← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 261

فضل الرحيم الودود تخريج سنن أبي داود

ياسر فتحي

Полный текст (16 465 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

قلت: هو حديث منكر؛ لتفرد دويد بن نافع به عن الزُّهريّ، ودويد هذا ليس هو من أصحاب الزُّهريّ، ولا هو بالمشهور، ولا بالحافظ، وغاية ما يقال فيه: صدوق، ولا يبلغ ذلك، بل قال فيه الدارقطني: "ليس بقوي"، وأنكرت عليه أحاديث تفرد بها عن الزُّهريّ [انظر: التهذيب (١/ ٥٧٦)، إكمال مغلطاي (٤/ ٢٨٢)، من تكلم فيه الدارقطني في كتاب السنن (١١٧)، تخريج الأحاديث الضعاف للغساني (٣٦٦)، التَّاريخ الكبير (٣/ ٢٥١)، الجرح والتعديل (٣/ ٤٣٨)، الثقات (٦/ ٢٩٢)، تاريخ دمشق (١٧/ ٣١١)، ذيل الميزان (٣٥٨)، علل الحديث (١٣٥٩)، وغيرها]. وضبارة بن عبد الله بن مالك بن أبي السليل، وقيل: السليك: مجهول؛ روى أحاديث مناكير عن دويد بن نافع [انظر: التَّاريخ الكبير (٤/ ٣٤٢)، الجرح والتعديل (٤/ ٤٧١)، أحوال الرجال (٣١٤)، الثقات (٨/ ٣٢٥)، الكامل (٤/ ١٠٢)، بيان الوهم (٤/ ٦٥٩/ ٢٢١٩)، إكمال ابن ماكولا (٤/ ٣٣٩ - الحاشية)، تكملة الإكمال (٣/ ١٩٤)، الميزان (٢/ ٣٢٢)، اللسان (٤/ ٣٣٦)، التهذيب (٢/ ٢٢١)، التقريب (٢٨٥) وقال: "مجهول"]. وبقية بن الوليد: إليه المنتهى في جهالة شيوخه [الميزان (٢/ ٣٢٢)]. ٢ - حديث كعب بن عجرة: وله عنه طرق: أ - أبو نعيم، قال: ثنا عبد الرحمن بن النُّعمان الأنصاري: حدثني إسحاق بن سعد بن كعب بن عجرة الأنصاري، عن أبيه، عن كعب قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ، ونحن في المسجد سبعة، منا ثلاثة من عربنا، وأربعة من موالينا، قال: فخرج علينا النَّبيُّ ﷺ من بعض حُجَره، حتَّى جلس إلينا فقال: "ما يجلسكم ههنا" قلنا: انتظار الصَّلاة، قال: فنكت بإصبعه في الأرض، ونكس ساعة ثم رفع إلينا رأسه فقال: "هل تدرون ما يقول ربكم" قال: قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: "إنَّه يقول: من صَلَّى الصَّلاة لوقتها، فأقام حدَّها، كان له بها عليَّ عهدٌ أدخله الجنَّة، ومن لم يصل الصلاة لوقتها، ولم يقم حدَّها، لم يكن له عندي عهدٌ، أن شئت أدخلته النَّار، وإن شئت أدخلته الجنَّة". أخرجه البُخاريّ في التَّاريخ الكبير (١/ ٣٨٧)، والدارمي (١/ ٣٠٣/ ١٢٢٦)، وابن أبي شيبة في المسند (٥١٢) [ووقع عنده: سعد بن إسحاق]. وعبد بن حميد (٣٧١)، والطحاوي في المشكل (١/ ٤٨٣/ ٤٧٣ - تحفة)، والطبراني في الكبير (١٩/ ١٤٣/ ٣١٤) [ووقع عنده سعد بن إسحاق]. قال البُخاريّ: "وقد روى هذا الحديث: سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن ابن حبان، عن ابن محيريز، عن عبادة، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "خمس صلوات كتبهن الله على عباده"، فالله أعلم به -يعني: بإسحاق- أنَّه محفوظ أم لا؟ لأنَّ إسحاق ليس يعرف إلَّا بهذا، لا أدري حفظه أم لا، قال أبو عبد الله: أهاب أنَّه أراد سعد بن إسحاق". قلت: الحديث يرويه ابن نصر في تعظيم قدر الصَّلاة (١٠٣٢)، والطبراني في مسند الشاميين (٢١٨٥):

стр. 1857

من طريق إسماعيل بن أبي أويس: حدثني أخي، عن سليمان بن بلال، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن محمَّد بن إبراهيم، عن محمَّد بن يَحْيَى بن حبان، عن ابن محيريز، عن المخدجي، [وكان قد لزم عبادة ﵁ حتَّى أنزله منزلة العبد، كان يسافر معه إذا سافر، ويخرج معه إذا خرج]، عن عبادة بن الصَّامت به. فحديث سليمان بن بلال: هو الصواب، ووهم فيه عبد الرحمن بن النُّعمان الأنصاري الكوفيِّ مرتين: الأولى: حين قال: "إسحاق بن سعد"، وهو: سعد بن إسحاق. الثَّانية: حين قال: "عن أبيه عن جده"، وإنَّما هو: عن محمَّد بن إبراهيم، عن ابن حبان، عن ابن محيريز، عن المخدجي، عن عبادة. وعبد الرحمن بن النُّعمان: ليس بالقوي [انظر: التهذيب (٢/ ٥٦٠)، سؤالات البرقاني (٢٨٤)]، قال الذهبي في الميزان (٢/ ٥٩٤): "وقد روى عن سعد بن إسحاق العجري؛ فقلب اسمه أولًا، فقال: إسحاق بن سعد بن كعب، ثم غلط في الحديث، فقال: عن أبيه عن جده؛ فضعفه راجح". ب - عيسى بن المسيب البجلي، عن الشعبي قال: أخبرني كعب بن عجرة، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ . . . فذكر الحديث بنحو رواية عبد الرحمن بن النُّعمان الأنصاري المتقدمة. أخرجه أحمد (٤/ ٢٤٤)، والسهمي في تاريخ جرجان (٢٩٦)، والطبراني في الكبير (١٩/ ١٤٢/ ٣١١)، وفي الأوسط (٥/ ٩٢/ ٤٧٦٤)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٣/ ٢٩٢ - ٢٩٣). قال الطّبرانيّ: "لم يرو هذا الحديث عن عيسى بن المسيب إلَّا هاشم بن القاسم". قلت: تابعه عليه: صفوان بن هبيرة [لين الحديث]. وإسناده ضعيف؛ عيسى بن المسيب: ضعيف [التعجيل (٨٣٨)، اللسان (٦/ ٢٨٠)]. ج- السري بن إسماعيل، عن الشعبي، عن كعب بن عجرة، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ . . . فذكره بنحوه. أخرجه الطّبرانيّ في الكبير (١٩/ ١٤٢/ ٣١٢)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٢٤٧ - ٢٤٨)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٣/ ٢٩٢). والسري بن إسماعيل: متروك الحديث؛ خاصة عن الشعبي. د - قال الطحاوي في المشكل (١/ ٤٨٣/ ٤٧٤ - تحفة): "وكما حدّثنا أبو أميَّة، قال: حدّثنا محمَّد بن سابق، قال: حدّثنا مالك -يعني: ابن مغول-، عن أبي حصين، عن الشعبي، عن كعب، قال: خرج إلينا رسول الله ﷺ ذات يوم ونحن في المسجد، ثم ذكر مثله"، قلت: يعني: مثل حديث النُّعمان بن عبد الرحمن. وهذا إسناد غريب؛ إن كان محمَّد بن سابق تفرد به عن مالك بن مغول، فإن محمَّد بن سابق: ليس بحافظ، ولا ممن يوصف بالضبط [انظر: التهذيب (٣/ ٥٦٧)، الميزان

стр. 1858

(٣/ ٥٥٥)]، وأبو أميَّة: هو الطرسوسي، محمَّد بن إبراهيم بن مسلم الخزاعي: صدوق يهم [التهذيب (٣/ ٤٩٣)، الميزان (٣/ ٤٤٧)]؛ كما قال ابن حبان في الثقات (٩/ ١٣٧): "وكان من الثقات، دخل مصر فحدثهم من حفظه من غير كتاب بأشياء أخطأ فيها؛ فلا يعجبني الاحتجاج بخبره إلَّا ما حدث من كتابه". وأبو جعفر الطحاوي: مصري؛ فأخاف أن يكون أخذ عنه هذا الحديث من حفظه، مما وهم فيه، فالله أعلم. ومالك بن مغول، وأبو حصين عثمان بن عاصم، والشعبي عامر بن شراحيل: ثقات أثبات، من رجال الشيخين. وأمَّا سماع الشعبي من كعب، فقد قيل لابن معين: "سمع الشعبي من كعب بن عجرة؟ قال: سمع من عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة" [تاريخ الدوري (٢/ ٢٨٦)] فكأنه لم يثبت عنده له فيه سماع. هـ - قال الطّبرانيّ في الكبير (١٩/ ١٤٣/ ٣١٣): حدّثنا أبو عبيدة عبد الوارث بن إبراهيم العسكري: ثنا يعقوب بن إسحاق العطار العسكري: ثنا إسحاق بن سليمان، عن مسكين بن صالح، عن الشعبي، عن كعب بن عجرة، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ . . . فذكره بنحوه. وهذا إسناد غريب؛ مسكين بن صالح: روى عنه جماعة من الثقات، وذكره ابن حبان في الثقات [التَّاريخ الكبير (٨/ ٣)، كنى مسلم (٦٦٢)، الثقات (٧/ ٥٠٥)، فتح الباب (١٧٣٦)، تاريخ الإسلام (١١/ ٣٥٦)]، وإسحاق بن سليمان؛ هو الرَّازي: ثقة فاضل. ويعقوب بن إسحاق العطار العسكري: فلم أعرفه، وعبد الوارث بن إبراهيم العسكري: روى عنه الطّبرانيّ، وابن نافع، والعقيلي، وغيرهم، ولم أر فيه جرحًا ولا تعديلًا. والحاصل: أن الحديث لا يصح عن كعب بن عجرة، ولا يصح قدسيًّا. ٣ - حديث أبي هريرة: يرويه أحمد بن يوسف السلمي: ثنا خالد بن مخلد القطواني: حدثني سليمان بن بلال: حدثني سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "كتب الله على العباد خمس صلوات، فمن أتى بهن وقد أدى حقهن، كان له عند الله عهد أن يدخله الجنَّة، ومن أتى بهن وقد ضيع حقهن استخفافًا لم يكن له عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء رحمه". أخرجه ابن نصر في كتاب الوتر (١٢ - مختصره)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٣٥). قال ابن عدي: "قال لنا الشرقي: سألت صالح جزرة عن هذا الحديث؟ فقال: هذا ليس له أصل عن سهيل، وأخاف أنَّه دخل لحمدان السلمي إسناد في إسناده". قلت: حمدان السلمي، هو: أحمد بن يوسف، يعرف بحمدان، وهو: ثقة حافظ، ولعل الحمل فيه على خالد بن مخلد القطواني، الكوفيّ، فإنَّه: صدوق، له مناكير [انظر: التهذيب (١/ ٥٣١)، الميزان (١/ ٦٤٠)]، وقد عدَّ ابن عدي هذا الحديث فيما أنكر عليه، ثم قال في آخر ترجمته: "ولم أجد في كتبه أنكر مما ذكرته، فلعله توهمًا منه، أو حملًا على الحفظ".

стр. 1859

فإن قيل: قال ابن رجب في شرح العلل (٢/ ٧٧٥): "ذكر الغلابي في تاريخه، قال: القطواني يؤخذ عنه مشيخة المدينة، وابن بلال فقط. يريد: سليمان بن بلال، ومعنى هذا: أنَّه لا يؤخذ عنه إلَّا حديثه عن أهل المدينة، وسليمان بن بلال منهم، لكنَّه أفرده بالذكر". فيقال: خالفه من هو أوثق منه، وأولى منه بسليمان بن بلال: عبد الحميد أبو بكر بن أبي أويس [مدني، ثقة]، فرواه عن سليمان بن بلال، عن سعد بن إسحاق، عن محمَّد بن إبراهيم، عن ابن حبان، عن ابن محيريز، عن المخدجي، عن عبادة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: … فذكره. أخرجه ابن نصر في تعظيم قدر الصَّلاة (١٠٣٢)، والطبراني في مسند الشاميين (٢١٨٥). وهذا أولى بالصواب. ٤ - حديث ابن مسعود: يرويه مسلم بن إبراهيم: ثنا يزيد بن قتيبة الحرشي: ثنا الفضل الأغر الكلابي -من أهل الكوفة-، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود، أن النَّبيَّ ﷺ مر على أصحابه يومًا، فقال لهم: "هل تدرون ما يقول ربكم " قالوا: الله ورسوله أعلم. قالها ثلاثًا، قال: "يقول: وعزتي وجلالي! لا يصليها عبد لوقتها إلَّا أدخلته الجنَّة، ومن صلاها لغير وقتها؛ إن شئت رحمته وإن شئت عذبته". أخرجه الهيثم بن كليب الشافعي (٢/ ٢٨٥/ ٨٦١)، وابن البختري في ثلاثة مجالس من أماليه (المجلس الثالث) (٤٢) (٢٤١ - مجموع مصنفاته)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٢٢٨/ ١٠٥٥٥). وهذا إسناد مجهول؛ يزيد بن قتيبة: لم أر من ترجم له غير ابن أبي حاتم، حيث ترجم له في الجرح والتعديل (٩/ ٢٨٤) بهذا الإسناد فقط، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، مما يعني أنَّه مجهول؛ ولا يعرف بغير هذا الإسناد، وشيخه، وشيخ شيخه: مجهولان أيضًا، ولم أقف لهما على ترجمة. ٥ - حديث عائشة: قال الطّبرانيّ في الأوسط (٤/ ٢١٥/ ٤٠١١ و ٤٠١٢): حدّثنا علي بن سعيد، قال: نا عبد الله بن أبي رومان الإسكندراني، قال: نا عيسى بن واقد، عن محمَّد بن عمرو الليثي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ . . . فذكر حديثًا، ثم قال: وبه: حدّثنا محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ : "من لم يوتر فلا صلاة له". فبلغ ذلك عائشة، فقالت: من سمع هذا عن أبي القاسم ﷺ ؟! والله ما بعُد العهد، وما نسيت، إنَّما قال أبو القاسم ﷺ : "من جاء بصلوات الخمس يوم القيامة، قد حافظ على وضوئها، ومواقيتها، وركوعها، وسجودها، لم ينقص منها شيئًا، جاء وله عند الله عهدٌ أن لا يعذبه، ومن جاء وقد انتقص منهن شيئًا، فليس له عند الله عهد، إن شاء رحمه، وإن شاء عذبه".

стр. 1860

قال الطّبرانيّ: "لم يرو هذين الحديثين عن محمَّد إلَّا عيسى، تفرد بهما: عبد الله". قلت: هو حديث باطل، عيسى بن واقد: لم أجد من ترجم له؛ سوى أن قال ابن عدي في الكامل (٢/ ٣٢٨) في ضمن ترجمة الحسن بن عمرو العبدي: "شيخ بصري"، ونسبه الخطيب في غنية الملتمس (١٨) بصريًا أيضًا؛ إلَّا أني وجدته بعد ذلك منسوبًا إسكندرانيًا في إسنادٍ عند ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٧٧٩)، وهو أشبه؛ لكون راوي هذا الحديث عنه: إسكندرانيًا، وأيًّا كان فإنَّه من المجاهيل الغرباء [قال الهيثمي في المجمع (١/ ١٧٢ و ٢٩٣): "ولم أجد من ذكره"]، فكيف لمثله أن يتفرد بحديث من أهل المدينة؟! ثم إن الراوي عنه: عبد الله بن أبي رومان المعافري الإسكندراني: ضعيف الحديث، روى مناكير وبواطيل [اللسان (٤/ ٤٧٩ و ٥٢١)]، وهذا منها، وشيخ الطّبرانيّ: علي بن سعيد بن بشير الرَّازي: حافظ، رحال، جوال؛ إلَّا أنهم تكلموا في حفظه، وتفرد بأشياء لم يتابع عليها [اللسان (٥/ ٥٤٢)]. • وأخيرًا؛ فإنَّه لا يصح في هذا الباب غير حديث عبادة بن الصَّامت؛ فهو حسن بمجموع طرقه، أدخله مالك في موطئه، واحتج به النَّسائيّ، وصححه ابن حبان، وابن عبد البر، وابن الملقن في البدر المنير (٥/ ٣٨٩). • ويحسن في ختام الكلام عن هذا الحديث، أن نذكر مسألة واحدة من مسائله: وهي: حكم تارك الصَّلاة؛ تهاونًا وكسلًا، مع الإقرار بوجوبها، فالصحيح الذي دلت عليه الأدلة الصحيحة الصريحة: أنَّه كافر؛ لظاهر الأحاديث الصحيحة في ذلك، مثل حديث جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصَّلاة" [أخرجه مسلم (٨٢)]، ويتحقق قيام الكفر به؛ إذا استتيب فلم يتب ولم يصل حتَّى يقتل، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "فإن كان مقرًا بالصلاة في الباطن، معتقدًا لوجوبها؛ يمتنع أن يصر على تركها حتَّى يقتل وهو لا يصلِّي، هذا لا يعرف من بني آدم وعادتهم، ولهذا لم يقع هذا قط في الإسلام، ولا يعرف أن أحدًا يعتقد وجوبها، ويقال له: إن لم تصل وإلا قتلناك، وهو يصر على تركها، مع إقراره بالوجوب، فهذا لم يقع قط في الإسلام. ومتى امتنع الرجل من الصَّلاة حتَّى يقتل، لم يكن في الباطن مقرًا بوجوبها، ولا ملتزمًا بفعلها، وهذا كافر باتفاق المسلمين، كما استفاضت الآثار عن الصّحابة بكفر هذا، ودلت عليه النصوص الصحيحة، كقوله ﷺ : "ليس بين العبد وببن الكفر إلَّا ترك الصَّلاة"، رواه مسلم. وقوله: "العهد الذي بيننا وبينهم الصَّلاة فمن تركها فقد كفر". وقول عبد الله بن شقيق: "كان أصحاب محمَّد لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر إلَّا الصَّلاة"، فمن كان مصرًا على تركها حتَّى يموت لا يسجد لله سجدة قط، فهذا لا يكون قط مسلمًا مقرًا بوجوبها، فإن اعتقاد الوجوب، واعتقاد أن تاركها يستحق القتل، هذا داع تام إلى فعلها، والداعي مع القدرة يوجب وجود المقدور، فإذا كان قادرًا ولم يفعل قط، علم أن الداعي

