Полный текст (16 465 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
المكان، فصلى بنا رسول الله ﷺ ، فلما قضى الصلاة دعا أن تردَّ الناقة، فجاءت بها عصار ريح تسوقها، فلما كان من الغد حين برق الفجر أمر بلالًا فأذَّن، ثم أمره فأقام، ثم صلى بنا، فلما قضى الصلاة، قال: "هذه صلاتنا بالأمس" ثم ائتنف صلاة يومه ذلك.
أخرجه الطحاوي (١/ ٤٦٤) مختصرًا. والطبراني في الكبير (٤/ ٢٣٥/ ٤٢٢٨) وهذا لفظه.
قلت: هذا حديث منكر.
العباس بن عبد الرحمن، مولى بني هاشم: في عداد المجاهيل؛ لم يرو عنه سوى داود بن أبي هند، ولم يوثق [انظر: التاريخ الكبير (٧/ ٥)، الجرح والتعديل (٦/ ٢١١)، التهذيب (٢/ ٢٩٠)، التقريب (٣٠٥) وقال: "مستور"].
ومسلمة بن علقمة المازني: صالح الحديث، روى عن داود بن أبي هند أحاديث مناكير لم يتابع عليها، وأسند عنه أحاديث يرسلها غيره [انظر: التهذيب (٤/ ٧٦)، الميزان (٤/ ١٠٩)، العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٥٢٣/ ٣٤٥٤)، ضعفاء العقيلي (٤/ ٢١٢)، الكامل (٦/ ٣١٨)، وانظر في أوهامه على ابن أبي هند: جامع الترمذي (١٢٠١)، علل ابن أبي حاتم (١/ ٣٣٣/ ٩٩١)، الجرح والتعديل (٥/ ١٣٥)، الحديث المتقدم في السنن برقم (٤٢٨)، فلا يقبل منه تفرده عن ابن أبي هند بمثل هذا، لا سيما وقد أتى فيه بما ينكر، من قوله: فلما كان من الغد حين برق الفجر أمر بلالًا فأذَّن، ثم أمره فأقام، ثم صلى بنا، فلما قضى الصلاة، قال: "هذه صلاتنا بالأمس" ثم ائتنف صلاة يومه ذلك.
وقيس بن حفص أيضًا ممن يغرب، وهو ثقة [انظر: التهذيب (٣/ ٤٤٦) وغيره].
والحاصل: أن حديث ذي مخبر هذا لم أجد بينة على ثبوته، والله أعلم.
• غريب الحديث:
"لم يَلْثَ منه التراب": مِنْ: لاثَهُ المطرُ ولَوَّثَه [انظر: تاج العروس (٥/ ٣٤٩)].
"لم يَلُث منه التراب": أي: لم يختلط الماء بالتراب، بحيث صار ملتوتًا به، والمراد تخفيف الوضوء. قاله السيوطي.
***
٤٤٦ - قال أبو داود: حدثنا مُؤمَّل بن الفضل: ثنا الوليد، عن حريز -يعني: ابن عثمان-، عن يزيد بن صُلَيح، عن ذي مخبر ابن أخي النجاشي، في هذا الخبر، قال: "فأذَّن وهو غير عَجِلٍ".
• حديث ضعيف.
تقدم تحت الحديث السابق.
***
стр. 1962
٤٤٧ - . . . شعبة، عن جامع بن شداد، قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي علقمة، قال: سمعت عبد الله بن مسعود، قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ زمن الحديبية، فقال رسول الله ﷺ : "من يكلؤنا؟ " فقال بلال: أنا، فناموا حتى طلعت الشمس، فاستيقظ النبي ﷺ فقال: "افعلوا كما كنتم تفعلون" قال: ففعلنا، قال: "فكذلك فافعلوا لمن نام أو نسي".
• حديث شاذ.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٥/ ٢٥١)، والنسائي في الكبرى (٨/ ١٣١/ ٨٨٠٢)، وأحمد (١/ ٣٨٦ و ٤٦٤)، والطيالسي (١/ ٢٩٤/ ٣٧٥)، وابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٤١١/ ٤٧٣٦) و (٧/ ٢٨١ و ٣٩٠/ ٣٦٠٩٦ و ٣٦٨٦٢)، وفي المسند (٢٧٦)، والبزار (٥/ ٣٩٧/ ٢٠٢٩)، وأبو يعلى في المعجم (١٣٠)، وابن جرير الطبري في تفسيره (١١/ ٣٣٢/ ٣١٤٥١)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٤٦٥)، وفي المشكل (١٠/ ١٥٠/ ٣٩٨٥)، والهيثم بن كليب الشاشي (٢/ ٢٦٤/ ٨٣٩)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٢٢٦/ ١٠٥٤٩) وقرن سفيان الثوري بشعبة، وفيه نظر. والبيهقي في السنن (٢/ ٢١٨)، وفي الدلائل (٤/ ١٥٦ و ٢٧٤)، وابن عبد البر في التمهيد (٥/ ٢٥٢)، وفي الاستذكار (١/ ٨٤)، والمزي في التهذيب (١٧/ ٢٩٢).
ولفظه بتمامه عند أحمد:
أقبلنا مع رسول الله ﷺ من الحديبية، فذكروا أنهم نزلوا دهاسًا من الأرض -يعني: الدهاس: الرمل-، فقال: "من يكلؤنا؟ " فقال بلال: أنا، فقال رسول الله ﷺ : "إذًا تنم! " قال: فناموا حتى طلعت الشمس، فاستيقظ ناس منهم فلان وفلان، فيهم عمر، قال: فقلنا: اهضبوا -يعني: تكلموا- قال: فاستيقظ النبي ﷺ فقال: "افعلوا كما كنتم تفعلون" قال: ففعلنا، قال: وقال: "كذلك فافعلوا لمن نام أو نسي".
قال: وضلَّت ناقة رسول الله ﷺ فطلبتها، فوجدت حبلها قد تعلق بشجرةٍ، فجئت بها إلى النبي ﷺ ، فركب مسرورًا.
وكان النبي ﷺ إذا نزل عليه الوحي اشتدَّ ذلك عليه، وعرفنا ذاك فيه، قال: فتنحى منتبذًا خلفنا، قال: فجعل يغطي رأسه بثوبه، ويشتدُّ ذلك عليه، حتى عرفنا أنه قد أُنزِل عليه، فأتانا فأخبرنا أنه قد أُنزِل عليه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ [الفتح: ١].
هذا الحديث رواه عن شعبة: يحيى بن سعيد القطان، ومعاذ بن معاذ العنبري، ومحمد بن جعفر غندر [وهم أثبت أصحابه]، وأبو داود الطيالسي [ثقة حافظ، من أصحاب شعبة]، وأبو بحر البكراوي عبد الرحمن بن عثمان [ضعيف].
خالفهم: زافر بن سليمان الإيادي [صدوق، كثير الأوهام] في الإسناد والمتن:
стр. 1963
فقال في الإسناد: "عبد الرحمن بن علقمة"، وقال في المتن: "في غزوة تبوك" [روايته عند: الطحاوي في شرح المعاني، وفي المشكل، والشاشي، والبيهقي في الدلائل].
وكلاهما: وهمٌ من زافر، والمحفوظ: ما رواه الجماعة.
قال البيهقي في الدلائل (٤/ ٢٧٤): "كذا قال غندر وغيره عن شعبة: أن الذي حرسهم ليلتئذ كان بلالًا، وكذلك قاله يحيى القطان في إحدى الروايتين عنه، وروى عنه، وعن عبد الرحمن عن شعبة: أن الحارس كان عبد الله بن مسعود، وكذلك قاله عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، عن جامع بن شداد".
قلت: رواية من روى عن شعبة: أن الذي حرسهم ليلتئذ كان بلالًا: أصح؛ وهو المحفوظ عندي، والله أعلم.
• وأما حديث المسعودي:
فأخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٥/ ٢٥١)، والنسائي في الكبرى (٨/ ١٣١ - ١٣٢/ ٨٨٠٣)، وأحمد (١/ ٣٩١)، والطيالسي (٣٧٥)، وأبو يعلى (٩/ ١٨٧/ ٥٢٨٥)، والطحاوي في المشكل (١٠/ ١٤٩/ ٣٩٨٣ و ٣٩٨٤)، والشاشي (٢/ ٢٦٥ و ٢٦٦/ ٨٤٠ و ٨٤١)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٢٢٥/ ١٠٥٤٨)، والبيهقي في السنن (٢/ ٢١٨)، وفي الدلائل (٤/ ١٥٥ و ٢٧٤ - ٢٧٥).
من طرقٍ عن المسعودي عن جامع بن شداد، عن عبد الرحمن بن أبي علقمة، قال: قال عبد الله: لما رجع النبي ﷺ زمان الحديبية، قال: "من يحرسنا الليلة؟ " قال عبد الله: أنا، قال: "إنك تنام" ثم قال رسول الله ﷺ : "من يحرسنا الليلة؟ " قال: فقلت: أنا، قال: "إنك تنام" ثم قال رسول الله ﷺ : "من يحرسنا الليلة؟ " قال: وسكت القوم، فقلت: أنا، قال: "فأنت إذًا" قال: فحرستهم، حتى إذا كان في وجه الصبح، أدركني ما قال رسول الله ﷺ ، فنمت، فما استيقظت إلا بحرًا لشمس على أكتافنا، فقام رسول الله ﷺ فصنع كما كان يصنع، فقال رسول الله ﷺ : "لو شاء الله أن لا تناموا عنها لم تناموا، ولكن أراد أن تكون سنة لمن بعدكم، لمن نام أو نسي".
لفظ النسائي من رواية ابن المبارك عن المسعودي، وغير رواه عنه مطولًا.
وهذا الحديث قد رواه عن عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي: يزيد بن هارون، وعبد الرحمن بن مهدي، وآدم بن أبي إياس، وقرة بن حبيب، وأبو داود الطيالسي، ويونس بن بكير، وعبد الرحمن بن زياد، وهم في الغالب ممن روى عن المسعودي بعد اختلاطه [انظر: الكواكب النيرات (٣٥)، شرح العلل (٢/ ٧٤٧)].
إلا أن عبد الله بن المبارك ممن روى عنه قبل الاختلاط، فإنه أكبر من بعض من قيل إنه روى عن المسعودي قبل الاختلاط، كان ابن المبارك قريبًا من الأربعين، أو بعدها بقليل، عند اختلاط المسعودي، والله أعلم.
стр. 1964
ومع كون شعبة أحفظ من المسعودي، إلا أن رواية المسعودي أشبه بالصواب؛ فإنه كان أعلم الناس بعلم ابن مسعود، وقد توبع على روايته، أعني: أن الذي حرسهم كان ابن مسعود، والله أعلم.
• والحديث إسناده متصل برواية الثقات، إلا أن عبد الرحمن بن أبي علقمة: قد اختلف في صحبته، والصحيح: أنه لا تصح له صحبة، إنما هو تابعي، روى عنه ثلاثة، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين [انظر: التاريخ الكبير (٥/ ٢٥٠) وقال: "له صحبة"، الجرح والتعديل (٥/ ٢٧٣ و ٢٤٨) قال أبو حاتم: "هو تابعي ليست له صحبة"، الثقات (٣/ ٢٥٣) وقال: "يقال إن له صحبة"، و (٥/ ١٠٦)، سؤالات البرقاني (٢٧٨) قال الدارقطني: "لا تصح صحبته، ولا يعرف"، الاستذكار (١/ ٨٠) وقال: "من ثقات التابعين"، الاستيعاب (١٥٧١ و ١٥٧٦) وقال: "وقد ذكر قوم عبد الرحمن بن علقمة هذا في الصحابة، ولا تصح له صحبة" وقال أيضًا: "روى عن النبي ﷺ : أن وفد ثقيف قدموا عليه، وفي سماعه عنه نظر"، غنية الملتمس (٥)، الإصابة (٤/ ٣٣٦)، جامع التحصيل (٤٤)، تحفة التحصيل (٢٠٢)، ذيل الميزان (٥٢١)، التهذيب (٢/ ٥٣٤)].
ولا أستبعد أن يكون وهِم في هذا الحديث، ودخل له حديث في حديث، فأدخل حديث نزول سورة الفتح، في صلح الحديبية، على حديث قصة نومهم عن صلاة الصبح، وأن ذلك وقع زمان الحديبية، والله أعلم.
• والحديث رواه أيضًا:
عبد الله بن الوليد المزني، عن أبي صخرة جامع بن شداد، عن عبد الرحمن بن أبي علقمة الثقفي، عن عبد الله بن مسعود، قال: كان معنا ليلة نام رسول الله ﷺ عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس حاديان.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٥/ ٢٥٢)، والنسائي في الكبرى (٩/ ١٩٥/ ١٠٢٨٨) [عمل اليوم والليلة (٥٣١)]. والبزار (٥/ ٣٩٩/ ٢٠٣٠)، والدولابي في الكنى (٢/ ٦٦٦/ ١١٧٨)، وابن حبان في الثقات (٥/ ١٠٦)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٢٢٦/ ١٠٥٥٠)، وفي الأوسط (٨/ ٢٠/ ٧٨٣٢)، والدارقطني في الأفراد (٤/ ٩٣/ ٣٦٩٨ - أطرافه)، والمزي في التهذيب (٦/ ٦٦).
كلهم من طريق: يحيى بن آدم ثنا الحسن بن ثابت عن عبد الله بن الوليد به.
قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عبد الله إلا بهذا الإسناد".
وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن عبد الله بن الوليد إلا حسن بن ثابت، تفرد به: يحيى بن آدم".
وقال الدارقطني: "هذا حديث غريب من حديث أبي صخرة جامع بن شداد، عن عبد الرحمن بن أبي علقمة، عن عبد الله بن مسعود.
وهو غريب من حديث عبد الله بن الوليد بن عبد الله بن معقل بن مقرن المزني عنه.
стр. 1965
تفرد به الحسن بن ثابت -ويعرف بابن الروزجار- عنه، ولا نعلم حدث به غير يحيى بن آدم".
قلت: لعله أتي من قبل الحسن بن ثابت التغلبي، أبو الحسن الأحول، فإنه: صدوق يغرب، وهذا من غرائبه، وبقية رجاله ثقات.
• ولحديث ابن مسعود إسناد آخر:
يرويه: سماك، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله، قال: سرينا ليلة مع النبي ﷺ ، قال: قلنا: يا رسول الله! لو امتسسنا الأرض فنمنا، ورعت ركابنا؟ قال: ففعل، قال: فقال: "ليحرسنا بعضكم، قال عبد الله: فقلت: أنا أحرسكم، قال: فأدركني النوم فنمت، لم أستيقظ إلا والشمس طالعة، ولم يستيقظ رسول الله ﷺ إلا بكلامنا، قال: فأمر بلالًا فأذَّن، ثم أقام الصلاة، فصلى بنا رسول الله ﷺ .
أخرجه ابن حبان (٤/ ٤٤٩/ ١٥٨٠)، وأحمد (١/ ٤٥٠)، وابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٤٢٥/ ٤٨٩٢)، وفي المسند (٢٨٥)، والبزار (٥/ ٣٥٨/ ١٩٨٩)، وأبو يعلى (٨/ ٤٢٦/ ٥٠١٠)، والشاشي (١/ ٣٢٣/ ٢٩٠)، والطبراني في الكبير (١٠/ ١٦٨/ ١٠٣٤٩)، والبيهقي (١/ ٤٠٤).
قال البزار: "وهذا الحديث رواه سماك عن القاسم، ورواه عن سماك: زائدة، ويزيد بن عطاء".
قلت: زائدة بن قدامة: ثقة متقن، ويزيد بن عطاء اليشكري: لين الحديث، وتابعهما أسباط بن نصر؛ وهو: ليس بالقوي.
وعبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود: ثقة، اختلف في سماعه من أبيه، والصحيح: أنه سمع منه بإطلاق [انظر تقرير هذه المسألة فيما تقدم: تحت الحديث (٤٣٢)، تخريج أحاديث الذكر والدعاء (٢/ ٥٠٧/ ٢٤٦)].
وابنه القاسم: تابعي ثقة.
وسماك بن حرب: صدوق، تُكُلم فيه لأجل اضطرابه في حديث عكرمة خاصة، وكان لما كبر ساء حفظه؛ فربما لُقِّن فتلقن، وأما رواية القدماء عنه فهي مستقيمة، قال يعقوب بن شيبة: "وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وهو في غير عكرمة صالح، وليس من المتثبتين، ومن سمع منه قديمًا -مثل شعبة وسفيان- فحديثهم عنه: صحيح مستقيم" [انظر: الحديث المتقدم برقم (٦٨) و (٣٧٥)] وهذا الحديث رواه عنه: زائدة بن قدامة [ثقة ثبت متقن] وهو من طبقة شعبة وسفيان وأقرانهم، ولم يُختلَف على سماك في هذا الحديث -فيما وقفت عليه من طرقه-، فهو من صحيح حديثه، والله أعلم.
• وفي الجملة: فإن حديث ابن مسعود بطريقيه: حديث صحيح، دون زيادات عبد الرحمن بن أبي علقمة.
