأخيرًا فإن حديث ابن عقيل هذا: لا يثبت - فيما أرى والله أعلم - ففي النفس منه شيء [كما قال الإمام أحمد]، ولا يصح؛ لتفرد ابن عقيل به، ولأنه لا يعرف لابن عقيل سماع من شيخه إبراهيم بن محمد بن طلحة [كما أشار إليه كلام البخاري]، وإسناده ليس بذاك القوي [كما أشار إليه كلام أبي حاتم]، والله أعلم.
***
стр. 1175
١١٠ - باب من روى أن المستحاضة تغتسل لكل صلاة
٢٨٨ - . . . عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، وعمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي ﷺ : أن أم حبيبة بنت جحش ختنة رسول الله ﷺ وتحت عبد الرحمن بن عوف، استحيضت سبع سنين، فاستفتت لرسول الله ﷺ في ذلك؟ فقال رسول الله ﷺ : "إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عرق، فاغتسلي وصلي".
قالت عائشة: فكانت تغتسل في مركن في حجرة أختها زينب بنت جحش حتَّى تعلو حمرة الدم الماء.
• حديث صحيح
تقدم برقم (٢٨٥).
***
٢٨٩ قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح: حدثنا عنبسة: حدثنا يونس، عن ابن شهاب: أخبرتني عمرة بنت عبد الرحمن، عن أم حبيبة بهذا الحديث، قالت عائشة ﵂: فكانت تغتسل لكل صلاة.
• شاذ بهذا الإسناد.
تقدم تحت الحديث رقم (٢٨٥)، وهو شاذ بهذا الإسناد، والمحفوظ ما رواه الجماعة عن الزهري.
***
٢٩٠ - . . . الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، بهذا الحديث قال فيه: فكانت تغتسل لكل صلاة.
قال أبو داود: رواه القاسم بن مبرور، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عمرة، عن عائشة، عن أم حبيبة بنت جحش.
وكذلك رواه معمر، عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة، وربما قال معمر: عن عروة، عن أم حبيبة بمعناه.
стр. 1176
وكذلك رواه إبراهيم بن سعد، وابن عيينة، عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة. وقال ابن عيينة في حديثه: ولم يقل: إن النبي ﷺ أمرها أن تغتسل.
• حديث صحيح.
تقدم تحت الحديث رقم (٢٨٥).
***
٢٩١ - . . . أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة: أن أم حبيبة استحيضت سبع سنين فأمرها رسول الله ﷺ أن تغتسل.
فكانت تغتسل لكل صلاة.
قال أبو داود: وكذلك رواه الأوزاعي أيضًا، قال فيه: قالت عائشة: فكانت تغتسل لكل صلاة.
• حديث صحيح.
تقدم تحت الحديث رقم (٢٨٥).
***
٢٩٢ - . . . ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت في عهد رسول الله ﷺ فأمرها بالغسل لكل صلاة، وساق الحديث.
قال أبو داود: ورواه أبو الوليد الطيالسي - ولم أسمعه منه -، عن سليمان بن كثير، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: استحيضت زينب بنت جحش فقال لها النبي ﷺ : "اغتسلي لكل صلاة … "، وساق الحديث.
قال أبو داود: ورواه عبد الصمد، عن سليمان بن كثير، قال: "توضئي لكل صلاة.
قال أبو داود: وهذا وهم من عبد الصمد، والقول فيه: قول أبي الوليد.
• حديث شاذ
تقدم تحت الحديث رقم (٢٨٥)، وهو شاذ.
***
стр. 1177
٢٩٣ - قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج أبو معمر: حدثنا عبد الوارث، عن الحسين، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، قال: أخبرتني زينب بنت أبي سلمة: أن امرأة كانت تهراق الدم، وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف: أن رسول الله ﷺ أمرها أن تغتسل عند كل صلاة وتصلي.
وأخبرني: أن أم بكر أخبرته: أن عائشة قالت: إن رسول الله ﷺ قال - في المرأة ترى ما يريبها بعد الطهر -: "إنما هي - أو قال: إنما هو - عرق - أو قال: عروق -".
• الحديث الأول: مرسل؛ والحديث الثاني: ضعيف.
هما حديثان: أما الأول:
فأخرجه ابن الجارود (١١٥)، وابن حزم (٢/ ٢١١)، والبيهقي (١/ ٣٥١)، وابن عبد البر (٦/ ٤٥)، والخطيب في المبهمات ص (٦٠).
قال ابن الجارود: "ورواه معمر وهشام فقالا: عن يحيى، عن أبي سلمة: أن أم حبيبة".
وقال البيهقي: "كذلك رواه حسين المعلم، وخالفه هشام الدستوائي فأرسله".
• قلت: اختلف فيه على يحيى بن أبي كثير:
١ - فرواه الحسين بن ذكوان المعلم [ثقة ربما وهم، وهو من أثبت أصحاب يحيى بن أبي كثير، لكن في طبقة دون هشام الدستوائي]، عن يحيى، عن أبي سلمة، قال: أخبرتني زينب بنت أبي سلمة به هكذا.
٢ - ورواه الأوزاعي [ثقة إمام جليل؛ إلا أنَّه كان لا يقيم حديث يحيى بن أبي كثير، ولم يكن عنده في كتاب، إنما كان يحدث به من حفظه، ويهم فيه. شرح العلل (٢/ ٦٧٧)]، قال: ثنا يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو سلمة، وعكرمة مولى ابن عباس: أن زينب بنت أم سلمة كانت تعتكف مع رسول الله ﷺ وهي تهريق الدم، فأمرها رسول الله ﷺ أن تغتسل لكل صلاة.
أخرجه البيهقي (١/ ٣٥١).
وقال: "ورواه الأوزاعي عن يحيى، فجعل المستحاضة زينب بنت أم سلمة".
قلت: وهذا غلط بيِّن، قال الدارقطني في العلل (١٥/ ٣٨٤/ ٤٥٩١): "وقول الأوزاعي: وهم".
٣ - ورواه هشام بن أبي عبد المثه الدستوائي [ثقة ثبت، وهو أثبت من روى عن يحيى بن أبي كثير]، وحرب بن شداد [ثقة، من أصحاب يحيى]، وأبان بن يزيد العطار [ثقة، من أصحاب يحيى]، ومعمر بن راشد [ثقة، من أصحاب يحيى]:
стр. 1178
رواه أربعتهم: عن يحيى بن أبي كثير: نا أبو سلمة: أن أم حبيبة بنت جحش [وروي: عن أم حبيبة، وهو وهم من بعض الرواة عنهم، كانت تهراق الدم، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك؟ فأمرها أن تغتسل عند كل صلاة، وتصلي.
أخرجه الدارمي (١/ ٢٤٠/ ٩٠١)، وإسحاق بن راهويه (٤/ ٢٤٤ و ٢٤٥/ ٢٠٥٩ و ٢٠٦٠)، وأبو بكر الشافعي في فوائده [الغيلانيات] (١/ ٤٧٦/ ٥٨٧)، وابن حزم (٢/ ٢١١)، والبيهقي (١/ ٣٥١)، وابن عبد البر (٦/ ٤٥).
وهذا هو المحفوظ: عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة: أن أم حبيبة بنت جحش: مرسل.
ورواية حسين المعلم: شاذة لا يعول عليها.
قال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٥٠ / ١١٩): "وسألت أبي عن حديث رواه هشام ومعمر وغيرهما، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أم حبيبة: أنها استحيضت، فأمرها رسول الله ﷺ أن تغتسل لكل صلاة؟.
فلم يثبته؛ وقال: الصحيح: عن هشام الدستوائي، عن يحيى، عن أبي سلمة: أن أم حبيبة سألت النبي ﷺ . . . وهو مرسل؛ وكذا يرويه حرب بن شداد.
وقال الحسين المعلم: عن يحيى، عن أبي سلمة، قال: أخبرتني زينب بنت أم سلمة: أن امرأة كانت تهراق الدم … وهو مرسل".
