Полный текст (16 465 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، فإن عجزت عن التراب أجزأك التيمم بضرب الأرض الطاهرة كيف ما كانت، وإن لم يكن فيها غبار؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء.
برئاسة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى، ونائبه: الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله تعالى، وعضوية الشيخ عبد الله بن غديان حفظه الله تعالى.
***
١٢٣ - باب الجنب يتيمم
٣٣٢ - خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بُجْدان، عن أبي ذر، قال: اجتمعت غُنَيمة عند رسول الله ﷺ فقال: "يا أبا ذر! أُبْدُ فيها" فبدوت إلى الرَّبَذة، فكانت تصيبني الجنابة، فأمكث الخمس والست، فأتيت النبي ﷺ فقال: "أبو ذر" فسكتُّ، فقال: "ثكلتك أمُّك أبا ذر، لأمِّك الويل! " فدعا لي بجارية سوداء، فجاءت بعُسٍّ فيه ماء، فسترتني بثوب، واستترتُ بالراحلة، واغتسلت، فكأني ألقيت عني جبلًا، فقال: "الصعيد الطيب وَضوء المسلم ولو إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمِسَّه جلدك، فإن ذلك خير".
قال مسدد [شيخ أبي داود]: غُنَيمة من الصدقة، وحديث عمرو أتم.
• حديث حسن.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٣١٧)، والترمذي (١٢٤)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (١٠٤ و ١٠٥)، والنسائي (١/ ١٧١/ ٣٢٢)، وابن خزيمة (٤/ ٣٢/ ٢٢٩٢)، وابن حبان (٤/ ١٣٥ - ١٤٠/ ١٣١١ و ١٣١٢ و ١٣١٣)، والحاكم (١/ ١٧٦ - ١٧٧)، وأحمد (٥/ ١٥٥ و ١٨٠)، وعبد الرزاق (١/ ٢٣٨/ ٩١٣)، والبزار (٩/ ٣٨٧/ ٣٩٧٣)، وابن المنذر في الأوسط (١/ ٢٥٧/ ١٧٥)، والطحاوي في أحكام القرآن (١٢٠ - ١٢٢)، ويونس بن حبيب في زوائده على مسند الطيالسي (١/ ٤٨٦/٣٩٠ م)، والمحاملي في الأمالي (٨١)، وابن الأعرابي في المعجم (٧٢٩)، والدارقطني في السنن (١/ ١٨٦ و ١٨٧)، وفي الأفراد (٥/ ٥٢/ ٤٦٤٦ - أطرافه)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٧ و ٨ و ١٧٩ و ١٨٣ و ٢١٢ و ٢٢٠)، وفي المعرفة (١/ ٢٩٧/ ٣٣٦)، وفي الخلافيات (٢/ ٤٣٧ و ٤٥٥ و ٥١٠/ ٧٨٢ و ٨٠٢ و ٨٠٣ و ٨٤٩)، والخطيب في الفصل للوصل المدرج في النقل (٢/ ٨٦٣ و ٨٧٤ و ٨٧٥ و ٨٧٦ و ٨٧٧ و ٨٧٨)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٥١ و ٢٣٩/ ٢٩ و ٢٣٨).
стр. 1297
قال الترمذي: "وهكذا روى غير واحد عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر.
وقد روى هذا الحديث: أيوب، عن أبي قلابة، عن رجل من بني عامر، عن أبي ذر، ولم يسمه.
وهذا حديث حسن صحيح".
واحتج به أبو داود، والنسائي، وصححه ابن خزيمة وابن حبان، والحاكم، وقال: "هذا حديث صحيح، ولم يخرجاه، إذ لم نجد لعمرو بن بجدان راويًا غير أبي قلابة الجرمي، وهذا مما شرطت فيه، وثبت أنهما قد خرجا مثل هذا في مواضع من الكتابين".
وقال الجوزقاني وابن الملقن: "حديث صحيح" [الأباطيل (١/ ٥٠٨)، البدر المنير (٢/ ٦٥٦)].
قلت: هذا الحديث قد رواه عن خالد الحذاء به هكذا: خالد بن عبد الله الواسطى، ويزيد بن زريع، ولم يختلف عليهما في إسناده، وكلاهما: ثقة ثبت متقن.
ورواه سفيان الثوري واختلف عليه في إسناده، وسنذكر هذا الاختلاف بعد حديث أيوب السختياني.
***
٣٣٣ - أيوب، عن أبي قلابة، عن رجل من بني عامر، قال: دخلت في الإسلام فأهمني ديني، فأتيت أبا ذر، فقال أبو ذر: إني اجتويت المدينة، فأمر لي رسول الله ﷺ بذود وبغنم، فقال لي: "اشرب من ألبانها"، -قال حماد [يعني: ابن سلمة راوي الحديث عن أيوب، عند أبي داود]: وأشك في "أبوالها" هذا قول حماد- فقال أبو ذر: فكنت أعزب عن الماء ومعي أهلي؛ فتصيبني الجنابة، فأصلي بغير طهور، فأتيت رسول الله ﷺ بنصف النهار، وهو في رهط من أصحابه، وهو في ظل المسجد، فقال: "أبو ذر؟ " فقلت: نعم، هلكت يا رسول الله! قال: "وما أهلكك؟ " قلت: إني كنت أعزب عن الماء ومعي أهلي؛ فتصيبني الجنابة، فأصلي بغير طهور! فأمر لي رسول الله ﷺ بماء فجاءت به جارية سوداء بعس يتخضخض، ما هو بملآن، فتسترت إلى بعيري، فاغتسلت، ثم جئت، فقال رسول الله ﷺ : "يا أبا ذر! إن الصعيد الطيب طهور، وإن لم تجد الماء إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك".
قال أبو داود: رواه حماد بن زيد عن أيوب، لم يذكر: "أبوالها".
стр. 1298
قال أبو داود: هذا ليس بصحيح، وليس في "أبوالها" إلا حديث أنس، تفرد به أهل البصرة.
• حديث حسن.
وفي سؤالات أبي عبيد الآجري (٤٣٩)، قال: "سمعت أبا داود يقول: حماد بن سلمة وهم فيه، زاد: "وأبوالها".
قال أبو عبيد: رأيت هذا الكلام عندي عن أبي داود عقب حديث عمرو بن بجدان في التيمم".
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٣١٧)، وأحمد (٥/ ١٤٦ و ١٥٥)، والطيالسي (١/ ٣٨٩/ ٤٨٦)، وعبد الرزاق (١/ ٢٣٦ - ٢٣٧/ ٩١٢)، وابن أبي شيبة (١/ ١٤٤/ ١٦٦١)، وإسماعيل القاضي في جزء فيه من أحاديث الإمام أيوب السختياني (٤٦)، والدارقطني (١/ ١٨٧)، والبيهقي (١/ ١٧٩ و ٢١٧)، وابن عبد البر في الاستذكار (١/ ٣١٣)، والخطيب في الفصل للوصل المدرج في النقل (٢/ ٨٦٥ - ٨٧٢ و ٨٧٧ و ٨٧٨)، وابن الجوزي في التحقيق (٢٦٣).
وانظر: علل الدارقطني (٦/ ١١١٣/٢٥٤).
• واختلف نبه على أيوب السختياني:
١ - فرواه حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وإسماعيل ابن علية، وسفيان الثوري -واختلف عليه-، وسعيد بن أبي عروبة، ومعمر بن راشد، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وجرير بن حازم، وعبيد الله بن عمرو، ووهيب بن خالد (١٠):
كلهم: عن أيوب السختياني، عن رجل [قال معمر وابن أبي عروبة: من بني قشير. وقال جرير: عن رجل، ولم ينسبه، وقال بقية أصحاب أيوب: رجل من بني عامر]، قال: رأيت أبا ذر. . . فذكر الحديث، منهم من رواه مطولًا، ومنهم من اختصره.
• تنبيهات على هذه الرواية:
أ- وقع في رواية حماد بن زيد: عند إسماعيل القاضي: "وأمرني أن أشرب من أبوالها وألبانها"، قال حماد: ثم إن أيوب كان يقول: "ألبانها"، ولا يذكر: "أبوالها".
وهذا يدل على أن الوهم ليس من حماد بن سلمة، ولكن أيوب السختياني حدث بهذا الحرف أولًا ثم تركه لما شك فيه، وقد رواه أبو داود الطيالسي عن حماد بن سلمة وحماد بن زيد -قرنهما-، وفيه: "وأمرني أن أشرب من ألبانها وأبوالها"، ثم سكت أيوب عند "أبوالها"؛ يعني: أنه لما شك في هذا الحرف سكت عنده أولًا، ثم بعد ذلك ترك التحديث به، لذا لم يقع هذا الحرف "أبوالها"، ولا: "ألبانها" في رواية غير الحمادين.
ب- كلام أبي داود صحيح في شذوذ هذه اللفظة: "أبوالها"، حيث شك فيها أيوب ثم تركها، ولم تأت في رواية بقية أصحابه، وإنما تثبت هذه اللفظة -أعني: الشرب من
стр. 1299
أبوال الإبل- من حديث أنس المتفق عليه [البخاري (٢٣٣)، وانظر: أطرافه فيه. مسلم (١٦٧١)] قال: قدم أناس من عكل أو عرينة فاجتووا المدينة، فأمرهم النبي ﷺ بلقاح، وأن يشربوا من أبوالها وألبانها.
ج- وقع في رواية معمر وابن أبي عروبة: فتصيبني الجنابة [فلا أجد الماء] فأتيمم.
قلت: ذكر التيمم هنا شاذ، لم يروه الحفاظ من أصحاب أيوب، مثل: حماد بن زيد، وإسماعيل ابن علية، وهما: أثبت أصحاب أيوب، بل وقع في رواية الحمادين عند الطيالسي، وحماد بن سلمة عند أبي داود وغيره: فأصلي بغير طهور.
د- اتفق الحفاظ من أصحاب أيوب على أنه: رجل من بني عامر، وشذ معمر وابن أبي عروبة فقالا: رجل من بني قشير، على أنه يمكن الجمع بينهما لأن قشير بطن من بني عامر، فيقال: من بني قشير، وهو قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر، ويقال: من بني عامر، قال الشيخ أحمد شاكر في تحقيقه لجامع الترمذي (١/ ٢١٥): "وهذا الرجل هو الأول نفسه؛ لأن بني قشير من بني عامر، كما في الاشتقاق لابن دريد (ص ١٨١) وهو عمرو بن بجدان نفسه".
وانظر: طبقات ابن سعد (١/ ٥٨)، والأنساب (٤/ ١١٤ و ٥٠١)، وكذا اللباب: العامري والقشيري.
٢ - وخالفهم: موسى بن خلف العمي، فرواه عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عمه أبي المهلب، عن أبي ذر، قال: أتيت النبي ﷺ فقال: "يا أبا ذرا إن الصعيد طهور لمن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك".
أخرجه الدارقطني (١/ ١٨٧)، ومن طريقه: الخطيب في المدرج (٢/ ٨٧٣).
وهذا وهم ظاهر؛ موسى بن خلف العمي: ليس بالقوي، والراوي عنه: ابنه خلف بن موسى بن خلف: وثقه العجلي، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: "ربما أخطأ" [التهذيب (١/ ٥٤٩) و (٤/ ١٧٤)].
قال الدارقطني في العلل (٦/ ٢٥٤): "ولم يتابع على هذا القول".
٣ - وأرسله ابن عيينة:
فرواه عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي ذر، قال: سألت رسول الله ﷺ فقلت: إني أعزب في أهلي فلا أجد الماء، فأصيب أهلي، وتصيبني الجنابة؟ فقال النبي ﷺ : "يا أبا ذر] الصعيد الطيب طهور؛ وإن لم تجد الماء عشر سنين، فإذا وجدته فأمسه بشرتك".
أخرجه الخطيب في المدرج (٢/ ٨٧٣).
ورواية الجماعة هي الصواب.
٤ - واختلف على سفيان الثوري في حديث أيوب، وخالد الحذاء:
أ- فرواه مخلد بن يزيد، قال: حدثنا سفيان الثوري، عن أيوب السختياني، وخالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ أنه قال: "يا أبا
стр. 1300
ذر الصعيد الطيب وَضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشره، فإن ذلك خير".
أخرجه النسائي (١/ ١٧١/ ٣٢٢)، وابن حبان (٤/ ١٤٠/ ١٣١٣)، والدارقطني في السنن (١/ ١٨٦ - ١٨٧)، وفي الأفراد (٥/ ٥٢/ ٤٦٤٦ - أطرافه)، والبيهقي (١/ ٢١٢)، والخطيب في المدرج (٢/ ٨٦٣)، والجوزقاني في الأباطيل (١/ ٥٠٨/ ٣١٨).
قلت: ومخلد بن يزيد القرشي الحراني: صدوق له أوهام؛ وهذا الحديث من جملة أوهامه، ومما وهم فيه على الثوري.
قال الدارقطني في العلل (٦/ ٢٥٣): "وأحسبه حمل حديث أيوب على حديث خالد؛ لأن أيوب يرويه عن أبي قلابة، عن رجل لم يسمه، عن أبي ذر".
وقال في الأفراد: "تفرد به مخلد بن يزيد، عن الثوري، عن أيوب، وخالد الحذاء، عن أبي قلابة عنه"؛ يعني: عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر.
وقال البيهقي: "تفرد به مخلد هكذا، وغيره يرويه عن الثوري، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن رجل، عن أبي ذر، وعن خالد، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر، كما رواه سائر الناس".
وقال الخطيب: "كذا روى هذا الحديث: مخلد بن يزيد الحراني، عن سفيان الثوري، عن أيوب السختياني، وخالد الحذاء، وساقه سياقة واحدة.
وأيوب إنما كان يرويه عن أبي قلابة، عن رجل، عن أبي ذر.
وأما خالد الحذاء فكان يرويه عن أبي قلابة ويسمى الرجل، وهو عمرو بن بجدان.
فحملت رواية أيوب على رواية خالد في حديث مخلد بن يزيد هذا".
ب- وممن وهم فيه على الثوري أيضًا:
قبيصة بن عقبة رواه، عن سفيان، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن محجن أو: محجن [وفي رواية: أو: محجل، وفي ثالثة: عن محجل، أو: أبي محجن، وفي رابعة: عن محجن، أو: أبي محجن]، عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ :. . . فذكره.
أخرجه البخاري في التاريخ (٦/ ٣١٧)، والبزار (٩/ ٣٨٩/ ٣٩٧٤)، والدارقطني (١/ ١٨٧)، والخطيب في المدرج (٢/ ٨٧٥ و ٨٧٦).
قال البخاري: "وقال بعضهم: ابن محجن؛ وهو وهم".
وقال ابن معين: "أخطأ في عمرو بن محجن، إنما هو: عمرو بن بجدان" [المدرج].
وقال الخطيب: "ولم يتابع قبيصة على شيء من هذين القولين".
وقال أبو زرعة الرازي: "هذا خطأ، أخطأ فيه قبيصة، إنما هو: أبو قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ " [علل ابن أبي حاتم (١)].
وقبيصة وإن كان ثقة؛ إلا أنه يُضعَّف في الثوري.
стр. 1301
ج- وممن رواه مرة على الوهم ومرة على الصواب:
أبو أحمد الزبيري؛ رواه عن سفيان، عن أيوب، عن أبى قلابة، عن أبى ذر، عن النبي ﷺ نحوه؛ لم يدخل بينهما أحدًا.
أخرجه المحاملي في الأمالي (٨٢)، والخطيب في المدرج (٢/ ٨٧٤).