• وله إسناد آخر عن ابن مسعود مختصرًا:
стр. 1966
رواه شعبة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، أنه كان في مسجد عمرو بن شرحبيل، فأقيمت الصلاة، فجعلوا ينتظرونه، فجاء فقال: إني كنت أوتر.
وقال [وفي رواية وهب: ثم قال]: سئل عبد الله: هل بعد الأذان وتر؟ قال: نعم، وبعد الإقامة، وحدث عن النبي ﷺ أنه نام عن الصلاة حتى طلعت الشمس ثم صلى.
أخرجه النسائي في المجتبى (١/ ٢٩٣/ ٦١٢) و (٣/ ٢٣١/ ١٦٨٥)، وفي الكبرى (٢/ ١٥٣ و ٢٢٨/ ١٣٩٧ و ١٥٩٤)، وابن أبي شيبة (٢/ ٨٥/ ٦٧٦٤)، والطحاوي في المشكل (٢/ ٢٩٨/ ٩٤١ - تحفة)، والبيهقي (٢/ ٤٨٠).
هذا لفظ ابن أبي عدي عن شعبة، ورواه وهب بن جرير، ووكيع بن الجراح فلم يذكرا فيه موضع الشاهد.
قال ابن أبي شيبة: حدثنا وكيع، عن شعبة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن عمرو بن شرحبيل، قال: سئل عبد الله عن الوتر بعد الأذان؟ فقال: نعم، وبعد الإقامة.
فظهر بذلك أن قائل: "سئل عبد الله: هل بعد الأذان وتر؟ " في رواية ابن أبي عدي: هو أبو ميسرة عمرو بن شرحبيل، فاتصل بذلك الإسناد، والحمد لله. ورواية وهب بن جرير تؤيد هذا المعنى، والله أعلم.
وعلى هذا، فهو إسناد صحيح، رجاله رجال الشيخين، وعمرو بن شرحبيل أبو ميسرة الكوفي الهمداني: سمع ابن مسعود [التاريخ الكبير (٦/ ٣٤١)]، وروايته عنه في الصحيحين [خ (٤٤٧٧)، م (٦٨)].
وزيادة ابن أبي عدي في المتن: زيادة مقبولة [مع هذين في شعبة]، فإنه ثقة حافظ، يعتمد على حفظه، والله أعلم.
وقد رواه أيضًا -لكن بدون الشاهد- القاسم بن معن [ثقة فاضل]، قال: نا إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن أبي ميسرة، قال: جاء رجل إلى عبد الله، فقال: أوتر بعد النداء؟ فقال: نعم، وبعد الإقامة.
أخرجه النسائي في الكبرى (٢/ ١٥٤/ ١٣٩٨)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٨٢/ ٩٤١٦) وفي إسناده سقط.
• وفي نهاية هذا الباب، أذكر ما وقفت عليه من شواهد في معنى ما تقدم، ولو على سبيل الاختصار:
١ - حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال في سفرٍ له: "من يكلؤنا الليلة؟ لا نرقد عن صلاة الصبح" قال بلال: أنا، فاستقبل مطلع الشمس، فضُرب على آذانهم، حتى أيقظهم حرُّ الشمس، فقاموا [وفي رواية: "فقاموا، فحلوا رواحلهم، ثم نزلوا" وفي أخرى: "فقادوا ركابهم"]، فقال: "توضؤوا" ثم أذَّن بلال، فصلى ركعتين، وصلَّوا ركعتي الفجر، ثم صلَّوا الفجر.
стр. 1967
أخرجه النسائي (١/ ٢٩٨/ ٦٢٤)، وأحمد (٤/ ٨١)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١/ ٣٥٢/ ٤٧٤)، والبزار (٨/ ٣٦٢/ ٣٤٤١)، وأبو يعلى (١٣/ ٤٠٦/ ٧٤١٠)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٤٠١)، وفي المشكل (١/ ٥٧٣/ ٥٧٠ - تحفة)، والطبراني في الكبير (٢/ ١٣٣/ ١٥٦٥)، وابن عبد البر في التمهيد (٣/ ٢٩٩) و (٥/ ٢٥٤)، وابن الجوزي في التحقيق (٦٣٤)، وتاج الدين السبكي في معجم الشيوخ (٤٩٤).
هكذا رواه حماد بن سلمة فوهِم، إذ سلك الجادة والطريق السهل، وخالفه من هو أثبت منه في عمرو بن دينار فأبهم الصحابي:
• رواه سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار، عن نافع بن جبير، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: كان رسول الله ﷺ في سفرٍ، فعرَّس، فقال: "ألا رجل صالح يكلؤنا الليلة؟ لا نرقد عن الصلاة! " فقال بلال: أنا يا رسول الله! قال: قال: فاستند بلال إلى راحلته، واستقبل الفجر، قال: فلم يفزعوا إلا بحرِّ الشمس في وجوههم، فقال رسول الله ﷺ : "يا بلال! " فقال بلال: يا رسول الله! أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، قال: فتوضأ رسول الله ﷺ ، ثم صلى ركعتي الفجر، ثم اقتادوا رواحلهم شيئًا، ثم صلى الفجر.
أخرجه الشافعي في اختلاف الحديث (١٠/ ٩٨ / ١٠٣ - أم)، وفي المسند (١٦٧)، والبزار (٣٤٤٢)، والبيهقي في المعرفة (٢/ ٢٦٦/ ١٢٩٩)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (١/ ٣٠٥).
قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلم له طريقًا عن جبير بن مطعم إلا هذا الطريق، ولا نعلم أحدًا رواه فسمى من بعد نافع بن جبير إلا حماد بن سلمة".
قلت: ذكر الإمام مسلم في التمييز (٢١٨) (١٥/ أ) أن حماد بن سلمة إذا حدث عن غير ثابت البناني، مثل عمرو بن دينار وغيره؛ فإنه يخطئ في حديثهم كثيرًا، وأطلق الإمام أحمد، فذكر بأن حمادًا يخطئ كثيرًا [تاريخ بغداد (١١/ ٤٤٩)، طبقات الحنابلة (١/ ٣٢٨)، بحر الدم (٢٢٧)، تهذيب الكمال (٢٠/ ٥١٠)].
وقد اتفق الأئمة على أن سفيان بن عيينة هو أعلم الناس بحديث عمرو بن دينار، قال ذلك: أحمد، وابن معين، وابن المديني، وأبو حاتم، والدارقطني [وانظر: شرح العلل (٢/ ٦٨٤)].
وعليه: فإن المحفوظ في هذا الحديث: هو إبهام الصحابي، ومع كون جهالة الصحابي لا تضر؛ إلا أن نافع بن جبير لم يذكر سماعًا، فلا يُعلم اتصاله، فلعله روى عمن لم يسمع منهم، وقد ذكر ابن المديني نافعًا فيمن لم يثبت له سماع من زيد بن ثابت [العلل لابن المديني (٧٥ - ٧٧)، جامع التحصيل (٢٨٩)، تحفة التحصيل (٣٢٤)].
ورجال الحديث: ثقات أئمة.
وهو شاهد جيد لحديث أبي هريرة المتقدم برقم (٤٣٥)، فإنه أقرب الشواهد له في اللفظ؛ دون قوله: "ثم صلى ركعتي الفجر، ثم اقتادوا رواحلهم شيئًا".
стр. 1968
٢ - عطاء بن السائب، عن بريد بن أبي مريم السلولي، عن أبيه، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفرٍ، فأسرينا ليلة، فلما كان في وجه الصبح، نزل رسول الله ﷺ ، فنام ونام الناس معه، فلم نستيقظ إلا بالشمس قد طلعت علينا، فأمر رسول الله ﷺ المؤذن فأذَّن، ثم صلى الركعتين قبل الفجر، ثم أمره فأقام، فصلى بالناس، ثم حدثنا بما هو كائن حتى تقوم الساعة، [وفي رواية: حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه].
أخرجه النسائي في المجتبى (١/ ٢٩٧/ ٦٢١)، وفي الكبرى (٢/ ٢٣٠/ ١٦٠٠)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (٣/ ١٧/ ٣٦٦١)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣/ ١٨١/ ١٥١٠)، وابن قانع في المعجم (٣/ ٣١)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٢٧٤ و ٢٧٥/ ٦٠١ - ٦٠٣)، وأبو أحمد العسكري في تصحيفات المحدثين (٢/ ٥٠٧)، وابن عساكر في التاريخ (٥٦/ ٤٤٥)، والمزي في التهذيب (٢٧/ ١٤٢).
قال ابن قانع: "عطاء بن السائب كوفي، وأحسب الحديث حديث بريد".
قلت: عطاء بن السائب كان قد اختلط، وقد روى عنه هذا الحديث: جرير بن عبد الحميد الكوفي، وخالد بن عبد الله الواسطي [وهما ممن سمع منه بعد الاختلاط. شرح علل الترمذي (٢/ ٧٣٤)، الكواكب النيرات (٣٩)]، وأبو الأحوص سلام بن سليم، وهو كوفي، توفي هو وحماد بن زيد سنة (١٧٩)، وحماد: ممن نص الأئمة على أنه سمع من عطاء قبل الاختلاط، لكن يعكِّر عليه أن أبا عوانة توفي سنة (١٧٦) أو قبلها، وهو ممن سمع في حال الصحة والاختلاط فلم يفصل هذا من هذا، ولم أر من نص من الأئمة على أن أبا الأحوص سمع من عطاء قبل الاختلاط أو بعده، وله عن عطاء ما يدل على أنه روى عنه بعد الاختلاط [انظر في هذا: ما تقدم تحت الحديث (٢٤٩)].
وعلى هذا: فهذا الحديث لم يروه عن عطاء أحد ممن سمع منه قبل الاختلاط، فهو حديث ضعيف، إلا أنه صالح في الشواهد، والله أعلم.
وبريد بن أبي مريم مالك بن ربيعة السلولي: تابعي، ثقة، وقد سمع أباه [التاريخ الكبير (٢/ ١٤٠)].
٣ - حبيب بن يزيد الأنماطي، قال: حدثنا عمرو بن هرم، قال: سُئل جابر بن زيد عن الصلاة ومواقيتها؟ فقال: كان ابن عباس يقول: وقت صلاة الصبح من طلوع الفجر إلى أن يطلع شعاع الشمس، فمن غفل عنها فلا يصلِّيَنَّ حتى تطلع، وتذهب قرونها، فقد أدلج رسول الله ﷺ ، ثم عرَّس، فلم يستيقظ حتى طلعت الشمس أو بعضها، فلم يصل حتى ارتفعت، وهي صلاة الوسطى، … في حديث طويل.
أخرج منه موضع الشاهد: النسائي في المجتبى (١/ ٢٩٨/ ٦٢٥)، وفي الكبرى (١/ ٢١٨/ ٣٥٣)، والطيالسي (٤/ ٣٤٠/ ٢٧٣٤)، وإسحاق بن راهويه (١/ ٧٦ - ٧٧/ ٤)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢٤٥/ ٨٦١٩)، والطبراني في الكبير (١٢/ ١٨٣/ ١٢٨٣٠)، وابن عدي (٢/ ٤٠١)، والخطيب في الموضح (٢/ ١٢).
стр. 1969
قال ابن عدي بأن حبيب بن يزيد الأنماطي قد تفرد بهذا الحديث عن عمرو بن هرم.
قلت: حبيب بن أبي حبيب يزيد الجرمي البصري الأنماطي: ليِّن الحديث [انظر: التاريخ الكبير (٢/ ٣١٥)، الجرح والتعديل (٣/ ٩٩)، العلل ومعرفة الرجال (١/ ٤١٥/ ٨٩٤)، سؤالات أبي داود (٥٠٩)، الثقات (٦/ ١٧٨)، التهذيب (١/ ٣٤٨)، الميزان (١/ ٤٥٣)، المغني (١/ ١٤٦)، الكاشف (١/ ٣٠٨)، التقريب (١٣٠)]، وهذا الحديث الذي تفرد به عن عمرو بن هرم حديث طويل في أحكام الصلاة، من المواقيت، والتكبير، والتشهد، وصلاة التطوع، وصلاة المسافر، مما يحتاج إلى حفظ وضبط، ولا يعتمد في مثل هذا على من ليَّنه الأئمة، وتوسطوا فيه، وعباراتهم فيه تدل على أنه ممن يكتب حديثه ولا يحتج به، ومسلم إنما أخرج له متابعة، ولم يحتج به على انفراده [صحيح مسلم (١٢٠٨)]، وهو في موضع الشاهد من هذا الحديث قد انفرد بقوله: "فمن غفل عنها فلا يصلِّيَنَّ حتى تطلع، وتذهب قرونها"، ولم يتابع عليه، ورُوي عن ابن عباس خلافه [فقد روى البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ١٧٨)، وابن أبي شيبة (١/ ٤١٢/ ٤٧٤١)، وابن المنذر (٢/ ٤١٢/ ١١٣١ و ١١٣٢): من طريق سماك بن حرب، عن سبرة بن نخف [وقيل: سمرة بن نخف، وقيل: سمرة بن يحيى: مجهول. انظر: التاريخ الكبير (٤/ ١٧٨ و ١٨٨)، الجرح والتعديل (٤/ ١٥٥ و ٢٩٥)، الثقات (٤/ ٣٤١)]، عن ابن عباس قال: "يصلي إذا ذكر"].
وقد رُويت هذه القصة عن ابن عباس بإسنادين آخرين وبدون هذه اللفظة:
أ- عَبيدة بن حميد، عن يزيد بن أبي زياد، عن تميم بن سلمة، عن مسروق، عن ابن عباس ﵄، قال: خرج رسول الله ﷺ فأعرس من الليل، فلم يستيقظ إلا بالشمس، فأمر رسول الله ﷺ بلالًا ﵁ فأذَّن، ثم صلى ركعتين.
قال ابن عباس ﵄: فما يسرني به الدنيا وما فيها -يعني: الرخصة-.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٤٢٥/ ٤٨٨٩)، والبزار (١١/ ٤٥٠/ ٥٣١٤ م)، وأبو يعلى (٤/ ٢٦٣/ ٢٣٧٥)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٣٦١/ ٥٥٥٦)، وفي الكبير (١١/ ٤٣٢/ ١٢٢٢٥)، وابن عبد البر في التمهيد (٥/ ٢٥٣ - ٢٥٤)، وفي الاستذكار (١/ ٧٦)، وذكره ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٩٧/ ٢٦٢).
كذا رواه أبو بكر بن أبي شيبة [ثقة حافظ]، وابن الأصبهاني محمد بن سعيد بن سليمان الكوفي [ثقة ثبت]، والسري بن عاصم [متهم، يسرق الحديث. اللسان (٤/ ٢٢)]: عن عبيدة.
ورواه أحمد (١/ ٢٥٩) عن عبيدة به، إلا أنه قال: "عن رجل عن ابن عباس".
قال البزار: "ولا نعلم روى مسروق عن ابن عباس غير هذا الحديث، ولا روى هذا الحديث إلا عبيدة بن حميد متصلًا، ورواه غير عبيدة مرسلًا".
وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن مسروق إلا تميم بن سلمة، ولا عن تميم إلا يزيد بن أبي زياد، تفرد به عبيدة بن حميد".
стр. 1970
وقال أبو حاتم وأبو زرعة: "هذا خطأ؛ أخطأ فيه عبيدة، رواه جماعة، فقالوا: عن تميم بن سلمة، عن مسروق، قال: كان النبي ﷺ في سفر … مرسل فقط.
[قال ابن أبي حاتم:] قلت لهما: الوهم ممن هو؟ قالا: من عبيدة".
قلت: وعَبيدة بن حميد: ليس به بأس، ولم يكن من الحفاظ المتقنين [انظر: التهذيب (٣/ ٤٤)].
وممن رواه مرسلًا: محمد بن فضيل [صدوق]، قال أبو بكر بن أبي شيبة (٤٨٨٨): نا محمد بن فضيل، عن يزيد بن أبي زياد، عن تميم بن سلمة، عن مسروق، قال: كان النبي ﷺ في سفرٍ، فعرَّس بأصحابه، فلم يوقظهم مع تعريسهم إلا الشمس، فقام فأمر المؤذن، وأقام، ثم صلى.
فقال مسروق: ما أحب أن لنا الدنيا وما فيها بصلاة رسول الله ﷺ بعد طلوع الشمس.
فالمحفوظ: مرسل، بإسناد ضعيف؛ يزيد بن أبي زياد الكوفي: ضعيف.
ب- حرمي بن حفص، قال: حدثنا صدقة بن عبادة الأسدي، قال: حدثني أبي، عن ابن عباس: أنهم كانوا مع النبي ﷺ في سفرٍ، فغفلوا عن صلاة الغداة، حتى طلعت الشمس، فأمر النبي ﷺ مؤذنًا، فأذن كما كان يؤذن كل يوم، فصلى ركعتي الفجر كما كان يصلي كل يوم، ثم صلى بهم الغداة كما كان يصلي كل يوم.
أخرجه البزار (١١/ ٤٥٠/ ٥٣١٤)، وابن عبد البر في التمهيد (٥/ ٢٥٤).
