Полный текст (16 465 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
القدر محتملة لمعان، … ، فلا يسوغ لأحد تخصيصها بشيء مما ذكرنا إلا بدليل، فإن ساغ لغيرنا حملها على قلال هجر، ساغ لنا أن نحملها على أعلى ما قيل فيها؛ إذ قد سيق لبيان أنَّه لا ينجس لكثرته؛ فتقديره به أنسب لأنَّه كالماء الجاري معنى ليوافق معنى الآثار".
وقال ابن دقيق العيد: "هذا الحديث قد صححه بعضهم، وهو صحيح على طريقة الفقهاء؛ لأنَّه كان كان حديثًا مضطرب الإسناد مختلَفًا في بعض ألفاظه، فإنه يجاب عنها بجواب صحيح؛ بأن يمكن الجمع بين الروايات، ولكني تركته لأنَّه لم يثبت عندنا بطريق استقلالي يجب الرجوع إليه شرعًا تعيين مقدار القلتين" [التلخيص (١/ ٢٥)، البدر المنير (١/ ٤١٣)].
وانظر: شرح معاني الآثار (١/ ١٦).
وقال ابن القيم: "قالوا: وأما تقدير القلتين بقلال هجر، فلم يصح عن رسول الله ﷺ فيه شيء أصلًا … فكيف يكون كان هذا الحكم العظيم: الحد الفاصل بين الحلال والحرام الَّذي تحتاج إليه جميع الأمة، لا يوجد إلا بلفظ شاذ بإسناد منقطع؟ وذلك اللفظ ليس من كلام رسول الله ﷺ . قالوا: وأما ذكرها في حديث المعراج [يعني: حديث مالك بن صعصعة، وفيه: [ورفعت في سدرة المنتهى، فإذا نبقها كأنه قلال هجر". أخرجه البخاري (٣٢٠٧ و ٣٨٨٧)، وأصله في مسلم دون موضع الشاهد (١٦٤)، والنسائي (٤٤٨)، وأحمد (٣/ ١٦٤) و (٤/ ٢٠٧ و ٢٠٨ و ٢٠٩)، وابن خزيمة (٣٠١)، وابن حبان (٤٨ و ٧٤١٥)، وغيرهم، فمن العجب أن يحال هذا الحد الفاصل على تمثيل النبي ﷺ نبق السدرة بها! وما الرابط بين الحكمين؟ وأي ملازمة بينهما؟ ألكونها معلومة عندهم معروفة لهم مثل لهم بها؟! وهذا من عجيب حمل المطلق على المقيد؟ والتقييد بها في حديث المعراج لبيان الواقع، فكيف يحمل إطلاق حديث القلتين عليه؛ وكونها معلومة لهم لا يوجب أن ينصرف الإطلاق إليها حيث أطلقت العلة، فإنهم كانوا يعرفونها ويعرفون غيرها، والظاهر أن الإطلاق في حديث القلتين إنما ينصرف إلى قلال البلد التي هي أعرف عندهم، وهم لها أعظم ملابسة من غيرها، فالإطلاق إنما ينصرف إليها، … ، وإنما مثَّل النبي ﷺ بقلال هجر؛ لأنَّه هو الواقع في نفس الأمر، كما مثل بعض أشجار الجنّة بشجرة بالشام تدعى الجوزة [في حديث عتبة بن عبد السلمي: أخرجه أحمد (٤/ ١٨٣)، والطبراني في الكبير (١٧/ ١٢٧ و ١٢٨/ ٣١٢ و ٣١٣)] دون النخل وغيره من أشجارهم؛ لأنَّه هو الواقع، لا لكون الجوز أعرف الأشجار عندهم، وهكذا التمثيل بقلال هجر لأنَّه هو الواقع، لا لكونها أعرف القلال عندهم، وهذا بحمد الله واضح.
وأما قولكم: إنها متساوية المقدار، فهذا إنما قاله الخطابي، بناءً على أن ذكرها تحديد، والتحديد إنما يقع بالمقادير المتساوية، وهذا دور باطل، وهو لم ينقله عن أهل اللغة، وهو الثقة في نقله، ولا أخبر به عن عيان، ثم إن الواقع بخلافه، فإن القلال فيها الكبار والصغار في العرف العام أو الغالب، ولا تعمل بقالب واحد، ولهذا قال أكثر
стр. 247
السلف: القلة: الجرة … ، ومن جعلها متساوية فإنما مستنده أن قال: التحديد لا يقع بالمجهول، فيا سبحان الله! إنما يتم هذا أن لو كان التحديد مستندًا إلى صاحب الشرع، فأما والتقدير بقلال هجر وقرب الحجاز: تحديد يحيى بن عقيل وابن جريج، فكان ماذا؟ " [تهذيب السنن (١/ ٥٦ - ٧٤)].
الوجه الثاني: قال ابن القيم: "وأما قولكم: إن العدد خرج مخرج التحديد والتقييد، كنصب الزكوات، فهذا باطل من وجوه:
أحدها: أنه لو كان هذا مقدارًا فاصلًا بين الحلال والحرام، والطاهر والنجس، لوجب على النبي ﷺ بيانه بيانًا عامًّا تعرفه الأمة، كما بيَّن نصب الزكوات، وعدد الجلد في الحدود، ومقدار ما يستحقه الوارث، فإن هذا أمر يعم الابتلاء به كل الأمة، فكيف لا يبينه حتى يتفق سؤال سائل له عن قضية جزئية فيجيبه بهذا، ويكون ذلك حدًا عامًا للأمة كلها لا يسع أحدًا جهله، ولا تتناقله الأمة، ولا يكون شائعًا بينهم، بل يحالون فيه على مفهوم ضعيف، شأنه ما ذكرناه، قد خالفته العمومات والأدلة الكثيرة، ولا يعرفه أهل بلدته، ولا أحد منهم يذهب إليه؟!.
الثاني: أن الله قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]، وقال: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩]، فلو كان الماء الذي لم يتغير بالنجاسة: منه ما هو حلال، ومنه ما هو حرام، لم يكن في هذا الحديث بيان للأمة ما يتقون، ولا كان قد فصَّل لهم ما حرَّم عليهم، فإن المنطوق من حديث القلتين لا دليل فيه، والمسكوت عنه كثير من أهل العلم يقولون: لا يدل على شيء، فلم يحصل لهم بيان، ولا فصل الحلال من الحرام، والآخرون يقولون: لا بد من مخالفة المسكوت للمنطوق، ومعلوم أن مطلق المخالفة لا يستلزم المخالفة المطلقة الثابتة لكل فرد فرد من المسكوت عنه، فكيف يكون هذا حدًا فاصلًا؟ فتبين أنه ليس في المنطوق ولا في المسكوت عنه فصل ولا حد.
الثالث: أن القائلين بالمفهوم إنما قالوا به إذا لم يكن هناك سبب اقتضى التخصيص بالمنطوق، فلو ظهر سبب يقتضي التخصيص به لم يكن مفهومًا معتبرًا، كقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١] فذكر هذا القيد لحاجة المخاطبين إليه، إذ هو الحامل لهم على قتلهم، لا لاختصاص الحكم به، ونظيره: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠] ونظائره كثيرة.
وعلى هذا فيحتمل أن يكون ذكر القلتين وقع في الجواب لحاجة السائل إلى ذلك، ولا يمكن الجزم بدفع هذا الاحتمال، نعم لو أن النبي ﷺ قال هذا اللفظ ابتداء من غير سؤال لاندفع هذا الاحتمال.
الرابع: أن حاجة الأمة - حضرها وبدوها على اختلاف أصنافها - إلى معرفة الفرق بين الطاهر والنجس ضرورية، فكيف يحالون في ذلك على ما لا سبيل لأكثرهم إلى معرفته؟!.
стр. 248
فإن الناس لا يكتالون الماء، ولا يكادون يعرفون مقدار القلتين لا طولهما، ولا عرضهما، ولا عمقهما! فإذا وقعت في الماء نجاسة فما يدريه أنه قلتان؟ وهل تكليف ذلك إلا من باب علم الغيب، وتكليف ما لا يطاق؟ فإن قيل: يستظهر حتى يغلب على ظنه أنه قلتان. قيل: ليس هذا شأن الحدود الشرعية فإنها مضبوطة، لا يزاد عليها ولا ينقص منها، كعدد الجلدات، ونصب الزكوات، وعدد الركعات، وسائر الحدود الشرعية.
الخامس: أن خواص العلماء إلى اليوم لم تستقر لهم قدم على قول واحد في القلتين، فمن قائل: ألف رطل بالعراقي، ومن قائل: ستمائة رطل، ومن قائل: خمسمائة، ومن قائل: أربعمائة، وأعجب من هذا جعل هذا المقدار تحديدًا! فإذا كان العلماء قد أشكل عليهم قدر القلتين، واضطربت أقوالهم في ذلك، فما الظن بسائر الأمة! ومعلوم أن الحدود الشرعية لا يكون هذا شأنها.
السادس: أن المحددين يلزمهم لوازم باطلة شنيعة جدًّا:
منها: أن يكون ماء واحد إذا ولغ فيه الكلب تنجس وإذا بال فيه لم ينجسه!.
ومنها: أن الشعرة من الميتة إذا كانت نجسة فوقعت في قلتين إلا رطلًا مثلًا أن ينجس الماء، ولو وقع رطل بول في قلتين لم ينجسه … وكذلك ميتة كاملة تقع في قلتين لا تنجسها، وشعرة منها تقع في قلتين إلا نصف رطل أو رطلًا فتنجسها! إلى غير ذلك من اللوازم التي يدل بطلانها على بطلان ملزوماتها.
الوجه الثالث: أنهم قالوا: إن المفهوم حجة، وتخصيصه بهذا الوصف والعدد لا بد له من فائدة، وهي نفي الحكم عما عدا المنطوق، ثم إن تعليله وتعليق الحكم بهذا الوصف المناسب يدل على أنه علة له، فينتفي الحكم بانتفائها، فإن كان المفهوم مفهوم شرط فهو قوي؛ لأن المشروط عدم عند عدم شرطه، وإلا لم يكن شرطًا له.
وهذا مسلَّم في كون المفهوم حجة.
لكن قالوا: يقدم على العموم لأن دلالته خاصة، فلو قدم العموم عليه بطلت دلالته جملة، وإذا خص به العموم عمل بالعموم فيما عدا المفهوم، والعمل بالدليلين أولى من إلغاء أحدهما، كيف وقد تأيد المفهوم بحديث الأمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب وإراقته، ويحديث النهي عن غمس اليد في الإناء قبل غسلها عند القيام من نوم الليل.
وهذا أيضًا من حيث النظر مسلم، لكن في هذه المسألة يقدم العموم على هذا المفهوم؛ لأن العموم موافق للقياس الصحيح [قال في إعلام الموقعين (١/ ٣٤٣): "ومن ذلك أنكم قستم الماء الذي وردت عليه النجاسة فلم تغير له لونًا ولا طعمًا ولا ريحًا على الماء الذي غيرت النجاسة لونه أو طعمه أو ريحه، وهذا من أبعد القياس عن الشرع والحس، وتركتم قياسًا أصح منه، وهو قياسه على الماء الذي ورد على النجاسة، فقياس الوارد على المورود مع استوائهما في الحد والحقيقة والأوصاف: أصح من قياس مائة رطل ماء وقع فيه شعرة كلب، على مائة رطل خالطها مثلها بولًا وعذرة حتى غيَّرها"]،
стр. 249
ولأنه موافق لعمل أهل المدينة قديمًا وحديثًا، فإنه لا يعرف عن أحد منهم أنه حدد الماء بقلتين، وعملهم بترك التحديد في المياه عمل نقلي خلفًا عن سلف، فجرى مجرى نقلهم الصاع والمد والأجناس، وترك أخذ الزكاة من الخضروات، وهذا هو الصحيح المحتج به من إجماعهم، دون ما طريقه الاجتهاد والاستدلال، فإنهم وغيرهم فيه سواء، وربما يرجح غيرهم عليهم، ويرجحوا هم على غيرهم.
فإن قيل: ما ذكرتم من الترجيح فمعنا من الترجيح ما يقابله، وهو أن المفهوم هنا قد تأيد بالأحاديث السابق ذكرها، فإن هذه الأحاديث تدل على أن الماء يتأثر بهذه الأشياء وإن لم يتغير. قلنا: هذه الأحاديث لا حجة لكم فيها، وسيأتي الرد عليكم فيها مستقلًا.
قالوا أيضًا بعموم المفهوم؛ لأنه إنما دل على نفي الحكم عما عدا المنطوق بطريق سكوته عنه، ومعلوم أن نسبة المسكوت إلى جميع الصور واحدة، فلا يجوز نفي الحكم عن بعضها دون بعض للتحكم، ولا إثبات حكم المنطوق لها لإبطال فائدة التخصيص، فتعين بقيد عن جميعها.
وقال شيخ الإسلام (٢٠/ ٥٢٥) بأن حديث القلتين: "يدل على أن الموجب لنجاسته كون الخبث فيه محمولًا، فمتى كان مستهلكًا فيه لم يكن محمولًا، فمنطوق الحديث وتعليله لم يدل على ذلك، وأما تخصيص القلتين بالذكر، فإنهم سألوه عن الماء يكون بأرض الفلاة وما ينوبه من السباع والدواب، وذلك الماء الكثير في العادة، فبيَّن ﷺ أن مثل ذلك لا يكون فيه خبث في العادة؛ بخلاف القليل فإنه قد يحمل الخبث، وقد لا يحمله، فإن الكثرة تعين على إحالة الخبث إلى طبعه، والمفهوم لا يجب فيه العموم: فليس إذا كان القلتان لا تحمل الخبث يلزم أن ما دونها يلزمه مطلقًا، على أن التخصيص وقع جوابًا لأناس سألوه عن مياه معينة، فقد يكون التخصيص لأن هذه كثيرة لا تحمل الخبث والقلتان كثير، ولا يلزم أن يكون الكثير إلا قلتين، وإلا فلو كان هذا حدًا فاصلًا بين الحلال والحرام لذكره ابتداء، ولأن الحدود الشرعية تكون معروفة كنصاب الذهب والمعشرات ونحو ذلك، والماء الذي تقع فيه النجاسة لا يعلم كيله إلا خرصًا، ولا يمكن كيله في العادة، فكيف يفصل بين الحلال والحرام بما يتعذر معرفته على غالب الناس في غالب الأوقات، وقد أطلق في غير حديث قوله: "الماء طهور لا ينجسه شيء"، و"الماء لا يجنب"، ولم يقدِّره مع أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ومنطوق هذا الحديث يوافق تلك، ومفهومه إنما يدل عند من يقول بدلالة المفهوم إذا لم يكن هناك سبب يوجب التخصيص بالذكر لا الاختصاص بالحكم، وهذا لا يعلم هنا".
قال ابن القيم: "وأما دعواكم أن المفهوم عام في جميع الصور المسكوت عنها، فدعوى لا دليل عليها، فإن الاحتجاج بالمفهوم يرجع إلى حرفين: التخصيص والتعليل كما تقدم.
ومعلوم أنه إذا ظهر للتخصيص فائدة بدون العموم بقيت دعوى العموم باطلة،؛ لأنها
стр. 250
دعوى مجردة، ولا لفظ معنا يدل عليها، وإذا علم ذلك فلا يلزم من انتفاء حكم المنطوق انتفاؤه عن كل فرد فرد من أفراد المسكوت، لجواز أن يكون فيه تفصيل، فينتفي عن بعضها، ويثبت لبعضها، ويجوز أن يكون ثابتًا لجميعها بشرط ليس في المنطوق، فتكون فائدة التخصيص به لدلالته على ثبوت الحكم له مطلقًا، وثبوته للمفهوم بشرط، فيكون المنفي عنه الثبوت المطلق لا مطلق الثبوت، فمن أين جاء العموم للمفهوم، وهو من عوارض الألفاظ؟.
وعلى هذا عامة المفهومات، فقوله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]: لا يدل المفهوم على أنه بمجرد نكاحها الزوج الثاني تحل له … وكذلك إن سلكت طريقة التعليل لم يلزم العموم أيضًا، فإنه يلزم من انتفاء العلة انتفاء معلولها، ولا يلزم انتفاء الحكم مطلقًا، لجواز ثبوته بوصفه آخر، وإذا ثبت هذا فمنطوق حديث القلتين لا ننازعكم فيه، ومفهومه لا عموم له، فبطل الاحتجاج به منطوقًا ومفهومًا".
وقال شيخ الإسلام [مجموع الفتاوى (٣٣/ ١٤)]: "والمفهوم لا عموم له في جانب المسكوت عنه، بل قد يكون فيه تفصيل، كقوله: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" أو: "لم ينجسه شيء"، وهو إذا بلغ قلتين فقد يحمل الخبث، وقد لا يحمله".
