Полный текст (16 465 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
والذي يظهر لي أن هذا وهم على يعلى بن عبيد نفسه، ولا أدري من أين جاء، ولعلّه من الناسخ.
فقد روى ابن المنذر الحديث في الأوسط (١٠٦٣)، من طريق يعلى بن عبيد بإثبات محمود بن لبيد، مثل الجماعة وهو الصَّحيح، وكذلك رواه ابن الأثير في أسد الغابة (٢/ ٢٣٣)، من طريق يعلى بن عبيد مقرونًا بابن نمير، بإثبات محمود بن لبيد.
الثالث: وقع في المطبوع من مسند أحمد (٣/ ٤٦٥): ثنا يزيد، قال: أنا محمَّد بن إسحاق، قال: أنبأنا ابن عجلان، عن عاصم بن عمر …
فاحتج به بعضهم على أن ابن إسحاق قد دلس هذا الحديث عن عاصم بن عمر، وهو إنَّما يرويه عن ابن عجلان، عن عاصم.
والحقيقة بخلاف ذلك من وجهين:
الأوَّل: أن يزيد بن هارون -شيخ أحمد في هذا الحديث- إنَّما يروي هذا الحديث عن ابن إسحاق، عن عاصم، بلا واسطة، رواه عنه هكذا بدون ذكر ابن عجلان في الإسناد:
سريج بن يونس [بغدادي، ثقة] [عند: ابن حبان].
وعيسى بن أحمد العسقلاني [من عسقلان بلخ، يقال: إن أصله من بغداد. وهو: ثقة] [عند: البغوي].
وأحمد بن الوليد الفحام [أبو بكر البغدادي، قال الخطيب: "وكان ثقة"، تاريخ بغداد (٥/ ١٨٨)، تاريخ الإسلام (٢٠/ ٢٨٧)] [عند: البيهقي].
وعلي بن شيبة [هو: ابن الصلت بن عصفور أبو الحسن السدوسي مولاهم، أخو الحافظ يعقوب بن شيبة، بصري سكن بغداد مدة ثم انتقل إلى مصر، روى عنه المصريون أحاديث مستقيمة. وهذا الحديث يرويه عنه الإمام أبو جعفر الطحاوي المصري. تاريخ بغداد (١١/ ٤٣٦)، تاريخ الإسلام (٢٠/ ٤٠٣)] [شرح المعاني].
الوجه الثَّاني: جاء في نسخة مصححة للمسند (١٦٢٣٥): "حدّثنا يزيد، قال: أخبرنا محمَّد بن إسحاق، وقال: أخبرنا ابن عجلان … "، فالقائل هنا: "وقال: أخبرنا ابن عجلان" هو يزيد بن هارون، سمع هذا الحديث من شيخين، من ابن إسحاق، ومن ابن عجلان، وعليه فليس بين ابن إسحاق وبين عاصم أحد.
وفي نسخة مصححة أخرى للمسند (١٥٩١٣): "حدّثنا يزيد، قال: أخبرنا محمَّد بن إسحاق، وابن عجلان، هكذا بواو العطف وبدون لفظ الإخبار، وكذا هو في إتحاف المهرة (٤/ ٤٧٢/ ٤٥٣٣)، وزاد: "يعني: كلاهما عن عاصم بن عمر"، وكذا في المسند الجامع (٥/ ٣٦٦٣/٢٥٢).
ووقع في طبعة الرسالة للمسند (٢٥/ ١٣٢/ ١٥٨١٩)، وفي طبعة المكنز (٦/ ٣٣٩٠/ ١٦٠٦١): "حدّثنا يزيد، قال: أخبرنا محمَّد بن إسحاق، قال: وأخبرنا ابن عجلان … "، وهو يؤيد ما سبق تقريره، والله أعلم.
стр. 1822
وهذا الحديث وإن لم يصرح فيه ابن إسحاق بالسماع من عاصم بن عمر؛ إلَّا أنَّه من رواية شعبة عنه، وشعبة معروف بالتثبت في الأخذ عن المدلسين، ولا يروي عنهم إلَّا ما سمعوه من مشايخهم، ولم يدلسوه، وقد روى هذا الحديث عن ابن إسحاق: جمع غير من الثقات والأئمة، ولم يظهر في شيء من طرقه أنَّه دلسه، فتحمل هذه الرِّواية على الاتصال بين ابن إسحاق وشيخه، لهذه القرائن، لا سيما وقد قال التِّرمذيُّ بعد روايته من طريق عبدة بن سليمان عن ابن إسحاق به: "وقد روى شعبة والثوري هذا الحديث عن محمَّد بن إسحاق، ورواه محمَّد بن عجلان أيضًا عن عاصم بن عمر بن قتادة. وفي الباب: عن أبي برزة الأسلمي، وجابر، وبلال. قال أبو عيسى: حديث رافع بن خديج: حديث حسن صحيح".
وزيادة: "صحيح" زيادة صحيحة ثابتة، قال العلامة أحمد شاكر -رحمه الله تعالى- في تعليقه على الجامع (١/ ٢٩٠): "الزيادة من ع، م، ن، هـ، ك. وهي زيادة صحيحة ثابتة، فإن كل من حكى كلام التِّرمذيّ في هذا الحديث حكاه هكذا، منهم المجد ابن تيمية في المنتقى (١/ ٤٢٢)، والزيلعي في نصب الراية (١/ ١٢٣)، وابن التركماني في الجوهر النقي (١/ ٤٥٨ - من سنن البيهقي)، والمنذري فيما حكاه عنه في عون المعبود (١/ ١٦٢) ".
وكذا هو في نسخة الكروخي لجامع التِّرمذيُّ (١٥/ أ) وهي النسخة المعتمدة عند المتأخرين، وممن أثبتها أيضًا نقلًا عن التِّرمذيِّ: الطُّوسي في مستخرجه على الجامع (١/ ٤٠٩)، وابن قدامة في المغني (١/ ٢٣٧)، وابن رجب في الفتح (٣/ ٢٢٩)، وبدر الدين الزَّركشي في النكت (١/ ٣٣٤ - ٣٣٥)، والنووي في المجموع (٣/ ٥٣)، وغيرهم. وفي الجملة: فإن ابن إسحاق معروف السماع من عاصم بن عمر، كثير الرِّواية عنه، يعتمد عليه كثيرًا في مغازيه.
التَّنبيه الرابع: خالف هؤلاء الثقات الإثبات: أحد التلفى فرواه عن ابن إسحاق من حديث ابن عباس.
رواه حفص بن عمر قاضي حلب [منكر الحديث، قال ابن حبان: "يروي عن الثقات الموضوعات، لا يحل الاحتجاج به"، اللسان (٣/ ٢٣١)]، عن محمَّد بن إسحاق، عن محمَّد بن كعب القرظي، عن ابن عباس به مرفوعًا.
أخرجه ابن عدي في كامله (٢/ ٣٩١).
وقال بعد أن أخرج له عدة أحاديث هذا منها: "ولم أجد له أنكر مما ذكرته".
٢ - عبد الحميد بن جعفر [صدوق]، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج، قال: قال رسول الله ﷺ : "أسفروا بالصبح فإنَّه أعظم للأجر".
أخرجه الطّبرانيّ في الكبير (٤/ ٢٥١/ ٤٢٩١)، وعنه: أبو نعيم في معرفة الصّحابة (٢/ ١٠٤٧/ ٢٦٥٥).
من طريق معلى بن عبد الرحمن، عن عبد الحميد به.
стр. 1823
وهذا باطل عن معبد الحميد، معلى بن عبد الرحمن الواسطيّ: رمي بالوضع، وكذبه غير واحد [التهذيب (٤/ ١٢٢)، الميزان (٤/ ١٤٨)].
٣ - يزيد بن عياض [هو: ابن جعدبة المدني نزيل البصرة: كذَّبه مالك والنَّسائيُّ وابن معين. التهذيب (٤/ ٤٢٥)، الميزان (٤/ ٤٣٦)]: نا عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج به مرفوعًا.
أخرجه أبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (٢٩٥٧)، ومن طريقه: ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٥/ ٢٧٥).
٤ - محمَّد بن عمرو بن جارية، عن عاصم بن عمر، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج، قال: قال رسول الله ﷺ : "أصبحوا بالصبح فإنَّه أعظم للأجر".
أخرجه الطّبرانيّ في الكبير (٤/ ٢٥٠/ ٤٢٨٥)، وعنه: أبو نعيم في معرفة الصّحابة (٢/ ١٠٤٧/ ٢٦٥٦).
قال الطّبرانيّ: حدّثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة الحوطي: ثنا أبي: ثنا إسماعيل بن عياش: ثنا محمَّد بن جارية به.
ولم أقف على ترجمة محمَّد بن عمرو بن جارية، ولعلّه ابن حارثة بالحاء المهملة، والثاء المثلثة، فقد ذكره ابن ماكولا في الإكمال (٩/ ٢)، في الكنى والآباء من "حارثة"، فقال: "ومحمد بن عمرو بن حارثة الأنصاري: حدث عن عاصم بن عمر بن قتادة وغيره، روى عنه مجمع بن يعقوب، وإسماعيل بن عياش".
ومحمد بن عمرو بن حارثة الأنصاري هذا: ترجم له البُخاريّ في التَّاريخ الكبير (١/ ١٩٢)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٨/ ٣١ - ٣٢)، فلم يذكرا فيمن روى عنه سوى مجمع بن يعقوب الأنصاري المدني، ولا في شيوخه الذين روى عنهم سوى ابن وهب بن منبه [ووهب بن منبه وأولاده الثلاثة: يمانيون]، ولم يزد على ذلك ابن حبان شيئًا سوى أنَّه ذكره في جملة من روى عن أتباع التّابعين من الثقات (٩/ ٤٣)، ووقع في المطبوع: "روى عن وهب بن منبه"، فلعله سقط منه "ابن" سهوًا.
وله رواية في أفراد الدارقطني (١/ ١٦٨ و ١٦٩/ ٢١٦ و ٢١٧ - أطرافه)، عن عاصم بن عمر بن قتادة، وعنه موسى بن يعقوب الزمعي المدني.
وعلى هذا فإن محمَّد بن عمرو بن حارثة الأنصاري هذا: ليس بالمشهور، ولا أحسبه شاميًّا، بل هو أقرب إلى أن يكون مدنيًّا، فحديثه عند أهل المدينة، روى عن مدني ويماني، وروى عنه: مدنيان، وحمصي.
وإسماعيل بن عياش: روايته عن غير أهل الشَّام: ضعيفة، ويبدو أن هذه منها، إلَّا أنَّها صالحة في المتابعات.
وبقية رجال السند: ثقات، والله أعلم.
٥ - صالح بن المخارق، عن عاصم بن عمر، عن محمود بن لبيد، عن رافع به مرفوعًا.
стр. 1824
أخرجه الدارقطني في الأفراد (٣/ ٦١/ ٢٠٥٣ - أطرافه)، وخيثمة الأطرابلسي في حديثه (١٨٥).
من طريق محمَّد بن حمير، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن صالح به.
قال الدارقطني: "تفرد به محمَّد بن حمير، عن أبي بكر بن أبي مريم عنه، قال ابن صاعد: هذا إسناد غريب".
قلت: وإسناده ضعيف جدًّا.
صالح بن المخارق: لم أقف له على ترجمة؛ إلَّا ما ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٤/ ٤١٦)، قال: "صالح بن أبي المخارق: روى أن أبا عبيدة بن الجراح خرج إلى بيت القدس يصلِّي فيه، واستخلف على النَّاس معاذ بن جبل، روى عنه: أبو بكر بن أبي مريم".
وصل هذه القصة: ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٥/ ٤٨٦).
وعليه: فإن صالحًا هذا: مجهول.
والمتفرد عنه بالرواية، وبهذا الحديث: أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم: ضعفوه.
٦ - ورواه زيد بن أسلم، واختلف عليه:
أ - فرواه أبو غسان محمَّد بن مطرف [مدني، ثقة]، قال: حدثني زيد بن أسلم، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رجال من قومه من الأنصار، -وفي رواية: عن رجل من الأنصار-: أن رسول الله ﷺ قال: "ما أسفرتم بالفجر؛ فإنَّه أعظم بالأجر".
أخرجه النَّسائيّ (١/ ٢٧٢/ ٥٤٩)، والطبراني في الكبير (٤/ ٢٥١/ ٤٢٩٤)، وعنه: أبو نعيم في معرفة الصّحابة (٢/ ١٠٤٨/ ٢٦٥٩).
قال ابن عبد الهادي في التنقيح (١/ ٢٦١): "هذا إسناد صحيح".
ب - ورواه حفص بن ميسرة [الصنعاني، نزيل عسقلان: ثقة]، وعبد العزيز بن محمَّد الدراوردي [صدوق]:
كلاهما عن زيد بن أسلم، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن رجال من قومه من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ - كذا قال حفص بن ميسرة، وقال الدراوردي: عن رجل من الصّحابة قال:- قالوا: قال النَّبيُّ ﷺ : "أصبحوا بصلاة الصبح، فما أصبحتم بها فهو أعظم للأجر". لفظ ابن ميسرة.
في حديث الدراوردي: "فإنكم كما أصبحتم بها كان أعظم للأجر".
أخرجه ابن أبي عمر العدني في مسنده (١/ ١٤٢/ ٢٧١/ ١ - مطالب)، والطحاوي (١/ ١٧٩).
ج- ورواه داود البصري، عن زيد بن أسلم، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج، عن رسول الله ﷺ قال: "أسفروا بالفجر فإنَّه أعظم للأجر".
стр. 1825
أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٤/ ١١٩/ ٢٠٩٠)، والطبراني في الكبير (٤/ ٢٥١/ ٤٢٩٣) [ووقع عنده: "النصري" بالنون بدل: "البصري"، وهو تصحيف]. وأبو الشَّيخ في ذكر الأقران (٣٩٩)، وأبو نعيم في معرفة الصّحابة (٢/ ١٠٤٨/ ٢٦٥٨)، والخطيب في الموضح (٢/ ٧٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٧/ ١٤٢).
من طرقٍ عن بقية بن الوليد: نا شعبة: نا داود البصري به.
كذا وقع داود - شيخ شعبة في هذا الإسناد - غير منسوب، وذهب أبو الشَّيخ والخطيب البغدادي إلى أنَّه: داود بن الزبرقان [وهو: متروك؛ كذَّبه الجوزجاني].
وقال أبو نعيم: "وقيل إنَّه ابن أبي هند"، قال ابن رجب في الفتح (٣/ ٢٣١): "وهو بعيد".
قلت: هذه الرِّواية وهم من بقية بن الوليد، وشيخ شعبة في هذا الحديث رجل مجهول:
فقد رواه آدم بن أبي إياس [ثقة مأمون، مكثر عن شعبة، قال أحمد: "كان مكينًا عند شعبة"، التهذيب (١/ ١٠١)، إكمال مغلطاي (٢/ ٢٩)]، قال: حدّثنا شعبة، عن أبي داود، عن زيد بن أسلم، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج، قال: قال رسول الله ﷺ : "نوروا بالفجر فإنَّه أعظم للأجر".
أخرجه النَّسائيّ في الإغراب (٢١١)، والطحاوي (١/ ١٧٩)، وابن البختري في جزء فيه ستة مجالس من أماليه، المجلس الأوَّل (١٨)، وابن الأعرابي في المعجم (٣/ ١٠٣٥/ ٢٢٢٤)، والطبراني في الكبير (٤/ ٢٥١/ ٤٢٩٢)، وفي الأوسط (٣/ ٣٣٤/ ٣٣١٩)، وعنه: أبو نعيم في معرفة الصّحابة (٢/ ١٠٤٨/ ٢٦٥٧)، والقضاعي في مسند الشهاب (٧٠٣)، والخطيب في الموضح (١/ ٤٠٧)، وفي التَّاريخ (١٣/ ٤٥).
هكذا رواه عن آدم: أحمد بن نصر بن زياد النيسابوري [ثقة حافظ فقيه]، محمَّد بن سهل بن عساكر [ثقة]، وإبراهيم بن الحسين بن علي الكسائي [ثقة حافظ. اللسان (١/ ٢٦٥)]، وعلي بن داود بن يزيد القنطري [ثقة]، وإبراهيم بن الهيثم بن المهلب البلدي [ثقة. تاريخ بغداد (٦/ ٢٠٦)، السير (١٣/ ٤١١)، اللسان (١/ ٣٨٢)]، وغيرهم.
وخالفهم فوهم: موسى بن عبد الله بن موسى القراطيسي أبو عمران البغدادي [مجهول. تاريخ بغداد (١٣/ ٤٥)]، فرواه عن آدم به؛ إلَّا أنَّه قال: "عن داود" بدل: "عن أبي داود"، قال الخطيب: "كذا قال، وإنَّما يحفظ هذا من رواية بقية بن الوليد، عن شعبة عن داود، وأمَّا آدم فيرويه عن شعبة، عن أبي داود، عن زيد بن أسلم".
وأبو داود هذا قيل: إنَّه جزري، قال البزار في مسنده (١٢/ ٣٥١/ ٦٢٤٤): "ولا نعلم أسند شعبة عن أبي داود إلَّا هذا الحديث، وهو أبو داود الجزري".
لكن قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٩/ ٣٦٨): "أبو داود الواسطيّ: روى عن … [بيَّض له ابن أبي حاتم]، روى عنه شعبة … ،، قال: سألت أبي عنه؟ فقال: شيخ لشعبة، واسطي مجهول".
стр. 1826
د - ورواه هشام بن سعد [صدوق، قال أبو داود: هشام بن سعد أثبت النَّاس في زيد بن أسلم"] لكن اختلف عليه أيضًا:
• فرواه أسباط بن محمَّد [كوفي، ثقة] وأبو نعيم الفضل بن دكين [كوفي، ثقة ثبت]، ومحمد بن الحسن الشيباني [كوفي، ضعيف، كذَّبه ابن معين. اللسان (٧/ ٦٠)]:
ثلاثتهم، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن محمود بن لبيد، عن بعض أصحاب النَّبيِّ ﷺ [كذا قال أسباط، وقال أبو نعيم: عن نفر من قومه من أصحاب محمَّد ﷺ قالوا:] قال رسول الله ﷺ : "أسفروا بالفجر فإنَّه أعظم للأجر".
