Полный текст (16 465 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.
стр. 3011
وعبد الرزاق (٣/ ٧٦/ ٤٨٦١) مطولًا باللفظ الأول. وأبو العباس السراج في حديثه بانتقاء الشحامي (٢٠٥١)، وأبو القاسم البغوي في حديث مصعب (١٣٦)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ٤١٨/ ١٠١٨)، والجوهري في مسند الموطأ (٦٣٣).
• ورواه سعيد بن أبي هند، أن أبا مرة مولى عقيل حدثه، أن أم هانئ بنت أبي طالب حدثته: أنه لما كان عام الفتح أتت رسول الله ﷺ وهو بأعلى مكة، قام رسول الله ﷺ إلى غسله، فسترت عليه فاطمة، ثم أخذ ثوبه فالتحف به، ثم صلى ثمان ركعات سبحة الضحى.
أخرجه مسلم (٣٣٦/ ٧١ و ٧٢)، وأبو عوانة (١/ ٢٣٨/ ٨٠٦) و (٤/ ٢٩٢/ ٦٧٨٥)، وأبو نعيم في المستخرج (١/ ٣٨٤/ ٧٦٠ و ٧٦١)، وابن ماجه (٤٦٥)، وأبو يوسف في الخراج (٢٠٥ - ٢٠٦)، وأبو عبيد في الأموال (٤٩٧)، وسعيد بن منصور في سننه (٢/ ٢٧٥/ ٢٦١٠)، وابن سعد في الطبقات (٢/ ١٤٤)، وابن أبي شيبة (٦/ ٥٠٩ و ٥١٠/ ٣٣٣٩٥ و ٣٣٣٩١) و (٧/ ٤٠٧/ ٣٦٩٢٨)، وإسحاق بن راهويه (٥/ ١٧/ ٢١١٣)، وأبو العباس السراج في حديثه بانتقاء الشحامي (١٠٣١ و ٢٠٥٢)، والطحاوي (١/ ٣٨٠) [وصحفت فيه: "أبا مرة" إلى "أبا هريرة"، وانظر: الإتحاف (١٨/ ٩/ ٢٣٢٩٣)] و (٣/ ٣٢٣)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ٤١٩ - ٤٢١/ ١٠١٩ - ١٠٢٢)، وفي الأوسط (٩/ ٤٤/ ٩٠٩٠)، والبيهقي في الدلائل (٥/ ٨٠)، وابن بشكوال في غوامض الأسماء المبهمة (٢/ ١٤٢ - ١٤٣).
وانظر: المعجم الكبير (٢٤/ ٤٣١/ ١٠٥٦).
• ورواه وهيب بن خالد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن أبي مرة مولى عقيل، عن أم هانئ: أن رسول الله ﷺ صلى في بيتها عام الفتح ثماني ركعات، في ثوب واحد، قد خالف بين طرفيه.
أخرجه مسلم (٣٣٦/ ٨٣)، وأبو عوانة (٢/ ١٢/ ٢١٣٠)، وأبو نعيم في المستخرج (٢/ ٣١٥/ ١٦٢٦)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ٤٢١/ ١٠٢٤)، وأبو القاسم الحرفي في فوائده بانتخاب أبي القاسم الطبري (١)، والبيهقي (٣/ ١٥٧)، والرافعي في التدوين (٢/ ٥٥)، وابن حجر في التغليق (٢/ ٢٠٤).
• ورواه ابن أبي ذئب، ومحمد بن عجلان، وأبو معشر نجيح بن عبد الرحمن السندي [ضعيف]: عن سعيد المقبري، عن أبي مرة مولى عقيل بن أبي طالب، عن أم هانئ بنت أبي طالب بنحوه مطولًا.
أخرجه الترمذي (١٥٧٩)، في أمان المرأة، وقال: "حسن صحيح". وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٦/ ١٨٣/ ١٣٣٩)، والنسائي في الكبرى (٨/ ٥٧/ ٨٦٣١) مطولًا. وابن الجارود (١٠٥٥)، والحاكم (٤/ ٥٢ - ٥٣)، وأحمد (٦/ ٣٤١ و ٣٤٣ و ٤٢٣ - ٤٢٤)، وإسحاق (٥/ ١٨/ ٢١١٤)، وأبو داود الطيالسي (٣/ ١٨٧/ ١٧٢٠)،
стр. 3012
والحميدي (٣٣١)، والأزرقي في أخبار مكة (٢/ ١٦١)، والفاكهي في أخبار مكة (٥/ ٢٢١/ ١٨٤)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٥/ ٤٥٨/ ٣١٤٨)، والدولابي في الكنى (٢/ ٩٠٦/ ١٥٩٢)، وأبو العباس السراج في حديثه بانتقاء الشحامي (٨٣٩)، وابن المنذر في الأوسط (١١/ ٢٦٠/ ٦٦٦٦)، والطحاوي (١/ ٣٨٠) و (٣/ ٣٢٣)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ٤١٦ و ٤١٧/ ١٠١٣ - ١٠١٦)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٦/ ٣٤١٩/ ٧٨٠٢)، وابن عبد البر في التمهيد (٢١/ ١٨٩)، وفي الاستذكار (٢/ ٢٦١)، وابن بشكوال في غوامض الأسماء المبهمة (٢/ ١٤١)، وابن حجر في التغليق (٢/ ٢٠٥).
وانظر: علل الدارقطني (١٥/ ٣٦٧/ ٤٠٧١).
• ورواه محمد بن عمرو، والضحاك بن عثمان:
عن إبراهيم بن عبد الله بن حُنين، عن أبي مُرَّة مولى عقيل بن أبي طالب، عن أم هانئ ابنة أبي طالب، قالت: أتيتُ رسول الله ﷺ ، فوُضِع له ماء فاغتسل، ثم التحف وخالف بين طرفيه على عاتقيه، ثم صلى الضحى ثماني ركعات.
وفي رواية: رأيت رسول الله ﷺ عام الفتح، فقلت: يا رسول الله! إني أجرت حموي، فزعم ابن أمي -تعني: عليًّا- أنه قاتله، قالت: قال رسول الله ﷺ : "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ"، قالت: وصب رسول الله ﷺ ماء فاغتسل، ثم التحف بثوب عليه، وخالف بين طرفيه، فصلى الضحى ثمان ركعات.
أخرجه ابن حبان (٦/ ٢٧٨/ ٢٥٣٧)، وأحمد (٦/ ٣٤٢ و ٣٤٣)، وإسحاق بن راهويه (٥/ ٢٤ - ٢٥/ ٢١٢٤)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٧٦/ ٣١٧٦)، وهشام بن عمار في حديثه (٥)، وأبو العباس السراج في مسنده (٢/ ٢٠٥ - تغليق التعليق)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (٢٠٥٠ و ٢٠٥٦)، والطحاوي (١/ ٣٨٠)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ٤١٤ و ٤١٥/ ١٠٠٩ - ١٠١٢).
• وخالفه أحد المتروكين، فقلب إسناده ومتنه:
رواه إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن إبراهيم بن عبد اللَّه بن حنين، [عن أبيه]، عن ابن عباس، عن علي بن أبي طالب: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كان إزارك واسعًا فتوشح به، وإن كان ضيقًا فاتزره".
أخرجه عبد الرزاق (١/ ٣٥٢/ ١٣٧١)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ٣٠)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٧٦/ ٣١٦٤)، والبزار (٢/ ١٠٩/ ٤٦٠)، والخطيب في تاريخ بغداد (٢/ ٢٣٦).
قال البزار: "وإسحاق بن عبد الله هذا: ليس بالقوي، ولا نعلم روى هذا الكلام عن ابن عباس عن علي إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد".
وانظر: علل الدارقطني (٣/ ٨٦/ ٢٩٥).
• وللحديث أسانيد أخرى فيها موضع الشاهد، لكن فيها ضعف، انظر: مسند الحميدي (٣٣٢ و ٣٣٣)، ضعفاء العقيلي (٣/ ٣٥٠)، المعجم الكبير (٢٤/ ٤٠٧/ ٩٨٨ و ٩٨٩)، تاريخ بغداد (١٣/ ٢٩٠).
стр. 3013
• ولم أتعرض للطرق التي خلت عن موضع الشاهد، وإن كان بعضها في الصحيحين.
٢ - حديث أبي سعيد الخدري:
تقدم ذكره مع طرق حديث جابر (٦٣٤)، رقم (٥).
٣ - حديث أنس بن مالك:
رواه يحيى بن أيوب، وسليمان بن بلال، ومحمد بن طلحة:
عن حميد: حدثني ثابت البناني، عن أنس بن مالك ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ صلى خلف أبي بكر في ثوب واحد بُرْدٍ يخالف بين طرفيه، فكانت آخر صلاة صلاها. لفظ يحيى، ولفظ سليمان: آخر صلاة صلاها رسول الله ﷺ مع القوم: في ثوب واحد متوشحًا به، -يريد: قاعدًا-، خلف أبي بكر. ولفظ محمد بن طلحة: صلى رسول الله ﷺ في مرضه خلف أبي بكر قاعدًا، في ثوب متوشِّحًا به.
وهو حديث صحيح، تقدم تحت الحديث رقم (٦٠٥).
• وله طريق أخرى يرويها:
عبد الله بن الأَجْلَح [صدوق]، عن عاصم، عن أنس، قال: صلَّى رسول الله ﷺ في ثوب واحد، خالف بين طرفيه.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٧٦/ ٣١٦٧) (٣١٨٦ - ط عوامة)، والبزار (١٣/ ١٠٨/ ٦٤٧٩)، وأبو يعلى (٧/ ٩٢/ ٤٠٣٠)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين (٤/ ١٩٢)، والدارقطني في الأفراد (١/ ٢٠٣/ ٩٦١ - أطرافه)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/ ٤١٩)، والضياء في المختارة (٦/ ٢٩٢/ ٢٣٠٩).
قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلم رواه عن عاصم عن أنس؛ إلا عبد الله بن الأجلح".
وقال الدارقطني في الأفراد مع حديث آخر: "تفرد بهما الأجلح عن عاصم عن أنس".
وقال في العلل (١٢/ ١٠٠/ ٢٤٧٦): "وتابعه علي بن الحسن السامي -وكان ضعيفًا- فرواه عن الثوري، عن عاصم، عن أنس مرفوعًا".
قلت: هذا أخرجه ابن عدي في الكامل (٥/ ٢١٠) من طريق: علي بن الحسن بن يعمر السامي، قال: ثنا سفيان الثوري، عن عاصم الأحول، عن أنس، قال: آخر صلاة صلاها رسول اللَّه ﷺ ، وهو جالس متوشح ببرد حبرة، يسلم عن يمينه وعن شماله.
ثم قال ابن عدي في آخر ترجمته بعد أن أخرج له جملة من حديثه، وهذا منها: "وهذه الأحاديث وما لم أذكره من حديث علي بن الحسن هذا: فكلها بواطيل، ليس لها أصل، وهو ضعيف جدًّا".
قلت: فهو باطل، ليس له أصل من حديث الثوري، وعلي بن الحسن بن يعمر
стр. 3014
السامي هذا: واهٍ، حدث عن الثقات بالأباطيل والموضوعات، اتهمه جماعة، وكذبه الدارقطني [اللسان (٥/ ٥١١)]، وعليه: فيبقى الأجلح هو المتفرد به عن عاصم.
• خالفه ابن فضيل، وحماد بن سلمة، وعلي بن مسهر، وثابت بن يزيد [وهم ثقات]: فرووه عن عاصم، قال: سئل أنس عن الصلاة في الثوب؟ فقال: يتوشَّح به.
هكذا موقوفًا، واللفظ لابن فضيل.
ولفظ حماد: رأيت أنس بن مالك يصلي في ثوب واحد متوشحًا به.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٧٦/ ٣١٧٢) (٣١٩١ - ط عوامة)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٥٢/ ٢٣٧٠)، وذكره الدارقطني في العلل (١٢/ ١٠٠/ ٢٤٧٦).
قال أبو حاتم: "الصحيح عن أنس موقوفًا" [العلل (١/ ٨٠/ ٢١٥)].
وقال الدارقطني عن الموقوف: "وهو الصواب".
• وقد تقدم له طريق أخرى تحت حديث سلمة بن الأكوع المتقدم برقم (٦٣٢).
٤ - حديث كيسان بن جرير:
يرويه عَمْرو بن كثير بن أفلح المكي [ومنهم من قال: عُمَر] [ترجم له ابن أبي حاتم في ثلاثة مواضع، قال في واحد منها: سألت أبي عنه، فقال: "لا بأس به"، وقال ابن المديني: "مكي، لا يعرف"، وذكره ابن حبان في الثقات. الجرح والتعديل (٦/ ١٣٠ و ٢٥٦)، الثقات (٨/ ٤٧٧)، الميزان (٣/ ٢٨٥)، التهذيب (٣/ ٣٠٠)]، قال: حدثنا عبد الرحمن بن كيسان، عن أبيه [وفي رواية: أخبرني كيسان]، قال: رأيت النبي ﷺ يصلي الظهر والعصر [وفي رواية: إحدى صلاتي العشي: الظهر أو العصر، بثنية العليا] [وفي أخرى: عند البئر العليا، بئر بني معيط، بالأبطح]، في ثوب واحد متلببًا به [قد خالف بين طرفيه].
