Полный текст (16 465 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
سقط من إسناد الطبراني "الحجاج بن أرطأة"، وقال بناء على ذلك: "لم يرو هذا الحديث عن إبراهيم بن مهاجر إلا الضحاك".
قلت: هو منكر من حديث الحسن عن أنس، تفرد به إبراهيم بن مهاجر البجلي: وليس بالقوي، ولا يتابع على بعض حديثه، وهذا منها "وانظر الحديث المتقدم برقم (٣١٦)].
والحجاج بن أرطأة: ليس بالقوي، يدلس عن الضعفاء والمتروكين.
والضحاك بن حمرة -بالراء المهملة- الأملوكي: ضعيف [التهذيب (٢/ ٢٢٢)، إكمال مغلطاي (٧/ ١٣)، الميزان (٢/ ٣٢٢)].
٥ - ورواه أبو حرة، عن الحسن، عن عبد الرحمن بن سمرة: أن النبي ﷺ قال: … فذكره.
أخرجه أبو داود الطيالسي (٢/ ٦٨٨/ ١٤٤٧)، وبحشل في تاريخ واسط (١٥٨ - ١٥٩)، والعقيلي في الضعفاء (٢/ ٥٣٩ - ط حمدي السلفي)، والطبراني في الأوسط (٧/ ٣٧٤/ ٧٧٦٥)، والبيهقي (١/ ٢٩٦).
رواه عن أبي حرة جماعة، وتفرد به هو عن الحسن، فوهم في قوله: "عبد الرحمن بن سمرة"، وإنما هو "سمرة بن جندب".
وأبو حرة واصل بن عبد الرحمن: صدوق عابد، وحديثه عن الحسن: ضعيف، لم يسمع من الحسن إلا ثلاثة أحاديث [التهذيب (٤/ ٣٠٢)، إكمال مغلطاي (١٢/ ٢٠٠)، الميزان (٤/ ٣٢٩)].
قال العقيلي بعدما ذكر الاختلاف فيه على الحسن: "ورواه شعبة، وهمام، وأبو عوانة: عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، وهو الصواب".
وقال ابن حجر في المطالب العالية (١/ ٧١٣/٢٨٥): "المشهور عن الحسن في هذا: عن سمرة بن جندب ﵁، لا عن عبد الرحمن بن سمرة".
وقال في التلخيص (٢/ ١٣٤/ ٦٥٦): "ورواه أبو حرة، عن الحسن، عن عبد الرحمن بن سمرة، ووهم في اسم صحابيه … وهذا الاختلاف فيه على الحسن وعلى قتادة: لا يضر؛ لضعف من وهم فيه، والصواب كما قال الدارقطني: عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، وكذلك قال العقيلي".
وقال الدارقطني بعدما ذكر الاختلاف فيه: "وكلها وهم، والمحفوظ: ما رواه شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة"، وقال أيضًا: "والجميع وهم؛ إلا قول شعبة عن قتادة".
• والحاصل: أن المحفوظ في هذا الحديث عن الحسن: هو ما رواه شعبة، وهمام، وأبو عوانة: عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ ؛ كما قال العقيلي، والدارقطني.
стр. 1402
• وروي الحديث أيضًا: من حديث أنس، وأبي سعيد الخدري، وجابر:
١ - أما حديث أنس؛ فله أسانيد:
أ - عثمان بن يحيى القرقساني، قال: نا مؤمل بن إسماعيل، قال: نا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس: أن النبي ﷺ قال: … فذكره.
أخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ٩/ ٤٥٢٥)، والضياء في المختارة (٥/ ٥٠/ ١٦٦٦).
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن حماد بن سلمة إلا مؤمل، تفرد به عثمان بن يحيى".
وهذا حديث غريب؛ مؤمل بن إسماعيل: سيئ الحفظ، كثير الغلط، وعثمان بن يحيى القرقساني: لم أر من ذكره بجرحِ، وأودعه ابن حبان في ثقاته (٨/ ٤٥٥)، وأخرج له في صحيحه (١٥/ ١١٢/ ٦٧١٦): حديثًا لا يصح.
ب - الفضل بن المختار، عن أبان، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "من جاء منكم الجمعة فليغتسل"، فلما كان الشتاء قلنا: يا رسول الله أمرتنا بالغسل يوم الجمعة، وقد جاء الشتاء، ونحن نجد البرد! فقال: "من اغتسل فبها ونعمت، ومن لم يغتسل فلا حرج".
أخرجه ابن عدي في الكامل (١/ ٣٨٥) و (٦/ ١٥).
وهذا حديث باطل؛ أبان بن أبي عياش: متروك، والفضل بن المختار: أحاديثه منكرة، يحدث بالأباطيل، عامة ما يرويه لا يتابع عليه [الجرح والتعديل (٧/ ٦٩)، الكامل (٦/ ١٦)، ضعفاء العقيلي (٣/ ٤٤٩)، الميزان (٣/ ٣٥٨)، اللسان (٦/ ٣٥٢)].
ج - يزيد بن أبان الرقاشي، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : … فذكره.
أخرجه ابن ماجه (١٠٩١)، والطيالسي (٣/ ٥٧٩/ ٢٢٢٤)، وعبد الرزاق (٣/ ١٩٩/ ٥٣١٢)، ومحمد بن الحسن في الحجة (١/ ٢٧٩ - ٢٨٠)، وفي زياداته على الموطأ (٦٣)، والبزار (١٣/ ٢٠٣/ ٦٦٦٩)، وأبو يعلى (٧/ ١٢٧/ ٤٠٨٦)، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (١٧٥٠ و ١٧٥١)، والطحاوي (١/ ١١٩)، وابن عدي (٣/ ١٠٢ و ١٣٣)، وابن الغطريف (١٨)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٠٦ - ٣٠٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٩٦)، وفي المعرفة (١/ ٣٥٦/ ٤٥٦).
رواه عن يزيد الرقاشي [وهو: ضعيف]: إسماعيل بن مسلم المكي [ضعيف]، والربيع بن صبيح [عابد صالح مجاهد، ليس بالقوي]، ودرست بن زياد [ضعيف].
فهو حديث ضعيف.
• تنبيهان:
الأول: روي عن سفيان الثوري، عن يزيد الرقاشي، ولا يصح، بينهما الربيع بن صبيح أو عكرمة؛ قال أبو القاسم البغوي: "هكذا حدثنا علي، عن سفيان، عن يزيد الرقاشي، عن أنس، وهو مرسل؛ لم يسمع الثوري من يزيد الرقاشي شيئًا، وبينهما
стр. 1403
الربيع بن صبيح"، وقال ابن عدي في الكامل (٣/ ١٣٣): "وقد رواه جماعة من أصحاب الثوري: يزيد بن أبي حكيم، وعبد الرزاق وغيرهما، عن الثوري، عن الربيع بن صبيح، عن يزيد الرقاشي".
الثاني: روي الحديث أيضًا: عن الربيع بن صبيح، عن الحسن، عن أنس [الحلية]، وروي عن الربيع بن صبيح، عن الحسن، ويزيد الرقاشي، عن أنس [البزار. شرح المعاني]، ولا يصحان.
قال البزار: "وهذا الحديث إنما يعرف من حديث يزيد الرقاشي، عن أنس. رواه غير واحد عنه، وجمع يحيى بن أبي بصير في هذا الحديث عن الربيع عن الحسن ويزيد الرقاشي، عن أنس؛ فحمله قوم من أصحاب الحديث على أنه عن الحسن أيضًا، عن أنس، وأحسب أن الربيع إنما ذكره عن الحسن مرسلًا، وعن يزيد الرقاشي، عن أنس، فلما لم يفصله جعلوه كأنه عن الحسن عن أنس، وعن يزيد عن أنس".
٢ - وأما حديث جابر، فيرويه:
أ - عبيد بن إسحاق العطار، قال: ثنا قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : … فذكره.
أخرجه البزار (١/ ٣٠٢/ ٦٢٩ - كشف)، والطحاوي (١/ ١١٩)، وابن البختري في المنتقى من السادس عشر من حديثه (٦٧) [وهو برقم (٧٣٦) في مجموع مصنفاته]، وابن عدي في الكامل (٥/ ٣٤٧).
قال ابن عدي: "وهذا أيضًا لا أعلم يرويه غير عبيد بن إسحاق"، وقال بعدما أنكر عليه أحاديث: "وعامة ما يرويه إما أن يكون منكر الإسناد، أو منكر المتن".
قلت: هو حديث منكر؛ تفرد به عبيد بن إسحاق عن قيس بن الربيع، وعبيد هذا: منكر الحديث [اللسان (٥/ ٣٤٩)، كنى مسلم (٦٩)، أسامي الضعفاء (١٩٥)].
ب - ورواه أبو نضرة، واختلف عليه:
• فرواه أبان بن أبي عياش [متروك]، عن أبي نضرة، عن جابر، به مرفوعًا.
أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١٩٩/ ٥٣١٣) [أبهم الثوري اسم أبان في رواية عبد الرزاق، وصرح به عند عبد بن حميد]، وعبد بن حميد (١٠٧٧)، وأبو يوسف في الآثار (٣٦٨)، ومحمد بن الحسن في الحجة (١/ ٢٨٦)، وابن شاهين في الناسخ (٣٠)، وأبو نعيم في مسند أبي حنيفة (٦٠).
• • ورواه الربيع بن بدر [متروك]، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري به مرفوعًا.
أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (١٠/ ٨٧) و ١٦/ ٢١٣).
••• ورواه أسيد بن زيد الجمال [متروك، كذبه ابن معين، ولا عبرة بقول ابن القطان: "ومع هذا فقد أخرج له البخاري، وهو ممن عيب عليه الإخراج له"، بيان الوهم
стр. 1404
(٣/ ٣٩٨)؛ لأن البخاري أخرج له مقرونًا بغيره في موضع واحد، وقد كرر الحديث بأسانيد صحيحة. انظر: البخاري (٣٤١٠ و ٥٧٠٥ و ٥٧٥٢ و ٦٤٧٢ و ٦٥٤١)، مسلم (٢٢٠)] قال: ثنا شريك: أنا عوف، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد به مرفوعًا.
أخرجه البزار في مسنده [بيان الوهم (٣/ ٣٩٧)، الأحكام الوسطى (٣/ ١١٧)، نصب الراية (١/ ٩٢)]، والبيهقي (١/ ٢٩٦).
قال البزار: "لا نعلم رواه عن عوف إلا شريك، ولا عن شريك إلا أسيد بن زيد، وأسيد بن زيد كوفي قد احتمل حديثه، مع شيعية شديدة كانت فيه".
وانظر: المهذب للذهبي (١/ ٢٩٤).
قلت: مثله لا يحتمل ولا كرامة!، وهو مع وهائه الشديد قد خولف فيه، فقد روى أبو نعيم في مسند أبي حنيفة ص (٦٠) بإسناد صحيح إلى عثمان بن أبي شيبة: ثنا شريك، عن أبان، عن أبي نضرة، عن جابر به مرفوعًا.
فعاد الحديث إلى أبان مرة أخرى.
وحديث أسيد هذا أنكره عليه الذهبي في الميزان (١/ ٢٥٧)، وابن حجر في التهذيب (١/ ١٧٥)، وانظر: إكمال مغلطاي (٢/ ٢٢٠).
• والخلاصة: أن الحديث لا يصح عن أبي نضرة، فضلًا عن أن يكون من حديث جابر أو أبي سعيد.
• وفي النهاية فإن الحديث فد روي بإسناد ضعيف عن أنس، وأصح ما ورد فيه حديث سمرة الذي رواه:
شعبة، وهمام، وأبو عوانة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ قال: "من توضأ يوم الجمعة فيها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل".
قال الترمذي: "حديث حسن"، وذكر الاختلاف على قتادة.
وقال النسائي في المجتبى (١٣٨٠): "الحسن عن سمرة كتابًا، ولم يسمع الحسن من سمرة إلا حديث العقيقة، والله تعالى أعلم".
وقال البغوي: "هذا حديث حسن".
وقال النووي في شرح مسلم (٦/ ١٣٣): "حديث حسن"، وقال في تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٣٣): "حديث صحيح".
وقال ابن رشد في البداية (١/ ١١٩): "حديث ضعيف".
قلت: الحديث رجاله ثقات؛ إلا أن الشأن في اتصاله بين الحسن وسمرة؛ فمن رآه متصلًا بينهما صحَّح الحديث؛ ومن رآه منقطعًا ضعَّف الحديث.
• وهذه المسألة قد بحثها وأوعب الكلام فيها مفصلًا بما يغني عن الإعادة: الشريف حاتم العوني في كتابه: "المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس"، في المجلد الثالث من ص (١١٧٤) إلى ص (١٤٧٥)؛ يعني: فيما يزيد على (٣٠٠) صفحة.
стр. 1405
ويمكن تلخيصها فيما يلي:
• اختلف العلماء في إثبات سماع الحسن من سمرة أو نفيه:
١ - فطائفة نفت السماع مطلقًا؛ مثل: شعبة، وأحمد، وابن معين، وغيرهم.
٢ - وطائفة قالت بأنه لم يسمع، ولكنه يروي من كتاب وجادة، مثل: يحيى بن سعيد القطان، وبهز بن أسد، وابن معين، والبرديجي، وغيرهم.
٣ - وطائفة قالت: لم يسمع إلا حديث العقيقة، مثل: الدارقطني، وعبد الغني بن سعيد الأزدي، وابن حزم، وغيرهم.
٤ - وطائفة قالت: لم يسمع إلا حديث العقيقة وحده، والباقي يرويه وجادة، مثل النسائي، والبزار وجماعة.
٥ - وطائفة أثبتت له السماع مطلقًا، مثل ابن المديني، والبخاري، ومسلم، والترمذي، وجماعة.
وأقوى ما اعتمد عليه النافون للسماع: هو تضعيفهم لحديث قريش بن أنس، والذي فيه إثبات سماع الحسن من سمرة لحديث العقيقة، مثل الإمام أحمد، وابن معين، والبرديجي.
والذين قالوا بأن الحسن إنما يروي من كتاب سمرة وجادة من غير سماع ولا عرض: اعتمدوا على ما صح عن ابن عون، قال: "وجدت عند الحسن كتاب سمرة، فقرأته عليه، وكان فيه: يجزي من الاضطرار غبوق أو صبوح".
واحتج الذين أثبتوا السماع مطلقًا بحديث قريش بن أنس: الذي يرويه علي بن المديني، وعبد الله بن أبي الأسود، وأبو موسى محمد بن المثنى، وهارون بن عبد الله الحمال، وأبو خيثمة زهير بن حرب، وإسحاق بن إبراهيم بن حبيب، وغيرهم:
قالوا: حدثنا قريش بن أنس، عن حبيب بن الشهيد، قال: "أمرني ابن سيرين أن أسأل الحسن: ممن سمع حديث العقيقة؟ فسألته؟ فقال: من سمرة بن جندب".
أخرجه البخاري في صحيحه (٥٤٧٢)، وفي التاريخ الكبير (٢/ ٢٨٩) [وفيه وفي التاريخ الأوسط (١/ ٣٩٣): قال علي [بن المديني]: وسماع الحسن من سمرة بن جندب: صحيح، وأخذ بحديثه: "من قتل عبده قتلناه"]، والترمذي (١٨٢ و ١٨٢ م)، وفيه: "قال محمد: قال علي بن عبد الله: الحسن عن سمرة بن جندب: حديث صحيح، وقد سمع منه"، والنسائي في المجتبى (٧/ ١٦٦/ ٤٢٢١)، وفي الكبرى (٤/ ٣٧٣/ ٤٥٣٣)، وأحمد في العلل ومعرفة الرجال (٣/ ٣٣/ ٤٠٤٤)، وابن أبي الدنيا في العيال (٧٥)، والطحاوي في المشكل (٦/ ٤٢٢/ ٤٥٠٣ - تحفة)، والبزار (١٠/ ٤٠١/ ٤٥٣٩)، وابن حزم في المحلى (٧/ ٥٢٥)، والبيهقي (٩/ ٢٩٩)، وابن عبد البر في التمهيد (٤/ ٣٠٧)، والمزي في التهذيب (٢٣/ ٥٨٧ - ٥٨٨).
وقريش بن أنس وإن كان قد تغير؛ إلا أن هؤلاء ممن روى عنه قبل التغير، فهم من
стр. 1406
قدماء أصحابه، وحديثه هذا من قديم حديثه وصحيحه، فهو حديث صحيح، صححه البخاري، وابن المديني، والترمذي، والنسائي، والبزار، والدارقطني، وغيرهم.
وفي هذا رد بالحجة والبرهان على من ضعفه، مثل: أحمد، وابن معين، والبرديجي، وانظر تفصيل ذلك في المرسل الخفي ص (١٢٢٠ - ١٢٣١) من المجلد الثالث.