وقال أبو نعيم: "أصبحوا بالفجر، فكلما أصبحتم فإنَّه أعظم للأجر -أو لأجركم-".
أخرجه أحمد (٤/ ١٤٣)، ومحمد بن الحسن الشيباني في الحجة (١/ ٥)، وأبو نعيم الفضل بن دكين في الصَّلاة (٣١٦)، وابن منده [عزاه إليه ابن الأثير في أسد الغابة (٦/ ٣٧٨)]. وأبو نعيم في معرفة الصّحابة (٦/ ٣٠٩٣/ ٣٥٧٨).
• ورواه اللَّيث بن سعد [ثقة ثبت، إمام فقيه]، وبكر بن صدقة [في عداد المجاهيل، وفي الإسناد إليه من لا يعرف. راجع الحديث (٤١٢)]:
روياه عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عاصم بن عمر، عن رجال من قومه من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ ، قالوا: قال رسول الله ﷺ : … فذكره.
فجعلا عاصم بن عمر مكان محمود بن لبيد.
أخرجه الطحاوي (١/ ١٧٩)، وابن الأعرابي في المعجم (٢/ ٧٨٣/ ١٥٩٨).
• ورواه وكيع بن الجراح [ثقة حافظ] عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، قال: قال رسول الله ﷺ . . . فذكره، هكذا مرسلًا، ولم يزد على زيد بن أسلم أحدًا.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٢٥٣/٢٨٤).
• ورواه إسحاق بن إبراهيم الحنيني [مدني نزل طرسوس: ضعيف، قال البُخاريّ: "في حديثه نظر"]، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن ابن بجيد، عن جدته حواء -وكانت من المبايعات-، قالت: سمعت رسول الله ﷺ : … فذكره.
أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٦/ ١٦٠/ ٣٣٨٩)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ٢٢٢/ ٥٦٣)، وأبو نعيم في معرفة الصّحابة (٦/ ٣٣٠١ - ٣٣٠٢ و ٣٣٠٢/ ٧٥٨١ و ٧٥٨٢)، وابن عبد البر في الاستيعاب (٤/ ١٨١٤).
وعزاه ابن حجر في الإصابة (٧/ ٥٩١) للبزار، ونقل عنه قوله: "تفرد به إسحاق الحنيني عن هشام بن سعد".
وقال أبو نعيم: "تفرد به الحنيني عن هشام".
وقال البزار (١٢/ ٣٥١): "ولا نعلم روى هذا الحديث عن هشام بن سعد إلَّا الحنيني إسحاق بن إبراهيم، ولم يتابع عليه".
وقال الدارقطني في العلل (٥/ ٢٢٩/ أ) (١٥/ ٤٢٤/ ٤١١٨): "ووهم فيه".
стр. 1827
قلت: هو حديث منكر؛ لتفرد الحنيني به عن هشام، بل ومخالفته في إسناده لرواية الثقات عن هشام.
وباستثناء هذه الرِّواية، فحديث هشام بن سعد: حديث مضطرب، اضطرب فيه هشام، ولم يقم إسناده: فإنَّه ليس بذاك الحافظ، بل قد ضعفه النَّسائيّ وابن معين، ليناه في رواية، ووافقهما على تليينه جماعة [انظر: التهذيب (٤/ ٢٧٠) وغيره].
هـ - ورواه معمر بن راشد [ثبت في الزُّهريّ وابن طاووس، وقد يهم في حديث غيرهما]، عن زيد بن أسلم: أن النَّبيَّ ﷺ قال: … فذكره هكذا مرسلًا.
أخرجه عبد الرَّزاق (١/ ٥٧٣/ ٢١٨٢)، عن معمر به.
و- ورواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم [ضعيف]، عن أبيه، عن محمود بن لبيد الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ : … فذكره.
أخرجه أحمد (٥/ ٤٢٩).
ز- ورواه يزيد بن عبد الملك النوفلي [منكر الحديث]، عن زيد بن أسلم، عن أنس بن مالك به مرفوعًا.
أخرجه البزار (١٢/ ٣٥٠/ ٦٢٤٤)، والدارقطني في الأفراد (٢/ ٩٣/ ٨٣٥ - أطرافه)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/ ١٢٨).
قال الدارقطني: "غريب من حديث زيد، تفرد به يزيد بن عبد الملك النوفلي".
وقال في العلل (٥/ ٢٢٩/ أ) (١٥/ ٤٢٤/ ٤١١٨): "وهم فيه أيضًا".
قلت: هو حديث منكر، لا يعرف من حديث أنس بن مالك من طريق يصح، خالف فيه النوفلي -على ضعفه- ما رواه أصحاب زيد بن أسلم على اختلافهم فيه.
وأخيرًا: فإنَّه إذا استبعدنا ما رواه الضعفاء والمجاهيل، ورواية هشام بن سعد المضطربة، ورواية معمر لغلبة الظن بوهمه فيها.
فلا يبقى بعد ذلك إلَّا رواية أبي غسان، عن زيد، عن عاصم، عن محمود، عن رجل من الأنصار، عن النَّبيِّ ﷺ .
ورواية حفص بن ميسرة والدراوردي كلاهما، عن زيد، عن عاصم، عن رجل من الصّحابة، عن النَّبيِّ ﷺ .
• والذي يظهر لي: أن رواية أبي غسان أولى بالصواب.
وذلك لأنَّ أبا غسان: ثقة مدني، وأهل بلد الرجل أعلم بحديثه من غيره.
فإن قيل: قد رواه بالإسناد الثَّاني: مدني وصنعاني نزل عسقلان، والحديث الذي اشتهر في بلده وخارجها أولى من الذي لم يعرف إلَّا في بلده.
ورواية الاثنين أبعد عن الوهم من رواية الواحد.
فيقال: أولًا: عبد العزيز بن محمَّد الدراوردي المدني: صدوق، صحيح الكتاب، إلَّا أنَّه كان سيئ الحفظ، فربما حدث بهذا الحديث من حفظه فأخطأ فيه.
стр. 1828
وثانيًا: حفص بن ميسرة، وهو وإن كان ثقة، إلَّا أنَّه كان يطعن عليه في سماعه أنَّه كان عرضًا -كذا قال ابن معين وابن المديني-، وقال أبو داود: "يضعف في السماع"، وذلك أنَّه عرض على زيد بن أسلم، وقال أبو حاتم: "يكتب حديثه، ومحله الصدق، وفي حديثه بعض الأوهام"، وقال ابن حبان في المشاهير: "ربَّما وهم" [انظر: تاريخ دمشق (١٤/ ٤٤٠)، التهذيب (١/ ٤٦٠)، الميزان (١/ ٥٦٨)، التَّاريخ الكبير (٢/ ٣٦٩)، الجرح والتعديل (٣/ ١٨٧)، الثقات (٦/ ٢٠٠)، مشاهير علماء الأمصار (١٤٧٥)، التعديل والتجريح (٢/ ٥٠٧)، سؤالات ابن أبي شيبة لابن المديني (١٩٣)، العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٤٧٩/ ٣١٤٢)، تاريخ الدوري (٤/ ٤٤١/ ٥١٩٩)، سؤالات ابن الجنيد (٣٣٦)، علل الحديث لابن أبي حاتم (٨٣/ ١ و ٤٥١ و ٤٥٢/ ٢٢٣ و ١٣٥٦ و ١٣٥٨)، وغيرها كثير].
والراوي عنه: زهير بن عباد الرؤاسي: قال أبو حاتم ومحمد بن عبد الله بن عمار: "ثقة"، وقال صالح بن محمَّد جزرة: "صدوق"، وذكره ابن حبان في الثقات، لكن قال: "يخطئ ويخالف"، وضعفه ابن عبد البر، فيحتمل أن يكون منه الوهم في إسناد هذا الحديث بإسقاط محمود بن لبيد [انظر: الجرح والتعديل (٣/ ٥٩١)، علل ابن أبي حاتم (٢٢٣)، الثقات (٨/ ٢٥٦)، تاريخ دمشق (١٩/ ١٠٨)، التهذيب (١/ ٦٣٧)، الميزان (٢/ ٨٣)، اللسان (٣/ ٥٢٨)].
لذلك فإن رواية أبي غسان محمَّد بن مطرف -المدني الثقة- أولى عندي بالصواب.
لا سيما وروايته هذه موافقة لرواية ابن عجلان وابن إسحاق وابن حارثة، واختارها النَّسائيّ -دون غيرها من وجوه الاختلاف على زيد بن أسلم- ليقوي بها رواية ابن عجلان.
فإن قيل: رواية أبي غسان عن زيد بن أسلم مخالفة لرواية الثلاثة، وليست موافقة، فهم يقولون: "عن رافع بن خديج"، وأبو غسان يقول: "عن رجال -أو عن رجل- من قومه من الأنصار".
قلت: هذا اختلاف لا يضر، فإن جهالة الصحابي لا تضر، ثم إن المبهم في رواية أبي غسان، قد عُيِّن في رواية غيره، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ؛ يؤيد ذلك أن رافع بن خديج من قوم محمود بن لبيد، فكلاهما أنصارى، أوسي، يلتقيان في نسبهما في الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس، فرافع هو: ابن خديج بن رافع بن عدي بن زيد بن جشم بن حارثة بن الحارث بن الخزرج.
ومحمود هو: ابن لبيد بن عقبة بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج.
ورافع: صحابي مشهور، ومحمود: ولد في حياة النَّبيِّ ﷺ ، واختلف في صحبته.
[انظر: جمهرة النسب (٦٣٣ و ٦٣٤ و ٦٣٧ و ٦٣٨)، نسب معد واليمن الكبير (١/ ٣٧٥ و ٣٧٦ و ٣٨٠)، طبقات خليفة بن خياط (٢٥٠)، طبقات ابن سعد (٤/ ٣٦٤) و (٥/ ٧٧
стр. 1829
و ٢٥٦)، الثقات (٣/ ١٢١ و ٣٩٧)، المستدرك (٣/ ٥٦١)، الأنساب (٢/ ١٥١)، الاستيعاب (٢/ ٤٧٩) و (٣/ ١٣٧٨)، الإصابة (٢/ ٤٣٦) و (٦/ ٤٢)، إكمال مغلطاي (٤/ ٣١١) و (١١/ ١٠٢)، التهذيب (١/ ٥٨٥) و (٤/ ٣٧)، وغيرها].
فإن قيل: إن نظرنا في الاختلاف الحاصل على عاصم بن عمر بن قتادة، على اعتبار أن المحفوظ عن زيد بن أسلم: هو ما رواه عنه أبو غسان؛ وجدنا أن زيد بن أسلم هو أوثق من روى هذا الحديث عن عاصم، فتقدم روايته على غيره، فيكون المحفوظ في هذا الحديث بإبهام الصحابي.
قلت: إن سلمنا، فإبهام الصحابي لا يضر، والذي يظهر لي -والله أعلم- أن الصحابي المبهم في رواية زيد، هو رافع بن خديج، لما تقدم ذكره آنفًا، وابن عجلان وابن إسحاق: صدوقان مدنيان، وابن إسحاق إمام في السير والمغازي، فلا يبعد أن يحفظ اسم الصحابي، وتابعه على ذلك اثنان، فقبل منهم تعيين المبهم في رواية زيد بن أسلم. وانظر: الفتح لابن رجب (٣/ ٢٣٢).
قال الدارقطني في العلل (٥/ ٢٢٩/ أ) (١٥/ ٤١١٨/٤٢٤): "والصحيح: عن زيد بن أسلم، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج".
• وعليه فحديث رافع بن خديج: حديث صحيح، إسناده مدني صحيح.
قال التِّرمذيُّ: "حديث حسن صحيح".
وقال البغوي والحازمي: "هذا حديث حسن"، زاد الحازمي: "على شرط أبي داود".
وقال ابن حزم في المحلى (٣/ ١٨٨ - ١٨٩): "والخبر: صحيح".
وقال العقيلي في الضعفاء (١/ ١١٣): "يروى عن رافع بن خديج بإسناد جيد".
وصححه ابن حبان في صحيحه، وقال في المجروحين (١/ ١٧١): "متن صحيح".
وقال ابن القطان الفاسي في بيان الوهم (٥/ ٣٣٥): "صحيح".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في المجموع (٢٢/ ٩٧): "حديثٌ صحيحٌ".
وقال الأثرم: "ليس في أحاديث هذا الباب: أثبت منه".
قال ابن رجب: "يشير إلى أن في الباب أحاديث، وهذا أثبتها وهو كما قال" [الفتح (٣/ ٢٢٩)].
• وممن تكلم في إسناد هذا الحديث؛ فلم يصب:
١ - ابن عبد البر، حيث قال في التمهيد: "وحديث رافع: يدور على عاصم بن عمر بن قتادة، وليس بالقوي، رواه عنه: محمَّد بن إسحاق وابن عجلان، وغيرهما"، ثم أسنده من طريق الثوري عن ابن عجلان، ثم قال: "وهذا أحسن أسانيد هذا الحديث".
قلت: قال ابن معين وأبو زرعة والنَّسائيُّ وابن سعد والبزار: "ثقة"، وذكره ابن حبان في الثقات، وهو أحد العلماء الثقات المحتج بهم في الصَّحيح، روي له الجماعة واحتج به أصحاب الصَّحيح، ولا تعلم فيه جرحة [انظر: تاريخ دمشق (٢٥/ ٢٧٤)، تاريخ الإسلام
стр. 1830
(٧/ ٣٨٩)، السير (٥/ ٢٤٠)، الميزان (٢/ ٣٥٥)، إكمال مغلطاي (٧/ ١١٦)، التهذيب (٢/ ٢٥٨)، هدي الساري (٤١٢ و ٤٦٢)].
٢ - عبد الحق الإشبيلي، حيث قال في الأحكام الوسطى (١/ ٢٦٥): "هذا الحديث يدور بهذا الإسناد -فيما أعلم- على عاصم بن عمر بن قتادة، وعاصم هذا: وثقه أبو زرعة ويحيى بن معين، وقد ضعفه غيرهما … ،".
فرد ذلك عليه ابن القطان الفاسي فقال في بيان الوهم (٥/ ٣٣٤): "وهذا أمر لا أعرفه، بل هو ثقة، كما ذكر عن ابن معين وأبي زرعة، كذلك قال النَّسائيّ وغيره، ولا أعرف أحدًا ضعفه، ولا ذكره في جملة الضعفاء … ،".
قال الذهبي في الميزان (٢/ ٣٥٥) مؤيدًا ابن القطان: "وصدق".
وقال ابن حجر في هدي الساري (٤١٢): "وهو كما قال، وقد احتج به الجماعة".
• خالف الجماعة في إسناد هذا الحديث فوهم:
فليح بن سليمان [مدني، ليس بالقوي]، فرواه عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن أبيه، عن جده أن النَّبيَّ ﷺ قال: … فذكره.
أخرجه البزار [(٣٨٤ - كشف) (٢٧١/ ٢ - مطالب) (٢٣٩ - مختصر الزوائد)].
والطبراني في الكبير (١٩/ ١٢/ ١٦).
قال البزار: "لا نعلم أحدًا تابع فليحًا على هذه الرِّواية".
قلت: فهي وهم بلا شك.
• ولحديث رافع طريق أخرى يرويها:
أبو إسماعيل المؤدب إبراهيم بن سليمان بن رزين، قال: ثنا هرير بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج الأنصاري، عن جده رافع بن خديج: أن رسول الله ﷺ قال لبلال: "نور بالفجر قدر ما يبصر القوم مواقع نبلهم".
وفي رواية: "يا بلال! أسفر بالفجر قدر ما يرى الرجل موقع سهمه".
أخرجه البُخاريّ في التاريخ الكبير (١/ ٢٨٩) و (٣/ ٣٠١)، وابن أبي حاتم في العلل (١/ ١٣٩ و ١٤٤/ ٣٨٥ و ٤٠٠)، والطبراني في الكبير (٤/ ٢٧٧ - ٢٧٨/ ٤٤١٤)، وأبو نعيم في معرفة الصّحابة (٢/ ١٠٤٩/ ٢٦٦٠).
هكذا رواه عن أبي إسماعيل المؤدب إبراهيم بن سليمان: هارون بن معروف [بغدادي، ثقة]، ومحمد بن بكار بن الريان [بغدادي، ثقة]، ويحيى بن عبد الحميد الحماني [كوفي حافظ؛ إلَّا أنهم اتهموا بسرقة الحديث]، موسى [هكذا رواه عنه البُخاريّ في التَّاريخ، ولم ينسبه، وأظنه: ابن إسماعيل أبا سلمة التبوذكي، الثقة الثبت، فإن البُخاريّ مكثر عنه، كثير الاعتماد عليه]، وأبو معمر [إما أن يكون: إسماعيل بن إبراهيم بن معمر الهذلي الهروي -وهو ثقة مأمون- وإما: عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج التميمي المقعد المنقري -وهو: ثقة ثبت-، فهما من طبقة واحدة وكلاهما يكنى أبا معمر].
стр. 1831
خالفهم: محمَّد بن الصباح الدولابي [بغدادي: ثقة حافظ]، قال: ثنا إبراهيم بن سليمان بن رزين بن إسماعيل المؤدب، قال: ثنا هارون بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج، قال: قال رسول الله ﷺ لبلال: "أسفر بصلاة الصبح بقدر ما يرى القوم مواقع نبلهم".
أخرجه الدولابي في الكنى (١/ ٢٩٨/ ٥١٨)، قال: أخبرني بعض أصحابنا عن أحمد بن يَحْيَى الحلواني، قال: ثنا محمَّد بن الصباح الدولابي به، هكذا بإسقاط رافع بن خديج من الإسناد، وتسمية هرير: هارون.
