Полный текст (16 465 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
ولهذا فقد اعتمد البخاري طريق ابن أبي ذئب وصححه؛ قال ابن حجر في الفتح (٢/ ٤٣٢): "وإذا تقرر ذلك عرف أن الطريق التي اختارها البخاري أتقن الروايات … ".
وقال الدارقطني في العلل (١٠/ ٣٤٩): "والحديث عندي: حديث ابن أبي ذئب والضحاك بن عثمان؛ لأن للحديث أصلًا محفوظًا عن سلمان يرويه أهل الكوفة".
قلت: يعني بذلك: ما رواه منصور والمغيرة كلاهما، عن أبي معشر زياد بن كليب، عن إبراهيم، عن علقمة عن القرثع الضبي -وكان من القراء الأولين-، عن سلمان، قال: قال لي رسول الله ﷺ : "ما من رجل ينطهر يوم الجمعة كما أمر، ثم يخرج من بيته حتى يأتي الجمعة، فينصت حتى يقضي الإمام صلاته، إلا كان كفارة لما كان قبله من الجمعة" وفي رواية المغيرة: "إلا كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة التي قبلها ما اجتنبت المقتلة".
أخرجه النسائي في المجتبى (٣/ ١٠٤/ ١٤٠٣)، وفي السنن الكبرى (٢/ ٢٦١ و ٢٦٢ و ٢٨٣ و ٢٨٤/ ١٦٧٦ و ١٦٧٧ و ١٧٣٦ و ١٧٣٧)، وابن خزيمة (٣/ ١١٨/ ١٤٨)، والحاكم (١/ ٢٧٧)، وأحمد (٥/ ٤٣٩ و ٤٤٠)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (١/ ١٤٧ و ١٤٨)، والبزار (٦/ ٤٩١/ ٢٥٢٥ و ٢٥٢٦)، والطحاوي (١/ ٣٦٨)، وابن أبي حاتم في التفسير (١٠/ ٣٣٥٦/ ١٨٨٩٥)، والطبراني في الكبير (٦/ ٢٣٧/ ٦٠٨٩ و ٦٠٩١)، وابن حزم (٥/ ٦٢)، والبيهقي في الشعب (٣/ ٩٥ - ٩٦/ ٢٩٨٤ و ٢٩٨٥)، والخطيب في الموضح (١/ ١٦٤)، والرافعي في التدوين (٢/ ٢٣١).
وهذا إسناد كوفي صالح، رجاله ثقات، غير القرثع الضبي؛ فإنه تابعي مخضرم، وثقه العجلي، وروى عنه جمع من الثقات، إلا أن ابن حبان حمل عليه في المجروحين (٢/ ٢١١)، فقال: "روى أحاديث يسيرة خالف فيها الأثبات، لم تظهر عدالته فيسلك به مسلك العدول حتى يحتج بما انفرد، ولكنه عندي يستحق مجانبة ما انفرد من الروايات لمخالفته الأثبات" [انظر: التاريخ الكبير (٧/ ١٩٩ و ٢٠٥)، الجرح والتعديل (٧/ ١٤٧)، ثقات العجلي (١٣٨٢)، الموضح (١/ ١٦٣)، الميزان (٣/ ٣٨٧)، التهذيب (٦/ ٤٩٨)، التقريب (٥٠٨)، وقال: "صدوق، من الثانية، مخضرم، قتل في زمن عثمان"].
قلت: قرثع الضبي لم ينفرد بهذا الحديث، ولم يخالف، فليس في حديثه هذا ما يخالف رواية ابن أبي ذئب، بل هو متابع له في حديثه، فيقبل منه ومن غيره ما وافق الثقات.
• وقد اختلف في إسناد حديث قرثع هذا إلا أن ما ذكرته هو المحفوظ فيه [انظر: الجمعة وفضلها لأبي بكر المروزي (٤٩)، علل ابن أبي حاتم (٦٠٣)، المعجم الكبير للطبراني (٦٠٩٠ و ٦٠٩٢)، المعجم الأوسط له (٨٢١)، تاريخ بغداد (١١/ ٤٣٠)، الموضح (١/ ١٦٣)].
وقد ذكر علي بن المديني في العلل (١٤٦) بعض هذا الاختلاف على سعيد المقبري، ثم قال: "والحديث عندي: حديث سلمان؛ لأنه رواه الضحاك بن عثمان [في المطبوع:
стр. 1367
عن ابن أبي معشر، والتصحيح من عندي]، عن سعيد المقبري، عن ابن وديعة، عن سلمان ولم يقل: "عن أبيه"، وتابعه ابن أبي ذئب، ورواه منصور ومغيرة، عن إبراهيم [كذا، والمحفوظ أنهما روياه عن أبي معشر زياد بن كليب عن إبراهيم]، عن علقمة، عن القرثع، عن سلمان".
وقال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٢٠١/ ٥٨٠): "وسألت أبي وأبا زرعة، عن حديث رواه ابن أبي حازم، عن الضحاك بن عثمان، عن المقبري، عن عبد الله بن وديعة، عن سلمان، عن النبي ﷺ : في غسل الجمعة؟
قال المقبري: فحدث أبي عمارة بن عمرو بن حزم -وأنا معه-، فقال: أوهم ابن وديعة، سمعته، من سلمان، وهو يقول: "وزيادة ثلاثة أيام"؟
قال أبي: ورواه ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن عبد الله بن وديعة، عن سلمان، عن النبي ﷺ ، ولم يذكر الكلام الأخير.
ورواه ابن عجلان، عن المقبري، عن أبيه، عن عبد الله بن وديعة، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ .
قلت لأبي: أيهما الصحيح؟
قال: اتفق نفسان على سلمان، وهو الصحيح.
قلت: فعبيد الله بن وديعة أو عبد الله؟
قال: الصحيح: عبيد الله بن وديعة، عن سلمان، عن النبي ﷺ .
وقال أبو زرعة: حديث ابن أبي ذئب أصح؛ لأنه أحفظهم.
قلت: عن سلمان؟ قال: نعم. قلت: فعبيد الله أصح، أو عبد الله؟ قال: عبد الله بن وديعة أصح. قلت: فابن أبي ذئب يقول: عبيد الله. قال: حفظي عنه: عبد الله.
قلت لأبي: فإن يونس بن حبيب: حدثنا عن أبي داود، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار، عن سلمان، عن النبي ﷺ .
قال: أخطأ أبو داود؛ حدثنا آدم العسقلاني، وغير واحد، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد، عن أبيه، عن عبيد الله بن وديعة، عن سلمان، عن النبي ﷺ ".
ثم قال (١/ ٢٠٢/ ٥٨١): "وسألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه سليمان بن بلال، عن صالح بن كيسان، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إذا كان يوم الجمعة فاغتسل الرجل، وتطيب، ولبس من خير ما يجد، ثم خرج إلى الصلاة، ولم يفرق بين اثنين، ثم استمع للإمام: غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة، وزيادة ثلاثة أيام"؟
فقالا: هذا خطأ؛ هو: عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن عبد الله بن وديعة، قال ابن عجلان: عن أبي ذر، وقال ابن أبي ذئب: عن سلمان الخير.
وقال أبو زرعة: حديث ابن عجلان أشبه.
стр. 1368
وقال أبي: حديث ابن أبي ذئب أشبه؛ لأنه قد تابعه الضحاك بن عثمان.
قال أبي: قال يحيى بن معين: ابن أبي ذئب أثبت في المقبري من ابن عجلان.
قال أبي: وروى هذا الحديث أبو معشر، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي وديعة، عن النبي ﷺ . أسقط أبو معشر من فوق ابن وديعة، وكنى ابن وديعة.
قال أبي: يقال: عبيد الله بن وديعة، ويقال: عبد الله".
***
٣٤٤ - . . . ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، أن سعيد بن أبي هلال وبكير بن عبد الله بن الأشج: حدثاه عن أبي بكر بن المنكدر، عن عمرو بن سليم الزرقي، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: "الغسل يوم الجمعة على كل محتلم، والسواك، ويمس من الطيب ما قُدّر له".
إلا أن بكيرًا لم يذكر عبد الرحمن، وقال في الطيب: "ولو من طيب المرأة".
• حديث صحيح.
أخرجه مسلم (٧/ ٨٤٦)، وأبو عوانة (٢/ ١٣٢/ ٢٥٥٩)، وأبو نعيم في المستخرج (٢/ ٤٣٧/ ١٩٠٦)، والنسائي (٣/ ٩٢/ ١٣٧٥)، وابن حبان (٤/ ٣٤/ ١٢٣٣)، وابن المنذر (٤/ ٣٨/ ١٧٦٥)، والدارقطني في الأفراد (٥/ ٧١/ ٤٧٠٥)، والبيهقي (٣/ ٢٤٢)، وابن حجر في التغليق (٢/ ٣٥٠).
ورواه الليث بن سعد قال: حدثنا خالد [هو ابن يزيد الجمحي المصري مولى ابن الصبيغ: ثقة فقيه]، عن سعيد بن أبي هلال، عن أبي بكر بن المنكدر: أن عمرو بن سليم أخبره: عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ قال: "إن الغسل يوم الجمعة على كل محتلم، والسواك، وأن يمس من الطيب ما يقدر عليه".
أخرجه النسائي (٣/ ٩٧/ ١٣٨٣)، وابن خزيمة (٣/ ١٢٣/ ١٧٤٣)، وأحمد (٣/ ٦٩)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٢٢٩).
وهذان إسنادان صحيحان إلى سعيد بن أبي هلال.
• وأما بكير بن عبد الله بن الأشج فقد اختلف عليه:
أ - فرواه عمرو بن الحارث [ثقة حافظ، فقيه]، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن أبي بكر بن المنكدر، عن عمرو بن سليم، عن أبي سعيد الخدري به هكذا.
ب- وخالفه عبد الله بن لهيعة [ضعيف]، فرواه عن بكير، عن أبي بكر، عن عمرو، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ . . .، فذكر الحديث مثله، وزاد في آخره: "ولو من طيب أهله".
أخرجه أحمد (٣/ ٣٠)، والطبراني في الأوسط (٣/ ٣٢٢/ ٣٢٨٧).
стр. 1369
فالمحفوظ عن بكير بن الأشج: ما رواه الحافظ عمرو بن الحارث، بدون الواسطة بين عمرو بن سليم وأبي سعيد.
وقد روى هذا الحديث جماعة، عن أبي بكر بن المنكدر، فلم يذكروا في الإسناد: عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، منهم:
١ - شعبة بن الحجاج، عن أبي بكر بن المنكدر، قال: حدثني عمرو بن سليم الأنصاري، قال: أشهد على أبي سعيد الخدري قال: أشهد على رسول الله ﷺ ، قال: "الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يستن، وأن يمس طيبًا إن وجد".
قال عمرو [بن سليم]: أما الغسل فأشهد أنه واجب، وأما الاستنان والطيب، فالله أعلم أواجب هو أم لا؟ ولكن هكذا في الحديث.
أخرجه البخاري (٨٨٠)، وابن خزيمة (٣/ ١٢٤/ ١٧٤٥)، وأبو بكر المروزي في الجمعة وفضلها (٢١)، والطبراني في الأوسط (٣/ ١٦٧/ ٢٨٢٠)، وابن حزم (٢/ ٩)، والبيهقي (٢/ ٢٤٢).
٢ - فليح بن سليمان [ليس بالقوي]، واختلف عليه:
أ - فرواه أبو داود الطيالسي [ثقة حافظ]، قال: حدثنا فليح بن سليمان، قال: أخبرني أبو بكر بن المنكدر، عن عمرو بن سليم الزرقي، عن أبي سعيد: أن النبي ﷺ قال: "الغسل يوم الجمعة واجب، وأن يمس من طيب، وأن يستاك"، فأما الغسل فأشهد أنه واجب، وأما الاستنان والطيب فالله أعلم أواجب أم لا؟ ولكن هكذا قال.
أخرجه الطيالسي في مسنده (٣/ ٦٦٦/ ٢٣٣٠).
ب- ورواه يونس بن محمَّد المؤدب [ثقة ثبت]: حدثنا فليح، قال: سمعت أبا بكر بن المنكدر، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : "على كل محتلم الغسل يوم الجمعة، وبلبس من صالح ثيابه، وإن كان له طيب مس منه".
أخرجه أحمد (٣/ ٦٥ - ٦٦).
ج- ورواه الهيثم بن جميل [ثقة حافظ، يغلط كما يغلط غيره]: ثنا فليح بن سليمان، عن أبي بكر محمَّد بن المنكدر، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : "يوجب الغسل على كل محتلم يوم الجمعة".
أخرجه أبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٣١٦).
قلت: وهذا اضطراب ظاهر من فليح بن سليمان، اضطرب في إسناد الحديث ومتنه.
٣ - سعيد بن سلمة بن أبي الحسام [صدوق صحيح الكتاب، يخطئ من حفظه. القريب (٢٢٧)]، عن محمَّد بن المنكدر، واختلف فيه على سعيد:
أ - فرواه عبد الصمد بن عبد الوارث [ثقة ثبت]، ومحمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب [ثقة]:
стр. 1370
كلاهما عن سعيد بن سلمة، عن محمَّد بن المنكدر، عن عمرو بن سليم، عن أبي سعيد: أن رسول الله ﷺ قال: … فذكره.
أخرجه أبو يعلى (٢/ ٣٥٢/ ١١٠٠)، وذكره الدارقطني في العلل (١١/ ٢٧٥).
ب- ورواه عبد الله بن رجاء الغداني البصري [صدوق يهم قليلًا. التقريب (٣١٦)]، عن سعيد بن سلمة، عن محمَّد بن المنكدر، عن أخيه أبي بكر بن المنكدر، عن عمرو بن سليم، عن أبي سعيد: أن النبي ﷺ قال: … فذكره.
أخرجه ابن خزيمة (٣/ ١٢٣ - ١٢٤/ ١٧٤٤)، وأبو بكر الشافعي في فوائده [الغيلانيات] (٧٥٧).
وتصرف أبي حاتم في العلل (١/ ٢١٢/ ٦١٤) يقتضي ترجيح الرواية الأولى؛ لاعتمادها دون غيرها.
وتصرف أبي مسعود الدمشقي يقتضي ترجيح الرواية الثانية [وانظر: تحفة الأشراف (٣/ ٤٣٤ - ٤٣٥)]، وقال ابن رجب في الفتح (٥/ ٣٤٧): "وهو الصواب"، ومال الدارقطني إلى ترجيحه في العلل (١١/ ٢٧٦).
قلت: إما أن تكون رواية عبد الصمد ومن وافقه هي الصواب، ترجيحًا بالكثرة والحفظ، وإما أن يكون الوهم فيه من ابن أبي الحسام؛ فلم يكن بذاك الحافظ، والقلب يميل إلى الأول؛ فلعل أبا حاتم اطلع على أصل كتاب سعيد بن سلمة فوجده فيه هكذا بدون ذكر أبي بكر بن المنكدر؛ فاعتمد هذه الرواية وألغى ما عداها واعتبرها وهمًا، والله أعلم.
٤ - عبد الله بن زياد [هو ابن سليمان بن سمعان المدني: متروك؛ كذبه مالك وأبو داود وغيرهما. التهذيب (٢/ ٣٣٦)]، عن أبي بكر بن المنكدر، عن عمرو بن سليم الزرقي، عن أبي سعيد الخدري به مرفوعًا.
أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٤/ ٣٨/ ١٧٦٤).
• وحاصل ما تقدم من الخلاف:
أنه قد اختلف في هذا الحديث على أبي بكر بن المنكدر:
١ - فرواه سعيد بن أبي هلال [مصري أصله مدني، صدوق]، عن أبي بكر بن المنكدر، عن عمرو بن سليم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه به مرفوعًا.
ب- وخالفه: شعبة بن الحجاج [أمير المؤمنين في الحديث، لكن لم يشتهر الحديث عنه، يقال: تفرد به عنه حرمى بن عمارة، وهو: صدوق]، وبكير بن عبد الله بن الأشج [مدني، نزل مصر واستوطنها، ثقة]:
فروياه عن أبي بكر بن المنكدر، عن عمرو بن سليم، عن أبي سعيد، به مرفوعًا، وفي رواية شعبة ما يدل على سماع عمرو بن سليم لهذا الحديث من أبي سعيد الخدري.