وفي رواية: سألت عبد الرحمن بن كيسان، مولى خالد بن أسيد، قلت: ألا تحدثني عن أبيك، فقال: ما سألتني؟ فقال: حدثني أبي أنه: رأى رسول الله ﷺ خرج من [شِعب] المطابخ حتى أتى البئر، وهو متزر بإزار ليس عليه رداء، فرأى عند البئر عبيدًا يصلون فحل الإزار، وتوشح به، وصلى ركعتين لا أدري الظهر أو العصر.
وفي أخرى: سألت أبي كيسان: ما أدركت من النبي ﷺ ؟ قال: رأيته يصلي عند البئر العليا، بئر بني مطيع، ملببًا في ثوب الظهر أو العصر، فصلاها ركعتين.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٧/ ٢٣٢)، وابن ماجه (١٠٥١)، وأحمد (٣/ ٤١٧)، وابن سعد في الطبقات (٥/ ٤٦١)، وابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٢٧٧/ ٣١٨٧)، وفي المسند (٨٠٢)، والفاكهي في أخبار مكة (٤/ ١٩/ ٢٣١٤)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (١/ ١٨٩/ ٤٧٥)، وابن قتيبة في غريب الحديث (١/ ٣٣٣)، والروياني (٦٧٨ و ٦٧٩)، والدولابي في الكنى (١/ ٤٣٢/ ٧٧٤)، وأبو القاسم البغوي في معجم الصحابة (٥/ ١٥١ و ١٥٢/ ٢٠٣٢)، وابن قانع في معجم الصحابة (٢/ ٣٨٧)، والطبراني في الكبير
стр. 3015
(١٩/ ١٩٤/ ٤٣٦)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٤٥)، وفي معرفة الصحابة (٥/ ٢٤٠٠/ ٥٨٧٢ - ٥٨٧٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٠/ ٢٧٨).
حسن ابن حجر إسناده في الإصابة (٥/ ٦٢٦).
وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ١٢٦/ ٣٧٩): "هذا إسناد حسن".
قلت: عبد الرحمن بن كيسان: روى عنه اثنان: عمرو [ويقال: عمر] بن كثير بن أفلح المكي [وليس بذاك المشهور]، ومعروف بن مشكان [ولا يصح عنه]، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي: "فيه جهالة"، وهو كما قال، وقال ابن حجر: "مستور" [التاريخ الكبير (٥/ ٣٤٢)، الجرح والتعديل (٥/ ٢٨٠)، الثقات (٧/ ٨٥)، المغني في الضعفاء (٢/ ٣٨٥)، التهذيب (٢/ ٥٤٨)، التقريب (٣٧٥)].
• وله إسناد آخر، يرويه أبو إسحاق الشافعي إبراهيم بن محمد بن العباس [صدوق]، قال: حدثنا محمد بن حنظلة بن محمد بن عباد المخزومي، عن معروف بن مشكان، عن عبد الرحمن بن كيسان، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي بالبئر العليا في ثوب.
أخرجه ابن ماجه (١٠٥٠)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٥/ ١٠٠/ ٢٦٤٢)، والدارقطني في الأفراد (٢/ ١٢٤/ ٤٣١٨)، والطبراني في الكبير (١٩/ ١٩٥/ ٤٣٧)، وفي الأوسط (٦/ ٢٥٩/ ٦٣٤٨)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٥/ ٢٤٠٠/ ٥٨٧٥)، والمزي في التهذيب (١٧/ ٣٧١).
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن معروف إلا محمد بن حنظلة المخزومي".
وقال الدارقطني: "غريب من حديث معروف بن مشكان مقرئ أهل مكة، عن عبد الرحمن بن كيسان، عن أبيه، تفرد به محمد بن حنظلة عنه، وتفرد به عنه: إبراهيم الشافعي، وإنما يعرف هذا من رواية عمرو بن كثير بن أفلح".
وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ١٢٦/ ٣٨٠): "إسناد كيسان بن جرير هذا ضعيف، وليس لكيسان عند ابن ماجه سوى هذا الحديث، والذي قبله، وهما حديث واحد، وليس له شيء في الخمسة الأصول، ولا في شيء منهم".
قلت: محمد بن حنظلة بن محمد بن عباد المخزومي: لم يرو عنه سوى أبي إسحاق الشافعي، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي: "لا يُعرف"، وقال ابن حجر: "مقبول" [الميزان (٣/ ٥٣٢)، التهذيب (٣/ ٥٥٠)، التقريب (٥٣١)].
قلت: فلا تصح بذلك هذه المتابعة، لتفرد المخزومي هذا بها -على جهالة فيه-، عن معروف بن مشكان القارئ المشهور، ومعروف أيضًا: مقل جدًّا في الحديث [معرفة القراء (١/ ١٣٠)، تاريخ الإسلام (١٠/ ٤٦٧)، التهذيب (٤/ ١١٩)، التقريب (٦٠٢)، وقال: "صدوق، مقرئ مشهور"].
قال الأزهري في تهذيب اللغة (١٥/ ٢٤٣): "وفي الحديث أن النبي ﷺ صلى في
стр. 3016
ثوب واحد متلبِّبًا به، أي تحزم بثوبه عند صدره" [وانظر: النهاية (٤/ ٢٢٣)].
قلت: إذا جعلنا الروايات يفسر بعضها بعضًا، فيمكن تفسير التلبب بالتوشح، لقوله في الرواية الأخرى: فحل الإزار، وتوشح به، بل إنه فسر التلبب في نفس الرواية بقوله: متلببًا به، قد خالف بين طرفيه، وهو عين التوشح، وبهذا يكون حديث كيسان هذا موافق في معناه لحديث عمر بن أبي سلمة، وحديث جابر بن عبد اللَّه، وحديث أبي سعيد الخدري، وحديث أنس، وحديث ابن عباس الآتي بعد هذا، قالوا: رأيت النبي ﷺ يصلي في ثوب واحد متوشحًا به.
وعليه: فليس في حديث كيسان هذا ما ينكر معناه، فيُرَدُّ به، والضعف فيه يسير؛ لما في عبد الرحمن بن كيسان من جهالة، ومثل هذا يصلح في الشواهد، ويحسن بها.
فهو حديث حسن في الشواهد، والله أعلم.
٥ - عن ابن عباس:
يرويه ابن إسحاق، قال: حدثني سلمة بن كهيل، ومحمد بن الوليد، عن كريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس ﵄، قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي في برد له حضرمي، متوشحًا به، ما عليه غيره.
أخرجه الطحاوي (١/ ٣٨٠)، بإسناد صحيح إلى ابن إسحاق.
وهذا إسناد حسن.
٦ - عن رجل رأى النبي ﷺ :
رواه شعبة، قال: سمعت أبا مالك الأشجعي، يحدث عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: أخبرني من رأى النبي ﷺ يصلي في ثوب واحد، قد خالف بين طرفيه.
أخرجه أحمد (٣/ ٤٦٢) و (٤/ ١٧) و (٥/ ٣٦٦)، ومن طريقه: أبو نعيم في معرفة الصحابة (٦/ ٣١٨١/ ٧٣١٣).
إسناده صحيح، وجهالة الصحابي لا تضر، وقد سمع منه أبو سلمة.
لكن خالفه: يزيد بن هارون، فرواه عن أبي مالك الأشجعي، قال: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن الصلاة في الثوب الواحد؟ فقال: إني لأصلي في الثوب الواحد، وإلى جنبي ثياب، لو أشاء أن آخذ منها لأخذت.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٧٧/ ٣١٧٩).
قلت: لا تضر شعبة مخالفة يزيد بن هارون له، فهي زيادة من ثقة حافظ؛ فتقبل، وأبو مالك سعد بن طارق الأشجعي: ثقة، يحتمل منه مثل هذا، والله أعلم.
٧ - عن عمرو بن حزم:
أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم: "لا يصلِّينَّ أحدكم في الثوب الواحد؛ إلا مخالفًا بين طرفيه".
ويأتي تحقيق القول فيه في موضع آخر إن شاء الله تعالى.
стр. 3017
• ومما لم يصح في الباب:
٨ - عن معاذ بن جبل [تقدم برقم (٢١٣)] [وله طريق أخرى عند: الطبراني في الكبير (٢٠/ ١٦١/ ٣٣٥)] [وفي إسناده: عمر بن هارون البلخي، وهو: متروك، واتهم].
٩ - عن معاوية بن أبي سفيان [تقدم تحت الحديث رقم (٣٦٦)].
١٠ - عن أبي الدرداء [تقدم تحت الحديث رقم (٣٦٦)].
١١ - عن جابر بن سمرة [تقدم تحت الحديث رقم (٣٦٦)].
١٢ - عن أبي بكر الصديق [تقدم تحت الحديث رقم (٦٠٥)].
١٣ - عن أم الفضل [تقدم تحت الحديث رقم (٦٠٥)].
١٤ - عن عبد الله بن أبي أمية [منكر، وتقدم تحت الحديث رقم (٦٢٦)].
١٥ - عن أبي بن كعب [عند: ابن خزيمة (١/ ٣٧٤/ ٧٦٠)، وأحمد (٥/ ١٤١)، وعبد الله بن أحمد في زياداته على المسند (٥/ ١٤١)، وعبد الرزاق (١/ ٣٥٦/ ١٣٨٤)، وابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٢٧٧/ ٣١٧٧ و ٣١٨٨) (٣/ ٩٩ - ١٠٠ و ١٠٣/ ٣١٩٦ و ٣٢٠٧ - ط عوامة)، وفي المسند (١/ ٨٤/ ب) (٣/ ٤٠٢/ ٣٣٣ - مطالب)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٥٢/ ٢٣٦٥)، والطبراني في الكبير (٩/ ٣٠١/ ٩٥٠٦)، والدارقطني في العلل (٢/ ١٠٤/ ١٤٢)، والبيهقي (٢/ ٢٣٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٤/ ٢٠٦)، [اختلف في رفعه ووقفه، والموقوف أصح].
١٦ - عن علي بن أبي طالب [عند: عبد الرزاق (١/ ٣٥٢/ ١٣٧١)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ٣٠)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٧٦/ ٣١٦٤)، والبزار (٢/ ١٠٩/ ٤٦٠)، والخطيب في تاريخ بغداد (٢/ ٢٣٦)، وانظر: علل الدارقطني (٣/ ٨٦/ ٢٩٥)] [وفي إسناده: إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وهو: متروك، وحديثه هذا منكر، تقدم التنبيه عليه في الشاهد الأول] [وقد صح عنه موقوفًا. انظر: مسند مسدد (٣/ ٣٩١/ ٣٣٠ - مطالب)، مصنف ابن أبي شيبة (١/ ٢٧٧ و ٢٧٨/ ٣١٨٠ و ٣١٩٣)، مسند ابن الجعد لأبي القاسم البغوي (٢١٥٩)].
١٧ - عن ابن عباس [عند: أحمد (١/ ٢٥٦ و ٢٦٥ و ٣٠٣ و ٣٢٠ و ٣٥٤)، وابنه في زيادات المسند (١/ ٢٥٦)، وعبد الرزاق (١/ ٣٥١/ ١٣٦٩)، وابن سعد في الطبقات (١/ ٤٦٢)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٤١/ ٢٧٧٠) و (١/ ٢٧٥/ ٣١٦٢)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (٢/ ٩٥٦/ ٤٠٩٠ - السفر الثاني)، وأبي يعلى (٤/ ٣٣٤/ ٢٤٤٦) و (٤/ ٤٥٠ - ٤٥١/ ٢٥٧٦) و (٥/ ٨٦/ ٢٦٨٧)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٢٥١/ ١٨٩٥) و (٨/ ٢٩٥/ ٨٦٨٠)، وفي الكبير (١١/ ٢١٠/ ١١٥٢٠ و ١١٥٢١)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٣٥٠)، وتمام في الفوائد (٢٢)، [وفي إسناده: حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس الهاشمي، وهو: ضعيف، وقد خولف فيه، والصحيح: موقوف على ابن عباس. انظر: مصنف عبد الرزاق (١/ ٣٥٥/ ١٣٨١) و (١/ ٣٩٦/ ١٥٤٥) و (٢/ ٣٩٦/ ٣٨٣٤)، مصنف ابن أبي شيبة (١/ ٢٧٧
стр. 3018
و ٢٧٨/ ٣١٨٣ و ٣١٨٩) و (٢/ ٣٨ و ٣٩/ ٦١٩١ و ٦٢٠٨)، الأوسط لابن المنذر (٤/ ١٥٣/ ١٩٣٩) و (٥/ ٥٢ و ٦٢/ ٢٣٦٨ و ٢٣٩١)] [وانظر أيضًا: سنن البيهقي (٢/ ١٠٨)].
