Полный текст (16 465 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
قلت: هذا الحديث إنما يعرف بقتادة عن أبي المليح، وليس لخالد الحذاء فيه خف ولا حافر، ولا هو من حديثه.
عمر بن حبيب هو العدوي القاضي البصري: ضعيف [التقريب (٧١٥)]، وعبد الملك بن محمد الرقاشي: صدوق إلا إنه كثير الخطأ في الأسانيد والمتون، كان يحدث من حفظه فكثرت الأوهام في روايته [قاله الدارقطني. التهذيب (٥/ ٣١٨)، التقريب (٦٢٧)]، فالظاهر أن هذا الحديث من أوهامه، ولا يحتمل تفرده، ولا تفرد شيخه به عن خالد الحذاء.
• وقد رُوي هذا الحديث عن جماعة من الصحابة منهم: ابن عمر، وأنس، وأبو هريرة، وأبو بكرة، وأبو سعيد، وأبو بكر الصديق، وابن مسعود، وعمران بن حصين، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، والحسن مرسلًا:
وغالبها مناكير، وأسانيد بعضها واهية، وإنما يصح منها حديث ابن عمر الَّذي يرويه: سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد، قال: دخل عبد الله بن عمر على ابن عامر يعوده وهو مريض، فقال: ألا تدعو الله لي يا ابن عمر؟ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول"، وكنتَ على البصرة.
أخرجه مسلم (٢٢٤)، وأبو عوانة (١/ ١٩٨/ ٦٣٥ و ٦٣٦)، وأبو نعيم في مستخرجه (١/ ٢٩٠/ ٥٣٥ - ٥٣٧)، والترمذي (١)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (١)، وابن ماجة (٢٧٢)، وابن خزيمة (٨)، وابن حبان (٨/ ١٥٢/ ٣٣٦٦)، وابن الجارود (٦٥)، وأحمد (٢/ ٢٠ و ٣٩ و ٥١ و ٥٧ و ٧٣)، والطيالسي (١٨٧٤)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في الطهور (٥٤ و ٥٥)، وابن أبي شيبة (١/ ١٣/ ٢٦)، وأبو يعلى في المعجم (٢٩٦)، وفي المسند (٩/ ٤٦٦ - ٤٦٨/ ٥٦١٤ - ٥٦١٦) و (١٠/ ٤٥ و ١٢١/ ٥٦٧٧ و ٥٧٥٠)، وابن المنذر في الأوسط (١/ ١٠٨/ ٢)، والطحاوي في المشكل (٧/ ٣٤/ ٤٨٩١ - ترتيبه)، وفي أحكام القرآن (٢/ ٤٠٦/ ١٩٦٤)، وابن الأعرابي في المعجم (٣٣٣ و ٣٨٢)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٣٣١/ ١٣٢٦٦)، وأبو أحمد الحاكم في شعار أصحاب الحديث (٢٢)، وأبو عبد الله الحاكم في المعرفة (١٢٩)، والسهمي في تاريخ جرجان (٢٩٥)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ١٧٦)، والبيهقي في السنن (١/ ٤٢) و (٢/ ٢٥٥) و (٤/ ١٩١)، وفي المعرفة (٢/ ١١٠/ ١٠٢٨)، وفي الشعب (٣/ ٣/ ٢٧١٠)، وابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ٢٧٩)، وفي الاستذكار (١/ ٢١)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (١/ ٣١٤)، والرافعي في التدوين (١/ ٤٣٤).
قال الترمذي: "هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن، وفي الباب عن أبي المليح عن أبيه، وأبي هريرة، وأنس. وأبو المليح بن أسامة، اسمه: عامر، ويقال: زيد بن أسامة بن عمير الهذلي".
وله إسناد آخر لا يصح؛ ذكره ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٢٤/ ٣٧).
стр. 212
• وانظر فيمن أخرج هذه الأحاديث:
١ - أَنس: [ابن ماجة (٢٧٣)، أبو عوانة (١/ ١٩٩/ ٦٣٩)، ابن أبي شيبة (١/ ١٤/ ٢٧)، أبو يعلى (٧/ ٢٤٤/ ٤٢٥١)، تاريخ بغداد (٤/ ٣٢٠)، [الكامل (٢/ ٣٠٧)، تاريخ أصبهان (١/ ٤٦٣)، [الطهور (٥٧)].
٢ - أبو هريرة: وله عنه أسانيد كثيرة [ابن خزيمة (١)، أبو عوانة (١/ ٢٠٠/ ٦٤٢)، الأوسط لابن المنذر (١/ ٣٦٧/ ٣٤٣)، ضعفاء العقيلي (٣/ ٣٧٨)، الكامل (٦/ ٨)، الأربعين لابن المقرئ (٢٣)، [سنن الدارقطني (١/ ٧١)، سنن البيهقي (١/ ٤٤)، نتائج الأفكار (١/ ٢٢٦)، [الكامل (٥/ ٢٩٣)، [ابن خزيمة (١٠)، أبو عوانة (٦٤٠)، تاريخ جرجان (٢٩٧)، الأوسط لابن المنذر (١/ ١٠٧/ ١)]. [أبو عوانة (٦٤١)، الحلية (٩/ ٢٥١)، [أبو يعلى (١١/ ١٠٣/ ٦٢٣٠)] [أبو عوانة (٦٤٣)، [الكامل (١/ ٢٠١)].
٣ - أبو بكرة: [ابن ماجة (٢٧٤)، الكامل (٣/ ٦١) و (٦/ ٢٨٩ و ٣٣١)، أمالي الشجري (٢/ ٣١٠)، تهذيب الكمال (٨/ ٣٣٦)].
٤ - أبو سعيد: [أبو عوانة (٦٤٤)، المعجم الأوسط (٧/ ٧٥/ ٦٨٩٧)، مسند الشاميين (٣/ ٢١٠/ ٢١٥٥) و (٤/ ٣٦٥/ ٣٥٦٨)].
٥ - أبو بكر الصديق: [أبو عوانة (٦٤٥)، ضعفاء العقيلي (٢/ ٢٨٤)، التدوين (٢/ ٤٥٣)].
٦ - ابن مسعود: [معجم أبي يعلى (٢٩٧)، المعجم الكبير (١٠/ ١٣١ و ١٤٨/ ١٠٢٠٥ و ١٠٢٧٦)، الكامل (١/ ٢٨٤)، علل الدارقطني (٥/ ٢٨٥)].
٧ - عمران بن حصين: تقدم.
٨ - طلحة بن عبيد الله: [ضعفاء العقيلي (٢/ ٢٩٧)، مسند عمر بن عبد العزيز للباغندي (٨٧)].
٩ - الزبير بن العوام: [المعجم الأوسط (٦/ ١٩٠/ ٦١٥٥)].
١٠ - الحسن مرسلًا: [مصنف عبد الرزاق (٥/ ٢٤٤/ ٩٤٩٩)، مسند الحارث (٧١ - زوائده)].
***
٦٠ - . . . عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة أحدِكم إذا أحدث حتَّى يتوضأ".
• متفق عليه
أخرجه عبد الرزاق (١/ ١٣٩/ ٥٣٠)، ومن طريقه:
البخاري (١٣٥ و ٦٩٥٤)، ومسلم (٢٢٥)، وأبو عوانة (١/ ١٩٩/ ٦٣٧)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (١/ ٢٩١/ ٥٣٨)، والترمذي (٧٦) وقال: "حسن صحيح غريب"،
стр. 213
وابن خزيمة (١١)، وابن الجارود (٦٦)، وأحمد (٢/ ٣٥٨ و ٣١٨)، وابن المنذر في الأوسط (٨/ ١٠١ و ١٣٧/ ٣ و ٢٧)، وابن حزم في المحلى (٤/ ١٥٥)، والبيهقي (١/ ١١٧ و ١٦٠ و ٢٢٩)، وابن عبد البر (١/ ١٨٠) و (١٩/ ٢٧٩)، والبغوي في شرح السُّنَّة (١/ ٣٢٨ / ١٥٦)، وفي تفسيره (١/ ٤٣٣)، والمزي في التهذيب (١٨/ ٦٢)، وهو في صحيفة همام برقم (١٠٨).
وفي رواية للبخاري وغيره، وكذا في المصنف: قال رجل من حَضْرَمَوْتَ: ما الحديث يا أبا هريرة؛ قال: فُساءٌ أو ضُراطٌ.
***
٦١ - . . . سفيان، عن ابن عقيل، عن محمد ابن الحَنَفية، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مِفتاح الصلاة الطُّهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم".
• حديث صحيح
أخرجه أبو داود هنا (٦١)، وأعاده في الصلاة (٦١٨)، والترمذي (٣)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٣)، وابن ماجة (٢٧٥)، والدارمي (١/ ١٨٦/ ٦٨٧)، والضياء في المختارة (٢/ ٣٤١ و ٣٤٢/ ٧١٨ و ٧١٩)، وأحمد (١/ ١٢٣ و ١٢٩)، والشافعي في الأم (١/ ١٠٠) و (٧/ ١٦٤ و ١٨٨)، وفي المسند (٣٤)، وعبد الرزاق (٢/ ٢٥٣٩/٧٢)، وأبو نعيم الفضل بن دكين في الصلاة (١)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في الطهور (٣٧)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٠٨/ ٢٣٧٨)، والسري بن يحيى في حديث الثوري (٢٠)، والبزار (٢/ ٢٣٦/ ٦٣٣)، وأبو يعلى (١/ ٤٥٦/ ٦١٦)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٤٣٨ - الجزء المفقود)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٧٥/ ١٢٦١)، والطحاوي (١/ ٢٧٣)، وابن الأعرابي في المعجم (٣٨٠)، وابن عدي في الكامل (٤/ ١٢٩)، وأبو أحمد الحاكم في شعار أصحاب الحديث (٤٥)، والدارقطني (١/ ٣٦٠ و ٣٧٩)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٣٧٢)، وفي أخبار أصبهان (١/ ٢٧١)، والبيهقي في السنن (٥/ ١٢ و ١٧٣ و ٢٥٣ و ٣٧٩)، وفي المعرفة (١/ ٤٩١/ ٦٧٣) و (٢/ ٦٣ و ١٠٧/ ٩٤١ و ١٠٢١)، وابن عبد البر في التمهيد (٩/ ١٨٥)، والخطيب في التاريخ (١٠/ ١٩٦)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٣/ ١٧/ ٥٥٨)، وابن عساكر في التاريخ (٥٧/ ١٧٣)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٣٢٨ / ٤١٦).
تابع الثوري عليه: مفضل بن صدقة أبو حماد الحنفي [ضعيف. اللسان (٦/ ٩٤)].
أخرجه ابن عدي في الكامل (٦/ ٤١٠).
قال الترمذي: "هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن. وعبد الله بن
стр. 214
محمد بن عقيل: هو صدوق، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه، وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: كان أحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم والحميدي يحتجون بحديث عبد الله بن محمد بن عقيل. قال محمد: وهو مقارب الحديث. وفي الباب: عن جابر وأبي سعيد"، وذكر كلام البخاري في العلل الكبير (٢ - ترتيبه).
واحتج به أحمد، قال أبو داود في مسائله (٥٥٦) عن الإمام أحمد: "واحتج في ترك الرد [يعني: رد السلام على الإمام] بقول النبي ﷺ : "انقضاؤها التسليم".
وأفتى فيمن تكلم أو أحدث قبل السلام أن عليه الإعادة، واحتج بهذا الحديث، وقال: "قال النبي ﷺ : "تحليلها التسليم"، وقال ابنه عبد الله في موضع آخر عن أبيه: "يذهب إلى حديث علي عن النبي ﷺ : "تحليلها التسليم"" [مسائل ابنه عبد الله (٢٨٩ و ٢٩٠)، [وانظر: مسائل ابنه صالح (٦٨٤)].
واحتج به إسحاق بن راهويه، قال إسحاق بن منصور الكوسج في مسائله (١٨٧) نقلًا عن الإمام: "وإن كبر تكبيرة لم ينو بها افتتاحها لم يجزئه؛ لما جاء: "مفتاح الصلاة التكبير".
وقال البزار: [وهذا الحديث لا نعلمه يُروى عن علي إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد".
وقال أبو نعيم: "مشهور، لا يُعرف إلا من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل بهذا اللفظ من حديث علي".
وقال البيهقي في الخلافيات (٢/ ٣٥ - مختصره): "وأشهر إسناد فيه: حديث عبد الله بن محمد بن عقيل عن ابن الحنفية عن علي".
وقال ابن عبد البر: "وقال عبد الرحمن بن مهدي: لو افتتح الرجل صلاته بسبعين اسمًا من أسماء الله ﷺ ولم يكبر تكبيرة الإحرام لم يجزه، وإن أحدث قبل أن يسلم لم يجزه.
وهذا تصحيح من عبد الرحمن بن مهدي لحديث "تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم" وتدَيُّن منه به، وهو إمام في علم الحديث"، وقد روى ابن مهدي هذا الحديث عن الثوري، وقد احتج به الثوري أيضًا.
وقال البغوي: "هذا حديث حسن".
وقال الحاكم: "وأشهر إسناد فيه: حديث عبد الله بن محمد بن عقيل عن محمد ابن الحنفية عن علي، والشيخان قد أعرضا عن حديث ابن عقيل أصلًا" [المستدرك (١/ ١٣٢)].
وقال العقيلي بعد حديث أبي سعيد الآتي ذكره: "وفي هذا الباب حديث ابن عقيل عن محمد ابن الحنفية عن علي: في مفتاح الصلاة، بإسناد أصلح من هذا، على أن فيه لينًا" [الضعفاء (٢/ ٢٣٠)].
стр. 215
وصححه الإمام القرطبي في تفسيره (١/ ٢٢٢) فقال: "حديث علي الصحيح" واعتمد في تصحيحه على حجة ابن عبد البر فقد ساقها وزاد.
ونقل الحافظ في التلخيص (١/ ٣٨٩ - ٣٩٠) تصحيح الحاكم وابن السكن للحديث.
وقال ابن حبان: "هذا حديث لا يصح؛ لأنَّ له طريقين؛ احداهما: عن علي، وفيه ابن عقيل، وهو: ضعيف؛ والثانية: عن أبي نضرة عن أبي سعيد تفرد به أبو سفيان عنه … ".
وقال النووي في المجموع (٣/ ٢٥٠): "رواه أبو داود والترمذي وغيرهما بإسناد صحيح، إلا أن فيه عبد الله بن محمد بن عقيل … ".
وقال في الخلاصة (١٠٥١): "حديث حسن".
وقال ابن حجر في الفتح (٢/ ٣٧٦): "أخرجه أصحاب السنن بسند صحيح".
• والصحيح من هذه الأقوال أنَّه: حديث صحيح ثابت، ولا يضره تفرد ابن عقيل به لأمور:
الأول: أن ابن عقيل وإن كان ضعَّفه الجمهور [منهم: سفيان بن عيينة وابن المديني وابن معين وأحمد - في رواية - وأبو حاتم وأبو زرعة ويعقوب بن شيبة وابن سعد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة والعقيلي وابن حبان وابن عدي وأبو أحمد الحاكم والدارقطني والساجي وابن شاهين والحاكم والخطيب وغيرهم، وهؤلاء منهم من ضعفه ومنهم من لينه، ولم يرو عنه مالك. انظر: التهذيب (٤/ ٤٧٤)، الميزان (٢/ ٤٨٤)، إكمال مغلطاي (٨/ ١٧٨)، كما فقد احتج بحديثه أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه والحميدي، وكذلك عبد الرحمن بن مهدي فقد روى حديثه هذا عن الثوري واحتج به، فاعتبر ذلك ابن عبد البر والقرطبي تصحيحًا من ابن مهدي لحديثه هذا.
وابن عقيل قد روى عنه: سفيان الثوري ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي، وهم لا يروون إلا عمن يرضون حاله، وقال فيه البخاري: "مقارب الحديث"، وهو من ألفاظ التعديل، يعني: أن حديثه يقرُب من حديث الثقات، وممن قواه أيضًا: الترمذي والعجلي والحاكم.
وعلى هذا: فابن عقيل إذا روى حديثًا لم يخالف فيه غيره، أو لم يُختلف عليه فيه؛ فهو حديث حسن، كما قال الذهبي في الميزان (٢/ ٤٨٥): "حديثه في مرتبة الحسن"، وقال في المغني (١/ ٣٥٤): "حسن الحديث".
وقال في السير (٦/ ٢٥٥): "لا يرتقى خبره إلى درجة الصحة والاحتجاج".
وقال ابن حجر في التلخيص (٢/ ٢٢٢): "وابن عقيل سيئ الحفظ، يصلح حديثه للمتابعات، فأما إذا انفرد فيحسن، وأما إذا خالف فلا يقبل".