وقد صحح مسلم الأول، وصحح البخاري الثاني، وذهب الدارقطني في العلل (١١/ ٢٧٣/ ٢٣٨١) إلى تصحيح الأول فقال: "والقول الأول هو الصحيح"، لكنه اعتمد في ذلك
стр. 1371
على كون بكير بن الأشج متابعًا لابن أبي هلال في زيادة عبد الرحمن في الإسناد، وقال: "فضبطا إسناده وجوداه"، وهذا وهم منه: ﵀، والصحيح عن بكير أنه رواه بدون الزيادة، وإنما تفرد بها ابن أبي هلال، وإنما دخل الوهم فيه على الدارقطني من رواية ابن وهب والتي جمع فيما بين ابن أبي هلال وابن الأشج وساق الحديث عنهما بإسناد واحد موهمًا أن بكيرًا وافق سعيدًا في زيادة عبد الرحمن، إلا أن ابن وهب قال في آخر الحديث: "إلا أن بكيرًا لم يذكر عبد الرحمن"، فبرئت عهدته بذلك، وخفى هذا على الدارقطني، والله أعلم.
وممن وهَّم الدارقطني في ذلك: ابن رجب الحنبلي، فقال في الفتح (٥/ ٣٤٦): "وهو أيضًا وهم منه"؛ أي: الدارقطني، وكذلك قال ابن حجر في الفتح (٢/ ٤٢٥): "وغفل الدارقطني في العلل عن هذا الكلام الأخير، فجزم بأن بكيرًا وسعيدًا خالفا شعبة فزادا في الإسناد عبد الرحمن، وقال: إنهما ضبطا إسناده وجوداه، وهو الصحيح. وليس كما قال، بل المنفرد بزيادة عبد الرحمن هو سعيد بن أبي هلال. وقد وافق شعبة وبكيرًا على إسقاطه: محمَّد بن المنكدر أخو أبي بكر، أخرجه ابن خزيمة من طريقه [قلت: لو كان هذا هو المحفوظ، وقد سبق بيان أن القلب أميل إلى الوجه الثاني]، والعدد الكثير أولى بالحفظ من واحد، والذي يظهر أن عمرو بن سليم سمعه من عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه، ثم لقي أبا سعيد فحدثه، وسماعه منه ليس بمنكر؛ لأنه قديم ولد في خلافة عمر بن الخطاب، ولم يوصف بالتدليس".
وقال ابن حجر في التغليق (٢/ ٣٥٠ - ٣٥١): "وزيادة عبد الرحمن في الإسناد إما من المزيد في متصل الأسانيد، وإما أن يكون عمرو بن سليم سمعه من عبد الرحمن ثم سمعه من أبيه، وقد صرح شعبة وبكير بن الأشج وغيرهما بسماع عمرو من أبي سعيد. وهكذا رواه سعيد بن سلمة بن أبي الحسام، عن محمَّد بن المنكدر، عن أخيه أبي بكر، عن عمرو بن سليم، عن أبي سعيد، وتفرد سعيد بن أبي هلال بزيادة عبد الرحمن … ".
قلت: وهو كما قال.
• وفي هذا الحديث وهم آخر:
فقد روى عمرو بن أبي سلمة [التنيسي الدمشقي: صدوق، منكر الحديث عن زهير بن محمَّد التميمي، قال أحمد بن حنبل: "روى عن زهير أحاديث بواطيل؛ كأنه سمعها من صدقة بن عبد الله، فغلط، فقلبها عن زهير"، التهذيب (٣/ ٢٧٥)، وانظر بعض مناكيره عن زهير: علل الترمذي ص (٣٩٥) برقم (١٤٨)، علل ابن أبي حاتم برقم (٤١٤ و ٥٨٨ و ٧١٣ و ٨٩٥ و ٩٥٦ و ١٧١٠ و ٢١٦٧ و ٢٣٧٥)، وهذا الحديث برقم (٥٩٢ و ٦١٤)، وانظر: شرح علل الترمذي (٢/ ٧٧٧ و ٨٢٢)]، قال: نا زهير بن محمَّد، عن محمَّد بن المنكدر، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: "الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم".
أخرجه ابن خزيمة (٣/ ١٢٤/ ١٧٤٦)، وصححه فأخطأ، والطبراني في الأوسط
стр. 1372
(٤/ ٣٠٣/ ٤٢٦٧)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٢١٩)، والدارقطني في الأفراد (٢/ ٣٨٢/ ١٦٨١).
قال أبو حاتم: "هذا خطأ" [العلل (١/ ٢٠٥/ ٥٩٢)].
وقال أيضًا: "علة هذا الحديث ما روى سعيد بن سلمة بن أبي الحسام، عن محمَّد بن المنكدر، عن عمرو بن سليم الزرقي، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ " [العلل (١/ ٢١٢/ ٦١٤)].
قلت: فالواهم فيه قد سلك العبادة والطريق السهل.
وقال الدارقطني في العلل (١١/ ٢٧٦/ ٢٢٨١): "وروى هذا الحديث زهير بن محمَّد، فقال: عن محمَّد بن المنكدر، عن جابر؛ ووهم فيه، وإنما رواه محمَّد بن المنكدر، عن أخيه أبي بكر، عن عمرو بن سليم الزرقي، عن أبي سعيد".
وهذا الحديث الصحيح من حجج القائلين بعدم وجوب غسل الجمعة، ويأتي بيانه.
***
٣٤٥ - . . . ابن المبارك، عن الأوزاعي: حدثني حسان بن عطية: حدثني أبو الأشعث الصنعاني: حدثني أوس بن أوس الثقفي، قال: سمعت رسول الله على يقول: "من غسل يوم الجمعة واغتسل، ثم بكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام فاستمع ولم يلغ، كان له بكل خطوة عمل سنة: أجر صيامها وقيامها".
• حديث صحيح.
أخرجه ابن ماجه (١٠٨٧)، وابن حبان (٧/ ٢٠/ ٢٧٨١)، والحاكم (١/ ٢٨٢)، وأحمد (٤/ ٩ و ١٠٤)، وابن أبي شيبة (١/ ٤٣٣/ ٤٩٩٠)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣/ ٢١٥/ ١٥٧٣)، وأبو بكر المروزي في الجمعة وفضلها (٥٠)، وابن قانع في المعجم (١/ ٢٧)، والطبراني في المعجم الكبير (١/ ٢١٥/ ٥٨٥)، وتمام في الفوائد (١٥٣٥)، وابن بشران في الأمالي (١٦٠٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٢٩)، وفي المعرفة (٢/ ٥١٣/ ١٧٧٨)، وفي الشعب (٣/ ٩٧/ ٢٩٨٨)، وفي فضائل الأوقات (٢٧٠)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٢/ ٥٧٠/ ١٠٦٠).
تابع ابن المبارك عليه عن الأوزاعي: الوليد بن مسلم، ومحمد بن مصعب القرقسائي، وهقل بن زياد.
أخرج حديثهم: تمام في الفوائد (١٥٣١)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (١/ ٣٠٧/ ٩٨٦ و ٩٨٧).
• وتابع الأوزاعي عليه، عن حسان بن عطية: عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان فرواه، عن حسان بن عطية والعلاء بن الحارث: سمعا أبا الأشعث الصنعاني: يحدث عن
стр. 1373
أوس بن أوس الثقفي، قال: قال رسول الله ﷺ : "من غسل واغتسل، وغدا واقترب، وأنصت ولم يلغ، حتى يخرج الإمام، كان له بكل خطوة صيام سنة وقيامها".
أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٩/ ٤٠٠).
وهذا إسناد شامي صحيح، رجاله كلهم شاميون ثقات؛ عدا ابن المبارك فإنه مروزي، وهو: ثقة ثبت متقن إمام، وأبو الأشعث الصنعاني -صنعاء دمشق- هو شراحيل بن آده: أحد كبار علماء التابعين بدمشق، روى عنه جماعة من ثقات التابعين، توفي زمن معاوية بن أبي سفيان، قال العجلي: "شامي تابعي ثقة"، وذكره ابن حبان في الثقات [تاريخ دمشق (٢٢/ ٤٣٦)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٣٥٧)، طبقات ابن سعد (٥/ ٥٣٦)، التهذيب (٢/ ١٥٧)].
***
٣٤٦ - قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد: حدثنا الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن عبادة بن نُسي، عن أوس الثقفي، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من غسل رأسه يوم الجمعة واغتسل … "، وساق نحوه.
• حديث واهٍ.
هكذا رواه أبو داود، ولهذا الإسناد علة قادحة؛ وقد ساقه أبو داود هنا لبيان المراد من لفظة "غسل" في الرواية السابقة، وأنها بالتخفيف، لكنه لا يصح.
فقد رواه شجاع بن أشرس [ثقة، وثقه ابن معين، وأبو زرعة وروى عنه. الجرح والتعديل (٤/ ٣٧٩)، تاريخ بغداد (٩/ ٢٥٠)]، قال: نا الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن عبد الله بن سعيد، عن عبادة بن نسي، عن أوس بن أوس، عن النبي ﷺ بنحوه، فأفسد حديث قتيبة بن سعيد.
أخرجه ابن قانع في المعجم (١/ ٢٧).
وعبد الله بن سعيد: هو محمَّد بن سعيد بن حسان بن قيس الأسدي الشامي: المصلوب في الزندقة، كذاب، يضع الحديث عمدًا، قلب أهل الشام اسمه على نحو مائة اسم ليخفى [التهذيب (٣/ ٥٧٢)]، وربما قالوا في اسمه: عبد الله وعبد الرحمن على معنى التعبيد لله، كما وقع هنا؛ والدليل على صحة ذلك:
أ - ما رواه عمرو بن الحارث: أن سعيد بن أبي هلال حدثه، عن محمَّد بن سعيد، عن عبادة بن نسي، عن أوس، عن النبي ﷺ به نحوه.
أخرجه الطبراني في الكبير (١/ ٢١٦/ ٥٨٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٣/ ٧١).
ب- وما رواه ابن جريج، عن عمر بن محمَّد، عن سعيد بن أبي هلال، عن محمَّد بن سعيد، عن أوس بن أوس، عن النبي ﷺ قال: … فذكره بنحوه.
أخرجه أحمد (٤/ ٨)، وعبد الرزاق (٣/ ٢٥٩/ ٥٥٦٦)، وابن أبي حاتم في الجرح
стр. 1374
والتعديل (٧/ ٢٦٣)، والطبراني في الكبير (١/ ٢١٦/ ٥٨٧)، وفي الأوسط (٢/ ٩٤/ ١٩٢٣)، وابن عدي في الكامل (٦/ ١٤٠)، والخطيب في الموضح (٢/ ٣٩٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٣/ ٧٤ و ٧٥)، وعلقه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٩٤).
ج- وما رواه أبو معشر، عن محمَّد بن قيس، عن محمَّد بن سعد الأزدي، عن أوس بن أبي أوس الثقفي: أن النبي ﷺ قال: … فذكره.
أخرجه أبو داود الطيالسي (٢/ ٤٣٧/ ١٢١٠).
وله طرق أخرى؛ وقد نص الأئمة كالبخاري وأبي حاتم وغيرهما على أن محمَّد بن سعيد المذكور في هذا الحديث هو الشامي المصلوب الكذاب، قال أبو حاتم بعد أن ذكر بعض طرقه: "محمَّد بن سعيد هذا هو الشامي المتروك الحديث، روى هذا الحديث بعينه عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال … ، [فذكره ثم قال:] فعلمنا أنه هو الشامي المتروك الحديث".
• والحاصل: أن الحديث لا يصح عن عبادة بن نسي عن أوس؛ لأنه من رواية محمَّد بن سعيد المصلوب الكذاب الوضاع.
وقد تقدم أن الحديث مروي من طرق ثابتة، عن حسان بن عطية، والعلاء بن الحارث: كلاهما، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس الثقفي به مرفوعًا.
• وله طرق أخرى؛ منها:
١ - يحيى بن الحارث الذماري [شامي ثقة]، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس، عن النبي ﷺ قال: "من غسل واغتسل، وفدا وابتكر، ودنا من الإمام، [وأنصت] ولم يلغ، كان له بكل خطوة: عمل سنة، صيامها وقيامها".
أخرجه الترمذي (٤٩٦)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه (٤٦٦)، والنسائي في المجتبى (٣/ ٩٥ - ٩٦ و ١٠٢ - ١٠٣/ ١٣٨١ و ١٣٩٨)، وفي الكبرى (٢/ ٢٦٨ و ٢٧٧/ ١٦٩٧ و ١٧١٩ و ١٧٢٠)، والدارمي (١/ ٤٣٧/ ١٥٤٧)، وابن خزيمة (٣/ ١٧٦٧/١٣٢)، والحاكم (١/ ٢٨٢)، وأحمد (١٠/ ٤)، وابن سعد في الطبقات (٥/ ٥٥١)، وأبو الحسن الطوسي في الأربعين (١٢)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣/ ٢١٥ و ٢١٦/ ١٥٧٤ - ١٥٧٦)، والطحاوي (١/ ٣٦٨ - ٣٦٩)، والحسن بن سفيان في الأربعين (٢٧)، والطبراني في الكبير (١/ ٢١٤ و ٢١٥/ ٥٨٢ و ٥٨٣)، وفي مسند الشاميين (١/ ١٩٣/ ٣٤٠) و (٢/ ٤٩/ ٩٠٠ - ٩٠٢)، وتمام في الفوائد (٢ و ٣٤٨ و ١٢٥٦)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٢/ ٥٦٩ - ٥٧٠/ ١٠٥٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٨/ ٣٦٣) و (٩/ ٣٩٨ و ٣٩٩ و ٤٠٠) و (٣٦/ ٢٠٠) و (٤٥/ ٢٨١) و (٥٧/ ٣١٤) و (٦٤/ ١٠٧).
رواه هكذا عن يحيى بن الحارث الذماري، ولم يختلف عليه: سعيد بن عبد العزيز، والأوزاعي، ومحمد بن شعيب بن شابور، وعمر بن عبد الواحد، وصدقة بن خالد، وعبد الله بن عيسى بن أبي ليلى، وسويد بن عبد العزيز (٧).
стр. 1375
وهم جميعًا ثقات؛ عدا سويد فضعيف.
قال الترمذي: "حديث أوس بن أوس: حديث حسن".
قلت: رجاله ثقات أئمة، فهو إسناد شامي صحيح، ولا أعلم له علة سوى ما يشتمل عليه من هذا الأجر العظيم.
٢ - راشد بن داود الصنعاني، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس الثقفي، عن النبي ﷺ قال: … فذكره بنحو رواية يحيى بن الحارث.
أخرجه أحمد (٤/ ١٠)، قال: حدثنا الحكم بن نافع، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن راشد بن داود به.
وهذا إسناد شامي صحيح، وأحاديث إسماعيل بن عياش عن أهل الشام مستقيمة، وهذا منها.
وأخرجه الطبراني في الكبير (٧/ ٢٧٩/ ٧١٣٤)، وفي مسند الشاميين (٢/ ١٥٦/ ١١٠٠):
من طريق عبد الوهاب بن الضحاك: ثنا إسماعيل بن عياش به، إلا أنه في المعجم جعله من مسند شداد بن أوس.
وعبد الوهاب بن الضحاك: متروك متهم، كان يسرق الحديث، وكان يأخذ فوائد أبي اليمان [الحاكم بن نافع] فيحدث بها، عن إسماعيل بن عياش، وحدث بأحاديث موضوعة، كذبه أبو حاتم، وقال أبو داود: "كان يضع الحديث" [التاريخ الكبير (٦/ ١٠٠)، الجرح والتعديل (٦/ ٧٤)، المجروحون (٢/ ١٤٨)، تاريخ دمشق (٣٧/ ٣٢٢)، الميزان (٢/ ٦٧٩)، التهذيب (٢/ ٦٣٧)].
وعليه: يرجع الحديث إلى أبي اليمان الحكم بن نافع: فهو المتفرد به، وهو ثقة ثبت.
٣ - أبو قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس، قال: قال رسول الله- ﷺ : "من غسل واغتسل يوم الجمعة، وبكر وابتكر، ودنا من الإمام وأنصت، كان له بكل خطوة يخطوها صيام سنة وقيامها، وذلك على الله يسير".
أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٣/ ٢٦٠/ ٥٥٧٠)، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة به.
ومن طريق عبد الرزاق: أخرجه الطبراني في الكبير (١/ ٢١٤/ ٥٨١)، وعنه: أبو نعيم في معرفة الصحابة (١/ ٣٠٨/ ٩٨٨).
وهذا إسناد رجاله ثقات.
٤ - سليمان بن موسى، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس، قال: قال رسول الله ﷺ : "من أدرك الجمعة، فغسل واغتسل، ثم غدا وابتكر، ثم دنا من الإمام، فأنصت واستمع، كان له في كل خطوة كعمل سنة: قيامها وصيامها".
стр. 1376
أخرجه الطبراني في الأوسط (٢/ ٢٠٩ - ٢١٠/ ١٧٥٣)، وفي مسند الشاميين (٢/ ٢٤١/ ١٢٦٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٩/ ٤٠١).
من طريق محمَّد بن شعيب بن شابور، عن النعمان بن المنذر، عن سليمان بن موسى به.
وهذا إسناد شامي صحيح.