• والمحفوظ في هذين الإسنادين عن الثوري:
د- ما رواه وكيع بن الجراح، والحسين بن حفص الأصبهاني، ومحمد بن يوسف الفريابي، والقاسم بن يزيد الجرمي، وأبو داود الحفري، وقبيصة بن عقبة، وأبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي:
سبعتهم: عن سفيان الثوري، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن رجل [من بني عامر]،
عن أبي ذر، عن النبي ﷺ . . . نحوه.
أخرجه الخطيب في المدرج (٢/ ٨٦٥ - ٨٦٧)، وذكره الدارقطني في العلل (٦/ ٢٥٤).
هـ- وما رواه أبو أحمد الزبيري، وعبد الرزاق بن همام:
كلاهما: عن سفيان الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ . . .
أخرجه الترمذي (١٢٤)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه (١٠٤ و ١٠٥)، وأحمد (٥/ ١٨٠)، وعبد الرزاق (١/ ٢٣٨/ ٩١٣)، وابن المنذر (١/ ٢٥٧/ ١٧٥)، والخطيب في المدرج (٢/ ٨٧٤ و ٨٧٥)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٥١ و ٢٣٩/ ٥٩ و ٢٣٨).
و- وممن روى الحديث عن الثوري بالإسنادين جميعًا: عن أيوب السختياني، وخالد الحذاء، فضبط الإسنادين، وبيَّن وجه الخلاف فيه، وفضل قول أيوب من قول خالد، وبيَّن عوار رواية مخلد بن يزيد، وقبيصة بن عقبة، وأبي أحمد الزبيري:
عبد الرزاق بن همام الصنعاني، وإبراهيم بن خالد الصنعاني المؤذن، ومحمد بن شرحبيل بن جعشم:
رواه ثلاثتهم: عن سفيان الثوري، عن أيوب السختياني، وخالد الحذاء، عن أبي قلابة: ذكره خالد عن عمرو بن بجدان.
وذكره أيوب عن رجل.
عن أبي ذر: أن أبا ذر أتى النبي ﷺ وقد أجنب فدعا له النبي ﷺ بماء فاغتسل، ثم قال له: "إن الصعيد الطيب وَضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، وإذا وجد الماء فليمسه بشرته؛ فإن ذلك هو خير".
أخرجه أحمد (٥/ ١٥٥)، وابن الأعرابي في المعجم (٧٢٩)، والخطيب في المدرج (٢/ ٨٧٧ و ٨٧٨).
قال الدارقطني في العلل (٦/ ٢٥٣): "ورواه عبد الرزاق، عن الثوري عنهما فضبطه وبيَّن قول كل واحد منهما من صاحبه، وأتى بالصواب.
стр. 1302
وتابعه على ذلك: إبراهيم بن خالد، عن الثوري، عن أيوب، وخالد، بيَّن قول كل واحد على الصواب".
• وحاصل ما تقدم:
أن هذا الحديث يرويه أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن رجل من بني عامر، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ .
ويرويه خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ .
وعليه فالرجل الذي أبهمه أيوب، عرفه وحفظه خالد الحذاء، وهو ثقة حافظ يعتمد على حفظه، وتقبل زيادته -أعني: تسميته للمبهم-؛ لذا قال الإمام الدارقطني في العلل (٦/ ٢٥٥): "والقول: قول خالد الحذاء".
وقال البيهقي في الخلافيات (٢/ ٤٥٧): "عن رجل من بني عامر؛ وهو عمرو بن بجدان، وليس له راو غير أبي قلابة، وهو مقبول عند أكثرهم؛ لأن أبا قلابة ثقة، وإن كان بخلاف شرط الشيخين في خروجه عن حد الجهالة بأن يروي عنه اثنان، والله أعلم".
وقال المنذري: "هذا الرجل من بني عامر هو عمرو بن بجدان" [مختصر السنن (١/ ٢٠٧)].
والحديث -كما تقدم-: صححه الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والجوزقاني، واحتج به أبو داود والنسائي.
ونقل الحافظ في الفتح (١/ ٣٥٤) تصحيحه عن الدارقطني أيضًا، وزاد في التلخيص (١/ ٢٧٠ - ٢٧١): "وصححه أيضًا أبو حاتم".
وخالف هؤلاء الأئمة: ابن القطان الفاسي فقال في بيان الوهم والإيهام (٣/ ٣٢٨): "وهو حديث ضعيف لا شك فيه".
واحتج على تضعيفه بأمرين:
الأول: حال عمرو بن بجدان؛ لتفرد أبي قلابة بالرواية عنه، ووصفه له بجهالة الحال، فقال: "وذلك لأنه لا يعرف لعمرو بن بجدان هذا حالٌ، وإنما روى عنه أبو قلابة".
والثاني: الاختلاف على أبي قلابة في شيخه حيث سماه خالد الحذاء، وأبهمه أيوب، ثم الاختلاف على أيوب في إسناده، فأورد الاختلاف الذي ساقه الدارقطني في علله وسننه، واعتبره اختلافًا قادحًا في الحديث، من جهة الاضطراب، والحق أنه ليس بقادح، ولا يعد مثل هذا اضطرابًا، بل يحكم فيه للأحفظ والأكثر، وتقبل زيادة الثقة الحافظ المتقن، كما فعل الدارقطني، وقدم قول الحذاء على غيره، وقد سبق بيان ذلك، وقد أحسن ابن دقيق العيد في الرد على ابن القطان لإعلاله الحديث بهذا الاختلاف.
انظر: الإمام (٣/ ١٦٦ - ١٦٧).
стр. 1303
وأما عمرو بن بجدان، وتضعيف الحديث من جهته؛ فيحسن فيه نقل كلام ابن دقيق العيد في رده على ابن القطان فقد أجاد؛ إذ يقول: "فمن العجب كونه لم يكتف بتصحيح الترمذي في معرفة حال عمرو بن بجدان مع تفرده بالحديث! فأي فرق بين أن يقول: هو ثقة، أو يصحح حديثًا انفرد به، وإن كان توقف عن ذلك لكونه لم يرو عنه إلا أبو قلابة، فليس هذا بمقتضى مذهبه، فإنه لا يلتفت إلى كثرة الرواة في نفي جهالة الحال، فكذلك لا يوجب جهالة الحال بانفراد راو واحد عنه بعد وجود ما يقتضي تعديله، وهو تصحيح الترمذي ﵀، وإن كان لم يرو قول الترمذي: "صحيح" فله عذر، لكن هذه اللفظة ثابتة فيما أورده شيخنا ﵀"؛ يعني بشيخه: الإمام المنذري، فيما نقله في مختصر السنن (١/ ٢٠٦) عن الترمذي، ولعل سبب تشغيب ابن القطان هذا هو أن عبد الحق الإشبيلي في أحكامه الوسطى (١/ ٢٢٠) نقل عن الترمذي قوله: "هذا حديث حسن"، فقال ابن القطان: "فهو عنده غير صحيح؛ ولم يبين لم لا يصح؟ ".
لكن كما قال ابن دقيق العيد؛ فإن لفظة: "صحيح" ثابتة عن الترمذي.
وعلى هذا فإن الذين صححوا هذا الحديث أو احتجوا به يكونون بذلك قد وثقوا عمرو بن بجدان توثيقًا ضمنيًا، وهم: الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وأبو داود، والنسائي، وكذا الدارقطني، وأبو حاتم، وهذا فضلًا عمن وثقه صراحة كالعجلي وابن حبان.
ثم إنه مما يرفع من حال عمرو بن بجدان: أن الراوي عنه هو أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي؛ وهو: بصري تابعي ثقة، كثير الحديث، ولا شك أن مثل هذا مما يرفع من حال المنفرد عنه، لدخوله في عموم قول النبي ﷺ : "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"، فهو تعديل ضمني لعموم التابعين.
كذلك قصة عمرو بن بجدان مع أبي ذر، فقد روى إسماعيل ابن علية، ومعمر، وابن أبي عروبة، عن أيوب عن أبي قلابة، عن رجل من بني عامر، [كذا قال ابن علية، وقال معمر وابن أبي عروبة: من بني قشير] قال [واللفظ لابن علية]: كنت كافرًا فهداني الله للإسلام، وكنت أعزب عن الماء، ومعي أهلي فتصيبني الجنابة، فوقع ذلك [في نفسي]، وقد أنعت إليَّ أبو ذر، فحججت فدخلت مسجد قباء فعرفته بالنعت، فإذا شيخ معروق آدم عليه حلة قطن، فذهبت حتى قمت إلى جنبه وهو يصلي فسلمت عليه، فلم يرد عليّ حتى صلى صلاة أتمها وأحسنها وأطولها، فلما فرغ رد عليّ، فقلت: أنت أبو ذر؟ قال: إن أهلي ليزعمون ذاك، قلت: كنت كافرًا فهداني الله للإسلام، وأهمني ديني، وكنت أعزب عن الماء ومعي أهلي فتصيبني الجنابة، فوقع ذلك في نفسي؟ قال: هل تعرف أبا ذر؟ قلت: نعم. قال: فإني اجتويت المدينة. . . وذكر الحديث. [المدرج (٢/ ٨٧٠)].
وسياق هذه القصة مما يبين شيئًا من حال عمرو بن بجدان وقلة روايته.
ثم بعد ذلك فإن حديثه هذا ليس فيه ما ينكر، فهو موافق لما رواه الثقات في التيمم؛
стр. 1304
مثل حديث عمار وفيه: "إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا"، وحديث عمران بن حصين: "عليك بالصعيد فإنه يكفيك"، وفي آخره: "خذ هذا فأفرغه عليك".
وعمرو بن بجدان: قليل الرواية، وليس له من الحديث سوى هذا الحديث في التيمم، وحديث آخر يرويه أبو قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي زيد الأنصاري [عمرو بن أخطب]، قال: مر رسول الله ﷺ بدار من دور الأنصار، فوجد ريح قتار، فقال: "من هذا الذي ذبح" فخرج إليه رجل منا، فقال: أنا يا رسول الله، ذبحت قبل أن أصلي لأطعم أهلي وجيراني، فأمره أن يعيد، فقال: لا والله الذي لا إله إلا هو؛ ما عندي إلا جذع أو حمل من الضأن، قال: "اذبحها، ولن تجزئ جذعة عن أحد بعدك".
أخرجه الترمذي في العلل الكبير (٤٤٩)، وابن ماجه (٣١٥٤)، وأحمد (٥/ ٧٧ و ٣٤٠)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٤/ ٢٠٠/ ٢١٨٤)، والطبراني في الكبير (١٧/ ٢٩ و ٣٠/ ٥٢ و ٥٣).
وهذا الحديث -بغض النظر عن صحته من جهة الإسناد- فإنه متنه غير منكر؛ إذ هو في معنى حديث البراء بن عازب في الصحيحين [البخاري (٩٥١)، وانظر أطرافه. مسلم (١٩٦١)] في قصة خاله أبي بردة بن نيار، إلا ما كان من قوله: "ولن تجزئ جذعة عن أحد بعدك"، لما فيه من المعارضة، وقد تأول ذلك بعضهم. انظر: نصب الراية (٤/ ٢١٧).
وعلى هذا فإن عمرو بن بجدان لم يرو منكرًا، ولم يضعَّف؛ وأكثر ما يقال فيه بأنه غير مشهور بالطلب، وهذا الذي يفسر قول أحمد فيه حين قال له ابنه عبد الله: "عمرو بن بجدان معروف؟ قال: لا؟ " [التهذيب (٣/ ٢٥٨)].
ومثل هذا مما يحتمل في التابعين، ممن لا يعلم فيه جرحة، ولا يعرف له حديث منكر.
فإن اقترن بذلك توثيق العجلي له حيث قال في ثقاته (١٣٦٧): "بصري تابعي ثقة"، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين (٥/ ١٧١)، وصحح له حديثه هذا جماعة، مثل: الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وحُكي عن الدارقطني وأبي حاتم تصحيحه، واحتج به أبو داود والنسائي، ورواية أحد ثقات التابعين عنه [أبو قلابة]، وقصته مع أبي ذر، كل هذا مما يجعل النفس تطمئن إلى ثبوت حديثه هذا، والحكم عليه بالحسن.
فهو حديث حسن.
ولم أصححه لأجل حال عمرو بن بجدان، وعدم شهرته، والله أعلم، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
• وهذا الحديث مما وهم فيه بقية بن الوليد، أو سعيد بن بشير:
فقد روى بقية بن الوليد: نا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أبي قلابة، عن رجاء بن عامر، أنه سمع أبا ذر يقول: قال رسول الله ﷺ . . . فذكره.
стр. 1305
أخرجه الدارقطني (١/ ١٨٧)، ومن طريقه: الخطيب في المدرج (٢/ ٨٧٨).
قال الدارقطني: "كذا قال: رجاء بن عامر، والصواب: رجل من بني عامر، كما قال ابن علية عن أيوب".
وقال في العلل (٦/ ٢٥٤): "وإنما أراد أن يقول: عن رجل من بني عامر، وقال هشام الدستوائي، عن قتادة عن أبي قلابة، أن رجلًا من بني قشير، قال: يا نبي الله، ولم يذكر أبا ذر، وأرسله".
وقال الخطيب: "نرى أن قوله: رجاء بن عامر تصحيف، وصوابه: عن رجل من بني عامر. . .، والتصحيف عندنا من سعيد بن بشير، أو ممن دونه، والله أعلم".
قلت: يبدو لي أن التصحيف إنما هو من بقية بن الوليد؛ فقد رواه مرة أخرى على الصواب، فقال: "رجل من بني عامر".
أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (٤/ ٢٧١٣/٥٤).
ثم رواه مرة أخرى فوهم، وقال: "عن جابر بن غانم".
أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (٤/ ٦٦/ ٢٧٤٣).
وقد ادعى ابن القطان الفاسي بعدما ضعَّف حديث عمرو بن بجدان عن أبي ذر [وهو: حديث حسن]، ادعى أن لهذا المعنى إسناد صحيح [بيان الوهم (٣/ ٣٢٨)]، ووعد بذكره في باب الأحاديث التي لم يصححها عبد الحق، ولها أسانيد صحاح، ثم وفى بموعوده، فقال في ذلك الباب (٥/ ٢٦٦/ ٢٤٦٤): "قال البزار: حدثنا مقدم بن محمد بن يحيى بن عطاء بن مقدم المقدمي، قال: حدثني عمي القاسم بن يحيى بن عطاء بن مقدم، قال: حدثنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "الصعيد وَضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليتق وليمسه بشرته؛ فإن ذلك خير".
قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه، ولم نسمعه إلا من مقدم، عن عمه، وكان مقدم: ثقة، معروف النسب. انتهى كلام البزار، فأقول بعده: إن القاسم بن يحيى بن عطاء بن مقدم أبا محمد الهلالي الواسطي، يروي عن عبيد الله بن عمر، وعبد الله بن عثمان بن خثيم، روى عنه ابن أخيه مقدم بن محمد الواسطي، وأحمد بن حنبل، وأخرج له البخاري في التفسير، والتوحيد وغيرهما من جامعه معتمدًا ما يروي، فاعلم ذلك".
قلت: أخرجه من طريق مقدم: البزار (١/ ١٥٧/ ٣١٠ - كشف الأستار)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٨٦ - ٨٧/ ١٣٣٣)، وفيه ذكر أبي ذر مع القصة.
وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن محمد إلا هشام، ولا عن هشام إلا القاسم، تفرد به مقدم".
وسئل الدارقطني عن هذا الحديث فقال: "يرويه هشام بن حسان، واختلف عنه:
стр. 1306
١ - فرواه القاسم بن يحيى بن عطاء المقدمي، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة.
٢ - وخالفه: ثابت بن يزيد أبو زيد، وزائدة، روياه، عن هشام، عن ابن سيرين: مرسلًا.
وكذلك رواه أيوب السختياني، وابن عون، وأشعث بن سوار، عن ابن سيرين: مرسلًا.
وهو الصواب".
