Полный текст (16 465 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.
стр. 2696
مكة، فلم تكن في بدء الإسلام، بل بعد أن انتشر ودخل الناس في دين الله أفواجًا، واستقرت أحكامه، وأصبحت معلومة عند عامة المسلمين، وما كان ليأخذ عمرو بن سلمة القرآن ممن كان يمر بهم من الركبان دون أن يعي منهم شيئًا من أحكامه، كما أن قومه لما وفدوا على النبي ﷺ تعلموا منه أحكام الإسلام، ومنها ما يتعلق بالصلاة والإمامة، ولما رجعوا وقدموا عَمرًا لكثرة جمعه للقرآن استدلالًا منهم بعموم قوله ﷺ : "قدِّموا أكثركم قرآنًا": علَّموه كيفية الصلاة، والركوع والسجود، وما كان ليقع منهم ذلك إلا لما وجدوا فيه من النباهة والقدرة على إقامة صلاتهم، وإلا لكانوا مستهزئين بهذه الشعيرة من شعائر الإسلام إذا قدموا بين أيديهم صبيًّا صغيرًا لا يعقل ما يقول ولا يدرك ماذا يفعل، وإنما قدموه لما علموا أنه أولاهم بالإمامة لجمعه القرآن وعقله للصلاة وأحكامها، وأما بُدُوُّ عورته عند الركوع والسجود فقد كان يقع هذا من بعض فقراء الصحابة الذين كانوا يصلون خلف النبي ﷺ ، ففي حديث سهل بن سعد قال: لقد رأيت الرجال عاقدي أُزُرِهم في أعناقهم مثل الصبيان من ضيق الأُزُر خلف النبي ﷺ ، فقال قائل: يا معشر النساء! لا ترفعْنَ رؤوسكن حتى يرفعَ الرجالُ. وفي رواية: قال: كان رجال يصلون مع رسول الله ﷺ عاقدين أُزُرَهم كهيئة الصبيان، فقيل للنساء: لا ترفعْنَ رؤوسكن حتى يستويَ الرجالُ جلوسًا. وهو حديث متفق عليه [أخرجه البخاري (٣٦٢ و ٨١٤ و ١٢١٥)، ومسلم (٤٤١)، وسيأتي تخريجه في موضعه من السنن برقم (٦٣٠)، إن شاء الله تعالى]، ثم إن بني جرم لم يستمروا على ذلك، ولم يُقروه على أن يصلي بهم مع انكشاف عورته، بل أنكرت امرأة منهم ذلك، حتى كسوه قميصًا يستره، وعليه فدعوى النسخ لا دليل عليها، والله أعلم.
• وأما ما رُوي في معارضة ذلك عن ابن عباس فلا يصح:
فقد روى حجاج بن أرطأة [ليس بالقوي، يدلس عن الضعفاء والمجهولين]، وإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي [كذاب]:
عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لا يؤم الغلام حتى يحتلم.
أخرجه عبد الرزاق (١/ ٤٨٧/ ١٨٧٢) و (٢/ ٣٩٨/ ٣٨٤٧)، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ١٥٢/ ١٩٣٧)، والبيهقي في السنن (٣/ ٢٢٥)، وفي المعرفة (٢/ ٥٠٩/ ١٧٦٩).
قال البيهقي في الخلافيات (٢/ ٣٠٣ - مختصره): "وهو ضعيف سواء كان موقوفًا أو مرفوعًا".
قلت: وهو كما قال، فهو حديث منكر؛ داود بن الحصين: أحاديثه عن عكرمة مناكير [التهذيب (١/ ٥٦١)]، ولم يرو عنه هذا الحديث ثقة.
• وقد ذهب الطحاوي في المشكل (١٠/ ١٢١)، وابن حزم في المحلى (٤/ ٢١٨) إلى أن حديث عمرو بن سلمة وإمامته لقومه وهو صبي لم يبلغ الحُلُم: ليس بحجة في إمامة الصبي للبالغين، بدعوى عدم اطلاع النبي ﷺ على ذلك [كما قال ذلك ابن قدامة في المغني، كما تقدم نقله]، ومن ثم عدم إقراره ﷺ ، وكذلك بأن الصبي غير مكلف ولا
стр. 2697
مأمور بتلك الصلاة التي أُمر بها المكلف؛ فإذا ائتم به والحال هذه بطلت صلاته.
قال الطحاوي: "إن ذلك الفعل من تقديم ذلك الصبي والائتمام به لم يكن بأمر النبي ﷺ بذلك بعينه، وإنما كان من فعل الذين قدموه مما قد دخل على قلة علمهم بأحكام الصلاة ائتمامهم بمكشوف العورة فيها، وذلك مما تمنع منه الشريعة، وليس لأنه كان في عهد النبي ﷺ يكون حجة إذ كان النبي ﷺ لم يقف عليه فيمضيه".
وقال ابن حزم: "ولو علمنا أن رسول الله ﷺ عرف هذا وأقرَّه لقلنا به، … ، ومن ائتمَّ بمن لم يُؤمر أن يؤتم به وهو عالم بحاله فصلاته باطل".
وقد أجيب عن ذلك بأن زمان نزول الوحي لا يقع فيه لأحدٍ من الصحابةِ التقريرُ على ما لا يجوز فعله، ولهذا استدل أبو سعيد وجابر على جواز العزل بأنهم كانوا يعزلون والقرآن ينزل، وأيضًا فالوفد الذين قدَّموا عمرو بن سلِمة كانوا جماعة من الصحابة، وقد نقل ابن حزم أنه لا يُعلم لهم في ذلك مخالف منهم.
قال ابن حجر في الفتح (٨/ ٢٣): "ولم ينصف من قال: إنهم فعلوا ذلك باجتهادهم، ولم يطلع النبي ﷺ على ذلك؛ لأنها شهادة نفي، ولأن زمن الوحي لا يقع التقرير فيه على ما لا يجوز، كما استدل أبو سعيد وجابر لجواز العزل بكونهم فعلوه على عهد النبي ﷺ ، ولو كان منهيًّا عنه لنهي عنه في القرآن" [وانظر أيضًا: الفتح لابن حجر (٢/ ١٨٥)].
وأما ما احتج به ابن حزم على عدم الصحة بأنه ﷺ أمر أن يؤمهم أقرؤهم، قال: فعلى هذا إنما يؤم من يتوجه إليه الأمر، والصبي ليس بمأمور؛ لأن القلم رفع عنه فلا يؤم، فهذا لا يخفى فساده؛ لأن المأمورَ مَن يتوجه إليه الأمرُ من البالغين بأن يقدموا من اتصف بكونه أكثر قرآنًا، وقد فعلوا ذلك، فبطل ما احتج به.
وإلى صحة إمامة الصبي ذهب أيضًا: الحسن البصري، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وكرهها: عطاء، وإبراهيم النخعي، والشعبي، ومجاهد، ومالك، والثوري، وعن أبي حنيفة وأحمد روايتان، والمشهور عنهما الإجزاء في النوافل دون الفرائض [انظر: مصنف عبد الرزاق (٢/ ٣٩٨)، مصنف ابن أبي شيبة (١/ ٣٠٦)، الأوسط لابن المنذر (٤/ ١٥١)، الفتح لابن رجب (٤/ ١٧١)، الفتح لابن حجر (٢/ ١٨٥)].
وسيأتي في آخر البحث ذكر كلام الأئمة في هذا المعنى، وأقوالهم في بيان جواز إمامة الصبي إذا عقل الصلاة، وأقامها.
***
٥٨٨ - قال أبو داود: حدثنا القعنبي: ثنا أنسٌ -يعني: ابنَ عياض-، ح، وثنا الهيثم بن خالد الجهني - المعنى -: ثنا ابن نمير، عن عبيد الله، عن نافع، عن
стр. 2698
ابن عمر أنه قال: لما قدم المهاجرون الأولون نزلوا العُصبةَ قبل مَقْدَم رسول الله ﷺ ، فكان يؤمُّهم سالمٌ مولى أبي حذيفة، وكان أكثرَهم قرآنًا.
زاد الهيثم: وفيهم عمر بن الخطاب، وأبو سلمة بن عبد الأسد.
• حديث صحيح.
أخرجه من طريق أنس بن عياض:
البخاري (٦٩٢)، وزاد بعد قوله: العصبة: موضع بقباء. وابن سعد في الطبقات (٢/ ٣٥٢) و (٣/ ٨٧)، وفي الموضع الأول: والعصبة قريب من قباء. وابن المنذر في الأوسط (٤/ ١٤٨/ ١٩٣٢)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٧٧) [وزاد في آخره: فيهم أبو بكر وعمر، وهي زيادة شاذة تفرد بها هشام بن عمار]. وابن حزم في المحلى (٤/ ٢٠٨)، والبيهقي (٣/ ٨٩).
وأخرجه من طريق ابن نمير:
ابن خزيمة (٣/ ٦/ ١٥١١)، وفيه: نزلوا إلى جنب قباء. وابن الجارود (٣٠٧)، وفيه: نزلوا العصبة إلى جنب قباء. وابن سعد في الطبقات (٢/ ٣٥٢) و (٣/ ٨٧)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٠٢/ ٣٤٦١)، والبيهقي (٣/ ٨٩).
ولفظ ابن أبي شيبة عن ابن نمير: أن المهاجرين حين أقبلوا من مكة نزلوا إلى جنب قباء، فأمَّهم سالمٌ مولى أبي حذيفة؛ لأنه كان أكثرَهم قرآنًا، وفيهم: أبو سلمة بن عبد الأسد، وعمر بن الخطاب.
وانظر فيمن وهم فيه على ابن نمير: علل الحديث لابن أبي حاتم (١/ ٩٤/ ٢٥٣).
• ورواه أيضًا عن عبيد الله بن عمر:
عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عبيد الله به، ولفظه: قدمنا من مكة فنزلنا العصبة: عمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح، وسالم مولى أبي حذيفة، فكان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة؛ لأنه كان أكثرهم قرآنًا.
أخرجه البيهقي في الدلائل (٢/ ٤٦٣).
• ورواه أيضًا عن نافع:
١ - هشام بن عروة، عن نافع، عن ابن عمر: أن سالمًا مولى أبي حديفة كان يؤم المهاجرين حين هاجروا إلى المدينة، فيهم عمر وغيره من المهاجرين؛ لأنه كان أكثرهم قرآنًا.
أخرجه الطبراني في الكبير (٧/ ٥٩/ ٦٣٧٢)، وعنه: أبو نعيم في معرفة الصحابة (٣/ ١٣٦٢/ ٣٤٣٨)، بإسناد جيد إلى شعيب بن أبي الأشعث عن هشام به.
ولا يصح هذا عن هشام بن عروة؛ فقد تفرد به عنه شعيب بن أبي الأشعث، وهو مجهول، وله مناكير عن هشام [الجرح والتعديل (٤/ ٣٤١)، علل الحديث (٢/ ٧٤
стр. 2699
و ١٢٤/ ١٧١٤ و ١٨٦٦)، الثقات (٦/ ٤٣٨)، أطراف الغرائب والأفراد (٥/ ٣١٧/ ٥٥٧٢)، اللسان (٤/ ٢٤٨)].
قال الدارقطني في الأفراد (٣/ ٥١٣ - ٥١٤/ ٣٤١٦) (١/ ٥٩٢/ ٣٤٦٦ - أطرافه) في ترجمة هشام بن عروة عن نافع: "غريب من حديثه عن نافع، تفرد به شعيب بن أبي الأشعث، ولم يروه منه غير محمد بن حمير" [وصححت ما فيه من تصحيف].
٢ - ابن جريج: أن نافعًا أخبرهم: أن عبد الله بن عمر أخبره، قال: كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الأولين، وأصحاب رسول الله ﷺ من الأنصار، في مسجد قباء، فيهم: أبو بكر، وعمر، وأبو سلمة، وزيد بن حارثة، وعامر بن ربيعة.
أخرجه البخاري (٧١٧٥)، وابن وهب في الجامع (٤٢٣)، وعبد الرزاق (٢/ ٣٨٨/ ٣٨٠٧)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في فضائل القرآن (٩٢)، وابن شبة في أخبار المدينة (١/ ٣٥/ ١٤٤ و ١٤٥)، والطحاوي في المشكل (١٤/ ٣٩٨/ ٥٧٠٨ م)، والطبراني في الكبير (٧/ ٥٩/ ٦٣٧١)، والبيهقي (٣/ ٨٩).
قال البيهقي: "كذا قال في هذا، وفيما قبله: وفيهم أبو بكر وعمر، ولعله في وقت آخر، فإنه إنما قدِم أبو بكر ﵁ مع النبي ﷺ ، ويحتمل أن تكون إمامته إياهم قبل قدومه وبعده، وقول الراوي: وفيهم أبو بكر، أراد: بعد قدومه، والله أعلم".
وقال ابن رجب في الفتح (٤/ ١٧٥): "والمراد بهذا: أنه كان يؤمهم بعد مقدم النبي ﷺ ؛ ولذلك قال: في مسجد قباء، ومسجد قباء إنما أسسه النبي ﷺ بعد قدومه المدينة، فلذلك ذكر منهم: أبا بكر، وأبو بكر إنما هاجر مع النبي ﷺ ، وليس في هذه الرواية: قبل مقدم النبي ﷺ " [وانظر: الفتح لابن حجر (٢/ ١٨٦) و (١٣/ ١٦٨)].
وقال ابن رجب أيضًا: "وإمامة سالم للمهاجرين بعد مقدم النبي ﷺ في مسجد [قباء] في حكم المرفوع؛ لأن مثل هذا لا يخفى بل يشتهر ويبلغ النبي ﷺ ، والظاهر: أن سالمًا لم يعتق إلا بقدومه المدينة؛ فإنه عتيق لامرأة من الأنصار، أعتقته سائبة، وأذنت له أن يوالي من شاء، فوالى أبا حذيفة وتبناه".
وقال ابن حجر في الفتح (٢/ ١٨٦): "ووجه الدلالة منه: إجماع كبار الصحابة القرشيين على تقديم سالم عليهم، وكان سالم المذكور مولى امرأة من الأنصار فأعتقته، وكأن إمامته بهم كانت قبل أن يعتق".
***
٥٨٩ - قال أبو داود: حدثنا مسدد: ثنا إسماعيل، ح، وثنا مسدد: ثنا مسلمة بن محمد - المعنى واحد -، عن خالد، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحُوَيرِث: أن النبي ﷺ قال له - أو: لصاحب له -: "إذا حضرت الصلاة فأذِّنا، ثم أقيما، ثم لْيَؤُمَّكما أكبرُكما".
стр. 2700
وفي حديث مسلمة قال: وكنا يومئذ متقاربَينِ في العلم.
وقال في حديث إسماعيل: قال خالد: قلت لأبي قلابة: فأين القرآن؟ قال: إنهما كانا متقاربَينِ.
• حديث متفق على صحته.
• أخرجه من طريق إسماعيل بن علية:
النسائي في المجتبى (٢/ ٢١/ ٦٦٩)، وفي الكبرى (٢/ ٢٤٨/ ١٦٤٥)، وابن خزيمة (٣/ ٥ - ٦/ ١٥١٠)، وابن حبان (٥/ ٥٠٣/ ٢١٢٩ و ٢١٣٠)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ٢٦٨/ ١٥٠٩)، وأحمد (٣/ ٤٣٦)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (١/ ٣٧٥/ ١٤٠١)، وأبو العباس السراج في مسنده (١٢٩٦)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (١٢٥٩)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٢٨٩/ ٦٤٠ و ٦٤١)، والبيهقي في السنن (٣/ ١٢٠)، وفي المعرفة (٢/ ٣٩٥/ ١٥٣٣).
• وأخرجه من طريق مسلمة بن محمد الثقفي:
البيهقي في السنن (٣/ ١٢٠)، وفي المعرفة (٢/ ٣٩٥/ ١٥٣٣).
هكذا أدرج مسلمة بن محمد الثقفي [وهو لين الحديث] في هذا الحديث هذه اللفظة: "وكنا يومئذ متقاربَينِ في العلم"، وقد رواها الحفاظ مرة من قول أبي قلابة [كما في رواية ابن علية]، ومرة من قول خالد الحذاء [كما في رواية حفص بن غياث].
قال ابن حجر في الفتح (٢/ ١٧٠): "وأظن في هذه الرواية إدراجًا؛ فإن ابن خزيمة رواه من طريق إسماعيل بن علية عن خالد، قال: قلت لأبي قلابة: فأين القراءة؟ قال: إنهما كانا متقاربين، وأخرجه مسلم من طريق حفص بن غياث عن خالد الحذاء، وقال فيه: قال الحذاء: وكانا متقاربين في القراءة، ويحتمل أن يكون مستند أبي قلابة في ذلك هو إخبار مالك بن الحويرث، كما أن مستند الحذاء هو إخبار أبي قلابة له به، فينتفي الإدراج عن الإسناد، والله أعلم".
قال العلامة الألباني رحمه الله تعالى: "وهذا جمع حسن، لو ثبتت رواية مسلمة؛ وإذ ليس، فلا مسوغ لهذا الجمع" [صحيح سنن أبي داود (٣/ ١٤٠)].
• ورواه أيضًا عن خالد الحذاء:
سفيان الثوري، وشعبة، ويزيد بن زريع، ووهيب بن خالد، وخالد بن عبد الله الواسطي، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وأبو شهاب الحناط عبد ربه بن نافع، وحفص بن غياث، وحماد بن سلمة:
رووه عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث به.