وقد فسر أبو زرعة الجرح فيه فقال: "ابن عقيل: يختلف عنه في الأسانيد" [الجرح والتعديل (٥/ ١٥٤)] مما يدل على سوء حفظه لا سيما في الأسانيد، وهذا الحديث لم
стр. 216
يختلف فيه على ابن عقيل، لا في إسناده، ولا في متنه، فقد رواه عن سفيان الثوري جماعة من أصحابه عنه به هكذا، لم يختلفوا عليه لا في إسناده ولا في متنه، وإن كان في بعض الروايات: "وإحرامها التكبير، وإحلالها التسليم]، وفي بعضها: "الوضوء" بدل "الطهور"، وليس هذا باختلاف.
ومن هؤلاء الذين رووا الحديث عن الثوري: عبد الرحمن بن مهدي، ووكيع بن الجراح، وأبو نعيم الفضل بن دكين، ويعلى بن عبيد، وقبيصة بن عقبة، وعبيد الله بن موسى، ويزيد بن أبي حكيم، ومحمد بن يوسف الفريابي، ومحمد بن كثير العبدي، وعبد الرزاق بن همام الصنعاني، وأبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي، وزيد بن الحباب، والنعمان بن عبد السلام الأصبهاني، ومخلد بن يزيد الحراني، وسعيد بن سالم القداح.
وهم خمسة عشر نفسًا، وفيهم أثبت الناس في الثوري: ابن مهدي ووكيع وأبو نعيم، كلهم رواه: عن الثوري، عن ابن عقيل، عن ابن الحنفية، عن علي، عن النبي ﷺ أوشك بعضهم في الرفع لا يضر، فمن حفظ حجة على من لم يحفظ].
وبذا يظهر خطأ دعوى الإرسال التي ادعاها بعضهم، والله أعلم [انظر: نصب الراية (١/ ٣٠٧) وقد ادعى ذلك بعض المصنفين في الفقه].
• وقد خالف أولئك، وأخطأ خطأً فاحشًا على الثوري: سلمة بن الفضل الأبرش الرازي [وهو وإن كان محله الصدق؛ إلا أن في حديثه إنكار. انظر: التهذيب (٣/ ٤٣٩)، فقد رواه عن الثوري، عن ثوير بن أبي فاختة، عن أبيه، عن علي به مرفوعًا.
أخرجه أبو نعيم في الحلية (٧/ ١٢٤).
وقال: "تفرد به سلمة عن الثوري".
فلا شك في نكارته؛ ولا يقال حينئذ بأن للحديث إسناد آخر عن علي.
الأمر الثاني: أن هذا إسناد مدني.
الثالث: أن محمد ابن الحنفية هو خال ابن عقيل، فلا يبعد أن يكون ابن عقيل قد سمع هذا الحديث من خاله عدة مرات فاستثبت فيه، وأهل بيت الرجل أعلم بحديثه من غيرهم.
الرابع: أن للحديث شواهد، فقد رُوي من طرق متعددة؛ منها ما رواه: أبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن زيد، وابن مسعود، وابن عباس، وأنس:
١ - أما حديث أبي سعيد الخدري:
فيرويه طريف بن شهاب أبو سفيان السعدي البصري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : [مفتاح الصلا الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم، وفي كل ركعتين تسليمة، ولا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وسورة في كل ركعة، فريضة أو غيرها".
أخرجه الترمذي (٢٣٨)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٢/ ٧٧/ ٢٢٢)، وابن ماجة (٢٧٦ و ٨٣٩ و ١٣٢٤)، وابن حبان في المجروحين (١/ ٣٨١)،
стр. 217
والحاكم (١/ ١٣٢)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٠٨/ ٢٣٨٠)، وأبو يوسف في الآثار (١)، ومحمد بن الحسن الشيباني في الآثار (٤)، وبحشل في تاريخ واسط (٢٣٢)، وأبو يعلى (٢/ ٣٣٦ و ٣٦٦/ ١٠٧٧ و ١١٢٥)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٤٣٩ - ٤٤١ - الجزء المفقود)، والعقيلي في الضعفاء (٢/ ٢٢٩)، والطبراني في الأوسط (٢/ ١٧٦/ ١٦٣٢) و (٣/ ٣٦/ ٢٣٩٥)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٣٧٥) و (٤/ ١١٧) و (٧/ ١١)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين (٣/ ٥٢)، والدارقطني في السنن (١/ ٣٥٩ و ٣٦٥ و ٣٦٦)، وفي الأفراد (٥/ ١٠٢ / ٤٨١٣ - أطرافه)، وأبو نعيم في مسند أبي حنيفة (١٣٠ و ١٣١)، وفي تاريخ أصبهان (١/ ١١٣)، وابن بشران في الأمالي (١٤٧٣)، والبيهقي في السنن (٢/ ٨٥ و ٣٧٩ و ٣٨٠)، وفي القراءة خلف الإمام (٣٦ و ٣٧)، والخطيب في الموضح (٢/ ١٨٩ و ١٩٠).
هكذا رواه عن أبي سفيان السعدي الأعسم الأشل طريف بن شهاب:
الأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو الإمام [ثقة إمام جليل]، ومروان بن معاوية الفزاري [ثقة حافظ]، وعلي بن مسهر [ثقة حافظ]، وأبو معاوية محمد بن خازم [ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في حديث غيره. التقريب (٨٤٠)]، ومحمد بن فضيل [صدوق]، وأبو حنيفة النعمان بن ثابت الإمام [ضعيف. قال البخاري: "كان مرجئًا، سكتوا عنه وعن رأيه وعن حديثه"، وقال مسلم: "مضطرب الحديث، ليس له كبير حديث صحيح"، وقال ابن عدي: "له أحاديث صالحة، وعامة ما يرويه غلط وتصاحيف … ، ولم يصح له في جميع ما يرويه إلا بضعة عشر حديثًا … "، وقد ضعفه الجمهور. انظر: التاريخ الكبير (٨/ ٨١)، كنى مسلم (ق ٣١)، الجرح والتعديل (٨/ ٤٥٠)، ضعفاء العقيلي (٤/ ٢٦٨)، المجروحين (٣/ ٦١)، الكامل (٥/ ٧)، تاريخ بغداد (١٣/ ٣٢٣)، ضعفاء الأصبهاني (٢٥٥)، موسوعة أقوال الإمام أحمد (٤/ ١٦)، الاستغناء (٦٢٤)، ذكر من اختلف العلماء ونقاد الحديث فيه (٥١)، الأنوار الكاشفة (٥١)، التنكيل (١/ ٢٥٨ و ٣٥٨)، الجامع في الجرح والتعديل (٣/ ٢١٠)]، ومندل بن علي العنزي [ضعيف. التقريب (٩٧٠)]، وإبراهيم بن عثمان العبسي أبو شيبة الكوفي [متروك الحديث] التقريب (١١٢)]، وصباح بن يحيى المزني [متروك، بل متهم. اللسان (٣/ ٢١٩)]، وأبو مالك النخعي عبد الملك بن حسين [متروك. التقريب (١١٩٩)]:
عشرتهم [وفيهم خمسة من الثقات] قالوا: عن أبي سفيان، وقال مروان بن معاوية في روايته: [أخبرنا أبو سفيان طريف العطاردي"، وقال علي بن مسهر: "عن أبي سفيان طريف السعدي"، وقال صباح بن يحيى المزني: "عن طريف بن شهاب".
• ووهم فيه حسان بن إبراهيم؛ فقد حدث به مرة عن أبي سفيان ولم يسمه، ومرة ظن أنَّه أبو سفيان الثوري فقال: ثنا سعيد بن مسروق أي وقع عند الحاكم والبيهقي والطبراني وابن عيد وابن حبان، من رواية: حفص بن عمر أبي عمر الحوضي [ثقة ثبت]، وحَبان بن هلال [ثقة ثبت]، والأزرق بن علي [صدوق يغرب]].
стр. 218
وحسان: صدوق يخطئ [التقريب (٢٣٢)].
قال ابن حبان: [وقد وهم حسان بن إبراهيم الكرماني في هذا الخبر، فروى عن سعيد بن مسروق أبي سفيان … وهذا وهم فاحش، ما روى هذا الخبر عن أبي نضرة إلا أبو سفيان السعدي، فتوهم حسان لما رأى أبا سفيان أنَّه والد الثوري، فحدث عن سعيد بن مسروق، ولم يضبطه".
وقال ابن عدي: "وهذا الوهم من حسان بن إبراهيم، فكأن حسان حدث مرتين: مرة على الصواب فقال: عن أبي سفيان، ومرة قال: ثنا سعيد بن مسروق … ".
وذهب ابن صاعد، والدارقطني إلى أن الوهم فيه ممن رواه عن حسان:
قال ابن صاعد: "وهذا الإسناد وهم؛ إنما حدثه [يعني: أبا عمر الحوضي] حسان، عن أبي سفيان، وهو طريف السعدي، فتوهم أنَّه أبو سفيان الثوري، فقال برأيه: عن سعيد بن مسروق الثوري" [الكامل (٢/ ٣٧٥)].
وقال الدارقطني في العلل (١١/ ٣٢٣/ ٢٣١٢) وقد سئل عن هذا الحديث: "يرويه أبو سفيان السعدي طريف بن شهاب، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد.
ورُوي عن حسان بن إبراهيم، عن سعيد بن مسروق، عن أبي نضرة، قاله: أبو عمر الحوضي.
وسعيد بن مسروق لا يحدث عن أبي نضرة، ولعل حسان حدثهم عن أبي سفيان، فتوهم من سمعه منه أنَّه: أبو سفيان الثوري سعيد بن مسروق، وقد حدث به عبيد الله العيشي، عن حسان، عن أبي سفيان، عن أبي نضرة، وهذا هو الصحيح".
وقد ذكر ابن عدي بأن أبا عمر الحوضي لم ينفرد بهذا عن حسان، بل تابعه عليه: حبان بن هلال [وهو: ثقة ثبت]، قال ابن عدي: "فقد اتفق حبان والحوضي، فرويا عن حسان، عن سعيد بن مسروق: على الخطأ، وابن صاعد لم يقع عنه إلا من رواية الحوضي عن حسان، فظن أن الخطأ من الحوضي، وإنما الخطأ من حسان، وقد حدث به مرتين: مرة خطأ، ومرة صوابًا".
وانظر: سنن البيهقي (٢/ ٣٨٠)، إتحاف المهرة (٥/ ٤١٢)، التلخيص (١/ ٣٩٠)، التهذيب (٢/ ٢٣٠).
وقول ابن حبان وابن عدي في توهيم حسان أقرب إلى الصواب، فقد رواه عنه على هذا الوجه من الخطأ ثلاثة، وأيًّا كان فقد اتفق هؤلاء الحفاظ على أن هذا الإسناد وهم.
وبذا يظهر جليًّا أن أبا سفيان السعدي طريف بن شهاب هو المتفرد بهذا الحديث عن أبي نضرة، ولا متابع له، خلافًا لمن يتوهم بأنه قد تابعه عليه سعيد بن مسروق الثوري [وهو ثقة] فيصح بذلك الحديث، وهذا ما وقع فيه الحاكم فقد اعتمد رواية حسان بن إبراهيم التي قلب فيها اسم شيخه، وسماه سعيد بن مسروق، فقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه. وشواهده عن أبي سفيان عن أبي نضرة
стр. 219
كثيرة، فقد رواه أبو حنيفة وحمزة الزيات وأبو مالك النخعي وغيرهم عن أبي سفيان، وأشهر إسناد فيه حديث عبد الله بن محمد بن عقيل … ".
هكذا أخطأ الحاكم، والأمر كما علمت! فإن الحديث مداره على أبي سفيان السعدي، طريف بن شهاب، وهو: متروك، ليس بشيء، قال ابن عبد البر: "أجمعوا على أنَّه ضعيف الحديث"، وقال ابن عدي: "وقد روى عنه الثقات، وإنما أنكر عليه في متون الأحاديث أشياء لم يأت بها غيره، وأما أسانيده فهي مستقيمة" [التهذيب (٤/ ١٠٣)، الميزان (٢/ ٣٣٦)، إكمال مغلطاي (٧/ ٥٩)، المعرفة والتاريخ (٢/ ٧٩٧)، الاستغناء (١٠٩٦)، الكامل (٤/ ١١٦)، المغني في الضعفاء (١/ ٤٩٩) وقال: "تركوه"، الكاشف (١/ ٥١٣)، التقريب (٤٦٣)، وقال: "ضعيف"].
• وقبل بيان نكارة المتن الَّذي تفرد به، نذكر أقوال العلماء على هذا الحديث:
قال الترمذي: "هذا حديث حسن … ، وحديث علي بن أبي طالب في هذا أجود إسنادًا وأصح من حديث أبي سعيد، وقد كتبناه في أول كتاب الوضوء … ".
وقال ابن حبان: "هذا الحديث لا يصح؛ لأنَّ له طريقين: احداهما: عن علي، وفيه ابن عقيل وهو: ضعيف. والثانية: عن أبي نضرة عن أبي سعيد، تفرد به أبو سفيان عنه، ووهم حسان بن إبراهيم فرواه عن سعيد بن مسروق عن أبي نضرة عن أبي سعيد، وذلك أنَّه توهم أن أبا سفيان هو والد سفيان الثوري، ولم يعلم أن أبا سفيان آخر، هو طريف بن شهاب، وبيان واهيًا" [التلخيص (١/ ٣٩٠ - ٣٩١)].
وليَّن العقيلي هذا الإسناد [الضعفاء (٢/ ١٣٧ و ٢٣٠)].
وقال ابن عدي (٤/ ١١٦) لما أخرجه مقتصرًا على القراءة بفاتحة الكتاب: "ولم يصح".
قلت: هذا حديث منكر؛ فقد رواه قتادة عن أبي نضرة فلم يذكر الحديث بهذا السياق بتمامه، وإنما اقتصر على القراءة بفاتحة الكتاب، وقتادة: ثقة ثبت، حجة، من حفاظ أهل زمانه، قال ابن سيرين: "قتادة هو أحفظ الناس"، وقال أحمد: "كان قتادة أحفظ من أهل البصرة"، فأين طريف هذا - على وهائه وإجماعهم على ضعفه - من قتادة.
وقد رواه همام بن يحيى، وسعيد بن أبي عروبة، وحجاج بن حجاج الباهلي، وغيرهم:
عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قال: أمرنا نبينا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر. ولفظ ابن أبي عروبة: عن رسول الله ﷺ قال: "لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد".
أخرجه البخاري في جزء القراءة خلف الإمام (١٢)، وأبو داود (٨١٨)، وابن حبان (٥/ ٩٢/ ١٧٩٠)، والحاكم في معرفة علوم الحديث (٩٧)، وأحمد (٣/ ٣ و ٤٥ و ٩٧)، وعبد بن حميد (٨٧٩)، وأبو يعلى (٢/ ٤١٧/ ١٢١٠)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٧٨/ ١٣٠٦)،
стр. 220
وابن عدي في الكامل (٥/ ١٥٧ - ١٥٨)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٢٣١)، وابن حزم في المحلى (٣/ ٢٤٢)، والبيهقي في السنن (٢/ ٦٥)، وفي القراءة خلف الإمام (٣٣ - ٣٥).
قال البيهقي في الخلافيات (٢/ ١١٩ - مختصره): "إسناد صحيح".
وقال النووي في المجموع (٣/ ٢٧٥): "رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم".
وقال ابن سيد الناس: "إسناده صحيح، ورجاله ثقات" [النفح الشذي (٤/ ٣٤١ و ٣٤٦)، نيل الأوطار (٢/ ٢٣١ و ٢٣٤)].
وقال الحافظ في التلخيص (١/ ٤٢٠): "إسناده صحيح"، وقواه في الفتح (٢/ ٢٤٣).
قلت: هو على شرط مسلم، لكن ذكروا له علة؛ فقد رواه:
أ - سعيد بن يزيد [هو: ابن مسلمة البصري: ثقة. التقريب (١/ ٣٩)]، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد: في كل صلاة قراءة قرآن: أم الكتاب فما زاد. هكذا موقوفًا.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣١٧/ ٣٦٢٣)، وانظر: علل الدارقطني (١١/ ٣٢٤/ ٢٣١٣).
ج - ورواه العوام بن حمزة [بصري قليل الحديث، ليس به بأس. التهذيب (٦/ ٢٧٤)]: ثنا أبو نضرة: سألت أبا سعيد الخدري عن القراءة خلف الإمام؟ قال: بفاتحة الكتاب.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ٣٥٧)، وفي القراءة خلف الإمام (١١٢)، ومن طريقه: ابن عدي في الكامل (٤/ ١١٦).
قال البخاري في التاريح: "وهذا أولى [يعني: من حديث أبي سفيان طريف بن شهاب، لأنَّ أبا هريرة وغير واحد ذكروا عن النبي ﷺ : "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب"، وقال أبو هريرة: إن زدت فهو خير، كان لم تفعل أجزأك".