فإن قيل: قد اختلف فيه على محمَّد بن شعيب بن شابور فرواه مرة هكذا، ورواه عن يحيى بن الحارث، عن أبي الأشعث، عن أوس بن أوس؛ كما تقدم؟.
فأقول: الذي يظهر لي أن كلا الطريقين محفوظ عن ابن شابور، فقد رواه عنه بالطريقين: العباس بن الوليد بن مزيد: وهو بيروتي ثقة [انظر: تاريخ دمشق (٩/ ٤٠١) و (٦٤/ ١٠٧)].
٥ - عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وقد اختلف عليه:
أ - فرواه الوليد بن مسلم [دمشقي ثقة]، وعمارة بن بشر [دمشقي؛ شيخ، أخرج له النسائي متابعة (٥١٥٦)، وروى عنه جماعة، لم يوثق ولم يتكلم فيه. تاريخ دمشق (٤٣/ ٢٩٩)، التهذيب (٣/ ٢٠٧)، الميزان (٣/ ١٧٣)]، وحسين بن علي الجعفي [كوفي، ثقة]:
ثلاثتهم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: أنه سمع أبا الأشعث حدثه: أنه سمع أوس بن أوس صاحب رسول الله ﷺ يقول: قال رسول الله- ﷺ : "من اغتسل يوم الجمعة وغسل، وغدا وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام وأنصت، ولم يلغ، كان له بكل خطوة عمل سنة".
وفي رواية بإسناد صحيح [عند النسائي في الكبرى (١٧٠٧)، والطبراني في الكبير (٥٨٤)]: حدثنا الوليد، قال: حدثنا ابن جابر، قال: حدثنا أبو الأشعث، قال: سمعت أوس بن أوس، يقول: سمعت رسول الله ﷺ . . . فذكر الحديث، وفي آخره: قال ابن جابر: فذاكرني يحيى بن الحارث هذا [عند الطبراني: فحدثت بهذا الحديث يحيى بن الحارث الذماري]، فقال: أنا سمعت أبا الأشعث يحدث بهذا الحديث، وقال: "بكل قدم عمل سنة: صيامها وقيامها"، قال ابن جابر: حفظ يحيى ونسيت.
وزاد عند الطبراني: قال الوليد: فذكرت ذلك لأبي عمرو الأوزاعي، فقال: "ثبت الحديث أن له بكل قدم عمل سنة".
أخرجه النسائي في المجتبى (٩٧/ ٣/ ١٣٨٤)، وفي الكبرى (٢/ ٢٧١ و ٢٧٢ - ٢٧٣ و ٢٨٥/ ١٧٠٣ و ١٧٠٧ و ١٧٤١)، وابن خزيمة (٣/ ١٢٨ - ١٢٩/ ١٧٥٨)، والحاكم (١/ ٢٨١)، وأحمد (٤/ ٩ و ١٠٤)، والطبراني في الكبير (١/ ٢١٥/ ٥٨٤)، وفي مسند الشاميين (١/ ٣١٦/ ٥٥٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٢٢٧ و ٢٤٨ - ٢٤٩)، وفي فضائل الأوقات (٢٦٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٩/ ٤٠١) و (٤٣/ ٢٩٩).
• تنبيه: اللفظ المذكور إنما هو للوليد بن مسلم، وأما عمارة بن بشر وحسين
стр. 1377
الجعفي ففي حديثهما: "كان له بكل خطوة كأجر سنة: صيامها وقيامها"، لفظ الجعفي، وهذا يعني: أن ابن جابر صار يحدث بهذه الزيادة التي كان قد نسيها وذكره بها يحيى بن الحارث الذماري، والله أعلم.
ب- وخالفهم: يزيد بن يوسف الرحبي الصنعاني الدمشقي [وهو: ضعيف]، فرواه عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أبي أسماء الرحبي، عن أوس بن أوس ﵁ قال: قال رسول الله- ﷺ : … فذكره.
أخرجه الطبراني في الكبير (١/ ٢١٥ - ٢١٦/ ٥٨٦)، وفي مسند الشاميين (١/ ٣١٧/ ٥٥٧).
فزاد في الإسناد أبا أسماء الرحبي بين أبي الأشعث وبين أوس، وهي زيادة منكرة.
ج- وروى الإمام أحمد في مسنده (٤/ ١٠)، ومن طريقه: ابن عساكر في تاريخه (٣٦/ ١٢٠).
قال أحمد: حدثنا علي بن إسحاق، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: حدثني عبد الرحمن الدمشقي، قال: حدثني أبو الأشعث، قال: حدثني أوس بن أوس الثقفي، قال: سمعت رسول الله ﷺ ، وذكر الجمعة فقال: "من غسل أو اغتسل، ثم غدا وابتكر، وخرج يمشي ولم يركب، ثم دنا من الإمام، فأنصت له ولم يلغ، كان له كأجر سنة: صيامها وقيامها".
قال: وزعم يحيى بن الحارث أنه حفظ عن أبي الأشعث أنه قال: "له بكل خطوة كأجر سنة: صيامها وقيامها"، قال يحيى: ولم أسمعه يقول: "مشى ولم يركب".
والذي يظهر لي -والله أعلم- أن قوله في الإسناد: "حدثني عبد الرحمن الدمشقي": ليس زيادة في الإسناد، وإنما تكرار وقع في الإسناد، وعبد الرحمن الدمشقي هو نفسه عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، ذلك لأن ابن جابر يروي هذا الحديث عن أبي الأشعث بلا واسطة بينهما، ويقول فيه: "حدثنا أبو الأشعث"، وفي رواية: "أنه سمع أبا الأشعث حدثه: أنه سمع أوس بن أوس"، هكذا رواه عنه أهل دمشق [أهل بلده]، مثل: الوليد بن مسلم الدمشقي، وأهل بلد الرجل أعلم بحديثه من الغرباء، وابن المبارك: مروزي، وراويه عنه أيضًا: مروزي، ثم إن الحديث الذي اشتهر في بلده وخارجها أولى من غيره مما تفرد به الغرباء، وقد روى الحديث عن ابن جابر بلا واسطة: دمشقيان وكوفي، وروايتهم عندي أولى بالصواب، والله أعلم.
ومما يؤكد هذا المعنى: أن القائل: "وزعم يحيى بن الحارث" إنما وابن جابر، كما تقدم.
• وحاصل ما تقدم:
أن هذا الحديث قد رواه عن أبي الأشعث شراحيل بن آده الصنعاني، عن أوس بن أوس الثقفي، عن النبي ﷺ : جماعة من ثقات أهل الشام وعلمائهم وتابعيهم؛ منهم:
стр. 1378
١ - أبو قلابة عبد الله بن زيد بن عمرو الجرمي البصري، انتقل إلى الشام هربًا من القضاء، ومات بها، وهو تابعي ثقة فقيه فاضل أحد الأعلام.
٢ - وحسان بن عطية المحاربي مولاهم أبو بكر الدمشقي، وهو تابعي ثقة فقيه عابد.
٣ - ويحيى بن الحارث الذماري: شامي تابعي ثقة، قرأ القرآن على واثلة بن الأسقع، وروى عنه.
٤ - والعلاء بن الحارث الحضرمي الدمشقي: تابعي ثقة فقيه.
٥ - وسليمان بن موسى الدمشقي الأشدق: صدوق، فقيه أهل الشام في زمانه.
٦ - وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزدي، أبو عتبة الشامي الداراني: ثقة فقيه.
٧ - وراشد بن داود البرسمي الصنعاني الدمشقي: صدوق له أوهام.
• وخالف هؤلاء الثقات:
عثمان الشامي: أنه سمع أبا الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس الثقفي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ قال: "من غسل واغتسل، وغدا وابتكر، ودنا فاقترب، واستمع وأنصت، كان له بكل خطوة يخطوها أجر قيام سنة وصيامها".
أخرجه الحاكم (١/ ٢٨٢)، وأحمد (٢/ ٢٠٩)، والحارث بن أبي أسامة (١/ ٣٠٥ - ٣٠٦/ ٢٠١ - زوائده)، والطبراني في مسند الشاميين (١/ ٢٦١/ ٤٥٢)، والبيهقي (٣/ ٢٢٧)، وابن عساكر في تاريخه (٩/ ٤٠١).
رواه عن عثمان هذا: ثور بن يزيد، واختلف عليه:
أ - فرواه روح بن عبادة [بصري، ثقة فاضل]، والمعافي بن عمران [الأزدي، موصلي، ثقة عابد فقيه]:
كلاهما عن ثور بن يزيد [حمصي، ثقة ثبت]، عن عثمان الشامي، عن أبي الأشعث، عن أوس، عن ابن عمرو، عن النبي ﷺ . بزيادة ابن عمرو في الإسناد.
ب- ورواه أبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد [بصري، ثقة، ثبت]، عن ثور به؛ فلم يذكر ابن عمرو في الإسناد.
أخرجه الدولابي في الكنى (٢/ ٥٠٨/ ٩٢٠)، وابن عساكر (٩/ ٤٠٢).
والآفة فيه عندي من عثمان الشامي هذا، كناه في رواية أبي عاصم بـ "أبي خالد"، وقال الطبراني: "هو عندي: عثمان بن أبي سوادة"، قلت: لأن ثور بن يزيد معروف بالرواية عن عثمان بن أبي سوادة، وهو ثقة، إلا أني لم أر من بناء بأبي خالد، والذي يبدو لي -والله أعلم- أن الشامي هذا ليس بابن أبي سوادة؛ إذ لو كان هو لصرح به ثور بن يزيد، وقد نسب عثمان هذا عند الحاكم في المستدرك: شيبانيًا، وقد قال الحاكم بعد أن سرد الحديث من رواية ابن جابر ويحيى بن الحارث الذماري وحسان بن عطية، عن أبي الأشعث، قال: "قد صح هذا الحديث بهذه الأسانيد على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأظنه لحديث واهٍ لا يعلل مثل هذه الأسانيد بمثله، وهو حديث: حدثناه أبو بكر …
стр. 1379
[فأسند حديث الشيباني هذا ثم قال:] هذا لا يعلل الأحاديث الثابتة الصحيحة من أوجه:
أولها: أن حسان بن عطية قد ذكر سماع أوس بن أوس من النبي ﷺ .
وثانيها: أن ثور بن يزيد دون أولئك في الاحتجاج به.
وثالثها: أن عثمان الشيباني: مجهول".
قلت: قد صح سماع أوس بن أوس الثقفي لهذا الحديث من رسول الله ﷺ من طريق حسان بن عطية وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر؛ فتكون زيادة عبد الله بن عمرو وهمًا من عثمان الشامي هذا [قاله في اللسان (٥/ ٤١٩)].
ولا يمكن أن تعل رواية الثقات المذكورين برواية هذا المجهول.
وقال البيهقي: "هكذا رواه جماعة عن ثور بن يزيد [يعني: بالزيادة]، والوهم في إسناده ومتنه من عثمان الشامي هذا، والصحيح: رواية الجماعة عن أبي الأشعث، عن أوس، عن النبي ﷺ ، والله أعلم".
• وخلاصة ما تقدم:
أن هذا الحديث: حديث صحيح، وقد صححه جماعة من الأئمة.
قال الترمذي: "حديث أوس بن أوس: حديث حسن".
وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، واحتج به أبو داود والنسائي، وحسنه البغوي في شرح السنة (٢/ ٥٧٠)، والنووي في المجموع (٤/ ٥٤٢).
وكلام البيهقي يقتضي تصحيحه.
وقال العقيلي في الضعفاء الكبير (٢/ ٢١١): "رواه أوس بن أوس الثقفي وغيره بإسناد صالح".
وقال الذهبي في تذكرة الحفاظ (٣/ ٩٨٤) بعد أن أورد الحديث بإسناد واهٍ [تقدم ذكره] قال: "وللمتن إسناد آخر صالح"؛ يعني: حديث أوس هذا.
وقال أيضًا في السير (١٦/ ٣٢٤): "وله إسناد آخر حسن".
وقال أبو زرعة العراقي: "لا أعلم حديثًا كثير الثواب، مع قلة العمل، أصح من حديث: "من بكر وابتكر، وغسل واغتسل … " [فتح المغيث (٣/ ١٨٩)].
وقال ابن حجر في الإصابة في ترجمة أوس (١/ ١٤٣): "روى له أصحاب السنن الأربعة أحاديث صحيحة من رواية الشاميين عنه".
وقد تقدم نقل كلام الأوزاعي في تصحيح هذا الحديث، حيث قال: "ثبت الحديث أن له بكل قدم عمل سنة" [المعجم الكبير (١/ ٢١٥/ ٥٨٤)].
• وانظر في الباب مما لا يصح: الضعفاء الكبير (٢/ ٢١٠)، الكامل (٥/ ١٠٨)، المعجم الأوسط (٢/ ١٢٢/ ١٤٥٢) و (٤/ ٣٥٣ - ٣٥٤/ ٤٤١٤)، مسند الشاميين (٣/ ٣٦٤/ ٢٤٧٤)، علل الدارقطني (١/ ٢٤٦)، وغيرها.
وسيأتي الكلام على معنى: "غسل واغتسل" عند الأثر الآتي برقم (٣٤٩) و (٣٥٠).
***
стр. 1380
٣٤٧ - . . . ابن وهب: أخبرني أسامة -يعني: ابن زيد-، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ أنه قال: "من اغتسل يوم الجمعة، ومس من طيب امرأته، إن كان لها، ولبس من صالح ثيابه، ثم لم يتخط رقاب الناس، ولم يلغ عند الموعظة، كانت كفارة لما بينهما، ومن لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهرًا".
• شاذ بهذه الزيادة: "ومن لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهرًا"
أخرجه ابن خزيمة (٣/ ١٥٦/ ١٨١٠)، والطحاوي (١/ ٣٦٨)، وأبو الفضل الزهريّ في حديثه (٥٣٠)، والبيهقي (٣/ ٢٣١).
أسامة بن زيد هذا: هو الليثي مولاهم أبو زيد المدني: صدوق يهم ويخطئ، روى عنه ابن وهب بنسخة صالحة، أكثر منها مسلم على سبيل الاستشهاد والمتابعة [انظر: التهذيب (١/ ١٠٨)، إكمال مغلطاي (٢/ ٥٧)، الميزان (١/ ١٧٤)].
• وقد خولف في متن هذا الحديث:
فقد روى يزيد بن زريع، عن حبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: "يحضر الجمعة ثلاثة نفر:
رجل حضرها يلغو، وهو حظه منها.
ورجل حضرها يدعو، فهو رجل دعا الله ﷺ إن شاء أعطاه، وإن شاء منعه.
ورجل حضرها بإنصات وسكوت، ولم يتخط رقبة مسلم ولم يؤذ أحدًا، فهي كفارة إلى الجمعة التي تليها، وزيادة ثلاثة أيام، وذلك بأن الله يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] ".
أخرجه أبو داود (١١١٣)، وابن خزيمة (٣/ ١٥٧/ ١٨١٣)، وأحمد (٢/ ٢١٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٤٣٢/ ٨١٦٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٢١٩)، وفي الشعب (٣/ ١٠٢/ ٣٠٠٢)، وابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ٣٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٦/ ٧٧).
قال العراقي: "وإسناده جيد" [نيل الأوطار (٣/ ٣٣٥)].
قلت: وهو كما قال، فإن حبيبًا المعلم: صدوق، وصحح إسناده: ابن الملقن في البدر في المنير (٤/ ٦٨٣).
• ورواه سعيد بن أبي عروبة، واختلف عليه:
أ- فرواه غندر محمَّد بن جعفر [ثقة، صحيح الكتاب، روى عن ابن أبي عروبة بعد الاختلاط]، قال: حدثنا سعيد أهو: ابن أبي عروبة]، عن يوسف [ولم أعرفه بعد بحث]، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله ﷺ قال: … فذكره.
أخرجه أحمد (٢/ ١٨١).
стр. 1381
ب- ورواه يحيى بن غيلان [بن عوام الراسبي التستري: روى عنه جماعة، وذكره ابن حبان في الثقات (٩/ ٢٦٧)، وقال: "مستقيم الحديث"، قلت: إلا عن عبد الله بن بزيع، فقد روى عنه مناكير؛ قاله الساجي. اللسان (٤/ ٤٤٢)، التهذيب (٤/ ٣٨١)]، قال: ثنا عبد الله بن بزيع [قال ابن عدي: "أحاديثه عن من يروي عنه ليست بمحفوظة أو عامتها"، ثم ذكر له أحاديث وهذا منها، ثم قال: "لا يتابع عليها … ، وليس هو عندي ممن يحتج به" وقال الدارقطني: "لين، ليس بمتروك"، وقال الساجي: "ليس بحجة، روى عنه يحيى بن غيلان مناكير"، اللسان (٤/ ٤٤١)]، عن سعيد، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ . . . فذكره.