وهذا هو الحديث الصحيح الوحيد الذي يُثبِت سماعَ الحسنِ من سمرة، وثمة أحاديث آخر لكن لا يصح منها شيء [انظر: المصدر السابق من ص (١٢٣٢ - ١٢٧٤)].
• فأما الذين نفوا السماع مطلقًا فهم محجوجون بحديث قريش بن أنس الصحيح الثابت.
• وأما الذين أثبتوا السماع مطلقًا فحديث ابن عون حجة عليهم لما فيه من الحجة على أن الحسن كان يروي كتاب سمرة عرضًا ويحدث به قراءة عليه.
وقد ثبت أن كثيرًا من الأحاديث التي يرويها الحسن عن سمرة موافقة لكتاب سمرة الذي يرونه بنوه.
ثم كيف يسمع الحسن كل هذه الأحاديث من سمرة ولا يصرح بسماعه منه إلا في حديث واحد.
فالقول بأن رواية الحسن عن سمرة إنما هي وجادة صحيحة، فهو كتاب صحابي موثوق به، محفوظ عند بنيه، استعاره منهم الحسن، والحسن من هو في فقهه ودينه وورعه وعلمه وفطنته، وبُعدِه عن دخول التصحيف عليه، فالكتاب الذي كان عنده إما أن يكون كتاب سمرة نفسه، أو نسخة منه؛ كما قال البزار وابن القطان، أقول: فالقول بأن الحسن لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة، والباقي كتاب غير مسموع إلا أنه وجادة صحيحة معمول بها عند الأئمة، هذا القول هو الموافق لقول بعض العلماء المحققين؛ وهو قول وسط بين من نفى مطلقًا أو أثبت مطلقًا.
وعليه فإنه إذا صح الإسناد إلى الحسن البصري؛ فحديثه عن سمرة محمول على الاتصال، وهو صحيح.
وقد صحح الإمام الترمذي للحسن عن سمرة أحاديث كثيرة [انظر: الجامع (١٨٢ و ١٢٣٧ و ١٢٦٦ و ١٣٦٨ و ١٥٢٢ و ٢٩٨٣ و ١٢٩٦)].
وما لم يصححه الترمذي فإما أن يكون الإسناد إلى الحسن مما لا يعتمد عليه، أو مما لا يصح، أو غير ذلك، وانظر: الجامع (٢٣٣ و ٢٥١ و ١٠٨٢ و ١٣٤٩ و ١٣٦٥ و ١٤١٤ و ١٥٨٣ و ٢٤٤٣ و ٣٠٧٧ و ٣٢٣١ و ٣٢٧١ و ٣٩٣١).
وممن صحح للحسن عن سمرة أيضًا: ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وابن الجارود.
واحتج به النسائي في مواضع (٧/ ٢٩٢/ ٤٦٢٠) و (٧/ ٣١٣ و ٣١٤/ ٤٦٨١ و ٤٦٨٢) و (٨/ ٢٠ و ٢١/ ٤٧٣٦ - ٤٧٣٨) و (٨/ ٢٦/ ٤٧٥٣ و ٤٧٥٤).
стр. 1407
واحتج البخاري وشيخه ابن المديني بحديث: "من قتل عبده قتلناه" [علل الترمذي (٤٠١)].
والإمام أحمد مع كونه ينفي سماع الحسن من سمرة؛ فقد احتج بأحاديث من رواية الحسن عن سمرة [انظر: مسائل صالح (٣٨٤)، ومسائل الكوسج (٢/ ٢٤ و ٤٨/ ١٨٥٥ و ١٩٣٨)، وغيرها].
• ونختم ذلك بنقلين عن مرويات الحسن عن سمرة:
١ - قال الإمام ابن القيم في إعلام الموقعين (٢/ ١٢٥): "وقد صح سماع الحسن من سمرة، وغاية هذا أنه كتاب، ولم تزل الأمة تعمل بالكتب قديمًا وحديثًا، وأجمع الصحابة على العمل بالكتب، وكذلك الخلفاء بعدهم، وليس اعتماد الناس في العلم إلا على الكتب، فإن لم يعمل بما فيها تعطلت الشريعة، وقد كان رسول الله ﷺ يكتب كتبه إلى الآفاق والنواحي، فيعمل بها من تصل إليه، ولا يقول: هذا كتاب، وكذلك خلفاؤه بعده، والناس إلى اليوم، فَرَدُّ السنن بهذا الخيال البارد الفاسد من أبطل الباطل، والحفظ يخون، والكتاب لا يخون".
وقال بعد ذلك بصفحتين (٢/ ١٢٧) في صحيفة سليمان بن قيس اليشكري: "وغاية هذا أن يكون كتابًا، والأخذ عن الكتب حجة".
قلت: ولا سيما إذا كان الراوي من الكتاب عالم فقيه حجة، له دراية واسعة بفن الكتابة والتصحيف، مثل الحسن البصري؛ مما يزيد الثقة بهذه الصحيفة.
٢ - وفي التهذيب (١/ ٣٨٩ و ٣٩٠): "وقال بهز بن أسد، لم يسمع الحسن من ابن عباس … ، واعتماده على كتب سمرة … "، وفيه أيضًا: " … وقال يحيى القطان وآخرون: هي كتاب"، قال ابن حجر العسقلاني: "وذلك لا يقتضي الانقطاع".
يعني: أنها أحاديث متصلة مقبولة.
• وبناء على ما تقدم فإن حديث: شعبة، وهمام، وأبي عوانة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ : "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل": حديث صحيح.
وهذا الحديث هو أقوى ما يستدل به على عدم فرضية غسل الجمعة.
قال ابن رشد في البداية (١/ ١١٩): "وهو نص في سقوط فرضيته؛ إلا أنه حديث ضعيف"، قلت: قد صح الحديث.
وقال الخطابي في معالم السنن (١/ ٩٥): "قوله: "فبها" قال الأصمعي: معناه: فبالسُّنَّة أخذ، وقوله: "ونعمت" يريد: ونعمت الخصلة، ونعمت الفعلة، أو نحو ذلك، وإنما ظهرت التاء التي هي علامة التأنيث لإظهار السُّنَّة أو الخصلة أو الفعلة، وفيه البيان الواضح: أن الوضوء كافٍ للجمعة، وأن الغسل لها فضيلة لا فريضة".
وقال البغوي في شرح السُّنَّة (١/ ٤٣١): "وفيه دليل على أن الغسل لاكتساب الفضل، والوضوء جائز، … "، ثم نقل كلام الخطابي.
стр. 1408
وقال ابن العربي في القبس (١/ ٢٦٥): "وهذا نص"؛ يعني: في عدم الفرضية.
وقال ابن حجر في الفتح (٢/ ٤٢١): "ووجه الدلالة منه قوله: "فالغسل أفضل"، فإنه يقتضي اشتراك الوضوء والغسل في أصل الفضل، فيستلزم إجزاء الوضوء".
وانظر أيضًا: الاستذكار (٢/ ١٣)، تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٣٣)، شرح الطيبي (٣/ ٨٥٢)، نيل الأوطار (١/ ٢٩٥).
• وفي نهاية أحاديث غسل الجمعة يحسن أن نجمل القول في حكم الاغتسال يوم الجمعة:
حكى بعضهم الاختلاف في حكم غسل الجمعة لكن كلام الترمذي وابن عبد البر يعارض ذلك:
قال الترمذي بعد حديث سمرة: "والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، ومن بعدهم: اختاروا الغسل يوم الجمعة، ورأوا أن يجزئ الوضوء من الغسل يوم الجمعة … "، ثم نقل كلام الشافعي السابق ذكره عند الحديث رقم (٣٤٠).
قال ابن رجب في الفتح (٥/ ٣٤١) معقبًا على كلام الترمذي: "وهذا الكلام يقتضي حكاية الإجماع على ذلك".
وقال ابن عبد البر في التمهيد (٤/ ٢١٨) بعد حديث سمرة: "وقد أجمع المسلمون قديمًا وحديثًا على أن غسل الجمعة ليس بفرض واجب، وفي ذلك ما يكفي ويغني عن الإكثار، ولا يجوز على الأمة بأسرها جهل معنى السُّنَّة، ومعنى الكتاب، وهذا مفهوم عند ذوي الألباب، إلا أن العلماء مع إجماعهم على أن غسل الجمعة ليس بفرض واجب، اختلفوا فيه: هل هو سُنَّة مسنونة للأمة، أم هو استحباب وفضل، أو كان لعلة فارتفعت وليس بسُنَّة".
قال ابن رجب في الفتح (٥/ ٣٤٣ و ٣٤٤): "وذكر ابن عبد البر أنه لا يعلم أحدًا قال: إنه يأثم بتركه، غير أهل الظاهر، وأن من أوجبه قال: لا يأثم بتركه. وحكى أيضًا الإجماع على أنه ليس بفرض واجب … "، ثم قال ابن رجب: "فابن عبد البر لم يثبت في وجوب غسل الجمعة -بمعنى كونه فرضًا يأثم بتركه- اختلافًا بين العلماء المعتبرين، وإنما خص الخلاف في ذلك بأهل الظاهر.
والأكثرون: أطلقوا حكاية الخلاف في وجوب غسل الجمعة، وحكوا القول بوجوبه عن طائفة من السلف، كما حكاه ابن المنذر، عن أبي هريرة، وعمار، وعن مالك أيضًا.
والذي ذكره ابن عبد البر هو التحقيق في ذلك، والله أعلم، وأن من أطلق وجوبه إنما تبع في ذلك ما جاء عن النبي ﷺ من إطلاق اسم الواجب عليه، وقد صرح طائفة منهم بأن وجوبه لا يقتضي الإثم بتركه، كما حمل أكثر العلماء كلام النبي ﷺ على مثل ذلك أيضًا، وممن صرح بهذا: عطاء كما سبق ذكره عنه، ومنهم: يحيى بن يحيى النيسابوري، والجوزجاني.
стр. 1409
وقد تبين بهذا أن لفظ الواجب ليس نصًّا في الألزام بالشيء، والعقاب على تركه؛ بل قد يراد به ذلك -وهو الأكثر-، وقد يراد به تأكد الاستحباب والطلب … ".
وقال في جامع العلوم والحكم ص (٥٢٥ - ٥٢٦) معقبًا على تعبيرات بعض الأئمة مثل مالك وأحمد وإسحاق، قال: "وسبب هذا -والله أعلم- أن التعبير بلفظ السُّنَّة قد يفضي إلى التهاون بفعل ذلك، وإلى الزهد فيه وتركه، وهذا خلاف مقصود الشارع من الحث عليه، والترغيب فيه بالطرق المؤدية إلى فعله وتحصيله، فإطلاق لفظ الواجب أدعى إلى الإتيان به، والرغبة فيه.
وقد ورد إطلاق الواجب في كلام الشارع على ما لا يأثم بتركه، ولا يعاقب عليه عند الأكثرين؛ كغسل الجمعة، وكذلك ليلة الضيف عند كثير من العلماء أو أكثرهم، وإنما المراد به المبالغة في الحث على فعله وتأكيده".
وقد لخص القرطبي في المفهم (٢/ ٤٧٨) أدلة الفريقين بقوله: "قوله ﷺ : "إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل"، وقوله ﷺ : "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم": ظاهر في وجوب غسل الجمعة، وبه قال أهل الظاهر، وحكي عن بعض الصحابة، وعن الحسن، وحكاه الخطابي عن مالك، ومعروف مذهبه وصحيحه: أنه سُنَّة، وهو مذهب عامة أئمة الفتوى. وحملوا تلك الأحاديث على أنه واجب وجوب السنن المؤكدة، ودلهم على ذلك أمور:
أحدها: قوله ﷺ في حديث أبي هريرة: "من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له"، فذكر فيه الوضوء، واقتصر عليه دون الغسل، ورتب الصحة والثواب عليه، فدل على أن الوضوء كاف من غير غسل، وأن الغسل ليس بواجب [تقدم تخريجه والكلام على فقهه تحت الحديث رقم (٣٤٣)].
وثانيها: قوله ﷺ لهم حين وجد منهم الريح الكريهة: "لو اغتسلتم ليومكم هذا" وهذا عرض، وتحضيض، وإرشاد للنظافة المستحسنة، ولا يقال مثل ذلك اللفظ في الواجب [حديث عائشة تقدم برقم (٣٥٢)، وقال ابن العربي في القبس (١/ ٢٦٦): "فبينت رضوان الله عليها سبب الغسل، وأوضحت علته، فارتبط الغسل بها، والفرائض المطلقة لا تتعلق بالعلل العارضة"، وقال ابن رجب في الفتح (٥/ ٤٠٩): "وهذا من أوضح الأدلة على أن غسل الجمعة ليس بواجب، حتى ولا على من له ريح تخرج منه، وإنما يؤمر به ندبًا واستحبابًا، لقوله: "لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا""، ثم قال القرطبي:]
وثالثها: تقرير عمر والصحابة لعثمان ﵃ على صلاة الجمعة بالوضوء من غير غسل، ولم يأمروه بالخروج، ولم ينكروا عليه، فصار ذلك كالإجماع منهم؛ على أن الغسل ليس بشرط في صحة الجمعة، ولا واجب [تقدم تخريجه برقم (٣٤٠)، والكلام على فقهه بتوسع ونقل كلام الأئمة فيه] [ويزاد عليه: قال ابن العربي في القبس (١/ ٢٦٦): "وجه التعلق منه: أن عمر والصحابة بأجمعهم أعلموا ذلك الرجل بتأكيد الغسل، وأقروه على تركه؛ ولو
стр. 1410
كان فرضًا ما سامحوه؛ لأن القوم كانوا أجل من أن يقروا على منكر"].
ورابعها: ما يقطع مادة النزاع، ويحسم كل إشكال: حديث الحسن عن سمرة قال: قال رسول اللّه ﷺ : "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل" وهذا نص في موضع الخلاف، غير أن سماع الحسن من سمرة مختلف فيه، وقد صح عنه أنه سمع منه حديث العقيقة، فيحمل حديثه عنه على السماع إلى أن يدل دليل على غير ذلك، والله تعالى أعلم [تقدم الكلام على الحديث قريبًا وأنه حديث صحيح].
وخامسها: أنه ﵊ قد قال: "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وسواك، ويمس من الطيب ما قدر عليه" وظاهر هذا: وجوب السواك والطيب، وليس كذلك بالاتفاق، يدل على أن قوله: "واجب" ليس على ظاهره، بل المراد به: ندب المؤكد، إذ لا يصح تشريك ما ليس بواجب مع الواجب في لفظ الواو، والله تعالى أعلم" انتهى كلام القرطبي، وما بين الحاصرتين زيادات زدتها من كلام الأئمة لزيادة الإيضاح.
وحديث أبي سعيد الخدري الأخير تقدم برقم (٣٤٤)، وفيه أيضًا قال ابن المنذر في الأوسط (٤/ ٨٣): "لما قرن النبي ﷺ الغسل يوم الجمعة إلى إمساس الطيب، وكان إمساس الطيب ليس بفرض لا يختلف فيه أهل العلم، دل على أن الغسل المقرون إليه مثله"، وقال أيضًا: "وكذلك لما قرن الغسل إلى السواك، دل على أن الغسل ليس بفرض".
وانظر في هذا المعنى أيضًا: التمهيد (٤/ ٢١٩)، صحيح ابن خزيمة (٣/ ١٢٥).
وانظر غير ما تقدم: المغني (٢/ ٩٩)، الحجة على أهل المدينة (١/ ٢٧٩)، الاستذكار (٢/ ١٣)، شرح معاني الآثار (١/ ١١٨)، شرح السنَّة (١/ ٤٢٨)، تأويل مختلف الحديث (١٩٩)، صحيح ابن خزيمة (٣/ ١٢٥)، صحيح ابن حبان (٧/ ٢١)، إحكام الأحكام لابن دقيق العيد (١/ ٣٣١)، الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٤/ ١٢٦)، أعلام الحديث للخطابي (١/ ٥٦٩ - ٥٧١)، معالم السنن (١/ ٩٥)، القبس في شرح الموطـ (١/ ٢٦٤)، فتح الباري لابن حجر (٢/ ٤٢٠)، شرح رياض الصالحين لابن عثيمين (٣/ ٣٧٩).
• ومما يؤيد القول بعدم فرضية غسل الجمعة [مع ما تقدم من الأدلة]: ما صح عن ابن مسعود، وإبراهيم النخعي:
١ - فقد روى مسعر بن كدام، والمسعودي، عن وبرة بن عبد الرحمن، عن همام بن الحارث، عن ابن مسعود، قال: الغسل يوم الجمعة سُنَّة. وفي لفظ: إن من السُّنَّة الغسل يوم الجمعة.