قلت: ولا شك أن قول ثابت بن يزيد أبي زيد البصري، وزائدة بن قدامة [وهما: ثقتان ثبتان] أولى من قول القاسم بن يحيى؛ فهما أكثر وأحفظ.
كما أن أيوب من أثبت أصحاب ابن سيرين، فالمرسل هو الصواب، كما قال الدارقطني، وسقط بذلك قول ابن القطان الفاسي.
• ومن المسائل المتعلقة بهذا الحديث إذ قد ثبت لدينا:
هل التيمم رافع للحدث أم لا؟.
وسوف يتم بحثها إن شاء الله تعالى بعد حديث عمرو بن العاص الآتي:
***
١٢٤ - باب إذا خاف الجنب البرد، أيتيمم؟
٣٣٤ - وهب بن جرير: أخبرنا أبي، قال: سمعت يحيى بن أيوب: يحدث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير المصري، عن عمرو بن العاص، قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السُّلاسِل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك [في نسخة: أن أغتسل فأهلك]؛ فتيممت، ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي ﷺ ، فقال: "يا عمرو! صليت بأصحابك وأنت جنب؟ "، فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، فضحك رسول الله ﷺ ، ولم يقل شيئًا.
قال أبو داود: عبد الرحمن بن جبير: مصري، مولى خارجة بن حذافة، وليس هو ابن جبير بن نفير.
• حديث شاذ معلول.
أخرجه ابن المنذر في التفسير (٢/ ٦٦١/ ١٦٤٤)، والحاكم (١/ ١٧٧)، والدارقطني (١/ ١٧٨)، وابن شاهين في الناسخ (١٣٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٢٥)، وفي
стр. 1307
الخلافيات (٢/ ٤٧٨ - ٤٨٠/ ٨٢٣ و ٨٢٤)، وفي الدلائل (٤/ ٤٠٢)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٢٣٩/ ٢٨٢)، وابن حجر في التغليق (٢/ ١٨٩).
قال البيهقي في الخلافيات: "هذا مرسل؛ لم يسمعه عبد الرحمن بن جبير من عمرو بن العاص، والذي روي عن عمرو بن العاص في هذه القصة متصلًا ليس فيه ذكر التيمم"، ثم أخرج حديث عمرو بن الحارث.
وقال في السنن: "ورواه عمرو بن الحارث عن يزيد بن أبي حبيب عن عمران، فخالفه في الإسناد
والمتن جميعًا".
***
٣٣٥ - ابن وهب، عن ابن لهيعة، وعمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص: أن عمرو بن العاص كان على سرية. . . وذكر الحديث نحوه، قال: فغسل مغابنه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم صلى بهم. . . فذكر نحوه، ولم يذكر التيمم.
قال أبو داود: وروى هذه القصة عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، قال فيه: "فتيمم".
• حديث مرسل.
أخرجه ابن حبان (٤/ ١٤٢ - ١٤٣/ ١٣١٥)، والحاكم (١/ ١٧٧)، وابن المنذر (٢/ ٢٧/ ٥٢٨)، والدارقطني (١/ ١٧٩)، وابن شاهين في الناسخ (١٣٦)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٢٦)، وفي الخلافيات (٢/ ٤٨٠/ ٨٢٥)، وفي الدلائل (٤/ ٤٠٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٦/ ١٤٨)، والمزي في التهذيب (١٧/ ٣٢)، وابن حجر في التغليق (٢/ ١٨٨).
ولفظه عند الحاكم، ومن طريقه: البيهقي: أن عمرو بن العاص كان على سرية، وأنه أصابهم برد شديد لم يُر مثله، فخرج لصلاة الصبح، فقال: والله لقد احتلمت البارحة، ولكني والله ما رأيت بردًا مثل هذا، هل مر على وجوهكم مثله؟ قالوا: لا، فغسل مغابنه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم صلى بهم، فلما قدم على رسول الله ﷺ ؛ سأل رسول الله ﷺ : "كيف وجدتم عمرًا وصحابته؟ "، فأثنوا عليه خيرًا، وقالوا: يا رسول الله! صلى بنا وهو جنب، فأرسل رسول الله ﷺ إلى عمرو فسأله، فأخبره بذلك، وبالذي لقي من البرد، فقال: يا رسول الله! إن الله تعالى قال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] ولو اغتسلت مِتُّ، فضحك رسول الله ﷺ إلى عمرو.
هكذا روى هذا الحديث عن ابن وهب، فلم يذكر فيه التيمم: محمد بن سلمة المرادي، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وأحمد بن عبد الرحمن بن وهب، وحرملة بن يحيى: المصريون، وهم من ثقات أصحاب ابن وهب.
стр. 1308
• إلا أن حرملة بن يحيى قد اختلف عليه في لفظه:
فرواه محمد بن الحسن بن قتيبة [ثقة حافظ]، وعبد الله بن محمد بن سلم الفريابي المقدسي [ثقة. السير (١٤/ ٣٠٦)]:
كلاهما عن حرملة بن يحيى به مثل الجماعة.
وخالفهما: أحمد بن داود [وهو: ابن عبد الغفار أبو صالح الحراني المصري: قال الدارقطني: "متروك كذاب"، وقال ابن طاهر: "كان يضع الحديث"، وقال ابن حبان: "يضع الحديث"، وقال المنذري: "وثقه الحاكم وحده"، وهو شيخ لابن عدي أكثر عنه، ودافع عنه، ويسميه: أحمد بن داود بن أبي صالح، أو يقول: ثنا ابن أبي صالح، وهو معروف بالرواية عن حرملة. انظر: الضعفاء والمتروكون (٥٢)، المجروحين (١/ ١٦٠ - ط السلفي)، اللسان (١/ ١٧٨)، الترغيب والترهيب (٣/ ٢٨١)، الإكمال لابن ماكولا (٤/ ٤١)، الكامل لابن عدي (٢/ ٤٦١) و (١٢/ ١١٣) و (٦/ ٣٧٨)]، فرواه عن حرملة بن يحيى به؛ إلا أنه جعل لفظه كلفظ حديث وهب بن جرير، فذكر فيه التيمم [عند ابن المنذر في الأوسط (٥٢٨)] وهذا مما يؤكد ضعف الحراني هذا.
• وهذا الحديث قد رواه عمرو بن الحارث، ولم يختلف عليه فيه؛ ورواه ابن لهيعة واختلف عليه:
١ - فرواه ابن وهب [ثقة حافظ]، عن ابن لهيعة، مقرونًا بعمرو بن الحارث به هكذا كما تقدم.
٢ - ورواه حسن بن موسى [ثقة، من متثبتي أهل بغداد]، عن ابن لهيعة: ثنا يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص، أنه قال:. . .، فذكره بلفظ حديث وهب بن جرير بذكر التيمم، ولم يذكر في الإسناد أبا قيس.
أخرجه أحمد (٤/ ٢٠٣)، ومن طريقه: ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٦/ ١٤٧).
وتابعه: عبد الله بن عبد الحكم المصري، عن ابن لهيعة به كما ذكر في تغليق التعليق (٢/ ١٨٩)، وعبد الله: صدوق.
٣ - ورواه معاذ بن فضالة [ثقة، بصري]، قال: ثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص أنه قال: يا رسول الله! إني احتلمت في ليلة باردة لم يصبني برد مثله قط، فخيرت نفسي بين أن أغتسل فأقتل نفسي، أو أتوضأ؛ فذكرت قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، فتوضأت، فضحك رسول الله ﷺ ، ولم يقل شيئًا.
فلم يذكر في الإسناد أبا قيس، ولم يذكر في المتن غسل المغابن.
أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (٣/ ٩٢٨/ ٥١٨٧).
٤ - ورواه أبو الأسود النضر بن عبد الجبار [ثقة، مصري]، قال أنبأنا ابن لهيعة،
стр. 1309
عن ابن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص ﵁: أن رسول الله ﷺ أمَّره على جيش ذات السلاسل، وفي الجيش نفر من المهاجرين والأنصار، وفيهم: عمر بن الخطاب ﵁، فاحتلم عمرو بن العاص في ليلة شديدة البرد، فأشفق أن يموت إن اغتسل، فتوضأ ثم أمَّ أصحابه، فلما قدم، تقدم عمر بن الخطاب ﵁ فشكا عمرو بن العاص حتى قال: وأمَّنا جنبًا، فأعرض رسول الله ﷺ عن عمر، فلما قدم عمرو، دخل على رسول الله ﷺ فجعل يخبر بما صنع في غزاته، فقال له رسول الله ﷺ : "أصليت جنبًا يا عمرو؟ "، فقال: نعم، يا رسول الله، أصابني احتلام في ليلة باردة، لم يمر على وجهي مثلها قط، فخيرت نفسي بين أن أغتسل فأموت، أو أقبل رخصة الله ، فقبلت رخصة الله ، وعلمت أن الله أرحم بي، فتوضأت ثم صليت، قال رسول الله ﷺ : "أحسنت، ما أحب أنك تركت شيئًا صنعته، لو كنتُ في القوم لصنعتُ كما صنعتَ".
فلم يذكر في الإسناد أبا قيس، ولم يذكر في المتن غسل المغابن، وذكر تمام القصة، وقول النبي ﷺ له.
أخرجه الطحاوي في المشكل (١/ ٣٣٣/ ٣١٦ - ترتيبه).
٥ - ورواه معلى [وهو: ابن منصور: ثقة فقيه، رازي نزل بغداد]، قال: أخبرنا ابن لهيعة، قال: حدثنا يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن جبير: أن النبي ﷺ أمَّر عمرو بن العاص، على جيش. . . فذكر الحديث بمعناه، وفيه ذكر التيمم دون الوضوء.
وصورته مرسل، ولم يذكر أبا قيس في الإسناد.
أخرجه ابن شاهين في الناسخ (١٣٧).
قلت: وهذا اضطراب ظاهر من ابن لهيعة في إسناد هذا الحديث ومتنه، وهو يدلل على سوء حفظ ابن لهيعة.
قال ابن حجر في التغليق (٢/ ١٩٠) بعد أن ذكر الاختلاف فيه على ابن لهيعة بأكثر من هذا: "والاختلاف فيه على ابن لهيعة أظنه منه لسوء حفظه".
• قلت: فيبقى الترجيح بين رواية وهب بن جرير، ورواية عمرو بن الحارث؛ فأقول:
اختلف في إسناد هذا الحديث على يزيد بن أبي حبيب [وهو مصري تابعي، ثقة فقيه جليل]:
١ - فرواه وهب بن جرير، عن أبيه، قال: سمعت يحيى بن أيوب، يحدث عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير المصري، عن عمرو بن العاص به؛ فذكر التيمم.
٢ - ورواه عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص: أن عمرو بن العاص كان على سرية. . . فذكره بدون التيمم.
стр. 1310
وعمرو بن الحارث المصري: ثقة ثبت، فقيه حافظ، وروايته عن يزيد هي الصواب، ورواية يحيى بن أيوب الغافقي المصري: وهمٌ سندًا ومتنًا؛ لأمور:
الأول: أن إسناد عمرو بن الحارث: إسناد مصري عرف في بلده واشتهر، وأما إسناد يحيى بن أيوب: فإنه إسناد مصري ثم بصري، فهو حديث تفرد به الغرباء عن أهل مصر؛ فقد تفرد به عن يحيى بن أيوب: جرير بن حازم البصري، وعنه ابنه وهب.
قال الحاكم: "حديث جرير بن حازم هذا لا يعلل حديث عمرو بن الحارث الذي وصله بذكر أبي قيس؛ فإان أهل مصر أعرف بحديثهم من أهل البصرة".
قال الزيلعي في نصب الراية (١/ ١٥٧): "يعني: أن رواية الوضوء يرويها مصري عن مصري، والتيمم: بصري عن مصري، [وانظر: إتحاف المهرة (١٢/ ٤٨١)، والإمام (٣/ ١١٧)].
والثاني: أن عمرو بن الحارث: ثقة فقيه، حافظ متقن، ويحيى بن أيوب الغافقي المصري: صدوق سيئ الحفظ، يخطئ كثيرًا، له غرائب ومناكير يتجنبها أرباب الصحاح، وينتقون من حديثه ما أصاب فيه [انظر: التاريخ الكبير (٨/ ٢٦٠ و ٣٠٦)، الجرح والتعديل (٩/ ١٢٧)، الثقات (٧/ ٦٠٠)، مشاهير علماء الأمصار (١٥٢٨)، العلل ومعرفة الرجال (٣/ ٥٢/ ٤١٢٥)، تاريخ ابن معين للدارمي (٧١٩)، الضعفاء والمتروكون للنسائي (٦٢٦)، ثقات العجلي (١٩٦٢)، سؤالات الآجري (٥/ ق ١٤)، علل الترمذي الكبير ص (١١٨)، عمل اليوم والليلة للنسائي (٣٦٥)، طبقات ابن سعد (٧/ ٥١٦)، المعرفة والتاريخ (٢/ ٤٤٥)، ضعفاء العقيلي (٤/ ٣٩١)، الكامل (٧/ ٢١٤)، سنن الدارقطني (١/ ٩٨)، علل الدارقطني (٥/ ق ٢١)، بيان الوهم والإيهام (٢/ ٤٨٥/ ٤٨٤)، سير أعلام النبلاء (٨/ ٥)، الميزان (٤/ ٣٦٢)، من تكلم فيه (٣٦٧)، إكمال مغلطاي (١٢/ ٢٨٧)، التهذيب (٤/ ٣٤٢).
وانظر أحاديث وهم فيها يحيى بن أيوب: التاريخ الكبير (٨/ ٣٠٦)، علل الحديث لابن أبي حاتم (١/ ٨٥ و ١٢٢ و ١٤٧/ ٢٢٦ و ٣٣٣ و ٤٠٩)، علل الدارقطني (٤/ ٣٣٥) و (٩/ ٢٦٠)، بيان الوهم والإيهام (٣/ ٣٦ و ٣٢٤ و ٤٩٥ و ٦٠٦/ ٦٩٠ و ١٠٧٠ و ١٢٦٩ و ١٤١٢) و (٤/ ٦٨ - ٨٢ و ١٤٩ و ١٥٠ و ١٧١ و ٦٣٦/ ١٥٠٤ - ١٥١٥ و ١٥٩٢ و ١٦٣٨ و ٢١٩٣ و ٢١٩٤).
وانظر أحاديث تفرد بها جرير بن حازم، عن يحيى بن أيوب: علل الترمذي (٣٥٥)، علل ابن أبي حاتم (١/ ٢٤٧/ ١٠٢٤)، علل الدارقطني (٢/ ١١١)، السير (٥/ ٨)، وغيرها].
الثالث: أن هذا الحديث من رواية الغرباء عنه، بل من رواية جرير بن حازم البصري عنه، قال ابن يونس: "وحدث عنه الغرباء بأحاديث ليست عند أهل مصر عنه. . .، وأحاديث جرير بن حازم عن يحيى بن أيوب: ليس عند المصريين منها حديث، وهي تشبه عندي أن تكون من حديث ابن لهيعة، والله أعلم" [السير (٨/ ٦ و ٧)، التهذيب (٤/ ٣٤٣)]، وحديث جرير بن حازم، عن يحيى بن أيوب هذا، مروي عند أحمد (٤/ ٢٠٣)
стр. 1311
بسنده ومتنه -من حديث ابن لهيعة- تقدم قريبًا، مما يؤيد كلام ابن يونس، وأن الحديث بذكر التيمم وإسقاط أبي قيس من الإسناد: إنما هو من حديث ابن لهيعة، وهو ضعيف، وقد اضطرب في هذا الحديث.