قلت: إسناده ضعيف؛ عبادة بن نشيط: مجهول؛ لم يرو عنه سوى ابنه صدقة، ولم يذكر سماعًا من ابن عباس [انظر: التاريخ الكبير (٦/ ٩٦)، الجرح والتعديل (٦/ ٩٦)، الثقات (٥/ ١٤٥)].
٤ - عبد الجبار بن العباس الشِّبَامي، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ في سفره الذي ناموا فيه حتى طلعت الشمس، فقال: "إنكم كنتم أمواتًا"، فردَّ الله أرواحكم، فمن نام عن صلاة فليصلها إذا استيقظ، ومن نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها".
أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٤١١/ ٤٧٣٨) و (٧/ ٢٨١/ ٣٦٠٩٧)، وفي المسند (٣/ ٨١٣/ ٤٤٢ - مطالب)، وأبو يعلى (٢/ ١٩٢/ ٨٩٥)، والعقيلي في الضعفاء (٢/ ٣٤٦) و (٣/ ٨٨)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ١٠٧/ ٢٦٨)، وابن عدي في الكامل (٥/ ٣٢٦)، وابن عبد البر في التمهيد (٥/ ٢٥٨).
قال العقيلي: "لا يحفظ من حديث أبي جحيفة إلا عن هذا الشيخ، وقد روي هذا عن أبي قتادة وغيره، بأسانيد جياد" وقال قبل هذا في عبد الجبار: "ولا يتابع على حديثه".
وقال ابن عدي: "وهذا لا أعلم يرويه عن عون بن أبي جحيفة غير عبد الجبار" ثم
стр. 1971
قال في عبد الجبار: "ولعبد الجبار هذا غير ما ذكرت، وعامة ما يرويه مما لا يتابع عليه".
ووهم بعضهم على عبد الجبار في لفظه، انظر: الضعفاء الكبير للعقيلي (٢/ ٣٤٦).
وعبد الجبار هذا: صدوق، له أوهام، لا يحتمل من مثله هذا التفرد [انظر: التهذيب (٢/ ٤٦٨)، الميزان (٢/ ٥٣٣)، المجروحين (٢/ ١٥٩)، الطبقات الكبرى (٦/ ٣٦٦)، المعرفة والتاريخ (٣/ ٢٠٠)].
٥ - قال الطبراني في الكبير [(١٠٢) قطعة من الجزء (١٣)]: حدثنا إسماعيل، قال: ثنا أحمد بن صالح، قال: حدثني عبد الله بن وهب: حدثني حيي، عن أبي عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو قال: لما غزا رسول الله ﷺ تبوك، أدلج بهم، حتى كان مع السحر، ثم نزل بهم سحرًا، فقال: "يا بلال! احرُس لنا الصلاة" قال: نعم يا رسول الله! فغلب بلالَ النومُ، فرقد، فناموا حتى أوجعتهم الشمس، فقام رسول الله ﷺ ، فتيمم، فقال لبلال: "أذن، وأقم" فقال بلال: الآن! فقال: "نعم" فصلَّوا بعد ما أصبحوا.
قال الهيثمي في المجمع (١/ ٣٢٣): "رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح؛ خلا شيخ الطبراني".
قلت: شيخ الطبراني، هو: إسماعيل بن الحسن الخفاف المصري: لم أقف له على ترجمة.
وأما قوله: رجاله رجال الصحيح، فنعم؛ إلا حيي بن عبد الله المعافري، فإنه: لم يرو له البخاري ولا مسلم، وهو: منكر الحديث فيما تفرد به عن أبي عبد الرحمن الحبلي، فإن قيل: قال فيه ابن معين: "ليس به بأس"، قلت: قد قال أيضًا: "صالح الحديث، ليس بذاك القوي"، وإن قيل: قال فيه ابن عدي: "أرجو أنه لا بأس به؛ إذا روى عنه ثقة"، قلت: قد قال أيضًا فيما رواه أحمد بن صالح، عن ابن وهب، عن حيي، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن ابن عمرو: "وبهذا الإسناد: خمس وعشرون حديثًا، عامتها لا يتابع عليها".
وبهذا يكون ابن معين وابن عدي قد اقتربا -في نظرتهما إلى حيي- من أقوال غيرهما من الأئمة، فقد قال أحمد: "أحاديثه مناكير"، وقال البخاري: "فيه نظر"، وقال النسائي: "ليس بالقوي" [انظر: التاريخ الكبير (٣/ ٧٦)، سؤالات ابن محرز (١/ ٦٨)، الكامل (٢/ ٤٥٠)، التهذيب (١/ ٥١٠)، الميزان (١/ ٦٢٣)، تخريج أحاديث الذكر والدعاء (١/ ٤٢٣/ ٢١٠) وقلت هناك: "ولعل من قواه نظر إلى أحاديثه التي وافق فيها الثقات؛ فحسن القول فيه"]، ومما لم يتابع عليه في هذه القصة قوله: "فقام رسول الله ﷺ ، فتيمم" والمعروف في هذه الواقعة أن الرسول ﷺ لم يتيمم، وإنما توضأ، كما جاء في أحاديث الباب.
• وفي الباب أيضًا مما لا يخلو من مقال:
٦ - عن سمرة بن جندب قال -أحسبه مرفوعًا-: "من نسي صلاة فليصلها حين يذكرها، ومن الغد للوقت".
стр. 1972
أخرجه بإسنادين، في أحدهما إرسال، وفي الثاني من ضُعِّف: أحمد (٥/ ٢٢)، والروياني (٨٦٠)، والطحاوي (١/ ٤٦٥)، والطبراني في الكبير (٧/ ٢٣٥/ ٦٩٧٨).
قال أحمد: "هو: موقوف" [الفتح لابن رجب (٣/ ٣٤٧)].
ومن طريق آخر بلفظ: عن سمرة أنه كتب إلى بنيه: أن رسول الله ﷺ كان يأمرهم: إذا شغل أحدهم عن الصلاة أو نسيها حتى يذهب حينها الذي تصلَّى فيه؛ أن يصليها مع التي تليها من الصلاة المكتوبة.
أخرجه البزار (١٠/ ٤٥١/ ٤٦١٣)، والطحاوي (١/ ٤٦٥)، والطبراني في الكبير (٧/ ٢٥٤/ ٧٠٣٤).
وهو حديث منكر؛ وفي إسناده: من ليَّنوه ومن لا يعرف.
٧ - عن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها".
أخرجه البزار (٩/ ١٣٧/ ٣٦٩٤).
وقال: "وهذا الحديث قد روي عن النبي من وجوهٍ، ولا نعلم يُروى عن أبي بكرة إلا من هذا الوجه، ولم نسمع أحدًا يرويه عن ابن علية إلا أحمد بن المقدام العجلي".
وقال الهيثمي في المجمع (١/ ٣٢٢): "رواه البزار ورجاله موثقون".
٨ - عن أنس، بإسنادين مطولًا ومختصرًا بالقصة:
أ- أخرج الأول: أبو يعلى (٧/ ٢٣٤/ ٤٢٣٨)، وعنه: ابن عدي (٣/ ٤٠٢)، والبيهقي في الدلائل (٦/ ١٣٤).
وفي إسناده سعيد بن سليم الضبي: ضعيف [اللسان (٤/ ٥٧)].
ب- وأخرج الثاني: البزار [(١/ ٣٢٢) مجمع الزوائد]. الإسماعيلي في المعجم (١/ ٤٤٤ - ٤٤٥)، والدولابي في الكنى (٢/ ٧٨٥/ ١٣٦٧).
وفي إسناده عتبة بن يقظان الراسبي، أبو عمرو: ضعيف [التقريب (٤١٦)].
٩ - عن أبي هريرة، مختصرًا بدون القصة:
أخرجه ابن عدي (٥/ ١٨٨).
وفي إسناده علي بن ظبيان، وهو: متروك، منكر الحديث.
١٠ - عن أبي سعيد الخدري، مختصرًا بدون القصة:
أخرجه أبو يعلى (٢/ ٤٠٧/ ١١٩٠)، والطبراني في الأوسط (٨/ ١٣٦/ ٨١٩٩).
وفي إسناده عامر بن عبد الواحد الأحول البصري: ليس بالقوي، وثقه أبو حاتم [انظر: التهذيب (٢/ ٢٦٩)، الميزان (٢/ ٣٦٢)]، والحسن البصري: لم يسمع من أبي سعيد [المراسيل (١٣٠ و ١٣١) وغيره].
قال في المجمع (١/ ٣٢٢): "رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح، وهو في السنن بلفظ: "من نام عن الوتر أو نسيه"".
стр. 1973
١١ - عن ميمونة بنت سعد، بدون القصة:
أخرجه الطبراني في الكبير (٢٥/ ٣٥/ ٥٩) بإسناد مجهول. قال الهيثمي في المجمع (١/ ٣٢٤): "رواه الطبراني في الكبير، وفي إسناده مجاهيل".
١٢ - عن رافع بن خديج، مختصرًا بالقصة وزيادة منكرة:
أخرجه العقيلي في الضعفاء (٢/ ٦٥)، وضعفه.
وفى إسناده رفاعة بن هرير: واهٍ [اللسان (٣/ ٤٧٤)].
١٣ - عن بلال، مختصرًا بالقصة:
أخرجه ابن خزيمة (٢/ ٩٩/ ٩٩٨)، والبزار (٤/ ١٩٩/ ١٣٦١)، والطبراني في الكبير (١/ ٣٥٤/ ١٠٧٩)، والدارقطني (١/ ٣٨١).
قال البزار: "وهذا الحديث قد رواه غير عبد الصمد عن أبي جعفر عن يحيى عن سعيد بن المسيب مرسلًا".
قلت: أبو جعفر الرازي، عيسى بن أبي عيسى: صدوق، سيئ الحفظ [التقريب (٦٩٧)]، وعبد الصمد بن النعمان: ليس بالقوي [انظر: اللسان (٥/ ١٩٠)].
والمحفوظ في هذا الحديث عن سعيد بن المسيب: مرسل.
١٤ - عن أبي أمامة، بالقصة، وفيه زيادة:
أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ٢٤٨/ ٧٩٧٣).
وفي إسناده جعفر بن الزبير؛ وهو: متروك، ذاهب الحديث [التهذيب (١/ ٣٠٤) وغيره].
١٥ - عن ابن عمر، مختصرًا وفيه زيادة.
أخرجه ابن عدي في الكامل (٢/ ١٤٤).
وفى إسناده جعفر بن ميسرة؛ وهو: منكر الحديث [اللسان (٢/ ٤٧٦)].
١٦ - عن عقبة بن عامر الجهني، مختصرًا بالقصة، وفيه زيادة:
أخرجه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٤/ ٥٩٦ - ٥٩٧/ ١٠٥٨).
وفي إسناده عبد العزيز بن عمران الزهري؛ وهو: متروك، منكر الحديث. ويعقوب بن محمد الزهري؛ وهو: ضعيف. وفي الإسناد أيضًا من لا يعرف.
١٧ - عن جندب، بالقصة مختصرة، وفيها زيادة:
أخرجه الطبراني في الكبير (٢/ ١٧٦/ ١٧٢٢).
وهو حديث منكر؛ يرويه: النضر بن منصور، عن سهل الفزاري، عن أبيه، عن جندب، قال أبو حاتم في سهل الفزاري وأبيه: "هو مجهول، وأبوه مجهول، والحديثان اللذان يرويهما عن أبيه عن جندب: منكران" [الجرح والتعديل (٤/ ٢٠٦)]، وهذا أحدهما، والنضر بن منصور: منكر الحديث [انظر: التهذيب (٤/ ٢٢٧)].
• وانظر أيضًا: المراسيل لأبي داود (٨٢)، مجمع الزوائد (١/ ٣٢٣)، وانظر فيمن
стр. 1974
تكلم في زمن هذه الواقعة: التمهيد (٣/ ١٦١)، زاد المعاد (٣/ ٣٥٧)، البداية والنهاية (٤/ ٢١٣).
• وفي الجمع بين أحاديث الباب يقول أبو بكر الأثرم في ناسخ الحديث ومنسوخه (١): "فهذه الأحاديث في ظاهرها مختلفة، وليست كذلك، ولكن الوجه في ذلك:
أن منها خاص، ومنها عام:
فأما العام: فالذي أمر به النبي ﷺ بقوله: "فليصل إذا ذكر وإذا استيقظ، لا كفارة لها إلا ذلك"، ولم يقل: فليرتحل، ثم ليصل، ولم يرخص في التأخير بعد الذكر، فهذا هو الذي أمر به، وعلَّمه أمته، فهو العام المعمول به.
وأما الخاص: فإن النبي ﷺ لما ارتحل لعلة قد فسرها، قال: "إن هذا وادٍ به شيطان؛ فارتحلوا منه"، وهذا شيء لا يعلمه إلا نبي، فهو خاص".
***
١٢ - باب في بناء المساجد
٤٤٨ - قال أبو داود: حدثنا محمد بن الصبَّاح بن سفيان: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن سفيان الثوري، عن أبي فزارة، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أمرت بتشييد المساجد".
قال ابن عباس: لتُزَخْرِفُنَّها؛ كما زخرفت اليهود والنصارى.
• حديث مرسل بإسناد صحيح، وقول بن عباس: موقوف عليه بإسناد صحيح.
أخرجه من طريق أبي داود:
ابن حزم في المحلى (٤/ ٤٤ و ٢٤٧ - ٢٤٨)، والبيهقي (٢/ ٤٣٨)، والبغوي في شرح السنة (٢/ ١١١/ ٤٦٤).
وأخرجه من طريق محمد بن الصباح:
ابن حبان (٤/ ٤٩٣ / ١٦١٥)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٣١٣)، وابن حجر في التغليق (٢/ ٢٣٩).
قال النووي في الخلاصة (٨٧٨): "رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم".
وقال ابن حجر في التغليق (٢/ ٢٤٠): "وأبو فزارة: وثقه ابن معين والدارقطني، وقال أبو حاتم: صالح، وروى له مسلم من روايته عن يزيد بن الأصم؛ فالحديث على شرطه؛ لكنه معلول".
وقال ابن حبان: "أبو فزارة، راشد بن كيسان: من ثقات الكوفيين وأثباتهم".
وقال أبو نعيم: "لم يوصله إلا محمد بن الصباح، ورواه عبد الجبار وغيره فوقفه على يزيد".
стр. 1975
قلت: محمد بن الصباح، وعبد الجبار بن العلاء: صدوقان، متقاربان، إلا أنَّ عبدَ الجبار أرفعُ حالًا، فقد قال ابن معين في ابن الصباح الجرجرائي: "حدث بحديث منكر" [تاريخ الدوري (٤/ ٣٨٥/ ٤٩٠٦)، التهذيب (٣/ ٥٩٣)، المغني (٢/ ٥٩٣)]، كما أن عبد الجبار هو الأشهر بالرواية عن ابن عيينة، وهذا مما يرجح رواية عبد الجبار؛ لا سيما وقد توبع عليها، كما قال أبو نعيم.
• وممن روى هذا الحديث موصولًا أيضًا عن الثوري:
أ- يحيى بن سعيد الأموي [ليس به بأس، صاحب غرائب. انظر: التهذيب (٤/ ٣٥٦)، الميزان (٤/ ٣٨٠)] قال: ثنا سفيان الثوري، عن أبي فزارة، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "لم أومر بتشييد المساجد".
أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ١٨٨/ ١٣٠٠٣)، ومن طريقه: ابن حجر في التغليق (٢/ ٢٣٨).
قال الطبراني: حدثنا محمد بن عبدوس بن كامل: ثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي: ثنا أبي، به.
وهذا إسناد صحيح إلى يحيى بن سعيد.
ب- علي بن قادم [صدوق، ضعفه ابن معين، روى عن الثوري: أحاديث غير محفوظة. التهذيب (٣/ ١٨٨)، الميزان (٣/ ١٥٠)]: ثنا سفيان الثوري، به.
أخرجه البيهقي (٢/ ٤٣٨)، وقرن إسناده بإسناد محمد بن الصباح عن ابن عيينة.
لكن قال ابن حجر في التغليق (٢/ ٢٣٩) بأن علي بن قادم رواه عن الثوري فأرسل الجملة الأولى عن يزيد بن الأصم، ووقف الثانية عن ابن عباس، فالله أعلم.
• خالف هؤلاء فأرسله عن الثوري:
أ- عبد الرحمن بن مهدي [واختلف عليه، ورواية الإرسال عنه أرجح، والله أعلم]، ووكيع بن الجراح [وهما من أثبت أصحاب الثوري]، وعبد الرزاق بن همام الصنعاني [ثقة حافظ، من أصحاب الثوري]: رواه ثلاثتهم عن الثوري به، فأرسلوا الجملة الأولى عن يزيد بن الأصم، لم يذكروا ابن عباس، ووقفوا الثانية عن ابن عباس.
أخرجه أحمد في الورع [عزاه إليه ابن حجر في التغليق (٢/ ٢٣٩)]. وعبد الرزاق (٣/ ١٥٢/ ٥١٢٧)، وابن أبي شيبة (١/ ٤٧/ ٣١٢٧٤)، وابن حجر في التغليق (٢/ ٢٣٨ - ٢٣٩)، وذكره ابن رجب في الفتح (٢/ ٤٧٣).
وهذه الرواية هي المحفوظة عن الثوري، والله أعلم.