أخرجه ابن عدي في الكامل (٤/ ٢٥٤).
قلت: فهذا منكر، أنكره ابن عدي، تفرد به عبد الله بن بزيع، عن ابن أبي عروبة، عن أيوب السختياني به.
والذي قبله أولى منه، إلا أنه ضعيف؛ لأنه من رواية ابن أبي عروبة بعد اختلاطه، ويوسف فلم أعرفه.
ورواية حبيب المعلم أولى عندي من رواية أسامة بن زيد من وجهين:
الأول: أن حبيبًا لم يلينه سوى النسائي، إذ قال فيه: "ليس بالقوي"، واتفق الأئمة على توثيقه؛ فقد وثقه أحمد وابن معين وأبو زرعة، وقال أحمد: "ما أصح حديثه"، وقال ابن عدي: "ولحبيب أحاديث صالحة، وأرجو أنه مستقيم في رواياته"، وقال الفلاس: "كان يحيى لا يحدث عنه، وكان عبد الرحمن يحدث عنه"، فمثله يقال فيه: ثقة ربما وهم، وأقل أحواله أن يقال: صدوق [انظر: التهذيب (١/ ٣٥٥)، الميزان (١/ ٤٥٦)، الكامل (٢/ ٤١٠)، العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٢٩٨/ ٢٣٢٣)، الجرح والتعديل (٣/ ١٠١)، من تكلم فيه وهو موثق (٧٧)].
فهو أرفع حالًا من أسامة بن زيد الليثي، وهو مختلف فيه، والأكثر على تليينه؛ وقد انفرد في روايته بقوله: "ومن لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهرًا".
الثاني: أن حبيبًا قد توبع على روايته من حيث الجملة فإن رواية ابن أبي عروبة وإن كان ضعيفة إلا أنها صالحة في المتابعات، واللهْ أعلم.
***
٣٤٨ - . . . زكريا: حدثنا مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب العنزي، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة أنها حدثته: أن النبي ﷺ كان يغتسل من أربع: من الجنابة، وبوم الجمعة، ومن الحجامة، ومن غسل الميت.
• حديث ضعيف.
أخرجه المصنف هنا، وأعاده بنفس إسناده في الجنائز برقم (٣١٦٠)، وكذلك في مسائله لأحمد (١٩٦٤).
стр. 1382
وأخرجه ابن خزيمة (١/ ١٢٦/ ٢٥٦)، والحاكم (١/ ١٦٣)، وإسحاق بن راهويه (٢/ ٨١ - ٨٢/ ٥٤٩)، وابن أبي شيبة (١/ ٤٨ و ٤٣٣/ ٤٨٣ و ٤٩٩٤) و (٢/ ٤٧/ ١١١٤٧٠)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١١٦)، والعقيلي في الضعفاء الكبير (٤/ ١٩٧)، والدارقطني (١/ ١١٣)، وابن شاهين في الناسخ (٤٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٩٩ و ٣٠٠)، وفي الخلافيات (٣/ ٢٦٨ و ٢٧١/ ١٠٠٢ و ١٠٠٣)، وفي المعرفة (١/ ٣٥٩/ ٤٦١)، والخطيب في الموضح (١/ ١٣٢ - ١٣٣)، والرافعي في التدوين (٤/ ١٦٩)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ٣٧٦/ ٦٢٩).
وفي سند الحاكم خطأ. انظر: ضعيف السنن للألباني (٩/ ١٤٠).
هكذا رواه زكريا بن أبي زائدة.
ورواه عبد الله بن أبي السفر، عن مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب، قال: سمعت عبد الله بن الزبير، قال: سمعت عائشة، تقول: قال رسول الله ﷺ : "الغسل من خمسة: من الجنابة، والحجامة، وغسل يوم الجمعة، وغسل الميت، والغسل من ماء الحمام".
أخرجه أحمد (٦/ ١٥٢)، لكن عنده: "يُغتسل من أربع"، وابن المنذر في الأوسط (١/ ١٨١/ ٧٦)، والدارقطني في السنن (١/ ١٣٤)، وفي الأفراد (٥/ ٤٣١ - ٤٣٢/ ٥٩٥٥ - أطرافه)، والبيهقي (١/ ٣٠٠)، وابن الجوزي في العلل (١/ ٣٧٧/ ٦٣٠).
والحديث: صححه ابن خزيمة.
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه".
وتعقبه الحافظ ابن حجر في الإتحاف (١٧/ ١٢/ ٢١٧٨٩)، بقوله: "ليس هو على شرط البخاري".
وقال البيهقي في الخلافيات: "رواة هذا الحديث كلهم ثقات؛ فإن طلق بن حبيب، ومصعب بن شيبة: قد أخرج مسلم بن الحجاج ﵀ حديثهما في الصحيح، وروي عن أبي غريب، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن أبيه، عن مصعب … بهذا الإسناد به له حديث: "عشر من الفطرة"، وسائر رواته متفق علىهم".
قلت: ليس هو على شرط مسلم أيضًا، فإن مسلمًا وإن أخرج حديث: "عشر من الفطرة" بهذا الإسناد؛ إلا أنه لم يخرجه محتجًا به، فقد قدم عليه حديث أبي هريرة المتفق عليه؛ خمس من الفطرة"، ثم حديث أنس في توقيت قص الشارب، ثم حديث ابن عمر المتفق عليه في الأمر بإعفاء اللحية، ثم حديث أبي هريرة بمعنى حديث ابن عمر، ثم ذكر بعدها حديث عائشة: "عشر من الفطرة"، فاخره بذلك عن موضعه اللائق به؛ إما إشارة إلى علة فيه، وإما لكونه لا يحتج بمثله لكنه يصلح في الشواهد.
ومسلم قد أخرج في صحيحه لمصعب بن شيبة ثلاثة أحاديث لم ينفرد بواحد منها من حيث الجملة، بل توبع عليها، وبهذا فلا يقال بأن مسلمًا احتج بمصعب بن شيبة، وإنما
стр. 1383
أخرج له في الشواهد والمتابعات، وانتقى من حديثه ما يصلح للاستشهاد، ولم يخرج له هذا الحديث لظهور ضعفه وانفراده بأصله.
وانظر الكلام على بعض أحاديث مصعب بن شيبة فيما تقدم من السنن: الحديث رقم (٥٣)، والحديث رقم (٢٣٧): وقلت هناك: بأن مصعب بن شيبة: لا يحتج بمثله، ولا تستقل روايته بإثبات حكم، وانظر أيضًا: بحث سجود السهو ص (٤٠)، الحديث رقم (٥).
وكلام البيهقي في السنن أقعد من كلامه في الخلافيات؛ فقد قال في السنن: "أخرج مسلم في الصحيح حديث: مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن ابن الزبير، عن عائشة، عن النبي ﷺ : "عشر من الفطرة"، وترك هذا الحديث فلم يخرجه، ولا أراه تركه إلا لطعن بعض الحفاظ فيه".
• قلت: قد اتفق أئمة النقاد على تضعيفه:
قال أبو داود بعد هذا الحديث في الموضع الثاني -من كتاب الجنائز-: "وحديث مصعب: ضعيف؛ فيه خصال ليس العمل عليه".
وقال البخاري: "وحديث عائشة في هذا الباب: ليس بذاك" [ترتيب علل الترمذي الكبير (٢٤٦)].
وقال البخاري أيضًا: "إن أحمد بن حنبل وعلي بن عبد الله [يعني: ابن المديني] قالا: لا يصح في هذا الباب شيء"؛ يعني: في الغسل من غسل الميت [علل الترمذي الكبير (٢٤٥)، سنن البيهقي (١/ ٣٠٢)، المعرفة (١/ ٣٦١/ ٤٦٣)].
وقال ابن هانئ: "ذكرت لأبي عبد الله الوضوء من الحجامة، فقال: ذاك حديث منكر، رواه مصعب بن شيبة، أحاديثه مناكير، منها هذا الحديث، وعشرة من الفطرة، وخرج رسول الله ﷺ وعليه مرط مرحل" [الضعفاء الكبير (٤/ ١٣٤٤ - ط حمدي السلفي)].
وقال أبو بكر الأثرم في السنن (١١٠): "وسمعت أبا عبد الله يُسأل عن الغسل من الحجامة؟ فقال: لا يغتسل؛ ثم قال: ذاك حديث منكر؛ يعني: حديث مصعب بن شيبة. قلت له: فكأنه أتي عندك من مصعب بن شيبة؟ قال: نعم، يروي أحاديث مناكير" [وانظر: الجرح والتعديل (٨/ ٣٠٥)].
وقال أبو داود في مسائله للإمام أحمد (١٠٠٩ و ١٩٦٤): "سمعت أحمد سئل عن الغسل من غسل الميت؟ قال: ليس يثبت فيه حديث … ، وحديث مصعب: فيه خصال ليس العمل عليه".
وقال البيهقي في المعرفة (١/ ٣٥٩): "ضعفه أحمد بن حنبل"، ونقل البيهقي لكلام أبي داود في سننه الكبرى وفي المعرفة يدل على أن القائل: "وحديث مصعب: ضعيف؛ فيه خصال ليس العمل عليه"، هو الإمام أحمد نفسه، ينقله عنه أبو داود، وهذا ما يظهر من سياق مسائله -والله أعلم-، وإن كان جماعة من المتأخرين مثل المنذري في
стр. 1384
تهذيبه (٣٢٧)، والمزي في التحفة (١١/ ٤٣٩/ ١٦١٩٣)، وابن حجر في التهذيب (٤/ ٨٥)، وقبلهم الخطابي في المعالم (١/ ٩٤)، عزوا هذا القول لأبي داود، والله أعلم.
• ومما يدل على تضعيف الإِمام أحمد لحديث مصعب هذا، ما رواه إسحاق بن منصور الكوسج في مسائله للإمامين أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه رقم (٦٨)، قال: "من أي شيء يغتسل منه الإنسان؟ قال [يعني: الإِمام أحمد]: يغتسل من المني، ويوم الجمعة أحب إليّ أن يغتسل فيه، وليس في الحجامة وأشباه ذلك غسل.
قال إسحاق [يعني: ابن راهويه]: كما قال".
وقال ابن المنذر في الأوسط (١/ ١٧٨): "وكان أحمد بن حنبل يقول: "يتوضأ منها [يعني: الحجامة]، ومن الرعاف، ومن كل دم سائل، وقال: حديث مصعب بن شيبة: حديث منكر".
وقال ابن المنذر أيضًا (١/ ١٨١): "فإن احتج محتج بحديث عائشة … فهذا غير ثابت، وقد قال أحمد في هذا الحديث: هو من وجه مصعب بن شيبة، وليس بذلك، فإذا لم يثبت حديث مصعب بن شيبة، بطل الاحتجاج به، وقد بلغني عن أحمد بن حنبل وعلي بن المديني أنهما ضعفا الحديثين: حديث مصعب، وحديث أبي هريرة في الغسل من غسل الميت".
وقال ابن المنذر أيضًا (٥/ ٣٥١): "الاغتسال من غسل الميت لا يجب، وليس فيه خبر يثبت. قال أحمد: لا يثبت فيه حديث".
وقال العقيلي: "الغسل من الجنابة، ويوم الجمعة يروى بأسانيد جياد، والفطرة يروى بإسناد صالح من هذا الإسناد، ودون العدد الذي ذكرناه، والمرط المرحل لا يعرف إلا به"، كذا قال في أحاديث مصعب بن شيبة.
وقال الدارقطني في السنن (١/ ١١٣) بعد حديث ابن أبي زائدة عن مصعب: "مصعب بن شيبة: ليس بالقوي، ولا بالحافظ".
وقال بعد حديث ابن أبي السفر (١/ ١٣٤): "مصعب بن شيبة: ضعيف".
وقال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٤٩/ ١١٣): "وسألت أبا زرعة عن الغسل من الحجامة، قلت: يروى عن النبي ﷺ : "الغسل من أربع". فقال: لا يصح هذا؛ رواه مصعب بن شيبة، وليس بقوي.
قلت لأبي زرعة: لم يُرو عن عائشة من غير حديث مصعب؟ قال: لا".
وقال النسائي في سننه (٥٠٤٢) بعد حديث مصعب: "عشر من الفطرة": "ومصعب: منكر الحديث".
وقال الخطابي في معالم السنن (٤/ ٣٠٦ - مع المختصر): "وفي إسناد الحديث: مقال".
وقال ابن عبد البر في التمهيد (١٠/ ٨٣): "وهو حديث: ليس بالقوي، وكانت تذهب [يعني: عائشة ﵂] في غسل الجمعة إلى أنه ليس بواجب، وتذكر العلة".
وقال في الاستذكار (٣/ ١٣): "وأما حديث مصعب بن شيبة … فمما لا يحتج به،
стр. 1385
ولا يقوم عليه، وقد روى شعبة عن يزيد الرشك عن معاذة، قالت: سألت عائشة: أيغتسل من غسل الميت؟ قالت: لا.
فدل على بطلان حديث مصعب بن شيبة؛ لأنه لو صح عنها ما خالفته.
ومن جهة النظر والاعتبار: لا تجب طهارة على من لم يوجبها الله عليه في كتابه، ولا أوجبها رسوله من وجه يشهد به عليه، ولا اتفق العلماء على إيجابها، والوضوء المجتمع عليه لا يجب أن يقضى إلا من هذه الوجوه أو أحدها، وبالله التوفيق".
وأثر عائشة: قد أخرجه بإسناد صحيح: ابن أبي شيبة (٢/ ٤٦٩/ ١١١٤١)، ومن طريقه: ابن المنذر (٥/ ٣٤٩ - ٣٥٠/ ٢٩٦٤).
وقال ابن الجوزي في العلل: "لا يصح … ، فيه مصعب بن شيبة: قال أحمد: أحاديثه مناكير، ولا يثبت في هذا حديث".
• والحاصل أن الحديث ضعيف؛ لأجل مصعب بن شيبة؛ فإنه ليس بالقوي، وقد اضطرب في متنه، فرواه مرة من قوله ﷺ ، ومرة من فعله، وزاد في رواية: "والغسل من ماء الحمام" وانظر: ضعيف السنن للألباني (٩/ ١٤١).
• وفي الباب:
موقوف على: عبد الله بن عمرو، وعلي بن أبي طالب. انظر: المصنف لعبد الرزاق (١/ ١٨٠/ ٧٠١ و ٧٠٢) و (١/ ٢٩٧/ ١١٤٠) و (٣/ ١٩٩/ ٥٣٠٩)، والأوسط (١/ ١٨٠/ ٧٣ و ٧٤)، وسنن البيهقي (١/ ٣٥٠)، والمعرفة (٣/ ٢١٥)، وضعيف السنن للألباني (٩/ ١٤١).
***
٣٤٩ - قال أبو داود: حدثنا محمود بن خالد الدمشقي: أخبرنا مروان: حدثنا علي بن حوشب، قال: سألت مكحولًا عن هذا القول: "غسل واغتسل"؟ فقال: غسل رأسه وغسل جسده.
• مقطوع على مكحول بإسناد دمشقي صحيح.
أخرجه من طريق أبي داود: البيهقي في الشعب (٣/ ٩٧/ ٢٩٨٩).
وإسناده دمشقي صحيح، مقطوع على مكحول، ومروان: هو ابن محمد الطاطري.
***
٣٥٠ - قال أبو داود: حدثنا محمد بن الوليد الدمشقي: حدثنا أبو مسهر، عن سعيد بن عبد العزيز في "غسل واغتسل"، قال: قال سعيد: غسل رأسه وغسل جسده.
• مقطوع بإسناد دمشقي صحيح.
أخرجه من طريق أبي داود: البيهقي في الشعب (٣/ ٩٧/ ٢٩٨٩).
стр. 1386
ورواه الحسن بن سفيان في الأربعين (٢٧)، قال: ثنا عباس بن الوليد: ثنا أبو مسهر به.
وإسناده دمشقي صحيح؛ مقطوع على سعيد بن عبد العزيز، وأبو مسهر: هو عبد الأعلى بن مسهر الغساني.
وحكى البيهقي هذين القولين في السنن الكبرى (٣/ ٢٢٧)، ثم قال: "وهذا هو الصحيح؛ لأنهم كانوا يجعلون في رؤوسهم الخطمي أو غيره، فكانوا أولًا يغسلون رؤوسهم ثم يغتسلون، والله أعلم".
وقال في فضائل الأوقات ص (٤٩٢) بعد حديث أوس بن أوس (٢٧٠): "قوله: "غسل" أراد به -والله أعلم-: غسل رأسه، -يعني: من الخطمى وغيره- ثم "اغتسل"، وهذا قول مكحول، وسعيد بن عبد العزيز، وفي حديث ابن عباس، عن النبي ﷺ : "اغتسلوا يوم الجمعة، واغسلوا رؤوسكم"، وفي حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : "إذا كان يوم الجمعة، اغتسل الرجل، وغسل رأسه": دليل على صحة هذا التأويل.