وقال في المراسيل (٩٥٠): "قال أبي: ﵀: أبو سلمة بن عبد الرحمن: لم يسمع من أم حبيبة" [وانظر: جامع التحصيل (٢١٣)، تحفة التحصيل (١٨٠)].
فإن قيل: إن هذا القول معارض بما رواه محمد بن الحسن الشيباني في كتاب "المبسوط" (١/ ٥٢٠): عن أيوب بن عتبة اليمامي قاضي اليمامة، قال: أخبرني يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، قال: سألت أم حبيبة زوج النبي ﷺ عن المستحاضة؟ فقالت: تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة، وتصلي. موقوف.
فإن في هذه الرواية: إثبات سماع أبي سلمة من أم حبيبة.
فيقال: هنه الرواية منكرة؛ شديدة الضعف، خالف فيها أيوب بن عتبة - على ضعفه - أربعة من الثقات الحفاظ: هشامًا الدمشوائي، وحرب بن شداد، وأبان بن يزيد، ومعمر بن راشد.
خالفهم في إثبات السماع لأبي سلمة من أم حبيبة وروايتهم مرسلة.
وخالفهم في وقف الحديث على أم حبيبة، وروايتهم مرفوعة.
وخالفهم في متن الحديث كما هو ظاهر.
وأيوب بن عتبة اليمامي: الصحيح فيه التفصيل: فما حدث به باليمامة فإنه صحيح لأنَّه حدث به من كتابه، وكان كتابه من أصح الكتب، وما حدث به بالعراق فهو ضعيف؛
стр. 1179
فإنه قدم العراق ليس معه كتب فحدث من حفظه، وكان لا يحفظ ولا يعرف صحيح حديثه من سقيمه؛ فوهم وغلط حتَّى كثرت المناكير في حديثه، فضعف لذلك، وبسبب هذا ضعفه الجمهور [التهذيب (١/ ٢٠٦)، إكمال مغلطاي (٢/ ٣٣٨)، منهج النسائي في الجرح والتعديل (٣/ ١٢١٢)].
وهذا الحديث من ضعيف حديثه؛ فإنه من رواية العراقيين عنه، ثم إن الراوي عنه: محمد بن الحسن الشيباني: ضعيف [اللسان (٥/ ١٣٨)]؛ فهي رواية ساقطة.
• وبناء على رواية الجماعة المحفوظة: فالمرسل لا تقوم به حجة؛ والمحفوظ من حديث الزهري: عن عروة، وعمرة، عن عائشة: أن أم حبيبة كانت تغتسل لكل صلاة، وأن النبي ﷺ لم يأمرها بذلك.
فإن قيل: بأنه لا تعارض بين الحديثين، وحديث الزهري الَّذي فيه قول عائشة: "فكانت تغتسل لكل صلاة"؛ إنما يدل على أنها ما كانت لتفعل ذلك إلا وقد أمرها النبي ﷺ بذلك.
حينئذ نترك الجواب للإمام الجهبذ الإمام الشافعي رحمه الله تعالى حيث يقول في كتابه الأم (٢/ ١٣٨) بعد حديث الزهري: "فإن قال: فهذا حديث ثابت، فهل يخالف الأحاديث التي ذهبت إليها؟ قلت: لا، إنما أمرها رسول الله ﷺ أن تغتسل وتصلي، وليس فيه: أنَّه أمرها أن تغتسل لكل صلاة.
فإن قال: ذهبنا إلى أنها لا تغتسل لكل صلاة إلا وقد أمرها بذلك، ولا تفعل إلا ما أمرها.
قيل له: أفترى أمرها أن تستنقع في مركن، حتَّى يعلو الماء حمرة الدم، ثم تخرج منه فتصلي؟ أو تراها تطهر بهذا الغسل؟.
قال: ما تطهر بهذا الغسل الَّذي يغشى جسدها فيه حمرة الدم، ولا تطهر حتَّى تغسله، ولكن لعلها تغسله.
قلت: أفأبين لك أن استنقاعها غير ما أمرت به؟
قال: نعم.
قلت: فلا تنكر أن يكون غسلها، ولا أشك - إن شاء الله تعالى - أن غسلها كان تطوعًا غير ما أمرت به، وذلك واسع لها، ألا ترى أنَّه يسعها أن تغتسل ولو لم تؤمر بالغسل؟ قال: بلى".
وقال ابن رجب في الفتح (١/ ٥٣١): "وقد تعلق بعضهم للوجوب بأن النبي ﷺ أمرها أن تغتسل وتصلي، وهذا يعم كل صلاة، فإنه كالنهي أن تصلي حتَّى تغتسل، وقد فهمت المأمورة ذلك، فكانت تغتسل لكل صلاة، وهي أفهم لما أمرت به.
ويجاب عن ذلك؛ بأنه ﷺ إنما أمرها أن تغتسل إذا ذهبت أيام حيضتها، فلا يدخل في ذلك غير الغسل عند فراغ حيضتها، وأما ما فعلته فقد تكون فعلته احتياطًا وتبرعًا
стр. 1180
بذلك، كذلك قاله الليث بن سعد وابن عيينة والشافعي وغيرهم من الأئمة.
ويدل على أن أمرها بالغسل لم يعم كل صلاة؛ أن عائشة روت أن النبي ﷺ أمرها أن تغتسل، وقالت عائشة: "فكانت تغتسل لكل صلاة"، فدل على أن عائشة فهمت من أمر النبي ﷺ غير ما فعلته المستحاضة، وعائشة راوية الحديث، وهي أفقه وأفهم من غيرها من النساء".
• ومما يؤكد شذوذ رواية حسين المعلم:
ما رواه هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أم سلمة: أن ابنة جحش كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، وكانت تستحاض، فكانت تخرج من مركنها وإنه لعاليه الدم، فتصلي.
وفي رواية: رأيت ابنة جحش تخرج من المركن، والدم قد علا، ثم تصلي.
أخرجه الدارمي (١/ ٢٤٠/ ٩٠٤)، وإسحاق (٤/ ٢٤٦/ ٢٠٦٤)، وابن أبي شيبة (١/ ١٢٠/ ١٣٦٨).
هكذا رواه عبدة بن سليمان، وحماد بن سلمة، عن هشام فلم يعينا اسم المستحاضة.
ورواه مالك في الموطأ [(١/ ١٠٨/ ١٥٩)، رواية يحيى الليثي. (٩٣) رواية القعنبي]، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة: أنها رأت زينب بنت جحش التي كانت عند عبد الرحمن بن عوف، وكانت تستحاض، فكانت تغتسل وتصلي.
هكذا قال مالك [في رواية القعنبي ويحيى الليثي]: "رأت زينب بنت جحش"، فسمى المستحاضة: زينب.
وأما في رواية أبي مصعب الزهري (١/ ٦٩/ ١٧٣)، فقد وافق مالك فيها عبدة وحماد، وقال: "رأت ابنة جحش"، فلا أدري ممن الوهم في ذلك؛ إذ من المعلوم أن التي بيانت تحت عبد الرحمن بن عوف إنما هي أم حبيبة بنت جحش، وليست زينب، كما جاء ذلك في رواية الزهري، عن عروة، وعمرة، عن عائشة: أن أم حبيبة بنت جحش ختنة رسول الله ﷺ وتحت عبد الرحمن بن عوف استحيضت سبع سنين [مسلم (٣٣٤)، وراجع الحديث رقم (٢٨٥)].
ولا يصح عن زينب بنت جحش أم المؤمنين أنها استحيضت، راجع: رواية ابن أبي ذئب تحت الحديث رقم (٢٨٥).
قال أبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب (٣٤٩٩): "قد قيل: إن زينب بنت جحش استحيضت، ولا يصح، وفي الموطأ وهم: أن زينب بنت جحش استحيضت، وأنها كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، وهذا غلط، إنما كانت تحت زيد بن حارثة، ولم تكن تحت عبد الرحمن بن عوف، والغلط لا يسلم منه أحد".