• وهم فيه على الثوري: عبد الرحمن بن محمد بن زياد المحاربي [لا بأس به، وكان يدلس]: قال الطبراني في الكبير (١٢/ ١٨٨/ ١٣٠٠٢): حدثنا محمد بن موسى بن حماد البربري: ثنا عبد الرحمن بن صالح الأزدي: ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن سفيان الثوري، عن ليث، عن أبي فزارة، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس -رفعه- قال: "لم أومر بتشييد المساجد".
стр. 1976
قلت: ويحتمل أن يكون الوهم -بزيادة ليث بن أبي سليم- من قبل شيخ الطبراني، فقد قال فيه الدارقطني: "ليس بالقوي" [انظر: سؤالات الحاكم (١٥٢)، تاريخ بغداد (٣/ ٢٤٣)، الأنساب (٢/ ١٣١)، السير (١٤/ ٩١)، الميزان (٤/ ٥١)، اللسان (٧/ ٥٣٧)].
• والحديث معروف عن ليث: فقد رواه عنه: معتمر بن سليمان، ومحمد بن فضيل، وأبو حمزة السكري محمد بن ميمون [وهم: ثقات، رووه عن ليث، عن أبي فزارة، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "إني لم أؤمر بتشييد المساجد".
قال: وقال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٧٤/ ٣١٥٢) بشقه الثاني فقط. وأبو يعلى (٤/ ٣٤٠/ ٢٤٥٤) و (٥/ ٨٦ و ٨٧/ ٢٦٨٨ و ٢٦٨٩)، والطبراني في الكبير (٢/ ١٨٨/ ١٣٠٠١).
وليث بن أبي سليمٍ: ضعيف؛ لاختلاطه وعدم تميز حديثه.
• وممن رواه أيضًا من الضعفاء:
صباح بن يحيى المزني، عن أبي فزارة، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "لم أومر بتشييد المساجد".
أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ١٨٨/ ١٣٠٠٠).
وهذا لا يصلح في المتابعات؛ فإن صباح بن يحيى المزني هذا: متروك؛ بل متهم [التاريخ الكبير (٤/ ٣١٤)، الجرح والتعديل (٤/ ٤٤٢)، ضعفاء العقيلي (٢/ ٢١٢)، المجروحين (١/ ٣٧٧)، الكامل (٤/ ٨٤)، الميزان (٢/ ٣٠٦)، اللسان (٤/ ٣٠٣)].
• وعليه؛ فإن حديث: "ما أمرت بتشييد المساجد": مرسل بإسناد صحيح، ويزيد بن الأصم: تابعي ثقة، وقول ابن عباس: "لتُزَخْرِفُنَّها؛ كما زخرفت اليهود والنصارى": موقوف عليه بإسناد صحيح.
• وقد رواه بعضهم مرفوعًا: قال ابن ماجه في السنن (٧٤٠): حدثنا جُبَارة بن المُغَلِّس: ثنا عبد الكريم بن عبد الرحمن البجلي، عن ليث، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "أراكم ستشرفون مساجدكم بعدي، كما شرفت اليهود كنائسها، وكما شرفت النصارى بيعها".
قال البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ٩٤): "هذا إسناد ضعيف؛ فيه ليث، وهو: ابن أبي سليم: ضعيف، وجبارة بن المغلس، وهو: كذاب".
قلت: هو واهٍ، وما كان يتعمد الكذب؛ إنما كان يوضع له الحديث؛ فيحدث به، قال أبو زرعة: "قال لي ابن نمير: ما هو عندي ممن يكذب، قلت: كتبت عنه؟ قال: نعم، قلت: تحدث عنه؟ قال: لا، قلت: ما حاله؟ قال: كان يوضع له الحديث، فيحدث به، وما كان عندي ممن يتعمد الكذب" [التهذيب (١/ ٢٨٨)، الميزان (١/ ٣٨٧)، الجرح والتعديل (٢/ ٥٥٠)]. وسيأتي الكلام عن عبد الكريم قريبًا.
стр. 1977
وعليه: فالمعروف: موقوف على ابن عباس، ومثل هذا لا يعتبر به.
• وقد علق البخاري قول ابن عباس هذا، بصيغة الجزم، في صحيحه [٨ - كتاب الصلاة، ٦٢ - باب بنيان المسجد، قبل الحديث رقم (٤٤٦)]، فقال: "وقال ابن عباس: لتزخرفُنَّها كما زخرفت اليهود والنصارى"، فلو كان المرسل صحيحًا على شرطه، لأخرجه في هذا الباب، لكونه صريحًا في الدلالة على المقصود، أو لاكتفى بذكره معلقًا، فلما لم يفعل علمنا كونه ضعيفًا عنده، والله أعلم.
قال ابن حجر في الفتح (١/ ٥٤٠): "وكلام ابن عباس فيه مفصول من كلام النبي ﷺ ، في الكتب المشهورة وغيرها، وإنما لم يذكر البخاري المرفوع منه؛ للاختلاف على يزيد بن الأصم في وصله وإرساله".
قلت: كم من حديثٍ أخرجه البخاري في صحيحه مختلفٌ في وصله وإرساله، لكن لما ترجح عند البخاري وصله؛ أودعه في الصحيح، ولكن يقال في مثل هذا: بأنه قد ترجح عنده الإرسال؛ فأعرض عن ذكره، والله أعلم.
• قال البغوي: "والمراد بالتشييد: رفع البناء وتطويله، ومنه قوله : ﴿فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨]، وهي التي طُوِّل بناؤها، … ، وقيل: البروج المشيدة: الحصون المجصصة، والشَّيْد: الجِص ....
ثم قال: وقول ابن عباس: لتزخرفُنَّها كما زخرفت اليهود والنصارى، معناه: أن اليهود والنصارى إنما زخرفوا المساجد عندما حرَّفوا وبدَّلوا أمر دينهم، وأنتم تصيرون إلى مثل حالهم، وسيصير أمرُكم إلى المراءاة بالمساجد، والمباهاة بتشييدها وتزيينها.
قال أبو الدرداء: إذا حلَّيتم مصاحفكم، وزوَّقتم مساجدكم، فالدَّمار عليكم".
وقال أبو عبيد: "كل شيء رفعته فقد أشدته، … ، يقال: أشدت البنيان، فهو مشاد، وشيَّدته فهو مشيَّد؛ إذا رفعته وأطلته" [غريب الحديث (٣/ ١٢٩)] [وانظر: مقاييس اللغة (٣/ ٢٣٤)، تهذيب اللغة (١١/ ٢٧٠)، العين (٦/ ٢٧٧)، لسان العرب (٣/ ٢٤٤)، تاج العروس (٨/ ٢٦٢)، النهاية (٢/ ٥١٧)].
• ومما روي في هذا المعنى:
ما رواه: جبارة بن المغلس قال: ثنا عبد الكريم بن عبد الرحمن البجلي الخزاز، قال: ثنا أبو إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عمر بن الخطاب: أن رسول الله ﷺ قال: "ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم".
أخرجه ابن ماجه (٧٤١)، وأبو يعلى [عزاه إليه البوصيري، ولم أقف عليه في المطبوع من المسند]. وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٥٢)، والرافعي في التدوين (٣/ ٢٩ - ٣٠).
قال أبو نعيم: "غريب من حديث عمرو وأبي إسحاق، تفرد به عنه عبد الكريم".
وقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٩٣): "وفي إسناده ضعف".
وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ٩٤): "هذا إسناد فيه جبارة بن المغلس وقد
стр. 1978
اتهم، رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده عن جبارة بن المغلس به".
وقال ابن حجر في الفتح (١/ ٥٣٩): "رجاله ثقات إلا شيخه جبارة بن المغلس ففيه مقال".
قلت: هو حديث منكر؛ لتفرد عبد الكريم هذا به عن أبي إسحاق السبيعي، دون أصحابه على كثرتهم، وعبد الكريم هذا: غير مشهور؛ روى عنه جماعة، ولم يوثقه إلا ابن حبان حيث قال في ثقاته (٨/ ٤٢٣): "مستقيم الحديث" هكذا في التهذيب (٢/ ٦٠٢) لم يزد على ذلك، وفاته ما سطَّره هو نفسه في اللسان (٥/ ٢٤٤) في ترجمة عبد الكريم الخزاز الذي قال فيه الأزدي: "واهي الحديث جدًّا" قال ابن حجر: "وهو عبد الكريم بن عبد الرحمن الخزاز، روى أيضًا عن أبي إسحاق السبيعي … " ثم ذكر له حديثًا منكرًا [وهو مخرج في أحاديث الذكر والدعاء برقم (٤١١) (٣/ ٩٢٧)]، فإذا أضيف إلى ترجمته هذا الحديث المنكر أيضًا: دل ذلك على ضعفه، فالقلب أميل إلى قول الأزدي فيه، والله أعلم. وجبارة بن المغلس قد علمت حاله فيما تقدم.
***
٤٤٩ - قال أبو داود: حدثنا محمد بن عبد الله الخزاعي: ثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس:
وقتادة، عن أنس: أن النبي ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد".
• شاذ، والمحفوظ: موقوف بإسناد ضعيف.
أخرجه من طريق الخزاعي:
ابن خزيمة (٢/ ٢٨٢/ ١٣٢٣)، والضياء في المختارة (٦/ ٢٢٢ و ٢٢٣/ ٢٢٣٦ و ٢٢٣٧)، وابن الأعرابي في المعجم (٣/ ٩٣١/ ١٩٦٨)، والطبراني في الكبير (١/ ٢٥٩/ ٧٥٢)، وفي الأوسط (٨/ ٢٢٢/ ٨٤٦٠)، وفي الصغير (٢/ ٢٣٥/ ١٠٨٧)، وأبو عمرو الداني في السنن الواردة في الفتن (٤١٤)، والبغوي في شرح السنة (٢/ ١١٣/ ٤٦٥)، وابن حجر في التغليق (٢/ ٢٣٧)، وانظر: الإطراف بأوهام الأطراف (٦٠)، والنكت الظراف (١/ ٢٩٩ - ٣٠٠).
قال الطبراني في الأوسط: "لم يرو هذا الحديث عن قتادة إلا حماد، تفرد به محمد بن عبد الله الخزاعي، ورواه الناس: عن حماد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس فقط".
وقال في الصغير: "لم يروه عن قتادة إلا حماد، تفرد به الخزاعي".
قلت: محمد بن عبد الله بن عثمان الخزاعي، أبو عبد الله البصري: ثقة؛ وثقه ابن المديني، وأبو حاتم [التهذيب (٣/ ٦١٠)]؛ إلا أنه قد خالف في إسناد هذا الحديث:
стр. 1979
جماعةً من الثقات الحفاظ، ممن هم أحفظ منه، وأكثر في العدد، وأعلم بحديث حماد بن سلمة، مثل: عبد الله بن المبارك، وعفان بن مسلم، وأبي سلمة موسى بن إسماعيل، ويونس بن محمد المؤدب، وعبد الصمد بن عبد الوارث، والحسن بن موسى الأشيب، وعبد الله بن معاوية الجمحي.
وتابعهم ممن تُكُلِّم في حفظه: أبو سعيد مولى بني هاشم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبيد البصري، والمؤمل بن إسماعيل.
رواه تسعتهم: عن حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد".
لم يذكروا: قتادة عن أنس.
أخرجه النسائي في المجتبى (٢/ ٣٢/ ٦٨٩)، وفي الكبرى (١/ ٣٨٣/ ٧٧٠)، وابن ماجه (٧٣٩)، والدارمي (١/ ٣٨٣/ ١٤٠٨)، وابن خزيمة (٢/ ٢٨١/ ١٣٢٢)، وابن حبان (٤/ ٤٩٢ و ٤٩٣/ ١٦١٣ و ١٦١٤) و (١٥/ ١٦٢/ ٦٧٦٠)، والضياء في المختارة (٦/ ٢٢٢ و ٢٢٣/ ٢٢٣٥ و ٢٢٣٨)، وأحمد (٣/ ١٣٤ و ١٤٥ و ١٥٢ و ٢٣٠ و ٢٨٣)، وأبو يعلى (٥/ ١٨٤ و ١٨٥/ ٢٧٩٨ و ٢٧٩٩)، والبيهقي (٢/ ٤٣٩)، والبغوي في شرح السنة (٤٦٦)، وابن حجر في التغليق (٢/ ٢٣٧ و ٢٣٨).
وهذا هو الصواب، والله أعلم.
ولفظ النسائي من طريق ابن المبارك: "من أشراط الساعة أن يتباهى الناس في المساجد".
قال النووي في الخلاصة (٨٧٩): "رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح".
قلت: وهو كما قال، رجاله رجال مسلم، وقد صححه ابن خزيمة وابن حبان والضياء، وقد اتفق الشيخان على إخراج أحاديث: عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس [انظر: تحفة الأشراف (٩٤٣ - ٩٥٨)].
• إلا أني وجدت لهذا الحديث علة:
فقد روى أبو بكر بن أبي شيبة (١/ ٢٧٤/ ٣١٤٦)، ومسدد بن مسرهد (٣/ ٥٠٠/ ٣٥٥ - مطالب):
عن ابن علية، عن أيوب، قال: حدثني رجل، عن أنس بن مالك، قال: كان يقال: ليأتين على الناس زمان يبنون المساجد، يتباهون بها، ولا يعمرونها إلا قليلًا.
لفظ ابن أبي شيبة مختصر، ولفظ مسدد: حدثني رجل أن أنس بن مالك ﵁ مر قبل الطاعون الجارف، فجعل يمر بالمسجد قد أُحدِث، فيسأل عنه، فيقول: هذا مسجد أحدثه بنو فلان.
فقال: كان يقال: يأتي على الناس زمان يبنون المساجد، يتباهون بها، ثم لا يعمرونها إلا قليلًا.
قال أيوب: فجاء الجارف فجرفهم.
стр. 1980
هكذا رواه إسماعيل ابن علية، فأبهم الواسطة بين أيوب وأنس، ولم يرفعه.
وابن علية: من أثبت الناس في أيوب، بل قدمه بعضهم في أيوب على حماد بن زيد [انظر: شرح العلل (٢/ ٧٠٠)]، وأما حماد بن سلمة: فقد ذكر مسلم في التمييز (٢١٨) (١٥/ أ) أن حمادًا يخطئ كثيرًا في حديث أيوب، وأن ابن علية أثبت منه فيه.
وعليه: فالمحفوظ: ما رواه ابن علية، غير مرفوع إلى النبي ﷺ ، وإسناده ضعيف؛ لأجل الرجل المبهم، ولو كان هو أبا قلابة لصاح به ابن علية؛ فإنه أحفظ أهل البصرة، وأثبت الناس في أيوب [على قولٍ]. وأما حماد بن سلمة فقد سلك فيه الجادة والطريق السهل، ومسلم مع كونه يحتج بحماد إلا أنه لم يخرج له شيئًا بهذه السلسلة -أيوب عن أبي قلابة عن أنس-، وأكثر ما احتج به إنما هو في روايته عن ثابت وحميد خاصة، وإن كان يروي له عن غيرهما؛ إلا أن أكثره في المتابعات، والله أعلم.
• قال البخاري في صحيحه [٨ - كتاب الصلاة، ٦٢ - باب بنيان المسجد، قبل الحديث رقم (٤٤٦)]: "وقال أنس: يتباهون بها، ثم لا يعمرونها إلا قليلًا".
هكذا علقه البخاري بصيغة الجزم، موقوفًا على أنس، ولعله أراد بذلك رواية ابن علية المتقدمة.
• وأما ما رواه سعيد بن عامر الضبعي، عن أبي عامر صالح بن رستم الخزاز، قال: قال أبو قلابة الجرمي: غدونا مع أنس بن مالك إلى الزاوية، فحضرت صلاة الصبح، فمررنا بمسجد، فقال أنس: لو صلينا في هذا المسجد! فقال بعض القوم: حتى نأتي المسجد الآخر، فقال أنس: أيُّ مسجد؟ قالوا: مسجد أُحدِث الآن، فقال أنس: إن رسول الله ﷺ قال: "سيأتي على أمتي زمان يتباهون في المساجد، ولا يعمرونها إلا قليلًا".
أخرجه ابن خزيمة (٢/ ٢٨١/ ١٣٢١)، والضياء في المختارة (٦/ ٢٢٤/ ٢٢٣٩)، والطبراني في الأوسط (٧/ ٣٠١/ ٧٥٥٩) بدون القصة، وفيه: "يتباهون بكثرة المساجد".
والبغوي في شرح السنة (٢/ ١١٣ - ١١٤/ ٤٦٧)، وابن حجر في التغليق (٢/ ٢٣٦).
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن أبي عامر الخزاز إلا سعيد بن عامر".
قلت: لم ينفرد به -وهو: صدوق-، بل تابعه عليه: يونس بن بكير [صدوق يخطئ] فرواه عن صالح بن رستم به نحوه.
أخرجه أبو يعلى (٥/ ١٩٩/ ٢٨١٧)، ومن طريقه: ابن حجر في التغليق (٢/ ٢٣٦).
