Полный текст (16 465 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
• تابع يونس بن يزيد على إسناده:
١ - معمر بن راشد، واختلف عليه:
أ- فرواه الشافعي في اختلاف الحديث (٧٥)، وفي المسند (١٦٠)، قال: أخبرنا الثقة، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبيه، عن عمار بن ياسر ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فنزلت آية التيمم، فتيممنا مع النبي ﷺ إلى المناكب.
ومن طريقه: البيهقي في المعرفة (١/ ٢٨٨/ ٣١٩)، والحازمي في الاعتبار (١/ ٢٦٦/ ٤٩).
والشافعي يروي عن معمر بواسطة: مطرف بن مازن [قال النسائي: "ليس بثقة"، اللسان (٦/ ٥٦)]، وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد [صدوق يخطئ]، وسفيان بن عيينة، وابن المبارك، وابن علية [وهم ثقات]، فلا ندري ممن أخذه، أعن الثقة؟ أم عن الضعيف؟.
ب- ورواه عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أن عمار بن ياسر كان يحدث: أنه كان مع النبي ﷺ في سفر، معه عائشة، فهلك عقدها، فحبس الناس في ابتغائه، حتى أصبحوا، وليس معهم ماء، فنزل التيمم. قال عمار: فقاموا فمسحوا بها، فضربوا أيديهم فمسحوا وجوههم، ثم عادوا فضربوا بأيديهم ثانية، ثم مسحوا أيديهم إلى الإبطين -أو قال: إلى المناكب-.
أخرجه عبد الرزاق (١/ ٢١٣/ ٨٢٧)، وعنه: أحمد (٤/ ٣٢٠)، وأبو يعلى (٣/ ٢٠٠/ ١٦٣٢)، وابن المنذر (٢/ ٤٧/ ٥٣٥)، وابن عبد البر (٧/ ١٧٩).
وهذا أصح، فإن عبد الرزاق ثبت في معمر.
وعليه: يكون معمر قد تابع يونس على إسناده، وتابعه أيضًا في المتن بذكر المناكب والضربتين.
٢ - الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عمار بن ياسر أنه قال: سقط عقد عائشة فتخلفت لالتماسه، فانطلق أبو بكر إلى عائشة فتغيظ عليها في حبسها الناس، فأنزل الله الرخصة في التيمم، قال: فمسحنا يومئذ إلى المناكب، قال: فانطلق أبو بكر إلى عائشة فقال: ما علمت إنك لمباركة.
أخرجه ابن ماجه (٥٦٥)، والشاشي (٢/ ٤٣٣/ ١٠٤١).
لكنه اختصره ولم يذكر الضربتين.
٣ - ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عبيد الله، عن عمار بن ياسر، قال: هلك عقد لعائشة من جزع ظفار [خرز يماني، وظفار: جبل أو مدينة باليمن، في سفر من أسفار رسول الله ﷺ ، وعائشة مع رسول الله ﷺ في ذلك السفر، فالتمست عائشة عقدها حتى انبهر الليل، فجاء أبو بكر فتغيظ عليها، وقال: حبست الناس بمكان ليس فيه ماء، قال: فأنزلت آية الصعيد، فجاء أبو بكر فقال: أنت والله يا بنية ما علمت مباركة، فقال عبيد الله: وكان عمار يحدث: أن الناس طفقوا يومئذ يمسحون بأكفهم الأرض، فيمسحون بها وجوههم، ثم
стр. 1262
يعودون فيضربون ضربة أخرى، فيمسحون بها أيديهم إلى المناكب والآباط، ثم يصلون.
أخرجه الطيالسي (٢/ ٢٨/ ٦٧٢)، واللفظ له، وأحمد (٤/ ٣٢٠)، وأبو يعلى (٣/ ٢٠١/ ١٦٣٣)، وابن جرير الطبري في تفسيره (٤/ ١١٥/ ٩٦٧٥)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١١١)، والشاشي (٢/ ٤٣٣/ ١٠٤٠)، والبيهقي (١/ ٢٠٨).
فذكر المناكب والآباط، وذكر ضربتين.
واتفقوا جميعًا: يونس، ومعمر، والليث، وابن أبي ذئب: على أن هذه الصفة في التيمم إنما كانت من الناس من تلقاء أنفسهم، ولم يقل أحد منهم: إن النبي ﷺ هو الذي أمرهم بذلك؛ إلا في رواية شاذة عن يونس.
واتفق على ذكر الضربتين: يونس، ومعمر، وابن أبي ذئب، وروايتهم مرسلة، فإن عبيد الله لم يدرك عمارًا [تحفة التحصيل (٢١٨)].
• وخالف هؤلاء الأربعة في إسناده عن ابن شهاب:
***
٣٢٠ - صالح، عن ابن شهاب: حدثني عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن عمار بن ياسر: أن رسول الله ﷺ عرَّس بأُولاتِ الجيش، ومعه عائشة فانقطع عقد لها من جزع ظفار، فحبس الناس ابتغاء عقدها ذلك حتى أضاء الفجر، وليس مع الناس ماء؛ فتغيظ عليها أبو بكر، وقال: حبست الناس وليس معهم ماء! فأنزل الله تعالى على رسوله ﷺ رخصة التطهر بالصعيد الطيب، فقام المسلمون مع رسول الله ﷺ فضربوا بأيديهم إلى الأرض ثم رفعوا أيديهم ولم يقبضوا من التراب شيئًا، فمسحوا بها وجوههم، وأيديهم إلى المناكب، ومن بطون أيديهم إلى الآباط.
زاد ابن يحيى في حديثه: قال ابن شهاب في حديثه: ولا يعتبر بهذا الناس.
• حديث شاذ.
أخرجه النسائي في المجتبى (١/ ١٦٧/ ٣١٤)، وفي الكبرى (١/ ١٩٠/ ٢٩٦)، وابن الجارود (١٢١)، وأحمد (٤/ ٢٦٣ - ٢٦٤)، وإبراهيم الحربي في غريب الحديث (٣/ ١٠٧٩ و ١١٢٨)، وأبو يعلى (٣/ ١٩٨/ ١٦٢٩)، والهيثم بن كليب الشاشي (٢/ ٤٢١/ ١٠٢٤)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١١٠ و ١١١)، وفي أحكام القرآن (١٠٦)، وابن حزم (٢/ ١٥٣)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٠٨)، وفي المعرفة (٣٢٠)، وابن عبد البر (٧/ ١٦٩ و ١٧٨)، والواحدي في أسباب النزول (١٧٦)، والحازمي في الاعتبار (١/ ٢٦٧ / ٥٠)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٢٧٣/٢٣٤).
فزاد صالح بن كيسان: عبد الله بن عباس في الإسناد وجعلها ضربة واحدة.
стр. 1263
• وتابعه على إسناده:
١ - محمد بن إسحاق، قال: حدثني محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن عباس، عن عمار بن ياسر، قال: كنت في القوم حين نزلت الرخصة في المسح بالصعيد إذا لم نجد الماء، قال: فضربنا ضربة باليدين بالصعيد للوجه فمسحناه مسحة واحدة، قال: ثم ضربنا ضربة أخرى لليدين فمسحناهما بهما إلى المنكبين ظهرًا وبطنًا.
أخرجه أبو يعلى (٣/ ١٩٩/ ١٦٣٠)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١١٠)، وفي أحكام القرآن (١٠٢)، والبزار (٤/ ٢٢١/ ١٣٨٣ و ١٣٨٤).
لكن جعلهما ضربتين.
٢ - عبد الرحمن بن إسحاق [المدني: صدوق يخطئ، لكن الإسناد إليه لا يصح، فإن الراوي عنه: يوسف بن خالد السمتي: متروك، كذبه ابن معين]، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس: أن عمار بن ياسر، قال: تيممنا مع رسول الله ﷺ فمسحنا وجوهنا وأيدينا إلى المناكب بالتراب.
أخرجه أبو يعلى (٣/ ١٨٤ و ٢١٣/ ١٦٠٩ و ١٦٥٢).
***
قال أبو داود: وكذلك رواه ابن إسحاق، قال فيه: عن ابن عباس، وذكر ضربتين كما ذكر يونس.
ورواه معمر عن الزهري: ضربتين.
وقال مالك: عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبيه، عن عمار.
وكذلك قال أبو أويس، عن الزهري.
وشك فيه ابن عيينة؛ قال مرة: عن عبيد الله، عن أبيه، أو: عن عبيد الله، عن ابن عباس. ومرة قال: عن أبيه. ومرة قال: عن ابن عباس. اضطرب ابن عيينة فيه، وفي سماعه من الزهري.
ولم يذكر أحد منهم في هذا الحديث الضربتين إلا من سميت.
المحفوظ: قول مالك ومن تابعه، ورجال إسناده ثقات، وصححه ابن حبان وغيره.
وانظر فيمن ذكر الاختلاف على الزهري في هذا الحديث: سنن البيهقي (١/ ٢٠٨).
قلت: رواية ابن إسحاق تقدمت في الوجه الثاني من الاختلاف على الزهري في هذا الحديث.
ورواية معمر تقدمت في الوجه الأول.
стр. 1264
• وأما الوجه الثالث:
١ - فقد روى مالك بن أنس، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أنه أخبره عن أبيه، عن عمار بن ياسر، قال: تيممنا مع رسول الله ﷺ بالتراب فمسحنا بوجوهنا وأيدينا إلى المناكب.
أخرجه النسائي في المجتبى (١/ ١٦٨/ ٣١٥)، وفي الكبرى (١/ ١٩١/ ٢٩٧)، وابن حبان (٤/ ١٣٣/ ١٣١٠)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١١٠)، وفي أحكام القرآن (١٠٤ و ١٠٥)، والشاشي (٢/ ٤٣٤/ ١٠٤٢)، وابن حزم (٢/ ١٥٣)، والبيهقي (١/ ٢٠٨)، وابن عبد البر (٧/ ١٧٨).
٢ - تابعه أبو أويس [عبد الله بن عبد الله بن أويس: صدوق يهم]، عن الزهري: أن عبيد الله بن عبد الله أخبره، عن أبيه، عن عمار بن ياسر، أنه قال: تمسحنا مع رسول الله ﷺ من التراب فمسحنا بوجوهنا وأيدينا إلى المناكب.
أخرجه أبو يعلى (٣/ ١٩٩/ ١٦٣١).
٣ - واختلف فيه على ابن عيينة:
أ- فرواه الإمام الشافعي، والحميدي، وأبو بكر محمد بن خلاد [ثقة]، ومحمد بن عمرو بن العباس الباهلي [ثقة. تاريخ بغداد (٣/ ١٢٧)]، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر العدني [حافظ صدوق، لازم ابن عيينة]، والزبير بن بكار قاضي مكة [ثقة] (٦):
ستتهم: عن سفيان بن عيينة، قال: حدثنا الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبيه، عن عمار بن ياسر، قال: تيممنا مع النبي ﷺ إلى المناكب [والآباط].
قال أبو بكر الحميدي: حضرت سفيان، وسأله عنه يحيى بن سعيد القطان فحدثه، وقال فيه: حدثنا الزهري، ثم قال: حضرت إسماعيل بن أمية أتى الزهري فقال: يا أبا بكر! إن الناس ينكرون عليك حديثين تحدث بهما، فقال: وما هما؟ قال: تيممنا مع النبي ﷺ إلى المناكب، فقال الزهري: أخبرني عبيد الله بن عبد الله، عن أبيه، عن عمار.
قال: وحديث عمر أنه أمر بالوضوء من مس الإبط، فرأيت الزهري كأنه أنكره، وقد كان عمرو بن دينار حدثناه، عن الزهري قبل ذلك، فذكرته لعمرو، قال: بلى، قد حدثنا به.
كذا الرواية في مسند الحميدي، ورواها [أعني: هذه القصة] يعقوب بن سفيان الفسوي في المعرفة، ومن طريقه: البيهقي في السنن، قال يعقوب: ثنا أبو بكر الحميدي، قال: سمعت يحيى بن سعيد القطان يسأل سفيان -يعني: ابن عيينة- عن هذا الحديث: تيممنا مع رسول الله ﷺ إلى المناكب؟ فقال سفيان: حضرت إسماعيل بن أمية أتى الزهري، فقال: يا أبا بكر إن الناس ينكرون عليك حديثين، قال: وما هما؟ فقال: تيممنا مع رسول الله ﷺ إلى المناكب. فقال الزهري: أخبرنيه عبيد الله بن عبد الله، عن أبيه، عن عمار، قال: تيممنا مع رسول الله ﷺ إلى المناكب. فقال إسماعيل: وحديث عبيد الله في
стр. 1265
مس الإبط؟ فكان الزهري كف عنه كالمنكر له وأنكره، فأتيت عمرو بن دينار فأخبرته وقد كنت سمعته يحدث به، عن الزهري، فقال عمرو: بلى، حدثني الزهري، عن عبيد الله: أن عمر أمر رجلًا أن يتوضأ من مس الإبط.
قال أبو بكر الحميدي: ثم سمعت بعد ذلك بعض أصحابنا يقول: إنه دخل على سفيان في شفاعة، فسأله عن حديث التيمم فحدثه به عن عمرو، فقلت للذي حدثني: ما أراه ذهب إلا إلى مس الإبط، وأخبرته بعض هذه القصة أو بنحو منها، ثم لم يزل في نفسي حتى سألت سفيان عنه؟ فقال: هو عن الزهري، ليس عن عمرو، ولكن الذي حدثنا عمرو: حديث الإبط، وأخبرته عن الرجل الذي حكى عنه، فقال سفيان: إما لم يحفظ عليَّ، وإما أن أكون أنا وهمت.
الحديث أخرجه: الشافعي في اختلاف الحديث (٧٤)، وفي المسند (١٦٠) [وفي سند المطبوع سقط]، والحميدي (١٤٣)، ويعقوب بن سفيان الفسوي في المعرفة والتاريخ (٣/ ٦٦)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١/ ٢١١/ ٢٧٨)، والبزار (٤/ ٢٣٩/ ١٤٠٣)، وأبو علي الطوسي في مختصر الأحكام (١٢٩)، وابن المنذر (٢/ ٤٧/ ٥٣٦)، والرامهرمزي في المحدث الفاصل (٥٦٢ - ٥٦٣)، والبيهقي في السنن (١/ ١٣٨)، وفي المعرفة (٣١٧).
واللفظ للحميدي، والزيادة للباهلي.
• وهذه القصة تبين عوار ما رواه:
ب- ابن أبي عمر العدني، وإبراهيم بن بشار [وهما صدوقان من أصحاب ابن عيينة ممن لازمه وأكثر عنه، لكن يَهِما عليه في الشيء بعد الشيء]، قالا: ثنا سفيان بن عيينة، عن [وقال إبراهيم: ثنا]، عمرو بن دينار، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبيه، عن عمار بن ياسر قال: تيممنا مع رسول الله ﷺ إلى المناكب.
أخرجه ابن ماجه (٥٦٦)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١١١)، وفي أحكام القرآن (١٠٣).
• والمحفوظ: ما رواه أحفظ أصحاب ابن عيينة: الإمام الشافعي، والحميدي، ومن تابعهما.
والقصة التي رواها الحميدي تبين أن هذا الحديث لم يروه ابن عيينة، عن عمرو، عن الزهري، بل سمعه من الزهري مباشرة، وإنما الذي رواه، عن عمرو، عن الزهري إنما هو حديث مس الإبط.
وبهذه القصة لم يبق شك في كون ابن عيينة لم يضطرب في إسناد هذا الحديث -كما قال أبو داود-، بل حفظه ابن عيينة وضبطه، وأجاب يحيى بن سعيد القطان بما يدل على حفظه للحديث، وعدم اضطرابه فيه، وكذلك جوابه للحميدي.