وقال أيضًا (٢١/ ٧٣): "وقوله: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث": إنما دل على ما دونهما بالمفهوم، والمفهوم لا عموم له، فلا يدل ذلك على أن ما دون القلتين يحمل الخبث، بل إذا فرق فيه بين دائم وجار، أو إذا كان في بعض الأحيان يحمل الخبث، كان الحديث معمولًا به، فإذا كان طاهرًا بيقين وليس في نجاسته نص ولا قياس وجب البقاء على طهارته مع بقاء صفاته، وإذا كان حوض الحمام الفائض إذا كان قليلًا، ووقع فيه بول أو دم أو عذرة ولم تغيره: لم ينجسه على الصحيح، فكيف بالماء الذي جميعه يجري على أرض الحمام؟ فإنه إذا وقعت فيه نجاسة ولم تغيره لم ينجس"، وانظر أيضًا (٢١/ ٣٢٧).
فالخلاصة: أن مفهوم هذا الحديث دل على أن الماء إذا لم يبلغ قلتين فهو مظنة لحمل الخبث، فقد يحمله وقد لا يحمله، فيحترز منه ويحتاط، ولا نجزم بأنه تنجس بمجرد ملاقاة النجاسة إلا إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة.
قال ابن حزم في المحلى (١/ ٢٥٤): "وليس في قوله ﷺ هذا دليل ولا نص على أن ما دون القلتين ينجس ويحمل الخبث"، أي: يقينًا إلا بالتغير إذ المفهوم لا عموم له.
٢ - وأما حديث أبي هريرة: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا؛ فإنه لا يدري أين باتت يده"، فقد استدلوا به على أن ورود قليل النجاسة على الماء القليل يفسده ويمنع الطهارة به وإن لم يتغير، فعللوا النهي هنا باحتمال النجاسة.
قال ابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ٢٣٦): "إنما ذلك ندب وأدب وسُنَّة قائمة لمن
стр. 251
كانت يده طاهرة وغير طاهرة؛ لأنه لو أراد بذلك النجاسة لأمر بغسل المخرجين أولًا، ولقال: إذا قام أحدكم من نومه فلينظر يده فإن لم يكن فيها نجاسة أدخلها في وَضوئه، وإن كانت في يده نجاسة غسلها قبل أن يدخلها".
وقيل: النهي هنا تعبدي، ويرد هذا القول: أنه معلل في الحديث بقوله: "فإنه لا يدري أين باتت يده".
قال ابن القيم: "وقيل -وهو الصحيح-: إنه معلل بخشية مبيت الشيطان على يده، أو مبيتها عليه، وهذه العلة نظير تعليل صاحب الشرع الاستنشاق بمبيت الشيطان على الخيشوم … إلى أن قال: والمقصود أنه لا دليل لكم في الحديث بوجه ما"، وقد بيَّن قبلُ أن ليس في الحديث دليل على نجاسة الماء أو فساده، وأن جمهور الأمة على طهارته.
٣ - وأما حديث أبي هريرة: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا أولاهن بالتراب": فليس فيه ما يدل على نجاسة الماء بولوغ الكلب فيه، وإنما الأمر فيه بالإراقة وبالغسل سبعًا أولاهن بالتراب: تعبدي، ولو كان لأجل النجاسة لاكتفى فيه بإزالة النجاسة، وقد تزول من غسلة واحدة بالماء، ولا يحتاج فيها إلى التراب، فدل التسبيع في العدد والتتريب والإراقة على أمر تعبدي أظهره الطب الحديث، وهو اشتمال لعاب الكلب على مرض لا يزيله إلا الغسل سبعًا بالماء أولاهن بالتراب.
وانظر: تهذيب السنن لابن القيم. التمهيد (٦/ ٤٧٧ - ط إحياء التراث)، المحلى (١/ ١٥٤).
٤ - وأما حديث أبو هريرة: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه من الجنابة": قال شيخ الإسلام (٢١/ ٣٤) [وانظر أيضًا (٢٠/ ٣٣٨)]: "نهيه عن البول في الماء الدائم لا يدل على أنه ينجس بمجرد البول، إذ ليس في اللفظ ما يدل على ذلك، بل قد يكون نهيه سدًا للذريعة؛ لأن البول ذريعة إلى تنجيسه، فإذا بال هذا ثم بال هذا تغير الماء بالبول، فكان نهيه سدًا للذريعة، أو يقال: إنه مكروه بمجرد الطبع لا لأجل أنه ينجسه، وأيضًا: فيدل نهيه عن البول في الماء الدائم أنه يعم القليل والكثير، فيقال لصاحب القلتين: أتجوِّز بوله فيما فوق القلتين؟ إن جوَّزته فقد خالفت ظاهر النص، وإن حرمته فقد نقضت دليلك … فلم يجز تعليل النهي بالنجاسة، ولا يجوز أن يقال: إنه ﷺ إنما نهى عن البول فيه لأن البول ينجسه، فإن هذا خلاف النص والإجماع".
وقد أطال ابن القيم في تهذيب السنن في بيان هذا المعنى وخلاصته فيه قوله: "ذكره ﷺ الماء الدائم الذي لا يجري تنبيه على أن حكمة النهي: إنما هي ما يخشى من إفساد مياه الناس عليهم، وأن النهي إنما تعلق بالمياه الدائمة التي من شأنها أن تفسدها الأبوال … ".
وحاصل ما تقدم أنه لا دليل لهم، ولا حجة لهم فيما استدلوا به على أن ما دون القلتين ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة وإن لم يتغير، وإنما مفهوم حديث القلتين: أن ما كان
стр. 252
دون القلتين فهو مظنة لحمل الخبث، فقد يحمله وقد لا يحمله، ولا نجزم بنجاسته إلا إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة.
قال الشوكاني في الدراري المضية (١٠ - ١٢): "وأما ما كان دون القلتين فهو مظنة لحمل الخبث، وليس فيه أنه يحمل الخبث قطعًا وبتًا، ولا أن ما يحمله من الخبث يخرجه عن الطهورية؛ لأن الخبث المخرج عن الطهورية هو خبث خاص، وهو الموجب لتغيير أحد أوصافه أو كلها، لا الخبث الذي لم يغير، وحاصله: أن ما دل عليه مفهوم حديث القلتين: من أن ما دونهما قد يحمل الخبث؛ لا يستفاد منه إلا أن ذلك المقدار إذا وقعت فيه نجاسة قد يحملها، وأما أنه يصير نجسًا خارجًا عن كونه طاهرًا فليس في هذا المفهوم ما يفيد ذلك، ولا ملازمة بين حمل الخبث، والنجاسة المخرجة عن الطهورية، إلى أن قال: فتقرر بهذا أنه لا منافاة بين مفهوم حديث القلتين، وبين سائر الأحاديث، بل يقال فيها: أن ما دون القلتين إن حمل الخبث حملًا استلزم تغيير ريح الماء أو لونه أو طعمه، فهذا هو الأمر الموجب للنجاسة والخروج عن الطهورية، وإن حمله حملًا لا يغير أحد تلك الأوصاف فليس هذا الحمل مستلزمًا للنجاسة" [انظر: الروضة الندية (١/ ٥٩)، نيل الأوطار (١/ ٣٠)، السيل الجرار (١/ ٥٤ - ٥٦)، وغيرها].
• وأما أدلة الفريق الثاني القائل بأنه لا ينجس كثير الماء ولا قليله إلا بالتغيير، وهو الصواب:
قال العمراني في البيان (١/ ٢٧): "وذهبت طائفة إلى أن الماء لا ينجس إلا بالتغير، سواء كان قليلًا أو كثيرًا. ذهب إليه من الصحابة: ابن عباس، وحذيفة، وأبو هريرة، وبه قال الحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وعكرمة، وابن أبي ليلى، وجابر بن زيد، ومالك، والأوزاعي، وداود، والثوري، والنخعي، واختاره ابن المنذر".
١ - قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]: قال ابن المنذر: "فالطهارة على ظاهر كتاب الله بكل ماء إلا ماة منع منه كتاب أو سُنَّة أو إجماع، ظاهر الذي منع الإجماع من الطهارة به: الماء الذي يغلب عليه النجاسة بلون أو طعم أو ريح".
وقال شيخ الإسلام في الماء الذي خالطته نجاسة فلم تغيره: "وأيضًا، فإن هذا باق على أوصاف خلقته، فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: ٤٣] فإن الكلام إنما هو فيما لم يتغير بالنجاسة لا طعمه ولا لونه ولا ريحه" [المجموع (٢١/ ٣٣)].
٢ - قال ابن عبد البر في التمهيد (١/ ٣٣٠): "لدليل على أن الماء لا يفسد إلا بما ظهر فيه من النجاسة أن الله سماه طهورًا فقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] وفي طهور معنيان: أحدهما: أن يكون طهورًا بمعنى طاهر … ، والآخر: أن يكون بمعنى فعول … ، فيكون فيه معنى التعدي والتكثير، يدل على ذلك قوله : ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]، وقد أجمعت الأمة أن الماء مطهر
стр. 253
للنجاسات … ، وما كان طاهرًا مطهرًا استحال أن تلحقه النجاسة؛ لأنه لو لحقته النجاسة لم يكن مطهرًا أبدًا، لأنه لا يطهرها إلا بممازجته إياها، واختلاطه بها، فلو أفسدته النجاسة من غير أن تغلب عليه … ، لم تحصل لأحد طهارة، ولا استنجى أبدًا".
٣ - حديث الأعرابي: وفيه أن النبي ﷺ أن يصب على بول الأعرابي دلو من ماء أو ذنوب من ماء [متفق عليه من حديث أنس. البخاري (٢٢١ و ٢١٩ و ٦٠٢٥)] مسلم (٢٨٤ و ٢٨٥)، وأخرجه البخاري من حديث أبي هريرة (٢٢٠ و ٦١٢٨)،: قال ابن عبد البر (٢٤/ ١٦): "وهذا الحديث أصح حديث يروى عن النبي ﷺ في الماء، وهو ينفي التحديد في مقدار الماء الذي تلحقه النجاسة، ويقضي أن الماء طاهر مطهر لكل ما غلب عليه، وأن كل ما مازجه من النجاسات وخالطه من الأقذار لا يفسده؛ إلا أن يظهر ذلك فيه أو يغلب عليه، فإن كان الماء غالبًا مستهلكًا النجاسات، فهو مطهر لها، وهي غير مؤثرة فيه، وسواء في ذلك قليل الماء وكثيره، هذا ما يوجبه هذا الحديث، … ، وهو أصح مذهب في الماء من جهة الأثر، ومن جهة النظر … ، وهذا الحديث ينقض على أصحاب الشافعي ما أصلوه في الفرق بين ورود النجاسة على الماء، وبين وروده عليها، … ، وقد علمنا أن الذنوب الذي صبه رسول الله ﷺ على بول الأعرابي لم يعتبر فيه قلتين، ولو كان في الماء مقدار يُراعى: لاعتبر ذلك في الصب على بول الأعرابي، ومعلوم أن ذلك الذنوب ليس بمقدار القلتين الذي جعله الشافعي حدًا، والله أعلم".
٤ - حديث ابن عباس: أن امرأة من أزواج النبي ﷺ اغتسلت من جنابة، فاغتسل النبي ﷺ وتوضأ من فضلها وقال: "الماء طهور، لا ينجسه شيء"، سيأتي تخريجه برقم (٦٨).
٥ - حديث أبي سعيد في بئر بضاعة: أنه قيل لرسول الله ﷺ : أنتوضأ من بئر بضاعة؟ وهي بئر يطرح فيها الحيض ولحم الكلاب والنتن؟ فقال رسول الله ﷺ : "الماء طهور لا ينجسه شيء"، سيأتي تخريجه برقم (٦٦ و ٦٧).
قال ابن المنذر: "فهذا جواب النبي ﷺ في الماء جواب عام يقع على كل ماء؛ وإن قل".
وقال شيخ الإسلام (٢١/ ٣٣): "وهذا اللفظ عام في القليل والكثير، وهو عام في جميع النجاسات، وأما إذا تغير بالنجاسة، فإنما حرم استعماله لأن جرم النجاسة باقٍ، ففي استعماله استعمالها، بخلاف ما إذا استحالت النجاسة فإن الماء طهور، وليس هناك نجاسة قائمة".
وقال ابن القيم: "فهذا نص صحيح صريح على أن الماء لا ينجس بملاقاة النجاسة، مع كونه واقفًا؛ فإن بئر بضاعة كانت واقفة، ولم يكن على عهده بالمدينة ماء جار أصلًا … فوضوؤه من بئر بضاعة، وحالها ما ذكروه له، دليل على أن الماء لا يتنجس بوقوع النجاسة فيه، ما لم يتغير".
٦ - قال ابن المنذر: "ومنها: أنهم مجمعون على أن الماء القليل طاهر قبل أن يحل
стр. 254
فيه النجاسة، ولم يجمعوا على أن النجاسة إذا حلت فيه ولم تغير الماء لونًا ولا طعمًا ولا ريحًا أنه نجس؛ فالماء المحكوم له بالطهارة طاهر حتى يثبت له حكم النجاسة بخبر أو إجماع".
يعني استصحاب الحال [الأصل] وهي الطهارة، ولا ننتقل عنها إلا بيقين، ولا يحصل إلا بالتغير.
وقال ابن القيم: "فهلا أخذتم بهذا الأصل هنا، وقلتم: ما ثبت تنجيسه بالدليل الشرعي نجسناه، وما شككنا فيه رددناه إلى أصل الطهارة؟ لأن هذا لما كان طاهرًا قطعًا وقد شككنا: هل حكم رسول الله ﷺ بتنجيسه أم لا؟ فالأصل الطهارة"، فاليقين لا يزول بالشك.
٧ - قال شيخ الإسلام (٢٠/ ٥٢١): "وقد أطلق في غير حديث قوله: "الماء طهور لا ينجسه شيء" و "الماء لا يجنب" ولم يقدِّره، مع أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ومنطوق هذا الحديث أيعني: حديث القلتين، يوافق تلك، ومفهومه إنما يدل عند من يقول بدلالة المفهوم إذا لم يكن هناك سبب يوجب التخصيص بالذكر لا الاختصاص بالحكم وهذا لا يعلم هنا".
٨ - أن هذا القول هو الموافق للقياس الصحيح، وهو قياس الماء الذي وردت عليه النجاسة فلم تغيره، على الماء الذي ورد على النجاسة [في حديث الأعرابي مع العلم بأن الذنوب أو الدلو لم يبلغ قلتين]، فقياس الوارد على المورود مع استوائهما في الحد والحقيقة والأوصاف أصح من قياس مائة رطل ماء [لم تبلغ قلتين] وقع فيه شعرة كلب [فلم تغيره قطعًا] على مائة رطل خالطها مثلها بولًا وعذرة حتى غيرها [انظر: إعلام الموقعين (١/ ٣٤٣)].
***
٣٤ - باب ما جاء في بئر بضاعة
٦٦ - . . . أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن كعب، عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج، عن أبي سعيد الخدري، أنه قيل لرسول الله ﷺ : أنتوضأ من بئر بُضاعة؟ وهي بئر يُطرح فيها الحِيَضُ ولحمُ الكلاب والنَّتْنُ؟
فقال رسول الله ﷺ : "الماء طهور، ولا ينجسه شيء".
قال أبو داود: وقال بعضهم: عبد الرحمن بن رافع.
• حديث صحيح
أخرجه الترمذي (٦٦)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٥٥)،
стр. 255
والنسائي (١/ ١٧٤/ ٣٢٦)، وابن الجارود (٤٧)، وأحمد (٣/ ٣١)، وابن أبي شيبة (١/ ١٣١/ ١٥٠٥) و (٧/ ٢٨١/ ٣٦٠٩٢)، وسمويه في بعض الثالث من فوائده (١٩)، وابن المنذر (١/ ١٨٨/٢٦٩)، وابن الأعرابي في المعجم (١٤١٠ و ١٤١١)، وابن حبان في الثقات (٧/ ٥٤٨)، والدارقطني (١/ ٣٠)، والبيهقي في السنن (١/ ٤ و ٢٥٧)، وفي الخلافيات (٣/ ١٩٦/ ٩٦٦ و ٩٦٧)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (١/ ٣١٢)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٢/ ٦٠ - ٦١/ ٢٨٣)، وفي التفسير (٣/ ٣٧٢)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٤٢/ ١٥)، والمزي في التهذيب (١٩/ ٨٣)، وذكره البخاري في التاريخ الكبير (٥/ ٣٨٩)، وعزاه ابن حجر في الإتحاف (٥/ ٢٩٨/ ٥٤٣٩) للحاكم في المستدرك، وليس في المطبوع.
وكان أبو أسامة مرة يقول: عبيد الله بن عبد الله بن رافع، ويقول أخرى: عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع. انظر: المسند.