أخرجه الطيالسي (١/ ٣٠٧/ ٣٩١)، وعبد الرزاق (٣/ ٢٠٠/ ٥٣١٦)، وابن أبي شيبة (١/ ٤٣٥/ ٥٠٢٠)، والحارث بن أبي أسامة (١/ ٣٠٧/ ٢٠٢ - زوائده)، والبزار (٥/ ٣١٥/ ١٩٣٢)، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (١٩١٨)، وابن المنذر (٤/ ٤١/ ١٧٧٤)، والشاشي (٨٧٥)، وابن الأعرابي في المعجم (١/ ١٩٥/ ٣٤٢)، والخطيب في الكفاية (٤٢١).
стр. 1411
وهذا موقوف على ابن مسعود بإسناد صحيح، وله حكم الرفع.
وهمام بن الحارث: سمع ابن مسعود [التاريخ الكبير (٨/ ٢٣٦)].
• ورواه إسحاق بن رزيق -وفي رواية: ابن زريق- مرة: عن إبراهيم بن خالد الصنعاني [وهو ثقة]، ومرة: عن المغيرة بن سقلاب [وهو منكر الحديث، عامة ما يرويه لا يتابع عليه. الكامل (٦/ ٣٥٩)، اللسان (٨/ ١٣٣)، وحديث القلتين المتقدم برقم (٦٤)]:
كلاهما عن سفيان الثوري، عن وبرة بن عبد الرحمن، عن همام بن الحارث، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : "الغسل يوم الجمعة من السُّنَّة".
أخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ٢١٢/ ١٠٥٠١) من طريق المغيرة. وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٧٨) من طريق إبراهيم.
قال أبو نعيم: "لم يرفعه أحد من أصحاب الثوري إلا إسحاق بن زريق، عن إبراهيم، والمغيرة بن سقلاب عنه، ورواه شعبة عن [في المطبوع: و، وهو خطأ] مسعر، والمسعودي عن وبرة"؛ يعني: عن همام، عن ابن مسعود قوله.
قلت: رفعه منكر، لتفرد إسحاق بن زريق به ولا يحتمل من مثله التفرد بمثل هذا، لا سيما مع المخالفة، وإسحاق هذا: ذكره ابن حبان في الثقات، وكان راويًا لإبراهيم بن خالد الصنعاني، روى عنه عن سفيان الثوري: الجامع الكبير [الثقات (٨/ ١٢١)، المؤتلف للدارقطني (٢/ ١٠٢٠)، الإكمال (٤/ ٥٧)، الأنساب (٣/ ٦٤)، التوضيح (٤/ ١٨٠)، وقد سبق ذكره قبل ذلك في إسناد يرويه عن مجاهيل تحت الحديث المتقدم برقم (٢٢٧)، وفيه ما ينكر].
• والخلاصة: أن المعروف في هذا عن ابن مسعود: موقوف عليه، وهو صحيح عنه، وله حكم الرفع.
٢ - وروى الأعمش، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، قال: إني لأحب أن أغتسل من خمس: من الحجامة، والموسى، والحمام، والجنابة، ويوم الجمعة، قال الأعمش: فذكرت ذلك لإبراهيم، فقال: ما كانوا يرون غسلًا واجبًا إلا غسل الجنابة، وكانوا يستحبون الغسل يوم الجمعة.
أخرجه عبد الرزاق (١/ ١٨٠/ ٧٠٢) و (١/ ٢٩٧/ ١١٤١) و (٣/ ١٩٩/ ٥٣٠٩)، ومسدد بن مسرهد (١/ ١١٨/ ٢٠٥ - مطالب)، والبيهقي (١/ ٣٠٠).
ورواه عن الأعمش به: الثوري، وأبو معاوية، وعبد الله بن داود.
وانظر: مصنف ابن أبي شيبة (١/ ٤٣٥/ ٥٠٠٩ و ٥٠١٣).
وكأن إبراهيم النخعي في ذلك يحكي إجماع الصحابة ومن بعدهم.
• وفي المسألة قول ثالث:
قال ابن القيم في زاد المعاد (١/ ٣٧٧): "وللناس في وجوبه ثلاثة أقوال: النفي والإثبات، والتفصيل بين من به رائحة يحتاج إلى إزالتها فيجب عليه، ومن هو مستغن عنه، فيستحب له، والثلاثة لأصحاب أحمد".
стр. 1412
قلت: الصحيح ما تقدم من تأكد استحبابه مطلقًا، وقد قال ﷺ للرجل الذي وجد منه ريحًا كريهة: "لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا"، ولم يوجبه عليه، كما في حديث عائشة.
وقد قال ابن القيم قبل هذا: "الأمر بالاغتسال في يومها [يعني: يوم الجمعة]، وهو أمر مؤكد جدًّا، ووجوبه أقوى من وجوب الوتر، وقراءة البسملة في الصلاة، ووجوب الوضوء من مس النساء، ووجوب الوضوء من مس الذكر، ووجوب الوضوء من القهقهة في الصلاة، ووجوب الوضوء من الرعاف، والحجامة، والقيء، ووجوب الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير، ووجوب القراءة على المأموم".
***
١٢٩ - باب في الرجل يُسْلِم فيؤمر بالغسل
٣٥٥ - . . . سفيان: حدثنا الأغر، عن خليفة بن حصين، عن جده قيس بن عاصم قال: أتيت النبي ﷺ أريد الإسلام؛ فأمرني أن أغتسل بماء وسدر.
• رجاله ثقات، وهو حديث مرسل.
أخرجه الترمذي (٦٠٥)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٥٦٥)، والنسائي (١/ ١٠٩/ ١٨٨)، وابن خزيمة (١/ ١٢٦/ ٢٥٤ و ٢٥٥)، وابن حبان (٤/ ٤٥/ ١٢٤٠)، وابن الجارود (١٤)، وأحمد (٥/ ٦١)، وعبد الرزاق (٦/ ٩/ ٩٨٣٣) و (١٠/ ٣١٨/ ١٩٢٢٥)، والدولابي في الكنى (١/ ٢٠٤/ ٣٧٨)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ١١٤/ ٦٤٠)، وابن الأعرابي في المعجم (٨٣٢ و ١٤٦٤) [وفي الموضع الثاني: وهمٌ بزيادة الأعمش]، وابن السماك في التاسع من فوائده (٧٠)، وابن قانع في المعجم (٢/ ٣٤٨)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٣٣٨/ ٨٦٦)، وأبو سعيد النقاش في فوائد العراقيين (٧٤)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ١١٧)، وفي معرفة الصحابة (٤/ ٢٣٠٢/ ٥٦٨٠)، والبيهقي في السنن (١/ ١٧١)، وفي المعرفة (١/ ٢٦٧/ ٢٦٨ و ٢٦٩)، وفي الدلائل (٥/ ٣١٧)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٢/ ١٧١/ ٣٤٠ و ٣٤١).
هكذا رواه يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي [وهما أثبت من روى عن سفيان الثوري]، وأبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، وأبو عامر العقدي عبد الملك بن عمرو القيسي، وعبيد الله بن موسى، وأبو أسامة حماد بن أسامة، ومحمد بن كثير العبدي، وعبد الرزاق بن همام الصنعاني، ومحمد بن يوسف الفريابي، وعبد الله بن الوليد العدني، ومؤمل بن إسماعيل [وهم أحد عشر رجلًا من ثقات أصحاب الثوري، عدا الأخيرين ففي حفظهما شيء]:
رووه عن سفيان، عن الأغر، عن خليفة بن حصين، عن جده قيس بن عاصم به.
[وانظر: إتحاف المهرة (١٢/ ٧٢٩/ ١٦٣٥٦)، ففي مطبوع ابن الجارود تصحيف].
стр. 1413
• وخالفهم:
١ - وكيع بن الجراح [حافظ من أثبت أصحاب سفيان]، لكن اختلف عليه:
أ- فرواه مرة، عن سفيان، عن الأغر المنقري، عن خليفة بن الحصين، عن قيس بن عاصم به؛ مثل الجماعة.
أخرجه ابن سعد في الطبقات (٧/ ٣٦).
ب- ورواه ثانية، عن سفيان، عن الأغر، عن خليفة بن حصين: أن جده قيس بن عاصم كذا مرسلًا.
أخرجه البيهقي (١/ ١٧١).
ج- ورواه ثالثة، عن سفيان، عن الأغر المنقري، عن خليفة بن حصين بن قيس بن عاصم، عن أبيه: أن جده أسلم على عهد النبي ﷺ . . . الحديث.
أخرجه أحمد (٥/ ٦١) عن وكيع. وعلقه البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٤٤).
د- ورواه رابعة، عن سفيان، عن الأغر، عن خليفة بن حصين، عن أبيه، عن جده قيس بن عاصم، أنه قال: أسلمت … الحديث.
أخرجه ابن السكن في صحيحه [بيان الوهم والإيهام (٢/ ٤٢٩/ ٤٣٨)، التلخيص (٦٥٧)] [وانظر: تحفة الأشراف (٨/ ٢٩٠)].
ثم قال: "هكذا رواه وكيع مجودًا، عن أبيه، عن جده. ويحيى بن سعيد وجماعة رووه عن سفيان، لم يذكروا أباه".
قلت: الذين رووه، عن وكيع بهذه الوجوه الأربعة كلهم ثقات، وعليه: فإن رواية وكيع هذه مضطربة لا يعول عليها.
٢ - ورواه قبيصة بن عقبة السوائي [ثقة، إلا في حديث سفيان الثوري؛ فليس بذاك القوي، قال: حدثنا سفيان، عن الأغر، عن خليفة بن حصين، عن أبيه: أن جده قيس بن عاصم … الحديث.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٤٤)، ويعقوب بن سفيان الفسوي في المعرفة والتاريخ (١/ ١٣١) و (٣/ ٢٤٢)، والبيهقي (١/ ١٧٢).
قال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٢٤/ ٣٥): "وسألت أبي عن حديث رواه قبيصة، عن سفيان، عن الأغر، عن خليفة بن حصين، عن أبيه، عن جده قيس بن عاصم: أنه أتى النبي ﷺ فأسلم فأمره أن يغتسل بماء وسدر؟.
قال: إن هذا خطأ؛ أخطأ قبيصة في هذا الحديث؛ إنما هو: الثوري، عن الأغر، عن خليفة بن حصين، عن جده قيس: أنه أتى النبي ﷺ . . .، ليس فيه أبوه".
قلت: وهذا هو الصواب، الذي رواه الحفاظ من أصحاب الثوري، لا سيما وفيهم يحيى بن سعيد القطان وابن مهدي، وما عداه: وهم.
٣ - ورواه أبو داود الحفري [عمر بن سعد بن عبيد: ثقة عابد، من أصحاب
стр. 1414
الثوري، مقدم فيه على قبيصة وطبقته]، عن سفيان، عن الأغر، عن خليفة بن حصين: أن جده قيسًا لما أسلم أمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر.
أخرجه العجلي في معرفة الثقات (١٥٣٣).
قلت: إن كان أبو داود الحفري حفظه هكذا عن الثوري، فروايته هذه تبين الإرسال في هذا الحديث، وأن خليفة إنما يحكي قصة إسلام جده، ولم يحضرها، ولم يدركها، ولا يرويها عنه رواية، والله أعلم.
وفي رواية عبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان، وأبي عامر العقدي، وأبي عاصم النبيل، وعبيد الله بن موسى [وفيهم: أثبت أصحاب الثوري]: ما يشهد لهذا المعنى، فقد قالوا في روايتهم: عن خليفة بن حصين، عن قيس بن عاصم: أنه أسلم … الحديث [عند: الترمذي، والطوسي، والنسائي، وابن خزيمة، وابن حبان، وابن الجارود، وأحمد، وغيرهم].
وإنما رواه محمد بن كثير العبدي، والفريابي، وعبد الرزاق، وعبد الله بن الوليد العدني، ومؤمل بن إسماعيل [وهم في طبقة دون أولئك في الضبط والمعرفة]، فقالوا: عن جده قيس بن عاصم، قال: أتيت النبي ﷺ أريد الاسلام [عند: أبي داود، وعبد الرزاق، والدولابي، وابن السماك، والنقاش]، وهي رواية ظاهرها الاتصال.
ورواية الحفاظ من أصحاب الثوري: أشبه بالصواب، وعليه: فهو حديث مرسل، لم يسنده خليفة بن حصين عن جده.
• وقد تابع سفيان الثوري عليه:
قيس بن الربيع [صدوق، تغير لما كبر، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به]، رواه عن الأغر بن الصباح، عن خليفة بن حصين، عن قيس بن عاصم: أنه أسلم فأتى النبي ﷺ .
أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ١٢٢/ ٧٠٤١)، وفي الكبير (١٨/ ٣٣٨/ ٨٦٧)، والبيهقي في الدلائل (٥/ ٣١٧).
• وهي متابعة جيدة لرواية الثوري التي رواها عنه جماعة الحفاظ.
وله متابع آخر: قال أبو نعيم في المعرفة (٤/ ٢٣٠٢) بعد رواية الثوري المحفوظة: "رواه أبو شيبة، وقيس بن الربيع، عن الأغر مثله.
ورواه حفص بن عبد الرحمن، عن الثوري، عن الأغر، عن خليفة بن حصين، عن أبيه، عن جده، قيس بن عاصم".
قلت: حفص بن عبد الرحمن هو: ابن عمر بن فروخ أبو عمر البلخي الفقيه النيسابوري؛ وهو: صدوق، تكلم في حفظه، وليس من أصحاب الثوري المعروفين، ولا من أهل بلده، حتى يعتد بخلافه [انظر: التهذيب (١/ ٤٥٢)].
قال الترمذي: "هذا حديث حسن، لا نعرفه إلا من هذا الوجه"، وفي مستخرج الطوسي: "وهذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه"، بدون: "حسن".
стр. 1415
قلت: الذي تفرد بهذا الحديث هو الأغر بن الصباح، وهو: كوفي ثقة.
وشيخه: خليفة بن حصين بن قيس بن عاصم التميمي المنقري: ثقة أيضًا.
لكن هل يعرف له سماع من جده قيس بن عاصم؟ الجواب: لا يعرف له سماع منه، ولهذا حكم الترمذي على هذا الحديث بالحسن لعدم اتصاله بين خليفة وجده، مع كون رجاله ثقات، لا سيما وقد رواه جماعة الحفاظ عنه بلفظ يدل على الحكاية، لا على الرواية، وقد أبان ذلك أبو داود الحفري في روايته، مما يجعلنا نجزم بإرساله، والله أعلم.
وقال البغوي: "هذا حديث حسن".
وقال ابن الملقن في البدر المنير (٤/ ٦٦١): "حديث حسن صحيح".
• والحاصل: أن حديث قيس بن عاصم: حديث رجاله ثقات، وهو حديث مرسل، ولا يعلم لخليفة سماع من جده قيس، والله أعلم.
تنبيه: ذهب ابن القطان في كتابه "بيان الوهم والإيهام" (٢/ ٤٣٨/٤٢٩) و (٣/ ٣٣٦/ ١٠٨٠) إلى ترجيح رواية وكيع، بذكر حصين في الإسناد، واعتمد عليها في تضعيفه للحديث لجهالة حال حصين بن قيس، والصواب عدم ذكره في الإسناد كما تقدم، والله أعلم.
***
٣٥٦ - . . . عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، قال: أُخبرت عن عثيم بن كليب، عن أبيه، عن جده: أنه جاء إلى النبي ﷺ فقال: قد أسلمت، فقال له النبي ﷺ : "ألق عنك شعر الكفر"، يقول: احلق.
قال: وأخبرني آخر أن النبي ﷺ قال لآخر معه: "ألق عنك شعر الكفر واختتن".
• حديث ضعيف جدًّا.
أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٦/ ١٠/ ٩٨٣٥) و (١٠/ ٣١٧/ ١٩٢٢٤).
ومن طريقه: أبو داود (٣٥٦)، وأحمد (٣/ ٤١٥)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣/ ٣١٦/ ١٦٩٢) و (٥/ ٢٦٩/ ٢٧٩٥)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٩٥/ ٩٨٢)، وابن عدي في الكامل (١/ ٢٢٢)، والبيهقي (١/ ١٧٢) و (٨/ ٣٢٣)، والخطيب في تلخيص المتشابه في الرسم (١/ ٤٩٩)، وابن الجوزي في التحقيق (٣/ ٤١٥).
قال ابن عدي: "وهذا الذي قاله ابن جريج في هذا الإسناد: أُخبرت عن عثيم بن كليب، إنما حدثه إبراهيم بن أبي يحيى فكنى عن اسمه.
حدثنا عبد الله بن إسحاق المدائني: حدثنا محمد بن زياد الزيادي: حدثنا إبراهيم بن أبي يحيى، عن عثيم بن كثير بن كلاب، عن أبيه، عن جده: أنه قدم على رسول الله ﷺ فقال له رسول الله ﷺ : "احلق عنك شعر الكفر".