• والحاصل: أن مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وأبا أويس: قد اتفق ثلاثتهم
стр. 1266
على رواية الحديث عن: الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبيه، عن عمار، قال: تيممنا مع رسول الله ﷺ إلى المناكب.
وهذا هو المحفوظ: عن الزهري في هذا الحديث؛ فإن الإمام مالكًا من أثبت الناس في الزهري؛ بل هو أثبت من روى عنه هذا الحديث، والقول قوله، فكيف وقد تابعه عليه: سفيان بن عيينة، وهو أيضًا من أثبت أصحاب الزهري، وتابعهما: أبو أويس المدني.
وابن عيينة أثبت في الزهري من: معمر، ويونس، وابن أبي ذئب، والليث بن سعد، وصالح بن كيسان، فضلًا عن غيرهم، ممن روى عنه هذا الحديث، فكيف وقد تابعه من هو أحفظ منه لحديث الزهري، الإمام مالك.
قال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٣١/ ٦١): "وسألت أبي وأبا زرعة، عن حديث رواه صالح بن كيسان، وعبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن عمار، عن النبي ﷺ في التيمم؟
فقالا: هذا خطأ؛ رواه مالك، وابن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبيه، عن عمار؛ وهو الصحيح، وهما أحفظ.
قلت: قد رواه يونس، وعقيل، وابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عمار، عن النبي ﷺ ، وهم أصحاب الكتب؟
فقالا: مالك صاحب كتاب، وصاحب حفظ".
وما قالاه هو الصواب.
وأما النسائي فقد ذهب إلى تصويب الوجهين: الثاني والثالث، فقال في السنن الكبرى بعدما أخرج حديث صالح بن كيسان -بزيادة ابن عباس في الإسناد-: "خالفه مالك بن أنس: رواه عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبيه، عن عمار"، ثم أخرجه من طريق مالك، ثم قال: "وكلاهما محفوظ، والله أعلم".
قلت: وقوله هذا ممكن محتمل من جهة منزلة عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، فإنه: ثقة ثبت فقيه، وأحد الفقهاء السبعة الأعلام، وكان من بحور العلم، فيحتمل من مثله التعدد في الأسانيد، لكن قول أبي حاتم وأبى زرعة هو الصحبح لوجهين:
الأول: أن مالكًا وابن عيينة: أثبت في الزهري من كل من روى عنه هذا الحديث.
والثاني: أن من قال: عن عبيد الله، عن ابن عباس، فقد سلك الجادة والطريق السهل لكثرة ما يروي عبيد الله عن ابن عباس، بخلاف روايته عن أبيه، فتحتاج إلى حافظ.
وبناء على هذا: فإن عبد الله بن عتبة بن مسعود: ثقة، رفيع القدر، كثير الحديث والفتيا، فقيه، سمع عمر بن الخطاب، واستعمله عمر على سوق المدينة، وكان قد ولد في حياة النبي ﷺ ، وأتي به، فمسحه بيده ودعا له، ذكره البخاري في التابعين، وقال: "سمع عمر ﵁، كان بالكوفة"، وذكره ابن البرقي فيمن أدرك النبي ﷺ ، ولم يثبت عنه رواية، فهو: تابعي من كبار التابعين، وغلط من عده في الصحابة، فقد توفي النبي ﷺ وله
стр. 1267
من العمر قرابة خمس سنين [التاريخ الكبير (٥/ ١٥٧)، معرفة الثقات (٩٣٠)، طبقات ابن سعد (٥/ ٥٨)، الاستيعاب (١٤٦٤)، الإصابة (٤٨٣١)، التهذيب (٢/ ٣٨١)، وغيرها].
وعبد الله بن عتبة معاصر لعمار بن ياسر، وكانا بالكوفة؛ إلا أنه لا يعرف لعبد الله سماع من عمار، ولا رواية إلا في هذا الحديث الواحد.
قال البزار: "ولا نعلم روى عبد الله بن عتبة عن عمار إلا هذا الحديث".
• وهذا الحديث قد صححه ابن حبان، وابن الجارود، وحسنه الحازمي، واحتج به النسائي، وكلام الشافعي وإسحاق بن راهويه يشعر بتصحيحهما لهذا الحديث.
قال الشافعي في اختلاف الحديث ص (٧٤): "فلو كان لا يجوز أن يكون تيمم عمار إلى المناكب إلا بأمر النبي ﷺ مع التنزيل كان منسوخًا؛ لأن عمارًا أخبر أن هذا أول تيمم كان حين نزلت آية التيمم، فكل تيمم كان للنبي ﷺ بعده مخالفه فهو ناسخ له".
ثم ذكر احتمالًا آخر ص (٧٥)، فقال: "أو يكون إنما سمع آية التيمم عند حضور الصلاة، فتيمموا واحتاطوا، فأتوا على غاية ما يقع عليه اسم اليد؛ لأن ذلك لا يضرهم، كما لا يضرهم لو فعلوه في الوضوء، فلما صاروا إلى مسألة النبي ﷺ أخبرهم أنه يجزيهم من التيمم أقل مما فعلوا، وهذا أولى المعاني عندي برواية ابن شهاب من حديث عمار، بما وصفت من الدلائل".
وقال الترمذي بعد حديث قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزي، عن أبيه، عن عمار بن ياسر: أن النبي ﷺ أمره بالتيمم للوجه وللكفين، برقم (١٤٤)، ويأتي عند أبي داود برقم (٣٢٧)، قال الترمذي: "وقد روي هذا الحديث عن عمار في التيمم أنه قال: "للوجه والكفين" من غير وجه، وقد روي عن عمار أنه قال: تيممنا مع النبي ﷺ إلى المناكب والآباط. فضعف بعض أهل العلم حديث عمار عن النبي ﷺ في التيمم للوجه والكفين، لما روى عنه حديث المناكب والآباط.
قال إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي: حديث عمار في التيمم للوجه والكفين: هو حديث حسن صحيح، وحديث عمار: تيممنا مع النبي ﷺ إلى المناكب والآباط: ليس هو بمخالف لحديث الوجه والكفين؛ لأن عمارًا لم يذكر أن النبي ﷺ أمرهم بذلك، وإنما قال: فعلنا كذا وكذا، فلما سأل النبي ﷺ أمره بالوجه والكفين، فانتهى إلى ما علمه رسول الله ﷺ الوجه والكفين، والدليل على ذلك: ما أفتى به عمار بعد النبي ﷺ في التيمم أنه قال: الوجه والكفين، ففي هذا دلالة أنه انتهى إلى ما علمه النبي ﷺ ، فعلمه إلى الوجه والكفين".
وحكى ابن رجب في الفتح (٢/ ٥٧ و ٥٨) قول الشافعي، ثم قال: "وكذا ذكر أبو بكر الأثرم وغيره من العلماء"، وقال بعد حكاية قول ابن راهويه: "وهذا الجواب ذكره إسحاق بن راهويه وغيره من الأئمة".
وأما قول ابن رجب: "وهذا حديث منكر جدًّا، لم يزل العلماء ينكرونه"، فليس بجيد
стр. 1268
بعدما علمت قبول الأئمة له، وتفسيرهم له، وأما إنكار الإمام أحمد له فيحمل على ما حمله عليه الأئمة من أنه ليس عليه العمل، وهذا ما يدل عليه قوله: "ليس بشيء"، والله أعلم.
وقال ابن حبان في الصحيح (٤/ ١٣٤): "كان هذا حيث نزل آية التيمم، قبل تعليم النبي ﷺ عمارًا كيفية التيمم، ثم علمه ضربة واحدة للوجه والكفين؛ لما سأل عمار النبي ﷺ عن التيمم".
وقال ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٥١ و ٥٢): "وأما الأخبار التي رويت عن عمار التي فيها ذكر اختلاف أفعالهم حين نزلت آية التيمم قبل أن يأتوا النبي ﷺ فيعلمهم صفة التيمم مما فعلوه عند نزول الآية احتياطًا قبل أن يأتوا النبي ﷺ فيعلمهم صفة التيمم، فلما جاؤوه علمهم فقال لعمار: "إنما كان يكفيك هذا"، وفي قوله: "إنما كان يكفيك هذا" دليل على أن الفعل الذي كان منهم، كان قبل أن يعلمهم، والدليل على صحة هذا القول أن عمارًا علمهم بعد النبي ﷺ في ولايته أيام عمر على الكوفة: التيمم ضربة للوجه والكفين".
وإلى هذا ذهب أيضًا: الطحاوي في شرح المعاني (١/ ١١١)، والحازمي في الاعتبار (١/ ٢٦٥).
وهذا مما يدل على تصحيحهم للحديث، فلو كان عندهم ضعيفًا لا يثبت لما احتاجوا إلى هذا التأويل، والله أعلم.
***
٣٢١ - الأعمش، عن شقيق قال: كنت جالسًا بين عبد الله وأبي موسى، فقال أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن أرأيت لو أن رجلًا أجنب فلم يجد الماء شهرًا، أما كان يتيمم؟ فقال: لا، وإن لم يجد الماء شهرًا. فقال أبو موسى: فكيف تصنعون بهذه الآية التي في سورة المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ [المائدة: ٦]؟ فقال عبد الله: لو رخص لهم في هذا لأوشكوا إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا بالصعيد. فقال له أبو موسى: وإنما كرهتم هذا لهذا؟ قال: نعم.
فقال له أبو موسى: ألم تسمع قول عمار لعمر: بعثني رسول الله ﷺ في
стр. 1269
حاجة، فأجنبت فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة، ثم أتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: "إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا" فضرب بيده على الأرض فنفضها، ثم ضرب بشماله على يمينه، وبيمينه على شماله، على الكفين، ثم مسح وجهه؟ فقال له عبد الله: أفلم تر عمر لم يقنع بقول عمار؟.
• حديث متفق على صحته.
وهذا لفظ أبي معاوية، وفي رواية مسلم: ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه، ووجهه.
وقد رواه عن الأعمش: أبو معاوية، وشعبة، وحفص بن غياث، وعبد الواحد بن زياد، ويعلى بن عبيد، وعيسى بن يونس.
ورواية أبي معاوية أتم، قال أحمد: "وحديث أبي معاوية أتم وأحسن" [العلل لابنه عبد الله (٥٦٢٤)].
أخرجه البخاري (٣٤٥ و ٣٤٦ و ٣٤٧)، ومسلم (٣٦٨/ ١١٠ و ١١١)، وأبو عوانة (١/ ٢٥٤ - ٢٥٥/ ٨٧٥ - ٨٧٩)، وأبو نعيم في المستخرج (١/ ٤٠٣/ ٨١١)، والنسائي (١/ ١٧٠/ ٣٢٠)، وابن خزيمة (١/ ١٣٦/ ٢٧٠)، وابن حبان (٤/ ١٢٨ و ١٣٠ و ١٣١/ ١٣٠٤ و ١٣٠٥ و ١٣٠٧)، وأحمد في المسند (٤/ ٢٦٤ و ٢٦٥ و ٣٩٦)، وفي العلل ومعرفة الرجال (٣/ ٣٦٩ و ٣٧٠/ ٥٦٢٣ - ٥٦٢٦)، وابن أبي شيبة (١/ ١٤٥ و ١٤٦/ ١٦٧١ و ١٦٧٧)، وأبو العباس السراج في مسنده (٦ و ٧)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (٢٥٧٣ و ٢٥٧٤)، والطحاوي في أحكام القرآن (٩٠)، والهيثم بن كليب (٢/ ٤٢٣ و ٤٢٤/ ١٠٢٥ و ١٠٢٦)، والدارقطني (١/ ١٧٩)، وابن حزم (٢/ ١٥٤ - ١٥٥)، والبيهقي (١/ ٢١١ و ٢١٥ و ٢٢٦)، وابن عبد البر في التمهيد (٧/ ١٧٠)، والبيهقي في المعرفة (٣٢٢).
وعند أحمد في المسند وفي العلل: "قال عفان: وأنكره يحيى -يعني: ابن سعيد- فسألت حفص بن غياث؟ فقال: كان الأعمش يحدثنا به عن سلمة بن كهيل، وذكر أبا وائل".
قلت: الحديث محفوظ عن الأعمش بطريقيه، ومثل هذا يحتمل من الأعمش فهو من كبار الحفاظ الذين يدور عليهم حديث أهل الكوفة.
ورواه عنه بهذا الوجه: شعبة، وأبو معاوية، وهما من أثبت أصحابه، واتفق الشيخان على إخراج حديثه من هذه الوجه، وقال البيهقي: "لا يشك حديثي في صحة إسناده".
لكن قال الإمام أحمد في رواية الأثرم: "إن كان ما روى أبو معاوية حقًّا؛ روى عن الأعمش، عن شقيق القصة، فقال أيضًا: ضربة للوجه والكفين، وتابعه عبد الواحد، قال أبو عبد الله -يعني: أحمد-: فهذان جميعًا قد اتفقا عليه، يقولان: ضربة للوجه والكفين".
стр. 1270
قال ابن رجب في الفتح (٢/ ٨٨): "وإنما أنكر يحيى بن سعيد هذه اللفظة، وتوقف فيها الإمام أحمد؛ لأن شعبة، وحفص بن غياث، وابن عيينة، وغيرهم، رووه: عن الأعمش، ولم يذكروا الضربة الواحدة، ولا صفة التيمم في حديثه، عن شقيق، عن أبي موسى، ثم ذكر أحمد أن أبا معاوية وعبد الواحد قد اتفقا على هذه اللفظة، فزالت نكارة التفرد، وقد تبين أن يعلى تابعهما أيضًا".
وقال ابن رجب أيضًا (٢/ ٨٩ و ٩٠): "وفي حديث أبي معاوية الذي خرجه البخاري ها هنا شيئان أُنكرا على أبي معاوية:
أحدهما: ذكره مسح الوجه بعد مسح الكفين، فإنه قال: "ثم مسح وجهه"، وقد اختلف في هذه اللفظة على أبي معاوية. . . في ذكر مسح الوجه، وعطفه: هل هو بالواو أو بلفظ: ثم، وقد قال الإمام أحمد في رواية أحمد بن عبدة: رواية أبي معاوية عن الأعمش في تقديم مسح الكفين على الوجه: غلط".
والثاني: أنه ذكر أن أبا موسى هو القائل لابن مسعود: إنما كرهتم هذا لهذا؟ فقال ابن مسعود: نعم، وإنما روى أصحاب الأعمش منهم: حفص بن غياث، ويعلى بن عبيد، وعبد الواحد بن زياد: أن السائل هو الأعمش، والمسؤول هو شقيق أبو وائل".
***
٣٢٢ - سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن أبي مالك، عن عبد الرحمن بن أبزى، قال: كنت عند عمر، فجاءه رجل فقال: إنا نكون بالمكان الشهر والشهرين؟ فقال عمر: أما أنا فلم أكن أصلي حتى أجد الماء، قال: فقال عمار: يا أمير المؤمنين! أما تذكر إذ كنت أنا وأنت في الإبل فأصابتنا جنابة، فأما أنا فتمعكت، فأتينا النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: "إنما كان يكفيك أن تقول هكذا"، وضرب بيديه إلى الأرض ثم نفخهما، ثم مسح بهما وجهه ويديه إلى نصف الذراع.
فقال عمر: يا عمار اتق الله، فقال: يا أمير المؤمنين إن شئت والله لم أذكره أبدًا، فقال عمر: كلا، والله لنولينك من ذلك ما توليت.