قال أبو الحسن الميموني عن أحمد بن حنبل: "حديث بئر بضاعة: صحيح، وحديث أبي هريرة: "لا يبال في الماء الراكد": أثبت وأصح إسنادًا"، وروى الخلال في كتاب العلل عن أبي الحارث عن أحمد أنه قال: "حديث بئر بضاعة صحيح"، وذكر أبو بكر عبد العزيز في كتاب الشافي عن أحمد أنه قال: "حديث بئر بضاعة صحيح" [تهذيب الكمال (١٩/ ٨٣)، مجموع الفتاوى (٢١/ ٣٣ و ٦٠)، المغني (١/ ٣١) وفيه: قال الخلال: قال أحمد: "حديث بئر بضاعة: صحيح"، الإمام (١/ ١١٥)، المبدع (١/ ٣٤ و ٥٣)، شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي (٢/ ٥٦٤)، التنقيح (١/ ٢٩)، التلخيص (١/ ١٣)].
وقال ابن الملقن في البدر المنير (١/ ٣٨٢): "قال النووي في كلامه على سنن أبي داود: صحَّحه يحيى بن معين، والحاكم، وآخرون من الأئمة الحفاظ".
وقال ابن حجر في التلخيص (١/ ١٣): "وصححه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبو محمد بن حزم".
وقال الترمذي: "هذا حديث حسن؛ وقد جوَّد أبو أسامة هذا الحديث، فلم يرو أحد حديث أبي سعيد في بئر بضاعة أحسن مما روى أبو أسامة، وقد رُوي هذا الحديث من غير وجه عن أبي سعيد، وفي الباب: عن ابن عباس وعائشة".
وقد احتج به النسائي، وسكت عليه أبو داود، وصححه ابن الجارود.
وقال الدارقطني بعد أن ساق الاختلاف في إسناد هذا الحديث: "وأحسنها إسنادًا: حديث الوليد بن كثير عن محمد بن كعب، وحديث ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي سلمة" [العلل (١١/ ٢٨٨/ ٢٢٨٧)].
وقال البغوي: "هذا حديث حسن صحيح".
وقال شيخ الإسلام بأنه ثابت من حديث أبي سعيد [مجموع الفتاوى (٢١/ ٣٣ و ٦٠)].
وقال النووي: "حديث صحيح" [المجموع (١/ ١٢٤ و ١٦٩)].
стр. 256
وقال ابن الأثير في الشافي شرح مسند الشافعي (١/ ٦٧): "هذا حديث صحيح".
وقال ابن الملقن في البدر المنير (١/ ٣٨١): "هذا الحديث: صحيح، مشهور من حديث أبي سعيد".
وصححه ابن سيد الناس اليعمري في النفح الشذي (٢/ ١٠٨)، والعراقي [فيض القدير (٦/ ٢٤٨)].
لكن قال ابن القطان الفاسي في بيان الوهم (٣/ ٣٠٩/ ١٠٥٩): "فتحصل في هذا الرجل الراوي له عن أبي سعيد خمسة أقوال:
عبد الله بن عبيد الله بن رافع، وعبيد الله بن عبد الله بن رافع، وعبد الله بن عبد الرحمن بن رافع، وعبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع، وعبد الرحمن بن رافع: وكيفما كان فهو من لا تعرف له حال ولا عين"؛ لذا فقد ضعف حديث أبي سعيد هذا.
وقال ابن منده: "مجهول" [التهذيب (٥/ ٣٩٠)].
وقال ابن العربي في أحكام القرآن (٣/ ٤٤٠): "حديث ضعيف".
قلت: يكفي في الرد عليهم من تقدم ذكره ممن صحح الحديث، أو احتج به، من أئمة هذا الشأن، الذين هم به أعرف، وإليهم المرجع في التصحيح والتعليل، وعليهم المعول في الجرح والتعديل، وباقي الخلق عيال عليهم في هذا الباب، ففي تصحيحهم لهذا الحديث توثيق ضمني لعبيد الله هذا، لا سيما وقد رواه عنه ثلاثة.
قال ابن سيد الناس اليعمري في النفح الشذي (٢/ ١٠٦): "فمهما حكم به أحمد بن حنبل أو علي بن المديني أو يحيى بن معين، أو من يجري مجراهم من الأئمة: من تصحيح خبر أو رده، أو تعديل راوٍ أو جرحه، فإليهم المرجع في ذلك:
إذا قالت حذام فصدقوها … فإن القول ما قالت حذام
وليس لمن بعدهم أن يعترض ما يجده عن أحد منهم، لا سيما من كان في الأعصار البعيدة عن عصرهم؛ … ، وتصحيح أحمد لا يعارضه جهالة الحال في راوٍ من الرواة؛ إذ تصحيحه مؤذن بتعديل من صح خبره".
وقال ابن الملقن في البدر المنير (١/ ٣٨٧): "والذي يظهر: صحة الحديث مطلقًا، كما صحَّحه الأئمة المتقدمون: الترمذي، وأحمد، ويحيى بن معين، والحاكم، وهم أئمة هذا الفن والمرجوع إليهم.
… ، وأما قوله [يعني: ابن القطان]: إن الخمسة الذين رووه عن أبي سعيد كلهم مجاهيل. ففيه نظر؛ لأن تصحيح الحفَّاظ الأُوَل لهذا الحديث توثيق منهم لهم، إذ لا يُظن بمن دونهم الإقدام على تصحيح ما رجاله مجاهيل؛ لأنه تدليس في الرواية وغش، وهم براء من ذلك.
وقد وثَّق أبو حاتم ابن حبان عبيد الله بن عبد الله بن رافع، وعبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع، وعقد لهما ترجمتين في ثقاته، وهما في كتاب البخاري واحد،
стр. 257
وكذلك عند ابن أبي حاتم، بل لعل الخمسة المذكورين عند ابن القطان واحدٌ عند البخاري.
لا جرم أن الحافظ أبا محمد بن حزم قال في كتابه "المحلَّى شرح المجلَّى" عقب حديث بئر بضاعة: "هذا حديث صحيح، جميع رواته معروفون عدول، … ".
وهذا أجود إسناد لحديث أبي سعيد، كما قال الترمذي والدارقطني [العلل (١١/ ٢٨٨)]، وله أسانيد أخرى منها:
١ - ما رواه محمد بن إسحاق، عن سَلِيط بن أيوب، عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع الأنصاري ثم العدوي، عن أبي سعيد الخدري، قال: سمعت رسول الله ﷺ . . . فذكر الحديث. وهو الحديث الآتي.
***
٦٧ - . . . محمد بن إسحاق، عن سَلِيط بن أيوب، عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع الأنصاري ثم العدوي، عن أبي سعيد الخدري، قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو يقال له: إنه يُستقَى لك من بئر بُضاعة، وهي بئر يُلقى فيها لحومُ الكلاب والمحايضُ وعَذِرُ الناس؟ فقال رسول الله ﷺ : "إن الماء طهور لا ينجسه شيء".
• حديث صحيح
أخرجه أحمد (٣/ ٨٦) وعنده التصريح بسماع ابن إسحاق من رواية إبراهيم بن سعد عنه به. وأبو عبيد القاسم بن سلام في الطهور (١٣٥)، وابن شبة في أخبار المدينة (١/ ١٠٠/ ٤٥٧)، وابن جرير الطبري في مسند ابن عباس من تهذيب الآثار (٢/ ٧٠١ و ٧٠٣ و ٧٠٩/ ١٠٤٨ و ١٠٥٠ و ١٠٦١)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١١)، وفي أحكام القرآن (١/ ٩٢/ ٦٧)، والدارقطني (١/ ٣٠ و ٣١)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٥٧)، وفي المعرفة (١/ ٣٢٢/ ٣٨٣)، وفي الخلافيات (٣/ ١٩٩ - ٢٠٢/ ٩٧٠ - ٩٧٣)، والمزي في التهذيب (١١/ ٣٣٦).
• واختلف فيه على ابن إسحاق:
أ - فرواه محمد بن سلمة بن عبد الله الباهلي الحراني [ثقة. التقريب (٨٤٩)]، وإبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني [ثقة حجة، مكثر عن ابن إسحاق، عارف بحديثه، يميز سماع ابن إسحاق من تدليسه، فإذا كان سماع قال: حدثني، وهكذا قال هنا. انظر الحديث المتقدم برقم (٤٨)]، وأحمد بن خالد الوهبي [صدوق. التقريب (٨٨)]، وشعيب بن إسحاق البصري ثم الدمشقي [ثقة. التقريب (٤٣٦)]:
стр. 258
أربعتهم: عن ابن إسحاق، عن سليط، عن عبيد الله بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد به مرفوعًا.
وفي بعض الروايات عن محمد بن سلمة قال: "عبد الرحمن بن رافع".
ب - وخالفهم: حماد بن سلمة، فرواه عن ابن إسحاق، عن عبيد الله بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد به مرفوعًا.
وقال مرة: عبيد الله بن عبد الله.
أخرجه الطيالسي (٢١٩٩)، وسمويه في بعض الثالث من فوائده (١٧)، وابن جرير الطبري في مسند ابن عباس من تهذيب الآثار (٢/ ٧٠٦/ ١٠٥٥)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١١)، والبيهقي في الخلافيات (٣/ ١٩٨/ ٩٦٨).
قال البيهقي: "فحرفه حماد، وإنما رواه محمد بن إسحاق عن سليط بن أيوب".
ج- وخالفهم أيضًا: أبو معاوية الضرير محمد بن خازم [ثقة، في حديثه عن غير الأعمش وهم]، فرواه عن ابن إسحاق وابن أبي ذئب، عمن أخبرهم، عن عبيد الله بن عبد الرحمن به.
أخرجه أبو عبيد في الطهور (١٣٦).
د- وخالفهم أيضًا: جرير بن عبد الحميد [ثقة]، فرواه عن ابن إسحاق: بلغني عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع، عن أبي سعيد.
ذكره الدارقطني في العلل (١١/ ٢٨٧/ ٢٢٨٧).
وقال: "وقد قارب لأن ابن إسحاق رواه عن سليط بن أيوب عن عبيد الله".
هـ- ورواه يزيد بن هارون [ثقة متقن]، قال: أخبرني محمد [يعني: ابن إسحاق]، قال: أخبرنا رجل من الأنصار، عن عبيد الله بن عبد الرحمن العدوي، عن أبي سعيد به.
أخرجه ابن جرير الطبري في مسند ابن عباس من تهذيب الآثار (٢/ ١٠٤٩/٧٠٢).
وهذا المبهم هو: سليط بن أيوب، فإنه أنصاري مدني، وهكذا رواه الجماعة.
• والمحفوظ من ذلك: ما رواه الجماعة، لا سيما وفيهم: إبراهيم بن سعد المدني، وهو من أثبت الناس في ابن إسحاق، وأعرفهم بحديثه، وقد صرح ابن إسحاق في حديثه بالتحديث، فانتفت بذلك شبهة تدليسه، وقد دلسه ابن إسحاق في رواية حماد بن سلمة فأسقط سليطًا من الإسناد، وأبهمه في رواية أبي معاوية وجرير بن عبد الحميد ويزيد بن هارون.
قال الدارقطني في رواية الجماعة: "وهو أشبه بالصواب".
وسليط بن أيوب بن الحكم الأنصاري المدني: لم يرو عنه سوى محمد بن إسحاق، وقيل: وخالد بن أبي نوف، وإنما يرويه خالد عن ابن إسحاق عن سليط، وذكره ابن حبان في الثقات. فهو في عداد المجهولين [انظر: التهذيب (٣/ ٤٥٠)، وقال في التقريب (٤٠٣): "مقبول"].
стр. 259
• ولإبراهيم بن سعد في هذا الحديث إسنادان آخران:
فقد رواه عن ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي سلمة، أن عبد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج حدثه، أنه سمع أبا سعيد الخدري ﵁ يحدث … فذكر الحديث.
أخرجه سمويه في بعض الثالث من فوائده (١٨)، والقاسم بن ثابت السرقسطي في الدلائل (١٥٦)، وابن جرير الطبري في مسند ابن عباس من تهذيب الآثار (٢/ ٧٠٩/ ١٠٦٢)، والدارقطني (١/ ٣١ و ٣٢)، والبيهقي في الخلافيات (٣/ ٢٠٢/ ٩٧٤).
وعبد الله بن أبي سلمة الماجشون: ثقة من الثالثة.
• ثم رواه إبراهيم بن سعد مرة ثالثة: عن الوليد بن كثير، قال: حدثني عبد الله بن أبي سلمة، أن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع حدثه، أنه سمع أبا سعيد الخدري يحدث … فذكره.
أخرجه أحمد (٣/ ٨٦).
وقد روى هذه الأسانيد الثلاثة عن إبراهيم بن سعد: ابنه يعقوب، وهو: ثقة فاضل، روى له الجماعة.
فلا يبعد أن تكون هذه الأسانيد كلها محفوظة.
• وعليه: يكون قد رواه عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع: محمد بن كعب القرظي، وسليط بن أيوب، وعبد الله بن أبي سلمة.
ويكون للوليد بن كثير فيه شيخان: محمد بن كعب، وعبد الله بن أبي سلمة.
ولابن إسحاق فيه شيخان: عبد الله بن أبي سلمة، وسليط بن أيوب.
ولإبراهيم بن سعد فيه شيخان: ابن إسحاق، والوليد بن كثير. والله أعلم.
٢ - ورواه عبد العزيز بن مسلم القسملي، عن مطرف بن طريف، عن خالد بن أبي نوف، عن سليط، عن ابن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، قال: مررت بالنبي ﷺ وهو يتوضأ من بئر بضاعة، فقلت: أتتوضأ منها وهي يُطرح فيها ما يكره من النتن؟ فقال: "الماء لا ينجسه شيء".
أخرجه النسائي (١/ ١٧٤/ ٣٢٧)، وأحمد (٣/ ١٥ - ١٦)، وأبو بكر الأثرم في السنن (٤٩)، وسمويه في بعض الثالث من فوائده (١٦)، وأبو يعلى (٢/ ٤٧٦/ ١٣٠٤)، وابن جرير الطبري في مسند ابن عباس من تهذيب الآثار (٢/ ٧٠٥/ ١٠٥٢)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١٢) وسقط من إسناده سليط وكذا في الإتحاف (٥/ ٢٨٠/ ٥٤٠٥)، وفي أحكام القرآن (١/ ٩٢/ ٦٦)، وابن بشران في الأمالي (٣٨)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٥٧ - ٢٥٨)، وفي الخلافيات (٣/ ٢٠٤/ ٩٧٥)، والخطيب في الموضح (٢/ ٦٥ - ٦٦) وسقط من إسناده سليط مع كونه من طريق أحمد. والمزي في التهذيب (٨/ ١٨٧).
وعبد العزيز بن مسلم: بصري ثقة [التهذيب (٥/ ٢٥٨)، الميزان (٢/ ٦٣٥)].
ورواه: بكر بن خنيس [كوفي ضعيف. التهذيب (١/ ٥٠٣)، الميزان (١/ ٣٤٤)]، عن
стр. 260
مطرف، عن خالد بن نوف - أو: ابن أبي نوف -، عن ابن أبي سعيد، عن أبيه به مرفوعًا مختصرًا. ولم يذكر سليط بن أيوب في الإسناد.
أخرجه ابن عدي (٢/ ٢٦).
وخالفهما: أسباط بن محمد [كوفي ثقة، وهو ثبت فيما يروي عن مطرف بن طريف الكوفي. التهذيب (١/ ٢٣٠)]، ومحمد بن فضيل [كوفي صدوق]:
فروياه عن مطرف، عن خالد السجستاني، عن محمد بن إسحاق، عن سليط، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ في بئر بضاعة.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ١٦٩)، وابن جرير الطبري في مسند ابن عباس من تهذيب الآثار (٢/ ٧٠٥/ ١٠٥٢)، وابن أبي حاتم في المراسيل (٧١٩)، والخطيب في الموضح (٢/ ٦٦).
قال الدارقطني في العلل (١١/ ٢٨٨): "فرجع الحديث إلى ابن إسحاق وأرسله عن أبي سعيد".
قلت: وهو كما قال.
وقال أبو حاتم: "محمد بن إسحاق بن يسار - صاحب المغازي - بينه وبين سليط: رجل".
قلت: بل الرجل الساقط من الإسناد هو ما بين سليط وأبي سعيد الخدري، وهو: عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع.
وأما ابن إسحاق فقد سمع من سليط هذا الحديث، وثبت سماعه منه من طريق ثابتة صحيحة كما تقدم بيانه.
وخالد بن أبي نوف: روى عنه اثنان، ولم يوثقه غير ابن حبان، وقال أبو حاتم: "يروي ثلاثة أحاديث مراسيل" [التهذيب (٢/ ٥٣٩)، وقال في التقريب (٢٩٢): "مقبول"].