стр. 1861

في حقه لم يوجد. والاعتقاد التَّام لعقاب التارك باعث على الفعل، لكن هذا قد يعارضه أحيانًا أمور توجب تأخيرها وترك بعض واجباتها وتفويتها أحيانًا. فأمَّا من كان مصرًا على تركها، لا يصلى قط، ويموت على هذا الإصرار والترك، فهذا لا يكون مسلمًا، لكن أكثر الناس يصلون تارة، ويتركونها تارة، فهؤلاء ليسوا يحافظون عليها، وهؤلاء تحت الوعيد، وهم الذين جاء فيهم الحديث الذي في السنن: حديث عبادة عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة، من حافظ عليهن كان له عهد عند الله أن يدخله الجنَّة، ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عهد عند الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له"، فالمحافظ عليها الذي يصليها في مواقيتها كما أمر الله تعالى، والذي ليس يؤخرها أحيانًا عن وقتها، أو يترك واجباتها، فهذا تحت مشيئة الله تعالى، وقد يكون لهذا نوافل يكمل بها فرائضه، كما جاء في الحديث" انتهى كلامه رحمه الله تعالى، نقلًا من مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤٨ - ٤٩). وسبب إيرادي لهذه المسألة هنا، هو أن حديث عبادة هذا هو أجود ما اعتمدوا عليه في عدم تكفير تارك الصَّلاة، واحتجوا في ذلك برواية محمَّد بن مطرف من حديث الصنابحي عن عبادة، والشاهد منه: "ومن لم يفعل؛ فليس له على الله عهد، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه" وهي رواية شاذة، كما تقدم تقريره، وبرواية المخدجي عن عبادة، والشاهد منها: "ومن لم يأت بهن، فليس له عند الله عهد. . ." فاحتجوا بهذا اللفظ وغيره على أن من تركها بالكلية لا يكفر؛ إذ لو كفر لم يدخل تحت المشيئة. وعلى فرض أن هذا اللفظ وحده هو الثابت؛ لكان محتملًا للتأويل، قال الإمام محمَّد بن نصر المروزي في كتابه القيِّم تعظيم قدر الصَّلاة ص (٦٣٩): "وأمَّا احتجاجهم بحديث عبادة ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "خمس صلوات افترضهن الله على عباده، من أتى بهن لم يضيع من حقهن شيئًا، كان له عند الله عهد، ومن لم يأت بهن جاء وليس عنده عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنَّة". قالوا: فقد أطمعه في دخول الجنَّة إذا هو لم يأت بهن، ولو كان كافرًا لم يطمعه في دخول الجنَّة، فإن قوله: "لم يأت بهن" إنَّما يقع معناه على أنَّه لم يأت بهن على الكمال، إنما أتى بهن ناقصات من حقوقهن نقصانًا لا يبطلهن". فإن قيل: لم يقل النَّبيُّ ﷺ ذلك، والأصل أن يتوجه النفي إلى الوجود، فإن تعذر فإلى الصحة، فإن تعذر فإلى الكمال، والظاهر هنا من نفي الإتيان بها هو تركها بالكلية. فيقال: أولًا: طريق الصنابحي شاذة، لا تصح. ثانيًا: طريق المخدجي بلفظ: "ومن لم يأت بهن" جاء ما يفسرها من الرّواية المحفوظة بلفظ: "ومن جاء بهن وقد انتقص منهن شيئًا استخفافًا بحقهن"، فوجب الأخذ بها. ثالثًا: قلنا بأن رواية المخدجي تعتضد برواية الوليد بن عبادة، ولفظ الشاهد منها: "ومن انتقص من حقهن شيئًا استخفافًا به". وبرواية المطلب بن عبد الله، ولفظ الشاهد منها: "ومن أتى بهن وقد أضاع شيئًا من حقهن

стр. 1862

استخفافًا بهن" مما يدل على ثبوت هذا اللفظ في حديث عبادة، وهو نص في نقض هذا الإعتراض، قال شيخ الإسلام: "وبهذا يظهر أن الاحتجاج بذلك على أن تارك الصَّلاة لا يكفر: حجة ضعيفة، لكنَّه يدل على أن تارك المحافظة لا يكفر، فإذا صلاها بعد الوقت لم يكفر" [مجموع الفتاوى (٧/ ٥٧٩)]. وقال ابن نصر المروزي (٦٤١): "ومن حقوق الصَّلاة: الطهارة من الأحداث، وطهارة الثياب التي تصلى فيها، وطهارة البقاع التي تصلى عليها، والمحافظة على مواقيتها التي كان يحافظ عليها النَّبيُّ ﷺ وأصحابه ﵃، والخشوع فيها من ترك الالتفات، والعبث، وحديث النَّفس، وترك الفكرة فيما ليس من أمر الصَّلاة، وإحضار القلب، واشتغاله بما يقرأ ويقول بلسانه، وإتمام الركوع والسجود، فمن أتى بذلك كله كاملًا، على ما أمر به، فهو الذي له العهد عند الله تعالى بأن يدخله الجنَّة، ومن أتى بهن، لم يتركهن، وقد انتقص من حقوقهن شيئًا، فهو الذي لا عهد له عند الله تعالى، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، فهذا بعيد الشبه من الذي يتركها أصلًا لا يصليها". وقال شيخ الإسلام: "فالنبي ﷺ إنما أدخل تحت المشيئة من لم يحافظ عليها، لا من ترك، ونفس المحافظة يقتضي أنهم صلوا ولم يحافظوا عليها، ولا يتناول من لم يحافظ، فإنَّه لو تناول ذلك قتلوا كفارًا مرتدين بلا ريب، ولا يتصور في العادة أن رجلًا يكون مؤمنًا بقلبه، مقرًّا بأن الله أوجب عليه الصَّلاة، ملتزمًا لشريعة النَّبيِّ ﷺ وما جاء به، يأمره ولي الأمر بالصلاة، فيمتنع حتَّى يقتل، ويكون مع ذلك مؤمنًا في الباطن فقط؛ بل لا يكون إلَّا كافرًا، ولو قال: أنا مقر بوجوبها، غير أني لا أفعلها، كان هذا القول مع هذه الحال كذبًا منه، كما لو أخذ يلقي المصحف في الحش، ويقول: أشهد أن ما فيه كلام الله، أو جعل يقتل نبيًّا من الأنبياء، ويقول: أشهد أنَّه رسول الله، ونحو ذلك من الأفعال التى تنافى إيمان القلب، فإذا قال: أنا مؤمن بقلبي، مع هذه الحال كان كاذبًا فيما أظهره من القول. فهذا الموضع ينبغي تدبره فمن عرف ارتباط الظاهر بالباطن، زالت عنه الشبهة في هذا الباب، وعلم أن من قال من الفقهاء أنَّه إذا أقر بالوجوب وامتنع عن الفعل لا يقتل، أو يقتل مع إسلامه، فإنَّه دخلت عليه الشبهة التي دخلت على المرجئة والجهمية، والتي دخلت على من جعل الإرادة الجازمة مع القدرة التَّامة لا يكون بها شيء من الفعل، ولهذا كان الممتنعون من قتل هذا من الفقهاء بنوه على قولهم في مسألة الإيمان، وأن الأعمال ليست من الإيمان، وقد تقدم أن جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب، وأن إيمان القلب التَّام، بدون شيء من الأعمال الظاهرة ممتنع، سواء جعل الظاهر من لوازم الإيمان، أو جزءًا من الإيمان كما تقدم بيانه" انتهى كلامه رحمه الله تعالى، نقلًا من مجموع الفتاوى (٧/ ٦١٥). ومما ينبغي التَّنبيه عليه: أن القول بتكفير تارك الصَّلاة، هو قول جمهور السلف، قال

стр. 1863

ابن نصر ص (٦٠٥): "ثم ذكرنا الأخبار المروية عن النَّبيِّ ﷺ في إكفار تاركها، وإخراجه إياه من الملة، وإباحة قتال من امتنع من إقامتها، ثم جاءنا عن الصّحابة ﵃ مثل ذلك، ولم يجئنا عن أحد منهم خلاف ذلك، ثم اختلف أهل العلم بعد ذلك، في تأويل ما روي عن النَّبيِّ ﷺ ، ثم عن الصّحابة ﵃ في إكفار تاركها وإيجاب القتل على من امتنع من إقامتها"، وقال شيخ الإسلام: "وتكفير تارك الصَّلاة هو المشهور المأثور عن جمهور السلف من الصّحابة والتابعين" [المجموع (٢٠/ ٩٧)]. والله أعلم. *** ٤٢٦ - قال أبو داود: حدّثنا محمَّد بن عبد الله الخزاعي، وعبد الله بن مسلمة، قالا: حدّثنا عبد الله بن عمر، عن القاسم بن غنَّام، عن بعض أمهاته، عن أم فروة، قالت: سئل رسول الله ﷺ : أي الأعمال أفضل؟ قال: "الصَّلاة في أول وقتها". قال الخزاعي في حديثه: عن عمة له يقال لها: أم فروة، قد بايعت النَّبيَّ ﷺ ، أن النَّبيَّ ﷺ سئل. • حديث ضعيف. أخرجه من طريق أبي داود: البيهقي في السنن (١/ ٢٣٢)، وفي المعرفة (١/ ٤٥٤/ ٦٠٥). وقد اختلف في إسناد هذا الحديث اختلافًا شديدًا: ١ - فرواه عبد الله بن مسلمة القعنبي [ثقة]، وأبو نعيم الفضل بن دكين [ثقة ثبت]، ووكيع بن الجراح [ثقة حافظ]، وعبد الرَّزاق بن همام الصنعاني [ثقة حافظ]، وعثمان بن عمر بن فارس [ثقة أبي وقع في روايته: "عبيد الله"، وهو تصحيف]، وعبد الله بن سعيد بن عبد الملك أبو صفوان الأموي [ثقة]، والمغيرة بن عبد الرحمن المخزومي [صدوق فقيه، كان يهم]، وعبد الوهاب بن عطاء الخفاف [صدوق]: ثمانيتهم: عن عبد الله بن عمر العمري، عن القاسم بن غنام، عن بعض أمهاته [شك عبد الرَّزاق فقال: "أو جداته"]، عن أم فروة [قال أبو نعيم: "عن جدته أم فروة"، وقال المغيرة: "عن جدة له يقال لها أم غزوة"]، عن النَّبيِّ ﷺ به. أخرجه أبو داود (٤٢٦)، وعبد الرَّزاق (١/ ٥٨٢/ ٢٢١٧)، وابن سعد في الطبقات الكبرى (٨/ ٣٠٣)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٨٠/ ٣٢١٩)، وإسحاق بن راهويه (٥/ ١٤٥ - ١٤٦/ ٢٢٦٨)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٦/ ١٤٥/ ٣٣٧٤)، والعقيلي في الضعفاء (٣/ ٤٧٥) [(٣/ ١١٦٠) ط السلفي]. والطبراني في الكبير (٢٥/ ٨١/ ٢٠٧)، والدارقطني (١/ ٢٤٧)، وأبو نعيم في معرفة الصّحابة (٦/ ٣٥٤٥/ ٨٠١١)، والبيهقيّ في

стр. 1864

السنن (١/ ٢٣٢)، وفي المعرفة (١/ ٤٥٤/ ٦٠٥) و (١/ ٤٦٩/ ٦٣٤) موصولًا ومعلقًا. وابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ٧٨)، والمزي في التهذيب (٢٣/ ٤٠٩). ٢ - ورواه يزيد بن هارون [ثقة متقن]، قال: أخبرنا عبد الله بن عمر، عن القاسم بن غنام، عن أهل بيته، عن جدته أم فروة، أنَّها سمعت رسول الله ﷺ ، وسأله رجل … الحديث. أخرجه أحمد (٦/ ٤٤٠)، وابن سعد (٨/ ٣٠٣). ٣ - ورواه أبوعاصم النبيل، الضَّحَّاك بن مخلد [ثقة ثبت]، قال: أخبرنا عبد الله بن عمر، عن القاسم بن غنام، عن عماته، عن أم فروة، قالت: سئل رسول الله ﷺ أخرجه أحمد (٦/ ٣٧٤). ٤ - ورواه إسحاق بن سليمان الرَّازي [ثقة]، عن عبد الله بن عمر، عن القاسم بن غنام، عن جدته، عن أم فروة، قالت سألتُ رسول الله ﷺ .... أخرجه الدارقطني (١/ ٢٤٧)، وانظر: الإتحاف (١٨/ ٢٨٩/ ٢٣٦٥٦)، الإمام (٤/ ٦٩ - ٧٠). ٥ - ورواه عيسى بن يونس [ثقة مأمون]، عن العمري، عن القاسم بن غنام، عن بعض عماته، عن بعض أمهاته، عن النَّبيِّ ﷺ . ذكره الدارقطني في العلل (٥/ ٢٣٠/ ب). ٦ - ورواه اللَّيث بن سعد [ثقة ثبت، فقيه إمام]، وأبو سلمة منصور بن سلمة الخزاعي [ثقة ثبت حافظ]: كلاهما: عن عبد الله بن عمر العمري، عن القاسم بن غنام، عن جدته أم أبيه الدُّنيا، عن جدته أم فروة، وكانت ممن بايع، أنَّها سمعت رسول الله ﷺ … أخرجه الحاكم (١/ ١٨٩ و ١٩٠) [رواق المغاربة (١/ ٨٨/ أ)، ووقع عنده "عبيد الله"، وفي الإتحاف (١٨/ ٢٩٠/ ٢٣٦٥٦): "عبد الله"، وهو الصواب]. وأحمد (٦/ ٣٧٥)، والبخاري في التَّاريخ الكبير (٧/ ١٧١)، وعباس الدوري في تاريخ ابن معين (٣/ ١٨٤/ ٨٢٨)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٣٥٦/ ١٠٠٠) [وفيه: "عبيد الله" وهو تصحيف]. والعقيلي في الضعفاء (٣/ ٤٧٥) [(٣/ ١١٦٠) ط السلفي] [وفيه سقط وتصحيف]. والطبراني في الكبير (٢٥/ ٨٢/ ٢٠٨)، والدارقطني (١/ ٢٤٨)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٧٣) [وفي سنده سقط]. وفي معرفة الصّحابة (٦/ ٣٥٤٥/ ٨٠١١)، والبيهقيّ (١/ ٤٣٤). وانظر: علل الدارقطني (٥/ ٢٣٠/ ب)، معرفة الصّحابة لأبي نعيم (٦/ ٣٥٤٥)، إتحاف المهرة (١٨/ ٢٩٠). فهذه ستة أوجه من الاختلاف على عبد الله بن عمر العمري، مع إثبات الواسطة بين القاسم وأم فروة. وهناك من رواه عنه بإسقاط الواسطة:

стр. 1865

٧ - رواه محمَّد بن عبد الله بن عثمان الخزاعي [ثقة]، والفضل بن موسى السيناني [ثقة ثبت، وربما أغرب]: كلاهما: عن عبد الله بن عمر العمري، عن القاسم بن غنام، عن عمته أم فروة، وكانت ممن بايعت النَّبيَّ ﷺ ، قالت: سئل النَّبيُّ ﷺ .. أخرجه أبو داود (٤٢٦)، والترمذي (١٧٠)، والبيهقيّ في السنن (١/ ٢٣٢)، وفي المعرفة (١/ ٤٥٤/ ٦٠٥). ٨ - ورواه الوليد بن مسلم [ثقة]، عن عبد الله العمري: أخبرني القاسم بن غنام، عن جدته أم فروة، أنَّها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أفضل الأعمال عند الله الصَّلاة في أول وقتها". أخرجه الدارقطني (١/ ٢٤٧). وهذا الاختلاف إنَّما هو من العمري نفسه، فإنَّه: ليس بالقوي، ولم يحفظ هذا الحديث، وإن كان الأقرب إلى الصواب: رواية من رواه عنه بإثبات الواسطة بين القاسم وأم فروة، على اختلاف بينهم في وصفها، والله أعلم. قال ابن دقيق العيد في الإمام (٤/ ٧٠ - ٧١): "فهذه الرِّوايات كلها على اختلافها في إثبات الواسطة بين القاسم وإسقاطها يعود إلى عبد الله بن عمر العمري، وعبد الله مكبَّر فيها، وقد ضُعِّف". قال التِّرمذيُّ: "حديث أم فروة: لا يروي إلَّا من حديث عبد الله بن عمر العمري، وليس هو بالقوي عند أهل الحديث، واضطربوا عنه في هذا الحديث، وهو صدوق، وقد تكلم فيه يَحْيَى بن سعيد من قبل حفظه". وقال العباس بن محمَّد الدوري: "سمعت يَحْيَى [يعني: ابن معين] يقول: قد روى عبد الله بن عمر، عن القاسم بن غنام، ولم يرو عنه عبيد الله أخوه"، [تاريخ ابن معين (٣/ ١٨٤/ ٨٢٧)، ورواه من طريق الدوري: الحاكم في المستدرك (١/ ١٩٠)]. قلت: لم ينفرد به العمري عن القاسم بن غنام، بل تابعه: أخوه عبيد الله بن عمر العمري [الثقة الثبت]، قال الدارقطني في العلل (٥/ ٢٣٠/ ب): "يرويه عبد الله بن عمر، وأخوه عبيد الله"، وانظر المؤتلف والمختلف (٤/ ١٧٦٤). وقال أبو نعيم في المعرفة: "رواه اللَّيث بن سعد، وأبو نعيم، وعبد الرَّزاق في جماعة، عن عبد الله بن عمر. ورواه قزعة بن سويد، والمعتمر بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر، … ". وقال الحاكم: "هذا حديث رواه اللَّيث بن سعد، والمعتمر بن سليمان، وقزعة بن سويد، ومحمد بن بشر العبدي: عن عبيد الله بن عمر عن القاسم بن غنام". قلت: جزم الحفَّاظ -مثل الدارقطني وأبي نعيم- بأن اللَّيث بن سعد إنما يرويه عن عبد الله، فلعله تصحف على الحاكم، والله أعلم.