• صحيح؛ دون ما زاد على الوجه والكفين.
أخرجه عبد الرزاق (١/ ٢٣٨/ ٩١٥)، وابن المنذر (٢/ ١٥/ ٥١٤)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١١٣)، وفي أحكام القرآن (١١٣)، والبيهقي (١/ ٢١٠)، وابن عبد البر (٧/ ١٧١).
هكذا رواه عن الثوري: محمد بن كثير العبدي، وعبد الرزاق بن همام الصنعاني.
ورواه عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن سلمة، عن أبي مالك، وعن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، عن عبد الرحمن بن أبزى، قال: كنا عند عمر. . . فذكره بنحوه، لكن قال: ثم نفخ فيهما، ثم مسح وجهه وبعض ذراعيه.
стр. 1271
أخرجه النسائي (١/ ١٦٨/ ٣١٦)، وأحمد (٤/ ٣١٩)، وأبو يعلى (٣/ ١٨١/ ١٦٠٦).
ورواية عبد الرحمن بن مهدي محفوظة؛ فهو من أثبت الناس في سفيان الثوري، وكلاهما ثقة إمام.
فزاد ابن مهدي في الإسناد: عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى متابعًا لأبي مالك، وهي زيادة مقبولة محفوظة.
• وقد اختلف في إسناد هذا الحديث ومتنه على سلمة بن كهيل:
١ - فرواه سفيان الثوري، عن سلمة به هكذا.
٢ - ورواه الأعمش، عن سلمة، واختلف فيه على الأعمش.
***
٣٢٣ - حفص: حدثنا الأعمش، عن سلمة بن كهيل، عن ابن أبزى، عن عمار بن ياسر. . . في هذا الحديث؛ فقال: "يا عمار! إنما كان يكفيك هكذا"، ثم ضرب بيديه الأرض، ثم ضرب إحداهما على الأخرى، ثم مسح وجهه، والذراعين إلى نصف الساعدين، ولم يبلغ المرفقين، ضربة واحدة.
قال أبو داود: ورواه وكيع، عن الأعمش، عن سلمة بن كهيل، عن عبد الرحمن بن أبزى.
ورواه جرير، عن الأعمش، عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى -يعني: عن أبيه-.
• حديث شاذ.
قلت: الذي وقفت عليه في المصادر: أن رواية وكيع موافقة لرواية جرير مثل الجماعة، وعليه فحديث الأعمش هذا قد اختلف عليه فيه:
أ- فرواه حفص بن غياث، عن الأعمش، عن سلمة، عن ابن أبزى، عن عمار به، وقال: "إلى نصف الساعدين".
ب- ورواه وكيع بن الجراح [ثقة حافظ، من أثبت أصحاب الأعمش]، وجرير بن عبد الحميد [ثقة صحيح الكتاب]، وعبد الله بن نمير [ثقة ثبت، من أصحاب الأعمش]، ويعلى بن عبيد [ثقة، من أصحاب الأعمش]، وعيسى بن يونس [ثقة مأمون. من أصحاب الأعمش]، ومحاضر بن المورع [صدوق. من أصحاب الأعمش]، وعبد الملك بن حميد بن أبي غنية [ثقة]، وأبو يحيى التيمي إسماعيل بن إبراهيم الأحول الكوفي [ضعيف]:
رواه سبعتهم عن الأعمش، عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، قال: جاء رجل إلى عمر. . . فذكر الحديث.
стр. 1272
قال وكيع: ثم نفخهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه.
وقال جرير: فمسح بهما يديه ووجهه.
وقال ابن نمير: ثم نفضهما فمسح يديه.
وقال يعلى بن عبيد: فمسح وجهه وكفيه.
وقال عيسى بن يونس: ثم نفخهما، ومسح بهما وجهه وكفيه.
وقال محاضر بن المورع: ومسح يديه ووجهه.
وقال ابن أبي غنية: ومسح بيديه ووجهه.
وقال أبو يحيى التيمي: ثم نفضهما، ثم نفخ فيهما، ومسح بهما وجهه ويديه.
فلم يقل أحد منهم: إلى نصف الساعدين، ولم يقولوا: والذراعين.
أخرجه ابن خزيمة (١/ ١٣٥/ ٢٦٩)، وأبو عوانة (١/ ٢٥٥ و ٢٥٦/ ٨٨٠ و ٨٨١ و ٨٨٤)، وابن أبي شيبة (١/ ١٤٦/ ١٦٧٨) و (٧/ ٣٠٢/ ٣٦٢٩٢)، والبزار (٤/ ٢٢٥/ ١٣٨٦)، والسراج في مسنده (٨ - ١٠)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (٢٣٨٠)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١١٢)، وفي أحكام القرآن (١١٠)، والهيثم بن كليب (٢/ ٤٢٥ - ٤٢٩/ ١٠٢٧ و ١٠٢٨ و ١٠٣٠ و ١٠٣٥)، والدارقطني (١/ ١٨٣).
ورواية الجماعة أولى بالصواب؛ وهِم فيه حفص.
٣ - ورواه شعبة:
***
٣٢٤ - . . . محمد -يعني: ابن جعفر-: أخبرنا شعبة، عن سلمة، عن ذر، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عمار، بهذه القصة، فقال: "إنما كان يكفيك"، وضرب النبي ﷺ بيده إلى الأرض، ثم نفخ فيهما، ومسح بهما وجهه وكفيه.
شك سلمة قال: لا أدري؟ فيه: إلى المرفقين؛ يعني: أو: إلى الكفين.
• صحيح؛ دون ما زاد على الوجه والكفين.
أخرجه النسائي (١/ ١٦٥ - ١٦٦/ ٣١٢)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (١/ ٤٠٤/ ٨١٣)، وأحمد (٤/ ٢٦٥).
***
٣٢٥ - حجاج -يعني: الأعور-: حدثني شعبة، بإسناده بهذا الحديث، قال: ثم نفخ فيها، ومسح بها وجهه، وكفيه إلى المرفقين -أو: الذراعين-.
стр. 1273
قال شعبة: كان سلمة يقول: الكفين، والوجه، والذراعين، فقال له منصور ذات يوم: انظر ما تقول! فإنه لا يذكر الذراعين غيرك.
• صحيح؛ دون ما زاد على الوجه والكفين.
أخرجه النسائي (١/ ١٧٠/ ٣١٩)، والبيهقي (١/ ٢١٠).
• تابعهما: يحيى بن سعيد القطان، وعمرو بن مرزوق، وأبو داود الطيالسي، ومسلم بن إبراهيم الفراهيدي:
أربعتهم: عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، قال: سمعت ذرًا يحدث، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، أن رجلًا أتى عمر. . . فذكر نحوه.
قال شعبة: ثم شك سلمة فلم يدر؛ إلى الكوعين، أو: إلى المرفقين [لفظ الطيالسي].
أخرجه مسلم (٣٦٨/ ١١٢) تبعًا لحديث شعبة عن الحكم، فساق الإسناد ولم يسق لفظه، وأبو نعيم في المستخرج (١/ ٤٠٤/ ٨١٣)، والطيالسي (٢/ ٣١/ ٦٧٤)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١١٣)، وفي أحكام القرآن (١٠٩)، والشاشي (٢/ ٤٢٧ - ٤٢٨/ ١٠٣٢)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٠٩ و ٢١٠)، وفي المعرفة (٣٢٤).
• والحاصل: أن الثوري، وشعبة، والأعمش، قد اختلفوا في إسناد هذا الحديث:
١ - فرواه سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن أبي مالك وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، عن عبد الرحمن بن أبزى، قال: كنا عند عمر. . . فذكر الحديث، وفيه: ثم نفخ فيهما، ثم مسح وجهه، وبعض ذراعيه، وفي رواية: إلى نصف الذراع.
٢ - ورواه شعبة، عن سلمة بن كهيل، قال: سمعت ذرًا يحدث، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه: أن رجلًا أتى عمر. . . فذكر الحديث، وفيه: ثم نفخ فيها، ومسح بها وجهه وكفيه، شك سلمة قال: لا أدري؟ فيه: إلى المرفقين؛ يعني: أو: إلى الكفين.
وفي رواية: ثم شك سلمة فلم يدر، إلى الكوعين، أو: إلى المرفقين.
وفي رواية: قال شعبة: كان سلمة يقول: الكفين، والوجه، والذراعين، فقال له منصور ذات يوم: انظر ما تقول! فإنه لا يذكر الذراعين غيرك، [فشك سلمة فقال: لا أدري! ذكر الذراعين أم لا].
٣ - ورواه الأعمش، عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، قال: جاء رجل إلى عمر. . . فذكر الحديث، وفيه: ثم نفخهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه.
قلت: والثلاثة: الثوري، وشعبة، والأعمش: أئمة حفاظ، وسلمة بن كهيل: ثقة ثبت متقن.
стр. 1274
وقد سأل ابن أبي حاتم أبا زرعة، عن هذا الحديث إلا أنه جعل رواية الأعمش كرواية شعبة متابعًا له فيها، فقال أبو زرعة: "حديث شعبة أشبه"، قال ابن أبي حاتم: "قلت لأبي زرعة: ما اسم أبي مالك؟ قال: لا يسمى، وهو الغفار" [العلل (٢)].
وقال ابن أبي حاتم في موضع آخر (٣٤): "وسألت أبي عن اختلاف حديث عمار بن ياسر في التيمم، وما الصحيح منها؟
فقال: رواه الثوري، عن سلمة، عن أبي مالك الغفاري، عن عبد الرحمن بن أبزى، عن عمار، عن النبي ﷺ في التيمم.
ورواه شعبة، عن الحكم، عن ذر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عمار، عن النبي ﷺ .
ورواه شعبة، عن سلمة، عن ذر، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عمار، عن النبي ﷺ .
ورواه حصين، عن أبي مالك قال: سمعت عمارًا يذكر التيمم موقوفًا.
قال أبي: الثوري أحفظ من شعبة.
قلت لأبي: فحديث حصين عن أبي مالك؟
قال: الثوري أحفظ، ويحتمل أن يكون سمع أبو مالك من عمار كلامًا غير مرفوع، ويسمع مرفوعًا من عبد الرحمن بن أبزى، عن عمار، عن النبي ﷺ . . . القصة.
قلت: فأبو مالك سمع من عمار شيئًا؟
قال: ما أدري ما أقول لك؟ قد روى شعبة، عن حصين، عن أبي مالك: سمعت عمارًا، ولو لم يعلم شعبة أنه سمع من عمار ما كان شعبة يرويه، وسلمة أحفظ من حصين.
قلت: ما تنكر أن يكون سمع من عمار، وقد سمع من ابن عباس؟
قال: بين موت ابن عباس وبين موت عمار قريب من عشرين سنة".
• قلت: أما حديث سلمة بن كهيل:
فإن كان حديث شعبة هو المحفوظ؛ فهو حديث صحيح، عدا ما شك فيه سلمة، وهو ما زاد على الكفين، فقد تابعه الحكم بن عتيبة على الكفين حسب، ولم يزد شيئًا وهو الصحيح، وأما ما زاده سلمة بن كهيل شكًا منه فلم يتابع عليه في هذا الحديث، بل أنكره عليه منصور، فقال له: "انظر ما تقول! فإنه لا يذكر الذراعين غيرك".
وإن كان حديث الثوري هو المحفوظ -فإنه أحفظهم-: فهو حديث صحيح أيضًا؛ عدا ما زاده سلمة على الكفين.
فإن أبا مالك الغفاري واسمه غزوان [سماه ابن معين ومسلم، وأبو حاتم، والبخاري، وأبو داود، وابن حبان]: كوفي ثقة [وثقه ابن معين، والعجلي، وابن حبان] [انظر: التاريخ الكبير (٧/ ١٠٨)، الجرح والتعديل (٧/ ٥٥)، العلل ومعرفة الرجال
стр. 1275
(١/ ٣٨٨/ ٧٦٧ و ٧٦٩) و (٣/ ٢٦/ ٤٠٣١)، تاريخ ابن معين للدوري (٣/ ١١٠ و ٤٩٥ و ٥٥٦/ ٤٥٩ و ٢٤٢١ و ٢٧٢٤) و (٤/ ٢٩١٣/١٦)، كنى مسلم (٣٠٥٤)، سؤالات الآجري (٥/ ق ٤٣)، ثقات العجلي (١٨٠٤)، طبقات ابن سعد (٦/ ٢٩٥)، ثقات ابن حبان (٥/ ٢٩٣)، التهذيب (٣/ ٣٧٥)، التقريب (٤٩٠)].
وقد تابعه عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى: روى عنه جماعة من الثقات، وذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٩)، وسأل الأثرم الإمام أحمد فقال: "قلت لأحمد: سعيد وعبد الله أخوان؟ قال: نعم. قلت: فأيهما أحب إليك؟ قال: كلاهما عندي حسن الحديث"، وسعيد أخوه: ثقة؛ وثقه النسائي، وابن حبان، وقد سوى بينهما الإمام أحمد كما ترى [انظر: التهذيب (٢/ ٣٧١)].
قال البيهقي في المعرفة (١/ ٢٩١): "واختلفوا فيه على أبي مالك حبيب بن صهبان: فقيل: عنه عن عبد الرحمن بن أبزى: إلى نصف الذراع.
وقيل: عنه عن عمار نفسه: وجهه وكفيه.
والاعتماد على رواية الحكم بن عتيبة؛ فهو فقيه حافظ لم يشك في الحديث، وسياقه أحسن سياقة، كما رواه شقيق بن سلمة، عن أبي موسى، عن عمار".
قلت: نعم؛ الاعتماد في هذا الحديث على رواية الحكم بن عتيبة المتفق عليها، وأما تسمية أبي مالك بحبيب بن صهبان فلا يتابع عليه البيهقي، بل جزم الحفاظ بأن أبا مالك هذا الذي يروي عنه سلمة بن كهيل؛ هو غزوان [راجع المصادر السابق ذكرها].
وقال في السنن (١/ ٢١٠) "هذا الاختلاف في متن حديث ابن أبزى، عن عمار: إنما وقع أكثره من سلمة بن كهيل لشك وقع له، والحكم بن عتيبة: فقيه حافظ، قد رواه عن ذر بن عبد الله، عن سعيد بن عبد الرحمن، ثم سمعه من سعيد بن عبد الرحمن؛ فساق الحديث على الإثبات من غير شك فيه، وحديث قتادة: عن عزرة يوافقه، وكذلك حديث حصين، عن أبي مالك".
وأما حديث الأعمش: فهو خطأ.
• وأما حديث أبي مالك الغفاري؛ فقد اختلف عليه:
١ - فرواه سلمة بن كهيل، عن أبي مالك، عن عبد الرحمن بن أبزى، عن عمار، عن النبي ﷺ ، وتقدم برقم (٣٢٢).
٢ - ورواه حصين بن عبد الرحمن، عن أبي مالك واختلف عليه:
أ- فرواه شعبة، وأبو الأحوص، وعبد الله بن إدريس، وزائدة بن قدامة:
أربعتهم [وهم ثقات حفاظ متقنون]: رووه عن حصين، قال: سمعت أبا مالك يقول: سمعت عمار بن ياسر يخطب بالكوفة، وذكر التيمم، فضرب بيده الأرض، فمسح وجهه ويديه. لفظ شعبة.
وفي رواية زائدة: أنه غمس باطن كفيه في التراب، ثم نفخ فيها، ثم مسح وجهه، ويديه إلى المفصل، وقال عمار: هكذا التيمم.