стр. 1416
وقال البيهقي: "وهذا الذي قاله ابن جريج في هذا الإسناد: أخبرت عن عثيم بن كليب، إنما حدثه إبراهيم بن أبي يحيى، فكنى عن اسمه".
وقال البرديجي في الأسماء المفردة (٦٠): "ويقال: إن ابن جريج سمعه من إبراهيم بن أبي يحيى؛ لأنه يقول: حُدثت".
وقال الخطيب في التلخيص (١/ ٥٠٠): "رواه إبراهيم بن أبي يحيى المدني، عن عثيم، ويروى أن ابن جريج إنما رواه عن ابن أبي يحيى، إلا أن إبراهيم قال: عثيم بن كثير بن كلاب، إن كان الراوي ضبط الحديث عنه … "، ثم ساق حديث إبراهيم بن أبي يحيى من طريق عبد الله بن إسحاق المدائني به، مثل حديث ابن عدي.
ورواه أيضًا ابن قانع في المعجم (٢/ ٣٨٩)، قال: حدثنا محمد بن مروان القرشي: نا محمد بن زياد الزيادي به، نحو حديث ابن عدي.
ورواه أبو نعيم في معرفة الصحابة (٥/ ٢٣٩٧/ ٥٨٦٩)، من طريق محمد بن يونس الكديمي: ثنا غانم بن الحسن: ثنا إبراهيم بن محمد الأسلمي: حدثني عثيم بن كثير بن كليب، عن أبيه، عن جده: أنه أتى النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : "احلق عنك شعر الكفر" فحلقه.
ثم قال: "رواه صدقة بن عبد الله، عن إبراهيم بن محمد مثله … " [وانظر: المعرفة أيضًا (٣/ ١٥٢٣/ ٣٨٦٢)].
وهذا يدل على أن هذا الحديث إنما يعرف من حديث إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي المدني، وهو مشهور عنه، رواه عنه جماعة، منهم ابن جريج، لكنه دلسه فقال: "أخبرت عن عثيم بن كليب"، وقد صدق الدارقطني إذ يقول: "تجنب تدليس ابن جريج فإنه قبيح التدليس، لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح، مثل: إبراهيم بن أبي يحيى، وموسى بن عبيدة، وغيرهما" [التهذيب (٢/ ٦١٧)].
وبهذا فإن حديث ابن جريج إنما هو من حديث إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي المدني، وبه يعرف، وابن أبي يحيى هذا: متروك، بل كذاب، كذبه أهل بلده وهم به أعرف، فقد كذبه مالك، وهو الحكم في أهل المدينة، وقال بشر بن المفضل: "سألت فقهاء أهل المدينة عنه؟ فكلهم يقولون: كذاب"، وكذبه أيضًا من أئمة الجرح والتعديل: يحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، ويعقوب بن سفيان الفسوي، وابن حبان، وغيرهم، وقال البزار: "يضع الحديث"، ومع ذلك فقد خفي أمره على الإمام الشافعي، فوثقه وأكثر عنه في كتبه [انظر: التهذيب (١/ ٨٣)، إكمال مغلطاي (١/ ٢٨٤)، الميزان (١/ ٥٧)، الكامل (١/ ٢١٧)].
فكيف يقال بعد ذلك بأنه حديث حسن؛ لأن أبا داود أخرجه في سننه، وسكت عليه، وقد علمت أنه من حديث إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي، وهو كذاب جهمي، يضع الحديث.
стр. 1417
فإن قيل: قال أبو نعيم في معرفة الصحابة (٣/ ١٥٢٣): "ورواه عبد الله بن منيب، عن عثيم بن كثير بن كليب، عن أبيه، عن جده نحوه".
وعبد الله بن منيب: ليس به بأس.
فيقال: لم يذكر أبو نعيم الإسناد إلى ابن المنيب، فلعل الراوي عنه: هو الواقدي [وهو: متروك]، وهذا ما يغلب على ظني فإن أحاديث عبد الله بن المنيب عن عثيم بن كثير بن كليب: يرويها الواقدي [انظر: الكامل (٦/ ٢٤١)، شعب الإيمان (٦/ ٢١٠/ ٧٩٣٠)].
• والحديث مشهور من حديث إبراهيم بن أبي يحيى، ولا يعرف من حديث ابن المنيب، ولو صح إليه واشتهر لما تركه أبو داود وغيره، وعدل عنه إلى طريق ابن جريج الظاهر الانقطاع، مما يدل على أن الحديث لا يعرف من حديث ابن المنيب.
ولو افترضنا صحته إلى ابن المنيب، فالحديث لا يصح أيضًا، فإن عثيم بن كليب، أو عثيم بن كثير بن كليب: هو، وأبوه، وجده: مجهولون، قاله ابن القطان في بيان الوهم (٣/ ٤٣/ ٦٩٥) [وانظر: التاريخ الكبير (٧/ ٧٩ و ٢٣٠)، الجرح والتعديل (٧/ ٣٧ و ١٥٦ و ١٦٧)، الثقات (٧/ ٣٠٣)، الأسماء المفردة للبرديجي (٦٠)، الإكمال لابن ماكولا (٦/ ١٣٨)، التهذيب (٣/ ٨٣ و ٤٧٥)، اللسان (٦/ ٤١٣)، ذيل الميزان (٦٢٧)، التعجيل (٩٠١)، المغني (٢/ ٤٣٠)، الإصابة (٣/ ٤٧١) و (٥/ ٢٦٦ و ٣٤٧) و (٧/ ٣٤٨)].
ولم أرد الخوض في تحقيق القول فيمن هو صحابي هذا الحديث، كليب أم أبوه؟ وإن كنت أميل إلى ترجيح الثاني، وهو الذي يشير إليه صنيع البخاري في تاريخه، وأبي حاتم، وابن حبان، والبرديجي، وغيرهم، وكذلك صنيع من أخرج الحديث في مصنفاتهم من أصحاب المسانيد، والمعاجم، وذكر الصحابة، مثل: أحمد، وابن أبي عاصم، والطبراني، حيث ذكروا هذا الحديث في ترجمة: أبي كليب، أو جد عثيم بن كليب، حيث لم يقل: عثيم بن كثير بن كليب إلا إبراهيم بن أبي يحيى والواقدي، وكلاهما لا يعتبر به، فبقي قول ابن جريج، والله أعلم.
• فإن قيل: للحديث طريق أخرى؛ قال أبو نعيم في المعرفة (٥/ ٢٣٩٨): "ورواه خالد بن عمرو، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن كثير بن كليب، عن أبيه نحوه".
قلت: هذا وصله ابن قانع من معجم الصحابة (٢/ ٣٨٣) قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن سابور: نا أبو نعيم الحلبي: نا خالد بن عمرو، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن كثير بن كليب، عن أبيه، قال: قدمت على النبي ﷺ فأسلمت، فقال لي: "احلق عنك شعر الكفر، واغتسل، واغسل ثيابك" فذهبت، فحلقت رأسي وجسدي وعانتي.
فهذا حديث موضوع على الليث بن سعد، وضعه خالد بن عمرو، وهو: ابن محمد بن عبد الله بن سعيد بن العاص القرشي الأموي السعيدي، أبو سعيد الكوفي، وهو: متروك، منكر الحديث، كذبه ابن معين، ورماه بالوضع: صالح جزرة وابن حبان وابن عدي، وقال
стр. 1418
أحمد: "ليس بثقة، يروي أحاديث بواطيل"، وقال ابن عدي: "روى عن الليث وغيره أحاديث مناكير"، ثم روى له أحاديث من طريق: أبي نعيم الحلبي عنه، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، ثم قال: "وهذه الأحاديث التي رواها خالد، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب: كلها باطلة، وعندي أن خالد بن عمرو وضعها على الليث.
ونسخة الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عندنا من حديث يحيى بن بكير، وقتيبة، وابن رمح، وابن زغبة، ويزيد بن موهب، وليس فيه من هذا شيء".
ثم قال بعد أن ذكر له جملة من أحاديثه، عن الثوري وابن أبي ذئب، ومالك بن مغول، وإسرائيل، وشعبة وغيرهم: "وخالد بن عمرو هذا له غير ما ذكرت من الحديث عمن يحدث عنهم، وكلها أو عامتها موضوعة، وهو بيِّن الأمر في الضعفاء" [الكامل (٣/ ٢٩)، تاريخ بغداد (٨/ ٢٩٩)، التهذيب (١/ ٥٢٨)، الميزان (١/ ٦٣٥)].
وأبو نعيم الحلبي هو: عبيد بن هشام: ليس بالقوي، كان يلقن فيتلقن [التهذيب (٣/ ٤١)].
وابن سابور، شيخ ابن قانع: محدث مشهور، وثقه الدارقطني والذهبي [سؤالات السهمي (١٤٤)، تاريخ بغداد (٤/ ٢٢٥)، السير (١٤/ ٤٦٢)، اللسان (١/ ٥٠٢)].
• والحاصل: أن حديث عثيم بن كليب عن أبيه عن جده: حديث ضعيف جدًّا، إنما يعرف من حديث إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي، واللّه أعلم.
فلا يصلح مثله في الشواهد.
• وفي الباب:
عن واثلة بن الأسقع، وقتادة الرهاوي، وأبي هريرة:
١ - أما حديث واثلة:
فيرويه سليم بن منصور بن عمار: ثنا أبي: ثنا معروف أبو الخطاب، عن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: لما أسلمت أتيت النبي ﷺ ، فقال لي: "اذهب فاغتسل بماء وسدر، وألق عنك شعر الكفر"، ومسح رسول الله ﷺ على رأسي.
أخرجه الحاكم (٣/ ٥٧٠)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٨٢/ ١٩٩)، وفي الصغير (٢/ ١١٧/ ٨٨٠)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (٣/ ٢٣٩)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٣٢٩)، وفي أخبار أصبهان (١/ ٤٦٣)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٣/ ٧١ - ٧٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٢/ ٣٥٥ و ٣٥٦).
قال الطبراني: "لم يرو عن واثلة بن الأسقع إلا بهذا الإسناد، تفرد به منصور بن عمار".
قال الهيثمي في المجمع (١/ ٢٨٣): "وفيه منصور بن عمار الواعظ: وهو ضعيف".
قلت: معروف بن عبد الله الخياط أبو الخطاب: قال أبو حاتم: "ليس بالقوي"، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين (٥/ ٤٣٩)، ولم يذكر فيه شيئًا، ثم ذكره في ترجمة الإمام ابن خزيمة في ثقات تبع أتباع التابعين (٩/ ١٥٦)، وقال: "ومعروف من أصحاب
стр. 1419
واثلة بن الأسقع، روى عنه أحرفًا تشبه أحاديث الثقات"، لكنه لم يذكر شيئًا من هذه الأحرف، وفي خاتمة الكتاب (٩/ ٢٩٥) ذكر طرفًا منها، فقال: "ومعروف حفظ من واثلة بن الأسقع أشياء"، ثم ذكر منها أشياء من أفعال واثلة نفسه: في الجنائز، وفي إملاء الأحاديث، ليس فيها شيء مرفوع إلى النبي ﷺ ، ثم قال: "ومعروف هذا سمع واثلة، وحفظ عنه، وهو: صدوق"، ويلاحظ أن ابن حبان ترجم لأبي الخطاب هذا في الموضع الأول برواية الوليد بن مسلم وعلي بن حجر عنه، وهما من الثقات.
وعلى هذا فإن توثيق ابن حبان لمعروف ووصفه له بالصدق قائم على سبره لأحاديث معروف التي رواها عنه الثقات دون غيرهم، حسب علم ابن حبان وما وقف عليه من أحاديثه.
• وأما ابن عدي فقد سلك في كامله (٦/ ٣٢٦) مسلكًا آخر: فقد بدأ ترجمته بأحاديث أربعة رواها عمر بن حفص الدمشقي، عن معروف، عن واثلة، عن النبي ﷺ ، وهي أحاديث تلوح عليها أمارات الوضع، ذكرها الذهبي في ترجمة معروف من الميزان (٤/ ١٤٤ - ١٤٥)، ثم قال: "هذه موضوعات بيقين، والبلية من عمر بن حفص؛ لأن معروفًا قل ما روى، وأكثر ما عنده أمور من أفعال واثلة؛ وكان مولاه".
ونقله ابن حجر في تهذيبه (٤/ ١١٩) بتصرف واختصار، فقال: "أورد له ابن عدي في ترجمته عدة أحاديث منكرة من رواية عمر بن حفص المعمر، والبلية فيها منه، لا من معروف".
وكان الذهبي قد ترجم لعمر هذا في ميزانه (٣/ ١٩٠) فقال: "عمر بن حفص الدمشقي الخياط المعمر: شيخ أعتقد أنه وضع على معروف الخياط أحاديث؛ كما سيأتي في ترجمة معروف … "، ونقل ابن حجر كلام الذهبي بتمامه في اللسان (٦/ ٩١)، ولم يزد عليه شيئًا، ولم يتعقبه بشيء، وكذا صاحب الكشف الحثيث (٥٤٢).
وقد ترجم ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٣/ ٥٦٦) لعمر بن حفص هذا بثلاثة أحاديث منها، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
• ثم روى ابن عدي له حديثًا خامسًا، من رواية إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني: ثنا معروف، قال: عاد واثلة بن الأسقع يزيد بن الأسود، … فذكر قصة في آخرها حديث مرفوع: "يقول الله: أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما أحب".
وإبراهيم بن هشام هذا: أحد المتروكين الذين مشاهم ابن حبان فلم يصب، قال فيه أبو حاتم وأبو زرعة: "كذاب" [الميزان (١/ ٧٢) و (٤/ ٣٧٧)، اللسان (١/ ٣٨١) و (٨/ ٤٤٤)].
وحديث واثلة هذا: محفوظ صحيح عنه، من طريق آخر، انظر: الذكر والدعاء (١/ ٢٣/ ٥) بتخريجي، لكن المقصود أنه ليس محفوظًا من حديث معروف الخياط عنه.
• ثم روى له ابن عدي حديثًا سادسًا، قال: ثنا أبو قصي: ثنا أبي محمد بن إسحاق، وعمي عبد الله بن إسحاق، قالا: ثنا معروف الخياط: ثنا واثلة بن الأسقع
стр. 1420
الليثي، قال: قال رسول الله ﷺ : "من شهد جنازة ومشى أمامها، وجلس حتى يأخذ بأربع زوايا السرير، وجلس حتى تدفن، كُتب له قيراطان من أجر، أخفهما في ميزانه يوم القيامة أثقل من جبل أحد".
روى هذا الحديث ابن عساكر في تاريخه (٢٧/ ٨١) و (٥٢/ ٢٠)، من طرقٍ عن أبي قصي به، ولفظه في بعض طرقه: "من حمل بجوانب السرير الأربع غفر له أربعين كبيرة".
وهذا حديث منكر؛ لا ينبغي الحمل فيه على معروف الخياط، وإنما على محمد وأخيه عبد الله ابني إسحاق بن إسماعيل بن مسروق العذري: لم أر من ترجم لهما سوى ابن عساكر في تاريخ دمشق في الموضعين السابقين، ولم يذكر لهما راويًا سوى أبي قصي، ولا أنهما رويا عن غير معروف الخياط، ولم يذكر لهما سوى هذا الحديث الواحد.
وأما أبو قصي: فهو إسماعيل بن محمد بن إسحاق بن إسماعيل بن مسروق العذري: روى عنه: أبو سعيد بن الأعرابي، والحافظ أبو علي النيسابوري، والطبراني، وابن عدي، وآخرون، ونعته الذهبي في السير (١٤/ ١٨٥) بقوله: "المحدث العالم".
• ثم روى له ابن عدي حديثًا سابعًا، من طريق: يونس بن عطاء، عن معروف مولى واثلة، قال: سمعت واثلة يقول: رأيت على رسول الله ﷺ عمامة سوداء.
ويونس بن عطاء هذا، قال فيه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥١/ ٢٦٢) بعد أن أخرج حديثه هذا من طريق ابن عدي، قال: "ويونس بن عطاء: غير معروف".
وإن كان هو يونس بن عطاء الصدائي الذي يروي عن حميد الطويل؛ فقد قال فيه ابن حبان: "يروي العجائب، لا يجوز الاحتجاج بخبره"، وقال الحاكم وأبو سعيد النقاش وأبو نعيم: "روى عن حميد الطويل: الموضوعات" [الميزان (٤/ ٤٨٢)، اللسان (٨/ ٥٧٤)].
وعلى هذا فلا تبعة فيه أيضًا على معروف الخياط، وإنما الحمل على يونس بن عطاء هذا: ثم إنه قد خولف في رفعه؛ فقد رواه هشام بن عمار عن معروف به موقوفًا على واثلة فعله، وهو أصح.