٣ - ورواه ابن أبي ذئب، عمن لا يتهم، عن عبد الله [وقيل: عبيد الله] بن عبد الرحمن العدوي، عن أبي سعيد الخدري، أنه قال: قيل لرسول الله ﷺ : إنك تتوضأ من بئر بضاعة، وهي يُطرح فيها ما ينجي الناسُ ولحومُ الكلاب والمحيضُ؟ فقال رسول الله ﷺ : "إن الماء لا ينجسه شيء". [قوله: "ما ينجي الناس"، يعني: ما يحدثون من القذر، قاله ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٢/ ٧٤٨)، وفي اللسان (١٥/ ٣٠٧): "أي: يلقونه من العذرة"، وفي رواية ابن إسحاق: "وعذر الناس"].
أخرجه الشافعي في المسند (١٦٥)، وفي اختلاف الحديث (١٠٤) إلا أنه قال: "عن الثقة عنده عمن حدثه أو عن عبيد الله بن عبد الرحمن"، وعبد الرزاق (١/ ٧٨/ ٢٥٥) إلا أنه قال: "عن رجل عن أبي سعيد" فأسقط عبيد الله. وابن جرير الطبري في مسند ابن عباس من تهذيب الآثار (٢/ ٧٠٤/ ١٠٥١)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٥٨)، وفي المعرفة (١/ ٣٢١/ ٣٨١ و ٣٨٢).
стр. 261
وقد تقدم أنه قد رواه عن عبيد الله بن عبد الرحمن: محمد بن كعب القرظي وسليط بن أيوب وعبد الله بن أبي سلمة الماجشون، ولم يُذكر لابن أبي ذئب رواية عن أحد منهم، فإن كان أحدهم، وإلا فالإسناد ضعيف؛ لأجل الرجل المبهم.
وقد رواه عن ابن أبي ذئب: جماعة من المتروكين [مثل: عبد الله بن ميمون القداح، وعدي بن الفضل] فجعلوه من مسند أبي هريرة، واختلفوا في إسناده على ابن أبي ذئب، قال الدارقطني في العلل (٨/ ١٥٧/ ١٤٧٦): "والحديث غير ثابت"، يعني: من حديث أبي هريرة، ونقله عنه ابن الجوزي في التحقيق (١/ ٤٢) لكن على حديث أبي سعيد فأوهم، فتعقبه ابن الملقن وابن حجر بأنهما لم يريا هذه القولة للدارقطني في علله ولا في السنن، وخفي عليهما أنها في مسند أبي هريرة من العلل [البدر المنير (١/ ٣٨٢)، التلخيص (١/ ١٣)]، وأما ابن عبد الهادي فقال في التنقيح (١/ ٣١) متعقبًا ابن الجوزي: "وما حكاه المؤلف عنه [يعني: عن الدارقطني] من قوله: والحديث غير ثابت، يريد به حديث أبي هريرة لا حديث أبي سعيد، كما صرح به في العلل"، ووقع ذلك الإيهام أيضًا من النووي في الخلاصة (٨).
٤ - طريف بن شهاب أبو سفيان السعدي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قال: كنا مع رسول الله ﷺ فأتينا على غدير فيه جيفة [وفي رواية: جيفة حمار]، فتوضأ بعض القوم، وأمسك بعض القوم حتى يجيء النبي ﷺ ، فجاء ﷺ في أخريات الناس، فقال: "توضؤوا واشربوا؛ فإن الماء لا ينجسه شيء".
أخرجه ابن ماجه (٥٢٠) لكن من مسند جابر. والطيالسي (٢١٥٥)، وأبو عبيد في الطهور (١٣٧)، وابن جرير الطبري في مسند ابن عباس من تهذيب الآثار (٢/ ٧٠٦/ ١٠٥٦) مرة عن أبي سعيد، ومرة على الشك. والطحاوي (١/ ١٢) شك الراوي: عن جابر أو عن أبي سعيد. وابن عدي (٤/ ١١٧)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٥٨)، وفي الخلافيات (٣/ ٢٠٦ و ٢٠٧/ ٩٧٨ و ٩٧٩) مرة عن أبي سعيد، ومرة على الشك.
رواه عن طريف: قيس بن الربيع وشريك بن عبد الله النخعي: وفيهما ضعف، ووقع في رواية شريك: مرة عن جابر، ومرة عن أبي سعيد، وثالثة عنهما على الشك.
قال البيهقي في السنن: "وأبو سعيد كأنه أصح"، وقال في طريف: "وليس هو بالقوي"، وقال في الخلافيات: "وطريف هو: ابن شهاب أبو سفيان السعدي: ليس بقوي".
قلت: هذا حديث منكر، لتفرد طريف بن شهاب به عن أبي نضرة، وبهذا السياق، فإن طريف بن شهاب: متروك، ليس بشيء، قال ابن عبد البر: "أجمعوا على أنه ضعيف الحديث"، وقال ابن عدي: "وإنما أنكر عليه في متون الأحاديث أشياء لم يأت بها غيره"، وقد أنكر عليه ابن عدي هذا الحديث في جملة ما ساقه له من مناكيره، وهو قد تفرد هنا بقصة الغدير، والحديث مشهور في قصة بئر بضاعة بالمدينة [التهذيب (٤/ ١٠٣)،
стр. 262
الميزان (٢/ ٣٣٦)، إكمال مغلطاي (٧/ ٥٩)، المعرفة والتاريخ (٢/ ٧٩٧)، الاستغناء (١٠٩٦)، الكامل (٤/ ١١٦)، المغني في الضعفاء (١/ ٤٩٩) وقال: "تركوه"، الكاشف (١/ ٥١٣)، التقريب (٤٦٣)، وقال: "ضعيف"].
وقد تقدم له معنا في السنن حديث آخر، منكر أيضًا، في "مفتاح الصلاة الطهور" تحت الحديث رقم (٦١).
• وللحديث إسناد آخر لكنه واهٍ بمرة، مسلسل بالمتروكين والضعفاء. انظر: تهذيب الآثار للطبري (٢/ ٧٠٧/ ١٠٥٧ - مسند ابن عباس).
• قال الدارقطني بعد أن ساق الاختلاف في إسناد هذا الحديث: "وأحسنها إسنادًا: حديث الوليد بن كثير عن محمد بن كعب، وحديث ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي سلمة" [العلل (١١/ ٢٨٨/ ٢٢٨٧)].
وقد تقدم ذكر من صحح الحديث من الأئمة.
وصححه الألباني - رحمه الله تعالى - في الإرواء (١٤) وغيره. وانظر: اختلاف الحديث (١١٠) للشافعي.
قال ابن القطان الفاسي في بيان الوهم (٣/ ٣٠٩) بعد أن ضعَّف حديث أبي سعيد في بئر بضاعة: "لحديث بئر بضاعة طريق حسن من غير رواية أبي سعيد، من رواية سهل بن سعد، سنذكره إن شاء الله في باب الأحاديث التي ساقها صحاحًا أو حسانًا ضعيفة من تلك الطرق، صحيحة أو حسنة من غيرها".
ثم وفى بوعده فقال هنالك (٥/ ٢٢٤/ ٢٤٣٥): "ونذكر الآن هنا أن له إسنادًا صحيحًا من رواية سهل بن سعد:
قال قاسم بن أصبغ: حدثنا ابن وضاح: حدثنا أبو علي عبد الصمد بن أبي سكينة الحلبي بحلب، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد، قالوا: يا رسول الله! إنك تتوضأ من بئر بضاعة، وفيها ما ينجي الناس والمحايض والخبث؟ فقال رسول الله ﷺ : "الماء لا ينجسه شيء".
قال قاسم: هذا من أحسن شيء في بئر بضاعة.
وقال محمد بن عبد الملك بن أيمن [يعني: في مستخرجه على أبي دواد]: حدثنا ابن وضاح، فذكره أيضًا بإسناده ومتنه.
قال ابن حزم: وعبد الصمد بن أبي سكينة: ثقة مشهور.
قال قاسم: ويُروى حديث عن سهل بن سعد في بئر بضاعة من طرق هذا خيرها فاعلم ذلك". انتهى كلامه.
وهذا الحديث أخرجه ابن حزم في المحلى (١/ ١٥٥) من طريق محمد بن عبد الملك به. وابن عبد البر في الاستذكار (١/ ١٦٢) من طريق قاسم بن أصبغ به.
قال ابن دقيق العيد في الإمام (١/ ١١٨): "قال أبو محمد ابن حزم في كتاب
стр. 263
الإيصال: عبد الصمد بن أبي سكينة: ثقة مشهور" [ونقله ابن الملقن في البدر (١/ ٣٨٥)].
وقال ابن عبد البر: "وهذا اللفظ كريب في حديث سهل، ومحفوظ من حديث أبي سعيد الخدري، لم يأت به في حديث سهل غير ابن أبي حازم، والله أعلم، وقال قاسم: هذا من أحسن شيء رُوي في بئر بضاعة" [وانظر: شرح سنن ابن ماجه (٢/ ٥٦٦)].
وقال ابن دقيق العيد في الإمام (١/ ١١٩): "وعبد الصمد هذا الذي ذكر ابن حزم أنه: ثقة مشهور، تتبعت تراجم من اسمه عبد الصمد في تاريخ الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن الدمشقي [يعني: ابن عساكر]، فلم أجد له في تلك التراجم ذكرًا".
وقال ابن حجر في التلخيص (١/ ١٤): "قلت: ابن أبي سكينة الذي زعم ابن حزم أنه مشهور، قال ابن عبد البر وغير واحد: إنه مجهول، ولم نجد عنه راويًا إلا محمد بن وضاح".
وقال أبو بكر بن مفوز المعافري: "مجهول العين والاسم، منكر الحديث والرواية، غير عدل ولا ثقة، إنما يعرف برواية ابن وضاح" [الذيل على ميزان الاعتدال (٥٥٣)].
وعليه: فهو حديث غريب؛ بل منكر.
ولا يعضده ما رواه الدارقطني (١/ ٢٩)، ومن طريقه: ابن الجوزي في التحقيق (١/ ٣٩):
من طريق: محمد بن موسى الحرشي [لين الحديث]: حدثنا فضيل بن سليمان النميري، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، عن النبي ﷺ قال: "الماء لا ينجسه شيء".
فإنه منكر أيضًا، وليس فيه ذكر لبئر بضاعة.
فقد خالفه: حسين بن محمد [هو: ابن بهرام التميمي المرُّوذي، نزيل بغداد: ثقة]، ومحمد بن زياد الزيادي [صدوق يخطئ]:
روياه عن فضيل بن سليمان، عن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، عن أمه، قالت: سمعت سهل بن سعد يقول: سقيت رسول الله ﷺ بيدي من بضاعة. وفي رواية الزيادي: شرب رسول الله ﷺ من بئر بضاعة.
أخرجه أحمد (٥/ ٣٣٧ - ٣٣٨)، والدارقطني (١/ ٣٢).
وهذا هو الصواب، ولا يحتمل فضيل بن سليمان النميري البصري هذا التعدد، فإنه: ليس بالقوي، وقد روى مناكير [التهذيب (٣/ ٣٩٨)، الميزان (٣/ ٣٦١)].
وقد روى جماعة من الثقات، عن حاتم بن إسماعيل [مدني صدوق]، عن محمد بن أبي يحيى، عن أمه، قالت: دخلنا على سهل بن سعد في نسوة، فقال: إني أسقيكم من بئر بضاعة، وقد سقيت النبي ﷺ من مائها.
وفي رواية: لو أني سقيتكم من بئر بضاعة لكرهتم ذلك، وقد والله سقيت رسول الله ﷺ بيدي من مائها.
أخرجه أبو بكر الأثرم في السنن (٥٥)، وسمويه في بعض الثالث من فوائده (٢٠)،
стр. 264
وأبو يعلى (١٣/ ٥١١/ ٧٥١٩) وقال: أبيه، بدل: أمه. والروياني (١١٢١)، والطحاوي (١/ ١٢)، والطبراني في الكبير (٦/ ٢٠٧/ ٦٠٢٦) وفيه: عن أبيه. وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (٣/ ٣٩١ - ٣٩٢)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ٤٠١) و (٢/ ١٣٩)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٥٩) وفيه: عن أبيه. وفي المعرفة (١/ ٣٢٣/ ٣٨٤) بنفس الإسناد وقال: عن أمه.
قلت: ومن قال: "عن أبيه" فقد وهم، وأما الذي في إسناد البيهقي فهو خطأ، صوابه: عن أمه، كما في المعرفة له، وكما في تهذيب السنن الكبرى للذهبي (١/ ٢٦١)، وكما في نصب الراية (١/ ١١٣).
قال البيهقي في السنن: "وهذا إسناد حسن موصول".
قلت: محمد بن أبي يحيى الأسلمي المدني: صدوق، وأمه: قال ابن حزم:
"مجهولة"، وقال في موضع آخر: "ولا يدرى من هي"، وقال ابن حجر: "مقبولة" [المحلى (٧/ ٣٥٧ و ٣٦٥)، البدر المنير (٩/ ٢٧٩)، التهذيب (٤/ ٧٠٤)، الميزان (٤/ ٦١٥)، التقريب (٧٧٤)]، فلعل البيهقي تسهل في أمرها لكونها تابعية، والله أعلم.
وانظر في الأوهام: طبقات ابن سعد (١/ ٥٠٥).
وروى عبد المهيمن بن عباس بن سهل، عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ برَّك في بئر بضاعة، وبصق فيها.
أخرجه الروياني (١١٠١)، والطبراني في الكبير (٦/ ١٢٢/ ٥٧٠٤).
وإسناده ضعيف جدًّا؛ عبد المهيمن بن عباس: منكر الحديث، روى عن آبائه أحاديث منكرة [التهذيب (٣/ ٦٣٠)].
• وروى عبد الله بن عثمان بن إسحاق بن سعد بن أبي وقاص [ليس بقوي. التهذيب (٢/ ٣٨٢)، الكاشف (١/ ٥٧٢)]، قال: سمعت من أبي أمي مالك بن حمزة بن أبي أسيد [روى له البخاري حديثًا في الضعفاء بهذا الإسناد، وقال: "لا يتابع عليه"، وقال ابن القطان: "لا تعرف له حال"، التهذيب (٤/ ١٠)، الميزان (٣/ ٤٢٥)، المغني (٢/ ٥٣٧)، بيان الوهم (٤/ ٤١٤)]، يحدث عن أبيه [صدوق]، عن جده أبي أسيد الساعدي الخزرجي، قال: وله بئر بالمدينة يقال لها بئر بضاعة، قد بصق فيها النبي ﷺ فهو يبشر بها ويتيمن بها … في حديث طويل في قصة الغول.
أخرجه الطبراني في الكبير (١٩/ ٢٦٣/ ٥٨٥)، ولا يصح.
وانظر: طبقات ابن سعد (١/ ٥٠٥).
***
قال أبو داود: وسمعت قتيبة بن سعيد قال: سألت قيِّم بئر بضاعة عن عمقها؟ قال: أكثر ما يكون فيها الماء إلى العانة. قلت: فإذا نقص؟ قال: دون العورة.
قال أبو داود: وقدَّرت أنا بئر بضاعة بردائي، مددته عليها ثم ذرعته، فإذا
стр. 265
عرضها ستة أذرع، وسألت الذي فتح لي باب البستان فأدخلني إليه: هل غُيِّر بناؤها عما كانت عليه؟ قال: لا. ورأيت فيها ماءً متغير اللون.
رواه من طريق أبي داود: البيهقي في السنن (١/ ٢٦٥)، وفي الخلافيات (٣/ ٢٠٥/ ٩٧٦).
قال الرافعي في الشرح الكبير (١/ ١٩): "وكان ماء هذه البئر كنقاعة الحناء" [وانظر: تلبيس إبليس لابن الجوزي (١٦٧)، المنتظم (١٧/ ٢٥)، المغني (١/ ٢٦)].
قال ابن الملقن في البدر المنير (١/ ٣٩٠): "وهذا غريب جدًّا، لم أَرَه بعد البحث، وسؤال بعض الحفاظ عنه، وهذا الوصف لا أعلمه يلقى إلا في صفة البئر التي سُحِر فيها رسول الله ﷺ ، وهي: بئر ذروان".
وقال ابن حجر: "هذا الوصف لهذه البئر لم أجد له أصلًا، … ، وفي الجملة لم يرد ذلك في بئر بضاعة" [التلخيص (١/ ١٥)].
قلت: ورد هذا الوصف لماء بئر ذروان، قال فيه النبي ﷺ : "لكأن ماءها نقاعة الحناء، ولكأن نخلها رؤوس الشياطين": أخرجه البخاري (٣٢٦٨ و ٥٧٦٣ و ٥٧٦٥ و ٥٧٦٦ و ٦٠٦٣ و ٦٣٩١)، ومسلم (٢١٨٩).