والوهم فيه عندي ممن حدث به الدولابي ولم يصرح به حيث قال: "أخبرني بعض أصحابنا"، والله أعلم؛ إذ بقية رجاله ثقات.
وهذا الحديث قد رواه أبو نعيم الفضل بن دكين [ثقة ثبت]، عن إبراهيم بن إسماعيل المدني: ثنا هرير بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج، قال: سمعت جدِّي رافع بن خديج، يقول: قال رسول الله ﷺ : "نور بلال بالصبح قدر ما يبصر القوم مواقع نبلهم".
أخرجه ابن أبي شيبة في المسند (٨٣) [كذا قال في المسند: "إبراهيم بن إسماعيل المدني"، لكن في المطالب (١/ ١٤٢/ ٢٧٠): "إسماعيل بن إبراهيم المدني"، وكذا في نصب الراية (١/ ٢٣٨)]. وإسحاق بن راهويه أعزاه إليه الزيلعي في نصب الراية (١/ ٢٣٨)، لكن قال: "إسماعيل بن إبراهيم المدني"]. والطبراني في الكبير (٤/ ٢٧٨/ ٤٤١٥) [سقط من سند المطبوعة: "إسماعيل بن إبراهيم المدني: ثنا هرير بن"، وتصويبه من نصب الراية (١/ ٢٣٨)، وعليه يدل كلام الهيثمي في المجمع (٢/ ٦٥)، وهو ظاهر صنيع الطّبرانيّ في معجمه] [لكن هل هو في المعجم هكذا كما نقل الزيلعي؟ أم قلب عليه اسم الراوي: "إبراهيم بن إسماعيل" إلى "إسماعيل بن إبراهيم"؟].
قال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ١٣٩/ ٣٨٥): "وسألت أبي عن حديث رواه أبو نعيم، عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، عن هرير بن عبد الرحمن، عن جده رافع بن خديج، قال: قال رسول الله ﷺ لبلال: "نور بالفجر، قدر ما يبصر القوم مواقع نبلهم"؟
قال أبي: حدّثنا هارون بن معروف وغيره عن أبي إسماعيل إبراهيم بن سليمان المؤدب عن هرير، وهو أشبه".
قلت: وهذا يعني: أن الحديث ليس من رواية إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع المدني، وإنَّما يعرف من حديث إبراهيم بن سليمان المؤدب فقط؛ أخطأ فيه أبو نعيم فقلب اسمه، وقد بين ذلك أبو حاتم في موضع آخر، قال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ١٤٣ - ١٤٤/ ٤٠٠): "وسمعت أبي وذكر حديث إبراهيم بن سليمان أبي إسماعيل المؤدب، عن هرير بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج، عن جده رافع، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال لبلال: "نور بالفجر قدر ما يبصر القوم مواقع نبلهم".
قال أبي: روى أبو بكر بن أبي شيبة هذا الحديث عن أبي نعيم، عن إبراهيم بن
стр. 1832
إسماعيل بن مجمع، عن هرير بن عبد الرحمن، عن جده، عن النَّبيِّ ﷺ .
قال أبي: وسمعنا عن أبي نعيم كتاب إبراهيم بن إسماعيل، الكتاب كله، فلم يكن لهذا الحديث فيه ذكر، وقد حدّثنا غير واحد عن أبي إسماعيل المؤدب.
قلت لأبي: الخطأ عن أبي نعيم أو عن أبي بكر بن أبي شيبة؟.
قال: أرى قد تابع أبا بكر رجل آخر، إمَّا محمَّد بن يَحْيَى، أو غيره، فعلى هذا يدل أن الخطأ عن أبي نعيم، يعني: أن أبا نعيم أراد أبا إسماعيل المؤدب، وغلط في نسبته، نسب إبراهيم بن سليمان إلى إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع".
قلت: فدلت هذه القرينة على أن هذا الحديث ليس من حديث إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع المدني؛ لأنَّه لم يكن في كتابه الذي كتبه عنه أبو نعيم، وإنما يعرف هذا الحديث من حديث أبي إسماعيل المؤدب وقد اشتهر عنه.
فإن قيل: لم ينفرد بذلك أبو نعيم، فقد توبع عليه:
فقد رواه أبو سعيد مولى بني هاشم، عن إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدّثنا هرير: سمعت جدِّي رافعًا … الحديث.
أخرجه البُخاريّ في التَّاريخ الكبير (١/ ٢٨٩)، وقال حدثني هارون، قال: حدّثنا أبو سعيد به.
قلت: هارون شيخ البُخاريّ: هو هارون بن الأشعث البُخاريّ: ثقة، وما أرى هذه الرِّواية إلَّا وهمًا عن أبي سعيد مولى بني هاشم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبيد البصري: وثقه أحمد، وابن معين، والطبراني، والبغوي، والدارقطني، وقال أبو حاتم: كما كان به بأس"، وقال فيه أحمد أيضًا: "كان كثير الخطأ"، وقال الساجي: "يهم في الحديث" [التهذيب (٢/ ٥٢٣)، الميزان (٢/ ٥٧٤)].
وهذه الرِّواية أوردها البُخاريّ في تاريخه عقب رواية موسى [هو: ابن إسماعيل أبو سلمة التبوذكي]، عن أبي إسماعيل المؤدب، عن هرير بهذا الحديث، وذلك في ترجمة إبراهيم بن إسماعيل بن رزين الشَّامي أبي إسماعيل المؤدب، وكان البُخاريّ أراد أن ينبه على أن أبا سعيد مولى بني هاشم قلب اسم المؤدب فجعل كنيته اسمه، واسمه اسمًا لأبيه؛ أو العكس.
ومما يؤكد هذا الذي ذهبت إليه أن ابن حبان لما ترجم للمؤدب في ثقاته (٦/ ١٤ - ١٥)، قال في آخر ترجمته: "وقد قيل: إبراهيم بن إسماعيل بن رزين"، ومعلوم أن ابن حبان أخذ مادة كتابه "الثقات" من تاريخ البُخاريّ الكبير، فأشار ابن حبان بهذه الجملة إلى رواية أبي سعيد مولى بني هاشم، وأنها وهم، لكن ثمة قلب وقع لاسم الراوي إمَّا في نسخة التَّاريخ أو الثقات، والله أعلم.
• والحاصل: أن هذا الحديث إنَّما يعرف من حديث أبي إسماعيل إبراهيم بن سليمان بن رزين المؤدب، ورواية أبي نعيم وأبي سعيد مولى بني هاشم: وهم.
стр. 1833
وعليه فلا يعتمد على روايتهما والتي جاء فيها التصريح بسماع هرير من جده رافع.
وقد وهم أبو داود الطَّيالسيُّ في إسناد هذا الحديث مرتين حين أخرجه في مسنده (٢/ ٢٦٦/ ١٠٠٣)، فقال: حدّثنا أبو إبراهيم، عن عبد الرحمن بن هرير بن رافع بن خديج، عن رافع بن خديج، قال: قال رسول الله ﷺ لبلال … فذكره.
فجعل اسم المؤدب كنيته، وقلب اسم هرير بن عبد الرحمن، لكن وقع في نصب الراية (١/ ٢٣٨)، والإتحاف للبوصيري (٤٨٨): "إسماعيل بن إبراهيم" بدل "أبي إبراهيم"، فالله أعلم ممن الوهم، وإنَّما هو أبو إسماعيل إبراهيم بن سليمان المؤدب، والله أعلم.
• وثمة متابعة أخرى لكن واهية:
فقد روى محمَّد بن الحسن الشيباني [وهو: ضعيف، كذَّبه ابن معين. انظر اللسان (٧/ ٦٠) وغيره]، في كتابه الحجة (١/ ٣ - ٤)، قال: أخبرنا محمَّد بن أبان بن صالح القرشي، عن هرير بن عبد الرحمن، قال: سمعت جدِّي رافع بن خديج، قال: نشز بلال يؤذن للفجر، فقال له رسول الله ﷺ : "أسفر أي بلال"، قال: فجلس، ثم نشز الثَّانية ليؤذن قال: "أسفر أي بلال"، فجلس ثم نشز الثَّالثة، قال: فتركه فأذن.
ثم رواه مرَّة أخرى (١/ ٥)، قال: أخبرنا سلام بن سليم، قال: حدثني هرير بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج، قال: سمعت جدِّي رافع بن خديج الأنصاري، يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يا بلال نور بالفجر ما يرى القوم مواقع نبلهم".
قلت: محمَّد بن أبان بن صالح القرشي الجعفي الكوفيِّ: ضعيف [انظر: اللسان (٦/ ٤٨٨) وغيره]، والراوي عنه: ضعيف.
وسلام بن سليم هو الحنفي أبو الأحوص الكوفيِّ: ثقة متقن، لكن في تفرد محمَّد بن الحسن الشيباني عنه [وهو: ضعيف] نكارة ظاهرة.
• وقد وجدت متابعة صالحة لأبي إسماعيل المؤدب:
فقد روى البُخاريّ في تاريخه (٣/ ٣٠١ - ٣٠٢)، بإسناد حسن إلى عبد الله بن هرير بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج، عن أبيه، عن جده رافع بن خديج، عن النَّبيِّ ﷺ .
وعبد الله بن هرير: لم أجد من ترجم له سوى ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٥/ ١٩٦)، ولم يذكر له راويًا سوى ابن أبي فديك راوي هذا الحديث، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا؛ فهو في عداد المجاهيل.
إلَّا أن يكون تصحف عن "عبيد الله بن هرير" الذي روى بهذا الإسناد حديث النَّهي عن كسب الأمة، فقال فيه البُخاريّ: "حديثه ليس بالمشهور"، وروى عنه ثلاثة، وذكره ابن حبان في ثقاتة (٧/ ١٥١)، فهو ليس بالمشهور، مقل في الرِّواية [انظر: التَّاريخ الكبير (٥/ ٤٠٣)، الجرح والتعديل (٥/ ٣٣٧)، الميزان (٣/ ١٦)، التهذيب (٣/ ٣٠)، التقريب (٤٠٩)، وقال: "مستور"].
стр. 1834
وأبو إسماعيل إبراهيم بن سليمان بن رزين المؤدب الأردني، نزيل بغداد؛ صدوق يغرب [التقريب (٥٩)].
وهرير بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج:
قال الدَّارميُّ لابن معين: "فهرير الذي يروي عنه أبو إسماعيل المؤدب من هو؟
فقال: ثقة"، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الأزدي: "يتكلمون في حديثه" [انظر: التَّاريخ الكبير (٨/ ٢٥٢)، الأسماء المفردة للبرديجي (٣١٧)، الجرح والتعديل (٩/ ١٢١)، تاريخ الدَّارميُّ (٨٥٣)، الثقات (٧/ ٥٨٩)، الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (٣/ ١٧٣/ ٣٥٨٩)، المغني (٢/ ٧٠٩)، الميزان (٤/ ٢٩٥)، التهذيب (٤/ ٢٦٥)، إكمال مغلطاي (١٢/ ١٣٣)، المؤتلف والمختلف للدارقطني (٤/ ٢٣١٩)، إكمال ابن ماكولا (٧/ ٣١٤)، توضيح المشتبه (٩/ ١٤٧)].
لكن هل سمع هرير من جده رافع أم لا؟
أولًا: الرِّوايات التي ورد فيها التصريح بالسماع: لا يعتمد عليها إما لضعف رواتها، أو لكون الثقات وهموا فيها.
ثانيًا: عامة مصادر المتقدمين ذكروا روايته عن أبيه عبد الرحمن عن جده رافع، ولو كان ثابتًا عندهم سماعه من جده مباشرةً بغير واسطة لم يغفلوه، لا سيما البُخاريّ الذي يعتني بذكر سماع الرواة بعضهم من بعض.
ثالثًا: ذكره ابن حبان في طبقة أتباع التّابعين من ثقاته، مما يدل على أنَّه لم يصح عنده سماعه من أحد من الصّحابة، سيما جده رافع.
• فدلت هذه القرائن على انقطاع هذا السند، وعدم اتصاله بين هرير وجده رافع، ولا عبرة بورود السماع في بعض الرِّوايات لعدم صلاحيتها للاعتماد عليها، إذ لم يعتمد عليها أئمة هذا الشأن، والله أعلم.
ووجدت متابعة لهربر، لكن لا تصح:
قال البُخاريّ في التَّاريخ الكبير (٣/ ٣٠١): "وقال نعيم: حدّثنا عبد العزيز بن محمَّد، عن عتبة بن مسلم، عن ابن رافع، عن أبيه، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "أسفروا بالصبح".
وعن عبد العزيز، عن عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن ابن رافع، عن أبيه، رفعه".
قلت: ابن رافع هو: عبد الله، ورجال الإسنادين: مدنيون ثقات، عدا عبد الرحمن بن عبد العزيز، فإنَّه ليس بالقوي [انظر: التهذيب (٢/ ٥٢٨)، الميزان (٢/ ٥٧٧)].
لكن مدارهما على نعيم بن حماد المروزي، وهو ضعيف، يروي المناكير عن الثقات [انظر: التهذيب (٤/ ٢٣٤)، الميزان (٤/ ٢٦٧)]، فإن كان تفرد به عن الدراوردي وأهل المدينة، فهو حديث منكر.
• وحاصل ما تقدم: أن حديث هرير، عن جده رافع، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال لبلال:
стр. 1835
"نور بالفجر -أو: أسفر بالفجر- تدر ما يبصر القوم مواقع نبلهم".
إسناده منقطع؛ لعدم سماع هرير من جده، إنَّما يروي عنه بواسطة.
والمتن منكر؛ لاشتماله على هذه الزيادة: "قدر ما يبصر القوم مواقع نبلهم"؛ إذ المتن الصَّحيح المعروف هو: "أسفروا بالفجر، فإنَّه أعظم للأجر"، وما كان في معناه كما تقدم من حديث عاصم بن عمر، عن محمود بن لبيد، عن رافع به مرفوعًا.
• وهذه الزيادة المنكرة مخالفة للأحاديث الصحيحة القاضية بأن بلالًا كان يؤذن قبل طلوع الفجر، الأذان الأوَّل، كما جاء في الحديث: "إن بلالًا يؤذن بلبل، فكلوا واشربوا حتَّى يؤذن ابن أم مكتوم؟ "، وهو حديث متَّفقٌ عليه من حديث: ابن عمر [البخاري (٦١٧)، ومسلم (١٠٩٢)]، وابن مسعود [البخاري (٦٢١)، ومسلم (١٠٩٣)]، وعائشة [البخاري (٦٢٢ و ٦٢٣)، ومسلم (١٠٩٢)، [وانظر: الفتح لابن رجب (٣/ ٥٠٧ - ٥٢٦)، الفتح لابن حجر (٢/ ١١٨ - ١٢٥)].
• ومخالف لما تقدم تقريره من أنَّه يؤذن للصلاة في أول وقتها للإعلام بدخول الوقت، ثم لا بأس بتأخير الإقامة حسب ما يرى الإمام من المصلحة [انظر: ما تقدم تحت الأحاديث (٤٠١ - ٤٠٣)]، والله أعلم.
• ومن شواهد حديث رافع في الإسفار بالفجر:
١ - ما رواه أيوب بن سيار: نا محمَّد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، عن أبي بكر الصِّديق، عن بلال، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "أسفروا بالفجر؛ لأنَّه أعظم للأجر".
أخرجه البزار (٤/ ١٩٦ - ١٩٧/ ١٣٥٧)، وأبو يعلى (١/ ١٤٤/ ٢٨١ - مطالب)، والروياني (٧٤٣)، والطحاوي (١/ ١٧٩)، والعقيلي (١/ ١١٢)، والشاشي الهيثم بن كليب (٢/ ٣٤٧/ ٩٤١ و ٩٤٢)، وابن الأعرابي في معجمه (١/ ٨٣/ ١٢١)، وابن حبان في المجروحين (١/ ١٧١)، والطبراني في الكبير (١/ ٣٣٩ و ٣٥٢/ ١٠١٦ و ١٠٦٧) أو في سنده سقط]. وابن عدي في الكامل (١/ ٣٤٦)، وأبو الشَّيخ في ذكر الأقران (١٦٨)، وأبو نعيم في معرفة الصّحابة (١/ ٣٧٥/ ١١٣٤)، والبيهقيّ في الخلافيات (١/ ٥٣٣ - مختصره)، وأبو أحمد العسكري في تصحيفات المحدثين (٢/ ٦٢١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٠/ ٤٣١)، وأبو موسى المديني في اللطائف (٦ و ١٧٧).
قال البزار: "فلم أبدأ بهذا الحديث في أول مسند بلال لضعف أيوب بن سيار".
وقال العقيلي بعد ما أورد لأيوب بن سيار حديثين في ترجمته: "ليس لإسنادهما جميعًا أصل، ولا يتابع عليهما، فأمَّا متن الحديث الأوَّل في الإسفار بالفجر، فيروى عن رافع بن خديج بإسناد جيد، والثَّاني: فليس بمحفوظ إسناده ولا متنه".
وقال ابن حبان: "هذا متن صحيح، وإسناده مقلوب".
وقال ابن عدي بعد ما أورد لأيوب هذا حديثين بهذا الإسناد منكرًا بهما عليه: "وهذان الحديثان لا يرويهما بهذا الإسناد عن محمَّد بن المنكدر، غير أيوب بن سيار".
стр. 1836
وقال البيهقي: "وأيوب بن سيار: ضعيف لا يحتج به، قال ابن معين: ليس بشيء".
وقال ابن عساكر: "قال ابن منده: هذا حديث غريب، لا يعرف إلَّا من حديث أيوب بن سيار".
وقال أبو موسى المديني: "غريب من حديث ابن المنكدر؛ لم يروه عنه إلَّا أيوب".
وقال أيضًا: "وهذا الحديث يُعد في أفراد أيوب بن سيار".
