← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 261

فضل الرحيم الودود تخريج سنن أبي داود

ياسر فتحي

Полный текст (16 465 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

قلت: إسناده ضعيف؛ السائب مولى أم سلمة: مجهول، لم يرو عنه سوى دراج أبي السمح، وهو قليل الرواية جدًّا، ما وقفت له إلا على حديثين فقط، يرويهما عنه دراج، ذكره ابن حبان في الثقات، كعادته في توثيق مجاهيل التابعين، وسماه السائب بن عبد الله [التاريخ الكبير (٤/ ١٥٣)، الجرح والتعديل (٤/ ٢٤٣)، الثقات (٤/ ٣٢٦)، التعجيل (٣٥٣)]. وقد سبق أن فصلت الكلام في سلسلة دراج عن أبي الهيثم في تخريج أحاديث الذكر والدعاء برقم (٣٢)، وهذا الحديث لا يرويه دراج عن أبي الهيثم فهو داخل في عموم قول أبي داود: "أحاديثه مستقيمة؛ إلا ما كان عن أبي الهيثم عن أبي سعيد"، فيبقى الحمل فيه على جهالة السائب مولى أم سلمة، والله أعلم. ب - قال الطبراني في الأوسط (٩/ ٤٨/ ٩١٠١): حدثنا مسعدة بن سعد: ثنا إبراهيم بن المنذر: نا محمد بن فليح: حدثني محمد بن زيد بن المهاجر بن قنفذ، عن أبيه، عن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: قال رسول الله ﷺ : "صلاة المرأة في بيتها خير من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في حجرتها خير من صلاتها في دارها، وصلاتها في دارها خير من صلاتها خارج". قال الطبراني: "لا يروى هذا الحديث عن أم سلمة إلا بهذا الإسناد، تفرد به إبراهيم بن المنذر". قلت: محمد بن زيد بن المهاجر بن قنفذ: ثقة، وأبوه ترجم له ابن أبي حاتم ونقل عنه قوله: كنا نصلي مع عمر الجمعة، لكن قال أبو زرعة: "زيد بن مهاجر بن قنفذ، عن عمر ﵁: مرسل"، لم يُذكر له راوٍ سوى ابنه محمد [الجرح والتعديل (٣/ ٥٧٢)، المراسيل (٢٢٨)، جامع التحصيل (١٧٨)، تحفة التحصيل (١١٩)]، ومحمد بن فليح: صدوق يهم، وإبراهيم بن المنذر الحزامي: صدوق، وشيخ الطبراني: مسعدة بن سعد بن مسعدة العطار، أبو القاسم المكي: روى عنه أبو عوانة، والعقيلي، والطبراني فأكثر عنه، وغيرهم، وحدث عن سعيد بن منصور، وإبراهيم بن المنذر الحزامي فأكثر عنه، ولم أر فيه جرحًا ولا تعديلًا [تسمية من روى عن سعيد بن منصور (١٣)، تاريخ الإسلام (٢١/ ٣٠٦)]، وكلام الطبراني يقتضي أنه قد توبع عليه، وإنما الذي تفرد به هو إبراهيم بن المنذر. وعليه فهو إسناد مدني غريب، وزيد بن مهاجر بن قنفذ: في عداد المجاهيل. ٢ - أم حميد الساعدية: يرويه ابن وهب، قال: حدثني داود بن قيس، عن عبد الله بن سويد الأنصاري، عن عمته أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي: أنها جاءت النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله ﷺ إني أحب الصلاة معك، فقال: "قد علمتُ أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتُكِ في بيتكِ خيرٌ لكِ من صلاتكِ في حجرتكِ، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير لك من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير لك من

стр. 2592

صلاتك في مسجدي". فأمرت فبُني لها مسجدٌ في أقصى شيء من بيتها وأظلمه، فكانت تصلي فيه حتى لقيت الله . أخرجه ابن خزيمة (٣/ ٩٥/ ١٦٨٩)، وابن حبان (٥/ ٥٩٥/ ٢٢١٧)، وأحمد (٦/ ٣٧١)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (٢/ ٨٠٣/ ٣٤٧٤ - السفر الثاني)، والروياني (١١١٥)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٣/ ٣٩٨)، وفي الاستيعاب (٤/ ١٩٣٣). قال ابن مفلح في الآداب الشرعية (٣/ ٤١٤): "وفي إسناده عبد الله بن سويد الأنصاري، وهو: مجهول، … ، لكن المتقدمون حالهم حسن، وباقي رجاله ثقات، والله أعلم"، وقال في الفروع (١/ ٥٣٢): "لم أجد في رجاله طعنًا، وأكثر ما فيه: تفرد به داود عن عبد الله، والمتقدمون حالهم حسن". وحسن إسناده ابن حجر في الفتح (٢/ ٣٤٩). قلت: عبد الله بن سويد الأنصاري: ذكره ابن حبان في الثقات، وهو مجهول، وبقية رجاله ثقات، كما قال ابن مفلح [التاريخ الكبير (٥/ ١٠٩)، الجرح والتعديل (٥/ ٦٦)، الثقات (٥/ ٤٧ و ٥٩) و (٧/ ٤٢)، التعجيل (٥٥٠)]، فالإسناد ضعيف. ورواه ابن لهيعة [ضعيف]، وعبد المؤمن بن عبد الله الكناني [هو العبسي، أبو الحسن الكوفي: روى عنه الإمام أحمد، وقال أبو حاتم: "مجهول"، وقال العقيلي: "حديثه غير محفوظ". مسائل صالح (٨٤٥ - ٨٤٧)، العلل ومعرفة الرجال (٣/ ١٣٨/ ٤٦٠٤)، الجرح والتعديل (٦/ ٦٦)، الضعفاء الكبير (٣/ ٩٣)، تاريخ بغداد (١١/ ١٢٣)، تاريخ الإسلام (١٢/ ٢٨٢)، اللسان (٥/ ٢٨٣)]: روياه عن عبد الحميد بن المنذر، قال ابن لهيعة [وما بين المعكوفين لعبد المؤمن]: حدثني عبد الحميد بن المنذر [بن أبي حميد] الساعدي، عن أبيه، عن جدته أم حميد، قالت: قلت: يا رسول الله ﷺ يمنعُنا أزواجُنا أن نصلي معك، ونحب الصلاة معك، فقال رسول الله ﷺ : "صلاتُكُنَّ في بيوتِكُنَّ أفضل من صلاتكن في حُجَركن، وصلاتكن في حجركن أفضل من صلاتكن في [مسجد] الجماعة". أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٥٧/ ٧٦٢٠)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٦/ ١٥٠/ ٣٣٧٩)، والطبراني في الكبير (٢٥/ ١٤٨/ ٣٥٦)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٦/ ٣٤٨٨/ ٧٩١١)، والبيهقي (٣/ ١٣٢ - ١٣٣)، وابن الأثير في أسد الغابة (٧/ ٣٤٩). وهذا إسناد مجهول؛ عبد الحميد بن المنذر الساعدي: قال ابن حزم: "مجهول، لا يُدرى من هو" [المحلى (٣/ ١٣٦)]، وقال في موضع آخر: "مجهول، لا يدريه أحد" [المحلى (٤/ ٢٠٠)]، وجازف فحكم على خبره بالوضع، وليس عبد الحميد هذا هو: عبد الحميد بن المنذر بن الجارود العبدي البصري، الذي روى عن أنس، وعنه: أنس بن سيرين، ولكنه آخر [وانظر: تحفة المحتاج (١/ ٤٣٦)]، وهو: مجهول؛ كما قال ابن حزم، وكذلك أبوه، والله أعلم.

стр. 2593

ورواه يحيى بن العلاء [هو البجلي الرازي: كذاب، يضع الحديث. التهذيب (٤/ ٣٨٠)، الميزان (٤/ ٣٩٧)]: ثنا أسيد الساعدي، عن سعيد بن المنذر، عن أم حميد امرأة أبي حميد، عن النبي ﷺ نحوه. أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٦/ ١٥١/ ٣٣٨٠). وهذا إسناد موضوع. قال ابن العربي في المسالك في شرح موطأ مالك (٣/ ٣٥٩): "وهو حديث ضعيف". ٣ - عائشة: يرويه أبو بكر عبد الحميد بن أبي أويس [ثقة]، عن سليمان بن بلال [ثقة]، عن شريك بن أبي نمر [ليس به بأس]، عن يحيى بن جعفر بن أبي كثير [أخو إسماعيل بن جعفر، مجهول. التاريخ الكبير (٨/ ٢٦٥)، الجرح والتعديل (٩/ ١٣٤)، الثقات (٧/ ٥٩٦)]، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة [ضعيف]، عن القاسم بن محمد [أحد الفقهاء السبعة، ثقة]، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: "لأن تصلي المرأة في بيتها خير لها من أن تصلي في حجرتها، ولأن تصلي في حجرتها خير لها من أن تصلي في الدار، ولأن تصلي في الدار خير لها من أن تصلي في المسجد". أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٨/ ٢٦٥)، وأبو بكر الشافعي في فوائده "الغيلانيات" (٧٧٠ و ٧٧١)، والبيهقي في السنن (٣/ ١٣٢)، وفي المعرفة (٢/ ٤١٢/ ١٥٦٧)، وفي الشعب (٦/ ١٧٢/ ٧٨٢٠)، وفي الآداب (٩٠٢)، وأبو موسى المديني في اللطائف (٧٥٥). قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (١/ ٤١٢/ ١٥٧١): "وإسناده حسن". ورواه أبو ثابت محمد بن عبيد الله بن محمد بن زيد [ثقة]: حدثنا حاتم بن إسماعيل [صدوق]، عن يحيى بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة [ضعيف. الجرح والتعديل (٩/ ١٦٦)، الكامل (٧/ ٢٣٣)، المحلى (٩/ ٤٦٤)، اللسان (٨/ ٤٥٨ و ٤٧٢ و ٤٧٣)]، عن جده [ضعيف]، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : "صلاة المرأة في بيتها خير من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في حجرتها خير من صلاتها في دارها، وصلاتها في دارها خير من صلاتها فيما وراء ذلك". أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٨/ ٢٦٥)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٣/ ٤٠١). وهذا أولى، وإسناده ضعيف. ٤ - أبي هريرة، وله طرق منها: أ - عبد الله بن جعفر، قال: أخبرنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أحب صلاة تصليها المرأة إلى الله أن تصلي في أشد مكان من بيتها ظلمة".

стр. 2594

أخرجه ابن خزيمة (٣/ ٩٦/ ١٦٩٢). قال ابن خزيمة: "وروى عبد الله بن جعفر وفي القلب منه ﵀"، ثم ذكر الحديث. قلت: هو منكر؛ لتفرد عبد الله بن جعفر بن نجيح السعدي المديني به عن محمد بن عمرو بن علقمة، وعبد الله: ضعيف، منكر الحديث، لا يتابع على أكثر حديثه [التهذيب (٢/ ٣١٥)]. ب - جرير بن أيوب، قال: حدثنا أبو زرعة، قال: سمعت أبا هريرة، يقول: قال رسول الله ﷺ : "صلاة المرأة في داخلتها - وربما قال: في مخدعها - أعظم لأجرها من أن تصلي في بيتها، ولأن تصلي في بيتها أعظم لأجرها من أن تصلي في دارها، ولأن تصلي في دارها أعظم لأجرها من أن تصلي في مسجد قومها، ولأن تصلي في مسجد قومها أعظم لأجرها من أن تصلي في مسجد الجماعة، ولأن تصلي في الجماعة أعظم لأجرها من الخروج يوم الخروج". أخرجه الطحاوي في أحكام القرآن (١٤٦٩/ ١٠٦٣)، والدارقطني في الأفراد (٥/ ٢٨٩/ ٥٤٦٣ - أطرافه)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٣/ ٣٩٩). قال الدارقطني: "تفرد به جرير بن أيوب البجلي عن أبي زرعة". قلت: هو حديث منكر، جرير بن أيوب البجلي: متروك، منكر الحديث، واتُّهم [اللسان (٢/ ٤٢٩)]. ج - ووجدت في نسخة إبراهيم بن سعد [مطبوع ضمن فوائد عبد الوهاب ابن منده (٢/ ٩٢/ ١٤٤١) حديث رقم (٤٦)] التي يرويها عنه: أبو صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث بن سعد، قال: حدثني إبراهيم، عن أبيه، عن صفوان بن سليم، عن أبي هريرة، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا خرجت المرأة إلى المسجد فلتغتسل من الطيب كما تغتسل من الجنابة"، قال: وقال رسول الله ﷺ : "سجدتان في قعر بيتها خير من أربع ركعات في الحجرة، وأربع ركعات في الحجرة خير من ثمان في الدار". ولا يصح هذا، وقد تقدم الكلام عليه قريبًا، تحت الحديث الأسبق برقم (٥٦٨). • وانظر أيضًا، وفي إسناده من اتهم: تلخيص المتشابه في الرسم (١/ ٢٩٩ - ٣٠٠)، معجم السفر (٦٧٥). • والحاصل: فإننا إذا استبعدنا الغرائب والمناكير، فإن حديث ابن مسعود حديث صحيح، يعتضد بهذه الشواهد، ويزداد بها قوة، والله أعلم. قال ابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ٢٨١): "جاءت الآثار الثابتة تخبر بأن الصلاة لهن في بيوتهن أفضل". *** ٥٧١ - قال أبو داود: حدثنا أبو معمر: حدثنا عبد الوارث: حدثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "لو تركنا هذا الباب للنساء".

стр. 2595

قال نافع: فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات. قال أبو داود: رواه إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن نافع، قال: قال عمر، وهذا أصح. • شاذ، والمحفوظ: موقوف على عمر بإسناد منقطع. تقدم برقم (٤٦٢)، بنفس الإسناد والمتن، فليراجع. • من فقه الحديث: قال ابن المنذر في الأوسط (٥/ ٣٠٩) بعد ما ذكر قول مالك والشافعي وإسحاق وأصحاب أبي حنيفة: "وقال بعض أهل العلم: كن النساء يخرجن على عهد رسول الله ﷺ إلى المصلى في العيدين، وقد حضرن صلاة الكسوف مع النبي ﷺ ، غير أن النساء في عصرنا قد تغيرن عما كن عليه في عهد النبي ﷺ ، والأصح اليوم منعهن من الخروج، واحتج بحديث عائشة: لو رأى النبي ﷺ ما أحدث النساء اليوم لمنعهن من الخروج إلى المساجد، كما منعت نساء بني إسرائيل. قال ابن المنذر: فمن قصد منهنَّ الخيرَ لم يَمْنَعْ منه، وإن ظهر منهن غير ذلك منعهن منه؛ إلا العجوز الكبيرة، فإنها تخرج، كما قال مالك، والشافعي". وقال ابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ٢٨١): "وفي هذا الحديث من الفقه: جواز خروج المرأة إلى المسجد لشهود العشاء بالليل؛ لأنها زيادة حافظ، وقد يدخل في ذلك كل صلاة؛ لعموم لفظ الأحاديث في ذلك، وأن المعنى واحد. وفي معنى هذا الحديث أيضًا: الإذن لها في الخروج لكل مباح حسن: من زيارة الآباء والأمهات وذوي المحارم من القرابات؛ لأن الخروج لهن إلى المسجد ليس بواجب عليهن، بل قد جاءت الآثار الثابتة تخبر بأن الصلاة لهن في بيوتهن أفضل، فصار الإذن لهن إلى المسجد، وإذا لم يكن للرجل أن يمنع امرأته المسجد إذا استأذنته في الخروج إليه، كان أوكد أن يجب عليه أن لا يمنعها الخروج لزيارة من في زيارته صلة لرحمها، ولا من شيء لها فيه فضل، أو إقامة سنة، وإذا كان ذلك كذلك: فالإذن ألزم لزوجها إذا استأذنته في الخروج إلى بيت الله الحرام للحج". وقال ابن الجوزي في كشف المشكل (٢/ ٤٨٢): "اعلم أن نساء الصحابة كن على طريقة الأزواج في التدين والتعبد، وانضم إلى هذا ما في طباع العرب من تقبيح الفواحش خصوصًا الحرائر، كما قالت هند: وهل تزني الحرة؟ فاجتمع ما في الطباع من الأنفة والعفاف إلى ما وهب الله لهن من الدين، فأذن لهن رسول الله ﷺ في الخروج إلى المساجد، وقد كن يحضرن موعظته، ويصلين خلفه، ويسافرن في الغزوات معه.