ومنهم من رواه: "غسَّل" بالتشديد، والمراد به: أوجب الغسل على امرأته بمباشرته إياها، لكي يمنعه ذلك من النظر إلى المحارم، والصحيح هو الأول"، وانظر: الشعب (٣/ ٩٧ و ٩٨).
وفي سؤالات أبي بكر الأثرم المطبوع -برواية أبي الحسن علي بن أحمد بن الصباح القزويني- برقم (٦٧)، قال: "سمعت أبا عبد الله، وعنده أبو بكر الطالقاني -صاحب ابن المبارك-، فسأل أبا عبد الله عن تفسير: "من غَسَل واغتسل"؟ فقال: لو كانت "غسَّل" كانت أبين، فأما من قال: "غسَل واغتسل" فهو عندي يشبه ما فسر سفيان بن عيينة "حل وبل"، قال: "حل محلل"، كأنه كلام مكرر، مثل: "وبكر وابتكر "كلام مكرر".
وقال الترمذي بعد حديث أوس (٤٩٦): "ويروى عن عبد الله بن المبارك أنه قال في هذا الحديث: "من غسل واغتسل"؛ يعني: غسل رأسه، واغتسل".
وقال ابن خزيمة في الصحيح (٣/ ١٢٩): "من قال في الخبر: "من غسَّل واغتسل"، فمعناه: جامع فأوجب الغسل على زوجته أو أمته، واغتسل.
ومن قال: "من غسَل واغتسل" أراد: غسل رأسه، واغتسل فغسل سائر الجسد، كخبر طاووس عن ابن عباس"، ثم ساق حديث ابن عباس مرفوعًا: "اغتسلوا يوم الجمعة واغسلوا رؤوسكم" (١٧٥٩).
وقال الخطابي في غريب الحديث (١/ ٣٣٠): "وقوله: "غسل" فقد قيل: أراد غسل أعضاء الطهارة، وقيل: أراد غسل الرأس لما في رؤوس العرب من الشعر، وقيل: معناه: جامع أهله، من قولهم: فحل غُسلة؛ إذا كان كثير الضراب، وقوله: "اغتسل"؛ أراد غسل سائر البدن، وقال الأثرم: هما لفظان بمعنى واحد، كررا للتأكيد؛ ألا تراه يقول في هذا الحديث: "ومشى ولم يركب"، وفي خبر آخر: "واستمع وأنصت"، وهذا كله واحد".
стр. 1387
وقال ابن حبان في الصحيح (٧/ ١٩): "قوله: "من غسل" يريد غسل رأسه، "واغتسل" يريد اغتسل بنفسه؛ لأن القوم كانت لهم جمم، احتاجوا إلى تعاهدها، وقوله: "بكر وابتكر"، يريد به: بكر إلى الغسل، وابتكر إلى الجمعة".
وانظر: شرح السُّنَّة للبغوي (٢/ ٥٧٠).
• وقول الجمهور أرجح عندي: لحديث طاوس قال: قلت لابن عباس: ذكروا أن النبي ﷺ قال: "اغتسلوا يوم الجمعة، واغسلوا رؤوسكم، وإن لم تكونوا جنبًا، وأصيبوا من الطيب"، قال ابن عباس: أما الغسل فنعم، وأما الطيب فلا أدري.
أخرجه البخاري (٨٨٤ و ٨٨٥)، ومسلم (٨٤٨)، وأبو نعيم في المستخرج (٢/ ٤٣٨/ ١٩٠٧)، والنسائي في الكبرى (٢/ ٢٦٦/ ١٦٩٣)، وابن خزيمة (٣/ ١٢٩/ ١٧٥٩)، وابن حبان (٧/ ٢١/ ٢٧٨٢)، وأحمد (١/ ٢٦٥ و ٣٣٠ و ٣٦٧)، وعبد الرزاق (٣/ ١٩٨/ ٥٣٠٣)، وأبو زرعة الدمشقي في تاريخه (١/ ٦١٧/ ١٧٦٢)، والبزار (١١/ ١١٦ و ١١٧/ ٤٨٣٧ و ٤٨٣٨)، وأبو يعلى (٤/ ٤٣١ - ٤٣٢/ ٢٥٥٨)، والطحاوي (١/ ١١٥)، والطبراني في الكبير (١١/ ٤٢/ ١٠٩٨١)، وفي مسند الشاميين (٤/ ٢٢٨/ ٣١٤٨)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٩٧) و (٣/ ٢٤٢)، وفي الشعب (٣/ ٩٧ - ٩٨/ ٢٩٩٠).
وقول أحمد والأثرم محتمل، ودليله قوي.
• وأما القول بأنه أوجب الغسل على امرأته، ففيه حديث لا يصح:
يرويه أبو عتبة: ثنا بقية: ثنا يزيد بن سنان، عن بكير بن فيروز، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "أيعجز أحدكم أن يجامع أهله في كل جمعة، فإن له أجرين: أجر غسله، وأجر غسل امرأته".
أخرجه عن أبي عتبة: أبو العباس الأصم في الثالث من حديثه (٢١٢ - برواية أبي بكر الطوسي)، ومن طريقه: البيهقي في الشعب (٣/ ٩٨/ ٢٩٩١).
وقال: "في روايات بقية نظر، فإن صح … ".
قلت: بكير بن فيروز: روى عنه جماعة بعضهم من التابعين، وذكره ابن حبان في الثقات، وسمع أبا هريرة [التهذيب (١/ ٢٤٩)، التاريخ الكبير (٢/ ١١١)].
ويزيد بن سنان أبو فروة الرهاوي: ضعيف، مشاه بعضهم، وقال ابن عدي: "وعامة حديثه غير محفوظ" [التهذيب (٤/ ٤١٦)، الميزان (٤/ ٤٢٧)].
وأبو عتبة أحمد بن الفرج الحمصي: مشاه بعضهم وهو ضعيف، ضعفه أهل بلده محمد بن عوف الطائي وابن جوصاء، بل كذبه محمد بن عوف، وقال: "ليس عنده في حديث بقية أصل، هو فيها أكذب الخلق … " [اللسان (١/ ٥٧٦)].
ثم وجدته قد توبع عليه:
تابعه: محمد بن مصفى الحمصي [صدوق، له أوهام، يدلس ويسوي]، قال: ثنا بقية به مثله.
стр. 1388
أخرجه أبو نعيم في الطب النبوي (٤٥٤).
فهو حديث منكر؛ لتفرد أبي فروة الرهاوي به، وعنه: بقية.
***
٣٥١ - . . . مالك، عن سمي، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر".
• حديث متفق على صحته.
أخرجه مالك في الموطأ (١/ ١٥٦/ ٢٦٦).
ومن طريقه: البخاري (٨٨١)، ومسلم (٨٥٠/ ١٠)، والترمذي (٤٩٩)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه (٤٦٩)، والنسائي (٣/ ١٣٨٨/٩٩)، وابن حبان (٧/ ١٣/ ٢٧٧٥)، وأحمد (٢/ ٤٦٠)، والشافعي في الأم (٢/ ٣٩٢/ ٤٠٣)، وفي السنن (١/ ٢٦٥/ ١٥٦)، وفي المسند (٦٢)، والطحاوي في المشكل (٣/ ٤٦٨/ ٢٠١١ - تحفة الأخيار)، وأبو بكر النيسابوري في الزيادات على كتاب المزني (١١٩)، والجوهري في مسند الموطأ (٤٠٢)، والخطابي في غريب الحديث (١/ ٣٢٧)، وابن حزم في المحلى (٥/ ٤٤)، والبيهقي في السنن (٣/ ٢٢٦)، وفي الشعب (٣/ ٩٩/ ٢٩٩٣)، وفي بيان من أخطأ على الشافعي (١٨٥ - ١٨٦)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٢/ ٥٦٨/ ١٠٥٨).
وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح".
• وتابع مالكًا عليه:
١ - ابن جريج، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: "إذا كان يوم الجمعة فاغتسل أحدكم كما يغتسل من الجنابة، ثم غدا إلى أول ساعة فله من الأجر مثل الجزور، وأول الساعة وآخرها سواء، ثم الساعة الثانية مثل الثور، وأولها وآخرها سواء، ثم الثالثة مثل الكبش الأقرن، أولها وآخرها سواء، ثم الساعة الرابعة مثل الدجاجة، وأولها وآخرها سواء، ثم مثل البيضة، فإذا جلس الإمام طويت الصحف، وجاءت الملائكة تسمع".
رواه عبد الرزاق في مصنفه (٣/ ٢٥٨/ ٥٥٦٥)، عن ابن جريج به.
٢ - ابن عجلان، واختلف عليه:
أ- فرواه الليث، عن ابن عجلان، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "تقعد الملائكة يوم الجمعة على أبواب المسجد يكتبون الناس على
стр. 1389
منازلهم، فالناس فيه: كرجل قدم بدنة، وكرجل قدم بقرة، وكرجل قدم شاة، وكرجل قدم دجاجة، وكرجل قدم عصفورًا، وكرجل قدم بيضة".
أخرجه النسائي في المجتبى (٣/ ٩٨/ ١٣٨٧)، وفى الكبرى (٢/ ١٧٠٦/٢٧٢) و (١٠/ ٤٢٠/ ١١٩١٠) [التحفة (١٢٥٨٣)].
ب - ورواه صفوان بن عيسى [بصري، ثقة]: حدثنا محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "مثل المهجر إلى الجمعة كمثل من يهدي بدنة … "، فذكر الحديث بنحوه، وزاد العصفور، وفي آخره: "فإذا خرج الإمام فجلس طويت الصحف".
أخرجه البزار (١٥/ ٨٩/ ٨٣٤٧)، وابن حزم في المحلى (٥/ ٤٤).
وانظر: علل الدارقطني (٨/ ٢٢٧/ ١٥٣٥).
ورواية الليث بن سعد هي الصواب، وهم فيه صفوان بن عيسى، وليس بالحافظ، والليث: ثقة ثبت حافظ، إمام فقيه.
• وعليه؛ فرواية ابن عجلان متابعة لرواية مالك بن أنس؛ إلا أن زيادة "العصفور" منكرة، تفرد بها ابن عجلان، عن سمي، والمحفوظ: رواية مالك، وابن جريج بدونها.
وفي رواية ابن جريج قوله: "أول الساعة وآخرها سواء"، يرد قول مالك في تفسير الساعة والرواح، إذ يقول: "لا يكون الرواح إلا بعد الزوال"، وقال: "وهذه الساعات كلها في ساعة واحدة من يوم الجمعة"، والصواب قول الجماعة: أحمد، والشافعي، وغيرهما: من أن الرواح إلى الجمعة يبدأ من طلوع الشمس، وسمي رواحًا؛ لأن الجمعة لا تصلي إلا بعد الزوال، أو لأن العرب توسعوا في إطلاق الرواح وإن كان في غير محله. [انظر: الأوسط لابن المنذر (٤/ ٥١)، غريب الحديث للخطابي (١/ ٣٢٧)، شرح السُّنَّة (٢/ ٥٦٩)، زاد المعاد (١/ ٤٠٣)، فتح الباري (٢/ ٣٦٩)، المجموع (٤/ ٥٤١)، وغيرها].
• وللحديث طرق أخرى:
١ - رواه ابن شهاب الزهري، واختلف عليه:
أ- فرواه ابن أبي ذئب، ويونس بن يزيد، وشعيب بن أبي حمزة، وإبراهيم بن سعد، ويزيد بن الهاد، ومعمر بن راشد، وسعيد بن أبي هلال، ومحمد بن أبي حفصة، وإبراهيم بن أبي عبلة، وإبراهيم بن مرة، والنعمان بن راشد:
وهم أحد عشر رجلًا [وهم ثقات، عدا الأخير ففي حفظه شيء] رووه، عن الزهري، عن أبي سلمة، وأبي عبد الله الأغر، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأول، فإذا جلس الإمام طووا الصحف، وجاؤوا يستمعون الذكر، ومثل المهجر: كمثل الذي يهدي البدنة، ثم كالذي يهدي بقرة، ثم كالذي يهدي الكبش، ثم كالذي يهدي الدجاجة، ثم كالذي يهدي البيضة"، لفظ يونس بن يزيد عند مسلم.
стр. 1390
رواه بعضهم: "عن أبي سلمة" وحده، مثل: ابن الهاد.
ورواه بعضهم: "عن أبي عبد الله الأغر" وحده، مثل: يونس، ومعمر، وابن أبي ذئب، وسعيد بن أبي هلال، والنعمان بن راشد.
ورواه بعضهم فجمع بينهما: "عن أبي سلمة وأبي عبد الله الأغر"، مثل: شعيب، وإبراهيم بن سعد، وإبراهيم بن أبي عبلة، ومحمد بن أبي حفصة.
أخرجه البخاري (٩٢٩ و ٣٢١١)، ومسلم (٨٥٠/ ٢٤)، وأبو نعيم في المستخرج (٢/ ٤٤٧/ ١٩٣٠)، والنسائي في المجتبى (٢/ ١١٦/ ٨٦٤) و (٣/ ٩٧ - ٩٨/ ١٣٨٥)، وفي الكبرى (١/ ٤٥٢ - ٤٥٣/ ٩٣٨) و (٢/ ٢٧٠ و ٢٧١/ ١٧٠٢ و ١٧٠٤) و (١٠/ ٤٢٠ و ٤٢١/ ١١٩١٤ - ١١٩١٧) [تحفة (١٣٤٦٥)]، والدارمي (١/ ٤٣٦/ ١٥٤٤)، وأحمد (٢/ ٢٥٩ و ٢٦٤ و ٢٨٠ و ٥٠٥ و ٥١٢)، والطيالسي (٤/ ١٣٨/ ٢٥٠٦)، وعبد الرزاق (٣/ ٢٥٧/ ٥٥٦٢)، والشافعي في السنن (١/ ٢٦٤/ ١٥٥)، وأبو بكر المروزي في الجمعة وفضلها (٤٤)، والبزار (١٥/ ٦٧/ ٨٢٩٣ و ٨٢٩٤)، وأبو يعلى (١١/ ١٩/ ٦١٥٨)، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ٥١/ ١٧٨٥)، والطحاوي في شرح المعاني (٤/ ١٨٠)، وفي المشكل (٣/ ٤٦٦ - ٤٦٨/ ٢٠٠٧ و ٢٠٠٨ و ٢٠١٠ - تحفة)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٧١/ ٣٦٣٧) و (٨/ ٣٢٣ و ٣٢٩/ ٨٧٦٢ و ٨٧٧٢)، وفي مسند الشاميين (١/ ٦٥/ ٧٤) و (٤/ ١٧٩/ ٣٠٥٤)، والدارقطني في العلل (٨/ ٦٥ - ٦٧)، والبيهقي في السنن (٣/ ٢٢٦) و (٥/ ٢٢٩)، وفي المعرفة (٢/ ٥١١/ ١٧٧٣).
تنبيه: شذ معمر فزاد: "ثم كالمهدي بطة" بين الشاة والدجاجة؛ وهو وهم ظاهر [عند: النسائي (١٣٨٥)، والدارمي].
ب - ورواه سفيان بن عيينة، قال: سمعت الزهري -وحفظته منه-، عن سعيد بن المسيب: أنه أخبره عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان يوم الجمعه، كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الناس على منازلهم الأول فالأول، فإذا خرج الإمام طويت الصحف، واستمعوا الخطبة، فالمهجر إلى الجمعة: كالمهدي بدنة، ثم الدي يليه كالمهدي بقرة، ثم الذي يليه كالمهدي كبشًا"، حتى ذكر الدجاجة والبيضة.
أخرجه مسلم (٨٥٠/ ٢٤)، ولم يسق لفظه، وأبو نعيم في المستخرج (٢/ ٤٤٧/ ١٩٢٩)، والنسائي في المجتبى (٣/ ٩٨/ ١٣٨٦)، وفي الكبرى (٢/ ٢٧١/ ١٧٠٥) و (١٠/ ٤٢٠/ ١١٩١٢ و ١١٩١٣) [تحفة (١٣١٣٨)]، وابن ماجه (١٠٩٢)، وابن خزيمة (٣/ ١٣٣/ ١٧٦٩)، وابن الجارود (٢٨٦)، وأحمد (٢/ ٢٣٩)، والشافعي في السنن (١/ ٢٦٤/ ١٥٤)، وفي الأم (٢/ ٣٩١/ ٤٠٢)، والمسند (٦٢)، والحميدي (٢/ ١٧٥/ ٩٦٣)، وأبو بكر المروزي في الجمعة وفضلها (٤٦)، والطحاوي في شرح المعاني (٤/ ١٨٠)، وفي المشكل (٣/ ٤٦٧/ ٢٠٠٩ - ترتيبه)، وأبو بكر النيسابوري في الزيادات على كتاب المزني (١٢٠ - ١٢٢)، والدارقطني في العلل (٨/ ٦٥)، والخطابي في غريب الحديث (١/ ٣٢٦)، والبيهقي
стр. 1391
في السنن (٣/ ٢٢٦) و (١٠/ ٨٤)، وفي المعرفة (٢/ ٥١٠ و ٥١١/ ١٧٧٢ و ١٧٧٤)، وفي فضائل الأوقات (٢٧٣)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٢/ ٢٤)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٢/ ٥٦٧/ ١٠٥٦)، والمهرواني في فوائده (٦٤).