قلت: فهو حديث منكر، لتفرد أيوب بن سيار به عن ابن المنكدر، وأيوب: متروك، منكر الحديث [انظر: اللسان (٢/ ٢٤٣) وغيره، [وانظر: علل الدارقطني (١٣/ ٣٣٢/ ٣٢٠٨)].
٢ - وما رواه عمرو بن عون، قال: نا حفص بن سليمان، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "لا تزال أمتى على الفطرة ما أسفروا بالفجر".
أخرجه البزار (١٥/ ٢٢٥/ ٨٦٤٨)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٦٤/ ٣٦١٨)، والدارقطني في الأفراد (٥/ ٣١٥/ ٥٥٦٦ - أطرافه).
قال البزار: "وهذا الكلام لا يروى عن النَّبيِّ ﷺ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، ولا نعلم روى عبد العزيز عن أبي سلمة غير هذا الحديث، وحفص: لين الحديث، حدث بأحاديث مناكير، ولكن بما لم نحفظ هذا الحديث إلَّا من حديثه، ذكرناه عنه وبينا علته".
وقال الطّبرانيّ بعد عدة أحاديث بهذا الإسناد: "لم يرو هذه الأحاديث عن عبد العزيز بن رفيع إلَّا حفص بن سليمان، تفرد بها عمرو بن عون".
وقال الدارقطني: "تفرد به عمرو بن عون، عن حفص بن سليمان المقرئ، عن عبد العزيز" [وفي المطبوعة تصحيف].
قلت: عمرو بن عون بن أوس الواسطيِّ: ثقة ثبت، لكنَّه حديث منكر، لتفرد حفص بن سليمان الأسدي الكوفيِّ به عن عبد العزيز بن رفيع، وحفص: متروك الحديث، ثبت في القراءة.
٣ - وما رواه سعيد بن أوس أبو زيد الأنصاري، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "يا بلال أسفر بالصبح؛ فإنَّه أعظم للأجر".
أخرجه ابن حبان في المجروحين (١/ ٣٢٤ - ٣٢٥)، في ترجمة سعيد بن أوس هذا بإسناده إليه، ثم قال: "وليس هذا من حديث ابن عون، ولا ابن سيرين، ولا أبي هريرة، وإنَّما هذا المتن من حديث رافع بن خديج فقط، فيما يشبه هذا مما لا يشك عوام أصحابنا أنَّها مقلوبة أو معمولة".
٤ - وما رواه معلى بن عبد الرحمن: حدّثنا الثوري، وشعبة، عن زبيد الأيامي، عن مرَّة، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : "أسفروا بصلاة الصبح؛ فإنَّه أعظم للأجر".
стр. 1837
أخرجه الطّبرانيّ في الكبير (١٠/ ١٧٨/ ١٠٣٨١)، وفي حديثه لأهل البصرة بانتقاء ابن مردويه (٧٤)، والخطيب في الموضح (١/ ٤٦٠).
وهذا موضوع بهذا الإسناد، معلى بن عبد الرحمن الواسطيِّ: رمي بالوضع، وكذبه غير واحد، وتقدم له إسناد آخر لحديث رافع المتقدم.
٥ - وما رواه سليمان بن عمرو أبو داود النَّخعيُّ الكذاب، عن أبي طوالة عبد الله بن عبد الرحمن، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "من نور بالفجر، نور الله له في قلبه وقبره، وقبلت صلاته".
أخرجه الدارقطني في الأفراد (٢/ ٢٦٥/ ١٣٣٢ - أطرافه)، ومن طريقه: ابن الجوزي في الموضوعات (٢/ ٨٦).
قال الدارقطني: "تفرد به سليمان بن عمرو، عن أبي طوالة عبد الله بن عبد الرحمن".
قال ابن الجوزي: "هو أبو داود النَّخعيُّ، قال أحمد: هو كذاب، كان يضع الأحاديث، وقال يَحْيَى: هو ممن يعرف بالكذب، ووضع الحديث، وقال يزيد بن هارون: لا يحل لأحد أن يروي عنه".
قلت: أمارات الوضع تلوح على متنه، وانظر: اللسان (٤/ ١٦٣).
٦ - قال الحارث بن أبي أسامة (١/ ١٤٤/ ٢٨٠ - مطالب): حدّثنا عبد العزيز بن أبان: ثنا عمرو الجعفي، عن إبراهيم بن عبد الأعلى، عن سويد بن غفلة، عن أبي بكر الصِّديق، قال: كان رسول الله ﷺ يسفر بالفجر.
وهذا باطل؛ عبد العزيز بن أبان الأموي، وشيخه: عمرو بن شمر الجعفي: متروكان، كذبهما غير واحد، ورميا بالوضع [انظر: التهذيب (٢/ ٥٨١)، اللسان (٦/ ٢١٠)].
٧ - قال الزيلعي في نصب الراية (١/ ٢٣٩): "حديث آخر يبطل تأويلهم [يعني: تأويل الأئمة لحديث رافع في الإسفار وسيأتي بيان ذلك]، رواه الإمام أبو محمَّد القاسم بن ثابت السرقسطي في كتاب "غريب الحديث": حدّثنا موسى بن هارون: ثنا محمَّد بن عبد الأعلى: ثنا المعتمر: سمعت بيانًا أبا سعيد، قال: سمعت أنسًا، يقول: كان رسول الله ﷺ يصلِّي الصبح حين يفسح البصر. انتهى.
قال: فقال: فسح البصر، وانفسح: إذا رأى الشيء عن بعد، يعني به إسفار الصبح. انتهى".
قلت: رجاله ثقات، غير بيان بن جندب أبي سعيد الرقاشي البصري، روى عنه المعتمر بن سليمان، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: "يخطئ" [التَّاريخ الكبير (٢/ ١٣٣)، الجرح والتعديل (٢/ ٤٢٤)، الكنى لمسلم (١٣٠٤)، الثقات (٤/ ٧٩)، اللسان (٢/ ٣٧٣)]، وقال أبو داود: "لا أعلم له إلَّا حديث المواقيت"، وقال ابن معين: "هو مجهول" [الفتح لابن رجب (٣/ ٢٣٧)].
стр. 1838
وهذا الحديث رواه بطوله في المواقيت عن معتمر بن سليمان:
أ - أميَّة بن بسطام [ثقة]، والشاهد منه قوله: وكان يصلِّي الغداة إذا طلع الفجر حين ينفسح البصر، فما بين ذلك صلاة.
أخرجه أبو العباس السَّرَّاج في مسنده (١٠٥٤)، وفي حديثه بانتقاء زاهر الشحامي (١٦٣٣).
بإسناد صحيح إلى أميَّة.
ب - أحمد بن حاتم الطَّويل [ثقة. التعجيل (٢٦)]، والشاهد منه قوله: ويصلي الغداة عند الفجر حين يفسح البصر، كل ما بين ذلك وقت -أو قال: صلاة-.
أخرجه أبو يعلى في مسنده (٧/ ٧٦/ ٤٠٠٤)، عن أحمد بن حاتم به. ومن طريقه: الضياء في المختارة (٤/ ٤٠٥/ ١٥٧٧).
ج- أبو الرَّبيع الزهراني سليمان بن داود العتكي [ثقة]، والشاهد منه: ويصلي الغداة عند الفجر إلى أن ينفسح البصر، كل ذلك وقت -أو: كل ما بين ذلك وقت-.
أخرجه الضياء في المختارة (٥/ ٤٠٤ - ٤٠٦/ ١٥٧٨).
د - محمَّد بن المتوكل بن أبي السري [لين الحديث. التهذيب (٣/ ٦٨٦)، الميزان (٤/ ٢٣)].
أخرجه الضياء في المختارة (٤/ ٤٠٦/ ١٥٧٩)، ولم يسق لفظه وإنما أحاله على لفظ أبي الرَّبيع والطويل.
وألفاظهم في الحديث متقاربة؛ ولفظ أبي الرَّبيع الزهراني: نا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت بيان الرقاشي، قال: قلت لأنس بن مالك: حدثني عن وقت نبي الله ﷺ في الصَّلاة؟ قال: كان يصلي الظهر إذا زالت الشمس، ويصلي العصر بين صلاتيكم [ولفظ الطَّويل: بين صلاتكم الأولى والعصر]، ويصلي المغرب عند غروب الشَّمس، ويصلي العشاء عند غيبوبة الشفق، ويصلي الغداة عند الفجر إلى أن ينفسح البصر، كل ذلك وقت -أو: كل ما بين ذلك وقت-.
فظهر بجمع طرق الحديث عن معتمر: أن المراد أن النَّبيَّ ﷺ كان يصلِّي الصبح فيما بين طلوع الفجر إلى أن ينفسح البصر، وليس المراد أن النَّبيَّ ﷺ كان يصلِّي الفجر حين ينفسح البصر وقتًا واحدًا في الإسفار دون التغليس.
ويزيد ذلك بيانًا أن شعبة قد روى هذا الحديث عن أبي صدقة [ذهب قيس بن حفص التميمي البصري إلى أنَّه هو بيان بن جندب، فقال: "روى شعبة عن هذا فغير اسمه، ذكره البُخاريّ في تاريخه (٢/ ١٣٣)، عن شيخه قيس. وقال مسلم في الكنى في ترجمة أبي سعيد بيان بن جندب (١٣٠٤): "وقال شعبة: أبو صدقة العجلي، وقال أبو حاتم: "وروى شعبة، عن أبي صدقة، عن أنس، ويشبه كلام حديث بيان حديث أبي صدقة"، كأنه يوافقهم على توهيم شعبة. الجرح (٢/ ٤٢٤)، وتابعهم ابن حبان فذكر شعبة فيمن روى عن
стр. 1839
بيان. وانظر: التهذيب (١/ ٢٦١) وأصوله]، مولى أنس -وأثنى عليه شعبة خيرًا-، قال: سألت أنسًا عن مواقيت الصَّلاة؟ فقال: كان رسول الله ﷺ يصلِّي الظهر حين تزول الشَّمس، والعصر بين صلاتيكم هاتين، والمغرب حين تغيب الشَّمس، والعشاء حين يغبب الشفق، والصبح من طلوع الفجر إلى أن ينفسح البصر.
أخرجه النَّسائيّ (١/ ٢٧٣/ ٥٥٢)، والضياء في المختارة (٦/ ١٦٧ و ١٦٧ - ١٦٨/ ٢١٧١ و ٢١٧٢)، وأحمد (٣/ ١٢٩ و ١٦٩)، والطيالسي (٣/ ٥٩٧/ ٢٢٥٠)، واللفظ له. والطحاوي (١/ ١٩١ - ١٩٢).
صدق أبو حاتم فإن ألفاظ حديث أبي صدقة تشبه ألفاظ حديث بيان، مما يؤكد كونهما واحدًا، والله أعلم.
• لكن المقصود هنا بيان أن المراد في هذا الحديث في وقت الصبح أن النَّبيَّ ﷺ كان يصليها ما بين طلوع الفجر إلى أن ينفسح البصر، وهو وقت الإسفار، فصار هذا الحديث يؤيد تأويل الأئمة بأن النَّبيَّ ﷺ كان يدخل في صلاته بغلس وينصرف منها بعد أن ينفسح البصر، ويسفر الجو.
لا كما يدعي بعض النَّاس بأن حديث أنس يبطل تأويلهم.
ويزيد هذا الأمر بيانًا ووضوحًا من وجه آخر -أعني بطلان كون النَّبيِّ ﷺ كان يدخل في صلاة الفجر حين ينفسح البصر على الدوام، وإنَّما فعله مرَّة أو مرتين لبيان آخر الوقت-: ما رواه حميد عن أنس: أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ عن وقت صلاة الفجر؟ فأمر بلالًا فأذن حين طلع الفجر، ثم أقام فصلَّى، فلما كان من الغد آخر حتَّى أسفر، ثم أمره أن يقيم فأقام فصلَّى، ثم دعا الرجل، فقال: "أشهدت الصَّلاة أمس واليوم؟ "، قال: نعم، قال: "ما بين هذا وهذا وقت".
أخرجه النَّسائيّ (٦٤٢)، وغيره، وقد تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (٣٩٥)، وهو حديثٌ صحيحٌ.
ولا نحتج في هذا المعني بما رواه أسامة بن زيد الليثي من حديث أبي مسعود الأنصاري في المواقيت وفي آخره: وصلى الصبح مرَّة بغلس، ثم صَلَّى مرَّة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتَّى مات، ولم يعد إلى أن يسفر.
فإنَّه حديث شاذ، كما تقدم بيانه عند تخريجه في السنن برقم (٣٩٤).
وأمَّا رواه عبد بن حميد في مسنده (١٢٣١): أنا جعفر بن عون: أنا مسلم الملائي، عن أنس، قال: كان النَّبيُّ ﷺ يصلِّي الظهر حين تزول الشَّمس، ويصلي العصر والشمس بيضاء نقية، ويصلي المغرب حين تغرب، ويمسي بالعشاء، ويقول: "احترسوا فلا تناموا"، ويصلي الفجر حين يغشي النور السماء.
• فلا ينبغي أن يعارض بمثله ما تقدم تقريره، فإن مسلم بن كيسان الملائي الأعور: ضعيف؛ بل منكر الحديث واهٍ [انظر: التهذيب (٤/ ٧١)، الميزان (٤/ ١٠٦)].
стр. 1840
• وأخيرًا؛ فإنَّه لا يصح في الإسفار بصلاة الفجر سوى: ما رواه عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "أسفروا بالفجر؛ فإنَّه أعظم للأجر"، وفي لفظ: "أصبحوا بالصبح فإنَّه أعظم للأجر"، وهو حديثٌ صحيحٌ، صحَّحه جماعة من الأئمة.
• وأما أحاديث التغليس فكثيرة منها:
١ - حديث عائشة ﵂: أنَّها قالت: أن كان رسول الله ﷺ ليصلي الصبح، فينصرف النساء متلفعات بمروطهن، ما يُعرفن من الغلس.
متفق عليه، وتقدم برقم (٤٢٣).
٢ - حديث جابر: لما سئل عن وقت صلاة النَّبيِّ ﷺ فقال: كان يصلِّي الظهر بالهاجرة، والعصر والشمس حية، والمغرب إذا غربت الشَّمس، والعشاء إذا كثر النَّاس عجل، وإذا قلوا آخر، والصبح بغلس.
متفق عليه، وتقدم برقم (٣٩٧).
٣ - حديث أبي برزة: وآخره: وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه، ويقرأ بالستين إلى المائة.
متَّفقٌ عليه، وتقدم برقم (٣٩٨)، وقد دل على أنَّه ﷺ كان يدخل في الصَّلاة بغلس، ويطيل فيها القراءة حتَّى ينصرف والرجل يعرف جليسه الذي يجلس إلى جواره من الغلس، قال ابن رجب: "وهذا يدل على شدة التغليس بها" [الفتح (٣/ ٢١٨)].
٤ - حديث ابن عمر: يرويه الأوزاعي، قال: حدّثنا نهيك بن يريم الأوزاعي: حدّثنا مغيث بن سمي، قال: صليت مع عبد الله بن الزُّبير الصبح بغلس، [وكان يسفر بها]، فلما سلم أقبلت على ابن عمر، فقلت: ما هذه الصَّلاة؟
قال: هذه صلاتنا كانت مع رسول الله ﷺ ، وأبى بكر، وعمر، فلما طعن عمر أسفر بها عثمان.
أخرجه ابن ماجة (٦٧١)، وابن حبان (٤/ ٣٦٣/ ١٤٩٦)، ويعقوب بن سفيان الفسوي في المعرفة والتَّاريخ (٢/ ٢٥٥)، وأبو يعلى (١٠/ ١١٩/ ٥٧٤٧)، وابن المنذر (٢/ ٣٧٨ و ٣٧٩/ ١٠٦١ و ١٠٦٥)، والطحاوي (١/ ١٧٦)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٧٠)، والبيهقيّ في السنن (١/ ٤٥٦)، وفي المعرفة (١/ ٤٦٩/ ٦٣٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٩/ ٤٥٢ و ٤٥٣) و (٦٢/ ٣٢٦ - ٣٢٧ و ٣٢٧)، والمزي في تهذيب الكمال (٣٠/ ٣٦).
قال البيهقي -ومن طريقه ابن عساكر-: "وفي كتاب العلل لأبي عيسى التِّرمذيِّ، قال: قال محمَّد بن إسماعيل البُخاريّ: حديث الأوزاعي عن نهيك بن يريم في التغليس بالفجر: حديث حسن".
وقال الفسوي: حدّثنا عبد الرحمن بن إبراهيم [دحيم]، قال: حدّثنا الوليد، قال: حدّثنا الأوزاعي، قال: حدثني نهيك بن يريم الأوزاعي -لا بأس به-، عن مغيث بن سمي الأوزاعي، -وهؤلاء رجال الشَّام ليس فيهم إلا ثقة-. . .، وذكر الحديث.
стр. 1841
وصححه ابن حبان.
وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ٨٦): "وهذا إسناد صحيح".
قلت: نعم، إسناده شامي صحيح.
٥ - حديث زيد بن ثابت:
يرويه قتادة، عن أنس، عن زيد بن ثابت، قال: تسحرنا مع رسول الله ﷺ ، فخرجنا إلى المسجد فأقيمت الصَّلاة، قلت [لزيد]: كم كان بينهما؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية.