والشاهد: هو أن مالكًا، وعبدة بن سليمان، وحماد بن سلمة: رووا عن هشام بن
стр. 1181
عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أم سلمة: أنها رأت ابنة جحش - التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف -، وكانت تستحاض، فكانت تغتسل وتصلي.
فلم يذكروا فيه: أن رسول الله ﷺ أمرها أن تغتسل لكل صلاة، كما جاء في رواية الحسين بن ذكوان المعلم، وفي رواية يحيى بن أبي كثير؛ مما يدل على ضعفها وشذوذها.
• وأما الحديث الثاني:
فقد رواه الحسين بن ذكوان المعلم [ثقة، من أثبت أصحاب يحيى]، وشيبان بن عبد الرحمن النحوي أبو معاوية البصري [ثقة، من أثبت أصحاب يحيى]، وعلي بن المبارك الهنائي [ثقة، صاحب يحيى]، ومعاوية بن سلام [ثقة] (٤).
رواه أربعتهم: عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أم بكر أنها أخبرته [وفي رواية معاوية بن سلام: "أن أم أبي بكر أخبرته"، واختلف على شيبان، فروي عنه على الوجهين: أم بكر، وأم أبي بكر]: أن عائشة قالت: [وفي رواية معاوية بن سلام: "أن عائشة أخبرتها]: إن رسول الله ﷺ قال في المرأة التي ترى ما يريبها بعد الطهر: "إنما هو عرق - أو قال: عروق -".
أخرجه أبو داود (٢٩٣)، وابن ماجة (٦٤٦)، وابن الجارود (١١٦)، وأحمد (٦/ ٧١ و ١٦٠ و ٢١٥ و ٢٧٩)، وإسحاق (٣/ ١٠٠١/ ١٧٣٦)، والطبراني في مسند الشاميين (٤/ ٩٥/ ٢٨٣١)، والبيهقي (١/ ٣٣٧).
وانظر في الاختلاف على يحيى في "أم بكر"، أو: "أم أبي بكر": علل الحديث لابن أبي حاتم (١/ ٥٠/ ١١٨) (١/ ٥٧٦/ ١١٨ - نسخة سعد الحميد). تحفة الأشراف (١١/ ٨٨٧)، النكت الظراف، الإتحاف (١٧/ ٧٩٢).
وهذا حديث ضعيف.
أم بكر أو أم أبي بكر: لا تعرف [الميزان (٤/ ٦١١)، التقريب (٧٧١)].
وقد ظن بعضهم أن هذا الحديث يشهد له ما تقدم من طرفي، عن عائشة في قصة أم حبيبة، وفاطمة بنت أبي حبيش، والصواب خلافه.
وذلك لأنَّ قولها: "بعد الطهر" ظاهر في حصول الطهر بعد الحيض، ويبعد حمله على استمرار الدم وعدم انقطاعه، فإن فاطمة قالت: "إني أستحاض فلا أطهر"، فنفت وقوع الطهر منها.
كذلك قولها: "يريبها" ظاهر في أن الَّذي تراه ليس دمًا وإلا لما استرابت، ولحصل لها اليقين بأنها حائض أو مستحاضة.
ويؤكد هذا المعنى أن الأئمة المصنفين قد أوردوا هذا الحديث في باب: ما جاء في الحائض ترى بعد الطهر الصفرة والكدرة، مثل: ابن ماجة والبيهقي.
وأما أبو داود فإنما أخرجه في هذا الباب تبعًا للحديث السابق لا أصالة؛ لأنَّه وقع له هكذا في الرواية، والله أعلم.
***
стр. 1182
قال أبو داود: وفي حديث ابن عقيل الأمران جميعًا، قال: "إن قويت فاغتسلي لكل صلاة، وإلا فاجمعي"، كما قال القاسم في حديثه.
وقد روي هذا القول عن سعيد بن جبير، عن علي وابن عباس - رضي الله عنهمم -.
قلت: حديث القاسم يأتي بعد هذا.
وأما حديث ابن عقيل فليس فيه الأمر بالاغتسال لكل صلاة، وإنما أمرها أن تتحيض ستًّا أو سبعًا، ثم تغتسل بعد ذلك، وتصلي ثلائًا وعشرين أو أربعًا وعشرين، كما تحيض النساء وكما يطهرن لميقات حيضهن وطهرهن، فليس فيه إلا الاغتسال مرة واحدة عند انقضاء المدة المقدرة للحيض فقط، والله أعلم.
وأما أثر علي وابن عباس: فسيأتي الكلام عليه عند الحديث رقم (٣٠٢).
***
١١١ - باب من قال: تجمع بين الصلاتين وتغتسل لهما غسلًا
٢٩٤ - . . . شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: استحيضت امرأة على عهد رسول الله ﷺ فأُمرت أن تعجل العصر وتؤخر الظهر، وتغتسل لهما غسلًا، وأن تؤخِّر المغرب وتعجل العشاء، وتغتسل لهما غسلًا، وتغتسل لصلاة الصبح غسلًا.
فقلت لعبد الرحمن: عن النبي ﷺ ؟ فقال: لا أحدثك عن النبي ﷺ بشيء.
• حديث مضطرب.
أخرجه النسائي (١/ ١٢٢ و ١٨٤/ ٢١٣ و ٣٦٠)، والدارمي (١/ ٢٢٠/ ٧٧٧)، وأحمد (٦/ ١٧٢)، وإسحاق (٢/ ٤٠٨/ ٩٦٤)، والطيالسي (٣/ ٤١ - ٤٢/ ١٥٢٢)، وأبو العباس السراج في حديثه بانتقاء الشحامي (٤٣٥)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١٥٠)، وابن حزم في الإحكام (٢/ ٢٠٣)، والبيهقي (١/ ٣٥٢)، والبغوي في شرح السُّنَّة (١/ ٤٢٤/ ٣٢٩)، والخطيب في المبهمات (١٢٦)، وابن بشكوال في الغوامض (٢/ ٦٤٧).
هكذا رواه أصحاب شعبة، منهم: معاذ بن معاذ العنبري، وغندر محمد بن جعفر، والنضر بن شميل، وأبو النضر هاشم بن القاسم، ووهب بن جرير، وحجاج بن محمد الأعور، وبشر بن عمر الزهراني، وأبو داود الطيالسي، وعمرو بن مرزوق، وقراد أبو نوح عبد الرحمن بن غزوان، وعاصم بن علي (١١).
وذكر جماعة منهم: معاذ العنبري، وأبو داود الطيالسي، وأبو النضر، وغيرهم: امتناع عبد الرحمن بن القاسم من رفع الحديث.
стр. 1183
• واختلف فيه على عاصم بن علي:
فرواه عمر بن حفص [يظهر لي أنَّه: ابن صبيح الشيباني: وهو صدوق]، عن عاصم بن علي: ثنا شعبة به، هكذا كالجماعة [عند البيهقي]، وهو: الصواب.
وخالفه: الحسن بن سهل بن عبد العزيز المجوز [قال الدارقطني: "لا بأس به"، وقال ابن حبان في الثقات: "ربما أخطأ"، وذكره الحاكم في المعرفة في "النوع الحادي والخمسين" في معرفة جماعة من الرواة لم يحتج بحديثهم، يعني: في الصحيح ولم يسقطوا. سؤالات الحاكم (٨٣)، الثقات (٨/ ١٨١)، المعرفة (٣٠٩)]، قال: ثنا عاصم: ثنا شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: أن امرأة استحيضت على عهد رسول الله ﷺ فأمرها النبي ﷺ . . . وساق الحديث.
أخرجه البيهقي (١/ ٣٥٢).
وقال: "وهكذا رواه أبو بكر بن إسحاق الفقيه عن الحسن بن سهل بن عبد العزيز، وهو غلط من جهة الحسن".
قال البيهقي: "ورواه محمد بن إسحاق بن يسار عن عبد الرحمن، فخالف شعبة في رفعه وسمى المستحاضة".