стр. 2596

فمن علم من امرأته حسن المقصد في خروجها إلى الصلاة فلا يمنعها، ولحسن المقصد علامات: منها ترك الزينة والطيب، والمبالغة في الاستتار. ومن لم يجد ذلك منهن جاز له المنع، فقد قالت عائشة ﵂: لو علم رسول الله ﷺ ما أحدث النساء بعده لمنعهن المسجد … ". وقال ابن قدامة في المغني (٢/ ١٨): "فصل: ويباح لهن حضور الجماعة مع الرجال: لأن النساء كن يصلين مع رسول الله ﷺ ، … ، وصلاتها في بيتها خير لها وأفضل". وقال في موضع آخر (٢/ ١١٦) في معرض الكلام عن خروجهن لصلاة العيد: "وسنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع، وقول عائشة مختص بمن أحدثت دون غيرها، ولا شك بأن تلك يكره لها الخروج، وإنما يستحب لهن الخروج غير متطيبات، ولا يلبسن ثوب شهرة، ولا زينة، ولا يخرجن في ثياب البذلة، لقول رسول الله ﷺ : "وليخرجن تفلات"، ولا يخالطن الرجال بل يكن ناحية منهم". وقال ابن دقيق العيد في إحكام الأحكام (١/ ١٩٧): "والحديث عام في النساء، ولكن الفقهاء قد خصصوه بشروط وحالات، منها: أن لا يتطيبن، وهذا الشرط مذكور في الحديث، ففي بعض الروايات: "وليخرجن تفلات"، وفي بعضها: "إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبًا"، وفي بعضها: "إذا شهدت إحداكن العشاء فلا تطيب تلك الليلة"، فيلحق بالطيب ما في معناه؛ فإن الطيب إنما منع منه لما فيه من تحريك داعية الرجال وشهوتهم، وربما يكون سببًا لتحريك شهوة المرأة أيضًا، فما أوجب هذا المعنى التحق به، وقد صح أن النبي ﷺ قال: "أيما امرأة أصابت بخورًا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة"، ويلحق به أيضًا: حسن الملابس، ولبس الحلي الذي يظهر أثره في الزينة، وحمل بعضهم قول عائشة ﵂ في الصحيح: لو أن رسول الله ﷺ رأى ما أحدث النساء بعده لمنعهن المساجد، كما منعت نساء بني إسرائيل، على هذا، تعني: إحداث حسن الملابس والطيب والزينة". وقال ابن رجب في الفتح (٥/ ٣١٠): "ثم اختلفوا: هل يرخَّص لهن في الليل والنهار، أم في الليل خاصة؟ على قولين: أحدهما: يرخَّص لهن في كل الصلوات، وهو المحكي عن مالك والشافعي وأبي يوسف ومحمد، وقول أصحابنا. واستدلوا بعموم الأحاديث المطلقة، وبخروجهن في العيدين، فأما المقيدة بالليل، فقالوا: هو تنبيهٌ على النهار من طريق الفحوى؛ لأن تمكُّن الفساق من الخلوة بالنساء والتعرض لهن بالليل أظهر، فإذا جاز لهن الخروج بالليل ففي النهار أولى. وقالت طائفة: إنما يرخَّص لهن في الليل، وتبويب البخاري يدل عليه، وروي مثله عن أبي حنيفة، لكنه خصه بالعجائز، وكذا قال سفيان: يرخَّص لهن في العشاء والفجر،

стр. 2597

قال: وينهى عن حضورهن تراويح رمضان، ومذهب إسحاق كأبي حنيفة والثوري في ذلك، إلا أنه رخَّص لهن في حضور التراويح في رمضان. وهؤلاء استدلوا بالأحاديث المقيدة بالليل، وقالوا: النهار يكثر انتشار الفساق فيه، فأما الليل فظلمته مع الاستتار تمنع النظر غالبًا، فهو أستر". وقال أيضًا (٥/ ٣١٧ - ٣٢٠): "فهذه الأحاديث: تدل على أمرين: أحدهما: أن المرأة لا تخرج إلى المسجد بدون إذن زوجها، فإنه لو لم يكن له إذن في ذلك لأمرها أن تخرج إن أذِن أو لم يأذن، … والأمر الثاني: أن الزوج منهي عن منعها إذا استأذنته، وهذا لابد من تقييده بما إذا لم يخف فتنةً أو ضررًا، … وبكل حال؛ فصلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد". وانظر: اختلاف الحديث للإمام الشافعي (١٢٧ - ١٣٦)، شرح صحيح البخاري لابن بطال (٢/ ٤٧٤)، المنتقى للباجي (١/ ٣٤٢)، المسالك في شرح موطأ مالك (٣/ ٣٥٨)، شرح النووي لصحيح مسلم (٤/ ١٦١)، المجموع (٤/ ١٧١)، بدائع الفوائد (٣/ ٦٦٣)، إحكام الأحكام لابن دقيق العيد (١/ ١٩٦)، الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٢/ ٣٨٧)، الموافقات (٣/ ٣٢٤). *** ٥٥ - باب السعي إلى الصلاة ٥٧٢ - . . . يونس، عن ابن شهاب: أخبرني سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن: أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تَسعَون، وأْتُوها تمشون، وعليكم السَّكِينة، فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فأَتِمُّوا". قال أبو داود: كذا قال الزُّبَيْدي، وابن أبي ذئب، وإبراهيم بن سعد، ومعمر، وشعيب بن أبي حمزة، عن الزهري: "وما فاتكم فأتموا". وقال ابن عيينة عن الزهري وحده: "فاقضوا". • حديث متفق على صحته. • أما حديث يونس بن يزيد: فأخرجه مسلم (٦٠٢)، والبخاري في القراءة خلف الإمام (١٧٩)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ١٩٨/ ١٣٣٥)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ٢٣٠). • وأما حديث محمد بن الوليد الزبيدي:

стр. 2598

فلم أقف على من وصله. • وأما حديث ابن أبي ذئب: فأخرجه البخاري في الصحيح (٦٣٦ و ٩٠٨)، وفي القراءة خلف الإمام (١٧٦)، وابن حبان (٥/ ٥١٨/ ٢١٤٦)، وأحمد (٢/ ٥٣٢)، والشافعي في السنن المأثورة (٦٦)، والطيالسي (٤/ ٥٦ و ١٠٠/ ٢٤١٢ و ٢٤٦٠)، وأبو العباس السراج في مسنده (٨٩٤)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (١٧١٣)، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ١٤٦ و ٢٢١/ ١٩٢٤ و ٢٠٦٤)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٣٩٦)، وأبو العباس الأصم في جزء من حديثه (٢ - رواية أبي بكر النيسابوري)، وابن حزم في المحلى (٤/ ١٥٨ و ٢٦٢)، والبيهقي في السنن (١/ ٤٠٧) و (٣/ ٩٣)، وفي المعرفة (٢/ ٣٧٥/ ١٤٩٤)، وأبو بكر بن النقور في فوائده (٢٩). من طرق عن ابن أبي ذئب، قال: حدثنا الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ . وعن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة، وعليكم بالسكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا"، وفي رواية: "فاقضوا". • وأما حديث إبراهيم بن سعد: فأخرجه مسلم (٦٠٢)، وأبو عوانة (١/ ٤١٧/ ١٥٤٠)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ١٩٨/ ١٣٣٤)، وابن ماجه (٧٧٥)، وابن خزيمة (٣/ ٣ و ١٣٦/ ١٥٠٥ و ١٧٧٢)، وأبو العباس السراج في مسنده (٨٩٠ و ٨٩٣ و ٨٩٥ و ٩٠٨)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (١٧٠٨ و ١٧١١ و ١٧١٢ و ١٧١٤)، والدارقطني في العلل (٩/ ٣٣٢/ ١٧٩٧)، والبيهقي في السنن (٢/ ٢٩٧)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ٢٣٠). من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها تمشون، وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا". قال الدارقطني: "هذا حديث صحيح". هكذا رواه عن إبراهيم بن سعد: ابنه يعقوب، ومحمد بن جعفر بن زياد الوركاني، ومحمد بن عثمان بن خالد الأموي أبو مروان العثماني، ويحيى بن آدم، وإبراهيم بن حمزة الزبيري المدني، وعبد الله بن عمران العابدي، وإسحاق بن أبي إسرائيل. ولإبراهيم بن سعد فيه إسناد آخر، يأتي ذكره برقم (٥٧٣). • وأما حديث معمر بن راشد: فرواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري: أخبرني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، ولكن ائتوها وأنتم

стр. 2599

تمشون، وعليكم السكينة، وما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا"، وقال أحمد مرة: "فاقضوا". أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٢١١ و ٢٨٧ و ٢٨٨/ ٣١٠٢ و ٣٣٩٩ و ٣٤٠٤)، ومن طريقه: الترمذي (٣٢٨)، وابن الجارود (٣٠٦)، وأحمد (٢/ ٢٧٠)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٣٠٧/ ١٦٩٣) و (٤/ ٥٣ و ١٤٦/ ١٧٨٩ و ١٩٢٥)، والدارقطني في العلل (٩/ ١٧٩٧/٣٣٢)، والبغوي في شرح السنة (٢/ ٣١٦/ ٤٤١)، وقال: "هذا حديث متفق على صحته". وفي التفسير (٤/ ٣٤٢). ورواه يزيد بن زريع: حدثنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : … فذكره مثله. أخرجه الترمذي (٣٢٧). قال الترمذي: "هكذا قال عبد الرزاق: عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، وهذا أصح من حديث يزيد بن زريع". يعني: أن المحفوظ من حديث معمر: عن سعيد بن المسيب، لا عن أبي سلمة، وذلك لأن عبد الرزاق أحفظ لحديث معمر من أهل البصرة، ومعمر لما حدث بالبصرة لم تكن معه كتبه فحدثهم بالخطأ [انظر: شرح العلل (٢/ ٧٦٧)، وتقدم ذكر ذلك في مواضع]. ومع هذا فالمحفوظ في هذا الحديث عن الزهري: عن سعيد، وعن أبي سلمة، كان ربما أفرد أحدهما، وربما جمع، وكل قد حدَّث بما سمع. • وأما حديث شعيب بن أبي حمزة: فأخرجه البخاري في الصحيح (٩٠٨)، وفي القراءة خلف الإمام (١٦٩)، وأبو العباس السراج في مسنده (٨٨٩)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (١٧٠٧)، والطبراني في مسند الشاميين (٤/ ١٧٨/ ٣٠٥٠)، والبيهقي في السنن (٢/ ٢٩٧) و (٣/ ٢٢٨)، وفي المعرفة (٢/ ١٢٩/ ١٠٦٧). من طرق عن شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن: أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون عليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا". • وتابعهم على ذلك أيضًا: عقيل بن خالد [ثقة ثبت]، ويزيد بن عبد الله بن الهاد [ثقة]، وإبراهيم بن أبي عبلة [ثقة، من تابعي أهل الشام]، ومحمد بن أبي حفصة [صدوق يخطئ]: رووه عن ابن شهاب، أنه قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف: أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون، وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا". لفظ عقيل. أخرجه البخاري في القراءة خلف الإمام (١٧١ - ١٧٤)، وأحمد (٢/ ٢٣٩ و ٢٧٠

стр. 2600

و ٤٥٢)، وأبو العباس السراج في مسنده (٨٩٧)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (١٧١٦)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٣٩٦)، وقال: "فاقضوا". والطبراني في مسند الشاميين (١/ ٦٥/ ٧٣)، والدارقطني في العلل (٩/ ٣٣٢/ ١٧٩٧). • وأما حديث سفيان بن عيينة: فأخرجه مسلم (٦٠٢)، والبخاري في القراءة خلف الإمام (١٧٧ و ١٧٨)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ١٩٨/ ١٣٣٣)، والترمذي (٣٢٩)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٢/ ٣٠٨/٢٢٠)، والنسائي في المجتبى (٢/ ١١٤ - ١١٥/ ٨٦١)، وفي الكبرى (١/ ٤٥١/ ٩٣٦)، والدارمي (١/ ٣٣١/ ١٢٨٢) [ووقع عنده: "فأتموا"، وهو وهم]. وابن الجارود (٣٠٥)، وابن حبان (٥/ ٥١٧/ ٢١٤٥)، وأحمد (٢/ ٢٣٨)، والشافعي في السنن المأثورة (٦٥)، والحميدي (٩٣٥)، وابن أبي شيبة (٢/ ١٣٨/ ٧٤٠٠)، وأبو العباس السراج في مسنده (٨٩٢)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (١٧١٠)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٣٩٦)، وفي أحكام القرآن (١/ ١٤٩/ ٢٢٥)، وابن حزم في المحلى (٥/ ٧٤)، والبيهقي في السنن (٢/ ٢٢١ و ٢٩٧)، وفي المعرفة (٢/ ٣٧٥/ ١٤٩٣)، وأبو طاهر السلفي فيما انتخبه على شيخه أبي الحسين الطيوري "الطيوريات" (١٠٨٤)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٤٨٨). من طرق كثيرة عن سفيان بن عيينة، قال: سمعت الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وأنتم تمشون، وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا". وقد روى هذا الحديث عن ابن عيينة: أحمد، والشافعي، والحميدي، وعلي بن المديني، وسعيد بن منصور، وإسحاق بن راهويه، وأبو بكر بن أبي شيبة، ومسدد بن مسرهد، وقتيبة بن سعيد، وعمرو بن محمد الناقد، وزهير بن حرب، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وابن أبي عمر العدني، وعبد الأعلى بن حماد النرسي، وعبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري، وابن المقرئ محمد بن عبد الله بن يزيد، وعبد الجبار بن العلاء، وإبراهيم بن بشار الرمادي. قال أحمد بن سلمة [أبو الفضل النيسابوري البزاز، رفيق مسلم في الرحلة: حافظ حجة. السير (١٣/ ٣٧٣)]: سمعت مسلم بن الحجاج يقول: "لا أعلم هذه اللفظة رواها عن الزهري غير ابن عيينة: "واقضوا ما فاتكم". قال مسلم: أخطأ ابن عيينة في هذه اللفظة" [السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢٩٧)، مختصر الخلافيات للبيهقي (٢/ ١٦٨)]. • وتابع ابن عيينة عليه: سليمان بن كثير، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة به. أخرجه البخاري في القراءة خلف الإمام (١٧٥). ويحيى بن سعيد الأنصاري، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن

стр. 2601

عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وأنتم تمشون، وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا". أخرجه البخاري في القراءة خلف الإمام (١٧٠)، وأحال لفظه على حديث شعيب، وهو بلفظ: "فأتموا". والبزار (١٤/ ١٤٢ - ١٤٣/ ٧٦٦٤)، واللفظ له. قلت: سليمان بن كثير العبدي: ليس به بأس إلا في الزهري؛ فإنه يخطئ عليه كثيرًا، وأخاف أن تكون رواية البزار خطأ على يحيى بن سعيد، فإن تصرف البخاري يدل على أنها مثل رواية الجماعة، وأما رواية ابن أبي ذئب ومعمر فإن رواية الأكثرين عنهما بلفظ: "فأتموا"، وعليه فإن المتفرد بهذه اللفظة من ثقات أصحاب الزهري: هو ابن عيينة، كما قال مسلم وأبو داود، وعليه: فالمحفوظ عن الزهري: رواية الجماعة من ثقات أصحابه بلفظ: "فأتموا"، والله أعلم. • وانظر في الأوهام على الزهري: علل الدارقطني (٩/ ٣٣٢ و ٣٣٣/ ١٧٩٧). قلت: أما الاختلاف على الزهري في ذكر سعيد وأبي سلمة، فكلاهما محفوظ عن الزهري، قال الدارقطني في العلل (٩/ ٣٣١ - ٣٣٢): "وهو محفوظ عنهما، وكان الزهري ربما أفرده عن أحدهما، وربما جمعه". *** وقال محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: وجعفر بن ربيعة، عن الأعرج، عن أبي هريرة: "فأتموا". وابن مسعود، عن النبي ﷺ . وأبو قتادة، وأنس، عن النبي ﷺ . كلهم قالوا: "فأتموا". • أما حديث محمد بن عمرو: فأخرجه هشام بن عمار في جزء من حديثه (١٠٩)، الطحاوي في شرح المعاني (١/ ٣٩٦)، والخطابي في غريب الحديث (١/ ٧١٥)، والبيهقي في السنن (٢/ ٢٩٧). من طرق عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا ثوب بالصلاة فعليكم بالسكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا". وهو حديث صحيح، تابع فيه محمدُ بن عمرو بن علقمة: الإمامَ ابن شهاب الزهري، وغيره، كما سيأتي. • وأما حديث جعفر بن ربيعة: فلم أقف على من وصله من طريق جعفر بن ربيعة [وهو: مصري، ثقة].