стр. 1276
وبنحوه رواية أبي الأحوص، وزاد: مرة واحدة.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٤٧/ ١٦٨٥)، وابن المنذر (٢/ ٥٤٦/٥٢ و ٥٤٧)، والطحاوي (١/ ١١٢)، والدارقطني (١/ ١٨٤)، وابن جرير في تفسيره (٤/ ١١٣/ ٩٦٥٤ و ٩٦٥٦).
ب- وخالفهم: إبراهيم بن طهمان [ثقة يغرب]، فرواه عن حصين، عن أبي مالك، عن عمار بن ياسر؛ أنه أجنب في سفر له، فتمعك في التراب ظهرًا لبطن، فلما أتى النبي ﷺ أخبره فقال: "يا عمار إنما كان يكفيك أن تضرب بكفيك في التراب، ثم تنفخ فيهما، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك إلى الرسغين".
أخرجه ابن أبي حاتم في العلل (٨٥)، والدارقطني (١/ ١٨٣).
قال الدارقطني: "لم يروه عن حصين مرفوعًا غير إبراهيم بن طهمان، ووقفه شعبة وزائدة وغيرهما، وأبو مالك في سماعه من عمار نظر، فإن سلمة بن كهيل قال فيه: عن أبي مالك، عن ابن أبزى، عن عمار، قاله الثوري عنه".
وقال أبو حاتم: "هو أبو مالك الغفاري، والصحيح عن عمار موقوفًا، من حديث حصين عن أبي مالك".
فالمحفوظ من حديث حصين: موقوف على عمار.
• لكن ما الراجح والصحيح من حديث أبي مالك؟
أما الدارقطني فقد مال إلى ترجيح رواية سلمة بن كهيل، وأعل بها رواية حصين بدون الواسطة.
وأما أبو حاتم فقد تقدم أن ابنه سأله (٣٤) فقال: "فحديث حصين عن أبي مالك؟ قال: الثوري أحفظ، ويحتمل أن يكون سمع أبو مالك من عمار كلامًا غير مرفوع، ويسمع مرفوعًا من عبد الرحمن بن أبزى، عن عمار، عن النبي ﷺ . . . القصة. قلت: فأبو مالك سمع من عمار شيئًا؟ قال: ما أدري ما أقول لك؟ قد روى شعبة عن حصين عن أبي مالك: سمعت عمارًا، ولو لم يعلم شعبة أنه سمع من عمار ما كان شعبة يرويه، وسلمة أحفظ من حصين. قلت: ما تنكر أن يكون سمع من عمار وقد سمع من ابن عباس؟ قال: بين موت ابن عباس وبين موت عمار قريب من عشرين سنة".
قال أبو زرعة العراقي في تحفة التحصيل ص (٣٧٣): "وأشار أبو حاتم بقوله: "وسلمة أحفظ من حصين"، إلى ترجيح رواية سلمة بن كهيل عن أبي مالك عن عبد الرحمن بن أبزى عن عمار، فأثبت بين أبي مالك وعمار واسطة، ورواية سلمة هذه رواها أبو داود والنسائي لحديث التيمم، وقال الدارقطني: في سماع أبي مالك من عمار نظر".
قلت: كلام أبي حاتم ليس فيه الجزم بترجيح رواية سلمة بن كهيل، بل قال باحتمال صحة رواية حصين والتي فيها إثبات سماعه الموقوف من طريق شعبة.
стр. 1277
وعلى هذا الاحتمال، يقال بأن أبا مالك سمع عمارًا وهو يخطب بالكوفة، فوصف لهم التيمم، موقوفًا عليه، هكذا رواه الحفاظ عن حصين، ثم هو قد سمع من عبد الرحمن بن أبزى، عن عمار، عن النبي ﷺ ، في صفة التيمم مرفوعًا، هكذا رواه الثوري عن سلمة بن كهيل، ولما كان الإسناد إلى أبي مالك في الموقوف والمرفوع صحيحًا، رجاله أئمة ثقات حفاظ، صارا كالحديثين، لذا قال أبو حاتم: "ويحتمل أن يكون سمع أبو مالك من عمار كلامًا غير مرفوع، ويسمع مرفوعًا من عبد الرحمن بن أبزى، عن عمار، عن النبي ﷺ ، فالله أعلم، وبين وفاة عمار وابن عباس إحدى وثلاثون سنة (٣٧ - ٦٨).
***
٣٢٦ - شعبة، قال: حدثني الحكم، عن ذر، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عمار، في هذا الحديث، قال: فقال -يعني: النبي ﷺ : "إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك إلى الأرض، فتمسح بهما وجهك وكفيك"، وساق الحديث.
• حديث متفق على صحته.
هذا حديث يحيى بن سعيد القطان، عن شعبة -ولفظه عند مسلم-: قال: حدثني الحكم، عن ذر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه: أن رجلًا أتى عمر، فقال: إني أجنبت فلم أجد ماءً؟ فقال: لا تصلي. فقال عمار: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا، فلم نجد ماءً، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت في التراب وصليت، فقال النبي ﷺ : "إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك"، فقال عمر: اتق الله يا عمار! قال: إن شئت لم أحدث به.
ولفظ البخاري -من طريق آدم عن شعبة-:. . . فذكر القصة بنحوها، ثم قال: فقال النبي ﷺ : "إنما كان يكفيك هكذا"، وضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه.
أخرجه البخاري (٣٣٨ و ٣٣٩ و ٣٤٠ و ٣٤١ و ٣٤٢ و ٣٤٣)، ومسلم (٣٦٨/ ١١٢ و ١١٣)، وأبو عوانة (١/ ٢٥٥ و ٢٥٦/ ٨٨٢ و ٨٨٥ و ٨٨٦)، وأبو نعيم في المستخرج (١/ ٤٠٤/ ٨١٢)، والنسائي (١/ ١٦٩ و ١٧٠/ ٣١٧ و ٣١٨ و ٣١٩)، وابن ماجه (٥٦٩)، وابن خزيمة (١/ ١٣٤ و ١٣٥/ ٢٦٦ و ٢٦٨)، وابن حبان (٤/ ٧٩ و ١٣١ و ١٣٢/ ١٢٦٧ و ١٣٠٦ و ١٣٠٩)، وابن الجارود (١٢٥)، وأحمد (٤/ ٢٦٥ و ٣٢٠)، والطيالسي (٢/ ٣٠/ ٦٧٣)، والبزار (٤/ ٢٢٣/ ١٣٨٥)، وأبو يعلى (٣/ ١٨٣/ ١٦٠٧)، والسراج في مسنده (١٢)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (٢٥٥٢)، وابن المنذر (٢/ ٥١ و ٥٥/ ٥٤٤ و ٥٤٨)، والطحاوي في
стр. 1278
شرح المعاني (١/ ١١٢)، وفي أحكام القرآن (١٠٨)، والمحاملي في الأمالي (٢٤١)، والشاشي (٢/ ٤٢٧ - ٤٣١/ ١٠٣١ و ١٠٣٣ و ١٠٣٤ و ١٠٣٨ و ١٠٣٩)، والدارقطني (١/ ١٨٣)، وابن حزم في المحلى (٢/ ١٥٥)، والبيهقي (١/ ٢٠٩ و ٢١٤ و ٢١٦)، وابن عبد البر (٧/ ١٧٠)، والحازمي في الاعتبار (١/ ٢٦٩/ ٥١)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٢٣٣/ ٢٧١)، والذهبي في السير (٩/ ٢٦٤ - ٢٦٥) و (١٣/ ٤٩٩ - ٥٠٠)، وفي التذكرة (٣/ ٩٥١).
رواه عن شعبة: يحيى بن سعيد القطان، وخالد بن الحارث، وغندر، وحجاج بن منهال، وحجاج بن محمد الأعور، ويزيد بن هارون، وأبو الوليد الطيالسي، وسليمان بن حرب، والنضر بن شميل، ومسلم بن إبراهيم الفراهيدي، وآدم بن أبي إياس، ومحمد بن كثير العبدي، وبهز بن أسد، ويزيد بن زريع، وأبو داود الطيالسي، وأبو النضر هاشم بن القاسم، وابن أبي عدي، وعفان بن مسلم، ووهب بن جرير، وعاصم بن علي، وعبد الرحمن بن زياد (٢١).
ولفظ أبي داود الطيالسي: أتى رجل عمر فذكر أنه كان في سفر فأجنب ولم يجد الماء، فقال: لا يصلي، فقال عمار: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ كنت أنا وأنت في سرية، فأجنبنا فلم نجد الماء، فأما أنت فلم تصلِّ، وأما أنا فتمعكت في التراب، وصليت، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ ذكرنا ذلك له، فقال لك: "أما أنت فلم يكن ينبغي لك أن تدع الصلاة، وأما أنت يا عمار، فلم يكن ينبغي لك أن تمعك كما تمعك الدابة؛ إنما كان يجزئك"، وضرب رسول الله ﷺ بيده الأرض إلى التراب، ثم قال: "هكذا"، فنفخ فيها، ومسح وجهه ويديه إلى المفصل، وليس فيه: الذراعين.
• وهذا الحديث قد سمعه الحكم بن عتيبة من سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى أيضًا: فقد روى يحيى بن سعيد القطان، وخالد بن الحارث، والنضر بن شميل، وآدم بن أبي إياس، وأبو النضر هاشم بن القاسم، وشبابة بن سوار:
ستتهم: عن شعبة، قال: حدثني الحكم، عن ذر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه: أن رجلًا أتى عمر. . . فذكر الحديث، ثم قال: قال الحكم: وحدثنيه ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، مثل حديث ذر. لفظ القطان، ولم يذكر شبابة حديث ذر.
أخرجه البخاري (٣٣٣٩) تعليقًا، ومسلم (٣٦٨/ ١١٢ و ١١٣)، وأبو عوانة (١/ ٢٥٦/ ٨٨٣ و ٨٨٧)، والنسائي (١/ ١٧٠/ ٣١٨)، والشاشي (٢/ ٤٢٦/ ١٠٢٩).
قال أبو داود: "ورواه شعبة، عن حصين، عن أبي مالك، قال: سمعت عمارًا يخطب. . . بمثله؛ إلا أنه قال: لم ينفخ.
وذكر حسين بن محمد، عن شعبة، عن الحكم. . . في هذا الحديث، قال: ضرب بكفيه إلى الأرض، ونفخ.
قلت: تقدم تخريج حديث حصين، عن أبي مالك قريبًا تحت الحديث رقم (٣٢٥)، وتقدم الكلام عليه، وأما أن شعبة قال في روايته: لم ينفخ، فلم أقف عليه، والذي وقفت
стр. 1279
عليه من المصادر أنه سكت عنها، لكن أثبت النفخ في اليدين أو النفض: زائدة بن قدامة، وأبو الأحوص كلاهما عن حصين به: فهو محفوظ من حديث حصين.
وأما رواية حسين بن محمد: فلم أقف على من وصلها، والحديث رواه عن شعبة، عن الحكم: واحد عشرون رجلًا، أكثرهم ذكر فيه النفخ؛ فهو صحيح محفوظ.
***
٣٢٧ - سعيد، عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عمار بن ياسر، قال: سألت النبي ﷺ عن التيمم؟ فأمرني: ضربةً واحدةً للوجه، والكفين.
• حديث صحيح.
أخرجه الترمذي (١٤٤)، وابن خزيمة (١/ ١٣٤/ ٢٦٧)، وابن حبان (٤/ ١٣٢/ ١٣٠٨)، وابن أبي شيبة (١/ ١٤٧/ ١٦٨٦) و (٧/ ٣٠٢/ ٣٦٢٩٥)، والبزار (٤/ ٢٢٧/ ١٣٨٧)، وأبو يعلى (٣/ ١٨٣ و ٨٠٤/ ١٦٠٢ و ١٦٣٨)، وأبو العباس السراج في مسنده (١٣)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١١٢)، وفي أحكام القرآن (١٠٧)، والشاشي (٢/ ٤٣٠/ ١٠٣٧)، والدارقطني (١/ ١٨٢)، والبيهقي في السنن (١/ ٢١٠)، وفي المعرفة (١/ ٢٩١/ ٣٢٥)، وابن عبد البر (٧/ ١٧٩).
• واختلف في إسناده على سيد بن أبي عروبة:
١ - فرواه يزيد بن زريع، وإسماعيل ابن علية، وعبد الوهاب بن عطاء الخفاف، ومحمد بن بكر البرساني:
أربعتهم: عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عمار به.
٢ - ورواه عبدة بن سليمان، ومحمد بن بشر، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، وعيسى بن يونس، والحسن بن صالح:
خمستهم: عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى: أن أباه حدثه: أن عمار بن ياسر سأل النبي ﷺ عن التيمم؟ قال: "ضربة للوجه والكفين".
أخرجه أبو علي الطوسي في مستخرجه على الترمذي "مختصر الأحكام" (١٢٧ و ١٢٨)، والبزار (٤/ ١٣٨٨/٢٢٧)، وابن جرير الطبري في تفسيره (٤/ ١١٣/ ٩٦٦١)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٠/ ١٣٣).
فلم يذكروا عزرة في الإسناد.
ويزيد بن زريع، وإسماعيل ابن علية، وعبدة بن سليمان، وعبد الأعلى، ومحمد بن بشر، كلهم: ثقات أثبات في سعيد بن أبي عروبة، وممن سمع منه قبل الاختلاط.
стр. 1280
• وعلى هذا فإن هذا الاختلاف إنما هو من قبل ابن أبي عروبة، فإن كلا الوجهين محفوظ عنه.
وعندئذ يمكن أن يقال:
إما أن يكون قتادة سمعه من عزرة أولًا [وسماعه من عزرة ثابت صحيح. انظر: تخريج أحاديث الذكر والدعاء (١/ ٣٥٧)]، ثم سمعه بعدُ من سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، مثل ما وقع للحكم بن عتيبة في هذا الحديث حيث سمعه أولًا من ذر بن عبد الله، ثم سمعه بعدُ من سعيد [مع العلم بأنه لا يعرف لقتادة سماعًا من سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، والصحيح أن بينها عزرة بن عبد الرحمن، انظر: تخريج أحاديث الذكر والدعاء (١/ ٣٥٧)، وما بعدها].
وإما أن يكون سعيد بن أبي عروبة وهم فيه؛ فإنه كان يحدث من حفظه، ولم يكن له كتاب، قال الإمام أحمد: "لم يكن لسعيد بن أبي عروبة كتاب، إنما كان يحفظ ذلك كله" [التهذيب (٢/ ٣٣)]، وقيل لأحمد: روى الكوفيون عن سعيد غير شيء خلاف ما روى عنه البصريون؟ قال: "هذا من حفظ سعيد، كان يحدث من حفظه" [شرح العلل (٢/ ٧٤٦)].
وهذا الوجه الثاني عندي هو الصواب، والصحيح: عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عمار.
ووهم سعيد بن أبي عروبة لما حدث به فأسقط عزرة من الإسناد، وأصاب لما حدث به بالإثبات والزيادة.
• والدليل على ذلك: أن أبان بن يزيد العطار [ثقة ثبت، وهو من طبقة الشيوخ من أصحاب قتادة]، رواه عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عمار بن ياسر، أن نبي الله ﷺ كان يقول في التيمم: "ضربة للوجه والكفين". لفظ عفان بن مسلم.
ولفظ يونس بن محمد المؤدب: أنه سأل رسول الله ﷺ عن التيمم؟ فقال: "ضربة للوجه والكفين".