وقال ابن عدي: "هذا أصح، وقال: عبادة وأبو هريرة عن النبي ﷺ : "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب".
قلت: وحديث قتادة: صحيح أيضًا من وجوه:
الأول: أن قتادة أحفظ من مائة من هذين: فلا تقدح روايتهما الموقوفة في رواية قتادة المرفوعة.
الثاني: أنَّه لا تعارض بينهما، قال ابن حبان في صحيحه (٥/ ٩٢): "الأمر بقراءة فاتحة الكتاب في الصلاة أمر فرض، قامت الدلالة من أخبار أخر على صحة فرضيته - ذكرناها في غير موضع من كتبنا - والأمر بقراءة ما تيسر غير فرض، دل الإجماع على ذلك"، وقال ابن عبد البر في الاستذكار (١/ ٤٢٩): "فعيَّن فاتحة الكتاب لوجوبها، وخيَّر فيما ليس بواجب؛ رحمة ورفقًا".
стр. 221
وانظر: المجموع للنووي في مذاهب العلماء في السورة بعد الفاتحة (٣/ ٣٥٣).
الثالث: أن رواية العوام بن حمزة واقعة حال، وقعت جوابًا لسؤال، وفتوى لمستفتٍ، بخلاف رواية قتادة فإنها عامة، وفتوى أبي سعيد لا تخالف روايته بأن يقال: أجاب بالفرض، وهو فاتحة الكتاب، وأما "ما تيسر" الَّذي في روايته: قد عَلِم بأنه على الاستحباب فلم يفت السائل به عن الفرض.
الرابع: أن رواية قتادة عامة في الإمام والمأموم والمنفرد، وأما رواية العوام فهي خاصة بالمأموم.
الخامس: أن البخاري لما ذكر ترجمة طريف بن شهاب في الضعفاء (١٨٢)، بدأ بذكر حديثه عن أبي نضرة، ثم أتبعه بحديث همام عن قتادة، ثم قال: "وهذا أولى؛ لأنَّ أبا هريرة وغير واحد ذكروا عن النبي ﷺ أنَّه قال: "لا صلاة إلا بفاتحة"، وقال أبو هريرة: إن زدت فهو خير، وإن لم تفعل أجزأك"، فرجح رواية قتادة على رواية أبي سفيان السعدي طريف بن شهاب.
السادس: أن البخاري بعد أن ذكر حديث قتادة معلقًا في القراءة خلف الإمام برقم (١١١)، قال: "ولم يذكر قتادة سماعًا من أبي نضرة في هذا"، ثم قال بعد حديث العوام (١١٢): "هذا أوصل".
قلت: نعم، لم يذكر قتادة فيه سماعًا من أبي نضرة، لكن الحفاظ إذا لم يجدوا علةً ظاهرةً للحديث بحثوا له عن علة خفية، وتعليل أحاديث المدلسين المعنعنة، إذا لم تكن لها علة ظاهرة: هو من هذا الباب؛ إذ الأصل فيها القبول حتَّى يتبين لنا أنَّه مدلَّسة، وحديث قتادة هذا لم يظهر لنا بجمع طرقه أن قتادة دلسه، وفيما تقدم كان أن قتادة قد حفظه، وأن حديثه لا يُعَل برواية من أوقفه، لا سيما مع إمكان الجمع المتقدم، وعليه: فنحن لسنا بحاجة إلى إعلاله بعلة خفية طالما كان الحديث محفوظًا في معناه، والله أعلم، وسيأتي مزيد كان لهذه المسألة عند الحديث رقم (٨١٤) إن شاء الله تعالى.
هذا من وجه، ومن وجه آخر: فإن البخاري عمد إلى إعلال هذا الحديث بعدم ذكر السماع لكونه رآه دالًا على وجوب الزيادة، وليس كذلك، وإلا فإنه يحتج في صحيحه بمثل ذلك مما لم يثبت لقتادة فيه سماع، كما وقع في حديث قتادة عن أَنس مرفوعًا: "سووا صفوفكم" [البخاري (٧٢٣)]، وسيأتي الكلام عليه برقم (٦٦٨) إن شاء الله تعالى.
وسيأتي تفصيل مسألة القراءة خلف الإمام في موضعها من السنن إن شاء الله تعالى.
• والحاصل أن حديث طريف بن شهاب منكر، لتفرده بهذه الزيادات دون الحافظ الثقة الثَّبت قتادة بن دعامة، وتابعه عليه بدون الزيادات لكن موقوفًا: سعيد بن يزيد بن مسلمة البصري، والعوام بن حمزة البصري.
• وقد وجدت له إسنادًا آخر:
يرويه إسماعيل بن عياش، عن عبد العزيز بن عبيد الله، عن أبي نضرة، عن أبي
стр. 222
سعيد، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الطهور مفتاح الصلاة، والتكبير تحريمها، والتسليم تحليلها، وفي كل ركعتين سلام، ولا تصلي صلاة إلا بأم القرآن ومعها غيرها، وفي كل ركعتين تشهد وتسليم].
أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (٢/ ٢٨٩/ ١٣٦٠).
ويقال فيه مثل ما قيل في حديث طريف بن شهاب؛ فإن عبد العزيز بن عبيد الله هذا هو: ابن حمزة بن صهيب الحمصي، وهو: متروك، منكر الحديث، لم يرو عنه غير إسماعيل بن عياش [التهذيب (٢/ ٥٩٠)، الميزان (٢/ ٦٣٢)، الكامل (٥/ ٢٨٥)]، ورواية إسماعيل هنا عن أهل بلده، فالبلية ليست منه، وانما من شيخه بلديه، ويزيد على هذا بأنه من ضعفاء الغرباء.
٢ - وأما حديث جابر:
فيرويه سليمان بن قرم [سيئ الحفظ، يتشيع. التقريب (٤١١)، ونسبه أبو داود الطيالسي إلى جده فقال: سليمان بن معاذ]، عن أبي يحيى القتات [لين الحديث. التقريب (١٢٢٤)]، عن مجاهد، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "مفتاح الجنّة الصلا، ومفتاح الصلاة الوضوء].
أخرجه الترمذي (٤)، وأحمد (٣/ ٣٤٠)، والطيالسي (١٧٩٠)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (١٧٥)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٣٣٦/ ٤٣٦٤)، وفي الصغير (١/ ٣٥٦/ ٥٩٦)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٢٥٧)، والعقيلي في الضعفاء (٢/ ١٣٦)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين (٢/ ٢٨٠)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ١٧٦)، والبيهقي في الشعب (٣/ ٤/ ٢٧١١ و ٢٧١٢)، والخطيب في الموضح (١/ ٣٥١).
قال العقيلي بعد أن ذكر حديث ابن عقيل وحديث أبي سفيان السعدي: "وكلاهما إسنادين لينين، وهما أصلح من حديث سليمان بن قرم".
وقال ابن عدي: "ولا أعلم يرويه عن أبي يحيى غير سليمان بن قرم".
قلت: إسناده ضعيف؛ يصلح في الشواهد، إلا أن شهادته قاصرة من جهة المتن لكونه لم يذكر فيه سوى "مفتاح الصلاة الطهور".
قال في التلخيص (١/ ٣٩٠): "وقال ابن العربي: حديث جابر أصح شيء في هذا الباب، كذا قال، وقد عكس ذلك العقيلي، وهو أقعد منه بهذا الفن".
وقال ابن الملقن في البدر المنير (٣/ ٤٥٠) متعقبًا ابن العربي: "وليس بجيد منه؛ لما علمت".
٣ - وأما حديث عبد الله بن زيد:
فيرويه محمد بن عمر الواقدي: ثنا يعقوب بن محمد بن أبي صعصعة، عن أيوب بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن عباد بن تميم، عن عمه عبد الله بن زيد، عن النبي ﷺ قال: "افتتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم".
стр. 223
أخرجه الحارث بن أبي أسامة (١٦٩ - زوائده) (٣/ ٨٤٢/ ٤٥٠ - مطالب) و (٤/ ١٩٥/ ٥٢٥ - مطالب)، والروياني (١٠١١)، وابن البختري في الجزء الرابع من حديثه (١٧٩)، والطبراني في الأوسط (٧/ ١٦٧/ ٧١٧٥)، والدارقطني (١/ ٣٦١).
وهدا إسناد ضعيف جدًّا؛ الواقدي: متروك؛ وقد تفرد به، كما قال الطبراني، وقال الدارقطني في تعليقاته على المجروحين (١٦٦): "والواقدي: لا يتابع على أحاديثه".
• وأخرجه ابن حبان في المجروحين (٢/ ٢٨٩) من طريق أبي غزية محمد بن موسى بن مسكين، عن فليح بن سليمان، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عباد بن تميم، عن عمه عبد الله بن زيد به مرفوعًا.
وأعله بابن مسكين هذا فقال فيه: "كان ممن يسرق الحديث، ويحدث به، ويروي عن الثقات أشياء موضوعات، حتَّى إذا سمعها المبتدئ في الصناعة سبق إلى قلبه أنَّه كان المتعمد لها" وقال البخاري: "منكر الحديث" [اللسان (٥/ ٤٥٣)].
والراوي عنه: النضر بن سلمة، وهو: شاذان، قال ابن حبان: "والنضر بن سلمة قد تبرأنا من عهدته"، واتهمه بالوضع أبو حاتم وابن خراش وغيرهما [اللسان (٦/ ١٩٢)].
قال الدارقطني في تعليقاته على المجروحين (٣٣٣): "فالحمل فيه على النضر بن سلمة، لا على أبي غزية؛ لأنَّ النضر هذا مشهور بتركيب الحديث على الثقات".
٤ - وأما حديث ابن مسعود:
فإنه صحيح عنه موقوف عليه قوله؛ إلا أن له حكم الرفع.
رواه شعبة، والثوري، وأبو الأحوص سلام بن سليم، وزائدة بن قدامة، وزهير بن معاوية، وغيرهم: عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: مفتاح الصلاة الطهور، وإحرامها التكبير، وانقضاؤها التسليم.
أخرجه أبو نعيم الفضل بن دكين في الصلاة (٢)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٠٨/ ٢٣٧٩)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٤٢٨ - ٤٣١ - الجزء المفقود)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٧٦/ ١٢٦٢)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٥٧/ ٩٢٧١)، والبيهقي في السنن (٢/ ١٦ و ١٧٣)، وفي المعرفة (١/ ٤٩٢/ ٦٧٤) و (٢/ ٦٤/ ٩٤٢)، والخطيب في تاريخه (١١/ ٢٠٨).
قال البيهقي: "وهذا الأثر الصحيح عن عبد الله بن مسعود يدل على صحة ما نقول"، يعني: أنَّه لا يتحلل من صلاته إلا بالتسليم.
وقال الحافظ في التلخيص (١/ ٣٩١): "وإسناده صحيح، وهو موقوف".
• وله إسناد آخر عن ابن مسعود قوله، لكنه ضعيف، أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٨/ ١٤٥).
٥ - وأما حديث ابن عباس فرُوي عنه مرفوعًا وموقوفًا:
• أما المرفوع: فيرويه نافع مولى يوسف السلمي، عن عطاء، عن ابن عباس، عن
стр. 224
رسول الله ﷺ قال: "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم].
أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ١٦٣/ ١١٣٦٩)، وفي الأوسط (٨/ ١٠٩/ ٩٢٦٧).
وهذا حديث منكر؛ نافع هذا: متروك، منكر الحديث، وقد تفرد به عن عطاء [اللسان (٦/ ١٧٥)، التلخيص (١/ ١/ ٣٩)].
وضعفه الدارقطني في تعليقاته على المجروحين (١٦٦)، بقوله: "ونافع هذا ضعيف".
• وأما الموقوف: فيرويه أبو خالد الأحمر، عن ابن غريب، عن أبيه، عن ابن عباس به موقوفًا.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٠٨/ ٢٣٨١).
وابن غريب هذا هو محمد، وهو الَّذي يروي عنه أبو خالد الأحمر، وليس برشدين، وعليه فالإسناد ضعيف؛ فإن محمد بن غريب ضعيف؛ يكتب حديثه في الشواهد [التقريب (٨٩١)].
٦ - وأما حديث أَنس:
فيرويه ابن المقرئ في المعجم (٤٦٣)، قال: حدثنا أحمد بن علي بن عياش البالسي بالرقة: ثنا أحمد بن بكر البالسي: ثنا خالد بن يزيد البجلي: ثنا سليمان مولى الشعبي، - هكذا وإنما هو: سليم -، عن أَنس قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدًا يمر، تحريم الصلاة التكبير، وتحليلها التسليم].
وهذا باطل بهذا الإسناد؛ سليم مولى الشعبي: ضعيف؛ وغالب روايته عن الشعبي، ولم يذكر سماعًا من أَنس [اللسان (٤/ ١٨٧)]، وخالد بن يزيد البجلي القسري أمير العراق: ضعيف [اللسان (٣/ ٣٤٨)]، وأحمد بن بكر البالسي: روى مناكير عن الثقات، وقال الأزدي: "كان يضع الحديث" [اللسان (١/ ٤١١)، الأنساب (١/ ٢٦٨)]، وأما أحمد بن علي بن عياش البالسي، فهو من شيوخ ابن المقرئ، وذكره ابن السمعاني في الأنساب (١/ ٢٦٨)، ولم أر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
• وقد روى حسين المعلم، عن بديل بن مسيرة، عن أبي الجوزاء، عن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ يفتتح الصلاة بالتكبير، وكان يختم بالتسليم.
أخرجه أبو عوانة (١/ ٤٢٨/ ١٩٩٥)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٠٨/ ٢٣٨٢)، هكذا مختصرًا.
وهو عند مسلم (٤٩٨)، وأبي داود (٧٨٣)، وغيرهما مطولًا.
وسوف يأتي الكلام عليه في موضعه من السنن (٧٨٣) إن شاء الله تعالى.
• وفي الجملة: فإن حديث علي حديث صحيح، ويؤيده موقوف ابن مسعود وابن عباس، والله أعلم.
وانظر شرحه مستوفى: في حاشية ابن القيم على السنن (١/ ٥٩ - ٦٩).
***
стр. 225
٣٢ - باب الرجل يجدد الوضوء من غير حدث
٦٢ - . . . عبد الرحمن بن زياد، عن غُطَيف - وفي رواية: عن أبي غطيف الهُذَلي - قال: كنت عند عبد الله بن عمر، فلما نودي بالظهر توضأ فصلى، فلما نودي بالعصر توضأ، فقلت له؛ فقال: كان رسول الله ﷺ يقول: "مَن توضأ على طُهْرٍ كُتِبَ له عشرُ حسناتٍ".
• حديث ضعيف
أخرجه الترمذي (٥٩)، وابن ماجة (٥١٢)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في الطهور (٣٨)، وابن أبي شيبة (١/ ١٦ / ٥٣)، وعبد بن حميد (٨٥٩)، وابن جرير الطبري في تفسيره (٤/ ٤٥٥/ ١١٣٤٠ و ١١٣٤١)، والدولابي في الكنى (٢/ ٨٩٣/ ١٥٦٥)، والطحاوي شرح المعاني (١/ ٤٢)، وفي أحكام القرآن (١/ ٧٢/ ١٦)، والعقيلي في الضعفاء (٢/ ٣٣٢)، والبيهقي (١/ ١٦٢)، وابن عبد البر (١٨/ ٢٤٠ - ٢٤١)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ٣٥٢/ ٥٨٠)، والمزي في التهذيب (٣٤/ ١٧٨).
قال الترمذي: "هو إسناد ضعيف؛ قال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد القطان: ذُكر لهشام بن عروة هذا الحديث؟ فقال: هذا إسناد مشرقي".
وفي التهذيب للمزي (١٧/ ١٠٥): "قال علي بن المديني: سألت يحيى بن سعيد عنه [يعني: عن الأفريقي] فقال: سألت هشام بن عروة عنه؟ فقال: دعنا منه، حديثه حديث مشرقي".
ثم قال الترمذي بعد الحديث (٦١) وقد علق بعده هذا الحديث، فقال: "وهذا إسناد ضعيف".
وقال البيهقي بعد هذا الحديث: "عبد الرحمن بن زياد الأفريقي: غير قوي".
وقال البغوي في شرح الكامة (١/ ٤٤٩): "إسناده ضعيف".
وقال المناوي في الفيض (٦/ ١١٠): "ونقل بعضهم عن البخاري أنَّه حديث منكر".
وقال النووي في المجموع (١/ ٤٩٥): "ضعيف؛ متفق على ضعفه، وممن ضعفه الترمذي والبيهقي"، وذكره في فصل الضعيف من الخلاصة (٢٢٤).
وقال العراقي في تخريج الإحياء: "إسناد ضعيف" [المغني في حمل الأسفار (١/ ٨٤/ ٣١٨)].