أخرجه البُخاريّ (٥٧٥ و ١٩١٢)، ومسلم (١٠٩٧)، وأبو عوانة (٢/ ١٨٠ و ١٨١/ ٢٧٦١ - ٢٧٦٣)، وأبو نعيم في المستخرج (٣/ ١٧٢/ ٢٤٦٥ - ٢٤٦٧)، والترمذي (٧٠٣ و ٧٠٤)، وقال: "حسن صحيح"، وأبو علي الطُّوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٦٤٦)، والنَّسائيُّ (٤/ ١٤٣/ ٢١٥٥ و ٢١٥٦)، وابن ماجة (١٦٩٤)، والدارمي (٢/ ١١/ ١٦٩٥)، وابن خزيمة (٣/ ٢١٥/ ٢١٥٦)، وأحمد (٥/ ١٨٢ و ١٨٥ و ١٨٦ و ١٨٨ و ١٩٢)، والطيالسي (١/ ٤٩٦/ ٦٠٤)، وابن شيبة (٢/ ٨٩٢٨/٢٧٦)، وعبد بن حميد (٢٤٨)، والطحاوي (١/ ١٧٦ و ١٧٧)، وابن الأعرابي في المعجم (٦)، والطبراني في الكبير (٥/ ١١٦ و ١١٧/ ٤٧٩٢ - ٤٧٩٥)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٦١)، وفي معرفة الصّحابة (٣/ ١١٥٧/ ٢٩١٧ و ٢٩١٨)، والبيهقيّ في السنن (١/ ٤٥٥) و (٤/ ٢٣٨)، وفي المعرفة (١/ ٤٦٨/ ٦٣٢)، والبغوي في شرح السنة (٢/ ١٩٧/ ٣٥٥)، وابن عساكر (١٩/ ٢٩٦)، والذهبي في السير (٩/ ١٦٧).
هكذا رواه عن قتادة: هشام الدستوائي، وهمام، ومنصور بن زاذن، وعمر بن عامر السلمي، وأبو هلال الراسبي محمَّد بن سليم.
تنبيه: روى مسلم بن إبراهيم الفراهيدي [ثقة مأمون]، عن هشام الدستوائي هذا الحديث بلفظ: تسحرنا مع النَّبيِّ ﷺ ، ثم قام إلى الصَّلاة، قلت: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية [البخاري (١٩٢١)].
كذا قال: "بين الأذان والسحور".
ورواه عامة أصحاب هشام بلفظ: "كم كان بينهما؟ "، "كم كان قدر ما بينهما؟ "، بدون ذكر الأذان فيه.
وممن رواه عن هشام به هكذا: يَحْيَى بن سعيد القطان، ووكيع بن الجراح، وأبو عامر العقدي عبد الملك بن عمرو، وخالد بن الحارث، وأبو داود الطَّيالسيُّ، وروح بن عبادة [وهم ستة من الثقات، بينهم أثبت النَّاس في هشام].
ورواية الجماعة أشبه بالصواب، لا سيما وقد رواه منصور بن زاذان -وهو: ثقة ثبت- بلفظ: "كم كان بين الأذان والإقامة؟ "، والله أعلم.
ورواه سعيد بن أبي عروبة [ثقة ثبت، من أثبت النَّاس في قتادة، وممن رواه عن ابن
стр. 1842
أبي عروبة ممن هو من أثبت النَّاس فيه أو حديثه عنه جيد: خالد بن الحارث، وروح بن عبادة، ومحمد بن بشر، وغيرهم. شرح العلل (٢/ ٧٤٣)، الكواكب النيرات (٢٥)]، عن قتادة، عن أنس بن مالك: أن نبي الله ﷺ يزيد بن ثابت تسحرا، فلما فرغا من سحورهما، قام النبي ﷺ إلى الصَّلاة فصلَّى.
قلنا لأنس: كم كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصَّلاة؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية.
أخرجه البُخاريّ (٥٧٦ و ١١٣٤)، والنَّسائيُّ (٤/ ١٤٣/ ٢١٥٧)، وابن حبان (٤/ ٣٦٤/ ١٤٩٧)، وأحمد (٣/ ١٧٠ و ٢٣٥)، وعبد بن حميد (١١٩٠)، وأبو يعلى (٥/ ٤٥٠/ ٣١٦٢)، والبيهقيّ (١/ ٤٥٥).
هكذا جعله ابن أبي عروبة من مسند أنس؛ والمسؤول هو أنس لا زيد.
وخالفهم: معمر في سياقه [ومعمر بن راشد: سيئ الحفظ لحديث قتادة. شرح العلل (٢/ ٦٩٨)]، فرواه عن قتادة، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ وذلك عند السحور: "يا أنس أني أريد الصيام، أطعمني شيئًا"، فأتيته بتمر، وإناء فيه ماء، وذلك بعد ما أذن بلال، فقال: "يا أنس انظر رجلًا يأكل معي"، فدعوت زيد بن ثابت، فجاء فقال: إنِّي قد شربت شربة سويق، وأنا أريد الصيام، فقال رسول الله ﷺ : "وأنا أريد الصيام"، فتسحر معه، ثم قام فصلَّى ركعتين، ثم خرج إلى الصَّلاة.
أخرجه عبد الرَّزاق عن معمر (٤/ ٢٢٩/ ٧٦٠٥).
ومن طريقه: النَّسائيّ (٤/ ١٤٧/ ٢١٦٧)، وأحمد (٣/ ١٩٧)، وأبو يعلى (٥/ ٣٧٥/ ٣٠٣٠)، والضياء في المختارة (٧/ ٩٨/ ٢٥١٢ و ٢٥١٣).
٦ - حديث سهل بن سعد:
يرويه أبو حازم: سمع سهل بن سعد، يقول: كنت أتسحر في أهلي، ثم يكون سرعة بي: أن أدرك صلاة الفجر مع رسول الله ﷺ .
وفي رواية: ثم تكون سرعتي أن أدرك السُّجود مع الرسول ﷺ .
أخرجه البُخاريّ (٥٧٧ و ١٩٢٠)، وابن خزيمة (٣/ ٢١٥/ ١٩٤٢)، وأبو يعلى (١٣/ ٥٢٨/ ٧٥٣٣)، والروياني (١٠٢٠)، والطبراني في الكبير (٦/ ١٦٥/ ٥٨٧١)، والبيهقيّ في السنن (١/ ٤٥٥ - ٤٥٦)، وفي المعرفة (١/ ٤٦٨/ ٦٣٣).
• وفي الباب أيضًا: عن عمر بن الخطاب، وأبي هريرة، موقوفًا عليهما، ومثله لا يدرك بالرأي، إذ مبناه على التوقيف، انظر فيما تقدم تحت الحديث (٣٩٨).
وانظر شواهد أخرى في فتح الباري لابن رجب (٣/ ٢٢٥).
• وأمَّا فقه هذا الباب:
فقد اختلفت أنظار الفقهاء في هذه المسألة: هل التغليس بصلاة الفجر أفضل؟ أم الإسفار بها؟
стр. 1843
واختلفت أقوالهم في أحاديث الباب؛ بما يطول بذكره المقام في تفصيل القول في هذه المسألة أخذًا وردًّا.
لكن نوجز القول فيها، مع ذكر مختارات من كلام الأئمة:
فالصحيح: أن التغليس بصلاة الفجر في أول وقتها أفضل، وهو قول الجمهور.
وأجابوا عن حديث رافع في الأمر بالإسفار بأجوبة نذكر خلاصتها:
منها: تضعيفه، وهو مردود، فقد ثبت صحة هذا الحديث، وقد تقدم ذكر من صحَّحه، ومن ضعفه.
ومنها: تأويله على وجوه:
منها: أن المراد بالإسفار: أن يتبين الفجر، ويتضح، فيكون نهيًا عن الصَّلاة قبل الوقت، وقبل تيقن دخول الوقت، وبه قال الشَّافعي، وأحمد، وإسحاق.
قال التِّرمذيُّ في الجامع (١٥٤): "وقال الشَّافعي وأحمد وإسحاق: معنى الإسفار أن يَضِحَ الفجر فلا يُشكُّ فيه، ولم يروا أن معنى الإسفار تأخير الصَّلاة".
قال الشَّافعي في اختلاف الحديث (١٠/ ١٦٥ - أم) في الجمع بين أحاديث التغليس وحديث رافع في الإسفار: "وقد يحتمل أن لا يخالفه؛ بأن يكون الله أمرنا بالمحافظة على الصَّلاة، فقال رسول الله ﷺ إن ذلك أفضل الأعمال، وإنه رضوان الله، فلعل من النَّاس من سمعه فقدم الصَّلاة قبل أن يتبين الفجر، فأمرهم أن يسفروا حتَّى يتبين الفجر الآخر، فلا يكون معنى حديث رافع ما أردت من الإسفار، ولا يكون حديثه مخالفًا حديثنا".
وقال نحوه في الرسالة (١/ ١٣٠ - أم).
وقال أبو داود في مسائله لأحمد (١٧٩) و (١٨٠): "سمعت أحمد بن حنبل سئل عن صلاة الصبح؟ قال: يعجبني أن يغلس بها.
فقيل لأحمد وأنا أسمع: حديث رافع: "أصبحوا بالصبح"؟ قال هذا مثل حديث عائشة: "ينصرفن النساء متلفعات"، إذا أسفر الفجر فقد أصبحوا"، وانظر أيضًا (١٨١ و ١٨٢).
وقال أحمد في مسائل ابنه صالح (١٠٤٠): "إسفار الفجر عندي: طلوعه"، وانظر (٣٤ و ١٠٣٩).
وقال أبو بكر الأثرم: "قلت لأحمد بن حنبل: ما معنى قوله: "أسفروا بالفجر"؟ فقال: إذا بان الفجر فقد أسفر. قلت: كان أبو نعيم يقول في حديث رافع بن خديج: "أسفروا بالفجر، فكلما أسفرتم بها فهو أعظم للأجر"؛ فقال: نعم كله سواء، إنَّما هو إذا تبيّن الفجر فقد أسفر" [التمهيد (٢/ ٣٠٦) و (٩/ ١٢١) ط. إحياء التراث].
وقال إسحاق بن منصور الكوسج: "قلت: ما الإسفار بالفجر؟.
قال: الإسفار بالفجر: أن يَضِحَ الفجر فلا يُشك أنَّه قد طلع الفجر.
قال إسحاق: كما قال" [مسائل الكوسج (١٢٤)].
стр. 1844
• وقال آخرون في تأويل حديث رافع في الإسفار: بل الإسفار يكون باستدامته الصَّلاة، لا بالدخول فيها، فيدخل فيها بغلس، ويطيلها حتَّى يخرج منها وقد أسفر الوقت.
وروي هذا المعنى عن عطاء، وقاله أبو حفص البرمكي، والقاضي أبو يعلى في خلافه الكبير، ورجحه الطحاوي.
ورده بعضهم بأن النَّبيَّ ﷺ كان يدخل فيها بغلس، ويخرج منها بغلس، كما دل على ذلك حديث عائشة وأبي برزة.
• ومن الأجوبة على حديث رافع أيضًا:
القول بأنه منسوخ؛ بما رواه أسامة بن زيد الليثي من حديث أبي مسعود الأنصاري في المواقيت، وقد سبقت الإشارة إليه قريبًا وقلنا بأنه حديث شاذ لا يصلح للاحتجاج به في مثل هذا.
• ومنها: حمل بعضهم أحاديث الأمر بالإسفار على حالة تأخير المأمومين.
واحتج في ذلك بما رواه أحمد في مسنده (٢/ ١٣٥)، قال: حدّثنا أبو أحمد الزبيري محمَّد بن عبد الله: حدّثنا أبو شعبة الطحان جار الأعمش، عن أبي الرَّبيع، قال: كنت مع ابن عمر في جنازة … فذكر قصَّة في النياحة، ثم قال: فقلت له: إنِّي أصلي معك الصبح ثم ألتفت فلا أرى وجه جليسي، ثم أحيانًا تسفر؟ قال: كذا رأيت رسول الله ﷺ يصلِّي، وأحببت أن أصليها كما رأيت رسول الله ﷺ يصليها.
قال ابن رجب في الفتح (٣/ ٢٣٦): "وهذا إسناد ضعيف؛ نقل البرقاني عن الدارقطني قال: أبو شعبة: متروك، وأبو الرَّبيع: مجهول" [انظر: سؤالات البرقاني (٦٠١ و ٦٠٦ و ٦١٨)، الميزان (٤/ ٥٢٣ و ٥٣٦)، اللسان (٩/ ٦٨ و ٩٣)، إكمال الحسيني (٥٢١)، التعجيل (٤٩٣)].
وبما رواه ابن عساكر في تاريخه (١٩/ ٤٥٤)، من طريق أبي خالد الواسطيِّ، عن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب، قال: كان رسول الله ﷺ يصلِّي الفجر فيغلس ويسفر، ويقول: "ما بين هذين وقت، لكيلا يختلف المؤمنون" … وذكر حديثًا طويلًا.
وإسناده واهٍ، سأل ابن أبي حاتم أباه عن هذا الحديث، فقال: "أبو خالد عمرو بن خالد الواسطيِّ: هو ضعيف الحديث جدًّا" [العلل (١/ ١٥١/ ٤٢١)].
• ومن الأجوبة على حديث رافع أيضًا:
أن أحاديث التغليس أكثر وأقوى من حديث رافع في الإسفار، وهي أشبه بظاهر القرآن.
قال الشَّافعي في الرسالة (١/ ١٢٧ - الأم): "فحديث عائشة أشبه بكتاب الله ﵎، لأنَّ الله يقول ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] فإذا دخل الوقت فأولى المصلين بالمحافظة: المقدم للصلاة.
стр. 1845
وهو أيضًا أشهر رجالًا بالفقه وأحفظ.
ومع حديث عائشة ثلاثة كلهم يروون عن النَّبيِّ ﷺ مثل معنى حديث عائشة: زيد بن ثابت، وسهل بن سعد [وذكر في موضع آخر: وأنس بن مالك].
وهذا أشبه بسنن النَّبيِّ ﷺ من حديث رافع بن خديج … "، إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى، وذكر نحوه في اختلاف الحديث (١٠/ ١٦٢ - الأم).
وقال أحمد في مسائل ابن هانئ عنه (١/ ٣٩ - ٤٠): "الحديث في التغليس: أقوى".
وقال ابن عبد البر في التمهيد (٩/ ١٢١) بأن أحاديث التغليس: "أثبت من جهة النقل".
• ومن وجوه تفضيل التغليس على الإسفار: عمل الخلفاء الراشدين؛ لحديث ابن عمر المتقدم الذي يرويه نهيك بن يريم.
قال ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٣٨٠): "فدلت هذه الأخبار … على أن النبي ﷺ كان يصلِّي الصبح بغلس، ودل على مثل ذلك الأخبار المذكورة في باب: ذكر استحباب تعجيل الصلوات في أوائل أوقاتها.
وكذلك كان فعل أبي بكر وعمر.
والتغليس بالصبح: أشبه بظاهر كتاب الله … [فذكر نحوًا من كلام الشَّافعي إلى أن قال:]
وثبوت أبي بكر وعمر بعد رسول الله ﷺ على التغليس دال على صحة هذا القول، … ".
وقال ابن عبد البر في التمهيد (٢/ ٣٠٧): "صح عن رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان: أنهم كانوا يغلسون، ومحال أن يتركوا الأفضل، ويأتوا الدون، وهم النهاية في إتيان الفضائل.
ولا معنى لقول من احتج بأنه ﷺ لم يخير بين أمرين قط إلَّا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا؛ لأنَّه معلوم أن الإسفار أيسر على النَّاس من التغليس، وقد اختار التغليس لفضله … ،".
ونختم الباب ببعض كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيِّم في هذه المسألة:
ففي مجموع الفتاوى (٢٢/ ٩٥): "وسئل: هل التغليس أفضل أم الإسفار؟
فأجاب: الحمد لله، بل التغليس أفضل، إذا لم يكن ثم سبب يقتضي التأخير، فإن الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النَّبيِّ ﷺ تبيّن أنَّه كان يغلس بصلاة الفجر، كما في الصحيحين عن ﵂. . . [فذكره وذكر حديث أبي برزة الأسلمي إلى أن قال:] وهكذا في الصَّحيح من غير هذا الوجه أنَّه كان يغلس بالفجر، وكذلك خلفاؤه الراشدون بعده، وكان بعده أمراء يؤخرون الصَّلاة عن وقتها، فنشأ في دولتهم فقهاء رأوا عادتهم، فظنوا أن تأخير الفجر والعصر أفضل من تقديمها، وذلك غلط في السنة، واحتجوا بما رواه
стр. 1846
التِّرمذيُّ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "أسفروا بالفجر فإنَّه أعظم للأجر"، وقد صحَّحه التِّرمذيُّ، وهذا الحديث لو كان معارضًا لم يقاومها، لأنَّ تلك في الصحيحين، وهي مشهورة مستفيضة، والخبر الواحد إذا خالف المشهور المستفيض كان شاذًا، وقد يكون منسوخًا؛ لأنَّ التغليس هو فعله حتَّى مات، وفعل الخلفاء الراشدين من بعده … ".
ثم ذكر من تأول الإسفار بالخروج منها، ومن تأوله بتبين الفجر، ثم ختم بذكر بعض الأسباب المقتضية للتأخير، وله في ذلك جواب آخر مختصر فلينظر.
وقال ابن القيِّم في إعلام الموقعين (٢/ ٤٣٨): "المثال الثالث والستون: رد السنة المحكمة الصريحة في تعجيل الفجر، وأن النَّبيَّ ﷺ كان يقرأ فيها بالستين إلى المائة، ثم ينصرف منها والنساء لا يُعرفن من الغلس، وإن صلاته كانت التغليس حتَّى توفاه الله، وإنه إنما أسفر بها مرَّة واحدة، وكان بين سحوره وصلاته قدر خمسين آية، فرد ذلك بمجمل حديث رافع بن خديج: "أسفروا بالفجر فإنَّه أعظم للأجر"، وهذا بعد ثبوته إنَّما المراد به: الأسفار بها دوامًا لا ابتداءً، فيدخل فيها مغلسًا ويخرج منها مسفرًا، كما كان يفعله، فقوله موافق لفعله، لا مناقض له، وكيف يظن به المواظبة على فعل ما الأجر أعظم في خلافه؟! "، وانظر أيضًا: طريق الهجرتين (٣٣٠)، بدائع الفوائد (٤/ ٨٩٣).