أخرجه الدارمي (١/ ٢٠٨/ ٧٤٥) [سقط من المطبوعة "عزرة" من الإسناد وهو خطأ والصواب إثباته، فقد رواه الدارمي، عن عفان، وكل من رواه عن عفان أثبت عزرة في الإسناد، وإسناد الدارمي مثبت على الصواب في إتحاف المهرة (١١/ ٧٢٢)]، وابن الجارود (١٢٦)، وأحمد (٤/ ٢٦٣)، والبزار (٤/ ٢٢٧/ ١٣٨٩)، وأبو العباس السراج في مسنده (١٤)، وابن المنذر (٢/ ٥١/ ٥٤٤)، والشاشي (٢/ ٤٣٠/ ١٠٣٦)، وابن قانع في المعجم (٢/ ٢٥٠)، والطبراني في الأوسط (١/ ١٧٣/ ٥٤٢)، والدارقطني (١/ ١٨٢ و ١٨٣)، وابن عبد البر (٧/ ١٨٠)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٢٣٣ / ٢٧٢).
فهو حديث صحيح.
قال الترمذي: "حديث عمار: حديث حسن صحيح".
стр. 1281
وقال إسحاق بن راهويه: "حديث عمار في التيمم للوجه والكفين: هو حديث حسن صحيح" [جامع الترمذي (١٤٤)].
وقال الدارمي: "صح إسناده".
وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، وابن الجارود.
• وفي الجملة: فقد اتفق الأئمة على صحة حديث عمار بن ياسر في الضربة الواحدة للوجه والكفين، وتلقوه بالقبول [فتح الباري لابن رجب (٢/ ٨٩)].
فقد اتفق الشيخان على إخراج حديث: شعبة، عن الحكم، عن ذر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عمار به.
وعن الحكم سمعه من سعيد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عمار به.
وصح من طريق: قتادة، عن عزرة، عن ابن أبزى، عن أبيه، عن عمار.
واتفقا أيضًا على إخراج حديث: الأعمش، عن أبي وائل، عن أبي موسى، عن عمار.
قال إسحاق بن هانئ؛ "سئل أحمد عن التيمم؟ قال: ضربة واحدة للوجه والكفين.
قيل له: ليس في قلبك شيء من حديث عمار؟ قال: لا" [مسائل ابن هانئ (١/ ١٢)، الفتح لابن رجب (٢/ ٨٩)].
وقال حرب: "سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: والتيمم ضربة واحدة للوجه والكفين، يبدأ بوجهه، ثم يمسح كفيه إحداهما بالأخرى. قيل له: صح حديث عمار عن النبي ﷺ من ذلك؟ قال: نعم، قد صح" [الفتح لابن رجب (٢/ ٦١)].
وقال في مسائل ابنه صالح (٥٤٠): "ضربة للوجه والكفين على حديث عمار" [وانظر: (٩٤٤ و ٩٨٨)].
وانظر كلام الإمام الشافعي: اختلاف الحديث (٧٥)، المعرفة للبيهقي (١/ ٢٩٢)، الفتح لابن رجب (٢/ ٦١).
***
٣٢٨ - قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل: حدثنا أبان، قال: سئل قتادة عن التيمم في السفر؟ فقال: حدثني محدث، عن الشعبي، عن عبد الرحمن بن أبزى، عن عمار بن ياسر، أن رسول الله ﷺ قال: "إلى المرفقين".
• حديث غريب.
أخرجه البزار (٤/ ٢٢٨/ ١٣٩٠ و ١٣٩١)، والدارقطني (١/ ١٨٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢١٠)، وفي المعرفة (١/ ٣٢٦/٢٩١)، وابن عبد البر في التمهيد (٧/ ١٨٠)، وفي الاستذكار (١/ ٣١٢).
стр. 1282
وفي أكثر المصادر زيادة: قال أبان: سئل قتادة عن التيمم في السفر؟ فقال: كان ابن عمر يقول: إلى المرفقين، وكان الحسن، وإبراهيم يقولان: إلى المرفقين، قال: وحدثني محدث عن الشعبي. . . فذكره.
قال راويه عن موسى بن إسماعيل، أبو إسحاق إبراهيم بن هانئ: فذكرته لأحمد بن حنبل فعجب منه، وقال: ما أحسنه-!.
يعني: ما أغربه، وإلا لقال به، وقد تقدم نقل كلامه قريبًا؛ فليراجع.
قال البيهقي في السنن: "وأما حديث قتادة عن محدث عن الشعبي فهو منقطع، لا يُعلم من الذي حدثه فينظر فيه".
وقال ابن رجب في الفتح (٢/ ٥٥ - ٥٦): "وهذا الإسناد: مجهول لا يثبت، والصحيح: عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عمار أن النبي ﷺ أمره بالتيمم للوجه والكفين".
وهو كما قال.
• ومثل هذا مما يذكر للتعجب فقط:
ما رواه ابن ماجه (٥٧٠)، والطبراني في الأوسط (٦/ ٦/ ٥٦٣٢).
عن عثمان بن أبي شيبة، قال: ثنا حميد بن عبد الرحمن، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، وسلمة بن كهيل: أنهما سألا عبد الله بن أبي أوفى عن التيمم؟ فقال: أمر النبي ﷺ عمارًا أن يفعل هكذا، وضرب بيديه إلى الأرض ثم نفضهما، ومسح على وجهه -قال الحكم:- ويديه. وقال سلمة: ومرفقيه.
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث، عن الحكم، وسلمة بن كهيل إلا ابن أبي ليلى، ولا عن ابن أبي ليلى إلا حميد بن عبد الرحمن، تفرد به عثمان بن أبي شيبة".
وأقرب منه إلى الصواب:
ما رواه أبو يوسف القاضي يعقوب بن إبراهيم [صدوق، كثير الخطأ. اللسان (٦/ ٣٦٨)، تقدم ذكره تحت الحديث رقم (٣٠٠)]، قال: حدثنا ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عمار بن ياسر، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "التيمم ضربتان للوجه واليدين".
قال ابن أبي ليلى: اختلفا فقال [أحدهما]: "الوجه والذراعين"، وقال الآخر: "الوجه والكفين"؛ يعني: التيمم، ....
أخرجه الخطيب في المتفق والمفترق (٣/ ١٨٢٧/ ١٣٩٦).
ثم قال: "وقد سقط من الحديث شيء أفسد نظامه، وهذا الحديث إنما يرويه: الحكم، عن ذر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، ويرويه أيضًا عن سلمة عن كهيل، عن ذر، عن سعيد، وقال الحكم: قد سمعته من ابن عبد الرحمن بن أبزى ﵀".
قلت: مثل هذا مما يدل على سوء حفظ ابن أبي ليلى فقد رواه شعبة، عن الحكم، عن
стр. 1283
ذر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عمار به. وسمعه الحكم من سعيد.
ورواه شعبة، والثوري، والأعمش، عن سلمة بن كهيل، واختلفوا عليه، لكن لم يقل أحد منهم في إسناده "عن ابن أبي أوفى"، وإنما هو: ابن أبزى، ولا رووه عن الحكم عن سلمة، وهم فيه ابن أبي ليلى في الموضعين.
وسأل ابن أبي حاتم أبا زرعة عن هذا الحديث فقال: "هذا خطأ؛ وإنما الصحيح: سلمة والحكم، عن ذر، عن ابن أبزى، عن عمار، عن النبي ﷺ " [العلل (٤)].
• وحديث عمار رواه أيضًا:
أبو إسحاق السبيعي، عن ناجية بن خفاف أبي خفاف، عن عمار بن ياسر، قال: أجنبت وأنا في الإبل فلم أجد ماء فتمعكت في التراب تمعك الدابة، فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بذلك؛ فقال: "إنما كان يجزيك من ذلك التيمم".
أخرجه النسائي (١/ ١٦٦/ ٣١٣)، وأحمد في المسند (٤/ ٢٦٣)، وفي العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٣٠٨/ ٢٣٦٦)، والطيالسي (٢/ ٣٢/ ٦٧٥)، وعبد الرزاق (١/ ٢٣٨/ ٩١٤)، والحميدي (١٤٤)، وأبو نعيم الفضل بن دكين في الصلاة (١٤١)، وابن أبي شيبة (١/ ١٤٤/ ١٦٥٩)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (٣/ ٢٥٨/ ٤٧٣٥)، وأبو يعلى (٣/ ١٨٠ و ١٩٢ و ٢٠٥/ ١٦٠٥ و ١٦١٩ و ١٦٤٠)، وابن المنذر (٢/ ١٣/ ٥٠٨)، والطحاوي في أحكام القرآن (٩٢ و ٩٣)، وابن قانع في المعجم (٢/ ٢٥٠)، والبيهقي (١/ ٢١٦ و ٢٢٠).
وإسناده ضعيف؛ ناجية بن خفاف: مجهول، قال علي بن المديني: "لم يسمع هذا الحديث عندي من عمار؛ لأن ناجية هذا لقيه يونس بن أبي إسحاق، وليس هو بالقديم"، قلت: وهي حجة قوية على الانقطاع، فقد قال أبو نعيم: حدثنا يونس بن أبي إسحاق، قال: حدث ناجيةُ أبا إسحاق وأنا معه، قال: تمارى عمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود في التيمم،. . . فذكر الحديث، وهذا ظاهر الإرسال، لعدم إدراك ناجية هذا لهذه الواقعة التي يحكيها، لا سيما مع تقدم وفاة ابن مسعود، ويؤيده أنه في بعض الروايات يقول: قال عمار، أو: أن عمارًا؛ ولا يعرف له منه سماع.
وقد اختلف الرواة على أبي إسحاق في اسم أبيه، فمنهم من سماه: ناجية بن كعب، ووهَّم ابن المديني والخطيب البغدادي من قال هذا [انظر: التهذيب (٤/ ٢٠٤)].
• مسألة:
جاء في حديث عمار: ثم نفخ فيهما، وفي رواية: ثم نفضهما.
فهل النفخ أو النفض سُنَّة؟
قال ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٥٥): "واختلف أهل العلم في نفض اليدين أو النفخ فيهما إذا ضرب بهما الأرض للتيمم:
فقالت طائفة: ينفضهما، كذلك قال الشعبي، وقال مالك: ينفضهما نفضًا خفيفًا، وقال الشافعي: إذا علقهما شيء كثير من الغبار، فلا بأس أن ينفض منه، إذا بقي في يده غبار
стр. 1284
يماس الوجه، وقال أحمد في نفض اليدين: لا يضره، فعل أو لم يفعل، وقال إسحاق نحوًا من قول الشافعي، وقال أصحاب الرأي: ينفضهما، وكان ابن عمر لا ينفض يديه.
قال أبو بكر: كما قال أحمد أقول، غير أن النفخ في اليدين أحب إليَّ لأن النبي ﷺ نفخ فيهما".
وقد فصل ابن رجب مذاهب الأئمة في الفتح (٢/ ٤٣)، ومما ذكر أيضًا: هل يشترط في المتيمم به أن يكون له غبار يعلق باليد؟
فقال: "واستدل بهذا [يعني: حديث عمار] بعض من ذهب إلى أنه لا يشترط في المتيمم به أن يكون له غبار يعلق باليد، كما هو قول مالك، وأبي حنيفة، والثوري، وغيرهم؛ لأن نفخ التراب من اليدين ونفضهما منه قد يزيل ما علق باليد منه أو يخففه حتى لا يبقى منه ما يعم الوجه والكفين غباره، فلو كان المسح بالغبار شرطًا لكان ترك النفخ أولى.
وأجاب عن ذلك بعض من يرى اشتراط الغبار الممسوح به كأصحاب الشافعي وأحمد: بأن النفخ يدل على أنه علق باليد من التراب ما يخفف منه بالنفخ. وقد قال لعمار: "إنما يكفيك هكذا" فدل على أنه لا بد في التيمم من تراب يعلق باليد.
وأجاب بعضهم: بأنه ﷺ إنما ذكر النفخ لعمار لا لكون النفخ سُنَّة، بل ليبين له أن المبالغة في التيمم بالتمعك الذي فعله بالتراب ليس بسُنَّة، وأنه يكفي من ذلك أدنى ما يمكن أن يمسح به الوجه والكفان من غباره".
وانظر: فتح الباري لابن حجر (١/ ٥٢٨)، مسائل أبي داود (١١١).
***
١٢٢ - باب التيمم في الحضر
٣٢٩ - . . . الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن عمير مولى ابن عباس: أنه سمعه يقول: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار -مولى ميمونة زوج النبي ﷺ حتى دخلنا على أبي الجهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري، فقال أبو الجهيم: أقبل رسول الله ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد رسول الله ﷺ السلام، حتى أتى على جدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد عليه¬ السلام.
• حديث متفق عليه.
تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٧).
стр. 1285
٣٣٠ - محمد بن ثابت العبدي: أخبرنا نافع، قال: انطلقت مع ابن عمر في حاجة إلى ابن عباس، فقضى ابن عمر حاجته، فكان من حديثه يومئذ أن قال: مر رجل على رسول اللّه ﷺ في سِكَّة من السكك وقد خرج من غائط أو بول، فسلم عليه، فلم يرُدَّ عليه، حتى إذا كاد الرجل أن يتوارى في السكة ضرب بيديه على الحائط، ومسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه، ثم رد على الرجل السلام، وقال: "إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أني لم أكن على طهر".
• حديث منكر.
تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٦).
قال أبو داود: "سمعت أحمد بن حنبل يقول: روى محمد بن ثابت حديثًا منكرًا في التيمم".
قال ابن داسة: قال أبو داود: "لم يتابع محمد بن ثابت في هذه القصة على ضربتين عن النبي ﷺ ورووه فعل ابن عمر".
***
٣٣١ - . . . عبد الله بن يحيى البُرُلُّسي: حدثنا حيوة بن شريح، عن ابن الهاد: أن نافعًا حدثه عن ابن عمر، قال: أقبل رسول الله ﷺ من الغائط، فلقيه رجل عند بئر جمل، فسلم عليه، فلم يرد عليه رسول الله ﷺ ، حتى أقبل على الحائط فوضع يده على الحائط، ثم مسح وجهه ويديه، ثم رد رسول الله ﷺ على الرجل السلام.
• حديث صحيح.
تقدم تحت الحديث رقم (١٦).
• وخلاصة ما تقدم:
أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين، وكل ما جاء مرفوعًا في الضربتين، أو مسح الذراعين، أو إلى المرفقين: فلا يصح من ذلك شيء ألبتة.
• ومما روى في ذلك مما لم يسبق أن تكلمنا عليه في هذا الموضع، أو في الموضع السابق تحت الحديث رقم (١٦ و ١٧):
١ - ما رواه الربيع بن بدر، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن رجل منا يقال له الأسلع، قال: كنت أخدم النبي ﷺ وأرحل له، فقال لي ذات ليلة: "يا أسلع قم فارحل"، فقلت: يا رسول الله أصابتني جنابة، قال: فسكت رسول الله ﷺ ، وأتاه جبريل بآية
стр. 1286
الصعيد، فقال رسول الله ﷺ : "قم يا أسلع فتيمم"، قال: فقمت فتيممت، ثم رحلت له، فسار حتى مر بماء، فقال لي: "يا أسلع مس -أو: أمس- هذا جلدك"، قال: وأراني؛ أي: التيمم، كما أراه أبوه: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين.
أخرجه ابن سعد في الطبقات (٧/ ٦٥)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٥٠/ ٥٤٢)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١١٣)، وفي أحكام القرآن (١١٤)، وابن جرير الطبري في تفسيره (٥/ ١٠٧)، ودعلج في مسند المقلين (٥)، والطبراني في الكبير (١/ ٢٩٨/ ٨٧٥ و ٨٧٦)، وابن عدي في الكامل (٣/ ١٢٨)، والدارقطني (١/ ١٧٩)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (١/ ٣٥٦/ ١٠٩٢/ ١٠٩٣)، والبيهقي (١/ ٢٠٨)، والخطيب في التاريخ (٨/ ٣٧٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤/ ٣١٢ و ٣١٣ - ٣١٤)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٢٧٩/٢٣٦).