ثم وجدت [بدلالة بعض الفضلاء] أن أبا داود قد جزم بأن أحاديث جرير بن حازم عن يحيى بن أيوب إنما هي أحاديث ابن لهيعة اشتبهت على وهب بن جرير، قال الآجري في سؤالاته (٢/ ١٢٨ / ١٣٣٥): "سمعت أبا داود يحدث عن وهب بن جرير، عن أبيه، سمع يحيى بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي وهب الجيشاني.
قال أبو داود: جرير بن حازم روى هذا عن ابن لهيعة، طلبتها بمصر فما وجدت منها حديثًا واحدًا عند يحيى بن أيوب، وما فقدت منها حديثًا واحدًا من حديث ابن لهيعة، أراها صحيفة اشتبهت على وهب بن جرير".
وقد رجح جمع من العلماء حديث عمرو بن الحارث:
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والذي عندي أنهما عللاه بحديث: جرير بن حازم، عن يحيى بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب"، ثم قال: "حديث جرير بن حازم هذا لا يعلل حديث عمرو بن الحارث الذي وصله بذكر أبي قيس، فإن أهل مصر أعرف بحديثهم من أهل البصرة".
قلت: هو ليس على شرط أيٍّ منهما؛ فإنهما لم يخرجا حديثًا بهذا الإسناد، إلا أن مسلمًا أخرج لرجاله دون البخاري، ومثل هذه العلة التي سبق ذكرها لا تخفى على الشيخين.
وقال عبد الحق الإشبيلي في أحكامه الوسطى (١/ ٢٢٣)؛ عن حديث عمرو بن الحارث: "وهذا أوصل من الأول؛ لأنه عن عبد الرحمن بن جبير المصري، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص".
وقال ابن القيم في زاد المعاد (٣/ ٣٨٨) في معرض الرد على من احتج بحديث جرير بن حازم: "صليت بالناس وأنت جنب، على أن التيمم لا يرفع الحدث، قال ابن القيم في الوجه الثاني من الجواب: "أن الرواية اختلفت عنه، فروي عنه فيها: أنه غسل مغابنه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم صلى بهم، ولم يذكر التيمم، وكان هذه الرواية أقوى من رواية التيمم. . .".
وقد تقدم نقل كلام البيهقي تحت الحديث السابق برقم (٣٣٤).
وقال ابن كثير في تفسيره (١/ ٤٨١) عن رواية عمرو بن الحارث: "وهذا -والله أعلم- أشبه بالصواب".
وقال ابن حجر في التغليق (٢/ ١٩٠) معلقًا على كلام الحاكم: "قلت: يريد ترجيح رواية عمرو بن الحارث التي زاد فيها أبا قيس، ولا ريب في رجحانها؛ فإنها زيادة من ثقة".
стр. 1312
• ومما يؤكد كون رواية يحيى بن أيوب رواية معلولة، وأن الصواب رواية عمرو بن الحارث بدون ذكر التيمم: أن البخاري قد علق في صحيحه رواية يحيى بن أيوب -بذكر التيمم- بصيغة التمريض، مما يدل على ضعفها عنده، فقال في ٧ - كتاب التيمم، ٧ - باب: إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت، أو خاف العطش يتيمم، ويُذكر أن عمرو بن العاص أجنب في ليلة باردة فتيمم، وتلا: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، فذكر للنبي ﷺ فلم يعنف. ذكره قبل الحديث رقم (٣٤٥).
قال ابن حجر في التغليق (٢/ ١٩١): "واللائق بتبويب البخاري: رواية يحيى بن أيوب التي ذكر فيها التيمم، والله أعلم".
• وبناء على ما تقدم من أن الراجح والصواب: رواية عمرو بن الحارث، فعندئذ ينظر فيها هل هي ثابتة أم لا؟
ففي روايته أن أبا قيس مولى عمرو بن العاص لم يذكر سماعًا ولا عنعنة، ولكن فيها: أن عمرو بن العاص كان على سرية، لذا قال ابن رجب في الفتح (٢/ ٧٨): "وظاهرها الإرسال"، ثم نقل عن أحمد قوله: "ليس إسناده بمتصل"، وهذا يفهم منه أن الإمام أحمد قال هذا في رواية عمرو بن الحارث، وهو محتمل لما سيأتي بيانه، لكن يمكن أن يقال: لعله قال هذا الكلام على رواية ابن لهيعة والتي أخرجها في مسنده (٤/ ٢٠٣) بإسقاط أبي قيس من الإسناد، ولا شك بأنها غير متصلة، فهي أظهر في الإرسال.
وأما رواية عمرو بن الحارث: فإن رجالها كلهم مصريون ثقات، وأبو قيس هو: عبد الرحمن بن ثابت، مولى عمرو بن العاص، وقد سمع منه، وله في الصحيح حديثان عن عمرو بن العاص [اتفق الشيخان على أحدهما: البخاري (٧٣٥٢)، مسلم (١٧١٦)، وانفرد مسلم بالآخر (١٠٩٦)].
وانظر فيما يدل على ثبوت سماع أبي قيس من مولاه عمرو بن العاص: سنن الدارمي (٢/ ١١/ ١٦٩٧)، المعرفة والتاريخ (١/ ١٤٩).
فإن قيل: أبو قيس: مات قديمًا سنة أربع وخمسين [التقريب (٧٢٠)]، وعبد الرحمن بن جبير الراوي عنه مات سنة سبع وتسعين (٩٧)، وقيل: بعدها [التقريب (٣٥٩)]، وعليه: فإن بين وفاتيهما ثلاث وأربعون (٤٣) سنة.
فيقال: عبد الرحمن بن جبير سمع ابن عمرو، كما سمعه أبو قيس [التاريخ الكبير (٥/ ٢٦٧)، الجرح والتعديل (٥/ ٢٢١)]، وأدرك عمرو بن العاص، قاله أبو حاتم [الجرح والتعديل (٥/ ٢٢١)]، ووفاة عمرو بن العاص كانت سنة (٤٣ هـ) على الأصح [انظر: التهذيب (٣/ ٢٨١)]، فيكون عبد الرحمن بن جبير بذلك قد أدرك أبا قيس قبل وفاته بعشر سنوات تقريبًا، فلا يستبعد سماعه منه، إلا أني لم أقف -بعد البحث- على ما يثبت سماعه منه، والله أعلم.
لكن مع ذلك فإن هذا الحديث: مرسل؛ ذلك لأن أبا قيس مولى عمرو بن العاص،
стр. 1313
وإن كان سمع منه، إلا أنه لم يدرك هذه القصة التي يحكيها، وهو هنا لم يسند الحديث عن عمرو بن العاص، ولم يروه عنه رواية، وإنما يحكي قصته في غزوة ذات السلاسل، ولم يدرك زمان وقوعها، فهو ظاهر الانقطاع، والله أعلم.
ومن لطائف هذا الإسناد المصري، رواية أربعة من التابعين من أهل مصر بعضهم عن بعض: يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبي قيس السهمي.
• وحاصل ما تقدم: أن رواية عمرو بن الحارث هي المحفوظة، لكنها مرسلة، ورواية يحيى بن أيوب: شاذة، وعليه فلا يصح الاستدلال بها على المسائل الآتية:
١ - تيمم الجنب إذا خاف على نفسه المرض أو الموت.
٢ - صلاة المتيمم بالمتوضئين.
٣ - أن التيمم لا يرفع الحدث، لقوله ﷺ لعمرو: "صليت بأصحابك وأنت جنب"، فأثبت له الجنابة مع التيمم.
وما رُوي عن عمرو في هذا أنه لما خاف على نفسه من البرد: غسل مغابنه، وتوضأ وضوءه للصلاة؛ ولم يتيمم، وأقره النبي ﷺ على ذلك: أقوى، ولكنه: مرسل أيضًا، والمرسل: ليس بحجة.
تنبيهان:
الأول: قول ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٢١): "وقد ثبت أن عمرو بن العاص احتلم في ليلة باردة فأشفق إن اغتسل أن يهلك فتيمم وصلى".
ثم أورد الحديث في بابه: "ذكر تيمم الجنب إذا خشي على نفسه البرد"، واحتج به على ذلك.
فأقول: قول ابن المنذر في نفسه صحيح إذ هو جارِ على ظاهر السند، فقد قال (٥٢٨): "حدثنا أحمد بن داؤد: ثنا حرملة، عن ابن وهب: ثنا عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبي قيس: أن عمرو بن العاص. . . فذكره بلفظ يحيى بن أيوب تمامًا، بذكر التيمم، وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، غير شيخ ابن المنذر فقد أحسن به الظن، ومنه البلية؛ فهو: متروك كذاب، يضع الحديث، قلب المتن، فجعل متن حديث يحيى بن أيوب، لحديث عمرو بن الحارث، وقد تقدم الكلام على ذلك قريبًا.
فلا لوم إذًا على ابن المنذر في حكمه، والحق بخلافه، كما تقدم بيانه.
الثاني: قول البيهقي في السنن (١/ ٢٢٦): "ويحتمل أن يكون قد فعل ما نقل في الروايتين جميعًا: غسل ما قدر على غسله، وتيمم للباقي".
وما جعله البيهقي احتمالًا، جعله بعضهم متعينًا [انظر: أضواء البيان (٢/ ٤١)] [المجموع (٢/ ٢٨٣)، صحيح السنن (٢/ ١٥٨)]، وقد تبين أن كلا الروايتين لا يصح.
стр. 1314
• ولحديث عمرو بن العاص طرق أخرى منها:
١ - ما علقه أبو داود بقوله: "وروي هذه القصة عن الأوزاعي عن حسان بن عطية، قال فيه: "فتيمم".
وهذا ذكره ابن رجب في الفتح (٢/ ٧٩)، قال: "وروى أبو إسحاق الفزاري في "كتاب السير"، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، قال: بعث النبي ﷺ بعثًا وأمَّر عليهم عمرو بن العاص، فلما أقبلوا سألهم عنه، فأثنوا خيرًا، إلا أنه صلى بنا جنبًا، فسأله فقال: أصابتني جنابة فخشيت على نفسي من البرد، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، فتبسم النبي ﷺ .
قال ابن رجب: "وهذا مرسل".
قلت: ليس في هذه الرواية التي ساقها أنه تيمم، وحسان: شامي، تابعي، ثقة عابد نبيل.
٢ - وبنحو هذه الرواية بدون ذكر التيمم: روى يوسف بن خالد السمتي: ثنا زياد بن سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن عمرو بن العاص. . . فذكره.
أخرجه ابن عدي في الكامل (٧/ ١٦٠)، والطبراني في الكبير (١١/ ١٨٧/ ١١٥٩٣).
قال ابن عدي: "وهذا عن زياد بن سعد بهذا الإسناد لا أعلم رواه عن زياد غير يوسف بن خالد".
قلت: هو حديث باطل؛ لتفرد السمتي به، وهو: متروك، كذاب.
٣ - وروى الواقدي قال: حدثنا أفلح بن سعيد، عن سعيد بن عبد الرحمن بن رقيش، عن أبي بكر بن حزم، قال: كان عمرو بن العاص حين قفلوا احتلم. . . فذكره مطولًا، وفيه قصة أخرى؛ وفيه: "فتوضأ وغسل فرجه وتيمم".
أخرجه الواقدي في مغازيه (٢/ ٧٧٣ - ٧٧٤)، ومن طريقه: البيهقي في الدلائل (٤/ ٤٠٢).
والواقدي: متروك، وظاهره الإرسال.
٤ - وروى ابن جريج قال: أخبرني إبراهيم بن أبي بكر بن عبد الرحمن الأنصاري، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، وعبد الله بن عمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص: أنه أصابه جنابة وهو أمير الجيش فترك الغسل، من أجل أنه قال: إن اغتسلت مت من البرد، فصلى بمن معه جنبًا، فلما قدم على النبي ﷺ عرفه بما فعل وأنبأه بعذره، فأقر وسكت.
أخرجه عبد الرزاق (١/ ٢٢٦/ ٨٧٨)، ومن طريقه: الطبراني في الكبير [عزاه إليه ابن حجر في التغليق (٢/ ١٩١)]، والخطيب في المتفق والمفترق (١/ ٢٧٨/ ١٢٣) [وفي إسناد المطبوع سقط ظاهر].
ولم يذكر فيه التيمم ولا الوضوء، وإنما اقتصر على قوله: "فترك الغسل".
стр. 1315
وإسناده ضعيف.
قال الخطيب في ترجمة إبراهيم هذا: "حدث عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، وعبد الله بن عمرو بن العاص، أراه مرسلًا، روى عنه ابن جريج".
وبهذا ترجم له ابن حجر في التهذيب (١/ ٦١) باختصار.
وقال في التغليق (٢/ ١٩١): "وهذا إسناد جيد؛ لكن لا أعرف حال إبراهيم هذا".
قلت: بل إسناده ضعيف، لجهالة إبراهيم هذا، وللإرسال الذي نبه عليه الخطيب.
• والحاصل: أنه لا يصح في قصة عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل لما صلى بأصحابه شيء، لكن رواية: أنه غسل مغابنه وتوضأ وضوءه للصلاة: أصح من رواية التيمم الشاذة، والله أعلم.
• ويتعلق بهذا الحديث، والحديث المتقدم لأبي ذر الغفاري مسائل؛ منها:
أولًا: هل التيمم يرفع الحدث أم هو مبيح لما تجب أو تستحب له الطهارة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
الأول: أن التيمم لا يرفع الحدث.
الثاني: أنه يرفعه رفعًا كليًّا.
الثالث: أنه يرفعه رفعًا مؤقتًا.
وحجة القول الأول:
١ - حديث عمران بن حصين المتفق عليه [البخاري (٣٤٤ و ٣٤٨ و ٣٥٧١)، مسلم (٦٨٢)، وفيه: أن النبي ﷺ لما انفتل من صلاته إذا هو برجل معتزل لم يصلِّ مع القوم، قال: "ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟ " قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: "عليك بالصعيد فإنه يكفيك". . .، وبعد أن وجدوا الماء قال: وكان آخر ذلك أن أعطى الذي أصابته الجنابة إناءً من ماءٍ، قال: "اذهب فأفرغه عليك"، واللفظ للبخاري (٣٤٤).
فاستدلوا به على أن تيممه الأول لم يرفع جنابته.
٢ - حديث أبي ذر: أن النبي ﷺ قال له: "الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته".
وهو حديث حسن، تقدم معنا برقم (٣٣٢ و ٣٣٣).
ومحل الشاهد منه قوله: "فإذا وجد الماء فليمسه بشرته"، فلو كان حدثه -وهو الجنابة- رُفع بالتيمم لما احتاج إلى إمساس الماء بشرته.
٣ - حديث عمرو بن العاص، ومحل الشاهد منه: قوله ﷺ له: "صليت بأصحابك وأنت جنب".
فقد أثبت له بقاء الجنابة بعد التيمم.
وحجة القول الثاني:
١ - قول الله تعالى لما ذكر التيمم: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦].
стр. 1316
٢ - قوله ﷺ في الحديث المتفق عليه: "وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا".
وفي الآية والحديث ما يدل على كون التيمم مطهر رافع للحدث رفعًا كليًّا، حيث سمي التيمم بأسم الماء وهو الطهور، كما في حديث أبي ذر المتقدم: "الصعيد الطيب: طَهور المسلم"، وفي رواية: "وَضوء المسلم" فأقامه مقام الماء.
٣ - أن التيمم بدل من الوضوء، والقاعدة: أن البدل له حكم المبدل منه، فكما أن طهارة الماء ترفع الحدث، فكذلك طهارة التيمم.
٤ - الإجماع على أن الصلاة تصح بالتيمم، كما تصح بالماء.
• قال العلامة الشنقيطي في تفسيره أضواء البيان (٢/ ٤٣): "الذي يظهر من الأدلة: تعين القول الثالث؛ لأن الأدلة تنتظم به، ولا يكون بينهما تناقض، والجمع واجب متى أمكن.