[وله إسناد آخر عند: الخطيب في المتفق والمفترق (٣/ ١٧٧٩/ ١٣٣٥)] [وفي إسناده: القاسم بن عبد الرحمن الأنصاري: متروك، منكر الحديث. اللسان (٦/ ٣٧٤)، الجرح والتعديل (٧/ ١١٢)، سؤالات البرذعي (٢/ ٣٧٣ و ٣٧٤)، الكامل (٦/ ٣٦)، وإسماعيل بن عمرو البجلي: ضعيف، صاحب غرائب ومناكير. اللسان (٢/ ١٥٥)].
١٨ - عن عمار بن ياسر [عند: ابن سعد في الطبقات (١/ ٤٦٣)، وابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٢٧٧/ ٣١٨٦)، وفي المسند (٤٤٠)، وإسحاق (٣/ ٣٨٠/ ٣٢٦ - مطالب)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (٢/ ٩٥٨/ ٤١٠٣ - السفر الثاني)، وأبي يعلى (٣/ ٢٠٥ و ١٢٠/ ٦٣٩١ و ١٦٤٧)، وأبي العباس السراج في مسنده (٤٨٢ و ٤٨٦)، وفي حديثه بانتقاء زاهر الشحامي (٢٨٢)، والطحاوي (١/ ٣٨٠)، وابن الأعرابي في المعجم (٣/ ٨٨٨/ ١٨٥٤)، وأبي نعيم في الحلية (٩/ ٦٢)] [وفي إسناده: مبهم].
١٩ - عن عبادة بن الصامت [عند: عبد الرزاق (١/ ٣٥٩/ ١٣٩٣)] [وفي إسناده: الأحوص بن حكيم، وهو: ضعيف، وخالد بن معدان، قال أبو حاتم: "لم يصح سماعه من عبادة بن الصامت". المراسيل (٥٢)، تحفة التحصيل (٩٣)].
٢٠ - عن ابن عمر [عند: البزار (١٢/ ٣٣/ ٥٤١١) من حديث ابن عمر. وابن عدي (٦/ ١٨١) من حديث ابن عباس] [وضعفاه، وهو حديث منكر، في إسناده ثلاثة من الضعفاء في نسق، محمد بن الحارث، عن محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني، عن أبيه].
[وله إسناد آخر عند: ابن عدي (٣/ ٣٨٢)] [وفيه: سعيد بن راشد المازني السماك، وهو: منكر الحديث، متروك. [اللسان (٤/ ٤٨) وغيره].
٢١ - عن أبي سعيد الخدري [عند: أحمد (٣/ ١٥ و ٥٥)] [وفي إسناده: ابن لهيعة، وهو: ضعيف].
[وله إسناد ثانٍ عند: أبي يعلى (٢/ ٣٤٣/ ١٠٩٠)، وابن عدي (٥/ ٤٤)] [وفيه: عطية العوفي، وإسماعيل بن مسلم المكي، وهما ضعيفان].
[وله إسناد ثالث عند: مسدد (٣/ ٣٨٩/ ٣٢٩ - مطالب)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٥٣/ ٢٣٧٢)، وتمام في الفوائد (١٦٤٥)] [وفيه: أبو هارون عمارة بن جوين العبدي البصري: متروك، كذبه جماعة. التهذيب (٣/ ٢٠٧)].
٢٢ - عن ثابت بن الصامت [عند: ابن ماجه (١٠٣٢)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٤/ ١٦٦/ ٢١٤٧)، والبزار. وأبي علي الطوسي في مختصر الأحكام (٣/ ١٤٨/ ٥٤٨)، والعقيلي في الضعفاء (٢/ ٣٢٥)، وابن قانع في معجم الصحابة (١/ ١٢٩)، والطبراني في الكبير (٢/ ٧٦/ ١٣٤٤)، والأزدي في من وافق اسمه اسم أبيه (٤٣)، وأبي نعيم في معرفة الصحابة (١/ ٤٦٩/ ١٣٣٦)، والبيهقي (٢/ ١٠٨)، [وفي إسناده: عبد الله بن
стр. 3019
عبد الرحمن بن ثابت بن الصامت، وهو: مجهول، وإبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، وهو: ضعيف، والحديث ضعفه: البخاري، والعقيلي، وابن عدي، وعبد الحق الإشبيلي، وابن القطان الفاسي. انظر: التاريخ الكبير (٥/ ٢٦٦)، الجرح والتعديل (٥/ ٢١٩)، علل ابن أبي حاتم (١/ ١٨٢/ ٥٢٤)، الثقات (٣/ ٤٥)، المجروحين (٢/ ٥٥)، الكامل لابن عدي (٤/ ٣١١)، بيان الوهم (٣/ ٣٧٦/ ١١٢٠)].
٢٣ - عن سعد بن أبي وقاص [عند: الخطيب في التاريخ (٧/ ١٨٤)] [إسناده ضعيف؛ بل منكر].
٢٤ - عن أبي أمامة [عند: الطبراني في الكبير (٨/ ١٢٩/ ٧٥٨٧)، وفي مسند الشاميين (٤/ ٣١٨/ ٣٤٢٢)] [وهو حديث باطل؛ مكحول لا يصح له سماع من أبي أمامة. المراسيل (٧٩١)، تحفة التحصيل (٣١٤)، والراوي عنه: موسى بن عمير القرشي، أبو هارون الكوفي الأعمى: متروك، كذبه أبو حاتم. والراوي عنه: سويد بن سعيد الحدثاني: صدوق، إلا أنه عمي فصار يتلقن].
وانظر أيضًا: المعجم الكبير للطبراني (١٤/ ٢٩٦/ ١٤٩٣١)، غريب الحديث للخطابي (١/ ١٢١)، المختارة للضياء (٩/ ٢٠ - ٢١)، مجمع الزوائد (٢/ ٥٠ و ٥١).
• ومن فقه أحاديث الباب:
قال الشافعي في الأم (٢/ ٢٠١): "فاحتمل قولُ رسول الله ﷺ : "لا يُصلِّين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء" أن يكون اختيارًا، واحتمل أن يكون لا يجزيه غيره، فلما حكى جابر ما وصفت، وحكت ميمونة عن النبي ﷺ : أنه كان يصلي في ثوب واحد بعضه عليه وبعضه عليها، دل ذلك على أنه صلى فيما صلى فيه من ثوبها مؤتزرًا به، لأنه لا يستره أبدًا إلا مؤتزرًا به إذا كان بعضه على غيره [وفي الاختلاف: ولا يمكن في ثوب في دهرنا أن يأتزر به، ثم يرده على عاتقيه، أو أحدهما، ثم يسترها، وقلَّ ما يمكن هذا في ثوب في الدنيا اليوم] ".
قال الشافعي: "فعلمنا أن نهيه أن يصلي في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء: اختيارًا، وأنه يجزي الرجل والمرأة كل واحد أن يصلي متواري العورة،. . . [إلى أن قال:] وأحبُّ إليَّ أن لا يصلي إلا وعلى عاتقه شيء: عمامة، أو غيرها، ولو حبلًا يضعه" [وانظر: اختلاف الحديث (١٠/ ٢٢٤ - أم)].
وسئل أحمد عن الرجل يصلي مؤتزرًا؟ فقال: "لا يصلي"، واحتج بحديث أبي هريرة [مسائل الكوسج (٣٤٣٦)].
وقال إسحاق بن منصور في مسائله لأحمد وإسحاق (٣٤٥): "قلت لإسحاق بن إبراهيم: من صلى في ثوب واحد قد توشح به، فلما كان في التشهد سقط الثوب عن منكبيه، أو أحدهما، فأعاده من ساعته؛ يدخل عليه فساد؟ قال: صلاته تامة؛ إنما يكره إعراء المناكب تعمدًا، ألا ترى أن جابرًا ﵁ صلى في ثوبٍ قد توشح به، ويقال: إنه
стр. 3020
صلى في إزارٍ محتجزًا فوق الثديين، وإنما كان يفعل ذلك لينظر الناس إليه فيقتدون به، ففي هذا تحقيق أن إعراء المناكب لا يفسد الصلاة".
وقال البخاري في صحيحه، في (٨) كتاب الصلاة، (٤): باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفًا به، قال الزهري في حديثه: الملتحف: المتوشح، وهو المخالف بين طرفيه على عاتقيه، وهو الاشتمال على منكبيه، وقالت أم هانئ: التحف النبي ﷺ بثوب، وخالف بين طرفيه على عاتقيه. اهـ.
وقال الترمذي: "حديث عمر بن أبي سلمة حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، ومن بعدهم من التابعين، وغيرهم، قالوا: لا بأس بالصلاة في الثوب الواحد، وقد قال بعض أهل العلم: يصلي الرجل في ثوبين".
وقال ابن المنذر في الأوسط (٥/ ٥٦): "فقد ثبت أن نبي الله ﷺ أمر إذا كان الثوب واسعًا أن يخالف بين طرفيه، فغير جائز على ظاهر الخبر أن يصلي مصلٍّ في ثوب واسع متزرًا به ليس على عاتقه منه؛ للثابت عنه أنه نهى عن ذلك".
وقال في الإقناع (١/ ١٤٤): "فالصلاة في الثوب الواحد تجزي، غير أن المصلي إذا كان الثوب واسعًا يخالف بين طرفيه، وإذا كان ضيقًا يشده على حقوه؛ لحديث جابر، لا يجوز غير ذلك، والعورة التي يجب أن تستر عند كثير من أهل العلم: ما بين السرة إلى الركبة، وتستر المرأة جميع بدنها غير كفيها ووجهها،. . .".
وقال ابن حزم في المحلى (٤/ ٧٢) في حديث أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقيه منه شيء"، وفي حديث جابر: "إذا كان واسعًا فخالف بين طرفيه، وإذا كان ضيقًا فاشدُدْه على حِقْوِك"، قال: "وهذه الأحاديث تقضي على سائر الأخبار في الصلاة في الثوب الواحد"، ومن ثم ذهب إلى قوله: "وفرض على الرجل إن صلى في ثوب واسع أن يطرح منه على عاتقه أو عاتقيه، فإن لم يفعل بطلت صلاته، فإن كان ضيقًا اتَّزر به، وأجزأه، كان معه ثياب غيره أو لم يكن".
وقال ابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ١٩٤): "وقال الأخفش: الاشتمال: هو أن يلتف الرجل بردائه أو بكسائه من رأسه إلى قدميه برد طرف الثوب الأيمن على منكبه الأيسر فهذا هو الاشتمال.
[فإن هو لم يرد طرفه الأيمن على منكبه الأيسر وتركه مرسلًا إلى الأرض فذلك السدل الذي نهي عنه]
قال: والتوشح: هو أن يأخذ طرف الثوب الأيسر من تحت يده اليسرى فيلقيه على منكبه الأيمن، ويلقي طرف الثوب الأيمن من تحت يده اليمنى على منكبه الأيسر.
قال: فهذا هو التوشح الذي جاء عن النبي ﷺ : أنه صلى في ثوب واحد متوشحًا به.
стр. 3021
وقد أجمع العلماء على أن من صلى مستور العورة فلا إعادة عليه، وإن كانت امرأة فكل ثوب يغيب ظهور قدميها ويستر جميع جسدها إذا سترت شعرها فجائز لها الصلاة فيه؛ لأنها كلها عورة إلا الوجه والكفين، على هذا أكثر أهل العلم.
. . . وأما الرجل فإن أهل العلم يستحبون أن يكون على عاتق الرجل ثوب إذا لم يكن متزرًا في صلاته، ويستحبون لكل من قدر على جميل الثياب يتجمل بها في صلاته، كما يفعل في جمعته، من سواكه وطيبه" [وما بين المعكوفين فمن موضع آخر من الاستذكار (٨/ ٣٣٩)] [وانظر: التمهيد (٦/ ٣٦٤) و (١٢/ ١٦٨) و (٢٢/ ٢١٠)، فتح الباري لابن رجب (٢/ ١٤٤)].
وقال في التمهيد (٦/ ٣٧٣): "فهذه سنة الصلاة في الثوب الواحد [يعني: فليخالف بطرفيه على عاتقيه، إذا كان واسعًا، وإن كان ضيقًا فحديث جابر وحديث ابن عمر".
وقال النووي في شرح مسلم (٤/ ٢٣٣): "قال ابن السكيت: التوشح: أن يأخذ طرف الثوب الذي ألقاه على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى، ويأخذ طرفه الذي ألقاه على الأيسر من تحت يده اليمنى، ثم يعقدهما على صدره".
وقال ابن رجب في الفتح (٢/ ١٧٢) عن حديث أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة، أن فيه: "إشارة إلى أنه لو لم تشرع الصلاة في ثوب واحد لشق على كثير منهم؛ فإنه كان فقيرًا لا يجد ثوبين.