أخرجه ابن عدي (٦/ ٣٢٧)، وابن عساكر (٥١/ ٢٦٢).
ثم قال ابن عدي بعد هذه الأحاديث السبعة: "وهذه الأحاديث لمعروف عن واثلة: منكرة جدًّا، ومعروف هو مولى واثلة".
• قلت: قد تبين مما سبق أنه لا ينبغي الحمل في هذه الأحاديث على معروف، وإنما التبعة فيها على الرواة عن معروف فهم إما ضعفاء أو مجاهيل، وكل هذه الأحاديث المتقدمة لا يصح إسناد واحد منها إلى معروف الخياط؛ فكيف تُنكَر عليه؟!!
ثم ذكر ابن عدي بعد ذلك ما رواه معروف من أفعال واثلة وأقواله الموقوفة عليه، ثم ختم بحديث أبي الخطاب الدمشقي: ثنا رزيق أبو عبد الله، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة الرجل في بيته بصلاة، وصلاته في مسجد القبائل بخمسة وعشرين صلاة، وصلاته في المسجد الذي يجمع فيه بخمس مائة، وصلاته في المسجد الأقصى
стр. 1421
بخمسين ألفًا، وصلاته في مسجدي بخمسين ألفًا، وصلاته في المسجد الحرام بمائة ألف".
وهذا الحديث أخرجه ابن ماجه (١٤١٣)، والطبراني في الأوسط (٧/ ١١٢/ ٧٠٠٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢/ ٢٤٢ - ٢٤٣ و ٢٤٣) و (١٥/ ١٥٨ - ١٥٩ و ١٥٩)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٥٧٦/ ٩٤٦)، وضياء الدين المقدسي في فضائل بيت المقدس (١٩).
كلهم من طريق هشام بن عمار، عن أبي الخطاب به، ووقع عند الطبراني، وابن عساكر، وضياء الدين مصرحًا باسم أبي الخطاب: قال هشام بن عمار: ثنا أبو الخطاب حماد الدمشقي.
ورواه الخطيب في تلخيص المتشابه في الرسم (١/ ٤٨٨ - ٤٨٩)، وعلقه ابن ماكولا في الإكمال (٢/ ٤٦٤).
من طريق: الربيع بن نافع، نا سلمة بن علي أبو الخطاب -كان يسكن باللاذقية-، عن رُزَيْق بن عبد الله: أنه سمع أنس بن مالك، يقول: قال رسول الله ﷺ : "الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بخمسين ألف صلاة، والصلاة في المسجد الذي يُجْمَّعُ فيه الجمعة بخمس وعشرين ألف صلاة، والصلاة في مسجد القبايل بخمس وعشرين ألف صلاة".
قال الخطيب في رزيق بن عبد الله، وسلمة بن علي: "هما في عداد المجهولين"، ونقله ابن ماكولا في الإكمال (٤/ ٤٨).
وقال ابن ماكولا: "والحديث منكر، ورجاله مجهولون، ما عدا الربيع بن نافع".
وتعقبه ابن رجب في فتح الباري (٢/ ٥٨١) بقوله: "كذا قال، وليس فيهم من يجهل حاله سوى أبي الخطاب هذا"، [وانظر: البدر المنير (٩/ ٥١٣)].
لكن ذهب ابن ناصر الدين في توضيح المشتبه (٤/ ١٧٠) إلى أن سلمة بن علي تصحف من مسلمة بن علي، وهو الخشني، ومن هنا وقع اللبس حسب قوله، فظناه مجهولًا، والذي يظهر لي -والله أعلم-، أنه لم يتصحف، فان الخشني يكنى: أبا سعيد، وكان يسكن البلاط قرية من قرى دمشق، وأما الراوي هنا يكنى: أبا الخطاب، وكان يسكن اللاذقية، فهو مجهول، كما قال الخطيب وابن ماكولا وابن رجب، ولو تنزلنا فقلنا بأنه الخشني، فهو أسوأ حالًا، إذ إن مسلمة بن علي الخشني: متروك، منكر الحديث [التهذيب (٤/ ٧٦)].
وأيًّا كان أبو الخطاب الدمشقي هذا، سواءً كان اسمه حماد، أو سلمة بن علي، فإنه: مجهول، أو كان هو مسلمة بن علي الخشني، فإنه: متروك، منكر الحديث.
فظهر بذلك بأنه ليس بأبي الخطاب معروف بن عبد الله الخياط، كما توهم ذلك ابن عدي فحمَّله تبعة هذا الحديث المنكر، وإنما الحمل فيه على أبي الخطاب حماد الدمشقي: وهو مجهول [التقريب (٧٠٢)]، أو أبي الخطاب سلمة بن علي، وهو: مجهول، أو مسلمة بن علي الخشني، وهو: متروك، منكر الحديث.
стр. 1422
قال ابن عساكر: "ذكره أبو أحمد بن عدي في ترجمة معروف بن عبد الله الخياط، ووهم في ذلك، هما اثنان"، لذا فقد أخرج ابن عساكر هذا الحديث في ترجمة حماد هذا.
وقال الطبراني وقد ورد عنده مصرحًا باسمه "حماد": "لا يروى هذا الحديث عن أنس إلا بهذا الإسناد، تفرد به: هشام بن عمار".
وقال الذهبي في ترجمة معروف الخياط من الميزان (٤/ ١٤٥): "قيل: روى له ابن ماجه، ولم يصح"، ثم ذكر هذا الحديث في ترجمة أبي الخطاب الدمشقي "حماد"، وقال في الحديث: "هذا منكر جدًّا" [الميزان (٤/ ٥٢٠)].
وممن وهَّم ابن عدي أيضًا في نسبة هذا الحديث إلى معروف الخياط: المزي وابن حجر وغيرهما [انظر: تهذيب الكمال (٧/ ١٧٤) و (٨/ ٢٩٩)، تهذيب التهذيب (٤/ ١١٩ و ٥١٧)].
• وحاصل ما تقدم: أن كل الأحاديث المرفوعة التي أوردها ابن عدي في ترجمة أبي الخطاب معروف بن عبد الله الخياط، ثم أنكرها عليه، وضعفه بسببها، فالرجل منها بريء، وإنما الحمل فيها على من روى عنه هذه الأحاديث من الضعفاء والمجاهيل، وبذا يعلم خطأ الحكم العام الذي ختم به ابن عدي ترجمة معروف فقال: "ومعروف الخياط هذا: عامة ما يرويه، وما ذكرته: أحاديث لا يتابع عليها".
• إلا أنني وجدت له حديثًا منكرًا، له طريقان:
الأول: يرويه محمد بن جعفر المصيصي: ثنا محمد بن قطن: ثنا معلى بن سلام الرفاء، عن معروف الخياط، عن واثلة بن الأسقع، قال: قال رسول الله ﷺ : "بكاء الصبي إلى سنتين يقول: لا إله إلا الله، [محمد رسول الله]، وما كان بعد ذلك فاستغفار لأبويه، وما عمل من حسنة فلأبويه، وما عمل من سيئة لم تكتب عليه، ولا على أبويه؛ حتى يجري عليه القلم".
أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٥/ ١٠٦ - ١٠٧) و (٥٩/ ٣٧٦)، والرافعي في التدوين (٢/ ٢٣١).
وإسناده إلى معروف لا يصح، فإن من دون معروف مجاهيل [انظر ترجمة معلى بن سلام الرفاء: في الثقات (٩/ ١٨٣)، تاريخ ابن عساكر (٥٩/ ٣٧٦)، وترجمة محمد بن قطن: في تاريخ ابن عساكر (٥٥/ ١٠٦)، ولم أعرف محمد بن جعفر المصيصي].
والثاني: يرويه ابن عساكر في تاريخه (٥٩/ ٣٤٨)، قال: أخبرنا أبو محمد بن الأكفاني: نا عبد العزيز الكتاني: أنا تمام بن محمد: حدثني أبو الفرج العباس بن محمد بن حبان الدمشقي: أنا محمد بن خريم: أن هشام بن عمار حدثهم: نا معروف الخياط، عن واثلة بن الأسقع، قال: قال رسول الله ﷺ : … فذكر مثله دون ما بين المعكوفين.
قال ابن عساكر: "غريب جدًّا".
قلت: نعم؛ هو حديث منكر جدًّا، والإسناد إلى معروف الخياط: إسناد صحيح،
стр. 1423
رجاله كلهم ثقات، ومحمد بن خريم هو: ابن محمد بن عبد الملك بن مروان أبو بكر العقيلي: إمام محدث ثقة، مكثر عن هشام بن عمار [انظر: تاريخ دمشق (٥٢/ ٣٩٦)، السير (١٤/ ٤٢٨)، اللسان (٧/ ١١٦)].
ولا يُعترض على هذا بأن هشامًا كان يقبل التلقين، فالحديث له طريق أخرى عن معروف تؤيد ثبوته عنه، والحمل فيه على معروف أولى من هشام، لا سيما والراوي عن هشام من المكثرين المشهورين بالرواية عنه، ومن دون محمد بن خريم: حفاظ ثقات مأمونون مشهورون.
ومثل هذا الحديث المنكر مما يضعف به الرجل، وهذا مما يدل على أن ابن حبان لم يسبر كل مرويات معروف الخياط مما حدا به إلى تقويته والجزم بأنه صدوق، لذا فإن قول أبي حاتم الرازي: "ليس بالقوي"، أقرب إلى الصواب.
• والخلاصة: أن معروف بن عبد الله الخياط أبا الخطاب: ضعيف، والله أعلم.
ولذلك فإن ابن عساكر بعدما سرد شيئًا من مرويات معروف الخياط وأقوال أهل العلم فيه فكأنه ارتضى قول ابن عدي: "عامة ما يرويه أحاديث لا يتابع عليه"، فختم به ترجمة معروف.
ثم إن الراوي عن معروف الخياط لحديث الباب: هو منصور بن عمار الواعظ أبو السري الخراساني، ويقال: هو بصري، وهو: ضعيف، ويروي عن ضعفاء أحاديث منكرة لا يتابع عليها، قال الذهبي في السير (٩/ ٩٥): "ساق ابن عدي مناكير لمنصور تقضي بأنه واهِ جدًّا"، وقال أبو أحمد الحاكم: "روى عنه ابنه عن مشايخه أحاديث منكرة" [انظر: الميزان (٤/ ١٨٧)، اللسان (٨/ ١٦٥)، تاريخ دمشق (٦٠/ ٣٢٤)].
وابنه سليم بن منصور بن عمار: متكلم فيه ولم يترك [الميزان (٢/ ٢٣٢)، اللسان (٤/ ١٨٧)، الجرح والتعديل (٤/ ٢١٦)، تاريخ بغداد (٩/ ٢٣٢)، المغني (١/ ٢٨٥)].
فهو حديث منكر، والله أعلم.
٢ - وأما حديث قتادة الرهاوي:
فيرويه أحمد بن عبد الملك بن واقد الحراني: ثنا قتادة بن الفضل بن قتادة الرهاوي، عن أبيه: حدثني هشام [وفي رواية الطبراني: حدثني عم أبي هاشم] بن قتادة الرهاوي، عن أبيه، قال: أتيت رسول الله ﷺ فأسلمت، فقال لي: "يا قتادة! اغتسل بماء وسدر، واحلق عنك شعر الكفر"، قال: وكان رسول الله ﷺ يأمر من أسلم أن يختتن وإن كان ابن ثمانين.
أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٥/ ١٨/ ٢٦٧٧)، والطبراني في الكبير (١٩/ ١٤/ ٢٠).
وهذا حديث ضعيف؛ هشام بن قتادة، وابن أخيه الفضل بن عبد الله بن قتادة: مجهولان، ومن دونهما ثقات.
стр. 1424
وانظر الكلام على هذا الإسناد مفصلًا في تخريج أحاديث الذكر والدعاء (٢/ ٧٠٧/ ٣٢٢).
وقد ضعف إسناده الحافظ في التلخيص (٤/ ٦١٨).
٣ - وأما حديث أبي هريرة:
فيرويه عبد الرزاق قال: أخبرنا عبيد الله، وعبد الله ابنا عمر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة: أن ثمامة الحنفي أُسر، فكان النبي ﷺ يغدو إليه، فيقول: "ما عندك يا ثمامة"، فيقول: إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تمن تمن على شاكر، وإن تُرِد المال تعط منه ما شئت، وكان أصحاب النبي ﷺ يحبون الفداء، ويقولون: ما نصنع بقتل هذا! فمر عليه النبي ﷺ يومًا فأسلم، فحله وبعث به إلى حائط أبي طلحة، فأمره أن يغتسل، فاغتسل، وصلى ركعتين، فقال النبي ﷺ : "لقد حسن إسلام صاحبكم".
أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٦/ ٩/ ٩٨٣٤) و (١٠/ ٣١٨/ ١٩٢٢٦).
ومن طريقه: أبو عوانة في صحيحه (٤/ ٢٥٨/ ٦٦٩٩)، وابن خزيمة (١/ ١٢٥/ ٢٥٣)، وابن حبان في صحيحه (٤/ ٤١/ ٦٤١)، وفي الثقات (١/ ٢٨٠ - ٢٨١)، وابن الجارود (١٥)، وابن المنذر (٢/ ١١٥/ ٦٤١)، والطحاوي في المشكل (٥/ ٤٣٦/ ٣٥٢٣ - ترتيبه)، والبيهقي (١/ ١٧١)، والخطيب في المبهمات ص (٤٢).
والناظر إلى هذا الإسناد لأول وهلة يقول: هو إسناد صحيح على شرط الشيخين، فقد أخرجا أحاديث لعبيد الله بن عمر العمري عن سعيد المقبري عن أبي هريرة [انظر: تحفة الأشراف (٩/ ٤٧٧ - ٤٨٠/ ١٢٩٨٣ - ١٢٩٨٧ و ١٢٩٩٠ و ١٢٩٩١)].
ومن المعلوم أن عبيد الله بن عمر العمري من أثبت الناس وأصحهم حديثًا عن سعيد المقبري [شرح علل الترمذي (٢/ ٦٧٠)].
لكن الحديث رواه عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا عبد الله بن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة: أن ثمامة بن أثال أسلم فقال رسول الله ﷺ : "اذهبوا إلى حائط بني فلان، فمروه أن يغتسل".
أخرجه أحمد (٢/ ٣٠٤)، ومن طريقه: أبو نعيم في الحلية (٩/ ٣٦)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٢٢٤/ ٢٥٦).
وتابعه: سريج بن النعمان [ثقة]، قال: حدثنا عبد الله -يعني: ابن عمر-، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة: أن ثمامة بن أثال الحنفي أسلم، فأمر النبي ﷺ أن ينطلق به إلى حائط أبي طلحة فيغتسل، فقال رسول الله ﷺ : "قد حسن إسلام صاحبكم".
أخرجه أحمد (٢/ ٤٨٣).
وتابعهما: محمد بن سنان [الباهلي العوقي: ثقة ثبت]، قال: حدثنا عبد الله بن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة: أن رجلًا أسلم فأمره النبي ﷺ أن يغتسل.
أخرجه الخطيب في المبهمات ص (٤٠) بإسناد صحيح إلى العوقي.
стр. 1425
فهؤلاء ثلاثة من الثقات الحفاظ رووا هذا الحديث عن عبد الله بن عمر العمري، ولا أعلم حدث به أحد الثقات من أصحاب عبيد الله بن عمر غير عبد الرزاق بن همام الصنعاني، وهو مضعَّف في عبيد الله بن عمر، له عنه مناكير، قال أحمد: "روى عن عبيد الله أحاديث مناكير، هي من حديث العمري"، وقال يحيى بن معين بأن أحاديث عبد الرزاق، عن عبيد الله بن عمر: منكرة. [انظر: شرح علل الترمذي (٢/ ٧٧٠ و ٨٠٩)].
فكيف يقبل تفرد عبد الرزاق بهذا الحديث دون أصحاب عبيد الله الثقات على كثرتهم، وقد وهم عبد الرزاق في زيادة عبيد الله بن عمر في الإسناد، إنما هو حديث عبد الله بن عمر العمري.
فإن قيل: قد يكون هذا الحديث مما حدث به عبد الرزاق بعدما أضر وفقد بصره؟ فيقال: قد حدث به عن عبد الرزاق جماعة من متقدمي أصحابه مثل: أبي الأزهر أحمد بن الأزهر، وسلمة بن شبيب، ومحمد بن يحيى الذهلي، وتابعهم: محمد بن علي بن سفيان النجار، وإسحاق بن إبراهيم الدبري [انظر: شرح العلل (٢/ ٧٥٢)، التقييد والإيضاح (٤٣٧)، الكواكب النيرات (٣٤)].