• تنبيه:
قال ابن حجر في الفتح (١١/ ٣٤): "وقال الإسماعيلي: في هذا الحديث بيان أن بئر بضاعة بئر بستان، فيدل على أن قول أبي سعيد في حديثه -يعني: الذي أخرجه أصحاب السنن-: "أنها كانت تُطرح فيها خرق الحيضر وغيرها": أنها كانت تُطرح في البستان؛ فيُجريها المطر ونحوه إلى البئر".
وقال الخطابي في معالم السنن (١/ ٣٢): "قد يتوهم كثير من الناس إذا سمع هذا الحديث أن هذا كان منهم عادة، وأنهم كانوا يأتون هذا الفعل قصدًا وتعمدًا، وهذا ما لا يجوز أن يظن بذمي بل بوثني فضلًا عن مسلم، ولم يزل من عادة الناس قديمًا وحديثًا مسلمهم وكافرهم تنزيه المياه وصونها عن النجاسات، فكيف يظن بأهل ذلك الزمان، وهم أعلى طبقات أهل الدين وأفضل جماعة المسلمين، والماء في بلادهم أعز، والحاجة إليه أمسُّ أن يكون هذا صنيعهم بالماء وامتهانهم له، وقد لعن رسول الله ﷺ مَن تغوط في موارد الماء ومشارعه، فكيف من اتخذ عيون الماء ومنابعه رصدًا للأنجاس ومطرحًا للأقذار، هذا ما لا يليق بحالهم، وإنما كان هذا من أجل أن هذه البئر موضعها في حدور من الأرض، وأن السيول كانت تكسح هذه الأقذار من الطرق والأفنية، وتحملها فتلقيها فيها، وكان الماء لكثرته لا يؤثر فيه وقوع هذه الأشياء، ولا يغيره، فسألوا رسول الله ﷺ عن شأنها ليعلموا حكمها في الطهارة والنجاسة، … ".
وانظر: البيان في شرح المهذب (١/ ٢٦).
стр. 266
٣٥ - باب الماء لا يجنب
٦٨ - . . . سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة، فجاء النبي ﷺ ليتوضأ منها أو يغتسل، فقالت له: يا رسول الله! إني كنت جنبًا، فقال رسول الله ﷺ : "إن الماء لا يُجنِب".
• حديث صحيح
وفي رواية النسائي: "إن الماء لا ينجسه شيء" وهو لفظ سفيان الثوري، وبنحوه لفظ شعبة، وفي رواية الدارمي: "إنه ليس على الماء جنابة" وفي سنده ضعف.
أخرجه الترمذي (٦٥)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٥٤)، والنسائي (١/ ١٧٣/ ٣٢٥)، وابن ماجه (٣٧٠ و ٣٧١)، والدارمي (١/ ٢٠٣/ ٧٣٤ و ٧٣٥)، وابن خزيمة (١/ ٤٨ و ٥٧ - ٥٨/ ٩١ و ١٠٩)، وابن حبان (٤/ ٤٧ و ٤٨ و ٥٦ و ٧٣ و ٨٤/ ١٢٤١ و ١٢٤٢ و ١٢٤٨ و ١٢٦١ و ١٢٦٩)، والحاكم (١/ ١٥٩)، وابن الجارود (٤٨ و ٤٩)، وأحمد (١/ ٢٣٥ و ٢٨٤ و ٣٠٨ و ٣٣٧)، وإسحاق بن راهويه (٤/ ٢١٣/ ٢٠١٧ و ٢٠١٨)، وعبد الرزاق (١/ ١٠٩/ ٣٩٦ و ٣٩٧)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٨ و ١٣٢/ ٣٥٣ و ١٥١٤) و (٧/ ٢٨١/ ٣٦٠٩٣)، والبزار (١/ ١٣٢/ ٢٥٠ - كشف الأستار)، وأبو يعلى (٤/ ٣٠١/ ٢٤١١)، وابن جرير الطبري في مسند ابن عباس من تهذيب الآثار (٢/ ٦٩١ - ٦٩٣/ ٢٦ - ٣١)، وابن المنذر (١/ ٢٦٨ و ٢٩٦/ ١٨٧ و ٢١٢)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٢٦)، والطبراني في الكبير (١١/ ٢١٩/ ١١٧١٤ - ١١٧١٦)، وابن شاهين في الناسخ (٥٥ و ٥٧)، والبيهقي في السنن (١/ ١٨٨ و ١٨٩ و ٢٦٧)، وفي الخلافيات (٣/ ٧٨ - ٧/ ٩٠٧ - ٩٠٩)، وفي المعرفة (١/ ٣٣٣/ ٤٠٧)، وابن عبد البر في التمهيد (١/ ٣٣٣)، والخطيب في التاريخ (١٠/ ٤٢٣)، وفي الأسماء المبهمة (٣٠٠)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٣٩ و ١١/ ٤٨ و ٢٤ و ٢٥).
رواه عن سماك: شعبة، وسفيان الثوري، وأبو الأحوص، وحماد بن سلمة، وإسرائيل بن أبي إسحاق، وشريك بن عبد الله النخعي، وعنبسة بن سعيد بن الضريس الكوفي قاضي الري أوهم: ثقات، وشريك: سيئ الحفظ،، وأسباط بن نصر [ليس بالقوي. التهذيب (١/ ١٠٩)]، ويزيد بن عطاء اليشكري [ليس بالقوي. التهذيب (٤/ ٤٢٤)]، وسعيد بن سماك بن حرب [متروك. الميزان (٢/ ١٤٣)، اللسان (٣/ ٤١)].
وقال في رواية عنبسة: بلغني أن بعض أزواج النبي ﷺ .
وانظر فيمن وهم فيه على إسرائيل: تهذيب الآثار للطبري (٢/ ٦٩٥/ ١٠٣٣ - مسند ابن عباس).
стр. 267
• وقد اختلف فيه على شعبة وسفيان وشريك وحماد:
• أما حماد بن سلمة:
فأرسله عنه، ولم يذكر ابن عباس:
أبو داود الطيالسي [ثقة حافظ]، وحجاج بن منهال [ثقة]، ومحمد بن كثير الثقفي الصنعاني [صدوق كثير الغلط]:
رووه عن حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، أن رسول الله ﷺ . . . فذكره.
أخرجه أبو عبيد في الطهور (١٥٣)، وابن جرير الطبري في مسند ابن عباس من تهذيب الآثار (٢/ ٦٩٧ و ٦٩٨/ ١٠٣٨ و ١٠٣٩).
ورواه عن حماد موصولًا: يحيى بن إسحاق السيلحيني [ثقة].
أخرجه الطبراني (١١٧١٥).
فإما أن تكون رواية الجماعة هي الصواب: مرسل، أو يكون حماد بن سلمة حدث به مرة هكذا، ومرة هكذا، والله أعلم.
قال أبو عبيد: "هكذا حديث حماد، عن سماك، عن عكرمة: مرسل، عن النبي ﷺ ، وكان سفيان بن سعيد -فيما أعلم- يرويه عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، وكان شريك يحدثه على ما ذكرناه: عن ابن عباس، عن ميمونة، عن النبي ﷺ .
• وأما شريك:
فجل أصحابه رواه عنه بزيادة ميمونة في الإسناد - جعله من مسند ميمونة -:
رواه عنه هكذا: أبو غسان مالك بن إسماعيل، وأبو داود الطيالسي، ويحيى بن آدم، وعلي بن الجعد، وأبو النضر هاشم بن القاسم، ومحمد بن سعيد الأصبهاني، وشاذان الأسود بن عامر، وإسحاق بن منصور السلولي، ويحيى بن حسان التنيسي، والحسن بن الربيع البجلي، والحسن بن عطية بن نجيح القرشي، وعاصم بن علي، ويحيى بن عبد الحميد الحماني، وغيرهم:
رووه عن شريك، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن ميمونة به.
أخرجه ابن ماجه (٣٧٢)، والطيالسي (١٦٢٥)، وابن سعد في الطبقات (٨/ ١٣٧)، وإسحاق بن راهويه (٤/ ٢١٢/ ٢٠١٦)، وأبو عبيد في الطهور (١٤٩ و ١٥٠)، وأبو يعلى (١٣/ ١٤/ ٧٠٩٨)، وابن جرير الطبري في مسند ابن عباس من تهذيب الآثار (٢/ ٦٩٥ و ٦٩٦/ ١٠٣٢ و ١٠٣٤ و ١٠٣٥)، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (٢٣٣٣)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٤٢٥/ ١٠٣٠ و ١٠٣١) و (١٧/ ٢٤ و ١٨/ ٣٤ و ٣٦ و ٣٧)، وابن شاهين في الناسخ (٥٨)، والخطيب في الأسماء المبهمة (٣٥٥)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٢/ ٢٧/ ٢٥٩)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٤٨/ ٢٦).
стр. 268
وخالفهم حجاج بن محمد المصيصي [ثقة ثبت]، فرواه عنه كالجماعة إلا أنه عيَّن زوج النبي ﷺ وسماها ميمونة.
أخرجه أحمد (١/ ٣٣٧).
ورواية الجماعة أولى بالصواب من رواية الواحد؛ إلا أن يكون شريكًا رواه مرة هكذا ومرة هكذا، ولا يبعد ذلك عليه فإنه كان سيئ الحفظ.
وهذا وهم ظاهر من شريك في الإسناد بزيادة ميمونة فيه.
وأما سفيان الثوري:
فرواه أبو عامر العقدي، قال: حدثنا سفيان، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن بعض أزواج النبي ﷺ .
أخرجه ابن جرير الطبري في مسند ابن عباس من تهذيب الآثار (٢/ ٦٩٦ - ٦٩٧/ ١٠٣٦).
وخالفه: عبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجراح، وعبيد الله بن موسى العبسي، وعبد الرزاق بن همام الصنعاني، وقبيصة بن عقبة، والقاسم بن يزيد الجرمي، وأبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي، وأبو أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير الزبيري، وعبد الله بن الوليد بن ميمون العدني:
رووه عن سفيان، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن بعض أزواج النبي ﷺ اغتسلت من الجنابة، فتوضأ النبي ﷺ بفضلها، … الحديث.
وهذا هو المحفوظ عن الثوري.
فإن قيل: قال أحمد وإسحاق بأن وكيعًا حدَّث به أولًا عن سفيان عن سماك عن عكرمة، ثم زاد فيه بعدُ: عن ابن عباس.
فيقال: قصَّر فيه وكيع، فلما رأى أصحاب سفيان يروونه عن ابن عباس، رجع إلى قولهم، والله أعلم.
ولعله لهذا المعنى نقل ابن رجب عن الإمام أحمد إعلاله بالإرسال، فقال في الفتح (١/ ٢٨٤): "وأعله الإمام أحمد، بأنه روي عن عكرمة: مرسلًا"، والله أعلم [وانظر أيضًا: الإمام لابن دقيق العيد (١/ ١٤٦)].
وانظر في الأوهام: الأسماء المبهمة (٢٩٩).
• وأما شعبة:
فوصله عنه: محمد بن بكر البرساني [ثقة].
وخالفه: محمد بن جعفر، غندر [ثقة من أصحاب شعبة، لازمه عشرين سنة]، قال: حدثنا شعبة، عن سماك، عن عكرمة، عن النبي ﷺ : أنه أراد أن يتوضأ، فقالت امرأة من نسائه: إني توضأتُ منه، فتوضأ منه، وقال: "إن الماء لا ينجسه شيء".
стр. 269
أخرجه ابن جرير الطبري في مسند ابن عباس من تهذيب الآثار (٢/ ٦٩٧/ ١٠٣٧)، بإسناد صحيح إلى غندر، هكذا مرسلًا.
قال البزار: "لا نعلم أسنده عن شعبة، إلا محمد بن بكر، وأرسله غيره".
وقال الدارقطني في العلل (١٥/ ٢٦١/ ٤٠١٠): "واختلف عن شعبة:
فرواه محمد بن بكر، عن شعبة، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس.
وغيره يرويه: عن شعبة، عن سماك، عن عكرمة مرسلًا، عن النبي ﷺ .
وقال ابن عبد البر: "إلا أن جل أصحاب شعبة يروونه عنه عن سماك عن عكرمة مرسلًا، ووصله عنه محمد بن بكر".
قلت: وعليه فالمحفوظ عن شعبة: مرسل.
[وانظر: الأوهام فيه على شعبة من الضعفاء والمتروكين: جزء الألف دينار (٢٦٦)].
واعتمد ابن حجر رواية الوصل، فقال في الفتح (١/ ٣٦٠): "وقد أعله قوم بسماك بن حرب راويه عن عكرمة؛ لأنه كان يقبل التلقين، لكن قد رواه عنه شعبة وهو لا يحمل عن مشايخه إلا صحيح حديثهم".
قلت: قد رواه موصولًا: سفيان الثوري، وأبو الأحوص، وإسرائيل بن أبي إسحاق، وعنبسة بن سعيد بن الضريس، وشريك بن عبد الله النخعي.
والثوري أحفظ القوم، والقول: قوله ومن تابعه.
وقول ابن حجر هذا يرد على من ضعَّف الحديث بسماك، مثل الحازمي حيث قال: "لا يعرف مجوَّدًا إلا من حديث سماك بن حرب عن عكرمة، وسماك مختلف فيه، وقد احتج به مسلم" [التلخيص (١/ ١٦)].
وقال ابن حزم في المحلى (١/ ٢١٤) بعد أن قال بأن هذا الحديث لا يصح، وأعله بقوله: "رواية سماك بن حرب وهو يقبل التلقين، شهد عليه بذلك شعبة وغيره، وهذه جرحة ظاهرة".
قال ابن عبد البر: "وقد وصله جماعة عن سماك، منهم: الثوري، وحسبك بالثوري حفظًا وإتقانًا … ، ثم رواه من طريقه ثم قال: وهكذا رواه أبو الأحوص وشريك، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا، وكل من أرسل هذا الحديث فالثوري أحفظ منه، والقول فيه: قول الثوري، ومن تابعه على إسنادها.
إذا تبين هذا، وهو أن الحديث محفوظ عن: سماك عن عكرمة عن ابن عباس: متصلًا مرفوعًا.
فلا حجة لأحد في إعلاله بتلقين سماك.
ذلك أنه قد رواه عن سماك من لم يكن يروج عليه ما يلقنه سماك، وهم ممن حملوا عن سماك صحيح حديثه دون ما أخطأ فيه، وهم: شعبة والثوري، لكنهما اختلفا، فأرسله شعبة، ووصله الثوري، وهو أحفظ الرجلين، فالقول قوله، وقد تابعه على ذلك جماعة من الثقات [وانظر: علل الحديث لابن أبي حاتم (٢/ ١٠٦ و ٤٤٤)].
стр. 270
وأكثر ما نُقِم على سماك هو التلقين؛ لذا فقد ضُعِّف بسببه، وقد أمناه هنا؛ لأن شعبة وسفيان كانا يحملان عنه صحيح حديثه فهما من قدماء من روى عنه.
قال يعقوب بن شيبة السدوسي: "ومن سمع منه قديمًا مثل شعبة وسفيان: فحديثهم عنه صحيح مستقيم".
وقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (١/ ١٦٠): "وحديث شعبة عن سماك: صحيح؛ لأن سماكًا كان يقبل التلقين، وكان شعبة لا يقبل منه حديثًا" يعني: مما تلقنه، ولا يأخذ عنه إلا صحيح حديثه، وهذا على اعتبار رواية الوصل.
ومما نُقم على سماك أيضًا: اضطرابه في حديث عكرمة، ذلك لأنه كان يقول فيه: عن ابن عباس، وقد أمنا خطأه هنا لما قد علمت، أعني لمجيئه من طريق سفيان عنه، فإنه كان يميز ذلك منه.
قال ابن المديني: "روايته عن عكرمة مضطربة، فسفيان وشعبة يجعلونها عن عكرمة، وأبو الأحوص وإسرائيل يجعلونها عن عكرمة عن ابن عباس" [تاريخ دمشق (٤١/ ٩٧)، شرح علل الترمذي (٢/ ٧٩٧)، التهذيب (٣/ ٥١٧)، الميزان (٢/ ٢٣٢)].
وأما قول الذهبي في السير (٥/ ٢٤٨) في سلسلة إسناد: سماك عن عكرمة عن ابن عباس: "لا ينبغي أن تُعدَّ صحيحةَ لأن سماكًا إنما تُكُلِّم فيه من أجلها".
فإن هذا ليس على إطلاقه؛ فإن قامت قرائن تدل على صحتها فهي صحيحة كحالتنا هذه، لا سيما وقصة اغتسال النبي ﷺ بفضل ميمونة مخرجة في صحيح مسلم (٣٢٣) من حديث ابن عباس، وإنما زاد فيه سماك هذه الزيادة: "إن الماء لا يجنب"، أو "لا ينجسه شيء"، وهي زيادة من ثقة فوجب قبولها.