أخرجه البخاري (٦٣٠ و ٦٥٨ و ٢٨٤٨)، ومسلم (٦٧٤/ ٢٩٣)، وأبو عوانة (١/ ٢٧٧
стр. 2701
و ٣٥٤/ ٩٦٨ و ١٢٦٧ و ١٢٦٨) و (٢/ ٧٧/ ٢٣٨٣)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ٢٦٨/ ١٥١٠)، والترمذي (٢٠٥)، وقال: "حسن صحيح". وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٢/ ٢٨/ ١٨٧)، والنسائي في المجتبى (٢/ ٨ - ٩ و ٧٧/ ٦٣٤ و ٧٨١)، وفي الكبرى (١/ ٤١٩/ ٨٥٨) و (٢/ ٢٣٥/ ١٦١٠)، وابن ماجه (٩٧٩)، وابن خزيمة (١/ ٢٠٦/ ٣٩٥ و ٣٩٦) و (٣/ ٥ - ٦/ ١٥١٠)، وابن حبان (٥/ ٥٠٢/ ٢١٢٨)، وأحمد (٥/ ٥٣)، وابن أبي شيبة (١/ ١٩٧/ ٢٢٥٩)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (١/ ٣٧٥/ ١٤٠٠)، وأبو العباس السراج في مسنده (١٢٩١ و ١٢٩٢)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (١٢٥٤ و ١٢٥٥)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٢٤/ ١١٧٥) و (٤/ ١٤٨/ ١٩٣١)، وابن قانع في المعجم (٣/ ٤٦)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٢٨٨/ ٦٣٨ و ٦٣٩)، وابن عدي في الكامل (٣/ ١٣٠)، والدارقطني (١/ ٣٤٦)، وقال: "هذا صحيح". وابن حزم في المحلى (٣/ ١٢٤) و (٤/ ١٨٩)، والبيهقي في السنن (١/ ٤١١) و (٣/ ٦٧)، وفي المعرفة (٢/ ٣٩٥/ ١٥٣٢)، والبغوي في شرح السنة (٢/ ٢٩٥/ ٤٣١)، وقال: "هذا حديث صحيح". وابن الجوزي في التحقيق (٥٠٥).
ولفظ حديث الثوري عند البخاري وأبي عوانة: أتى رجلانِ النبيَّ ﷺ يريدان السفر، فقال النبي ﷺ : "إذا أنتما خرجتما: فأذِّنا، ثم أقيما، ثم ليؤمَّكما أكبرُكما".
ولفظه عند الترمذي والنسائي: قدمتُ على رسول الله ﷺ أنا وابن عمٍّ لي [وقال مرة: أنا وصاحب لي]، فقال لنا: "إذا سافرتما فأذِّنا، وأقيما، ولْيؤمَّكما أكبرُكما".
ولفظ حديث الثقفي عند مسلم: أتيت النبي ﷺ أنا وصاحب لي، فلما أردنا الإقفالَ من عنده، قال لنا: "إذا حضرت الصلاة فأذِّنا، ثم أقيما، ولْيؤمَّكما أكبرُكما".
ولفظ حديث شعبة عند أحمد: "إذا حضرت الصلاة فأذِّنا، وأقيما، ولْيؤمَّكما أكبرُكما، وصلُّوا كما تروني أصلي".
ولفظ حفص بن غياث عند ابن خزيمة: أتيت النبي ﷺ أنا ورجل، فودَّعَنا، ثم قال: "إذا سافرتما وحضرت الصلاة: فأذِّنا، وأقيما، وليؤمَّكما أكبرُكما"، قال الحذاء: وكانا متقاربَين في القراءة.
ولفظ خالد بن عبد الله عند ابن حبان: أتيتُ النبي ﷺ أنا وصاحب لي، فقال: "إذا صلَّيتما فأذِّنا، وأقيما، وليؤمَّكما أكبركما"، قال: وكانا متقاربَين.
• ورواه أيضًا عن أبي قلابة:
أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن أبي سليمان مالك بن الحويرث، قال: أتينا رسول الله ﷺ ونحن شَبَبَةٌ متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رسول الله ﷺ رحيمًا رقيقًا، فظن أنا قد اشتقنا أهلنا، فسألنا عن من تركنا من أهلنا، فأخبرناه، فقال: "ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم، وعلِّموهم، ومُرُوهم، [وصلُّوا كما رأيتموني أصلِّي]، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، ثم لْيؤمَّكم أكبرُكم"، لفظ إسماعيل بن علية [عند البخاري ومسلم].
стр. 2702
ولفظ حماد بن زيد: قدِمنا على النبي ﷺ ونحن شَبَبَةٌ، فلبثنا عنده نحوًا من عشرين ليلةً، وكان النبي ﷺ رحيمًا، فقال: "لو رجعتم إلى بلادكم فعلَّمتموهم، مروهم فلْيُصلُّوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا، وإذا حضرت الصلاة فليؤذِّن لكم أحدكم، ولْيؤمَّكم أكبرُكم" [عند البخاري].
أخرجه البخاري في الصحيح (٦٢٨ و ٦٣١ و ٦٨٥ و ٨١٩ و ٦٠٠٨ و ٧٢٤٦)، وفي الأدب المفرد (٢١٣)، ومسلم (٦٧٤/ ٢٩٢)، وأبو عوانة (١/ ٢٧٦/ ٩٦٦ و ٩٦٧)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ٢٦٧/ ١٥٠٦ - ١٥٠٩)، والنسائي في المجتبى (٢/ ٩/ ٦٣٥)، وفي الكبرى (٢/ ٢٣٥/ ١٦١١)، والدارمي (١/ ٣١٨/ ١٢٥٣)، وابن خزيمة (١/ ٢٠٦ و ٢٠٧ و ٢٩٥/ ٣٩٧ و ٣٩٨ و ٥٨٦)، وابن حبان (٤/ ٥٤١/ ١٦٥٨) و (٥/ ١٩٠/ ١٨٧٢) و (٥/ ٥٠٣/ ٢١٣١)، والشافعي في الأم (١/ ١٥٨)، وفي السنن (٧٢)، وفي المسند (٥٥)، وأحمد (٣/ ٤٣٦) و (٥/ ٥٣)، وابن سعد في الطبقات (٧/ ٤٤)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (١/ ٣٧٥/ ١٤٠٢) و (١/ ٥٣٩/ ٢٢٠١ و ٢٢٠٢ - السفر الثاني)، وأبو العباس السراج في مسنده (١٢٩٠)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (١٢٥٢ و ١٢٥٣)، والطحاوي في المشكل (٤/ ٤٢٨) و (١٥/ ٣٥٧/ ٦٠٧٦)، وابن قانع في المعجم (٣/ ٤٥)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٢٨٧ و ٢٨٨/ ٦٣٥ - ٦٣٧) [وفي بعضها وهم]. وأبو الشيخ في أخلاق النبي ﷺ (١/ ٤٤٤/ ١٦٤)، والدارقطني (١/ ٢٧٢ و ٢٧٣ و ٣٤٦)، وقال: "هذا صحيح". وابن حزم في المحلى (٣/ ٢٣٤) و (٤/ ١٨٩)، والبيهقي في السنن (٢/ ١٧ و ٣٤٥) و (٣/ ٥٤ و ١٢٠)، وفي المعرفة (٢/ ١٧٧ و ٣٩٥/ ١١٤٢ و ١٥٣٠ و ١٥٣١)، والبغوي في شرح السنة (٢/ ٢٩٦/ ٤٣٢)، وقال: "هذا حديث متفق على صحته". وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٣/ ١٠٧)، وابن الجوزي في التحقيق (٣٥٧).
رواه عن أيوب: حماد بن زيد، وإسماعيل بن علية، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، ووهيب بن خالد، وشعبة، وحماد بن سلمة [وقد اختصره فغلط في لفظه. انظر: فتح الباري لابن رجب (٤/ ١٣٣)].
• ولا تعارض بين حديث مالك بن الحويرث، وبين الأحاديث المتقدمة في تقديم الأقرأ، فإن حديث مالك هو فيما إذا استووا في القراءة، والعلم بالسنة، والهجرة، فإن مالك بن الحويرث وأصحابه قدموا معًا على رسول الله ﷺ ، وهم شببة متقاربون، فأقاموا عنده عشرين يومًا، فاستووا في القراءة، والعلم بالسنة، والهجرة، لكونهم شبابًا متقاربين في السن، ولتساوي مدة إقامتهم عند رسول الله ﷺ ، وبقي التفاضل بينهم بالسن، لذا قال لهم ﷺ : "وليؤمكم أكبركم"، وهذا هو ما فهمه رواة الحديث، فلما سأل خالد الحذاء فقال: قلت لأبي قلابة: فأين القرآن؟ قال: إنهما كانا متقاربَينِ.
وقال الشافعي: "هؤلاء قوم قدِموا معًا فاشتبهوا أن تكون قراءتهم وتفقههم سواءً، فأُمروا أن يؤمهم أكبرهم" [المعرفة للبيهقي (٢/ ٣٩٧)].
стр. 2703
وقال ابن أبي حاتم: "سألت أبي عن الحديث الذي رواه ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ : "إذا كنتم ثلاثة فأحقكم بالإمامة أقرؤكم".
ورواه حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث: أتيت النبي ﷺ في نفر، فقال: "إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكبركم".
قلت لأبي: قد اختلف الحديثان؟
فقال: حديث أوس بن ضمعج قد فسر الحديثين" [العلل (١/ ٩١/ ٢٤٧)].
يعني: يُقدَّم الأقرأ، ثم الأعلم بالسنة، ثم الأقدم هجرة، ثم الأكبر سنًّا، ولكن لما استوت هذه الخصال في حديث مالك، صار التفضيل بالسن.
وترجم البخاري لهذا الحديث بقوله: "باب: إذا استووا في القراءة فلْيؤمَّهم أكبرهم"، وبنحوه ترجم له البيهقي في السنن (٣/ ١٢٠).
وترجم له ابن خزيمة بقوله: "باب ذكر استحقاق الإمامة بكبر السن إذا استووا في القراءة والسنة والهجرة".
وقال ابن بطال في شرح صحيح البخاري (٢/ ٢٥٥): "قال المهلب: وإنما اشترط السن في الإمامة لعلمه ﷺ باستوائهم في القراءة والفقه، فطلب الكمال بالسن"، وقال أيضًا (٢/ ٣٠٧): "لا خلاف بين العلماء أنهم إذا استووا في القراءة والفقه والفضل، فالأسنُّ أولى بالتقديم"، وقد استدل على تساويهم في ذلك، بتقاربهم في السن وتساويهم في مدة التعليم.
وقال ابن حجر في الفتح (٢/ ١٧٠): "وأجاب الزين ابن المنير وغيره بما حاصله: أن تساوي هجرتهم وإقامتهم وغرضهم بها، مع ما في الشباب غالبًا من الفهم، ثم توجه الخطاب إليهم بأن يعلِّموا مَن وراءَهم من غير تخصيص بعضهم دون بعض: دالٌّ على استوائهم في القراءة والتفقه في الدين".
• ومن فوائد رواية أيوب:
قال أبو عوانة في صحيحه (١/ ٢٧٧): "وفي حديث أيوب: دليل على أنه يجب على من رحل في العلم إذا رجع إلى وطنه أن يقيم عندهم فليعلمهم ما استفاد في رحلته من علم يجب عليهم تعليمه".
***
٥٩٠ - . . . حسين بن عيسى الحنفي: ثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "لِيؤذِّنْ لكم خيارُكم ولْيؤمَّكم قُرَّاؤكم".
• حديث منكر.
أخرجه ابن ماجه (٧٢٦)، وأبو يعلى (٤/ ٢٣١/ ٢٣٤٣)، والطبراني في الكبير (١١/ ٢٣٧/ ١١٦٠٣)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٣٥٥)، والدارقطني في الأفراد (١/ ٤٦٣ -
стр. 2704
٤٦٤/ ٢٥٤٩ - أطرافه)، والبيهقي (١/ ٤٢٦)، والبغوي في شرح السنة (٣/ ٣٩٩/ ٨٣٧)، والمزي في التهذيب (٦/ ٤٦٤).
قال ابن عدي بعد أن ذكر حديثًا آخر بنفس هذا الإسناد: "وهذان الحديثان بمتنيهما يحتملان؛ لأن الحكم بن أبان فيه ضعف، ولعل البلاء فيه ليس من الحسين بن عيسى، وللحسين بن عيسى غير ما ذكرت من الحديث شيء قليل، وعامة حديثه غرائب، وفي بعض حديثه مناكير".
وقال الدارقطني: "تفرد به حسين بن عيسى أخو سليم المقرئ عن الحكم بن أبان".
قلت: هو حديث منكر، والحكم بن أبان بريء من عهدته عندي، وإن كان فيه لين، وإن كان قد تفرد عن عكرمة بأحاديث، فقد وثقه أحمد وابن معين والنسائي والعجلي وابن حبان، وقال: "ربما أخطأ"، وقال أبو زرعة: "صالح"، ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن نمير وابن المديني وأحمد، وقال البزار: "ليس به بأس"، وقال الحاكم: "صدوق"، وأثنى عليه آخرون، وقرنه ابن المبارك باثنين من الضعفاء، وقال: "ارم بهؤلاء"، وتكلم فيه آخرون مثل: ابن خزيمة، والعقيلي، وابن عدي، والخليلي، واعتذر له ابن حبان بأن المناكير التي وقعت في رواياته إنما هي من جهة من روى عنه من الضعفاء [العلل ومعرفة الرجال (٣/ ١٠/ ٣٩١٦)، الجرح والتعديل (٣/ ١١٣)، ثقات العجلي (٢٨٢)، ضعفاء العقيلي (١/ ٢٥٥)، ثقات ابن حبان (٦/ ١٨٦)، تاريخ أسماء الثقات (٢١٥)، كشف الأستار (٢٦٤٠ و ٣٤٥٦)، المستدرك (٢/ ٢٠٤)، الإرشاد (١/ ٣٢٥)، الميزان (١/ ٥٦٩)، التهذيب (١/ ٤٦١)].
وإنما البلاء فيه من الحسين بن عيسى الحنفي، فإنه منكر الحديث، قال البخاري: "مجهول، وحديثه منكر"، وقال أبو حاتم: "ليس بالقوي، روى عن الحكم بن أبان أحاديث منكرة"، وقال أبو زرعة: "منكر الحديث"، وقال أبو داود: "بلغني أنه ضعيف" [الميزان (١/ ٥٤٥)، التهذيب (١/ ٤٣٤)]، والله أعلم.
• ومما صح في الباب غير ما تقدم:
حديث أبي سعيد الخدري:
يرويه قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كانوا ثلاثةً فليؤمَّهم أحدُهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم"، وفي رواية: "إذا اجتمع ثلاثة".
أخرجه مسلم (٦٧٢)، وأبو عوانة (١/ ٣٥٤ و ٣٥٥/ ١٢٦٩ - ١٢٧٢)، وأبو نعيم في المستخرج (٢/ ٢٦٥/ ١٥٠١ و ١٥٠٢)، والنسائي في المجتبى (٢/ ٧٧ و ١٠٣/ ٧٨٢ و ٨٤٠)، وفي الكبرى (١/ ٤٢٠ و ٤٤٢/ ٨٥٩ و ٩١٦)، والدارمي (١/ ٣١٨/ ١٢٥٤)، وابن خزيمة (٣/ ٤/ ١٥٠٨)، وابن حبان (٥/ ٥٠٤/ ٢١٣٢)، وأحمد (٣/ ٢٤ و ٣٤ و ٣٦ و ٤٨ و ٥١ و ٨٤)، والطيالسي (٣/ ٦١٠/ ٢٢٦٦)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٠٢/ ٣٤٥٢)، وعبد بن حميد (٨٧٨)، وأبو يعلى (٢/ ٤٦٨ و ٤٨٦/ ١٢٩١ و ١٣١٩)، وأبو العباس السراج في
стр. 2705
مسنده (١٢٧٨ - ١٢٨٠ و ١٢٨٢ - ١٢٨٤)، وفي البيتوتة (٣٦)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (١٢٣٧ - ١٢٤٠ و ١٢٤٢ - ١٢٤٥)، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ١٥٧/ ١٩٤٧)، والطبراني في مسند الشاميين (٤/ ٥١/ ٢٧٠٦)، وابن حزم في المحلى (٤/ ٢٠٧) و (٥/ ٤٨)، وقال: "وهذا خبر صحيح". والبيهقي (٣/ ٨٩ و ١١٩)، والخطيب في تلخيص المتشابه في الرسم (١/ ٥٢٥)، والبغوي في شرح السنة (٣/ ٣٩٩/ ٨٣٦)، وقال: "هذا حديث صحيح". وابن الجوزي في التحقيق (٧١٧).
رواه عن قتادة به هكذا: شعبة، وهشام الدستوائي، وسعيد بن أبي عروبة، وأبو عوانة، وهمام بن يحيى، وسعيد بن بشير.
• واختلف فيه على سعيد بن أبي عروبة:
فرواه عنه به هكذا كالجماعة: يحيى بن سعيد القطان، وعبدة بن سليمان، وابن أبي عدي، ووكيع بن الجراح، وعبد الله بن المبارك، وأبو خالد الأحمر سليمان بن حيان، وغندر محمد بن جعفر، وأبو بدر شجاع بن الوليد، ومحمد بن بكر البرساني، ومحمد بن عبد الله الأنصاري [وفيهم من أثبت أصحاب سعيد الذين رووا عنه قبل الاختلاط: يحيى بن سعيد، وعبدة بن سليمان، وابن المبارك. الكواكب النيرات (٢٥)، شرح علل الترمذي (٢/ ٧٤٣)].
خالف هؤلاء:
إسماعيل بن علية [ثقة ثبت]، قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد مثله، ولم يرفعه.
أخرجه أبو العباس السراج في مسنده (١٢٨٥)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (١٢٤٦).
هكذا رواه ابن علية عن ابن أبي عروبة به موقوفًا، ورفعه الجماعة من ثقات أصحاب ابن أبي عروبة ممن روى عنه قبل الاختلاط وبعده، فالرفع صحيح ثابت.
• تنبيه: زاد أبو داود الطيالسي [ثقة حافظ] عن هشام الدستوائي: "في سفر"، فقال: "إذا كانوا ثلاثة في سفر فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم" [عند الطيالسي في مسنده - في أكثر النسخ، وفي نسخة بدون الزيادة - ومن طريقه: أبو عوانة بدونها، والبيهقي بإثباتها]، وتابعه عليها: يزيد بن زريع [ثقة ثبت] [عند ابن حبان]، وقد رواه جماعة من أصحاب هشام [مثل: يحيى بن سعيد القطان، وابنه معاذ، وأبي عامر العقدي، وابن أبي عدي] بدونها.