***
٢٥٩ - . . . محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه عن عائشة: أن سهلة بنت سهيل استحيضت، فأتت النبي ﷺ فأمرها أن تغتسل عند كل صلاة، فلما جهدها ذلك، أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل، والمغرب والعشاء بغسل، وتغتسل للصبح.
• حديث مضطرب.
أخرجه الدارمي (١/ ٢٢٠ و ٢٢٢/ ٧٧٦ و ٧٨٥)، وأحمد (٦/ ١١٩ و ١٣٩)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١٠١)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٢٧٩/ ٤١٩٧)، وفي الصغير (١/ ٢٩٤/ ٤٨٦)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٦/ ٣٣٤٦/ ٧٦٦٢)، والبيهقي (١/ ٣٥٢ - ٣٥٣)، والخطيب في المبهمات (١٢٧)، والبغوي في شرح السُّنَّة (١/ ٣٢٨/ ٤٢٤)، وابن بشكوال في الغوامض (٢/ ٦٤٨).
قال الدارمي: "الناس يقولون: سهلة بنت سهيل، قال يزيد بن هارون: سهيلة بن سهل"، يعني: أخطأ في ذلك.
قال ابن حجر في التلخيص (١/ ٣٠٢): "وقد قيل: إن ابن إسحاق وهم فيه".
وقال أبو بكر بن إسحاق: "قال بعض مشائخنا: لم يسند هذا الخبر غير محمد بن
стр. 1184
إسحاق، وشعبة لم يذكر النبي ﷺ ، وأنكر أن يكون الخبر مرفوعًا، وأخطأ أيضًا في تسمية المستحاضة"، كذا ذكره البيهقي.
وتعقبه ابن التركماني في الجوهر النقي فقال: "امتنع عبد الرحمن من إسناد الأمر إلى النبي ﷺ صريحًا، ولا شك أنَّه إذا سمع "فأمرت" ليس له أن يقول: "فأمرها النبي ﷺ "؛ لأنَّ اللفظ الأول مسند إلى النبي ﷺ بطريق اجتهادي لا بالصريح، فليس له أن ينقله إلى ما هو صريح، ولا يلزم من امتناعه من صريح النسبة إلى النبي ﷺ أن لا يكون مرفوعًا بلفظ "أمرت" على ما عرف من ترجيح أهل الحديث والأصول في هذه الصيغة أنها مرفوعة، فتأمله؛ فقد يتوهم من لا خبرة له من كلام البيهقي وغيره أنَّه من الموقوف الَّذي لا تقوم به الحجة، وبهذا يعلم أن ابن إسحاق لم يخالف شعبة في رفعه؛ بل رفعه ابن إسحاق صريحًا، ورفعه شعبة دلالة، ورفعه هو أيضًا صريحًا في رواية الحسن بن سهل عن عاصم عنه، وقد تقدم أن البيهقي قال بعد ذكر رواية عاصم: وهكذا رواه جماعة عن شعبة".
قلت: قوله: "وهكذا رواه جماعة عن شعبة"، يعني: قالوا في روايتهم: "فأمرت"، ولم يقولوا: "فأمرها النبي ﷺ ".
ورواية ابن إسحاق وهم بلا شك، وهو مشهور بالتدليس ولم يصرح بالسماع، وقد وهم في:
١ - تسمية المستحاضة: سهلة بنت سهيل.
٢ - وفي قوله: فأتت النبي ﷺ فأمرها.
٣ - وفي قوله: فأمرها أن تغتسل عند كل صلاة، فلما جهدها ذلك، أمرها.
فإذا تبين ذلك فلا ينبغي إذًا أن يعول على رواية ابن إسحاق هذه في الاستدلال بها على النسخ، كما ذهب إليه الطحاوي في شرح المعاني (١/ ١٠١)، وحكاه عن قوم لم يعينهم، واعتبر حديث ابن إسحاق هذا ناسخًا لأحاديث الأمر بالغسل عند كل صلاة، حيث نقلت المستحاضة إلى الجمع بين الصلاتين بغسل واحد، كما في هذا الحديث وغيره.
• والحق أنَّه لا يصح حديث في أمر المستحاضة بالغسل عند كل صلاة ولا في أمرها بالجمع بين الصلاتين بغسل.
قال ابن عبد البر في التمهيد (٦/ ٥٠): "وأما الأحاديث المرفوعة في إيجاب الغسل لكل صلاة، وفي الجمع بين الصلاتين بغسل واحد، والوضوء لكل صلاة على المستحاضة، فكلها مضطربة لا تجب بمثلها حجة".
وقد تقدم كان شذوذ هذه الروايات المشتملة على هذه الألفاظ من الأمر بالغسل لكل صلاة، والجمع بين الصلاتين بغسل واحد، والأمر بالوضوء لكل صلاة، وسيأتي فيما بقي من الروايات مزيد بيان.
***
стр. 1185
قال أبو داود: ورواه ابن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه: أن امرأة استحيضت فسألت رسول الله ﷺ فأمرها بمعناه.
• حديث مضطرب.
وقال البيهقي: "قال أبو بكر [يعني: ابن إسحاق الفقيه]: وقد اختلف الرواة في إسناد هذا الخبر، قال الشيخ رحمه الله تعالى: فرواه شعبة، ومحمد بن إسحاق كما مضى، ورواه ابن عيينة فأرسله إلا أنَّه وافق محمدًا في رفعه".
• قلت: قد اختلف في هذا الحديث على عبد الرحمن بن القاسم:
١ - فرواه شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: أن امرأة استحيضت على عهد رسول الله ﷺ فأُمرت أن تؤخر الظهر … الحديث وتقدم.
٢ - ورواه ابن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: أن سهلة بنت سهيل أتت النبي ﷺ . . . الحديث.
وتقدم كان شذوذ روايته وما فيها من زيادات.
٣ - ورواه سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه: أن امرأة استحيضت فسألت النبي ﷺ فأمرها أن تجمع الظهر والعصر بغسل واحد، والمغرب والعشاء بغسل واحد، وتغتسل للصبح غسلًا، وتدع الصلاة قدر أقرائها وحيضها. مرسل.
أخرجه عبد الرزاق (١/ ٣٠٨/ ١١٧٦)، والطحاوي (١/ ١٠٠)، والبيهقي (١/ ٣٥٣)، والخطيب في المبهمات (١٢٦).
هكذا أرسله سفيان بن عيينة، ولم يذكر اسم المستحاضة وصرح برفعه.
٤ - ورواه سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه القاسم بن محمد، عن زينب بنت جحش قالت: قلت للنبي ﷺ إنها مستحاضة [وفي رواية: قالت: سألت رسول الله ﷺ لحمنة فقالت: إنها مستحاضة. وفي رواية أخرى: قالت: سألت امرأة رسول الله ﷺ فقالت: إنها مستحاضة]؟ فقال: "تجلس أيام أقرائها، ثم تغتسل، وتؤخر الظهر وتعجل العصر، وتغتسل وتصلي، وتؤخر المغرب وتعجل العشاء، وتغتسل وتصليهما جميعًا، وتغتسل للفجر".
أخرجه النسائي (١/ ١٨٤ - ١٨٥/ ٣٦١)، والطحاوي (١/ ١٠٠)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ٥٦/ ١٤٥)، والبيهقي (١/ ٣٥٣).
خالف الثوري: شعبة، وابن عيينة، وابن إسحاق فجعله من مسند زينب بنت جحش، وجعل المستحاضة: حمنة.
قال الطحاوي (١/ ١٠٤): "فكان حديث زينب الَّذي فيه ذكر الأقراء: حديثًا منقطعًا لا يثبته أهل الخبر؛ لأنهم لا يحتجون بالمنقطع وإنما جاء انقطاعه؛ لأنَّ زينب لم يدركها القاسم، ولم يولد في زمنها؛ لأنَّها توفيت في عهد عمر بن الخطاب ﵁، وهي أول أزواج النبي ﷺ وفاة بعده".