- فإن قيل: حدث بهذا الحديث أيضًا عن عبيد الله بن عمر العمري: سفيان الثوري، فيكون متابعًا لعبد الرزاق، ويثبت به حديث عبيد الله بن عمر، ويصح عنه.
فيقال: لا يصح في ذلك شيء عن الثوري:
١ - فقد أخرج الخطيب في المبهمات ص (٤١) قال: أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله المعدل [هو أبو الحسين بن بشران الثقة الحافظ المشهور. السير (١٧/ ٣١١)]: أخبرنا علي بن محمد بن أحمد المصري [هو أبو الحسن البغدادي الواعظ المشهور بالمصري: ثقة عارف. السير (١٥/ ٣٨١)]: حدثنا ابن أبي مريم: حدثنا محمد بن يوسف: حدثنا سفيان بن سعيد، عن عبيد الله بن عمر، أو عبد الله بن عمر، عن المقبري، عن أبي هريرة: أن ثمامة بن أثال الحنفي أسلم فأمره النبي ﷺ أن يصلي.
وهذا حديث باطل، وابن أبي مريم هذا على ضعفه فقد اضطرب فيه، فقد أخرج الخطيب أيضًا في المبهمات ص (٤٠ - ٤١) قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن يحيى بن جعفر إمام المسجد الجامع بأصبهان [ثقة. السير (١٧/ ٤٧٨)]: حدثنا أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني: حدثنا عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم: حدثنا محمد بن يوسف الفريابي: حدثنا سفيان، عن عبد الله بن عمر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة: أن ثمامة بن أثال أسلم، فأمره النبي ﷺ أن يغتسل ويصلي.
هكذا رواه ابن أبي مريم هذا مرة، عن الفريابي، عن الثوري، عن عبيد الله بن عمر، أو عبد الله بن عمر، هكذا على الشك، ورواه مرة أخرى فقال: عبد الله بن عمر، ولم يشك.
وعلى فرض ثبوت الحديث عن سفيان الثوري، فأولى الروايات شبهًا بالصواب:
стр. 1426
الرواية الثانية لموافقتها لرواية الحفاظ الثلاثة المتقدمة: لكن عبد الله بن محمد بن سعيد بن الحكم بن أبي مريم: قال ابن عدي: "يحدث عن الفريابي وغيره بالبواطيل"، هكذا افتتح ترجمته، ثم ختمها بقوله: "إما أن يكون مغفلًا لا يدري ما يخرج من رأسه، أو يتعمد، فإني رأيت له غير حديث مما لم أذكره أيضًا هاهنا غير محفوظ" [الكامل (٤/ ٢٥٥)، اللسان (٤/ ٥٦٢)، الارشاد (٢/ ٤٧٣)، ضعفاء ابن الجوزي (٢/ ١٣٩)، مجمع الزوائد (٢/ ١٧٣)، وقال: "ضعيف جدًّا"، و (٦/ ٣١٤ و ٣١٥ و ٣١٨ و ٣٢٤ و ٣٢٦) و (٩/ ٧٧)، وقال: "ضعيف"].
٢ - وأخرج الخطيب أيضًا في المبهمات ص (٤١) قال: أخبرنا علي بن يحيى الإمام [ثقة. السير (١٧/ ٤٧٨)]: حدثنا سليمان بن أحمد الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: وجدت في كتاب أبي: أُخبرت عن الأشجعي، عن سفيان، عن عبيد الله بن عمر، عن المقبري، عن أبي هريرة، قال: جيء بثمامة بن أثال أسيرًا إلى النبي ﷺ فقال: إن تقتل تقتل عظيمًا، وإن تفاد تفاد كريمًا، فأرسله، ثم جاء مسلمًا، فأمره النبي ﷺ أن يغتسل، ثم أمره أن يصلي.
وهذا منكر؛ فإن الرواية المحفوظة -كما سيأتي- بغير هذا اللفظ، وفيها أنه اغتسل من تلقاء نفسه، لم يؤمر بذلك، ثم جاء فدخل المسجد، وأسلم، فقدم الغسل على الإسلام.
والأشجعي عبيد الله بن عبيد الرحمن: ثقة مأمون، أثبت الناس كتابًا في الثوري، وهو من أصحابه المقدمين فيه؛ وهو أثبت فيه من الفريابي وقبيصة وأصحابهما [التهذيب (٣/ ٢٠)، التقريب (٤٠٦)، شرح العلل (٢/ ٧٢٢)].
والإمام أحمد يروي عنه في مسنده بواسطة ابنه [المسند (١/ ٦٧ و ١٠٠ و ١٢٠ و ٣٠٨) و (٤/ ١١٥) و (٦/ ١٣٥)]، أو بواسطة أبي النضر هاشم بن القاسم [المسند (١/ ٩٨) و (١/ ٤٠٢) و (٤/ ٦١) و (٥/ ٣٧٤) و (٦/ ٨٠ و ٢٥٨)]، أو بواسطة إبراهيم بن أبي الليث [المسند (٤/ ١٧١)].
وإبراهيم بن أبي الليث هذا: متروك الحديث، كان يكذب، قال صالح جزرة: "كان يكذب عشرين سنة، وقد أشكل أمره على يحيى وأحمد وعلي بن المديني، حتى ظهر بعد بالكذب، فتركوا حديثه"، وقال يعقوب بن شيبة: "كان أصحابنا كتبوا عنه ثم تركوه، وكانت عنده كتب الأشجعي، وكان معروفًا بها، فلم يقتصر على الذي عنده حتى تخطى إلى أحاديث موضوعة" [اللسان (١/ ٣٣٧)، التعجيل (٢١)، منهج النسائي في الجرح والتعديل (٣/ ١٠٥٨)].
• ولا يبعد عندي أن يكون هذا هو الواسطة بين أحمد والأشجعي لأمور منها:
١ - أن هذا الحديث ليس في المسند المطبوع، ولا في كتب الأطراف، مثل: إتحاف المهرة (١٤/ ٦٦٩/ ١٨٤٥١) وغيره، مما يدل على أن عبد الله بن أحمد لم يدخله
стр. 1427
في المسند عمدًا لما تبين لأبيه حال إبراهيم بن أبي الليث والذي لم يتابع على هذا الحديث.
٢ - أن الواسطة بين أحمد، والأشجعي لو كان ثقة لصرح به ولم يكني عنه.
٣ - نكارة المتن والذي يدل على ضعف الواسطة.
• ومما يؤكد ضعف هذه الروايات عن الثوري، وأن الحديث ليس محفوظًا عن عبيد الله بن عمر العمري، وإنما هو حديث عبد الله بن عمر:
ما رواه أبو يعلى في مسنده (١١/ ٦٥٤٧/٤٢٤)، قال: حدثنا بشر بن سيحان: حدثنا عمرو بن محمد الرزيني -قال: فما رأيت مثله بعيني قط-: حدثنا سفيان الثوري، عن رجل، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: لما أسلم ثمامة أمره رسول الله ﷺ أن يغتسل ويصلي ركعتين.
وهذا إن كان محفوظًا عن الثوري: فهو يبين عورة ما تقدم من الأسانيد عن الثوري، فإن الثوري لا يبهم الرجل غالبًا إلا وهو مجروح عنده غير مرضي، ولو رضيه الثوري لصرح باسمه ولم يكنه، فهذا يشير إلى أن راوي هذا الحديث هو عبد الله بن عمر العمري، لكني أيضًا لا أراه محفوظًا عن الثوري، وإن كان هذا الإسناد أصلح حالًا مما تقدم.
وذلك لأن عمرو بن محمد بن أبي رزين: صالح، قال ابن حبان: "ربما أخطأ" [التهذيب (٣/ ٣٥٢)، علل الترمذي الكبير (٣١٦ و ٣١٧)، أفراد الدارقطني (٥/ ٤٢١ - أطرافه)]، ولا يحتمل تفرد مثله عن الثوري؛ وليس من أصحابه.
وبشر بن سيحان: قال أبو حاتم: "حدثنا بشر بن سيحان، وما به بأس، وكان من العباد"، وروى عنه أبو زرعة، وقال: "شيخ بصري صالح"، وقال ابن حبان في الثقات: "ربما أغرب" [الجرح والتعديل (٢/ ٣٥٨)، الثقات (٨/ ١٤٣)، اللسان (٢/ ٢٩٧)].
• والخلاصة: أنه لا يصح عن الثوري في هذا الحديث شيء يعتمد عليه، وإنما هو كما تقدم حديث عبد الله بن عمر العمري، كما رواه عنه: عبد الرحمن بن مهدي، وسريج بن النعمان، ومحمد بن سنان، وتابعهم أيضًا: عبد الله بن وهب، وعبد الله بن نافع الصائغ [كما في المدونة (١/ ٣٦)]، فالحديث مشهور عن عبد الله بن عمر العمري، وروايته هذه: منكرة؛ فإن العمري هذا: ليس بالقوي، كثير الخطأ [راجع الحديث المتقدم برقم (٢٣٦)]، وهو على ما فيه من ضعف، فقد خالف أثبت الناس في سعيد المقبري: الليث بن سعد، ومن تابعه؛ مثل: عبد الحميد بن جعفر [صدوق]، ومحمد بن عجلان [صدوق]، ومحمد بن إسحاق [صدوق]، فلم يذكروا في روايتهم أن النبي ﷺ أمره بالغسل.
• ونسوق رواية الليث بن سعد [فهي التي اتفق عليها الشيخان]:
رواه الليث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد: أنه سمع أبا هريرة، يقول: بعث
стр. 1428
رسول الله ﷺ خيلًا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال له: ثمامة بن أثال، سيد أهل اليمامة، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه رسول الله ﷺ فقال: "ماذا عندك يا ثمامة؟ " فقال: عندي يا محمد خير، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال، فسل تعط منه ما شئت، فتركه رسول الله ﷺ ، حتى كان بعد الغد، فقال: "ما عندك يا ثمامة؟ " قال: ما قلت لك، إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال، فسل تعط منه ما شئت، فتركه رسول الله ﷺ حتى كان من الغد، فقال: "ماذا عندك يا ثمامة؟ " فقال: عندي ما قلت لك، إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال، فسل تعط منه ما شئت، فقال رسول الله ﷺ : "أطلقوا ثمامة"، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، يا محمد! والله ما كان على الأرض وجه أبغض إليَّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إليَّ، والله ما كان من دين أبغض إليَّ من دينك، فأصبح دينك أحب الدين كله إليَّ، والله ما كان من بلد أبغض إليَّ من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إليَّ، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشره رسول الله ﷺ ، وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة، قال له قائل: أصبوت؟ فقال: لا، ولكني أسلمت مع رسول الله ﷺ ، ولا والله! لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ . لفظ مسلم.
أخرجه البخاري (٤٦٢ و ٤٦٩ و ٢٤٢٢ و ٢٤٢٣ و ٤٣٧٢)، ومسلم (١٧٦٤/ ٥٩)، وأبو عوانة (٤/ ٢٥٨/ ٦٦٩٧ و ٦٦٩٨)، وأبو داود (٢٦٧٩)، والنسائي (١/ ١٠٩/ ١٨٩) و (٢/ ٤٦/ ٧١٢)، وابن خزيمة (١/ ١٢٥/ ٢٥٢)، وابن حبان (٤/ ٤٢/ ١٢٣٩)، وأحمد (٢/ ٤٥٢)، وابن زنجويه في الأموال (٤٦٣)، وابن شبة في أخبار المدينة (٧٩٨)، وابن المنذر في الأوسط (١١/ ٢٣٣/ ٦٦٣٠)، والطحاوي في المشكل (٥/ ٤٣٤/ ٣٥٢١ - ترتيبه)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (٢/ ١٣٤)، وابن حزم (٤/ ٢٤٣) و (٨/ ٢٦)، والبيهقي في السنن (١/ ١٧١) و (٢/ ٤٤٤) و (٦/ ٣١٩) و (٩/ ٨٨)، وفي الدلائل (٤/ ٧٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢١/ ٢٧٩)، وابن الجوزي في التحقيق (٢/ ٣٤٥/ ١٨٨٢).
• ورواه عبد الحميد بن جعفر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، بمثل حديث الليث.
أخرجه مسلم (١٧٦٤/ ٦٠)، وأبو عوانة (٤/ ٢٥٧/ ٦٦٩٦)، والطحاوي في المشكل (٥/ ٤٣٦/ ٣٥٢٢ - ترتيبه)، والبيهقي (٩/ ٦٥).
• ورواه ابن إسحاق: ثنا سعيد المقبري، عن أبي هريرة، بنحو حديث الليث، ومما زاد فيه قوله: قال أبو هريرة: فجعلنا المساكين نقول بيننا: ما نصنع بدم ثمامة، والله لأكلة من جزور سمينة من فدائه أحب إلينا من دم ثمامة، وفيه: فخرج ثمامة حتى أتى حائطًا من حيطان المدينة فاغتسل فيه، وتطهر، وطهر ثيابه، ثم جاء رسول الله ﷺ ، وفي آخره:
стр. 1429
وانصرف إلى بلده، ومنع الحمل إلى مكة حتى جهدت قريش، فكتبوا إلى رسول الله ﷺ يسألونه بأرحامهم أن يكتب إلى ثمامة يخلي إليهم حمل الطعام، ففعل رسول الله ﷺ .
أخرجه ابن المنذر في الأوسط (١١/ ٢٣٥/ ٦٦٣٢)، والبيهقي في السنن (٩/ ٦٦)، وفي الدلائل (٤/ ٧٩).
• ورواه ابن عجلان، عن سعيد، عن أبي هريرة، بنحو حديث الليث مختصرًا، وفيه: فبدا لرسول الله ﷺ فأطلقه، وقذف الله في قلبه، قال: فذهبوا به إلى بئر الأنصار، فغسلوه فأسلم، وفي آخره: حتى قال عمر: لقد كان -والله! - في عيني أصغر من الخنزير، وإنه في عيني أعظم من الجبل، خلى عنه، فأتى اليمامة، حبس عنهم، فضجوا وضجروا، فكتبوا بأمر الصلة، قال: وكتب اليه.
أخرجه أحمد (٢/ ٢٤٦ - ٢٤٧)، وابن المنذر في الأوسط (١١/ ٢٣٤/ ٦٦٣١)، وابن قانع (١/ ١٣١)، وانظر: مشكل الآثار للطحاوي (٥/ ٤٣٤/ ٣٥٢١ - ترتيبه).
وقد خالف ابن إسحاق الجماعة في كيفية أخذ ثمامة بن أثال فقال: كان إسلام ثمامة بن أثال الحنفي أن رسول الله ﷺ دعا الله حين عرض لرسول الله ﷺ بما عرض له أن يمكنه الله منه، وكان عرض له وهو مشرك، فأراد قتله، فأقبل ثمامة معتمرًا وهو على شركه، حتى دخل المدينة، فتحير فيها، حتى أخذ، فأتي به رسول الله ﷺ وهو مشرك، فأمر به فربط إلى عمود من عمد المسجد ....
وكان ابن إسحاق قد ذكر قبل ذلك -في مغازيه- من قبل نفسه: أن ثمامة بن أثال كان رسول مسيلمة إلى رسول الله ﷺ فدعا الله أن يمكنه منه.
قال البيهقي في الدلائل (٤/ ٨١): "ورواية الليث بن سعد ومن تابعه: أصح في كيفية أخذه".
وانظر: علل الدارقطني (٨/ ١٦١/ ١٤٨١).
• وحاصل مما تقدم: أن أقوى ما روي في الباب: حديث قيس بن عاصم، وحديث قتادة الرهاوي، وهما حديثان ضعيفان.
قال ابن المنذر في الأوسط (٢/ ١١٤ و ١١٥): "ثابت عن النبي ﷺ أنه أمر رجلًا أسلم أن يغتسل"، ثم أسند حديث قيس بن عاصم، وحديث أبي هريرة، من طريق عبد الرزاق، وقد تقدم الكلام عليهما، ثم قال: "واختلفوا في الكافر يسلم، فقالت طائفة بظاهر هذا الحديث: عليه أن يغتسل؛ لأن النبي ﷺ أمر بذلك، وأمره على الوجوب، ولأن الكافر لا يكاد يخلو في الجنابة في كفره من احتلام أو جماع، ولا يغتسل، ولو اغتسل لم ينفعه ذلك؛ لأن الاغتسال من الجنابة فريضة من الفرائض، لا يجوز أن يؤتى بها إلا بعد الإيمان، كما لا يجوز أداء شيء من الفرائض مثل الصلاة والصوم والزكاة والحج إلا بعد الإيمان.
وممن كان يرى أن يغتسل: مالك، وأوجب ذلك: أبو ثور، وأحمد.
стр. 1430
وفيه قول ثالث؛ قاله الشافعي، قال: إذا أسلم المشرك أحببت له أن يغتسل، فإن لم يفعل ولم يكن جنبًا أجزأه أن يتوضأ ويصلي.