стр. 1866

• وروي عن عبد الله بن عمر العمري، من حديث ابن عمر، ولا يصح. رواه أبو يَحْيَى إسماعيل بن إبراهيم الأحول التميمي، عن أبي عقيل يَحْيَى بن المتوكل، عن عبد الله بن عمر بن حفص، عن نافع، عن ابن عمر، قال: سئل رسول الله ﷺ : أي الأعمال أفضل؟ قال: "الصَّلاة لميقاتها الأوَّل". أخرجه الدارقطني (١/ ٢٤٧). وقال: "خالفه جماعة عن العمري". وقال في العلل (٥/ ٢٣٠/ ب): "وقال أبو عقيل يَحْيَى بن المتوكل: عن العمري، عن نافع، عن ابن عمر؛ ووهم فيه". قلت: أبو عقيل وأبو يَحْيَى التَّيميُّ: ضعيفان. • وأمَّا حديث عبيد الله بن عمر العمري، فيرويه: ١ - محمَّد بن بشر العبدي [ثقة ثبت حافظ]، عن عبيد الله بن عمر، عن القاسم بن غنام، عن بعض أهله، عن أم فروة -وكانت ممن بايع النَّبيَّ ﷺ ، قالت: سألت رسول الله ﷺ .... أخرجه عبد بن حميد (١٥٦٩) [وتصحف عنده عبيد الله إلى عبد الله]. والدارقطني (١/ ٢٤٨)، وانظر: العلل (٥/ ٢٣٠/ ب). ٢ - معتمر بن سليمان [ثقة]، عن عبيد الله بن عمر، عن القاسم بن غنام، عن جدته، عن أم فروة، قالت: سئل رسول الله ﷺ ، وأنا أسمع .... أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٦/ ١٤٥/ ٣٣٧٣)، والطبراني في الكبير (٢٥/ ٨٢/ ٢١٠) [وفيه: "عن جدته أم فروة" بإسقاط عن بينهما]. والدارقطني في السنن (١/ ٢٤٨) [في نسخة "عبد الله" مكبر]. وفي الأفراد (٥/ ٤٠٦/ ٥٨٧٢ - أطرافه)، وانظر: علل الدارقطني (٥/ ٢٣٠/ ب). ٣ - قزعة بن سويد [ليس بالقوي]، عن عبيد الله بن عمر، عن القاسم بن غنام، عن بعض أمهاته، عن أم فروة، أنَّها سمعت النَّبيَّ ﷺ يقول: "أفضل الأعمال الصَّلاة في أول وقتها". أخرجه الطّبرانيّ في الكبير (٢٥/ ٨٢/ ٢٠٩) [وفيه "عبد الله" مكبر]. وفي الأوسط (١/ ٢٦٣/ ٨٦٠) و (٣/ ٣٢٧/ ٣٣٠٤) و (٨/ ٢٥٤/ ٨٥٥٧)، والدارقطني (١/ ٢٤٨)، وابن عبد البر (٤/ ٣٤١) [وفيه "عبد الله" مكبر]. قال الطّبرانيّ: "لم يرو هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر إلَّا قزعة بن سويد". قلت: تابعه ثقتان من أصحاب عبيد الله، كما تقدم، وصرح بذلك جماعة من الحفَّاظ: الدارقطني وأبو نعيم والحاكم. • وروي أيضًا عن عبيد الله بن عمر، من حديث ابن عمر؛ ولا يصح: رواه يعقوب بن الوليد المدني [كذبه: أحمد وابن معين وأبو حاتم وغيرهم. التهذيب

стр. 1867

(٤/ ٤٤٧)]، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "خير الأعمال الصَّلاة في أول وقتها". أخرجه الحاكم (١/ ١٨٩)، والدارقطني (١/ ٢٤٧)، والرافعي في التدوين (٢/ ١٥٢). قال الحاكم: "يعقوب بن الوليد هذا: شيخ من أهل المدينة، سكن بغداد، وليس من شرط هذا الكتاب؛ إلَّا أن له شاهدًا عن عبيد الله" [رواق المغاربة (١/ ٨٧/ ب)]. قلت: لا يعتبر برواية الكذابين؛ ولا كرامة، قال الذهبي في التلخيص: "يعقوب: كذاب". وأمَّا شاهده عن عبيد الله الذي عناه الحاكم، فهو ما رواه الحاكم (١/ ١٨٩) [رواق المغاربة (١/ ٨٧/ ب)]. والخطيب في تاريخ بغداد (١٢/ ٦٥) من طريق: إبراهيم بن محمَّد بن صدقة العامري: ثنا محمَّد بن حمير الحمصي، عن عبيد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر قال: سئل رسول الله ﷺ … ولا يصح هذا عن محمَّد بن حمير؛ فإن العامري هذا: ضعيف، ضعفه الدارقطني [ضعفاء الدارقطني (٤٨)، اللسان (١/ ٣٤٣)]. • ولحديث القاسم هذا طريق أخرى: يرويها الضَّحَّاك بن عثمان بن عبد الله الحزامي المدني [صدوق يهم]، عن القاسم بن غنام البياضي، عن امرأة من المبايعات، أن رسول الله ﷺ سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: "الإيمان بالله " قيل: ثم ماذا يا رسول الله؟ قال: "الصَّلاة لوقتها". أخرجه البُخاريّ في التَّاريخ الكبير (٧/ ١٧١)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٦/ ١٤٦/ ٣٣٧٥)، والعقيلي في الضعفاء (٣/ ٤٧٥ - ٤٧٦)، والطبراني في الكبير (٢٥/ ٨٣/ ٢١١)، والدارقطني (١/ ٢٤٨). قال العقيلي: "القاسم بن غنام: في حديثه اضطراب". قلت: حاصل هذا الاختلاف في هذا الحديث: هو ثبوت الواسطة بين القاسم بن غنام وبين أم فروة؛ ثم الحديث مضطرب في تعيين هذه الواسطة. وقد ذهب الدارقطني إلى أنَّها جدة القاسم، فقال في العلل (١٥/ ٤٣٠/ ٤١٢٣): "والقول: قول من قال: عن القاسم بن غنام، عن جدته، عن أم فروة". • والحاصل: أن حديث أم فروة هذا: حديث ضعيف؛ رواته مجاهيل، ومداره على القاسم بن غنام، وهو غير مشهور، ولا أظنه يعرف بغير هذا الحديث [انظر: التَّاريخ الكبير (٧/ ١٧١)، الجرح والتعديل (٧/ ١١٦)، الثقات (٧/ ٣٣٦)، تاريخ الدوري (٣/ ١٨٤/ ٨٢٧)، الضعفاء الكبير (٣/ ٤٧٥)، المؤتلف والمختلف (٤/ ١٧٦٤)]. والواسطة بين القاسم وأم فروة: مبهمة؛ لا يعرف عينها ولا حالها، بل واختلف فيها اختلافًا شديدًا: فقيل: "عن بعض أمهاته"، وقيل: "عن أهل بيته"، وقيل: "عن عماته"، وقيل: "عن جدته"، وقيل: "عن جدته أم أبيه الدُّنيا"، وقيل: "عن بعض أهله"؛ وهذا اضطراب ظاهر.

стр. 1868

وأم فروة؛ راوية هذا الحديث: هي الأنصارية؛ وليست بأخت أبي بكر الصِّديق، بنت أبي قحافة، ولا تعرف أيضًا إلَّا بهذا الحديث [انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (٨/ ٢٤٩ و ٣٠٣)، الاستيعاب (٤/ ١٩٤٩ و ١٩٥٠)، الإصابة (٨/ ٢٧٤ و ٢٥٧)، الثقات (٣/ ٤٦٠ و ٤٦٣)، التهذيب (٤/ ٧٠٠)، وغيرها]. قال ابن قدامة في المغني (١/ ٢٣٦): "وحديث أم فروة رواته مجاهيل]. وقال ابن دقيق العيد في الإمام (٤/ ٧٢): "ويتحصل من ذلك: أن من أثبت الواسطة بين القاسم وأم فروة يُقضى به على من أسقطها، على الطريقة المعروفة، وتلك الواسطة: مجهولة". وقال ابن حجر في الدراية (١/ ١٠٥): "وفي إسناده اضطراب". • وقد روي هذا الحديث "الصَّلاة في أول وقتها"، من حديث ابن مسعود؛ ولا يصح؛ بل هي زيادة شاذه لا تثبت من حديث ابن مسعود: • فقد رواه بهذه الزيادة: بندار، محمَّد بن بشار العبدي البصري [ثقة]، والحسن بن مكرم بن حسَّان أبو علي البغدادي البزاز [ثقة. الثقات (٨/ ١٨٠)، تاريخ بغداد (٧/ ٤٣٢)، السير (١٣/ ١٩٢)]: كلاهما: عن عثمان بن عمر بن فارس [ثقة]، قال: حدّثنا مالك بن مغول، عن الوليد بن العيزار، عن أبي عمرو الشيباني، عن عبد الله بن مسعود، قال: سألت رسول الله ﷺ : أي العمل أفضل؟ قال: "الصَّلاة في أول وقتها" قلت: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله" قلت: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين". أخرجه ابن خزيمة (١/ ١٦٩/ ٣٢٧)، وابن حبان (٤/ ٣٣٩ و ٣٤٣/ ١٤٧٥ و ١٤٧٩)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٨٨)، وفي معرفة علوم الحديث (١٣٠ - ١٣١)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٢٠/ ٩٨٠٨)، وابن منده في الإيمان (٢/ ٥٤١ - ٥٤٢/ ٤٦١)، وابن حزم في المحلى (٣/ ١٨٢ - ١٨٣)، والبيهقيّ في السنن الكبرى (١/ ٤٣٤)، وفي الخلافيات (١/ ٥٢٢ - ٥٢٣ - مختصره)، وابن عبد البر (٢٤/ ٧٧)، والخطيب في الكفاية (٤٢٨). صحَّحه ابن خزيمة، وابن حبان، وقال: "الصَّلاة في أول وقتها" تفرد به: عثمان بن عمر"، وصححه الحاكم، فقال في المستدرك بعد ما أخرجه من طريق الحسن بن مكرم: "هذا حديث يعرف بهذا اللفظ بمحمد بن بشار -بندار-، عن عثمان بن عمر، وبندار: من الحفَّاظ المتقنين الإثبات"، ثم أخرجه من طريق بندار، ثم قال: "فقد صحت هذه اللفظة باتفاق الثقتين: بندار بن بشار، والحسن بن مكرم على روايتهما عن عثمان بن عمر، وهو صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وله شواهد في هذا الباب"، وقال في المعرفة: "هذا حديثٌ صحيحٌ محفوظ؛ رواه جماعة من أئمة المسلمين، عن مالك بن مغول، وكذلك عن عثمان بن عمر، فلم يذكر أول الوقت فيه غير: بندار بن بشار، والحسن بن مكرم، وهما ثقتان فقيهان"، ونقل ابن الملقن في البدر المنير (٢/ ٦٠٧) تصحيح الحاكم

стр. 1869

لهذه الزيادة أيضًا في كتابه: الأربعين التي خرجها في شعار أهل الحديث، فقال: "هذه الزيادة ذكرها عثمان بن عمر، عن مالك بن مغول، وهي مقبولة منه، وإن لم يخرجاه، فإن مذهبهما أن الزيادة من الثقة مقبولة". وقال البيهقي في الخلافيات: "وهو صحيحٌ على شرط البُخاريّ ومسلم؛ لأنَّ رواته متَّفقٌ على عدالتهم، والزيادة مقبولة عن الثقة عندهما، وعند الفقهاء، إذا انضم إلى روايته ما يؤكدها، وإن كان الذي لم يأت بها أكثر عددًا، وهذه الرِّواية في الزيادة لها شواهد"، وقال أيضًا: "ورواية عثمان بن عمر، عن مالك بن مغول، عن الوليد بن العيزار: مقبولة؛ فقد اتفق البُخاريّ ومسلم على الاحتجاج به، وهو ممن لا يشك حديثي في ثقته" [وانظر: البدر المنير (٢/ ٦٠٦ و ٦٠٧)]. وقَبِل هذه الزيادة أيضًا -على قاعدته في قبول زيادة الثقة- الخطيب البغدادي في الكفاية، فقال: "قوله: "في أول وقتها" زيادة لا نعلم رواها في حديث ابن مسعود إلَّا عثمان بن عمر، عن مالك بن مغول، وكل الرواة قالوا عن مالك: "الصلاة لوقتها". وقال الدارقطني في العلل (٥/ ٣٣٦): "فإن عثمان بن عمر رواه عن مالك بن مغول عنه [يعني: عن الوليد بن العيزار]، قال فيه: "أفضل الأعمال الصَّلاة لأول وقتها"". قلت: ملخص كلامهم: أن هذا الحديث لم يروه بهذه الزيادة عن مالك بن مغول: إلَّا عثمان بن عمر، ولا رواه عن عثمان: إلا بندار، والحسن بن مكرم [وكلهم: ثقات]. ولم أقف على من رواه عن عثمان غيرهما، ولم أقف على من رواه عن مالك غير عثمان: إلَّا من رواية محمَّد بن سابق. فقد رواه محمَّد بن سابق [صدوق، تكلم في حفظه غير واحد. انظر: التهذيب (٣/ ٥٦٧)، وعثمان بن عمر: أوثق منه]: حدّثنا مالك بن مغول قال: سمعت الوليد بن العيزار، ذكر عن أبي عمرو الشيباني قال: قال عبد الله بن مسعود ﵁: سألت رسول الله ﷺ قلت: يا رسول الله! أي العمل أفضل؟ قال: "الصَّلاة على ميقاتها" قلت: ثم أي؟ قال: "ثم بن الوالدين" قلت: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله" فسكت عن رسول الله ﷺ ، ولو استزدته لزادني. أخرجه البُخاريّ في الصَّحيح (٢٧٨٢)، والهيثم بن كليب الشاشي في مسنده (٢/ ١٩٤/ ٧٦٣)، والإسماعيلي في معجم شيوخه (١/ ٣٧٦ - ٣٧٧)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (١/ ٢٥٣/١٦٢)، والبيهقيّ في الشعب (٤/ ١٠/ ٤٢١٩)، وفي الأربعين الصغرى (٦٧). • قلت: ظاهر كلام الأئمة أن محمَّد بن سابق لم ينفرد بذلك عن مالك بن مغول، بل توبع عليه، ولا نقول بقبول زيادة عثمان بن عمر -مع ثقته- لأمور؛ منها: أ - أن البُخاريّ قدم رواية محمَّد بن سابق، فأدخلها في صحيحه، دون رواية عثمان المشتملة على الزيادة -مع احتياجه إليها- مما يدل على عدم ثبوتها عنده.

стр. 1870

ب - أن الحديث قد رواه عن الوليد بن العيزار بدون هذه الزيادة جماعة من الثقات، منهم: شعبة [في المحفوظ عنه]، وأبو إسحاق الشيباني، سليمان بن أبي سليمان [في المحفوظ عنه]، وأبو يعفور عبد الرحمن بن عبيد بن نسطاس، وعبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة المسعودي. ج- ورواه أيضًا عن أبي عمرو الشيباني بدون هذه الزيادة: اثنان من الثقات: الحسن بن عبيد الله، وأبو معاوية النَّخعيُّ. د - وللحديث طرق أخرى عن ابن مسعود، بدون هذه الزيادة. فدل مجموع ذلك على عدم ثبوتها، والله أعلم. • وروى الحديث بهذه الزيادة أيضًا: حجاج بن الشَّاعر [ثقة حافظ]: ثنا علي بن حفص المدائني [ثقة]: ثنا شعبة، عن الوليد بن العيزار، قال: سمعت أبا عمرو الشيباني قال: حدّثنا صاحب هذه الدار -وأشار إلى دار عبد الله بن مسعود، ولم يسمه- قال: سألت رسول الله ﷺ : أي الأعمال أفضل؟ قال: "الصَّلاة في أول وقتها" … فذكر الحديث. أخرجه الدارقطني (١/ ٢٤٦)، والحاكم (١/ ١٨٩)، والبيهقيّ في الخلافيات (١/ ٥٢٣ - مختصره). وهذه الرِّواية اعتبرها الحاكم من شواهد حديث عثمان بن عمر المتقدم حيث أتبعه إياها، ثم قال: "قد روى هذا الحديث جماعة عن شعبة، ولم يذكر هذه اللفظة غير حجاج بن الشَّاعر، عن علي بن حفص، وحجاج: حافظ ثقة، وقد احتج مسلم بعلي بن حفص المدايني". وقال البيهقي: "رواة هذا الحديث كلهم ثقات؛ فإن حجاج بن الشَّاعر: حافظ ثقة، واحتج مسلم بعلي بن حفص المدائني، والباقون: متَّفقٌ على ثقتهم". قال ابن حجر في الفتح (٢/ ١٣): "قال الدارقطني: ما أحسبه حفظه، لأنَّه كبر وتغير حفظه". قلت: هذه رواية شاذة -بلا ريب - من حديث شعبة؛ خالف علي بن حفص فيها جمعًا غفيرًا من أصحاب شعبة؛ فقد رواه يَحْيَى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ومعاذ بن معاذ العنبري، وغندر محمَّد بن جعفر [وهم أثبت أصحاب شعبة]، وعبد الصَّمد بن عبد الوارث، ويزيد بن هارون، وعفان بن مسلم، وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ، والنضر بن شميل، وعلي بن الجعد، وسليمان بن حرب، وآدم بن أبي إياس، وشاذان الأسود بن عامر، وحفص بن عمر الحوضي، وحجاج بن محمَّد الأعور، وأبو داود الطَّيالسيُّ [وهم: ثقات أثبات حفاظ]، ومحمد بن كثير العبدي [ثقة]، وعمرو بن مرزوق الباهلي [ثقة، له أوهام]، وعاصم بن علي الواسطيِّ [صدوق يهم]. وهم تسعة عشر رجلًا من الثقات، رووه كلهم: عن شعبة، عن الوليد بن العيزار، أنَّه

стр. 1871

سمع أبا عمرو الشيباني قال: حدثني صاحب هذه الدار، وأشار إلى دار عبد الله، قال: سألت رسول الله ﷺ : أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: "الصَّلاة على وقتها" قلت: ثم أي؟ قال: "ثم بر الوالدين" قلت: ثم أي؟ قال: "ثم الجهاد في سبيل الله" قال: حدثني بهن، ولو استزدته لزادني. أخرجه البُخاريّ في الصَّحيح (٥٢٧ و ٥٩٧٠ و ٧٥٣٤)، وفي الأدب المفرد (١)، ومسلم (٨٥/ ١٣٩)، وأبو عوانة (١/ ٦٥/ ١٨٢ و ١٨٣)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (١/ ١٦٣/ ٢٥٤ و ٢٥٥)، والنَّسائيُّ (١/ ٢٩٢/ ٦١٠)، والدارمي (١/ ٣٠٣/ ١٢٢٥)، وأبو علي الطُّوسي في مختصر الأحكام (١/ ٤٣٦/ ١٥٧)، وابن حبان في الصَّحيح (٤/ ٣٤١/ ١٤٧٧)، وفي الثقات (٨/ ٣١٤) معلقًا. وأحمد (١/ ٤٠٩ - ٤١٠ و ٤٣٩)، والطيالسي (١/ ٢٨٩/ ٣٧٠)، والبزار (٥/ ١٩٤/ ١٧٩٣)، وابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصَّلاة (١٦٢)، وأبو يعلى (٩/ ١٨٨/ ٥٢٨٦)، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (٤٧٠)، والطحاوي في المشكل (٥/ ٣٧٦/ ٣٤٦١ - تحفة)، والهيثم بن كليب الشاشي في مسنده (٢/ ١٩١ و ١٩٢/ ٧٥٩ و ٧٦١)، والطبراني في الكبير (١٠/ ١٩ - ٢٠/ ٩٨٠٥)، وابن منده في الإيمان (٢/ ٥٤٢/ ٤٦٢)، واللالكائي في أصول الاعتقاد (٤/ ٨٣٤ و ٨٥٣/ ١٥٤٦ و ١٥٤٧)، والبيهقيّ في السنن الكبرى (٢/ ٢١٥)، وفي الشعب (٣/ ٣٧/ ٢٨٠١) و (٦/ ١٧٥/ ٧٨٢٤)، وفي الاعتقاد (٢٤٩)، وفي الآداب (١)، وابن الجوزي في التحقيق (٣٢٧). • وروي عن شعبة بإسناد آخر، بهذه الزيادة: رواه الحسن بن علي بن شبيب المعمري [ثقة حافظ؛ إلَّا أنَّه رفع أحاديث وهي موقوفة، وزاد في المتون أشياء ليست فيها. انظر: الكامل (٢/ ٣٣٨)، تاريخ بغداد (٧/ ٣٦٩)، اللسان (٣/ ٧١)، وغيرها]: ثنا محمَّد بن المثني [ثقة ثبت]: ثنا محمَّد بن جعفر: ثنا شعبة: أخبرني عبيد المكتب، قال: سمعت أبا عمرو الشيباني يحدث عن رجل من أصحاب النَّبيِّ ﷺ ، قال: سئل رسول الله ﷺ : أي الأعمال أفضل؟ قال: "الصَّلاة في أول وقتها". أخرجه الدارقطني (١/ ٢٤٦ - ٢٤٧)، والحاكم (١/ ١٨٩). وجعله من شواهد حديث عثمان بن عمر المتقدم، وقال: "الرجل هو عبد الله بن مسعود؛ لإجماع الرواة فيه على أبي عمرو الشيباني". قلت: وهذا من أوهام المعمري، وزيادته في المتون ما ليس منها. قال ابن حجر في الفتح (٢/ ١٣): "قال الدارقطني: تفرد به المعمري، فقد رواه أصحاب أبي موسى عنه بلفظ: "على وقتها". قلت: رواه الحسين بن إسماعيل المحاملي القاضي [ثقة حافظ]، قال: ثنا أبو موسى [محمد بن المثني]-قراءة عليه-. . . فذكر الحديث بإسناده ومتنه؛ إلَّا أنَّه قال: "الصلاة على وقتها".