قال أبو عوانة في صحيحه (١/ ٣٥٥): "أخرجوا أصحابنا حديث هشام الدستوائي؛ لأنه أتم، وذكر فيه السفر".
• ووقع في رواية ابن المبارك عن سعيد بن أبي عروبة وشعبة [عند السراج، والخطيب]: "إذا اجتمع ثلاثة نفر فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم"، بزيادة: "نفر".
стр. 2706
وانظر فيمن وهم فيه على قتادة من الضعفاء: مسند السراج (١٢٨٦)، حديث السراج (١٢٤٧)، الكامل (٤/ ١١٣).
• ورواه أيضًا: سعيد بن إياس الجريري [من رواية: ابن المبارك، وسالم بن نوح عنه]، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: "إذا اجتمع ثلاثة أمَّهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم".
أخرجه مسلم (٦٧٢)، وأبو نعيم في المستخرج (٢/ ٢٦٥/ ١٥٠٣)، وابن خزيمة (٣/ ١٠٠/ ١٧٠١)، وأبو العباس السراج في مسنده (١٢٨١)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (١٢٤١)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٣٤٧)، والدارقطني (١/ ٢٧٣).
• ولحديث أبي سعيد إسناد آخر:
يرويه أبو هارون العبدي، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ قال: "إذا سافر قوم ليس معهم أمير فليؤمَّهم أقرؤهم لكتاب الله".
أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (١/ ٤٠٣/٢٢٥)، وابن عدي في الكامل (٥/ ٧٩)، وتمام في الفوائد (٦٨٧).
من طريقين عن أبي هارون العبدي به، وأبو هارون عمارة بن جوين العبدي البصري: متروك، كذبه جماعة [التهذيب (٣/ ٢٠٧)].
• ومما قد يحتج به بعضهم في هذا الباب:
١ - حديث أبي هريرة:
يرويه البزار في مسنده (١٥/ ١٩٢/ ٨٥٧٧)، قال: حدثنا محمد بن حميد القطان الجنديسابوري، قال: نا عبد الله بن رُشَيد، قال: نا محمد بن الزبرقان، قال: نا ثور بن يزيد، عن مهاجر بن حبيب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا سافرتم فليؤمكم أقرؤكم، وإن كان أصغركم، وإذا أمَّكم فهو أميركم".
قال البزار: "وهذا الحديث بهذا اللفظ لا نعلمه يُروى عن النبي ﷺ إلا من رواية أبي هريرة بهذا الإسناد، وقد روى أبو هريرة وغيره بعض هذا الكلام، فأما بهذا اللفظ فلا، ولا روى مهاجر بن حبيب عن أبي سلمة غير هذا الحديث".
وتساهل الهيثمي فقال في المجمع (٢/ ٦٤): "رواه البزار، وإسناده حسن"، ثم عاد إلى الصواب فقال في موضع آخر (٥/ ٢٥٥): "رواه البزار، وفيه من لم أعرفه".
قلت: هو حديث منكر؛ تفرد بوصله محمد بن الزبرقان أبو همام الأهوازي، وهو: ليس به بأس [التهذيب (٣/ ٥٦٣)]، وفي الإسناد إليه: عبد الله بن رشيد الجنديسابوري، قال جعفر بن محمد الجوزي: "ثنا عبد الله بن رشيد، وكان ثقة"، وقال ابن حبان في الثقات: "مستقيم الحديث"، وقال البيهقي: "لا يحتج به"، وقال الذهبي: "ليس بقوي، وفيه جهالة" [صحيح أبي عوانة (٤/ ٣٨٦/ ٧٠٤٤)، الثقات (٨/ ٣٤٣)، سنن البيهقي (٦/ ١٠٨)، الأنساب (٢/ ٩٥)، المغني (١/ ٣٣٨)، ذيل الميزان (٤٦٩)، اللسان (٤/ ٤٧٧)]،
стр. 2707
وشيخ البزار: لم أهتد إليه بعد طول بحث، ولم يذكره السمعاني في ترجمة الجنديسابوري في كتابه الأنساب (٢/ ٩٤)، مع أنه ذكر جماعة من الضعفاء من أهل جنديسابور [وانظر: الأحكام الوسطى (١/ ٣٢٢)].
وهذا الحديث قد رواه على الصواب مرسلًا:
سفيان الثوري، وعيسى بن يونس، ووكيع بن الجراح [وهم ثقات حفاظ]: عن ثور بن يزيد، عن مهاجر بن حبيب الزبيدي، قال: اجتمع أبو سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن جبير [وفي رواية: جلست إلى أبي سلمة وسعيد بن جبير]، فقال سعيد لأبي سلمة: حدِّث فإنا سنتبعك، فقال أبو سلمة: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان ثلاثة في سفر فليؤمهم أقرؤهم، وإن كان أصغرهم سنًّا، فإذا أمَّهم فهو أميرهم"، قال أبو سلمة: فذاكم أمير أمره رسول الله ﷺ .
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٣٩٠/ ٣٨١٢) (٥/ ١٦٥/ ٩٢٥٦)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٠٢/ ٣٤٥٧)، وابن نصر المروزي في قيام رمضان (٤٦).
هكذا وقع في المصادر التي عزوت لها الحديث: مهاجر [بالجيم] بن حبيب [عدا طبعة محمد عوامة لمصنف ابن أبي شيبة (٣٤٧٦)، ففيها: مهاصر بن حبيب] [وفي الموضع الأول من مصنف عبد الرزاق: مهاجر بن ضمرة. (١/ ٣١٠ - مخطوط) (١/ ١٥٥/ أ)]، والذي في كتب الرجال: مهاصر [بالصاد] بن حبيب أبو ضمرة الزبيدي الشامي، أخو ضمرة بن حبيب، وهو: لا بأس به [الطبقات الكبرى (٧/ ٤٦٠)، التاريخ الكبير (٨/ ٦٦)، كنى مسلم (١٧١٨)، الأسماء المفردة (١٩٦)، الجرح والتعديل (٨/ ٤٣٩)، معرفة الثقات (١٨٠٣)، الثقات (٥/ ٤٥٤) و (٧/ ٥٢٥)، فتح الباب (٤٠٤٠)، الإكمال (٧/ ٣٠٣)]، وعليه فإن الذي في المصادر المشار إليها مصحَّف، صوابه: مهاصر بن حبيب.
وتابع ثور بن يزيد عليه: معاوية بن صالح، وفرج بن فضالة، فروياه عن المهاصر بن حبيب، عن أبي سلمة، عن النبي ﷺ : مرسلًا.
ذكره ابن أبي حاتم في العلل (٢/ ٧٦/ ٢٢٥ - ط سعد الحميد) (١/ ٨٤/ ٢٢٥).
وله إسناد آخر عن أبي سلمة يأتي ذكره والكلام عليه في موضعه من سنن أبي داود - إن شاء الله تعالى - برقم (٢٦٠٨ و ٢٦٠٩)، وانظر: علل ابن أبي حاتم (١/ ٨٤/ ٢٢٥)، علل الدارقطني (٩/ ٣٢٦/ ١٧٩٥).
٢ - حديث جابر بن عبد الله:
يرويه: عبد الله بن محمد العدوي [متروك، منكر الحديث، رماه وكيع بالوضع.
الميزان (٢/ ٤٨٥)، التهذيب (٢/ ٤٢٨)] [والراوي عنه: الوليد بن بكير أبو خباب: لين الحديث، وقد اختلف فيه على فضيل بن مرزوق أحد من رواه عن الوليد بن بكير، فروي عنه عن الوليد على أوجه، هذا هو المحفوظ منها، والبقية أوهام من فضيل، أو ممن روى عنه، وانظر: علل الدارقطني (١٣/ ٣٥٧/ ٣٢٤٤)].
стр. 2708
وحمزة بن حسان [مجهول، وهو أحد شيوخ بقية المجهولين الذين لا يعرَّج عليهم، قاله ابن حجر. اللسان (٣/ ٢٨٨ و (٨/ ١٨٤)] [والراوي عنه: بقية بن الوليد، ولم يصرح بسماع].
وحماد بن سلمة [ثقة إمام؛ لكن لا يثبت عنه؛ ففي الإسناد إليه: محمد بن عبد الرحمن بن غزوان، وهو ممن يضع الحديث، وقد تلوَّن في إسناد هذا الحديث أشكالًا. اللسان (٧/ ٢٩٥)].
وسفيان بن سعيد الثوري [ثقة متقن، إمام حجة، لكنه ليس من حديثه؛ تفرد به عنه زيد بن أبي الزرقاء، وتفرد به مُهَنى بن يحيى الشامي عن زيد، قاله الدارقطني. اللسان (٨/ ١٨٣)، أطراف الأفراد (١٥٧١)].
رواه أربعتهم: عبد الله بن محمد العدوي، وحمزة بن حسان، وحماد بن سلمة [ولا يصح عنه]، وسفيان الثوري [ولا يصح عنه]:
عن علي بن زيد بن جدعان [ضعيف]، عن سعيد بن المسيب، عن جابر بن عبد الله، قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "يا أيها الناس توبوا إلى الله قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تُشغَلوا، وَصِلُوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له، وكثرة الصدقة في السر والعلانية؛ تُرزَقوا وتُنصَروا وتُجْبَروا، واعلموا أن الله قد افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا، في يومي هذا، في شهري هذا، من عامي هذا، إلى يوم القيامة، فمن تركها في حياتي أو بعدي، وله إمامٌ عادلٌ أو جائرٌ، استخفافًا بها، أو جحودًا لها، فلا جمع الله له شمله، ولا بارك له في أمره، ألا ولا صلاةَ له، ولا زكاةَ له، ولا حَجَّ له، ولا صومَ له، ولا بِرَّ له، حتى يتوب، فمن تاب تاب الله عليه، ألا لا تَؤُمَّنَّ امرأةٌ رجلًا، ولا يؤُمَّ أعرابيٌّ مهاجرًا، ولا يؤُمُّ فاجرٌ مؤمنًا، إلا أن يقهره بسلطان، يخاف سيفه وسوطه".
أخرجه ابن ماجه (١٠٨١)، وعبد بن حميد (١١٣٦)، وأبو يعلى (٣/ ٣٨٢/ ١٨٥٦)، والعقيلي في الضعفاء (٢/ ٢٩٨)، وابن أبي حاتم في العلل (٢/ ١٢٩/ ١٨٧٨)، وابن حبان في المجروحين (٢/ ٣٠٥ - ٣٠٦)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٦٤/ ١٢٦١)، وابن عدي في الكامل (٤/ ١٨١)، والدارقطني في الأفراد (١/ ٢٩٨/ ١٥٧١ - أطرافه)، وفي العلل (١٣/ ٣٥٨/ ٣٢٤٤)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٦/ ١٠٤٥/ ١٩٣٣)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٢٩٥ - ٢٩٦)، وابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (١/ ٣٤٧)، والقضاعي في مسند الشهاب (٧٢٣ و ٧٢٤)، والبيهقي في السنن (٣/ ٩٠ و ١٧١)، وفي الشعب (٣/ ١٠٥/ ٣٠١٤)، وفي فضائل الأوقات (٢٦١ و ٢٦٢)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٣/ ٢٦٦)، وأبو طاهر بن أبي الصقر في مشيخته (٩٥)، والشجري في الأمالي الخميسية (٢/ ٤٠٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦١/ ٣١١ و ٣١٢)، والمزي في التهذيب (١٦/ ١٠٣).
قال أبو حاتم: "هو حديث منكر" [العلل (٢/ ١٢٩/ ١٨٧٨)].
وقال العقيلي: "وقد روي هذا الكلام من وجه آخر بإسناد شبيه بهذا في الضعف".
стр. 2709
وقال ابن عدي: "وعبد الله بن محمد العدوي له من الحديث شيء يسير، وهو معروف بحديث الجمعة الذي يرويه عنه الوليد بن بكير، والذي ذكرته".
وقال الدارقطني في العلل (٩/ ٢١٠/ ١٧٢٧): "غير ثابت".
وقال في الأفراد: "هذا حديث غريب من حديث سفيان الثوري، عن علي بن زيد بن جدعان، تفرد به زيد بن أبي الزرقاء عنه، وتفرد به مهنى بن يحيى عن زيد" [أطراف الغرائب (١٥٧١)، تاريخ بغداد (١٣/ ٢٦٦)، تاريخ دمشق (٦١/ ٣١١)].
وعلق عليه الخطيب بقوله: "وهذا الحديث إنما يحفظ من رواية بقية بن الوليد عن حمزة بن حسان عن علي بن زيد، ولا نحفظه عن الثوري بوجه من الوجوه".
وقال البيهقي: "عبد الله بن محمد هو العدوي: منكر الحديث، لا يتابع في حديثه، قاله محمد بن إسماعيل البخاري، وروى كاتب الليث، عن نافع بن يزيد، وأبو يحيى الوقار، عن خالد بن عبد الدائم، عن نافع بن يزيد، عن زهرة بن معبد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، معنى هذا في الجمعة، وهو أيضًا ضعيف".
وذكره النووي في فصل الضعيف من الخلاصة (٢٤٢٧)، وضعفه.
وقال ابن رجب في الفتح (٤/ ١٩٠): "والعدوي هذا، قال البخاري وأبو حاتم: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: مجهول، وقال الدارقطني: متروك، وقال العقيلي: وقد روي هذا من وجه آخر يشبه هذا في الضعف.
وذكر الدارقطني في العلل: أنه رواه أبو فاطمة مسكين بن عبد الله الطفاوي وحمزة بن حسان، عن علي بن زيد أيضًا، ورواه الثوري عن علي بن زيد أيضًا، ثم خرجه من طريق مهنأ بن يحيى الشامي -صاحب الإمام أحمد-: حدثنا زيد بن أبي الزرقاء، عن سفيان، عن علي بن زيد فذكره مختصرًا، وهذا إسناد قوي؛ إلا أن الحديث منكر؛ قاله أبو حاتم الرازي، وقال الدارقطني: هو غير ثابت، وقال ابن عبد البر: أسانيده واهية، قلت: وقد روي أوله من طرق متعددة، كلها واهية" [وانظر: علل الدارقطني (١٣/ ٣٥٧/ ٣٢٤٤)].
وقال ابن رجب في موضع آخر (٥/ ٣٢٧): "وفي إسناده ضعف واضطراب واختلاف".
وقال ابن الملقن في البدر المنير (٤/ ٤٣٤): "وهو حديث ضعيف".
وقال ابن حجر: "غير ثابت" [الإمتاع (٩٨)، المقاصد الحسنة (١٢١٣)]، وقال في البلوغ (٣٢٨): "إسناده واهٍ".
• قلت: ورواه العدوي [المتقدم ذكره، والمتهم بهذا الحديث]، بإسناد آخر، من حديث طلحة بن عبيد الله.
أخرجه أبو بكر الباغندي في مسند عمر بن عبد العزيز (٨٨).
• ورواه أيضًا: محمد بن عبد الرحمن بن غزوان الوضاع بثلاثة أسانيد أخرى، من حديث جابر بن عبد الله.
стр. 2710
أخرجه ابن حبان في المجروحين (٢/ ٣٠٥ - ٣٠٦)، عن شيخه محمد بن إسحاق بن خزيمة الإمام بهذه الأسانيد الأربعة، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن غزوان، وأنا خائف أنه كذاب، .....
• وروي بعضه من حديث:
أ - أبي هريرة [عند ابن حبان في المجروحين (١/ ٢٨٠)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٤٤)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ٤٥٦/ ٧٨١)، وهو حديث موضوع، في إسناده: خالد بن عبد الدائم: متروك الحديث، روى أحاديث موضوعة. اللسان (٣/ ٣٢٦)] [والراوي عنه: زكريا بن يحيى الوقار: يضع الحديث، كذبه صالح جزرة. اللسان (٣/ ٥١٧)] [وقال الدارقطني في العلل (٩/ ٢١٠/ ١٧٢٧): "غير ثابت"].
ب - أبي سعيد الخدري [عند الطبراني في الأوسط (٧/ ١٩٢/ ٧٢٤٦)، وإسناده واهٍ، ومداره على فضيل بن مرزوق، وهو وهم من راويه عنه عليه، حيث سلك فيه الجادة والطريق السهل، والحديث يرجع إلى العدوي المتقدم ذكره].
وانظر أيضًا: المغني عن حمل الأسفار (٢/ ٩٨٣)، مصباح الزجاجة (١/ ١٢٩/ ٣٨٦)، التلخيص (٢/ ٣٢)، اللسان (٨/ ١٨٣).
٣ - حديث ابن عمر:
يرويه محمد بن الفضل بن عطية، عن صالح بن حسان، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "ليؤمكم أقرؤكم، وإن كان ولد زنا".
أخرجه ابن عدي في الكامل (٦/ ١٦٣)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/ ٤١٤)، وأبو طاهر السِّلَفي في معجم السفر (٧٣٠)، وعلقه ابن حبان في المجروحين (١/ ٣٦٨)، في ترجمة صالح بن حسان هذا، واتهمه بالوضع.
وقال ابن عدي بعد أن أورده في ترجمة محمد بن الفضل بن عطية، عن صالح بن حيان [كذا]، قال: "وهذا لا أعلم يرويه عن صالح بن حيان غير محمد بن الفضل".
ومحمد بن الفضل بن عطية: متروك الحديث، كذاب [التهذيب (٣/ ٦٧٥)، الميزان (٤/ ٦)] [وانظر: الأحكام الوسطى (١/ ٣٢١)، بيان الوهم (٢/ ٣٥٠/ ٣٤٦)]، وصالح بن حسان الأنصاري النضري المدني: متروك، منكر الحديث [التهذيب (٢/ ١٩١)].
فهو حديث موضوع.
٤ - حديث أبي هريرة:
يرويه أبو الوليد المخزومي: ثنا ابن جريج، عن عطاء، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن سرَّكم أن تزكُّوَ صلاتكم فقدِّموا خياركم".