ورواية أيوب السختياني -الثقة الحافظ الثبت، الفقيه الإمام-: أولى بالصواب، من رواية أبي عامر الخزاز، من جهتين:
الأولى: أن صالح بن رستم أبا عامر الخزاز: ليس بالقوي، فقد وثقه: أبو داود الطيالسي، وأبو داود السجستاني، والبزار، وابن حبان، وأبو نعيم، ومشَّاه: أبو حاتم، والعجلي، وابن عدي، وضعفه: ابن معين، وابن المديني، واختلفت الرواية عن أحمد: فقال الأثرم عنه: "صالح الحديث"، وروى المرُّوذي عنه أنه ليَّن أمره، وقال في عباد بن صهيب:
стр. 1981
"وكان أمره قريبًا من أبي عامر الخزاز"، وعباد هذا أحد المتروكين، وتوسط فيه الدارقطني فقال: "ليس بالقوي" [انظر: التاريخ الكبير (٤/ ٢٨٠)، الجرح والتعديل (٤/ ٤٠٣)، العلل ومعرفة الرجال (١/ ٥٤٦/ ١٣٠٢)، سؤالات المروذي (١٥٥)، تاريخ الدوري (٤/ ١٤٣/ ٣٦٠٨)، سؤالات ابن أبي شيبة (١٣٠)، كنى مسلم (١/ ٥٨٣/ ٢٣٧٩)، معرفة الثقات (٧٤٨)، مسند البزار (٩/ ٤٧/ ٣٥٦٧)، الثقات (٦/ ٤٥٧)، صحيح ابن حبان (٣/ ١٤٥/ ٨٦٤)، مشاهير علماء الأمصار (١١٩٠)، ضعفاء العقيلي (٢/ ٢٠٣)، الكامل (٤/ ٧٢)، تاريخ أسماء الثقات (٥٧٣)، ذكر من اختلف العلماء فيه (٥٧)، الحلية (٣/ ٣٥١)، الموضح (٢/ ١٨٢)، السير (٧/ ٢٨)، الميزان (٢/ ٢٩٤)، المغني (١/ ٣٥٣)، الكاشف (١/ ٤٩٥)، ذكر من تكلم فيه وهو موثق (١٦٣)، هدي الساري (٤٥٧)، التهذيب (٢/ ١٩٤) وغيرها].
الثانية: أنه لا يثبت سماع لأبي عامر هذا من أبي قلابة [وانظر: التاريخ الكبير (٤/ ٢٨٠)]، مع قلة روايته عنه جدًّا، ثم إن لفظ أدائه هنا ظاهره الانقطاع؛ لقوله: قال أبو قلابة.
• فإن قيل: إن لهذا الحديث إسناد صحيح كالشمس، على شرط الشيخين، فقد قال الضياء المقدسي في المختارة (٧/ ٨٦/ ٢٤٩٢): أخبرنا أبو أحمد عبد الوهاب بن علي بن علي بن عبيد الله الصوفي ببغداد، أن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الواحد القزاز أخبرهم: أبنا عبد الصمد بن علي بن المأمون: ثنا علي -هو: ابن عمر الحربي-: أبنا أحمد بن الحسن: ثنا أبو محمد خلف بن سالم: ثنا عمرو بن عاصم: ثنا همام، عن قتادة، عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد".
وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات مشهورون.
قلت: لكنه إسناد غريب، لم أعثر عليه في كتب المتقدمين من المحدثين، فكيف يعرضوا عن مثل هذا لو كان موجودًا عندهم، ولم أره في الفوائد المنتقاة لأبي الحسن علي بن عمر الحربي، فإنه من رواية: عبد الصمد بن علي بن المأمون المذكور في هذا الإسناد، وهذا مما يشكك في ثبوت هذا الحديث، إذ كيف يكون هذا من حديث الحربي، وليس هو في كتابه، مما هو على شرطه فيه؟!
فلا يبعد أن يكون دخل لأحد رواته حديث في حديث؛ بانتقال بصرٍ أو نحوه، والله أعلم.
***
٤٥٠ - . . . أبو همام الدلال محمد بن محبَّب: حدثنا سعيد بن السائب، عن محمد بن عبد الله بن عياض، عن عثمان بن أبي العاص، أن النبي ﷺ أمره أن يجعل مسجد الطائف حيث كان طواغيتهم.
• حديث ضعيف.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ١٣٦) تعليقًا؛ إن لم يكن روى عن أبي همام
стр. 1982
الدلال. وابن ماجه (٧٤٣)، والحاكم (٣/ ٦١٨)، والبزار (٦/ ٣١٤/ ٢٣٢٧)، والدولابي في الكنى (٣/ ١١٥١ - ١١٥٢/ ٢٠٠٥)، والطبراني في الكبير (٩/ ٤٩ /٨٣٥٥)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٤/ ١٩٦٢/ ٤٩٣٣)، والبيهقي في السنن (٢/ ٤٣٩)، وفي الدلائل (٥/ ٣٠٦)، وابن عبد البر في التمهيد (٥/ ٢٢٨)، والبغوي في شرح السنة (٢/ ٣٦٢/ ٤٧٦)، والمزي في التهذيب (٢٥/ ٥٢٩)، والذهبي في السير (١٥/ ٥٠٤ - ٥٠٥).
قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلمه يُروى إلا عن عثمان بن أبي العاص بهذا الإسناد".
قلت: أما هذا الإسناد: فإن رجاله ثقات؛ غير محمد بن عبد الله بن عياض؛ فإنه: مجهول، لا يعرف بغير هذا الإسناد، ولم يذكر سماعًا من عثمان [انظر: التاريخ الكبير (١/ ١٣٦)، الجرح والتعديل (٧/ ٣٠٢)، الثقات (٥/ ٣٧٨)، التهذيب (٣/ ٦١٣)، الميزان (٣/ ٦٠٢) وقال: "لا يعرف"].
وعليه: فالإسناد: ضعيف.
• وقد روي معناه من حديث تميم بن غيلان:
فقد روى ابن قانع في المعجم (١/ ١١٤)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (١/ ٤٥٨/ ١٣١٥):
من طريق أحمد بن محمد بن عيسى البرتي: ثنا أبو حذيفة: ثنا محمد بن مسلم الطائفي: ثنا المفضل بن تميم بن غيلان بن سلمة الثقفي، عن أبيه تميم بن غيلان، قال: بعث رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة، ورجلًا آخر -إما خالد بن الوليد، أو غيره-، فأمرهم أن يكسروا طاغية ثقيف، فقالوا: يا رسول الله! فأين نجعل مسجدهم؟ قال: "حيث كانت طاغيتهم؛ حتى يعبد الله كما [وفي رواية: حبث] كان لا يعبد".
قال ابن منده: "لا نعرفه إلا من هذا الوجه وهو مرسل" [إصابة (١/ ٣٧٦)].
وقال ابن قانع: "الصحيح: تميم بن غزية بن عمرو بن عطية بن خنسا بن مبذول بن عمرو بن مازن بن النجار".
قلت: الظاهر أنه كما في الرواية: تميم بن غيلان بن سلمة الطائفي الثقفي، وهو: تابعي، ليست له صحبة، يروي عن عبد الرحمن بن عوف وأبي الدرداء، ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وأخطأ من عده في الصحابة [انظر: التاريخ الكبير (٢/ ١٥٣)، الجرح والتعديل (٢/ ٤٤١)، الثقات (٤/ ٨٦)، الإنابة (١/ ١١٧/ ١٠٨)، الإصابة (١/ ٣٧٦)، جامع التحصيل (٧٢)، تحفة التحصيل (٤١)].
وابنه المفضل -أو: الفضل- بن تميم: لا يعرف.
ومحمد بن مسلم الطائفي: صدوق، يخطئ إذا حدث من حفظه، وله غرائب، وقد ضعفه أحمد على كل حال، من كتاب وغير كتاب [انظر: التهذيب (٣/ ٦٩٦)، الميزان (٤/ ٤٠)، التقريب (٥٦٤)].
стр. 1983
وأبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي: صدوق سيئ الحفظ، وكان يصحِّف [التقريب (٦١٩)].
والبرتي: ثقة حافظ [تاريخ بغداد (٥/ ٦١)، السير (١٣/ ٤٠٧)].
فهذا: مرسل بإسناد ضعيف، وهو: غريب؛ لا يصلح مثله في الشواهد؛ وعليه: فالحديث: ضعيف، والله أعلم.
• وفي الباب مما هو صالح للاحتجاج:
حديث طلق بن علي:
فقد روى ملازم بن عمرو قال: حدثني عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق، عن أبيه طلق بن علي، قال: خرجنا وفدًا إلى النبي ﷺ [وفي رواية: خرجنا ستةً وفدًا إلى رسول الله ﷺ ، خمسة من بني حنيفة، ورجل من بني ضبيعة بن ربيعة]، فبايعناه، وصلينا معه، وأخبرناه أن بأرضنا بِيعَةً لنا، فاستوهبناه من فضل طَهوره، فدعا بماء فتوضأ، وتمضمض، ثم صبَّه في إداوةٍ، وأمرنا فقال: "اخرجوا، فإذا أتيتم أرضكم فاكسروا بِيعَتكم، وانضحوا مكانها بهذا الماء، واتخدوها مسجدًا" قلنا: إن البلد بعيد، والحر شديد، والماء ينشف، فقال: "مدوه من الماء؛ فإنه لا يزيده إلا طيبًا".
[وفي رواية: فخرجنا فتشاححنا على حمل الإداوة أينا يحملها، فجعلها رسول الله ﷺ نوبًا، لكل رجل منا يومًا وليلةً،، فخرجنا حتى قدمنا بلدنا، فكسرنا بيعتنا، ثم نضحنا مكانها، واتخذناها مسجدًا، فنادينا فيه بالأذان، قال: والراهب رجل من طيئ، فلما سمع الأذان قال: دعوة حق، ثم استقبل تلعة من تلاعنا فلم نره بعد.
أخرجه النسائي في المجتبى (٢/ ٣٨/ ٧٠١)، وفي الكبرى (١/ ٣٨٨/ ٧٨٢)، وابن حبان (٣/ ٤٠٥/ ١١٢٣) و (٤/ ٤٨٠/ ١٦٠٢)، والضياء في المختارة (٨/ ١٦٢ و ١٦٣/ ١٧٥ و ١٧٦)، وابن سعد في الطبقات (٥/ ٥٥٢)، وابن أبي شيبة (١/ ٤٢٣/ ٤٨٧٠)، وعمر بن شبة في أخبار المدينة (١/ ٣١٧/ ٩٦٣)، وأبو إسحاق الحربي في غريب الحديث (٢/ ٨٠٧ و ٨٩٥)، والطبراني في الكبير (٨/ ٣٣٢/ ٨٢٤١)، وأبو نعيم في الدلائل (٤٧)، والبيهقي في الدلائل (٢/ ٥٤٢ - ٥٤٣)، وابن عبد البر في التمهيد (٥/ ٢٢٨)، والرافعي في التدوين (٢/ ٢٨١).
وهذا إسناد حنفي يمامي حسن؛ وقيس قد سمع من أبيه، وهو: حسن الحديث، وقد تقدم الكلام على هذا الإسناد عند الحديث رقم (١٨٢).
وهذا الحديث قد احتج به النسائي على جواز اتخاذ البِيَع مساجد، وصححه ابن حبان والضياء.
تنبيه: زاد بعضهم في الإسناد، عند الضياء (١٧٥): سراج بن عقبة [وهو: ثقة. الجرح والتعديل (٤/ ٣١٦)، الثقات (٦/ ٤٣٤)، التعجيل (٣٥٦)] مقرونًا بعبد الله بن بدر، وهذه الزيادة وهم من الراوي؛ فقد رواه جماعة من الثقات الحفاظ عن ملازم به بدونها، والله أعلم.
стр. 1984
• ورواه أحمد (٤/ ٢٣) من طريق محمد بن جابر الحنفي اليمامي عن عبد الله بن بدر عن طلق به مختصرًا، ومحمد بن جابر هذا: ضعيف؛ وقد وهم في إسناده ومتنه، والله أعلم.
***
٤٥١ - . . . يعقوب بن إبراهيم: ثنا أبي، عن صالح: ثنا نافع، أن عبد الله بن عمر أخبره: أن المسجد كان على عهد رسول الله ﷺ مبنيًّا باللَّبِن والجَرِيد، وعَمَدُه من خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئًا، وزاد فيه عمر، وبناه على بنائه في عهد رسول الله ﷺ باللَّبِن والجَرِيد، وأعاد عَمَلَه خشبًا، وغيَّره عثمان، فزاد فيه زيادةً كثيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقَصَّة، وجعل عَمَدَه من حجارة منقوشة، وسقَّفَه بالساج.
قال أبو داود: القَصَّة: الجِصُّ.
• حديث صحيح.
أخرجه البخاري (٤٤٦) وفيه: "مبنيًّا باللَّبِن، وسقفَه الجَرِيد"، وابن خزيمة (٢/ ٢٨٢/ ١٣٢٤)، وابن حبان (٤/ ٤٧٨/ ١٦٠١)، وأحمد (٢/ ١٣٠)، والبيهقي في السنن (٢/ ٤٣٨)، وفي الدلائل (٢/ ٥٤١)، والخطيب في الكفاية (١٨١).
تابع صالحَ بن كيسان: ابنُ سمعان [هو: عبد الله بن زياد بن سليمان بن سمعان المخزومي المدني: متروك، متهم] فرواه عن نافع به.
أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١٥٣/ ٥١٢٩).
• خالفهما: عبد الله بن عمر العمري [ليس بالقوي]، واختلف عليه:
أ- فرواه حماد بن خالد الخياط [ثقة حافظ]، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، أن عمر ﵁ زاد في المسجد من الأسطوانة إلى المقصورة، وزاد عثمان ﵁، وقال عمر ﵁: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "نبغي نزيد في مسجدنا" ما زدت فيه.
هكذا بإسقاط ابن عمر من الإسناد.
أخرجه أحمد (١/ ٤٧).
ب- ورواه عبد الله بن مسلمة القعنبي [ثقة حجة]، وأبو قتيبة سلم بن قتيبة [صدوق]: كلاهما عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، قال: قال عمر ﵁: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إني أريد أن أزيد في قبلتكم" ما زدت.
زاد القعنبي: "قال العمري: فزاد ما بين المنبر إلى موضع المقصورة".
أخرجه البزار (١/ ٢٦٢/ ١٥٧)، وأبو يعلى [(٣/ ٤٦٣/ ٣٤٨ - مطالب)، (٢٢٥ و ٢٢٦ - المقصد العلي)، (٢/ ١١ - مجمع الزوائد)]. وأبو بكر النجاد في مسند عمر (١٢٣/ ٢).
стр. 1985
قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عمر إلا من هذا الوجه، ولا نعلم رواه إلا العمري عن نافع".
قلت: لا أُرَى هذا الاختلاف إلا من العمري نفسه؛ فإنه: سيئ الحفظ، وقد زاد في المتن: قوله ﷺ : "نبغي نزيد في مسجدنا"، وهذا مما يدل على ضعف العمري، والله أعلم.
والمحفوظ: ما رواه صالح بن كيسان: الثقة الثبت.
• قال ابن بطال في شرح البخاري (٢/ ٩٧): "وهذه الآثار مع ما ذكر البخاري في هذا الباب: تدل أن السنةَ في بنيان المساجد: القصدُ وتركُ الغلو في تشييدها؛ خشية الفتنة، والمباهاة ببنائها،. . . إلى أن قال: وكان عمر قد فتح الله الدنيا في أيامه، ومكَّنه من المال؛ فلم يغير المسجد عن بنيانه الذي كان عليه في عهد النبي ﷺ ، ثم جاء الأمر إلى عثمان والمال في زمانه أكثر؛ فلم يزد أن جعل في مكان اللَّبِن حجارةً وقصةً، وسقَفَه بالساج مكان الجريد، فلم يُقَصِّر هو وعمر عن البلوغ في تشييده إلى أبلغ الغايات إلا عن علم منهما عن الرسول ﷺ بكراهة ذلك، وليُقتدى بهما في الأخذ من الدنيا بالقصد والكفاية، والزهد في معالي أمورها، وإيثار البلغة منها".
• وقال ابن رجب في الفتح (٤٧٦): "وفيما فعله عمر وعثمان من تخريب المسجد والزيادة فيه: دليل على جواز الزيادة في المساجد، وتخريبها لتوسعتها وإعادة بنائها على وجه أصلح من البناء الأول؛ فإن هذا فعله عمر وعثمان بمشهد من المهاجرين والأنصار وأقروا عليه".
• وهذا أيضًا فيه دليل على أن الزيادة في المسجد لها حكم المزيد فيه في الفضل، فما زيد في المسجد الحرام ومسجد النبي ﷺ كله مسجد، والصلاة فيه كلِّه سواء في المضاعفة والفضل، قاله ابن رجب [الفتح (٢/ ٤٧٩)].
***
٤٥٢ - قال أبو داود: حدثنا محمد بن حاتم: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن شيبان، عن فراس، عن عطية، عن ابن عمر، أن مسجد النبي ﷺ كانت سواريه على عهد رسول الله ﷺ من جذوع النخل، أعلاه مظلَّلٌ بجريد النخل، ثم إنها نَخِرَت في خلافة أبي بكر، فبناها بجذوع النخل وبجريد النخل، ثم إنها نخرت في خلافة عثمان، فبناها بالآجُرِّ، فلم تزَل ثابتةً حتى الآن.