وقال ابن حجر في التلخيص (١/ ٢٥٢): "وسنده ضعيف".
ورمز السيوطي لضعفه في الجامع الصغير، وقال في الحاوي للفتاوى (١/ ٣٢٦): "ضعيف؛ صرح بضعفه جماعة".
стр. 226
وقال الشوكاني في السيل الجرار (١/ ٩٤): "في إسناده عبد الرحمن الإفريقي، وهو: ضعيف الحفظ، عن أبي غطيف، وهو: مجهول".
قلت: وهو كما قالوا؛ عبد الرحمن بن زياد بن أنعم: ضعيف في حفظه [التقريب (٥٧٨)]، وأبو غطيف: مجهول [التقريب (١١٨٩)]. وانظر: المغني (١/ ٩٦).
وراجع في معنى هذا الحديث [الوضوء على طهر] الحديث رقم (٤٨)، وسيأتي مزيد كان عند الحديث (١٧١).
• قال الحافظ المنذري بعد هذا الحديث: "وأما الحديث الَّذي يُروى عن النبي ﷺ أنَّه قال: "الوضوء على الوضوء نور على نور، فلا يحضرني له أصل من حديث النبي ﷺ ولعله من كلام بعض السلف، والله أعلم" [الترغيب (١/ ٩٨)].
وقال الحافظ العراقي في تخريج الإحياء: "لم أجد له أصلًا" [المغني (٣١٩)].
ونقل العجلوني في الكشف (٢/ ٤٤٧): "وقال الحافظ ابن حجر: حديث ضعيف؛ ورواه رزين في مسنده"، ونقله السيوطي أيضًا في الحاوي للفتاوى (١/ ٣٢٦)، وانظر: البدر المنير (٢/ ٥٨٦).
***
٣٣ - باب ما ينجس الماء
٦٣ - قال أبو داود: حدثنا محمد بن العلاء، وعثمان بن أبي شيبة، والحسن بن علي، وغيرهم، قالوا: ثنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: سُئل النبيُّ ﷺ عن الماء وما ينوبُه من الدوابِّ والسباع؟ فقال ﷺ : "إذا كان الماء قُلَّتين لم يحمِل الخَبَثَ".
قال أبو داود: وهذا لفظ ابن العلاء، وقال عثمان والحسن بن علي: عن محمد بن عباد بن جعفر.
قال أبو داود: وهذا هو الصواب.
• حديث صحيح
قلت: اختلف في هذا الحديث على أبي أسامة، فمنهم من قال: محمد بن جعفر بن الزبير، ومنهم من قال: محمد بن عباد بن جعفر.
١ - فرواه أبو كريب محمد بن العلاء، وهناد بن السري، والحسين بن حريث، ويحيى بن حسان التنيسي، وموسى بن عبد الرحمن الكندي المسروقي، ومحمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي، ومحمد بن سليمان القيراطي، وحوثرة بن محمد، وعبد الله بن
стр. 227
محمد بن شاكر، والحسن بن علي بن عفان، وأبو بكر بن أبي شيبة، وعثمان بن أبي شيبة، وإسحاق بن إبراهيم بن راهويه، وشعيب بن أيوب، وأحمد بن عبد الحميد الحارثي، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، وأبو عبيدة أحمد بن عبد الله بن أبي السفر، ومحمد بن عبادة، وحاجب بن سليمان، وهارون بن عبد الله الحمال، وعلي بن شعيب، وعبد بن حميد، وأحمد بن جعفر الوكيعي [وهم ثلاثة وعشرون نفسًا من الثقات]:
رووه عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه به مرفوعًا.
وقال بعضهم: "عبيد الله" بدل: "عبد الله"، وهو وهم أو تصحيف.
٢ - ورواه أبو بكر بن أبي شيبة، وأخوه عثمان، وشعيب بن أيوب، وأحمد بن عبد الحميد الحارثي، والحسن بن علي بن عفان، ومحمد بن عثمان بن كرامة، وحجاج بن حمزة بن سويد الرازي، ومحمد بن سعيد أبو يحيى العطار، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وأحمد بن زكريا بن سفيان الواسطي، ومحمد بن حسان بن فيروز الأزرق، ويعيش بن الجهم، وأبو مسعود أحمد بن الفرات، والحسين بن علي بن الأسود، وعلي بن محمد بن أبي الخصيب، ومحمد بن الفضيل البلخي، والإمام محمد بن إدريس الشافعي لكن قال: "أنبأنا الثقة عن الوليد"، قال الحاكم: "وهو أبو أسامة بلا شك فيه" [وانظر: الإمام لابن دقيق العيد (١/ ٢٠١)، [وهؤلاء سبعة عشر نفسًا من الثقات]:
رووه عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه به مرفوعًا.
وقال بعضهم: "عبيد الله" بدل "عبد الله"، وهو وهم أو تصحيف [وانظر: المعرفة للبيهقي (١/ ٣٢٦)].
أخرج الرواية الأُولى:
أبو داود (٦٣)، والنسائي (١/ ٤٦/ ٥٢) و (١/ ١٧٥/ ٣٢٨)، والدارمي (١/ ٢٠٢/ ٧٣٢)، وابن خزيمة (٩٢)، وابن حبان (٤/ ٥٧/ ١٢٤٩)، وابن الجارود (٤٥)، والحاكم (١/ ١٣٢ و ١٣٣)، وابن أبي شيبة (١/ ١٣٣/ ١٥٢٦) و (٧/ ٢٨١/ ٣٦٠٩٤)، وعبد بن حميد (٨١٧)، وسمويه في بعض الثالث من فوائده (٢٢)، وابن جرير الطبري في مسند ابن عباس من تهذيب الآثار (٢/ ٧٣٠ و ٧٣١/ ١١٠٦ و ١١٠٧)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١٥)، وفي المشكل (١/ ٢٣٣ و ٢٣٤/ ٢١٩ و ٢٢٥ - ترتيبه)، وأبو بكر النيسابوري في الزيادات على كتاب المزني (١٥)، وابن الأعرابي في المعجم (١٤٠٨ و ١٤٠٩)، والدارقطني (١/ ١٤ و ١٥ و ١٦ و ١٨)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٦٠ و ٢٦١)، وفي المعرفة (١/ ٣٢٧/ ٣٩٣ و ٣٩٥)، وفي الخلافيات (٣/ ١٤٦ - ١٥٠ و ١٥٦ و ١٥٧/ ٩٣٥ و ٩٣٦ و ٩٤٢ و ٩٤٣)، والجوزقاني في الأباطيل (١/ ٥١١/ ٣٢١)، وقال: "حديث حسن"، وابن الجوزي في التحقيق (٧).
стр. 228
وأخرج الرواية الثانية:
أبو داود (٦٣)، وابن حبان (٤/ ٦٣/ ١٢٥٣)، وابن الجارود (٤٤)، والحاكم (١/ ١٣٣)، والشافعي في الأم (١/ ٤)، وفي اختلاف الحديث (١٠٤)، وفي المسند (٧)، وابن جرير الطبري في مسند ابن عباس من تهذيب الآثار (٢/ ٧٣١ / ١١٠٨)، وابن أبي حاتم في العلل (١/ ٤٤)، وابن الأعرابي في المعجم (٦٥ و ١٤٠٩)، والدارقطني (١/ ١٥ و ١٦ و ١٧ و ١٨)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٦٠ و ٢٦١)، وفي المعرفة (١/ ٣٢٦ و ٣٢٧/ ٣٩٢ و ٣٩٤ و ٣٩٥)، وفي الخلافيات (٣/ ١٥٢ - ١٥٧/ ٩٣٨ - ٩٤٣).
وقال بعضهم في المتن: "لم ينجسه شيء" بدل "لم يحمل الخبث"، وكلاهما محفوظ.
وكلا الروايتين في الإسناد محفوظ؛ فإن أبا أسامة حماد بن أسامة: ثقة ثبت حافظ يحتمل هذا من مثله، وقد روى عنه الوجهين جماعة من الحفاظ يبعد نسبتهم إلى الوهم في ذلك، مع متابعة بعضهم لبعض فيه، ومما يؤكد ذلك أن بعضهم قد رواه عن أبي أسامة على الوجهين؛ مثل: أبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة، وشعيب بن أيوب، والحسن بن علي بن عفان، وأحمد بن عبد الحميد الحارثي [وثقه الدارقطني، وذكره ابن حبان في الثقات. سؤالات الحاكم (٢)، الثقات (٨/ ٥١)]، فهؤلاء خمسة من الثقات رووه عن أبي أسامة بالوجهين جميعًا، وقد جمعهما شعيب بن أيوب في إسناد واحد في مجلس واحد.
وهذا هو ما ذهب إليه الدارقطني والحاكم والبيهقي:
قال الدارقطني: "فلما اختلف على أبي أسامة في إسناده، أحببنا أن نعلم من أتى بالصواب، فنظرنا في ذلك فوجدنا شعيب بن أيوب قد رواه عن أبي أسامة عن الوليد بن كثير على الوجهين جميعًا، عن محمد بن جعفر بن الزبير، ثم أتبعه عن محمد بن عباد بن جعفر، فصح القولين جميعًا عن أبي أسامة، وصح أن الوليد بن كثير رواه عن محمد بن جعفر بن الزبير، وعن محمد بن عباد بن جعفر جميعًا، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه، فكان أبو أسامة مرة يحدث به: عن الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير، ومرة يحدث به: عن الوليد بن كثير عن محمد بن عباد بن جعفر، والله أعلم".
وقال في العلل (١٢/ ٤٣٥/ ٢٨٧٢) بعد أن ذكر الاختلاف فيه، ثم أتبعه برواية شعيب فقال: "فصح القولان عن أبي أسامة بهذه الرواية".
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح، على شرط الشيخين، فقد احتجا جميعًا بجميع رواته، ولم يخرجاه، وأظنهما - والله أعلم - لم يخرجاه لخلاف فيه على أبي أسامة عن الوليد بن كثير"، ثم قال: "هذا خلاف لا يوهن هذا الحديث، فقد احتج الشيخان جميعًا بالوليد بن كثير ومحمد بن جعفر أبن الزبير، فأما محمد بن عباد: فغير محتج به]، وإنما قرنه أبو أسامة إلى محمد بن جعفر، ثم حدث به مرة عن هذا، ومرة عن ذاك، والدليل عليه … [ثم أسند حديث شعيب بن أيوب الَّذي قرنهما فيه ثم قال:] وقد صح وثبت بهذه
стр. 229
الرواية صحة الحديث، وظهر أن أبا أسامة ساق الحديث عن الوليد بن كثير عنهما جميعًا، فإن شعيب بن أيوب الصريفيني: ثقة مأمون، وكذلك الطريق إليه، وقد تابع الوليد بن كثير على روايته عن محمد بن جعفر بن الزبير: محمد بن إسحاق بن يسار القرشي … " ثم أسنده ويأتي.
وما بين المعقوفين الأولين سقط من مطبوعة المستدرك، وكذا من مخطوط رواق المغاربة (١/ ٦١ / ج)، واستدركته من الخلافيات للبيهقي (٣/ ١٥٥/ ٩٤١)، وذيل الميزان (٦٤٠).
وتعقبه البيهقي في الخلافيات (٣/ ١٥٥) فقال: "قول شيخناء ﵀ في محمد بن عباد بن جعفر: إنه غير محتج به، سهو منه، فقد أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله حديثه [في غير القلتين] في الصحيح واحتجا به".
وقال أبو الفضل العراقي في ذيل الميزان (٦٤٠): "إن أراد الحاكم أنَّه غير محتج به في الصحيحين؛ فهو وهم؛ فقد احتجا به في حديثه عن جابر في النهي عن صوم يوم الجمعة [البخاري (١٩٨٤)، مسلم (١١٤٣)]، واحتج به البخاري في حديثه عن ابن عباس في نزول قوله تعالى ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ [هود: ٥] [البخاري (٤٦٨١ و ٤٦٨٢)]، واحتج به مسلم في حديث له عن ابن عمر [مسلم (٢٠٨٥)]، وحديث له عن أبي هريرة [مسلم (٢٦٥٦)]، وغير ذلك [قلت: وحديث له عن عبد الله بن السائب (٤٥٥)].
وإن أراد أنَّه غير محتج به مطلقًا؛ فليس كذلك؛ فقد وثقه: ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم وابن سعد وابن حبان، وروى عنه الأئمة: الزهري وابن جريج والأوزاعي، ولم أر لغير الحاكم فيه جرحًا، وعلى تقدير أن يكون الحاكم أراد أنَّه غير محتج به في الصحيحين؛ فلا ينبغي أن يكون تضعيفًا؛ لأنَّ جماعة من الثقات لم يحتج بهم الشيخان، ولم يُتكلم فيهم بجرح، والله أعلم".
وإلى الجمع بين الروايتين ذهب أيضًا: البيهقي في السنن والمعرفة والخلافيات، وبيَّن أن شعيب بن أيوب وعثمان بن أبي شيبة وأحمد بن عبد الحميد الحارثي قد رووه عن أبي أسامة على الوجهين جميعًا.
وهذا القول خلاف ما ذهب إليه أبو داود وأبو حاتم وابن منده:
أما أبو داود فقد صوَّب رواية من قال: "محمد عباد بن جعفر".
وأما أبو حاتم فقد قال: "محمد بن عباد بن جعفر: ثقة، ومحمد بن جعفر بن الزبير: ثقة، والحديث لمحمد بن جعفر بن الزبير، أشبه" [العلل (١/ ٤٤/ ٩٦)].
وأما ابن منده فقد صوَّب رواية من قال: "محمد جعفر بن الزبير" معتمدًا في ذلك على رواية عيسى بن يونس [الإمام (١/ ٢٠٢)].
قلت: أما أبو داود فلعله صوَّب ورجَّح رواية الأكثر عنده، أعني: فيما وقع له في الرواية.
стр. 230
أما أبو حاتم فقد مال إلى ترجيح رواية محمد بن جعفر بن الزبير لكونه متأخرًا عن محمد بن عباد، ثم لكونه مدنيًّا بلديًّا لعبد الله بن عبد الله بن عمر، وأما محمد بن عباد فمكي مخزومي.
ورواية محمد بن جعفر غالبها بل كلها عن التابعين، وما رواه عن عبد الله بن الزبير فمرسل؛ وأما رواية محمد بن عباد فغالبها عن الصحابة بل إنه يروي عن ابن عمر بلا واسطة فقد لقيه وجلس معه [انظر: صحيح مسلم (٢٠٨٥)، وعلى هذا فمحمد بن جعفر من أتباع التابعين، وأما محمد بن عباد فتابعي، فكان الحديث أشبه بمحمد بن جعفر منه بمحمد بن عباد لهذه الأمور، ثم إن غير أبي أسامة وغير الوليد بن كثير قالوا: عن محمد بن جعفر، والله أعلم.
لكن لعل أبا حاتم لم يطلع على هاتيك القرائن التي تقدم ذكرها، لا سيما كون بعض الرواة يرويه على الوجهين جميعًا، يجمعهما في إسناد واحد، مثل شعيب بن أيوب، فإن أبا حاتم كان يصحح الوجهين إذا جمعهما راوٍ واحد [انظر: العلل (١٩/ ١/ ٢٥) و (١/ ١٦٥/ ٤٦٩)] وقد علق العلامة عبد الرحمن المعلمي على الموضعين بقوله: "إذا روى الرجل الحديث على وجهين: تارة كذا وتارة كذا، ثم رواه [يعني: آخر] فجمعهما معًا دل ذلك على صحتهما معًا" [فوائده على كتاب العلل (٢٧)].
وعلى هذا فالدارقطني والحاكم والبيهقي معهم زيادة علم، وقولهم هو الصواب، والله أعلم.
• وقد تابع أبا أسامة على هذا الحديث في روايته عن الوليد:
أ - عيسى بن يونس [ثقة مأمون. التقريب (٧٧٣)]، فرواه عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه به مرفوعًا.
ذكره ابن الجارود (٤٥) هكذا معلقًا. وابن منده موصولًا [الإمام (١/ ٢٠٤)]، والبيهقي في المعرفة (١/ ٣٢٨) مرسلًا وموصولًا وعلقه أيضًا، وذكره الدارقطني في العلل (١٢/ ٤٣٥/ ٢٨٧٢) مرسلًا فقط، كذا في المطبوع، وفي نسخة من المخطوط (٤/ ٦٧/ ب) موصول.
لكنه قال: "عبيد الله" بدل "عبد الله" وجعله من رواية محمد بن جعفر بن الزبير وحده.
• وقد تابعه على ذلك أحد المتروكين:
ج - عباد بن صهيب [متروك. المبزان (٢/ ٣٦٧)، اللسان (٣/ ٢٩٠)، قال: نا الوليد بن كثير: نا محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه به مرفوعًا.