والقول الثالث المذكور هو: أن التيمم يرفع الحدث رفعًا مؤقتًا لا كليًّا، وهذا لا مانع منه عقلًا ولا شرعًا، وقد دلت عليه الأدلة.
لأن صحة الصلاة به المجمع عليها يلزمها أن المصلي غير محدث ولا جنب لزومًا شرعيًّا لا شك فيه.
ووجوب الاغتسال أو الوضوء بعد ذلك -عند إمكانه- المجمع عليه أيضًا، يلزمه لزومًا شرعيًّا لا شك فيه، وأن الحدث مطلقًا لم يرتفع بالكلية، فيتعين الارتفاع المؤقت، هذا هو الظاهر، ولكن يشكل عليه ما تقدم في حديث عمرو بن العاص أنه ﷺ قال له: "صليت بأصحابك وأنت جنب".
قلت: الحديث بهذا اللفظ شاذ لا يثبت، فسقط الاستدلال به، واسترحنا من الإجابة عليه لو كان ثابتًا، وانظر فيمن أجاب عليه: زاد المعاد (٣/ ٣٨٨)، أضواء البيان (٢/ ٤٣).
وقال شيخ الإسلام (٢١/ ٣٥٩): "فصاحب هذا القول إنما قال: إنه يرفع الحديث رفعًا مؤقتًا إلى أن يقدر على استعمال الماء ثم يعود، وهذا ممكن ليس بممتنع، والشرع قد دل عليه، فجعل التراب طهورًا، وإنما يكون طهورًا إذا أزال الحدث، وإلا فمع بقاء الحدث لا يكون طهورًا.
ومن قال: إنه ليس برافع، ولكنه مبيح، والحدث هو المانع من الصلاة، وأراد بذلك أنه مانع تام، كما يكون مع وجود الماء، فهذا غالط، فإن المانع التام مستلزم للمنع، والمتيمم يجوز له الصلاة ليس بممنوع منها، ووجود الملزوم بدون اللازم ممتنع، وإن أريد أن سبب المنع قائم ولكن لم يعمل عمله لوجود الطهارة الشرعية الرافعة لمنعه، فإذا حصلت القدرة على استعمال الماء حصل منعه في هذه الحال؛ فهذا صحيح.
وكذلك من قال: هو رافع للحدث، إن أراد بذلك أنه يرفعه كما يرفعه الماء، فلا يعود إلا بوجود سبب آخر كان غالطًا، فإنه قد ثبت بالنهي والإجماع أنه إذا قدر على استعمال الماء استعمله، وإن لم يتجدد بعد الجنابة الأولى جنابة ثانية، بخلاف الماء.
стр. 1317
وإن قال: أريد برفعه أنه رفع منع المانع فلم يبق مانعًا إلى حين وجود الماء فقد أصاب.
وليس بين القولين نزاع عملي شرعي.
وعلى هذا فيقال: على كل من القولين لم يبق الحدث مانعًا مع وجود طهارة التيمم، والنبي ﷺ قد جعل التراب طهورًا كما جعل الماء طهورًا، لكن جعل طهارته مقيدة إلى أن يجد الماء، ولم يشترط في كونه مطهرًا شرطًا آخر، فالمتيمم قد صار طاهرًا وارتفع منع المانع للصلاة إلى أن يجد الماء، فما لم يجد الماء فالمنع زائل؛ إذا لم يتجدد سبب آخر يوجب الطهارة، كما يوجب طهارة الماء، وحينئذ فيكون طهورًا قبل الوقت وبعد الوقت وفي الوقت، كما كان الماء طهورًا في هذه الأحوال الثلاثة، وليس بين هذا [وهذا -أو: وليس بينهما، فرق مؤثر إلا إذا قدر على استعمال الماء، فمن أبطله بخروج الوقت فقد خالف موجب الدليل.
وأيضًا: فالنبي ﷺ جعل ذلك رخصة عامة لأمته، لم يفصل بين أن يقصد التيمم بفرض أو نفل، أو تلك الصلاة أو غيرها، كما لم يفصل ذلك في الوضوء، فيجب التسوية بينهما، والوضوء قبل الوقت فيه نزاع، لكن النزاع في التيمم أشهر.
وإذا دلت السُّنَّة الصحيحة على جواز أحد الطهورين قبل الوقت، فكذلك الآخر، كلاهما متطهر فعل ما أمر الله به، ولهذا جاز عند عامة العلماء اقتداء المتوضئ والمغتسل بالمتيمم، كما فعل عمرو بن العاص وأقره النبي ﷺ ، وكما فعل ابن عباس حيث وطئ جارية له ثم صلى بأصحابه بالتيمم، وهو مذهب الأئمة الأربعة ومذهب أبي يوسف وغيره، لكن محمد بن الحسن لم يجوز ذلك لنقص حال المتيمم.
وأيضًا: كان دخول الوقت وخروجه من غير تجدد سبب حادث، لا تأثير له في بطلان الطهارة الواجبة، إذ كان حال المتطهر قبل دخول الوقت وبعده سواء، والشارع حكيم إنما يثبت الأحكام ويبطلها بأسباب تناسبها فكما لا يبطل الطهارة بالأمكنة، لا يبطل بالأزمنة وغيرها من الأوصاف التي لا تأثير لها في الشرع".
وقال أيضًا (٢١/ ٣٦٢): "والتيمم كالوضوء فلا يبطل تيممه إلا ما يبطل الوضوء، ما لم يقدر على استعمال الماء" [وانظر أيضًا: (٢١/ ٤٠٣)].
وانظر: الأم (٢/ ٩٧)، إحكام الأحكام (١/ ١٥٢)، الأعلام (٢/ ١٦٢)، فتح الباري لابن رجب (٢/ ٢٠)، فتح الباري لابن حجر (١/ ٥٣٢)، تفسير القرطبي (٥/ ٢٢٥)، المغني (١/ ١٥٨)، التمهيد (٧/ ١٨٣)، المجموع (٢/ ٢٥٥ و ٢٥٩)، فتاوى اللجنة الدائمة (٥/ ٣٥٥ و ٣٦١)، الشرح الممتع (١/ ٣١٤ - ٣١٦).
وتقدم في كلام شيخ الإسلام عدة مسائل متعلقة بالتيمم، وما قاله فيها هو الحق، والله أعلم.
ثانيًا: إذا وجد المتيمم الماء بعد دخوله في الصلاة، هل يتم صلاته أم يقطعها؟.
стр. 1318
قال ابن المنذر: "أجمع عوام أهل العلم على أن من تيمم ثم وجد الماء قبل دخوله في الصلاة أن طهارته تنقض، وعليه أن يتطهر ويصلي.
واختلفوا فيمن تيمم فدخل في الصلاة ثم وجد الماء:
فقالت طائفة: يمضي في صلاته ويتمها، ولا إعادة عليه، هذا قول: مالك، والشافعي، وأحمد، وأبي ثور.
وقد حكي عن أحمد أنه قال: أعجب إليَّ أن يتوضأ.
وقالت طائفة: ينصرف ويتوضأ ويستقبل الصلاة، هذا قول الثوري.
وحكي عن النعمان أنه قال: إن وجد الماء قبل أن يسلم، وقد قعد قدر التشهد أن صلاته فاسدة، فيتوضأ ويستقبل الصلاة. . .
[ثم نقل قول يعقوب، ومحمد، والأوزاعي، ثم قال أبو بكر:] احتج بعض من يقول بالقول الأول، فقال: جعل الله للطهارة وقتًا، وجعل للصلاة وقتًا غيره، فوقت الطهارة هو وقت القيام إلى الصلاة قبل الدخول فيها، ووقت الصلاة هو وقت الدخول في أدائها، وهو حينئذ غير متعبد بفرض الطهارة؛ إذ لا يجوز له أن يدخل الصلاة إلا بعد فراغه من طهارتها، فإذا تيمم كما أمر، فقد خرج عن فرض الطهارة وإذا كبر فقد دخل في فرض الصلاة.
قال أبو بكر: ولا يجوز نقض طهارة قد مضى وقتها وإبطال ما صلى من الصلاة كما فرض عليه وأمر به إلا بحجة من كتاب أو سُنَّة أو إجماع" [الأوسط (٢/ ٦٥ - ٦٦)].
قلت: وما ذهب إليه ابن المنذر هو الصواب، فإن من دخل في العبادة على وجه مأذون له فيه شرعًا، وأتى فيه بما أمر به، فلا ينتقض إلا بدليل صحيح صريح، وأما ما استدل به بعضهم من حديث أبي ذر الصحيح: "فإذا وجد الماء فليمسه بشرته"، فقد قال الشوكاني في نيل الأوطار (١/ ٤٠٦): "ولكنه يشكل على الاستدلال بهذا الحديث قوله: "فإن ذلك خير"، فإنه يدل على عدم الوجوب المدعى".
وأما ما نقله ابن المنذر عن أحمد في القول الأول، فقد حكى المرداوي في الإنصاف (١/ ٢٨٤) أنه رجع عنه، فقال شارحًا عبارة المقنع: "وإن وجده فيها بطلت"، قال المرداوي: "هذا المذهب بلا ريب، وعليه جماهير الأصحاب، وعنه: لا تبطل، ويمضي في صلاته"، إلى أن قال: "روى المروذي عن أحمد أنه رجع عن الرواية الثانية، فلذلك أسقطها أكثر الأصحاب. . .".
وفي مسائل صالح (١٢٧) قال: قلت: المتيمم يرى الماء وهو في الصلاة؟ قال الإمام أحمد: "قد كنت أقول: يمضي في صلاته، ثم وقفت فيها".
وانظر: المدونة الكبرى (١/ ٤٦)، الأم (٢/ ١٠١)، الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢٢٦)، المغني (١/ ١٦٧)، قواعد ابن رجب (١/ ٤١)، وغيرها.
***
стр. 1319
١٢٥ - باب في المجروح [وفي نسخة: المجدور] يتيمم
٣٣٦ - قال أبو داود: حدثنا موسى بن عبد الرحمن الأنطاكي: حدثنا محمد بن سلمة، عن الزبير بن خُرَيق، عن عطاء، عن جابر، قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلًا منا [وفي نسخة: معنا] حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصةً في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصةً وأنت تقدر على الماء، فاغتسل، فمات! فلما قدمنا على النبي ﷺ أُخبر بذلك، فقال: "قتلوه قتلهم الله! ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العِيِّ السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعصر -أو: يعصب، شك موسى- على جُرحه خِرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده".
• حديث منكر.
تقدم تخريجه في مسائل الفقه (٢/ ٦٦).
***
٣٣٧ - محمد بن شعيب: أخبرني الأوزاعي: أنه بلغه عن عطاء بن أبي رباح: أنه سمع عبد الله بن عباس، قال: أصاب رجلًا جُرحٌ في عهد رسول الله ﷺ ، ثم احتلم، فأمر بالاغتسال، فاغتسل فمات، فبلغ ذلك رسولَ الله ﷺ فقال: "قتلوه قتلهم الله! ألم يكن شفاء العي السؤال".
• حديث ضعيف.
تقدم تخريجه في مسائل الفقه (٢/ ٦٩).
وهذا نص ما كتبت هناك:
مما ورد في المسح على الجبائر:
١ - حديث علي بن أبي طالب:
قال: انكسرت إحدى زندي، فسألت النبي ﷺ ؟ فأمرني أن أمسح على الجبائر.
وفي رواية: فقال: "امسح على الجبائر".
أخرجه ابن ماجه (٦٥٧)، وعبد الرزاق (١/ ١٦١/ ٦٢٣)، وابن عدي في الكامل (٥/ ١٢٤)، والدارقطني (١/ ٢٢٦ - ٢٢٧)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٢٨)، وفي الخلافيات (٢/ ٤٩٨ و ٤٩٩/ ٨٣٩ و ٨٤٠)، وفي المعرفة (١/ ٣٠٠/ ٣٤٤)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٢٢/ ٢٥١).
стр. 1320
من طريق عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي به.
قال الشافعي: "ولو عرفت إسناده بالصحة: قلت به، وهذا مما أستخير الله فيه" [الأم (١/ ٤٤)، المعرفة (١/ ٣٠٠)، البدر المنير (٢/ ٦١١)].
وقال أبو حاتم: "هذا حديث باطل لا أصل له، وعمرو بن خالد: متروك الحديث" [العلل (١/ ٤٦/ ١٠٢)].
وقال عبد الله بن أحمد في العلل (٣/ ١٦/ ٣٩٤٥) بعد هذا الحديث: "وعمرو بن خالد لا يسوى حديثه شيئًا".
وقال ابن عدي بعد أن أخرج الحديث في ترجمة عمرو بن خالد هذا منكرًا به عليه: "ولعمرو بن خالد غير ما ذكرت من الحديث، وعامة ما يرويه موضوعات".
وقال الدارقطني بعده: "عمرو بن خالد الواسطي: متروك".
وقال ابن حزم في المحلى (٢/ ٦١): "ولم يصح قط فيه أثر عن رسول الله ﷺ ".
وقال في موضع آخر (٢/ ٧٥): "هذا خبر لا تحل روايته إلا على بيان سقوطه؛ لأنه انفرد به: أبو خالد عمرو بن خالد الواسطي، وهو: مذكور بالكذب".
وقال البيهقي في السنن: "عمرو بن خالد الواسطي: معروف بوضع الحديث؛ كذبه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهما من أئمة الحديث، ونسبه وكيع بن الجراح إلى وضع الحديث".
وقال في الخلافيات (٢/ ٥٠٠): "هذا الحديث يعرف بعمرو بن خالد الواسطي، وهو متهم بوضع الحديث".
وممن رماه بالوضع أيضًا: إسحاق بن راهويه، وأبو زرعة، والحاكم، وممن كذبه أيضًا: أبو داود، وابن البرقي [التهذيب (٦/ ١٣٨)].
وقال الإمام أحمد، عن عمرو بن خالد: "كذاب، يروي عن زيد بن علي عن آبائه: أحاديث موضوعة، يكذب".
فهو حديث موضوع.
• ثم قال البيهقي في السنن: "وتابعه على ذلك: عمر بن موسى بن وجيه، فرواه عن زيد بن علي مثله، وعمر بن موسى: متروك، منسوب إلى الوضع".
وقال في الخلافيات: "وهذا الحديث يعرف به [يعني: بعمرو بن خالد]، وقد سرقه عمر بن موسى الوجيهي عن عمرو بن خالد، فرواه عن زيد بن علي".
ثم أسنده من طريقه (٢/ ٥٠١/ ٨٤٢).
ثم قال: "وعمر بن موسى: متروك".
قلت: هو متروك، منكر الحديث، بل قال أبو حاتم وابن عدي:، يضع الحديث"، وقال ابن معين: "كذاب، ليس بشيء" [اللسان (٦/ ١٤٩)].
• ثم قال البيهقي في السنن: "وروي بإسناد آخر مجهول، عن زيد بن علي، وليس بشيء".