стр. 1872

أخرجه الدارقطني (١/ ٢٤٦ - ٢٤٧). ورواه الإمام أحمد [إمام فقيه حافظ، ثقة ثبت متقن]، في مسنده (٥/ ٣٦٨) قال: ثنا محمَّد بن جعفر: ثنا شعبة: أخبرني عبيد المكتب، قال: سمعت أبا عمرو الشيباني يحدث عن رجل من أصحاب النَّبيِّ ﷺ ، قال: سئل رسول الله ﷺ : أي العمل أفضل؟ - قال شعبة: أو قال: -"أفضل العمل: الصلاة لوقتها، وبر الوالدين، والجهاد". ورواه الإمام عبد الله بن المبارك [إمام فقيه حافظ، ثقة ثبت متقن]، قال: حدّثنا شعبة، عن عبيد المكتب، عن أبي عمرو الشيباني، عن رجل من أصحاب النَّبيِّ ﷺ ، أن النَّبيَّ ﷺ سئل: أي الأعمال أفضل؟ فقال: "الصلاة لوقتها، وبر الوالدين، والجهاد في سبيل [الله] ". أخرجه الحسين المروزي في البر والصلة (٣٦)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٢١/ ٩٨١٤). فتبين بذلك وهم المعمري في روايته، والله أعلم. وهذا إسناد صحيح، لشعبة فيه شيخان، إلَّا أنَّه كان غالبًا ما يحدث به عن الوليد بن عيزار، ونادرًا ما يحدث به عن عبيد المكتب، فهو محفوظ عنه بالوجهين، رواه عنه غندر بالوجهين، وهو محفوظ عن غندر بالوجهين أيضًا، والله أعلم. • وروى حديث ابن مسعود أيضًا بهذه الزيادة: المعمري: حدّثنا أحمد بن عبدة: ثنا حماد بن زيد: ثنا الحجاج، عن سليمان، ذكر أبا عمرو الشيباني، قال: حدثني رب هذه الدار -يعني: عبد الله بن مسعود-، قال: سألت رسول الله ﷺ قلت: أي الأعمال أفضل؟ قال: "الصَّلاة لميقاتها الأوَّل". أخرجه الدارقطني (١/ ٢٤٧). قلت: وهذا أيضًا من أوهام المعمري، وزيادته في المتون ما ليس منها: فقد روى الطّبرانيّ في معجمه الكبير (١٠/ ٢١/ ٩٨١٠)، قال: حدّثنا سليمان بن الحسين [كذا في المطبوع، والمخطوط (٣/ ٥٠/ ب)] العطار البصري: ثنا أحمد بن عبدة الضبي: ثنا حماد بن زيد، عن الحجاج، عن سليمان، قال: ذكر أبو عمرو الشيباني: أخبرني رب هذه الدار -يعني: ابن مسعود- قال: سألت رسول الله ﷺ : أي الأعمال أفضل؟ قال: "الصلاة لميقاتها" قلت: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين" قلت: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله" ثم سكت عني، ولو استزدته لزادني. وشيخ الطّبرانيّ، هو: أبو أيوب سليمان بن الحسن [مكبرًا] بن المنهال، العطار الضَّرير البصري، ابن أخي الحجاج بن المنهال، وهو شيخ لابن حبان، أكثر عنه في صحيحه، وروى عنه أيضًا: ابن نافع، وابن عدي، والإسماعيلي، وثقه أبو محمَّد بن غلام الزُّهريّ، وقال الدارقطني: "لا بأس به" [سؤالات السهمي (٢٩٤ و ٢٩٦)]. وروايته عندي أولى بالقبول من رواية المعمري؛ لما رواه الطّبرانيّ في معجمه الكبير

стр. 1873

(١٠/ ٢١/ ٩٨١١)، قال: حدّثنا العباس بن الفضل الأسفاطي: ثنا موسى بن إسماعيل: ثنا حماد بن سلمة، عن الحجاج، عن أبي إسحاق، عن أبي عمرو الشيباني، عن ابن مسعود، عن النَّبيِّ ﷺ بمثل حديث عبد الملك بن عمير-، أن ابن مسعود قال: يا رسول الله! أي العمل أفضل؟ قال: "إقامة الصَّلاة لوقتها، وبر الوالدين، والجهاد في سبيل الله". قلت: أي العمل أشر؟ قال: "أن تجعل لخالقك ندًا، وأن تقتل ولدك أن لا يأكل معك، أو تزني حليلة جارك". ونزل القرآن. وهذه متابعة جيدة؛ بإسناد جيد إلى حماد بن سلمة؛ موسى بن إسماعيل، هو: أبو سلمة التبوذكي [ثقة ثبت]، وشيخ الطّبرانيّ: العباس بن الفضل بن بشر أبو الفضل الأسفاطي البصري: قال الدارقطني: "صدوق"، وقال الصفدي: "وكان صدوقًا حسن الحديث" [سؤالات الحاكم (١٤٣)، تاريخ دمشق (٢٦/ ٣٩٠)، الوافي بالوفيات (١٦/ ٣٧٦)، تكملة الإكمال (١/ ١٨٨)]. وبهذه المتابعة يتبين وهم المعمري في هذه الزيادة، لكن يبقى أن نقول بأن هذه الرِّواية مدارها على الحجاج، وهو ابن أرطأة؛ وهو: ليس بالقوي؛ يدلس عن الضعفاء والمتروكين، ولم يصرح بسماعه هذا الحديث من أبي إسحاق سليمان بن أبي سليمان الشيباني، وقد خالفه في إسناده جماعة من الثقات، من أصحاب أبي إسحاق الشيباني: فقد رواه علي بن مسهر [ثقة]، وعباد بن العوام [ثقة]، وسهل بن عثمان [ثقة، صاحب غرائب]، وأبو معاوية محمَّد بن خازم الضَّرير [ثقة في الأعمش، قد يهم في حديث غيره]: أربعتهم: عن أبي إسحاق الشيباني، عن الوليد بن العيزار، عن سعد بن إياس أبي عمرو الشيباني، عن عبد الله بن مسعود، قال: سألت رسول الله ﷺ : أي العمل أفضل؟ قال: "الصَّلاة لوقتها" قال: قلت: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين" قال: قلت: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله" فما تركت أستزيده إلَّا إرعاء عليه. أخرجه البُخاريّ (٧٥٣٤)، ومسلم (٨٥/ ١٣٧)، وأبو عوانة (١/ ٦٥ و ٦٦/ ١٨٤ و ١٨٦)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (١/ ١٦٢/ ٢٥٢)، وابن حبان (٤/ ٣٤٢/ ١٤٧٨)، وابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٢٧٩/ ٣٢١٠) و (٤/ ٢٠١/ ١٩٣٠٨) و (٥/ ٢١٨/ ٢٥٣٩٩)، وفي المسند (٢٠٢)، وهناد في الزهد (٢/ ٤٨٠/ ٩٨٣)، وعبد الله بن أحمد في الزهد (٢١٤)، وابن أبي عاصم في الجهاد (٢٢)، والبزار (٥/ ١٩٢/ ١٧٩١)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٣٨٥/ ١٠٧٨)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٢٠/ ٩٨٠٦)، وابن منده في الإيمان (٢/ ٥٤١/ ٤٦٠)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٤/ ٣٩٦). وهذا هو المحفوظ عن الشيباني في هذا الحديث. • وممن رواه أيضًا عن الوليد بن العيزار غير من تقدم، بدون هذه الزيادة: أ - أبو يعفور عبد الرحمن بن عبيد بن نسطاس [ثقة]، عن الوليد بن العيزار، عن

стр. 1874

أبي عمرو الشيباني، عن عبد الله بن مسعود، قال: قلت: يا نبي الله! أي الأعمال أقرب إلى الجنَّة؟ قال: "الصَّلاة على مواقيتها" قلت: وماذا يا نبي الله؟ قال: "بر الوالدين" قلت: وماذا يا نبي الله؟ قال: "الجهاد في سبيل الله". أخرجه مسلم (٨٥/ ١٣٨)، وأبو عوانة (١/ ٦٦ و ٢٨٧/ ١٨٥ و ١٠٠٣)، وأبو نعيم في المستخرج (١/ ١٦٢/ ٢٥٣)، وفي الحلية (١٠/ ٤٠١)، وفي أخبار أصبهان (٢/ ٢٨٨)، والترمذي (١٧٣)، وابن أبي عاصم في الجهاد (٢٣)، والبزار (٥/ ١٩٣/ ١٧٩٢)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٢٠/ ٩٨٠٧)، وابن منده في الإيمان (٢/ ٥٤٢ - ٥٤٣/ ٤٦٣). قال التِّرمذيُّ: "وهذا حديث حسن صحيح، وقد روى المسعودي، وشعبة، وسليمان -هو: أبو إسحاق الشيباني-، وغير واحد، عن الوليد بن العيزار: هذا الحديث". ب - عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة المسعودي، عن الوليد بن العيزار، عن أبي عمرو الشيباني، عن عبد الله بن مسعود، قال: سألت النَّبيَّ ﷺ أي الأعمال أفضل؟ قال: "الصَّلاة لميقاتها" قلت: ثم ماذا؟ قال: "بر الوالدين"، قلت: ثم ماذا؟ قال: "ثم الجهاد في سبيل الله". قال: ثم سكت عن رسول الله ﷺ ولو استزدته لزادني. أخرجه التِّرمذيُّ (١٨٩٨)، وأحمد (١/ ٤٥١)، والحسين المروزي في البر والصلة (٢)، والطبراني في الكبير (١٠/ ١٩/ ٩٨٠٤). قال التِّرمذيُّ: "وأبو عمرو الشيباني اسمه: سعد بن إياس، وهو حديث حسن صحيح؛ رواه الشيباني، وشعبة، وغير واحد: عن الوليد بن العيزار، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي عمرو الشيباني عن ابن مسعود". وهو كما قال؛ فإن المسعودي كان قد اختلط، إلَّا أن سماع من سمع منه بالكوفة فإن سماعه جيد، يعني: قبل الاختلاط، وهذا الحديث رواه عنه: عبد الله بن المبارك، وأبو نعيم، ويزيد بن هارون، وأبو النضر هاشم بن القاسم، وقد نص الإمام أحمد على أن سماع أبي نعيم من المسعودي كان قديمًا بالكوفة، ويلحق به ابن المبارك فإنَّه أكبر من أبي نعيم [انظر: العلل ومعرفة الرجال (١/ ٣٢٥/ ٥٧٥) و (٣/ ٥٠/ ٤١١٤)، التَّاريخ الكبير (٥/ ٣١٤)، الضعفاء الكبير (٢/ ٣٣٦)، تاريخ بغداد (١٠/ ٢١٨)، شرح علل التِّرمذيِّ (٢/ ٧٤٧)، الكواكب النيرات (٣٥)]. وعليه: فهذا من صحيح حديث المسعودي، مما رواه قبل اختلاطه، ووافق فيه الثقات. • ورواه أيضًا عن أبي عمرو الشيباني غير الوليد بن العيزار: أ - الحسن بن عبيد الله، عن أبي عمرو الشيباني، عن عبد الله، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "أفضل الأعمال: الصلاة لوقتها، وبر الوالدين". أخرجه مسلم (٨٥/ ١٤٠)، وأبو عوانة (١/ ٦٦ و ٢٨٧/ ١٨٥ م و ١٠٠٤)، وأبو نعيم في المستخرج (١/ ١٦٣/ ٢٥٦ و ٢٥٧)، وفي أخبار أصبهان (٢/ ٢٧٢)، وابن حبان (٤/ ٣٣٨/ ١٤٧٤)، والبزار (٥/ ١٩٦/ ١٧٩٤)، وابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصَّلاة

стр. 1875

١٦١ - ، والطبراني في الكبير (١٠/ ٢١/ ٩٨١٣)، وابن المقرئ في المعجم (٥٦٥)، وابن منده في الإيمان (٢/ ٥٤٣/ ٤٦٤)، والبيهقيّ في الشعب (٤/ ٨/ ٤٢١٣). ب - أبو معاوية عمرو بن عبد الله بن وهب النَّخعيّ [ثقة]، سمعه عن أبي عمرو، عن عبد الله بن مسعود، قال: سألت رسول الله ﷺ : أي العمل أحب إلى الله ﷺ ؟ قال: "إقام الصلاة لوقتها، وبر الوالدين، والجهاد في سبيل الله ". أخرجه النَّسائيّ (١/ ٢٩٢/ ٦١١)، وأحمد (١/ ٤٤٢)، والحميدي (١٠٣)، والحسين المروزي في البر والصلة (٣) [نسي المروزي اسم شيخ ابن عيينة فأبهمه، وهو أبو معاوية النَّخعيُّ]. والطبراني في الكبير (١٠/ ١٩/ ٩٨٠٣). هكذا رواه عن أبي معاوية النَّخعيُّ: وكيع بن الجراح، وسفيان بن عيينة [وقرن به حديث: أي الذنب أعظم؟]، وزائدة بن قدامة [وهم ثقات حفاظ]. وخالفهم: أبو نعيم الفضل بن دكين [ثقة ثبت]، وأبو معاوية عبد الرحمن بن قيس [متروك، كذَّبه ابن مهدي وأبو زرعة وغيرهما]، قالا: حدّثنا عمرو بن عبد الله النَّخعيّ أبو معاوية، قال: حدثني أبو عمرو الشيباني، قال: حدثني صاحب هذه الدار -يعني عبد الله بن مسعود- قال: سألت رسول الله ﷺ قلت: يا رسول الله! أي العمل أفضل؟ قال: "الصَّلاة على ميقاتها" قلت: ثم ماذا؟ قال: "بر الوالدين"، قلت: ثم ماذا؟ قال: "أن يسلم النَّاس من لسانك" قال: ثم سكت، ولو استزدته لزادني. أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٣٥٥/ ٩٩٩)، والطحاوي في المشكل (٥/ ٣٧٧/ ٣٤٦٣ - تحفة)، والهيثم بن كليب الشاشي في مسنده (٢/ ١٩١/ ٧٦٠)، والطبراني في الكبير (١٠/ ١٩/ ٩٨٠٢)، والبيهقيّ في الشعب (٤/ ٢٣٨/ ٤٩٢٦)، وأبو طاهر السلفي فيما انتخبه من الطيوريات (٣٨٦). وهذه الجملة: "أن يسلم النَّاس من لسانك" غير محفوظة في هذا الحديث؛ بل المحفوظ مكانها: "الجهاد في سبيل الله كما تبينه الطرق السابقة. قال الدارقطني في العلل (٥/ ٣٣٧): "وتفرد بهذه اللفظة أبو نعيم في هذا الحديث". • ولحديث ابن مسعود هذا طرق أخرى؛ منها ما رواه: أ - أبو إسحاق السبيعي، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود، قال: قلت: يا رسول الله! أي الأعمال أحب إلى الله ؟ قال: "صلِّ الصَّلاة لمواقيتها" قلت: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين"، قلت: ثم أي؟ قال: "ثم الجهاد في سبيل الله" ولو استزدته لزادني. أخرجه ابن حبان (٤/ ١٤٧٦/٣٤٠)، وأحمد (١/ ٤٢١)، والحسن بن سفيان في الأربعين (٣٥)، وأبو يعلى (٩/ ٢٢٦/ ٥٣٢٩)، والهيثم بن كليب (٢/ ١٥١/ ٦٩٨)، وأبو محمَّد الفاكهي في فوائده (١٢٦)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٢٣/ ٩٨١٨)، وابن بشران في الأمالي (٥٢١)، وابن عساكر في الأربعين في الحث على الجهاد (٣). هكذا رواه عن أبي إسحاق: أبو عوانة الوضّاح بن عبد الله اليشكري، وإبراهيم بن