أخرجه ابن عدي في الكامل (٣/ ٤٢)، والدارقطني (١/ ٣٤٦).
قال ابن عدي: "وهذا الحديث عن ابن جريج بهذا الإسناد منكر".
وقال الدارقطني: "أبو الوليد هو خالد بن إسماعيل: ضعيف".
стр. 2711
قلت: هو حديث موضوع، خالد بن إسماعيل بن الوليد المخزومي: كان يضع الحديث على الثقات [اللسان (٣/ ٣١٤ و ٣٤٤)، الأحكام الوسطى (١/ ٣٢٢)].
• ورواه الخطيب البغدادي في تاريخه (٢/ ٥١)، ومن طريقه: ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ٤١٨/ ٧٠٩)، وفي التحقيق (٧١٩)، وفي المنتظم (١٤/ ١٥٩).
من طريق هوذة بن خليفة البكراوي عن ابن جريج به، لكن في الإسناد إليه: محمد بن إسماعيل بن موسى بن هارون أبو الحسين الرازي المكتب، قال الخطيب: "وكان غير ثقة"، ثم قال: "هذا حديث منكر بهذا الإسناد، ورجاله كلهم ثقات، والحمل فيه على الرازي"، قلت: وهو متهم بالوضع [انظر: اللسان (٦/ ٥٧٤)، التنقيح (٢/ ٤٦٧/ ١١٤٢)].
٥ - حديث مرثد بن أبي مرثد الغنوي:
يرويه يحيى بن يعلى، عن عبد الله بن موسى [وفي رواية: عمر بن موسى]، عن القاسم السامي -من ولد سامة بن لؤي-، عن مرثد بن أبي مرثد الغنوي -وكان بدريًّا-، ذكر عن النبي ﷺ قال: "إن شئتم [وفي رواية: إذا سرَّكم، أن تُقبل صلاُتكم فليؤمَّكم خياركم؛ فإنهم وفدكم إلى ربكم ".
أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١/ ٣١٧/٢٤٤)، وابن قانع في المعجم (٣/ ٧٠)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٣٢٨/ ٧٧٧)، والدارقطني (٢/ ٨٨)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٥/ ٢٥٦٣/ ٦١٨٧)، وعلقه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٨/ ٢٩٩).
قال الدارقطني: "إسناد غير ثابت، وعبد الله بن موسى ضعيف".
هكذا رواه عن يحيى بن يعلى الأسلمي: حسين بن نصر بن مزاحم المنقري العطار [لم أقف له على ترجمة] [وقال: عمر بن موسى]، والقاسم بن أبي شيبة [ضعيف. ضعفاء النسائي (٥٢٠)، ضعفاء الدارقطني (٤٤١)، سؤالات البرذعي (٣٧١)، اللسان (٦/ ٣٧٢)]، وإسماعيل بن أبان الوراق [ثقة]، وسليمان بن داود الشاذكوني [حافظ؛ إلا أنه متروك، رماه الأئمة بالكذب. انظر: اللسان (٤/ ١٤٢)].
وخالفهم: عبيد الله بن موسى [ثقة]: أنا يحيى بن يعلى، عن القاسم الشيباني، عن مرثد بن أبي مرثد الغنوي -وكان بدريًّا-، قال: قال رسول الله ﷺ : … فذكره.
أخرجه الحاكم (٣/ ٢٢٢).
قال ابن حجر في الإتحاف (١٣/ ١٦٥٣٥/١٦٤): "فيه انقطاع".
وخالفهم: موسى بن هشام البجلي [لم أقف له على ترجمة]، فرواه عن يحيى بن يعلى: ثنا عبد الله بن زيد، عن حرملة بن عمر، عن عبد العزيز بن حكيم، عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُقدِّموا سفهاءكم في صلاتكم، ولا على جنائزكم، فإنهم وفدكم إلى ربكم".
ضعف إسناده البيهقي في الخلافيات (٢/ ٣٠٣ - مختصره).
стр. 2712
وذكره ابن عبد الهادي في التنقيح (٢/ ٤٦٩/ ١١٤٥)، وقال: "رُوي بإسناد مظلم"، وقال أيضًا: "قال شيخنا أبو الحجاج: في إسناده غير واحد من المجهولين".
قلت: الوجه الثالث: منكر جدًّا، والوجهان الأول والثاني يدلان على اضطراب يحيى بن يعلى الأسلمي في إسناد هذا الحديث؛ فإنه ضعيف، مضطرب الحديث، فكان مرة يذكر الواسطة، ومرة يحذفها، وعبد الله بن موسى هذا هو: عمر بن موسى بن وجيه الوجيهي الحمصي، وهو: متروك، منكر الحديث، بل قال أبو حاتم وابن عدي: "يضع الحديث"، وقال ابن معين: "كذاب، ليس بشيء" [اللسان (٥/ ٢٤) و (٦/ ١٤٩)]، وأخاف أن تكون نسبة القاسم ساميًا من كيس أحدهما، ولعله القاسم أبو عبد الرحمن الشامي صاحب أبي أمامة، وهو الأقرب، فيكون الحديث أيضًا مرسلًا.
قال ابن عبد البر في الاستيعاب (٣/ ١٣٨٤): "هكذا في هذا الحديث بهذا الإسناد: عن القاسم أبي عبد الرحمن، قال: حدثني مرثد بن أبي مرثد، وهو عندي وهم وغلط؛ لأنه قد قتل في حياة النبي ﷺ ومغازيه، لم يدركه القاسم المذكور، ولا رآه، فلا يجوز أن يقال فيه: حدثني؛ لأنه منقطع، أرسله القاسم أبو عبد الرحمن عن مرثد بن أبي مرثد هذا، إلا أن يكون رجل آخر وافق اسمه اسم أبيه وشهد أيضًا بدرًا".
فتعقبه ابن حجر في الإصابة (٦/ ٧٠)، فقال: "الوهم ممن قال عن القاسم: حدثني مرثد، وإنما الصواب أنه قال: عن مرثد، كذا عند جمهور من أخرج الحديث المذكور بالعنعنة، والله تعالى أعلم".
والحاصل: أن هذا الحديث باطل.
• ورواه الحسين بن نصر المؤدب: ثنا سلام بن سليمان: ثنا عمر بن عبد الرحمن بن يزيد، عن محمد بن واسع، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "اجعلوا أئمتكم خياركم؛ فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين الله ".
أخرجه الدارقطني (٢/ ٨٧)، والبيهقي (٣/ ٩٠)، وابن الجوزي في التحقيق (٧٢٠).
قال البيهقي: "إسناد هذا الحديث ضعيف".
وقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (١/ ٣٢٢): "قال الدارقطني: عمر هذا هو عندي: عمر بن يزيد قاضي المدائن. ولم يقل فيه أكثر من هذا، ولم أجد عمر بن يزيد هذا، ولا وجدت فيما رأيت أكثر من عمر بن يزيد المدائني: يروي عن عطاء وغيره، ذكره ابن عدي، وقال فيه: منكر الحديث، وذكر له أحاديث، ولم يذكر هذا فيها [انظر: الكامل (٥/ ٢٩)، اللسان (٦/ ١٦١)]، ولعل عمر بن يزيد المدائني غير قاضي المدائن، والله أعلم، وسلام بن سليمان أيضًا مدائني: ليس بقوي".
قلت: سلام الطويل: متروك، وتعقبه ابن القطان الفاسي في بيان الوهم (٣/ ١٤٩/ ٨٥٧)، فقال: "وردَّه بعمر بن يزيد قاضي المدائن، وسلام بن سليمان، وأعرض من إسناده عن الحسين بن نصر المؤدب، راويه عن سلام بن سليمان المذكور وهو لا يعرف".
стр. 2713
وقال ابن عبد الهادي في التنقيح (٢/ ٤٦٨/ ١١٤٣): "هذا الحديث منكر، ولو صح حمل على الأولوية".
قلت: هو كما قال: حديث منكر.
• ورواه الحارث بن أبي أسامة (٣/ ٧٧٩/ ٤٣٤ - مطالب) (١٤٤ - بغية الباحث)، قال: حدثنا داود بن المحبر: ثنا عنبسة بن عبد الرحمن، عن علاق بن أبي مسلم، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إمام القوم وافدهم إلى الله ، فقدموا أفضلكم".
وهذا حديث موضوع؛ علاق بن أبي مسلم: مجهول، قال فيه ابن حبان: "شيخ يروي عن أنس وأبان بن عثمان: ما ليس يشبه حديث الأثبات؛ على قلة روايته، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد، وهو الذي روى عن أنس عن النبي ﷺ : "ترك العشاء مهرمة"، وهذا لا أصل له" [المجروحين (٢/ ١٧٤)، التهذيب (٣/ ٣٥٠)، التقريب (٤٨٣)]، وعنبسة بن عبد الرحمن الأموي: متروك، منكر الحديث، قال أبو حاتم: "كان يضع الحديث"، واتهمه أيضًا: الأزدي وابن حبان [التهذيب (٣/ ٣٣٣)]، وداود بن المحبر: متروك، منكر الحديث، متهم بالوضع [انظر: التاريخ الكبير (٣/ ٢٤٤)، التهذيب (١/ ٥٧٠)، إكمال مغلطاي (٤/ ٢٦٣)، الميزان (٢/ ٢٠)].
٦ - حديث ابن عمر:
يرويه سليمان بن توبة النهرواني [صدوق]، قال: حدثنا علي بن يزيد الصدائي، قال: حدثنا الهيثم بن عُقاب، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : من أمَّ قومًا وفيهم أقرأ لكتاب الله منه وأعلم: لم يزل في سفال إلى يوم القيامة".
أخرجه العقيلي في الضعفاء (٤/ ٣٥٥).
قال العقيلي: "الهيثم بن عقاب: كوفي، مجهول بالنقل، حديثه غير محفوظ، ولا يعرف إلا به"، ونقله عبد الحق في أحكامه الوسطى (١/ ٣٢٢).
خالفه الحسين بن علي بن يزيد الصدائي [صدوق]، قال: حدثنا أبي، عن حفص بن سليمان، عن الهيثم بن عقاب، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر به مرفوعًا.
أخرجه ابن السماك في الثاني من أماليه (١٨)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٢٨ - ٢٩/ ٤٥٨٢)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٣٨١).
قال الطبراني: "لا يروى عن ابن عمر إلا بهذا الإسناد، تفرد به الحسين بن علي".
وقال ابن عدي: "قال لنا عبدان: والناس يقولون: إن هذا الهيثم المذكور في هذا الإسناد، هو الهيثم بن حبيب الصراف، وليس كما يقولون".
والوجه الثاني هو الأشبه بالصواب؛ لأمور: الأول: أن من زاد في الإسناد معه زيادة علم، ومن علم حجة على من لم يعلم، لا سيما وهم متقاربان في الضبط، والثاني: أن حفص بن سليمان هو المتفرد بهذا الحديث، وهو ما يُشعر به كلام الطبراني، وقال ابن
стр. 2714
عدي: "وهذا الحديث لا يرويه عن الهيثم غير حفص هذا"، الثالث: أن هذا الاختلاف من علي بن يزيد الصدائي نفسه، فإنه: منكر الحديث عن الثقات، عامة ما يرويه لا يتابع عليه، وقد أنكر الذهبي في الميزان هذا الحديث على الصدائي هذا [الميزان (٣/ ١٦٢)، التهذيب (٣/ ١٩٩)].
لكني وجدت له متابعًا:
فقد رواه الخطيب في المتفق والمفترق (٣/ ٢٠١٨/ ١٦٧٠) بإسناده إلى آدم بن أبي إياس، قال: حدثنا أبو عمر البزاز حفص بن سليمان الغاضري، عن الهيثم بن أبي الهيثم الفقيه، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر به مرفوعًا.
قال الدارقطني: "تفرد به آدم عن أبي عمر عن الهيثم بن أبي الهيثم، وهو الصيرفي".
قلت: فإن كان هذا محفوظًا عن آدم بن أبي إياس، فالهيثم المذكور في هذا الإسناد هو: الهيثم بن حبيب الصيرفي كما قال الدارقطني، وهو ثقة مشهور، ولا أظنه محفوظًا عن آدم، فالمتفرد به عنه: أبو ذهل عبيد بن الغازي العسقلاني، وليس بذاك المشهور، ذكره ابن حبان في الثقات [الثقات (٨/ ٤٣٣)، تكملة الإكمال (٤/ ٣٦١)]، وفي تفرد مثله عن آدم بن أبي إياس ما فيه، ولو كان من حديث آدم لاشتهر عنه بحيث لا يخفى مثل هذا الإسناد على عبدان الأهوازي والعقيلي والطبراني وابن عدي، بل جزم عبدان بأن الهيثم المذكور في إسناد هذا الحديث ليس هو ابن حبيب الصيرفي، وعليه فيبقى أنه الهيثم بن عقاب، حيث ورد مصرحًا به في رواية الصدائي، والله أعلم.
وعليه: فهو حديث منكر، تفرد به عن محارب بن دثار: الهيثم بن عقاب، وهو مجهول [اللسان (٨/ ٣٦٣)]، وتفرد به عنه: حفص بن سليمان الغاضري القارئ، وهو: متروك الحديث، وإن كان إمامًا في القراءة.
وانظر أيضًا: التنقيح (٢/ ٤٧٠ - ٤٨٠/ ١١٤٧ - ١١٥٩).
***
• ومن فقه أحاديث الباب:
قال الترمذي: "وحديث أبي مسعود: حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم، قالوا: أحق الناس بالإمامة: أقرؤهم لكتاب الله، وأعلمهم بالسنة، وقالوا: صاحب المنزل أحق بالإمامة، وقال بعضهم: إذا أذِن صاحب المنزل لغيره فلا بأس أن يصلي به، وكرهه بعضهم، وقالوا: السنة أن يصلي صاحب البيت، قال أحمد بن حنبل: وقول النبي ﷺ : "ولا يُؤَمُّ الرجلُ في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته في بيته إلا بإذنه" فإذا أذِن فأرجو أن الإذن في الكُلِّ، ولم ير به بأسًا إذا أذِن له أن يصلى به".
وقال الإمام الشافعي في الأم (٢/ ٣٠٠/ ٢٨٠) بعد حديث مالك بن الحويرث: "هؤلاء قومٌ قدِموا معًا فأشبهوا أن تكون قراءتُهم وتفقُّهُهم سواءً فأُمِروا أن يؤمَّهم أكبرُهم، وبذلك آمرهم، وبهذا نأخذ، فنأمر القوم إذا اجتمعوا في الموضع ليس فيهم والٍ، وليسوا
стр. 2715
في منزل أحدٍ، أن يقدِّموا أقرأَهم وأفقهَهم وأسنَّهم، فإن لم يجتمع ذلك في واحد فإن قدَّموا أفقههم إذا كان يقرأ القرآن فقرأ منه ما يُكتفى به في صلاته فحسنٌ، وإن قدَّموا أقرأَهم إذا كان يعلم من الفقه ما يلزمه في الصلاة فحسنٌ، ويقدِّموا هذين معًا على من هو أسنُّ منهما، وإنما قيل -والله تعالى أعلم-: أن يؤمَّهم أقرؤهم أن من مضى من الأئمة كانوا يسلمون كبارًا، فيتفقهون قبل أن يقرؤوا القرآن، ومَن بعدهم كانوا يقرؤون القرآن صغارًا قبل أن يتفقهوا، فأشبه أن يكون من كان فقيهًا إذا قرأ من القرآن شيئًا أولى بالإمامة؛ لأنه قد ينوبه في الصلاة ما يعقل كيف يفعل فيه بالفقه، ولا يعلمه من لا فقهَ له، وإذا استووا في الفقه والقراءة أَمَّهم أسنُّهم، وأمْرُ النبي ﷺ أن يؤمَّهم أسنُّهم -فيما أرى والله تعالى أعلم- أنهم كانوا مشتبهي الحال في القراءة والعلم، فأمَر أن يؤمَّهم أكبرُهم سنًّا، ولو كان فيهم ذو نسب فقدَّموا غير ذي النسب أجزأهم، وإن قدَّموا ذا النسب اشتبهت حالهم في القراءة والفقه كان حسنًا؛ لأن الإمامةَ منزلةُ فضلٍ، وقد قال رسول الله ﷺ : "قَدِّموا قريشًا ولا تقدَّموها" [قلت: قال البيهقي في السنن (٣/ ١٢١): "هذا مرسل، وروي موصولًا، وليس بالقوي"]، فأُحبُّ أن يُقَدَّمَ من حضر منهم اتِّباعًا لرسول الله ﷺ ، إذا كان فيه لذلك موضعٌ …
قال الشافعي: وصاحب المسجد كصاحب المنزل، فأكره أن يتقدَّمه أحدٌ إلا السلطان.
ومَن أمَّ من الرجال ممن كَرِهْتُ إمامَتَه فأقام الصلاة أجزأتْ إمامَتُه، والاختيار ما وصفتُ من تقديم أهل الفقه والقرآن والسن والنسب.
وإن أمَّ أعرابيٌّ مهاجرًا، أو بدويٌّ قرويًّا فلا بأس إن شاء الله تعالى؛ إلا أني أحب أن يتقدَّم أهلُ الفضل في كل حالٍ في الإمامة، ومَن صلى صلاةً من بالغٍ مسلمٍ يقيم الصلاة أجزأته ومَن خلفَه صلاتُهم، وإن كان غير محمود الحال في دينه، أَيَّ غايةٍ بلغ يخالف الحمد في الدين، وقد صلى أصحاب النبي ﷺ خلف من لا يحمدون فعاله من السلطان وغيره".
وقال محمد بن الحسن الشيباني في الآثار (١٥٩): "وإنما قيل: "أقرؤهم لكتاب الله"؛ لأن الناس كانوا في ذلك الزمان أقرأهم للقرآن أفقههم في الدين، فإذا كانوا في هذا الزمان على ذلك، فليؤمهم أقرؤهم، فإن كان غيره أفقه منه وأعلم بسنة الصلاة وهو يقرأ نحوًا من قراءته، فأفقههما وأعلمهما بسنة الصلاة أولاهما بالإمامة، وهو قول أبي حنيفة".