قال أبو بكر: وبالقول الأول أقول".
قال ابن عبد الهادي في التنقيح (١/ ٢٠٥): "وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الغسل واجب إن أصابته جنابة في الكفر، ومن لم يوجب الغسل مطلقًا حمل الأمر الوارد فيه على الاستحباب؛ لأن استقراء أحوال المسلمين في عهده ﷺ يقتضي عدم وجوب الغسل مطلقًا؛ فإنهم كانوا يدخلون في الدين أفواجًا ولهم الأولاد، والزوجات، ولا يؤمرون بالغسل مع استحالة كونهم لم تصبهم جنابة".
• قلت: وهذا الأخير أولى بالصواب، ولضعف أدلة الأمر بالغسل إذ لم يصح فيها حديث، ولأن حكم الجنابة مما يسقط بالإسلام، فالإسلام يجبُّ ما قبله، والله أعلم.
وانظر: كلام النووي في شرح مسلم (١٢/ ٨٨).
***
١٣٠ - باب المرأة تغسل ثوبها الذي تلبسه في حيضها
٣٥٧ - قال أبو داود: حدثنا أحمد بن إبراهيم: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث: حدثني أبي: حدثتني أم الحسن -يعني: جدة أبي بكر العدوي-، عن معاذة، قالت: سألت عائشة ﵂، عن الحائض يصيب ثوبها الدمُ؟ قالت: تغسله، فإن لم يذهب أثره فلتغيِّره بشيء من صفرة. قالت: ولقد كنت أحيض عند رسول الله ﷺ ثلاث حيض جميعًا، لا أغسل لي ثوبًا.
• حديث حسن، إلا جملة: ولقد كنت أحيض عند رسول الله ﷺ ثلاث حيض جميعًا، لا أغسل لي ثوبًا.
أخرجه من طريق أبي داود: البيهقي (٢/ ٤٠٨).
وأخرجه أحمد (٦/ ٢٥٠)، عن عبد الصمد به، فلم يذكر الجملة الأولى في أثر الدم، وزاد: وقالت: لقد كان رسول الله ﷺ يصلي وعليَّ ثوب: عليه بعضه وعليَّ بعضه، وأنا حائض نائمة قريبًا منه.
وكلا الزيادتين محفوظة عن عبد الصمد.
وهذا إسناد رجاله ثقات، رجال الشيخين، غير أم الحسن جدة أبي بكر العدوي، وفي المسند: العتكي، لا يُعرف لها ذكر إلا في هذا الحديث، ولم يرو عنها سوى عبد الوارث بن سعيد، قال الذهبي في الميزان (٤/ ٦١٢): "لا تعرف"، وقال ابن حجر في التقريب (٧٧٢): "لا يعرف حالها".
стр. 1431
• وقد صح ذلك عن معاذة من طرقٍ أخرى:
١ - فقد روى ثابت بن يزيد [هو الأحول أبو زيد البصري: ثقة ثبت]: ثنا عاصم [هو ابن سليمان الأحول: ثقة حافظ]، عن معاذة العدوية، عن عائشة قالت: إذا غسلت المرأة الدم فلم يذهب، فلتغيره بصفرة ورس أو زعفران.
أخرجه الدارمي (١/ ٢٥٥/ ١٠١١).
وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
ورواه حماد بن زيد: نا عاصم، عن معاذة: أنها سألت عائشة، عن دم الحيض يصيب الثوب؟ قالت: اغسليه. قلت: إنه لا يذهب. قالت: فالطخيه بشيء من الزعفران.
أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٤٨/ ٧٠٨).
وهذا أيضًا: إسناد صحيح على شرط الشيخين.
• وصح عن معاذة أيضًا مطلق الغسل:
٢ - فقد روى شعبة، عن يزيد الرشك، قال: سمعت معاذة العدوية، عن عائشة، قالت لها امرأة: الدم يكون في الثوب فأغسله فلا يذهب فأقطعه؟ قالت: الماء طهور.
وفي رواية: سألت عائشة ﵂، عن الدم يكون في الثوب؟ وفي أخرى: أرأيت الثوب يصيبه الدم فأغسله فلا يذهب أثره؟ فقالت: الماء طهور.
أخرجه الدارمي (١/ ٢٥٥/ ١٠١٢)، والبيهقي (٢/ ٤٠٨).
وإسناده صحيح على شرط مسلم.
٣ - وروى يزيد بن زريع: ثنا سعيد -يعني: ابن أبي عروبة-، عن قتادة، عن معاذة: أن امرأة سألت عائشة ﵂، عن دم الحيض يكون في الثوب فيغسل: فيبقى أثره؟ فقالت: ليس بشيء.
أخرجه البيهقي (٢/ ٤٠٨).
وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري، وسماع قتادة من معاذة ثابت صحيح، كما تقدم إثباته تحت الحديث رقم (٢٦٣).
وانظر وهم معمر في هذا الإسناد: مصنف عبد الرزاق (١/ ٣١٩/ ١٢٢٥).
٤ - وروى أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (١/ ١٠١٩/٩٢)، قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن معاذة: أن امرأة سألت عائشة عن نضح الدم في الثوب؟ فقالت: اغسليه بالماء؛ فإن الماء له طهور.
وإسناده صحيح على شرط مسلم.
• وله طريق أخرى عن عائشة:
فقد روى علي بن المبارك، قال: سمعت كريمة، قالت: سمعت عائشة، وسألتها امرأة: يصيب ثوبها من دم حيضها؟ قالت: لتغسله بالماء. قالت: فإنا نغسله فيبقى أثره؟ قالت: إن الماء طهور.
стр. 1432
أخرجه الدارمي (١/ ٢٥٦/ ١٠٢٠)، وابن أبي شيبة (١/ ١٨٠/ ٢٠٧٦).
وهذا إسناد جيد في المتابعات.
علي بن المبارك: ثقة، وكريمة بنت همام: روى عنها ثلاثة من الثقات، منهم: يحيى بن أبي كثير، وهو لا يروي إلا عن ثقة، وروايتها هذه تابعتها عليها معاذة العدوية، وهي ثقة؛ فأثرها هذا صحيح.
• ثم وجدت في فتح الباري لابن رجب (١/ ٤٦٣ - ٤٦٤) طريق أخرى، يرويها:
محمد بن عبد الله الأنصاري، عن هشام بن حسان، عن حفصة بنت سيرين، قالت: سألت امرأةٌ عائشة، قالت: يكون عليَّ الثوب أعرق فيه أيام تحيضي، أصلي فيه؟ قالت: نعم. قالت: وربما أصابه من دم المحيض؟ قالت: فاغسليه. قالت: فإن لم يذهب أثره؟ قالت: فلطخيه بشيء من زعفران.
ولم أجده في جزء محمد بن عبد الله الأنصاري المطبوع.
وهذا إسناد رواته ثقات؛ إلا أني لم أر في كتب الأطراف لحفصة بنت سيرين رواية عن عائشة، وإن كانت عاصرتها ما يقرب على ثلاثين سنة، فالله أعلم.
إلا أنها متابعة جيدة لحديث معاذة العدوية، عن عائشة.
• وحاصل ما تقدم؛ فإن حديث أم الحسن عن معاذة العدوية، عن عائشة: حديث حسن بهذه المتابعات، إلا جملة: ولقد كنت أحيض عند رسول الله ﷺ ثلاث حيض جميعًا، لا أغسل لي ثوبًا؛ فإني لم أقف لها على متابع أو شاهد حتى الآن.
وأما جملة: لقد كان رسول الله ﷺ يصلي وعليَّ ثوب: عليه بعضه وعليَّ بعضه، وأنا حائض نائمة قريبًا منه؛ فإن لها متابعات وشواهد يأتي الكلام عليها عند الحديث رقم (٣٦٩ و ٣٧٠)، والله أعلم.
***
٣٥٨ - . . . قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير العبدي: أخبرنا إبراهيم بن نافع، قال: سمعت الحسن -يعني: ابن مسلم-، يذكر عن مجاهد، قال: قالت عائشة: ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، فإن أصابه شيء من دمٍ بلَّته بِريقها، ثم قَصَعَتْه بِريقها.
• حديث صحيح.
أخرجه من طريق أبي داود: البيهقي (٢/ ٤٠٥).
وتابع محمد بن كثير العبدي على هذه الرواية: أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي البصري [صدوق]: ثنا إبراهيم بن نافع، عن الحسن به؛ إلا أنه قال: "ثم قصعته بظفرها".
أخرجه البيهقي (١/ ١٤)، والإسماعيلي [كما في الفتح لابن رجب (١/ ٤٥٨)].
стр. 1433
وخالفهما: أبو نعيم الفضل بن دكين [ثقة ثبت]، وخلاد بن يحيى [صدوق]، والنعمان بن عبد السلام [ثقة]:
فرواه ثلاثتهم، عن إبراهيم بن نافع، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: قالت عائشة: ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد، تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من دم قالت بريقها، فقصعته بظفرها.
لفظ أبي نعيم عند البخاري، وفي أكثر النسخ: "فمصعته" بالميم بدل القاف، ولفظ خلاد: "بلته بريقها ثم قصعته بظفرها".
أخرجه البخاري (٣١٢)، والبيهقي (٢/ ٤٠٥).
وانظر: فتح الباري لابن رجب (١/ ٤٥٨)، ولابن حجر (١/ ٤٩٢)، عمدة القارئ (٣/ ٢٨٠).
فجعلوا شيخ إبراهيم بن نافع في هذا الحديث: ابن أبي نجيح بدل: الحسن بن مسلم بن يناق.
قال البيهقي: "والمشهور عن إبراهيم: عن الحسن بن مسلم بن يناق عن مجاهد، وعن ابن أبي نجيح عن عطاء عن عائشة ﵂.
وقد رواه خلاد بن يحيى، عن إبراهيم كما رواه أبو نعيم؛ فهو صحيح من الوجهين جميعًا".
قلت: وهو كما قال: محفوظ من الوجهين جميعًا؛ ذلك لأن إبراهيم بن نافع: ثقة حافظ، يحتمل منه التعدد في الأسانيد، وهو مشهور بالرواية عن الحسن بن مسلم بن يناق، وعن عبد الله بن أبي نجيح، وروايته عنهما في الصحيحين، وقد قال فيه سفيان بن عيينة: "كان حافظًا"، وقال عبد الرحمن بن مهدي: "كان أوثق شيخ بمكة"، وقال أحمد وابن معين والنسائي: "ثقة" [التهذيب (١/ ٩١)].
• وأما سماع مجاهد من عائشة فثابت صحيح، وقد نفاه:
١ - شعبة [العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٩٤/ ١٦٧٣) و (١/ ٥٠٨/ ١١٨٧)، سؤالات الميموني (١٤٧)، المراسيل (٧٤٨) و (٧٤٩)، تاريخ دمشق (٥٧/ ٣٠)، جامع التحصيل (٢٧٣)، تحفة التحصيل (٢٩٤)].
٢ - يحيى بن سعيد القطان [تاريخ الدوري (٣/ ١٠٠/ ٤١١) و (٤/ ٣٧٥/ ٣٨٠٣)، المراسيل (٧٤٧ و ٧٥٠)، تاريخ دمشق (٥٧/ ٣٠)، جامع التحصيل (٢٧٣)، تحفة التحصيل (٢٩٤)].
٣ - يحيى بن معين [الجرح والتعديل (٨/ ٣١٩)، المراسيل (٧٥٢)، جامع التحصيل (٢٧٣)، تحفة التحصيل (٢٩٤)].
٤ - أبو حاتم الرازي [الجرح والتعديل (٨/ ٣١٩)، المراسيل (٧٥٨)، جامع التحصيل (٢٧٣)، تحفة التحصيل (٢٩٤)].
стр. 1434
٥ - ابن خراش [تاريخ دمشق (٥٧/ ٣٠)].
قالوا: لم يسمع مجاهد من عائشة، وأنكر شعبة أن يكون مجاهد سمع من عائشة، وقال أبو حاتم وابن خراش بأن أحاديثه عنها مرسلة.
وقد اعتمد شعبة في إنكار السماع -وكذا من تبعه في ذلك- على إنكاره لحديث رواه موسى بن عبد الله الجهني، قال: أتى مجاهد بقدح حزرته ثمانية أرطال، فقال: حدثتني عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان يغتسل بمثل هذا.
أخرجه النسائي (١/ ١٢٧/ ٢٢٦)، وأحمد (٦/ ٥١)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في الأموال (١٥٧٩ و ١٥٨٠)، وأبو القاسم البغوي في مسند علي بن الجعد (٢٢٩٣)، والطحاوي في شرح المعاني (٢/ ٤٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٠/ ٥٧).
من طرق عن موسى به.
قال أحمد في العلل (١٦٧٣): "كان شعبة ينكر أن يكون مجاهد سمع من عاثشة، وقال يحيى بن سعيد في حديث موسى الجهني، عن مجاهد: أخرجت إلينا عائشة -أو: حدثتني عائشة-، قال يحيى بن سعيد: فحدثت به شعبة، فأنكر أن يكون مجاهد سمع من عاثشة".
قلت: الذين نفوا سماع مجاهد من عائشة قد تابعوا شعبة على هذا القول، وهو قول مرجوح، والراجح ثبوت سماع مجاهد من عائشة لأمور منها:
١ - أن قول الذين نفوا السماع معارض بقول الذين أثبتوا السماع، مثل: ابن المديني، والبخاري، ومسلم، وابن حبان، وغيرهم.
أما ابن المديني، فقال: "وقد سمع من عائشة"؛ يعني: مجاهد بن جبر [تاريخ دمشق (٥٧/ ٢٩)، الفتح (١/ ٤٩٢)، السير (٤/ ٤٥١)، تحفة التحصيل (٢٩٥].
وأما البخاري ومسلم فقد احتجا بأحاديث لمجاهد عن عائشة، وفي أحدها ما يقتضي ثبوت السماع [البخاري (١٣٩٣ و ٥٦١٦) و (١٧٧٥ و ١٧٧٦ و ٤٢٥٣ و ٤٢٥٤)، مسلم (١٢١١/ ١٣٣) و (١٢٥٥/ ٢٢٠)].
وسيأتي كلام ابن حبان، والمثبت مقدم على النافي لما معه من زيادة علم.
٢ - أن حديث موسى بن عبد الله الجهني، عن مجاهد: حدثتني عائشة: حديث صحيح، رجاله ثقات سمع بعضهم من بعض، رجال مسلم؛ ولا وجه لتوهيم موسى الجهني فيه، لا سيما في إثبات سماع مجاهد من عائشة، فهو ثابت بالتاريخ، وبطريق آخر، ومتنه ليس بمنكر، فإن فيه: أن النبي ﷺ كان يغتسل في إناء بسع ثمانية أرطال؛ يعني: صاعًا ونصف -كما قال أبو عبيد-، إذ الصاع: خمسة أرطال -كما قال أحمد وغيره-، وقد ثبت: أن النبي ﷺ كان يغتسل في قدح يقال له الفرق، وهو ثلاثة آصح، يغتسل منه هو وعائشة [تقدم تحت الحديث رقم (٧٧)].
٣ - قال ابن حبان في الصحيح (٧/ ٢٩١/ ٣٠٢١): "ماتت عائشة سنة سبع
стр. 1435
وخمسين، وولد مجاهد سنة إحدى وعشرين في خلافة عمر، فدل هذا على أن من زعم أن مجاهدًا لم يسمع من عائشة كان واهمًا في قوله ذلك".
يعني: أنهما قد تعاصرا مدة ست وثلاثين سنة، فكيف ينكر سماعه منها، وقد ثبت من طريقين، تقدم أحدهما في حديث موسى الجهني.
٤ - والثاني: ما رواه البخاري (١٧٧٥ و ١٧٧٦ و ٤٢٥٣ و ٤٢٥٤)، ومسلم (١٢٥٥)، والنسائي في الكبرى (٢/ ٤٧٠ و ٤٧١/ ٤٢١٧ و ٤٢٢١)، وابن خزيمة (٤/ ٣٥٨/ ٣٠٧٠)، وابن حبان (٩/ ٢٦٠/ ٣٩٤٥)، وأحمد (٢/ ١٥٥)، وإسحاق بن راهويه (٣/ ٦١٤ و ٦١٥/ ١١٨٧ و ١١٨٨)، وأبو علي الطوسي في مختصر الأحكام (٧٥٢)، والطبراني في الأوسط (٣/ ١٣٢/ ٢٧٠٥)، والبيهقي (٥/ ١٠).