стр. 1876

طهمان، وعبد العزيز بن مسلم القسملي، وأخوه المغيرة بن مسلم: وهم ثقات، وغيرهم. ب - ورواه زهير بن معاوية، ومعمر بن راشد، وموسى بن عقبة، وعلي بن صالح بن حي، [وهم ثقات]، والجراح بن الضَّحَّاك الكندي [صدوق]، وعبد الحميد بن أبي جعفر الفراء [شيخ كوفي. التَّاريخ الكبير (٦/ ٥٢)، الجرح والتعديل (٦/ ١٧)، علل الحديث (٨٧٩ و ١٩٦٢)، العلل ومعرفة الرجال (٣/ ١٤٠/ ٤٦١٧)، التعجيل (٦٠٧)، وإسماعيل بن مسلم المكيِّ [ضعيف]، وروح بن مسافر [متروك. اللسان (٣/ ٤٨٥)]، وبهلول بن عبيد الكندي [منكر الحديث. اللسان (٢/ ٣٦٩)]: تسعتهم: عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود، قال: سألت رسول الله ﷺ . . . فذكره. أخرجه أحمد (١/ ٤٤٨)، ومعمر في الجامع (١١/ ١٩٠/ ٢٠٢٩٥ - المصنف)، وعنه عبد الرَّزاق (٣/ ١٢٦/ ٥٠١٤)، وابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصَّلاة (١٦٤)، والهيثم بن كليب (٢/ ٣٣٨/ ٩٣٤)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٢٢/ ٩٨١٦)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٦٥) و (٣/ ١٣٩ - ١٤٠)، والبيهقيّ في الشعب (٤/ ١٠/ ٤٢٢٠)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٨/ ٢٧٦). والوجهان محفوظان عن أبي إسحاق؛ فقد رواه إسرائيل بن أبي إسحاق [ثقة، من أتقن أصحاب أبي إسحاق، قدمه شعبة على نفسه في أحاديث أبي إسحاق، وأهل بيت الرجل أعلم بحديثه من غيرهم]، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص وأبي عبيدة، عن عبد الله، قال: سألت رسول الله ﷺ . . . فذكره. أخرجه أحمد (١/ ٤١٨ و ٤٤٤)، وأبو الحسن الطُّوسي في الأربعين (٢٠)، وابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصَّلاة (١٦٥)، والهيثم بن كليب (٢/ ١٥١/ ٦٩٧)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٢٢ - ٢٣/ ٩٨١٧)، والدارقطني في المؤتلف والمختلف (٣/ ١٦٩٦). وعند بعضهم: عن أبي الأحوص وحده، أو عن أبي عبيدة وحده. ووهم بعضهم فيه على أبي إسحاق، فقال: عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل عن عبد الله، قال الدارقطني: "ولا يثبت هذا القول، والصحيح: حديث أبي الأحوص وأبي عبيدة" [العلل (٥/ ٢٩٠/ ٨٩٠)]. وهو حديث صحيح، ولم يشتمل على زيادة: "في أول وقتها". • ولحديث ابن مسعود طرق أخرى لا تخلو من مقال أو اختلاف، نكتفي بذكر مصادرها فقط: الزهد لهناد بن السري (٢/ ٤٨١/ ٩٨٤ و ٩٨٥)، البر والصلة لحسين المروزي (١)، مسند البزار (٥/ ١٩٦/ ١٧٩٥)، تعظيم قدر الصَّلاة للمروزي (١٦٣ و ١٦٦ و ٩٣٥)، الكنى للدولابي (٢/ ٦٣٤/ ١١٣٠)، مسند الشاشي (٢/ ٧٠ و ٣١٦ - ٣١٧/ ٥٨٠ و ٨٩٧)، المعجم الكبير للطبراني (٩/ ٢٩٩/ ٩٤٩٨) و (١٠/ ٢٠ - ٢٥/ ٩٨٠٩ و ٩٨١٢ و ٩٨١٥ و ٩٨١٩ - ٩٨٢٤)،

стр. 1877

المعجم الأوسط (٣/ ١٠٣/ ٢٦٢٦) و (٤/ ٥١/ ٣٥٨٣) و (٥/ ٣٠٧/ ٥٣٩٤) و (٧/ ١٨٧/ ٧٢٣٣)، المعجم الصَّغير (١/ ٢٧٧/ ٤٥٥)، علل الدارقطني (٥/ ١٧)، الحلية لأبي نعيم (٧/ ٢٦٦)، تاريخ أصبهان (١/ ١٨٧)، تاريخ بغداد (٣/ ٢٠٤). • وقد رويت أحاديث أخرى بمعنى حديث أم فروة؛ فمنها: ١ - حديث علي بن أبي طالب: يرويه عبد الله بن وهب، عن سعيد بن عبد الله الجهني، عن محمَّد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب، أن النَّبيَّ ﷺ قال له: "يا علي! ثلاث لا تؤخرها: الصَّلاة إذا آنت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفؤًا". أخرجه البُخاريّ في التَّاريخ الكبير (١/ ١٧٧)، والترمذي (١٧١ و ١٠٧٥)، وأبو علي الطُّوسي في مستخرجه على التِّرمذيِّ "مختصر الأحكام" (٥/ ١٦٢/ ٩٧٨)، وابن ماجة (١٤٨٦)، والحاكم في المستدرك (٢/ ١٦٢)، وابن حبان في المجروحين (١/ ٣٢٣)، والضياء في المختارة (٢/ ٣١٣ و ٣١٤/ ٦٩١ - ٦٩٣)، وأحمد (١/ ١٠٥)، وابنه في زيادات المسند (١/ ١٠٥)، وابن أبي الدُّنيا في العيال (١٣٢)، والبيهقيّ (٧/ ١٣٢)، والخطيب في تاريخ بغداد (٨/ ١٧٠)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٤/ ٤١٣ - ٤١٤ و ٤١٤)، والمزي في التهذيب (١٠/ ٥١٩). هكذا رواه عن ابن وهب: قتيبة بن سعيد البغلاني، وحرملة بن يَحْيَى التجيبي، وعيسى بن أحمد العسقلاني [وهم ثقات، من أصحاب ابن وهب]، وخالد بن خداش [صدوق يخطئ]؛ قالوا: "عن سعيد بن عبد الله الجهني". • ورواه هارون بن معروف [ثقة]، واختلف عليه: أ - فرواه عنه: الإمام أحمد، وابنه عبد الله، وسعيد بن مروان بن علي أبو عثمان البغدادي [صدوق]: مثل الجماعة، قالوا: "سعيد بن عبد الله الجهني". وأخطأ فيه الحاكم، فرواه من طريق عبد الله بن أحمد، فقال فيه: "سعيد بن عبد الرحمن الجمحي"، كذا في المطبوع (٢/ ١٦٢) والمخطوط (٢/ ٧٦/ ب - رواق المغاربة)، قال الحافظ ابن حجر في الإتحاف (١١/ ٥٨٦/ ١٤٦٧٤): "غلط الحاكم فيه غلطًا فاحشًا، وإنَّما رواه ابن وهب، عن سعيد بن عبد الله الجهني، لا عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحي"، وقال في التلخيص (١/ ١٨٦): "وهو من أغلاطه الفاحشة". ب - ورواه محمَّد بن يَحْيَى الذهلي [ثقة حافظ إمام]، قال: حدّثنا هارون بن معروف، قال: حدّثنا ابن وهب، عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحي به. وهذه الرِّواية وهم، والصحيح: رواية الجماعة. كذا رواه ابن حبان في المجروحين (١/ ٣٢٣ - ت محمود زايد) (١/ ٤٠٦ - ت حمدي السلفي)، في ترجمة سعيد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حميد الجمحي القرشي، وقال: "كنيته أبو عبد الله، أصله من المدينة، ولي القضاء ببغداد، يروي عن عبيد الله بن

стр. 1878

عمر وغيره من الثقات أشياء موضوعة، يتخايل إلى من يسمعها أنَّه كان المعتمد لها، روى عنه محمَّد بن الصباح الدولابي والبغداديون". وهذا خطأ من ابن حبان، دخل عليه من هذه الرِّواية، حيث أدخل هذا الحديث في ترجمة سعيد بن عبد الرحمن الجمحي، وإنَّما هو من حديث سعيد بن عبد الله الجهني؛ الذي ترجم له ابن حبان في ثقاته (٨/ ٢٦١)، فقال: "سعيد بن عبد الله الجهني: يروى عن محمَّد بن عمر بن علي، روى عنه ابن وهب". وبهذه الترجمة ترجم له البُخاريّ في التَّاريخ الكبير (٣/ ٤٨٩)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٤/ ٣٧)، مما يدل -بعد البحث عنه وعن مروياته-: أنَّه لا يُعرف بغير هذا الإسناد، لم يرو عنه سوى ابن وهب، وهو قليل الرِّواية جدًّا. فحقيق بأبي حاتم أن يجيب ابنه لما سأله عن الجهني هذا، بأن يقول: "هو مجهول"، وأمَّا العجلي وابن حبان فقد وثقاه على قاعدتهما في توثيق المجاهيل [الثقات (٨/ ٢٦١)، معرفة الثقات (٦٠٤)]، فلا يلتفت إلى صنيعهما؛ إذ هو مجهول، والله أعلم [انظر: التهذيب (٢/ ٢٨)، الميزان (٢/ ١٤٦)، المغني (١/ ٢٦٢)]. قال الحاكم: "هذا حديث غريب صحيح، ولم يخرجاه". قلت: أما الغرابة فنعم، وأمَّا الصحة فلا. قال التِّرمذيُّ في الموضع الأوَّل: "هذا حديث غريب حسن" [قوله هذا ليس في نسخة الكروخي (١٦/ ب)] وقال في الموضع الثَّاني: "هذا حديث غريب، وما أرى إسناده بمتصل" [وكذا نقله الطُّوسي في المستخرج]. قلت: نعم؛ هو حديث غريب، وأمَّا الإسناد فهو متصل، سمع بعضهم من بعض، سمعه ابن وهب من سعيد بن عبد الله الجهني، وسمعه سعيد من محمَّد بن عمر بن علي، كما ورد التصريح بذلك في بعض طرق الحديث [عند: ابن ماجة، والضياء في المختارة]، وسمع محمَّد بن عمر: أباه، قاله ابن سعد وأبو أحمد الحاكم [تاريخ دمشق (٥٤/ ٤١٦ و ٤١٧)]، وسمع عمر بن علي بن أبي طالب: أباه، قاله أبو حاتم [الجرح والتعديل (٦/ ١٢٤)]، وأسند البُخاريّ في تاريخه الكبير (٦/ ١٧٩) عن عمر أنَّه رأى عليًّا ﵁ شرب قائمًا. وعمر بن علي بن أبي طالب: وثقه العجلي، وقال البرقاني للدارقطني: "الحسين بن زيد بن علي بن الحسين، عن عبد الله بن محمَّد بن عمر بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي؟ فقال: كلهم ثقات"، وذكره ابن حبان في الثقات، روى عنه أولاده الثلاثة، وأبو زرعة عمرو بن جابر الحضرمي [التَّاريخ الكبير (٦/ ١٧٩)، الجرح والتعديل (٦/ ١٢٤)، الثقات (٥/ ١٤٦)، معرفة الثقات (١٣٥٩)، سؤالات البرقاني (٨٥)، تاريخ دمشق (٤٥/ ٣٠٢)، تاريخ الإسلام (٥/ ١٩٧) و (٦/ ١٦٣)، التهذيب (٣/ ٢٤٥)، إكمال مغلطاي (١٠/ ١٠٥)، التقريب (٤٥٧) وقال: "ثقة"].

стр. 1879

وابنه محمَّد: وثقه الدارقطني ضمن جماعة، كما تقدم، وذكره ابن حبان في الثقات، وروى عنه جماعة، وقال ابن سعد: "وكان قليل الحديث"، لكن قال ابن القطان الفاسي: "لا تعرف حاله"، ومع ذلك فقد حسن له، وقال ابن القيِّم في الزاد: "وقد استُنكر بعض حديثه"، وقال ابن حجر: "صدوق"، وقال الذهبي: "ثقة" [الثقات (٥/ ٣٥٣)، سؤالات البرقاني (٨٥)، تاريخ دمشق (٥٤/ ٤١٣)، بيان الوهم (٤/ ٢٦٧/ ١٨٠٦) و (٣/ ٣٥٤/ ١١٠٠)، تاريخ الإسلام (٨/ ٥٣١)، زاد المعاد (٢/ ٧٩)، إكمال مغلطاي (١٠/ ٢٨٩)، التهذيب (٣/ ٦٥٥)، التقريب (٥٥٥)، الكاشف (٢/ ٢٠٥)]. قلت: علة هذا الحديث عندي: إنَّما هي في سعيد بن عبد الله الجهني؛ فإنَّه: مجهول، وقد تفرد بهذا الحديث، فهو حديث غريب؛ كما قال التِّرمذيُّ، وقد ضعف ابن حجر إسناده في الدراية (٢/ ٦٣)، والله أعلم [وانظر: تخريج أحاديث الإحياء (١/ ٣٦٤)، المقاصد الحسنة (٣١٢)، كشف الخفاء (٩٤٣)]. ٢ - حديث الشفاء بنت عبد الله بن عبد شمس القرشية العدوية: يرويه عثمان بن عمر، قال: حدّثنا المسعودي، عن عبد الملك بن عمير، عن [ابن] أبي حثمة، عن الشفاء، أن رسول الله ﷺ قال: "أفضل العمل: الصَّلاة على أول وقتها". أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ٧٨). وهذه الرِّواية شاذة بهذا اللفظ؛ نعم عثمان بن عمر بن فارس: ثقة؛ إلَّا أنَّه قد خالفه في متن هذا الحديث جماعة من الثقات الحفَّاظ: يزيد بن هارون، وأبو النضر هاشم بن القاسم، وأبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ، وشبابة بن سوار، ومحمد بن عبيد بن أبي أميَّة الطنافسي، وغيرهم: رووه عن المسعودي، عن عبد الملك بن عمير، عن رجل من آل أبي حثمة [قال الطنافسي: عن ابن أبي حثمة]، عن الشفاء بنت عبد الله -وكانت امرأة من المهاجرات- قالت: إن رسول الله ﷺ سئل عن أفضل الأعمال؟ فقال: "إيمان بالله، وجهاد في سبيل الله ، وحج مبرور". أخرجه أحمد (٦/ ٣٧٢)، وإسحاق (٥/ ٩٩/ ٢٢٠٥)، وعبد بن حميد (١٥٩١)، والحارث بن أبي أسامة (١/ ١٦٢/ ١٨ - زوائده)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ٣١٥/ ٧٩٤). وهذه الرِّواية عندي هي المحفوظة. فإن قيل: إن عثمان بن عمر: ممن سمع من المسعودي قبل اختلاطه؛ وأمَّا يزيد بن هارون، وهاشم بن القاسم: فقد نص الأئمة على أنَّهما سمعا منه بعد الاختلاط [انظر: العلل ومعرفة الرجال (١/ ٣٢٥/ ٥٧٥) و (٣/ ٥٠/ ٤١١٤)، التَّاريخ الكبير (٥/ ٣١٤)، الضعفاء الكبير (٢/ ٣٣٦)، تاريخ بغداد (١٠/ ٢١٨)، شرح علل التِّرمذيِّ (٢/ ٧٤٧)، الكواكب النيرات (٣٥)].

стр. 1880

فيقال: إن الطنافسي كوفي، وهو أقدم وفاة من عثمان بن عمر، فالأظهر أنَّه قديم السماع من المسعودي، ومما يرجح هذه الرِّواية: أن المسعودي قد توبع عليها: أ - فقد رواه عبيدة بن حميد [كوفي، صدوق]، قال: ثنا عبد الملك بن عمير، عن عثمان بن أبي حثمة، عن جدته الشفاء ﵂، قالت: سمعت رسول الله ﷺ وسأله رجل: أي العمل أفضل؟ قال: "إيمان بالله، وجهاد في سبيل الله، وحج مبرور". أخرجه البُخاريّ في خلق أفعال العباد (١٦٠)، وأبو عوانة في صحيحه (٤/ ٥١٥/ ٧٥٤٧)، والفاكهي في أخبار مكّة (١/ ٤٠٨/ ٨٧٨)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ٣١٤/ ٧٩١)، والمزي في التهذيب (١٩/ ٣٨٣). وفي هذه الرِّواية تعيين المبهم من آل أبي حثمة، وهو عثمان بن سليمان بن أبي حثمة. ب - وتابعه على تعيينه، لكن خالفه في متنه فوهم: الوليد بن عبد الله بن أبي ثور الهمداني الكوفيّ [ضعيف. التهذيب (٤/ ٣١٨)، الميزان (٤/ ٣٤٠)]، عن عبد الملك بن عمير، عن عثمان بن سليمان، عن جدته أم أبيه، قالت: جاء رجل إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: إنِّي أريد الجهاد في سبيل الله؟ فقال: "ألا أدلك على جهاد لا شوكة فيه" قلت: بلى. قال: "حج البيت". أخرجه الطّبرانيّ (٢٤/ ٣١٤/ ٧٩٢)، ومن طريقه: المزي في التهذيب (١٩/ ٣٨٣). ج- لكن رواه زكريا بن أبي زائدة [ثقة]، عن عبد الملك بن عمير، قال: حدثني فلان القرشي، عن جدته، أنَّها سمعت النبي ﷺ يقول: "أفضل الأعمال: إيمان بالله، وجهاد في سبيل الله، وحج مبرور". أخرجه الطّبرانيّ (٢٤/ ٣١٥/ ٧٩٣)، بإسناد صحيح إلى زكريا. قلت: هذا الاختلاف في إسناد هذا الحديث بالإبهام والتعيين: إنَّما هو من عبد الملك بن عمير نفسه؛ فإنَّه لما كبر ساء حفظه وتغير، ورواية القدماء عنه أصح [انظر: هدي الساري (٤٤٣)، التهذيب (٢/ ٦٢٠)، الميزان (٢/ ٦٦٠)] وأقدم من روى عنه هذا الحديث: ابن أبي زائدة، وهو أحفظهم أيضًا، ويليه: المسعودي، وقد اتفقا على إبهام الواسطة بين عبد الملك والشفاء، ولعل روايتهما أقرب إلى الصواب من رواية عبيدة بن حميد؛ فإنَّه آخرهم وفاة، بين وفاته ووفاة ابن أبي زائدة: قريب من أربعين عامًا. والذين يروون عن الشفاء من ولد أبي حثمة؛ ثلاثة: ابنها سليمان بن أبي حثمة، وابناه: أبو بكر وعثمان، وليس فيهم من مجروح؛ سليمان: ولد على عهد النَّبيِّ ﷺ ، وكان رجلًا على عهد عمر بن الخطاب ﵁، وأمره عمر أن يؤم النساء في رمضان، وجعله على سوق المدينة، وكان من صالحي أهل المدينة [التَّاريخ الكبير (٤/ ٦)، الجرح والتعديل (٤/ ١٣٠)، الثقات (٣/ ١٦١) و (٦/ ٣٨٥)، الطبقات الكبرى (٥/ ٢٦)، تاريخ دمشق (٢٢/ ٢١٣)، الاستيعاب (٢/ ٦٤٩)، الإصابة (٣/ ٢٤٢)]، وأبو بكر: ثقة [التقريب (٦٩٢)]،

стр. 1881

وعثمان: روى عنه جماعة من كبار الثقات، كالزهري والأوزاعي، وذكره ابن حبان في الثقات. [التهذيب (٣/ ٦٢)]. وعليه: فحديث الشفاء هذا -على الوجه المحفوظ-: حديث حسن بشواهده، منها ما رواه الشيخان [البخاري (٢٦ و ١٥١٩)، مسلم (٨٣)] من حديث أبي هريرة، وغيره، إلَّا أنَّه ليس فيه ما يشهد لحديث أم فروة، إلَّا من هذه الرّواية الشاذة، والشواذ لا يعتبر بها. ٣ - حديث أبي هريرة: قال الدارقطني في السنن (١/ ٢٤٨): حدّثنا أحمد بن علي بن العلاء: نا يوسف بن موسى: نا عبيد الله بن موسى: نا إبراهيم بن الفضل، عن المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أحدكم ليصلي الصَّلاة لوقتها، وقد ترك من الوقت الأوَّل ما هو خير له من أهله وماله". قال الدارقطني: "إبراهيم بن الفضل: ضعيف، لا يحتج به" [ساقط من المطبوع، وهو في كتاب "من تكلم فيه الدارقطني في كتاب السنن … " لمحمد بن عبد الرحمن المقدسي (٨)، وفي تخريج الغساني (١٦٧)]. قلت: هذا حديث منكر؛ تفرد به عن سعيد المقبري: إبراهيم بن الفضل المخزومي المدني؛ وهو: متروك، منكر الحديث [التهذيب (١/ ٧٩)، الميزان (١/ ٥٢)]. ولم يتابعه إلَّا من هو أوهى منه؛ فقد رواه: يعقوب بن الوليد المدني [كذبه: أحمد وابن معين وأبو حاتم وغيرهم. التهذيب (٤/ ٤٤٧)]، عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أحدكم ليصلي الصَّلاة، وما فاته من وقتها أشد عليه من أهله وماله". رواه عنه أحمد بن منيع في مسنده (١/ ١٤٥/ ٢٨٢ - مطالب)، وعنه: حفيده أبو القاسم البغوي في الجعديات (٢٨٣٥)، ومن طريقه: ابن عبد البر في التمهيد (٤/ ٣٤٢) و (٢٤/ ٧٥)، وفي الاستذكار (١/ ٦٨). وتساهل ابن عبد البر فحكم على هذا الإسناد في التمهيد بأنه "ليس بالقوي"، وقوله في الاستذكار أمثل، حيث قال بأنه "حديث يدور على يعقوب بن الوليد، وهو متروك الحديث". قلت: بل كذاب، يضع الحديث؛ فهو حديث باطل عن ابن أبي ذئب. ٤ - حديث ابن عمر: يرويه شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن الزُّهريّ، عن ابن عمر ﵄، عن رسول الله ﷺ قال: "إن الرجل ليصلي الصَّلاة، وما فاته من وقتها خير من أهله وماله". أخرجه ابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصَّلاة (١٠٤٣)، وابن عبد البر في التمهيد (١٤/ ١١٧). من طريقين عن شعبة به.