أخرجه الدارقطني (١/ ١٨ - ١٩)، والبيهقي في الخلافيات (٢/ ١٦٥ - ١٦٦/ ٩٤٦)، وعلقه في المعرفة (١/ ٣٢٨).
стр. 231
• وتابع الوليد بن كثير على هذا الوجه - من رواية عيسى بن يونس عنه -: محمد بن إسحاق بن يسار:
***
٦٤ - . . . محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ سئل عن الماء يكون في الفلاة؟ فذكر معناه.
• حديث صحيح
أخرجه الترمذي (٦٧)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٥٦)، وابن ماجة (٥١٧ و ٥١٧ م)، والدارمي (١/ ٢٠٢/ ٧٣١)، وابن الجارود (٤٥) معلقًا، والحاكم (١/ ١٣٣)، وأحمد (٢/ ١٢ و ٢٦ - ٢٧ و ٣٨)، وابن أبي شيبة (١/ ١٣٣/ ١٥٢٥)، وأبو بكر الأثرم في السنن (٥٠)، وسمويه في بعض الثالث من فوائده (٢١ و ٢٣)، وأبو يعلى (٩/ ٤٣٨ - ٥٥٩٠/ ٤٣٩)، وابن جرير الطبري في مسند ابن عباس من تهذيب الآثار (٢/ ٧٣٢ و ٧٣٤/ ١١٠٩ - ١١١١ و ١١١٥)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١٥ و ١٦)، وفي المشكل (١/ ٢٣٤/ ٢٢١ - ترتيبه)، والدارقطني (١/ ١٩ و ٢١)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٦١)، وفي المعرفة (١/ ٣٢٨/ ٣٩٦ و ٣٩٧)، وفي الخلافيات (٣/ ١٦٢ و ١٦٣ و ١٦٧/ ٩٤٤ و ٩٤٥ و ٩٤٧)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٢/ ٥٨/ ٢٨٢)، وفي التفسير (٣/ ٣٧١ - ٣٧٢)، وابن الجوزي في التحقيق (٦).
وفي رواية الترمذي: قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو يُسأل عن الماء يكون في الفلاة من الأرض؟ وما ينوبه من السباع والدواب؟ قال: فقال رسول الله ﷺ : "إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث".
قال محمد بن إسحاق: القلة هي الجرار، والقلة التي يُستقى فيها.
وقال بعضهم: "السباع والكلاب".
قال البيهقي في الخلافيات (٣/ ١٦٨): "وهو غريب".
وقد صرح ابن إسحاق فيه بالسماع في رواية، قال: حدثني محمد بن جعفر.
• وقد اختلف فيه على ابن إسحاق:
أ - فرواه الثقات الحفاظ عنه به هكذا: عبد الله بن المبارك، وسفيان الثوري، وعبد الله بن نمير، وزائدة بن قدامة، ويزيد بن هارون، ويزيد بن زريع، وعبدة بن سليمان، وإبراهيم بن سعد، وزهير بن معاوية، وجرير بن عبد الحميد، وعبد الرحمن بن عمر المحاربي، وحماد بن سلمة، وأحمد بن خالد الوهبي، وسعيد بن زيد، وأبو معاوية
стр. 232
الضرير محمد بن خازم، وعبد الرحيم بن سليمان، وسلمة بن الفضل الأبرش، وعباد بن عباد المهلبي، وإسماعيل بن عياش [(١٩)]، وهو المحفوظ.
ب - ورواه محمد بن وهب السلمي الدمشقي [صدوق. التقريب (٩٥٥)]: نا ابن عياش، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة مرفوعًا بمعناه.
أخرجه الدارقطني (١/ ٢١)، والبيهقي في الخلافيات (٣/ ٢٠٥ - ٢٠٦/ ٩٧٧).
قال الدارقطني: "كذا رواه محمد بن وهب عن إسماعيل بن عياش بهذا الإسناد، والمحفوظ: عن ابن عياش، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه".
وقال في العلل (١٢/ ٤٣٦/ ٢٨٧٢): "ولا يصح".
وقال البيهقي: "هكذا رواه ابن عياش عن ابن إسحاق، والمحفوظ عن ابن إسحاق: ما مضى".
ج - ورواه عبد الوهاب بن عطاء الخفاف [صدوق ربما أخطأ. التقريب (٦٣٣)]، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﷺ نحوه.
أخرجه ابن حبان في الثقات (٨/ ٤٧٦ - ٤٧٧)، والدارقطني (١/ ٢١).
قال ابن حبان: "وهذا خطأ فاحش؛ إنما هو: محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه … ثم نقل عن عثمان بن خرزاد قوله: ولم يحدث عبد الوهاب هكذا إلا بالرقة".
وقال الدارقطني في العلل (١٢/ ٣٧٣/ ٢٧٩٩): "وهو وهم أيضًا"، وذكر له اختلافًا آخر عن عبد الوهاب في موضع آخر (١٢/ ٤٣٦/ ٢٨٧٢).
د - ورواه المغيرة بن سقلاب [صالح الحديث، له مناكير هذا منها. الميزان (٤/ ١٦٣)، اللسان (٦/ ٩١)]، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان الماء قلتين من قلال هجر لم ينجسه شيء" وفي رواية: "والقلة أربعة آصع".
أخرجه ابن عدي في الكامل (٦/ ٣٥٩)، ومن طريقه: البيهقي في الخلافيات (٣/ ١٨٣/ ٩٥٥)، ورواه من طريق أخرى أيضًا: (٣/ ١٨٤/ ٩٥٦).
قال ابن عدي: "والمغيرة ترك طريق هذا الحديث، وقال: عن ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر، وكان هذا أسهل عليه، ومحمد بن إسحاق يرويه عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر … ثم قال: وقوله في متن هذا الحديث: "من قلال هجر": غير محفوظ؛ ولم يُذكر إلا في هذا الحديث من رواية مغيرة هذا عن محمد بن إسحاق".
وقال ابن عدي في أول ترجمته: "منكر الحديث"، وختمها بقوله: "وعامة ما يرويه لا يتابع عليه".
стр. 233
وقال البيهقي: "المغيرة بن سقلاب: ضعيف؛ والمحفوظ عن محمد بن إسحاق: ما مضى".
وقال الدارقطني في العلل (١٢/ ٣٧٢/ ٢٧٩٩): "وهو وهم، والصواب: عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه"، وقال في موضع آخر (١٢/ ٤٣٦/ ٢٨٧٢): "ووهم فيه".
ثم قال بعد ذكر الاختلاف فيه على ابن إسحاق: "والمحفوظ: عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه".
• قال البيهقي في المعرفة (١/ ٣٢٧ - ٣٢٨): "فالحديث محفوظ عنهما جميعًا [يعني: عن محمد بن جعفر، وعن محمد بن عباد، إلا أن غير أبي أسامة يرويه عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، فكان شيخنا أبو عبد الله الحافظ يقول: الحديث محفوظ عنهما جميعًا، وكلاهما رواه عن أبيه، وإليه ذهب كثير من أهل الرواية.
وكان إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ﵀ يقول: غلط أبو أسامة في عبد الله بن عبد الله إنما [هو] عبيد الله بن عبد الله.
واستدل بما رواه عن عيسى بن يونس … ثم قال البيهقي: ورواية محمد بن إسحاق تؤكد ما قال إسحاق [يعني: ابن راهويه]، وكذلك رواه عاصم بن المنذر".
قلت: اختلف فيه على عاصم بن المنذر:
١ - فرواه:
***
٦٥ - . . . حماد: أخبرنا عاصم بن المنذر، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، قال: حدثني أبي، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كان الماء قلتين فإنه لا ينجس".
قال أبو داود: حماد بن زيد وقفه عن عاصم.
• حديث صحيح
أخرجه ابن ماجة (٥١٨)، وأبو الحسن القطان في زياداته على ابن ماجة (٥١٨ م)، وابن الجارود (٤٦)، والحاكم (١/ ١٣٤)، وأحمد (٢/ ٢٣ و ١٠٧)، والطيالسي (١٩٥٤)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في الطهور (١٥٦)، وعبد بن حميد (٨١٨)، وابن جرير الطبري في مسند ابن عباس من تهذيب الآثار (٢/ ٧٣٢ و ٧٣٣/ ١١١٢ و ١١١٣)، وابن المنذر في الأوسط (١/ ٢٧٠/ ١٨٩)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١٦)، والدارقطني (١/ ٢٢ و ٢٣)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٦٢)، وفي المعرفة (١/ ٣٩٨/ ٣٢٩ و ٣٩٩)، وفي الخلافيات (٣/ ١٦٨ / ٩٤٨ و ٩٤٩)، وابن الجوزي في التحقيق (٨ و ٩).
стр. 234
وفي رواية ابن الجارود: عن عفان بن مسلم، قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: أخبرني عاصم بن المنذر، قال: كنا في بستان لنا أو لعبيد الله بن عبد الله بن عمر، فحضرت الصلاة، فقام عبيد الله إلى مِقْرَى البستان [هو: الحوض يُجمع فيه الماء. تهذيب الآثار (٢/ ٧٤٩)]، وفيه جلد بعير، فاخذ يتوضأ منه، فقلنا: أتتوضأ من هذا وفيه هذا الجلد؛ فقال: حدثني أبي أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كان الماء قلتين فإنه لا ينجس".
وانظر فيمن وهم فيه على حماد بن سلمة: مسند ابن عباس من تهذيب الآثار لابن جرير الطبري (٢/ ٧٣٤/ ١١١٤).
٢ - وخالفه: حماد بن زيد، فرواه عن عاصم بن المنذر، عن أبي بكر [بن] عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه به موقوفًا. كذا ولعل لفظة "ابن" مقحمة، فإن أبا داود لما ذكر رواية حماد بن زيد لم يزد على أنَّه خالفه في الرفع فقط، ولم يذكر أنَّه خالفه في شيخ عاصم.
كذا ذكره الدارقطني (١/ ٢٢) معلقًا. وكذا هو في الإتحاف (٨/ ٥٧٢/ ٩٩٧٩)، وفي الإمام (١/ ٢٠٨ - ٢٠٩).
٣ - ورواه إسماعيل ابن علية، عن عاصم بن المنذر، عن رجل [لم يسمه]، عن ابن عمر موقوفًا أيضًا.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٣٣/ ١٥٢٩)، وابن جرير الطبري في مسند ابن عباس من تهذيب الآثار (٢/ ٧٢٩/ ١١٠٤)، وعلقه الدارقطني (١/ ٢٢).
لكن الدارقطني في العلل (١٢/ ٤٣٦/ ٢٨٧٢) قال: (وخالفه حماد بن زيد وإسماعيل ابن علية، روياه عن عاصم بن المنذر، عن أبي بكر بن عبيد الله مرسلًا، عن النبي ﷺ ".
قلت: حماد بن زيد وابن علية وإن كانا أثبت من حماد بن سلمة وأكثر، إلا أن رواية حماد بن سلمة محفوظة لأمور:
الأول: لاشتمال رواية حماد بن سلمة على قصة مما يدل على أنَّه حفظه.
الثاني: أنها موافقة لرواية الثقات، فالحديث رواه أبو أسامة وعيسى بن يونس وابن إسحاق متصلًا مرفوعًا.
الثالث: أن الحديث محفوظ من رواية الثقات عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن النبي ﷺ ، كذا رواه عيسى بن يونس عن الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر عن عبيد الله به، ورواه ابن إسحاق عن محمد بن جعفر عن عبيد الله به.
الرابع: قال البيهقي في المعرفة وفي الخلافيات بعد حديث حماد: "وهذا إسناد صحيح موصول"، ثم أسند إلى العباس الدوري قوله: وسمعت يحيى بن معين وسُئل عن حديث حماد بن سلمة: حديث عاصم بن المنذر بن الزبير؟ فقال: "هذا جيد الإسناد" قيل له: فإن ابن علية لم يرفعه؟ قال يحيى: "وإن لم يحفظه ابن علية؛ فالحديث جيد الإسناد، وهو أحسن من حديث الوليد بن كثير"، يعني: يحيى في قصة: "الماء لا ينجسه شيء".
стр. 235
وهو في تاريخ الدوري (٤/ ٢٤٠) لكن فيه "عن أبي بكر بن عبيد الله" وهو خطأ، وحماد إنما يرويه عن عبيد الله، وكنيته أبو بكر، فلعل لفظة "ابن" أقحمت فيه.
قال البيهقي في السنن (١/ ٢٦٢): "وفيه قوة لرواية ابن إسحاق"، وقال في الخلافيات (٣/ ١٦٦): "وفيه تقوية لرواية ابن إسحاق".
• وقد اختلف في متنه على حماد بن سلمة أيضًا:
١ - فرواه موسى بن إسماعيل أبو سلمة التبوذكي، وعفان بن مسلم، ويزيد بن هارون، وأبو داود الطيالسي، ويعقوب بن إسحاق الحضرمي، وبشر بن السوي، والعلاء بن عبد الجبار المكي، وعبيد الله بن محمد العيشي:
ثمانيتهم [وهم: ثقات حفاظ] رووه: عن حماد بن سلمة بإسناده، فقالوا فيه: "إذا كان الماء قلتين لم ينجس"، بغير شك في العدد.
٢ - ورواه أيضًا: عفان بن مسلم، ويزيد بن هارون، وتابعهما: وكيع بن الجراح، وابراهيم بن الحجاج، وهدبة بن خالد، وزيد بن الحباب، وكامل بن طلحة، وأبو الوليد الطيالسي هشام بن عبد الملك [وهم أيضًا ثقات ثمانية]:
رووه عن حماد به؛ إلا أنهم قالوا: "قلتين أو ثلاثًا" بالشك في العدد.
قال البيهقي في السنن: "ورواية الجماعة الذين لم يشكوا أولى"، وقال في الخلافيات (٣/ ١٧٩): "والذين لم يشكوا أحفظ وأكثر؛ فهو أولى".
قلت: ويحتمل أن يكون الشك من حماد بن سلمة نفسه، رواه مرة على الصواب، ومرة على الشك، ولعله بعد ما كبر وتغير، والله أعلم.
وإلى هنا يحسن أن نقول: إن حديث عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن النبي ﷺ : "إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث أو "لم ينجس": حديث صحيح، سالم من دعوى الاضطراب.
رواه عن ابن عمر: ابناه عبد الله وعبيد الله.
ورواه عن ابنه عبد الله: محمد بن جعفر ومحمد بن عباد.
ورواه عن عبيد الله: محمد بن جعفر وعاصم بن المنذر.
ورواه عن محمد بن جعفر: الوليد بن كثير ومحمد بن إسحاق.
ولو سلمنا لابن راهويه بأن أبا أسامة غلط في عبد الله وإنما هو عبيد الله المصغر، وكذلك لو سلمنا لأبي حاتم قوله: "والحديث لمحمد بن جعفر بن الزبير أشبه":
فإن هذا مما لا يوهن الحديث، ولا يضره في شيء؛ فإنه انتقال من ثقة إلى ثقة، وهو كيفما دار: دار على ثقة، ولم يعله أبو حاتم بشيء ولم يضعفه.
• وهذا الحديث قد صححه: ابن جرير الطبري [مسند ابن عباس من تهذيب الآثار (٢/ ٧٣٦)]، والطحاوي [شرح المعاني (١/ ١٥ - ١٦)، المشكل (١/ ٢٣٣ - ترتيبه)]، والبيهقي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وابن الجارود، وابن منده، وعبد الحق
стр. 236
الإشبيلي، والجوزقاني، وابن الأثير، والنووي، والمنذري، وابن الملقن، وابن حجر، والألباني، وغيرهم.
وقد احتج به الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد القاسم بن سلام وأبو ثور أجامع الترمذي (٦٧)، الأم (١/ ٤)، مسائل أحمد لابنه عبد الله (٨)، مسائل أحمد لابنه صالح (٦٧ و ٦٨ و ٢٠١)، مسائل أحمد وإسحاق للكوسج (١ ٣ - ٣٣ و ٣٣٥٠)، مسائل أحمد لأبي داود (٢)، الطهور (٢٢٦ - ٢٤٥)، الأوسط (١/ ٢٦١)، المجموع (١/ ١٦١)، المغني (١/ ٣٦)].
وقد سبق نقل قول الإمام ابن معين: "هذا جيد الإسناد".
قال الخطابي في معالم السنن (١/ ٣٢): "وكفى شاهدًا على صحته أن نجوم الأرض من أهل الحديث قد صححوه، وقالوا به، وهم القدوة وعليهم المعول في هذا الباب".
وصححه ابن حزم في المحلى (١/ ١٥١)؛ فإنه لما ذكر الأحاديث التي احتج بها الشافعية وغيرهم في هذا الباب، ومنها حديث القلتين، قال: "وكل هذه الأحاديث صحاح ثابتة لا مغمز فيها".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فأكثر أهل العلم بالحديث على أنَّه: حديث حسن يحتج به" [المجموع (٢١/ ٤٢)].
وقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (١/ ١٥٤): "هذا صحيح".
وقال ابن الأثير في الشافي في شرح مسند الشافعي (١/ ٧٨): "وهو حديث صحيح".
وقال النووي في المجموع (١/ ١٦٢): "حديث حسن ثابت"، وقال بصحته في مواضع (١/ ١٦٣ و ١٦٥)، وقال في الخلاصة (٩): "وهو صحيح، صححه الحفاظ".
وقال ابن الملقن في البدر المنير (١/ ٤٠٤): "هذا الحديث: صحيح ثابت"، ونقل أقوال الأئمة في تصحيحه.
وقال بصحته ابن حجر في الفتح (١/ ٤٠٨ و ٤١٤)، وصححه الألباني في الإرواء (٢٣) وغيره. وانظر: فيض القدير (١/ ٣١٣)، نصب الراية (١/ ١٠٤)، البدر المنير (١/ ٤٠٦)، طبقات الشافعية الكبرى (٩/ ٢٤٥).
• وأما تضعيف ابن عبد البر للحديث في التمهيد وغيره فهو لا ينهض لمعارضة أقوال من صححه، فقد قال في التمهيد (٢٤/ ١٨): "فإنه حديث يدور على محمد بن جعفر بن الزبير: وهو شيخ ليس بحجة فيما انفرد به".
وتبعه على عدم تصحيح الحديث: ابن العربي في عارضة الأحوذي (١/ ٧٤)، وأحكام القرآن (٣/ ٤٣٩)، والقبس (١/ ١٣٠)، ونقله القرطبي في تفسيره (١٣/ ٤٢٠).
قلت: محمد بن جعفر: مدني ثقة، وثقة أبو حاتم، وهو معروف بتشدده وتعنته في الحكم على الرجال؛ حتَّى إنه قال في الإمام مسلم جبل الحفظ والإتقان: "صدوق" [الجرح (٨/ ١٨٣)]، وعلى هذا فهو عنده حجة، ووثقه أيضًا الدارقطني، وقال أبو زرعة:
стр. 237
"صدوق"، وقال ابن سعد: "كان عالمًا، وله أحاديث"، وأثنى عليه ابن إسحاق بأنه كان من فقهاء أهل المدينة وقرائهم [التهذيب (٧/ ٨٤)، العلل (١/ ٤٤)].
وهو مع ذلك لم ينفرد به، فقد تابعه على رواية الحديث عن عبد الله بن عبد الله بن عمر: محمد بن عباد بن جعفر المخزومي المكي، وهو: ثقة أيضًا.
وأما رواية الحديث عن عبيد الله: فقد تابع محمد بن جعفر عليه: عاصم بن المنذر بن الزبير، وهو: صدوق، وثقه أبو زرعة، وقال أبو حاتم: "صالح الحديث"، وقال البزار: "ليس به بأس"، وذكره ابن حبان في الثقات [التهذيب (٤/ ١٤٩)]، ولم يتكلم فيه بشيء إلا أنَّه قال في مشاهير علماء الأمصار (١٥٩٥): لأمن خيار أهل المدينة وسادات قريش، وكان يغرب" [انظر: الثقات (٧/ ٢٥٦)].
وعلى هذا فلا نعترض على قول ابن عبد البر (٢٤/ ١٨): "وعاصم بن المنذر عندهم لين ليس بحجة" في نفس الأمر؛ لكن الاعتراض على مورده في الاستدلال، فإن عاصمًا وإن كان يغرب، فإن هذا لا يمنع قبول روايته؛ وقد تابعه من هو أقوى منه وأوثق: محمد بن جعفر، فإنه لا يقال في المتابع بأنه تفرد، ولا يشترط فيه من الحفظ والضبط والإتقان ما يشترط في المتفرد، ثم إنه ليس كل من تفرد بحديث، رددنا حديثه لأجل تفرده به، لكن لهذا ضوابط ليس هذا موضع ذكرها، وأما قول إسماعيل القاضي: "هذان شيخان [يعني: محمد بن جعفر بن الزبير وعاصم بن المنذر] لا يحتملان التفرد بمثل هذا الحكم الجليل" [التمهيد (٢٤/ ١٩)] فسيأتي الكلام عليه بعدُ إن شاء الله تعالى.
قال الحافظ أبو عبد الله ابن منده: "إسناد هذا الحديث على شرط مسلم في: عبيد الله بن عبد الله، ومحمد بن جعفر، ومحمد بن إسحاق، والوليد بن كثير.
قال: وقد روى هذا الحديث حماد بن سلمة، عن عاصم بن المنذر، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه.
ورواه إسماعيل ابن علية، عن عاصم بن المنذر، عن رجل، عن ابن عمر.
فهذا محمد بن إسحاق، وافق عيسى بن يونس، عن الوليد بن كثير في ذكر محمد بن جعفر بن الزبير، وعبيد الله بن عبد الله بن عمر.
وروايتهما توافق رواية حماد بن سلمة وغيره، عن عاصم بن المنذر، في ذكر عبيد الله بن عبد الله.
فثبت هذا الحديث باتفاق أهل المدينة والكوفة والبصرة على: حديث عبيد الله بن عبد الله، وباتفاق محمد بن إسحاق، والوليد بن كثير، على روايتهما عن محمد بن جعفر بن الزبير.
فعبيد الله، وعبد الله ابنا عبد الله بن عمر: مقبولان بإجماعٍ من الجماعة في كتبهم. وكذلك محمد بن جعفر بن الزبير، ومحمد بن عَبَّاد بن جعفر، والوليد بن كثير: في كتاب مسلم بن الحجاج، وأبي داود، والنسائي.
стр. 238
وعاصم بن المنذر يُعْتَبر بحديثه.
وابن إسحاق أخرج عنه مسلم وأبو داود والنسائي.
وعاصم بن المنذر استشهد به البخاري في مواضع، وقال شعبة بن الحجاج: محمد بن إسحاق أمير المؤمنين في الحديث، وقال ابن المبارك: هو ثقة ثقة ثقة" [الإمام (١/ ٢٠٥)، البدر المنير (١/ ٤٠٦)].
• والحاصل: أن هذا الحديث سالم من دعوى الاضطراب التي رمى بها ابن عبد البر هذه الأسانيد، وكذلك سالم من القدح في رجاله، فهم جميعًا ثقات في الجملة.
• ولحديث ابن عمر إسناد آخر، وليس بشيء:
يرويه عبد الرزاق، عن إبراهيم بن محمد، عن أبي بكر بن عمر بن عبد الرحمن، عن أبي بكر بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء].
أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١/ ٨٠/ ٢٦٦)، ومن طريقه: الدارقطني (١/ ٢٣)، والبيهقي في المعرفة (١/ ٣٣٠/ ٤٠١).
وإبراهيم بن محمد هذا: هو ابن أبي يحيى الأسلمي: كذاب.
وقد تكون لفظة (بن) هنا مقحمة أيضًا، مثل ما تقدم ذكره في رواية عاصم بن المنذر.
• وثم إسناد آخر:
يرويه عبد الله بن حسين بن جابر: ثنا محمد بن كثير المصيصي، عن زائدة، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء".
أخرجه الدارقطني (١/ ٢٣)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٦٢)، وفي الخلافيات (٣/ ١٨٠/ ٩٥١).
وهذا إسناد واهٍ إلى زائدة: محمد بن كثير المصيصي: صدوق كثير الغلط؛ له أحاديث لا يتابعه عليها أحد [التقريب (٨٩١)، التهذيب (٧/ ٣٩١)]، وعبد الله بن الحسين بن جابر المصيصي: يقلب الأخبار ويسرقها [الميزان (٢/ ٤٥٨)، اللسان (٣/ ٣٣٩)، المجروحين (٢/ ٤٦)].
قال الدارقطني: "رفعه هذا الشيخ عن محمد بن كثير عن زائدة، ورواه معاوية بن عمرو عن زائدة: موقوفًا، وهو الصواب".
أخرجه الدارقطني (١/ ٢٤)، ومن طريقه: البيهقي (١/ ٢٦٢).
من طريق معاوية بن عمرو: نا زائدة، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر مثله موقوفًا.
قال الدارقطني في العلل (١٢/ ٣٧٢/ ٢٧٩٩): "والموقوف أصح".
стр. 239
ومعاوية بن عمرو هذا: هو ابن المهلب الأزدي، قال ابن سعد: "روى عن زائدة مصنفاته"، وهو: ثقة، وثقه أحمد وأبو حاتم وغيرهما [التهذيب (٨/ ٢٥٠)].
ورواه أيضًا: غير زائدة، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر به موقوفًا.
أخرجه ابن المنذر في الأوسط (١/ ١٧٨/ ٢٦١).
وهذا موقوف بإسناد ضعيف؛ ورفعه منكر؛ وليث: هو ابن أبي سليم: ضعيف لاختلاطه وعدم تميز حديثه.
وقد خولف فيه:
رواه ابن جريج قال: أخبرني لوط، عن أبي إسحاق، عن مجاهد: أن ابن عباس قال: إذا كان الماء قلتين فصاعدًا لم ينجسه شيء.
أخرجه ابن جرير الطبري في مسند ابن عباس من تهذيب الآثار (٢/ ٧٢٨ / ١١٠١)، وأبو بكر النيسابوري في الزيادات على كتاب المزني (١٧)، والدارقطني (١/ ٢٥)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٦٢)، وفي الخلافيات (٣/ ١٨٢ - ١٨٣/ ٩٥٤).
ولوط هذا هو: لوط بن يحيى أبو مخنف؛ فإنه من طبقته، وأبو مخنف: متروك، تالف [الميزان (٣/ ٤١٩)، اللسان (٤/ ٥٨٤)].
وهذا منكر؛ فقد رواه أصحاب أبي إسحاق السبيعي عنه به، فأوقفوه على مجاهد قوله، ولم يذكروا ابن عمر ولا ابن عباس، وهو الصواب.
رواه سفيان الثوري [ثقة ثبت، إمام حجة، من أثبت أصحاب أبي إسحاق]، وشريك بن عبد الله النخعي [صدوق يخطئ كثيرًا، من أصحاب أبي إسحاق]:
كلاهما: عن أبي إسحاق، عن مجاهد، قال: إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء.
قال شريك: قلت لأبي إسحاق: ما تعني بالقلتين؟ قال: الجرتين.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٣٣/ ١٥٣١) [وتصحف فيه شريك إلى يزيد]. وابن جرير الطبري في مسند ابن عباس من تهذيب الآثار (٢/ ٧٢٨ /١١٠٢)، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (٢١١٠)، ومن طريقه: البيهقي (١/ ٢٦٤).
تابع أبا إسحاق عليه:
ابنه يونس [ثقة]، قال: سمعت مجاهدًا يقول: إذا بلغ الماء قلتين أو ثلاثًا لم ينجسه شيء.
أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في الطهور (١٦٨)، وابن جرير الطبري في مسند ابن عباس من تهذيب الآثار (٢/ ٧٢٩ / ١١٠٣).
• وعليه: فإنما هو قول مجاهد مقطوع عليه.
وحينئذ لا يقال بأن الصواب: موقوف على ابن عمر؛ فإن مجاهدًا قد اختلف عليه في إسناده، والصواب: أنَّه قوله لا يبلغ به ابن عمر ولا ابن عباس، والله أعلم.
стр. 240
• ولابن جريج في هذا الحديث إسناد آخر:
أخرجه أبو بكر النيسابوري في الزيادات على كتاب المزني (١٦)، وعنه: الدارقطني (١/ ٢٤)، ومن طريقه: البيهقي في السنن (١/ ٢٦٣)، وفي الخلافيات (٣/ ١٨٢/ ٩٥٣)، وفي المعرفة (١/ ٣٣١/ ٤٠٣ و ٤٠٤).
من طريقين: عن ابن جريج، قال: أخبرني محمد بن يحيى، أن يحيى بن عقيل أخبره، أن يحيى بن يعمر أخبره، أن النبي ﷺ قال: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجسًا ولا بأسًا".
فقلت ليحيى بن عقيل: قلال هجر؟ قال: قلال هجر. قال محمد: فرأيت قلال هجر؛ فأظن أن كل قلة تأخذ قربتين.
وهدا مرسل بإسناد ضعيف؛ فإن يحيى بن يعمر: تابعي يروي عن ابن عمر، ومحمد بن يحيى: قال أبو أحمد الحاكم: "يحدث عن يحيى بن أبي كثير ويحيى بن عقيل" [معرفة السنن والآثار (١/ ٣٣١)، السنن الكبرى (١/ ٢٦٤)، الشافي في شرح مسند الشافعي (١/ ٨٨)، الإمام (١/ ٢١٧)، البدر المنير (١/ ٤١٥)]، قال الحافظ في التلخيص (١/ ٢١):) وكيف ما كان فهو مجهول".
• وقد رواه عبد الرزاق عن ابن جريج قال: حُدثت أن النبي ﷺ قال: … فذكره.
أخرجه عبد الرزاق (١/ ٧٩/ ٢٥٨)، ومن طريقه: ابن المنذر (١/ ٢٧١/ ١٩٥)، والخطابي في معالم السنن (١/ ٣١).
قال ابن المنذر: "فالحديث في نفسه مرسل لا تقوم به حجة".
وقد جزم الرافعي في شرح المسند [البدر المنير (١/ ٤١٤)]، وابن الأثير في الشافي (١/ ٨٧)، وابن دقيق العيد في الإمام (١/ ٢١٥)، وابن حجر في التلخيص (١/ ٢١) بأن ذاك الإسناد الأول هو ما عناه الإمام الشافعي في الأم (١/ ٤) [وهو في مختصر المزني (٩)، والمسند (١٦٥)، بقوله: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، بإسناد لا يحضرني ذكره: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجسًا"، وفي هذا الحديث: "بقلال هجر"، قال ابن جريج: وقد رأيت قلال هجر، فالقلة تسع قربتين أو قربتين وشيئًا.
ورواه من طريقه: البيهقي في السنن (١/ ٢٦٣)، وفي المعرفة (٤٠٢)، وفي الخلافيات (٣/ ١٨١ / ٩٥٢).
ومسلم بن خالد الزنجي: فقيه صدوق كثير الأوهام
وبذا يعلم أن الإسناد الَّذي اعتمد عليه الشافعي رحمه الله تعالى في تقدير القلتين: لا تقوم بمثله حجة، فهو: مرسل بإسناد ضعيف.
وقد تقدم في بعض طرق الحديث تعيين القلتين بقلال هجر، وهي رواية منكرة؛ تفرد بها المغيرة بن سقلاب، وهو منكر الحديث.
قال الدارقطني في العلل (١٢/ ٣٧٢/ ٢٧٩٩): "والتوقيت غير ثابت".
стр. 241
ولابن جريج في هذا أسانيد أخر، مقطوعًا على عكرمة من قوله، ولا تصح [انظر: مسند ابن عباس من تهذيب الآثار لابن جرير الطبري (٢/ ٧٠٠ و ٧٠١/ ١٠٤٥ - ١٠٤٧)، وانظر فيه أيضًا: إسنادًا آخر لهذا الحديث، ولا يصح (٢/ ٧٠٥/ ١٠٥٣)].
• وقد رُوي من حديث جابر مرفوعًا بإسناد واهٍ؛ لكن بلفظ "أربعين قلة":
رواه القاسم بن عبد الله العمري [متروك، رماه أحمد بالكذب. التقريب (٧٩٢)]، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا بلغ الماء أربعين قلة فإنه لا يحمل الخبث".
أخرجه العقيلي (٣/ ٤٧٣)، وابن عدي (٦/ ٣٤)، والدارقطني (١/ ٢٦)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٦٢)، وفي الخلافيات (٣/ ١٨٩/ ٩٥٨)، والجوزقاني في الأباطيل (٣٢٠)، وابن الجوزي في التحقيق (١٠)، وفي الموضوعات (٢/ ٥).
قال ابن عدي: "وهذا بهذا الإسناد بهذا المتن لا أعلم يرويه غير القاسم عن ابن المنكدر، وله عن ابن المنكدر غير هذا من المناكير".
وقال الدارقطني: "كذا رواه القاسم العمري عن ابن المنكدر عن جابر، ووهم في إسناده، وكان ضعيفًا كثير الخطأ.
وخالفه: روح بن القاسم وسفيان الثوري ومعمر بن راشد: رووه عن محمد بن المنكدر عن عبد الله بن عمرو موقوفًا، ورواه أيوب السختياني عن ابن المنكدر من قوله لم يجاوزه".