وقال الإمام أحمد في رواية ابنه صالح (٥٣٦): "قال: رسول الله ﷺ : "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة"، فينبغي للذي يقرأ القرآن أن يتعلم من السنة ما يقيم به صلاته؛ فهو حينئذ أولى بالصلاة".
وقال ابنه عبد الله: "سألت أبي عمن يتقدم في الصلاة: رجل يحفظ القرآن لا يرفع يديه إذا ركع، أو رجل يرفع لا يحفظ القرآن؟ قال: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله"، وينبغي له أن يرفع يديه لأنه السنة" [مسائل عبد الله (٢٥٢)].
стр. 2716
وقال في موضع آخر (٣٩٣): "سألت أبي عن الرجل يصلي بالناس هل له في ذلك من ثواب؟ قال: إن كان في قرية وهو أقرأ القوم، أو في موضع: فليتقدمهم لقول رسول الله ﷺ : "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله".
قال: سمعت أبي يقول: قال رسول الله ﷺ : "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة"، قال أبي: فينبغي لهذا أن يقرأ القرآن، وأن يتعلم من السنة ما يقيم به صلاته، فهو أولى بالصلاة" [وانظر أيضًا: (٣٩٩)].
وقال في مسائل إسحاق الكوسج (١٥٥)، لما سأله: يؤم الرجل أباه؟ قال: "إي والله! يؤم القومَ أقرؤهم" [وانظر أيضًا: مسائل ابن هانئ (٣٠٥ - ٣٠٧)، مسائل أبي داود (٢٩٨)].
وقال الكوسج (٢٤٤): "قلت: قوله: "ولا يُؤمَّ الرجل في أهله، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه"؟ قال: أرجو أن يكون الاستثناء على كله، وأما التكرمة: فلا بأس إذا أذن له. قال إسحاق: كما قال".
وقال أيضًا (٢٤٧): "قلت: يؤمُّ القومَ مَنْ لم يحتلم؟ فسكت.
قلت: حديث أيوب عن عمرو بن سلمة؟ قال: دعه ليس هو شيء بَيِّنٌ. جَبُنَ أن يقول فيه شيئًا.
قال إسحاق: كلما بلغ عشرًا، أو جاوز التسع؛ فقد عَلِمَ ما أُمِرَ به من الصلاة فصلى فهو جائز. قال إسحاق: يعني: تسع سنين".
وقال ابن أبي حاتم: "سألت أبي عن الحديث الذي رواه ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ : "إذا كنتم ثلاثة فأحقكم بالإمامة أقرؤكم".
ورواه حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث: أتيت النبي ﷺ في نفر، فقال: "إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكبركم".
قلت لأبي: قد اختلف الحديثان؟
فقال: حديث أوس بن ضمعج قد فسر الحديثين" [العلل (١/ ٩١/ ٢٤٧)].
يعني: يُقدَّم الأقرأ، ثم الأعلم بالسنة، ثم الأقدم هجرة، ثم الأكبر سنًّا.
وقال ابن المنذر: "القول بظاهر خبر أبي مسعود يجب؛ فيقدَّم الناسُ على سبيل ما قدَّمهم رسول الله ﷺ ، لا يجاوَز ذلك، ولو قُدِّم إمامٌ غير هذا المثال كانت الصلاة مجزيةً، ويُكره خلافُ السنة" [الأوسط (٤/ ١٥٠)].
وقال أيضًا: "إمامة غير البالغ جائزة إذا عقل الصلاة وقام بها؛ لدخوله في جملة قول النبي ﷺ : "يؤم القوم أقرؤهم"، لم يذكر بالغًا ولا غير بالغ، والأخبار على العموم؛ لا يجوز الاستثناء فيها إلا بحديث عن رسول الله ﷺ ، أو إجماع، لا أعلم شيئًا يوجب بدفع حديث عمرو بن سلمة، ويدخل في قول النبي ﷺ : "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله" تقديم الابن علي الأب إذا كان أقرأ منه" [الأوسط (٤/ ١٥٢)].
стр. 2717
وقال أيضًا: "إمامة الأعمى كإمامة البصير لا فرق بينهما، وهما داخلان في ظاهر قول النبي ﷺ : "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله"، فأيهم كان أقرأ كان أحق بالإمامة، وقد روينا عن النبي ﷺ فيه حديثًا"، ثم ذكر حديث عائشة: أن النبي ﷺ استخلف ابن أم مكتوم على المدينة يصلي بالناس، ثم قال: "وإباحة إمامة الأعمى كالإجماع من أهل العلم" [الأوسط (٤/ ١٥٤)].
وقال أيضًا: "إمامة العبد جائزة، وإذا استووا في القراءة فالحر أحق بالإمامة من العبد، وإن كان العبد أقرأ فهو أولى بالإمامة؛ لحديث أبي سعيد"، ثم أسنده ثم قال: "ولم يذكر حرًّا ولا عبدًا، ويدل حديث أبي مسعود عن النبي ﷺ : "يؤم القوم أقرؤهم" على مثل ما دل عليه حديث أبي سعيد، والله أعلم" [الأوسط (٤/ ١٥٧)].
وقال أيضًا: "اختلف أهل العلم في الرجل يؤم أباه، … ، وقد ثبت أن نبي الله ﷺ قال: "يؤم القوم أقرؤهم" يدخل في ذلك الآباء والأبناء" [الأوسط (٤/ ١٦٢)] [وبمثل هذا الذي تقدم من قول ابن المنذر قال ابن خزيمة في صحيحه (٣/ ٤ - ٧ و ١٠٠)].
وقال ابن بطال في شرح صحيح البخاري (٢/ ٣١٩): "أما العبد، والمولى، وولد البغي، والأعرابي، والصبي الذي لم يحتلم: فإمامتهم جائزة؛ لأنهم كلهم دخلوا في قوله: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله"".
وقال البغوي في شرح السنة (٣/ ٣٩٥): "لم يختلف أهل العلم في أن القراءة والفقه يقدمان على قدم الهجرة، وتقدم الإسلام، وكبر السن في الإمامة.
واختلفوا في الفقه مع القراءة: فذهب جماعة إلى أن القراءة مقدمة على الفقه لظاهر الحديث، فالأقرأ أولى من الأعلم بالسنة، وإن استويا في القراءة، فالأعلم بالسنة -وهو الأفقه- أولى، وبه قال سفيان الثوري، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي.
وذهب قوم إلى أن الأفقه أولى إذا كان يحسن من القراءة ما تصح بها الصلاة، وهو قول عطاء بن أبي رباح، وبه قال الأوزاعي، ومالك، وأبو ثور، وإليه مال الشافعي، فقال: إن قدم أفقههم إذا كان يقرأ ما يكتفى به للصلاة فحسن، وإن قدم أقرؤهم إذا علم ما يلزمه فحسن، وإنما قدم هؤلاء الأفقه، لأن ما يجب من القراءة في الصلاة محصور، وما يقع فيها من الحوادث غير محصور، وقد يعرض للمصلي في صلاته ما يفسد عليه صلاته، إذا لم يعرف حكمه، وإنما قدم النبي ﷺ القراءة لأنهم كانوا يسلمون كبارًا، فيفقهون قبل أن يقرؤوا، فلم يكن فيهم قارئ إلا وهو فقيه، ومن بعدهم يتعلمون القرآن صغارًا قبل أن يتفقهوا، فكل فقيه فيهم قارئ، وليس كل قارئ فقيهًا.
فإن استووا في القراءة والسنة: قال: "فأقدمهم هجرة، فإن الهجرة اليوم منقطعة، غير أن فضيلتها موروثة، فمن كان من أولاد المهاجرين، أو كان في آبائه وأسلافه من له سابقة في الإسلام والهجرة، فهو أولى ممن لا سابقة لأحد من آبائه وأسلافه، فإن استووا فالأكبر سنًّا أولى، لأنه إذا تقدم أصحابَه في السن، فقد تقدمهم في الإسلام.
стр. 2718
قوله: "ولا يؤم الرجل في سلطانه" قيل: أراد به في الجمعات والأعياد، السلطان أولى لتعلق هذه الأمور بالسلاطين، فأما الصلوات المكتوبات فأعلمهم أولاهم، وقيل: السلطان أو نائبه إذا كان حاضرًا فهو أولى من غيره بالإمامة، وكان أحمد يرى الصلاة خلف أئمة الجور، ولا يراها خلف أهل البدع، ويُروى: "ولا يُؤم الرجل في بيته ولا في سلطانه"، وأراد به أن صاحب البيت أولى بالإمامة إذا أقيمت الجماعة في بيته، وإن كانت الخصال في غيره إذا كان هو يحسن من القراءة والعلم ما يقيم به الصلاة، … "، وقد نقل أكثره من معالم السنن للخطابي (١/ ١٤٤).
وقال ابن قدامة في المغني (٢/ ٥): "لا خلاف في التقديم بالقراءة والفقه على غيرهما.
واختلف في أيهما يقدم على صاحبه، فمذهب أحمد ﵀: تقديم القارئ، وبهذا قال ابن سيرين والثوري وأصحاب الرأي، وقال عطاء ومالك والأوزاعي والشافعي وأبو ثور: يؤمهم أفقههم إذا كان يقرأ ما يكفي في الصلاة؛ لأنه قد ينوبه في الصلاة ما لا يدري ما يفعل فيه إلا بالفقه، فيكون أولى كالإمامة الكبرى والحكم.
ولنا: ما روى أوس بن ضمعج، عن أبي مسعود: أن النبي ﷺ قال: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله … "" فذكر الحديث، واحتج أيضًا بحديث أبي سعيد، وإمامة سالم مولى أبي حذيفة للمهاجرين الأوَل، وبحديث عمرو بن سلمة.
ثم قال: "فإن قيل: إنما أمر النبي ﷺ بتقديم القارئ لأن أصحابه كان أقرؤهم أفقههم، فإنهم كانوا إذا تعلموا القرآن تعلموا معه أحكامه، قال ابن مسعود: كنا لا نجاوز عشر آيات، حتى نعرف أمرها ونهيها وأحكامها.
قلنا: اللفظ عام؛ فيجب الأخذ بعمومه دون خصوص السبب، ولا يخص ما لم يقم دليل على تخصيصه، على أن في الحديث ما يبطل هذا التأويل؛ فإن النبي ﷺ قال: "فإن استووا فأعلمهم بالسنة" ففاضل بينهم في العلم بالسنة مع تساويهم في القراءة، ولو قدم القارئ لزيادة علم؛ لما نقلهم عند التساوي فيه إلى الأعلم بالسنة، ولو كان العلم بالفقه على قدر القراءة للزم من التساوي في القراءة التساوي فيه، وقد قال النبي ﷺ : "أقرؤكم أبي، وأقضاكم علي، وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضكم زيد بن ثابت"، فقد فضل بالفقه من هو مفضول بالقراءة، وفضل بالقراءة من هو مفضول بالقضاء والفرائض وعلم الحلال والحرام. قيل لأبي عبد الله: حديث النبي ﷺ : "مروا أبا بكر يصلي بالناس"، أهو خلاف حديث أبي مسعود [عن النبي ﷺ : "يؤم القوم أقرؤهم"]؟ قال: لا؛ إنما قوله لأبي بكر عندي: "يصلي بالناس" للخلافة، يعني: أن الخليفة أحق بالإمامة، وإن كان غيره أقرأ منه، فأمْرُ النبي ﷺ أبا بكر بالصلاة يدل على أنه أراد استخلافه"، وما بين المعكوفين زدته على المغني من السنة للخلال (٣٦٧)، والذي سأل الإمام أحمد هو أبو بكر الأثرم، وتتمة كلام
стр. 2719
الإمام أحمد: "إنما أراد الخلافة بذلك، وقد كان لأبي بكر فضل بَيِّنٌ على غيره، وإنما الأمر في [الإمامة إلى] القراءة، فأما أبو بكر فإنما أراد به الخلافة، ثم قال أبو عبد الله: ألا ترى أن سالمًا مولى أبي حذيفة كان مع خيار أصحاب رسول الله ﷺ ، فكان يؤمهم لأنه جمع القرآن، وحديث عمرو بن سلمة أمهم للقرآن" [وانظر: الاستذكار (٢/ ٣٥٣)].
وقد جاء أيضًا في السنة للخلال (٣٦٥)، قال: "أخبرنا أبو بكر المروذي، قال: قيل لأبي عبد الله: قول النبي ﷺ : "يؤم القوم أقرؤهم"، فلما مرض رسول الله ﷺ قال: "قدموا أبا بكر يصلي بالناس"، وقد كان في القوم مَن أقرأ مِن أبي بكر؟ فقال أبو عبد الله: إنما أراد الخلافة" [وانظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (٢/ ٢٩٩)].
وممن ذكر هذا المعنى أيضًا في الجمع بين الحديثين: أبو عوانة الإسفراييني، فقد قال في صحيحه (١/ ٤٤٧): "يقال: إن في هذه الأحاديث إباحة البكاء في الصلاة، وبيان خلافة أبي بكر؛ لقول النبي ﷺ : "ليؤمكم أقرؤكم"، وقد كان في أصحابه من هو أقرأ منه، وفيهم من هو أرفع وأبين صوتًا منه للقراءة، وقد قيل للنبي ﷺ : مر غيره يصلي بالناس؛ فإنه لا يستطيع، وإنه أَسيف، وإنه رقيق، وإنه يبكي في صلاته، فلم يأمر غيره، ولم يرضى بغيره؛ فدل قوله في خبر أبي مسعود حيث قال: "ولا يُؤَمَّنَّ رجلٌ في سلطانه" أنه الخليفة عليهم بعده، والله أعلم".
وقد ترجم البخاري في صحيحه لحديث أبي موسى: "مروا أبا بكر فليُصلِّ بالناس" (٦٧٨)، بقوله: بابُ أهلِ العلم والفضل أحقُّ بالإمامة، فقال ابن رجب في الفتح (٤/ ١١٧): "وهذا مما يستدل به من قال: إن الأفقه والأعلم مُقدَّم على الأقرأ؛ فإن أبي بن كعب كان أقرأ الصحابة، كما قال عمر: أبي أقرؤنا، وروي عن النبي ﷺ من وجوه، أنه قال: "أقرأ أمتي لكتاب الله أبي بن كعب"، … ، فلما قدم النبي ﷺ أبا بكر على أبي بن كعب في الصلاة بالناس دل على أن الأعلم والأفقه والأفضل مقدم على الأقرأ.
وقد اختلف العلماء: هل يقدم الأقرأ على الأفقه، أم الأفقه على الأقرأ؟
فقالت طائفة: يقدم الأفقه، وهو قول عطاء والثوري ومالك والأوزاعي والشافعي وأبي ثور. وقال الليث: يؤمهم أفضلهم وخيرهم، ثم أقرؤهم، ثم أسنهم.
وقالت طائفة: يقدم الأقرأ على الأفقه، وحُكي عن الأشعث بن قيس وابن سيرين والثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي، حكاه عنهم ابن المنذر واختاره، وما حكيناه عن الثوري، حكاه أصحابه عنه في كتبهم المصنفة على مذهبه، ونص أحمد على أنه يُقدَّم الأقرأ إذا كان يعرف ما يحتاج إليه الصلاة من الفقه، وكذلك قال كثير من المحققين من أصحابه، وحكوا مذهبه على هذا الوجه.
واستدل من قدم الأقرأ بما خرجه مسلم في صحيحه من حديث أوس بن ضمعج، عن أبي مسعود الأنصاري … " فذكره، وذكر أحاديث الباب في تقديم الأقرأ، ثم قال: "وقد تأوَّل الشافعي وغيره هذه الأحاديث على أن النبي ﷺ إنما خاطب أصحابه، وكان
стр. 2720
أكثرهم قرآنًا أكثرهم فقهًا؛ فإن قراءتهم كانت علمًا وعملًا بخلاف من بعدهم.
وأجيب عن هذا بوجهين:
أحدهما: أن هذا خطاب عام للأمة كلهم، فلا يختص بالصحابة.
والثاني: أنه فرق بين الأقرأ والأعلم بالسنة، وقدم الأقرأ عليه.
وأجاب الإمام أحمد عن تقديم النبي ﷺ أبا بكر على أبي بن كعب وغيره، بأنه أراد بذلك التنبيه على خلافته، فلهذا المعنى قدمه في الصلاة على الناس كلهم.
وقد منع بعضهم أن يكون أبي بن كعب أقرأ من أبي بكر، لأن المراد بالأقرأ في الإمامة الأكثر قرآنًا، وقال: كان أبو بكر يقرأ القرآن كله، فلا مزية لأبي بن كعب عليه في ذلك، وامتاز أبو بكر بالعلم والفضل … ".