إذا ظهر هذا فقد بطلت حجة من أعل الحديث بتلقين سماك، مثل: ابن حزم وابن القطان الفاسي [انظر: بيان الوهم (٢/ ٤٢٨/ ٤٣٧) و (٤/ ٥٢/ ١٤٨٩)، الأحكام الوسطى (١/ ١٥٩)].
وظهرت حجة من صحح الحديث، مثل: الترمذي والحاكم والبيهقي وغيرهم، وقبل سياق كلام من صحح الحديث نسوق كلام ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٤٣/ ٩٥) حيث قال: "سألت أبا زرعة عن حديث رواه سفيان، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن بعض أزواج النبي ﷺ اغتسلت من جنابة فجاء النبي ﷺ فقالت له، فتوضأ بفضلها، وقال: "الماء لا ينجسه شيء".
ورواه شريك، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن ميمونة.
فقال: الصحيح: عن ابن عباس عن النبي ﷺ ، بلا ميمونة".
فلو كان للحديث علة لذكرها وبيَّنها.
وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح، وهو قول سفيان الثوري ومالك والشافعي".
стр. 271
وقال ابن جرير الطبري: "وهذا خبر عندنا صحيح سنده"، وقال في حديث ابن عمر في القلتين وحديث ابن عباس هذا: "كلا الخبرين عندنا صحيح" [التهذيب (٢/ ٦٩٣ و ٧٣٦)].
وقال الحاكم: "قد احتج البخاري بأحاديث عكرمة، واحتج مسلم بأحاديث سماك بن حرب، وهذا حديث صحيح في الطهارة، ولم يخرجاه، ولا يحفظ له علة".
وقال البيهقي في الخلافيات بعد أن نقل كلام الحاكم على رواية شعبة الموصولة: "وهكذا رواه سفيان الثوري عن سماك، ورُوي مرسلًا، ومن أسنده أحفظ".
وقد احتج به النسائي، وسكت عليه أبو داود، وصححه ابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود.
وقال ابن حجر في الفتح (١/ ٣٤٢): "وهو حديث صحيح".
وصححه النووي في شرح أبي داود [الفيض (٢/ ٣٨٤)].
وانظر: علل الدارقطني (١٥/ ٢٦١/ ٤٠١٠).
• تنبيه:
لا يُعل حديث سماك هذا بما رواه: حُصَيْن عن عكرمة، قال: قلت له: الحمام يدخله المجوس والجنب؟ فقال: الماء طهور لا ينجسه شيء.
وفي رواية: عن حصين، قال: سألت عكرمة عن الحمام يدخله الجنب واليهودي والنصراني والمجوسي ونحو ذلك؟ فقال: إن الماء لا ينجسه شيء.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١١٤٣/١٠٢) عن هشيم عن حصين به. وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (٢٩٩٨) من طريق أبي جعفر الرازي عن حصين به.
فإن رواية حصين هذه وقعت جوابًا عن سؤال، وفتوى لمستفتٍ، فلا حرج حينئذ على المفتي أن يذكر الحكم مباشرة دون دليله، وأما رواية سماك فقد وقعت رواية لحديث ابن عباس: أن بعض أزواج النبي ﷺ اغتسلت من الجنابة، فتوضأ النبي ﷺ بفضلها، فهو رواية وليس فتوى، فضلًا عن كون سماك قد حكى فيه قصة مما يدل على حفظه للحديث وضبطه له، والله أعلم.
• وفي الباب، مما لا يصح، فنذكره إجمالًا على سبيل الاختصار:
١ - عن عائشة: [مسند البزار (١/ ١٣٢ - كشف)، مسند أبي يعلى (٨/ ٢٠٣/ ٤٧٦٥)، تهذيب الآثار للطبري (٢/ ٧٠٩/ ١٠٦٠ - مسند ابن عباس)، المعجم الأوسط للطبراني (٢/ ٣١٨/ ٢٠٩٣)، الكامل (٦/ ٤٣٩)، التمهيد (١/ ٣٣٣)].
والمحفوظ: موقوف، قال ابن رجب في الفتح (١/ ٢٨٥): "والصحيح: أنه موقوف على عائشة".
٢ - سلمة بن المحبق: [تاريخ أصبهان (٢/ ٣٤٤)] وفي إسناده جون بن قتادة: وهو مجهول، وقد سمع منه الحسن البصري [التهذيب (١/ ٣٢٠)]. وتفرد به بكر بن بكار القيسي عن شعبة، وبكر هذا: ضعيف [التهذيب (١/ ٢٤١)] اللسان (٢/ ٣٩)].
стр. 272
٣ - ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : "الماء طهور؛ إلا ما غلب على ريحه، أو على طعمه".
أخرجه الدارقطني (١/ ٢٨)، ومن طريقه: ابن الجوزي في التحقيق (١/ ٤٠/ ١٣).
وفي إسناده: رشدين بن سعد: وهو ضعيف، وقد اختلف عليه فيه، والصواب أنه من مراسيل راشد بن سعد، أو موقوف عليه قوله، وهو: حمصي تابعي ثقة.
٤ - معاذ بن جبل قال: أمرنا رسول الله ﷺ إذا وجدنا الماء لم يتغير طعمه ولا ريحه أن نتوضأ منه ونشرب.
أخرجه ابن جرير الطبري في مسند ابن عباس من تهذيب الآثار (٢/ ٧١٦/ ١٠٧٥).
وفيه سنده انقطاع، وفيه بقية بن الوليد، وقد عنعنه، واختلف عليه في إسناده.
٥ - أبو أمامة الباهلي قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الماء لا ينجسه شيء؛ إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه".
أخرجه ابن ماجه (٥٢١)، وعبد الرزاق (١/ ٨٠/ ٢٦٤)، وابن جرير الطبري في مسند ابن عباس من تهذيب الآثار (٢/ ٧١٦ و ٧١٧/ ١٠٧٦ و ١٠٧٧)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١٦)، والطبراني في الكبير (٨/ ١٠٤/ ٧٥٠٣)، وفي الأوسط (١/ ٢٢٦/ ٧٤٤)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٣٨٩) و (٣/ ١٥٦)، والدارقطني (١/ ٢٨ و ٢٩)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٥٩ و ٢٦٠)، وفي المعرفة (١/ ٣٢٥ - ٣٢٦/ ٣٩١)، وفي الخلافيات (٣/ ٢١١ - ٢١٤/ ٩٨١ - ٩٨٣)، وابن الجوزى في التحقيق (١/ ٤١/ ١٤).
وله طرق، ولا يصح منها شيء، كلها معلولة، واختلف فيه على راشد بن سعد [تابعي ثقة، كثير الإرسال]، والصحيح: أنه من قول راشد، أو من مراسيله، والله أعلم.
فقد روى عيسى بن يونس [ثقة مأمون]، وأبو معاوية محمد بن خازم [ثقة]، وأبو إسماعيل المؤدب إبراهيم بن سليمان بن رزين [صدوق]، وغيرهم:
عن الأحوص بن حكيم، عن راشد بن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ : "الماء لا ينجسه شيء؛ إلا ما غلب عليه ريحه أو طعمه": مرسل.
أخرجه عبد الرزاق (١/ ٨٠/ ٢٦٤)، وأبو مسهر في نسخته (٦)، والطحاوي (١/ ١٦)، والدارقطني (٢٨ و ٢٩).
ووقفه أبو أسامة على راشد:
أبو أسامة [حماد بن أسامة: ثقة ثبت]: حدثنا الأحوص بن حكيم، عن أبي عون وراشد بن سعد، قالا: الماء لا ينجسه شيء؛ إلا ما غير ريحه أو طعمه.
أخرجه الدارقطني (٢٩).
ولا يصح أيضًا عن راشد؛ فإن الأحوص بن حكيم: ضعيف.
قال الإمام الشافعي في اختلاف الحديث (٨٧): "وما قلت من أنه إذا تغير طعم الماء أو ريحه أو لونه كان نجسًا: يُروى عن النبي ﷺ من وجه لا يُثبت مثلَه أهلُ الحديث، وهو قول العامة، لا أعلم بينهم فيه اختلافًا" [ونقله البيهقي في السنن والمعرفة].
стр. 273
وقال الإمام أحمد لما سئل عن الماء إذا تغير طعمه وريحه؟: "لا يتوضأ به ولا يشرب، وليس فيه حديث".
قال الخلال: "إنما قال أحمد: ليس فيه حديث؛ لأن هذا الحديث يرويه حفص بن عمر، ورشدين بن سعد، وكلاهما: ضعيف" [المغني لابن قدامة (١/ ٣١)].
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الطهور (٢٣٧): "وقد سمعنا في الطعم والريح حديثًا مرفوعًا … [ثم ذكر طرفًا من إسناده برقم (١٧٥)، ثم قال:] غير أنه ليس مما يحتج به أهل الحديث".
وقال أبو حاتم: "ورشدين ليس بقوي، والصحيح مرسل" [العلل (١/ ٤٤/ ٩٧)].
وقال الطحاوي: "هذا منقطع، وأنتم لا تثبتون المنقطع ولا تحتجون به".
وقال ابن عدي: "وهذا الحديث ليس يوصله عن ثور إلا حفص بن عمر، ورواه رشدين بن سعد عن معاوية بن صالح عن راشد بن سعد عن أبي أمامة موصولًا أيضًا، ورواه الأحوص بن حكيم مع ضعفه عن راشد بن سعد عن النبي ﷺ مرسلًا، ولا يذكر أبا أمامة" ثم قال: "ولحفص بن عمر هذا غير ما ذكرت من الحديث، وأحاديثه كلها إما منكر المتن، أو منكر الإسناد، وهو إلى الضعف أقرب" هكذا أنكره على حفص بن عمر هذا، ثم أخرجه في ترجمة رشدين بن سعد منكرًا عليه به أيضًا.
وقال الدارقطني: "ولا يثبت هذا الحديث" [التلخيص (١/ ١٧)، البدر المنير (١/ ٤٠١)].
وقال في السنن: "لم يرفعه غير رشدين بن سعد عن معاوية بن صالح، وليس بالقوي، والصواب من قول راشد".
وقال البيهقي: "والحديث غير قوي، إلا أنا لا نعلم في نجاسة الماء إذا تغير بالنجاسة خلافًا، والله أعلم".
وقال ابن الجوزي في التحقيق: "هذا حديث لا يصح".
وقال النووي في المجموع (١/ ١٦٣): "ضعيف لا يصح الاحتجاج به، … ، واتفقوا على ضعفه"، وفي التلخيص (١/ ١٧): "اتفق المحدثون على تضعيفه"، وضعَّف منه الاستثناء فقط في الخلاصة (٢٧).
وقال مغلطاي في شرح سنن ابن ماجه (٢/ ٥٦٨): "هذا حديث إسناده ضعيف".
وقال ابن الملقن في البدر المنير (١/ ٤٠١): "فتلخَّص أن الاستثناء المذكور: ضعيف، لا يحل الاحتجاج به؛ لأنه ما بين مرسل وضعيف"، ونقل أيضًا الاتفاق على تضعيفه (١/ ٤٠٣).
وممن ضعفه أيضًا: الحافظ العراقي [الفيض (٢/ ٣٨٣)]، والألباني، وغيرهم.
• نكتة:
قال الشيرازي في المهذب: "فنصَّ على الطعم والريح، وقسنا اللون عليهما لأنه في
стр. 274
معناهما"، فتعقبه النووي في المجموع (١/ ١٦٣): "فكأنه قاله لأنه لم يقف على الرواية التي فيها اللون، وهي موجودة في سنن ابن ماجه والبيهقي كما قدمنا، فإن قيل: لعله رآها فتركها لضعفها، قلنا: هذا لا يصح لأنه لو راعى الضعف واجتنبه لترك جملة الحديث لضعفه المتفق عليه، والله أعلم" [وانظر: البدر المنير (١/ ٤٠٣)].
• وحاصل ما تقدم:
أن حديث: "إن الماء طهور لا ينجسه شيء": حديث صحيح، وأما الاستثناء فيه فلا يصح، وقد نقل العلماء الإجماع على معناه، كما تقدم عن الشافعي والبيهقي [وانظر: الأم (١/ ٤)].
وقال ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٢/ ٧١٥ - مسند ابن عباس): "مع إجماع جميعهم على: أن الماء ينجس بغلبة لون النجاسة عليه أو طعمه أو ريحه".
وقال ابن المنذر في الأوسط (١/ ٢٦٠ و ٢٦١): "أجمع أهل العلم على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة، فغيرت النجاسة الماء طعمًا أو لونًا أو ريحًا: أنه نجس ما دام كذلك، ولا يجزئ الوضوء والاغتسال به.
وأجمعوا على أن الماء الكثير … إذا وقعت فيه نجاسة فلم تغير له لونًا ولا طعمًا ولا ريحًا: أنه بحاله في الطهارة قبل أن تقع فيه النجاسة" [وانظر: الإجماع لابن المنذر (١٧ و ١٨)، الإقناع في مسائل الإجماع لابن القطان الفاسي (٢٩٣ - ٢٩٨)].
وقال ابن حبان بعد حديث القلتين لابن عمر (١٢٤٩): "قوله ﷺ : "الماء لا ينجسه شيء" لفظة أطلقت على العموم، تستعمل في بعض الأحوال، وهو المياه الكثيرة التي لا تحتمل النجاسة فتطهر فيها، وتخص هذه اللفظة التي أطلقت على العموم ورودُ سُنَّة، وهو قوله ﷺ : "إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء".
ويخص هذين الخبرين: الإجماع على أن: الماء قليلًا كان أو كثيرًا فغير طعمَه أو لونَه أو ريحَه نجاسةٌ وقعت فيه؛ أن ذلك الماء نجس بهذا الإجماع الذي يخص عموم تلك اللفظة المطلقة التي ذكرناها"، ومقصودي من كلامه هذا نقله الإجماع على الاستثناء.
وقال ابن عبد البر في الاستذكار (١/ ١٦٢): "وهذا إجماع لا خلاف فيه: إذا تغير بما غلب عليه من نجس أو طاهر: أنه غير مطهر" [وانظر: الكافي له (١٥)].
وقال في التمهيد (١/ ٣٣٢): "قد رُوي عنه ﷺ : "الماء طهور لا ينجسه شيء؛ إلا ما غلب عليه فغيَّر طعمه أو لونه أو ريحه"، وهذا إجماع في الماء المتغير بالنجاسة".
وقال النووي في المجموع (١/ ١٦٣) بعد أن نقل الإجماع عن ابن المنذر: "ونقل الإجماع كذلك جماعات من أصحابنا وغيرهم"، وقال أيضًا: "وإذا علم ضعف الحديث تعين الاحتجاج بالإجماع، كما قاله البيهقي وغيره من الأئمة".
***
стр. 275
٣٦ - باب البول في الماء الراكد
٦٩ - . . . هشام، عن محمد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ثم يغتسلُ منه".
• حديث صحيح
أخرجه مسلم (٢٨٢/ ٩٥) بلفظه، وأبو نعيم في المستخرج (١/ ٣٣٦/ ٦٤٩)، والدارمي (١/ ٢٠٢/ ٧٣٠)، وأحمد (٢/ ٣٦٢)، والبزار (١٧/ ٢٩٨/ ١٠٠٣٢)، وأبو بكر الباغندي في ستة مجالس من أماليه (٣٢)، وأبو يعلى (١٠/ ٤٦١ - ٤٦٢/ ٦٠٧٦)، وأبو علي الطوسي في مختصر الأحكام (٥٨ و ٥٩)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١٤)، ولفظه: "لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسلُ فيه"، والبيهقي (١/ ٢٣٨ و ٢٥٦).
• وقد اختلف فيه على هشام بن حسان:
أ- فرواه زائدة بن قدامة، وجرير بن عبد الحميد، وعبد الله بن يزيد المقرئ أبو عبد الرحمن، وعبد الله بن بكر السهمي، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، ومحمد بن عبد الله الأنصاري [وهم ثقات]، ومحمد بن مروان العقيلي البصري [ليس به بأس]، وغيرهم:
رواه سبعتهم: عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة به مرفوعًا هكذا.
ب- وخالفهم: إسماعيل ابن علية، وهشيم بن بشير [وهما ثقتان ثبتان]: فروياه عن هشام به إلا أنهما أوقفاه.
أخرجه أبو عبيد في الطهور (١٦٢)، وابن أبي شيبة (١/ ١٣١/ ١٥٠١).
وأخرجه أبو بكر الشافعي في مجلس له برواية أبي الحسن بن مخلد البزاز (٧)، من طريق هشيم به مرفوعًا، وهو خطأ، إنما هو موقوف من طريق هشيم، والخطأ فيه من شيخ الشافعي: الحسين بن عبد الله بن شاكر السمرقندي؛ فإنه ضعيف [سؤالات الحاكم (١١٤)، تاريخ بغداد (٨/ ٥٨)، اللسان (٣/ ١٧٥)].