وقال البيهقي: "فهذا حديث تفرد به القاسم العمري هكذا، وقد غلط فيه، وكان ضعيفًا في الحديث، … " ثم نقل عن الحافظ أبي علي قوله في هذا الحديث: "خطأ، والصحيح عن محمد بن المنكدر عن عبد الله بن عمرو قوله" [وانظر: الخلافيات (٣/ ١٩١)].
فهذا حديث منكر، وإنما يعرف موقوفًا على عبد الله بن عمرو، وابن المنكدر.
• رواه سفيان وروح ومعمر، عن ابن المنكدر، عن عبد الله بن عمرو قال: إذا بلغ الماء أربعين قلة لم ينجس.
أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في الطهور (١٧٠)، وابن أبي شيبة (١/ ١٣٣ / ١٥٢٧)، وابن جرير الطبري في مسند ابن عباس من تهذيب الآثار (٢/ ٧٢٣ و ٧٢٤ و ٧٢٦/ ١٠٨٧ - ١٠٨٩ و ١٠٩٥)، وابن المنذر في الأوسط (١/ ١٧٩/ ٢٦٤)، والعقيلي (٣/ ٤٧٣)، والدارقطني (١/ ٢٧)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٦٢)، وفي الخلافيات (٣/ ١٩٤ و ١٩٥/ ٩٦٣ و ٩٦٤).
وهذا إسناد رجاله ثقات، ولا يعرف لابن المنكدر سماع من ابن عمرو.
قال أبو عبيد في الطهور (٢٣٩): "مرسل؛ لا نعلمه سمع منه شيئًا".
ورواه أيوب، عن محمد بن المنكدر، قال: إذا بلغ الماء أربعين قلة لم ينجس، أو كلمة نحوها.
стр. 242
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٣٣/ ١٥٣٣)، وابن جرير الطبري في مسند ابن عباس من تهذيب الآثار (٢/ ٧٢٤/ ١٠٩٠)، والعقيلي (٣/ ٤٧٣)، والدارقطني (١/ ٢٧).
• وحاصل ما تقدم: أنَّه لا يصح في الباب شيء مرفوع إلا من حديث ابن عمر، فإن قيل: قد رُوي عن ابن عمر في هذا حديث بنحو سياق القصة والسؤال مع اختلاف الجواب، فيقال:
إنما رواه أيوب بن خالد الحراني: نا محمد بن علوان، عن نافع، عن ابن عمر، قال: خرج رسول الله ﷺ في بعض أسفاره فسار ليلًا، فمروا على رجل جالس عند مقراة له، فقال عمر: يا صاحب المقراة أولغت السباع الليلة في مقراتك؟ فقال له النبي ﷺ : "يا صاحب المقراة لا تخبره؛ هذا متكلف، لها ما حملت في بطونها، ولنا ما بقي شراب وطهور".
أخرجه الدارقطني (١/ ٢٦)، ومن طريقه: ابن الجوزي في التحقيق (١/ ٦٦/ ٤٦).
وهذا حديث باطل؛ محمد بن علوان: قال أبو حاتم: "مجهول" وقال الأزدي: "متروك الحديث" [الضعفاء والمتروكون لابن الجوزي (٣١٢٩)، الميزان (٣/ ٦٥٠ و ٦٥١)، اللسان (٥/ ٣٢٧)، الجرح والتعديل (٨/ ٤٩)، الثقات (٧/ ٤١٠)] ففي تفرد مثله عن نافع نكارة ظاهرة.
وأيوب بن خالد: هو الحراني الجهني: منكر الحديث، لا يتابع على أكثر حديثه [التهذيب (١/ ٤١٨)، الميزان (١/ ٢٨٦)].
وقد اضطرب فيه أيضًا: فرواه مرة أخرى عن خطاب بن القاسم، عن عبد الكريم الجزري، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ نحوه.
أخرجه الدارقطني (١/ ٢٦).
وهذا حديث منكر: لتفرد أيوب بن خالد الحراني به، ولا يتابع عليه، بل لا يتابع على أكثر حديثه.
• وقد رُوي هذا الحديث من حديث: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري: أن النبي ﷺ سئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة تردها السباع والكلاب والحمر؟ وعن الطهارة منها؟ فقال: "لها ما حملت في بطونها، ولنا ما غير طهور".
أخرجه ابن ماجة (٥١٩)، وابن جرير الطبري في مسند ابن عباس من تهذيب الآثار (٢/ ٧٠٨/ ١٠٥٨)، والطحاوي في المشكل (١/ ٢٣٦/ ٢٢٢ - ترتيبه)، والبيهقي (١/ ٢٥٨).
هكذا رواه عن عبد الرحمن بن زيد: إسماعيل بن أبي أويس، وأبو مصعب المدني أحمد بن أبي بكر؛ وهما صدوقان.
وخالفهما: عبد الله بن وهب [ثقة ثبت]، فرواه عن عبد الرحمن بإسناده مثله؛ إلا أنَّه قال فيه: عن أبي هريرة، بدل: أبي سعيد الخدري.
стр. 243
أخرجه ابن جرير الطبري في مسند ابن عباس من تهذيب الآثار (٢/ ٧٠٨/ ١٠٥٩)، والطحاوي في المشكل (٢٢٢ - ترتيبه)، والدارقطني (١/ ٣١)، وابن الجوزي في التحقيق (٤٧).
قال الطحاوي: "ليس من الأحاديث التي يحتج بمثلها؛ لأنَّه إنما دار على عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وحديثه عند أهل العلم بالحديث في النهاية من الضعف".
وقال البيهقي: "وعبد الرحمن بن زيد: ضعيف؛ لا يحتج بأمثاله، وقد رُوي من وجه آخر [عن] ابن عمر مرفوعًا وليس بمشهور".
وقال ابن الجوزي: "عبد الرحمن بن زيد: ضعيف بإجماعهم … ".
• وقد جرت نحو هذه الواقعة لعمر بن الخطاب مع عمرو بن العاص:
انظر: الموطأ (١/ ٢٣/ ٤٣)، مصنف عبد الرزاق (١/ ٧٦/ ٢٥٠)، الأوسط لابن المنذر (١/ ٣١٠/ ٢٣٤)، سنن الدارقطني (١/ ٣٢)، سنن البيهقي (١/ ٢٥٠).
وانظر أيضًا: مصنف عبد الرزاق (١/ ٧٦ - ٧٧/ ٢٤٧ - ٢٥١)، مصنف ابن أبي شيبة (١/ ١٥٠٨/ ١٣١ و ١٥٠٩)، مسند ابن عباس من تهذيب الآثار لابن جرير الطبري (٢/ ٧١١ و ٧١٨ - ٧٢٠ و ٦٣١/ ١٥٧٢ و ١٠٧٨ - ١٠٨١ و ١٠٨٤)، الخلافيات للبيهقي (٣/ ٢١٥/ ٩٨٠).
• أما حكم المسألة:
قال ابن المنذر: "أجمع أهل العلم على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة، فغيرت النجاسة الماء طعمًا أو لونًا أو ريحًا: أنَّه نجس ما دام كذلك، ولا يجزئ الوضوء والاغتسال به.
وأجمعوا على أن الماء الكثير … إذا وقعت فيه نجاسة فلم تغير له لونًا ولا طعمًا ولا ريحًا: أنَّه بحاله في الطهارة قبل أن تقع فيه النجاسة.
واختلفوا في الماء القليل تحل فيه نجاسة لم تغير للماء طعمًا ولا لونًا ولا ريحًا:
فقالت طائفة: إذا كان الماء قلتين لم يحمل خبثًا، رُوي ذلك عن عبد الله بن عمر وسعيد بن جبير ومجاهد، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور … واختلفوا في قدر القلتين … ".
ثم حكي فيه تسعة أقوال [الأوسط (١/ ٢٦٠ - ٢٦٣)].
وهؤلاء على القول بأن ما دون القلتين إذا لاقته النجاسة فلم يتغير بها فهو نجس.
ونقل النووي في المجموع (١/ ١٦٢) عن ابن المنذر وغيره في هذه المسألة سبعة مذاهب للعلماء؛ هذا أولها.
وسادسها: إذا كان بحيث لو حرك جانبه تحرك الجانب الآخر نجس، وإلا فلا، وهو مذهب أبي حنيفة.
وسابعها: لا ينجس كثير الماء ولا قليله إلا بالتغير: رُوي ذلك عن حذيفة وأبي
стр. 244
هريرة وابن عباس، قالوا: الماء لا ينجس، ورُوي ذلك عن سعيد بن المسيب والحسن وعكرمة وعطاء وجابر بن زيد وابن أبي ليلى ومالك والأوزاعي والثوري ويحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي وابن المنذر، وهو قول للشافعي، ورواية عن أحمد، وهو قول داود والظاهرية [انظر: المغني (١/ ٣١)، المجموع (١/ ١٦٣)، وغيرهما]، قال النووي: "وهذا المذهب أصحها بعد مذهبنا".
واحتج أصحاب القول الأول: بمفهوم حديث القلتين: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث"، وحديث أبي هريرة: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتَّى يغسلها ثلاثًا، فإنه لا يدري أين باتت يده"، وحديث أبي هريرة: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا أولاهن بالتراب"، وحديث أبي هريرة: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه من الجنابة".
وقالوا بأن حديث: "الماء طهور لا ينجسه شيء" مخصص بهذه الأدلة.
• والرد عليهم بأن هذه الأحاديث، كما قال ابن حزم (١/ ١٥١): "لا حجة لهم في شيء منها، وكلها حجة عليهم لنا".
١ - أما حديث ابن عمر فهو حديث صحيح، كما تقدم بيانه، وإن ضعفه ابن عبد البر، وإن قال ابن المنذر في الأوسط: "مع أن حديث القلتين يدفعه عبد الله بن المبارك، ويقول: ليس بالقوي … "، وإن ضعفه ابن القيم:
فقد تقدم تفصيل القول فيه، وأنه حديث صحيح، سالم من العلة والشذوذ والاضطراب، صححه جمع كبير من أهل العلم على رأسهم ابن معين، فقد جوَّد إسناده، وسلَّم بصحته معارضوه: كالطحاوي وابن حزم.
وأما دعوى الشذوذ التي أقامها ابن القيم لرد الحديث، فقال: "أما الشذوذ: فإن هذا حديث فاصل بين الحلال والحرام، والطاهر والنجس، وهو في المياه كالأوسق في الزكاة، والنصب في الزكاة، فكيف لا يكون مشهورًا شائعًا بين الصحابة ينقله خلف عن سلف لشدة حاجة الأمة إليه أعظم من حاجتهم لنصب الزكاة … ، ومن المعلوم أن هذا لم يروه غير ابن عمر، ولا عن ابن عمر غير عبيد الله وعبد الله، فأين نافع وسالم وأيوب وسعيد بن جبير؟، وأين أهل المدينة وعلماؤهم عن هذه السُّنَّة التي مخرجها من عندهم، وهم إليها أحوج الخلق لعزة الماء عندهم؟ …
حتَّى قال: فأي شذوذ أبلغ من هذا؟ وحيث لم يقل بهذا التحديد أحد من أصحاب ابن عمر علم أنَّه لم يكن فيه عنده سُنَّة من النبي ﷺ ، فهذا وجه شذوذه".
أقول: فهذه دعوى ساقطة، ولو أعملناها على هذا الوجه لرددنا بها كثيرًا من الأحاديث الصحيحة الثابتة، فقط لأنَّه لم يروها عن الصحابي أثبت أصحابه وأكثرهم عنه رواية!
فإنه يكفينا للحكم بصحة الحديث أن يرويه عن الصحابي: تابعي ثقة، معروف
стр. 245
بالرواية عن هذا الصحابي، وثبت لنا أنَّه سمع منه، ولا يلزم أن يتابعه عليه أكثرهم رواية عنه.
وهنا قد رواه عن ابن عمر ابناه عبيد الله وعبد الله، وأهل بيت الرجل من أعلم الناس به، فما يمنع أن يكون قد سمعاه منه، ولم يسمعه سالم ولا نافع، ثم رواه عنهما ثلاثة من الثقات: محمد بن جعفر ومحمد بن عباد وعاصم بن المنذر، ولو كان واحدًا لكفى، فكيف يقبل فيه بعدُ قول إسماعيل القاضي: "هذان شيخان لا يحتملان التفرد بهذا الحكم الجليل"، وقد قال بهذا القول من أصحاب ابن عمر: سعيد بن جبير ومجاهد، فكيف يقال بأنه لم يقل به أحد من أصحاب ابن عمر.
وقد أجاد الطحاوي وابن حزم حيث سلما بصحة الحديث، ولو كان لهما فيه مطعن لما سكتا عنه، كيف وهو أقوى أدلة المخالفين لهما؟.
ولما سئل أبو زرعة وأبو حاتم عن هذا الحديث لم ينكراه، ولم يقولا ببطلانه، وهذا الترمذي سكت عليه، ولو كان منكرًا عنده لما سكت، ولقال: "غريب"، أو: "حسن غريب".
• وأما عمل الناس بمفهوم هذا الحديث فهذا هو المحز، والكلام فيه من وجوه:
الأول: تحديد القلتين بقلال هجر، أو بخمس قرب، أو بخمسائة رطل بالعراقي، أو بغير ذلك، فيقال: أولًا: هذه تحديدات لم يقم عليها دليل صحيح؛ قال ابن المنذر في الأوسط: "فأما تحديد من حدد القلتين بـ … [وذكر هذه الأقوال التي سبق أن نقل فيها لأهل العلم تسعة أقوال ولم تستقر أقوالهم فيها على قدم]: فتلك تحديدات واستحسانات من قائلها، لا يرجع القائل منهم في ذلك إلى حجة من كتاب أو سُنَّة ولا إجماع، وحديث ابن جريج: مرسل لا يثبت، [ثم أسنده من طريق عبد الرزاق ثم قال:] فالحديث في نفسه مرسل لا تقوم به حجة".
وقال الدارقطني في العلل (١٢/ ٣٧٢/ ٢٧٩٩): "والتوقيت غير ثابت".
وقال ابن حزم في المحلى (١/ ١٥٤): "أن رسول الله ﷺ لم يحد مقدار القلتين، ولا شك أنَّه ﷺ لو أراد أن يجعلها حدًّا بين ما يقبل النجاسة وبين ما لا يقبلها: لما أهمل أن يحدها لنا بحد ظاهر لا يحيل، وليس هذا مما يوجب على المرء، ويوكل فيه إلى اختياره "، ثم قال: "وكل قول لا برهان له فهو باطل".
وقال ابن عبد البر نقلًا عن إسماعيل القاضي قوله: "ومقدار القلتين غير معلوم … ومن ذهب إلى أنها قلال هجر، فمحال أن يسن رسول الله ﷺ سُنَّة على قلال هجر مع اختلافها" [التمهيد (٢٤/ ١٩)].
وقال ابن عبد البر (١/ ٢٣٤): "ولأن القلتين لم يوقف على حقيقة مبلغهما في أثر ثابت ولا إجماع".
وقال المنبجي في اللباب في الجمع بين السُّنَّة والكتاب (١/ ٦٣): "أن القلة مجهولة
стр. 246
القدر محتملة لمعان، … ، فلا يسوغ لأحد تخصيصها بشيء مما ذكرنا إلا بدليل، فإن ساغ لغيرنا حملها على قلال هجر، ساغ لنا أن نحملها على أعلى ما قيل فيها؛ إذ قد سيق لبيان أنَّه لا ينجس لكثرته؛ فتقديره به أنسب لأنَّه كالماء الجاري معنى ليوافق معنى الآثار".
وقال ابن دقيق العيد: "هذا الحديث قد صححه بعضهم، وهو صحيح على طريقة الفقهاء؛ لأنَّه كان كان حديثًا مضطرب الإسناد مختلَفًا في بعض ألفاظه، فإنه يجاب عنها بجواب صحيح؛ بأن يمكن الجمع بين الروايات، ولكني تركته لأنَّه لم يثبت عندنا بطريق استقلالي يجب الرجوع إليه شرعًا تعيين مقدار القلتين" [التلخيص (١/ ٢٥)، البدر المنير (١/ ٤١٣)].
وانظر: شرح معاني الآثار (١/ ١٦).