стр. 1882

وهذا وهم؛ إنَّما يرويه الزُّهريّ، عن سالم، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: "من فاتته العصر؛ فكأنما وتر أهله وماله". رواه عن الزُّهريّ به هكذا: سفيان بن عيينة، ومعمر بن راشد، وإبراهيم بن سعد، وعمرو بن الحارث، وعقيل بن خالد، ويزيد بن الهاد، والزبيدي، وشعيب بن أبي حمزة، وإبراهيم بن أبي عبلة، وابن أبي ذئب، وعبد الرحمن بن إسحاق المدني، وابن أخي الزُّهريّ، وعبد الرحمن بن نمر اليحصبي، ومحمد بن عبد الله بن أبي عتيق، وعبد الله بن يزيد بن تميم. انظر ما تقدم تحت الحديث رقم (٤١٤). وذاك الحديث إنَّما يعرف من قول ابن عمر، ومرسل طلق بن حبيب العنزي، ومن قول يَحْيَى بن سعيد الأنصاري: • أما قول ابن عمر: فيرويه يعقوب بن إبراهيم [هو الدوري، ثقة حافظ]، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا يعلى بن عطاء، عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي، عن ابن عمر، قال: "إن الرجل ليصلي الصَّلاة، ولما فاته من وقتها خير من أهله وماله". أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٣٥٧/ ١٠٠١). وهذا موقوف بإسناد صحيح، رجاله رجال مسلم. لكن رواه ابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصَّلاة (١٠٤٤) قال: حدّثنا يَحْيَى بن يَحْيَى [هو النيسابوري، ثقة ثبت]، قال: أخبرنا هشيم، عن يعلى به مثله إلَّا أنه رفعه. فلا أدري ممن الوهم في رفعه!. • وأمَّا مرسل طلق بن حبيب: فيرويه يَحْيَى بن سعيد الأنصاري، عن محمَّد بن المنكدر، سمع يعلى بن مسلم، سمع طلق بن حبيب عن النَّبيِّ ﷺ ، مثله، مرسلًا، وإسناده صحيح. رواه هكذا عن يَحْيَى: اللَّيث بن سعد، ويزيد بن هارون، وعبد الله بن نمير [ولم ينسبوا يعلى، وقال اللَّيث في روايته: "بلغنا أن رسول الله ﷺ قال"]، وعبد الرحيم بن سليمان، وجعفر بن عون [ولم ينسبا لا يعلى، ولا طلقًا] [وهم ثقات]. أخرجه البُخاريّ في التَّاريخ الكبير (٨/ ٤١٧)، وابن نصر المروزي في الصَّلاة (١٠٤٠ و ١٠٤١)، وأبو يعلى (١/ ١٤٥/ ٢٨٣ - مطالب)، وابن نافع في المعجم (٣/ ٢١٨)، وابن عبد البر في الاستذكار (١/ ٦٨). ورواه حماد بن زيد [ثقة ثبت]، عن يَحْيَى بن سعيد، عن محمَّد بن المنكدر، عن طلق بن حبيب، قال: كان يقال: … فذكره. أخرجه المروزي في الصَّلاة (١٠٤٢). ورواه مالك بن أنس [رأس المتقنين، وكبير المتثبتين]، عن يَحْيَى بن سعيد، أنَّه كان يقول: إن المصلي ليصلي الصَّلاة وما فاته وقتها، ولما فاته من وقتها أعظم -أو: أفضل- من أهله وماله.

стр. 1883

أخرجه مالك في الموطأ (٢٣). ورواه يَحْيَى بن سعيد القطان [ثقة ثبت متقن]، عن ابن عجلان، عن ابن المنكدر، عن يعلى، عن النَّبيِّ ﷺ . . . مثله. أخرجه البُخاريّ في التَّاريخ (٨/ ٤١٧). والأشبه بالصواب: رواية الجماعة -اللَّيث ومن معه-، وكذا رواية مالك، وتحمل على أن يَحْيَى بن سعيد كان ينشط أحيانًا فيسنده إلى طلق، وأحيانًا يفتي به، والله أعلم. ومن العجيب قول ابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ٧٥) بعد قول يَحْيَى بن سعيد هذا: "وهذا موقوف في الموطأ، ويستحيل أن يكون مثله رأيًا [!!!]، فكيف وقد روي مرفوعًا بإسناد ليس بالقوي"، ثم أسنده من طريق يعقوب بن الوليد المدني [وهو كذاب، يضع الحديث]، ثم قال: "وهذا يدل على أن أول الوقت أفضل، وكان مالك -فيما حكى ابن القاسم عنه- لا يعجبه قول يَحْيَى بن سعيد هذا". قلت: الذي في المدونة (١/ ٥٧): "قال ابن القاسم: ولم أر مالكًا يعجبه هذا الحديث الذي جاء: إن الرجل ليصلي الصَّلاة وما فاتته، ولما فاته من وقتها أعظم -أو أفضل- من أهله وماله"، وهذا وإن كان لفظه هو لفظ قول يَحْيَى بن سعيد، إلَّا أنَّه يحتمل أيضًا أن يكون مراده مرسل طلق بن حبيب، وفي الذخيرة (٢/ ٣١) ما يشير إلى هذا، وقد أجاد ابن عبد البر في توجيه قول مالك هذا، حيث قال في الاستذكار (١/ ٦٨): "وأمَّا الأصول التي ترد هذا الحديث: فمنها: حديث نافع عن ابن عمر عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "من فاتته صلاة العصر؛ فكأنما وتر أهله وماله"، فلم يقع التمثيل والتشبيه ها هنا؛ إلَّا لمن فاته وقت الصَّلاة كله، بدليل قوله "من أدرك ركعة من العصر، وبدليل قوله حين صَلَّى في طرفي الوقت: "ما بين هذين وقت". وحديث يَحْيَى بن سعيد يدل: أن من فاته بعض وقت الصَّلاة، في حكم من فاته الوقت كله في ذهاب أهله وماله، وقد حكى ابن القاسم عن مالك أنَّه لم يعجبه قول يَحْيَى بن سعيد المذكور، وذلك لما وصفنا، والله أعلم"، وانظر كلامه أيضًا في التمهيد. • وفي الباب أحاديث أخرى لا يصح منها شيء أيضًا، فمنها حديث: "أول الوقت رضوان الله، وآخر الوقت عفو الله " وما كان بمعناه، فقد روي من حديث ابن عمر، وجرير بن عبد الله البجلي، وأبي محذورة، وابن عباس، وأنس، وعلي، وأبي هريرة، وطرقها كلها واهية لا تصلح للاعتبار، نترك ذكرها اختصارًا. وقد ضعفه جماعة من الأئمة الحفاظ منهم: ١ - الإمام أحمد، روى الخلال عن الميموني قال: "سمعت أبا عبد الله -يعني: أحمد بن حنبل- يقول: لا أعرف شيئًا يثبت في أوقات الصَّلاة: أولها كذا، وأوسطها كذا، وآخرها كذا -يعني: مغفرة ورضوانًا-. وقال له رجل: ما يروى: أول الوقت كذا، وأوسطه كذا، رضوان ومغفرة؟ فقال له

стр. 1884

أبو عبد الله: من يروي هذا؟! "ليىس هذا يثبت" [البدر المنير (٣/ ٢١٢)، الإمام (٤/ ٧٥)، المغني (١/ ٢٣٦)، التحقيق (١/ ٢٨٧)، التنقيح (١/ ٢٥٨). نصب الراية (١/ ٢٤٣)، التلخيص (١/ ١٨٠)]. ب - التِّرمذيُّ، حيث قال في حديث ابن عمر (١٧٢): "هذا حديث غريب، وقد روى ابن عباس عن النَّبيِّ ﷺ نحوه". ج- الحاكم، قال في حديث ابن عمر: "الحمل في هذا الحديث على يعقوب بن الوليد؛ فإنَّه شيخ من أهل المدينة قدم عليهم بغداد، فنزل الرصافة، وحدث عن هشام بن عروة وموسى بن عقبة ومالك بن أنس وغيرهم من أئمة المسلمين بأحاديث كثيرة مناكير" وقال: "فأمَّا الذي روي في أول الوقت وآخره: فإنّي لا أحفظه عن النَّبيِّ ﷺ من وجه يصح، ولا من أحد من الصّحابة، إنَّما الرِّواية فيه عن أبي جعفر محمَّد بن علي الباقر" [البدر المنير (٣/ ٢٠٧ و ٢١١)، مختصر الخلافيات (١/ ٥٢٦)، التلخيص (١/ ١٨٠)]. د - البيهقي، قال في السنن (١/ ٤٣٥) عن حديث ابن عمر: "هذا حديث يعرف بيعقوب بن الوليد المدني، ويعقوب: منكر الحديث، ضعفه يَحْيَى بن معين، وكذبه أحمد بن حنبل، وسائر الحفَّاظ، ونسبوه إلى الوضع، نعوذ بالله من الخذلان، وقد روي بأسانيد آخر: كلها ضعيفة، وقال في حديث أبي محذورة: "إبراهيم بن زكريا هذا: هو العجلي الضَّرير، يكنى أبا إسحاق، حدث عن الثقات بالبواطيل"، ثم قال: "وروي هذا الحديث على اللفظ الأوَّل عن: ابن عباس، وجرير بن عبد الله، وأنس بن مالك، مرفوعًا وليس بشيء، وله أصل في قول أبي جعفر محمَّد بن علي الباقر"، وانظر أيضًا: المعرفة (١/ ٤٧٣)، مختصر الخلافيات (١/ ٥٢٥). وقال النووي في الخلاصة (٧١٤ - ٧١٧): "حديث: أي الأعمال أفضل؟ قال: "الصَّلاة لأول وقتها"، وحديث: "أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله"، وهو مروي من رواية ابن عمر، وجرير، وأبي محذورة: وكلها ضعيفة". وقال في المجموع (٣/ ٦٧): "حديث: "أول الوقت رضوان الله": حديث ضعيف، رواه التِّرمذيُّ من رواية ابن عمر، ورواه الدارقطني من رواية: ابن عمر، وجرير بن عبد الله، وأبي محذورة، وأسانيد الجميع ضعيفة، وجمعها البيهقي، وقال: أسانيده كلها ضعيفة". وقال ابن الملقن في البدر المنير (٣/ ٢٠٦): "وهو مروي من طرق كلها ضعيفة". كما أن في معنى الحديث نكارة، قال شيخ الإسلام في الجواب الصَّحيح (٣/ ١٧٠): "ولهذا ضعف أحمد بن حنبل وغيره الحديث المروي: "أول الوقت رضوان الله، وأخره عفو الله"؛ فإن من صَلَّى في آخر الوقت كما أمر؛ فقد فعل الواجب، وبذلك يرضى الله عنه". وممن تكلم على بعض طرق هذا الحديث، أو جمع طرقه وأعلَّها: ابن حبان في

стр. 1885

المجروحين (٣/ ١٣٨)، وابن عدي في الكامل (١/ ٢٥٦) و (٢/ ٧٧) و (٧/ ١٤٨)، والبيهقيّ في السنن (١/ ٤٣٥)، وفي الخلافيات (١/ ٥٢٥ - مختصره)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٢٨٧)، وفي العلل المتناهية (١/ ٣٨٨/ ٦٥١ و ٦٥٢)، وابن القطان الفاسي في بيان الوهم والإيهام (٣/ ٧٨٩/٩٤)، وابن دقيق العيد في الإمام (٤/ ٧٣)، وابن عبد الهادي في التنقيح (١/ ٢٥٨)، والزيلعي في نصب الراية (١/ ٢٤٢)، والمناوي في فيض القدير (٣/ ٨٢) و (٦/ ٣٧٦)، والغساني في تخريج أحاديث الدارقطني (١/ ٨٤ و ٨٥)، وابن الملقن في البدر المنير (٣/ ٢٠٦)، وابن حجر في التلخيص (١/ ١٨٠)، وفي بلوغ المرام (٥٦). • ومنها حديث عائشة: "ما صَلَّى رسول الله ﷺ صلاة لوقتها الآخر مرتين حتَّى قبضه الله ". وهو حديث ضعيف، له طرق لا يصح منها شيء. ضعفه التِّرمذيُّ فقال: "هذا حديث حسن غريب، وليس إسناده بمتصل"، وضعفه البيهقي فقال: "وهذا مرسل؛ إسحاق بن عمر: لم يدرك عائشة"، وضعفه كذلك: عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى، وابن القطان الفاسي في بيان الوهم [انظر: جامع التِّرمذيِّ (١٧٤)، مستدرك الحاكم (١/ ١٩٠) وقال في أحد طرقه عنده: "صحيح على شرط الشيخين" [قلت: بل هو شاذ، والمحفوظ: إسناد إسحاق بن عمر، وانظر: اللسان (٣/ ٢٠١)]. مسند أحمد (٦/ ٩٢)، سنن الدارقطني (١/ ٢٤٩)، سنن البيهقي (١/ ٤٣٥)، معرفة السنن والآثار (١/ ٤٥٦/ ٦١٢)، التحقيق (١/ ٢٨٦/ ٣٣٠)، الأحكام الوسطى (٢/ ٢٥)، بيان الوهم (٣/ ٤٥/ ٦٩٨)، الإمام (٤/ ٧٦)، تخريج الأحاديث الضعاف (١/ ٨٣ و ٨٤)، نصب الراية (١/ ٢٤٤)، الدراية (١/ ١٠٥)، الميزان (١/ ١٩٥)]. • وفي النهاية: فإنَّه لا يصح في هذا الباب شيء صريح، والصحيح: غير صريح، مثل حديث ابن مسعود: "الصلاة على وقتها"، والذي يظهر لي من معناه -والله أعلم-: إيقاع الصَّلاة المفروضة في وقتها المختار، بحيث لا يخرج بها إلى وقت الكراهة، أو الاضطرار، أو إلى وقت الصَّلاة الأخرى، بل طالما أداها في وقت الاختيار فقد أداها على الوجه المأمور به، قال الشاطبي في الموافقات (١/ ١٥٢): "ما حدَّ له الشارع وقتًا محدودًا من الواجبات أو المندوبات، فإيقاعه في وقته: لا تقصير فيه شرعًا، ولا عتب، ولا ذم، وإنَّما العتب والذم في إخراجه عن وقته"، وتقدم نقل قول شيخ الإسلام: "فإن من صَلَّى في آخر الوقت كما أمر؛ فقد فعل الواجب، وبذلك يرضى الله عنه، لكن هذا لا يمنع من القول بأن تعجيل الصلوات في أول الوقت: أفضل؛ إلَّا العشاء إذا لم يشق على المأمومين، وإلا الظهر في شدة الحر؛ وذلك لعموم قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ [آل عمران: ١٣٣]، ويكون النَّبيُّ ﷺ كان يعجل بالصلوات في أوائل أوقاتها على الدوام؛ إلَّا ما استثني، ولأن