стр. 1186
قلت: هو كما قال: فإن انقطاعه ظاهر بالتأريخ فإن زينب توفيت سنة عشرين، وأبو القاسم: محمد بن أبي بكر الصديق ولد في حجة الوداع سنة عشر؛ يعني: أن عمره يوم توفيت زينب كان عشر سنين؛ مما يدل على أن القاسم إنما ولد بعد وفاة زينب بزمان.
ولكن الطحاوي فرَّق بين رواية شعبة ورواية الثوري فجعلهما حديثين، وإنما هما حديث واحد مداره على عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه، وقد جعلهما النسائي والبيهقي واحدًا.
ولولا رواية الثوري وابن عيينة: لصح حديث شعبة، ولكان حجة في الجمع بين الصلاتين بغسل واحد للمستحاضة، ولكان شاهدًا يتقوى به حديث ابن عقيل في قصة حمنة بنت جحش في الجمع بين الصلاتين بغسل واحد؛ لا سيما وحديث شعبة على شرط الشيخين.
لكن لكون الثوري أحفظ من شعبة، وقد اختلفا في إسناد هذا الحديث، ثم خالفهما بعدُ: سفيان بن عيينة الإمام الحافظ، وخالفهم جميعًا - أيضًا -: ابن إسحاق؛ لذلك - وثلاثتهم حفاظ أئمة -، ولكون الَّذي اختلفوا عليه: وهو عبد الرحمن بن القاسم: ثقة ثقة، قال ابن عيينة: "كان أفضل أهل زمانه".
لذلك لا نستطيع أن نقضي لأحدهم على الآخر، حتَّى يتابَع أحدُهم [أعني: الثوري، أو شعبة، أو ابن عيينة، متابعة قوية تشهد لكون هذا الوجه هو المحفوظ.
وحتى نعثر على هذه المتابعة فإنا نتوقف عن الحكم لأيٍّ منهم، ونحكم على الحديث بالاضطراب، والله أعلم.
فإن قيل: فإن ابن إسحاق قد تابع شعبة على الإسناد، وإن كان خالفه في المتن، وفي التصريح بالرفع، وفي نسبة المستحاضة.
فنقول: إن ابن إسحاق قد عنعنه ولم يصرح فيه بالسماع، وهو مشهور بالتدليس، فلعله أخذه من مجروح فنكون حينئذ قد أخذنا بمتابعة ضعيف أو متروك أو كذاب.
ومما يجعل في النفس منه شيء كونه لم يوافقه في المتن وأتى به على غير وجهه، فإنه لا يعلم بأن سهلة بنت سهيل استحيضت إلا من حديث ابن إسحاق هذا [انظر: الاستيعاب (٣٣٤١)، الإصابة (١١٣٥٢)، أسد الغابة (٧٠٢٧)]، ولا نعلم حديثًا يُقضى به في النسخ المذكور إلا حديث ابن إسحاق هذا.
ثم إن كان لا بد من أن يُقضى لأحد هؤلاء الأئمة الثلاثة؛ فالقول: قول سفيان الثوري، فهو أحفظهم جميعًا، وقد قدمه على شعبة جماعة؛ منهم: شعبة نفسه، ويحيى بن سعيد القطان، وأحمد بن حنبل، وأبو حاتم الرازي، وأبو زرعة الرازي، وأبو داود، وغيرهم.
قال أحمد: "سفيان أحفظ للإسناد وأسماء الرجال من شعبة".
وقال أبو زرعة: "كان الثوري أحفظ من شعبة في إسناد الحديث ومتنه".
стр. 1187
وقال أبو داود: "ليس يختلف سفيان وشعبة في شيء إلا يظفر به سفيان، وخالفه في أكثر من خمسين حديثًا، القول فيها قول سفيان".
[شرح علل الترمذي (١/ ٤٥٣)، تقدمة الجرح والتعديل (١/ ٦٣) وما بعدها].
• فإن رجحنا قول سفيان الثوري، فالحديث: ضعيف لانقطاعه، وإلا فهو: حديث مضطرب، والله أعلم.
***
٢٩٦ - . . . سهيل -يعني: ابن أبي صالح-، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن أسماء بنت عميس، قالت: قلت: يا رسول الله! إن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت منذ كذا وكذا فلم تُصلِّ؟ فقال رسول الله ﷺ : "سبحان الله! إن هذا من الشيطان، لتجلس في مِركَن، فإذا رأت صفرة فوق الماء، فلتغتسل للظهر والعصر غسلًا واحدًا، وتغتسل للمغرب والعشاء غسلًا واحدًا، وتغتسل للفجر غسلًا [واحدًا]، وتوضأ فيما بين ذلك".
قال أبو داود: رواه مجاهد، عن ابن عباس: لما اشتدَّ عليها الغسل أمرها أن تجمع بين الصلاتين.
قال أبو داود: ورواه إبراهيم عن ابن عباس، وهو قول إبراهيم النخعي، وعبد الله بن شداد.
• حديث سهيل شاذ.
حديث سهيل: تقدم تحت الحديث رقم (٢٨١).
وأثر مجاهد، عن ابن عباس:
وصله الدارمي (١/ ٢٤٠/ ٩٠٣)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١٠١ - ١٠٢).
من طريق حجاج بن منهال، قال: حدثنا حماد -يعني: ابن سلمة-، عن قيس بن سعد، عن مجاهد، قال: قيل لابن عباس ﵄: إن أرضنا أرض باردة؟ قال: "تؤخر الظهر وتعجل العصر، وتغتسل لهما غسلًا واحدًا، وتؤخر المغرب وتعجل العشاء، وتغتسل لهما غسلًا، وتغتسل للفجر غسلًا".
وهذا إسناد رجاله ثقات؛ رجال مسلم؛ إلا أن الحفاظ ضعفوا حديث حماد بن سلمة عن قيس بن سعد.
قال أحمد: "ضاع كتاب حماد بن سلمة عن قيس بن سعد؛ فكان يحدثهم من حفظه"، يعني: فيخطئ [العلل ومعرفة الرجال (٣/ ١٢٧/ ٤٥٤٤)، ضعفاء العقيلي (١/ ٢١)، الكامل (٢/ ٢٥٣ - ٢٥٤)، سؤالات أبي داود (٢١٧)، المعرفة والتاريخ (٢/ ٩٢)، ذكره عن ابن المديني، شرح علل الترمذي (٢/ ٧٨٢)].
стр. 1188
وقال يحيى بن سعيد القطان: "حماد بن سلمة عن زياد الأعلم وقيس بن سعد: ليس بذاك" [الكامل (٢/ ٢٥٦)، شرح العلل (٢/ ٧٨٣)].
• وأولى من هذه الرواية:
ما رواه عثمان بن الأسود [ثقة ثبت]، عن مجاهد في المستحاضة: إذا خلفت قرءها فإذا كان عند العصر توضأت وضوءًا سابغًا، ثم لتأخذ ثوبًا فلتستثفر به، ثم لتصل الظهر والعصر جميعًا، ثم لتفعل مثل ذلك، ثم لتصل المغرب والعشاء جميعًا، ثم لتفعل مثل ذلك، ثم لتصل الصبح.
أخرجه الدارمي (١/ ٢٢٥/ ٨٠٥).
وأثر إبراهيم عن ابن عباس:
وصله أبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (١١٥)، عن علي بن الجعد، قال: أخبرنا شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت إبراهيم النخعي، عن ابن عباس في المستحاضة، قال: تؤخر الظهر وتعجل العصر، وتغتسل لهما غسلًا، وتؤخر المغرب وتعجل العشاء، وتغتسل لهما غسلًا، وتغتسل للصبح غسلًا.
وهذا إسناد رجاله ثقات، رجال البخاري؛ إلا أنَّه منقطع، قال ابن حزم: "لا نعرف لإبراهيم سماعًا من ابن عباس"، وإبراهيم النخعي: لم يسمع من أحد من الصحابة [المراسيل (١)، جامع التحصيل (١٤٢)، تحفة التحصيل (١٩)].