• حديث منكر.
أخرجه من طريق أبي داود: البيهقي في الدلائل (٢/ ٥٤١).
قال ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٢١٦): "وهذا غريب".
стр. 1986
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ فإن عطية بن سعد العوفي: ضعيف الحفظ [انظر: التهذيب (٣/ ١١٤)، الميزان (٣/ ٧٩)]؛ وقد خالف في روايته هذه: نافعًا، وهو: أثبت أصحاب ابن عمر، وأكثرهم عنه رواية، وبقية رجاله: ثقات؛ وعليه: فهي رواية منكرة.
***
٤٥٣ - . . . عبد الوارث، عن أبي التيَّاح، عن أنس بن مالك، قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة، فنزل في عُلْو المدينة، في حي يقال لهم: بنو عمرو بن عوف، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى بني النجار، فجاؤوا متقلِّدين سيوفهم، فقال أنس: فكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ على راحلته وأبو بكر رِدْفه، ومَلأُ بني النجار حوله، حتى ألقى بفناء أبي أيوب.
وكان رسول الله ﷺ يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم، وأنه أمر ببناء المسجد، فأرسل إلى بني النجار، فقال: "يا بني النجار! ثامنوني بحائطكم هذا" فقالوا: والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله ، قال أنس: وكان فيه ما أقول لكم: كانت فيه قبورُ المشركين، وكانت فيه خَرِبٌ، وكان فيه نخلٌ، فأمر رسول الله ﷺ بقبور المشركين فنُبِشت، وبالخرب فسُوِّيت، وبالنخل فقُطع، فصفُّوا النخلَ قبلةَ المسجد، وجعلوا عِضادَتَيْه حجارةَ، وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون، والنبي ﷺ معهم، ويقول:
"اللهم لا خيرَ إلا خيرُ الآخرهْ … فانصُرِ الأنصارَ والمهاجرهْ"
• حديث متفق على صحته.
أخرجه البخاري (٤٢٨ و ١٨٦٨ و ٢١٠٦ و ٢٧٧١ و ٢٧٧٤ و ٢٧٧٩ و ٣٩٣٢)، ومسلم (٥٢٤) و (١٨٠٥/ ١٢٩)، وأبو عوانة (١/ ٣٣١ و ١٧٧/ ١٣٣٢ و ١١٧٨) و (٤/ ٣٤٩/ ٦٩٣٣)، وأبو نعيم في المستخرج (٢/ ١٢٧/ ١١٥٩)، والنسائي في المجتبى (٢/ ٣٩ - ٤٠/ ٧٠٢)، وفي الكبرى (١/ ٣٨٩/ ٧٨٣)، وابن خزيمة (٢/ ٥/ ٧٨٨)، وابن حبان (٦/ ٩٧/ ٢٣٢٨)، وأحمد (٣/ ٢١١ - ٢١٢)، والطيالسي (٣/ ٥٥٨/ ٢١٩٨)، وابن سعد في الطبقات (١/ ٢٣٥ و ٢٤٠)، وأبو يعلى (٧/ ١٩٣/ ٤١٨٠)، وأبو العباس السراج في مسنده (٥١٢)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (٣١١)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٨٣)، والبيهقي في السنن (٢/ ٤٣٨)، وفي الدلائل (٢/ ٥٣٩)، وابن عبد البر (٥/ ٢٣١) و (١٣/ ١٤٨)، وابن منده في معرفة أسامي أرداف النبي ﷺ (١٦ - ١٧)، والبغوي في شرح السنة (٧/ ١١٢/ ٣٦٥٩).
وقال: "هذا حديث متفق على صحته".
стр. 1987
وقال أبو نعيم في الحلية: "صحيح متفق عليه من حديث أبي التياح، رواه عنه شعبة وحماد بن سلمة في آخرين، وأتمهم سياقًا عبد الوارث عنه".
قلت: وهو كما قال، فأما رواية حماد بن سلمة فأخرجها أبو داود:
***
٤٥٤ - . . . حماد بن سلمة، عن أبي التياح، عن أنس بن مالك، قال: كان موضع المسجد حائطًا لبني النجار، فيه حَرْثٌ ونخلٌ وقبورُ المشركين، فقال رسول الله ﷺ : "ثامنوني به" فقالوا: لا نبغي به ثمنًا، فقطع النخلَ، وسوَّى الحرثَ، ونبش قبور المشركين،. . . وساق الحديث، وقال: "فاغفر" مكان "فانصر".
قال موسى [يعني: شيخه موسى بن إسماعيل الذي روى عنه هذا الحديث عن حماد]: وحدثنا عبد الوارث بنحوه، وكان عبد الوارث يقول: خَرِب، وزعم عبد الوارث أنه أفاد حمادًا هذا الحديث.
• حديث صحيح، وقوله: "حرث" وهم منه وتصحيف، وإنما هي: "خرب".
أخرجه ابن ماجه (٧٤٢)، وأبو عوانة (١/ ٣٣١/ ١١٧٧) و (٤/ ٣٤٩ و ٣٥٠/ ٦٩٣٤ و ٦٩٣٥)، وأبو نعيم في المستخرج (٢/ ١٢٧/ ١١٥٩)، وأحمد (٣/ ١١٨ و ١٢٣ و ١٨٠ و ٢٤٤)، والطيالسي (٢١٩٨)، وابن أبي شيبة (٣/ ٦٠/ ١٢٠٩٥)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٤/ ٢٤١/ ٢٢٤٤)، وأبو يعلى (٧/ ١٩٢/ ٤١٧٨)، وابن جرير الطبري في التاريخ (٢/ ٨)، والسراج في مسنده (٥١١)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (٣١٠)، والبيهقي في الدلائل (٢/ ٥٤٠).
وتمام لفظه عند أحمد (٣/ ٢٤٤) من رواية عفان: قال: وكان نبي الله ﷺ قبل أن يبني المسجد يصلي حيث أدركته الصلاة، وفي مرابض الغنم، وكان النبي ﷺ يقول وهم ينقلون الصخر لبناء المسجد:
"اللهم إن الخير خير الآخرهْ … فاغفر للأنصار والمهاجرهْ"
• والذي يظهر لي -والله أعلم- أن قول حماد: "حرث" وهم منه وتصحيف، وإنما هي: "خرب" كما قال عبد الوارث بن سعيد؛ فإنه أحفظ وأثبت من حماد -كما قال أبو حاتم-، بل هو أحفظ الناس لحديث أبي التياح؛ قال معاذ بن معاذ: "سألتُ أنا ويحيى بن سعيد شعبةَ: عن شيء من حديث أبي التياح؟ فقال: ما يمنعكم من ذاك الشاب؟! -يعني: عبد الوارث فما رأيت أحدًا أحفظ لحديث أبي التياح منه! فقمنا، فجلسنا إليه، فسألناه، فجعل يمرها كأنها مكتوبة في قلبه"، وكان يحيى بن سعيد القطان يقدم عبد الوارث على غيره من أصحابه إذا خالفوه في شيء [انظر: الجرح والتعديل (١/ ١٤٦) و (٦/ ٧٥)، التهذيب (٢/ ٦٣٥) وغيرها].
стр. 1988
• وأما رواية شعبة فأخصرهم:
قال شعبة: حدثني أبو التياح، عن أنس: أن رسول الله ﷺ كان يصلي في مرابض الغنم قبل أن يبني المسجد.
أخرجه البخاري (٢٣٤ و ٤٢٩)، ومسلم (٥٢٤)، وأبو عوانة (١/ ٣٣١/ ١١٧٤ و ١١٧٥ و ١١٧٧) و (٤/ ٣٤٩/ ٦٩٣٤)، وأبو نعيم في المستخرج (٢/ ١٢٧ و ١٢٨/ ١١٥٩ و ١١٦٠)، والترمذي (٣٥٠)، وابن حبان (٤/ ٢٢٦/ ١٣٨٥)، وأحمد (٣/ ١٣١ و ١٩٤)، والطيالسي (٢١٩٨)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٣٨/ ٣٨٨٥)، وأبو يعلى (٧/ ١٨٩/ ٤١٧٤)، والسراج في مسنده (٥١٠)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (٣٠٧ و ٣٠٨)، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (١٤٠٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤١/ ٣٢٠).
قال الترمذي: "هذا حديث: حسن صحيح، وأبو التياح الضبعي اسمه: يزيد بن حميد".
• قال ابن رجب في الفتح (٢/ ٤١٢): "والمقصود من تخريج الحديث في هذا الباب: أن موضع المسجد كان فيه قبور للمشركين، فنبشت قبورهم، وأخرجت عظامهم منها، وهذا يدل على أن المقبرة إذا نبشت وأخرج ما فيها من عظام الموتى لم تبق مقبرة، وجازت الصلاة فيها.
ويدل على كراهة الصلاة في المقبرة ولو كانت قبور المشركين؛ لما فيه من سد الذريعة إلى اتخاذ القبور مساجد، فإنه إذا تطاول العهد، ولم تعرف الحال، خشي من ذلك الفتنة.
وقد يقال مع ذلك: إن في نبش عظام المشركين للصلاة في أماكنها تباعدًا في الصلاة عن مواضع العذاب والغضب، وهي مما يكره الصلاة فيها،. . .
وفي الحديث: دليل على طهارة الأرض بالاستحالة؛ فإن النبي ﷺ لم يأمر عند نبش الأرض بإزالة تراب القبور ولا تطهيرها، ولو فعل ذلك لما أهمل نقله؛ للحاجة إليه. . . .
وفي الحديث: دليل على أن قبور المشركين لا حرمة لها، وأنه يجوز نبش عظامهم، ونقلهم من الأرض للانتفاع بالأرض إذا احتيج إلى ذلك. . . .
ونص أحمد على أنه إذا غلب المسلمون على أرض الحرب فلا تنبش قبورهم.
وهذا محمول على ما إذا كان النبش عبثًا لغير مصلحة، أو أن يخشى منه أن يفعل الكفار مثل ذلك بالمسلمين إذا غلبوا على أرضهم.
وفي الحديث: دليل على أن بيع الأرض التي في بعضها قبور صحيح، فإن النبي ﷺ طلب شراء هذا المربد.
وهذه المسألة على قسمين:
أحدهما: أن يكون المقبور في الأرض يجوز نبشه ونقله، كأهل الحرب، ومن دفن في مكان مغصوب، فهذا لا شك في صحة البيع للأرض كلها، وينقل المدفون فيها، كما أمر النبي ﷺ بنقل عظام المشركين من المربد.
стр. 1989
والثاني: أن يكون المقبور محترمًا لا يجوز نبشه، فلا يصح بيع موضع القبور خاصة. . . .
وفي الحديث: دليل على جواز قطع النخل لمصلحة في قطعه،. . . والله أعلم".
***
١٣ - باب اتخاذ المساجد في الدور
٤٥٥ - قال أبو داود: حدثنا محمد بن العلاء: ثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدُّور، وأن تُنظَّف وتُطيَّب.
• الصحيح: مرسل، وله إسناد آخر وشاهد.
أخرجه من طريق أبي كريب محمد بن العلاء: ابن حبان (٤/ ٥١٣/ ١٦٣٤)، وأبو يعلى (٨/ ١٥٢/ ٤٦٩٨)، وأبو العباس السراج في حديثه بانتقاء زاهر الشحامي (٩٦٠)، وابن حزم في المحلى (١/ ١٧٢) و (٤/ ٤٤ و ٢٤٠)، وابن عبد البر (١٤/ ١٦٠).
وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات حفاظ، رجال الشيخين.
• تابع حسينَ بنَ علي الجعفي: يعقوبُ بن إسحاق الحضرمي [صدوق]، قال: ثنا زائدة بن قدامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: أمر رسول الله ﷺ أن تتخذ المساجد في الدور، وأن نُطهَّر وتُطيَّب.
أخرجه ابن ماجه (٧٥٩)، والخطيب في تاريخه (٦/ ١٥٢).
• تابع زائدة بن قدامة عليه:
١ - سفيان الثوري:
رواه عبد الله بن الوليد العدني: ثنا سفيان الثوري، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن النبي ﷺ أمر بتنظيف المساجد التي في البيوت.
أخرجه ابن عدي في الكامل (٤/ ٢٤٨).
وقال: "وهذا الحديث يعرف أيضًا من حديث الثوري عن هشام بن عروة: عن عبد الله بن الوليد"، وكذا هو في المخطوط (٢/ ١٥٥/ ب).
فهو: غريب من حديث الثوري؛ لتفرد عبد الله بن الوليد بن ميمون المكي العدني به عن الثوري، فهو وإن كان صدوقًا، صحيح السماع من الثوري، أملى عليه إملاءً، وروى عنه جامعه؛ إلا أن له عن الثوري غرائب تفرد بها دون أصحابه المشهورين على كثرتهم، ولم يكن صاحب حديث، وربما أخطأ [انظر: التهذيب (٢/ ٤٥٢)، سؤالات أبي داود (٢٣٩)، المعرفة والتاريخ (١/ ٧١٨)، الميزان (٢/ ٥٢٠)].
٢ - عبد الله بن المبارك، وقد اختلف عليه:
стр. 1990
أ- فرواه خالد بن أبي يزيد القطربلي [كتب عنه ابن معين، وقال: "لم يكن به بأس"، التهذيب (١/ ٥٣٨)، التقريب (١٧٩) وقال: "صدوق"، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يأمرنا ببناء المساجد في الدور، ويأمر بتنظيفها.
أخرجه الطحاوي في المشكل (١/ ٣٩٣/ ٣٦٧ - ترتيبه).
ب- وخالفه: يعقوب بن إسحاق الحضرمي [صدوق] فقال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن الفرافصة، عن رسول الله ﷺ . . . فذكر مثله.
أخرجه الطحاوي في المشكل (٣٦٨ - ترتيبه).
ويعقوب بن إسحاق: أشهر وأحفظ من القطربلي؛ إلا أنه قد اختلف عليه أيضًا:
أ- فرواه رزق الله بن موسى [صدوق له أوهام]، وإبراهيم بن محمد بن مروان، المعروف بالعتيق [قال الدارقطني: "غمزوه"، ووهَّمه في متن حديث قلبه. العلل (١٠/ ٢١٨/ ١٩٨٥)، تاريخ بغداد (٦/ ١٥٢)، اللسان (١/ ٣٤٢)]، روياه عن يعقوب بن إسحاق الحضرمي، قال: ثنا زائدة بن قدامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة به، وتقدم.
ب- وخالفهما: إبراهيم بن مرزوق بن دينار البصري، نزيل مصر [صدوق، قال الدارقطني: "ثقة؛ إلا أنه كان يخطئ، فيقال له، فلا يرجع"، وكان قد عمي قبل موته. التهذيب (١/ ٨٦)، الميزان (١/ ٢١٤)] فرواه عن يعقوب بن إسحاق الحضرمي قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن الفرافصة، عن رسول الله ﷺ . . .، وتقدم.
فلا أدري ممن الوهم فيه؟ فلعل الوهم فيه من الرواة عن الحضرمي؛ فليس فيهم من يعتمد على حفظه، ولعل الوهم فيه من الحضرمي نفسه؛ فإنه ليس بذاك الثبت، الذي يحتمل منه التعدد في الأسانيد [انظر: التهذيب (٤/ ٤٤٠)].
وعليه: فلا أرى الحديث محفوظًا عن ابن المبارك من هذا الوجه المتصل؛ فإني لم أقف على من رواه عن ابن المبارك غير رواية هذين، وليسا من أصحاب الرجل المشهورين بالرواية عنه، مثل عبدان، وسويد بن نصر، وسفيان بن عبد الملك، وعلي بن الحسن بن شقيق، وأحمد بن عيسى الحمال، وغيرهم من أصحابه المعروفين.
فإن قيل: رواية ابن المبارك عن الفرافصة، قد توبع عليها:
تابعه: قران بن تمام، فرواه عن هشام بن عروة عن أبيه عن الفرافصة عن النبي ﷺ مثله.
أخرجه العقيلي (٣/ ٣٠٩)، وابن قانع في المعجم (٢/ ٣٣٠).
قلت: قران: صدوق يخطئ [انظر: التهذيب (٣/ ٤٣٥)، الثقات (٧/ ٣٤٦) وغيرهما]، والذين خالفوه أحفظ منه، وأكثر عددًا.
وقد وهَّمه العقيلي في هذه الرواية.
стр. 1991
وقال الدارقطني في العلل (٥/ ٣٧/ أ) (١٤/ ١٥٦/ ٣٤٩٣): "وقيل: عن قران بن تمام، عن هشام، عن أبيه، عن الفرافصة، عن النبي ﷺ ، ولا يصح".
فلا تصح الرواية فيه عن فرافصة.
٣ - مالك بن سعير بن الخِمس [صدوق، ضعفه أبو داود]، قال: أنبأنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة به، وقال: تطهر، بدل: تنظف.