قلت: وقد ذهب جماعة إلى أن أبا بكر لما أمره رسول الله ﷺ بالإمامة كان حينئذ أقرأ الناس، قال ابن بطال في شرح صحيح البخاري (٢/ ٢٩٩): "قالوا: وحديث أبي مسعود معارض لقوله ﷺ : "مروا أبا بكر يصلي بالناس"؛ لأنه كان فيهم من كان أقرأ منه للقرآن، قيل: لا تعارض بينهما بحمد الله، ويحتمل أن يكون النبي ﷺ قال: "يؤم القوم أقرؤهم" في أول الإسلام حين كان حفاظ القرآن قليلًا وقتَ قُدِّم عمرو بن سلمة، وهو صبي، للصلاة في مسجد عشيرته وفيه الشيوخ، وكان تنكشف عورته عند السجود، فدل أن إمامته بهم في مثل هذه الحال كانت لعدم من يقرأ من قومه، ولهذا المعنى كان يؤم سالم المهاجرين والأنصار في مسجد قباء، حين أقبلوا من مكة مهاجرين، لعدم الحُفَّاظ حينئذ، فأما وقت قوله ﷺ : "مروا أبا بكر يصلي بالناس" فقد كان تقرر الإسلام وكثر حفاظ القرآن وتفقهوا فيه، فلم يكن الصديق ﵁ على جلالته وثاقب فهمه، وتقدمه في كل خير، يتأخر عن مساواة القُرَّاء، بل فضلهم بعلمه، وتقدمهم في أمره، ألا ترى قول أبي سعيد: وكان أبو بكر أعلمنا، وقال الطبري: لما استخلف النبي ﷺ الصديق ﵁ على الصلاة بعد إعلامه لأمته أن أحقهم بالإمامة أقرؤهم لكتاب الله؛ صح أنه يَوْمَ قَدَّمَهُ للصلاة كان أقرأ أمته لكتاب الله وأعلمهم وأفضلهم؛ لأنهم كانوا لا يتعلمون شيئًا من القرآن حتى يتعلموا معانيه وما يراد به، كما قال ابن مسعود: كان الرجل منَّا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يتعلم معانيهن والعمل بهن، ولما كان النبي ﷺ لا يستحق أن يتقدمه أحد في الصلاة، وجعل ما كان إليه منها بمحضر جميع الصحابة لأبي بكر ﵁ كان جميع أمور الإسلام تبعًا للصلاة، ولهذا قدمه رسول الله ﷺ للصلاة، والصلاة لا يقوم بها إلا الدعاة ومن إليه السياسة وعقد الخلافة؛ كصلاة الجُمَع والأعياد التي لا يصلح القيام بها إلا لمن إليه القيام بأمر الأمة وسياسة الرعية، وصح أنه أفضل الأمة بعده لقيام الحجة بأن أولى البرية بعقد الخلافة أفضلهم وأقومهم بالحق وأعدلهم وأوفرهم أمانة وأحسنهم على محجة الحق استقامة، وكذلك كان الصديق ﵁".
قلت: لكن إسلام قوم عمرو بن سلمة إنما كان بعد فتح مكة، كما صح ذلك في
стр. 2721
حديثه، وأن أمر أبي بكر إنما كان تنبيهًا على استحقاقه للخلافة، كما قال الإمام أحمد.
وحاصل ما تقدم: أن الصواب الموافق للدليل هو ما ذهب إليه ابن خزيمة وابن المنذر وابن قدامة، ومن وافقهم، والله أعلم.
وانظر: مختصر المزني (٢٣)، معالم السنن للخطابي (١/ ١٤٤)، الحاوي للماوردي (٢/ ٣٥١)، الاستذكار (٢/ ٣٥٢)، التمهيد (٢٢/ ١٢٤)، المبسوط للسرخسي (١/ ٤١)، بدائع الصنائع (١/ ١٥٧)، بداية المجتهد (١/ ١٠٤)، المجموع شرح المهذب (٤/ ٢١٦ و ٢٤٣)، الذخيرة (٢/ ٢٥٣)، الجامع لأحكام القرآن (١/ ٣٥٣)، مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٣/ ٣٤٠)، بدائع الفوائد (٤/ ٨٩٨)، فتح الباري لابن رجب (٤/ ١٧٢)، المبدع (٢/ ٧٣)، مغني المحتاج (١/ ٢٤٠)، نهاية المحتاج (٢/ ١٨٠)، كشاف القناع (١/ ٤٧١).
***
٦٢ - باب إمامة النساء
٥٩١ - . . . وكيع بن الجراح: ثنا الوليد بن عبد الله بن جُمَيع، قال: حدثتني جدَّتي، وعبدُ الرحمن بن خلاد الأنصاري، عن أُمِّ ورَقةَ بنتِ نوفل: أن النبي ﷺ لما غزا بدرًا، قالت: قلت له: يا رسول الله ﷺ ائذَنْ لي في الغزو معك أُمرِّضْ مرضاكم؛ لعل الله أن يرزقَني شهادةً، قال: "قِرِّي في بيتكِ، فإن الله يرزقُكِ الشهادة"، قال: فكانت تُسمَّى الشهيدة.
قال: وكانت قد قرأت القرآن، فاستأذنت النبي ﷺ أن تتَّخذ في دارها مؤذِّنًا، فأذِن لها.
قال: وكانت دَبَّرتْ غلامًا لها وجاريةً، فقاما إليها بالليل فغمَّاها بقَطيفةٍ لها حتى ماتت، وذهبا، فأصبح عمر فقام في الناس، فقال: من كان عنده من هَذَيْنِ عِلمٌ -أو: من رآهما- فليجِئ بهما، فأمَر بهما فصُلِبا، فكانا أولَ مصلوبٍ بالمدينة.
• حديث ضعيف.
أخرجه من طريق وكيع:
ابن الجارود (٣٣٣)، وابن أبي شيبة (٦/ ٥٣٨/ ٣٣٦٥٧)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٦/ ١٣٩ و ١٤٠/ ٣٣٦٦ و ٣٣٦٧)، والطبرانى في الكبير (٢٥/ ١٣٥/ ٣٢٧)، والبيهقي في الدلائل (٦/ ٣٨٢).
وفي رواية: فاستأذنَت النبي ﷺ في أن تبني مسجدًا في دارها، فأذن لها أن تبني موضعًا تصلي فيه.
هكذا رواه أبو بكر بن أبي شيبة [ثقة حافظ]، والحسن بن حماد الضبي [ثقة]، عن
стр. 2722
وكيع بذكر المسجد بدل المؤذن، ورواه بذكر المؤذن بدل المسجد: عثمان بن أبي شيبة [ثقة حافظ]، ومحمد بن إسماعيل الأحمسي [ثقة]، فالله أعلم.
***
٥٩٢ - قال أبو داود: حدثنا الحسن بن حماد الحضرمي: ثنا محمد بن فضيل، عن الوليد بن جُميع، عن عبد الرحمن بن خلاد، عن أم ورقةَ بنتِ عبد الله بن الحارث، بهذا الحديث، والأول أتمُّ.
قال: وكان رسول الله ﷺ يزورُها في بيتها، وجعل لها مؤذِّنًا يُؤَذِّنُ لها، وأمرها أن تَؤُمَّ أهلَ دارها.
قال عبد الرحمن: فأنا رأيت مؤذِّنَها شيخًا كبيرًا.
• حديث ضعيف.
• أخرجه من طريق ابن فضيل:
ابن السكن [عزاه إليه: ابن حجر في الإصابة (٨/ ٣٢١)].
ولفظه: أنها قالت: يا رسول الله ﷺ لو أذنت لي فغزوت معكم، فمرَّضت مريضكم، وداويت جريحكم؛ فلعل الله أن يرزقني الشهادة، قال: "يا أم ورقة اقعدي في بيتك، فإن الله سيهدي إليك شهادة في بيتك"، وكان رسول الله ﷺ يزورها في بيتها، وجعل لها مؤذنًا يؤذن لها، قال: وكان لها غلام وجارية فدبَّرتهما، فقاما إليها فغمَّياها، فقتلاها، فلما أصبح عمر قال: والله ما سمعت قراءة خالتي أم ورقة البارحة، فدخل الدار فلم ير شيئًا، فدخل البيت فإذا هي ملفوفة في قطيفة في جانب البيت، فقال: صدق الله ورسوله، ثم صعد المنبر، فذكر الخبر، فقال: عليَّ بهما، فأتي بهما، فسألهما، فأقرا أنهما قتلاها، فأمر بهما فصلبا.
• ورواه عن ابن جميع أيضًا:
١ - أبو نعيم الفضل بن دكين [ثقة ثبت]، قال: حدثنا الوليد بن عبد الله بن جميع، قال: حدثتني جدتي [وفي رواية: حدثني عبد الرحمن بن خلاد الأنصاري، وجدتي]، عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث، وكان رسول الله ﷺ يزورها [كل جمعة]، ويسميها الشهيدة، وكانت قد جمعت القرآن، وكان رسول الله ﷺ حين غزا بدرًا، قالت له: تأذن لي فأخرج معك؛ أداوي جرحاكم، وأمرِّض مرضاكم، لعل الله يُهدي لي شهادة، قال: " [قِرِّي، فـ]ـإن الله مهد [وفي رواية: يُهدي] لك شهادة"، فكان يسميها الشهيدة.
وكان النبي ﷺ قد أمرها أن تؤمَّ أهل دارها، وكان لها مؤذن، وكانت تؤم أهل دارها، حتى غمها غلام لها وجارية لها كانت دبرتهما، [وفي رواية: فطال عليهما، فغمَّاها في القطيفة حتى ماتت، وهربا]، فقتلاها في إمارة عمر، فقيل: إن أم ورقة غمها غلامها
стр. 2723
وجاريتها فقتلاها، وإنهما هربا، فأتي بهما، فصلبهما، فكانا أول مصلوبين بالمدينة، وقال عمر: صدق رسول الله ﷺ كان يقول: "انطلقوا بنا نزور الشهيدة".
وفي رواية: فقام عمر في الناس، فقال: إن رسول الله ﷺ كان يزور أم ورقة، يقول: "انطلقوا نزور الشهيدة"، وإن فلانة جاريتها وفلانًا غلامها غمَّاها، ثم هربا، فلا يُؤويهما أحدٌ، ومن وجدهما فليأتِ بهما، فأُتي بهما، فصُلبا، فكانا أولَ مصلوبين.
أخرجه أبو نعيم في كتاب الصلاة (٣٠٤)، مختصرًا. وعنه: البخاري في التاريخ الأوسط (١/ ٤٥/ ١٥٩)، وأحمد (٦/ ٤٠٥)، وإسحاق بن راهويه (٥/ ٢٣٥/ ٢٣٨١)، وابن سعد في الطبقات (٨/ ٤٥٧)، وابن أبي شيبة (٧/ ٢٥٧/ ٣٥٨٥٠)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (٢/ ٨٠٠/ ٣٤٦٢ - السفر الثاني).
ومن طريق أبي نعيم أخرجه أيضًا: ابن نصر في قيام رمضان (٢٧)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٥٥/ ١٢٢٤) و (٤/ ٢٢٦/ ٢٠٧٤)، وأبو بكر النيسابوري في الزيادات على المزني (٧٠)، والطبراني في الكبير (٢٥/ ١٣٤/ ٣٢٦)، وأبو نعيم الأصبهاني في الحلية (٢/ ٦٣)، وفي معرفة الصحابة (٦/ ٣٥٧٢/ ٨٠٦٢)، والبيهقي في السنن (٣/ ١٣٠)، وفي الدلائل (٦/ ٣٨١)، وابن الجوزي في المنتظم (٤/ ٣٠٥).
• تنبيه: وقع في الحلية لأبي نعيم، وكذا في المعرفة له، ومن طريقه ابن الجوزي في المنتظم: في هذا الحديث من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين: "حدثتني جدتي عن أمها أم ورقة"، وزيادة: "أمها" هنا شاذة، فقد روى الحديث جمع من كبار الثقات الحفاظ عن أبي نعيم بدون هذه الزيادة [كما يظهر من مصادر التخريج فيمن رواه عن أبي نعيم].
ومن الأوهام كذلك في إسناد هذا الحديث: من قال فيه: "حدثني جدي"، وهو تصحيف ظاهر، صوابه: "حدثتني جدتي"، كما قال ابن حجر في التهذيب (١/ ٣١٥).
٢ - أبو أحمد الزبيري محمد بن عبد الله بن الزبير [ثقة ثبت]: نا الوليد بن جميع، عن أمه [وفي رواية أصح: حدثتني جدتي]، عن أم ورقة: أن رسول الله ﷺ أذِن لها أن يؤذن لها ويقام، وتؤم نساءها.
وفي الرواية المحفوظة: أن رسول الله ﷺ أذِن لها أن تؤم أهل دارها.
أخرجه أبو بكر النيسابوري في الزيادات على المزني (٧١)، والدارقطني (١/ ٢٧٩ و ٤٠٣)، ومن طريقه: ابن الجوزي في التحقيق (٣٨٧).
قال ابن الجوزي: "الوليد بن جميع: ضعيف، وأمه: مجهولة، قال ابن حبان: لا يحتج بالوليد بن جميع" [وانظر: المغني (١/ ٢٥٣)].
قلت: الوليد بن عبد الله بن جميع: قال ابن معين، والعجلي، وابن سعد: "ثقة"، وقال أبو زرعة: "لا بأس به"، وقال أحمد، وأبو داود: "ليس به بأس"، وقال أبو حاتم: "صالح الحديث"، وروى عنه يحيى القطان في آخر عمره، وذكره ابن حبان في الثقات، ثم أعاد ذكره في المجروحين، وقال: "كان ممن ينفرد عن الأثبات بما لا يشبه حديث
стр. 2724
الثقات، فلما فحش ذلك منه بطل الاحتجاج به"، والذي يظهر لي من تصرف ابن حبان أنه إما أن يكون قد فرَّق بين الوليد بن عبد الله بن جميع، وبين الوليد بن جميع، فوثَّق الأول، وجرح الثاني، أو هما عنده رجل واحد، لكنه فرَّق بين ما رواه عن أبي الطفيل، ورآه قد تابع فيه الثقات، فوثقه لأجل ذلك، وبين ما رواه عن عبد الرحمن بن خلاد والكوفيين، ورآه ينفرد فيه بما لا يتابع عليه، فجرحه لأجل ذلك، والله أعلم، وقال العقيلي: "في حديثه اضطراب"، وتكلم فيه آخرون لأجل ما وقع منه من أوهام، فهو صدوق يهم، والله أعلم [التهذيب (٤/ ٣١٨)، مسند البزار (١/ ١٢٤ و ٢٠١/ ٥٤) و (٧/ ٢٢٨/ ٢٨٠٠)، الثقات (٥/ ٤٩٢)، المجروحين (٣/ ٧٩)] [وانظر مثلًا في أوهامه: علل ابن أبي حاتم (٢١٣٧ و ٢١٦٢)].
ورواية: "عن أمه" شاذة، والمحفوظ: "حدثتني جدتي".
٣ - محمد بن يعلى [السلمي الملقب زنبور: جهمي، متروك، ذاهب الحديث. التهذيب (٣/ ٧٣٨)، الميزان (٤/ ٧٠)]، عن الوليد بن جميع، عن جدته ليلى بنت مالك، وعن عبد الرحمن بن خلاد، كلاهما عن أم ورقة: أن رسول الله ﷺ كان يسميها الشهيدة، فلما كان في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ قتلها غلامها وجاريتها، فأتي بهما عمر بن الخطاب فقتلهما وصلبهما.
أخرجه الدارقطني (٣/ ١١٤).
• خالفهم:
عبد الله بن داود الخريبي [ثقة]، فرواه عن الوليد بن جميع، عن ليلى بنت مالك، عن أبيها، وعن عبد الرحمن بن خلاد، عن أم ورقة: أن نبي الله ﷺ كان يقول: "انطلقوا بنا نزور الشهيدة"، وأذِن لها أن يؤذَّن لها، وأن تؤم أهل دارها في الفريضة، وكانت قد جمعت القرآن.
أخرجه ابن خزيمة (٣/ ٨٩/ ١٦٧٦)، والحاكم (١/ ٢٠٣) [لكن لم يقل: "عن أبيها"، وهي زيادة ثابتة عن الخريبي] [وانظر: علل الدارقطني (١٥/ ٤١٧/ ٤١٠٨)، الإتحاف (١٨/ ٣٢٤/ ٢٣٦٨٧)]، وأبو القاسم الحامض في الثالث من فوائده (٣٥)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٦/ ٣٣٧٥/ ٧٧١٦) [لكن قال: "عن أمها" بدل: "عن أبيها"، وهي رواية باطلة، تفرد بها محمد بن يونس الكديمي، وهو: كذاب، يضع الحديث]. والبيهقي (١/ ٤٠٦) و (٣/ ١٣٠) [عن الحاكم به، ولم يقل أيضًا: "عن أبيها"].
قال الحاكم: "قد احتج مسلم بالوليد بن جميع، وهذه سنة غريبة؛ لا أعرف في الباب حديثًا مسندًا غير هذا، وقد روينا عن أم المؤمنين عائشة ﵂: أنها كانت تؤذن وتقيم، وتؤم النساء".
قلت: نعم، احتج مسلم بالوليد بن عبد الله بن جميع [صحيح مسلم (١٧٨٧)]، وله عنده أيضًا متابعة [(٢٧٧٩)]، لكن الشأن فيمن رواه عنه الوليد، وسيأتي بيان ذلك.
стр. 2725
• وخالفهم أيضًا:
عبد العزيز بن أبان، عن الوليد بن عبد الله بن جميع، عن عبد الرحمن بن خلاد، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ أذن لأم ورقة أن تؤم أهل دارها، وكان لها مؤذن.
أخرجه الحارث بن أبي أسامة [عزاه إليه في الإصابة (٢/ ٣٤١)]، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٢/ ٩٦٤/ ٤٨٧).
هكذا جعله من مسند خلاد أبي عبد الرحمن الأنصاري، وهو حديث باطل، تفرد به عبد العزيز بن أبان الأموي السعيدي: متروك، كذبه ابن نمير وابن معين، وقال: "كذاب خبيث، يضع الحديث" [التهذيب (٢/ ٥٨١)].
وانظر: علل الدارقطني (١٥/ ٤١٧/ ٤١٠٨).
• وقد اختلفت أنظار الأئمة في هذا الحديث:
فقد صححه ابن خزيمة، وابن الجارود، وابن السكن، وسكت عليه أبو داود.
وقال ابن القطان الفاسي متعقبًا عبد الحق الإشبيلي: "وأستبعد عليه تصحيحه، فإن حال عبد الرحمن بن خلاد مجهولة، وهو كوفي، وجدة الوليد كذلك لا تعرف أصلًا" [بيان الوهم (٥/ ٢٣/ ٢٢٥٨)].
وقال في موضع آخر (٥/ ٦٨٥): "وسكت عنه، وهو لا يصح".
وذكره النووي في فصل الصحيح من الخلاصة (٢٣٤٦)، وقال: "رواه أبو داود، ولم يضعفه"، وكذا قال في المجموع (٤/ ١٧٢).
وقال الذهبي في تنقيح التحقيق (١/ ١٢٠): "وهذا لم يصح".
وصححه ابن القيم في إعلام الموقعين (٢/ ٣٧٦).