стр. 2602

وتابعه عليه: ابن لهيعة [ضعيف]، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ ، قال: "لا تأتوا الصلاة وأنتم تسعون، وأتوها تمشون مطمئنين، عليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا". أخرجه ابن وهب في الجامع (٤١٨)، عن ابن لهيعة به. وهو حديث صحيح. • وله طرق أخرى عن أبي هريرة، بلفظ: "فأتموا": ١ - مالك بن أنس، وإسماعيل بن جعفر، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي: عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، وإسحاق بن عبد الله [أو: إسحاق أبي عبد الله]: أنهما أخبراه بما سمعا أبا هريرة، يقول: قال رسول الله ﷺ : "إذا ثُوِّب للصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا، فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة". هذا إسناد مالك، وتفرد بذكر إسحاق بن عبد الله في الإسناد، واختلف على مالك، فرواه أصحاب الموطأ: عن مالك، عن العلاء، عن أبيه، وإسحاق بن عبد الله [أو: إسحاق أبي عبد الله]، عن أبي هريرة. ورواه إسحاق الطباع، وابن مهدي، وغيرهما، عن مالك، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة. قال الدارقطني في العلل (١١/ ٧٢/ ٢١٣١): "والقولان محفوظان، قلت [يعني: البرقاني، راوي العلل عن الدارقطني]: إسحاق أبو عبد الله من هو؟ قال: لا يُعرف إلا في هذا الحديث". قلت: هو إسحاق مولى زائدة، المترجم له في التهذيب، وثقه ابن معين والعجلي، وذكره ابن حبان في الثقات [التهذيب (١/ ١٣١)]. أخرجه مسلم (٦٠٢/ ١٥٢)، والبخاري في القراءة خلف الإمام (١٨٣ - ١٨٥)، وأبو عوانة (١/ ٣٤٤ و ٤١٧/ ١٢٣١ و ١٢٣٢ و ١٥٤٢)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ١٩٩/ ١٣٣٦)، ومالك في الموطأ (١/ ١١٥/ ١٧٥)، والشافعي في السنن المأثورة (٦٧)، وأحمد (٢/ ٢٣٧ و ٤٦٠ و ٥٢٩)، وابن خزيمة (٢/ ١٣٥ - ١٣٦/ ١٠٦٥)، وابن حبان (٥/ ٥٢٢/ ٢١٤٨)، وعلي بن حجر السعدي في حديث إسماعيل بن جعفر (٢٥٤)، وأبو يعلى (١١/ ٣٨٣/ ٦٤٩٧)، وأبو العباس السراج في مسنده (٨٩٨ و ٨٩٩)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (١٧١٧ - ١٧١٩)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٣٩٦ و ٣٩٧)، وفي المشكل (١٤/ ١٩٦ - ١٩٩/ ٥٥٧١ - ٥٥٧٣)، وفي أحكام القرآن (١/ ١٤٩/ ٢٢٣ و ٢٢٤)، والجوهري في مسند الموطأ (٦٢٠)، والبيهقي في السنن (٢/ ٢٩٨) و (٣/ ٢٢٨)، وفي المعرفة (٢/ ٥١٤/ ١٧٨٠)، والبغوي في شرح السنة (٢/ ٣١٧/ ٤٤٢)، وقال: "هذا حديث صحيح". ٢ - عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه: أنه سمع أبا هريرة، يقول: قال

стр. 2603

رسول الله ﷺ : "إذا نودي بالصلاة فأتوها وأنتم تمشون، وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا". أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٢٨٨/ ٣٤٠٣)، ومن طريقه: مسلم (٦٠٢/ ١٥٣)، وأبو عوانة (١/ ٣٤٥ و ٣٥٥ و ٤١٧/ ١٢٣٣ و ١٢٧٣ و ١٥٤١)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ١٩٩/ ١٣٣٧)، وأحمد (٢/ ٣١٨)، وأبو العباس السراج في مسنده (٨٩٦)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (١٧١٥)، والبيهقي في السنن (٢/ ٢٩٥ و ٢٩٨)، وهو في صحيفة همام برقم (١٠٩). وانظر في الأوهام والمناكير: المعجم الأوسط للطبراني (١/ ٢٩٦/ ٩٨٣). • وأما حديث ابن مسعود: فلم أقف عليه موصولًا. • وأما حديث أبي قتادة: فيرويه يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: بينما نحن نصلي مع النبي ﷺ ، إذ سمع جَلَبة رجال، فلما صلى قال: "ما شأنكم؟ " قالوا: استعجلنا إلى الصلاة، قال: "فلا تفعلوا؛ إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا"، وفي رواية: "وما سُبِقتم فأتموا"، وفي أخرى: "وما سبقكم فأتموا". أخرجه البخاري في الصحيح (٦٣٥)، وفي القراءة خلف الإمام (١٦٥)، ومسلم (٦٠٣)، وأبو عوانة (١/ ٤١٧/ ١٥٤٣)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ٢٠٠/ ١٣٣٩)، والدارمي (١/ ٣٣٢/ ١٢٨٣)، وابن خزيمة (٣/ ٧١/ ١٦٤٤)، وابن حبان (٥/ ٥١٩/ ٢١٤٧)، وأحمد (٥/ ٣٠٦)، وأبو العباس السراج في مسنده (٩٠٣ - ٩٠٥)، والطبراني في الأوسط (١/ ١٤٣/ ٤٥٣)، وأبو نعيم في تسمية ما انتهى إلينا من الرواة عن الفضل بن دكين (٤٦)، وابن حزم في المحلى (٥/ ٧٤)، والبيهقي في السنن (٢/ ٢٩٨) و (٣/ ٢٢٨). وانظر فيمن وهم في إسناده: المعجم الأوسط (٢/ ١٣٤/ ١٤٨٩). • وأما حديث أنس: فيرويه عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون [ثقة فقيه]، وسليمان بن حيان [أبو خالد الأحمر: صدوق]: روياه عن حميد، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا جاء أحدكم إلى الصلاة فليمشِ على هِينَته، فما أدركه صلى، وما سبقه أتم". لفظ سليمان عند أحمد. أخرجه البخاري في القراءة خلف الإمام (١٦٧)، وأحمد (٣/ ٢٢٩)، والضياء المقدسي في المختارة (٦/ ٤٦/ ٢٠١٧). • خالفهما جماعة، فرووه من حديث أنس بلفظ: "وليقض". رواه حماد بن سلمة، وإسماعيل بن جعفر بن أبي كثير، وعبد الله بن بكر السهمي، وخالد بن الحارث، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، ومحمد بن إبراهيم بن أبي

стр. 2604

عدي، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وعبد الوهاب بن عطاء، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، وسهل بن يوسف الأنماطي، ومروان بن معاوية الفزاري، وعلي بن عاصم [وهم ثقات في الجملة]، وإبراهيم بن عبد الحميد بن ذي حماية [ما به بأس. الجرح والتعديل (٢/ ١١٣)، الثقات (٦/ ١٣)، التاريخ الكبير (١/ ٣٠٥)]، وعبد الله بن عمر العمري [ليس بالقوي] [وهم (١٤) رجلًا]: رووه عن حميد، عن أنس بن مالك: أن النبي ﷺ قال: "إذا جاء أحدكم إلى الصلاة فليمش على هِينته [وفي رواية: على هيئته، وفي أخرى: فليمشِ نحو ما كان يمشي]، فليصل ما أدرك، وليقض ما سبقه". أخرجه البخاري في القراءة خلف الإمام (١٦٦ و ١٦٨)، وأبو داود (٧٦٣)، وأبو عوانة (١/ ٤٣٠/ ١٦٠٢ و ١٦٠٣)، وأحمد (٦/ ١٠٣ و ١٨٨ - ١٨٩ و ٢٤٣ و ٢٥٢)، وابن وهب في الجامع (٤١٩)، وعبد الرزاق (٢/ ٢٨٨ - ٢٨٩/ ٣٤٠٧)، وابن أبي عمر العدني في مسنده (٢/ ٣٢٩/ ١٨٠٧ - إتحاف الخيرة)، وعلي بن حجر السعدي في حديث إسماعيل بن جعفر (٧٠)، والبزار (١٣/ ١٥٦/ ٦٥٦٨)، وأبو يعلى (٦/ ٤٣٦ و ٤٦٨/ ٣٨١٤ و ٣٨٧٦)، وأبو العباس السراج في مسنده (٩٠٩ - ٩١١)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٣٩٧)، وفي المشكل (١٤/ ٢٨٧/ ٥٦٢٤)، وفي أحكام القرآن (١/ ١٤٩/ ٢٢٦)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٣٥١/ ٤٤٠٦)، وفي مسند الشاميين (٣/ ٣٦١/ ٢٤٦٦)، والبيهقي في السنن (٣/ ٢٢٨)، والخطيب في الموضح (٢/ ٨٥)، بلفظ الإتمام، وهو وهم. والبغوي في شرح السنة (٣/ ١١٦/ ٦٣٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٢/ ١٦٧)، والضياء المقدسي في المختارة (٦/ ٤٥ و ٤٧/ ٢٠١٥ و ٢٠١٦ و ٢٠١٨). ورواه بعضهم مطولًا، قال: جاء رجل أسرع المشي، فانتهى إلى القوم وقد انبهر، فقال حين قام في الصلاة: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما قضى النبي ﷺ الصلاة قال: "من المتكلم؟ - أو: من القائل؟ -"، قال: فسكت القوم، فقال: "من المتكلم؟ - أو: من القائل؟ -، فإنه قال خيرًا - أو: لم يقل بأسًا -" فقال: يا رسول الله ﷺ ! انتهيت إلى الصف وقد انبهرت، أو: حفزني النفس، قال: "لقد رأيت اثني عشر ملكًا يبتدرونها، أيهم يرفعها". ثم قال: "إذا جاء أحدكم إلى الصلاة فليمش على هِينته، فليصل ما أدرك، ويقضِ ما سبقه" [لفظه عند أحمد (٣/ ١٨٨ - ١٨٩)]. وانظر في الأوهام: المعجم الأوسط (٣/ ١٢٩/ ٢٦٩٧). والحديث أصله في مسلم (٦٠٠) بدون هذه الزيادة موضع الشاهد، وتقدم تخريجه مختصرًا في الذكر والدعاء (١/ ١٦٣)، وسيأتي تخريجه مفصلًا في موضعه من السنن إن شاء الله تعالى. • وفي الباب أيضًا مما رُوي بلفظ الإتمام:

стр. 2605

عن البراء بن عازب [عند: الخطيب في المتفق والمفترق (٢/ ١١٤٦/ ٧١٤)، وفي إسناده: سوار بن مصعب الهمداني: متروك، منكر الحديث. اللسان (٤/ ٢١٦)]. *** ٥٧٣ - . . . شعبة، عن سعد بن إبراهيم، قال: سمعت أبا سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ائْتُوا الصلاة وعليكم السكينةُ، فصلوا ما أدركتم، واقضوا ما سَبَقكم". قال أبو داود: وكذا قال ابن سيرين، عن أبي هريرة: "ولْيقْضِ". وكذا قال أبو رافع عن أبي هريرة. وأبو ذر: رُوي عنه: "فأتموا" و"اقضوا"، واختُلِف فيه عنه. • حديث صحيح. حديث شعبة: أخرجه أحمد (٢/ ٣٨٢ و ٣٨٦)، والطيالسي (٤/ ١٠٨ - ١٠٩/ ٢٤٧١)، والبزار (١٥/ ٢٢٤/ ٨٦٤٤)، وأبو العباس السراج في مسنده (٩٠٧)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٣٩٦)، وابن حزم في المحلى (٣/ ٢٤٤)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ٢٣١). واختلف فيه على سعد بن إبراهيم: أ - فرواه شعبة، عن سعد به هكذا. وتابعه عليه: إبراهيم بن سعد، فرواه عن أبيه، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة به مرفوعًا، بلفظ: "فاقضوا". أخرجه ابن خزيمة (٣/ ٣ و ١٣٦/ ١٥٠٥ و ١٧٧٢)، وأبو العباس السراج في مسنده (٩٠٨)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٣٩٦)، والدارقطني في العلل (٩/ ٣٣٢/ ١٧٩٧)، والبيهقي في السنن (٢/ ٢٩٧)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ٢٣٠). قال الدارقطني: "هذا حديث صحيح". قلت: رواه عن إبراهيم بن سعد به هكذا: عبد الله بن وهب، وإسماعيل بن موسى الفزاري، وإبراهيم بن حمزة الزبيري المدني، وإسحاق بن أبي إسرائيل، ومحمد بن جعفر الوركاني. هكذا روى إبراهيم بن سعد هذا الحديث عن شيخين عن أبي سلمة، رواه مرة عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها تمشون، وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا". ورواه مرة أخرى عن أبيه، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة به مرفوعًا، بلفظ: "فاقضوا".

стр. 2606

وهو محفوظ عنه بالإسنادين، فإن لفظه عن الزهري، غير لفظه عن أبيه سعد، وقد رواه عنه بالإسنادين جماعة من الثقات: إسماعيل بن موسى الفزاري، وإبراهيم بن حمزة الزبيري المدني، وإسحاق بن أبي إسرائيل، ومحمد بن جعفر الوركاني، والله أعلم. ب - ورواه الثوري، واختلف عليه في لفظه: فرواه عبد الرزاق، ومعاوية بن هشام، ووكيع بن الجراح [من رواية أحمد بن منيع، وأبي كريب محمد العلاء عنه]: عن الثوري، عن سعد بن إبراهيم، قال: حدثني عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "من أتى منكم الصلاة فليأتها بوقار وسكينة، فليصل ما أدرك، وليقض ما فاته" أو: "سبقه". هكذا بلفظ القضاء. أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٢٨٨/ ٣٤٠٥)، وأحمد (٢/ ٢٨٢)، والسراج في مسنده (٩٠٦). ورواه عبد الرحمن بن مهدي، ووكيع بن الجراح [من رواية أحمد بن حنبل، ومحمد بن إسماعيل الترمذي، وابن أبي شيبة عنه، لكن سقط من إسناد ابن أبي شيبة: عن أبيه]: عن سفيان الثوري، عن سعد بن إبراهيم، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتيتم الصلاة فأتوها بالوقار والسكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا". هكذا بلفظ الإتمام. أخرجه أحمد (٢/ ٤٧٢)، وابن أبي شيبة (٢/ ١٣٨/ ٧٤٠١) (٧٤٧٩ - ط عوامة) [وسقط من إسناده: أبو سلمة]. وابن عدي في الكامل (٥/ ٤١). • ورواه أبو عوانة: حدثنا عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إذا سمع أحدكم الإقامة فلْيَأتِ عليه السكينة، فما أدرك فليُصلِّ، وما فاته فَلْيُتِمَّ"، وفي رواية: "وليقض ما فاته". أخرجه أحمد (٢/ ٣٨٧)، والبزار (١٥/ ٢٣٦/ ٨٦٧٦). قال الدارقطني في العلل (٩/ ٣٠٢/ ١٧٧٨) بعد رواية شعبة وإبراهيم بن سعد: "ولم يذكرا فيه عمر بن أبي سلمة، وهو صحيح عن عمر بن أبي سلمة، حدث به عنه أبو عوانة، ويشبه أن يكون سعد بن إبراهيم حفظه عن أبي سلمة، وعن عمر ابنه، والله أعلم". وهو كما قال، ولا يضر وجود عمر بن أبي سلمة في الإسناد [فإن عمر: ليس بالقوي. انظر: التهذيب (٣/ ٢٣٠)، الميزان (٣/ ٢٠١)، إكمال مغلطاي (١٠/ ٦٤)]، فقد توبع عليه، تابعه: سعد بن إبراهيم، وابن شهاب الزهري، ومحمد بن عمرو. • وأما حديث ابن سيرين: فيرويه: أيوب السختياني، ويونس بن عبيد، وعبد الله بن عون، وعوف بن أبي جميلة، وهشام بن حسان، وخالد الحذاء، وعاصم بن سليمان الأحول، وأبو هلال