وفيه إشارة أيضًا إلى أن الصلاة في الثوب الواحد إنما شرعت لقلة الثياب حينئذ. فلما كثرت الثياب، ووسع الله على المسلمين، بفتح البلاد عليهم وانتقال ملك فارس والروم إليهم: أمر عمر ﵁ حينئذ بالصلاة في ثوبين ثوبين؛ لزوال المعنى الذي كان لأجله شرعت الصلاة في ثوب واحد".
وقال أيضًا (٢/ ١٨٨): "وقد أجمع العلماء على صحة صلاة من صلى في ثوب واحد وستر منكبيه، قال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا أوجب على من صلى في ثوب واحد الإعادة".
قلت: وأما الجمع بين الأحاديث الآمرة بجعل شيء من الثوب على العاتقين لمن صلى في ثوب واحد، وبين حديث جابر في الاتزار بالثوب إذا كان ضيقًا ولم يمكن معه التوشح، فكما قال الأثرم بأن ذلك محمول على حالة العجز عن ستر المنكبين، والنهيُ عن إعرائهما إنما يكون للقادر على سترهما، وكما قال إسحاق: "إن أعرى منكبيه في الصلاة من ضرورةٍ فجائزٌ" [فتح الباري لابن رجب (٢/ ١٥٦)].
وأما حمل ذلك على النفل دون الفرض فبعيد؛ إذ لو كان كذلك لبين النبي ﷺ لجابر حين قال له: "إذا كان واسعًا فخالف بين طرفيه، وإذا كان ضيقًا فاشدُدْه على حِقْوِك"، وفي الرواية الأخرى: "إذا صلَّيت وعليك ثوبٌ واحد، فإن كان واسعًا فالتحف به، وإن كان ضيقًا فاتَّزِر به"، لو كان هذا خاصًّا بالنفل دون الفرض، لبين له النبي ﷺ ذلك في حينه؛ إذ لا
стр. 3022
يجوز تأخير البيان عن موضع الحاجة، وقوله ﷺ هنا عام في الفرض والنفل بدليل قوله: "إذا كان واسعًا فخالف بين طرفيه" فهذا القدر مشترك بين الفرض والنفل، فجعْلُ الشق الثاني خاصًّا بالنفل دون الفرض تحكم بغير دليل، فإن قيل: قد ورد ذلك في النفل بدليل سياق القصة، وأنها كانت في صلاة الليل، كما في رواية البخاري (٣٦١): فجئت ليلةً لبعض أمري، فوجدته يصلي، فيقال: الأصل أن النفل كالفرض إلا ما خصه الدليل، فكل ما جاز في النفل جاز في الفرض؛ إلا ما جاء الدليل بخصوص النفل به دون الفرض، وكما قلنا فإن قول النبي ﷺ هنا قد خرج مخرج العموم، ولم يبين فيه لجابر اختصاص ذلك بالنفل دون الفرض، فدل على دخول الفرض فيه، والله أعلم.
وقد دلت الأحاديث على وجوب جعل شيء من الثوب على المنكبين، وأحاديث جواز الصلاة في الثوب الواحد لا تعارض ذلك، بل فيها أنه إذا صلى في ثوب واحد فإنه مأمور بأن يخالف بين طرفيه على عاتقيه، وأما حديث جابر وما كان في معناه فيحمل على حال العجز والضرورة لمن لم يجد إلا ثوبًا واحدًا ضيقًا؛ فإنه حينئذ يتزر به، مع إعراء المنكبين، وذلك أنه من قواعد الشرع الكلية: أن لا واجب مع العجز، ولا حرام مع الضرورة، والله أعلم.
قال ابن رجب في الفتح (٢/ ١٥٧): "وقول الأثرم وإسحاق بن راهويه: أنه يُفرَّق في ستر المنكبين بين القادر والعاجز، فيجب مع القدرة، ويسقط عند العجز: أشبه الأقاويل في المسألة، وعليه يدل تبويب البخاري، والله أعلم".
• فائدة: في الفرق بين ما يستره العبد في الصلاة، وبين عورة النظر:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ". . . فنهى عن النظر واللمس لعورة النظير؛ لما في ذلك من القبح والفحش، وأما الرجال مع النساء فلأجل شهوة النكاح، فهذان نوعان.
وفي الصلاة نوع ثالث: فإن المرأة لو صلت وحدها كانت مأمورة بالاختمار، وفي غير الصلاة يجوز لها كشف رأسها في بيتها، فأخذ الزينة في الصلاة لحق الله، فليس لأحد أن يطوف بالبيت عريانًا، ولو كان وحده بالليل، ولا يصلي عريانًا، ولو كان وحده. فعلم أن أخذ الزينة في الصلاة لم يكن ليحتجب عن الناس؛ فهذا نوع، وهذا نوع.
وحينئذ فقد يستر المصلي في الصلاة ما يجوز إبداؤه في غير الصلاة، وقد يبدي في الصلاة ما يستره عن الرجال.
فالأول: مثل المنكبين، فإن النبي ﷺ نهى أن يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء، فهذا لحق الصلاة، ويجوز له كشف منكبيه للرجال خارج الصلاة، وكذلك المرأة الحرة تختمر في الصلاة كما قال النبي ﷺ : "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار"، وهي لا تختمر عند زوجها، ولا عند ذوي محارمها، فقد جاز لها إبداء الزينة الباطنة لهؤلاء، ولا يجوز لها في الصلاة أن تكشف رأسها لهؤلاء، ولا لغيرهم.
стр. 3023
وعكس ذلك: الوجه واليدان والقدمان، ليس لها أن تبدي ذلك للأجانب على أصح القولين، بخلاف ما كان قبل النسخ، بل لا تبدي إلا الثياب، وأما ستر ذلك في الصلاة فلا يجب باتفاق المسلمين، …
إلى أن قال: وبالجملة قد ثبت بالنص والإجماع أنه ليس عليها في الصلاة أن تلبس الجلباب الذي يسترها إذا كانت في بيتها، وإنما ذلك إذا خرجت، وحينئذ فتصلي في بيتها وإن رُئي وجهها ويداها وقدماها، كما كن يمشين أولًا قبل الأمر بإدناء الجلابيب عليهن، فليست العورة في الصلاة مرتبطة بعورة النظر؛ لا طردًا ولا عكسًا.
وابن مسعود ﵁ لما قال: "الزينة الظاهرة هي الثياب"، لم يقل: إنها كلها عورة حتى ظفرها، بل هذا قول أحمد، يعني: أنها تشترط في الصلاة، فإن الفقهاء يسمون ذلك: باب ستر العورة، وليس هذا من ألفاظ الرسول ﷺ ، ولا في الكتاب والسنة: أن ما يستره المصلي فهو عورة، بل قال تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] ونهى النبي ﷺ أن يطوف بالبيت عريانًا، فالصلاة أولى. وسئل عن الصلاة في الثوب الواحد؟ فقال: "أولكلكم ثوبان"، وقال في الثوب الواحد: "إن كان واسعًا فالتحف به، وإن كان ضيقًا فاتزر به"، ونهى أن يصلي الرجل في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء.
فهذا دليل على أنه يؤمر في الصلاة بستر العورة: الفخذ وغيره، وإن جوزنا للرجل النظر إلى ذلك، …
إلى أن قال: وعلى هذا فيستتر في الصلاة أبلغ مما يستتر الرجل من الرجل، والمرأة من المرأة، ولهذا أمرت المرأة أن تختمر في الصلاة، وأما وجهها ويداها وقدماها فهي إنما نهيت عن إبداء ذلك للأجانب، لم تنه عن إبدائه للنساء ولا لذوي المحارم.
فعلم أنه ليس من جنس عورة الرجل مع الرجل، والمرأة مع المرأة، التي نهي عنها لأجل الفحش وقبح كشف العورة، … " [المجموع (٢٢/ ١١٣ - ١٢٠)].
وقال ابن رجب في الفتح (٢/ ١٢٩): "واستدل من قال: أن المأمور به من الزينة أكثر من ستر العورة التي يجب سترها عن الأبصار، بأن النبي ﷺ نهى أن يصلي الرجل في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء، وبأن من صلى عاريًا خاليًا لا تصح صلاته، وبأن المرأة الحرة لا تصح صلاتها بدون خمار، مع أنه يباح لها وضع خمارها عند محارمها، فدل على أن الواجب في الصلاة أمر زائد على ستر العورة التي يجب سترها عن النظر".
وانظر: المغني (١/ ٣٣٨)، شرح مسلم للنووي (٤/ ٢٣٢)، المجموع شرح المهذب (٣/ ١٧٧)، الذخيرة (٢/ ١١١)، فتح الباري لابن حجر (١/ ٤٧٢)، إحكام الأحكام (١/ ٣٠١)، الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٣/ ٣٩٦)، وغيرها كثير.
***
стр. 3024
٨٣ - باب الإسبال في الصلاة
٦٣٧ - . . . قال أبو داود، عن أبي عوانة، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن ابن مسعود، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ أسبل إزارَه في صلاتِه خُيلاءَ فليس من الله [جلَّ ذكرُه] في حِلٍّ ولا حرامٍ".
قال أبو داود: روى هذا جماعة عن عاصم موقوفًا على ابن مسعود، منهم: حماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وأبو الأحوص، وأبو معاوية.
• المحفوظ: موقوف.
أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده (١/ ٢٧٤/ ٣٤٩)، ومن طريقه: أبو داود السجستاني (٦٣٧)، والبزار (٥/ ٢٦٩/ ١٨٨٤)، والبيهقي (٢/ ٢٤٢).
قال أبو داود: "روى هذا جماعة عن عاصم موقوفًا على ابن مسعود، منهم: حماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وأبو الأحوص، وأبو معاوية".
وقال البزار: "وهذا الكلام لا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا عن عبد الله، وقد رواه غير واحد عن عاصم عن أبي عثمان عن عبد الله موقوفًا، وأسنده أبو عوانة".
رواه الطيالسي عن أبي عوانة وثابت أبي زيد به، قرنهما، قال: رفعه أبو عوانة، ولم يرفعه ثابت: أنه [يعني: ابن مسعود] رأى أعرابيًّا عليه شملة، نشر ذيلها وهو يصلي، فقال له: إن الذي يجر ذيله من الخيلاء في الصلاة ليس من الله في حل ولا حرام.
هكذا رواه الطيالسي بلفظ الجر، وكذا رواه من طريقين عن الطيالسي: البزار والبيهقي، ورواه أبو داود من طريق الطيالسي بلفظ الإسبال، وهو شاذ، ويؤيد لفظ الجر، وأنه هو المحفوظ عن أبي عوانة، وأن لفظ الإسبال شاذ عنه: أن الطيالسي قد توبع عليه:
• فرواه يحيى بن حماد [وهو: ثقة، ختن أبي عوانة، ومن أروى الناس عنه]، قال: ثنا أبو عوانة، عن عاصم الأحول، قال: أنبأني أبو عثمان: أن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من جر ثوبه من الخيلاء لم يكن من الله في حل ولا حرام". هكذا بلفظ الجر، ولم يذكر فيه الصلاة.
أخرجه النسائي في الكبرى (٨/ ٤٢٨/ ٩٦٠٠).
وهذا اللفظ أشبه بالصواب من حديث أبي عوانة، فلم يختلف فيه على يحيى بن حماد، وهو أثبت في أبي عوانة من الطيالسي، والله أعلم.
• ورواه أيضًا شريك بن عبد الله النخعي [صدوق، سيئ الحفظ]، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن ابن مسعود، أن رجلًا أسبل إزاره في صلاته … الحديث.
أخرجه الدارقطني في الأفراد (٢/ ٥٢/ ٣٩٧١ - أطرافه).
стр. 3025
قال الدارقطني: "تفرد به شريك عن عاصم الأحول عنه".
قلت: لعله تفرد فيه بلفظ آخر، وإن كان رواه هكذا مرفوعًا: فقد تابعه أبو عوانة، وإن كان رواه موقوفًا: فقد تابعه جماعة.
• ورواه الطبراني في الكبير (١٠/ ٢٣٠/ ١٠٥٥٩)، وفي الأوسط (٣/ ٣٨١/ ٣٤٥٧):
من طريق علي بن ميمون الرقي [ثقة]: نا عطاء بن مسلم الخفاف الحلبي، عن إسماعيل الكوفي، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، عن عبد الله بن مسعود، قال: مر به رجل مسبل عباءة أو كساءه، فناداه: يا عبد الله ارفع ثوبك، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من جر ثيابه خيلاء لم ينظر الله إليه في حلال ولا حرام".
قال الطبراني في الأوسط: "إسماعيل الكوفي هو عندي: إسماعيل بن أبي خالد، لم يروه عن إسماعيل إلا عطاء بن مسلم".