وأثر إبراهيم النخعي:
وصله الدارمي (١/ ٢٢٥/ ٨٠٣)، وعبد الرزاق (١/ ٣٠٥/ ١١٧٢)، وابن أبي شيبة (١/ ١١٩/ ١٣٥٦).
من طريق سفيان الثوري وجرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن إبراهيم، قال: تنتظر أيام أقرائها، ثم تغتسل للظهر والعصر غسلًا واحدًا، وتؤخر الظهر وتعجل العصر، وتغتسل للمغرب والعشاء غسلًا واحدًا، تؤخر المغرب وتعجل العشاء، وتغتسل للفجر، ولا تصوم، ولا يأتيها زوجها ولا تمس المصحف.
وهذا مقطوع بإسناد صحيح.
وأثر عبد الله بن شداد:
وصله الدارمي (١/ ٢٢٥ - ٢٢٦/ ٨٠٧)، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس: ثنا أبو زبيد: ثنا حصين، عن عبد الله بن شداد، قال: المستحاضة تغتسل، ثم تجمع بين الظهر والعصر، فإن رأت شيئًا اغتسلت وجمعت بين المغرب والعشاء.
وهذا إسناد صحيح؛ رجاله رجال الشيخين.
أبو زبيد: هو عبثر بن القاسم، وحصين: هو ابن عبد الرحمن السلمي.
• وأثر ابن عباس قد ورد من طريق آخر، وهو صحيح عنه:
رواه عبد العزيز بن رفيع، عن عطاء - هو: ابن أبي رباح -، قال: كان ابن عباس
стр. 1189
يقول في المستحاضة: تغتسل غسلًا واحدًا للظهر والعصر، وغسلًا للمغرب والعشاء. وكان يقول: تؤخر الظهر وتعجل العصر، وتؤخر المغرب وتعجل العشاء.
أخرجه الدارمي (١/ ٢٢٥/ ٨٠٤)، وابن أبي شيبة (١/ ١١٩/ ١٣٥٥) و (٢/ ١٩٦/ ٨٠٧٢).
وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري [البخاري (١٧٢٢) و (٦٦٦٦)].
ورواه الأوزاعي أيضًا، عن عطاء، عن ابن عباس به مختصرًا.
أخرجه الدارمي (١/ ٢٤١/ ٩٠٦).
***
١١٢ - باب من قال: تغتسل من طهر إلى طهر
٢٩٧ - شريك، عن أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ في المستحاضة: "تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل وتصلي، والوضوء عند كل صلاة".
فقال أبو داود: زاد عثمان: "وتصوم وتصلي".
وفي نسخة: قال يحيى بن معين: هو عدي بن ثابت بن دينار.
• حديث ضعيف جدًّا.
أخرجه الترمذي في الجامع (١٢٦ و ١٢٧)، وفي العلل (٧٣)، وابن ماجه (٦٢٥)، والدارمي (١/ ٢٢٣/ ٧٩٣)، والحارث بن أبي أسامة (١/ ٢٣٥ - ٢٣٦/ ١٠٤ - زوائده)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٤/ ١٩٤/ ٢١٧٦ و ٢١٧٧)، والدولابي في الكنى (١/ ٦٠/ ١٤٢)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١٠٢)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٨٦/ ٩٦٢)، وابن عدي في الكامل (٤/ ١١) و (٥/ ١٦٧)، والدارقطني في الأفراد (٣/ ٦٠/ ٢٠٥٢ - أطرافه)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٢/ ١٠١٧/ ٢٥٨٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١١٦ و ٣٤٧)، وفي الخلافيات (٣/ ٤٥٤/ ١٠٨٢).
ولفظ الترمذي فيه: "تدع الصلاة أيام أقرائها التي كانت تحيض فيها، ثم تغتسل، وتتوضأ عند كل صلاة، وتصوم وتصلي".
هكذا رواه عن شريك بهذا الإسناد:
أبو بكر، وعثمان ابنا أبي شيبة، ومحمد بن جعفر بن زياد، وقتيبة بن سعيد، وعلي بن حجر، ومحمد بن سعيد بن الأصبهاني، ويحيى بن يحيى النيسابوري، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، وزحمويه زكريا بن يحيى بن صبيح، ومحمد، وإسحاق ابنا عيسى بن الطباع، وإسماعيل بن موسى، ومنجاب بن الحارث، وعلي بن حكيم، ويحيى بن عبد الحميد الحماني.
стр. 1190
وهم ستة عشر رجلًا (١٦) من الثقات عدا الأخير.
ورواه أيضًا أبو بكر بن أبي شيبة، ويحيى بن يحيى النيسابوري، ومحمد بن سعيد بن الأصبهاني، وسعيد بن عثمان، ويحيى بن عبد الحميد الحماني:
خمستهم [وهم ثقات حفاظ، سوى الأخيرين]: رووه عن شريك، عن أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن علي ﵁، عن النبي ﷺ : "المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة، وتصلي".
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٢٠/ ١٣٦٥)، والطحاوي (١/ ١٠٢)، وابن عدي في الكامل (٤/ ١١) و (١٦٧/ ٥)، والدارقطني في الأفراد (١/ ٢٠٤/ ٢٨٦)، والبيهقي في السنن (١/ ٣٤٧)، وفي الخلافيات (٤٥٧/ ٣ و ٤٥٨/ ١٠٨٤ و ١٠٨٥).
ولما كان الحديث عند هؤلاء الثلاثة الحفاظ على الوجهين علمنا بأن شريك بن عبد الله النخعي كان يرويه هكذا على الوجهين، والحمل في هذا الحديث ليس على شريك، وإنما هو على من فوقه، والله أعلم.
وقد أخرج أبو داود بعد هذا الحديث حديثين آخرين ثم ضعفهما جميعًا فقال: "وحديث عدي بن ثابت، والأعمش عن حبيب، وأيوب أبي العلاء: كلها ضعيفة لا تصح".
وقال أيضا: "وروى أبو اليقظان عن عدي بن ثابت عن أبيه عن علي".
وقال الترمذي في الجامع: "هذا حديث قد تفرد به شريك، عن أبي اليقظان.
قال: وسألت محمدًا عن هذا الحديث، فقلت: عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده، جد عدي، ما اسمه؟ فلم يعرف محمد اسمه، وذكرت لمحمد قول يحيى بن معين أن اسمه: دينار، فلم يعبأ به".
وقال في العلل الكبير: "سألت محمدًا عن هذا الحديث؟ فقال: لا أعرفه إلا من هذا الوجه، ولا أعرف اسم جد عدي بن ثابت، قلت له: ذكروا أن يحيى بن معين قال: هو عدي بن ثابت بن دينار، فلم يعرفه، ولم يعده شيئًا".
وقال البخاري في التاريخ الأوسط (٢/ ١٣): "وروى عثمان، عن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ : في المستحاضة. وعن أبيه، عن علي: في المستحاضة: ولا يصح".
وقال في التاريخ الكبير (٢/ ١٦١): "ثابت الأنصاري: قال شريك، عن عثمان أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ في المستحاضة: "تجلس أيام أقرائها"، وعن عدي، عن أبيه، عن علي مثله، ولا يتابع عليه؛ وتكلم شعبة في أبي اليقظان".
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل في العلل (٣/ ٩٦/ ٤٣٥٤): "سألت أبي عن ثابت؛ أبي عدي بن ثابت؟ فقال: روى شريك، عن أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت، عن أبيه،
стр. 1191
عن جده، تلك الأحاديث. فقلت له: روى عنه غير عدي -أعني: ابن ثابت-؟ قال: لا أعلم".
وقال الدارقطني في الأفراد: "تفرد به أبو اليقظان عثمان بن عمير، عن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده، وتفرد به شريك عنه".