قال ابن المنذر: "وأما حديث الربيع بن بدر: فهو إسناد مجهول؛ لأن الربيع لا يعرف برواية الحديث، ولا أبوه، ولا جده، والأسلع: غير معروف، فالاحتجاج بهذا الحديث يسقط من كل وجه".
وقال ابن عدي: "وهذا أيضًا ليس يرويه غير الربيع".
وقال ابن حزم في المحلى (٢/ ١٤٩ - ١٥٠): "وأما حديث الأسلع: ففي غاية السقوط. . .، وكل من ذكرنا فليسوا بشيء، ولا يحتج بهم".
وقال أبو حاتم جوابًا على ابنه بشأن هذا الحديث: "الربيع بن بدر: متروك الحديث" [العلل (١/ ٥٤/ ١٣٧)].
قلت: الربيع بن بدر: متروك، وأبوه، وجده: مجهولان، والأسلع: في صحبته نظر [انظر: الاستيعاب (١٤٨ و ١٤٩)، الإصابة (١٢٢)].
٢ - وروى عثمان بن محمد الأنماطي: ثنا حرمي بن عمارة، عن عزرة بن ثابت، عن أبي الزبير، عن جابر عن النبي ﷺ قال: "التيمم ضربة للوجه، وضربة للذراعين إلى المرفقين".
أخرجه الدارقطني (١/ ١٨١)، والحاكم (١/ ١٨٠)، والبيهقي (١/ ٢٠٧)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٢٧٨/٢٣٦).
قال الحاكم: "بإسناد صحيح".
لكن أعله الدارقطني بالوقف، فقال: "رجاله كلهم ثقات، والصواب: موقوف".
وقال ابن الجوزي: "تكلم في عثمان بن محمد".
وقال ابن حجر في التلخيص (١/ ٢٦٨): "وأخطأ في ذلك [يعني: ابن الجوزي] قال ابن دقيق العيد: لم يتكلم فيه أحد، نعم روايته شاذة؛ لأن أبا نعيم رواه عن عزرة موقوفًا".
قلت: لم أجد قول ابن دقيق العيد هذا في الإمام (٣/ ١٥٣)، وكلام الدارقطني
стр. 1287
يقتضي توثيق عثمان بن محمد؛ إلا أن الذهبي قال في الميزان (٣/ ٥٢): "عثمان بن محمد الأنماطي: شيخ حدث عنه إبراهيم الحربي، صويلح، وقد تكلم فيه"، فلعله اعتمد على قول ابن الجوزي، والله أعلم.
وعثمان الأنماطي: روى عنه أبو داود وجماعة، ولم أر لأحد فيه كلامًا سوى ما علمت [التهذيب (٣/ ٧٨)].
• وعلة هذا الخبر:
أنه قد رواه أبو نعيم الفضل بن دكين، وعبد الله بن المبارك [ثقتان ثبتان متقنان]:
كلاهما عن عزرة بن ثابت، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: جاء رجل فقال: أصابتني جنابة وإني تمعكت في التراب، قال: اضرب، فضرب بيده فمسح وجهه، ثم ضرب بيده أخرى فمسح بهما يديه إلى المرفقين. موقوف.
وفي رواية أن جابرًا قال للرجل: أحسبك تحولت حمارًا.
أخرجه أبو نعيم في الصلاة (١٤٥ و ١٥٣)، وابن المنذر (٢/ ٤٩/ ٥٣٩)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١١٤)، وفي أحكام القرآن (١١٧)، والدارقطني (١/ ١٨٢ و ١٨٣)، والحاكم (١/ ١٨٠)، والبيهقي (١/ ٢٠٧).
وهذا هو الصواب: موقوف؛ كما قال الدارقطني؛ فإن أبا نعيم وابن المبارك: أثبت وأضبط وأتقن من مائة مثل حرمي بن عمارة، فإنه: صدوق يهم.
٣ - وروى علي بن ظبيان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين".
أخرجه الدارقطني (١/ ١٨٠)، والحاكم (١/ ١٧٩)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٣٦٧/ ١٣٣٦٦)، وابن عدي في الكامل (٥/ ١٨٨)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٢٣٥/ ٢٧٧).
قال الحاكم: "ولا أعلم أحدًا أسنده عن عبيد الله غير علي بن ظبيان، وهو صدوق، وقد أوقفه يحيى بن سعيد وهشيم بن بشير وغيرهما، وقد أوقفه مالك بن أنس عن نافع في الموطأ بغير هذا اللفظ، غير أن شرطي في سند الصدوق الحديث إذا وقفه غيره"، كذا قال.
وقال الدارقطني: "كذا رواه علي بن ظبيان مرفوعًا، ووقفه يحيى بن القطان وهشيم وغيرهما، وهو الصواب".
وقال ابن عدي: "وهذان الحديثان عن علي بن ظبيان، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: حديث المدبر، والتيمم جميعًا يرفعهما علي بن ظبيان، ويرفعهما ويوقفهما غيره، وحديث التيمم: رواه يحيى القطان، والثوري، وغيرهما موقوفًا، وإنما يذكر علي بن ظبيان بهذين الحديثين لما رفعهما، فأبطل في رفعهما، والثقات قد أوقفوهما".
قلت: هذا حديث منكر باطل، تفرد برفعه، عن عبيد الله بن عمر: علي بن ظبيان: وهو متروك، منكر الحديث.
стр. 1288
والحفاظ من أصحاب عبيد الله بن عمر قد أوقفوه على ابن عمر: يحيى بن سعيد القطان، وسفيان الثوري، وهشيم بن بشير، وأبو نعيم الفضل بن دكين، ومعتمر بن سليمان، وعبد الله بن إدريس، وعبد الرزاق بن همام، وعلي بن معبد:
رواه ثمانيتهم، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يقول: التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين.
أخرجه عبد الرزاق (١/ ٢١٢/ ٨١٩)، وأبو نعيم الفضل بن دكين في الصلاة (١٥١)، وابن جرير الطبري في تفسيره (٤/ ١١٤/ ٩٦٦٤ - ٩٦٦٦)، وابن المنذر (٢/ ٤٨ - ٤٩/ ٥٣٨)، والطحاوي (١/ ١١٤)، والدارقطني (١/ ١٨٠)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٠٧)، وفي المعرفة (١/ ٢٨٦/ ٣١٣).
ورواه أيضًا عن نافع، عن ابن عمر، موقوفًا عليه: مالك، وأيوب، وعبد الكريم بن مالك الجزري، وهشام بن عروة، وعبد العزيز بن أبي رواد:
ولفظ مالك: أقبل نافع، وعبد الله بن عمر من الجرف، حتى إذا كانا بالمربد، نزل عبد الله فتيمم صعيدًا طيبًا، فمسح وجهه ويديه إلى المرفقين، ثم صلى.
وفي لفظ آخر: أن عبد الله بن عمر كان يتيمم إلى المرفقين.
أخرجه مالك في الموطأ (١٤٠ و ١٤١)، وعبد الرزاق (١/ ٢١٢ و ٨١٨/ ٢٢٩ و ٨٨٣)، وأبو نعيم الفضل بن دكين في الصلاة (١٥٠ و ١٥٦)، وابن أبي شيبة (١/ ١٤٦/ ١٦٧٣)، والشافعي في الأم (٢/ ١٠٥/ ١٠٤)، وابن جرير الطبري في تفسيره (٤/ ١١٤/ ٩٦٦٣)، والطحاوي (١/ ١١٤)، والدارقطني (١/ ١٨١)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٠٧)، وفي المعرفة (١/ ٢٨٥ و ٢٨٦/ ٣١١ و ٣١٢).
قال الدارقطني في العلل (١٢/ ٣٠٦/ ٢٧٣٨) عن الموقوف: "وهو الصواب".
٤ - ورواه سليمان بن أرقم [متروك]، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: تيممنا مع النبي ﷺ ضربنا بأيدينا على الصعيد الطيب، ثم نفضنا أيدينا فمسحنا بها وجوهنا، ثم ضربنا ضربة أخرى الصعيد الطيب، ثم نفضنا أيدينا فمسحنا بأيدينا من المرافق إلى الأكف، على منابت الشعر من ظاهر وباطن.
أخرجه الدارقطني (١/ ١٨١)، والحاكم (١/ ١٧٩).
وهذا حديث منكر.
خالفه معمر بن راشد فرواه، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر: أنه كان إذا تيمم ضرب بيديه ضربة على التراب ثم مسح وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى ثم مسح بها يديه إلى المرفقين، ولا ينفض يديه من التراب.
أخرجه عبد الرزاق (١/ ٢١١ - ٢١٢/ ٨١٧)، ومن طريقه: ابن المنذر (٢/ ٤٨/ ٥٣٧)، والدارقطني (١/ ١٨٢).
وهذا المحفوظ: موقوف على ابن عمر.
стр. 1289
٥ - ورواه سليمان بن أبي داود الحراني [منكر الحديث]، عن سالم ونافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ؛ في التيمم: "ضربتين: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين".
أخرجه الدارقطني (١/ ١٨١)، والحاكم (١/ ١٨٠).
قال الدارقطني: "سليمان بن أرقم وسليمان بن أبي داود: ضعيفان".
وقال أبو زرعة: "هذا حديث باطل، وسليمان: ضعيف الحديث".
وهو كما قال؛ فقد أوقفه أصحاب نافع، وسالم.
• وفي الباب أيضًا:
عن أبي أمامة، ولا يصح [المعجم الكبير للطبراني (٨/ ٢٤٥/ ٧٩٥٩)، المدونة (١/ ٤٢)، المحلى (٢/ ١٤٨)].
وعن عائشة؛ وهو منكر [مسند البزار (١/ ١٧٧/ ١٩٦ - مختصر الزوائد)، الكامل (٢/ ٤٤٢)، علل الحديث لابن أبي حاتم (١/ ٤٧/ ١٠٥)].
وانظر: الإمام لابن دقيق العيد (٣/ ١٤٢ - ١٥٦)، التلخيص (١/ ٢٦٦)، وغيرهما.
• مسألة:
قال ابن رجب في الفتح (٢/ ١٨): "واستدل بقوله ﷺ : "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" من يقول إن التيمم يجوز بجميع أجزاء الأرض من التراب والرمل، والنورة، والزرنيخ، والجص، وغير ذلك، كما هو قول مالك، وأبي حنيفة، وغيرهما.
واستدل من قال: لا يجوز التيمم بغير التراب من أجزاء الأرض، كما يقوله الشافعي، وأحمد في ظاهر مذهبه، بما في صحيح مسلم، عن حذيفة، عن النبي ﷺ قال: "فضلنا على الناس بثلاث: جعلث صفوننا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء"، وذكر خصلة أخرى.
فخص الطهور بتربة الأرض بعد أن ذكر أن الأرض كلها مسجد، وهذا يدل على اختصاص الطهورية بتربة الأرض خاصة؛ فإنه لو كانت الطهورية عامة كعموم المساجد لم يحتج إلى ذلك.
وقد خرَّج مسلم حديث جابر الذي خرجه البخاري ها هنا، وعنده: "وجعلت لي الأرض طيبة طهورًا ومسجدًا".
وهذا يدل على اختصاص الطهورية بالأرض الطيبة، والطيبة: هي الأرض القابلة للإنبات، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٥٨].
وروينا من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، وحميد، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "وجعلت لي كل أرض طيبة مسجدًا وطهورًا".
ولكن قد دلت نصوص آخر على عموم كون الأرض مسجدًا فتبقى طهوريتها مختصة بالأرض المنبتة.
وفي مسند الإمام أحمد من حديث: عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن
стр. 1290
علي، عن أبيه علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ قال: "أعطيت أربعًا لم يعطهن أحد من أنبياء الله: أعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعل التراب لي طهورًا، وجعلت أمتي خير الأمم".
وقد ظن بعضهم أن هذا من باب المطلق والمقيد، وهو غلط، وإنما هو من باب تخصيص بعض أفراد العموم بالذكر، وهو لا يقتضي التخصيص عند الجمهور، خلافًا لما حكي عن أبي ثور، إلا أن يكون له مفهوم فيبنى على تخصيص العموم بالمفهوم، والتراب والتربة لقب، واللقب مختلف في ثبوت المفهوم له، والأكثرون يأبون ذلك.
لكن أقوى ما استدل به: حديث حذيفة الذي خرجه مسلم فإنه جعل الأرض كلها مسجدًا، وخص الطهورية بالتراب، وأخرج ذلك في مقام الامتنان، وبيان الاختصاص، فلولا أن الطهورية لا تعم جميع أجزاء الأرض لكان ذكر التربة لا معنى له، بل كان زيادة في اللفظ ونقصًا في المعنى، وهذا لا يليق بمن أوتي جوامع الكلم.
وقد خرجه ابن خزيمة في صحيحه، ولفظه: "وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعل ترابها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء". انتهى كلامه.
وانظر: الفتح لابن حجر (١/ ٤٣٨)؛ وقد صحح إسناد حديث أنس، وحسن إسناد حديث علي، وهو كما قال، وحديث علي حسن إسناده أيضًا: السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٢٩٤)، وابن كثير في تفسيره (١/ ٣٩٢)، وصححه الضياء في المختارة (٢/ ٣٤٨ و ٧٢٨/ ٣٤٩ و ٧٢٩).
والحديث في: مسند أحمد (١/ ٩٨ و ١٥٨)، ومصنف ابن أبي شيبة (٦/ ٣٠٤/ ٣١٦٤٧)، ومسند البزار (٢/ ٢٥١/ ٦٥٦)، وفوائد تمام (٢/ ١٠٩/ ١٢٧٦)، وسنن البيهقي (١/ ٢١٣)، وتمهيد ابن عبد البر (١٩/ ٢٩١)، ويأتي تخريجه تحت الحديث رقم (٤٨٩).
وهو حديث حسن، وانظر: علل الحديث لابن أبي حاتم (٢/ ٣٩٩/ ٢٧٠٥).
وثم دليل آخر احتج به القائلون بأنه يتعين التيمم بالتراب الذي له غبار يعلق باليد، وهو قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، فقالوا بأن "من" هنا للتبعيض.
لكن رد عليهم الآخرون فقالوا: هذا محتمل، ويحتمل أيضًا أن تكون لابتداء الغاية؛ أي: مبدأ ذلك المسح كائن من الصعيد الطيب، فلا يتعين ما له غبار، قال ابن العربي: "وقال علماؤنا: إنما أفادت "منه": وجوب ضرب الأرض باليدين، فلولا ذلك. . . لجازت الإشارة إلي الصعيد، وضرب الوجه واليدين بعد الإشارة باليدين إلى الأرض، ولكنه أكد بقوله: "منه" ليكون الابتداء بوضع اليدين على الأرض تعبدًا، ثم ضرب الوجه واليدين بعد ذلك بهما" [أحكام القرآن (٢/ ٨٠)]
إذا علمت ذلك؛ علمت أنه لا بد من قرينة ترجح أحد القولين، وقد وجدتها في كلام العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀ إذ يقول في تفسيره [أضواء البيان (٢/ ٣٠)]:
стр. 1291
"فاعلم أن في هذه الآية الكريمة إشارة إلى هذا القول الأخير [يعني: بأنها لابتداء الغاية] وذلك في قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦] فقوله: ﴿مِنْ حَرَجٍ﴾ نكرة في سياق النفي زيدت قبلها "من"، والنكرة إذا كانت كذلك، فهي نص في العموم. . . فالآية تدل على عموم النفي في كل أنواع الحرج، والمناسب لذلك كون "من" لابتداء الغاية؛ لأن كثيرًا من البلاد ليس فيه إلا الرمال أو الجبال، فالتكليف بخصوص ما فيه غبار يعلق باليد لا يخلو من حرج في الجملة.