وقال ابن حجر في التهذيب (١/ ٣١٥): "وقد حسن الدارقطني حديث أم ورقة في كتاب السنن، وأشار أبو حاتم في العلل إلى جودته، وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه".
قلت: لم أقف على تحسين الدارقطني له، ولا إشارة أبي حاتم إلى جودته في العلل.
وقال في التلخيص (٢/ ٢٧): "وفي إسناده عبد الرحمن بن خلاد، وفيه جهالة".
• قلت: الحق مع الذين ضعفوه، فإن هذا الحديث معلول بعدة علل:
الأولى: تفرد الوليد بن عبد الله بن جميع بهذا الحديث، إذ مداره عليه، ولم يضبط إسناده ولا متنه، بل اضطرب فيه، مما يدل على أنه لم يحفظه:
فمرة يقول: حدثتني جدَّتي، وعبدُ الرحمن بن خلاد الأنصاري.
ومرة يرويه عن عبد الرحمن بن خلاد وحده.
ومرة يقول: حدثتني جدتي، فقط.
ومرة يرويه عن ليلى بنت مالك، عن أبيها، وعن عبد الرحمن بن خلاد.
ولم أذكر من الأسانيد ما لم يثبت عن ابن جميع، مما تقدم بيانه في موضعه، وإنما اقتصرت على ذكر اختلاف الثقات عليه.
стр. 2726
كما أنه كان يروي المتن مرة مختصرًا، ومرة مطولًا، ويزيد أحيانًا ما لم يذكره في بعض الأحايين.
والوليد بن جميع هذا ليس بالحافظ الذي يحتمل منه هذا التنوع، والاختلاف عليه، بحيث يقال بأن كلًّا قد حدَّث عنه بما سمع، أو أن بعض الثقات الذين رووه عنه قد وهموا فيه عليه [مثل رواية الخريبي]، ولكن الذي يظهر لي أن الاختلاف إنما منشؤه من ابن جميع نفسه، لا سيما وقد ضعف ابن حبان روايته عن عبد الرحمن بن خلاد خاصة، وقال فيه العقيلي: "في حديثه اضطراب"، ثم هو قد تفرد بهذا الحديث وما اشتمل عليه من أحكام وأخبار لم يتابع عليها، لذا قال الحاكم: "وهذه سنة غريبة؛ لا أعرف في الباب حديثًا مسندًا غير هذا"، فمثله لا يحتمل منه هذا التفرد سيما مع قرينة عدم حفظه للإسناد والمتن.
العلة الثانية: عبد الرحمن بن خلاد الأنصاري: لم يرو عنه سوى الوليد بن عبد الله بن جميع، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن القطان الفاسي: "حاله مجهولة"، ولا يُعرف له سماع من أم ورقة، ولا من عمر [التهذيب (٢/ ٥٠٣)، التاريخ الكبير (٥/ ٢٧٨)، الجرح والتعديل (٥/ ٢٣٠)، الثقات (٥/ ٩٨)].
الثالثة: مالك: روت عنه ابنته ليلى، ولا يُعرفان [التاريخ الكبير (٧/ ٣٠٩)، الجرح والتعديل (٨/ ٢١٨)، الثقات (٥/ ٣٨٩)].
الرابعة: ليلى بنت مالك، جدة الوليد بن عبد الله بن جميع: لا تُعرف، ولا يُعرف لها سماع من أم ورقة، ولا من عمر [بيان الوهم (٥/ ٢٣/ ٢٢٥٨)، التقريب (٧٧٩)].
الخامسة: أن عبد الرحمن بن خلاد وجدة الوليد مع كونهما مجهولان، فإنه لا يُعرف لهما سماع لا من أم ورقة، ولا من عمر بن الخطاب.
السادسة: أن هذا الحديث أوله مروي عن أم ورقة، وآخره مروي عن عمر بن الخطاب، وقد يتسمح البعض في جهالة التابعي الذي يرويه عن أم ورقة؛ لكونه من كبار التابعين، إذا كان وصفه بالجهالة، مما لا يقدح في صحة الرواية، لكن مثل هذا مما لا يحتمل هنا، ولا تصح معه الرواية، كيف لا! وقد صعد عمر المنبر وأخبر بالواقعة، ثم تخفى هذه الواقعة، وهذه الفضيلة لأم ورقة، كما تخفى قصة أول مصلوب بالمدينة، كيف يخفى هذا كله بعد ذكر عمر له على المنبر، وبعد رؤية الناس للمصلوبين، فلا ينقله أحد من الصحابة مع توافرهم بالمدينة حينئذ، ولا ينقله أحد من كبار التابعين، ومثل هذا مما يشتهر بين الناس، وتتداوله الألسن، وتتوفر الهمم والدواعى على نقله ونشره وحكايته، ثم أين أهل السير من تلك الحكاية.
ثم قوله: "انطلقوا نزور الشهيدة" يدل على أن الصحابة كانوا يرافقون النبي ﷺ في زيارته لها، فكيف لا تُنقل مثل هذه الفضيلة لهذه المرأة إلا من قِبل هذين المجهولين فقط، دون من اطلع على حالها وعلم فضيلتها من الصحابة، والله أعلم.
السابعة: كيف تخفى هذه السنة على أهل المدينة، والتي منها خرجت، كيف لا
стр. 2727
تجعل كل امرأة قارئة لنفسها مسجدًا لها في دارها، تتخذ فيه مؤذنًا يؤذن لها، وتؤم فيه أهلها، مثل ما كان من أم ورقة، كيف يخفى ذلك على أهل المدينة، ثم لا ينقله عن أم ورقة إلا أهل العراق، لا سيما لو قلنا بصحة الاحتجاج به على إمامة المرأة للرجال من محارمها، أو عبيدها، أو صبيانها، ثم لا تنتشر هذه السنة في المدينة، بل يكاد يوجد شبه إجماع من المتقدمين على عدم جواز إمامة المرأة للرجال، بل قد قال إمام أهل المدينة بخلاف ما دلت عليه هذه الحكاية، فقد قال مالك: "لا ينبغي للمرأة أن تؤم أحدًا" [المدونة (١/ ٨٤)، قيام رمضان للمروزي (٢٨)، الأوسط لابن المنذر (٤/ ٢٢٧)، المحلى (٣/ ١٢٨)، المغني (٢/ ١٧)].
وبهذه العلل يتبين أن هذا الحديث: حديث ضعيف.
فلا ينبغي الاشتغال بتأويله، فيما يتعلق بإمامة المرأة للرجال، وأما حديث جابر مرفوعًا: "لا تؤمَّنَّ امرأةٌ رجلًا" فهو حديث منكر، تقدم تخريجه والكلام عليه تحت الحديث السابق برقم (٥٩٠).
ومما جاء في إمامة المرأة للنساء من فعل أمهات المؤمنين:
١ - سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة: كلاهما عن عمار بن معاوية الدهني، عن حجيرة بنت الحصين، قالت: أمَّتنا أم سلمة في صلاة العصر، فقامت بيننا.
أخرجه الشافعي في الأم (١/ ١٦٤)، وفي المسند (٥٣)، وعبد الرزاق (٣/ ١٤٠/ ٥٠٨٢)، ومسدد في مسنده (٣/ ٦٥٣/ ٣٩٧ - المطالب)، وابن سعد في الطبقات (٨/ ٤٨٤)، وابن أبي شيبة (١/ ٤٣٠/ ٤٩٥٢)، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ٢٢٧/ ٢٠٧٥)، وأبو بكر النيسابوري في الزيادات على المزني (٧٥ و ٧٦)، والدارقطني (١/ ٤٠٥)، وابن حزم في المحلى (٤/ ٢٢٠)، والبيهقي في السنن (٣/ ١٣١)، وفي المعرفة (٢/ ٤١٠/ ١٥٦٤).
صحح إسناده النووي، كما سيأتي، لكن حجيرة بنت الحصين: مجهولة، ولم أجد من وثقها، لكن مثل هذه الجهالة مما تحتمل، إذ لم ترو منكرًا، وإنما حكت واقعة خاصة حضرتها يحتمل تفرد النساء بها، وقد توبعت عليها، كما سيأتي.
٢ - سفيان الثوري: حدثني ميسرة بن حبيب النهدي، عن ريطة الحنفية، أن عائشة أمَّتهنَّ، وقامت بينهن في صلاة مكتوبة.
وفي رواية: قالت: أمَّتنا عائشة في الصلاة، فقامت وسطنا.
أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١٤١/ ٥٠٨٦)، وابن سعد في الطبقات (٨/ ٤٨٣)، وعبد الله بن أحمد في العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٥٥٢/ ٣٦١١)، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ٢٢٧/ ٢٠٧٦)، وأبو بكر النيسابوري في الزيادات على المزني (٧٢ - ٧٤)، والدارقطني (١/ ٤٠٤)، وابن حزم في المحلى (٤/ ٢١٩)، والبيهقي (٣/ ١٣١).
وإسناده حسن، وريطة الحنفية، قال العجلي: "كوفية تابعية ثقة" [معرفة الثقات (٢٣٣٥)].
стр. 2728
قال النووي في الخلاصة (٢٣٥٨)، وفي المجموع (٤/ ١٧٢) عن هذين الإسنادين: "رواهما الدارقطني والبيهقي بإسنادين صحيحين".
٣ - سعيد بن أبي عروبة [من رواية: يحيى بن سعيد القطان، وعلي بن مسهر عنه]، وهمام بن يحيى:
عن قتادة، أن أم الحسن بن أبي الحسن حدثتهم: أن أم سلمة أم المؤمنين كانت تؤمُّهنَّ في رمضان، وتقوم معهن في الصف. وفي رواية: أن أم سلمة كانت تصلي بهن، فتقوم معهن في الصف.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٤٩٥٣/٤٣٠)، وأبو بكر النيسابوري في الزيادات على المزني (٧٨)، وابن حزم في المحلى (٤/ ٢١٩).
قال ابن حزم: "هي: خيرة، ثقة الثقات، وهذا إسناد كالذهب".
لكن رواه شعبة، عن قتادة، عن أم سلمة: صلت في درع وخمار صفيق، وأمَّت النساء فقامت وسطهن، ولم تقدمهن.
أخرجه أبو بكر النيسابوري في الزيادات على المزني (٧٧).
قلت: رواية الاثنين من أصحاب قتادة [وفيهم سعيد بن أبي عروبة، وهو من أثبت أصحابه]، مقدمة على رواية الواحد، لا سيما ومعه زيادة علم، وبه يصح الأثر عن أم سلمة، والله أعلم.
والآثار في هذا المعنى كثيرة، وفي أسانيدها ضعف، انظر: مصنف عبد الرزاق (٣/ ١٤٠)، مصنف ابن أبي شيبة (١/ ٤٣٠)، الأوسط لابن المنذر (٤/ ٢٢٧/ ٢٠٧٧)، مستدرك الحاكم (١/ ٢٠٣)، المحلى (٣/ ١٢٦) و (٤/ ٢١٩)، سنن البيهقي (٣/ ١٣١).
• ومن فقه المسألة:
قال ابن المنذر في الأوسط (٤/ ٢٢٦): "وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب: فرأت طائفة أن تؤم المرأة النساء، روينا ذلك عن عائشة، وأم سلمة أمي المؤمنين"، ثم أسنده، ثم قال: "وبه قال: عطاء، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور.
وقالت طائفة: لا تؤم المرأة في صلاة مكتوبة ولا نافلة، هذا قول: سليمان بن يسار، والحسن البصري، وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز، وقال نافع مولى ابن عمر: لا أعلم المرأة تؤم النساء، وقال مالك: لا ينبغي للمرأة أن تؤم أحدًا، وكره أصحاب الرأي ذلك، فإن فعلت تجزيهم، وتقوم وسطًا من الصف.
وفيه قول ثالث: وهو أن المرأة لا تؤم النساء في الفريضة، وتؤمهم في التطوع، وتقوم في الصف لا تقدمهن، وروينا عن الشعبي، والنخعي، وقتادة: أنهم رخصوا للمرأة أن تؤم النساء في قيام شهر رمضان، وتقوم معهن في صفهن".
وقال ابن حزم (٤/ ٢٢٠): "وما نعلم لمن منع من إمامتها النساء حجةً أصلًا، لا
стр. 2729
سيما وهو قول جماعة من الصحابة كما أوردنا، لا مخالف لهم يُعرف من الصحابة ﵃ أصلًا".
وقال في مراتب الإجماع (٢٧): "واتفقوا أن المرأة لا تؤم الرجال وهم يعلمون أنها امرأة، فإن فعلوا فصلاتهم فاسدة بإجماع".
وانظر: بداية المجتهد (١/ ١٠٥)، المغني (٢/ ١٦)، مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٣/ ٢٤٨).
***
٦٣ - باب الرجل يَؤمُّ القوم وهم له كارهون
٥٩٣ - . . . عن عبد الرحمن بن زياد، عن عمران بن عبدٍ المعافري، عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله ﷺ كان يقول: "ثلاثة لا يقبلُ الله منهم صلاةً: مَن تقدَّم قومًا وهم له كارهون، ورجلٌ أتى الصلاة دِبارًا -والدِّبارُ: أن يأتيها بعد أن تفوتَه-، ورجلٌ اعتبَدَ مُحَرَّرَه".
• حديث ضعيف، وقد رُوي موضع الشاهد منه من طرق صالحة.
أخرجه ابن ماجه (٩٧٠)، ويعقوب بن سفيان الفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٣٠٥)، والبيهقي (٣/ ١٢٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٦/ ٨١ - ٨٢)، والمزي في التهذيب (٢٢/ ٣٣٨).
وقع عند ابن ماجه: يعني: بعد ما يفوته الوقت، وعند الفسوي: والدبار: أن يأتي بعد فوات الوقت، وعند البيهقي: والدبار: أن يأتي بها بعد فوت الوقت.
هكذا رواه عن الأفريقي، فقال: عمران بن عبدٍ المعافري: عبد الله بن عمر بن غانم، وعبدة بن سليمان، وأبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ، وجعفر بن عون.
وخالفهم: إسماعيل بن عياش [روايته عن غير أهل الشام ضعيفة، وهذه منها]، فقال: عمران بن عبد الله، قال ابن عساكر: "كذا قال، والصواب عمران بن عبدٍ المعافري".
قال البيهقي: "وهذا الحديث بهذا المعنى إنما يروى بإسنادين ضعيفين: أحدهما مرسل، والآخر موصول"، ثم ذكر مرسل الحسن، وموصول أبي سعيد.
وقال عبد الحق في الأحكام الوسطى (١/ ٣٢٥): "في إسناده عبد الرحمن الأفريقي".
ولما تعقبه ابن القطان في بيان الوهم (٣/ ١٤٩/ ٨٥٨)، وافقه على تضعيف الأفريقي، وزاد على ذلك فقال في عمران بن عبدٍ المعافري: "وعمران هذا لا تعرف حاله، حتى لو كان الأفريقي ثقة ما جاز أن يحتج بهذا الخبر، من أجل عمران المذكور".
стр. 2730
وقال النووي في الخلاصة (٢٤٦٠): "رواه أبو داود وابن ماجه بإسناد ضعيف، وضعفه الشافعي وآخرون"، وقال في المجموع (٤/ ٢٤٠): "حديث ضعيف".
قلت: هو كما قال النووي: حديث ضعيف؛ عمران بن عبدٍ المعافري، وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم: ضعيفان.
وقد رُوي موضع الشاهد من حديث جمع من الصحابة:
١ - عن ابن عباس:
يرويه يحيى بن عبد الرحمن الأرحبي: ثنا عُبيدة بن الأسود، عن القاسم بن الوليد، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ قال: "ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرًا [وفي رواية: ثلاثة لا يقبل الله لهم صلاة]: رجل أمَّ قومًا وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجُها عليها ساخط، وأخوان متصارمان".
أخرجه ابن ماجه (٩٧١)، وأبو علي الطوسي في مختصر الأحكام (٢/ ٢٧٠/ ٣٣٦)، وابن حبان (٥/ ٥٣/ ١٧٥٧)، والضياء في المختارة (١٠/ ٣٧٤ - ٣٧٦/ ٤٠٠ و ٤٠١)، والطبراني في الكبير (١١/ ٤٤٩/ ١٢٢٧٥).
هكذا صححه ابن حبان والضياء المقدسي.
وقال النووي في الخلاصة (٢٤٥٧): "رواه ابن ماجه بإسناد حسن"، وكذا قال في المجموع (٤/ ٢٣٩).
وقال ابن مفلح في الفروع (٢/ ١١): "وهو حديث حسن، ورواته ثقات".
وقال مغلطاي في شرح سنن ابن ماجه (٥/ ١٦٥٢): "هذا حديث إسناده لا بأس به".
وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ١١٩/ ٣٥٤): "هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات".
وقال العراقي: "إسناده حسن" [فيض القدير (٣/ ٣٢٤)، نيل الأوطار (٣/ ٢١٧)].
قلت: هذا الإسناد من المنهال بن عمرو فمن فوقه: على شرط البخاري، فقد أخرج في صحيحه حديثًا (٣٣٧١) بهذا الإسناد، من طريق جرير، عن منصور عن المنهال به.