قلت: وهذا حديث منكر من حديث إسماعيل بن أبي خالد؛ فإن إسماعيل كان من الثقات الحفاظ المتقنين، قد روى عنه جماعات من الثقات الحفاظ. ففي تفرد عطاء الخفاف عنه نكارة، فإن عطاء كان قد دفن كتبه، وحدث من حفظه فوهم كثيرًا، وقد أنكرت عليه أحاديث، فلم يعد بذاك القوي، واضطرب حديثه [انظر: التهذيب (٣/ ١٠٧)، الميزان (٣/ ٧٦)].
• خالف أبا عوانة فأوقفه على ابن مسعود:
حماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وأبو الأحوص، وأبو معاوية، وثابت بن يزيد أبو زيد الأحول [وهم ثقات حفاظ]:
عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، عن ابن مسعود: أنه رأى أعرابيًّا يصلي قد أسبل إزاره، فقال: المسبل إزاره في الصلاة ليس من الله في حل ولا حرام. لفظ حماد بن سلمة.
ولفظ أبي معاوية: رأى ابن مسعود رجلًا عليه عباءتان قد اتزر بإحداهما وهو يجرها، وارتدى بالأخرى، فقال: من جر إزاره لا يجره إلا من الخيلاء، فليس من الله في حل ولا حرام.
أخرجه الطيالسي (١/ ٢٧٤/ ٣٤٩)، وهناد في الزهد (٢/ ٤٣٢/ ٨٤٦)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٧٤/ ٩٣٦٨)، والبيهقي (٢/ ٢٤٢).
قلت: فالراجح رواية جماعة الحفاظ. فالوهم من الجماعة أبعد، وكلام أبي داود والبزار يدل على إعلال المرفوع، وأن المحفوظ فيه الوقف.
فهو موقوف بإسناد صحيح، رجاله رجال الشيخين.
وأما قول ابن حجر في الفتح (١٠/ ٢٥٧): "ومثل هذا لا يقال بالرأي"، وقد حسن إسناد الطبراني موقوفًا.
فيقال: لمن نحكم أن لقوله حكم الرفع من رواه بلفظ الإسبال وقيده بالصلاة، أم من
стр. 3026
رواه بلفظ الجر ولم يقيده إلا بالخيلاء؟ والأخير أقرب عندي من جهة الرواية، ولكونه الأقرب في اللفظ لما صح مرفوعًا من حديث ابن عمر المتفق عليه [البخاري (٣٦٦٥ و ٥٧٨٣ و ٥٧٩١ و ٦٠٦٢)، مسلم (٢٠٨٥)]، قال: قال رسول الله ﷺ : "من جرَّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة"، وحديث أبي هريرة المتفق عليه [البخاري (٥٧٨٨)، مسلم (٢٠٨٧)]، عن النبي ﷺ ، قال: "لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرًا"، والله أعلم.
• ورُوي أثر ابن مسعود من وجهين آخرين موقوفًا:
١ - روى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، أو غيره: أن ابن مسعود رأى رجلين يصليان، أحدهما مسبل إزاره، والآخر لا يتم ركوعه ولا سجوده، فضحك، فقالوا: ما يضحكك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: عجبت لهذين الرجلين، أما المسبل إزاره فلا ينظر الله إليه، وأما الآخر فلا يقبل الله صلاته.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٣٦٩/ ٣٧٣٥)، ومن طريقه: الطبراني في الكبير (٩/ ٢٧٣/ ٩٣٦٦).
ولا يصح إسناده؛ لانقطاعه بين قتادة وابن مسعود [تحفة التحصيل (٢٦٢)]، وفي حديث معمر عن أهل البصرة ضعف، وكان سيئ الحفظ لحديث قتادة [علل الدارقطني (١٢/ ٢٢١/ ٢٦٤٢)، شرح علل الترمذي (٢/ ٧٧٤ و ٨٠٤)].
٢ - وروى الحجاج بن المنهال: ثنا حماد [هو: ابن سلمة]: أنا حماد [هو: ابن أبي سليمان الفقيه]، عن إبراهيم، قال: بينا ابن مسعود جالس مع أصحابه في المسجد، إذ دخل رجلان فقاما خلف ساريتين، فصلى أحدهما قد أسبل إزاره، والآخر لا يتم ركوعه ولا سجوده، فجعل ابن مسعود ينظر إليهما، فقال جلساؤه: لقد شغلك هذان عنا، قال: أجل أما هذا فلا ينظر الله إليه -يعني: المسبل إزاره- وأما هذا فلا يقبل الله منه -يعني: الذي لا يتم ركوعه ولا سجوده-.
أخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ٢٧٣/ ٩٣٦٧).
قلت: نعم؛ معلوم بأن إبراهيم النخعي إذا قال: قال ابن مسعود، فهو يعني بذلك أنه سمعه من غير واحد عن ابن مسعود [انظر: علل الترمذي الصغير (٦٢)، طبقات ابن سعد (٦/ ٤٩٤)، التمهيد (١/ ٣٧)]، لكن ليس عندنا هنا قرينة تدل على أن إبراهيم أخذه عن أصحاب ابن مسعود الذين يروي عنهم، وهو هنا يحكي واقعة عن ابن مسعود، ولا يرويها رواية، وفي رواية حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان تخليط، قاله أحمد [سؤالات أبي داود (٣٣٨)، سؤالات الميموني (٤٦٥)، الجرح والتعديل (٣/ ١٤٧)، شرح علل الترمذي (٢/ ٧٦١)]، والله أعلم.
***
стр. 3027
٦٣٨ - قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل: حدثنا أبان: حدثنا يحيى، عن أبي جعفر، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، قال: بينما رجلٌ يصلي مُسبِلًا إزارَه إذ قال له رسول الله ﷺ : "اذهب فتوضأ"، فذهب فتوضأ، ثم جاء، ثم قال: "اذهب فتوضأ"، فذهب فتوضأ، ثم جاء، فقال له رجل: يا رسول الله ما لك أمرتَه أن يتوضأ؟، [ثم سكتَّ عنه]، فقال: "إنه كان يصلي وهو مسبلٌ إزارَه، وإن الله تعالى لا يقبلُ صلاةَ رجلٍ مسبلٍ إزارَه".
• حديث ضعيف.
أعاده أبو داود بنفس إسناده ومتنه في كتاب اللباس، باب ما جاء في إسبال الإزار، برقم (٤٠٨٦).
وأخرجه من طريق موسى بن إسماعيل أبي سلمة التبوذكي: البزار (١٥/ ٢٧٦/ ٨٧٦٢)، والبيهقي في السنن (٢/ ٢٤١)، وفي الشعب (٥/ ١٤٥/ ٦١٢٦).
قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلم أحدًا رواه فأسنده إلا أبان بن يزيد، ولا عن أبان إلا موسى بن إسماعيل، وقد رواه غيرُ مَن سمَّينا موقوفًا، ولا نعلم روى أبو جعفر عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة إلا هذا الحديث، وإنما يحدث أبو جعفر عن أبي هريرة".
قلت: قد اختلف في هذا الحديث على يحيى بن أبي كثير:
أ- فرواه أبان بن يزيد العطار: حدثنا يحيى، عن أبي جعفر، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، قال: … فذكره.
هكذا رواه عن أبان: موسى بن إسماعيل، وهو ثقة ثبت.
وخالفه: يونس بن محمد المؤدب [ثقة ثبت]، فرواه عن أبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي جعفر، عن عطاء بن يسار، عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: … فذكر مثله.
أخرجه أحمد (٤/ ٦٧) و (٥/ ٣٧٩)، وقرن رواية أبان برواية هشام.
ب- ورواه هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي جعفر: أن عطاء بن يسار حدثهم، قال: حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنه لا تُقبل صلاةُ رجلٍ مُسبلٍ إزارَه".
وفي رواية: بينما النبي ﷺ ورجل يصلي مسبلًا إزاره، فقال له النبي ﷺ : "توضأ، أو أحسن صلاتك" فرفع الرجل إزاره، فسكت عنه النبي ﷺ ، فقيل له: يا رسول الله أمرته أن يتوضأ، أو يحسن صلاته، ثم سكتَّ عنه؟ فقال: "إنه كان مسبلًا؛ فلما رفعه سكتُّ عنه".
أخرجه النسائي في الكبرى (٨/ ٤٣٦/ ٩٦٢٣)، وأحمد (٤/ ٦٧) و (٥/ ٣٧٩)، والحارث بن أبي أسامة (١/ ٢٦٠/ ١٣٨ - زوائده) و (٢/ ٦٠٨/ ٥٧٣ - زوائده)، والبيهقي في الشعب (٥/ ١٤٦/ ٦١٢٧) [وسقط من إسناده: أبو جعفر].
стр. 3028
ج- ورواه حرب بن شداد، عن يحيى، قال: حدثني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة: أن أبا جعفر المدني حدثه: أن عطاء بن يسار حدثه: أن رجلا من أصحاب النبي ﷺ حدثه، قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ . . . فذكره بنحو رواية أبان.
أخرجه البيهقي (٢/ ٢٤٢).
قال المنذري في الترغيب (٣/ ٦٧/ ٣١٠٥): "رواه أبو داود، وأبو جعفر المدني: إن كان محمد بن علي بن الحسين: فروايته عن أبي هريرة مرسلة، وإن كان غيره: فلا أعرفه".
وقال في مختصر السنن (٦/ ٥١/ ٣٩٢٧): "وفي إسناده أبو جعفر -رجل من أهل المدينة- لا يعرف اسمه".
وقال النووي في المجموع (٤/ ٣٩٢): "إسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم".
وقال في موضع آخر من المجموع (٣/ ١٨٠)، وفي رياض الصالحين (٧٩٧)، وفي الخلاصة (٩٨٣): "رواه أبو داود بإسناد [صحيح] على شرط مسلم".
وصحح إسناده ابن مفلح في الآداب الشرعية (٣/ ٥١٤).
قلت: أثبت من روى هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير هو: هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، إذ قد رواه عنه فأبهم الصحابي، وتابعه على هذه الرواية أبان بن يزيد العطار [ثقة، من أصحاب يحيى] في رواية عنه.
لكن حرب بن شداد [وهو ثقة، من أصحاب يحيى بن أبي كثير، معروف بالرواية عنه] روى هذا الحديث عن يحيى فزاد في إسناده رجلًا بين يحيى وأبي جعفر، ووافق هشامًا وأبانًا [في رواية عنه] في إبهام الصحابي.
والحكم هنا لمن زاد في الإسناد، ويكون يحيى هو الذي حدث به مرة هكذا، ومرة هكذا، ويحيى كان معروفًا بالإرسال، ولم يذكر سماعًا من أبي جعفر المدني هذا، ويحيى معروف بالرواية عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة [وهو: ثقة حجة].
لكن الشأن في هذا الإسناد في أبي جعفر المدني، من هو؟ هل هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو جعفر الباقر، أم هو غيره؟ وعلى الأول يحمل كلام النووي وابن مفلح، وهو: ثقة، روى له الجماعة، وجزم بالثاني، وأنه رجل من أهل المدينة، لا يُعرف اسمه، المنذري في مختصر سنن أبي داود، وتردد في الترغيب.
وقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (١/ ٣١٧): "أبو جعفر هذا غير معروف".
وقال الذهبي في الميزان (٤/ ٥١١): "فلعله محمد بن علي بن الحسين، وروايته عن أبي هريرة وعن أم سلمة فيها إرسال، ولم يلحقهما أصلًا".
وذهب ابن حجر إلى أن أبا جعفر راوي هذا الحديث هو أبو جعفر الأنصاري المدني المؤذن [التهذيب (٤/ ٥٠٢)، التقريب (٦٩٦)، وقال: "مقبول"]، وعليه يحمل كلام البزار،
стр. 3029
فإن أبا جعفر الأنصاري المؤذن هذا سمع أبا هريرة، وله عنه أحاديث، وتفرد بالرواية عنه: يحيى بن أبي كثير، وسمع منه [انظر مثلًا: خلق أفعال العباد ص (٥١)، الأدب المفرد (٣٢ و ٤٨١)، سنن أبي داود (١٥٣٦)، جامع الترمذي (١٩٠٥ و ٣٤٤٨) [(٤/ ٣٨/ ٢٠١٧) و (٦/ ٦٧/ ٣٧٤٧) ط شعيب الأرنؤوط]. عمل اليوم والليلة للنسائي (٤٧٦ و ٤٧٧)، سنن ابن ماجه (٣٨٦٢)، سنن الدارمي (٢/ ٣٩٧/ ٢٧٣٩)، صحيح ابن حبان (٦/ ٤١٦/ ٢٦٩٩) و (١٠/ ٤٥٧/ ٤٥٩٧)، مسند أحمد (٢/ ٢٥٨ و ٣٤٨ و ٤٣٤ و ٤٤٢ و ٤٧٨ و ٥١٧ و ٥٢١ و ٥٢٣)، مسند الطيالسي (٤/ ٢٥١ و ٢٥٢/ ٢٦٣٨ - ٠ ٢٦٤)، مصنف ابن أبي شيبة (٦/ ١٠٥/ ٢٩٨٣٠)، مسند عبد بن حميد (١٤٢١)، البر والصلة للمروزي (٤٦ و ٥٥)، أخبار مكة للفاكهي (١/ ٤٣٣/ ٩٤٢)، الرد على الجهمية (١٢٩)، ضعفاء العقيلي (١/ ٧٢)، وغيرها كثير، وانظر: بيان الوهم (٤/ ٦٢٥/ ٢١٨١)، تحفة الأشراف وبحاشيته النكت (١٠/ ٤٣٢)، تخريج أحاديث الذكر والدعاء (٣/ ١٠٦٠/ ٥١٠)].