قال أبو بكر الحميدي: "فقيل لسفيان: إنهم يقولون في هذا الحديث: عن الأغر عن أبي هريرة؟ قال سفيان: ما سمعت الزهري ذكر الأغر قط، ما سمعته يقول إلا عن سعيد أنه أخبره عن أبي هريرة".
وقال علي بن المديني في العلل ص (٩٥): "حديث أبي هريرة: "مثل المهجر إلى الجمعة" رواه معمر وأصحاب الزهري، عن الأغر، عن أبي هريرة، إلا أن ابن عيينة رواه عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، وجميعًا صحيح"، ونقله البيهقي في المعرفة (٢/ ٥١٢).
وقال الشافعي في السنن (١/ ٢٦٥): "حديث سفيان محفوظ كله، إلا إدخاله سعيد بن المسيب بين ابن شهاب وأبي هريرة، فإنه قد خولف فيه، وابن أبي ذئب جعل مكان سعيد أبا عبد الله الأغر، وروى ذلك إبراهيم بن سعد، وكان اثنان أولى بالحفظ من واحد، إلا أن يكون ابن شهاب سمعه منهما معًا".
قلت: هو محفوظ، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب؛ لأمرين:
الأول: أن سفيان بن عيينة لما روجع فيه جزم بأنه سمعه هكذا من شيخه الزهري، ولم يشك؛ وهو حافظ يعتمد على حفظه، ومن أثبت أصحاب الزهري.
الثاني: أن الحديث قد رواه عن الزهري أيضًا فجمع الثلاثة: أبا سلمة، والأغر، وسعيد بن المسيب:
ج - يحيى بن سعيد الأنصاري [وهو: ثقة ثبت]، قال: أخبرني ابن شهاب، قال: حدثني أبو سلمة، وسعيد بن المسيب، وأبو عبد الله الأغر، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "المهجر إلى الجمعة كالذي يهدي بدنة، ثم كالذي يهدي بقرة، ثم كالذي يهدي كبشًا، ثم كالذي يهدي دجاجة"، وحسبت أنه قال: "كالذي يهدي بيضة".
أخرجه الطبراني في الأوسط (٤/ ٢٩٢/ ٤٢٣٦)، والدارقطني في العلل (٨/ ٦٦ - ٦٧).
قال الدارقطني: "وهو المحفوظ؛ لأن يحيي جمع بين الثلاثة في روايته عن الزهري، وقول من قال: الأعرج، فيه نظر".
د - ورواه عمرو بن الحارث، وعقيل بن خالد، عن الزهري، عن الأعرج، عن أبي هريرة به مرفوعًا.
أخرجه النسائي في الكبرى (٢/ ٢٧٠/ ١٧٠١) و (١٠/ ٤٢١/ ١١٩١٩) [تحفة (١٣٩٦٣)].
وهذا وهم لمخالفته لرواية الجماعة من أصحاب الزهري، ويحتمل أن يكون قولهم: "عن الأعرج" قد تصحف عن "الأغر"، والله أعلم.
стр. 1392
٢ - ورواه سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: … فذكره مختصرًا.
أخرجه مسلم (٨٥٠/ ٢٥)، وأبو نعيم في المستخرج (٢/ ٤٤٧/ ١٩٣١)، والنسائي في الكبرى (١٠/ ٤٢٠/ ١١٩١١) [تحفة (١٢٧٧٠)].
٣ - العلاء بن عبد الرحمن، واختلف عليه:
أ - فرواه شعبة، وإسماعيل بن جعفر، وروح بن القاسم، وعمرو بن أبي عمرو، ويحيى بن محمد بن قيس:
خمستهم: عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، بنحوه مرفوعًا، وفيه زيادة، وقال: "طائرًا" بدل "دجاجة".
أخرجه النسائي في الكبرى (١٠/ ٤٢٢/ ١١٩٢٠ - ١١٩٢٢) [تحفة (١٤٠٣٣ و ١٤٠١٩ و ١٤٠٨٢)]، وابن خزيمة (٣/ ١٣٤/ ١٧٧٠)، وابن حبان (٧/ ١١/ ٢٧٧٤)، وأحمد (٢/ ٤٥٧)، وعلي بن حجر السعدي في حديث إسماعيل بن جعفر (٢٥٨)، والبزار (١٥/ ٨١/ ٨٣٢٤)، وأبو يعلى (١١/ ٣٥٥ و ٣٨٥/ ٦٤٦٨ و ٦٤٩٨)، والطحاوي في الشرح (٤/ ١٨٠)، وفي المشكل (٣/ ٤٦٩/ ٢٠١٢ - تحفة)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٣٣٤/ ٨٧٩٠)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين (٢/ ١٧٨)، وتمام في الفوائد (٨٥٦)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٢/ ٥٦٨/ ١٠٥٧).
وقال: "صحيح"، وهو كما قال.
وهذا هو المحفوظ.
ب - ورواه فوهم: ابن إسحاق، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، به مرفوعًا. فجعله من مسند أبي سعيد، وإنما هو من مسند أبي هريرة.
أخرجه النسائي في الكبرى (١٠/ ٤١٨ - ٤١٩/ ١١٩٠٦) أتحفة (٤١٣٧)]، وأحمد (٣/ ٨١)، والطحاوي في الشرح (٤/ ١٨٠)، وفي المشكل (٣/ ٢٠١٣/٤٦٩ - تحفة).
ج - ورواه ابن جريج، قال: أخبرني العلاء بن عبد الرحمن، عن إسحاق مولى زائدة: أنه سمع أبا هريرة، به مرفوعًا.
أخرجه النسائي في الكبرى (١٠/ ٤١٩/ ١١٩٠٧) [تحفة (١٢١٨٦)]، وأحمد (٢/ ٢٧٢)، وعبد الرزاق (٣/ ٢٥٧/ ٥٥٦٣)، وعبد بن حميد (١٤٤٣).
• وانظر طريقًا أخرى لكنها معلولة:
التاريخ الكبير (٦/ ٢٧٦)، سنن الدارمي (١/ ٤٣٥/ ١٥٤٣)، صحيح ابن خزيمة (٣/ ١٣٣/ ١٧٦٨)، مسند البزار (١٥/ ٨٥٩٩/٢٠٢)، مسند أبي يعلى (١٠/ ٣٩٣/ ٥٩٩٤)، علل ابن أبي حاتم (١/ ٢٠١ و ٢٠٨/ ٥٧٩ و ٦٠٠)، علل الدارقطني (٨/ ٤٨/ ١٤٠٨)، التمهيد لابن عبد البر (٢٢/ ٢٦).
• وفي الباب [وقد أهملت الكلام على أسانيدها، وما فيها من مقال]:
١ - عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده [عند: ابن خزيمة (١٧٧١)، والبيهقي (٣/ ٢٢٦)].
стр. 1393
٢ - عن سمرة بن جندب [عند: ابن ماجه (١٠٩٣)، والبزار (١٠/ ٤٣٢/ ٤٥٨٥)، وأبي بكر المروزي في الجمعة وفضلها (٤٧)، والروياني (٨٢٠)، والطبراني في الكبير (٧/ ٢١٢ و ٢٣٢/ ٦٨٨٠ و ٦٩٦٨)، وفي مسند الشاميين (٤/ ٣٠ و ٧٥/ ٢٦٤٦ و ٢٧٦٧)].
٣ - عن أبي سعيد الخدري [عند: أبي بكر المروزي في الجمعة وفضلها (٤٥)].
٤ - عن أبي أمامة [عند: أحمد (٥/ ٢٦٠)، والطبراني في الكبير (٨/ ١٦٥ و ٢٨٧/ ٧٦٩١ و ٨١٠٢)].
٥ - عن ابن عمر [عند: أبي نعيم في الحلية (٦/ ٣٥١)].
***
١٢٨ - باب في الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة
٣٥٢ - . . . يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، قالت: كان الناس مُهَّان أنفسهم؛ فيروحون إلى الجمعة بهيئتهم، فقيل لهم: "لو اغتسلتم".
• حديث متفق على صحته.
أخرجه البخاري (٩٠٣)، ومسلم (٦/ ٨٤٧)، وأبو عوانة [(١٧/ ٧٢٦/ ١٣١٢٧) إتحاف]، وأبو نعيم في المستخرج (٢/ ٤٣٧/ ١٩٠٥)، وابن حبان (٤/ ٣٧/ ١٢٣٦)، وأحمد (٦/ ٦٢ - ٦٣)، والشافعي في الرسالة (١/ ١٣٨/ ٩٥ - أم)، وفي اختلاف الحديث (١٠/ ١٣٩ - ١٤٠/ ١٤٣ - أم)، وفي المسند (١٧٢)، وإسحاق (٢/ ٤٢٧/ ٩٨٩)، ومحمد بن الحسن الشيباني في الحجة على أهل المدينة (١/ ٢٨٤ - ٢٨٥)، وفي زياداته على الموطأ (٦٨)، وأبو يوسف القاضي في الآثار (٣٦٦ و ٣٦٧)، وعبد الرزاق (٣/ ٢٠٠/ ٥٣١٥)، والحميدي (١٧٨)، وابن أبي شيبة (١/ ٤٣٤/ ٥٠٠٦)، والطحاوي (١/ ١١٧)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ٣٨٤)، والبيهقي (١/ ٢٩٥) و (٣/ ١٨٩)، وابن عبد البر (١٠/ ٨٣ - ٨٤ و ٨٤) و (١٦/ ٢١٥) و (٢٤/ ٣٤ - ٣٥)، والخطيب في التاريخ (٢/ ١٦١)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٢٢٩/ ٢٦٥).
• وله طرق أخرى؛ منها ما رواه:
١ - عبيد الله بن أبي جعفر: أن محمد بن جعفر حدثه، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، أنها قالت: كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم من العوالي، فيأتون في العباء، ويصيبهم الغبار، فتخرج منهم الريح، فأتى رسولَ الله ﷺ إنسانٌ منهم، وهو عندي، فقال رسول الله ﷺ : "لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا".
أخرجه البخاري (٩٠٢)، ومسلم (٨٤٧/ ٦)، وأبو عوانة [(١٧/ ١٣٩/ ٢٢٠١٦) إتحاف]، وأبو نعيم في المستخرج (٢/ ٤٣٦/ ١٩٠٤)، وأبو داود (١٠٥٥)، وابن خزيمة (٣/ ١٢٧/ ١٧٥٤) [سقط من إسناده محمد بن جعفر خطأ. إتحاف (١٧/ ١٣٩/ ٢٢٠١٦)]، وابن حبان (٤/ ٣٨ - ٣٩/ ١٢٣٧)، وأبو بكر المروزي في الجمعة وفضلها (٢٨)، والبيهقي (٣/ ١٨٩ و ١٩٠ و ١٧٣).
стр. 1394
٢ - أبو الأسود، عن عروة، قال: قالت عائشة ﵂: كان أصحاب رسول الله ﷺ عمال أنفسهم، وكان يكون لهم أرواح، فقيل لهم: "لو اغتسلتم".
أخرجه البخاري (٢٠٧١)، والنسائي في الكبرى (٢/ ٢٦٧/ ١٦٩٤)، وأبو محمد الفاكهي في فوائده (٢٨).
٣ - الوليد بن مسلم، قال: حدثنا عبد الله بن العلاء: أنه سمع القاسم بن محمد بن أبي بكر: أنهم ذكروا غسل يوم الجمعة عند عائشة، فقالت: إنما كان الناس يسكنون العالية فيحضرون الجمعة، وبهم وسخ، فإذا أصابهم الروح سطعت أرواحهم، فيتأذى بها الناس، فذُكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "أو لا يغتسلون".
أخرجه النسائي في المجتبى (٣/ ٩٣ - ٩٤/ ١٣٧٩)، وفي الكبرى (٢/ ٢٦٧/ ١٦٩٥)، ومن طريقه: ابن عبد البر (١٠/ ٨٤)، وابن دقيق العيد في الإمام (٣/ ٥١).
٤ - قريش بن أنس: ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان الناس عمال أنفسهم، فكانوا يروحون إلى الجمعة كهيئتهم، فقيل لهم: "لو اغتسلتم".
أخرجه ابن خزيمة (٣/ ١٧٥٣/١٢٧).
• وانظر في الأوهام: التاريخ الأوسط (٢/ ٦١/ ١٨٠٠)، علل الترمذي الكبير (١٤٠)، الكامل (٤/ ١١٢)، تاريخ دمشق (٢٥/ ١٤١).
***
٣٥٣ - . . . عبد العزيز -يعني: ابن محمد-، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة: أن أناسًا من أهل العراق جاؤوا فقالوا: يا ابن عباس أترى الغسل يوم الجمعة واجبًا؟ قال: لا، ولكنه أطهرُ وخيرٌ لمن اغتسل، ومن لم يغتسل فليس عليه بواجب؛ وسأخبركم كيف بَدْءُ الغُسلِ: كان الناس مجهودين، يلبسون الصوف، ويعملون على ظهورهم، وكان مسجدهم ضيقًا مقارب السقف، إنما هو عريش، فخرج رسول الله ﷺ في يوم حار، وعرِق الناس في ذلك الصوف، حتى ثارت منهم رياح، آذى بذلك بعضهم بعضًا، فلما وجد رسول الله ﷺ تلك الريح، قال: "يا أيها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا، وليمس أحدكم أفضل ما يجد من دهنه وطيبه".
قال ابن عباس: ثم جاء الله بالخير، ولبسوا غير الصوف، وكُفُوا العمل، ووُسِّع مسجدُهم، وذهب بعض الذي كان يؤذي بعضهم بعضًا من العرق.
• حديث منكر.
أخرجه الطحاوي (١/ ١١٦)، والطبراني في الكبير (١١/ ٢١٩/ ١١٥٤٨)، والبيهقي (١/ ٢٩٥)، وابن عبد البر (١٠/ ٨٥).
стр. 1395
• ورواه سليمان بن بلال، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، وسأله رجل عن الغسل يوم الجمعة أواجب هو؟ قال: لا، من شاء اغتسل، وسأحدثكم عن بدء الغسل: كان الناس محتاجين، وكانوا يلبسون الصوف، وكانوا يسقون النخل على ظهورهم، وكان مسجد النبي ﷺ ضيقًا متقارب السقف، فراح الناس في الصوف فعرقوا، وكان منبر النبي ﷺ قصيرًا، إنما هو ثلاث درجات، فعرق الناس في الصوف فثارت أرواحهم، أرواح الصوف، فتأذى بعضهم ببعض، حتى بلغت أرواحهم رسول الله ﷺ وهو على المنبر، فقال: "يا أيها الناس إذا جئتم الجمعة فاغتسلوا، وليس أحدكم من أطيب طيب إن كان عنده".
أخرجه ابن خزيمة (٣/ ١٢٧/ ١٧٥٥)، والحاكم (١/ ٢٨٠ - ٢٨١) و (٤/ ١٨٩)، وأحمد (١/ ٢٦٨ - ٢٦٩)، وعبد بن حميد (٥٩٠)، والبيهقي (٣/ ١٨٩)، وابن عبد البر (١٠/ ٨٦) و (١١/ ٢١٤).
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه".
قلت: لم يخرج الشيخان شيئًا بهذا الإسناد، بل إن الترمذي لما روى بهذا الإسناد حديث البهيمة قال: "سألت محمدًا [يعني: البخاري، عن حديث عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس؟ فقال: عمرو بن أبي عمرو: صدوق، ولكن روى عن عكرمة مناكير، ولم يذكر في شيء من ذلك أنه سمع عن عكرمة"، ثم قال: "ولا أقول بحديث عمرو بن أبي عمرو أنه: من وقع على بهيمة أنه يقتل، [علل الترمذي الكبير (٤٢٧)].
قلت: فكيف يقال بعد ذلك بأن هذا الإسناد على شرط البخاري، وهو يضعفه.
وضعفه أيضًا: ابن حزم في المحلى (٢/ ١٢).
وقال ابن حجر وابن رجب بأن البخاري لم يخرج لعمرو بن أبي عمرو عن عكرمة شيئًا في الصحيح [هدي الساري (٤٥٣)، شرح علل الترمذي (٢/ ٧٩٨)].
وقال أحمد: "كل أحاديثه عن عكرمة مضطربة".