وفي تهذيب الكمال (٤/ ٨٣٧): "قال أبو بكر البرقاني: قلت لأبي الحسن الدارقطني: شريك، عن أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده، كيف هذا الإسناد؟ قال: ضعيف. قلت: من جهة من؟ قال: أبو اليقظان: ضعيف. قلت: فيترك؟ قال: لا، يخرج، رواه الناس قديمًا. قلت له: عدي بن ثابت، ابن من؟ قال: قد قيل: ابن دينار. وقيل: إنه -يعني: جده أبو أمه- وهو عبد الله بن يزيد الخطمي، ولا يصح من هذا كله شيء. قلت: فيصح أن جده أبا أمه: عبد الله بن يزيد الخطمي؟ قال: كذا زعم يحيى بن معين" [سؤالات البرقاني].
وقال البرقاني: "قلت للدارقطني: عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ ؟ قال: لا يثبت، ولا يعرف أبوه، ولا جده، وعدي: ثقة" [سؤالات البرقاني (٣٩٩). وانظر: سؤالات السلمي (٢٠١)].
وفي تاريخ ابن معين لعباس الدوري (٢/ ٣٩٧)، قال يحيى: "عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ ؟ قال يحيى: وجده اسمه دينار. قال أبو الفضل: فرددته أنا على يحيى، فقال: هو هكذا: اسمه دينار" [(٣/ ٧/ ٢٣)، الجرح والتعديل (٣/ ٤٢٩)].
وانظر: سنن البيهقي، الخلافيات، إيضاح الإشكال (٢١)، إتحاف المهرة (٤/ ٤٥٤)، التهذيب (١/ ٢٧٠)، إكمال مغلطاي (٣/ ٩٠).
وقال أبو علي الطوسي في مختصر الأحكام (١/ ٣٤٠): "وروى هذا الحديث: عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده، وجده: مجهول لا يعرف، ويقال: اسمه دينار، ولا يصح".
وقال الحربي في العلل: "ليس لجد عدي بن ثابت: صحبة"، وذلك اعتمادًا على القول بأن جده هو قيس بن الخطيم وكان قتل قبل الإسلام ١ [التهذيب (١/ ٢٧٠)] [إكمال مغلطاي (٣/ ٩١)].
وقال البرقي: "لم نجد من يعرف جده معرفة صحيحة" [التهذيب (١/ ٢٧٠)] [إكمال مغلطاي (٣/ ٩١)].
وقال ابن عبد البر في الاستيعاب (٧٠٠): "دينار الأنصاري: انفرد بالرواية عنه: ابنه ثابت بن دينار، وهو جد عدي بن ثابت، حديثه عن النبي ﷺ في المستحاضة يضعفونه، وله حديث آخر في القيء والعطاس والنعاس والتثاؤب من الشيطان، ولا يصح إسناده".
وضعف ابن حجر حديثيه هذين أيضًا في التلخيص (١/ ٢٩٧)، وفي الفتح (١٠/ ٦٠٧).
وقال الحافظ ضياء الدين: "وقد ضعف غير واحد هذا الإسناد لأجل أبي اليقظان" [شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي (٣/ ٨٦٢)].
стр. 1192
• وقلت: والخلاصة أن هذا الحديث: ضعيف جدًّا.
عدي بن ثابت: ثقة، وأبوه وجده: لا يعرفان، ولا يثبت لجده صحبة.
وأبو اليقظان المتفرد به عن عدي بن ثابت: هو عثمان بن عمير الكوفي الأعمى، ويقال: ابن قيس، ويقال: ابن حميد: ضعفوه، وهو: منكر الحديث، قاله أحمد والبخاري وأبو حاتم [انظر: التهذيب (٣/ ٧٥)، الميزان (٣/ ٥٠)، إكمال مغلطاي (٩/ ١٧٧)].
وجعله علة هذا الحديث وضعفه به: البخاري والدارقطني.
وشريك بن عبد الله النخعي: صدوق سيئ الحفظ، لكن الحمل في هذا الحديث على شيخه أبي اليقظان، والله أعلم.
• قلت: وما يقال في هذا الحديث يقال في الحديث المروي بهذا الإسناد:
شريك، عن أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده رفعه [عن النبي ﷺ ] قال: "العطاس، والنعاس [وفي رواية: النفاس، وقيل تصحيف]، والتثاؤب في الصلا، والحيض، والقيء، والرعاف: من الشيطان".
وفي رواية: "البزاق، والمخاط، والحيض، والنعاس في الصلاة: من الشيطان"، وفي رواية "البصاق".
وفي رواية: "خمس في الصلاة من الشيطان: العطاس، والنعاس، والثثاؤب، والرعاف، والحيض".
أخرجه الترمذي (٢٧٤٨)، وابن ماجه (٩٦٩)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٤/ ١٩٤/ ٢١٧٧)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٨٧/ ٩٦٣)، وابن عدي في الكامل (٤/ ١١) و (٥/ ١٦٧)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٤/ ٢٣٢٩/ ٥٧٢٧ و ٥٧٢٨).
قال الترمذي: "هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث شريك، عن أبي اليقظان.
قال: وسألت محمد بن إسماعيل، عن عدي بن ثابت عن أبيه، عن جده؟ قلت له: ما اسم جد عدي؟ قال: لا أدري، وذكر عن يحيى بن معين قال: اسمه دينار".
قلت: هو حديث منكر.
عدي بن ثابت: أبوه وجده: لا يعرفان، ولا يعرف لجده صحبة، وأبو اليقظان: ضعفوه، وهو منكر الحديث، وشريك: سيئ الحفظ.
ومتنه منكر؛ مخالف لحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إن الله يحب العطاس، ويكره التثاؤب" الحديث.
أخرجه البخاري (٦٢٢٣ و ٦٢٢٦) وغيره، وهو مخرج في أحاديث الذكر والدعاء برقم (٢٨٦) (٢/ ٦١٨)، وفي رواية خارج الصحيح: "العطاس من الله، والتثاؤب من الشيطان".
***
стр. 1193
٢٩٨ - الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة، قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ . . . فذكر خبرها، وقال: "ثم اغتسلي، ثم توضئي لكل صلاة، وصلي".
• حديث ضعيف.
أخرجه ابن ماجه (٦٢٤)، وأحمد (٦/ ٤٢ و ١٣٧ و ٢٠٤ و ٢٦٢)، وإسحاق (٢/ ٩٧ / ٥٦٤)، وابن أبي شيبة (١/ ١١٨/ ١٣٤٥)، وأبو يعلى (٨/ ٢٢٩/ ٤٧٩٩)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٢٢٥/ ٨١٣)، وأبو عروبة الحراني الحسين بن محمد في جزئه (٦)، والطحاوي في المشكل (١/ ٣٥٥/ ٣٣٢) (ترتيبه)، وفي شرح المعاني (١/ ١٠٢)، وفي أحكام القرآن (١٩٢٦)، وابن الأعرابي في معجمه (٢/ ٥٥٤ و ٦٧٨/ ١٠٨٤ و ١٣٥٦ و ١٣٥٧)، والدارقطني (١/ ٢١١ و ٢١٢ و ٢١٣ و ٢١٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٤٤ و ٣٤٥)، وفي المعرفة (١/ ٣٧٩/ ٤٨٨)، وفي الخلافيات (٣/ ٤٤٢ و ٤٤٦/ ١٠٧٧ و ١٠٧٨)، والخطيب في المبهمات (٢٥٤ و ٢٥٥).
ولفظ وكيع عن الأعمش بتمامه: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفدع الصلاة؟ قال: "لا؛ إنما ذلك عرق، وليس بالحيضة، اجتنبي الصلاة أيام محيضك ثم اغتسلي، وتوضئي لكل صلاة؛ وإن قطر الدم على الحصير" [الدارقطني].