أخرجه ابن ماجه (٧٥٨)، وابن خزيمة (٢/ ٢٧٠/ ١٢٩٤)، والسراج في حديثه بانتقاء الشحامي (٩٥٠)، والطحاوي في المشكل (٣٦٩ - ترتيبه).
وذكره ابن أبي حاتم في العلل (١/ ١٦٨/ ٤٨١) وسأل عنه أباه؟ فقال: "إنما يُروى عن عروة، عن النبي ﷺ ، مرسلًا".
٤ - عامر بن صالح [هو: ابن عبد الله بن عروة بن الزبير، الزبيري، أبو الحارث المدني، سكن بغداد: متروك، كذبه ابن معين، وخفي أمره على أحمد فوثقه. انظر: التهذيب (٢/ ٢٦٦)، الميزان (٢/ ٣٦٠)،، قال: حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة به.
أخرجه الترمذي (٥٩٤)، والطوسي في مستخرجه على الترمذي "مختصر الأحكام" (٣/ ١٦٥ - ١٦٦/ ٥٥٦)، وأحمد (٦/ ٢٧٩)، والسراج في حديثه بانتقاء الشحامي (٩٥١)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٢٤/ ٢٥١٠)، والعقيلي (٣/ ٣٠٩)، وابن عدي (٥/ ٨٣)، والبيهقي (٢/ ٤٣٩)، والخطيب في تاريخه (١٢/ ٢٣٤)، والبغوي في شرح السنة (٢/ ١٣٩/ ٥٠٠)، والمزي في التهذيب (١٤/ ٤٨).
قال ابن عدي: "وهذا الحديث يعرف بمالك بن سعير عن هشام بن عروة، وقد رواه عامر بن صالح"، ثم قال في آخر ترجمة عامر هذا: "وعامة حديثه مسروقات من الثقات، وإفرادات مما ينفرد به، وعامة ما رأيته يروي عن هشام بن عروة".
٥ - يونس بن بكير [صدوق يخطئ، صاحب غرائب. التهذيب (٤/ ٤٦٦)، الكامل (٧/ ١٧٨)، الميزان (٤/ ٤٧٧)، التقريب (٦٨٦)]، رواه عن هشام، عن أبيه، عن عائشة به.
أخرجه البزار [نصب الراية (١/ ١٢٢)].
• خالف هؤلاء في وصل الحديث؛ فأرسله:
وكيع بن الجراح، وسفيان بن عيينة، وعبدة بن سليمان [وهم: ثقات حفاظ]:
رووه عن هشام بن عروة عن أبيه أن النبي ﷺ أمر. . . فذكروا نحوه، هكذا مرسلًا.
أخرجه الترمذي (٥٩٥ و ٥٩٦)، وابن أبي شيبة (٢/ ١٤١/ ٧٤٤٤)، والعقيلي (٣/ ٣٠٩).
قال الترمذي: "وهذا أصح من الحديث الأول".
وقال الطوسي: "وهذا أصح من حديث الزبيري"، يعني: عامر بن صالح.
وقال العقيلي: "هذا أولى".
وقال ابن رجب في الفتح (٢/ ٣٨٠): "وكذلك: أنكر الإمام أحمد وصله".
стр. 1992
وقال أبو حاتم في العلل (١/ ١٦٨/ ٤٨١): "إنما يُروى عن عروة، عن النبي ﷺ ، مرسلًا".
وقال الدارقطني في العلل (٥/ ٣٧/ أ) (١٤/ ١٥٥/ ٣٤٩٣) لما سئل عن هذا الحديث: "يرويه هشام بن عروة، واختلف عنه:
فرواه عنه: الثوري، وزائدة بن قدامة، وعبد الله بن المبارك، وابن عيينة، ومالك بن سعير، وعامر بن صالح بن عبد الله بن عروة بن الزبير، ويونس، وحبان بن علي العنزي: عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.
والصحيح عن جميع من ذكرنا، وعن غيرهم: عن هشام عن أبيه مرسلًا عن النبي ﷺ ".
وكلام الدارقطني هذا صريحٌ في أنَّ من تقدم ذكره ممن روى هذا الحديث متصلًا، قد رواه أيضًا مرسلًا، وهو الوجه الصحيح عنه، مثل: زائدة بن قدامة، وسفيان الثوري، وعبد الله بن المبارك، ومالك بن سعير، وعامر بن صالح، ويونس بن بكير.
وعلى هذا: فلا شك في كون المحفوظ في هذا الحديث: مرسل، والله أعلم [وانظر: الفتح لابن حجر (١/ ٣٤٢)، والمحلى (١/ ١٧٢)، وغيرهما].
وقوله: "في الدور": يعني: محلات القبائل، وأحيائهم.
• وله إسناد آخر عن عروة:
فقد رواه الإمام أحمد في المسند (٥/ ٣٧١) قال: ثنا يعقوب: ثنا أبي، عن ابن إسحاق: حدثني عمر بن عبد الله بن عروة بن الزبير، عن جده عروة، عمن حدثه من أصحاب رسول الله ﷺ قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نصنع المساجد في دورنا، وأن نصلح صنعتها ونطهرها.
قال الهيثمي في المجمع (٢/ ١١): "رواه أحمد وإسناده صحيح".
قلت: هو إسناد مدني حسن؛ عمر بن عبد الله بن عروة بن الزبير: روى عنه جماعة من الثقات، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن سعد: "وكان كبيرًا، قليل الحديث"، وروى له البخاري ومسلم حديثًا واحدًا في الطِّيب للحل والإحرام [خ (٥٩٣٠)، م (١١٨٩/ ٣٥)]، وقد سمع جده عروة [تخ (٦/ ١٦٧)، خ (٥٩٣٠)، م (١١٨٩/ ٣٥)] وانظر أيضًا: [الجرح والتعديل (٦/ ١١٧)، الثقات (٧/ ١٦٦)، العلل ومعرفة الرجال (٣/ ١٠٦/ ٤٤١٩)، الطبقات الكبرى (٢٣٣ - القسم المتمم)، التهذيب (٣/ ٢٣٧)].
وابن إسحاق: صدوق مشهور، وقد صرح بالتحديث، وله شاهد من حديث سمرة.
***
٤٥٦ - قال أبو داود: حدثنا محمد بن داود بن سفيان: حدثنا يحيى -يعني: ابن حسان-: حدثنا سليمان بن موسى: حدثنا جعفر بن سعد بن سمرة: حدثني
стр. 1993
خبيب بن سليمان، عن أبيه سليمان بن سمرة، عن أبيه سمرة، أنه كتب إلى بَنِيه: أما بعد: فإن رسول الله ﷺ كان يأمرنا بالمساجد أن نصنعَها في دورنا، ونُصلحَ صنعتها، ونُطهِّرَها.
• حديث حسن بشاهده.
أخرجه من طريق أبي داود: البيهقي (٢/ ٤٤٠)، والخطيب في المتفق والمفترق (٢/ ١٠١٤/ ٦١٦).
وهذا الإسناد هو الذي يروي به أبو داود صحيفة سمرة [أو: كتاب سمرة، أو: وصية سمرة لبنيه]، وقد أخرج منها في سننه ستة أحاديث، هذا أحدها، والباقي يأتي -إن شاء الله تعالى- برقم: (٩٧٥ و ١٥٦٢ و ٢٥٦٠ و ٢٧١٦ و ٢٧٨٧)، وقد احتج بها أبو داود.
وشيخ أبي داود فيها: محمد بن داود بن سفيان: روى عن عبد الرزاق، ويحيى بن حسان التنيسي، وروى عنه أبو داود فقط [فيما وقفت عليه من ترجمته]، ولم أر فيه جرحًا ولا تعديلًا؛ إلا رواية أبي داود عنه فإنها ترفعه.
• ولم ينفرد بهذا الحديث، فقد توبع:
قال الطبراني في معجمه الكبير (٧/ ٢٥٢/ ٧٠٢٦): حدثنا عبدان: ثنا دحيم: ثنا يحيى بن حسان به، إلا أنه قال: عن سمرة قال: كان رسول الله ﷺ . . . .
وهذا إسناد صحيح إلى يحيى بن حسان التنيسي، وهو: ثقة.
وسليمان بن موسى؛ هو: الزهري، أبو داود الكوفي، خراساني الأصل، نزل دمشق، وهو: صدوق، مستقيم الحديث، وقول ابن حجر في التهذيب (٢/ ١١٢): "وذكر العقيلي عن البخاري أنه قال: منكر الحديث"؛ فإنما هو خطأ محض، وقع فيه بسبب اعتماده في النقل على كتاب مغلطاي [إكمال التهذيب (٦/ ١٠١)]، وإنما الذي في كتاب العقيلي: "سليمان بن موسى: عن مظاهر بن أسلم، ومظاهر: منكر الحديث، قاله البخاري"، ثم أسنده [الضعفاء الكبير (٢/ ٥٠٧) ط حمدي السلفي]، فظهر بهذا أن قول البخاري إنما هو في مظاهر بن أسلم، وليس في سليمان بن موسى، ثم أورد له العقيلي حديثين ثم قال: "جميعًا غير محفوظين إلا عن مظاهر هذا"، فظهر أن الحمل فيهما على مظاهر وليس على سليمان، ولهذا فإن ابن عدي قد أصاب حين أورد هذين الحديثين في ترجمة مظاهر [الكامل (٦/ ٤٤٩)]، ولو كان كلام البخاري هذا معروفًا في سليمان لما أغفله ابن عدي، ولأورد سليمان هذا في كامله، ولم يفعل! فدل ذلك على أن البخاري لم يقل هذا في سليمان، وليس هو في تواريخه، ولا في الكتب التي نقلت عنها.
وليس هذا هو الخطأ الوحيد الذي وقع فيه العقيلي في حق سليمان بن موسى هذا؛ فقد ترجم ترجمة قبل هذه قال فيها: "سليمان بن موسى، أبو داود، كوفي: عن دلهم، ولا
стр. 1994
يتابع على حديثه، ولا يعرف إلا به"، ثم أورد له حديثًا منكرًا [الضعفاء الكبير (٢/ ٥٠٦) ط السلفي]، ودلهم بن صالح، الكندي، الكوفي: ضعيف [التقريب (١٨٨)]؛ فكان الأحرى بالعقيلي أن يحمل على دلهم، لا على سليمان، لا سيما وأن العقيلي قد ذكر دلهمًا هذا في ضعفائه قبل ذلك [(٢/ ٣٩٤)]، وسليمان وإن تفرد به فلا يضره، وإنما التبعة فيه على من عرف بالضعف واشتهر.
فإن قيل: قد ذكر أبو زرعة الرازي سليمان بن موسى في أسامي الضعفاء (١٣٣) [وانظر: تاريخ دمشق (٢٢/ ٣٩٥)]، فيقال: ذكره ولم يميزه، فلعله الفقيه الدمشقي الأشدق؛ فإنه متكلم فيه.
والخلاصة: فالذي يترجح عندي في سليمان بن موسى، أبي داود، الكوفي: أنه صدوق، قد ثبت فيه التعديل، ولم يثبت فيه جرح، فقد قال أبو حاتم: "أرى حديثه مستقيمًا، محله الصدق، صالح الحديث"، وقال أبو داود: "ليس به بأس"، وذكره ابن حبان في الثقات، ووثقه غيرهم [الجرح والتعديل (٤/ ١٤٢)، سؤالات الآجري (٥/ ق ١٨)، تاريخ ابن عساكر (٢٢/ ٣٩٢)، التهذيب (٢/ ١١٢)، إكمال مغلطاي (٦/ ١٠١) وغيرها].
• وقد توبع سليمان بن موسى، ولم ينفرد به:
١ - قال البزار في مسنده (١٠/ ٤٤٨/ ٤٦٠٥): وحدثنا خالد بن يوسف، قال: حدثني أبي يوسف بن خالد، قال: نا جعفر بن سعد بن سمرة، قال: حدثني خبيب بن سليمان، عن أبيه سليمان بن سمرة، عن سمرة بن جندب، أنه كتب إلى بنيه: من سمرة بن جندب، سلام عليكم، فإني أحمد إليكم الله، الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإني أوصيكم بتقوى الله، وأن تقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة. . . إلخ.
ثم سرد البزار سبعة وسبعين حديثًا بهذا الإسناد، منها هذا الحديث (١٠/ ٤٥٤/ ٤٦٢٢): أن رسول الله ﷺ كان يأمرنا أن نصنعَ المساجد في دورنا، ونُنظفها، ونُطهِّرَها إن شاء الله.
ويوسف بن خالد، هو: السمتي، متروك، ذاهب الحديث، كذبه غير واحد [انظر: التهذيب (٤/ ٤٥٤) وغيره]، وابنه خالد: أصلح حالًا منه؛ فقد ضُعِّف، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: "يعتبر حديثه من غير روايته عن أبيه" [انظر: اللسان (٣/ ٣٥٠) وغيره]، فهذه الطريق لا يعتمد عليها، ولا تصلح للاعتبار.
٢ - وقال الطبراني في الكبير (٧/ ٢٥٢/ ٧٠٢٧): حدثنا موسى بن هارون: ثنا مروان بن جعفر السَّمُري: ثنا محمد بن إبراهيم: ثنا جعفر بن سعد، عن خبيب بن سليمان، عن أبيه، عن سمرة، قال: إن رسول الله ﷺ كان يأمرنا بالمساجد أن نصنعها في ديارنا، ونحسن صنعتها، ونطهرها.
شيخ الطبراني هو: الحمَّال، الحافظ الكبير الحجة الناقد، مشهور بالحفظ والإتقان ونقد الرجال.
стр. 1995
ومروان بن جعفر السَّمُري: روى صحيفة سمرة، روى عنه أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان، وقال أبو حاتم: "صدوق، صالح الحديث"، فلا عبرة بعد ذلك بقول الأزدي: "يتكلمون فيه" [الجرح والتعديل (٨/ ٢٧٦)، طبقات ابن سعد (٦/ ٤١٧)، تاريخ الإسلام (١٧/ ٣٦٠)، الميزان (٤/ ٨٩)، اللسان (٨/ ٢٨)].
ومحمد بن إبراهيم، هو: ابن خبيب بن سليمان بن سمرة: ترجم له البخاري وابن أبي حاتم بروايته لرسالة سمرة بهذا الإسناد، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في الثقات؛ إلا أنه قال: "لا يعتبر بما انفرد به من الإسناد" [التاريخ الكبير (١/ ٢٦)، الجرح والتعديل (٧/ ١٨٦)، الثقات (٩/ ٥٨)، المؤتلف للدارقطني (٢/ ٦٣٢)، اللسان (٦/ ٤٧٧)]، وعلى هذا فهو صالح فيما رواه بهذا الإسناد وتوبع عليه.
وفي الجملة: فهو إسناد جيد في المتابعات.
• يبقى الكلام على إسناد هذه الصحيفة -صحيفة سمرة- المروية عن جعفر بن سعد بن سمرة، عن خبيب بن سليمان، عن أبيه سليمان بن سمرة، عن أبيه سمرة بن جندب.
• فللعلماء في أحاديث هذه الصحيفة وإسنادها آراء متباينة:
• أولًا: ذكر من احتج بها، أو حسن القول فيها، أو ذكرها فلم يقدح فيها:
أ- قال ابن سيرين: "في رسالة سمرة إلى بنيه علم كثير" [التهذيب (٢/ ١١٦)، الإصابة (٣/ ١٧٨)].
ب- وذكر البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ١٩٢ - ١٩٣) و (٣/ ٢٠٨) و (٤/ ١٧)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٢/ ٤٨٠) و (٣/ ٣٨٧) و (٤/ ١١٨) رجال هذا الإسناد؛ فلم يذكرا فيهم جرحًا ولا تعديلًا.
وذكرهم ابن حبان في ثقاته (٦/ ١٣٧ و ٢٧٤) و (٤/ ٣١٤)، ولم يجرحهم بشيء.
ج- واحتج أبو داود بأحاديث من هذه الصحيفة.
د- واستشهد أبو عوانة في مستخرجه على صحيح مسلم (٥/ ٢١١/ ٨٤٣١) بحديث من هذه الصحيفة [حديث: "المؤمن يأكل في مِعىً واحد"، أخرجه في الشواهد".
هـ- وقال الدارقطني بعد حديث زكاة عروض التجارة (٢/ ١٢٧ - ١٢٨): "هذا من صحيفة سمرة، وليس له مخرج إلا من جهتهم، وليس فيهم مجروح".
و- وقال ابن عبد البر في الاستذكار (٣/ ١٧٠): "من الحجة في إيجاب الصدقة في عروض التجارة مع ما تقدم من عمل العمرين ﵄: حديث سمرة بن جندب عن النبي ﷺ ، ذكره أبو داود وغيره بالإسناد الحسن عن سمرة".
ز- وقال الحافظ عبد الغني المقدسي في عمدة الأحكام الكبرى (٣٣٥): "إسناده مقارب".
ح- وقال ابن سيد الناس: "هذا إسناد لا بأس به".
стр. 1996
ط- وقال ابن عبد الهادي في التنقيح (٢/ ٢١٩): "وإسناده حسن غريب".
ي- وقال ابن الملقن في البدر المنير (٥/ ٥٩٢): "وإسناد هذا الحديث: جيد".
قالوه في حديث زكاة العروض.