قال ابن رجب: "لكنه نسب الاضطراب إلى عكرمة لا إلى عمرو" [شرح العلل (٢/ ٧٩٨)].
قلت: هو كما قال البخاري: "روى عن عكرمة مناكير، ولم يذكر في شيء منها أنه سمع عكرمة".
• وقد أنكروا على عمرو بن أبي عمرو حديثه عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا: "من أتى بهيمة فاقتلوه" [انظر: التهذيب (٣/ ٢٩٤)، الميزان (٣/ ٢٨٢)، سنن أبي داود (٤٤٦٤)، جامع الترمذي (١٤٥٥)، علل الترمذي الكبير (٤٢٧)].
• وحديثه هذا أيضًا هو من مناكيره عن عكرمة:
وذلك لأن طاووسًا روى عن ابن عباس خلاف هذا، قال طاووس: قلت لابن عباس: ذكروا أن النبي ﷺ قال: "اغتسلوا يوم الجمعة، واغسلوا رؤوسكم، وإن لم تكونوا
стр. 1396
جنبًا، وأصيبوا من الطيب"، قال ابن عباس: أما الغسل فنعم، وأما الطيب فلا أدري.
متفق عليه [تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (٣٥٠)]، فهذا الذي صح عن ابن عباس يرد رواية عمرو بن أبي عمرو هذه إذ هو بخلافها في الغسل والطيب معًا، والله أعلم.
والخلاصة: فإن عمرو بن أبي عمرو: وإن كان ثقة متفق على تخريج حديثه في الصحيح، إلا أنهما لم يخرجا له شيئًا من روايته عن عكرمة، لما فيها من مناكير، مثل حديث: "من أتى بهيمة فاقتلوه"، ومثل هذا الحديث أيضًا لمخالفته ما رواه طاووس عن ابن عباس، فهو حديث منكر، والله أعلم.
وقد حسن إسناده: النووي في المجموع (٤/ ٥٣٦)، وابن حجر في الفتح (٢/ ٢٨٩)، وقد علمت ما فيه.
• وأما ما رواه البيهقي في سننه (١/ ٢٩٥)، قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ: ثنا أبو أحمد محمد بن إسحاق الصفار العدل: ثنا أحمد بن نصر: ثنا عمرو بن طلحة القناد: ثنا أسباط بن نصر، عن السدي، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ويجزي من الفريضة، ومن اغتسل فالغسل أفضل".
فهو حديث منكر.
قال البيهقي: "وهذا الحديث بهذا اللفظ: غريب من هذا الوجه، وإنما يعرف من حديث الحسن وغيره".
وقال الذهبي في المهذب (١/ ٢٩٤): "غريب بمرة"، ثم قال: "والمشهور خبر همام وغيره"؛ يعني: حديث سمرة الآتي.
قلت: إسماعيل بن عبد الرحمن السدي: صدوق يهم، وأسباط بن نصر: ليس به بأس، تكلم في روايته عن السدي [التهذيب (١/ ١٠٩)، الميزان (١/ ١٧٥)] وهو كثير الخطأ، يقلب الأسانيد.
وعمرو بن حماد بن طلحة اللباد: صدوق، قال الساجي: "عنده مناكير" [التهذيب (٣/ ٢٦٥)].
وأحمد بن محمد بن نصر اللباد، روى عنه جماعة، ولم يوثق [طبقات الحنابلة (١/ ١٨١/ ٦٢)]؛ فلا يحتمل من مثله التفرد بهذا، وإن كان يحتمل أن يكون الوهم فيه ممن فوقه.
وأما محمد بن إسحاق فهو: الإمام الحافظ العلامة الجهبذ الثبت؛ أبو أحمد محمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق الحاكم الكبير مؤلف كتاب الكنى، وكان من بحور العلم، وإمام عصره في هذه الصنعة [تاريخ دمشق (٥٥/ ١٥٤)، السير (١٦/ ٣٧٠)، التذكرة (٣/ ٩٧٦)].
• والحاصل: أن هذا حديث منكر؛ والمعروف إنما هو حديث الحسن عن سمرة. وهو الحديث الآتي:
***
стр. 1397
٣٥٤ - . . . قتادة، عن الحسن، عن سمرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فهو أفضل".
• حديث صحيح.
أخرجه الترمذي في الجامع (٤٩٧)، وفي العلل (١٤١)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه على الجامع "مختصر الأحكام" (٣/ ١٠/ ٤٦٧)، والنسائي (٣/ ٩٤/ ١٣٨٠)، والدارمي (١/ ٤٣٤/ ١٥٤٠)، وابن خزيمة (٣/ ١٢٨/ ١٧٥٧)، وابن الجارود (٢٨٥)، وأحمد (٥/ ٨ و ١١ و ١٥ و ١٦ و ٢٢)، وابن أبي شيبة (١/ ٤٣٦/ ٥٠٢٦)، وأبو بكر المروزي في الجمعة وفضلها (٣١)، والبزار في مسنده (١٠/ ٤٠١ - ٤٠٢/ ٤٥٤١)، والروياني (٧٨٧)، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (٩٨٦)، والطحاوي (١/ ١١٩)، والطبراني في الكبير (٧/ ١٩٩/ ٦٨١٧ - ٦٨٢٠)، وأبو بكر القطيعي في جزء الألف دينار (١٤٨)، وابن قتيبة في غريب الحديث (١/ ٢٨٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٩٥) و (٣/ ١٩٠)، وفي المعرفة (١/ ٣٥٦/ ٤٥٦)، وابن عبد البر في التمهيد (١٠/ ٧٩) و (١٦/ ٢١٢ و ٢١٤)، والخطيب في التاريخ (٢/ ٣٥٢)، والبغوي في شرح السُّنة (١/ ٤٣١/ ٣٣٦)، والمزي في التهذيب (١٠/ ٤٧٤)، وابن دقيق العيد في الإمام (٣/ ٤٩).
هكذا رواه عن قتادة: شعبة بن الحجاج، وهمام بن يحيى، وأبو عوانة الوضاح.
• تنبيهان:
الأول: قال ابن عبد البر في التمهيد (١٦/ ٢١٤): حدثنا عبد الرحمن بن مروان، قال: حدثنا أبو محمد الحسن بن يحيى قاضي القلزم، قال: حدثنا عبد الله بن علي بن الجارود، قال: حدثنا عبد الله بن هاشم، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن هشام، عن قتادة ....
هكذا وقع في هذا الإسناد "هشام" وهو الدستوائي، وهو من أثبت أصحاب قتادة؛ لكنه تصحيف يبدو أنه وقع من بعض النساخ، فإن الإسناد إليه صحيح، وابن عبد البر قد روى هذا الحديث من طريق ابن الجارود، والحديث في منتقاه [كما هو مذكور في التخريج] من طريق همام لا من طريق هشام، والحديث قد رواه أحمد في مسنده (٥/ ١٥ و ١٦) عن عبد الرحمن بن مهدي عن همام، لا عن هشام، فظهر بذلك أن "همام" قد تصحف إلى "هشام" من بعض النساخ، وليس لهشام فيه ناقة ولا جمل.
الثاني: قال أبو علي الطوسي في مستخرجه على الترمذي (٤٦٧): نا محمد بن المثنى العنزي البصري، قال: نا سعيد بن سفيان الجحدري، قال: نا شعبة، عن قتادة، عن الحسن، قال: نا سمرة بن جندب … الحديث. هكذا وقع عنده التصريح بسماع الحسن من سمرة لهذا الحديث، وهو خطأ ظاهر، فإن الذين أثبتوا سماع الحسن من سمرة -إما مطلقًا وإما مقيدًا-: لم يحتجوا إلا بحديث العقيقة، ومنهم من زاد حديث "النهي عن
стр. 1398
المثلة"، وهو الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٦٧)، إلا أنها رواية شاذة أخطأ فيها هشيم [انظر: المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس لحاتم العوني (٣/ ١٢٣٢)].
والحديث قد رواه الترمذي (٤٩٧) بنفس إسناده عن محمد بن المثنى به بالعنعنة، ورواه من طريق الترمذي هكذا بالعنعنة: البغوي في شرح السُّنَّة.
ورواه الطبراني (٦٨١٩)، قال: حدثنا زكريا بن يحيى الساجى: ثنا محمد بن المثنى … ، به هكذا بالعنعنة.
وتابع محمد بن المثنى عليه به هكذا معنعنًا: محمد بن بشار المعروف ببندار، رواه عن سعيد بن سفيان الجحدري به معنعنًا بين الحسن وسمرة [مسند البزار. مسند الروياني].
ولم ينفرد به الجحدري عن شعبة، فقد تابعه عليه: يزيد بن زريع، عن شعبة به بالعنعنة [عند: النسائي، وابن خزيمة، وأحمد (٥/ ١١)، وابن جعد، والطبرانى (٦٨١٨)، والقطيعي].
وروي عن عفان عن شعبة به، ولا يصح، والمحفوظ: عن عفان عن همام [انظر: سنن البيهقي (١/ ٢٩٥)، تاريخ بغداد (٢/ ٣٥٢)].
ورواه كما تقدم متابعًا لشعبة: أبو عوانة، وهمام، كلهم بالعنعنة لم يصرح في طريق منها بسماع الحسن من سمرة، مما يجزم معه بخطأ رواية مستخرج الطوسي [وانظر: المرسل الخفي (٣/ ١٢٦١)].
• والحديث قد اختلف فيه على قتادة:
١ - فرواه شعبة، وهمام، وأبو عوانة:
ثلاثتهم، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ .
٢ - ورواه سعيد بن أبي عروبة، وأبان بن يزيد العطار، ومعمر بن راشد:
ثلاثتهم، عن قتادة، عن الحسن، عن النبي ﷺ مرسلًا.
أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١٩٩/ ٥٣١١)، والبيهقي (١/ ٢٩٦)، وذكره البخاري تعليقًا فيما حكاه عنه الترمذي في العلل الكبير (١٤١).
قلت: أما شعبة، وسعيد بن أبي عروبة: فهما من أثبت الناس في قتادة.
وأما همام، وأبو عوانة، وأبان: فهم من طبقة الشيوخ في قتادة، في مرتبة بعد شعبة وسعيد.
وأما معمر: فإنه سيئ الحفظ لحديث قتادة [انظر: شرح علل الترمذي (٢/ ٦٩٤)].
وقد اختلفت أنظار الأئمة النقاد فيما هو الراجح من هذا الاختلاف:
١ - فقد سأل الترمذي الإمام البخاري عن هذا الحديث فقال: "روى همام، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ . وروى سعيد بن أبي عروبة، وأبان بن يزيد، عن قتادة، عن الحسن، عن النبي ﷺ ، ولم يذكرا: عن سمرة" [العلل الكبير (١٤١)].
стр. 1399
فكأن البخاري توقف، والله أعلم.
٢ - وسأل ابن أبي حاتم أباه، عن حديث همام، وأبان وقال: "قلت لأبي: أيهما أصح؟ قال: جميعًا صحيحان، همام ثقة وصله، وأبان لم يوصله" [العلل (١/ ١٩٩/ ٥٧٥)].
٣ - وذكر الدارقطني الاختلاف في هذا الحديث على الحسن، ثم قال: "وكلها وهم، والمحفوظ: ما رواه شعبة عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة"، ثم ذكر بعض الاختلاف على الحسن أيضًا، ثم قال: "والجميع وهم إلا قول شعبة عن قتادة" [العلل (١٠/ ٢٦٣)].
قلت: الذي يظهر لي بأنه أقرب الأقوال إلى الصواب: الثاني والثالث: فإما أن يقال بأن قتادة كان ينشط أحيانًا فيوصله، ويفتر أحيانًا فيرسله، وكلاهما محفوظ عنه صحيح، وحينئذ يقال بأنه لا تعارض هنا بين الوصل والإرسال؛ وهذا ما ذهب إليه أبو حاتم.
وإما أن يقال بأن المحفوظ: رواية الأكثر من أصحاب قتادة الثقات، وهي رواية شعبة، وهمام، وأبي عوانة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ موصولًا.
وهذا ما ذهب إليه الدارقطني.
وعلى كلا القولين: فالوصل: صحيح محفوظ.
• والحديث قد اختلف فيه أيضًا على الحسن البصري:
١ - فرواه قتادة عنه به هكذا موصولًا ومرسلًا.
٢ - ورواه يونس بن عبيد [ثقة ثبت، وهو أثبت أصحاب الحسن]، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ قال: … فذكره.
أخرجه البزار (١٠/ ٤٠١/ ٤٥٤٠)، والطبراني في الكبير (٧/ ٢٢٣/ ٦٩٢٦)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٩)، وأبو الطاهر الذهلي في جزئه (٥٢).
كلهم من طريق: الجراح بن مخلد قال: ثنا خالد بن يحيى: ثنا يونس بن عبيد به.
قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلم رواه عن يونس، عن الحسن، عن سمرة، إلا خالد بن يحيى".
وخالد بن يحيى هذا: ترجم له ابن عدي في كامله بقوله: "خالد بن يحيى، أبو عبيد السدوسي البصري، حدث عن يونس بن عبيد وغيره ما لا يرويه غيره"، ثم ذكر له ثلاثة أحاديث هذا أحدها، ثم قال: "ولخالد هذا غير ما ذكرت من الحديث: إفرادات وغرائب عمن يحدث عنه، وليس بالكثير، وأرجو أنه لا بأس به؛ لأني لم أر في حديثه متنًا منكرًا".
واعتمد على ذلك الذهبي في الميزان (١/ ٦٤٥) فقال: "صويلح، لا بأس به، ذكره ابن عدي في كامله وقواه".
ولم يزد ابن حجر في اللسان (٣/ ٣٤٤) على أن نقل كلام ابن عدي، ولم يذكروا له شيئًا مما يستنكر عليه في المتون.
стр. 1400
قلت: خالد بن يحيى السدوسي هذا هو الهلالي، وهو قليل الحديث، ومع قلَّته فإنه يخطئ ويخالف، وينفرد عن يونس بن عبيد بما لا يتابع عليه، ويروي عن ابن أبي عروبة خلاف ما يرويه الثقات من أصحاب سعيد، مثل حديث ولوغ الكلب [تقدم تحت الحديث رقم (٧٣)] فقد أخطأ في إسناده، وتفرد فيه عن يونس بن عبيد، وليس من حديث يونس، ومثل حديث خاتم النبي ﷺ [انظر: الكامل (٣/ ١٠)، أفراد الدارقطني (٢/ ١٦١/ ١٠٢١ - أطرافه)]، فقد أخطأ في متنه على ابن أبي عروبة فقال: "في يساره"، والحفاظ من أصحاب سعيد يقولون: "في يمينه".
فمثل هذا لا يحتمل تفرده عن مثل يونس بن عبيد في كثرة أصحابه الثقات الذين رووا عنه، لا سيما وأن له أصحاب قد اعتنوا بحديثه مثل: يزيد بن زريع، وخالد بن عبد الله الواسطي، وإسماعيل ابن علية، وغيرهم؛ فلا ينبغي أن يفوتهم مثل هذا الحديث عن يونس، وهو من أحاديث الأحكام التي لها موقع عظيم في الاستدلال، فهو من أقوى حجج القائلين بعدم وجوب غسل الجمعة.
ويزيد بن زريع [وهو من أثبت أصحاب يونس] يروي حديثنا هذا: عن شعبة، عن قتادة، عن الحسن به، بإسناد نازل، فلو كان الحديث عنده عن يونس لما فرط فيه لعلو إسناده، والله أعلم.
وعلى هذا فالحديث منكر بهذا الإسناد.
كذلك يمكن أن يقال: لو كان الحديث محفوظًا من حديث يونس، مشهورًا عنه، لما أهمل الأئمة الاحتجاج به في بابه، ولما توانوا عن إخراجه في مصنفاتهم، لا سيما أصحاب السنن والصحيح.
٣ - ورواه أبو بكر الهذلي، عن الحسن، وابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "من أتى يوم الجمعة فتوضأ فبها ونعمت، ومن اغتسل فهو أفضل".
أخرجه البزار في مسنده [عزاه إليه: ابن دقيق العيد في الإمام (٣/ ٥٠)، والزيلعي في نصب الراية (١/ ٩٢)، ابن حجر في التلخيص (٢/ ١٣٤)]، وابن عدي في الكامل (٣/ ٣٢٣)، والدارقطني في الأفراد (٥/ ١٦٠/ ٥٠٠٤ - أطرافه).
قال البزار: "هذا الحديث لا نعلم يروى عن محمد عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد".
وقال الدارقطني: "تفرد به أسباط، عن أبي بكر الهذلي، عن الحسن، وابن سيرين".
قلت: وهذا ليس شيء، فإن أبا بكر الهذلي: متروك، عامة ما يرويه لا يتابع عليه.