стр. 1886

المعجل يأمن الفوت بالنسيان والشغل [انظر: الرسالة (١/ ١٢٧ - الأم)، اختلاف الحديث (١٠/ ١٦٣ - الأم)، مسائل أحمد لابنه صالح (١٠٣٩)، مجموع الفتاوى (٢٢/ ٩٣)، شرح السنة (٢/ ١٥ - ط العلمية)، الموافقات (١/ ١٥٢)، إحكام الأحكام لابن دقيق العيد (١/ ١٦٣)، الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٢/ ٢١٧)، فتح الباري لابن رجب (٣/ ٤٠)، الفتح لابن حجر (٢/ ١٣)]. *** ٤٢٧ - . . . إسماعيل بن أبي خالد: حدّثنا أبو بكر بن عمارة بن رؤيبة، عن أبيه، قال: سأله رجل من أهل البصرة فقال: أخبرني ما سمعت من رسول الله ﷺ ؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يَلِجُ النَّارَ رجل صلَّى قبل طلوع الشَّمس وقبل أن تغرب" قال: آنت سمعته منه؟ -ثلاث مرات-، قال: نعم، كل ذلك يقول: سَمِعَتْه أذناي، ووعاه قلبي. فقال الرجل: وأنا سمعته ﷺ يقول ذلك. • حديث صحيح. أخرجه مسلم (٦٣٤/ ٢١٣)، وأبو عوانة (١/ ١٣٤/ ١١٣١)، وأبو نعيم في المستخرج (٢/ ٢٣٢/ ١٤١٣)، والنَّسائيُّ في المجتبى (١/ ٢٣٥ و ٢٤١/ ٤٧١ و ٤٨٧)، وفي الكبرى (١/ ٢١٨ و ٢٥٨ - ٢٥٩/ ٣٥٢ و ٤٦٢)، وابن خزيمة (١/ ١٦٤/ ٣١٨)، وأحمد (٤/ ٢٦١)، والحميدي (٢/ ١١٠/ ٨٨٥)، وابن أبي شيبة (٢/ ١٥٨/ ٧٦٣٦)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣/ ٢٢٠ و ٢٢١/ ١٥٨٠ و ١٥٨٣)، وابن نافع في المعجم (٢/ ٢٤٤)، وابن حزم في المحلى (٣/ ٢٨)، والبيهقيّ في السنن (١/ ٤٦٦)، وفي الشعب (٣/ ٥١/ ٢٨٣٩)، والخطيب في التَّاريخ (٢/ ٣٦)، والبغوي في شرح السنة (٢/ ٣٩ - ٤٠/ ٣٨٣)، والمزي في التهذيب (٣٣/ ١٢٥). وانظر فيمن وهم فيه على إسماعيل بن أبي خالد: كتاب الرؤية للدارقطني (١٥٢). • تابع إسماعيل بن أبي خالد عليه [وهو: ثقة ثبت]: عبد الملك بن عمير [واختلف عليه]، ومسعر بن كدام، والبختري بن المختار، ورقبة بن مصقلة [وهم: ثقات]؛ كما رووه: عن أبي بكر بن عمارة بن رؤيبة، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لن يلج النَّار أحد صَلَّى قبل طلوع الشَّمس وقبل غروبها" يعني: الفجر والعصر، فقال له رجل من أهل البصرة: آنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. قال الرجل: وأنا أشهد أني سمعته من رسول الله ﷺ ، سمعته أذناي ووعاه قلبي. أخرجه مسلم (٦٣٤/ ٢١٣ و ٢١٤)، وأبو عوانة (١/ ٣١٤/ ١١١٣ و ١١١٤)، وأبو نعيم في المستخرج (٢/ ٢٣٢/ ١٤١٣ و ١٤١٤)، والنَّسائيُّ في المجتبى (١/ ٢٣٥/ ٤٧١)، وفي الكبرى (١/ ٢١٨/ ٣٥٢)، وابن حبان (٥/ ٣١ و ٣٤/ ١٧٣٨ و ١٧٤٠)، وأحمد (٤/ ١٣٦

стр. 1887

و ٢٦١)، وابن أبي شيبة (٢/ ١٥٨/ ٧٦٣٦)، وابن أبي عاصم (٣/ ٢٢٠/ ١٥٨٠)، وابن قانع (٢/ ٢٤٤)، والدارقطني في الأفراد (٤/ ٢٥٣/ ٤٢٠٣ - أطرافه)، وابن حزم (٣/ ٢٨)، والبيهقيّ (١/ ٤٦٦)، والخطيب (٢/ ٣٦)، والبغوي (٢/ ٤٠/ ٣٨٤)، والمزي (٣٣/ ١٢٥). وانظر فيمن وهم في هذا الإسناد: المعجم الأوسط للطبراني (٢/ ٢٣٠/ ١٨٣٠)، أسد الغابة (٢/ ٢٩٧)، الإصابة (٢/ ٥٤٤). • وقد اختلف في إسناد هذا الحديث على عبد الملك بن عمير: أ - فرواه سفيان الثوري، وأبو عوانة الوضّاح بن عبد الله اليشكري، وشيبان بن عبد الرحمن النّحوي [وهم: ثقات أثبات]: عن عبد الملك بن عمير عن ابن عمارة بن رويبة عن أبيه عن النَّبيِّ ﷺ . . . مثل الجماعة، وتقدم [عند: مسلم. أبي نعيم في المستخرج. أحمد. البيهقي]. ب - ورواه سفيان بن عيينة [ثقة ثبت]، قال: حدّثنا عبد الملك بن عمير، قال: سمعت عمارة بن رويبة الثَّقفيّ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لن يلج النَّار أحد صَلَّى قبل طلوع الشَّمس ولا قبل غروبها". هكذا بدون واسطة بين عبد الملك وعمارة، مع التصريح بالسماع، وفي رواية أحمد: "قيل لسفيان: ممن سمعه؟ قال: من عمارة بن رويبة". أخرجه أحمد (٤/ ١٣٦)، والحميدي (٢/ ١١٠/ ٨٨٤)، وابن خزيمة (١/ ١٦٤/ ٣١٩ و ٣٢٠) [تصحف "سفيان" عنده في الرِّواية الثَّانية إلى "شيبان"، وهو تصحيف ظاهر، وتصحيحه من الإتحاف (١١/ ٧٨٣/ ١٤٩٤٩)، والمسند الجامع (١٣/ ٣٥٤)]. وهنا يمكن أن يقال: إن عبد الملك سمعه أولًا من أبي بكر بن عمارة، فحدث به كما سمعه، ثم سمعه بعدُ من عمارة نفسه، فرواه حينئذ بحذف الواسطة. فإن قيل: قد قال أبو حاتم: "عبد الملك بن عمير: يدخل بينه وبين عمارة بن رويبة: رجل" [المراسيل (٤٧٨)، جامع التحصيل (٤٧٣)، تحفة التحصيل (٢١٣)]. فيقال: ليس هذا نصًّا صريحًا منه على عدم السماع، نعم عبد الملك يُدخل أبا بكر بن عمارة بينه وبين عمارة، ولا يلزم من ذلك عدم السماع، فقد يكون لقيه بعد ذلك فسمع منه، وقد سمع عبد الملك ممن هو أقدم من عمارة، مثل جندب بن عبد الله البجلي [مات بعد الستين، وانظر: التَّاريخ الكبير (٥/ ٤٢٧)]، وعبد الملك قرين لأبي إسحاق السبيعي، وقد سمع السبيعي من عمارة؛ كما سيأتي، ثم إن هذا السماع الذي وقع التصريح به في رواية ابن عيينة ممكن غير ممتنع، وليس هناك ما يدعونا لرده، فابن عيينة ثقة ثبت حافظ إمام، لا ينبغي توهيمه إلَّا بحجة قوية، وعمارة بن رويبة وعبد الملك بن عمير: كوفيان، تعاصرا في ولاية بشر بن مروان على العراق، والتي لم تتجاوز الأشهر، وقيل: السنتين، فعمارة بن رويبة رأى بشر بن مروان على المنبر رافعًا يديه، فقال: قبح الله هاتين اليدين … الحديث [مسلم (٨٧٤)، أبو داود (١١٠٤)، التِّرمذيُّ (٥١٥)، النَّسائيّ

стр. 1888

(٣/ ١٠٨/ ١٤١٢)، أحمد (٤/ ١٣٥ و ١٣٦ و ٢٦١)، وكان سن عبد الملك حينئذ قد تجاوز الأربعين بقليل، وقد استعمله بشر بن مروان في بعض أموره، وأرسله إلى القراء بجوائزهم [انظر: المصنف لابن أبي شيبة (٤/ ٢٩٦/ ٢٠٣٣٤)، تاريخ خليفة بن خياط (٢٧٣ و ٢٩٣)، تاريخ دمشق (١٠/ ٢٥٣ - ٢٦٦)، السير (٤/ ١٤٥)، تاريخ الإسلام (٥/ ٣٧٠)، البداية والنهاية (٩/ ٧)]. فهذه القرائن تجعلنا نقبل رواية ابن عيينة، والله أعلم. • وهذا الحديث رواه أبو الأحوص وغيره: عن أبي إسحاق السبيعي قال: سمعت عمارة بن رويبة الثَّقفيّ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من صَلَّى قبل طلوع الشَّمس وقبل غروبها لن يلج النَّار" وفي رواية: فقال له رجل: أنت سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، سمعته أذناي ووعاه قلبي من رسول الله ﷺ . أخرجه النَّسائيّ في الكبرى (١٠/ ٢٧١/ ١١٤٥٩)، وأبو عوانة (١/ ٣١٤/ ١١١٥ و ١١١٦)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٢٣٠/ ٤٠٥٦) [ولفظه شاذ]. وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (٢/ ١٤٦)، وابن نقطة في التّقييد (٤٥)، وفي تكملة الإكمال (٤/ ٢٦٠). وإسناده صحيح. وانظر: الإصابة (١/ ٦٥/ ١٤٠)، المعجم لابن نافع (٢/ ٢٤٤). • ومما جاء في معنى هذا الحديث: ١ - حديث أبى موسى الأشعري: يرويه همام بن يَحْيَى: حدثني أبو جمرة الضبعي، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: "من صلى البردين دخل الجنَّة". أخرجه البُخاريّ (٥٧٤)، ومسلم (٦٣٥)، وأبو عوانة (١/ ٣١٥/ ١١١٧)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ٢٣٣/ ١٤١٥)، والدارمي (١/ ٣٩١/ ١٤٢٥)، وعبد الله بن أحمد في زيادات المسند (٤/ ٨٠)، والبزار (٨/ ٩٥/ ٣٠٩٥)، وأبو يعلى (١٣/ ٢٤٨/ ٧٢٦٥)، والروياني (٥١٥)، والدولابي في الكنى (١/ ٣٧٣/ ٦٦٨)، والطحاوي في المشكل (١/ ٥٧٠/ ٥٦٨ - تحفة)، والرامهرمزي في أمثال الحديث (١٢٧)، وأبو أحمد العسكري في تصحيفات المحدثين (١/ ١٥٧)، والخطابي في غريب الحديث (١/ ١٨٥)، والبيهقيّ في السنن (١/ ٤٦٦)، وفي الشعب (٣/ ٥١/ ٢٨٤٠)، والبغوي في شرح السنة (٢/ ٣٩/ ٣٨٢)، وفي التفسير (٣/ ٣٤٨)، والذهبي في السير (٧/ ٢٩٧)، وابن حجر في التغليق (٢/ ٢٦٢). وهذا حديث متَّفقٌ على صحته، وأعله بعضهم بأن أبا بكر هذا هو: ابن عمارة بن رويبة، راوي الحديث السابق، وأن همامًا وهم في إسناده ومتنه: قال أبو عوانة بعد رواية عفَّان عن همام: "قال عفَّان: كان همام قال لنا: عن أبي بكر بن أبي موسى، فقال لي بلبل، وعلي بن المديني: إنَّما هو عن أبي بكر بن عمارة بن

стр. 1889

رويبة عن أبيه. فأنا أقول: أبو بكر عن أبيه. وقال حبان: عن أبي بكر بن عبد الله، عن أبيه"، ونقل الخطابي نحوه في الغريب عن عفَّان. وقال البزار: "وهذا الحديث لا نعلمه يُروى عن أبي موسى إلَّا من هذا الوجه، وإنَّما يُعرف عن أبي بكر بن عمارة بن رويبة، ولكن هكذا قال همام". وقال أبو بشر الدولابي: "أبو بكر هذا هو: أبو بكر بن عمارة بن رؤيبة". وقال الدارقطني في العلل (٧/ ٢٢٢): "وقال بعض أهل العلم: أبو بكر هذا هو: أبو بكر بن عمارة بن رويبة الثَّقفيّ، وهذا الحديث محفوظ عنه، رواه عنه إسماعيل بن أبي خالد وغيره، والله أعلم". وقال ابن رجب في الفتح (٣/ ٢١٥): "قال ابن أبي خيثمة في كتابه: سألت يَحْيَى بن معين عن أبي بكر الذي روى حديث البردين: من أبوه؟ قال: يرون أنَّه أبو بكر بن أبي موسى؛ فلذلك استغربوه. قال: فقال له أبي: يشبه أن يكون: أبو بكر بن عمارة بن رؤيبة؛ لأنَّه يروي عن أبيه عمارة: "من صلى قبل الغداة وقبل غروب الشَّمس". وقال صالح بن محمَّد، عن علي بن المديني: هو عندي أبو بكر بن عمارة؛ لأنَّ معنى الحديثين واحد. قيل له: إن أبا داود الطَّيالسيّ وهدبة نسباه، فقالا: عن أبي بكر بن أبي موسى؟ فقال: ليسا ممن يضبط هذا؛ حدثاه بهز وحبان ولم ينسباه. … إلى أن قال: ونقل البرقاني عن الدارقطني، أنَّه كان يقول: هو أبو بكر بن عمارة بن رؤيبة. وعن الإسماعيلي عن مطين مثله"، ونقل كلامًا آخر فلينظر. قلت: ما ذهب إليه الشيخان: البُخاريّ ومسلم، هو: الصواب، فأبو بكر هذا هو: ابن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري، فإن هذا الحديث رواه عن همام: عفَّان بن مسلم [ثقة ثبت]، ومحمد بن سنان العوقي [ثقة ثبت]، وعبد الله بن رجاء الغداني [صدوق]، قالوا: "أبو بكر بن عبد الله بن قيس". ورواه: عفَّان بن مسلم [ثقة ثبت]، وبشر بن السري [ثقة متقن]، وأبو داود الطَّيالسيّ [ثقة حافظ]، وهدبة بن خالد [ثقة]، وعمرو بن عاصم الكلابي [صدوق]، قالوا: "أبو بكر بن أبي موسى". ورواه: حَبان بن هلال [ثقة ثبت]، قال: "عن أبي بكر بن عبد الله". فهؤلاء ثمانية من الثقات نسبوا أبا بكر، فلم يدعوا مجالًا للشك في كون راوي هذا الحديث إنَّما هو أبو بكر بن أبي موسى الأشعري، يرويه عن أبيه أبي موسى الأشعري، نعم! رواه عن همام غير منسوب: سهل بن حماد [صدوق]، ومعاذ بن هانئ [ثقة]، فمثل هذا لا يطعن في رواية من نسبه من الثقات، والله أعلم. قال أبو بكر الخطيب: "قد نسبه جماعة عن همام، منهم: بشر بن السري، وعبد الله بن رجاء، وعمرو بن عاصم وللناسب فضلُ تعرفٍ وبيانٍ على من لم ينسبه" [الفتح لابن رجب (٣/ ٢١٦)].

стр. 1890

وأمَّا توهيم همام في ذلك، وأنَّه هو الذي نسب أبا بكر هذا من تلقاء نفسه، لا من جهة الرِّواية، فلم يقم على ذلك دليل، فإن همامًا بصري ثقة، روى عنه هذا الحديث ثقات البصريين وحفاظهم، ورواه هو عن أبي جمرة، نصر بن عمران، الضبعي، وهو تابعي بصري، ثقة ثبت؛ فهو إسناد بصري صحيح. فإن قيل: أخرج ابن حبان في صحيحه (٥/ ١٧٣٩/٣٢) قال: أخبرنا عمران بن موسى بن مجاشع: حدّثنا هدبة بن خالد: حدّثنا همام بن يَحْيَى: حدّثنا أبو جمرة الضبعي، عن أبي بكر بن عمارة، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: "من صَلَّى البردين دخل الجنَّة". ففي هذه الرّواية التصريح بكون أبي بكر هذا هو: ابن عمارة، وهذا إسناد صحيح لا غبار عليه، وعمران بن موسى بن مجاشع، أبو إسحاق، الجرجاني السختياني، إمام محدث، مصنف، ثقة ثبت، مكثر عن هدبة [تاريخ جرجان (٥٧٨)، الأنساب (٣/ ٢٣٣)، اللباب (٢/ ١٠٨)، فتح الباب (١٦٧)، تذكرة الحفَّاظ (٢/ ٧٦٢)، السير (١٤/ ١٣٦)]. فيقال: إنَّما هي رواية شاذة؛ خالف فيها ابن مجاشع: إمام الدُّنيا في الحديث، وجبل الحفظ، الإمام البُخاريّ، حيث رواه عن هدبة به، فقال: "عن أبي بكر بن أبي موسى"، ورواه عن هدبة فلم ينسبه: مسلم، وعبد الله بن أحمد، وأبو يعلى، والحسن بن سفيان، ومحمد بن أيوب بن الضريس، فدل ذلك على وهم ابن مجاشع، والله أعلم. قال ابن حجر في الفتح (٢/ ٥٣): "فاجتمعت الرِّوايات عن همام بأن شيخ أبي جمرة هو: أبو بكر بن عبد الله، فهذا بخلاف من زعم أنَّه: ابن عمارة بن رويبة، وحديث عمارة: أخرجه مسلم وغيره، من طرق: عن أبي بكر بن عمارة، عن أبيه، لكن لفظه: "لن يلج النَّار أحد صَلَّى قبل طلوع الشَّمس وقبل غروبها" وهذا اللفظ مغاير للفظ حديث أبي موسى، وإن كان معناهما واحدًا، فالصواب أنَّهما حديثان". ٢ - حديث جرير بن عبد الله البجلي: يرويه إسماعيل بن أبي خالد، وبيان بن بشر، وغيرهما: عن قيس بن أبي حازم، قال: سمعت جرير بن عبد الله وهو يقول: كُنَّا جلوسًا عند رسول الله ﷺ ، إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: "أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغلبوا على صلاة قبل طلوع الشَّمس وقبل غروبها، فافعلوا" ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠]. أخرجه البُخاريّ (٥٥٤ و ٥٧٣ و ٤٨٥١ و ٧٤٣٤ و ٧٤٣٥ و ٧٤٣٦)، ومسلم (٦٣٣)، وأبو عوانة (١/ ٣١٤/ ١١١٢)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ٢٣١ و ٢٣٢/ ١٤١١ و ١٤١٢)، وأبو داود (٤٧٢٩)، والترمذي (٢٥٥١) وقال: "حسن صحيح"، والنَّسائيُّ في الكبرى (١/ ٢٥٨/ ٤٦٠) و (٧/ ١٦٤/ ٧٧١٣ و ٧٧١٤) و (١٠/ ١٨٥ ولم ٢٧١/ ١١٢٦٧ و ١١٤٦٠)، وابن ماجة (١٧٧)، وابن خزيمة في الصَّحيح (١/ ١٦٤/ ٣١٧)، وفي التَّوحيد ٢/ ٤٠٧ - ٤١٣ و ٥٨٧ - ٥٨٨/ ٢٣٨ - ٢٤٠ و ٣٤٦)، وابن حبان في الصَّحيح (١٦/ ٤٧٣