من طريقين عن منصور، عن مجاهد، قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد فإذا عبد الله بن عمر ﵄ جالس إلى حجرة عائشة، وإذا ناس يصلون في المسجد صلاة الضحى، قال: فسألناه عن صلاتهم؟ فقال: بدعة. ثم قال له: كم اعتمر رسول الله ﷺ ؟ قال: أربعًا، إحداهن في رجب، فكرهنا أن نرد عليه، قال: وسمعنا استنان عائشة أم المؤمنين في الحجرة، فقال عروة: يا أماه، يا أم المؤمنين! ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن؟ قالت: ما يقول؟ قال: يقول: إن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عمرات، إحداهن في رجب. قالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن، ما اعتمر عمرة إلا وهو شاهده، وما اعتمر في رجب قط.
• ففي هذا الحديث الصحيح المنفق عليه بإسناد في غاية الصحة: ثبوت سماع مجاهد من عائشة، فماذا بعدُ؟!!
وانظر أيضًا: علل ابن أبي حاتم (٢/ ٢٨٠/ ٢٣٤٤)، شرح العلل (٢/ ٥٩٧)، نصب الراية (٣/ ٩٤).
• والحاصل: أن حديث عائشة هذا: حديث صحيح.
ولابن أبي نجيح فيه إسناد آخر [بشيخ آخر] يأتي برقم (٣٦٤).
• وممن وهم في إسناده ومتنه:
المنهال بن خليفة [ضعيف]، فرواه عن خالد بن سلمة، عن مجاهد، عن أم سلمة: أنها قالت -أو: قيل لها-: كيف كنتن تصنعن بثيابكن إذا طمثتن على عهد رسول الله ﷺ ؟ قالت: إن كنا لنطمث في ثيابنا، وفي دروعنا، فما نغسل منها إلا أثر ما أصابه الدم، وإن الخادم من خدمكم اليوم ليتفرغ يوم طهرها لغسل ثيابها.
أخرجه ابن خزيمة (١/ ١٤١/ ٢٧٨)، وإسحاق بن راهويه (٤/ ١٤٤/ ١٩١٧)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٣٤٨/ ٢١٩٢).
قال الطبراني: "لم يروه عن مجاهد إلا خالد، تفرد به المنهال".
• وحديث مجاهد: محمول على الدم اليسير، قال البيهقي في السنن (١/ ١٤):
стр. 1436
وهذا في الدم اليسير الذي يكون معفوًا عنه، فأما الكثير منه: فصحيح عنها أنها كانت تغسله".
يعني بذلك: ما رواه عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كانت إحدانا تحيض، ثم تقترص الدم من ثوبها عند طهرها، فتغسله، وتنضح على سائره، ثم تصلي فيه.
أخرجه البخاري (٣٠٨)، وابن ماجه (٦٣٠)، والدارمي (١/ ٢٥٤/ ١٠٠٨)، وابن المنذر (٢/ ١٤٧/ ٧٥٦)، والبيهقي (٢/ ٤٠٦ - ٤٠٧).
وانظر: المغني لابن قدامة (١/ ٤٠٩).
• وأما ألفاظ الحديث: فقال الخطابي في أعلام الحديث (١/ ٣١٩): "فمصعته … ، والمصع: أصله في الضرب، وهو الشديد منه، فيكون على هذا معناه: المبالغة في حكه، وأما القصع: فهو دلكه بالظفر، ومعالجته به، ومنه قصع القملة" [وانظر: المعالم (١/ ٩٧)].
***
٣٥٩ - . . . عبد الرحمن -يعني: ابن مهدي-: حدثنا بكار بن يحيى: حدثتني جدتي، قالت: دخلت على أم سلمة فسألتها امرأةٌ من قريش، عن الصلاة في ثوب الحائض؟ فقالت أم سلمة: قد كان يصيبنا الحيض على عهد رسول الله ﷺ ، فتلبث إحدانا أيام حيضها، ثم تطهر، فتنظر الثوب الذي كانت تقلب فيه؛ فإن أصابه دم غسلناه وصلينا فيه، وإن لم يكن أصابه شيء تركناه، ولم يمنعنا ذلك من أن نصلي فيه.
وأما الممتشطة: فكانت إحدانا تكون ممتشطة فإذا اغتسلت لم تنقض ذلك، ولكنها تحفن على رأسها ثلاث حفنات، فإذا رأت البلل في أصول الشعر، دلكته، ثم أفاضت على سائر جسدها.
• إسناده ضعيف.
أخرجه ابن المنذر (٢/ ١٤٧/ ٧٠٧)، والبيهقي (١/ ١٨٢) و (٢/ ٤٠٧).
وإسناده ضعيف.
بكار بن يحيى: مجهول [التقريب (١٠٠)]، وجدته: لا تعرف.
• والجملة الأولى مروية عن أم سلمة من وجه آخر:
قال أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (١/ ٩١/ ١٠١١): حدثنا غندر، عن أشعث، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة: أن امرأة سالتها، عن الحائض تلبس الثوب تصلي فيه؟
فقالت أم سلمة: إن كان فيه دم غسلت موضع الدم، وإلا صلت فيه.
стр. 1437
وهذا إسناد صحيح؛ إن كان أشعث هذا هو: ابن جابر الحداني، أو: ابن عبد الملك الحمراني: وهما ثقتان، والذي يغلب على الظن أنه الثاني؛ لأنه أكثرهم رواية عن الحسن؛ وشهرة به، والله أعلم، ويحتمل أن يكون هو: ابن سوار؛ الضعيف، والله أعلم.
وقد أخرج مسلم (٢٩١٦) في صحيحه حديث: "تقتل عمارًا الفئة الباغية" من طريق الحسن عن أمه عن أم سلمة.
ورواه أبو بكر الهذلي [وهو متروك]، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة: إن إحداكن تسبقها القطرة من الدم فإذا أصابت إحداكن ذلك فلتقصعه بريقها.
أخرجه الدارمي (١/ ٢٥٥/ ١٠١٠).
ولا عبرة به.
وأما الجملة الثانية: فالامتشاط المذكور فيها محمول على ضفر شعر الرأس، وقد سبق تخريج ما في معناه تحت الحديث رقم (٢٥٥)، فليراجع.
***
٣٦٠ - . . . محمد بن إسحاق، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: سمعت امرأة تسأل رسول الله ﷺ : كيف تصنع إحدانا بثوبها إذا رأت الطهر، أتصلي فيه؟ قال: "تنظر، فإن رأت فيه دمًا، فلتقرصه بشيء من ماء، ولتنضح ما لم تر، وتصلي فيه".
• حديث صحيح.
أخرجه الدارمي (١/ ٢١٨/ ٧٧٢) و (١/ ٢٥٦/ ١٠١٨)، وابن خزيمة (١/ ١٤٠/ ٢٧٦)، وإسحاق بن راهويه (٥/ ١٣١/ ٢٢٤٤)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ١٢٨/ ٣٥٠)، والبيهقي (٢/ ٤٠٦).
• وهذا حديث صحيح.
وقد صرح ابن إسحاق بالسماع من فاطمة بنت المنذر في رواية: يزيد بن زريع، وعمر بن علي: عند الدارمي وابن خزيمة.
وتابعه عليه هشام بن عروة كما سيأتي.
وهذا لفظ محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق، وتابعه عليه بنحوه: يزيد بن هارون، عند الطبراني.
ورواه يزيد بن زريع، وأحمد بن خالد الوهبي، وعبدة بن سليمان، وعمر بن علي، وابن أبي عدي: فزادوا الحك أو الحت؛ قبل قرصه بالماء.
ولفظ يزيد بن زريع: "إن رأيت فيه دمًا فحكيه، ثم اقرصيه بماء، ثم انضحي في سائره، فصلي فيه" [الدارمي].
***
стр. 1438
٣٦١ - . . . مالك، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: سألت امرأة رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! أرأيتَ إحدانا إذا أصاب ثوبها الدمُ من الحيضة، كيف تصنع؟ قال: "إذا أصاب إحداكن الدم من الحيض، فلتقرصه، ثم لتنضحه بالماء، ثم لتصل".
• متفق على صحته.
أخرجه مالك في الموطأ [موطأ يحيى بن يحيى الليثي (١/ ١٥٦/١٠)، وزاد فيه يحيى وهمًا منه: "عن أبيه" بعد هشام. موطأ أبي مصعب الزهري (١/ ٦٦/ ١٦٦)، موطأ سويد بن سعيد الحدثاني (٦٥)، موطأ القعنبي (٩٣ م)، وفيه زيادة: "عن أبيه"، وهي وهم من الرواة عن القعنبي أو من النساخ، فإنه قد أخرجه من طريق عبد الله بن مسلمة القعنبي مثل الجماعة بدون الزيادة: أبو داود، والطبراني، والجوهري، والبغوي].
ومن طريق مالك: أخرجه البخاري (٣٠٧)، ومسلم (٢٩١)، وأبو عوانة (١/ ١٧٦/ ٥٣٥)، وأبو نعيم في المستخرج (١/ ٣٥٠/ ٦٧٢)، وأبو داود (٣٦١)، وابن خزيمة (١/ ١٣٩/ ٢٧٥)، والشافعي في الأم (٢/ ١٧ - ١٨ و ٤١/ ١٢ و ٤٨)، وفي المسند (٨)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ١٠٩/ ٢٨٦)، والجوهري في مسند الموطأ (٧٧٩)، والبيهقي في المعرفة (٢/ ٢٣٠/ ١٢٣٧)، والبغوي في شرح السُّنَّة (١/ ٣٨٠/ ٢٩٠).
• هكذا روى هذا الحديث عن مالك، عن هشام، عن فاطمة، عن أسماء به:
عبد اللّه بن مسلمة القعنبي، وعبد الله بن يوسف التنيسي، وعبد الله بن وهب، والإمام الشافعي، وأبو مصعب الزهري، وسويد بن سعيد الحدثاني [٦]، وغيرهم من الرواة عن مالك في الموطأ وغيره.
وخالفهم [وهم الحجة في مالك]: يحيى بن يحيى الليثي [وهو: صدوق، كثير الوهم والتصحيف. التهذيب (٤/ ٣٩٩)]، فرواه عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن فاطمة، عن أسماء به، فزاد في الإسناد: "عن أبيه"، فوهم.
قال ابن عبد البر في التمهيد (٨/ ٢٦١): "وقع في كتاب يحيى ونسخته في رواية أبيه وغيره عنه في هذا الحديث: مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن فاطمة، وهذا خطأ بيِّن، وغلط لا شك فيه، وهو من خطأ اليد، وجهل يحيى بالإسناد؛ لأن عروة لم يرو قط عن فاطمة هذه، وهي فاطمة بنت المنذر بن الزبير: زوج هشام بن عروة، وإنما الحديث في الموطأ: لهشام عن فاطمة امرأته، وكذلك رواه: كل من رواه عن هشام بن عروة: مالك وغيره".
والدارقطني في كتابه: "أحاديث الموطأ، وذكر اتفاق الرواة عن مالك، واختلافهم فيه، وزيادتهم ونقصانهم" لم يذكر اختلافًا في هذا الحديث (٥٩٢) في الرواة عن مالك في
стр. 1439
رواية هذا الحديث، عن هشام، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء: في أمر الحيضة: "تقرصه".
• والحديث قد رواه ابن وهب، قال: أخبرني مالك بن أنس، وعمرو بن الحارث، ويحيى بن عبد الله بن سالم:
عن هشام بن عروة، عن فاطمة، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: سئل رسول الله ﷺ عن الثوب يصيب الدم من الحيضة؟ فقال: "لِتحُتُّه، ثم لنقرصه، ثم لتنضحه بالماء، ثم لتصلي فيه".
أخرجه مسلم (٢٩١)، وأبو عوانة (٥٣٤)، وأبو نعيم في المستخرج (١/ ٣٥١/ ٦٧٣)، وابن حبان (٤/ ٢٤٢/ ١٣٩٧)، عن عمرو بن الحارث وحده، وابن المنذر (٢/ ١٤٦/ ٧٠٤)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ١٠٩ - ١١٠/ ٢٨٩)، عن عمرو بن الحارث وحده. والبيهقي (١/ ١٣).
فجمع ابن وهب شيوخه الثلاثة، وحمل رواية مالك على رواية عمرو بن الحارث، والله أعلم.
***
٣٦٢ - . . . حماد بن زيد، وعيسى بن يونس، وحماد بن سلمة: عن هشام بهذا المعنى، قال: "حتيه، ثم اقرصيه بالماء، ثم انضحيه".
• حديث صحيح.
هذا الحديث رواه عن هشام بن عروة:
١ - مالك بن أنس، وتقدم.
٢ - عمرو بن الحارث، وتقدم.
٣ - يحيى بن عبد الله بن سالم، وتقدم.
٤ - حماد بن زيد، عن هشام، عن فاطمة، عن أسماء -وكانت تكون في حجرها-: أن امرأة استفتت النبي ﷺ عن دم الحيض يصيب الثوب؟ فقال: "حتيه، ثم اقرصيه بالماء، ثم انضحيه، وصلي فيه".
أخرجه أبو داود (٣٦٢)، والنسائي (١/ ١٥٥/ ٢٩٣) و (١/ ١٩٥/ ٣٩٤)، واللفظ له، وابن خزيمة (١/ ١٣٩/ ٢٧٥)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ١٠٩/ ٢٨٧).
٥ - حماد بن سلمة عن هشام به، قال: "حتيه، ثم اقرصيه بالماء، وانضحي ما حوله".
أخرجه أبو داود (٣٦٢)، وابن حبان (٤/ ٢٤٣/ ١٣٩٨)، واللفظ له، وأبو داود الطيالسي (٣/ ٢٠٩/ ١٧٤٣)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ١٠٩/ ٢٨٨).
٦ - عيسى بن يونس، عن هشام به، قال: "لتحكه، ثم لتقرضه بالماء، ثم تصلي فيه".
стр. 1440
أخرجه أبو داود (٣٦٢)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ١١١/ ٢٩٥)، واللفظ له.
٧ - يحيى بن سعيد القطان، عن هشام بن عروة، قال: حدثتني فاطمة، عن أسماء، قالت: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة، كيف تصنع به؟ قال: "تحته، ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه".
أخرجه البخاري (٢٢٧)، ومسلم (٢٩١)، وأبو نعيم في المستخرج (١/ ٣٥٠/ ٦٧١)، وابن خزيمة (٢٧٥)، وأحمد (٦/ ٣٤٦ و ٣٥٣)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ١١٠/ ٢٩٠)، وابن حزم في المحلى (١/ ١٠٣)، والبيهقي (٢/ ٤٠٦).
٨ - عبد الله بن نمير، عن هشام به، قال: "إذا أصاب ثوب إحداكن من دم الحيضة فلتحته، ثم لتقرصه بالماء، ثم لتنضحه، ثم لتصلي فيه".
أخرجه مسلم (٢٩١)، وأبو عوانة (٥٣٣).
٩ - وكيع بن الجراح، عن هشام به، قال: "تحته ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه".
وفي لفظ: "حتيه -أو: حكيه-، ثم اقرصيه بالماء".
أخرجه مسلم (٢٩١)، وأبو نعيم في المستخرج (٦٧٠)، وابن خزيمة (٢٧٥)، والطبراني (٢٩٧)، والبيهقي (٢/ ٤٠٢).
١٠ - أبو معاوية، عن هشام به، قال: "لتحته، ثم لتقرضه بماء، ثم لتصلي فيه".
أخرجه ابن خزيمة (٢٧٥)، وأحمد (٦/ ٣٤٥ و ٣٤٦ و ٣٥٣)، وابن الجوزي في التحقيق (٢٨).
١١ - أبو أسامة حماد بن أسامة، عن هشام به، ولم يذكر النضح، إنما ذكر الحت والقرص بالماء ثم الصلاة فيه.
أخرجه ابن خزيمة (٢٧٥).
١٢ - عبدة بن سليمان، عن هشام به، قال: "لتحتيه، ثم تقرصيه بالماء، ثم تنضحيه، وتصلي فيه".
أخرجه إسحاق بن راهويه (٥/ ١١٥/ ٢٢٢٠).
١٣ - عبد العزيز بن أبي حازم، عن هشام به.
أخرجه الطبراني في الكبير (٢٤/ ١١١/ ٢٩٧)، ولم يذكر لفظه.
١٤ - روح بن القاسم، عن هشام به، قال: "إذا رأت إحداكن ذلك في ثوبها، فلتقرضه بالماء، ثم لتنضحه، ولتصلي فيه"، وفيه أن السائلة هي أسماء نفسها.
أخرجه الطبراني (٢٩٦)، بإسناد فيه لين إلى روح.
١٥ - مفضل بن فضالة [هو: ابن عبيد بن ثمامة الرعيني القتباني المصري: ثقة فاضل عابد]، عن هشام به، قال: "لتحته، ثم لتقرضه، ثم لتنضحه، ثم لتصلي فيه".
أخرجه الطبراني (٢٩١).
следующие страницы →