قال الترمذي: "وأبو جعفر الذي روى عن أبي هريرة يقال له: أبو جعفر المؤذن، ولا نعرف اسمه، وقد روى عنه يحيى بن أبي كثير غير حديث"، وحسن له [جامع الترمذي (١٩٠٥ و ٣٤٤٨) (٤/ ٣٨/ ٢٠١٧) و (٦/ ٦٧/ ٣٧٤٧ - ط شعيب الأرنؤوط)].
وقال صاحب عون المعبود (٢/ ٣٤٢): "فأبو جعفر هذا هو رجل من أهل المدينة، يروي عن أبي هريرة وعطاء بن يسار، وليس هو أبا جعفر الباقر محمد بن علي، وكذا ليس هو أبا جعفر التميمي الذي اسمه عيسى، ووثقه ابن معين".
وعليه: فإن أبا جعفر هذا هو علة هذا الحديث، وهو: مجهول.
وعلة أخرى أشار إليها البزار بقوله: "وقد رواه غيرُ مَن سمَّينا موقوفًا"، لكني لم أقف على من رواه عن يحيى بن أبي كثير موقوفًا، وقد رواه غير من سمى، وهما: هشام الدستوائي، وحرب بن شداد، فتابعا أبانًا على رفعه، فالله أعلم.
• وقد وجدت لعطاء بن يسار في السدل إسنادًا آخر:
قال أبو عبيد القاسم بن سلام في غريب الحديث (١/ ٢٦٧): حدثنا عمر بن سعيد، عن محمد بن شعيب، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن عبد الله بن مسلم أخي الزهري بن هشام، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن عمر، قال: لا تسدلوا ثيابكم في الصلاة، ولا تخطوا نحو القبلة، فإنها خطوة الشيطان، وإذا سلمتم فانصرفوا، ولا تقدموا.
وهذا إسناد واهٍ بمرة؛ إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة: متروك، وعمر بن سعيد: الأقرب أنه عمر بن سعيد التنوخي الدمشقي أبو حفص: متروك، كذبه الساجي [اللسان (٦/ ١٠٦) وغيره]، ومحمد بن شعيب هو: ابن شابور، والله أعلم.
***
стр. 3030
٨٤ - باب في كم تصلي المرأة
٦٣٩ - . . . مالك، عن محمد بن زيد بن قُنفُذ، عن أمه، أنها سألت أم سلمة: ماذا تصلي فيه المرأة من الثياب؟ فقالت: تصلي في الخمار والدِّرع السابغ الذي يُغيِّبُ ظهورَ قدميها.
• موقوف ضعيف.
أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٢٠٤/ ٣٧٩)، ومن طريقه:
أبو داود (٦٣٩)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٧٢/ ٠٥ ٢٤)، والبيهقي في السنن (٢/ ٢٣٢)، وفي المعرفة (٢/ ٩١/ ٩٩٠)، وفي الآداب (٨٦٩)، والبغوي في شرح السنة (٢/ ٤٣٥/ ٥٢٦)، وابن بشكوال في الغوامض (٢/ ٧٢٩/ ٧٤٤).
• تابع مالكًا عليه:
بكر بن مضر، وحفص بن غياث، وإسماعيل بن جعفر، وابن أبي ذئب، وأبو غسان محمد بن مطرف، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، وهشام بن سعد، وعبد الرحمن بن إسحاق المدني، ومحمد بن إسحاق [وهم: ثقات]، وابن لهيعة [ضعيف]:
عن محمد بن زيد، عن أمه [قال إسماعيل: عن أمه أم حرام]، عن أم سلمة به موقوفًا.
أخرجه ابن وهب في الجامع (٤٥٢)، وابن سعد في الطبقات (٨/ ٤٧٦)، وابن أبي شيبة (٢/ ٣٦/ ٦١٧٢ و ٦١٧٣)، وعلي بن حجر في حديث إسماعيل بن جعفر (٤٤٥)، والبيهقي في السنن (٢/ ٢٣٢)، وفي الآداب (٨٦٩)، وابن بشكوال في الغوامض (٢/ ٧٢٩/ ٧٤٥)، وذكره الدارقطني في العلل (١٥/ ٢٥١/ ٤٠٠٠).
قال البيهقي في الآداب: "هذا هو الصحيح موقوف، ورُوي مرفوعًا".
وقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (١/ ٣١٧): "هذا هو الصحيح أنه من قول أم سلمة، وقد ذكر بعضهم فيه النبي ﷺ ".
• قلت: قد اختلف في هذا الحديث على محمد بن زيد بن المهاجر بن قنفذ [وهو: مدني، ثقة]:
١ - فرواه مالك بن أنس، وبكر بن مضر، وحفص بن غياث، وإسماعيل بن جعفر، وابن أبي ذئب، وأبو غسان محمد بن مطرف، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، وهشام بن سعد، وعبد الرحمن بن إسحاق المدني، ومحمد بن إسحاق [وهم عشرة من الثقات]، وابن لهيعة [ضعيف]:
عن محمد بن زيد بن المهاجر بن قنفذ، عن أمه، عن أم سلمة به موقوفًا.
стр. 3031
٢ - وخالف جماعة الثقات فأسنده إلى النبي ﷺ :
عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، فرواه عن محمد بن زيد بن المهاجر، عن أمه، عن أم سلمة، أنها سألت النبي ﷺ : أتصلي المرأة في درع وخمار ليس عليها إزار؟ قال: "إذا كان الدِّرعُ سابغًا يُغطِّي ظهور قدميها".
يأتي ذكر من أخرجه، وهو الحديث الآتي في السنن، وقد وهم في رفعه عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار.
قال أبو داود: "روى هذا الحديث: مالك بن أنس، وبكر بن مضر، وحفص بن غياث، وإسماعيل بن جعفر، وابن أبي ذئب، وابن إسحاق، عن محمد بن زيد، عن أمه، عن أم سلمة، لم يذكر أحد منهم النبي ﷺ ، قَصَروا به على أم سلمة ﵂.
وقال الدارقطني في العلل (١٥/ ٢٥١/ ٤٠٠٠) بعد أن ذكر الاختلاف فيه، وختمه بذكر من رواه موقوفًا، فقال: "وهو الصواب".
وأُقحم في مسند عائشة من العلل (١٤/ ٤٣٨/ ٣٧٨٧) خطأً، وقال الدارقطني: "ورفعه عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن محمد بن زيد، وأسنده إلى النبي ﷺ ، والمحفوظ: الموقوف".
وقال البيهقي عن الموقوف: "هذا هو الصحيح: موقوف، ورُوي مرفوعًا".
وقال ابن عبد البر في التمهيد (٦/ ٣٦٧): "والذين وقفوه على أم سلمة أكثر وأحفظ"، وقال أيضًا: "عبد الرحمن هذا: ضعيف عندهم؛ إلا أنه قد خرج البخاري بعض حديثه".
وقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (١/ ٣١٧): "هذا هو الصحيح أنه من قول أم سلمة، وقد ذكر بعضهم فيه النبي ﷺ ".
وقال ابن الجوزي: "والظاهر أنه غلط في رفع هذا الحديث".
وقال النووي في المجموع (٣/ ١٧٤)، وفي الخلاصة (٩٧٢): "رواه أبو داود بإسناد جيد، لكن قال: رواه أكثر الرواة عن أم سلمة موقوفًا عليها من قولها"، زاد في الخلاصة: "والرفع مقدم على الوقف على الصحيح"، قلت: إذا دلت على ذلك القرائن، والأمر هنا بخلاف ذلك، ولا ينبغي جعلها قاعدة مطردة، وإنما الزيادة [سندًا -بالرفع أو الوصل-، أو متنًا] تقبل من الثقة الحافظ، إذا دلت القرائن على أنه قد حفظها، ولم يخالف في ذلك الجمع الكثير من الثقات.
وقال الذهبي في تنقيح التحقيق (١/ ١٢٨): "فرفعه غلط".
وقال ابن حجر في البلوغ (١٦٣): "وصحح الأئمة وقفه".
خالف الحاكم هؤلاء الأئمة فصححه، معتمدًا على كون عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار ممن أخرج له البخاري، فقال: "هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه".
стр. 3032
قلت: عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار: صدوق يخطئ، والأكثر على تضعيفه، وقد مشاه بعضهم [تقدم الكلام عليه تحت الحديث رقم (٥٨٠)]، فكيف يُقدَّم قوله، وتُقبل زيادته هنا بالرفع، ولم يكن بالحافظ، ولا يُطلق القول بتوثيقه، فإن له أوهامًا أُنكرت عليه، فمثله إذا خالفه إمام المتقنين وكبير المتثبتين الإمام مالك بن أنس وحده، قُدِّم عليه قول مالك، فكيف وقد تابع مالكًا عليه: تسعة من الثقات، فمثل هذا مما يُقطع فيه بالوهم عليه، لذا ترى الأئمة قد جزموا بتصحيح الموقوف، ولم يترددوا في ذلك باستعمال بعض العبارات، مثل: الأشبه، والأقرب، ونحو ذلك، والله أعلم.
• وبناء على ما تقدم من أن الصحيح هو الوقف، فهل يثبت عن أم سلمة؟
فيقال: هذا موقوف بإسناد ضعيف؛ لأجل أم حرام والدة محمد بن زيد بن المهاجر، فقد تفرد عنها ولدها، وقال الذهبي: "لا تعرف" [التهذيب (٤/ ٦٩٤)، الميزان (٤/ ٦١٢)].
• وله أسانيد أخرى عن أم سلمة:
• فقد روى عبد الرزاق، عن مالك، عن محمد بن أبي بكر، عن أمه: أنها سألت أم سلمة في كم تصلي المرأة؟ قالت: في الخمار والدرع السابغ الذي يغيب ظهور قدميها.
أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١٢٨/ ٥٠٢٨).
قلت: هذه الرواية وهم على مالك، فقد رواه رواة الموطأ وغيرهم من الثقات: عن مالك، عن محمد بن زيد بن قُنفُذ، عن أمه، أنها سألت أم سلمة: … فذكره.
فإنما هو محمد بن زيد بن قنفذ، وليس هو محمد بن أبي بكر، والله أعلم.
• وروى معمر، عن قتادة، عن أم الحسن، قالت: رأيت أم سلمة زوج النبي ﷺ تصلي في درع وخمار.
أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١٢٨/ ٥٠٢٧).
قلت: قتادة سمع أم الحسن [راجع الحديث المتقدم برقم (٥٩٢)]، لكن معمرًا وإن كان ثقة في الزهري وطاوس؛ إلا أنه كان يُضعَّف حديثه عن أهل العراق خاصة، وحديثه عن أهل البصرة فيه ضعف، وقتادة بصري، وكان معمر سيئ الحفظ لحديث قتادة [انظر: علل الدارقطني (١٢/ ٢٢١/ ٢٦٤٢)، تاريخ دمشق (٥٩/ ٤١٤)، شرح علل الترمذي (٢/ ٧٧٤ و ٨٠٤)].
ولم يرد في هذه الرواية ذكر القدمين؛ مع كونها من فعل أم سلمة، لا من قولها.
• وروى قريش بن حيان العجلي [بصري، ثقة]: حدثتنا أَمَةُ الله بنت مذعور، عن أمها، قالت: دخلت على أم سلمة وهي تصلي في درع وخمار، فسألتها عن العَلَم في الثوب؟ فقالت: كنا نلبس مثل هذا الثوب، لثوب عليها، فيها عَلَم حرير على عهد رسول الله ﷺ .
أخرجه الطبراني في الكبير (٢٣/ ٤١٩/ ١٠١٥)، بإسناد صحيح إلى قريش.
стр. 3033
قال الهيثمي في المجمع (٥/ ١٤٤): "رواه الطبراني، وأمة الله وأمها: لم أعرفهما، وبقية رجاله ثقات".
قلت: ومع جهالة إسناده، فلم يرد فيه ذكر القدمين، وهو أيضًا من فعلها، لا من قولها.