وقال ابن القيم: "قالوا: وأما تقدير القلتين بقلال هجر، فلم يصح عن رسول الله ﷺ فيه شيء أصلًا … فكيف يكون كان هذا الحكم العظيم: الحد الفاصل بين الحلال والحرام الَّذي تحتاج إليه جميع الأمة، لا يوجد إلا بلفظ شاذ بإسناد منقطع؟ وذلك اللفظ ليس من كلام رسول الله ﷺ . قالوا: وأما ذكرها في حديث المعراج [يعني: حديث مالك بن صعصعة، وفيه: [ورفعت في سدرة المنتهى، فإذا نبقها كأنه قلال هجر". أخرجه البخاري (٣٢٠٧ و ٣٨٨٧)، وأصله في مسلم دون موضع الشاهد (١٦٤)، والنسائي (٤٤٨)، وأحمد (٣/ ١٦٤) و (٤/ ٢٠٧ و ٢٠٨ و ٢٠٩)، وابن خزيمة (٣٠١)، وابن حبان (٤٨ و ٧٤١٥)، وغيرهم، فمن العجب أن يحال هذا الحد الفاصل على تمثيل النبي ﷺ نبق السدرة بها! وما الرابط بين الحكمين؟ وأي ملازمة بينهما؟ ألكونها معلومة عندهم معروفة لهم مثل لهم بها؟! وهذا من عجيب حمل المطلق على المقيد؟ والتقييد بها في حديث المعراج لبيان الواقع، فكيف يحمل إطلاق حديث القلتين عليه؛ وكونها معلومة لهم لا يوجب أن ينصرف الإطلاق إليها حيث أطلقت العلة، فإنهم كانوا يعرفونها ويعرفون غيرها، والظاهر أن الإطلاق في حديث القلتين إنما ينصرف إلى قلال البلد التي هي أعرف عندهم، وهم لها أعظم ملابسة من غيرها، فالإطلاق إنما ينصرف إليها، … ، وإنما مثَّل النبي ﷺ بقلال هجر؛ لأنَّه هو الواقع في نفس الأمر، كما مثل بعض أشجار الجنّة بشجرة بالشام تدعى الجوزة [في حديث عتبة بن عبد السلمي: أخرجه أحمد (٤/ ١٨٣)، والطبراني في الكبير (١٧/ ١٢٧ و ١٢٨/ ٣١٢ و ٣١٣)] دون النخل وغيره من أشجارهم؛ لأنَّه هو الواقع، لا لكون الجوز أعرف الأشجار عندهم، وهكذا التمثيل بقلال هجر لأنَّه هو الواقع، لا لكونها أعرف القلال عندهم، وهذا بحمد الله واضح.
وأما قولكم: إنها متساوية المقدار، فهذا إنما قاله الخطابي، بناءً على أن ذكرها تحديد، والتحديد إنما يقع بالمقادير المتساوية، وهذا دور باطل، وهو لم ينقله عن أهل اللغة، وهو الثقة في نقله، ولا أخبر به عن عيان، ثم إن الواقع بخلافه، فإن القلال فيها الكبار والصغار في العرف العام أو الغالب، ولا تعمل بقالب واحد، ولهذا قال أكثر
стр. 247
السلف: القلة: الجرة … ، ومن جعلها متساوية فإنما مستنده أن قال: التحديد لا يقع بالمجهول، فيا سبحان الله! إنما يتم هذا أن لو كان التحديد مستندًا إلى صاحب الشرع، فأما والتقدير بقلال هجر وقرب الحجاز: تحديد يحيى بن عقيل وابن جريج، فكان ماذا؟ " [تهذيب السنن (١/ ٥٦ - ٧٤)].
الوجه الثاني: قال ابن القيم: "وأما قولكم: إن العدد خرج مخرج التحديد والتقييد، كنصب الزكوات، فهذا باطل من وجوه:
أحدها: أنه لو كان هذا مقدارًا فاصلًا بين الحلال والحرام، والطاهر والنجس، لوجب على النبي ﷺ بيانه بيانًا عامًّا تعرفه الأمة، كما بيَّن نصب الزكوات، وعدد الجلد في الحدود، ومقدار ما يستحقه الوارث، فإن هذا أمر يعم الابتلاء به كل الأمة، فكيف لا يبينه حتى يتفق سؤال سائل له عن قضية جزئية فيجيبه بهذا، ويكون ذلك حدًا عامًا للأمة كلها لا يسع أحدًا جهله، ولا تتناقله الأمة، ولا يكون شائعًا بينهم، بل يحالون فيه على مفهوم ضعيف، شأنه ما ذكرناه، قد خالفته العمومات والأدلة الكثيرة، ولا يعرفه أهل بلدته، ولا أحد منهم يذهب إليه؟!.
الثاني: أن الله قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]، وقال: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩]، فلو كان الماء الذي لم يتغير بالنجاسة: منه ما هو حلال، ومنه ما هو حرام، لم يكن في هذا الحديث بيان للأمة ما يتقون، ولا كان قد فصَّل لهم ما حرَّم عليهم، فإن المنطوق من حديث القلتين لا دليل فيه، والمسكوت عنه كثير من أهل العلم يقولون: لا يدل على شيء، فلم يحصل لهم بيان، ولا فصل الحلال من الحرام، والآخرون يقولون: لا بد من مخالفة المسكوت للمنطوق، ومعلوم أن مطلق المخالفة لا يستلزم المخالفة المطلقة الثابتة لكل فرد فرد من المسكوت عنه، فكيف يكون هذا حدًا فاصلًا؟ فتبين أنه ليس في المنطوق ولا في المسكوت عنه فصل ولا حد.
الثالث: أن القائلين بالمفهوم إنما قالوا به إذا لم يكن هناك سبب اقتضى التخصيص بالمنطوق، فلو ظهر سبب يقتضي التخصيص به لم يكن مفهومًا معتبرًا، كقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١] فذكر هذا القيد لحاجة المخاطبين إليه، إذ هو الحامل لهم على قتلهم، لا لاختصاص الحكم به، ونظيره: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠] ونظائره كثيرة.
وعلى هذا فيحتمل أن يكون ذكر القلتين وقع في الجواب لحاجة السائل إلى ذلك، ولا يمكن الجزم بدفع هذا الاحتمال، نعم لو أن النبي ﷺ قال هذا اللفظ ابتداء من غير سؤال لاندفع هذا الاحتمال.
الرابع: أن حاجة الأمة - حضرها وبدوها على اختلاف أصنافها - إلى معرفة الفرق بين الطاهر والنجس ضرورية، فكيف يحالون في ذلك على ما لا سبيل لأكثرهم إلى معرفته؟!.
стр. 248
فإن الناس لا يكتالون الماء، ولا يكادون يعرفون مقدار القلتين لا طولهما، ولا عرضهما، ولا عمقهما! فإذا وقعت في الماء نجاسة فما يدريه أنه قلتان؟ وهل تكليف ذلك إلا من باب علم الغيب، وتكليف ما لا يطاق؟ فإن قيل: يستظهر حتى يغلب على ظنه أنه قلتان. قيل: ليس هذا شأن الحدود الشرعية فإنها مضبوطة، لا يزاد عليها ولا ينقص منها، كعدد الجلدات، ونصب الزكوات، وعدد الركعات، وسائر الحدود الشرعية.
الخامس: أن خواص العلماء إلى اليوم لم تستقر لهم قدم على قول واحد في القلتين، فمن قائل: ألف رطل بالعراقي، ومن قائل: ستمائة رطل، ومن قائل: خمسمائة، ومن قائل: أربعمائة، وأعجب من هذا جعل هذا المقدار تحديدًا! فإذا كان العلماء قد أشكل عليهم قدر القلتين، واضطربت أقوالهم في ذلك، فما الظن بسائر الأمة! ومعلوم أن الحدود الشرعية لا يكون هذا شأنها.
السادس: أن المحددين يلزمهم لوازم باطلة شنيعة جدًّا:
منها: أن يكون ماء واحد إذا ولغ فيه الكلب تنجس وإذا بال فيه لم ينجسه!.
ومنها: أن الشعرة من الميتة إذا كانت نجسة فوقعت في قلتين إلا رطلًا مثلًا أن ينجس الماء، ولو وقع رطل بول في قلتين لم ينجسه … وكذلك ميتة كاملة تقع في قلتين لا تنجسها، وشعرة منها تقع في قلتين إلا نصف رطل أو رطلًا فتنجسها! إلى غير ذلك من اللوازم التي يدل بطلانها على بطلان ملزوماتها.
الوجه الثالث: أنهم قالوا: إن المفهوم حجة، وتخصيصه بهذا الوصف والعدد لا بد له من فائدة، وهي نفي الحكم عما عدا المنطوق، ثم إن تعليله وتعليق الحكم بهذا الوصف المناسب يدل على أنه علة له، فينتفي الحكم بانتفائها، فإن كان المفهوم مفهوم شرط فهو قوي؛ لأن المشروط عدم عند عدم شرطه، وإلا لم يكن شرطًا له.
وهذا مسلَّم في كون المفهوم حجة.
لكن قالوا: يقدم على العموم لأن دلالته خاصة، فلو قدم العموم عليه بطلت دلالته جملة، وإذا خص به العموم عمل بالعموم فيما عدا المفهوم، والعمل بالدليلين أولى من إلغاء أحدهما، كيف وقد تأيد المفهوم بحديث الأمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب وإراقته، ويحديث النهي عن غمس اليد في الإناء قبل غسلها عند القيام من نوم الليل.
وهذا أيضًا من حيث النظر مسلم، لكن في هذه المسألة يقدم العموم على هذا المفهوم؛ لأن العموم موافق للقياس الصحيح [قال في إعلام الموقعين (١/ ٣٤٣): "ومن ذلك أنكم قستم الماء الذي وردت عليه النجاسة فلم تغير له لونًا ولا طعمًا ولا ريحًا على الماء الذي غيرت النجاسة لونه أو طعمه أو ريحه، وهذا من أبعد القياس عن الشرع والحس، وتركتم قياسًا أصح منه، وهو قياسه على الماء الذي ورد على النجاسة، فقياس الوارد على المورود مع استوائهما في الحد والحقيقة والأوصاف: أصح من قياس مائة رطل ماء وقع فيه شعرة كلب، على مائة رطل خالطها مثلها بولًا وعذرة حتى غيَّرها"]،
стр. 249
ولأنه موافق لعمل أهل المدينة قديمًا وحديثًا، فإنه لا يعرف عن أحد منهم أنه حدد الماء بقلتين، وعملهم بترك التحديد في المياه عمل نقلي خلفًا عن سلف، فجرى مجرى نقلهم الصاع والمد والأجناس، وترك أخذ الزكاة من الخضروات، وهذا هو الصحيح المحتج به من إجماعهم، دون ما طريقه الاجتهاد والاستدلال، فإنهم وغيرهم فيه سواء، وربما يرجح غيرهم عليهم، ويرجحوا هم على غيرهم.
فإن قيل: ما ذكرتم من الترجيح فمعنا من الترجيح ما يقابله، وهو أن المفهوم هنا قد تأيد بالأحاديث السابق ذكرها، فإن هذه الأحاديث تدل على أن الماء يتأثر بهذه الأشياء وإن لم يتغير. قلنا: هذه الأحاديث لا حجة لكم فيها، وسيأتي الرد عليكم فيها مستقلًا.
قالوا أيضًا بعموم المفهوم؛ لأنه إنما دل على نفي الحكم عما عدا المنطوق بطريق سكوته عنه، ومعلوم أن نسبة المسكوت إلى جميع الصور واحدة، فلا يجوز نفي الحكم عن بعضها دون بعض للتحكم، ولا إثبات حكم المنطوق لها لإبطال فائدة التخصيص، فتعين بقيد عن جميعها.
وقال شيخ الإسلام (٢٠/ ٥٢٥) بأن حديث القلتين: "يدل على أن الموجب لنجاسته كون الخبث فيه محمولًا، فمتى كان مستهلكًا فيه لم يكن محمولًا، فمنطوق الحديث وتعليله لم يدل على ذلك، وأما تخصيص القلتين بالذكر، فإنهم سألوه عن الماء يكون بأرض الفلاة وما ينوبه من السباع والدواب، وذلك الماء الكثير في العادة، فبيَّن ﷺ أن مثل ذلك لا يكون فيه خبث في العادة؛ بخلاف القليل فإنه قد يحمل الخبث، وقد لا يحمله، فإن الكثرة تعين على إحالة الخبث إلى طبعه، والمفهوم لا يجب فيه العموم: فليس إذا كان القلتان لا تحمل الخبث يلزم أن ما دونها يلزمه مطلقًا، على أن التخصيص وقع جوابًا لأناس سألوه عن مياه معينة، فقد يكون التخصيص لأن هذه كثيرة لا تحمل الخبث والقلتان كثير، ولا يلزم أن يكون الكثير إلا قلتين، وإلا فلو كان هذا حدًا فاصلًا بين الحلال والحرام لذكره ابتداء، ولأن الحدود الشرعية تكون معروفة كنصاب الذهب والمعشرات ونحو ذلك، والماء الذي تقع فيه النجاسة لا يعلم كيله إلا خرصًا، ولا يمكن كيله في العادة، فكيف يفصل بين الحلال والحرام بما يتعذر معرفته على غالب الناس في غالب الأوقات، وقد أطلق في غير حديث قوله: "الماء طهور لا ينجسه شيء"، و"الماء لا يجنب"، ولم يقدِّره مع أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ومنطوق هذا الحديث يوافق تلك، ومفهومه إنما يدل عند من يقول بدلالة المفهوم إذا لم يكن هناك سبب يوجب التخصيص بالذكر لا الاختصاص بالحكم، وهذا لا يعلم هنا".
قال ابن القيم: "وأما دعواكم أن المفهوم عام في جميع الصور المسكوت عنها، فدعوى لا دليل عليها، فإن الاحتجاج بالمفهوم يرجع إلى حرفين: التخصيص والتعليل كما تقدم.
ومعلوم أنه إذا ظهر للتخصيص فائدة بدون العموم بقيت دعوى العموم باطلة،؛ لأنها
стр. 250
دعوى مجردة، ولا لفظ معنا يدل عليها، وإذا علم ذلك فلا يلزم من انتفاء حكم المنطوق انتفاؤه عن كل فرد فرد من أفراد المسكوت، لجواز أن يكون فيه تفصيل، فينتفي عن بعضها، ويثبت لبعضها، ويجوز أن يكون ثابتًا لجميعها بشرط ليس في المنطوق، فتكون فائدة التخصيص به لدلالته على ثبوت الحكم له مطلقًا، وثبوته للمفهوم بشرط، فيكون المنفي عنه الثبوت المطلق لا مطلق الثبوت، فمن أين جاء العموم للمفهوم، وهو من عوارض الألفاظ؟.
وعلى هذا عامة المفهومات، فقوله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]: لا يدل المفهوم على أنه بمجرد نكاحها الزوج الثاني تحل له … وكذلك إن سلكت طريقة التعليل لم يلزم العموم أيضًا، فإنه يلزم من انتفاء العلة انتفاء معلولها، ولا يلزم انتفاء الحكم مطلقًا، لجواز ثبوته بوصفه آخر، وإذا ثبت هذا فمنطوق حديث القلتين لا ننازعكم فيه، ومفهومه لا عموم له، فبطل الاحتجاج به منطوقًا ومفهومًا".
وقال شيخ الإسلام [مجموع الفتاوى (٣٣/ ١٤)]: "والمفهوم لا عموم له في جانب المسكوت عنه، بل قد يكون فيه تفصيل، كقوله: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" أو: "لم ينجسه شيء"، وهو إذا بلغ قلتين فقد يحمل الخبث، وقد لا يحمله".
وقال أيضًا (٢١/ ٧٣): "وقوله: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث": إنما دل على ما دونهما بالمفهوم، والمفهوم لا عموم له، فلا يدل ذلك على أن ما دون القلتين يحمل الخبث، بل إذا فرق فيه بين دائم وجار، أو إذا كان في بعض الأحيان يحمل الخبث، كان الحديث معمولًا به، فإذا كان طاهرًا بيقين وليس في نجاسته نص ولا قياس وجب البقاء على طهارته مع بقاء صفاته، وإذا كان حوض الحمام الفائض إذا كان قليلًا، ووقع فيه بول أو دم أو عذرة ولم تغيره: لم ينجسه على الصحيح، فكيف بالماء الذي جميعه يجري على أرض الحمام؟ فإنه إذا وقعت فيه نجاسة ولم تغيره لم ينجس"، وانظر أيضًا (٢١/ ٣٢٧).
فالخلاصة: أن مفهوم هذا الحديث دل على أن الماء إذا لم يبلغ قلتين فهو مظنة لحمل الخبث، فقد يحمله وقد لا يحمله، فيحترز منه ويحتاط، ولا نجزم بأنه تنجس بمجرد ملاقاة النجاسة إلا إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة.
قال ابن حزم في المحلى (١/ ٢٥٤): "وليس في قوله ﷺ هذا دليل ولا نص على أن ما دون القلتين ينجس ويحمل الخبث"، أي: يقينًا إلا بالتغير إذ المفهوم لا عموم له.
٢ - وأما حديث أبي هريرة: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا؛ فإنه لا يدري أين باتت يده"، فقد استدلوا به على أن ورود قليل النجاسة على الماء القليل يفسده ويمنع الطهارة به وإن لم يتغير، فعللوا النهي هنا باحتمال النجاسة.
قال ابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ٢٣٦): "إنما ذلك ندب وأدب وسُنَّة قائمة لمن
следующие страницы →