***
٩ - باب في المحافطة على وقت الصلوات
٤٢٥ - . . . محمَّد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله الصنابحي، قال: زعم أبو محمَّد أن الوتر واجب، فقال عبادة بن الصَّامت: كذب أبو محمَّد، أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خمس صلوات افترضهن الله ، مَن أحسن وُضوءَهنَّ، وصلاهنَّ لوقتهنَّ، وأتمَّ ركوعهُنَّ، وخُشوعهُنَّ، كان له على الله عهد أن يغفرَ له، ومَن لم بفعل؛ فليس له على الله عهد، أن شاء غفرَ له، وإن شاء عذَّبه".
• حديث شاذ بهذا الإسناد وللفظ، وهو حسن بمجموع طرقه.
أخرجه أحمد (٥/ ٣١٧)، وابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصَّلاة (١٠٣٤)، وأبو بكر الشَّافعي في فوائده (الغيلانيات) (٨٥٤)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٥٦/ ٤٦٥٨) و (٩/ ١٢٦/ ٩٣١٥)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ١٣٠ - ١٣١)، والبيهقيّ (٢/ ٢١٥) و (٣/ ٣٦٦)، وابن عبد البر (٢٣/ ٢٩١)، والبغوي في شرح السنة (٢/ ٥٠١/ ٩٧٣)، والضياء المقدسي في المختارة (٨/ ٣٢٠/ ٣٨٥ و ٣٨٦)، والمزي في تهذيب الكمال (٢٥/ ٤٣).
زاد بعضهم من طريق أبي داود وغيره: "وسجودهن" بعد "ركوعهن".
стр. 1847
قال الطّبرانيّ: "لم يرو هذا الحديث عن زيد بن أسلم إلَّا أبو غسان وهشام بن سعد".
قلت: لم أقف على طريق هشام عن زيد بهذا الإسناد.
وقال في الموضع الثَّاني: "لم يرو هذا الحديث عن زيد بن أسلم إلَّا أبو غسان، تفرد به: آدم".
قلت: لم ينفرد به آدم بن أبي إياس، بل تابعه عليه: يزيد بن هارون، وحسين بن محمَّد بن بهرام التميمي؛ وهم ثقات.
وقال أبو نعيم: "غريب من حديث الصنابحي عن عبادة، ومشهوره: رواية ابن محيريز عن المخدجي عن عبادة".
قلت: هذا الإسناد وإن كان غريبًا؛ إلَّا أنَّه إسناد مدني صحيح؛ لا يضره تفرد محمَّد بن مطرف به؛ فإنَّه مدني ثقة، معروف بالرواية عن زيد بن أسلم، ومن أهل بلده، بل ومكثر عنه، وروايته عنه في الصحيحين، فلا يستغرب من مثله أن يتفرد عن زيد.
• تنبيه: قال يزيد بن هارون، وحسين بن محمَّد، في هذا الإسناد: "عن عبد الله الصنابحي"، وقال آدم بن أبي إياس: "عن أبي عبد الله الصنابحي".
وهو الصواب، وكذا قال ابن حجر في النكت الظراف (٤/ ٢٥٥).
وهو عبد الرحمن بن عسيلة أبو عبد الله الصنابحي التَّابعي الكبير، سمع عبادة بن الصَّامت [التَّاريخ الكبير (٥/ ٣٢١)]، ودخل عليه في مرض موته فأثنى عليه عبادة ثناءً عاطرًا، وروايته عنه في الصحيحين [البخاري (٣٨٩٣ و ٦٨٧٣)، مسلم (٢٩ و ١٧٠٩)].
وانظر تحقيق القول في اسمه وكنيته: فيما تقدم تحت الحديث رقم (٤١٨).
قال النووي في المجموع (٣/ ١٨ - ١٩): "حديثٌ صحيحٌ، رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة"، وقال أيضًا (٤/ ٢٧): "هذا حديثٌ صحيحٌ"، وكذا في الخلاصة (٦٦١).
وقال العراقي في طرح التثريب (٢/ ١٣٥): "رواه أبو داود … إسناد صحيح".
• قلت: لكني وجدت لهذا الإسناد علة؛ فإذا هو كما قال أبو نعيم في الحلية؛ فقد رواه هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن محمَّد بن يَحْيَى بن حبان، عن ابن محيريز، عن عبادة به مرفوعًا.
أخرجه ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٨٩/ ٢٣٩).
فرجع بذلك الحديث إلى حديث ابن حبان الآتي.
قال ابن أبي حاتم في العلل: "سألت أبي عن حديث رواه أبو غسان محمَّد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، [كذا، بدون ذكر الصنابحي] عن عبادة، عن النَّبيِّ ﷺ : "من صلى الصلوات الخمس، فأتم ركوعها، كان له عند الله عهد أن لا يعذبه".
стр. 1848
قال أبي: سمعت هذا الحديث عن عبادة منذ حين، وكنت أنكره، ولم أفهم عورته، حتَّى رأيته الآن، أخبرنا أبو محمَّد عبد الرحمن بن أبي حاتم قال [يعني: قال أبي]: حدّثنا أبو صالح عن اللَّيث، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن محمَّد بن يَحْيَى بن حبان، عن ابن محيريز، عن عبادة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: … ، فعلمت أن الصَّحيح هذا، وأن محمَّد بن مطرف لم يضبط هذا الحديث، وكان محمَّد بن مطرف: ثقة".
وقد رجح أبو حاتم حديث هشام بن سعد على حديث محمَّد بن مطرف، مع تقدم ابن مطرف في الحفظ والضبط على هشام؛ وذلك لأنَّ إسناد حديث هشام هو الإسناد المشهور لهذا الحديث، والذي يرويه الحفَّاظ؛ أعني حديث ابن حبان، بغض النظر عن إسقاط المخدجي أو إثباته. ولا يعرف حديث الصنابحي إلَّا من طريق محمَّد بن مطرف، خالفه فيه هشام.
وعلى هذا؛ فالمحفوظ عن زيد بن أسلم: هو ما رواه هشام، عنه، عن ابن حبان، عن ابن محيريز، عن عبادة به مرفوعًا.
• ولحديث عبادة طرق أخرى، منها:
١ - محمَّد بن يَحْيَى بن حبان، عن ابن محيريز؛ أن رجلًا من بني كنانة يدعى المخدجي، سمع رجلًا بالشام يكنى أبا محمَّد، يقول: إن الوتر واجب. فقال المخدجي: فَرُحت إلى عبادة بن الصَّامت، فاعترضت له وهو رائح إلى المسجد، فأخبرته بالذي قال أبو محمَّد، فقال عبادة: كذب أبو محمَّد، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن جاء بهنَّ، لم يضيع منهنَّ شيئًا، استخفافًا بحقهنَّ؛ كان له عند الله عهدٌ أن يدخله الجنَّة، ومن لم يأت بهنَّ، فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنَّة".
أخرجه مالك في الموطأ (١/ ١٨١/ ٣٢٠)، وأبو داود (١٤٢٠)، والنَّسائيُّ في المجتبى (١/ ٢٣٠/ ٤٦١)، وفي الكبرى (١/ ٢٠٣/ ٣١٨)، وابن ماجة (١٤٠١)، والدارمي (١/ ٤٤٦/ ١٥٧٧)، وابن حبان في صحيحه (٥/ ٢١/ ١٧٣١) و (٦/ ١٧٤/ ٢٤١٧)، وفي الثقات (٥/ ٥٧٠ - ٥٧١)، والحاكم (٣/ ٣٥٤) مختصرًا. والضياء في المختارة (٨/ ٣٦٤ - ٣٦٦/ ٤٤٧ - ٤٥٠)، وأحمد (٥/ ٣١٥ و ٣١٩ و ٣٢٢)، وعبد الرَّزاق (٣/ ٥/ ٤٥٧٥)، والحميدي (١/ ٣٧٥ - ٣٧٦/ ٣٩٢)، وابن أبي شيبة (٢/ ٩١ - ٩٢/ ٦٨٥٢) و (٧/ ٣٠٩/ ٣٦٣٥٩)، وابن أبي عاصم في السنة (٩٦٧)، وابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصَّلاة (٢١٠٩ و ١٠٣٠ و ١٠٣٢ و ١٠٣٣ و ١٠٥١ و ١٠٥٢)، وفي كتاب الوتر (١١ - مختصره)، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (١٥٧٠ و ١٥٧١)، والطحاوي في المشكل (١/ ٤٧٨ - ٤٨١/ ٤٦٧ - ٤٧٠ - تحفة الأخيار)، وفي أحكام القرآن (٢٧٧)، والهيثم بن كليب (٣/ ١٩٦ - ٢٠٠/ ١٢٨١ و ١٢٨٢ و ١٢٨٤ و ٢١٨٦ و ١٢٨٧)، والطبراني في مسند الشاميين
стр. 1849
(٣/ ٢٤٦ - ٢٤٨/ ٢١٨١ - ٢١٨٦)، وأبو الشَّيخ في طبقات المحدثين (٤/ ١١٥)، ومحمد بن المظفر البزاز في غرائب مالك (٥)، والجوهري في مسند الموطأ (٨١٧)، وابن المقرئ في المعجم (١٢٧٢)، والخطابي في غريب الحديث (٢/ ٣٠٢)، وابن أخي ميمي الدقاق في فوائده (٤٩٩ و ٥٠١ و ٥٠٢)، وابن النحاس في أماليه (٥)، والبيهقيّ في السنن (١/ ٣٦١) و (٢/ ٨ و ٤٦٧) و (١٠/ ٢١٧)، وفي المعرفة (١/ ٣٩٣/ ٥٠٤)، وفي الشعب (٣/ ٤٥/ ٢٨٢٢)، وفي الاعتقاد (١٨٧)، وابن عبد البر (٢٣/ ٢٩١)، والبغوي في شرح السنة (٢/ ٥٠١/ ٩٧٢)، وابن الجوزي في التحقيق (٦٤٣).
• تنبيهات:
الأوَّل: روى هذا الحديث عن محمَّد بن يَحْيَى بن حبان: يَحْيَى بن سعيد بن قيس الأنصاري [ثقة ثبت]، وأخواه: عبد ربه [ثقة]، وسعد [صدوق، سيئ الحفظ]، ومحمد بن عجلان [صدوق]، ومحمد بن إسحاق [صدوق، مدلس وقد صرح بالسماع]، ومحمد بن عمرو بن علقمة [صدوق]، ونافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم القارئ [صدوق]، ومحمد بن إبراهيم [يحتمل أن يكون هو: ابن الحارث التَّيميّ، فإن كان هو؛ فهو ثقة]:
ثمانيتهم عن ابن حبان عن ابن محيريز عن المخدجي عن عبادة به.
وهذا الوجه هو المحفوظ عن يَحْيَى بن سعيد الأنصاري، رواه عنه به هكذا: مالك بن أنس، ويحيى بن سعيد القطان، والليث بن سعد، وسفيان بن عيينة، ويزيد بن هارون، وحماد بن زيد، ومعمر بن راشد [وانظر فيمن وهم فيه على مالك والليث معًا: فوائد ابن أخي ميمي الدقاق (٥٠٠)].
ووهم فيه واهم؛ فرواه ابن حبان في صحيحه (٥/ ٢٣/ ١٧٣٢) قال: أخبرنا عبد الله بن قحطبة بن مرزوق -بفم الصلح-: حدّثنا أحمد بن منيع: حدّثنا هشيم: أخبرنا يَحْيَى بن سعيد: أخبرنا محمَّد بن يَحْيَى بن حبان الأنصاري، عن ابن محيريز قال: جاء رجل إلى عبادة بن الصَّامت، فقال: يا أبا الوليد! إنِّي سمعت أبا محمَّد الأنصاري يقول: الوتر واجب … الحديث.
هكذا أسقط المخدجي من الإسناد، وأبهم السائل، وهو المخدجي، ورجاله إلى يَحْيَى: ثقات مشهورون؛ غير شيخ ابن حبان، عبد الله بن محمَّد بن قحطبة بن مرزوق الصلحي، نسبة إلى فم الصِّلح - بكسر الصاد -: بلدة على دجلة بأعلى واسط [الأنساب (٣/ ٥٥٠)، معجم البلدان (٤/ ٢٧٦)، وهو شيخ لابن حبان أكثر عنه في كتبه (الصَّحيح، الثقات، المجروحين) ولم أر من تكلم فيه بجرح أو تعديل؛ فلعل الوهم فيه منه، والله أعلم.
الثَّاني: اختلف في إسناد هذا الحديث على محمَّد بن يَحْيَى بن حبان؛
أ - فرواه الثمانية الذين تقدم ذكرهم عن ابن حبان عن ابن محيريز عن المخدجي عن عبادة به.
стр. 1850
ب - ورواه عمرو بن يَحْيَى بن عمارة المازني [ثقة]، يزيد بن أسلم [في المحفوظ عنه، فيما رواه عنه هشام بن سعد، يزيد: ثقة]، وعقيل بن خالد الأيلي [ثقة ثبت]، ومحمد بن عجلان [صدوق]، وسعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة [ثقة]:
خمستهم: عن ابن حبان عن ابن محيريز عن عبادة بإسقاط المخدجي من الإسناد، وفي رواية عمرو بن يَحْيَى: قال ابن محيريز: قيل لعبادة؛ أبهم السائل، بينما في رواية عقيل وابن عجلان: السائل هو ابن محيريز.
أخرجه البُخاريّ في التَّاريخ الكبير (١/ ٣٨٧)، معلقًا. وابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصَّلاة (١٠٣١)، والطحاوي في المشكل (١/ ٤٨٢/ ٤٧١ و ٤٧٢ - تحفة)، وابن أبي حاتم في العلل (١/ ٨٩/ ٢٣٩)، والهيثم بن كليب في مسنده (١٢٨٣)، والطبراني في مسند الشاميين (٣/ ٢٤٩/ ٢١٨٧).
ورواية الجماعة [يحيى بن سعيد الأنصاري ومن معه] هي المحفوظة؛ وإسقاط المخدجي وهم من عمرو بن يَحْيَى المازني، ومن زيد بن أسلم، وأمَّا عقيل بن خالد فالإسناد إليه لا يصح؛ يرويه محمَّد بن عزيز الأيلي قال: حدّثنا سلامة بن روح بن خالد عن عقيل به. وسلامة: ليس بالقوي، ولم يسمع من عمه عقيل، وحديثه عن كتب عقيل، وكانت فيه كفلة [انظر: التهذيب (٢/ ١٤١)، الميزان (٢/ ١٨٣)]. ومحمد بن عزيز: صدوق، تُكلم في سماعه من ابن عمه سلامة [انظر: التهذيب (٣/ ٦٤٨)، الميزان (٣/ ٦٤٧)، إكمال مغلطاي (١٠/ ٢٧٧)]. وقد أُنكرت أحاديث بهذا الإسناد [انظر: الكامل لابن عدي (٣/ ٣١٣)، وغيره].
وأمَّا ابن عجلان: فروي عنه بالحذف والإثبات، والإثبات أولى لموافقته الجماعة.
وأمَّا سعد بن إسحاق: فروي عنه هكذا، وصح الإسناد إليه عنه عن محمَّد بن إبراهيم عن ابن حبان به كالجماعة، هكذا بالواسطة بينهما [نصر (١٠٣٢)، شاميين (٢١٨٥)]، وهو أولى، والله أعلم.
الثالث: هكذا رواه أكثرهم عن ابن حبان، قالوا: "ومن لم يأت بهن، فليس له عند الله عهد".
ورواه عبد ربه بن سعيد، ومحمد بن عمرو، وابن إسحاق، قال عبد ربه: "ومن جاء بهن وقد انتقص منهن شيئًا استخفافًا بحقهن، لم يكن له عند الله شيء"، وقال ابن عمرو: "ومن جاء بهن وقد انتقص من حقهن شيئًا، فليس له عند الله عهد"، وقال ابن إسحاق: "ومن لقيه وقد انتقص من حقهن شيئًا استخفافًا بحقهن لقيه، ولا عهد له".
وهي زيادة محفوظة في هذا الحديث؛ عبد ربه: ثقة، وتابعه صدوقان، وسيأتي الكلام عليها في آخر الحديث إن شاء الله تعالى.
• تابع محمَّد بن يَحْيَى بن حبان على هذا الإسناد، والمتن بهذه الزيادة: إبراهيم بن أبي عبلة [وهو: ثقة]:
стр. 1851
قال الطّبرانيّ في مسند الشاميين (١/ ٤٣/ ٣٥) و (٣/ ٢٤٩/ ٢١٨٨): حدّثنا الحسن بن العباس الرَّازي: ثنا أبو هارون محمَّد بن خالد الخراز: ثنا يَحْيَى بن أبي الخصيب: ثنا هانئ بن عبد الرحمن بن أبي عبلة، عن عمه إبراهيم بن أبي عبلة: حدثني عبد الله بن محيريز، عن المخدجي قال: تنازعت أنا وأبو محمَّد -رجل من الأنصار- في الوتر، فقال أبو محمَّد: فريضة كفريضة الصَّلاة. فقلت أنا: سنة لا ينبغي تركها. فركبت إلى عبادة بن الصَّامت وهو بطبرية، فحدثته بما قلت وما قال أبو محمَّد، فقال عبادة: كذب أبو محمَّد أشهد على رسول الله ﷺ أنَّه قال من فيه إلى أذني ولا أقول لك حدثني فلان وفلان، قال: "يا عبادة! خمس صلوات فرضهن الله على خلقه، فمن لقيه بهن، لم ينقص منهن شيئًا استخفافًا بهن، لقي الله وله عند الله عهد أن يدخله الجنَّة، ومن لقيه قد انتقص شيئًا منهن استخفافًا بحقهن، لقي الله ولا عهد له عنده، إن شاء يعدبه [عذبه]، وإن شاء أن يغفر له [غفر له] ".
كذا في الموضع الثَّاني، وفي الموضع الأوَّل سقط محمَّد بن خالد من الإسناد، وقال: "عبد الله بن هانئ" بدل: "هانئ" فجعل الابن مكان أبيه، وكلاهما خطأ، والصَّواب ما أثبته من الموضع الثَّاني، والله أعلم.