стр. 2607

الراسبي محمد بن سليم، وسالم بن عبد الله الخياط، وقتادة [على الشك، هل رواه أم لا]: عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا ثُوِّبَ بالصلاة فلا يَسْعَ إليها أحدُكم، ولكن لِيمْشِ وعليه السكينةُ والوقارُ، صَلِّ ما أدركتَ، واقْضِ ما سَبقكَ". أخرجه مسلم (٦٠٢/ ١٥٤)، والبخاري في القراءة خلف الإمام (١٨٦ - ١٨٩)، وأبو عوانة (١/ ٣٥٥ و ٤١٧ و ٤١٨/ ١٢٧٤ و ١٥٤٤ و ١٥٤٥)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ١٩٩/ ١٣٣٨)، وأحمد (٢/ ٣٨٢ و ٤٢٧) و (٣/ ٢٤٣)، وابن أبي شيبة (٢/ ١٣٨/ ٧٤٠٣) [موقوفًا، والصحيح رفعه]. والبزار (١٧/ ٢٢٢ و ٢٥٠ و ٢٥٨ و ٢٦٩ و ٣٠١/ ٩٨٨٦ و ٩٩٣٢ و ٩٩٤٢ و ٩٩٦٥ و ١٠٠٤٢)، وأبو العباس السراج في مسنده (٩٠٠ - ٩٠٢)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (١٧٢٠ - ١٧٢٢)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٣٩٦)، وابن الأعرابي في المعجم (٢/ ٦٥٨/ ١٣٠٩)، وفيه: "فأتموا"، وهو وهم. والطبراني في الأوسط (١/ ٢٩٠/ ٩٤٨) و (٩/ ٩٨/ ٩٢٤٠)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٣٤٥)، وأبو الحسن علي بن عمر الحربي في فوائده (١٣٣)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/ ٣٩٩)، والبيهقي في السنن (٢/ ٢٩٨)، والخطيب في الموضح (١/ ٤٣٨)، وبيبي في جزئها (٢٢). وربما رواه بعضهم عن ابن سيرين موقوفًا، ولا يضره ذلك، لما عُلم من عادة ابن سيرين، قال الدارقطني في العلل (١٠/ ٢٩/ ١٨٣٠): "ورفعه صحيح، وقد عرفت عادة ابن سيرين أنه ربما توقف عن رفع الحديث توقيًا". وانظر فيمن وهم فيه على هشام بن حسان، فصحف ابن سيرين، وجعله من مسند سعد بن أبي وقاص: المعجم الأوسط (٢/ ٨٧/ ١٣٣٥). • وأما حديث أبي رافع: فيرويه محمد بن جعفر غندر، وعبد الوهاب بن عطاء الخفاف: كلاهما عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أقيمت الصلاة فامشوا إليها، وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا". علقه البخاري في القراءة خلف الإمام (١٩٠)، ووصله أحمد (٢/ ٤٨٩). وغندر ممن روى عن ابن أبي عروبة بعد الاختلاط، والخفاف ممن روى عنه في الحالين، ولم يميز بينهما، فلا يثبت لدينا أن هذا الحديث مما رواه في حال الصحة. قال الدارقطني في العلل (١١/ ٢٠٩/ ٢٢٢٦): "وخالفه قول همام وحجاج عن قتادة، وحديث أبي رافع: أشبه بالصواب، وقتادة: لم يسمع من أبي رافع، وإنما سمع حديث أبي رافع عن الحسن البصري عن خلاس بن عمرو عنه". وقد خولف ابن أبي عروبة في لفظه:

стр. 2608

رواه يونس بن عبيد، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أُقيمت الصلاة فأتوها وعليكم السكينة والوقار، فصلوا ما أدركتم، وأتموا ما فاتكم". أخرجه ابن خزيمة (٣/ ٧٢/ ١٦٤٦)، والعقيلي في الضعفاء (٢/ ١٦٠) (٢/ ٥٣١ - ط الصميعي). من طريق: معاوية بن عبد الله بن معاوية بن عاصم بن المنذر بن الزبير، قال: حدثنا سلام بن سليمان أبو المنذر القارئ: حدثنا يونس به. قال العقيلي: "الرواية فيه ثابتة بغير هذا الإسناد". قلت: سلام بن سليمان أبو المنذر القارئ: ليس به بأس، ومعاوية بن عبد الله الزبيري: لا بأس به [التعجيل (١٠٥١)]، لكن رواه هشيم [وهو: ثقة ثبت، من أصحاب يونس]، عن يونس، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة [وتقدم]، وهو الأقرب للصواب، فهو كما قال العقيلي، حيث أنكره على سلام أبي المنذر، وقال: "لا يتابع على حديثه". • ورواه بعضهم عن حماد بن زيد: ثنا أبو عمرو بن العلاء، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة فائتوها وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا". أخرجه ابن عدي في الكامل (٢/ ٣٤٠)، والدارقطني في الأفراد (٥/ ١٥٨/ ٤٩٩٧ - أطرافه)، وفيما انتخبه من حديث أبي الطاهر الذهلي (٩٥)، وتمام في الفوائد (١٠٨٢). ولا يصح هذا من حديث حماد بن زيد، إنما يرويه حماد عن أيوب عن ابن سيرين، كما تقدم. • والمحفوظ في هذا عن الحسن: هو ما رواه عوف الأعرابي، عن الحسن، قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: "إذا نودي للصلاة فلا تأتوها تسعَون، ولكن امْشُوا مشيًا، عليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما سبقكم فاقضوا". أخرجه أحمد (٢/ ٣٨٢). وحاصل ما تقدم: أن الحديث لا يصح عن أبي رافع، عن أبي هريرة، والله أعلم. • ورواه أيضًا: عمر بن قيس، عن عطاء، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، ولكن امشوا وعليكم السكينة، وصلوا ما أدركتم، واقضوا ما فاتكم". أخرجه ابن مخلد البزاز في حديثه عن شيوخه (٧٤). ورفعه منكر، عمر بن قيس المكي، المعروف بسندل: متروك، منكر الحديث، يحدث عن عطاء ببواطيل لا تحفظ عنه [التهذيب (٣/ ٢٤٧)].

стр. 2609

وهذا إنما يرويه عطاء عن أبي هريرة قوله، موقوف عليه، هكذا رواه عن عطاء بن أبي رباح أثبت الناس فيه: أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٢٨٧ - ٢٨٨/ ٣٤٠٢)، ومن طريقه: أبو العباس السراج في مسنده (٨٩١)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (١٧٠٩). رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، عن أبي هريرة، قال: إذا كان أحدكم مقبلًا إلى الصلاة فأقيمت الصلاة؛ فليمش على رسله، فإنه في صلاة، فما أدرك فليصلِّ، وما فاته فليقضه [أو: فليصلِّ] بعد. • وبعد هذا السرد المفصل لطرق حديث أبي هريرة، يحسن تلخيص ما تقدم، ليظهر لنا من رواه بلفظ الإتمام، ومن رواه بلفظ القضاء: اختلف فيه على أبي سلمة، فرواه عنه بلفظ الإتمام أحفظ أصحابه، وأكثرهم عنه رواية: الزهري، وتابعه: محمد بن عمرو بن علقمة، وخالفهما فرواه بلفظ القضاء: سعد بن إبراهيم، واختلفت الرواية عن عمر بن أبي سلمة، وعليه فالمحفوظ عن أبي سلمة: رواية: "فأتموا"، وتابعه عليها من أصحاب أبي هريرة: سعيد بن المسيب، وهمام بن منبه، وعبد الرحمن بن يعقوب الحرقي، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج. وخالفهم فرواه بلفظ القضاء: محمد بن سيرين، وهو من أحفظ أصحاب أبي هريرة، ولم تثبت الرواية فيه عن أبي رافع. وعليه: فجمهور أصحاب أبي هريرة الثقات الحفاظ، والمكثرين عنه: رووه بلفظ الإتمام، وتفرد ابن سيرين بلفظ القضاء، ورواية الجماعة أولى، والله أعلم. مع العلم بأنه لا مخالفة بين اللفظين من جهة المعنى - كما سيأتي بيانه -، وعليه فتكون رواية ابن سيرين بالمعنى، ورواية الجماعة باللفظ، والله أعلم. قال البيهقي في السنن (٢/ ٢٩٨): "والذين قالوا: "فأتموا" أكثر وأحفظ وألزم لأبي هريرة ﵁، فهو أولى، والله تعالى أعلم". وقد تابع أبا هريرة على لفظ الإتمام: أبو قتادة ﵁. • وأما حديث أبي ذر: فيرويه عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن رجل، عن أبي ذر، قال: من أقبل يشهد الصلاة، فأقيمت وهو في الطريق؛ فلا يسرع، ولا يزد على مشيته الأولى، فما أدرك فليصلِّ مع الإمام، وما لم يدرك فليتمه. موقوف. أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٢٩٠/ ٣٤١٢). ورواه في موضع آخر (٢/ ٣٨/ ٢٤٠٠)، عن ابن جريج، قال: أخبرني معمر وابن دينار، عن رجل سماه، عن أبي ذر به، وفيه زيادة. خالف ابنَ جريج: سفيانُ بن عيينة، فرواه عن عمرو بن دينار، عن رجل من بني غفار، عن أبي نضرة، عن أبي ذر مثله.

стр. 2610

أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٢٩٠/ ٣٤١٣). ثم قال عبد الرزاق: ذكره ابن جريج، عن عمرو، عن رجل، عن أبي ذر. وخالفهما: حماد بن زيد، وأيوب السختياني، فروياه عن عمرو بن دينار، عن أبي نضرة، عن أبي ذر، قال: إذا أقيمت الصلاة، فليمش إليها أحدكم، كما كان يمشي قبل ذلك، فما أدرك فليصل، وما فاته فليتمه. هذا لفظ حماد، وقال أيوب: "صل ما أدركت، واقضِ ما سبقكَ". أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٣٨/ ٧٤٠٢)، قال: حدثنا ابن علية، عن أيوب به. وابن المنذر في الأوسط (٤/ ١٤٧/ ١٩٢٧)، بإسناد صحيح إلى حماد. والمحفوظ: ما رواه سفيان بن عيينة، فإنه أحفظ القوم لحديث عمرو بن دينار، وهو أحفظ لحديث عمرو من ابن جريج، ومن حماد بن زيد، كما صرح بذلك الأئمة [شرح علل الترمذي (٢/ ٦٨٤)]. وعليه: فلا يصح إسناده لأبي ذر؛ لإبهام الرجل الغفاري، والله أعلم. • وفي الباب أيضًا مما رُوي بلفظ القضاء: ١ - عن أبي بكرة: يرويه عبد الله بن عيسى أبو خلف الخزاز، عن يونس، عن الحسن، عن أبي بكرة، ﵁: أن النبي ﷺ صلى صلاة الصبح، فسمع نفسًا شديدًا، أو بهرًا من خلفه، فلما قضى رسول الله ﷺ قال لأبي بكرة: "أنت صاحب هذا النفس؟ " قال: نعم، جعلني الله فداك، خشيت أن تفوتني ركعة معك فأسرعت المشي، فقال رسول الله ﷺ : "زادك الله حرصًا ولا تعد، صل ما أدركت، واقض ما سبق". أخرجه البخاري في القراءة خلف الإمام (١٩٥). وهو حديث منكر، تفرد فيه بهذه الزيادة: "صل ما أدركت، واقض ما سبق": عبد الله بن عيسى أبو خلف الخزاز، وهو: منكر الحديث، ينفرد عن يونس بما لا يتابع عليه [التهذيب (٢/ ٤٠١)، الميزان (٢/ ٤٧٠)]، وقد رواه الثوري، عن يونس، عن الحسن: مرسلًا، بدون هذه الزيادة [أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٢٨٣/ ٣٣٧٨)]، ورواه وهيب، عن يونس، عن الحسن: أن أبا بكرة … ، فذكر الحديث بدون هذه الزيادة [أخرجه الدارقطني فيما انتقاه من حديث أبي الطاهر (٤٢)]. وحديث أبي بكرة قد رواه عن الحسن بدون هذه الزيادة: زياد الأعلم، وقتادة، وهشام بن حسان، وأبو حرة واصل بن عبد الرحمن [وهم: ثقات]، وعنبسة بن أبي رائطة الغنوي الأعور، وإسماعيل بن مسلم المكي، والربيع بن صبيح، وأبو أمية عبد الكريم بن أبي المخارق [وهم ضعفاء] [أخرجه البخاري في صحيحه (٧٨٣)، وسيأتي تخريجه في موضعه من السنن برقم (٦٨٣ و ٦٨٤)، إن شاء الله تعالى]. ٢ - عن ابن عمر: مرفوعًا، ولفظه: "إذا أقيمت الصلاة فدُبُّوا دبيبًا، ولا تسعوا سعيًا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا؛ فإن الله يحب القضائين".

стр. 2611

أخرجه الخطيب في الموضح (١/ ٥٣٨). وهو حديث منكر؛ تفرد به أبو الوفاء جعفر بن ميسرة الأشجعي، عن أبيه، عن ابن عمر، وجعفر هذا: منكر الحديث جدًّا [اللسان (٢/ ٤٧٦)]. ٣ - عن سعد بن أبي وقاص: [المعجم الأوسط (٢/ ٨٧/ ١٣٣٥)، وهو وهم تقدم التنبيه عليه تحت حديث ابن سيرين عن أبي هريرة]. • ومن فقه الحديث: قال الأزهري في تهذيب اللغة (٣/ ٥٨): "وقال الفراء في قوله جل وعز: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قال: السعي والذهاب بمعنى واحد؛ لأنك تقول للرجل: هو يسعى في الأرض، وليس هذا باشتداد. وقال الزجاج: أصل السعي في كلام العرب التصرف في كل عمل، ومنه قول الله جل وعز: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ معناه: إلا ما عمل، قال: ومعنى قوله: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾: فاقصدوا، وليس معناه العَدْو. قلت: وقد يكون السعي بمعنى العَدْو في كلام العرب، ومنه قول النبي ﷺ : "إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعَون، ولكن ائتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا" فالسعي في هذا الحديث العَدْو". وقال ابن الأثير في النهاية (٢/ ٣٧٠): "السعي: العدو، وقد يكون مشيًا، ويكون عملًا وتصرفًا، ويكون قصدًا، وقد تكرر في الحديث، فإذا كان بمعنى المضي عُدِّي بإلى، وإذا كان بمعنى العمل عدي باللام". • قال الترمذي: "اختلف أهل العلم في المشي إلى المسجد: فمنهم من رأى الإسراع إذا خاف فوت التكبيرة الأولى، حتى ذُكِر عن بعضهم أنه كان يهرول إلى الصلاة، ومنهم من كره الإسراع، واختار أن يمشي على تُؤَدَة ووقار، وبه يقول أحمد وإسحاق، وقالا: العمل على حديث أبي هريرة، وقال إسحاق: إن خاف فوت التكبيرة الأولى؛ فلا بأس أن يسرع في المشي". وفي مسائل إسحاق الكوسج (٢٤٦) لأحمد وابن راهويه: "قلت: هل يُسعى إلى الصلاة؟ قال: لا، على حديث أبي هريرة. قال إسحاق: بلى، إذا خاف فوتَ التكبيرة الأولى" [وانظر: مسائل ابن هانئ (٢٦٨)]. وقال الإمام أحمد أيضًا: "ولا بأس إذا طمع أن يدرك التكبيرة الأولى أن يسرع شيئًا؛ ما لم يكن عجلة تقبح، جاء الحديث عن أصحاب رسول الله ﷺ أنهم كانوا يعجلون شيئًا إذا تخوفوا فوات التكبيرة الأولى، وطمعوا في إدراكها" [طبقات الحنابلة (١/ ٣٦٦)، المغني (١/ ٢٧١)، فتح الباري لابن رجب (٣/ ٥٦٧)]. وقال ابن المنذر (٤/ ١٤٦) بعد حديث أبي هريرة: "وقد فعل ذلك زيد بن ثابت، وأنس بن مالك، وأبو ذر، وروينا عن ابن عمر: أنه سمع الإقامة وهو بالبقيع، فأسرع المشي إلى المسجد، ورئي ابن مسعود اشتد إلى الصلاة، قال: بادرت حد الصلاة، يعني:

стр. 2612

التكبيرة الأولى، … [ثم قال:] يمشي المرء إذا خرج إلى الصلاة على عادته التي يمشي في سائر الأوقات، … [إلى أن قال:] والخروج عن ظاهر خبر رسول الله ﷺ غير جائز". وقال أيضًا (٤/ ٥٣): "وأكثر القراء على القراءة التي في المصاحف: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، وممن كان يقرأ هذه الآية أبي بن كعب، وعوام القراء، وهم وإن اختلفوا في قراءة الآية، فلا أحسبهم يختلفون في معناها؛ لأني لا أحفظ عن أحد منهم أنه قال: معناه السعي على الأقدام والعدْو، والدليل على صحة هذا المعنى: ثبوت الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن السعي على الأقدام إلى الصلوات، ودخلت الجمعة في جمل الصلوات وعمومها"، إلى أن قال: "فالسعي الذي أمر الله غير السعي الذي نهى رسول الله ﷺ ، وفي حديث أوس بن أوس عن النبي ﷺ أنه قال: "من غسل يوم الجمعة أو اغتسل، ثم بكر وابتكر، ومشى فدنا، فاستمع وأنصت". قال أبو بكر: فذكر المشي في هذا الحديث، ونهى عن السعي في حديث أبي هريرة". وبنحو هذا المعنى قال ابن خزيمة في مواضع من صحيحه (٣/ ٣) و (٣/ ١٣٥) و (٤/ ٢٣٥)، وقال في موضع منها (٣/ ٢٤٤): "فاسم السعي يقع على الهرولة وشدة المشي والمضي إلى الموضع، فالسعي الذي أمر الله به أن يسعى إلى الجمعة هو المضي إليها، والسعي الذي زجر النبي ﷺ عنه إتيان الصلاة هو الهرولة وسرعة المشي، فاسم السعي واقع على فعلين: أحدهما مأمور، والآخر منهي عنه". وكذا قال ابن حبان في صحيحه (٥/ ٥٢٢). وقال ابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ٢٣١): "فالسعي ههنا في هذا الحديث: المشي بسرعة، والاشتداد فيه، والهرولة، هذا هو السعي المذكور في هذا الحديث، وهو معروف مشهور في كلام العرب، ومنه السعي بين الصفا والمروة، وقد يكون السعي في كلام العرب: العمل، من ذلك قوله: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩]، و ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤)﴾ [الليل: ٤]، ونحو هذا كثير". ثم قال: "واختلف العلماء في السعي إلى الصلاة لمن سمع الإقامة: فروى مالك، عن نافع، عن ابن عمر: أنه سمع الإقامة وهو بالبقيع، فأسرع المشي، ورُوي ذلك عن ابن عمر من طرق، وروي عن عمر: أنه كان يهرول إلى الصلاة، وفي إسناده عنه لين وضعف، والله أعلم"، إلى أن قال: "وروي عن ابن مسعود أنه قال: أحق ما سعينا إليه الصلاة، رواه عنه ابنه أبو عبيدة، ولم يسمع منه، وروي عن الأسود بن يزيد، وعبد الرحمن بن يزيد، وسعيد بن جبير: أنهم كانوا يهرولون إلى الصلاة، فهؤلاء كلهم ذهبوا إلى: أنه من خاف الفوت سعى، ومن لم يخف مشى على هيئته"، ثم ذكر أقوال الصحابة في ترك السعي، عن ابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبي ذر، وبعض أقوال العلماء في ذلك، ثم قال: "معلوم أن النبي ﷺ إنما زجر عن السعي من خاف الفوت، قال: "فما أدركتم فصلوا"، فالواجب أن يأتيَ الصلاةَ من خاف فوتها ومن لم يخف ذلك: بالوقار والسكينة،

стр. 2613

وترك السعي، وتقريب الخطى؛ لأمر النبي ﷺ بذلك، وهو الحجة ﷺ ". وقال ابن رجب في الفتح (٣/ ٥٦٦): "قوله ﷺ : "إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة، ولا تسعوا" أمرٌ بالمشي ونهيٌ عن الإسراع إلى الصلاة لمن سمع الإقامة، وليس سماع الإقامة شرطًا للنهي، وإنما خرج مخرج الغالب؛ لأن الغالب أن الاستعجال إنما يقع عند سماع الإقامة خوفَ فوتِ إدراك التكبيرة أو الركعة، … ، وقد سبق حديث أبي قتادة: "إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة"، من غير اشتراط سماع الإقامة. وقد أجمع العلماء على استحباب المشي بالسكينة إلى الصلاة، وترك الإسراع والهرولة في المشي، ولما في ذلك من كثرة الخطا إلى المساجد، .... وهذا ما لم يخش فوات التكبيرة الأولى والركعة، فإن خشي فواتها، ورجا بالإسراع إدراكها، فاختلفوا: هل يسرع حينئذ، أم لا؟ وفيه قولان: أحدهما: أنه يسعى لإدراكهما، وروي عن ابن مسعود، أنه سعى لإدراك التكبيرة، ونحوه عن ابن عمر، والأسود، وعبد الرحمن بن يزيد، وسعيد بن جبير، وعن أبي مجلز: الإسراع إذا خاف من فوت الركعة، وقال إسحاق: لا بأس بالإسراع لإدراك التكبيرة، ورخص فيه مالك، وقال أحمد -في رواية مهنَّا-: ولا بأس -إذا طمع أن يدرك التكبيرة الأولى- أن يسرع شيئًا، ما لم يكن عجلة تقبح؛ جاء عن أصحاب النبي ﷺ أنهم كانوا يعجلون شيئًا إذا تخوفوا فوت التكبيرة الأولى، وطمعوا في إدراكها. وبوب النسائي في سننه على الإسراع إلى الصلاة من غير سعي، [ثم ذكر حديث أبي رافع الآتي ذكره، ثم قال:] وهذا إنما يدل على إسراع الإمام إذا خاف الإبطاء على الجماعة، وقد قرب الوقت. والقول الثاني: أنه لا يسرع بكل حالٍ، ورُوي عن أبي ذر، وزيد بن ثابت، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، وعطاء، وحكاه ابن عبد البر عن جمهور العلماء، وهو قول الثوري، ونقله ابن منصور وغيره عن أحمد، وقال: العمل على حديث أبي هريرة. وحديث أبي هريرة: دليل ظاهر على أنه لا يسرع لخوف فوت التكبيرة الأولى، ولا الركعة؛ فإنه قال: "فإذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة، ولا تسرعوا"، فدل على أنه ينهى عن الإسراع مع خوف فوات التكبيرة أو الركعة. وفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي بكرة: أنه جاء والنبي ﷺ راكع، فسمع النبي ﷺ صوت نعلي أبي بكرة وهو يحفز، يريد أن يدرك الركعة، فلما انصرف قال: "من الساعي؟ " قال أبو بكرة: أنا، قال: "زادك الله حرصًا، ولا تعد". وفي إسناده من يجهل حاله، [ثم ذكر حديث أبي بكرة المذكور في الشواهد، وهو منكر، وضعَّف إسناده أيضًا] " انتهى المراد منه. • قلت: عورض حديث أبي هريرة وأبي قتادة وما كان في معناهما بأحاديث وآثار: أما الأحاديث، فروي عن أبي رافع، وأبي بكرة:

стр. 2614

• يروي حديث أبى رافع: عبد الله بن وهب، وأبو إسحاق الفزاري: روياه عن ابن جريج، عن منبوذ [وفي رواية أبي إسحاق: أخبرني منبوذ رجلٌ من آل أبي رافع]، عن الفضل بن عبيد الله [بن أبي رافع]، عن أبي رافع، قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى العصر ذهب إلى بني عبد الأشهل، فيتحدث عندهم حتى ينحدر للمغرب، قال أبو رافع: فبينما النبي ﷺ يسرع إلى المغرب، مررنا بالبقيع، فقال: أُفٍّ لك، أُفٍّ لك" قال: فكبُرَ ذلك في ذَرْعِي، فاستأخرتُ، وظننت أنه يريدني، فقال: "ما لك، امشِ" فقلت: أَحْدَثْتُ حدثًا، قال: "ما ذاك؟ " قلت: أَفَّفْتَ بي، قال: "لا، ولكن هذا [قبر] فلان بعثته ساعيًا علي بني فلان، فَغَلَّ نَمِرَةً فدُرِّع الآن مثلَها من نار". أخرجه النسائي في المجتبى (٢/ ١١٥ و ١١٦/ ٨٦٢ و ٨٦٣)، وفي الكبرى (١/ ٤٥٢/ ٩٣٧)، وابن خزيمة (٤/ ٥٢/ ٢٣٣٧) [وأبهم فيه منبوذ]. وأحمد (٦/ ٣٩٢)، وأبو إسحاق الفزاري في السير (٣٩٣)، والروياني (٧٢٥)، والطبراني في الكبير (١/ ٣٢٣/ ٩٦٢)، والبيهقي في الشعب (٤/ ٦٣/ ٤٣٣٣)، وفي إثبات عذاب القبر (١٣٤). قلت: الفضل بن عبيد الله بن أبي رافع: روى عنه ثلاثة، وذكره ابن حبان في الثقات [التهذيب (٣/ ٣٩٢)]، وهو قليل الرواية جدًّا، كأن ما له سوى حديثين، ولا يُعرف له سماع من جده أبي رافع [انظر: التاريخ الكبير (٧/ ١١٥)]. ومنبوذ روى عنه: ابن جريج، وابن أبي ذئب، ولم يوثق [التهذيب (٤/ ١٥٢)]، فهو في عداد المجاهيل، ولم أجد له سوى هذا الحديث، وحديث آخر. وعليه فهو إسناد ضعيف؛ لجهالة منبوذ، وشيخه الفضل بن عبيد الله. فلا يُعارض بمثله ما اتفق عليه الشيخان من حديث أبي هريرة وأبي قتادة، في النهي عن السعي إلى الصلاة. • وأما حديث أبي بكرة: فيرويه بشار الخياط، قال: سمعت عبد العزيز بن أبي بكرة يحدث: أن أبا بكرة جاء والنبي ﷺ راكع، فسمع النبي ﷺ صوت نعل أبي بكرة وهو يَحْضُر، يريد أن يدرك الركعة، فلما انصرف النبي ﷺ قال: "من الساعي؟ " قال أبو بكرة: أنا، قال: "زادك الله حرصًا، ولا تعد". أخرجه أحمد (٥/ ٤٢). قال ابن رجب في الفتح (٣/ ٥٦٨): "وفي إسناده من يجهل حاله". قلت: بشار الخياط، هو بشار بن عبد الملك المزني البصري: ضعفه ابن معين، وذكره ابن حبان في الثقات [اللسان (٢/ ٢٨٥)، التعجيل (٨٨ و ٨٩)]. فلا يصح بهذا السياق، والله أعلم. والحاصل: أنه لا يصح شيء مرفوع يعارض أحاديث الباب.

стр. 2615

• وأما الآثار فأصح ما رُوي منها: فعل ابن عمر: يرويه مالك، عن نافع: أن عبد الله بن عمر سمع الإقامة وهو بالبقيع، فأسرع المشي إلى المسجد. أخرجه مالك في الموطأ (١/ ١٢٠/ ١٨٨)، ومن طريقه: الشافعي في الأم (٨/ ٧٠٩/ ٣٩١٦)، وفي المسند (٢٢٨)، وعبد الرزاق (٢/ ٢٩٠/ ٣٤١١)، وابن أبي شيبة (٢/ ١٣٧/ ٧٣٩٥)، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ١٤٧/ ١٩٢٨)، وأبو القاسم الحنائي في فوائده (٢٧٧)، والبيهقي في المعرفة (٢/ ٥١٥/ ١٧٨٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١١/ ٢٥). قال الحنائي: "هذا حديث مشهور من حديث مالك، … ، وهو موقوف، ولكنه من صحاح الموقوفات إن شاء الله، والله أعلم". أسند البيهقي في المعرفة (٢/ ٥١٥/ ١٧٨٢) إلى الربيع، قال: أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر: أنه سمع الإقامة وهو بالبقيع فأسرع المشي إلى المسجد. قال الربيع -في رواية أبي سعيد-: فقلت للشافعي: نحن نكره الإسراع إلى المسجد إذا أقيمت الصلاة. قال الشافعي: فإن كنتم إنما كرهتموه لقول النبي ﷺ : "إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها تمشون وعليكم السكينة" فقد أصبتم، وهكذا كان ينبغي لكم في كل أمر لرسول الله ﷺ [فيه سنة]. اهـ. وهو في كتاب اختلاف مالك والشافعي من الأم (٨/ ٧٠٩/ ٣٩١٦)، وفيه أيضًا: "فكيف يجوز لمسلم أن يدع ما يروى عن رسول الله ﷺ إلى ما يروى عن غيره". قلت: وقد يحمل فعل بعض الصحابة وأقوال بعض الأئمة في الإسراع لإدراك الجماعة، على خوف فوتها بالكلية، بحيث لا يدرك من صلاة الإمام شيئًا، فحينئذ يكون الإسراع له وجه لا يتعارض مع الحديث، لأن الذي يسمع الإقامة فلا يخشى عليه فوت الجماعة، بخلاف من لم يأتها إلا والإمام في آخر صلاته، بحيث لو تأنى لم يدرك منها شيئًا، يدل عليه قوله ﷺ : "فما أدركتم فصلوا"، قال شيخ الإسلام في شرح العمدة (٤/ ٥٩٨): "وإن خشي فوات الجماعة أو الجمعة بالكلية فلا ينبغي أن يكره له الإسراع هنا؛ لأن ذلك لا ينجبر إذا فات، وقد علل رسول الله ﷺ الأمر بالسكينة بقوله: "فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا" … ، فعلم أن الخطاب لمن يأتي الصلاة طامعًا في إدراكها". وانظر أيضًا: معاني القرآن للفراء (٣/ ١٥٦)، مصنف عبد الرزاق (٢/ ٢٩٠)، مصنف ابن أبي شيبة (٢/ ١٣٧)، أحكام القرآن للطحاوي (١/ ١٤٩)، مشكل الآثار (١٤/ ١٩٦)، أحكام القرآن للجصاص (٥/ ٣٣٧)، الاستذكار (١/ ٣٨٠)، شرح السنة (٢/ ٣١٩)، شرح صحيح البخاري لابن بطال (٢/ ٤٩٩)، الجامع لأحكام القرآن (١/ ١٦٥)، شرح مسلم للنووي (٥/ ٩٩)، المجموع شرح المهذب (٤/ ١٧٨)، لسان العرب (١٤/ ٣٨٥)، مجموع