стр. 1321
وأسنده في الخلافيات (٢/ ٥٠٢/ ٨٤٣)، قال: "وقد رُوي بإسناد آخر ضعيف:
أخبرناه أبو عبد الله الحافظ أهو: الحاكم صاحب المستدرك،: حدثني أبو سعيد محمد بن علي بن عمرو بن مهدي المذكر [قال الذهبي: "كان من الثقات المشهورين"، ونعته في السير بـ "الإمام الحافظ، البارع الثبت"، تاريخ الإسلام (٢٨/ ٣٥٨)، السير (١٧/ ٣٠٧)]: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن القاسم بن الريان بالبصرة [ضعيف. المؤتلف والمختلف للدارقطني (٢/ ١٠٧٣)، سؤالات السهمي (١٥٢ و ١٦٩)، إكمال ابن ماكولا (٤/ ١١٢)، تاريخ الإسلام (٢٦/ ١٥٦)، السير (١٦/ ١١٣)، اللسان (١/ ٥٧٨)]: حدثنا عبد الله بن محمد البلوي -وبلى حي من اليمن، نزل الفسطاط-: حدثني إبراهيم بن عبيد الله -أو: ابن عبد الله- بن العلاء [قال النسائي: "ليس بثقة"، وروى عنه أبو حاتم، والبخاري خارج الصحيح، وذكره ابن حبان في الثقات. الجرح والتعديل (٢/ ١٠٩)، اللسان (١/ ٣٠١)]، عن أبيه، عن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده، عن علي ﵁ قال: أصيبت إحدى زندي مع رسول الله ﷺ ، فأمر به رسول الله ﷺ فجبر، فقلت: يا رسول الله كيف أصنع بالوضوء؟ قال: "امسح على الجبائر"، قلت: فالجنابة؟ قال: "كذلك فافعل".
قال البيهقي: "عبد الله بن محمد البلوي: مجهول، رأينا في أحاديثه مناكير".
قلت: بل كذاب، يضع الحديث [إكمال ابن ماكولا (٤/ ١٧٣)، اللسان (٤/ ٥٦٣)].
• ثم قال البيهقي في السنن: "ورواه أبو الوليد خالد بن يزيد المكي بإسناد آخر، عن زيد بن علي، عن علي: مرسلًا، وأبو الوليد: ضعيف، ولا يثبت عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء".
وقال في الخلافيات (٢/ ٨٢٧/٤٨١): "وهذا لا يثبت، خالد بن يزيد المكي: ضعيف، لا يحتج به".
قلت: حديث أبي الوليد خالد بن يزيد: أخرجه الدارقطني (١/ ٢٢٦)، ومن طريقه: البيهقي في الخلافيات (٢/ ٥٠٣ و ٥٠٤/ ٨٤٤ و ٨٤٥)، وابن الجوزي في التحقيق (٢٥٠).
وخالد بن يزيد: هو أبو الوليد، أو: أبو الهيثم العمري المكي: كذاب، كذبه أبو حاتم ويحيى [الميزان (١/ ٦٤٦)، اللسان (٢/ ٤٧٦)].
• ويُذكر أيضًا من طريق صالحة، وليس بشيء:
قال المرُّوذي في سؤالاته للإمام أحمد: "سألته عن حديث: عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، عن النبي ﷺ : أنه مسح على الجبائر؟
فقال: باطل، ليس من هذا شيء، من حدث بهذا؟ قلت: ذكروه عن صاحب الزهري، فتكلم فيه بكلام غليظ" [سؤالات المروذي (٢٧٠)].
وقال عبد الله بن أحمد في العلل (٣/ ١٥/ ٣٩٤٤ و ٣٩٤٥): "سمعت رجلًا يقول ليحيى: تحفظ عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، عن النبي ﷺ : أنه مسح على الجبائر؟
стр. 1322
فقال: باطل؛ ما حدث به معمر قط.
سمعت يحيى يقول: عليه بدنة مقلدة مجللة إن كان معمر حدث بهذا قط، هذا باطل، ولو حدث بهذا عبد الرزاق كان حلال الدم، من حدث بهذا عن عبد الرزاق؟ قالوا له: فلان، فقال: لا، والله ما حدث به معمر، وعليه حجة من ههنا -يعني: المسجد إلى مكة- إن كان معمر حدث بهذا.
قال أبو عبد الرحمن: وهذا الحديث يروونه: عن إسرائيل، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي: أن النبي ﷺ مسح على الجبائر، وعمرو بن خالد: لا يسوى حديثه شيئًا".
[وانظر: الكامل لابن عدي (١/ ١٢٣)، شرح علل الترمذي (٢/ ٧٥٣)].
قال النووي في المجموع (٢/ ٣٤١) في حديث علي: "حديث متفق على ضعفه وتوهينه".
وقال ابن الملقن في البدر المنير (٢/ ٦١٠): "هذا الحديث ضعيف".
٢ - حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ كان يمسح على الجبائر.
أخرجه الدارقطني (١/ ٢٠٥)، والخطيب في التاريخ (١١/ ١١٥)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ٣٦٠/ ٥٩٥)، وفي التحقيق (١/ ٢١٩).
من طريق أبي عمارة محمد بن أحمد بن مهدي: ثنا عبدوس بن مالك العطار: نا شبابة: نا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عمر به.
قال الدارقطني: "لا يصح مرفوعًا، وأبو عمارة ضعيف جدًّا" [وانظر: الميزان (٣/ ٤٥٦)، اللسان (٥/ ٤٥)].
قلت: رفعه منكر، والمعروف: عن ابن عمر من قوله، موقوفًا عليه، ومن فعله أيضًا: فقد روى: هشام بن الغاز، عن نافع، عن ابن عمر، قال: من كان به جرح معصوب فخشي عليه العنت: فليمسح ما حوله، ولا يغسله.
وفي رواية: من كان له جرح معصوب عليه: توضأ، ومسح على العصائب، ويغسل ما حول العصائب.
وفي رواية: إذا لم تكن على الجراح عصائب: غسل ما حوله، ولم يغسله.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٢٦/ ١٤٤٨)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٢٤/ ٥٢٥)، والبيهقي (١/ ٢٢٨).
وإسناده صحيح.
وصح من فعله أيضًا. انظر: المصادر السابقة.
قال البيهقي في السنن: "هو عن ابن عمر: صحيح".
وقال في الخلافيات (٢/ ٥٠٤): "وصحيح عن ابن عمر ﵄ كان يمسح على العصابة".
стр. 1323
٣ - حديث أبي أمامة:
عن النبي ﷺ أنه لما رماه ابن قميئة يوم أُحد: رأيت النبي ﷺ إذا توضأ حل عن عصابته، ومسح عليها بالوضوء.
أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ١٣١/ ٧٥٩٧)، وفي مسند الشاميين (٤٥٤ و ٣٤٢٥).
من طريق حفص بن عمر: ثنا ثور بن يزيد، عن راشد بن سعد، ومكحول، عن أبي أمامة به مرفوعًا.
قال الحافظ في التلخيص (١/ ٢٦٠): "وإسناده ضعيف، وأبو أمامة لم يشهد أُحدًا".
حفص بن عمر، هو: ابن ميمون العدني: ضعيف، قال العقيلي: "يحدث بالأباطيل"، وقال ابن عدي: "عامة حديثه غير محفوظ" [التهذيب (٢/ ٣٧٤)].
فالأمر كما قال البيهقي: "ولا يثبت عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء".
وقال ابن حزم في المحلى (٢/ ٦١): "ولم يصح قط فيه أثر عن رسول الله ﷺ ".
وإنما صح في ذلك، عن ابن عمر قوله وفعله، وتقدم ذكره.
• قال البيهقي في السنن: "ولا يثبت عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء، وأصح ما روي فيه: حديث عطاء بن أبي رباح الذي قد تقدم، وليس بالقوي، وإنما فيه قول الفقهاء من التابعين فمن بعدهم، مع ما روينا عن ابن عمر في المسح على العصابة، والله أعلم".
وقال في الخلافيات: "وأصح ما روي في هذا الباب: ما تقدم عن عطاء بن أبي رباح، وإسناده مختلف فيه".
• وأما حديث عطاء بن أبي رباح الذي أشار إليه البيهقي:
فقد رواه الزبير بن خُرَيق، عن عطاء، عن جابر قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلًا منا حجر، فشجه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ أخبر بذلك، فقال: "قتلوه قتلهم الله؛ ألا سألوا إذ لم يعلموا، إنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده".
أخرجه أبو داود (٣٣٦)، والدارقطني (١/ ١٨٩ - ١٩٠)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٢٧ و ٢٢٨)، والبيهقي في الخلافيات (٢/ ٤٨٩ - ٤٩١/ ٨٣٤ و ٨٣٥)، وفي المعرفة (١/ ٣٠١/ ٣٤٦ و ٣٤٧)، والقضاعي في مسند الشهاب (١١٦٣)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٢/ ١٢٠/ ٣١٣)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٢٤٣/ ٢٨٧).
قال عبد الحق الإشبيلي: "ولا يروى الحديث من وجه قوي" [الأحكام الوسطى (١/ ٢٢٣)].
وقال البيهقي: "ليس بالقوي".
وقال الدارقطني: "قال أبو بكر: هذه سُنَّة تفرد بها أهل مكة، وحملها أهل الجزيرة، لم يروه عن عطاء عن جابر: غير الزبير بن خريق، وليس بالقوي.
стр. 1324
وخالفه الأوزاعي فرواه عن عطاء، عن ابن عباس".
وقال ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٢٢): "في إسناده مقال".
قلت: هو حديث منكر متنًا وإسنادًا:
فإن الزبير بن خريق: قليل الحديث [الإكمال لابن ماكولا (٣/ ١٣٧)]، وهو على قلة ما يروي؛ يهم فيه، وهو لين الحديث [التقريب (٣٣٥)]، وقد تفرد في المتن بذكر العصابة والمسح عليها.
وفي الإسناد فجعله من مسند جابر، وإنما هو من مسند ابن عباس.
• فإن قيل: قد توبع عليه:
فقد رواه: مرجَّى بن رجاء، عن العرزمي، عن عطاء، عن جابر، قال: أصبح رجل من أصحاب رسول الله ﷺ أصابته جنابة في يوم بارد، فاغتسل فمات، فقال النبي ﷺ : "كان يكفيه أن يمسح على جرحه ويتيمم".
أخرجه ابن عدي في الكامل (٦/ ٤٤٧)، ومن طريقه: البيهقي في الخلافيات (٢/ ٥٠٥/ ٨٤٦).
قال البيهقي: "مرجى بن رجاء: ليس بالقوي، والعرزمي: ضعيف".
قلت: بل متروك، فلا يفرح به، ومرجى: في حديثه ضعف، وله إفرادات لا يتابع عليها، وهذا منها، فهو حديث منكر.
• وقد خالفهما فيه من هو أوثق من مائة مثلهما معًا: إمام فقيه ثقة ثبت:
فرواه الأوزاعي، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس:
لكن اختلف فيه على الأوزاعي:
أ- فرواه بشر بن بكر [ثقة يغرب، ينفرد عن الأوزاعي بأشياء. التقريب (١٦٨)، التهذيب (١/ ٤٦٤)]، قال: حدثني الأوزاعي: ثنا عطاء بن أبي رباح: أنه سمع عبد الله بن عباس يخبر: أن رجلًا أصابه جرح على عهد رسول الله ﷺ ، ثم أصابه احتلام، فاغتسل فمات، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "قتلوه قتلهم الله، ألم يكن شفاء العي السؤال"، فبلغنا أن رسول الله ﷺ سئل عن ذلك؟ فقال: "لو غسل جسده، وترك رأسه حيث أصابه الجرح".
أخرجه الحاكم (١/ ١٧٨).
وقال: "وقد رواه الهقل بن زياد، وهو من أثبت أصحاب الأوزاعي، ولم يذكر سماع الأوزاعي من عطاء".
وعن الحاكم: أخرجه البيهقي في الخلافيات (٢/ ٤٩٣/ ٨٣٦).
قال البيهقي: "كذا قال بشر بن بكر، وهذا غلط، إنما رواه الأوزاعي، عن عطاء بلاغًا من غير سماع له من عطاء".
قلت: ذكر السماع في هذه الرواية شاذ؛ إذ هو مخالف لكل من روى الحديث عن الأوزاعي، فقد تفرد به بشر بن بكر فيما أعلم.
стр. 1325
وأما ما رواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٥٢٦)، من طريق: هشام بن عمار: نا عبد الحميد [هو: ابن أبي العشرين]: نا الأوزاعي: نا عطاء بن أبي رباح، قال: سمعت ابن عباس يخبر: أن رجلًا أصابه جرح. . . وذكر الحديث.
قال ابن عبد البر: "هكذا رواه عبد الحميد بن أبي العشرين، عن الأوزاعي، عن عطاء، عن ابن عباس. ورواه: عبد الرازق، عن الأوزاعي، عن رجل، عن عطاء، عن ابن عباس، مثله سواء. وعبد الرزاق أثبت من عبد الحميد. وزاد عبد الرزاق: قال عطاء: وبلغني أن النبي ﷺ قال: "لو اغتسل، وترك موضع الجراح".
قلت: أما السماع فلا يثبت من حديث ابن أبي العشرين، لقرينتين: الأولى: أن ابن ماجه قد رواه عن هشام بن عمار به، بالعنعنة بين الأوزاعي وعطاء، لم يصرح بسماع، والثانية: أن أبا حاتم وأبا زرعة لما سئلا عن حديث هقل والوليد بن مسلم وغيرهما، عن الأوزاعي، عن عطاء، عن ابن عباس؟ أعلَّاه بحديث ابن أبي العشرين عن الأوزاعي، عن إسماعيل بن مسلم، عن عطاء، عن ابن عباس، فأفسد بذلك حديث من عنعنه، ولو كانت رواية ابن أبي العشرين فيها التصريح بالسماع من وجه ثابت، لما قالا ذلك، والله أعلم.
ب- ورواه الهقل بن زياد [ثقة. من أثبت أصحاب الأوزاعي. التقريب (١٠٢٤)، شرح العلل (٣٠٥)]، والوليد بن مسلم [ثقة، من أثبت أصحاب الأوزاعي]، وأيوب بن سويد [ضعيف. التهذيب (١/ ٤٢١)]، وعبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين [صدوق ربما أخطأ، كاتب الأوزاعي. التقريب (٥٦٤)] [واختلف عليه فيه]، ومحمد بن كثير المصيصي [ليس بالقوي. التهذيب (٧/ ٣٩٢)]، ورواد بن الجراح [ضعيف]:
ستتهم: عن الأوزاعي، عن عطاء، عن ابن عباس، بنحوه، هكذا رواه الخمسة الآخرون بالعنعنة، وقال هقل: سمعت الأوزاعي، قال: قال عطاء، فاتفقوا على عدم ذكر السماع.
أخرجه ابن ماجه (٥٧٢)، والحاكم (١/ ١٧٨)، وأبو يعلى (٤/ ٣٠٩ - ٣١٠/ ٢٤٢٠ و ٢٤٢١)، والرامهرمزي في المحدث الفاصل (٣٥٨)، والدارقطني (١/ ١٩١)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٣١٧)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (٢/ ١٣٣/ ٧٥٩).
قال أبو نعيم: "هذا حديث غريب، لا تحفظ هذه اللفظة عن أحد من الصحابة؛ إلا من حديث ابن عباس، ولا عنه إلا من رواية عطاء، حدث به الوليد بن مسلم والأعلام عن الأوزاعي".
ج- ورواه أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج [ثقة. التقريب (٦١٨)]، والوليد بن مزيد [ثقة ثبت، أثبت أصحاب الأوزاعي. التقريب (١٠٤١)، التهذيب (٩/ ١٦٦)، شرح العلل (٣٠٥)]، وعبد الرزاق بن همام [ثقة حافظ. التقريب (٦٠٧)]، ويحيى بن عبد الله بن الضحاك البابلتي [ضعيف. التقريب (١٠٦٠)]، ومحمد بن شعيب [صدوق صحيح الكتاب. التقريب (٨٥٤)]، وإسماعيل بن عبد الله بن سماعة [ثقة. من أثبت أصحاب الأوزاعي. التقريب (١٤١)، شرح العلل (٣٠٥)]:
стр. 1326
ستتهم: عن الأوزاعي، قال: بلغني عن عطاء بن أبي رباح: أنه سمع ابن عباس يخبر: أن رجلًا أصابه جرح على عهد رسول الله ﷺ ، ثم أصابه احتلام، فأُمر بالاغتسال، فاغتسل فكُزَّ فمات، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ قال: "قتلوه قتلهم الله، ألم يكن شفاء العي السؤال".