• ثانيًا: ذكر المضعفين:
أ- قال ابن حزم في المحلى (٥/ ٢٣٤) في زكاة عروض التجارة: "أما حديث سمرة فساقط؛ لأن جميع رواته ما بين سليمان بن موسى وسمرة ﵁: مجهولون، لا يعرف من هم"، وتعقبه ابن الملقن في البدر المنير (٥/ ٥٩٣).
ب- وقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى في حديث صلاة الفائتة (١/ ٢٧٠): "وجعفر ومن فوقه: ليس بأقوياء"، وقال في حديث التحيات والتسليم (١/ ٤١٥): "وليس هذا الإسناد بمشهور"، وقال في حديث الوتر (٢/ ٥٤): "وخبيب: ضعيف"، وقال في حديث الزكاة (٢/ ١٧١): "خبيب هذا ليس بمشهور، ولا أعلم روى عنه إلا جعفر بن سعد بن سمرة، وليس جعفر هذا ممن يعتمد عليه".
ثم هو أحيانًا يسكت كالمصحح، أو يتكلم بكلام يوهم التصحيح [انظر: الأحكام الوسطى (١/ ٢٨٦) و (٣/ ٨٠)].
ج- فتعقبه ابن القطان الفاسي في بيان الوهم (٥/ ١٣٨/ ٢٣٧٩) فقال: ". . .، فأما حديث سمرة: فبإسناد مجهول البتة، فيه جعفر بن سعد بن سمرة، وخبيب بن سليمان بن سمرة، وأبوه سليمان بن سمرة: وما من هؤلاء من تعرف له حال، وقد جهد المحدثون فيهم جهدهم، وهو إسناد تروى به جملة أحاديث قد ذكر البزار منها نحو المائة،. . . " [وانظر أيضًا: (٣/ ٢٣٢ و ٣٦٧/ ٩٦٢ و ١١١٠) و (٥/ ١٣٧ - ١٣٩/ ٢٣٧٨ - ٢٣٨٣)].
وتعقب ابنَ القطان على كلامه هذا: مغلطاي في الإعلام بسنته (٣/ ٩٠) فقال: "فيه نظر! من حيث إن هؤلاء ليسوا كما قال، بل حالهم معروفة لا مجهولة،. . ."، وكذا ابن الملقن في البدر المنير (٥/ ٥٩٣).
د- وقال النووي في المجموع (٦/ ٤) في حديث الزكاة: "وفي إسناده جماعة لا أعرف حالهم، ولكن لم يضعفه أبو داود، وقد قدمنا أن ما لم يضعفه فهو حسن عنده"، قلت: بل هو عنده صالح، كما قال في رسالته لأهل مكة.
هـ- وقال الذهبي في الميزان (١/ ٤٠٨) في ترجمة جعفر بن سعد بن سمرة، بعد ذكر قول ابن حزم وابن القطان وعبد الحق: "فسليمان هذا: زهري من أهل الكوفة، ليس بالمشهور، وبكل حال: هذا إسناد مظلم، لا ينهض بحكم".
فتعقبه ابن الملقن فقال في البدر المنير (٥/ ٢٩٤): "لا يسلم له ذلك، فقد قال ابن عبد البر: ذكره أبو داود وغيره بالإسناد الحسن عن سمرة، وقال الحافظ عبد الغني في عمدته الكبرى: إسناده مقارب، وقال النووي في شرح المهذب: فيه رجال لا أعرف حالهم، ولكن لم يضعفه أبو داود؛ فهو حسن أو صحيح على قاعدته، وقال شيخنا فتح
стр. 1997
الدين اليعمري: هذا إسناد لا بأس به، وأقل مراتبه أن يكون حسنًا؛ فإن جعفر بن سعد: مستور الحال، وخبيب وأبوه: وثقهما ابن حبان، قلت: وكذا جعفر أيضًا، كما أسلفناه عنه".
و- وقال الحافظ في التلخيص (٢/ ١٧٩): "في إسناده جهالة".
ز- وتردد الهيثمي في هذا الإسناد فضعفه مرات [المجمع (٢/ ٢٥٦) و (٣/ ٦٩ و ١٢٤) و (٤/ ١٢٥ و ١٣٢ و ١٦٤ و ١٧٧ و ٢٦٦) و (٥/ ٣٣٧) و (٧/ ١٥٢ و ٢٩١) و (٨/ ١٠٢ و ٢٠١) و (١٠/ ٢٤٤ و ٢٥٢)] وحسنه مرات [المجمع (٣/ ١٢٣) و (٤/ ٢٨) و (١٠/ ١٨ و ٣٤٣ و ٣٩٠)].
• والذي يترجح عندي في هذا الإسناد -والله أعلم-: أنه إسناد صالح في الشواهد والمتابعات، لا ينهض على انفراده بإثبات حكم، أو تثبت به سنة، فإن جاء بمخالفة ما صح فهو منكر.
فإن سليمان بن سمرة: ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وروى عنه اثنان أو أكثر.
وابنه خبيب: ذكره ابن حبان في الثقات، ولم يرو عنه سوى ابن عمه جعفر بن سعد بن سمرة، وجهله ابن حزم وابن القطان، وضعفه عبد الحق، وقال الذهبي: "لا يعرف"، وقال ابن حجر: "مجهول" [التهذيب (١/ ٥٣٩)، الميزان (١/ ٦٤٩)، التقريب (١٧٩)، مع المصادر المتقدمة]، قلت: سكت عنه البخاري وأبو حاتم وأبو زرعة مع علمهم أنه أحد رواة رسالة سمرة إلى بنيه، ولم يجرحه ابن حبان، واحتج به أبو داود، وأثنى ابن سيرين على مضمون رسالة سمرة التي يرويها، وحسن له جماعة تقدم ذكرهم.
وجعفر بن سعد بن سمرة: ذكره ابن حبان في الثقات، وروى عنه جماعة من الثقات، لكن جهله ابن حزم وابن القطان، وقال عبد الحق: "ليس ممن يعتمد عليه"، وقال مرة بأنه ليس بقوي، وقال ابن حجر: "ليس بالقوي" [التهذيب (١/ ٣٠٦)، الميزان (١/ ٤٠٧)، التقريب (١١٩)، مع المصادر المتقدمة]، قلت: يقال فيه ما قيل في ابن عمه خبيب، والله أعلم.
والحاصل: أن حديث سمرة هذا: حديث حسن؛ بشاهده من حديث عروة، عمن حدثه من أصحاب رسول الله ﷺ .
• ولحديث سمرة هذا إسناد آخر؛ لكن لا يصلح في المتابعات:
يرويه بقية بن الوليد، قال: حدثنا إسحاق بن ثعلبة، عن مكحول، عن سمرة، قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نتخذ المساجد في ديارنا، وأمرنا أن ننظفها.
أخرجه أحمد (٥/ ١٧)، والطبراني في مسند الشاميين (٤/ ٣٣٥/ ٣٤٨٣)، وابن عدي في الكامل (١/ ٣٣٦).
وهذا منكر من حديث مكحول، تفرد به عنه إسحاق بن ثعلبة؛ وهو: مجهول، منكر الحديث، قاله أبو حاتم، وقال ابن عدي: "روى عن مكحول عن سمرة أحاديث مسندة لا
стр. 1998
يرويها غيره" وقال أيضًا: "روى إسحاق عن مكحول عن سمرة: أحاديث -مع ما ذكرتها- كلها غير محفوظة" [الجرح والتعديل (٢/ ٢١٥)، الكامل (١/ ٣٣٦)، تاريخ دمشق (٨/ ١٩٤)، تعجيل المنفعة (١/ ٢٨)، اللسان (٢/ ٥٠)]، وقال ابن حجر في التعجيل: "ولم يسمع مكحول من سمرة"، قلت: والتاريخ يؤكده؛ فإن بين وفاتيهما ما يزيد على خمس وخمسين سنة، وأقوال الأئمة في عدم سماعه من أكثر من روى عنهم من الصحابة تؤيد ذلك [انظر: المراسيل (٢١١)، تحفة التحصيل (٣١٤)، التهذيب (٤/ ١٤٨)]، والله أعلم.
***
١٤ - باب في السُّرُج في المساجد
٤٥٧ - . . . سعيد بن عبد العزيز، عن زياد بن أبي سودة، عن ميمونة مولاة النبي ﷺ أنها قالت: يا رسول الله! أفتنا في بيت المقدس؟ فقال: "ائتوه فصلوا فيه" وكانت البلاد إذ ذاك حَربًا "فإن لم تأتوه وتصلوا فيه؛ فابعثوا بزيتٍ يُسرَجُ في قناديله".
• حديث منكر.
أخرجه الطبراني في الأوسط (٨/ ٢١٦ - ٢١٧/ ٨٤٤٥)، وفي مسند الشاميين (١/ ١٩٧/ ٣٤٤)، وأبو أحمد العسكري في معرفة الصحابة [ذكره السخاوي في البلدانيات]. والبيهقي (٢/ ٤٤١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٣/ ٤٢٣)، والمزي في التهذيب (٩/ ٤٨١)، والسخاوي في البلدانيات (٤)، وهو في نسخة أبي مسهر برقم (١٥).
ولفظه: قالت: قلت: يا رسول الله! أفتنا في بيت المقدس؟ قال: "ائتوه فصلوا فيه" قالت: فكيف؟! والروم إذا ذاك فيه، قال: "فإن لم تستطيعوا؛ فابعثوا بزيتٍ يُسرَجُ في قناديله".
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن سعيد بن عبد العزيز إلا الوليد" يعني: ابن مسلم.
قلت: رواه عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي: مسكين بن بكير الحراني، وأبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر الغساني، ومروان بن محمد الطاطري، والوليد بن مسلم الدمشقي، واختلف على الأخير:
أ- فرواه الهيثم بن خارجة [المرُّوذي، نزيل بغداد: صدوق]، ومحمد بن بكير [الحضرمي، البغدادي، نزيل أصبهان: صدوق يغلط]: روياه عن الوليد بن مسلم به مثل الجماعة. [طس. شاميين].
ب- وخالفهما: ابن أبي السري [هو: محمد بن المتوكل بن عبد الرحمن العسقلاني: صدوق، كثير الغلط. التهذيب (٣/ ٦٨٦)، الميزان (٤/ ٢٣)] قال: نا الوليد بن
стр. 1999
مسلم، عن سعيد بن عبد العزيز، عن زياد بن أبي سودة، عن أخيه، عن ميمونة مولاة رسول الله ﷺ قالت: سألت رسول الله ﷺ عن بيت المقدس؟ قال: "ائتوه فصلوا فيه" فقلت: فمن لم يستطع أن يأتيه؟ قال: "فليهد إليه زيتًا يسرج في قناديله".
أخرجه ابن عساكر في تاريخه (٣٣/ ٤٢٣).
قلت: فهذه الزيادة في الإسناد: "عن أخيه": وهم من ابن أبي السري، في حديث الوليد، والله أعلم.
وروى البيهقي في الشعب (٣/ ٤٩٥/ ٤١٧٦) بإسناد صحيح إلى: عبد الله بن بحر الخلال: نا رديح بن عطية أبو الوليد: نا سعيد بن عبد العزيز الدمشقي، وعثمان بن عطاء، عن زياد بن أبي سودة، عن ميمونة زوج النبي ﷺ ، أن رسول الله ﷺ قال: "من لم يأت بيت المقدس فصلى؛ فليبعث بزيت يسرج فيه".
قال السخاوي في البلدانيات (ص ٦٦): "ووصفت ميمونة في هذه الرواية بأنها زوج النبي ﷺ ، وهو: وهم".
قلت: هذه رواية منكرة؛ بزيادة عثمان بن عطاء الخراساني في الإسناد مقرونًا بسعيد بن عبد العزيز، وبجعل ميمونة هي: بنت الحارث الهلالية أم المؤمنين، وإنما هي: بنت سعد، مولاة رسول الله ﷺ ، كما خالف في سياق المتن.
ولا أدري ممن هذه الأوهام؟
فعبد الله بن بحر هذا إنما هو: عبد الرحمن بن بحر البصري أبو علي الخلال، قد تصحف اسمه، روى له النسائي في المجتبى (٨/ ٨٠/ ٤٩٣٤) متابعة، روى عنه جماعة، ولم يوَثَّق، وذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٥/ ٢١٧) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا [وانظر: تهذيب الكمال (١٦/ ٥٤٢)، تهذيب التهذيب (٢/ ٤٩٠)، التقريب (٣٥٨) وقال: "مقبول"].
ورديح بن عطية: صدوق يغرب، والله أعلم.
قال السخاوي في البلدانيات بعد حديث سعيد: "هذا حديث حسن"، ثم قال: "وسكت عليه أبو داود؛ فهو على قاعدته: صالح.
ولم ينفرد به سعيد؛ فقد رواه كذلك معاوية بن صالح عن زياد".
• قلت: تابع سعيدَ بن عبد العزيز [وهو: ثقة ثبت إمام] على هذا الإسناد، وزاد في المتن.
معاويةُ بن صالح [الحمصي: صدوق، له أوهام]، رواه عن زياد بن أبي سودة، عن ميمونة -وليست بميمونة زوج النبي ﷺ أنها قالت: يا رسول الله! أفتنا عن بيت المقدس؟ فقال رسول الله ﷺ : "أرض المحشر والمنشر، ائتوه فصلوا فيه، فإن الصلاة فيه كألف صلاة" قالت: أرأيت من لم يطق أن يتحمل أن يأتيه؟ قال: "فإن لم يطق ذلك؛ فليهد إليه زيتًا يسرج فيه، فمن أهدي اليه كان كمن صلى فيه".
стр. 2000
أخرجه الطحاوي في المشكل (١/ ٤٤٧/ ٤٣٥ و ٤٣٦ - تحفة)، والطبراني في الكبير (٢٥/ ٣٢/ ٥٤)، وفي مسند الشاميين (٣/ ١٣٧/ ١٩٤٧)، وعنه: أبو نعيم في المعرفة (٦/ ٣٤٤٢/ ٧٨٣٥)، والمزي في التهذيب (٩/ ٤٨٢).
من طرقٍ عن عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن معاوية به.
• قال أبو نعيم: "وخالفهما: ثور بن يزيد، ويزيد بن يزيد بن جابر، فقالا: عن زياد، عن أخيه عثمان بن أبي سودة، عن ميمونة".
وقال السخاوي في البلدانيات: "لكن رواه ثور بن يزيد، وصدقة بن يزيد، ويزيد بن يزيد بن جابر، كلهم: عن زياد؛ بإثبات عثمان أخي زياد بينهما.
فحديث صدقة: عند الطبراني في الكبير، وحديث ثور: عنده أيضًا، وكذا عند أحمد في مسنده، وابنه عبد الله في زوائده، وابن ماجه في سننه، كلهم: من حديث عيسى بن يونس عنه".
• قلت: لم أقف على من أخرج حديث يزيد بن يزيد بن جابر [وهو: الأزدي، الدمشقي، ثقة].
• وأما حديث صدقة بن يزيد [وهو: الخراساني، ثم الشامي، نزيل الرملة، ضعيف.
تاريخ دمشق (٢٤/ ٣٧)، اللسان (٤/ ٣١٥)، وغيرهما]: فالذي يظهر لي أنه هو الذي رواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٦/ ٢١٦/ ٣٤٤٨)، والطبراني في الكبير (٢٥/ ٣٣/ ٥٦):
من طريق محمد بن أبي السري العسقلاني: ثنا رواد بن الجراح: عن صدقة بن صدقة، عن ثور بن يزيد، عن زياد بن أبي سودة، عن أخيه، عن ميمونة، عن النبي ﷺ . . . مثل حديث معاوية بن صالح.
فإني لم أقف لصدقة بن صدقة هذا على ترجمة، أو رواية إلا في هذا الموضع، بينما صدقة بن يزيد الخراساني: مشهور، يروي عن طبقة زياد بن أبي سودة، ويروي عنه رواد بن الجراح، وكلام السخاوي يدل على أن رواية الطبراني المذكورة آنفًا إنما هي من طريق صدقة بن يزيد عن زياد بن أبي سودة؛ فالذي يظهر لي أن عبارة: "صدقة عن ثور بن" مقحمة في إسناد الآحاد والمعجم، فيصير الإسناد بعد التصحيح: محمد بن أبي السري العسقلاني: ثنا رواد بن الجراح: عن صدقة بن يزيد، عن زياد بن أبي سودة، عن أخيه، عن ميمونة، عن النبي ﷺ .
ومما يزيد ذلك تأكيدًا: أن حديث ثور بن يزيد إنما يعرف من حديث عيسى بن يونس وحده، ولم يتابعه عليه صدقة، والله أعلم.
• وأما حديث ثور بن يزيد [الحمصي، ثقة ثبت]:
فيرويه عيسى بن يونس، قال: ثنا ثور بن يزيد، عن زياد بن أبي سودة، عن أخيه، أن ميمونة مولاة النبي ﷺ قالت: يا نبي الله أفتنا في بيت المقدس؟ فقال: "أرض المنشر والمحشر، ائتوه فصلوا فيه؛ فإن صلاةً فيه كألف صلاةٍ فيما سواه" قالت: أرأيت من لم
следующие страницы →