стр. 2616

فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٢/ ٢٥٩)، فتح الباري (٢/ ٣٩٠)، مغني المحتاج (١/ ٢٣١)، نهاية المحتاج (٢/ ١٤٥)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٢). • وأما مسألة البناء والقضاء: فإن جمهور أصحاب أبي هريرة الثقات الحفاظ، والمكثرين عنه: رووه بلفظ الإتمام، وتفرد ابن سيرين بلفظ القضاء، ورواية الجماعة أولى، وقد تابع أبا هريرة على لفظ الإتمام: أبو قتادة ﵁. فالذي يظهر لي -والله أعلم- أن الذي رواه بلفظ القضاء إنما عبر عنه بالمعنى، ولا شك أن اللفظ الذي تلفظ به رسول الله ﷺ واحد، وتعبير الراوي -سواء كان الصحابي أو التابعي- مما يدل على أن كلا اللفظين يؤدي معنىً واحدًا، وهو إتمام المسبوق صلاته التي ابتدأها لنفسه، وتقدَّم أولها، وبقي عليه إتمام آخرها، ولفظ الإتمام واقع على باقٍ من شيء قد تقدم سائره، وقد كان الصحابة يعبرون أحيانًا بأحد اللفظين -القضاء أو الإتمام- في مقام الآخر لبيان مراد واحد: ففي حديث المغيرة بن شعبة في قصة المسح على الخفين: قال: ثم ركبنا فأدركنا الناس، وقد أقيمت الصلاة، فتقدمهم عبد الرحمن بن عوف، وقد صلى بهم ركعة، وهم في الثانية، فذهبت أوذنه فنهاني، فصلينا الركعة التي أدركنا وقضينا التي سُبقنا، والشاهد قوله: وقضينا التي سُبقنا [تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٥٠)، وهو حديث صحيح]. ومن المعلوم أن العمل في الركعة الأولى كالعمل في الركعة الثانية، فكلاهما بفاتحة وسورة، وعليه فيستوي فيه التعبير بالإتمام وبالقضاء، ولذا ففي بعض طرق الحديث: قال: فلما سلم قام النبي ﷺ وقمت، فركعنا الركعة التي سبقتنا. وهذا لفظ مسلم. ولو كان المراد أن ما أدركه النبي ﷺ من صلاة عبد الرحمن بن عوف كان آخر صلاته، لكان يلزم من ذلك أن يقضي الركعة الأولى وحدها، ومن ثم فلا جلوس للتشهد، ولا تشهد، لأنه قد صلاه مع الإمام، فلما لم يكن ذلك علمنا أن ما يدركه المسبوق مع إمامه إنما هو أول صلاته لنفسه، والله أعلم. وفي قصة أنس بن مالك مع زيد بن ثابت في المشي إلى الصلاة، قال جعفر بن سليمان: سمعت ثابتًا البناني، يقول: أقيمت الصلاة، وأنس بن مالك واضعٌ يدَه عليَّ، قال: فجعلت أهابه أن أرفع يده عني، وجعل يقارب بين الخطو، فانتهينا إلى المسجد، وقد سُبقنا بركعة، فصلينا مع الإمام، وقضينا ما فاتنا، فقال لي أنس: اعمل الذي صنعت بك؟ قلت: نعم. قال: فعله بي أخي زيد بن ثابت. أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٢٨٩/ ٣٤٠٨)، ومن طريقه: ابن المنذر في الأوسط (٤/ ١٤٦/ ١٩٢٦). وهذا إسناد حسن، والشاهد قوله: وقضينا ما فاتنا. وأما حديث معاذ في أحوال الصلاة، المتقدم برقم (٥٠٧)، والشاهد منه: فجاء

стр. 2617

معاذ، فقال: لا أجده على حالٍ أبدًا إلا كنتُ عليها، ثم قضيتُ ما سبقني، قال: فجاء وقد سبقه النبي ﷺ ببعضها، قال: فثبت معه، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته، قام فقضى، فقال رسول الله ﷺ : "إنه قد سنَّ لكم معاذ، فهكذا فاصنعوا"، فهو حديث ضعيف. وقد جاء القضاء في الكتاب والسنة بمعنى الفعل، مثل قوله : ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]، وقوله : ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ [النساء: ١٠٣]، وقوله : ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠]، وقوله : ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، قال الأزهري في تهذيب اللغة (٣/ ٢٩٨٦ - معجمه): "وقضى في اللغة على ضروب، كلها ترجع إلى معنى انقطاع الشيء وتمامه"، إلى أن قال: "وقضى فلان صلاته، أي: فرغ منها"، وقال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة (٨٩٣): "قضى: القاف والضاد والحرف المعتل: أصل صحيح يدل على إحكام أمر وإتقانه وإنفاذه لجهته" [انظر: مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني (٦٧٤)]. هذا ما دل عليه اللفظ في كلام العرب، لكن الفقهاء اصطلحوا بعد ذلك على التفريق بين الأداء والقضاء في العبادات، على أن الأداء لما فُعِل في وقته، والقضاء لما فُعِل بعد انقضاء وقته وخروجه. ولهذا غلط كثير من الناس في فهم الخطاب، فحملوا خطاب الشرع على اصطلاحهم وعرفهم الحادث، مثل ما قال بعضهم في الاستدلال على مذهبه بلفظ: "فاقضوا" من هذا الحديث، فقال: "والقضاء إنما يكون لما فات وقته، وانقضى محله"، وكان الأولى أن ينظر في استعمال القرآن والسنة وكلام الصحابة ﵃ لهذه اللفظة، وهل فرقوا بين القضاء والإتمام، أم كانا بمعنى واحد؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (١٢/ ١٠٦): "ونظير هذا لفظ القضاء: فإنه في كلام الله وكلام الرسول ﷺ المراد به: إتمام العبادة، وإن كان ذلك في وقتها، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾، وقوله ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾، ثم اصطلح طائفة من الفقهاء فجعلوا لفظ القضاء مختصًا بفعلها في غير وقتها، ولفظ الأداء مختصًا بما يفعل في الوقت، وهذا التفريق لا يعرف قط في كلام الرسول ﷺ ، ثم يقولون: قد يستعمل لفظ القضاء في الأداء، فيجعلون اللغة التي نزل القرآن بها من النادر. ولهذا يتنازعون في مراد النبي ﷺ : "فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا"، وفي لفظ: "فأتموا" فيظنون أن بين اللفظين خلافًا، وليس الأمر كذلك، بل قوله: "فاقضوا" كقوله: "فأتموا"، لم يرد بأحدهما الفعل بعد الوقت، بل لا يوجد في كلام الشارع أمر بالعبادة في غير وقتها، لكن الوقت وقتان: وقت عام، ووقت خاص لأهل الأعذار، كالنائم والناسي إذا صليا بعد الاستيقاظ والذكر، فإنما صليا في الوقت الذي أمر الله به،

стр. 2618

فإن هذا ليس وقتًا في حق غيرهما، ومن أعظم أسباب الغلط في فهم كلام الله ورسوله ﷺ : أن ينشأ الرجل على اصطلاح حادث، فيريد أن يفسر كلام الله بذلك الاصطلاح، ويحمله على تلك اللغة التي اعتادها". • وأما ما جاء من آثار في هذا المعني: • روى إسماعيل بن عياش، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن: أن عمر بن الخطاب وأبا الدرداء ﵄ كانا يقولان: ما أدركت من آخر صلاة الإمام فاجعله أول صلاتك. أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١١٣/ ٧١١٤) (٧١٩١ - ط عوامة)، والبيهقي في السنن (٢/ ٢٩٨). قال ابن المنذر وابن عبد البر بأنه لا يثبت، وهو كما قالا، فهو مرسل بإسناد ضعيف، فإن ربيعة الرأي من صغار التابعين، لم يدرك عمر، ولا أبا الدرداء، والإسناد إليه لا يصح، لأنه من رواية إسماعيل بن عياش عنه، وروايته عن الحجازيين ضعيفة، وهذه منها. • وروى إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي ﵁ أنه قال: ما أدركت فهو أول صلاتك. أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٤/ ٢٣٨/ ٢٠٩٢)، والبيهقي في السنن (٢/ ٢٩٨). ورواه بمعناه: أشعث بن سوار [ضعيف]، عن أبي إسحاق به. أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١١٣/ ٧١١٩). وهذا إسناد ضعيف؛ لأجل الحارث الأعور، وأبو إسحاق السبيعي لم يسمع من الحارث إلا أربعة أحاديث. وروى سعيد بن أبي عروبة، ومعمر، عن قتادة: أن عليًّا قال: ما أدركت مع الإمام فهو أول صلاتك، [زاد معمر:] واقض ما سبقك به من القراءة. أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٢٢٦/ ٣١٦٠)، وابن أبي شيبة (٢/ ٧١١٧/١١٣)، وأبو بكر النيسابوري في الزيادات على المزني (٣٦)، والدارقطني (١/ ٤٠١). وهذا إسناد ضعيف؛ لإرساله، فإن قتادة لم يدرك عليًّا. وروى هشيم، قال: أخبرنا منصور، عن الحسن، عن علي أنه كان يقول: من أدرك مع الإمام ركعتين، قال: يقرأ فيما أدرك. أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١١٣/ ٧١١٣). وهذا إسناد ضعيف؛ لإرساله، فإن الحسن لم يسمع عليًّا [المراسيل (٩٣ و ٩٤)، جامع التحصيل (١٦٢)، تحفة التحصيل (٦٧)]. • وقد روي عن سعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وأبي قلابة، وعمر بن عبد العزيز، ومكحول، والزهري، والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز: أن ما أدركت من صلاة الإمام فهو أول صلاتك [مصنف عبد الرزاق

стр. 2619

(٢/ ٢٢٦)، مصنف ابن أبي شيبة (٢/ ١١٣)، مسند ابن الجعد (٣٢٣٨)، الأوسط لابن المنذر (٤/ ٢٣٩)، الزيادات على المزني (٣٧ - ٤٠)، سنن البيهقي (٢/ ٢٩٨)]. • وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: أن ابن مسعود قال: اقرأ فيما فاتك. أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٢٢٦/ ٣١٦٤). وهذا إسناد ضعيف؛ لإرساله، فإن قتادة لم يدرك ابن مسعود. وروى عبد الله بن إدريس، عن حصين، عن إبراهيم، عن عبد الله، قال: ما أدركت مع الإمام فهو آخر صلاتك. أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١١٣/ ٧١٢٠). وهذا موقوف على ابن مسعود بإسناد كوفي رجاله ثقات، وهو مرسل جيد، وتقدم الكلام على مراسيل إبراهيم النخعي قريبًا، تحت الحديث رقم (٥٧٠). وقد رواه أهل البصرة عن ابن مسعود، لكنه منقطع أيضًا: رواه حماد بن سلمة، عن قتادة، عن ابن سيرين، عن ابن مسعود، قال: يجعل ما أدرك مع الإمام آخر صلاته. أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١١٤/ ٧١٢١) (٧١٩٨ - ط عوامة)، وابن المنذر (٤/ ٢٣٩/ ٢٠٩٣). وهذا موقوف على ابن مسعود بإسناد بصري، رجاله ثقات، لكنه منقطع بين ابن سيرين وابن مسعود، قال ابن المنذر: "مرسل" [وانظر: المعرفة للبيهقي (٥/ ٢٩٠ - ٢٩١)]. ويحكى عن ابن مسعود شيء لا يثبت في القضاء في الأفعال: روى عبد الله بن أحمد في مسائله لأبيه (٣٨٥): "قال: قرأت على أبي: محمد بن جعفر، قال: نا سعيد، عن أبي معشر، عن النخعي: أن مسروقًا وجندبًا أدركا مع الإمام ركعة من المغرب، فلما قاما يقضيان: قعد مسروق في كلتي الركعتين، وقعد جندب في آخر صلاته، فذكر ذلك لابن مسعود، فقال: أصاب مسروق، ولم يأل جندب. حدثنا قال: سمعت أبي يقول: فعل مسروق أحب إلي، ويقرأ فيما يقضي". وهذا صورته مرسل، فإن إبراهيم النخعي وإن كان من أصحاب مسروق، لكنه هنا يحكي واقعة لم يحضرها، ولم يذكرها رواية، ثم إن سعيد بن أبي عروبة كان قد اختلط، والراوي عنه هنا: محمد بن جعفر غندر ممن روى عن سعيد بعد الاختلاط [شرح علل الترمذي (٧٤٤)]. وروى عبد الرزاق، عن الثوري، عن جابر، عن الشعبي، أن جندبًا ومسروقًا أدركا ركعة من المغرب، فقرأ جندب ولم يقرأ مسروق خلف الإمام، فلما سلم الإمام قاما يقضيان، فجلس مسروق في الثانية والثالثة، وقام جندب في الثانية ولم يجلس، فلما انصرفا تذاكرا ذلك، فأتيا ابن مسعود، فقال: كل قد أصاب، أو: كل قد أحسن، ونفعل كما فعل مسروق.

стр. 2620

أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٢٢٧/ ٣١٦٥). وهذا إسناد ضعيف جدًّا؛ جابر هو ابن يزيد الجعفي: متروك، يكذب، وكان يقول بالرجعة. كما أن صورته: مرسل، فإن الشعبي لم يسمع من ابن مسعود، ولم يشهد هذه الواقعة. وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن جعفر الجزري، عن الحكم، أن جندبًا ومسروقًا أدركا ركعة من المغرب، فقرأ أحدهما في الركعتين الأخريين ما فاته من القراءة، ولم يقرأ الآخر في ركعة، فسئل ابن مسعود، فقال: كلاهما محسن، وأنا أصنع كما صنع هذا الذي قرأ في الركعتين. أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٢٢٧/ ٣١٦٦). ولا أُراه يثبت عن ابن مسعود، جعفر هو ابن برقان الجزري، وهو: ثقة في غير الزهري، وقيل: أثبت الناس في ميمون بن مهران ويزيد بن الأصم، وهو في غيرهما ضعيف رديء الضبط، قاله مسلم [التهذيب (١/ ٣٠١)، الميزان (١/ ٤٠٣)، التمييز (٢١٨)، شرح العلل (٢/ ٧٩٠)]، والحكم قد يكون هو ابن عتيبة، وقد يكون غيره، ثم إن صورته مرسل، وابن عتيبة غير معروف بالرواية عن مسروق وجندب، والله أعلم. والحاصل أن في ثبوت هذه القصة نظر، لا سيما فيما يتعلق بالقضاء في الأفعال. • وروى ابن علية، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان يجعل ما أدرك مع الإمام آخر صلاته. وفي رواية: أنه قال: يجعل ما أدرك مع الإمام آخر صلاته. أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١١٤/ ٧١٢٢)، ومن طريقه: ابن المنذر (٤/ ٢٣٩/ ٢٠٩٤). لكن رواه عبد الوهاب بن عطاء الخفاف [ممن سمع من ابن أبي عروبة قبل الاختلاط وبعده، فلم يميز بينهما]: أنبأ سعيد -يعني: ابن أبي عروبة-، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: ما أدركت فهو أول صلاتك. أخرجه البيهقي في السنن (٢/ ٢٩٨). خالفه من هو أثبت منه في ابن أبي عروبة: فرواه عبدة بن سليمان [ثقة ثبت، من أثبت الناس في ابن أبي عروبة]، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد والحسن، قالا: ما أدركت مع الإمام فهو أول صلاتك. أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١١٣/ ٧١١٦). فهذا هو المحفوظ عن ابن أبي عروبة، هذا من وجه، ومن وجه آخر، فإن إسماعيل ابن علية من أثبت الناس في أيوب السختياني، فروايته مقدمة على ابن أبي عروبة عند الاختلاف. وعليه: فإن إسناد ابن علية: إسناد صحيح، موقوف على ابن عمر. • والذي يظهر لي أن مراده بذلك القضاء في القراءة فقط، وما عدا ذلك فيبني فيه على صلاته لنفسه، سواء في ذلك ترتيب أفعالها وأقوالها، يفسره ما رواه مالك وعبيد الله بن عمر:

стр. 2621

عن نافع: أن عبد الله بن عمر كان إذا فاته شيء من الصلاة مع الإمام فيما جهر فيه الإمام بالقراءة؛ أنه إذا سلم الإمام قام عبد الله بن عمر فقرأ لنفسه فيما يقضي، وجهر. أخرجه مالك في الموطأ (١/ ١٣٢/ ٢١٦)، وعبد الرزاق (٢/ ٢٢٨/ ٣١٧٠)، وابن أبي شيبة (٢/ ١١٤/ ٧١٢٣). وهذا إسناد مدني صحيح. وروى أبو معاوية، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أنه قال: اقرأ فيما تقضي. أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١١٤/ ٧١٢٤). وروى يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد الله بن عمر، قال: أخبرني نافع: أن ابن عمر كان إذا سبق بالأوليين: قرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب وسورة، ثم يجلس. أخرجه عبد الله بن أحمد في مسائله لأبيه (٣٨٦). وإسناده صحيح. • وعن ثابت بن عجلان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ما أدركت مع الإمام فهو أول صلاتك، واقرأ فيه بفاتحة الكتاب وسورة. ذكره ابن رجب في الفتح (٣/ ٥٧٥)، وعزاه لحرب الكرماني. وهذا إن صح إسناده إلى ثابت، فهو إسناد صحيح على شرط البخاري، أخرج به حديثًا برقم (٥٥٣٢). • وروى ابن لهيعة، عن عبيد الله بن المغيرة، عن جهم بن الأسود، عن أبي سعيد الخدري، قال: اقرأ فيما تقضي بما قرأ به الإمام. خرجه عبد الله بن الإمام أحمد، كذا في فتح الباري لابن رجب (٣/ ٥٨٠). وإسناده ضعيف؛ لأجل ابن لهيعة، وجهم بن الأسود: مجهول [الجرح والتعديل (٢/ ٥٢٢)، الثقات (٤/ ١١٤)، وذكراه بهذا الإسناد فقط]. • والحاصل من هذه الآثار: أن أصح ما رُوي في الباب: أثر ابن عمر في القراءة في الأخريين بفاتحة وسورة؛ إذا سُبق بهما، والله أعلم. وأقوال الإمام أحمد في هذه المسألة توضح المراد من هذه الآثار: قال أبو بكر الأثرم: قلت لأبي عبد الله -يعني: أحمد بن حنبل-: أرأيت قول من قال: يجعل ما أدرك مع الإمام أول صلاته، ومن قال: يجعله آخر صلاته، أي شيء الفرق بينهما؟ قال: من أجل القراءة فيما يقضي، قلت له: فحديث النبي ﷺ على أي القولين يدل عندك؟ قال: على أنه يقضي ما فاته، قال ﷺ : "صلوا ما أدركتم، واقضوا ما سبقكم" [التمهيد (٢٠/ ٢٣٦)، فتح الباري لابن رجب (٣/ ٥٧١)]. وهذا من الإمام أحمد تفسير للقولين، وأنه لا تضاد بينهما في الأفعال، وإنما وقع الاختلاف في القراءة فقط، هل يقرأ ما فاته من قراءة الإمام بالحمد وسورة أم لا؟

стр. 2622

وهذا يبين أن الصحابة لم يقع بينهم اختلاف في الأفعال، وأن المأموم إذا دخل مسبوقًا مع الإمام فإنما يبتدئ الصلاة لنفسه، وأن الركعة التي أدركها مع الإمام وإن كانت الثالثة مثلًا فهي الأولى بالنسبة للمأموم، وإنما اختلفوا في قضاء القراءة بالحمد وسورة، وما روي بخلاف ذلك فلا يصح، والله أعلم. وقال صالح بن أحمد في مسائله لأبيه (٦٦٦): "سألته عن رجل أدرك مع الإمام ركعة؟ قال: يقوم فيقرأ فاتحة الكتاب وسورة، ثم يجلس فيتشهد، ثم يقوم فيقرأ بفاتحة الكتاب وسورة، ولا يقعد، ثم يقوم فيقرأ فاتحة الكتاب وحدها، ويقعد فيتشهد ويسلم، ويروى عن أبي هريرة وأنس بن مالك: أن النبي ﷺ قال: "صل ما أدركت، واقض ما سبقك". قلت: فكأنه يتشهد ثلاث مرات؟ قال: الأولى إنما يتبع الإمام، ويروى عن علي: يقرأ فيما أدرك، وقال ابن عمر: يقرأ فيما يقضي، وقال ابن مسعود: ما أدركت مع الإمام فهو آخر صلاتك" [وانظر أيضًا: (٢٩٠ و ٣٨٣ و ١١٠٧ و ١١٦٩)] [وانظر: مسائل عبد الله لأبيه (٣٨٣)، مسائل أبي داود (٢٦٥)، مسائل ابن هانئ (٢٦٧)]. وقول الإمام أحمد في رواية الأثرم وابنه صالح: يفسره ما جاء في رواية ابنه عبد الله في مسائله (٣٨٤)، وأنه إنما أراد البناء في الأفعال والأقوال، ما عدا القراءة فيرى فيها القضاء، قال عبد الله: "سألت أبي عن رجل أدرك مع الإمام آخر ركعة من الظهر، فقام يقضي، قلت: أيش يقرأ؟ قال: في الركعتين الأوليين ما يقضي الحمد وسورة، ويجعل ما أدرك مع الإمام أول صلاته، فيقعد في الركعة التي يقضي من أولها، ثم يقوم، ويقعد في آخر صلاته، ويقرأ في آخر ركعة بفاتحة الكتاب وحدها، وإن أدرك ركعتين من الظهر فقام فقرأ فيما يقضي الحمد لله وسورة. قال أبي: يُروى عن ابن عمر، وابن مسعود، قالا: يقرأ فيما يقضي، ويروى عن علي: ما أدرك مع الإمام فهو أول صلاته، وقال ابن مسعود: ما أدرك مع الإمام فهو آخر صلاته". ولذا فقد صرح في رواية ابنه عبد الله بأن ما أدرك مع الإمام يجعله أول صلاته، يعني في كل شيء ما عدا القراءة، فكلامه فيها صريح كما تقدم نقله، قال عبد الله: "سمعت أبي يقول في الرجل تفوته بعض الصلاة مع الإمام: يجعل ما أدرك أول صلاته" [مسائله (٣٨٢)]. وفي ترجمة أحمد بن محمد بن خالد بن يزيد بن غزوان أبي العباس البرائي، نقل عنه ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (١/ ٦٤)، أنه قال: "سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل، فقلت له: إذا فاتني أول صلاة الإمام فأدركت معه من آخر صلاته، فما أعتد أنه

стр. 2623

أول صلاتي؟ فقال لي: تقرأ فيما يُقضى -يعني: بالحمد وسورة-، وفي القعود تقعد على ابتداء صلاتك" [وكذا في المقصد الأرشد (١/ ١٥٩)]. قال ابن رجب في الفتح (٣/ ٥٧٦): "وقد اتفقت النصوص عن أحمد على: أنه يقرأ فيما يقضي بالحمد وسورة". • وفي المسألة ثلاثة أقوال: الأول: أن ما أدرك مع الإمام فهو أول صلاته، ولكنه يقضي ما فاته بالحمد وسورة. وهو ما يسمى بالبناء في الأفعال والقضاء في الأقوال، والمراد بالأقوال: القراءة خاصة، وأما غيرها من الأقوال فهو بانٍ فيه كالأفعال. وهو قول: مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، والأوزاعي، ومحمد بن الحسن، والطبري. الثاني: أن ما أدرك فهو آخر صلاته، وما يقضيه أولها. وهو قول: أبي حنيفة، والثوري، والحسن بن حي، والمشهور من مذهب أحمد، ورواية عن مالك. الثالث: أن ما أدرك فهو أول صلاته، يقرأ فيه مع الإمام بالحمد لله وسورة إن أدرك ذلك معه، وإذا قام للقضاء قرأ بالحمد لله وحدها فيما يقضي لنفسه؛ لأنه آخر صلاته. وهو قول: المزني، وإسحاق، وداود، وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون. قال ابن المنذر في الأوسط (٤/ ٢٣٨): "اختلف أهل العلم في الذى يدركه المأموم من صلاة الإمام، أهو أول صلاته أم آخرها؟. فقالت طائفة: يجعله أول صلاته؛ لأنهم قد أجمعوا أن تكبيرة الافتتاح لا تكون إلا في الركعة الأولى، روي هذا القول عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وأبي الدرداء، وليس يثبت عن واحد منهم، وبه قال: سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وعمر بن عبد العزيز، ومكحول، وعطاء، والزهري، والأوزاعى، وسعيد بن عبد العزيز، وإسحاق بن راهويه، والمزني. وقالت طائفة: يجعل ما أدرك مع الإمام آخر صلاته، كذلك قال ابن عمر، وروي ذلك عن ابن مسعود: مرسل. وبه قال: مجاهد، ومحمد بن سيرين، وهو قول: مالك، وسفيان الثوري، والشافعي، وأحمد بن حنبل. قال أبو بكر بن المنذر: وبالقول الأول أقول، وذلك أنهم مجمعون لا اختلاف بينهم أن تكبيرة الافتتاح تكون في أول ركعة من الصلاة، ويلزم من خالفنا أن يقول: إن الذي يدركه مع الإمام أول صلاته؛ لأن التكبيرة الأولى تفتتح الصلاة، وغير جائز أن يجمعوا على أن التكبيرة الأولى التي يفتتح بها المصلي الصلاة في أول ركعة، ثم يقلب ما أجمعوا عليه أنها أولى فيجعل آخرة؛ لأن الآخرة غير الأولى، ومن زعم أنها أول ركعة في افتتاح الصلاة وهي آخر ركعة في باب القراءة، فقد جعل الأولى آخرة، والآخرة أولى.

стр. 2624

يقال لمن خالفنا: ما تقول في رجل أدرك مع الإمام من المغرب ركعتين؟، فإن زعم أنهما الركعتان الآخرتان، قيل له: فلم أمرته بالجلوس في الركعة التي يقضيها وهي عندك أولى، والأولى لا جلوس فيها؟، وفي أمر كل من نحفظ عنه من أهل العلم بالجلوس في هذه الركعة والتسليم فيها بيان أنها الثالثة، إذ لا جلوس في الأولى من صلاة المغرب ولا تسليم له". وقال ابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ٢٣٥) بعد أن ذكر اختلاف الفقهاء: "وأما السلف ﵃: فروي عن عمر، وعلي، وأبي الدرداء، بأسانيد ضعاف: ما أدركت فاجعله أول صلاتك [في المطبوعة: آخر صلاتك، وهو خطأ ظاهر]. وثبت عن سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وعمر بن عبد العزيز، ومكحول، وعطاء، والزهري، والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز: ما أدركت فاجعله أول صلاتك. والذي يجيء على أصولهم إن لم يثبت عنهم نص في ذلك: ما قاله المزني وإسحاق وداود، وروي عن ابن عمر أنه قال: ما أدركت فاجعله آخر صلاتك، وعن مجاهد وابن سيرين مثل ذلك، … ". قال ابن عبد البر: "واحتج القائلون بأن ما أدرك هو أول صلاته بقوله ﷺ : "وما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا"، قالوا: والتمام هو الآخر، واحتج الآخرون بقوله: "ما فاتكم فاقضوا"، قالوا: والذي يقضيه هو الفائت. والحجج متساوية لكلا المذهبين من جهة الأثر والنظر؛ إلا أن رواية من روى: "فأتموا" أكثر. وأما من جعل ما أدرك مع الإمام أول صلاته فليس يطرد فيه ويستقيم إلا ما قاله ابن أبي سلمة والمزني وإسحاق وداود، والله أعلم، وبه التوفيق والسداد، لا شريك له. وقد زعم بعض المتأخرين من أصحابنا أن من ذهب مذهب ابن أبي سلمة والمزني في هذه المسألة: أسقط سنة الجهر في صلاة الليل، وسنة السورة مع أم القرآن، وهذا ليس بشيء؛ لأن إمامه قد جاء بذلك، وحصلت صلاته على سنتها في سرها وجهرها، وغير ذلك من أحكامها، وإنما هذا كرجل أحرم والإمام راكع ثم انحنى، فلا يقال له: أسقطت سنة الوقوف والقراءة، وكرجل أدرك مع إمامه ركعة فجلس معه في موضع قيامه أو انفرد، فلا يقال له: أسأت، أو أسقطت شيئًا، وحسبه إذا أتم صلاته أن يأتي بها على سنة آخرها، ولا يضره ما سبقه إمامه في أولها، لأنه مأمور باتباع إمامه، وإنما جعل الإمام ليؤتم به". وقال ابن خزيمة في الصحيح (٣/ ٨) بعد حديث المغيرة بن شعبة: "هذه اللفظة قد يغلط فيها من لا يتدبر هذه المسألة، ولا يفهم العلم والفقه، زعم بعض من يقول بمذهب العراقيين؛ أن ما أدرك مع الإمام آخر صلاته: أن في هذه اللفظة دلالة على أن النبي ﷺ والمغيرة إنما قضيا الركعة الأولى، لأن عبد الرحمن إنما سبقهما بالأولى لا بالثانية،

стр. 2625

وكذلك ادَّعَوا في قول النبي ﷺ : "وما فاتكم فاقضوا"، فزعموا أن فيه دلالة على أنه إنما يقضي أول صلاته لا آخرها، وهذا التأويل من تدبر الفقه علم أن هذا التأويل خلاف قول أهل الصلاة جميعًا؛ إذ لو كان المصطفى ﷺ والمغيرة بعد سلام عبد الرحمن بن عوف قضيا الركعة الأولى التي فاتتهما؛ لكانا قد قضيا ركعة بلا جلسة ولا تشهد، إذ الركعة التي فاتتهما وكانت أول صلاة عبد الرحمن بن عوف كانت ركعة بلا جلسة ولا تشهد، وفي اتفاق أهل الصلاة أن المدرك مع الإمام ركعة من صلاة الفجر يقضى ركعة بجلسة وتشهد وسلام ما بان وصح أن النبي ﷺ لم يقض الركعة الأولى التي لا جلوس فيها ولا تشهد ولا سلام، وإنه يقضي الركعة الثانية التي فيها جلوس وتشهد وسلام، ولو كان معنى قوله ﷺ : "وما فاتكم فاقضوا" معناه: أن اقضوا ما فاتكم، كما ادعاه من خالفنا في هذه المسألة كان على من فاتته ركعة من الصلاة مع الإمام أن يقضي ركعة بقيام وركوع وسجدتين بغير جلوس ولا تشهد ولا سلام، وفي اتفاقهم معنا أنه يقضى ركعة بجلوس وتشهد ما بان وثبت أن الجلوس والتشهد والسلام من حكم الركعة الأخيرة، لا من حكم الأولى، فمن فهم العلم وعقله ولم يكابر علم أن لا تشهد ولا جلوس للتشهد ولا سلام في الركعة الأولى من الصلاة". وقال الخطابي في المعالم (١/ ١٤٠): "في قوله: "فأتموا" دليل أن الذي أدركه المرء من صلاة إمامه هو أول صلاته؛ لأن لفظ الإتمام واقع على باقٍ من شيء قد تقدم سائره"، إلى أن قال: "وقد يكون القضاء بمعنى الأداء للأصل، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]، وكقوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠]، وليس شيء من هذا قضاء لفائت، فيحتمل أن يكون قوله: "وما فاتكم فاقضوا"؛ أي: أدوه في تمام، جمعًا بين قوله: "فأتموا" وبين قوله: "فاقضوا"، ونفيًا للاختلاف بينهما"، وبنحوه قال البغوي في شرح السنة (٢/ ٣٢٠). وقال النووي في المجموع (٤/ ١٩٢): "قال أصحابنا: فأما رواية "فاقضوا" فجوابها من وجهين: أحدهما: أن رواة "فأتموا" أكثر وأحفظ، والثاني: أن القضاء محمول على الفعل، لا القضاء المعروف في الاصطلاح، لأن هذا اصطلاح متأخري الفقهاء، والعرب تطلق القضاء بمعنى الفعل، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾، قال الشيخ أبو حامد: والمراد: وما فاتكم من صلاتكم أنتم، لا من صلاة الإمام، والذي فات المأموم من صلاة نفسه إنما هو آخرها، والله أعلم"، وقال نحوه في شرح مسلم (٥/ ١٠٠). وقال ابن رجب في الفتح (٣/ ٥٧٣): "وعلى هذا؛ إذا أدرك المسبوق من الرباعية أو المغرب ركعتين، يقرأ فيما يقضي من الركعتين بالحمد وحدها، أو بالحمد وسورة، على قولين: أشهرهما أنه يقضي بالحمد وسورة. وهذا هو المنصوص عن مالك، والشافعي، وأحمد. ونص الشافعي على أن ما أدركه مع الإمام فهو أول صلاته. وعن مالك في ذلك