وهذا إسناد غريب، صالح في المتابعات إلى ابن محيريز: إبراهيم بن أبي عبلة: ثقة، وهانئ بن عبد الرحمن بن أبي عبلة: روى عنه جماعة من الثقات، وذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٥٨٣) و (٩/ ٢٤٧) وقال: "ربَّما أغرب" [وانظر اللسان (٨/ ٣١٩)]، ويحيى بن أبي الخصيب الرَّازي: ثقة، مشهور، من أوعية العلم، وثقه أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان وغيرهما، وذكره ابن حبان في ثقاته، وقال: "يغرب إذا حدث عن هانئ بن عبد الرحمن بن أبي عبلة عن عمه" [انظر: الجرح والتعديل (٩/ ١٤٧)، الثقات (٩/ ٢٦٤)، تاريخ بغداد (١٤/ ١٦٠)، تاريخ دمشق (٦٤/ ١٥٠)، السير (١٠/ ٦٢١)، اللسان (٨/ ٤٣٤)]، وأبو هارون محمَّد بن خالد بن يزيد الرَّازي الخراز: قال ابن أبي حاتم الرَّازي: "صدوق"، وروى عنه جماعة منهم أبو زرعة، وذكره ابن حبان في الثقات [انظر: الجرح والتعديل (٧/ ٢٤٥)، الثقات (٩/ ١٤٤)]، والحسن بن العباس بن أبي مهران الرَّازي الجمال: قال الخطيب: "وكان ثقة"، وروى عنه جماعة من الأئمة، مثل العقيلي وابن نافع والطبراني وغيرهم، وهو ثبت في القرآن، إليه المنتهى في الضبط والتحرير [تاريخ بغداد (٧/ ٣٩٧)، التوضيح (٢/ ٤١٠)، تاريخ الإسلام (٢١/ ١٥٢)، معرفة القراء (١/ ٢٣٥)، غاية النهاية (١/ ٢١٦)].
• قال ابن عبد البر في التمهيد (٢٣/ ٢٨٨): "لم يختلف على مالك في إسناد هذا الحديث فهو حديثٌ صحيحٌ ثابت … ، وإنَّما قلنا: إنَّه حديث ثابت؛ لأنه روي عن عبادة من طرق ثابتة صحاح من غير طريق المخدجي بمثل رواية المخدجي، فأمَّا ابن محيريز: فهو عبد الله بن محيريز، وهو من جلة التّابعين، … ، وأمَّا المخدجي: فإنَّه [مجهول]
стр. 1852
[زيادة زادها ابن دقيق العيد في الإمام (٣/ ٥٦٤) نقلًا عن ابن عبد البر] لا يعرف بغير هذا الحديث، وقال مالك: المخدجي لقب وليس بنسب في شيء من قبائل العرب، وقيل: إن المخدجي اسمه رفيع، ذكر ذلك عن يَحْيَى بن معين، وأمَّا أبو محمَّد: فيقال: إنَّه مسعود بن أوس الأنصاري، ويقال: سعد بن أوس، ويقال: إنَّه يدري، وقد ذكرناه في الصّحابة"، وانظر الاستذكار (٢/ ١١٢)، والاستيعاب (٣١٣٤).
قلت: طريق محمَّد بن مطرف عن زيد بن أسلم، والتي اعتمد عليها ابن عبد البر في تصحيح هذا الحديث: غير محفوظة، وسيأتي الكلام عن بقية الطرق إن شاء الله تعالى.
وقد وقع في رواية اللَّيث عن يَحْيَى بن سعيد: "أن رجلًا من بني كنانة ثم من بني مخدج"، وهذا يدل على أنَّه نسب، لذا قال القاضي عياض في المشارق (١/ ٤٠٤): "قال مالك: هو لقب له، وقال غيره: هو نسب، وبنو مخدج بطن من كنانة".
قال الطحاوي في المشكل: "والمخدجي المذكور في هذا الحديث اسمه: رفيع، فيما ذكر يَحْيَى بن معين، وأبو محمَّد المذكور فيه اسمه: سعد بن أوس".
قلت: الذي وقفت عليه في المخدجي هو ما وقع في رواية نافع بن أبي نعيم القارئ، فقد كناه مرَّة بأبي رافع، ومرَّة بأبي رفيع [انظر: السنة لابن أبي عاصم. تعظيم قدر الصَّلاة (١٠٣٣)، الثقات (٥/ ٥٧١)]، وأمَّا ما وقع في رواية محمَّد بن عمرو [عند ابن حبان (١٧٣١)] "عن المخدجي، وهو أبو رفيع" فهو من أحد الرواة أو من ابن حبان نفسه؛ فإن الحديث من رواية محمَّد بن عمرو [عند غير ابن حبان] ليس فيه إلَّا المخدجي، لم يسم ولم يُكنَ.
وقد سأل ابن أبي حاتم أباه عن حديث نافع هذا، حيث قال: "عن أبي رفيع"، وعن حديث ابن عجلان ويحيى بن سعيد، حيث قالا: "عن المخدجي"، ثم قال: "قيل له: هذه الزيادة التي رواها نافع محفوظة؟ قال: هؤلاء أعلم وأحفظ" [العلل (١/ ١٣٢/ ٣٦٤)].
فتبين بهذا أن المخدجي: لا يعرف اسمه ولا كنيته، وهو كما قال الذهبي: "لا يعرف، روى عنه عبد الله بن محيريز، يقال: اسمه رفيع"، وقال أحمد بن طاهر الداني في كتاب الإيماء إلى أطراف الموطأ (٣/ ٥٥): "والمخدجي: لقب، واسمه: رفيع، وهو: مجهول"، وذكره ابن حبان في ثقات التّابعين (٥/ ٥٧٠) بكنيته "أبو رفيع"، على عادته في توثيق المجاهيل.
فإن قيل: أليس إدخال مالك لهذا الحديث في موطئه يعتبر توثيقًا منه للمخدجي؟
فيقال: بلى؛ لو كان المخدجي مدنيًّا؛ فيعرفه مالك، إذ هو الحكم في أهل المدينة.
لكن المخدجي: شامي، ولم يعرفه مالك حيث قال: "المخدجي: لقب، وليس بنسب"، وقد عرفه إمام غيره، وهو اللَّيث بن سعد، فقال في روايته: "من بني كنانة، ثم من بني مخدج"، فهو نسب، وليس بلقب، وهي زيادة علم أتى بها ثقة حافظ؛ فوجب قبولها، ويبدو أن مالكًا قال بأنه لقب؛ لأنَّه وقع في روايته: "أن رجلًا من بني كنانة، يدعى المخدجي".
стр. 1853
وعلى هذا فالحديث إسناده ضعيف؛ لأجل المخدجي، والله أعلم.
وأمَّا أبو محمَّد المذكور في الحديث، فقد اختلف في اسمه على ستة أوجه، راجع الإصابة (١٠٥١٠) وغيره.
وأمَّا قول عبادة: "كذب أبو محمَّد"، فهو من باب الإغلاظ في الإنكار، قال ابن حبان في صحيحه (١٧٣٢): "قول عبادة: "كذب أبو محمَّد"، يريد به أخطأ، وكذلك قول عائشة، حيث قالت لأبي هريرة، وهذه لفظة مستعملة لأهل الحجاز إذا أخطأ أحدهم يقال له: كذب، والله جل وعلا نزه أقدار أصحاب رسول الله ﷺ عن إلزاق القدح بهم حيث قال: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ﴾ [التحريم: ٨] فمن أخبر الله جل وعز أنَّه لا يخزيه في القيامة فبالحري أن لا يُجرح، والرجل الذي سأل عبادة هذا هو أبو رفيع المخدجي".
وقال الخطابي في غريب الحديث (٢/ ٣٠٢): "وقوله: "كذب أبو محمَّد" لم يذهب به إلى الكذب الذي هو الانحراف عن الصدق والتعمد للزور، وإنما أراد به أنَّه زلَّ في الرأي وأخطأ في الفتوى، وذلك لأنَّ حقيقة الكذب إنَّما يقع في الإخبار، ولم يكن أبو محمَّد في هذا مخبرًا عن غيره، وإنَّما كان مفتيًا عن رأيه، وقد نزه الله أقدار الصّحابة عن الكذب، وشهد لهم في محكم كتابه بالصدق والعدالة فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الحديد: ١٩]، ولأبي محمَّد هذا صحبة، وهو رجل من الأنصار من بني النجار، واسمه مسعود بن زيد بن سبيع: مشهور عند العلماء، وقد يجري الكذب في كلامهم مجرى الخطأ، ويوضع موضع الخلف، يقول القائل: كذب سمعي وكذب بصري، وقال ﷺ للرجل الذي وصف له العسل: "صدق الله وكذب بطن أخيك"، وقال الأخطل:
كذبتك عينك أم رأيت بواسط … ملس الظلام من الرباب خيالا
… " وانظر أيضًا المعالم (١/ ١١٦).
٢ - زمعة بن صالح، عن الزُّهريّ، عن أبي إدريس الخولاني، قال: كانت في مجلس من أصحاب النَّبيِّ ﷺ فيهم عبادة بن الصَّامت، فذكروا الوتر، فقال بعضهم: واجب. وقال بعضهم: سنة. فقال عبادة بن الصَّامت: أمَّا أنا فأشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أتاني جبرائيل ﷺ من عند الله ﵎، فقال: يا محمَّد! إن الله يقول: إنِّي قد فرضت على أمتك خمس صلوات، من وافى بهنَّ على وضوئهنَّ ومواقيتهنَّ وركوعهنَّ وسجودهنَّ، فكان له عندي بهنَّ عهدًا أن أدخله بهنَّ الجنَّة، ومن لقيني قد انتقص من ذلك شيئًا -أو: كلمة شبهها- فليس له عندي عهدٌ؛ إن شئت عذبته، وإن شئت رحمته".
أخرجه الطيالسي (١/ ٤٦٧/ ٥٧٤)، والزار (٧/ ١٦٠/ ٢٧٢٤)، وابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصَّلاة (١٠٥٤)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ١٢٦)، والضياء المقدسي في المختارة (٨/ ٣٠٥/ ٣٦٨).
стр. 1854
قال أبو نعيم: "غريب من حديث الزُّهريّ، لم يروه عنه بهذا اللفظ إلَّا زمعة، وإنَّما يعرف من حديث ابن محيريز عن المخدجي عن عبادة".
قلت: وفي تفرد زمعة به عن الزُّهريّ نكارة ظاهرة، فإن زمعة: ضعيف، كثير الغلط على الزُّهريّ، يروي عنه مناكير [انظر: التهذيب (١/ ٦٣٥)، وغيره].
٣ - أبو نعيم: ثنا النُّعمان بن داود بن محمَّد بن عبادة بن الصَّامت، عن عبادة بن الوليد، عن أبيه الوليد بن عبادة بن الصَّامت قال: امترى رجلان من الأنصار، فقال أحدهما: الوتر بعد العشاء بمنزلة الفريضة، [وقال الآخر: هو سنة]، فخرجا حتَّى أتيا ابن محيريز، فذكرا له الذي امتريا فيه، فقال لهما ابن محيريز: هي بمنزلة الفريضة. فخرجا من عنده فلقيا عبادة بن الصَّامت، فذكرا له الذي امتريا فيه والذي رد عليهما ابن محيريز، فقال: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: "افترض الله خمس صلوات على خلقه، من أذاهنَّ كما افتُرض عليه، لم بنقص من حقهنَّ شيئًا استخفافًا؛ فإن له عند الله عهدًا أن لا يعذبه، ومن انتقص من حقهن شيئًا استخفافًا به؛ فإنَّه يلقى الله ولا عهد له، أن شاء عذبه وإن شاء غفر له"، ولكنها سنة لا ينبغي تركها.
أخرجه ابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصَّلاة (١٠٥٣)، والهيثم بن كليب (١٢٨٥)، والضياء المقدسي في المختارة (٨/ ٣٥٤/ ٤٣٢).
وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين، عدا النُّعمان بن داود بن محمَّد بن عبادة بن الصَّامت، فإنَّه: مجهول؛ لم يرو عنه سوى أبي نعيم الفضل بن دكين، ولا يعرف بغير هذا الحديث فيما يظهر لي، والله أعلم [انظر: الجرح والتعديل (٨/ ٤٤٧)]، فالإسناد ضعيف.
ولأبي نعيم فيه إسناد آخر؛ يأتي في الشواهد.
٤ - قال البزار في مسنده (٧/ ١٣٩ - ١٤٠/ ٢٦٩٠) و (٧/ ١٦٠/ ٢٧٢٣): حدّثنا خالد بن يوسف بن خالد قال: حدثني أبي، قال: أخبرنا موسى بن عقبة، عن إسحاق بن يَحْيَى، -ابن أخي عبادة بن الصَّامت-، عن عبادة بن الصَّامت ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من صَلَّى المكتوبة، فأدَّاها وصلاها لوقتها، لقي الله تعالى وله [عنده] عهد ألا يعذبه، ومن لم يقم المكتوبة، ولم يصلِّها لوقتها، لقي الله ولا عهد له، أن شاء عذبه، وإن شاء رحمه".
وهذا باطل عن موسى بن عقبة؛ يوسف بن خالد السمتي: متروك، كذَّبه ابن معين والفلاس وأبو داود، ورماه ابن حبان بالوضع [انظر: التهذيب (٤/ ٤٥٤)، وغيره]، وأمَّا ابنه: خالد بن يوسف: فضُعِّف، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: "يعتبر حديثه من غير روايته عن أبيه" [انظر: الثقات (٨/ ٢٢٦)، الكامل (٣/ ٤٥)، الميزان (١/ ٦٤٨)، اللسان (٣/ ٣٥٠)]، وإسحاق بن يَحْيَى: هو ابن الوليد بن عبادة بن الصَّامت؛ فهو ابن أخي عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصَّامت، وهو: ضعيف، وحديثه عن عبادة: مرسل [انظر: التهذيب (١/ ١٣٠)، التَّاريخ الكبير (١/ ٤٠٥)، سنن الدارقطني (٣/ ١٧٥) و (٤/ ٢٠٢)،
стр. 1855
سنن البيهقي (٦/ ١٥٤ و ٢٥٣) و (٨/ ٧٤)، جامع التحصيل (١٧١)، تحفة التحصيل (٢٥)].
٥ - يعقوب بن عبد الرحمن، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب بن عبد الله، عن عبادة بن الصَّامت ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن أتى بهن قد حفظ حقهن، كان له عند الله عهد أن يدخله الجنَّة، ومن أتى بهن وقد أضاع شيئًا من حقهن استخفافًا بهن، لم يكن له عند الله عهد، أن شاء عذبه، وإن شاء رحمه".
أخرجه الهيثم بن كليب في مسنده (٣/ ١٧٩ - ١٨٠/ ١٢٦٥)، والطبراني في الكبير [في القسم المفقود، وعزاه إليه بإسناده: ابن دقيق العيد في الإمام (٣/ ٥٦٨)].
وهذا إسناد حسن؛ لولا الإرسال؛ فإن المطلب بن عبد الله بن حنطب: لم يدرك عبادة. قال أبو حاتم: "روى عن عبادة: مرسلًا، لم يدركه" [المراسيل (٧٨٠)، جامع التحصيل (٢٨١)، تحفة التحصيل (٣٠٧)].
• وحاصل ما تقدم: من طرق حديث عبادة: فإنَّه باستثناء طريق أبي إدريس الخولاني لنكارته، وطريق ابن أخي عبادة لوهائه، فإن الطرق الثلاث المتبقية -وهي: طريق المخدجي، والوليد بن عبادة، والمطلب بن عبد الله- تشهد باجتماعها على أن لهذا الحديث أصلًا، فإن الضعف فيها يسير، ينجبر بتعدد الطرق؛ لا سيما مع إخراج مالك لهذا الحديث في موطئه، واحتجاج النَّسائيّ به، وتصحيح ابن حبان، وابن عبد البر له.
فهو حديث حسن بمجموع طرقه، والله أعلم.
• ولهذا الحديث شواهد كثيرة، سنقتصر منها على الأحاديث المتضمنة لشقي حديث عبادة، والواردة بنفس معناه، فمنها:
١ - حديث أبي قتادة بن ربعي:
يرويه بقية بن الوليد: ثنا ضبارة بن عبد الله بن أبي السليل: أخبرني دويد بن نافع، عن الزُّهريّ قال: قال سعيد بن المسيب: إن أبا قتادة بن ربعي أخبره: أن رسول الله ﷺ قال: "قال الله : افترضت على أمتك خمس صلوات، وعهدت عندي عهدًا؛ أنَّه من حافظ عليهن لوقتهن؛ أدخلته الجنَّة، ومن لم يحافظ عليهن؛ فلا عهد له عندي".
أخرجه أبو داود (٤٣٠)، وابن ماجة (١٤٠٣)، وابن نصر المروزي في كتاب الوتر (١٣ - مختصره)، والطبراني في الأوسط (٧/ ٤٦/ ٦٨٠٧)، وابن عدي في الكامل (٤/ ١٠٢)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/ ٣٢٥)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٣/ ٢٩٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٧/ ٣١٢).
قال الطّبرانيّ: "لم يرو هذا الحديث عن الزُّهريّ؛ إلَّا دويد بن نافع، ولا عن دويد إلَّا ضبارة، تفرد به: بقية".
وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٢/ ١٣): "هذا إسناد فيه نظر؛ من أجل ضبارة ودويد".
стр. 1856
قلت: هو حديث منكر؛ لتفرد دويد بن نافع به عن الزُّهريّ، ودويد هذا ليس هو من أصحاب الزُّهريّ، ولا هو بالمشهور، ولا بالحافظ، وغاية ما يقال فيه: صدوق، ولا يبلغ ذلك، بل قال فيه الدارقطني: "ليس بقوي"، وأنكرت عليه أحاديث تفرد بها عن الزُّهريّ [انظر: التهذيب (١/ ٥٧٦)، إكمال مغلطاي (٤/ ٢٨٢)، من تكلم فيه الدارقطني في كتاب السنن (١١٧)، تخريج الأحاديث الضعاف للغساني (٣٦٦)، التَّاريخ الكبير (٣/ ٢٥١)، الجرح والتعديل (٣/ ٤٣٨)، الثقات (٦/ ٢٩٢)، تاريخ دمشق (١٧/ ٣١١)، ذيل الميزان (٣٥٨)، علل الحديث (١٣٥٩)، وغيرها].