وهذا إسناد حسن غريب، رجاله كلهم كوفيون، معروفون بالرواية عن بعضهم:
القاسم بن الوليد الهمداني الكوفي: وثقه ابن معين وابن سعد والعجلي، وقال ابن حبان: "يخطئ ويخالف" [التهذيب (٣/ ٤٢٣)]، وعُبيدة بن الأسود الكوفي: قال أبو زرعة: "ثقة"، وقال أبو حاتم: "ما بحديثه بأس"، وقال ابن حبان: "يعتبر حديثه إذا بيَّن السماع في روايته، وكان فوقه ودونه ثقات"، قلت: عنعنته هنا مقبولة، فإنه معروف بالرواية عن شيخه القاسم بن الوليد، مكثر عنه، وقد سمع منه [سؤالات البرذعي (٣٨٢)، التهذيب (٣/ ٤٦)]، ويحيى بن عبد الرحمن الأرحبي الكوفي: قال ابن نمير: "لا بأس به، لم يكن صاحب حديث، هو أصلح من شيخه عبيدة"، وقال أبو حاتم: "شيخ، لا أرى في حديثه إنكارًا، يحدث عن عبيدة بن الأسود أحاديث غرائب"، وقال الدارقطني: "صالح يعتبر به"،
стр. 2731
وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: "ربما خالف"، وقال البرذعي لأبي زرعة الرازي: "قلت: عبيدة بن الأسود؟ قال: ثقة، قلت: يروي تلك الأحاديث، وذكرت حديث مجاهد عن ابن عمر وغيره، فقال: هذا عيسى فمن دونه؟ قلت: يحيى بن عبد الرحمن الأرحبي، قال: لا يبعُد" [سؤالات البرذعي (٣٨٢)، التهذيب (٤/ ٣٧٤)]، وعلى هذا فإن أبا حاتم وأبا زرعة لم يكونا يريان بأسًا بأحاديثه عن عبيدة بن الأسود، وأنه لم يكن فيها مناكير، فقط عدَّ أبو حاتم أفراده عن عبيدة من الغرائب مما يحتمل تفرده بها عن شيخه، ولم ير فيها ما يستنكر، والله أعلم.
ولم يخالف أحدٌ -فيما رأيت- رواة هذا الحديث فيما رووه من هذا الحديث، بحيث يُحكم عليه بالشذوذ أو النكارة، فسلم من هذه العلة، والله أعلم.
٢ - عن أبي أمامة:
يرويه علي بن حسن بن شقيق: حدثنا الحسين بن واقد: حدثنا أبو غالب، قال: سمعت أبا أمامة، يقول: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم [وفي رواية: رؤوسهم حتى يرجعوا]: العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجُها عليها ساخط، وإمامُ قومٍ وهم له كارهون".
أخرجه الترمذي (٣٦٠)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٥٨/ ٤١١٣) و (٣/ ٥٥٨/ ١٧١٣٨)، والطبراني في الكبير (٨/ ٢٨٤ و ٢٨٦/ ٨٠٩٠ و ٨٠٩٨)، والبيهقي في المعرفة (٢/ ٤٠٨/ ١٥٥٩)، والبغوي في شرح السنة (٣/ ٤٠٤/ ٨٣٨).
قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وأبو غالب اسمه: حَزَوَّر".
وقال البيهقي في السنن (٣/ ١٢٨): "ليس بالقوي".
وقال النووي في الخلاصة (٢٤٥٩): "وضعفه البيهقي، والأرجح هنا قول الترمذي"، يعني: التحسين.
قلت: أبو غالب، حزوَّر صاحب أبي أمامة، بصري، نزل أصبهان: ليس بالقوي، قال فيه ابن حبان: "منكر الحديث على قلته، لا يجوز الاحتجاج به إلا فيما يوافق الثقات، وهو صاحب حديث الخوارج"، وهذا جرح مفسر يقدم على تعديل وتوثيق الدارقطني له، ومع هذا فقد اختلف قول الدارقطني فيه، فقال مرة أخرى: "بصري يعتبر به"، وهذا يقوله فيمن يكتب حديثه، ولا يحتج به، واختلف فيه أيضًا قول ابن معين، فقال في رواية الدارمي: "ثقة"، وقال له ابن الجنيد: ثقة؟ فقال ابن معين: "ليس به بأس"، وقال في رواية إسحاق بن منصور: "صالح الحديث"، ومما يؤيد قول ابن حبان فيه: قول أبي حاتم: "ليس بالقوي"، وقد ضعفه النسائي، وابن سعد وقال: "وكان ضعيفًا، منكر الحديث"، وأما قول ابن عدي: "ولم أر في أحاديثه حديثًا منكرًا جدًّا، وأرجو أنه لا بأس به"، فهذا يقوله فيمن ضعفه محتمل ويكتب حديثه، والله أعلم [التهذيب (٤/ ٥٧٠)، الميزان (١/ ٤٧٦) و (٤/ ٥٦٠)، تاريخ ابن معين للدارمي (٩١٧)، سؤالات ابن الجنيد
стр. 2732
١١٥ - ، الجرح والتعديل (٣/ ٣١٥)، ضعفاء النسائي (٦٦٥)، طبقات ابن سعد (٧/ ٢٣٨)، المجروحين (١/ ٣٢٩ - ط حمدي السلفي)، الكامل (٢/ ٤٥٦)، سؤالات البرقاني (١١٥)].
وعلى هذا فإن قول البيهقي أقرب إلى الصواب، فإن إسناد هذا الحديث ليس بالقوي، ولا يبعد هذا عن قول الترمذي: "حسن، غريب من هذا الوجه"، فإن هذا في اصطلاح الترمذي تضعيف للإسناد، وليس تصحيحًا، فالحسن عند الترمذي: أن لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون شاذًا، ويروى من غير وجه نحو ذلك، وهذا الحديث قد استوفى هذه الشروط، فقد روي نحوه من غير وجه، وليس شاذًا، وليس في إسناده متهم، بل فيه مَن ضعْفُه محتمل [كأبي غالب]، ويصلح مثله لأن يكتب حديثه في الشواهد والمتابعات، وأما الغرابة فلِكون إسناده فردًا إلى علي بن الحسن بن شقيق، ولا يضره ذلك.
وعلى هذا فإن حديث أبي أمامة هذا، وحديث ابن عباس المتقدم يعضد أحدهما الآخر لكن في جملتين فقط، وهما: "من أمَّ قومًا وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجُها عليها ساخط"، دون الجملة التي انفرد بها حديث ابن عباس: "وأخوان متصارمان"، ودون الجملة التي انفرد بها حديث أبي أمامة: "العبد الأبق حتى يرجع"، وإن كان لكل واحدة منهما ما يقوي معناها في أحاديث آخر.
وللحديث شواهد أخرى تقويه وتعضده:
٣ - عن عمرو بن الحارث بن أبي ضرار المصطلقي:
يرويه جرير، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن زياد بن أبي الجعد، عن عمرو بن الحارث بن المصطلق، قال: كان يقال: "أشد الناس عذابًا يوم القيامة اثنان: امرأة عصت زوجها، وإمام قوم وهم له كارهون".
أخرجه الترمذي (٣٥٩)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٥٨/ ٤١١٠) و (٣/ ٥٥٧/ ١٧١٣٠).
وهذا إسناد كوفي، رجاله ثقات، غير زياد بن أبي الجعد، فقد روى عنه اثنان، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن حجر: "مقبول" [التهذيب (١/ ٦٤٤)، التقريب (٢٠٧)]، ولا يُعرف له سماع من عمرو بن الحارث [انظر: التاريخ الكبير (٣/ ٣٤٧)].
وأما قول الصحابي: "كان يقال"، فهل له حكم الرفع أم لا؟ [انظر: معرفة علوم الحديث (٢١)، مقدمة ابن الصلاح (٤٧)، النكت على كتاب ابن الصلاح (٢/ ٥١٧)، فتح المغيث (١/ ١١٩)، وغيرها].
والأظهر هنا أن له حكم الرفع؛ لإخباره بأمر غيبي، لا يصدر مثله عن اجتهاد، ولصنيع الترمذي في جامعه، حيث أجراه مجرى الأحاديث المسندة، وجعله ضمن شواهد الحديث المرفوع، والله أعلم.
٤ - عن أنس بن مالك:
стр. 2733
يرويه ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمرو بن الوليد، عن أنس بن مالك يرفعه، يعني مثل هذا.
أخرجه ابن خزيمة (٣/ ١٥١٩/١١).
وأحال لفظه على مرسل عطاء بن دينار الهذلي الآتي بلفظ: "ثلاثة لا تقبل منهم صلاة، ولا تصعد إلى السماء، ولا تجاوز رؤوسهم: رجل أمَّ قومًا وهم له كارهون، ورجل صلى على جنازة ولم يؤمر، وامرأة دعاها زوجها من الليل فأبت عليه".
وإسناده إلى أنس: إسناد مصري حسن، ولا يُعرف لعمرو بن الوليد بن عبدة المصري [وهو صدوق] سماع من أنس [انظر: التاريخ الكبير (٦/ ٣٧٨)، المنفردات والوحدان (٩٦٤)، المعرفة والتاريخ للفسوي (٢/ ٥١٩)، إكمال ابن ماكولا (٦/ ٢٩)، توضيح المشتبه (٦/ ١٠٥)، التهذيب (٣/ ٣١١)، مغاني الأخيار (٣/ ٤٧١)]، والجملة الثانية في الجنازة: لم أر من تابعه عليها مسندًا.
٥ - عن سلمان الفارسي:
يرويه أبو أسامة، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: سمعت القاسم بن مخيمرة، يذكر أن سلمان قدَّمه قوم يصلي بهم، فأبى فدفعوه، فلما صلى بهم قال: أكلكم راض؟ قالوا: نعم، قال: الحمد لله؛ إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ثلاثةٌ لا تُقبل صلاتهم: المرأة تخرج من بيتها بغير إذنه، والعبد الآبِق، والرجل يؤم الناس وهم له كارهون".
أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٤١١٢/٣٥٨) و (٣/ ٥٥٨ / ١٧١٣٧)، وفي المسند (٤٥٣).
وهذا حديث ضعيف جدًّا؛ معلول بعلتين: الأولى: أن القاسم بن مخيمرة لم يروه رواية، وإنما يحكي واقعة لم يشهدها، فقد قال ابن معين عنه: "كوفي ذهب إلى الشام، ولم أسمع أنه سمع من أحد من أصحاب النبي ﷺ " [تاريخ ابن معين للدوري (٣/ ٤٣٠/ ٢١١١)، التاريخ الكبير (٧/ ١٦٧)، الجرح والتعديل (٧/ ١٢٠)، الثقات (٥/ ٣٠٧)، تاريخ دمشق (٤٩/ ١٩٦)، التهذيب (٣/ ٤٢١)، تحفة التحصيل (٢٦١)]، فهو منقطع.
والثانية: أن عبد الرحمن بن يزيد هذا ليس هو ابن جابر، وإنما هو ابن تميم، فإن أبا أسامة كان يروي عن عبد الرحمن بن يزيد بن تميم الشامي، ويسميه: ابن جابر، وابن تميم: ضعيف، وابن جابر: ثقة.
قال البخاري في التاريخ الأوسط (٢/ ١١٧): "وأما أهل الكوفة فرووا عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وهو ابن يزيد بن تميم، ليس بابن جابر، وابن تميم: منكر الحديث" [وانظر: التاريخ الكبير (٥/ ٣٦٥)، علل الترمذي الكبير ص (٣٩٢)، الضعفاء الصغير (٢١٠)].
وقال أبو حاتم في الجرح والتعديل (٥/ ٣٠٠) عن أبن تميم: "عنده مناكير، يقال:
стр. 2734
هو الذي روى عنه أبو أسامة وحسين الجعفي، وقالا: هو ابن يزيد بن جابر، وغلطا في نسبه، ويزيد بن تميم: أصح، وهو: ضعيف الحديث" [وانظر: العلل (١/ ١٩٧/ ٥٦٥)].
وقال أبو داود في ابن تميم: "متروك الحديث، حدث عنه أبو أسامة، وغلط في اسمه، فقال: حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الشامي، وكل ما جاء عن أبي أسامة: قال: حدثنا عبد الرحمن بن يزيد، فهو: ابن تميم" [سؤالات الآجري (٥/ ق ٤٨)، تاريخ دمشق (٤٦/ ٣٦)].
وبهذا قال ابن نمير، والنسائي، ويعقوب بن سفيان الفسوي، والبزار، وموسى بن هارون، وابن حبان، والدارقطني، والخطيب، وابن عساكر، وغيرهم [المعرفة والتاريخ (١/ ٣٧٢) و (٣/ ١٠٥ و ٣٦٠)، الضعفاء والمتروكين للنسائي (٣٦٣)، مسند البزار (٨/ ٤١٢/ ٣٤٨٥)، المجروحين (٢/ ٥٥)، الكامل (٤/ ٢٩٣)، علل الدارقطني (١٠/ ٢٢٠/ ١٩٨٧) و (١٢/ ٢٧١/ ٢٧٠٥)، الضعفاء والمتروكين له (٣٣٦)، تاريخ بغداد (١٠/ ٢١١)، تاريخ دمشق (١/ ٦٥) و (٣٦/ ٤٢ - ٤٧ و ٥٨) و (٦٦/ ٢٩٧)، الأحكام الكبرى (٣/ ٣٦٧)، بيان الوهم والإيهام (٥/ ٥٧٥)، شرح علل الترمذي (٢/ ٨١٧)، فتح الباري لابن رجب (٢/ ٦٨٠)، الصارم المنكي (٢٧٤)، التهذيب (٢/ ٥٦٥)].
وابن تميم هذا ضعفوه، وهو منكر الحديث [راجع ترجمته موسعة تحت الحديث المتقدم برقم (٥٦١)، [وانظر: تخريج الذكر والدعاء (٢/ ٧٣٣/ ٣٣٥)].
٦ - عن ثوبان:
يرويه إسماعيل بن عياش، عن أرطاة بن المنذر، عن أبي الأحوص حكيم بن عمير، عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث لا يحل لأحد أن يفعل: لا يؤم قومًا وهم له كارهون، ولا يصلي وهو حاقن حتى يتخفف، ولا ينظر في قعر بيت حتى يؤذن له؛ فإن فعل فقد دخل".
أخرجه الروياني (٦٥٠)، قال: حدثنا علي بن شيبة: حدثنا يحيى: حدثنا إسماعيل به.
وهو منكر بهذا الإسناد واللفظ، وأصله حديث ضعيف تقدم برقم (٩٠).
٧ - عن أبي هريرة:
يرويه بكر بن سهل: ثنا عبد الله بن صالح: حدثني معاوية بن صالح، عن عبد الوهاب بن بخت المكي، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "ثلاثة لا تقبل لهم صلاة، ولا يجاوز صلاتهم رؤوسهم شبرًا: رجل بات ووالداه ساخطان عليه أو أحدهما في حق، وامرأة بلغت المحيض فصلت بغير قناع، ورجل أم قومًا وهم له كارهون".
أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (٣/ ١٩٨/ ٢٠٧٣)، قال: حدثنا بكر به.
قلت: وهذا حديث غريب غريب.
стр. 2735
عبد الوهاب بن بخت: ثقة، مكي سكن الشام، ثم المدينة، وقد تفرد به عن أبي الزناد دون بقية أصحابه المشهورين على كثرتهم.
ومعاوية بن صالح، هو الحضرمي الحمصي: صدوق، له إفرادات وغرائب [التهذيب (٤/ ١٠٨)]، وعبد الله بن صالح، كاتب الليث: صدوق، كثير الغلط.
والآفة فيه عندي من شيخ الطبراني: بكر بن سهل الدمياطي، فلا يقبل منه التفرد بمثل هذا، ويعد هذا من أفراده وغرائبه؛ فإن بكرًا قد ضعفه النسائي، ولم يوثقه أحد، وله أوابد، وذكره الحاكم فيمن لم يحتج به في الصحيح ولم يسقط، وقال الخليلي في نسخته التي يرويها من تفسير ابن جريج: "فيه نظر"، وقال الذهبي: "حمله الناس، وهو مقارب الحال"، وحمل عليه العلامة المعلمي اليماني فقال: "ضعفه النسائي، وله زلات تثبت وهنه"، وقال أيضًا: "ضعفه النسائي، وهو أهل ذلك؛ فإن له أوابد" [الميزان (١/ ٣٤٦)، اللسان (٢/ ٣٤٤)، المعرفة (٢٥٥)، الإرشاد (١/ ٣٩١ - ٣٩٢)، الأنساب (٢/ ٤٩٤)، تاريخ دمشق (١٠/ ٣٧٩)، السير (١٣/ ٤٢٥)، تعليق العلامة المعلمي اليماني على الفوائد المجموعة (١٣٥، ٢٢٦، ٢٤٤، ٤٦٧، ٤٨١)].
٨ - عن طلحة بن عبيد الله:
يرويه يحيى بن عثمان بن صالح: ثنا لسليمان بن أيوب، قال: حدثني أبي، عن جدي، عن موسى بن طلحة، عن طلحة: أنه صلى بقوم، فلما انصرف قال: نسيت أن أستامركم قبل أن أتقدمكم، أفرضِيتم بصلاتي؟ قالوا: نعم، ومن يكره ذلك يا حَوَاريَّ رسول الله ﷺ ؟ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أيما رجلٍ أمَّ قومًا وهم له كارهون لم تَجُزْ صلاته أُذُنه".
أخرجه الطبراني في الكبير (١/ ١١٥/ ٢١٠)، ومن طريقه: الضياء في المختارة (٣/ ٤٢/ ٨٤٦).
وهذا حديث ضعيف جدًّا.
موسى بن طلحة بن عبيد الله: ثقة، وحفيده سليمان بن عيسى بن موسى: ذكره ابن حبان في الثقات [التاريخ الكبير (٤/ ٣٠)، الثقات (٦/ ٣٩٤)]، وابنه أيوب بن سليمان بن عيسى: في عداد المجاهيل كأبيه [الجرح والتعديل (٢/ ٢٤٨)].
وابنه سليمان بن أيوب: روى بهذا الإسناد نسخة، قال ابن عدي: "قال الفضل بن سكين: سليمان هذا كوفي ثقة"، ثم قال ابن عدي: "ولسليمان بن أيوب غير هذا ما ذكرت بهذا الإسناد عشرين حديثًا آخر، وروى هذه النسخة جماعة، وعامة هذه الأحاديث أفراد بهذا الإسناد، لا يتابع سليمان عليها أحد"، ونقل ابن حجر في التهذيب توثيقه عن يعقوب بن شيبة، وقال في الأمالي المطلقة نقلًا عن يعقوب بن شيبة عن هذه النسخة: "وهي عندي أحاديث صحاح"، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي في التاريخ: "له عن آبائه نسخة نحو بضعٍ وعشرين حديثًا، أورد منها ابن عدي عدة أحاديث منكرة"، وقال
следующие страницы →