والمرفوع محفوظ، فمع الذين رفعوه زيادة علم وجب قبولها، وهم أكثر عددًا، وفيهم البصري والكوفي والمكي والمدني، بخلاف الآخرين فهما بصري وواسطي، وهشام بصري، فالحديث الذي اشتهر في بلده وخارجها أولى من غيره، وقد صحح مسلم المرفوع.
• وممن اختلف عليه في رفعه ووقفه ممن رواه عن ابن سيرين: أيوب السختياني، ويونس بن عبيد [وهما أثبت أصحاب ابن سيرين]، وفيه: "ثم يتوضأ منه".
• أما حديث أيوب:
стр. 276
فرواه
عنه به مرفوعًا: إسماعيل ابن علية [ثقة ثبت، من أثبت الناس في أيوب]، وأبو عمير الحارث بن عمير [ثقة، من ثقات أصحاب أيوب، ولم يصب من ضعفه. التهذيب (١/ ٣٣٥)، الميزان (١/ ٤٤٠)، التنكيل (١/ ٢٢٠/ ٦٨)، الفوائد المجموعة (٢٩٧)]، ومعمر بن راشد [ثقة، في حديثه عن غير الزهري وابن طاووس وهم]، وداود بن الزبرقان [متروك، كذبه الجوزجاني]:
رووه عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ثم يغتسل فيه"، ولفظ ابن علية: "منه".
أخرجه أبو عوانة (١/ ٢٣٢/ ٧٨١)، وابن الجارود (٥٤)، وأحمد (٢/ ٢٦٥)، وعبد الرزاق (١/ ٨٩/ ٣٠٠)، والبزار (١٧/ ٢١٥/ ٩٨٧١)، أبو بكر الباغندي في ستة مجالس من أماليه (٣٢)، والدولابي في الكنى (٢/ ٧٦٣/ ١٣٤٢)، وابن حزم (١/ ١٣٩).
ورواه سفيان بن عيينة، واختلف عليه:
فرواه قتيبة بن سعيد [ثقة ثبت]، وسعدان بن نصر [ثقة. الجرح والتعديل (٤/ ٢٩٠)، تاريخ بغداد (٩/ ٢٠٥)]:
كلاهما: عن سفيان، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: "لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسلُ منه". موقوف.
أخرجه النسائي (١/ ١٩٧ - ١٩٨/ ٤٠٠)، والبيهقي (١/ ٢٣٩).
ووقع عند النسائي من حديث قتيبة: "قال سفيان: قالوا لهشام -يعني: ابن حسان-: إن أيوب إنما ينتهي بهذا الحديث إلى أبي هريرة؟! فقال: إن أيوب لو استطاع أن لا يرفع حديثًا لم يرفعه".
ورواه عبد الله بن الزبير الحميدي [ثقة حافظ، فقيه إمام، أجل أصحاب ابن عيينة، وأثبتهم فيه، وهو راويته]، وحامد بن يحيى البلخي [ثقة، من أعلم الناس بابن عيينة، لازمه طويلًا]، وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي [ثقة، من أصحاب ابن عيينة]:
ثلاثتهم: عن سفيان، عن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: … فذكره، هكذا مرفوعًا.
أخرجه ابن خزيمة (١/ ٣٧/ ٦٦)، والحميدي (٩٧٠)، وابن حزم (١/ ١٣٩).
ويمكن أن يقال إن ابن عيينة رواه مرة موقوفًا، ومرة مرفوعًا، لكن الأشبه بالصواب أنه مرفوع من حديث ابن عيينة عن أيوب، وذلك لأن الذين رفعوه عنه هم أثبت الناس فيه، وأطولهم ملازمة له، وأعلم الناس بحديثه، ممن سمعوه منه مرارًا، بخلاف الغرباء، ومن لم تطل صحبته له.
وعليه: فالنفس تطمئن إلى ثبوت رواية الرفع عن ابن عيينة، وبذا يكون ابن عيينة قد تابع غيره ممن رواه عن أيوب مرفوعًا، لا سيما ابن علية، وأبي عمير الحارث بن عمير صاحب أيوب، ومعمر بن راشد.
стр. 277
وعلى هذا فالمرفوع محفوظ من حديث أيوب.
وأما حديث يونس:
فرواه هشيم [ثقة ثبت]، قال: أخبرنا يونس وهشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ثم يتوضأ منه"، موفوفًا.
أخرجه أبو عبيد في الطهور (١٦٢).
وأخرجه أبو بكر الشافعي في مجلس له برواية أبي الحسن بن مخلد البزاز (٧)، من طريق هشيم به مرفوعًا، وهو خطأ، إنما هو موقوف من طريق هشيم، والخطأ فيه من شيخ الشافعي: الحسين بن عبد الله بن شاكر السمرقندي؛ فإنه ضعيف [سؤالات الحاكم (١١٤)، تاريخ بغداد (٨/ ٥٨)، اللسان (٣/ ١٧٥)].
وخالفه عبد الله بن عيسى الخزاز أبو خلف البصري [منكر الحديث. التهذيب (٢/ ٤٠١)، الميزان (٢/ ٤٧٠)]، فرواه عن يونس، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الراكد، ثم يغتسل منه".
أخرجه البزار (١٧/ ٢٢٤/ ٩٨٩٠)، وابن عدي في الكامل (٤/ ٢٥١).
وعليه: فالمحفوظ عن يونس: موقوف.
• وممن رواه عن ابن سيرين موقوفًا ولم يختلف عليه:
سلمة بن علقمة التميمي أبو بشر البصري [وهو ثقة من رجال الشيخين، من أثبت أصحاب ابن سيرين. التقريب (٤٠١)، شرح علل الترمذي (٢/ ٦٨٨)].
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٣١/ ١٥٠٢).
وانظر: مجلس لأبي بكر الشافعي برواية أبي الحسن بن مخلد البزاز (٦).
• وممن رواه عن ابن سيرين مرفوعًا ولم يختلف عليه:
عبد الله بن عون [بصري، ثقة ثبت، من أثبت أصحاب ابن سيرين]، وعوف بن أبي جميلة [بصري ثقة]، وخالد بن مهران الحذاء [بصري ثقة]، ويحيى بن عتيق [بصري ثقة]، والهيثم بن حبيب الصيرفي [كوفي، صدوق]، وعمران بن خالد الخزاعي [ضعيف. الميزان (٣/ ٢٣٦)]، وسليمان بن أبي سليمان القافلاني [بصري، متروك الحديث. اللسان (٣/ ١١٢)]:
أخرج حديثهم: النسائي (١/ ٥٧/٤٩ و ٥٨)، وابن حبان (٤/ ٦١/ ١٢٥١)، وأحمد (٢/ ٢٥٩ و ٤٩٢ و ٥٢٩)، والبزار (١٧/ ٢٤٥ و ٢٨٣/ ٩٩٢٤ و ٩٩٩٢)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١٤)، وفي أحكام القرآن (١/ ٩٢/ ٦٨)، وابن الأعرابي في المعجم (٦٧٠)، وابن حبان في المجروحين (١/ ٣٥٥)، وأبو بكر الشافعي في الغيلانيات (٤٣٠)، والطبراني في الأوسط (٣/ ٣٠٦٩/٢٥٤) و (٩/ ١٠٠/ ٩٢٤٥)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٢٦١) و (٥/ ٢١٦)، وأبو بكر الإسماعيلي في معجم شيوخه (٢/ ٦٦٦ - ٦٦٧)، وابن المقرئ في المعجم (١٩ و ١٣٠٩)، وأبو نعيم في مسند أبي حنيفة (٢٥١)، والبيهقي (١/ ٢٣٨ و ٢٣٩)،
стр. 278
والخطيب في التاريخ (٩/ ١٩٢) و (١٠/ ١٠٥) و (١٤/ ٢٧٨ و ٢٧٩)، وفي الكفاية (١٥٥)، وابن عساكر في التاريخ (٣٦/ ٢٩١) و (٥٨/ ٢٨٧)، وابن البخاري في مشيخته (١١٢١)، والمزي في التهذيب (٣١/ ٤٥٨).
وعند الطبراني وابن حبان وابن عدي والخطيب وابن عساكر طرق غير محفوظة عن إسماعيل ابن علية عن يحيى بن عتيق، والمحفوظ ما رواه يعقوب بن إبراهيم الدورقي عن إسماعيل ابن علية به فهو المتفرد عنه بهذا الحديث، قال ابن عدي: "وهذا لم يحدث به عن ابن علية من الثقات غير يعقوب الدورقي".
وحاصل ما تقدم:
أن الحديث قد رواه موقوفًا: يونس بن عبيد وسلمة بن علقمة.
ورواه مرفوعًا: أيوب السختياني، وابن عون، وهشام بن حسان، وعوف الأعرابي، وخالد الحذاء، ويحيى بن عتيق، ومن تابعهم، فالقول قولهم؛ لكثرتهم، ولأن فيهم من المقدمين في ابن سيرين: أيوب وابن عون وهشام، ولأن ابن سيرين كان يقف الحديث على أبي هريرة أحيانًا وهو مرفوع، فقد قال ابن سيرين: "كل شيء حدثت عن أبي هريرة فهو مرفوع"، وفي رواية: أنه كان إذا حدَّث عن أبي هريرة، فقيل له: عن النبي ﷺ ؛ قال: "كل حديث أبي هريرة: عن النبي ﷺ " [المعرفة والتاريخ (٣/ ١٣٦)، شرح مشكل الآثار (١/ ٢٤٣ - ترتيبه)، الكفاية (٤١٨)، تاريخ دمشق (٥٣/ ١٨٨)]، ولأن الحديث ثابت مرفوعًا من طرق كثيرة يأتي ذكرها، ولاتفاق الشيخين على إخراج المرفوع والاحتجاج به في موضعه [وانظرة علل الدارقطني (٨/ ١٢١)].
• فمن هذه الأسانيد ما رواه:
١ - أبو الزناد، أن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج حدثه، أنه سمع أبا هريرة، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه".
أخرجه البخاري (٢٣٩)، والنسائي (١/ ١٩٧/ ٣٩٨)، وفيه: "ثم يغتسل فيه من الجنابة". وابن خزيمة (٦٦)، وأبو عبيد في الطهور (١٥٣)، والطحاوى (١/ ١٥)، والطبراني في مسند الشاميين (٤/ ٢٩٤/ ٣٣٤١)، وأبو الحسن علي بن عمر الحربي في فوائده (٦٥)، والبيهقي (١/ ٢٣٨).
وقد تابع أبا الزناد عليه عن الأعرج: ابن لهيعة، وعبد الله بن عياش؛ وفيهما ضعف.
أخرجه الطحاوي (١/ ١٥).
٢ - معمر بن راشد، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ ، فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله ﷺ : "لا تبل في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم تغتسل منه".
стр. 279
أخرجه مسلم (٩٦/ ٢٨٢)، وأبو عوانة (٧٨٢)، وأبو نعيم في المستخرج (١/ ٣٣٦/ ٦٥٠)، والترمذي (٦٨)، ولفظه: "لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم، ثم يتوضأ منه". والنسائي (١/ ١٩٧/ ٣٩٧)، ولفظه: "لا يبولنَّ الرجل في الماء الدائم، ثم يغتسل منه أو يتوضأ. وابن الجارود (٥٤)، وأحمد (٢/ ٣١٦)، وعبد الرزاق (١/ ٨٩/ ٢٩٩)، والبيهقي (١/ ٩٧ و ٢٣٤ و ٢٣٩)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٢/ ٦٦/ ٢٨٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٦/ ١٤٨)، وابن الجوزي في التحقيق (١٦)، وهو في صحيفة همام برقم (٧٣).
قال الترمذي: "حسن صحيح"، وقال البغوي: "هذا حديث متفق على صحته".
٣ - عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، أن أبا السائب مولى هشام بن زهرة حدثه، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب".
فقال: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولًا.
أخرجه مسلم (٢٨٣)، وأبو عوانة (١/ ٢٣٢/ ٧٧٩ و ٧٨٠)، وأبو نعيم في المستخرج (٦٥١)، والنسائي (١/ ١٢٤ - ١٢٥ و ١٧٥ - ١٧٦ و ١٩٧/ ٢٢٠ و ٣٣١ و ٣٩٦)، وابن ماجه (٦٠٥)، وابن خزيمة (١/ ٥٠/ ٩٣)، وابن حبان (٤/ ٦٢/ ١٢٥٢)، وابن الجارود (٥٦)، وأبو عبيد في الطهور (١٦٥)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١٤)، وفي أحكام القرآن (١/ ٩٢/ ٦٩)، والدارقطني (١/ ١ ٥ - ٥٢)، والبيهقي (١/ ٢٣٧)، وابن حزم في المحلى (١/ ٢١١) و (٢/ ٤١).
وقال الدارقطني: "إسناد صحيح".
٤ - محمد بن عجلان، قال: سمعت أبي يحدث عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : … فذكره، وهو الحديث الآتي.
***
٧٠ - محمد بن عجلان، قال: سمعت أبي يحدث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسلْ فيه من الجنابة".
• حديث صحيح
أخرجه ابن ماجه (٣٤٤)، وابن حبان (٤/ ٦٨/ ١٢٥٧)، وأحمد (٢/ ٤٣٣)، وأبو عبيد في الطهور (١٦٠ و ١٦١)، وابن أبي شيبة (١/ ١٥٠٣/١٣١)، وأبو إسحاق الحربي في غريب الحديث (٣/ ١١٣٩)، وابن حزم في المحلى (٢/ ٤١)، والبيهقي (١/ ٢٣٨)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٢/ ٦٧/ ٢٨٥).
وإسناده جيد.
стр. 280
ولابن عجلان في هذا الحديث شيخان: أبوه عجلان، وأبو الزناد [الطريق المتقدم برقم (١)]، وكلاهما محفوظ عن ابن عجلان، رواهما عنه الثقات، ومنهم من جمع الإسنادين معًا، مثل بكر بن مضر [وهو: ثقة ثبت].
٥ - أبو الزناد، عن موسى بن أبي عثمان، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الراكد، ثم يغتسل منه".
أخرجه النسائي (١/ ١٢٥ و ١٩٧/ ٢٢١ و ٣٩٩)، وابن خزيمة (٦٦)، وابن حبان (٤/ ٦٥/ ١٢٥٤)، وأحمد (٢/ ٣٩٤ و ٤٦٤)، والشافعي في اختلاف الحديث (٩١)، وفي المسند (١٦٥)، وعبد الرزاق (١/ ٨٩/ ٣٠٢)، والحميدي (٩٦٩)، وابن المنذر (١/ ٣٣٠/ ٢٦٤)، والطحاوي (١/ ١٤)، وابن بشران في الأمالي (٢٩٦)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٣٨ و ٢٥٦)، وفي المعرفة (١/ ٣١٩/ ٣٨٠)، والمزي في التهذيب (٣٤/ ٧٣).
وهدا إسناد صالح في الشواهد والمتابعات؛ فإن أبا عثمان التبان: روى عنه ثلاثة، ولم يوثقه غير ابن حبان [التهذيب (١٠/ ١٨٧)، وقال في التقريب (١١٧٦): "مقبول" يعني: عند المتابعة وقد توبع كما ترى].
وابنه موسى: لا يعرف إلا بروايته عن أبيه، ولا عنه إلا أبو الزناد، ولم يوثَّق؛ فهو في عداد المجاهيل [انظر: التاريخ الكبير (٧/ ٢٩٠)، الجرح والتعديل (٨/ ١٥٣)، التهذيب (٨/ ٤١٤)، التقريب (٩٨٣) وقال: "مقبول"].
تنبيه: يلاحظ أن لأبي الزناد في هذا الحديث إسنادين: هذا، والذي تقدم عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة [الذي أخرجه البخاري]، وكلاهما صحيح محفوظ عن أبي الزناد.
قال الدارقطني في العلل (٨/ ٢١٨/ ١٥٢٩) لما سئل عن هذا الحديث؟ فقال: "يرويه أبو الزناد واختلف عنه، فرواه ابن عجلان ومالك بن أنس، عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة.
ورواه ابن عيينة عن أبي الزناد عن موسى بن أبي عثمان عن أبيه عن أبي هريرة.
ويشبه أن يكون ابن عيينة حفظه".
قلت: تابع مالك بن أنس وابن عجلان على الوجه الأول: سفيان بن عيينة، وشعيب بن أبي حمزة.
وتابع ابن عيينة على الوجه الثاني: سفيان الثوري، وعبد الرحمن بن أبي الزناد.
فظهر بذلك أن كلا الإسنادين محفوظ، لا سيما وقد جمعهما سفيان بن عيينة فرواه بالإسنادين جميعًا [كما عند ابن خزيمة (٦٦)].