هكذا رواه عن الأعمش مرفوعًا: وكيع بن الجراح، وعبد الله بن نمير، وعبد الله بن داود الخريبي، وعبيد الله بن موسى، وعثام بن علي، وعلي بن هاشم بن البريد، ومحمد بن ربيعة، ويحى بن عيسى [ليس بالقوي]، وسعيد بن محمد الوراق الثقفي [ضعيف]، وقرة بن عيسى [لم أر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وهو يروي عن الأعمش. كنى مسلم (٩٥). الطبقات الكبرى (٧/ ٣١٤)، (١٠):
[وهم عشرة من الثقات عدا من بيَّنت حاله]: هكذا رووه عن الأعمش، ورواية وكيع أتم، إلا أن عبد الله بن داود الخريبي [عند: الدارقطني، وأبي يعلى، وابن الأعرابي]، وعبيد الله بن موسى [عند: أبي يعلى]، وعثام بن علي [عند: أبي يعلى]، وسعيد بن محمد الوراق [عند: الدارقطني]: رووه عن الأعمش مختصرًا، لم يذكروا فيه الوضوء، قالوا في روايتهم: "تصلي المستحاضة، وإن قطر الدم على الحصير" مرفوعًا.
وروي عن عبد الله بن داود الخريبي مطولًا مثل الجماعة [في الخلافيات (١٠٧٨). والمبهمات]، إلا أنه لا يصح عنه، فالراوي عنه هو محمد بن يونس الكديمي: هالك، كذبه جماعة، واتهم بالوضع، ورواه عن الخريبي مختصرًا بدون ذكر الوضوء، كما ذكرنا: ثلاثة من الثقات: زكريا بن يحيى بن صبيح زحمويه، والفضل بن سهل، وإبراهيم بن هانئ، وهو المعروف عن الخريبي.
стр. 1194
وهؤلاء العشرة فيهم من ثقات أصحاب الأعمش: وكيع، وابن نمير، وعبيد الله بن موسى، وعبد الله بن داود الخريبي، ويحيى بن عيسى.
• وخالفهم؛ فأوقفه على عائشة:
حفص بن غياث [ثقة، من أثبت أصحاب الأعمش، قدمه فيه يحيى القطان وابن مهدي. شرح العلل (٢/ ٧١٩)]، وأبو أسامة حماد بن أسامة [ثقة ثبت، من أعلم الناس بحديث أهل الكوفة]، وأسباط بن محمد [ثقة]، وعلي بن هاشم [ثقة]:
رواه أربعتهم، عن الأعمش، عن حبيب، عن عروة، عن عائشة، في المستحاضة: "تصلي، وإن قطر الدم على حصيرها".
وفي رواية: أنها سئلت عن المستحاضة؟ فقالت: "لا تدع الصلاة، وإن قطر الدم على الحصير".
أخرجه الدارقطني (١/ ٢١٣).
وبرواية هؤلاء الأربعة الموقوفة: أعل جماعة حديث الأعمش هذا ورجحوا فيه الموقوف.
قال عثمان بن أبي شيبة، وذكر حديث حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة: "تصلي المستحاضة، وإن قطر الدم على الحصير"، قال: "وكيع يرفعه، وعلي بن هاشم وحفص يوقفانه" [سنن الدارقطني].
وقال أبو داود: "وحديث عدي بن ثابت، والأعمش عن حبيب، وأيوب أبي العلاء: كلها ضعيفة لا تصح، ودل على ضعف حديث الأعمش عن حبيب: هذا الحديث أوقفه حفص، وأنكر حفص بن غياث أن يكون حديث حبيب مرفوعًا، وأوقفه أيضًا: أسباط عن الأعمش، موقوف عن عائشة".
قال أبو داود: "ورواه ابن داود، عن الأعمش مرفوعًا أوله، وأنكر أن يكون فيه الوضوء عند كل صلاة.
ودل على ضعف حديث حبيب هذا: أن رواية الزهري عن عروة عن عائشة قالت: "فكانت تغتسل لكل صلاة" في حديث المستحاضة".
وقال الدارقطني: "تابعه [يعني: علي بن هاشم]: وكيع، والخريبي، وقرة بن عيسى، ومحمد بن ربيعة، وسعيد بن محمد الوراق، وابن نمير: عن الأعمش، فرفعوه.
ووقفه حفص بن غياث، وأبو أسامة، وأسباط بن محمد: وهم أثبات".
وبنحو هذا: قال البيهقي في السنن (١/ ٣٤٥)، وفي الخلافيات (٣/ ٤٤٧)، ونقل كلام أبي داود في السنن بتمامه وبعضه في المعرفة (١/ ٣٨٠)، ونقله أيضًا الدارقطني.
قال البيهقي في الخلافيات: "يقال: إن عروة هذا ليس بابن الزبير، إنما هو عروة المزني، وقد سبق ذكري له في مسألة اللمس".
• قلت: وما قاله هنا ليس بصحيح، وعروة هذا هو ابن الزبير، وقد ورد منسوبًا
стр. 1195
هكذا "عروة بن الزبير" عند: ابن ماجه، والدارقطني، من رواية وكيع، ومحمد بن ربيعة.
هذه هي العلة الأولى لهذا الحديث، وهي أن الحفاظ رجحوا رواية الوقف على رواية الرفع؛ وجعلوا الموقوف علة المرفوع.
قال ابن رجب: "وهو أصح عند الأكثرين" [الفتح (١/ ٤٥١)].
والعلة الثانية: الانقطاع بين حبيب بن أبي ثابت، وعروة بن الزبير، وأنه لم يسمع منه هذا الحديث؛ بل ولا غيره.
قال الدارقطني في السنن (١/ ٢١٣): "حدثنا أبو بكر النيسابوري [يعني: عبد الله بن محمد بن زياد بن واصل: ثقة حافظ. السير (١٥/ ٦٥)]: ثنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم [نيسابوري، ثقة]، قال: جئنا من عند عبد الله بن داود الخريبي إلى يحيى بن سعيد القطان، فقال: من أين جئتم؟ قلنا: من عند عبد الله بن داود. فقال: ما حدثكم؟ قلنا: حدثنا عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة. . . الحديث. فقال يحيى: أما إن سفيان الثوري كان أعلم الناس بهذا، زعم أن حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة بن الزبير شيئًا"، وقد ذكره بنحوه في موضع سابق (١/ ١٣٩)، وأسنده أيضًا في العلل (١٥/ ٦٤/ ٣٨٣٧).
وفي سؤالات مهنأ: "سألت أبا عبد الله عن حديث الأعمش، عن حبيب، عن عروة: في المستحاضة؟ فقال: ليس بصحيح، قال: قلت: من قبل من الخطأ؟ قال: من قبل الأعمش؛ لأن حبيبًا لم يحدث عن عروة بن الزبير بشيء. قال: قلت لأحمد: قال يحىي بن سعيد: هو شبه لا شيء. قال: نعم، هو كذلك" [شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي (٣/ ٨٦٤)].
وقال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة بن الزبير شيئًا" [سنن البيهقي (١/ ٣٤٥)].
وقال أبو حاتم في حبيب بن أبي ثابت: "وروى عن عروة: حديث المستحاضة، وحديث القبلة للصائم، ولم يسمع ذلك من عروة" [الجرح والتعديل (٣/ ١٠٧)].
ونقل ابن أبي حاتم في المراسيل (٨١) عن يحيى بن معين قال: "لم يسمع حبيب بن أبي ثابت من عروة"، وكذا قال أحمد: "لم يسمع من عروة".
وقال البخاري: "حبيب بن أبي ثابت: لم يسمع من عروة" [جامع الترمذي (٨٦ و ٩٣٦ و ٣٤٨٠)، علل الترمذي الكبير (٥٦)، وص (٣٨٦) رقم (٣١)].
وقال ابن المنذر: "ويقال: إن حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة شيئًا" [الأوسط (١/ ١٢٩)].
وقال البيهقي في الخلافيات (٢/ ١٦٦): "حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة بن الزبير".
وانظر في هذا أيضًا: سنن البيهقي (١/ ١٢٦ و ٣٤٥)، العلل المتناهية (١/ ٣٦٣)،
следующие страницы →