قال عطاء: فبلغنا أن رسول الله ﷺ سئل عن ذلك فقال: "لو غسل جسده وترك رأسه حيث أصابه الجرح".
هكذا قال خمستهم: "بلغني"، وقال عبد الرزاق: "عن رجل عن عطاء".
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٨/ ٢٨٨)، وأبو داود (٣٣٧) مختصرًا، والدارمي (١/ ٢١٠/ ٧٥٢)، وأحمد (١/ ٣٣٠)، وعبد الرزاق (١/ ٢٢٣/ ٨٦٧)، والطبراني في الكبير (١١/ ١٩٤/ ١١٤٧٢)، والدارقطني (١/ ١٩١ و ١٩٢)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٢٧)، وفي الخلافيات (٢/ ٤٩٣ و ٤٩٥/ ٨٣٧ و ٨٣٨).
قلت: رواية الجماعة [وفيهم أثبت أصحاب الأوزاعي: الوليد بن مزيد، وابن سماعة]: هي الصواب، ورواية الهقل [وهو من أثبت أصحابه أيضًا] تؤيدها لأن قوله: "قال: قال عطاء" ظاهر الانقطاع، لا سيما مع هذه القرينة.
وعليه فالحديث ضعيف، لا تقوم به الحجة، أما الجملة الأولى منه: "قتلوه قتلهم الله. . .": فإن رجالها ثقات وإسنادها منقطع، وأما الجملة الثانية: فهي بإسناد منقطع أيضا بلاغًا، عن عطاء لم يذكر فيه ابن عباس.
قال الدارقطني: "واختلف على الأوزاعي: فقيل: عنه عن عطاء، وقيل: عنه بلغني عن عطاء، وأرسل الأوزاعي آخره عن عطاء، عن النبي ﷺ وهو الصواب.
وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عنه؟ فقالا: رواه ابن أبي العشرين، عن الأوزاعي، عن إسماعيل بن مسلم، عن عطاء، عن ابن عباس، وأسند الحديث".
وهذا الذي نقله الدارقطني في سننه عن ابن أبي حاتم، هو في علل الحديث (١/ ٣٧/ ٧٧)، وآخره: "وأفسد الحديث"، بدل: "وأسند الحديث".
وأول الكلام إنما هو لأبي بكر بن أبي داود، ونقله أيضًا عنه: البيهقي في الخلافيات (٢/ ٤٩٢).
وإسماعيل بن مسلم، هو: المكي أبو إسحاق: ضعيف الحديث، فلعله هو الواسطة بين الأوزاعي وعطاء في هذا الحديث، حفظه ابن أبي العشرين.
• ويحتمل أن يكون الواسطة هو إسحاق بن أبي فروة [وهو: متروك]:
فقد روى ابن أبي شيبة (١/ ٩٦/ ١٠٧٧) قال: حدثنا عبد السلام بن حرب، عن إسحاق بن أبي فروة، عن عطاء: أن رجلًا احتلم على عهد النبي ﷺ ، وهو مجدور، فغسلوه فمات، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فقال: "ضيعوه ضيعهم الله، قتلوه قتلهم الله".
وعليه فالشاهد من الحديث قوله: "لو غسل جسده وترك رأسه حيث أصابه الجرح": مرسل بإسناد ضعيف.
стр. 1327
• ولحديث ابن عباس طريق أخرى أصلح من هذه، وهي ضعيفة أيضًا، مع الاختلاف في المتن:
يرويها الوليد بن عبيد الله بن أبي رباح، عن عمه عطاء بن أبي رباح: أنه حدثه عن ابن عباس: أن رجلًا أجنب في شتاء فسأل، فأمر بالغسل، فاغتسل فمات، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: "ما لهم، قتلوه، قتلهم الله- ثلاثًا- قد جعل الله الصعيد -أو: التيمم- طهورًا". شك ابن عباس ثم أثبته بعدُ.
أخرجه ابن خزيمة (١/ ١٣٨/ ٢٧٣)، وابن حبان (٤/ ١٤١/ ١٣١٤)، والحاكم (١/ ١٦٥)، وابن الجارود (١٢٨)، وابن بشران في الأمالي (١٣٣٣)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٢٦ - ٢٢٧)، وفي الخلافيات (٢/ ٥٠٦/ ٨٤٧).
هكذا صححه: ابن خزيمة، وابن حبان، وابن الجارود، والحاكم، وقال: "هذا حديث صحيح، فإن الوليد بن عبيد الله هذا: ابن أخي عطاء بن أبي رباح، وهو قليل الحديث جدًّا، وقد رواه الأوزاعي، عن عطاء وهو مخرج بعد هذا، وله شاهد آخر عن ابن عباس".
وهذا التصحيح اعتمادًا منهم على تقوية الوليد بن عبيد الله هذا، لكن قد ضعفه الدارقطني في السنن (٣/ ٧٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٦)، وذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٥٤٩)، ثم وجدت في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٩/ ٩) قول ابن أبي حاتم: "أخبرنا يعقوب: حدثنا عثمان، سألت يحيى بن معين عن الوليد بن عبيد الله؟ فقال: ثقة"، وهذه الجملة وضعت في المطبوع بين معكوفين؛ يعني: أنها زائدة في إحدى النسخ وليس مثبتة في جميعها، والذي يظهر لي أن هذا التوثيق إنما هو للوليد بن عبد الله -مكبرًا- ابن أبي مغيث، وقد أورد ابن أبي حاتم توثيق ابن معين له في ترجمته -وهي فوق هذه الترجمة مباشرة- بنفس الإسناد، ثم راجعت تاريخ عثمان بن سعيد الدارمي، فوجدت أن الذي وثقه ابن معين: هو ابن عبد الله مكبرًا، وهو ابن أبي مغيث (٤٦٨)، ولم أجد في تاريخ الدارمي توثيقًا بل ولا ذكرًا للوليد بن عبيد الله بن أبي رباح، وهذا التوثيق لم ينقله الذهبي في الميزان (٤/ ٣٤١)، ولا ابن حجر في اللسان (٦/ ٢٧٢)، مما يدل على أنه خطأ وتكرار وقع من بعض النساخ، والصواب أنه لم يوثقه ابن معين، والظاهر ضعفه، والله أعلم.
• وبناء على ما تقدم فإن هذا الحديث ضعيف، ليس له طريق ثابتة عن عطاء بن أبي رباح، والصحيح: وقفه على ابن عباس:
فقد روى جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رفعه: في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [النساء: ٤٣] قال: "إذا كانت بالرجل الجراحة في سبيل الله، أو القروح، أو الجدري، فيجنب، فيخاف إن اغتسل أن يموت؛ فليتيمم".
стр. 1328
أخرجه ابن خزيمة (٢٧٢)، والحاكم (١/ ١٦٥)، وابن الجارود (١٢٩)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ١٩/ ٥٢٢)، والدارقطني (١/ ١٧٧)، والبيهقي في الصغرى (٢١٣)، وفي الكبرى (١/ ٢٢٤)، وفي المعرفة (١/ ٣٠٠/ ٣٤٢)، وفي الخلافيات (٢/ ٤٨٣ و ٤٨٤/ ٨٢٨ و ٨٢٩).
قال الحافظ في التلخيص (١/ ٢٥٩): "قال البزار: لا نعلم رفعه عن عطاء من الثقات إلا جريرًا، وذكر ابن عدي عن ابن معين: أن جريرًا سمع من عطاء بعد الاختلاط".
قال الدارقطني: "رواه علي بن عاصم، عن عطاء ورفعه إلى النبي ﷺ ، ووقفه: ورقاء، وأبو عوانة، وغيرهما، وهو الصواب".
وذكر ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٢٥/ ٤٠) رواية علي بن عاصم وجرير، وروى عن أبيه قوله: "هذا خطأ، أخطأ فيه علي بن عاصم، ورواه أبو عوانة وورقاء وغيرهما، عن عطاء بن السائب، عن سعيد، عن ابن عباس: موقوف، وهو الصحيح".
ورواه أيضًا: عاصم الأحول، عن عطاء، عن سعيد، عن ابن عباس، قال: رُخِّص للمريض التيمم بالصعيد. موقوف.
أخرجه الدارقطني (١/ ١٧٨)، بإسناد صحيح إلى عاصم.
وسماع عاصم من عطاء قديم.
وكذا رواه أبو الأحوص، عن عطاء، عن سعيد، عن ابن عباس، قال: إذا أجنب الرجل، وبه الجراحة والجدري، فخاف على نفسه إن هو اغتسل، قال: يتيمم بالصعيد.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٠١).
وسماع أبي الأحوص أيضًا قديم.
وعليه: فالصواب: قول من رواه عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: موقوفًا عليه.
ورواه أيضًا: عاصم الأحول، وعبد الرزاق، عن قتادة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: رخصة للمريض في الوضوء التيمم بالصعيد، .....
وفي رواية: رخص للمريض في التيمم بالصعيد إذا كان مجدورًا.
أخرجه عبد الرزاق (١/ ٢٢٤/ ٨٦٩)، وأبو نعيم الفضل بن دكين في الصلاة (١٥٨).
ومن طريقه: البزار (١١/ ٢٨٣/ ٥٠٧٦).
• وهذا الحديث يُروى أيضًا عن أبي سعيد الخدري، ولا يصلح مثله في الشواهد:
يرويه عمرو بن شمر، عن عمرو بن أنس، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال: أجنب رجل مريض في يوم بارد على عهد رسول الله ﷺ ، فغسله أصحابه فمات، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "ما لهم قتلوه قتلهم الله، إنما يجزئ من ذلك التيمم".
أخرجه ابن عدي في الكامل (٥/ ١٢٩)، ومن طريقه: البيهقي في الخلافيات (٢/ ٥٠٦ - ٥٠٧/ ٨٤٨).
стр. 1329
ضعفه جدًّا ابن القطان الفاسي في بيان الوهم (٢/ ٢٣٨/ ٢٣٠)، وقال ابن حجر في التلخيص (١/ ٢٦١): "ضعيف جدًّا"، وعزاه للدارقطني.
قلت: هو حديث منكر، عطية العوفي: ضعيف، وعمرو بن أنس: لم أجد من ترجم له، وعمرو بن شمر: منكر الحديث، متروك [الميزان (٣/ ٢٦٨)، اللسان (٤/ ٤٢٢)].
• وخلاصة ما تقدم في المسح على الجبائر:
١ - لا يصح في الباب حديث مرفوع إلى النبي ﷺ .
٢ - إنما صح فيه أثر ابن عمر [صححه البيهقي، والألباني في تمام المنة (١٣٤)].
٣ - وعليه فمن أصابه كسر أو جرح فوضع عليه جبيرة، أو عصابة، أو لَصوق، أو لَزوق، وجب عليه أن يمسح عليها بالماء، ويغسل الصحيح.
لقول ابن عمر، وفعله، ولم يعرف له في الصحابة مخالف [المغني (١/ ١٧٢)].
٤ - فمن أصابه شيء من ذلك ولم يكن عليه عصابة، وكان الجرح مكشوفًا، والمسح عليه يضره، فإنه يغسل الصحيح فقط، ويترك الجرح، ولا يتيمم له لقول ابن عمر.
٥ - إذا كان غسل الأعضاء الصحيحة يضر بالأعضاء الجريحة ففرضه التيمم لقول ابن عباس.
قال ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٢٣): "اختلف أهل العلم في المسح على الجبائر والعصائب: فأجاز كثير منهم المسح عليها، فمن رأى المسح على العصائب تكون على الجروح: ابن عمر، وعطاء، وعبيد بن عمير، وكان إبراهيم، والحسن، ومالك، وأحمد وإسحاق، وأصحاب الرأي، وأبو ثور، والمزني: يرون المسح على الجبائر. . ."
ونقله ابن قدامة في المغني (١/ ١٧١).
وفي الموسوعة الفقهية مادة جبيرة: "اتفق الفقهاء على مشروعية المسح على الجبائر في حالة العذر، نيابة عن الغسل، أو المسح الأصلي في الوضوء، أو الغسل، أو التيمم"، "والمسح على الجبيرة واجب عند إرادة الطهارة، والوجوب هنا بمعنى الإثم بالترك مع فساد الطهارة والصلاة. . .".
• شروط المسح على الجبيرة:
١ - أن يضر به الغسل أو المسح المباشر.
٢ - ألا يكون غسل الأعضاء الصحيحة يضر بالأعضاء الجريحة فإن كان يضر بها ففرضه التيمم.
هذان الشرطان باتفاق الفقهاء.
٣ - قال الحنفية والمالكية: إن كانت الأعضاء الصحيحة قليلة جدًّا ففرضه التيمم إذ التافه لا حكم له.
٤ - اشترط الشافعية في الصحيح المشهور، وهي رواية عن أحمد، أن تكون الجبيرة موضوعة على طهارة مائية. . .، فإن خالف ووضعها على غير طهر وجب نزعها إلا إذا خاف الضرر فلا ينزعها ويصح مسحه عليها.
стр. 1330
والرواية الثانية عند الحنابلة [وهي الرواية الأقوى، وكأنه ترك القول الأول. مغني (١/ ١٧٢)]، ووجه شاذ عند الشافعية: لا يشترط تقدم الطهارة على شد الجبيرة. . .؛ لأن هذا مما لا ينضبط وهو شديد جدًّا، بل فيه تكليف بما لا يُطاق، وهو معارض لما جاءت به الشريعة من رفع الحرج عند المشقة، ولأن المسح عليها جاز دفعًا للمشقة، فهو عزيمة وضرورة، ولأنها تأتي مفاجأة، وهو اختيار شيخ الإسلام [انظر: الشرح الممتع (١/ ٢٠٤)].
قال ابن حزم في المحلى (٢/ ٧٤): "فليس له أن يمسح على شيء من ذلك [يعني: الجبائر والعصائب] وقد سقط حكم ذلك المكان، فإن سقط شيء من ذلك بعد تمام الوضوء فليس عليه إمساس ذلك المكان بالماء، وهو على طهارته ما لم يحدث"، ووافقه الألباني في تمام المنة (١٣٥).
قلت: الصحيح: ما تقدم لما صح عن ابن عمر وابن عباس، ولا يُعلم لهما مخالف، فوجب المصير إلى قولهما.
• الفرق ببن المسح على الجبيرة والمسح على الخف:
١ - لا يجوز المسح على الجبيرة إلا عند الضرر بنزعها بخلاف الخف.
٢ - المسح على الجبيرة مؤقت بالبرء لا بالأيام.
٣ - يمسح عليها في الطهارة الكبرى بخلاف الخف.
٤ - يجمع فيها بين مسحٍ على جبيرة رِجلٍ، وغسل الرجل الصحيحة، بخلاف الخف.
٥ - يجب استيعاب الجبيرة بالمسح؛ إن كانت في محل الفرض، بخلاف الخف.
٦ - لا يشترط تقدم الطهارة على وضع الجبيرة [في القول الصحيح]، بخلاف الخف.
٧ - لو كان على عضويه جبيرتان، فرفع إحداهما لبرئه، فلا يلزمه رفع الأخرى، بخلاف الخفين.
٨ - يترك المسح على الجبيرة إن ضر، بخلاف الخف.
٩ - المسح على الجبيرة عزيمة، وعلى الخف رخصة.
١٠ - لا يشترط فيها استيعاب ستر جميع محل الفرض، بخلاف الخف.
١١ - إن كان بعضها في محل الفرض وبعضها في غيره مسح ما حاذى محل الفرض فقط، نص عليه أحمد.
١٢ - أنها لا تختص بعضو معين، والخف يختص بالرِّجل.
وقد أوصلها ابن عابدين إلى ٣٧ فرقًا، وانظر: الموسوعة الفقهية. المغني (١/ ١٧٢)، الإنصاف (١/ ١٩٤)، مجموع الفتاوى (٢١/ ١٧٦)، وغيرها.