стр. 2626

روايتان منصوصتان: أحدهما: هو أول صلاته. والثانية: هو آخرها. وكذلك عن أحمد، ولكن أكثر الروايات عنه: أنه آخر صلاته. وأما مذهب أبي حنيفة وأصحابه، فهو أن ما أدركه مع الإمام آخر صلاته، وما يقضيه أولها. وهو قول الحسن بن حي وسفيان الثوري. وعلى قول هؤلاء لا إشكال في أنه يقرأ فيما يقضي بالحمد وسورة". وقال ابن الملقن في البدر المنير (٤/ ٤٠٦): "قال الشيخ تقي الدين في الإلمام (٣٩٣): اختلف في هذه اللفظة، فقيل: "فأتموا" وقيل: "فاقضوا"، وكلاهما صحيح. قلت: والقضاء في عرف الشرع هو الإتمام، فلا فرق إذًا بينهما، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ و ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ ". • وخلاصة ما تقدم: أن الذي يظهر لي: أن ما أدرك مع الإمام فهو أول صلاته [لما ذكره ابن المنذر وابن خزيمة]، لكنه يأتي بما فاته من القراءة بالحمد وسورة، وهذا ليس عملًا برواية "فاقضوا" على قول من قال به من الفقهاء، وليس عملًا بقاعدة: إذا أمكن الجمع بين الدليلين جمع، فيكون بانيًا في الأفعال، وقاضيًا في الأقوال، وإنما دل عليه لفظ: "فأتموا"؛ فإن إتمام شيء لا يكون إلا لما فاته منه، ومما فاته قراءة الإمام بفاتحة وسورة، ولا يكون قد أتى بالشيء بتمامه حتى يؤتى بكل ما نقص منه [انظر: شرح ابن بطال (٢/ ٢٦٢)]، هذا من جهة دلالة الحديث اللغوية والشرعية، ومن جهة أخرى فهو عمل وقول صحابي فقيه قد صح عنه، ولا يتعارض مع قول ابن عباس في القراءة بفاتحة الكتاب وسورة فيما أدرك مع الإمام، وهو قول عن علي [لم يصح عنه]، لأنه إذا أمكنه القراءة فيما أدرك مع الإمام يكون قد أتى بصلاته تامة على هيئتها، فلا يقرأ بعد ذلك إلا بفاتحة الكتاب فقط، فإن لم يمكنه القراءة مع الإمام قرأ فيما يقضي بعد سلام الإمام بفاتحة وسورة، ويكون بذلك قد جمع بين قولي الصحابيين، فيما لا يتعارض مع النص. والقول بقراءة الفاتحة وسورة فيما فاته من صلاة الإمام، هو قول الأئمة الأربعة، وهو مما يزيد هذا القول قوة، مع ما تقدم ذكره من الدليل، والله أعلم. قال ابن قدامة في المغني (٢/ ١٣٥): "ولا أعلم خلافًا بين الأئمة الأربعة في قراءة الفاتحة وسورة". وانظر: المدونة (١/ ٩٧)، الأم (١/ ١٧٨)، مسائل إسحاق الكوسج (٤٧٥)، مختصر اختلاف العلماء (١/ ٢٩٣)، أحكام القرآن للجصاص (١/ ٣٩٣)، الحاوي الكبير (٢/ ١٩٤)، شرح صحيح البخاري لابن بطال (٢/ ٢٦٢)، مختصر الخلافيات للبيهقي (٢/ ١٦٦)، الكافي في فقه أهل المدينة (١/ ٤٨)، المبسوط للسرخسي (١/ ٣٥)، بدائع الصنائع (١/ ٢١٨)، البيان شرح المهذب (٢/ ٣٧٩)، كشف المشكل (٢/ ١٤٠)، المغني (٢/ ١٣٤)، المقنع مع الشرح الكبير والإنصاف (٤/ ٢٩٨)، شرح مسلم للنووي (٥/ ١٠٠)، المجموع شرح المهذب (٤/ ١٩٢)، فتح القدير لابن الهمام (٢/ ٦٦)، شرح الزركشي على

стр. 2627

مختصر الخرقي (١/ ٢٩٦)، فتح الباري لابن رجب (٣/ ٥٦٩ - ٥٨٤)، القواعد لابن رجب (٣/ ٢٧٠)، فتح الباري لابن حجر (٢/ ١١٩)، المبدع (٢/ ٥٠)، مغني المحتاج (١/ ٢٦٠)، نهاية المحتاج (٢/ ٢٤١)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٦٣)، كشاف القناع (١/ ٤٦٢)، الخرشي على مختصر خليل (٢/ ٤٦)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٣٤٦)، السيل الجرار (١/ ٢٦٦). *** ٥٦ - باب في الجَمع في المسجد مرتين ٥٧٤ - وهيب، عن سليمان الأسودِ، عن أبي المتوكِّل، عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ أبصر رجلًا يصلي وحده، فقال: "ألا رجلٌ يتصدَّق على هذا فيصلِّيَ معه". • حديث صحيح. أخرجه الدارمي (١/ ١٣٦٨/٣٦٧ و ١٣٦٩)، وابن حبان (٦/ ١٥٧ و ١٥٨/ ٢٣٩٧ و ٢٣٩٨)، وابن الجارود (٣٣٠)، والحاكم (١/ ٢٠٩)، وأحمد (٣/ ٦٤)، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ٢١٥/ ٢٠٥٦)، والطبراني في الصغير (١/ ٣٦٣ و ٣٩٧/ ٦٠٦ و ٦٦٥)، والبيهقي في السنن (٣/ ٦٨ و ٦٩)، وفي المعرفة (٢/ ١٣٦ و ٣٤٢ و ٣٤٣/ ١٠٧٢ و ١٤٣٩ و ١٤٤٠)، وابن عبد البر في الاستذكار (١/ ٣٩٥)، والبغوي في شرح السنة (٣/ ٨٥٩/٤٣٦)، والرافعي في التدوين (٢/ ٢٥٧ - ٢٥٨)، والمزي في التهذيب (١٢/ ١١٠). هكذا رواه موسى بن إسماعيل أبو سلمة التبوذكي [ثقة ثبت]، وسليمان بن حرب [ثقة حافظ]، عن وهيب. ورواه عفان بن مسلم [ثقة ثبت] [واللفظ له]، وعبد الله بن معاوية الجمحي [ثقة]، عن وهيب به، فقالا في أوله: أن رجلًا دخل المسجد، وقد صلى النبي ﷺ فقال: … فذكره. فاستفدنا من هذه الزيادة الثابتة وقوع ذلك في المسجد النبوي بعد أن صلى النبي ﷺ بأصحابه. • وخالفهم في إسناده: أحمد بن إسحاق الحضرمي، قال: نا وهيب، عن خالد الحذاء، عن سليمان الأسود، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد الخدري، أن رجلًا جاء وقد صلى رسول الله ﷺ فقال: "ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه". أخرجه الطبراني في الأوسط (٢/ ٣٤٣/ ٢١٧٤) بإسناد صحيح إلى الحضرمي. قال الطبراني: "لم يدخل بين وهيب وسليمان الأسود خالدًا الحذاء أحد ممن روى هذا الحديث عن وهيب إلا أحمد بن إسحاق الحضرمي". قلت: أحمد بن إسحاق الحضرمي: ثقة، يحفظ حديثه، ولعله وهم من غيره ممن هو

стр. 2628

دونه، حيث جعل الراوي "وهيب بن خالد": "وهيب، عن خالد"، هكذا جعل الرجل رجلين، ثم ألحق بالثاني لقبه تعريفًا له. قال الطبراني في الصغير: "لا يُروى عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد". • قلت: لم ينفرد به وهيب بن خالد [وهو: ثقة ثبت]، فقد تابعه عليه: ١ - علي بن عاصم [صدوق، كثير الوهم]: أنا سليمان الناجي: أنا أبو المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري، قال: صلى رسول الله ﷺ بأصحابه الظهر، قال: فدخل رجل من أصحابه، فقال له النبي ﷺ : "ما حبسك يا فلان عن الصلاة؟ " قال: فذكر شيئًا اعْتَلَّ به، قال: فقام يصلي، فقال رسول الله ﷺ : "ألا رجل يتصدق على هذا؛ فيصلي معه" قال: فقام رجل من القوم فصلى معه. أخرجه أحمد (٣/ ٨٥). ٢ - سعيد بن أبي عروبة: رواه عبدة بن سليمان، ومحمد بن أبي عدي، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي، ومحمد بن بشر العبدي، ومحمد بن جعفر غندر: عن سعيد بن أبي عروبة، عن سليمان الناجي، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: جاء رجل وقد صلى رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "من [وفي رواية: أيكم] يتجر على هذا؟ " فقام رجل فصلى معه. أخرجه الترمذي (٢٢٠)، وابن خزيمة (٣/ ٦٣ - ٦٤/ ١٦٣٢)، وابن حبان (٦/ ١٥٨/ ٢٣٩٩)، وأحمد (٣/ ٥ و ٤٥)، وابن أبي شيبة (٢/ ١١٢/ ٧٠٩٧) و (٧/ ٢٩٠/ ٣٦١٧٩)، وعبد بن حميد (٩٣٦)، وأبو يعلى (٢/ ٣٢١/ ١٠٥٧)، والبيهقي (٣/ ٦٩)، وابن عبد البر في الاستذكار (١/ ٣٩٥)، وابن الجوزي في التحقيق (٧٥٥). وانظر فيمن وهم فيه على ابن أبي عروبة وغيره: علل الدارقطني (١١/ ٣٤٨/ ٢٣٣١). قال الترمذي في الجامع: "وحديث أبي سعيد: حديث حسن. وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم من التابعين، قالوا: لا بأس أن يصلي القوم جماعة في مسجد قد صلى فيه جماعة، وبه يقول: أحمد وإسحاق. وقال آخرون من أهل العلم: يصلون فرادى، وبه يقول: سفيان، وابن المبارك، ومالك، والشافعي، يختارون الصلاة فرادى. وسليمان الناجي: بصري، ويقال: سليمان بن الأسود، وأبو المتوكل: اسمه علي بن داود". وأما في العلل الكبير (٩٣)، فقد سأل البخاريَّ عن هذا الحديث، فقال البخاري: "سليمان الأسود هو: سليمان الناجي، وقد روى عن أبي المتوكل غير هذا الحديث". فلم يضعفه البخاري، ولم يعله بشيء، بل في كلامه تنبيه على كون سليمان الناجي معروف بالرواية عن أبي المتوكل، والله أعلم.

стр. 2629

وقال العباس الدوري في تاريخ ابن معين (٣/ ٢٠٦/ ٩٥٩): "قلت ليحيى: ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه؟ قال: لا بأس أن يفعل". وقال ابن رجب في الفتح (٤/ ٢٦): "وقد قواه الإمام أحمد، وأخذ به". وقال ابن المنذر (٤/ ٢١٨): "وحديث أبي سعيد: ثابت". وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، سليمان الأسود هذا هو: سليمان بن سحيم، قد احتج مسلم به وبأبي المتوكل، وهذا الحديث أصل في إقامة الجماعة في المساجد مرتين". فتعقبه ابن حجر في الإتحاف (٥/ ٣٦١/ ٥٥٨٤) بقوله: "نعم احتج مسلم بسليمان بن سحيم، وليس هو راوي هذا الحديث، قد فرق بينهما البخاري، وغير واحد، لكنهما جميعًا ثقتان". وقال النووي في المجموع (٤/ ١٩٥ و ٢٠٢): "حديث صحيح". وصححه ابن حجر في الفتح (٢/ ١٤٢). لكن قال الطحاوي في اختلاف العلماء (١/ ٢٥٢ - مختصره): "وهذا لا حجة فيه؛ لأنه لم يذكر أنه كان في مسجد قد صلى فيه أهله، وفي إسناده: سليمان الناجي، وهو غير معروف". قلت: وقع في رواية وهيب بن خالد، وعلي بن عاصم، وسعيد بن أبي عروية: أن الرجل دخل مسجد الرسول ﷺ بعد أن صلى فيه بأصحابه، فلما رآه النبي ﷺ حث رجلًا من أصحابه ممن صلى معه أن يقوم فيتصدق عليه فيصلي معه. وسليمان الأسود الناجي هذا: رجل معروف، روى عنه جماعة من الثقات المشاهير، وسمع من ابن سيرين، وأبي المتوكل الناجي، قال ابن سعد: "كان نازلًا في بني ناجية، وكانت عنده أحاديث"، وقال ابن معين: "ثقة"، وذكره ابن حبان في الثقات، ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن المديني، وأحمد بن صالح، وغيرهما [التاريخ الكبير (٤/ ٣)، علل الترمذي الكبير (٩٣)، الجرح والتعديل (٤/ ١٥٣)، الثقات (٦/ ٣٨٢ - ٣٨٣)، طبقات ابن سعد (٧/ ٢٨٣)، سؤالات الآجري (٣٩٤)، إكمال ابن ماكولا (١/ ٤٧٠)، التهذيب (٢/ ١١٣)، إكمال مغلطاي (٦/ ١٠٦)]. وعليه: فهو حديث صحيح، والله أعلم. • ومن شواهده: ١ - عن أبي أمامة: يرويه عبد الله بن المبارك، عن يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة: أن رجلًا أخذ يصلي وحده، فقال رسول الله ﷺ : "ألا رجل يتصدق على هذا"، فقام رجل فصلى معه، فقال رسول الله ﷺ : "هذان جماعة". أخرجه أحمد (٥/ ٢٥٤ و ٢٦٩)، وأبو يعلى (٣/ ٦٩٧/ ٤٠٨ - مطالب)، والطبراني في الكبير (٨/ ٢١٢/ ٧٨٥٧).

стр. 2630

قلت: هذا إسناد واهٍ جدًّا، قال ابن حبان: "إذا اجتمع في إسناد خبر: عبيد الله بن زحر، وعلي بن يزيد، والقاسم أبو عبد الرحمن، لم يكن متن ذلك الخبر إلا مما عملته أيديهم"، وقد ضعف هذه السلسلة جماعة من الأئمة منهم: ابن معين، وأبو حاتم، والجوزجاني [التهذيب (٣/ ١٠)، المجروحين (٢/ ٦٣)]. قال ابن الملقن في البدر المنير (٧/ ٢٠٦): "وهذا سند واهٍ جدًّا". وقال ابن رجب في الفتح (٤/ ٥٢) عن حديث أبي أمامة: "في إسناده ضعف، والمرسل أشبه"، وضعفه ابن حجر في التلخيص (٣/ ١٣٤٨/٨٢). • وله طريق أخرى يرويها: الحسن بن دينار، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: جاء رجل ولم يدرك الصلاة … فذكره بنحوه. أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ٢٤٨/ ٧٩٧٤). وهذا باطل من حديث أبي أمامة، فإن جعفر بن الزبير الباهلي الدمشقي: متروك، ذاهب الحديث، قال ابن حبان: "يروي عن القاسم وغيره أشياء كأنها موضوعة، … ، وروى جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة: نسخة موضوعة" [التهذيب (١/ ٣٠٤)، المجروحين (١/ ٢١٢)]، والحسن بن دينار: متروك، كذبه غير واحد [اللسان (٣/ ٤٠)]، وشيخ الطبراني: يجهل. والصواب: مرسل، وهو ما رواه: الهيثم بن حميد، عن العلاء بن الحارث، وزيد بن واقد، عن مكحول. ويحيى بن الحارث، عن القاسم أبي عبد الرحمن. قالا: دخل رجل المسجد ولم يدرك الصلاة، فقال رسول الله ﷺ : "ألا رجل يتصدق على هذا، فيتم له صلاته" فقام رجل فصلى معه، فقال النبي ﷺ : "وهذه من صلاة الجماعة". هكذا مرسل. أخرجه أبو داود في المراسيل (٢٦). وهذا مرسل بإسناد شامي صحيح إلى مكحول والقاسم. • وروي من وجه آخر، مرسلًا أيضًا: يرويه هشام بن سعيد: ثنا ابن المبارك، عن ثور بن يزيد، عن الوليد بن أبي مالك، قال: دخل رجل المسجد فصلى، فقال رسول الله ﷺ : "ألا رجل يتصدق على هذا، فيصلي معه" قال: فقام رجل فصلى معه، فقال رسول الله ﷺ : "هذان جماعة". أخرجه أحمد (٥/ ٢٦٩). وهذا إسناد صحيح إلى الوليد بن أبي مالك، وهو الوليد بن عبد الرحمن بن هانئ، وهو شامي ثقة، يروي عن التابعين، مثل: القاسم بن عبد الرحمن، وأبي إدريس الخولاني، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: "يروي عن جماعة من الصحابة"،
следующие страницы →