وضبارة بن عبد الله بن مالك بن أبي السليل، وقيل: السليك: مجهول؛ روى أحاديث مناكير عن دويد بن نافع [انظر: التَّاريخ الكبير (٤/ ٣٤٢)، الجرح والتعديل (٤/ ٤٧١)، أحوال الرجال (٣١٤)، الثقات (٨/ ٣٢٥)، الكامل (٤/ ١٠٢)، بيان الوهم (٤/ ٦٥٩/ ٢٢١٩)، إكمال ابن ماكولا (٤/ ٣٣٩ - الحاشية)، تكملة الإكمال (٣/ ١٩٤)، الميزان (٢/ ٣٢٢)، اللسان (٤/ ٣٣٦)، التهذيب (٢/ ٢٢١)، التقريب (٢٨٥) وقال: "مجهول"].
وبقية بن الوليد: إليه المنتهى في جهالة شيوخه [الميزان (٢/ ٣٢٢)].
٢ - حديث كعب بن عجرة: وله عنه طرق:
أ - أبو نعيم، قال: ثنا عبد الرحمن بن النُّعمان الأنصاري: حدثني إسحاق بن سعد بن كعب بن عجرة الأنصاري، عن أبيه، عن كعب قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ، ونحن في المسجد سبعة، منا ثلاثة من عربنا، وأربعة من موالينا، قال: فخرج علينا النَّبيُّ ﷺ من بعض حُجَره، حتَّى جلس إلينا فقال: "ما يجلسكم ههنا" قلنا: انتظار الصَّلاة، قال: فنكت بإصبعه في الأرض، ونكس ساعة ثم رفع إلينا رأسه فقال: "هل تدرون ما يقول ربكم" قال: قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: "إنَّه يقول: من صَلَّى الصَّلاة لوقتها، فأقام حدَّها، كان له بها عليَّ عهدٌ أدخله الجنَّة، ومن لم يصل الصلاة لوقتها، ولم يقم حدَّها، لم يكن له عندي عهدٌ، أن شئت أدخلته النَّار، وإن شئت أدخلته الجنَّة".
أخرجه البُخاريّ في التَّاريخ الكبير (١/ ٣٨٧)، والدارمي (١/ ٣٠٣/ ١٢٢٦)، وابن أبي شيبة في المسند (٥١٢) [ووقع عنده: سعد بن إسحاق]. وعبد بن حميد (٣٧١)، والطحاوي في المشكل (١/ ٤٨٣/ ٤٧٣ - تحفة)، والطبراني في الكبير (١٩/ ١٤٣/ ٣١٤) [ووقع عنده سعد بن إسحاق].
قال البُخاريّ: "وقد روى هذا الحديث: سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن ابن حبان، عن ابن محيريز، عن عبادة، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "خمس صلوات كتبهن الله على عباده"، فالله أعلم به -يعني: بإسحاق- أنَّه محفوظ أم لا؟ لأنَّ إسحاق ليس يعرف إلَّا بهذا، لا أدري حفظه أم لا، قال أبو عبد الله: أهاب أنَّه أراد سعد بن إسحاق".
قلت: الحديث يرويه ابن نصر في تعظيم قدر الصَّلاة (١٠٣٢)، والطبراني في مسند الشاميين (٢١٨٥):
стр. 1857
من طريق إسماعيل بن أبي أويس: حدثني أخي، عن سليمان بن بلال، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن محمَّد بن إبراهيم، عن محمَّد بن يَحْيَى بن حبان، عن ابن محيريز، عن المخدجي، [وكان قد لزم عبادة ﵁ حتَّى أنزله منزلة العبد، كان يسافر معه إذا سافر، ويخرج معه إذا خرج]، عن عبادة بن الصَّامت به.
فحديث سليمان بن بلال: هو الصواب، ووهم فيه عبد الرحمن بن النُّعمان الأنصاري الكوفيِّ مرتين:
الأولى: حين قال: "إسحاق بن سعد"، وهو: سعد بن إسحاق.
الثَّانية: حين قال: "عن أبيه عن جده"، وإنَّما هو: عن محمَّد بن إبراهيم، عن ابن حبان، عن ابن محيريز، عن المخدجي، عن عبادة.
وعبد الرحمن بن النُّعمان: ليس بالقوي [انظر: التهذيب (٢/ ٥٦٠)، سؤالات البرقاني (٢٨٤)]، قال الذهبي في الميزان (٢/ ٥٩٤): "وقد روى عن سعد بن إسحاق العجري؛ فقلب اسمه أولًا، فقال: إسحاق بن سعد بن كعب، ثم غلط في الحديث، فقال: عن أبيه عن جده؛ فضعفه راجح".
ب - عيسى بن المسيب البجلي، عن الشعبي قال: أخبرني كعب بن عجرة، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ . . . فذكر الحديث بنحو رواية عبد الرحمن بن النُّعمان الأنصاري المتقدمة.
أخرجه أحمد (٤/ ٢٤٤)، والسهمي في تاريخ جرجان (٢٩٦)، والطبراني في الكبير (١٩/ ١٤٢/ ٣١١)، وفي الأوسط (٥/ ٩٢/ ٤٧٦٤)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٣/ ٢٩٢ - ٢٩٣).
قال الطّبرانيّ: "لم يرو هذا الحديث عن عيسى بن المسيب إلَّا هاشم بن القاسم".
قلت: تابعه عليه: صفوان بن هبيرة [لين الحديث].
وإسناده ضعيف؛ عيسى بن المسيب: ضعيف [التعجيل (٨٣٨)، اللسان (٦/ ٢٨٠)].
ج- السري بن إسماعيل، عن الشعبي، عن كعب بن عجرة، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ . . . فذكره بنحوه.
أخرجه الطّبرانيّ في الكبير (١٩/ ١٤٢/ ٣١٢)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٢٤٧ - ٢٤٨)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٣/ ٢٩٢).
والسري بن إسماعيل: متروك الحديث؛ خاصة عن الشعبي.
د - قال الطحاوي في المشكل (١/ ٤٨٣/ ٤٧٤ - تحفة): "وكما حدّثنا أبو أميَّة، قال: حدّثنا محمَّد بن سابق، قال: حدّثنا مالك -يعني: ابن مغول-، عن أبي حصين، عن الشعبي، عن كعب، قال: خرج إلينا رسول الله ﷺ ذات يوم ونحن في المسجد، ثم ذكر مثله"، قلت: يعني: مثل حديث النُّعمان بن عبد الرحمن.
وهذا إسناد غريب؛ إن كان محمَّد بن سابق تفرد به عن مالك بن مغول، فإن محمَّد بن سابق: ليس بحافظ، ولا ممن يوصف بالضبط [انظر: التهذيب (٣/ ٥٦٧)، الميزان
стр. 1858
(٣/ ٥٥٥)]، وأبو أميَّة: هو الطرسوسي، محمَّد بن إبراهيم بن مسلم الخزاعي: صدوق يهم [التهذيب (٣/ ٤٩٣)، الميزان (٣/ ٤٤٧)]؛ كما قال ابن حبان في الثقات (٩/ ١٣٧): "وكان من الثقات، دخل مصر فحدثهم من حفظه من غير كتاب بأشياء أخطأ فيها؛ فلا يعجبني الاحتجاج بخبره إلَّا ما حدث من كتابه".
وأبو جعفر الطحاوي: مصري؛ فأخاف أن يكون أخذ عنه هذا الحديث من حفظه، مما وهم فيه، فالله أعلم.
ومالك بن مغول، وأبو حصين عثمان بن عاصم، والشعبي عامر بن شراحيل: ثقات أثبات، من رجال الشيخين. وأمَّا سماع الشعبي من كعب، فقد قيل لابن معين: "سمع الشعبي من كعب بن عجرة؟ قال: سمع من عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة" [تاريخ الدوري (٢/ ٢٨٦)] فكأنه لم يثبت عنده له فيه سماع.
هـ - قال الطّبرانيّ في الكبير (١٩/ ١٤٣/ ٣١٣): حدّثنا أبو عبيدة عبد الوارث بن إبراهيم العسكري: ثنا يعقوب بن إسحاق العطار العسكري: ثنا إسحاق بن سليمان، عن مسكين بن صالح، عن الشعبي، عن كعب بن عجرة، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ . . . فذكره بنحوه.
وهذا إسناد غريب؛ مسكين بن صالح: روى عنه جماعة من الثقات، وذكره ابن حبان في الثقات [التَّاريخ الكبير (٨/ ٣)، كنى مسلم (٦٦٢)، الثقات (٧/ ٥٠٥)، فتح الباب (١٧٣٦)، تاريخ الإسلام (١١/ ٣٥٦)]، وإسحاق بن سليمان؛ هو الرَّازي: ثقة فاضل. ويعقوب بن إسحاق العطار العسكري: فلم أعرفه، وعبد الوارث بن إبراهيم العسكري: روى عنه الطّبرانيّ، وابن نافع، والعقيلي، وغيرهم، ولم أر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
والحاصل: أن الحديث لا يصح عن كعب بن عجرة، ولا يصح قدسيًّا.
٣ - حديث أبي هريرة:
يرويه أحمد بن يوسف السلمي: ثنا خالد بن مخلد القطواني: حدثني سليمان بن بلال: حدثني سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "كتب الله على العباد خمس صلوات، فمن أتى بهن وقد أدى حقهن، كان له عند الله عهد أن يدخله الجنَّة، ومن أتى بهن وقد ضيع حقهن استخفافًا لم يكن له عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء رحمه".
أخرجه ابن نصر في كتاب الوتر (١٢ - مختصره)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٣٥).
قال ابن عدي: "قال لنا الشرقي: سألت صالح جزرة عن هذا الحديث؟ فقال: هذا ليس له أصل عن سهيل، وأخاف أنَّه دخل لحمدان السلمي إسناد في إسناده".
قلت: حمدان السلمي، هو: أحمد بن يوسف، يعرف بحمدان، وهو: ثقة حافظ، ولعل الحمل فيه على خالد بن مخلد القطواني، الكوفيّ، فإنَّه: صدوق، له مناكير [انظر: التهذيب (١/ ٥٣١)، الميزان (١/ ٦٤٠)]، وقد عدَّ ابن عدي هذا الحديث فيما أنكر عليه، ثم قال في آخر ترجمته: "ولم أجد في كتبه أنكر مما ذكرته، فلعله توهمًا منه، أو حملًا على الحفظ".
стр. 1859
فإن قيل: قال ابن رجب في شرح العلل (٢/ ٧٧٥): "ذكر الغلابي في تاريخه، قال: القطواني يؤخذ عنه مشيخة المدينة، وابن بلال فقط. يريد: سليمان بن بلال، ومعنى هذا: أنَّه لا يؤخذ عنه إلَّا حديثه عن أهل المدينة، وسليمان بن بلال منهم، لكنَّه أفرده بالذكر".
فيقال: خالفه من هو أوثق منه، وأولى منه بسليمان بن بلال: عبد الحميد أبو بكر بن أبي أويس [مدني، ثقة]، فرواه عن سليمان بن بلال، عن سعد بن إسحاق، عن محمَّد بن إبراهيم، عن ابن حبان، عن ابن محيريز، عن المخدجي، عن عبادة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: … فذكره.
أخرجه ابن نصر في تعظيم قدر الصَّلاة (١٠٣٢)، والطبراني في مسند الشاميين (٢١٨٥).
وهذا أولى بالصواب.
٤ - حديث ابن مسعود:
يرويه مسلم بن إبراهيم: ثنا يزيد بن قتيبة الحرشي: ثنا الفضل الأغر الكلابي -من أهل الكوفة-، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود، أن النَّبيَّ ﷺ مر على أصحابه يومًا، فقال لهم: "هل تدرون ما يقول ربكم " قالوا: الله ورسوله أعلم. قالها ثلاثًا، قال: "يقول: وعزتي وجلالي! لا يصليها عبد لوقتها إلَّا أدخلته الجنَّة، ومن صلاها لغير وقتها؛ إن شئت رحمته وإن شئت عذبته".
أخرجه الهيثم بن كليب الشافعي (٢/ ٢٨٥/ ٨٦١)، وابن البختري في ثلاثة مجالس من أماليه (المجلس الثالث) (٤٢) (٢٤١ - مجموع مصنفاته)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٢٢٨/ ١٠٥٥٥).
وهذا إسناد مجهول؛ يزيد بن قتيبة: لم أر من ترجم له غير ابن أبي حاتم، حيث ترجم له في الجرح والتعديل (٩/ ٢٨٤) بهذا الإسناد فقط، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، مما يعني أنَّه مجهول؛ ولا يعرف بغير هذا الإسناد، وشيخه، وشيخ شيخه: مجهولان أيضًا، ولم أقف لهما على ترجمة.
٥ - حديث عائشة:
قال الطّبرانيّ في الأوسط (٤/ ٢١٥/ ٤٠١١ و ٤٠١٢): حدّثنا علي بن سعيد، قال: نا عبد الله بن أبي رومان الإسكندراني، قال: نا عيسى بن واقد، عن محمَّد بن عمرو الليثي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ . . . فذكر حديثًا، ثم قال: وبه: حدّثنا محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ : "من لم يوتر فلا صلاة له". فبلغ ذلك عائشة، فقالت: من سمع هذا عن أبي القاسم ﷺ ؟! والله ما بعُد العهد، وما نسيت، إنَّما قال أبو القاسم ﷺ : "من جاء بصلوات الخمس يوم القيامة، قد حافظ على وضوئها، ومواقيتها، وركوعها، وسجودها، لم ينقص منها شيئًا، جاء وله عند الله عهدٌ أن لا يعذبه، ومن جاء وقد انتقص منهن شيئًا، فليس له عند الله عهد، إن شاء رحمه، وإن شاء عذبه".
стр. 1860
قال الطّبرانيّ: "لم يرو هذين الحديثين عن محمَّد إلَّا عيسى، تفرد بهما: عبد الله".
قلت: هو حديث باطل، عيسى بن واقد: لم أجد من ترجم له؛ سوى أن قال ابن عدي في الكامل (٢/ ٣٢٨) في ضمن ترجمة الحسن بن عمرو العبدي: "شيخ بصري"، ونسبه الخطيب في غنية الملتمس (١٨) بصريًا أيضًا؛ إلَّا أني وجدته بعد ذلك منسوبًا إسكندرانيًا في إسنادٍ عند ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٧٧٩)، وهو أشبه؛ لكون راوي هذا الحديث عنه: إسكندرانيًا، وأيًّا كان فإنَّه من المجاهيل الغرباء [قال الهيثمي في المجمع (١/ ١٧٢ و ٢٩٣): "ولم أجد من ذكره"]، فكيف لمثله أن يتفرد بحديث من أهل المدينة؟! ثم إن الراوي عنه: عبد الله بن أبي رومان المعافري الإسكندراني: ضعيف الحديث، روى مناكير وبواطيل [اللسان (٤/ ٤٧٩ و ٥٢١)]، وهذا منها، وشيخ الطّبرانيّ: علي بن سعيد بن بشير الرَّازي: حافظ، رحال، جوال؛ إلَّا أنهم تكلموا في حفظه، وتفرد بأشياء لم يتابع عليها [اللسان (٥/ ٥٤٢)].
• وأخيرًا؛ فإنَّه لا يصح في هذا الباب غير حديث عبادة بن الصَّامت؛ فهو حسن بمجموع طرقه، أدخله مالك في موطئه، واحتج به النَّسائيّ، وصححه ابن حبان، وابن عبد البر، وابن الملقن في البدر المنير (٥/ ٣٨٩).
• ويحسن في ختام الكلام عن هذا الحديث، أن نذكر مسألة واحدة من مسائله:
وهي: حكم تارك الصَّلاة؛ تهاونًا وكسلًا، مع الإقرار بوجوبها، فالصحيح الذي دلت عليه الأدلة الصحيحة الصريحة: أنَّه كافر؛ لظاهر الأحاديث الصحيحة في ذلك، مثل حديث جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصَّلاة" [أخرجه مسلم (٨٢)]، ويتحقق قيام الكفر به؛ إذا استتيب فلم يتب ولم يصل حتَّى يقتل، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "فإن كان مقرًا بالصلاة في الباطن، معتقدًا لوجوبها؛ يمتنع أن يصر على تركها حتَّى يقتل وهو لا يصلِّي، هذا لا يعرف من بني آدم وعادتهم، ولهذا لم يقع هذا قط في الإسلام، ولا يعرف أن أحدًا يعتقد وجوبها، ويقال له: إن لم تصل وإلا قتلناك، وهو يصر على تركها، مع إقراره بالوجوب، فهذا لم يقع قط في الإسلام.
ومتى امتنع الرجل من الصَّلاة حتَّى يقتل، لم يكن في الباطن مقرًا بوجوبها، ولا ملتزمًا بفعلها، وهذا كافر باتفاق المسلمين، كما استفاضت الآثار عن الصّحابة بكفر هذا، ودلت عليه النصوص الصحيحة، كقوله ﷺ : "ليس بين العبد وببن الكفر إلَّا ترك الصَّلاة"، رواه مسلم. وقوله: "العهد الذي بيننا وبينهم الصَّلاة فمن تركها فقد كفر". وقول عبد الله بن شقيق: "كان أصحاب محمَّد لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر إلَّا الصَّلاة"، فمن كان مصرًا على تركها حتَّى يموت لا يسجد لله سجدة قط، فهذا لا يكون قط مسلمًا مقرًا بوجوبها، فإن اعتقاد الوجوب، واعتقاد أن تاركها يستحق القتل، هذا داع تام إلى فعلها، والداعي مع القدرة يوجب وجود المقدور، فإذا كان قادرًا ولم يفعل قط، علم أن الداعي
следующие страницы →