стр. 1891

- ٤٧٦/ ٧٤٤٢ - ٧٤٤٤)، وفي الثقات (٥/ ٣٠٨)، وأحمد (٤/ ٣٦٠ و ٣٦٢ و ٣٦٥)، وابنه عبد الله في السنة (٤١٢ - ٤١٦ و ٤١٩ - ٤٢١ و ١٢١٣)، والحميدي (٢/ ٤٨/ ٨١٧)، والحسن بن عرفة في جزئه (٦٨)، وعثمان بن سعيد الدَّارميّ في الرد على الجهمية (١٧١ - ١٧٤)، وفي نقضه على المريسي (٢٨ و ٢٩)، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ١٩٤ - ١٩٦ و ٢٠١/ ٤٤٦ - ٤٥١ و ٤٦١)، وابن جرير الطبري في تفسيره (١٦/ ٢٣٣)، وفي صريح السنة (١٨)، وأبو العباس السَّرَّاج في مسنده (٥٥١ و ٥٥٢ و ١٠٩٨ و ١٠٩٩)، وفي حديثه بانتقاء زاهر الشحامي (١٣٩٦ و ١٣٩٨ - ١٤٠٤ و ٢٠٦٦)، والشحامي في زوائده على حديث السَّرَّاج (٢٠٦٧)، والمحاملي في الأمالي (٤١٣)، وأبو جعفر بن البختري في جزء من أماليه، الأوَّل والثَّاني من الأحد عشر (١٤) [(١٤٦) مجموع مصنفاته]. وابن الأعرابي في المعجم (٢/ ٦٢٨/ ١٢٣٩)، والآجري في الشريعة (٥٩٢ - ٥٩٥)، وفي التصديق بالنظر (٢٣ - ٢٦)، والطبراني في الكبير (٢/ ٢٩٤ - ٢٩٧ و ٣١٠/ ٢٢٢٤ - ٢٢٣٧ و ٢٢٨٨ و ٢٢٩٢)، وفي الأوسط (٨/ ٨٠٥٧/٩٠) و (٩/ ١٢٠/ ٩٣٠١)، وأبو الشَّيخ في طبقات المحدثين (٣/ ١٥٢)، والدارقطني في الرؤية (٦٩ - ١٤٨)، وأبو الحسن علي بن عمر الحربي في فوائده المنتقاة عن الشيوخ العوالي (٤٧)، وابن بطة في الإبانة (٣/ ٨)، وابن منده في الإيمان (٢/ ٧٥٨ - ٧٦٢/ ٧٩١ - ٨٠١)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٣/ ٤٧٥ - ٤٧٧/ ٨٢٥ - ٨٢٩)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١٢٨) وقال: "صحيح متَّفقٌ عليه، رواه عن إسماعيل الجم الغفير … "، وفي تاريخ أصبهان (٢/ ٣٣١)، وفي مسند أبي حنيفة (٥٥)، وابن حزم في المحلى (١/ ٣٥) و (٣/ ٢٨)، والبيهقيّ في السنن (١/ ٣٥٩ و ٤٦٤)، وفي الاعتقاد (١٢٨)، وفي الشعب (٣/ ٥٠/ ٢٨٣٧ و ٢٨٣٨)، وابن عبد البر في التمهيد (٧/ ١٥٦)، والخطيب في التَّاريخ (٤/ ٣) و (٨/ ٣٣٥) و (١٠/ ٤٦٨) و (١١/ ٤٦٦)، وفي المتفق والمفترق (١/ ٤٩٧/ ٢٥٩)، وفي تلخيص المتشابه في الرسم (١/ ١٢٠)، وأبو القاسم المهرواني في فوائده "المهروانيات" (٢٨)، وأبو إسماعيل الهروي في الأربعين في دلائل التَّوحيد (٣٣)، وابن البطر في فوائده بانتقاء أبي الحسن بن فنون (٢١)، والبغوي في شرح السنة (٢/ ٣٧/ ٣٧٩ و ٣٨٠) وقال: "متفق على صحته"، وفي التفسير (٢/ ١١٩) و (٣/ ٢٣٦)، وابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (٣/ ٣٧٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢١/ ٣٢٠) و (٢٤/ ٣٢)، والمزي في التهذيب (١٥/ ٢٨٨) و (٢١/ ٢٢)، وابن طولون في الأحاديث المائة (٧٠). ولحديث جرير طرق أخرى لا تصح، انظر: المعجم الكبير للطبراني (٢/ ٣٠٨/ ٢٢٨٣)، المعجم الأوسط (٧/ ١١٤/ ٧٠١٤)، الرؤية للدارقطني (١٤٩ - ١٥١)، تاريخ دمشق (١٣/ ١١) و (٥٢/ ١٤٣). وقد صحح حديث جرير هذا في الرؤية: جمهور أهل العلم، منهم: وكيع بن الجراح، ويزيد بن هارون، وعلي بن خشرم، وحسين الجعفي، والبخاري، ومسلم،

стр. 1892

وأحمد، وابن المديني وقال: "لا يكون من الإسناد شيء أجود من هذا" [ولذلك فلا يلتفت إلى ما زوَّره ابن أبي دؤاد الجهمي الخبيث على علي بن المديني، في تضعيف هذا الحديث بقيس بن أبي حازم. انظر: الرد على الجهمية. نقض الدَّارميّ على المريسي. تاريخ بغداد (١١/ ٤٥٨)، السير (١١/ ٤١)، وغيرها]، والترمذي، وعثمان بن سعيد الدَّارميّ، وابن جرير الطبري، والآجري، والطبراني، وأبو نعيم الأصبهاني، والبغوي، وأبو يعلى الفراء، وابن تيمية وقال: "وهذا الحديث: من أصح الأحاديث على وجه الأرض، المتلقاة بالقبول، المجمع عليها عند العلماء بالحديث وسائر أهل السنة" [المجموع (٦/ ٤٢١)]، وغيرهم. • تنبيه: هذا الحديث رواه عن إسماعيل بن أبي خالد: ما يربو على مائة نفس: من الثقات، والضعفاء، والمتروكين، والكذابين، استوعبها الدارقطني في كتابه "الرؤية". • تفرد أبو شهاب الحناط عبد ربه بن نافع [صدوق]، في هذا الحديث بلفظة "عيانًا"، قال أبو القاسم الطّبرانيّ: "في هذا الحديث زيادة لفظة قوله: "عيانًا"، تفرد به أبو شهاب، وهو حافظ متقن من ثقات المسلمين"، وقال أبو يعلى الخليلي في الإرشاد (٢/ ٥٨٧): "لم يقل: "عيانًا" عن إسماعيل غير أبي شهاب"، وقد أخرجها البُخاريّ في صحيحه (٧٤٣٥). وتابعه على معناها عن إسماعيل بن أبي خالد: زيد بن أبي أنيسة [ثقة]، فقال: "أما إنكم ستعاينون ربكم -كما تعاينون هذا القمر … " الحديث. [المعجم الأوسط للطبراني (٩٣٠١)، طبقات المحدثين. الإيمان لابن منده (٧٩٩)، شرح أصول الاعتقاد (٨٢٦)]. والله أعلم. ٣ - حديث فضالة الليثي الآتي: *** ٤٢٨ - . . . خالد، عن داود بن أبي هند، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن عبد الله بن فضالة، عن أبيه قال: علَّمني رسول الله ﷺ ، فكان فيما علمني: "وحافظ على الصلوات الخمس" قال: قلت: إن هذه ساعاتٌ لي فيها أشغال، فمرني بأمر جامع إذا أنا فعلتُه أجزأ عني، فقال: "حافظ على العصرين" -وما كانت من لغتنا-، فقلت: وما العصران؟ فقال: "صلاة قبل طلوع الشَّمس، وصلاة قبل غروبها". • حديث منكر أخرجه الحاكم (١/ ٢٠ و ١٩٩) و (٣/ ٦٢٨)، وابن قتيبة في غريب الحديث (١/ ١٧٩)، ويعقوب بن سفيان الفسوي في المعرفة والتَّاريخ (١/ ١٦٢)، وابن أبي عاصم في

стр. 1893

الآحاد والمثاني (٢/ ١٩٣ - ١٩٤/ ٩٣٩)، وابن نصر المروزي في كتاب الوتر (١٠ - مختصره)، والطحاوي في المشكل (١/ ٥٦٨ - ٥٦٩/ ٥٦٦ - تحفة)، وابن نافع في المعجم (٢/ ٣٢٥ - ٣٢٦)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٣٢٠/ ٨٢٦)، والخطابي في غريب الحديث (١/ ١٨٦)، وأبو نعيم في معرفة الصّحابة (٤/ ٢٢٨٤/ ٥٦٥٣)، والبيهقيّ (١/ ٤٦٦)، وابن الأثير في أسد الغابة (٤/ ٣٤٨)، والمزي في التهذيب (١٥/ ٤٣١)، وابن حجر في الإمتاع بالأربعين المتباينة السماع (٣١). هكذا رواه عن خالد بن عبد الله الواسطيِّ الطحان: أهل واسط: عمرو بن عون [ثقة ثبت]، ووهب بن بقية [ثقة]، والحسن بن علي بن راشد [صدوق]، وإسحاق بن شاهين [صدوق]، ومحمد بن خالد بن عبد الله الطحان [ضعيف]. • واختلف فيه على إسحاق بن شاهين: فرواه الحسين بن محمَّد بن زياد العبدي النيسابوري [ثقة حافظ]، عنه به هكذا، مثل الجماعة. أخرجه الحاكم (١/ ٢٠) مقرونًا بإسناد وهب بن بقية. وخالفه: عبد الله بن قحطبة [هو عبد الله بن محمَّد بن قحطبة بن مرزوق الصِّلحي، نسبة إلى فم الصِّلح -بكسر الصاد-: بلدة على دجلة بأعلى واسط [الأنساب (٣/ ٥٥٠)، معجم البلدان (٤/ ٢٧٦)] وهو شيخ لابن حبان أكثر عنه في كتبه (الصَّحيح، الثقات، المجروحين) ولم أر من تكلم فيه بجرح أو تعديل] قال: حدّثنا إسحاق بن شاهين، قال: حدّثنا ابن عبد الله، عن داود بن أبي هند، عن عبد الله بن فضالة، عن أبيه، قال: علمنا رسول الله ﷺ . . . فذكر الحديث، هكذا بإسقاط أبي حرب من الإسناد، وهو وهم منه، والله أعلم. أخرجه ابن حبان (٥/ ٣٥/ ١٧٤٢)، ثم قال: "سمع داود بن أبي هند هذا الخبر من أبي حرب بن أبي الأسود، ومن عبد الله بن فضالة عن فضالة، وأدى كلَّ خبرٍ بلفظه؛ فالطريقان جميعًا محفوظان"، يعني طريق ابن قحطبة هذه بإسقاط أبي حرب، وطريق هشيم -الآتي ذكرها- بإسقاط عبد الله بن فضالة من الإسناد، قال العلائي في جامع التحصيل (١٣٣ - ١٣٤): "وليس الأمر كما زعم بل كل طريق منهما منقطعة"، وقال ابن حجر في الإتحاف (١٢/ ٦٦٧/ ١٦٢٧٧): "وليس كما زعم، وإنما رواه خالد، عن داود، عن أبي حرب، عن عبد الله بن فضالة، عن أبيه. فالإسنادان اللذان عنده جميعًا منقطعان". قلت: هما وهم، والمحفوظ: ما رواه الواسطيون عن خالد الطحان الواسطيِّ. • ولم ينفرد بذلك خالد بن عبد الله الواسطيِّ [وهو: ثقة ثبت]، بل تابعه: علي بن عاصم الواسطيِّ [صدوق]، وزهير بن إسحاق السلولي البصري [صدوق يخطئ، قال ابن عدي: "أحاديثه المسندة عامتها مستقيمة"، وإنما أنكروا عليه حديثًا مقطوعًا. انظر: اللسان (٣/ ٥٢٦)، التعجيل (٣٣٧)، الكامل (٣/ ٢٢٣)، مختصر الكامل (٧١٦)، الثقات

стр. 1894

(٨/ ٢٥٦)، التَّاريخ الكبير (٣/ ٤٢٨) و (٧/ ١٢٤)]، وفضيل بن سليمان النميري البصري [ليس بالقوي، والراوي عنه: عمرو بن الحصين: متروك]، ومسلمة بن علقمة المازني البصري [صالح الحديث، روى عن داود بن أبي هند أحاديث مناكير. انظر: التهذيب (٤/ ٧٦)، الميزان (٤/ ١٠٩)]: رواه أربعتهم: عن داود بن أبي هند، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن عبد الله بن فضالة، عن أبيه، قال: قدمت على النَّبيِّ ﷺ ، فجعل يعلمني … فذكر الحديث بنحوه. أخرجه البُخاريّ في التَّاريخ الكبير (٥/ ١٧٠) و (٧/ ١٢٤)، وابن البختري في المنتقى من السادس عشر من حديثه (١٨) (٦٨٧ - مجموع مصنفاته)، وابن نافع في المعجم (٢/ ٣٢٦)، والرامهرمزي في أمثال الحديث (١٢٨)، والبيهقيّ (١/ ٤٦٦). • وقد اختلف فيه على مسلمة بن علقمة: فرواه الحسن بن قزعة [صدوق]، عنه به هكذا [أمثال. نافع]. ورواه قيس بن حفص التميمي الدَّارميّ البصري [ثقة]، عن مسلمة بن علقمة، عن داود بن أبي هند، عن أبي حرب، عن عبد الله بن فضالة، أنَّه أتى النَّبيَّ ﷺ . أخرجه البُخاريّ في التَّاريخ الكبير (٥/ ١٧٠) موصولًا. وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٥/ ١٣٥) معلقًا. وهذا وهم من مسلمة بن علقمة نفسه، فإنَّه لين الحديث في ابن أبي هند، يروي عنه مناكير، قال أبو حاتم: "ورواه خالد الواسطيِّ، وزهير بن إسحاق، عن داود، عن أبي حرب، عن عبد الله بن فضالة، عن أبيه، أنَّه أتى النَّبيَّ ﷺ ، وهو: أصح" [الجرح والتعديل (٥/ ١٣٦)]. وقال ابن عبد البر في الاستيعاب (٣/ ٩٦٢) بعد ذكر هذا الاختلاف، مرجحًا رواية خالد وزهير: "وهو أصح إن شاء الله تعالى". وقد خالف هؤلاء: هشيم بن بشير [ثقة ثبت]، قال: أخبرنا داود بن أبي هند، قال: حدثني أبو حرب بن أبي الأصول، عن فضالة الليثي، قال: أتيت النَّبيَّ ﷺ ، فأسلمت، وعلمني، حتَّى علمني الصلوات الخمس لمواقيتهن، قال: فقلت له: إن هذه لساعات أشغل فيها، فمرني بجوامع. فقال لي: "إن شغلت فلا تُشغل عن العصرين" قلت: وما العصران؟ قال: "صلاة الغداة وصلاة العصر". أخرجه البُخاريّ في التَّاريخ الكبير (٥/ ١٧٠)، وابن حبان (٥/ ٣٤/ ١٧٤١)، والحاكم (١/ ٢٠ و ١٩٩)، وأحمد (٤/ ٣٤٤)، وابن سعد في الطبقات (٧/ ٧٩)، والطحاوي في المشكل (١/ ٥٦٩/ ٥٦٧ - تحفة)، وأبو نعيم في معرفة الصّحابة (٤/ ٢٢٨٥/ ٥٦٥٣ م). قال الحاكم: "هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط مسلم، ولم يخرجاه، … ، وقد خولف هشيم بن بشير في هذا الإسناد، عن داود بن أبي هند خلافًا لا يضر الحديث، بل في يده تأكيدًا"، ثم أخرجه من طريق خالد الطحان، ثم قال: "وأبو حرب بن أبي الأسود الديلي: تابعي كبير، عنده من أكابر الصّحابة، لا يقصر سماعه عن فضالة بن عبيد الليثي، فإن

стр. 1895

هشيم بن بشير: حافظ معروف بالحفظ، وخالد بن عبد الله الواسطيِّ: صاحب كتاب، وهذا في الجملة كما خرج مسلم في كتاب الإيمان: حديث شعبة، عن عثمان بن عبد الله بن موهب، وبعده: عن محمَّد بن عثمان، عن أبيه". وتعقبه الحافظ في الإتحاف (١٢/ ٦٦٨) بقوله: "كذا قال، وإنما أخرجه مسلم: عن شعبة، عن عثمان. وعن شعبة، عن محمَّد من عثمان وأبيه، فينظر"، انظر صحيح مسلم (١٣). قلت: حديث هشيم: خطأ؛ والصَّواب: حديث خالد الطحان، وعلي بن عاصم، وزهير بن إسحاق، بإثبات الواسطة بين أبي حرب، وفضالة. وقد سأل ابن أبي حاتم أباه عن حديث هشيم وخالد؟ فقال: "حديث خالد: أصح عندي" [العلل (١/ ١٠٩/ ٢٩٦)] [وانظر: تحفة الأشراف (٨/ ٢٦٣/ ١١٠٤٢)]. وأخيرًا: فقد صحح هذا الحديث ابن حبان والحاكم، وقال الحافظ ابن حجر بعد حديث خالد في الإمتاع: "هذا حديثٌ صحيحٌ". قلت: رجاله ثقات، رجال مسلم، غير عبد الله بن فضالة الليثي، وقد ذكره بعض المتأخرين في الصّحابة، اعتمادًا منهم على: أ - رواية مسلمة بن علقمة، عن داود بن أبي هند، عن أبي حرب، عن عبد الله بن فضالة، أنَّه أتى النَّبيَّ ﷺ . وهي رواية منكرة، كما تقدم بيان ذلك، وإنَّما الصحبة لأبيه فضالة. ب - ما رواه البُخاريّ في تاريخه الكبير (٥/ ١٧٠) قال: "قال أبو عاصم الضَّرير البصري: حدّثنا أبو عاصم محمَّد بن عمران الليثي [كذا في مطبوعة التَّاريخ، بينما في الاستيعاب (٣/ ٩٦٢)، وتهذيب الكمال (١٥/ ٤٣١)، واللسان (٨/ ٢١٣): "موسى بن عمران" بدل محمَّد]، عن عاصم بن الحدثان، عن عبد الله بن فضالة، قال: ولدت في الجاهلية، فعقَّ أبي عني بفرس" ورواه وكيع القاضي، محمَّد بن خلف بن حيان في كتابه أخبار القضاة (١/ ٢٩٦) قال: "حدّثنا الفضل بن سهل الأعرج قال: حدّثنا عثمان بن عامر أبو عاصم الليثي، قال: سمعت أبا عامر موسى بن عامر الليثي، قال: سمعت عاصم بن الحدثان، قال: سمعت عبد الله بن فضالة، قال: ولدت في الجاهلية، فعق عني أبي فرسًا، يقال لها بدوة". قلت: من دون عبد الله بن فضالة: مجاهيل [انظر: اللسان (٤/ ٣٦٨) و (٨/ ٢١٣)]، قال أبو حاتم: "وهو إسناد مضطرب، مشايخ مجاهيل" [الجرح والتعديل (٥/ ١٣٥)]. وقال ابن عبد البر: "وهو إسناد ليس بالقائم" [الاستيعاب (٣/ ٩٦٢)]. وانظر: كنى الدولابي (٢/ ٧٠٤/ ١٢٣٧)، وهناك من فُرِّق بين عبد الله بن فضالة الليثي القاضي، وبين عبد الله بن فضالة الذي روى عنه عاصم بن الحدثان، مثل العسكري وغيره. قلت: فعلى هذا فلا حجة لأحد في عدِّ عبد الله بن فضالة في الصّحابة، ولا حتَّى
следующие страницы →