***
стр. 1331
١٢٦ - باب في المتيمم يجد الماء بعدما يصلي، في الوقت
٣٣٨ - عبد الله بن نافع، عن الليث بن سعد، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة، وليس معهما ماء، فتيمما صعيدًا طيبًا، فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء، ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله ﷺ فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد: "أصبت السُّنَّة، وأجزأتك صلاتك"، وقال للذي توضأ وأعاد: "لك الأجر مرتين".
قال أبو داود: وغير ابن نافع يرويه، عن الليث، عن عميرة بن أبي ناجية، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار، عن النبي ﷺ .
قال أبو داود: وذكر أبي سعيد في هذا الحديث: ليس بمحفوظ، وهو مرسل.
• ذكر أبي سعيد في هذا الحديث: ليس بمحفوظ، وهو مرسل بإسناد صحيح.
أخرجه النسائي (١/ ٢١٣/ ٤٣٣)، والدارمي (١/ ٢٠٧/ ٧٤٤)، والحاكم (١/ ١٧٨ - ١٧٩)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٢٣٤ - ٢٣٥/ ١٨٤٢) و (٨/ ٤٨/ ٧٩٢٢)، والدارقطني (١/ ١٨٨)، والبيهقي (١/ ٢٣١)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (١/ ٤٨٢/ ٥٢٧).
قال أبو داود: "وغير ابن نافع يرويه، عن الليث، عن عميرة بن أبي ناجية، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار، عن النبي ﷺ .
قال أبو داود: وذكر أبي سعيد في هذا الحديث: ليس بمحفوظ، وهو مرسل".
وأما النسائي فلم يحتج به، وإنما أتبعه برواية ابن المبارك عن الليث مرسلًا، مشيرًا بذلك إلى علته.
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين؛ فإن عبد الله بن نافع: ثقة، وقد وصل هذا الإسناد عن الليث، وقد أرسله غيره".
ثم أخرجه من طريق يحيى بن بكير، عن الليث مرسلًا.
وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن الليث متصل الإسناد إلا عبد الله، تفرد به المسيبي".
يعني: محمد بن إسحاق، ولم ينفرد به، بل توبع عليه عن ابن نافع، وكأن الطبراني تفطن لذلك، فأخرجه في آخر المعجم من طريق يحيى بن المغيرة عن ابن نافع به، ثم قال: "لم يرو هذا الحديث مجودًا عن الليث بن سعد إلا عبد الله بن نافع".
стр. 1332
وقال الدارقطني: "تفرد به عبد الله بن نافع، عن الليث بهذا الإسناد متصلًا، وخالفه ابن المبارك وغيره".
وقال البيهقي: "ورواه غير عبد الله بن نافع، عن الليث، عن عمير بن أبي ناجية، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار، عن النبي ﷺ مرسلًا. . . [ثم قال:] كذا في كتابي عمير، والصواب: عميرة بن أبي ناجية"، ثم نقل كلام أبي داود، وفيه زيادة وهي أيضًا مذكورة في كتاب الوهم لابن القطان (٢/ ٤٣٢) فقد نقلا نص كلامه، قال: "وذكر أبي سعيد في هذا الحديث: وهم [و] ليس بمحفوظ، وهو مرسل" [وانظر: الفتح لابن رجب (٢/ ٣٨)].
وقال موسى بن هارون: "رفعه وهم من ابن نافع" [التلخيص (١/ ٢٧٣)].
فهؤلاء الأئمة قد جزموا بأن المتفرد بوصل هذا الحديث هو عبد الله بن نافع، ولم يتابع على وصله، حتى جاء ابن القطان الفاسي فذكر في كتابه "بيان الوهم والإيهام" (٢/ ٤٣٤) أن أبا علي بن السكن قد أخرج هذا الحديث موصولًا مجودًا من طريق أبي الوليد الطيالسي، فقال: حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد الواسطي: ثنا عباس بن محمد: ثنا أبو الوليد الطيالسي، قال: نبأني الليث بن سعد، عن عمرو بن الحارث، وعميرة بن أبي ناجية، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري: أن رجلين من أصحاب النبي ﷺ . . . فذكر الحديث [بيان الوهم (٢/ ٤٣٣ - ٤٣٤)، الإمام (٣/ ١٧٢)، نصب الراية (١/ ١٦٠)، التلخيص (١/ ٢٧٣)].
فالناظر في هذا يحسب أن أبا الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي قد تابع عبد الله بن نافع على وصل الحديث، وذكر أبي سعيد الخدري فيه، فالإسناد رجاله ثقات مشهورون، والذين ساقوه سكتوا عنه، ولم يعلوه بشيء.
لكن يبدو لي -والله أعلم- أن هذا لا يثبت عن أبي الوليد الطيالسي، وأنه لم يحدث به قط؛ لأمور:
الأول: أن جماعة من أئمة الحديث النقاد قد جزموا بأن المتفرد بوصل هذا الحديث وذكر أبي سعيد فيه إنما هو عبد الله بن نافع، ولم يتابع عليه، وهم: موسى بن هارون، وأبو داود، والحاكم، والطبراني، والدارقطني والبيهقي.
الثاني: أن الحديث لو كان عند أبي الوليد الطيالسي لاشتهر، وعرف عند هؤلاء الأئمة قبل غيرهم، فإن أبا الوليد الطيالسي أشهر وأكثر رواية من عبد الله بن نافع، وتلاميذ أبي الوليد كثر، فما كان ليخفي عليهم هذا الحديث حتى يتفرد به متفرد، ثم كيف يشتهر حديث عبد الله بن نافع ويرويه عنه جماعة، ولا يعرف حديث أبي الوليد إلا من هذا الطريق، ثم يخفى بعدُ أيضًا على هؤلاء الأئمة النقاد.
الثالث: أن الإسناد من لدن أبي الوليد الطيالسي فما فوقه: رجاله ثقات مشهورون رجال الشيخين، عدا بكر بن سوادة، فمن رجال مسلم، واستشهد به البخاري في الصحيح تعليقًا (٤١٢٦)، وعدا عميرة بن أبي ناجية، وهو: ثقة.
стр. 1333
وأما العباس بن محمد: فيحتمل أن يكون هو العباس بن محمد بن حاتم الدوري: الحافظ المشهور صاحب يحيى بن معين، وتاريخه، ويحتمل أن يكون هو العباس بن محمد بن عمرو بن الحارث الجمحي أبو الفضل، فإنه يروي أيضًا عن أبي الوليد الطيالسي، فإن كان هو الأخير؛ فإنه مجهول صاحب إفرادات، ذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٥١٤)، وترجم له ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٦/ ٤٠٢)، كل منهما ترجم له براوٍ واحد مغاير للآخر، وذكر له الدارقطني في الأفراد (٥/ ٢٣٧/ ٥٢٧٤ - أطرافه) حديثًا تفرد به عن أبي الوليد الطيالسي.
وأما أبو بكر محمد بن أحمد الواسطي فقد أعياني البحث عنه، ولم أجد واسطيًا يكنى أبا بكر، واسمه محمد بن أحمد، ومن هذه الطبقة غير: محمد بن أحمد بن محمد بن موسى البابسيري منسوبًا إلى بابسير، وهي قرية من قرى واسط، وقيل من قرى الأهواز، حدث بتاريخ المفضل بن غسان الغلابي عن أبي أمية الأحوص بن المفضل عن أبيه، روى عنه القاضي أبو العلاء محمد بن علي بن أحمد بن يعقوب الواسطي المقرئ، قاله السمعاني في الأنساب (١/ ٢٤١).
وفي سؤالات السِّلفي لخميس الحوزي الواسطي (١٠٦) قال أبو طاهر السلفي: "وسألته عن أبي بكر محمد بن موسى البابسيري؟ فقال: هو منسوب إلى محلة من شرقي واسط، حدث عنه علي العجمي وغيره، وكان لا بأس به".
فإن يكن هو فلا يحتمل من مثله التفرد؛ لا سيما في هذه الطبقة المتأخرة.
وانظر: تاريخ بغداد فيمن اسمه محمد بن أحمد (١/ ٢٦٥ - ٣٨٣) ت (٩٨ - ٣٥٥).
ومن نفس الطبقة أيضًا: محمد بن أحمد بن ثابت الواسطي البزاز، حدث عنه ابن جميع الصيداوي وترجم له في معجمه (٦) من روايته عن شعيب بن أيوب الصريفيني، وبهذا ترجم له الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (١/ ٢٨٤)، ولم يذكرا كنيته، فإن كان هو هذا فالقول فيه أشد من القول في سابقه.
• والخلاصة: أن هذا الحديث لا يصح من رواية أبي الوليد الطيالسي، وإنما المتفرد بوصله هو عبد الله بن نافع، كما جزم بذلك جماعة من الأئمة، وليس لهشام بن عبد الملك فيه ناقة ولا جمل، والله أعلم.
ولا عبرة حينئذ بقول ابن القطان: "وهو إسناد صحيح متصل"، وانظر: كلام الحافظ في إتحاف المهرة (٥/ ٣١٤).
• إذا تبين هذا، فالحديث قد اختلف في إسناده على الليث بن سعد:
١ - فرواه عبد الله بن نافع، عن الليث، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري به، كما تقدم.
٢ - وخالفه عبد الله بن المبارك، واختلف عليه:
أ- فرواه عبد الرزاق بن همام الصنعاني، عن عبد الله بن المبارك، عن ليث، عن
стр. 1334
بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار: أن رجلين أصابتهما جنابة فتيمما. . . نحوه، ولم يذكر أبا سعيد.
أخرجه الدارقطني (١/ ١٨٨).
ب- ورواه سويد بن نصر، قال: حدثنا عبد الله، عن ليث بن سعد، قال: حدثني عميرة وغيره، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار: أن رجلين. . . وساق الحديث.
أخرجه النسائي (١/ ٢١٣/ ٤٣٤).
قلت: هذا هو المحفوظ عن ابن المبارك؛ فإن سويد بن نصر هو راوية ابن المبارك [قاله السمعاني في الأنساب (٤/ ٧٩)]، وهو ثقة، وأما رواية عبد الرزاق: فوهمٌ، فإن راويه عن عبد الرزاق هو إسحاق بن إبراهيم الدبري، وهو ممن حدث عن عبد الرزاق بآخره بعدما أضر، وكان عبد الرزاق يخلط إذا حدث من حفظه من غير كتابه، وهذا الحديث لم أجده في المصنف [انظر: شرح علل الترمذي (٢/ ٧٥٢ و ٧٥٦)].
• وتابع ابن المبارك على الوجه المحفوظ عنه:
يحيى بن بكير [ثقة] من أثبت الناس في الليث بن سعد. التهذيب (٤/ ٣٦٨)، شرح علل الترمذي (٢/ ٨٣٠)]، قال: ثنا الليث، عن عميرة بن أبي ناجية، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار، عن النبي ﷺ مرسلًا.
أخرجه الحاكم (١/ ١٧٩)، وعنه: البيهقي (١/ ٢٣١).
٣ - ورواه وكيع بن الجراح [ثقة حافظ]، عن ليث بن سعد، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار: أن رجلين. . . مرسلًا.
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٩٣/ ٨٠٣٢).
• قلت: والمحفوظ من ذلك: ما رواه عبد الله بن المبارك، ويحيى بن بكير.
ورواية عبد الله بن نافع: وهمٌ، فإن عبد الله بن نافع في حفظه لين، إذا حدث من حفظه ربما أخطأ، وهو صحيح الكتاب، وليس عندنا ما يدل على أنه حدث بهذا الحديث من كتابه، بل الظاهر أنه من حفظه، لمخالفته كبار الحفاظ [ابن المبارك ووكيع]، وأثبت أصحاب الليث [يحيى بن بكير]، ثم إن ابن نافع: مدني، والليث: مصري.
ورجحت رواية ابن المبارك على رواية وكيع؛ لأن ابن المبارك أحفظ، وتابعه عليه رجل ثقة من أثبت أصحاب الليث: يحيى بن بكير، ولأنه زاد رجلًا بين الليث، وبكر بن سوادة؛ وهو عميرة بن أبي ناجية، وهو ثقة؛ وثقه النسائي، وابن حبان، ويحيى بن بكير، وأثنى عليه أحمد بن صالح، وابن يونس، وأحمد بن سعيد بن أبي مريم [مشاهير علماء الأمصار (١٥٢٣)، التهذيب (٣/ ٣٢٩)، الذيل على ميزان الاعتدال (٦٠٧)، التلخيص (١/ ٢٧٣)، نيل الأوطار (١/ ٤٠٥)]، فليس هو كما قال ابن القطان الفاسي: "مجهول الحال"، ولكنه ثقة كما علمت.
• وكذلك فإن الرواية المحفوظة اشتهرت في بلدها وخارجه، فرواها عن الليث بن سعد المصري: يحيى بن بكير المصري، وعبد الله بن المبارك المروزي.
стр. 1335
وأما الروايتان الأخريان: فإحداهما بإسناد مصري ثم مدني، والأخرى بإسناد مصري ثم كوفي، فلم تعرف إلا خارج البلد.
والحديث الذي يشتهر في بلده وخارجه، أولى من الحديث الذي لم يعرف إلا خارج بلده، والله أعلم.
هذا مع العلم بأن رواية وكيع الحافظ موافقة لرواية ابن المبارك وابن بكير في الإرسال، وإنما تخالفهما في إسقاط الواسطة بين الليث، وبكر بن سوادة.
وصنيع النسائي يدل على ترجيحه لرواية ابن المبارك على رواية ابن نافع.
• والحاصل: أن الحديث: مرسل بإسناد صحيح.
• وممن روى هذا الحديث فأخطأ فيه:
١ - ابن لهيعة [ضعيف]، رواه عن بكر بن سوادة، عن أبي عبد الله مولى إسماعيل بن عبيد، عن عطاء بن يسار: أن رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ . . . بمعناه.
أخرجه أبو داود (٣٣٩)، ومن طريقه: البيهقي (١/ ٢٣١).
وإسناده ضعيف؛ ابن لهيعة: ضعيف، وأبو عبد الله مولى إسماعيل بن عبيد: مجهول [الميزان (٤/ ٥٤٥) وقال: "لا يعرف"، التهذيب (٤/ ٥٤٨)، التقريب (٧١٢)، وقال: "مجهول"، وقال ابن القطان في بيان الوهم (٢/ ٤٣٤): "مجهول"].
وقال ابن القطان في بيان الوهم (٢/ ٤٣٤): "هذا لا يلتفت إليه، لضعف راويه ابن لهيعة" [انظر: التلخيص (١/ ٢٧٣)].
قلت: لا يلتفت إليه فقط فيما خالف فيه الحفاظ بإدخال أبي عبد الله هذا -وهو رجل مجهول- بين بكر وعطاء، لكنه تابع الحفاظ في إرسال الحديث وعدم ذكر أبي سعيد فيه.
٢ - روى عبد الرزاق في مصنفه (١/ ٢٣٠/ ٨٩٠) عن إبراهيم بن محمَّد، عن يحيى بن أيوب، عن بكر بن سوادة: أن رجلين أصابتهما جنابة … معضل.
سقط من إسناده عطاء بن يسار.
وهذا إسناد ساقط بمرة؛ إبراهيم بن محمَّد هو ابن أبي يحيى الأسلمي: متروك، كذبه جماعة.
***
٣٣٩ - قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة: حدثنا ابن لهيعة، عن بكر بن سوادة، عن أبي عبد الله مولى إسماعيل بن عبيد، عن عطاء بن يسار: أن رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ . . . بمعناه.
• حديث ضعيف.
تقدم في الحديث السابق.
следующие страницы →