ولا يقال: بأن من قال فيه: "عن الأعرج" فقد سلك الجادة.
قال ابن حجر في الفتح (١/ ٤١٢) بعد أن ذكر الاختلاف فيه: "والطريقان معًا صحيحان، ولأبي الزناد فيه شيخان، ولفظهما في سياق المتن مختلف".
стр. 281
٦ - عوف الأعرابي، وعبد الله بن عون، كلاهما: عن خلاس، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ثم يتوضأ منه".
أخرجه النسائي (١/ ٤٩/ ٥٧)، وأحمد (٢/ ٢٥٩ و ٤٩٢ و ٥٢٩)، وأبو بكر الإسماعيلي في معجم شيوخه (٢/ ٦٦٦ - ٦٦٧)، وابن المقرئ في المعجم (١٣١٠)، وأبو الحسن علي بن عمر الحربي في فوائده (٣٧)، والخطيب في التاريخ (١٠/ ١٠٥).
ورجاله ثقات، لكن فيه إرسال، وهو صالح في المتابعات.
خلاس: هو ابن عمرو الهجري: ثقة، وكان يرسل، من الثانية، سمع عمارًا وعائشة، وروى عن أبي هريرة، وعن علي صحيفة، وعن أبي رافع، وقال أحمد: "لم يسمع خلاس من أبي هريرة شيئًا"، وأما حديثه في البخاري عن أبي هريرة فمقرون بابن سيرين والحسن [صحيح البخاري (٣٤٠٤ و ٤٧٩٩) و (٦٦٦٩)، [التقريب (٣٠٤)، التهذيب (١/ ٥٥٨)، التاريخ الكبير (٣/ ٢٢٧)، تحفة التحصيل (٩٦)].
٧ - الحارث بن أبي ذباب، عن عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يبولن أحدكم ني الماء الدائم، ثم يتوضأ منه أو يشرب".
أخرجه ابن خزيمة (١/ ٥٠/ ٩٤)، وابن حبان (٤/ ٦٧/ ١٢٥٦)، والطحاوي (١/ ١٤)، وابن المقرئ في الثالث عشر من فوائده (١٥١)، والبيهقي (١/ ٢٣٩).
وهذا إسناد حسن.
٨ - معاوية بن صالح، قال: سمعت أبا مريم يذكر عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ نهى أن يبال في الماء الراكد ثم يتوضأ منه.
أخرجه أحمد (٢/ ٢٨٨ و ٥٣٢)، وابن أبي شيبة (١/ ١٣١/ ١٥٠٤)، والطبراني في مسند الشاميين (٣/ ١١٨/ ١٩٠٧)، وابن عساكر في التاريخ (٦٧/ ٢١١).
وهذا إسناد شامي صحيح، أبو مريم الأنصاري: شامي تابعي، ثقة من الثانية، سمع أبا هريرة، وهو مولاه [التقريب (١٢٠٤)، كنى البخاري (٦٨)].
٩ - أبو عوانة، عن داود بن عبد الله الأودي، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ثم يغتسل فيه".
أخرجه أحمد (٢/ ٣٤٦)، وأبو علي الطوسي في مختصر الأحكام (٥٧)، والبزار (١٦/ ٣٠٠/ ٩٥١٤).
قال الطوسي: "هذا حديث حسن".
قلت: هذا إسناد صحيح، إن كان حميد سمع أبا هريرة؛ فإن البخاري لم يذكر له سماعًا في التاريخ (٢/ ٣٤٦).
• وانظر فيما لا يصح: ضعفاء العقيلي (١/ ٢٤٢).
стр. 282
• وفي الباب:
١ - عن جابر عن رسول الله ﷺ : أنه نهى أن يبال في الماء الراكد.
أخرجه مسلم (٢٨١)، وأبو عوانة (١/ ١٨٤/ ٥٧٤)، وأبو نعيم في المستخرج (١/ ٣٣٦/ ٦٤٨)، والنسائي (١/ ٣٤/ ٣٥)، وابن ماجه (٣٤٣)، وابن حبان (٤/ ٦٠/ ١٢٥٠)، وأحمد (٣/ ٣٤١ و ٣٥٠)، وأبو عبيد في الطهور (١٥٨ و ١٥٩ و ١٦٣ و ١٦٤)، وابن أبي شيبة (١/ ١٣٠/ ١٥٠٠)، وابن المنذر (١/ ٣٣٠/ ٢٦٥)، والطحاوي (١/ ١٥)، وابن الأعرابي في المعجم (٢/ ٤٥٠/ ٨٧٨)، وأبو محمد الفاكهي في فوائده (١٠٩)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٢٤٣)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ١٤) و (٨/ ٧٢)، والبيهقي (١/ ٩٧)، والخطيب في التاريخ (٤/ ٢٥٢)، وابن عساكر في التاريخ (١٤/ ٢٦٣)، والذهبي في السير (١٤/ ١٣٤).
من طرق عن أبي الزبير عن جابر به.
وممن رواه عن أبي الزبير: الليث بن سعد، وهو ممن ميز سماعه.
٢ - روى إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يبولن أحدكم في الماء الناقع".
أخرجه ابن ماجه (٣٤٥)، والطبراني في الأوسط (٣/ ١٦٨/ ٢٨٢٢)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٢٢٨).
وهذا حديث منكر باطل، تفرد به ابن أبي فروة، وهو: متروك منكر الحديث، عن نافع العلم المشهور برواية جماعات من الثقات عنه.
والحديث إنما يرويه أبو هريرة وجابر بلفظ "الماء الدائم" أو "الراكد".
• وانظر فيما لا يصح أيضًا: البدر المنير (٢/ ٣٢٠)، الإصابة (١/ ٦١١).
• وانظر في فقه الحديث: ما تقدم تحت حديث القلتين برقم (٦٥)، وانظر: المجموع شرح المهذب (١/ ٢٠٩)، مجموع الفتاوى (٢٠/ ٣٣٨ و ٥١٩) و (٢١/ ٣٤ و ٦٥).
• فائدة:
قال النووي في شرح مسلم (٣/ ١٨٧): "الرواية "يغتسل"، مرفوع؛ أي: لا تبُلْ ثم أنت تغتسل منه، وذكر شيخنا أبو عبد الله بن مالك ﵁ أنه يجوز أيضًا جزمه عطفًا على موضع "يبولن"، ونصبه بإضمار أن، وإعطاء "ثم" حكم واو الجمع، فأما الجزم فظاهر، وأما النصب فلا يجوز؛ لأنه يقتضي أن المنهي عنه: الجمع بينهما دون إفراد أحدهما، وهذا لم يقله أحد، بل البول فيه منهي عنه سواء أراد الاغتسال فيه، أو منه، أم لا، والله أعلم".
وقال القرطبي في المفهم (١/ ٥٤١): "الرواية الصحيحة: يغتسلُ، برفع اللام، ولا يجوز نصبها، … [ثم ضعَّف القول بالجزم، وقال]: وهذا ليس بشيء"، ثم ذكر أن تقدير اللفظ: ثم هو يغتسل، "على التنبيه على مآل الحال، ومعناه: أنه إذا بال فيه قد يحتاج إليه، فيمتنع عليه استعماله، لما وقع فيه من البول".
стр. 283
وقد ناقشهما في بعض ما قالاه: ابن دقيق العيد في شرح الإلمام (١/ ٣٦٢).
والحق أن النهي في هذا الحديث متوجه إلى البول في الماء الراكد، وإلى الاغتسال فيه، وإلى الجمع بينهما، ففيه النهي عن كل واحد منهما على الانفراد كما جاءت بذلك الروايات، والنهي عن الجمع بينهما، وقد حمل الإمام أحمد هذا النهي على مياه الآبار، وما كان في معناها؛ لأنه الذي كان موجودًا على عهده ﷺ [انظر: مسائل أحمد وإسحاق للكوسج (٣١)، المسودة (١١٣)]، والله أعلم.
وانظر: النفح الشذي (٢/ ١٤٤)، الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (١/ ٢٧٢)، البدر المنير (٢/ ٣٢١)، طرح التثريب (٢/ ٢٨)، وغيرها كثير.
***
٣٧ - باب الوضوء بسؤر الكلب
٧١ - هشام، عن محمد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "طَهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يُغسل سبع مرات، أُولاهن بالتراب".
• حديث صحيح
أخرجه مسلم (٢٧٩/ ٩١)، وأبو عوانة (١/ ١٧٧/ ٥٣٩ و ٥٤٠)، وأبو نعيم في مستخرجه (١/ ٣٣٤/ ٦٤٥)، وابن خزيمة (١/ ٥٠ و ٥١/ ٩٥ و ٩٧)، وابن حبان (٤/ ١١٢/ ١٢٩٧)، وأحمد (٢/ ٢٦٥ و ٤٢٧ و ٥٠٨)، وعبد الرزاق (١/ ٩٦/ ٣٣٠)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في الطهور (٢٠٢)، وابن أبي شيبة (١/ ١٥٩/ ١٨٣٠) و (٢/ ٢٩٧/ ٣٦٢٤٢)، والبزار (١٧/ ٢٩٧/ ١٠٠٢٩)، وابن المنذر في الأوسط (١/ ٣٠٤/ ٢٢٨)، وأبو بكر الشافعي في مجلس له برواية أبي الحسن بن مخلد البزاز (٢)، وعلي بن عمر الحربي في فوائده (٦٨)، وابن حزم في المحلى (١/ ١١٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٤٠)، وفي الصغرى (١/ ٦٢/ ١٥٣)، وفي الخلافيات (٣/ ٣٢/ ٨٨٩ و ٨٩٠)، والجوزقاني في الأباطيل (٣٥٦)، وقال: "هذا حديث صحيح"، وابن الجوزي في التحقيق (٥٣).
هكذا رواه هشام بن حسان عن محمد بن سيرين [وهو ثبت فيه]، فقال: "أولاهن بالتراب"، ولم يختلف عليه لا في إسناده ولا في متنه:
إلا ما روي من وجه شاذ بلفظ الشرب بدل الولوغ، والمحفوظ من حديث هشام بلفظ الولوغ.
وإلا ما رواه الطحاوي في المشكل (١/ ٢٤٢/ ٢٢٦ - ترتيبه)، بإسناد حسن إلى: سعيد بن عامر الضبعي البصري [وهو: صدوق، قال أبو حاتم: "وكان في حديثه بعض الغلط"، وقال البخاري: "كثير الغلط"، التهذيب (٢/ ٢٧)، علل الترمذي الكبير (١٧٩)]، قال: حدثنا هشام، به موقوفًا.
стр. 284
وهذا من أغلاط الضبعي، فقد رواه جمع من الثقات من أصحاب هشام، عنه به مرفوعًا، مثل: زائدة بن قدامة، وإسماعيل ابن علية، وعبد الرزاق بن همام، وعبد الله بن بكر السهمي، وهقل بن زياد، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، ومحمد بن الزبرقان أبو همام الأهوازي، ومحمد بن مروان العقيلي، وإبراهيم بن صدقة.
وأما رواية سعيد بن عامر المرفوعة عند البيهقي في السنن الصغرى والخلافيات: فلا يصح إسنادها إلى سعيد، وذلك لأن البيهقي رواه من طريق أحمد بن سلمان الفقيه النجاد: حدثنا عبد الملك [تصحف في الصغرى إلى: عبد الله] بن محمد: حدثنا سعيد به مرفوعًا؛ وهذا إسناد لا يصح إلى سعيد؛ فإن أبا قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي: صدوق، يهم كثيرًا، وكان قد اختلط، فمن سمع منه بالبصرة قبل أن يخرج إلى بغداد فسماعه صحيح، ومن سمع منه ببغداد فهو بعد الاختلاط، والنجاد ممن سمع منه آخرًا ببغداد، يعني: بعد الاختلاط [الكواكب النيرات (٣٧)، شرح علل الترمذي (٢/ ٧٥١)، التهذيب (٢/ ٦٢٤)، الميزان (٢/ ٦٦٣)]، وعليه: فإن رواية بكار بن قتيبة عن سعيد به موقوفًا [عند الطحاوي]: هي المحفوظة عن سعيد، وهي وهم منه، والله أعلم.
***
قال أبو داود: وكذلك قال أيوب وحبيب بن الشهيد عن محمد.
قلت: أما رواية حبيب بن الشهيد فلم أقف عليها.
وأما أيوب السختياني فقد اختلف عليه فيه، كما أشار إلى ذلك أبو داود:
١ - فرواه عنه مرفوعًا: سفيان بن عيينة، ومعمر بن راشد، ومعتمر بن سليمان، وعبد الوارث بن سعيد، وسعيد بن أبي عروبة:
أ- رواه ابن عيينة، عن أيوب بن أبي تميمة، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات، أولاهن، أو: أخراهن [وفي رواية: أو: إحداهن] بالتراب".
أخرجه الشافعي في الأم (١/ ٦)، وفي اختلاف الحديث (١٠٥)، وفي المسند (٨)، والحميدي (٢/ ٤٢٨/ ٩٦٨) وفيه: "رفعه مرة"، وأبو عوانة (١/ ١٧٧/ ٥٤٢)، وأبو بكر الشافعي في مجلس له برواية أبي الحسن بن مخلد البزاز (٨) أمن طريق الحميدي، ووقع عنده موقوفًا]. وأبو نعيم في الحلية (٩/ ١٥٨)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٤١)، وفي المعرفة (١/ ٣١٠/ ٣٦٤)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٢/ ٧٣/ ٢٨٩)، وقال: "هذا حديث صحيح".
ب - وأما رواية معمر:
فرواها عنه عبد الرزاق في المصنف (١/ ٩٦/ ٣٣١)، وأحال لفظه على لفظ هشام بن حسان "أولاهن بالتراب" بغير شك، فقال: مثله.
стр. 285
رواه عن عبد الرزاق، أو من طريقه: أحمد في المسند (٢/ ٢٦٥)، وأبو عوانة (١/ ١٧٧/ ٥٤١)، وأبو علي الطوسي في مختصر الأحكام (٧٤)، والبزار (١٧/ ٢٠٣/ ٩٨٤٨).
ج - وأما رواية سعيد بن أبي عروبة:
فأخرجها أحمد (٢/ ٤٨٩)، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: وسئل عن الإناء يلغ فيه الكلب؟ قال: حدثنا سعيد، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "يغسل سبع مرات، أولاهن بالتراب".
وأخرجه من طريق غندر أيضًا: البزار (١٧/ ٢٠٤ و ٢٠٩/ ٩٨٤٩ و ٩٨٥٨).
وهذا إسناد صحيح؛ لولا أن غندر سمع من ابن أبي عروبة في الاختلاط، قاله ابن مهدي [الكواكب النيرات (٤٥)، شرح العلل (٢/ ٧٤٤)].
وقد اختلف على ابن أبي عروبة في إسناد هذا الحديث، ويأتي ذكره قريبًا.
والمحفوظ فيه: ما رواه عبدة بن سليمان عنه، عن قتادة، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة به مرفوعًا.
د - وأما رواية عبد الوارث بن سعيد:
فيرويها محمد بن عمر القصبي [وهو ثقة من أصحاب عبد الوارث. تاريخ الدوري (٤/ ٣٢٨)، تاريخ أسماء الثقات (١٢٣٩)، السير (٨/ ٣٠١) و (١٤/ ٢٤٨)، معرفة القراء الكبار (١/ ١٦٣)، قال: حدثنا عبد الوارث: حدثنا أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات، أولاهن أو أخراهن بالتراب، والسنور مرة".
وغلط القصبي في إدراج قوله: "والسنور مرة" في المرفوع، والمحفوظ عن أيوب، بل: وعن ابن سيرين: عن أبي هريرة موقوف.
أخرجه البيهقي (١/ ٢٤٨).
وقال: "وغلط فيه محمد بن عمر القصبي، فرواه عن عبد الوارث عن أيوب مدرجًا في الحديث المرفوع"، وانظر: المهذب للذهبي (١/ ٢٥٢).
وخالفه: إبراهيم بن الحجاج السامي [ذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن قانع: "صالحًا، وقال الدارقطني: "ثقة"، وروى عنه أبو زرعة، وله أوهام. التهذيب (١/ ٦٢)، الجرح والتعديل (٢/ ٩٣)، علل الحديث (٢/ ٣٩/ ١٥٩٨)، علل الدارقطني (٤/ ١٤/ ٤١٠)]، فرواه عن عبد الوارث به، موقوفًا، ولم يذكر السنور.
أخرجه أبو بكر الشافعي في مجلس له برواية أبي الحسن بن مخلد البزاز (١).
ورواية القصبي المرفوعة أشبه بالصواب، فإن القصبي صاحب عبد الوارث مكثر عنه، بخلاف السامي، كما أنه أوثق منه، والله أعلم.
هـ - وأما معتمر بن سليمان: فقد رواه عن أيوب مرة مرفوعًا ومرة موقوفًا.
следующие страницы →