وعلى هذا فإن هاتين المتابعتين إن كانتا تقويان أصل فعل أم سلمة من صلاتها في درع وخمار؛ إلا أنهما لا تقويان قولها، من كون الدِّرع سابغًا يغطي ظهور القدمين.
وعلى هذا فإن قولها الموقوف: ضعيف أيضًا، والله أعلم.
• ومما ورد من الآثار أيضًا في صلاة المرأة في درع وخمار:
عن ميمونة بنت الحارث الهلالية أم المؤمنين ﵂:
• روى مالك، عن الثقة عنده، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن بسر بن سعيد، عن عبيد الله بن الأسود الخولاني -وكان في حجر ميمونة زوج النبي ﷺ -: أن ميمونة كانت تصلي في الدرع والخمار ليس عليها إزار.
أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٢٠٤/ ٣٨٠)، ومن طريقه: البيهقي (٢/ ٢٣٣).
قال ابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ١٩٩): "وأما حديث ميمونة: فالثقة الذي رواه عنه مالك هو: الليث بن سعد".
وانظر فيمن وهم في إسناده على مالك: مصنف ابن أبي شيبة (٢/ ٣٦/ ٦١٧١).
• قلت: رواه الليث بن سعد [من رواية اثنين عنه]، وعمرو بن الحارث، ومخرمة بن بكير، وابن لهيعة [ضعيف]:
عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن بسر بن سعيد، أن عبيد الله الخولاني -وكان في حجر ميمونة زوج النبي ﷺ - حدث أنه قال: رأيت ميمونة تصلي في درع سابغ وخمار، ليس عليها إزار.
أخرجه ابن سعد (٨/ ١٣٩)، والحارث بن أبي أسامة (١٣٩ - بغية الباحث)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٧٢/ ٢٤٠٦)، والبيهقي (٢/ ٢٣٣)، وعلقه ابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ١٩٩).
قال ابن عبد البر: "قال أبو سلمة منصور بن سلمة: وهذا ما رواه مالك بن أنس عن الليث بن سعد.
قال أبو عمر [ابن عبد البر]: أكثر ما يقول مالك: حدثني الثقة، فهو: مخرمة بن بكير الأشج. وقال أصحاب مالك -ابن وهب وغيره-: كل ما أخذه مالك من كتب بكير؛ فإنه يأخذها من مخرمة ابنه، فينظر فيها".
قال ابن حجر في المطالب (٣/ ٣٧١): "صحيح موقوف".
قلت: نعم؛ إسناده صحيح، لكن اختلف فيه على بكير، والليث بن سعد:
• فقد رواه الليث بن سعد [في رواية أخرى عنه]، وابن إسحاق:
стр. 3034
عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن عبيد الله الخولاني، قال: رأيت ميمونة -زوج النبي ﷺ - تصلي في درع سابغ، لا إزار عليها. لفظ الليث.
أخرجه ابن سعد (٨/ ١٣٨)، وابن أبي شيبة (٣٦/ ٢/ ٦١٧٠).
قلت: رواية الذين زادوا في الإسناد بسر بن سعيد: أصح، فإنهم أكثر عددًا، وعليه فهو كما قال ابن حجر: صحيح موقوف، والله أعلم.
• وروي أيضًا في الصلاة في الدرع والخمار: عن عائشة، وأم حبيبة، وعلي، وابن عباس [انظر: التاريخ الكبير (٦/ ١٨٩)، الموطأ (١/ ٢٠٤/ ٣٧٨) بلاغًا. مصنف عبد الرزاق (٣/ ١٢٨ و ١٢٩/ ٥٠٢٩ - ٥٠٣٢)، الطبقات الكبرى لابن سعد (٨/ ٤٨٩)، مصنف ابن أبي شيبة (٢/ ٣٦/ ٦١٦٩ و ٦١٧٤)، تاريخ واسط (٧٢)، الأوسط لابن المنذر (٥/ ٧٣/ ٢٤٠٨ و ٢٤٠٩)، علل الحديث لابن أبي حاتم (١/ ٣٧٩/١٣٧)] [وفي أسانيدها مقال].
• ومما جاء من آثار في أن المرأة تصلي في ثلاثة أثواب:
١ - عن عمر بن الخطاب:
رواه إسماعيل ابن علية، ومحمد بن عبد الله الأنصاري [من رواية أبي مسلم الكجي عنه]: عن سليمان التيمي، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال عمر: تصلي المرأة في ثلاثة أثواب [زاد الأنصاري: درع وخمار وإزار].
أخرجه محمد بن عبد الله الأنصاري في حديثه (١١ - برواية الكجي)، وابن أبي شيبة (٢/ ٣٦/ ٦١٦٨)، وأحمد بن منيع في مسنده (٣/ ٣٦٧/ ٣٢١ - مطالب)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٧٤/ ٢٤١٠)، والبيهقي (٢/ ٢٣٥).
قال ابن حجر: "هذا إسناد صحيح".
• خالف فرفعه، ولم يذكر فيه عمر:
محمد بن عبد الله الأنصاري [من رواية محمد بن إبراهيم التيمي عنه، والتيمي هذا أظنه المترجم له في الميزان (٣/ ٤٤٥ و ٤٤٦)، واللسان (٦/ ٤٧٠ و ٤٧٢)، قال الأزدي: "ضعيف جدًّا"، وقال الذهبي: "شيخ لا يعرف"]، قال: حدثنا سليمان التيمي، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: "تصلي المرأة في ثلاثة أثواب: إزار ودرع وخمار".
أخرجه ابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ٢٠٠ - العلمية) (٥/ ٤٤٣/ ٧٦٨١ - ط قلعجي).
قلت: وهذا حديث منكر، والمحفوظ ما تقدم من قول عمر.
هكذا رواه سليمان التيمي، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال عمر، ولم يكن التيمي من أصحاب ابن سيرين المكثرين عنه [وانظر وهمًا لسليمان التيمي على قتادة: الحديث المتقدم برقم (٦٠٧)]، وقد اعتبر يحيى بن سعيد القطان روايته عن ابن سيرين صالحة إذا قال: سمعت، أو: حدثنا [التهذيب (٢/ ٩٩)]، ولم يذكر هنا سماعًا، وقد
стр. 3035
خالفه فيه أثبت أصحاب ابن سيرين، فلم يتجاوز به ابن سيرين:
فقد رواه ابن علية، عن أيوب، عن ابن سيرين، قال: تصلي المرأة في ثلاثة أثواب.
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٧/ ٦١٧٧).
تابع أيوب السختياني عليه: أبو هلال الراسبي محمد بن سليم [ليس بالقوي]، وأشعث بن سوار الكندي [ضعيف] [في رواية عنه]، عن ابن سيرين قوله.
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٧/ ٦١٧٦ و ٦١٧٨).
قلت: فالأقرب أنه من قول ابن سيرين، والله أعلم.
٢ - عن ابن عمر:
رواه عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: إذا صلت المرأة فلتصل في ثيابها كلها: الدرع، والخمار، والملحفة.
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٧/ ٦١٧٥)، ومن طريقه: ابن المنذر في الأوسط (٥/ ٧٤/ ٢٤١١).
وهذا إسناد صحيح، موقوف على ابن عمر قوله.
• وقد خولف فيه:
رواه حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أنه قال: تصلي المرأة في أربعة أثواب: درع، وإزار، وخمار، وملحفة.
أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٥/ ٧٥/ ٢٤١٣)، بإسناد صحيح إلى حماد.
وإسناده صحيح أيضًا، ويحمل مثل هذا على التعدد بحسب مناسبة الحال، ويكون عند نافع على الوجهين، وحدث كلًّا بوجه، وإن كان الأول أصح، لكن حمل مثل هذا على التعدد ممكن، والأمر فيه سهل، والله أعلم.
٣ - عن عائشة:
رواه عمرو بن الحارث، عن عبيد الله بن أبي جعفر: أن محمد بن جعفر بن الزبير حدثه: أنه سمع عروة بن الزبير، يخبر عن عائشة: أنها كانت تقوم إلى الصلاة في الخمار والإزار والدرع، فتسبل إزارها فتخالف به، وكانت تقول: ثلاثة أثواب لا بد للمرأة منها في الصلاة إذا وجدتها: الخمار، والجلباب، والدرع.
أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٥/ ٧٤/ ٢٤١٢).
وإسناده صحيح، موقوف على عائشة.
• وروى مسدد (٣/ ٣٦٢/ ٣١٩ - مطالب): حدثنا إسماعيل [هو: ابن علية]: أنا محمد بن إسحاق: أنا أبو الرجال محمد بن عبد الرحمن، عن أمه عمرة ﵂، قالت: قالت عائشة ﵂: لا تصلي المرأة في أقل من ثلاثة أثواب لمن قدر.
وهذا موقوف بإسناد حسن؛ لأجل ابن إسحاق.
• وروى حماد بن زيد، ومحمد بن فضيل، وشريك بن عبد الله النخعي:
стр. 3036
عن عاصم الأحول، عن معاذة، عن عائشة: أنها قامت تصلي في درع وخمار، فأتتها الأمة فألقت عليها ثوبًا. لفظ ابن فضيل، ولفظ حماد: أن عائشة قامت إلى الصلاة في درع وخمار حتى نوولت الملحفة. ولفظ شريك: كنت عند عائشة وعندها نسوة، فدخلت في الصلاة في درع وخمار ومنطق، ثم أتتها الجارية بملحفة بعدُ، قالت: أومأَتْ أنْ كُلْنَ.
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٧/ ٦١٨٦)، وأبو إسحاق الحربي في غريب الحديث (٢/ ٦٩٣)، وأبو القاسم البغوي في مسند علي بن الجعد (٢٤١٣)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٧٣/ ٢٤٠٧).
وإسناده صحيح، موقوف على عائشة فعلها.
قلت: وهذه الروايات الثلاث عن عائشة إذا جمعت ظهر منها أن الأمر في ذلك واسع، وأن المقصود أن تستر المرأة في الصلاة ما يجب عليها ستره، وسيأتي نقل كلام ابن المنذر في هذا المعنى قريبًا، إن شاء الله تعالى.
وتقدمت الإشارة إلى أن ما روي عن عائشة في الصلاة في الدرع والخمار: في أسانيدها مقال.
• ومما جاء من آثار في أن المرأة تصلي في أربعة أثواب:
فيه عن ابن عمر، وتقدم قريبًا.
***
٦٤٠ - . . . عثمان بن عمر: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله -يعني: ابن دينار-، عن محمد بن زيد، -بهذا الحديث-، قال: عن أم سلمة، أنها سألت النبي ﷺ : أتصلي المرأة في درع وخمار ليس عليها إزار؟ قال: "إذا كان الدِّرعُ سابغًا يُغطِّي ظهور قدميها".
قال أبو داود: روى هذا الحديث مالك بن أنس، وبكر بن مضر، وحفص بن غياث، وإسماعيل بن جعفر، وابن أبي ذئب، وابن إسحاق، عن محمد بن زيد، عن أمه، عن أم سلمة، لم يذكر أحد منهم النبي ﷺ ، قَصَروا به على أم سلمة ﵁.
• حديث شاذ، والمحفوظ موقوف.
أخرجه الحاكم (١/ ٢٥٠) [وقع في المطبوع والمخطوط: عن أبيه، بدل: عن أمه، وهو تحريف، وانظر: سنن البيهقي (٢/ ٢٣٣)، إتحاف المهرة (١٨/ ٢٢٤/ ٢٣٥٩٤)]، والدارقطني (٢/ ٦٢)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (٢/ ٣١١)، والبيهقي في السنن (٢/ ٢٣٣)، وفي المعرفة (٢/ ٩٢/ ٩٩١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٣/ ١١٠)، وابن الجوزي في التحقيق (٤٠٨)، والمزي في التهذيب (٣٥/ ٣٤٤).
стр. 3037
تقدم الكلام عليه تحت الحديث السابق.
• ومن فقه الباب:
قال مالك: "إذا صلت المرأة وشعرها بادٍ، أو صدرها، أو ظهور قدميها، أو معصميها، فلتعد الصلاة ما دامت في الوقت" [المدونة (١/ ٩٤)].
وقال الشافعي في الأم (١/ ٩٠) بأن: "المرأة تصلي في الدرع والخمار والمِقْنَعة، والخمار والمقنعة: ساتران عورة الجيب، … ، والمرأةُ في ذلك أشدُّ حالًا من الرجل إذا صلَّتْ في درع وخمار يصفها الدرع، وأَحبُّ إليَّ أن لا تصلي إلا في جلباب فوق ذلك، وتجافيه عنها لئلا يصفَها الدرع".
وقال الترمذي في الجامع (٣٧٧) بعد حديث عائشة الآتي بعد هذا برقم (٦٤١): "وحديث عائشة: حديث حسن، والعمل عليه عند أهل العلم: أن المرأة إذا أدركت فصلت وشيء من شعرها مكشوف لا تجوز صلاتها، وهو قول الشافعي، قال: لا تجوز صلاة المرأة وشيء من جسدها مكشوف، قال الشافعي: وقد قيل: إن كان ظهر قدميها مكشوفًا فصلاتها جائزة".