ويؤيد هذا: ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل" وفي لفظ: "فعنده مسجده وطهوره" الحديث".
• قلت: اللفظ الأخير ليس من حديث جابر، وإنما هو من حديث أبي أمامة الذي:
أخرجه الترمذي في الجامع (١٥٥٣) مختصرًا، وفي العلل الكبير (٤٦٢)، وأحمد (٥/ ٢٤٨ و ٢٥٦)، والروياني (١٢٦٠)، والسراج في مسنده (٤٩٨ - ٥٠٠)، والطبراني في الكبير (٨/ ٢٥٧ و ٢٥٨/ ٨٠٠١ و ٨٠٠٢)، والآجري في الشريعة (١٠٤٨)، والبيهقي (١/ ٢١٢ و ٢٢٢) و (٢/ ٤٣٣)، وابن عبد البر (٥/ ٢٢٢)، والمزي في التهذيب (١٢/ ٣١٨).
من طرق عن سليمان التيمي، عن سيار، عن أبي أمامة، أن رسول الله ﷺ قال: "فضلني ربي على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام -أو قال: على الأمم- بأربع؛ قال: أرسلت إلى الناس كافة، وجعلت الأرض كلها لي ولأمتي مسجدًا وطهورًا، فأينما أدركت رجلًا من أمتي الصلاة فعنده مسجده وعنده طهوره، ونصرت بالرعب مسيرة شهر يقذفه في قلوب أعدائي، وأحل لنا الغنائم".
قال الترمذي في الجامع: "حديث أبي أمامة: حديث حسن صحيح، وسيار هذا يقال له: سيار مولى بني معاوية، وروى عنه سليمان التيمي، وعبد الله بن بحير وغير واحد".
وقال في العلل: "سألت محمدًا [يعني: البخاري] عن هذا الحديث، وقلت له: من سيار هذا الذي روى عن أبي أمامة؟ قال: هو سيار مولى بني معاوية، أدرك أبا أمامة وروى عنه، وروى عن أبى إدريس الخولاني، وروى عن سيار: سليمان التيمي، وعبد الله بن بحير".
قلت: إسناده رجاله ثقات؛ سيار الشامي روى عنه اثنان، وذكره ابن حبان في الثقات من التابعين، وأعاده في أتباع التابعين، ولم يذكر فيه البخاري ولا ابن أبي حاتم جرحًا ولا
стр. 1292
تعديلًا، ولم يرو منكرًا، وحديثه هذا مشهور عن عدد من الصحابة، وليس فيه ما ينكر عليه، ولا يعرف له سماع من أبي أمامة، والله أعلم [انظر: التاريخ الكبير (٤/ ١٦٠)، الجرح والتعديل (٤/ ٢٥٤)، الثقات (٤/ ٣٣٥) و (٦/ ٤٢٢)، التهذيب (٢/ ١٤٣)]، وصححه ابن القيم في الزاد (١/ ٢٠٠)، وصحح إسناده ابن الملقن في البدر المنير (٢/ ٦٢٤)، وابن حجر في التلخيص (١/ ١٤٩).
وفي معناه أيضًا بإسناد جيد، عن عبد الله بن عمرو، مرفوعًا: "وجعلت لي الأرض مساجد وطهورًا، أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت"، وسيأتي تخريجه -إن شاء الله تعالى- تحت الحديث رقم (٤٨٩).
قال العلامة الشنقيطي: "فهذا نص صحيح صريح في أن من أدركته الصلاة في محل ليس فيه إلا الجبال أو الرمال أن ذلك الصعيد الطيب الذي هو الحجارة أو الرمل طهور له ومسجد".
وقال ابن دقيق العيد: "قوله ﷺ : "فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل" مما يستدل به على عموم التيمم بأجزاء الأرض؛ لأن قوله ﷺ : الأرض، ومن خص التيمم بالتراب يحتاج أن يقيم دليلًا يخص به هذا العموم، أو يقول: دل الحديث على أنه يصلي، وأنا أقول بذلك، فمن لم يجد ماءً ولا ترابًا صلى على حسب حاله، فأقول بموجب الحديث، إلا أنه قد جاء في رواية أخرى: "فعنده طهوره ومسجده"، والحديث إذا اجتمعت طرقه فسر بعضها بعضًا" [إحكام الأحكام (١/ ١٥٢)].
زاد ابن الملقن بعد هذا النقل فقال: "وقال ابن المنذر: ثبت أنه ﵊ قال: "جعلت لي كل أرض طيبة مسجدًا وطهورًا" حكاه الخطابي" [الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٢/ ١٦٤)].
قال الشنقيطي: "فإن قيل: ورد في الصحيح ما يدل على تعين التراب الذي له غبار يعلق باليد، دون غيره من أنواع الصعيد، فقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء. . ." الحديث، فتخصيص التراب بالطهورية في مقام الامتنان يفهم منه أن غيره من الصعيد ليس كذلك.
فالجواب من ثلاثة أوجه:
الأول: أن كون الأمر مذكورًا في معرض الامتنان مما يمنع فيه اعتبار مفهوم المخالفة، كما تقرر في الأصول، قال في مراقي السعود في موانع اعتبار مفهوم المخالفة:
أو امتنان أو وفاق الواقع … والجهل والتأكيد عند السامع
ولذا أجمع العلماء على جواز أكل القديد من الحوت، مع أن الله خص اللحم
стр. 1293
الطري منه في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤]؛ لأنه ذكر اللحم الطري في معرض الامتنان، فلا مفهوم مخالفة له، فيجوز أكل القديد مما في البحر.
الثاني: أن مفهوم التربة: مفهوم لقب؛ وهو لا يعتبر عند جماهير العلماء، وهو الحق كما هو معلوم في الأصول".
قال ابن دقيق العيد في الأحكام (١/ ١٥١): "ويمكن أن يجاب عن هذا: بأن في الحديث قرينة زائدة عن مجرد تعليق الحكم بالتربة، وهو الافتراق في اللفظ بين جعلها مسجدًا وجعل تربتها طهورًا على ما في ذلك الحديث، وهذا الافتراق في السياق قد يدل على الافتراق في الحكم، وإلا لعطف أحدهما على الآخر نسقًا، كما في الحديث الذي ذكره المصنف"، وانظر: الإعلام (٢/ ١٦٠ - ١٦١).
الثالث: قال الشنقيطي: أن التربة فرد من أفراد الصعيد، وذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يكون مخصصًا له عند الجمهور، سواء ذكرا في نص واحد كقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، أو ذكرا في نصين كحديث: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" عند أحمد، ومسلم، وابن ماجه، والترمذي، وغيرهم؛ مع حديث: "هلا انتفعتم بجلدها"، يعني: شاة ميتة -عند الشيخين- كلاهما من حديث ابن عباس.
فذكر الصلاة الوسطى في الأول، وجلد الشاة في الأخير: لا يقتضى أن غيرهما من الصلوات -في الأول-، ومن الجلود -في الثاني- ليس كذلك.
قال في مراقي السعود عاطفًا على ما لا يخصص به العموم:
وذكر ما وافقه من مفرد … ومذهب الراوي على المعتمد
ولم يخالف في عدم التخصيص بذكر بعض أفراد العام بحكم العام إلا أبو ثور محتجًا بأنه لا فائدة لذكره إلا التخصيص، وأجيب من قبل الجمهور: بأن مفهوم اللقب ليس بحجة، وفائدة ذكر البعض: نفي احتمال إخراجه من العام.
والصعيد في اللغة: وجه الأرض، كان عليه تراب أو لم يكن، قاله الخليل، وابن الأعرابي، والزجاج، قال الزجاج: لا أعلم فيه خلافًا بين أهل اللغة، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (٨)﴾ [الكهف: ٨]؛ أي: أرضًا غليظة لا تنبت شيئًا، وقال تعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠]، ومنه: قول ذي الرمة:
كأنه بالضحى ترمي الصعيد به … دبابة من عظام الرأس خرطوم
. . ." [انظر: الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢٢٧)].
قال القرطبي: "فاستدل أصحاب هذه المقالة بقوله ﵇: "وجعلت تربتها لنا طهورًا"، وقالوا: هذا من باب المطلق والمقيد، وليس كذلك، وإنما هو من باب النص على بعض أشخاص العموم، كما قال تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾ [الرحمن: ٦٨]، وقد حكى أهل اللغة أن الصعيد اسم لوجه الأرض كما ذكرنا، وهو نص القرآن كما بيَّنَّا، وليس
стр. 1294
بعد بيان الله بيان، وقال ﷺ للجنب: "عليك بالصعيد فإنه يكفيك" [الجامع (٥/ ٢٢٨)].
وقال في موضع آخر: "وحديث عمران بن حصين نص على ما يقوله مالك، إذ لو كان الصعيد التراب لقال ﵇ للرجل: عليك بالتراب فإنه يكفيك، فلما قال: "عليك بالصعيد" أحاله على وجه الأرض" [الجامع (٦/ ١٠٥)].
الوجه الرابع: قال ابن دقيق العيد في الإحكام (١/ ١٥١): "ومنها: أن الحديث المذكور الذي خصت فيه التربة بالطهورية لو سلم أن مفهومه معمول به، لكان الحديث الآخر بمنطوقه يدل على طهورية بقية أجزاء الأرض، أعني: قوله ﷺ : "مسجدًا وطهورًا"، فإذا تعارض في غير التراب دلالة المفهوم الذي يقتضي عدم طهوريته، ودلالة المنطوق الذي يقتضي طهوريته فالمنطوق مقدم على المفهوم.
وقد قالوا: إن المفهوم يخصص العموم، فتمتنع هذه الأولوية إذا سلم المفهوم ههنا، وقد أشار بعضهم إلى خلاف هذه القاعدة، أعني: تخصيص العموم بالمفهوم، ثم عليك بعد هذا كله بالنظر في معنى ما أسلفناه من حاجة التخصيص إلى التعارض بينه وبين العموم في محله"، وانظر: الأعلام (٢/ ١٦٢).
قال الشنقيطي: "واختلف العلماء فيه [يعني: في الصعيد] من أجل تقييده بالطيب، فقالت طائفة: الطيب: هو الطاهر؛ فيجوز التيمم بوجه الأرض كله: ترابًا كان، أو رملًا، أو حجارة، أو معدنًا، أو سبخة، إذا كان ذلك طاهرًا، وهذا مذهب مالك، وأبي حنيفة، والثوري، وغيرهم.
وقالت طائفة: الطيب: الحلال، فلا يجوز التيمم بتراب مغصوب.
وقال الشافعي، وأبو يوسف: الصعيد الطيب: التراب المنبت، بدليل قوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٥٨].
وساق ابن العربي في معنى الطيب خمسة أقوال ثم قال: "أصحها الطاهر" [أحكام القرآن (١/ ٥٦٩)].
وهذا القول هو الصواب؛ لما تقدم تقريره قبل.
ومما يؤكد صحة القول بجواز التيمم بجميع أجزاء الأرض مما يصح إطلاق اسم الصعيد عليه سواء كان عليه تراب أو لم يكن، ولا يتعين ما له غبار:
حديث أبي الجهيم بن الحارث بن الصمة: قال: أقبل رسول الله ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي ﷺ السلام، حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇ [تقدم برقم (٣٢٩)، وهو في الصحيح].
قال القرطبي في تفسيره (٥/ ٢٢٩): "وهو دليل على صحة التيمم بغير التراب، كما يقوله مالك ومن وافقه".
وثم دليل آخر: وهو فعله ﷺ في غزوة تبوك، قال ابن القيم في زاد المعاد (١/ ٢٠٠) في هديه ﷺ في التيمم: "وكذلك كان يتيمم بالأرض التي يصلي عليها، ترابًا
стр. 1295
كانت، أو سبخة، أو رملًا، وصح عنه أنه قال: "حيثما أدركت رجلًا من أمتي الصلاة، فعنده مسجده وطهوره" وهذا نص صريح في أن من أدركته الصلاة في الرمل، فالرمل له طهور، ولما سافر هو وأصحابه في غزوة تبوك، قطعوا تلك الرمال في طريقهم، وماؤهم في غاية القلة، ولم يرو عنه أنه حمل معه التراب، ولا أمر به، ولا فعله أحد من أصحابه، مع القطع بأن في المفاوز الرمال أكثر من التراب، وكذلك أرض الحجاز وغيره، ومن تدبر هذا، قطع بأنه كان يتيمم بالرمل، والله أعلم، وهذا قول الجمهور".
وقال في فوائد غزوة تبوك (٣/ ٥٦١): "ومنها: جواز التيمم بالرمل؛ فإن النبي ﷺ وأصحابه قطعوا الرمال التي بين المدينة وتبوك، ولم يحملوا معهم ترابًا بلا شك، وتلك مفاوز معطشة، شكوا فيها العطش إلى رسول الله ﷺ ، وقطعًا كانوا يتيممون بالأرض التي هم فيها نازلون، هذا كله مما لا شك فيه، مع قوله ﷺ : "فحيثما أدركت رجلًا من أمتي الصلاة فعنده مسجده وطهوره".
وسوف يأتي تخريج أحاديث طهورية الأرض مفصلًا عند الحديث رقم (٤٨٩).
وقد سبق أن ذكرت فوائد أحاديث هذا الباب فيما تقدم تحت الحديث رقم (١٧).
وانظر: الأم (٢/ ١٠٥)، جامع البيان لابن جرير (٤/ ١١٢)، المحرر الوجيز (٤٤٠)، معجم تهذيب اللغة (٢/ ٢٠١٣)، معجم مقاييس اللغة (٥٦٧)، الفروق للقرافي (٢/ ٧٤/ ٦١)، مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢١/ ٣٦٤)، شرح السنة (١/ ٤٠١)، سؤالات أبي داود للإمام أحمد (١١٧ - ١١٩)، فتاوى اللجنة الدائمة (٥/ ٣٥١ - ٣٦٠)، نيل الأوطار (١/ ٣٩٧)، الشرح الممتع (١/ ٣٢٩).
• ومما يحسن نقله: قال ابن جرير الطبري في تفسيره (٤/ ١١٢): "والمسح منه بالوجه: أن يضرب المتيمم بيديه على وجه الأرض الطاهر، أو ما قام مقامه، فيمسح بما علق من الغبار وجهه، فإن (علق من الغبار) كان الذي علق به من الغبار كثيرًا فنفخ عن يديه أو نفضه، فهو جائز، وإن لم يعلق بيديه من الغبار شيء، وقد ضرب بيديه أو إحداهما الصعيد ثم مسح بهما أو بها وجهه أجزأه ذلك؛ لإجماع جميع الحجة على أن المتيمم لو ضرب بيديه الصعيد -وهو أرض رمل- فلم يعلق بيديه منها شيء فيتيمم به، أن ذلك مجزئه، لم يخالف في ذلك من يجوز أن يعتد خلافًا، فلما كان ذلك إجماعًا منهم، كان معلومًا أن الذي يراد به من ضرب الصعيد باليدين: مباشرة الصعيد بهما، بالمعنى الذي أمر الله بمباشرته بهما، لا لأخذ تراب منه"
ومن فتاوى اللجنة الدائمة رقم (٥٠٨١) (٥/ ٣٥١):
س: إنني في بيت وليس عندي تراب وفي بعض الأوقات ليس عندي أحد يحضر لي ترابًا هل يجوز لي أن أتيمم على الفراش (السجاد)، أم لا؟
ج: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه، وبعد: يجب عليك أن تتيمم بتراب طاهر إذا لم يوجد الماء، أو تعذر استعماله؛ لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا
стр. 1296
طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، فإن عجزت عن التراب أجزأك التيمم بضرب الأرض الطاهرة كيف ما كانت، وإن لم يكن فيها غبار؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء.