٤ - ورواه محمد بن حرب، قال: حدثني الضحاك بن حمرة الأملوكي، عن الحجاج بن أرطاة، عن إبراهيم بن المهاجر، عن الحسن بن أبي الحسن، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، وقد أدى الفرض، ومن اغتسل فالغسل أفضل".
أخرجه الطحاوي (١/ ١١٩)، والطبراني في الأوسط (٨/ ١٦١/ ٨٢٧٢)، وابن عدي في الكامل (٤/ ٩٨).
стр. 1401
سقط من إسناد الطبراني "الحجاج بن أرطأة"، وقال بناء على ذلك: "لم يرو هذا الحديث عن إبراهيم بن مهاجر إلا الضحاك".
قلت: هو منكر من حديث الحسن عن أنس، تفرد به إبراهيم بن مهاجر البجلي: وليس بالقوي، ولا يتابع على بعض حديثه، وهذا منها "وانظر الحديث المتقدم برقم (٣١٦)].
والحجاج بن أرطأة: ليس بالقوي، يدلس عن الضعفاء والمتروكين.
والضحاك بن حمرة -بالراء المهملة- الأملوكي: ضعيف [التهذيب (٢/ ٢٢٢)، إكمال مغلطاي (٧/ ١٣)، الميزان (٢/ ٣٢٢)].
٥ - ورواه أبو حرة، عن الحسن، عن عبد الرحمن بن سمرة: أن النبي ﷺ قال: … فذكره.
أخرجه أبو داود الطيالسي (٢/ ٦٨٨/ ١٤٤٧)، وبحشل في تاريخ واسط (١٥٨ - ١٥٩)، والعقيلي في الضعفاء (٢/ ٥٣٩ - ط حمدي السلفي)، والطبراني في الأوسط (٧/ ٣٧٤/ ٧٧٦٥)، والبيهقي (١/ ٢٩٦).
رواه عن أبي حرة جماعة، وتفرد به هو عن الحسن، فوهم في قوله: "عبد الرحمن بن سمرة"، وإنما هو "سمرة بن جندب".
وأبو حرة واصل بن عبد الرحمن: صدوق عابد، وحديثه عن الحسن: ضعيف، لم يسمع من الحسن إلا ثلاثة أحاديث [التهذيب (٤/ ٣٠٢)، إكمال مغلطاي (١٢/ ٢٠٠)، الميزان (٤/ ٣٢٩)].
قال العقيلي بعدما ذكر الاختلاف فيه على الحسن: "ورواه شعبة، وهمام، وأبو عوانة: عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، وهو الصواب".
وقال ابن حجر في المطالب العالية (١/ ٧١٣/٢٨٥): "المشهور عن الحسن في هذا: عن سمرة بن جندب ﵁، لا عن عبد الرحمن بن سمرة".
وقال في التلخيص (٢/ ١٣٤/ ٦٥٦): "ورواه أبو حرة، عن الحسن، عن عبد الرحمن بن سمرة، ووهم في اسم صحابيه … وهذا الاختلاف فيه على الحسن وعلى قتادة: لا يضر؛ لضعف من وهم فيه، والصواب كما قال الدارقطني: عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، وكذلك قال العقيلي".
وقال الدارقطني بعدما ذكر الاختلاف فيه: "وكلها وهم، والمحفوظ: ما رواه شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة"، وقال أيضًا: "والجميع وهم؛ إلا قول شعبة عن قتادة".
• والحاصل: أن المحفوظ في هذا الحديث عن الحسن: هو ما رواه شعبة، وهمام، وأبو عوانة: عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ ؛ كما قال العقيلي، والدارقطني.
стр. 1402
• وروي الحديث أيضًا: من حديث أنس، وأبي سعيد الخدري، وجابر:
١ - أما حديث أنس؛ فله أسانيد:
أ - عثمان بن يحيى القرقساني، قال: نا مؤمل بن إسماعيل، قال: نا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس: أن النبي ﷺ قال: … فذكره.
أخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ٩/ ٤٥٢٥)، والضياء في المختارة (٥/ ٥٠/ ١٦٦٦).
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن حماد بن سلمة إلا مؤمل، تفرد به عثمان بن يحيى".
وهذا حديث غريب؛ مؤمل بن إسماعيل: سيئ الحفظ، كثير الغلط، وعثمان بن يحيى القرقساني: لم أر من ذكره بجرحِ، وأودعه ابن حبان في ثقاته (٨/ ٤٥٥)، وأخرج له في صحيحه (١٥/ ١١٢/ ٦٧١٦): حديثًا لا يصح.
ب - الفضل بن المختار، عن أبان، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "من جاء منكم الجمعة فليغتسل"، فلما كان الشتاء قلنا: يا رسول الله أمرتنا بالغسل يوم الجمعة، وقد جاء الشتاء، ونحن نجد البرد! فقال: "من اغتسل فبها ونعمت، ومن لم يغتسل فلا حرج".
أخرجه ابن عدي في الكامل (١/ ٣٨٥) و (٦/ ١٥).
وهذا حديث باطل؛ أبان بن أبي عياش: متروك، والفضل بن المختار: أحاديثه منكرة، يحدث بالأباطيل، عامة ما يرويه لا يتابع عليه [الجرح والتعديل (٧/ ٦٩)، الكامل (٦/ ١٦)، ضعفاء العقيلي (٣/ ٤٤٩)، الميزان (٣/ ٣٥٨)، اللسان (٦/ ٣٥٢)].
ج - يزيد بن أبان الرقاشي، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : … فذكره.
أخرجه ابن ماجه (١٠٩١)، والطيالسي (٣/ ٥٧٩/ ٢٢٢٤)، وعبد الرزاق (٣/ ١٩٩/ ٥٣١٢)، ومحمد بن الحسن في الحجة (١/ ٢٧٩ - ٢٨٠)، وفي زياداته على الموطأ (٦٣)، والبزار (١٣/ ٢٠٣/ ٦٦٦٩)، وأبو يعلى (٧/ ١٢٧/ ٤٠٨٦)، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (١٧٥٠ و ١٧٥١)، والطحاوي (١/ ١١٩)، وابن عدي (٣/ ١٠٢ و ١٣٣)، وابن الغطريف (١٨)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٠٦ - ٣٠٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٩٦)، وفي المعرفة (١/ ٣٥٦/ ٤٥٦).
رواه عن يزيد الرقاشي [وهو: ضعيف]: إسماعيل بن مسلم المكي [ضعيف]، والربيع بن صبيح [عابد صالح مجاهد، ليس بالقوي]، ودرست بن زياد [ضعيف].
فهو حديث ضعيف.
• تنبيهان:
الأول: روي عن سفيان الثوري، عن يزيد الرقاشي، ولا يصح، بينهما الربيع بن صبيح أو عكرمة؛ قال أبو القاسم البغوي: "هكذا حدثنا علي، عن سفيان، عن يزيد الرقاشي، عن أنس، وهو مرسل؛ لم يسمع الثوري من يزيد الرقاشي شيئًا، وبينهما
стр. 1403
الربيع بن صبيح"، وقال ابن عدي في الكامل (٣/ ١٣٣): "وقد رواه جماعة من أصحاب الثوري: يزيد بن أبي حكيم، وعبد الرزاق وغيرهما، عن الثوري، عن الربيع بن صبيح، عن يزيد الرقاشي".
الثاني: روي الحديث أيضًا: عن الربيع بن صبيح، عن الحسن، عن أنس [الحلية]، وروي عن الربيع بن صبيح، عن الحسن، ويزيد الرقاشي، عن أنس [البزار. شرح المعاني]، ولا يصحان.
قال البزار: "وهذا الحديث إنما يعرف من حديث يزيد الرقاشي، عن أنس. رواه غير واحد عنه، وجمع يحيى بن أبي بصير في هذا الحديث عن الربيع عن الحسن ويزيد الرقاشي، عن أنس؛ فحمله قوم من أصحاب الحديث على أنه عن الحسن أيضًا، عن أنس، وأحسب أن الربيع إنما ذكره عن الحسن مرسلًا، وعن يزيد الرقاشي، عن أنس، فلما لم يفصله جعلوه كأنه عن الحسن عن أنس، وعن يزيد عن أنس".
٢ - وأما حديث جابر، فيرويه:
أ - عبيد بن إسحاق العطار، قال: ثنا قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : … فذكره.
أخرجه البزار (١/ ٣٠٢/ ٦٢٩ - كشف)، والطحاوي (١/ ١١٩)، وابن البختري في المنتقى من السادس عشر من حديثه (٦٧) [وهو برقم (٧٣٦) في مجموع مصنفاته]، وابن عدي في الكامل (٥/ ٣٤٧).
قال ابن عدي: "وهذا أيضًا لا أعلم يرويه غير عبيد بن إسحاق"، وقال بعدما أنكر عليه أحاديث: "وعامة ما يرويه إما أن يكون منكر الإسناد، أو منكر المتن".
قلت: هو حديث منكر؛ تفرد به عبيد بن إسحاق عن قيس بن الربيع، وعبيد هذا: منكر الحديث [اللسان (٥/ ٣٤٩)، كنى مسلم (٦٩)، أسامي الضعفاء (١٩٥)].
ب - ورواه أبو نضرة، واختلف عليه:
• فرواه أبان بن أبي عياش [متروك]، عن أبي نضرة، عن جابر، به مرفوعًا.
أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١٩٩/ ٥٣١٣) [أبهم الثوري اسم أبان في رواية عبد الرزاق، وصرح به عند عبد بن حميد]، وعبد بن حميد (١٠٧٧)، وأبو يوسف في الآثار (٣٦٨)، ومحمد بن الحسن في الحجة (١/ ٢٨٦)، وابن شاهين في الناسخ (٣٠)، وأبو نعيم في مسند أبي حنيفة (٦٠).
• • ورواه الربيع بن بدر [متروك]، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري به مرفوعًا.
أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (١٠/ ٨٧) و ١٦/ ٢١٣).
••• ورواه أسيد بن زيد الجمال [متروك، كذبه ابن معين، ولا عبرة بقول ابن القطان: "ومع هذا فقد أخرج له البخاري، وهو ممن عيب عليه الإخراج له"، بيان الوهم
стр. 1404
(٣/ ٣٩٨)؛ لأن البخاري أخرج له مقرونًا بغيره في موضع واحد، وقد كرر الحديث بأسانيد صحيحة. انظر: البخاري (٣٤١٠ و ٥٧٠٥ و ٥٧٥٢ و ٦٤٧٢ و ٦٥٤١)، مسلم (٢٢٠)] قال: ثنا شريك: أنا عوف، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد به مرفوعًا.
أخرجه البزار في مسنده [بيان الوهم (٣/ ٣٩٧)، الأحكام الوسطى (٣/ ١١٧)، نصب الراية (١/ ٩٢)]، والبيهقي (١/ ٢٩٦).
قال البزار: "لا نعلم رواه عن عوف إلا شريك، ولا عن شريك إلا أسيد بن زيد، وأسيد بن زيد كوفي قد احتمل حديثه، مع شيعية شديدة كانت فيه".
وانظر: المهذب للذهبي (١/ ٢٩٤).
قلت: مثله لا يحتمل ولا كرامة!، وهو مع وهائه الشديد قد خولف فيه، فقد روى أبو نعيم في مسند أبي حنيفة ص (٦٠) بإسناد صحيح إلى عثمان بن أبي شيبة: ثنا شريك، عن أبان، عن أبي نضرة، عن جابر به مرفوعًا.
فعاد الحديث إلى أبان مرة أخرى.
وحديث أسيد هذا أنكره عليه الذهبي في الميزان (١/ ٢٥٧)، وابن حجر في التهذيب (١/ ١٧٥)، وانظر: إكمال مغلطاي (٢/ ٢٢٠).
• والخلاصة: أن الحديث لا يصح عن أبي نضرة، فضلًا عن أن يكون من حديث جابر أو أبي سعيد.
• وفي النهاية فإن الحديث فد روي بإسناد ضعيف عن أنس، وأصح ما ورد فيه حديث سمرة الذي رواه:
شعبة، وهمام، وأبو عوانة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ قال: "من توضأ يوم الجمعة فيها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل".
قال الترمذي: "حديث حسن"، وذكر الاختلاف على قتادة.
وقال النسائي في المجتبى (١٣٨٠): "الحسن عن سمرة كتابًا، ولم يسمع الحسن من سمرة إلا حديث العقيقة، والله تعالى أعلم".
وقال البغوي: "هذا حديث حسن".
وقال النووي في شرح مسلم (٦/ ١٣٣): "حديث حسن"، وقال في تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٣٣): "حديث صحيح".
وقال ابن رشد في البداية (١/ ١١٩): "حديث ضعيف".
قلت: الحديث رجاله ثقات؛ إلا أن الشأن في اتصاله بين الحسن وسمرة؛ فمن رآه متصلًا بينهما صحَّح الحديث؛ ومن رآه منقطعًا ضعَّف الحديث.
• وهذه المسألة قد بحثها وأوعب الكلام فيها مفصلًا بما يغني عن الإعادة: الشريف حاتم العوني في كتابه: "المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس"، في المجلد الثالث من ص (١١٧٤) إلى ص (١٤٧٥)؛ يعني: فيما يزيد على (٣٠٠) صفحة.
стр. 1405
ويمكن تلخيصها فيما يلي:
• اختلف العلماء في إثبات سماع الحسن من سمرة أو نفيه:
١ - فطائفة نفت السماع مطلقًا؛ مثل: شعبة، وأحمد، وابن معين، وغيرهم.
٢ - وطائفة قالت بأنه لم يسمع، ولكنه يروي من كتاب وجادة، مثل: يحيى بن سعيد القطان، وبهز بن أسد، وابن معين، والبرديجي، وغيرهم.
٣ - وطائفة قالت: لم يسمع إلا حديث العقيقة، مثل: الدارقطني، وعبد الغني بن سعيد الأزدي، وابن حزم، وغيرهم.
٤ - وطائفة قالت: لم يسمع إلا حديث العقيقة وحده، والباقي يرويه وجادة، مثل النسائي، والبزار وجماعة.
٥ - وطائفة أثبتت له السماع مطلقًا، مثل ابن المديني، والبخاري، ومسلم، والترمذي، وجماعة.
وأقوى ما اعتمد عليه النافون للسماع: هو تضعيفهم لحديث قريش بن أنس، والذي فيه إثبات سماع الحسن من سمرة لحديث العقيقة، مثل الإمام أحمد، وابن معين، والبرديجي.
والذين قالوا بأن الحسن إنما يروي من كتاب سمرة وجادة من غير سماع ولا عرض: اعتمدوا على ما صح عن ابن عون، قال: "وجدت عند الحسن كتاب سمرة، فقرأته عليه، وكان فيه: يجزي من الاضطرار غبوق أو صبوح".
واحتج الذين أثبتوا السماع مطلقًا بحديث قريش بن أنس: الذي يرويه علي بن المديني، وعبد الله بن أبي الأسود، وأبو موسى محمد بن المثنى، وهارون بن عبد الله الحمال، وأبو خيثمة زهير بن حرب، وإسحاق بن إبراهيم بن حبيب، وغيرهم:
قالوا: حدثنا قريش بن أنس، عن حبيب بن الشهيد، قال: "أمرني ابن سيرين أن أسأل الحسن: ممن سمع حديث العقيقة؟ فسألته؟ فقال: من سمرة بن جندب".
أخرجه البخاري في صحيحه (٥٤٧٢)، وفي التاريخ الكبير (٢/ ٢٨٩) [وفيه وفي التاريخ الأوسط (١/ ٣٩٣): قال علي [بن المديني]: وسماع الحسن من سمرة بن جندب: صحيح، وأخذ بحديثه: "من قتل عبده قتلناه"]، والترمذي (١٨٢ و ١٨٢ م)، وفيه: "قال محمد: قال علي بن عبد الله: الحسن عن سمرة بن جندب: حديث صحيح، وقد سمع منه"، والنسائي في المجتبى (٧/ ١٦٦/ ٤٢٢١)، وفي الكبرى (٤/ ٣٧٣/ ٤٥٣٣)، وأحمد في العلل ومعرفة الرجال (٣/ ٣٣/ ٤٠٤٤)، وابن أبي الدنيا في العيال (٧٥)، والطحاوي في المشكل (٦/ ٤٢٢/ ٤٥٠٣ - تحفة)، والبزار (١٠/ ٤٠١/ ٤٥٣٩)، وابن حزم في المحلى (٧/ ٥٢٥)، والبيهقي (٩/ ٢٩٩)، وابن عبد البر في التمهيد (٤/ ٣٠٧)، والمزي في التهذيب (٢٣/ ٥٨٧ - ٥٨٨).
وقريش بن أنس وإن كان قد تغير؛ إلا أن هؤلاء ممن روى عنه قبل التغير، فهم من
следующие страницы →