برئاسة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى، ونائبه: الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله تعالى، وعضوية الشيخ عبد الله بن غديان حفظه الله تعالى.
***
١٢٣ - باب الجنب يتيمم
٣٣٢ - خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بُجْدان، عن أبي ذر، قال: اجتمعت غُنَيمة عند رسول الله ﷺ فقال: "يا أبا ذر! أُبْدُ فيها" فبدوت إلى الرَّبَذة، فكانت تصيبني الجنابة، فأمكث الخمس والست، فأتيت النبي ﷺ فقال: "أبو ذر" فسكتُّ، فقال: "ثكلتك أمُّك أبا ذر، لأمِّك الويل! " فدعا لي بجارية سوداء، فجاءت بعُسٍّ فيه ماء، فسترتني بثوب، واستترتُ بالراحلة، واغتسلت، فكأني ألقيت عني جبلًا، فقال: "الصعيد الطيب وَضوء المسلم ولو إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمِسَّه جلدك، فإن ذلك خير".
قال مسدد [شيخ أبي داود]: غُنَيمة من الصدقة، وحديث عمرو أتم.
• حديث حسن.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٣١٧)، والترمذي (١٢٤)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (١٠٤ و ١٠٥)، والنسائي (١/ ١٧١/ ٣٢٢)، وابن خزيمة (٤/ ٣٢/ ٢٢٩٢)، وابن حبان (٤/ ١٣٥ - ١٤٠/ ١٣١١ و ١٣١٢ و ١٣١٣)، والحاكم (١/ ١٧٦ - ١٧٧)، وأحمد (٥/ ١٥٥ و ١٨٠)، وعبد الرزاق (١/ ٢٣٨/ ٩١٣)، والبزار (٩/ ٣٨٧/ ٣٩٧٣)، وابن المنذر في الأوسط (١/ ٢٥٧/ ١٧٥)، والطحاوي في أحكام القرآن (١٢٠ - ١٢٢)، ويونس بن حبيب في زوائده على مسند الطيالسي (١/ ٤٨٦/٣٩٠ م)، والمحاملي في الأمالي (٨١)، وابن الأعرابي في المعجم (٧٢٩)، والدارقطني في السنن (١/ ١٨٦ و ١٨٧)، وفي الأفراد (٥/ ٥٢/ ٤٦٤٦ - أطرافه)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٧ و ٨ و ١٧٩ و ١٨٣ و ٢١٢ و ٢٢٠)، وفي المعرفة (١/ ٢٩٧/ ٣٣٦)، وفي الخلافيات (٢/ ٤٣٧ و ٤٥٥ و ٥١٠/ ٧٨٢ و ٨٠٢ و ٨٠٣ و ٨٤٩)، والخطيب في الفصل للوصل المدرج في النقل (٢/ ٨٦٣ و ٨٧٤ و ٨٧٥ و ٨٧٦ و ٨٧٧ و ٨٧٨)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٥١ و ٢٣٩/ ٢٩ و ٢٣٨).
стр. 1297
قال الترمذي: "وهكذا روى غير واحد عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر.
وقد روى هذا الحديث: أيوب، عن أبي قلابة، عن رجل من بني عامر، عن أبي ذر، ولم يسمه.
وهذا حديث حسن صحيح".
واحتج به أبو داود، والنسائي، وصححه ابن خزيمة وابن حبان، والحاكم، وقال: "هذا حديث صحيح، ولم يخرجاه، إذ لم نجد لعمرو بن بجدان راويًا غير أبي قلابة الجرمي، وهذا مما شرطت فيه، وثبت أنهما قد خرجا مثل هذا في مواضع من الكتابين".
وقال الجوزقاني وابن الملقن: "حديث صحيح" [الأباطيل (١/ ٥٠٨)، البدر المنير (٢/ ٦٥٦)].
قلت: هذا الحديث قد رواه عن خالد الحذاء به هكذا: خالد بن عبد الله الواسطى، ويزيد بن زريع، ولم يختلف عليهما في إسناده، وكلاهما: ثقة ثبت متقن.
ورواه سفيان الثوري واختلف عليه في إسناده، وسنذكر هذا الاختلاف بعد حديث أيوب السختياني.
***
٣٣٣ - أيوب، عن أبي قلابة، عن رجل من بني عامر، قال: دخلت في الإسلام فأهمني ديني، فأتيت أبا ذر، فقال أبو ذر: إني اجتويت المدينة، فأمر لي رسول الله ﷺ بذود وبغنم، فقال لي: "اشرب من ألبانها"، -قال حماد [يعني: ابن سلمة راوي الحديث عن أيوب، عند أبي داود]: وأشك في "أبوالها" هذا قول حماد- فقال أبو ذر: فكنت أعزب عن الماء ومعي أهلي؛ فتصيبني الجنابة، فأصلي بغير طهور، فأتيت رسول الله ﷺ بنصف النهار، وهو في رهط من أصحابه، وهو في ظل المسجد، فقال: "أبو ذر؟ " فقلت: نعم، هلكت يا رسول الله! قال: "وما أهلكك؟ " قلت: إني كنت أعزب عن الماء ومعي أهلي؛ فتصيبني الجنابة، فأصلي بغير طهور! فأمر لي رسول الله ﷺ بماء فجاءت به جارية سوداء بعس يتخضخض، ما هو بملآن، فتسترت إلى بعيري، فاغتسلت، ثم جئت، فقال رسول الله ﷺ : "يا أبا ذر! إن الصعيد الطيب طهور، وإن لم تجد الماء إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك".
قال أبو داود: رواه حماد بن زيد عن أيوب، لم يذكر: "أبوالها".
стр. 1298
قال أبو داود: هذا ليس بصحيح، وليس في "أبوالها" إلا حديث أنس، تفرد به أهل البصرة.
• حديث حسن.
وفي سؤالات أبي عبيد الآجري (٤٣٩)، قال: "سمعت أبا داود يقول: حماد بن سلمة وهم فيه، زاد: "وأبوالها".
قال أبو عبيد: رأيت هذا الكلام عندي عن أبي داود عقب حديث عمرو بن بجدان في التيمم".
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٣١٧)، وأحمد (٥/ ١٤٦ و ١٥٥)، والطيالسي (١/ ٣٨٩/ ٤٨٦)، وعبد الرزاق (١/ ٢٣٦ - ٢٣٧/ ٩١٢)، وابن أبي شيبة (١/ ١٤٤/ ١٦٦١)، وإسماعيل القاضي في جزء فيه من أحاديث الإمام أيوب السختياني (٤٦)، والدارقطني (١/ ١٨٧)، والبيهقي (١/ ١٧٩ و ٢١٧)، وابن عبد البر في الاستذكار (١/ ٣١٣)، والخطيب في الفصل للوصل المدرج في النقل (٢/ ٨٦٥ - ٨٧٢ و ٨٧٧ و ٨٧٨)، وابن الجوزي في التحقيق (٢٦٣).
وانظر: علل الدارقطني (٦/ ١١١٣/٢٥٤).
• واختلف نبه على أيوب السختياني:
١ - فرواه حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وإسماعيل ابن علية، وسفيان الثوري -واختلف عليه-، وسعيد بن أبي عروبة، ومعمر بن راشد، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وجرير بن حازم، وعبيد الله بن عمرو، ووهيب بن خالد (١٠):
كلهم: عن أيوب السختياني، عن رجل [قال معمر وابن أبي عروبة: من بني قشير. وقال جرير: عن رجل، ولم ينسبه، وقال بقية أصحاب أيوب: رجل من بني عامر]، قال: رأيت أبا ذر. . . فذكر الحديث، منهم من رواه مطولًا، ومنهم من اختصره.
• تنبيهات على هذه الرواية:
أ- وقع في رواية حماد بن زيد: عند إسماعيل القاضي: "وأمرني أن أشرب من أبوالها وألبانها"، قال حماد: ثم إن أيوب كان يقول: "ألبانها"، ولا يذكر: "أبوالها".
وهذا يدل على أن الوهم ليس من حماد بن سلمة، ولكن أيوب السختياني حدث بهذا الحرف أولًا ثم تركه لما شك فيه، وقد رواه أبو داود الطيالسي عن حماد بن سلمة وحماد بن زيد -قرنهما-، وفيه: "وأمرني أن أشرب من ألبانها وأبوالها"، ثم سكت أيوب عند "أبوالها"؛ يعني: أنه لما شك في هذا الحرف سكت عنده أولًا، ثم بعد ذلك ترك التحديث به، لذا لم يقع هذا الحرف "أبوالها"، ولا: "ألبانها" في رواية غير الحمادين.
ب- كلام أبي داود صحيح في شذوذ هذه اللفظة: "أبوالها"، حيث شك فيها أيوب ثم تركها، ولم تأت في رواية بقية أصحابه، وإنما تثبت هذه اللفظة -أعني: الشرب من
стр. 1299
أبوال الإبل- من حديث أنس المتفق عليه [البخاري (٢٣٣)، وانظر: أطرافه فيه. مسلم (١٦٧١)] قال: قدم أناس من عكل أو عرينة فاجتووا المدينة، فأمرهم النبي ﷺ بلقاح، وأن يشربوا من أبوالها وألبانها.
ج- وقع في رواية معمر وابن أبي عروبة: فتصيبني الجنابة [فلا أجد الماء] فأتيمم.
قلت: ذكر التيمم هنا شاذ، لم يروه الحفاظ من أصحاب أيوب، مثل: حماد بن زيد، وإسماعيل ابن علية، وهما: أثبت أصحاب أيوب، بل وقع في رواية الحمادين عند الطيالسي، وحماد بن سلمة عند أبي داود وغيره: فأصلي بغير طهور.
د- اتفق الحفاظ من أصحاب أيوب على أنه: رجل من بني عامر، وشذ معمر وابن أبي عروبة فقالا: رجل من بني قشير، على أنه يمكن الجمع بينهما لأن قشير بطن من بني عامر، فيقال: من بني قشير، وهو قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر، ويقال: من بني عامر، قال الشيخ أحمد شاكر في تحقيقه لجامع الترمذي (١/ ٢١٥): "وهذا الرجل هو الأول نفسه؛ لأن بني قشير من بني عامر، كما في الاشتقاق لابن دريد (ص ١٨١) وهو عمرو بن بجدان نفسه".
وانظر: طبقات ابن سعد (١/ ٥٨)، والأنساب (٤/ ١١٤ و ٥٠١)، وكذا اللباب: العامري والقشيري.
٢ - وخالفهم: موسى بن خلف العمي، فرواه عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عمه أبي المهلب، عن أبي ذر، قال: أتيت النبي ﷺ فقال: "يا أبا ذرا إن الصعيد طهور لمن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك".
أخرجه الدارقطني (١/ ١٨٧)، ومن طريقه: الخطيب في المدرج (٢/ ٨٧٣).
وهذا وهم ظاهر؛ موسى بن خلف العمي: ليس بالقوي، والراوي عنه: ابنه خلف بن موسى بن خلف: وثقه العجلي، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: "ربما أخطأ" [التهذيب (١/ ٥٤٩) و (٤/ ١٧٤)].
قال الدارقطني في العلل (٦/ ٢٥٤): "ولم يتابع على هذا القول".
٣ - وأرسله ابن عيينة:
فرواه عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي ذر، قال: سألت رسول الله ﷺ فقلت: إني أعزب في أهلي فلا أجد الماء، فأصيب أهلي، وتصيبني الجنابة؟ فقال النبي ﷺ : "يا أبا ذر] الصعيد الطيب طهور؛ وإن لم تجد الماء عشر سنين، فإذا وجدته فأمسه بشرتك".
أخرجه الخطيب في المدرج (٢/ ٨٧٣).
ورواية الجماعة هي الصواب.
٤ - واختلف على سفيان الثوري في حديث أيوب، وخالد الحذاء:
أ- فرواه مخلد بن يزيد، قال: حدثنا سفيان الثوري، عن أيوب السختياني، وخالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ أنه قال: "يا أبا
стр. 1300
ذر الصعيد الطيب وَضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشره، فإن ذلك خير".
أخرجه النسائي (١/ ١٧١/ ٣٢٢)، وابن حبان (٤/ ١٤٠/ ١٣١٣)، والدارقطني في السنن (١/ ١٨٦ - ١٨٧)، وفي الأفراد (٥/ ٥٢/ ٤٦٤٦ - أطرافه)، والبيهقي (١/ ٢١٢)، والخطيب في المدرج (٢/ ٨٦٣)، والجوزقاني في الأباطيل (١/ ٥٠٨/ ٣١٨).
قلت: ومخلد بن يزيد القرشي الحراني: صدوق له أوهام؛ وهذا الحديث من جملة أوهامه، ومما وهم فيه على الثوري.
قال الدارقطني في العلل (٦/ ٢٥٣): "وأحسبه حمل حديث أيوب على حديث خالد؛ لأن أيوب يرويه عن أبي قلابة، عن رجل لم يسمه، عن أبي ذر".
وقال في الأفراد: "تفرد به مخلد بن يزيد، عن الثوري، عن أيوب، وخالد الحذاء، عن أبي قلابة عنه"؛ يعني: عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر.
وقال البيهقي: "تفرد به مخلد هكذا، وغيره يرويه عن الثوري، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن رجل، عن أبي ذر، وعن خالد، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر، كما رواه سائر الناس".
وقال الخطيب: "كذا روى هذا الحديث: مخلد بن يزيد الحراني، عن سفيان الثوري، عن أيوب السختياني، وخالد الحذاء، وساقه سياقة واحدة.
وأيوب إنما كان يرويه عن أبي قلابة، عن رجل، عن أبي ذر.
وأما خالد الحذاء فكان يرويه عن أبي قلابة ويسمى الرجل، وهو عمرو بن بجدان.
فحملت رواية أيوب على رواية خالد في حديث مخلد بن يزيد هذا".
ب- وممن وهم فيه على الثوري أيضًا:
قبيصة بن عقبة رواه، عن سفيان، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن محجن أو: محجن [وفي رواية: أو: محجل، وفي ثالثة: عن محجل، أو: أبي محجن، وفي رابعة: عن محجن، أو: أبي محجن]، عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ :. . . فذكره.
أخرجه البخاري في التاريخ (٦/ ٣١٧)، والبزار (٩/ ٣٨٩/ ٣٩٧٤)، والدارقطني (١/ ١٨٧)، والخطيب في المدرج (٢/ ٨٧٥ و ٨٧٦).
قال البخاري: "وقال بعضهم: ابن محجن؛ وهو وهم".
وقال ابن معين: "أخطأ في عمرو بن محجن، إنما هو: عمرو بن بجدان" [المدرج].
وقال الخطيب: "ولم يتابع قبيصة على شيء من هذين القولين".
وقال أبو زرعة الرازي: "هذا خطأ، أخطأ فيه قبيصة، إنما هو: أبو قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ " [علل ابن أبي حاتم (١)].
وقبيصة وإن كان ثقة؛ إلا أنه يُضعَّف في الثوري.
следующие страницы →