وقال عبد الله بن أحمد في مسائله لأبيه (٢٢٥): "قرأت على أبي، قلت: إذا صلت المرأة وبعض شعرها مكشوف، أو بعض ساقها، أو بعض ساعدها؟ قال: لا يعجبني، قلت: فإن كانت قد صلت؟ قال: إذا كان شيئًا يسيرًا فأرجو".
وقال ابن هانئ في مسائله (٢٨٦): "المرأة في كم ثوب تصلي؟ قال: أقله درع وخمار، وتغطي رجليها، ويكون درعًا سابغًا يغطي رجليها".
وقال إسحاق بن منصور الكوسج في مسائله لأحمد وإسحاق (١٥٠): "قلت: في كم تصلي المرأة؟ قال: أقله ثوبان: قميص ومِقنعة، قال إسحاق: كما قال عند الضرورة، والذي يستحب لها ثلاثة أثواب".
وقال أبو داود لأحمد: "امرأة صلت وساعدها مكشوف؛ تعيد؟ قال: نعم" [مسائله (٢٨١)].
وقال ابن المنذر: "على المرأة أن تخمر في الصلاة جميع بدنها سوى وجهها وكفيها، ويجزيها فيما صلت: في ثوب، أو ثوبين، أو ثلاثة، أو أكثر من ذلك؛ إذا سترت ما يجب عليها أن تستره في الصلاة، ولا أحسب ما رُوي عن الأوائل ممن أمر بثلاثة أثواب أو أربعة؛ إلا استحبابًا واحتياطًا لها، والله أعلم.
ولا أعلم أحدًا من أهل العلم يوجب عليها الإعادة وإن صلت في ثوب واحد؛ إذا ستر ذلك الثوب ما يجب عليها أن تستره، والله أعلم".
ثم قال: "فإن لم تجد المرأة إلا ثوبًا واحدًا لا يستر جميع بدنها صلت فيه، ولا إعادة عليها إلى أن قال: ولو لم تجد ثوبًا ولا شيئًا تستر به صلت عريانة، ولا إعادة عليها" [الأوسط (٥/ ٧٥)].
стр. 3038
وقال ابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ٢٠١): "والذي عليه فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق أن على المرأة الحرة أن تغطي جسمها كله بدرع صفيق سابغ وتخمر رأسها؛ فإنها كلها عورة إلا وجهها وكفيها، وأن عليها ستر ما عدا وجهها وكفيها.
واختلفوا في ظهور قدميها: فقال مالك والليث بن سعد: تستر قدميها في الصلاة، قال مالك: فإن لم تفعل أعادت ما دامت في الوقت، وعند الليث تعيد أبدًا.
وقال الشافعي: ما عدا وجهها وكفيها عورة، فإن انكشف ذلك منها في الصلاة أعادت، …
وقال أبو حنيفة والثوري: قدم المرأة ليست بعورة، إن صلت وقدمها مكشوفة لم تعد.
قال أبو عمر [ابن عبد البر]: لا خلاف علمته بين الصحابة في ستر ظهور قدمي المرأة في الصلاة، وحسبك بما جاء في ذلك عن أمهات المسلمين ﵅".
قلت: أما عن أم سلمة فلا يصح، وأما عن ميمونة فقد صح أنها صلت في درع سابغ وخمار، وليس فيه إيجاب ذلك، والله أعلم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فكذلك القدم يجوز إبداؤه عند أبي حنيفة، وهو الأقوى؛ فإن عائشة جعلته من الزينة الظاهرة، قالت: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] قالت: الفتخ، حلق من فضة تكون في أصابع الرجلين، رواه ابن أبي حاتم، فهذا دليل على أن النساء كنَّ يُظهرن أقدامهن أولًا، كما يظهرن الوجه واليدين، كن يرخين ذيولهن، فهي إذا مشت قد يظهر قدمها، ولم يكن يمشين في خفاف وأحذية، وتغطية هذا في الصلاة فيه حرج عظيم، وأم سلمة قالت: تصلي المرأة في ثوب سابغ يغطي ظهر قدميها، فهي إذا سجدت قد يبدو باطن القدم، وبالجملة قد ثبت بالنص والإجماع أنه ليس عليها في الصلاة أن تلبس الجلباب الذي يسترها، إذا كانت في بيتها، وإنما ذلك إذا خرجت، وحينئذ فتصلي في بيتها وإن رُئي وجهها ويداها وقدماها، كما كن يمشين أولًا قبل الأمر بإدناء الجلابيب عليهن".
إلى أن قال: "وأمر المرأة في الصلاة بتغطية يديها بعيد جدًّا، واليدان تسجدان كما يسجد الوجه، والنساء على عهد النبي ﷺ إنما كان لهن قُمُص، وكن يصنعن الصنائع والقمص عليهن، فتبدي المرأة يديها إذا عجنت وطحنت وخبزت، ولو كان ستر اليدين في الصلاة واجبًا لبيَّنه النبي ﷺ ، وكذلك القدمان، وإنما أمر بالخمار فقط مع القميص، فكن يصلين بقمصهن وخمرهن، وأما الثوب التي كانت المرأة ترخيه، وسألت عن ذلك النبي ﷺ ، فقال: "شبرًا" فقلن: إذن تبدو سوقهن، فقال: "ذراع لا يزدن عليه"، … ، فهذا كان إذا خرجن من البيوت، ولهذا سئل عن المرأة تجر ذيلها على المكان القذر؟ فقال: "يطهره ما بعده"، وأما في نفس البيت فلم تكن تلبس ذلك، كما أن الخفاف اتخذها النساء بعد ذلك لستر السوق إذا خرجن، وهن لا يلبسنها في البيوت، ولهذا قلن: إذن تبدو
стр. 3039
سوقهن، فكان المقصود تغطية الساق؛ لأن الثوب إذا كان فوق الكعبين بدا الساق عند المشي".
إلى أن قال: "ولم يؤمرن مع القُمُص إلا بالخُمُر، لم تؤمر بسراويل؛ لأن القميص يغنى عنه، ولم تؤمر بما يغطي رجليها، لا خف ولا جورب، ولا بما يغطي يديها، لا بقفازين ولا غير ذلك، فدل على أنه لا يجب عليها في الصلاة ستر ذلك إذا لم يكن عندها رجال أجانب" [المجموع (٢٢/ ١١٤ - ١٢٠)].
وقال المرداوي في الإنصاف (١/ ٤٥٣): "واختار الشيخ تقي الدين أن القدمين ليسا بعورة أيضًا، قلت: وهو الصواب".
وانظر: الاستذكار (٢/ ١٩٤)، التمهيد (٦/ ٣٦٤)، شرح السنة (٢/ ٤٣٦)، أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٣٠٩)، المغني (١/ ٣٥٠)، المجموع (٣/ ١٧٤).
• الدرع: القميص، والخمار: ما تغطي به المرأة رأسها، والملحفة: الملاءة، وهي ما تلتحف به المرأة فوق سائر لباسها، والجلباب: ما يستر الكل، مثل الملحفة، ويلبس عند الخروج من البيت [تهذيب اللغة (٥/ ٤٦)، النهاية (٢/ ١١٤)، المغرب في ترتيب المعرب (٢/ ٢٤٣)، لسان العرب (٨/ ٨٢) و (٩/ ٣١٤)، المطلع على أبواب المقنع (١/ ٦٢)].
***
٨٥ - باب المرأة تصلي بغير خمار
٦٤١ - . . . حماد، عن قتادة، عن محمد بن سيرين، عن صفية بنت الحارث، عن عائشة، عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يقبلُ اللهُ صلاةَ حائضٍ إلا بخمار".
قال أبو داود: رواه سعيد -يعني: ابن أبي عروبة-، عن قتادة، عن الحسن، عن النبي ﷺ .
• حديث ضعيف.
قال الترمذي: "وقوله: "الحائض" يعني: المرأة البالغ، يعني: إذا حاضت"، وقال الخطابي في معالم السنن (١/ ١٥٦): "يريد بالحائض المرأة التي قد بلغت سن المحيض، ولم يرد به المرأة التي هي في أيام حيضها؛ فإن الحائض لا تصلي بوجه"، وقال البيهقي في السنن (٣/ ٨٣): "قال ابن أبي عاصم: أراد بالحيض البلوغ"، ثم قال: "وفيه كالدلالة على توجه الفرض عليها إذا بلغت بالحيض".
أخرجه الترمذي (٣٧٧)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٢/ ٢٩٧/ ٣٤٩)، وابن ماجه (٦٥٥)، وابن خزيمة (١/ ٣٨٠/ ٧٧٥)، وابن حبان (٤/ ٦١٢/ ١٧١١ و ١٧١٢)، وابن الجارود (١٧٣)، والحاكم (١/ ٢٥١)، وأحمد (٦/ ١٥٠ و ٢١٨ و ٢٥٩)، وإسحاق بن راهويه (٣/ ٦٨٧ و ٦٨٨/ ١٢٨٤ و ١٢٨٥)، وابن أبي شيبة
стр. 3040
(٢/ ٤٠/ ٦٢٢٣)، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (٣٣٠٨)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٦٩/ ٢٤٠٣)، وابن الأعرابي في المعجم (٣/ ٩٤٠/ ١٩٩٤)، وابن حزم في المحلى (١/ ٩٠) و (٣/ ٢١٩)، وفي الإحكام (٥/ ١١١)، والبيهقي (٢/ ٢٣٣) و (٣/ ٨٣) و (٦/ ٥٧)، وابن عبد البر في التمهيد (٦/ ٣٦٨)، والبغوي في شرح السنة (٢/ ٤٣٦/ ٥٢٧)، والمزي في التهذيب (٣٥/ ٢١٠).
وفي رواية: "لا يقبل الله صلاة امرأة قد حاضت إلا بخمار".
• تنبيه: وقع عند ابن حزم في المحلى في الموضعين: حماد بن زيد خطأً، والحديث إنما هو لحماد بن سلمة، فقد رواه ابن حزم من طريق عفان بن مسلم عن حماد بن زيد، وقد رواه الحفاظ: الإمام أحمد وغيره، عن عفان بن مسلم، عن حماد بن سلمة، وكان عفان أحيانًا لا ينسب حمادًا، فتوهم ابن حزم أنه ابن زيد، فنسبه من قبل نفسه، وابن زيد لا يُعرف بالرواية عن قتادة، فضلًا عن كونه لم يلقه، فقد روى أبو عبد الله المقدمي في كتاب التاريخ وأسماء المحدثين وكناهم (١٠١٩) بإسناد صحيح إلى حماد بن زيد، قال: "كنت هيَّأت الصحف لقدوم قتادة من واسط من عند خالد بن عبد الله القسري لأكتب عنه، فمات بواسط، وذلك في سنة سبع عشرة ومائة" [راجع في ذلك ما كتبه طارق عوض الله في تقوية الأحاديث بالشواهد ص (١٦٤)، وما كتبته في مسائل الفقه (٤/ ١٨٩)]، ومما يؤكد كون ابن حزم هو الذي نسبه من قبل نفسه، أنه قد أخرج الحديث في الإحكام من طريق أبي دواد عن حجاج بن منهال، ولم يُنسب حماد عند أبي داود، فإذا بابن حزم يقول: "هو: ابن زيد"، والله أعلم.
• هكذا رواه عن حماد بن سلمة جمع كبير من الثقات، منهم: حجاج بن منهال، ويحيى بن آدم، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وأبو كامل فضيل بن حسين الجحدري، وعفان بن مسلم، وبهز بن أسد، ويونس بن محمد المؤدب، وأبو الوليد الطيالسي هشام بن عبد الملك، وأبو النعمان محمد بن الفضل عارم، وأبو عمر حفص بن عمر الضرير، وعلي بن الجعد، وهدبة بن خالد، وقبيصة بن عقبة.
• وروى هذا الحديث أبو رفاعة: نا أبو عمر حفص بن عمر الضرير: نا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن محمد بن سيرين، عن صفية بنت الحارث -قال أبو عمر: وهي امرأة عبد الله بن خلب الخزاعي-، عن عائشة، به مرفوعًا.
أخرجه ابن الأعرابي في المعجم (٣/ ٩٤٠/ ١٩٩٤).
ثم رواه ثانية أبو رفاعة: نا أبو عمر، عن حماد، عن هشام، عن محمد بن سيرين، عن حفصة بنت الحارث، عن عائشة، نحوه.
أخرجه ابن الأعرابي في المعجم (٣/ ٩٤٠/ ١٩٩٥).
ثم رواه مرة ثالثة أبو رفاعة: نا أبو عمر: نا حماد: نا أيوب، عن محمد بن سيرين، عن صفية بنت الحارث، عن عائشة، عن النبي ﷺ ، نحوه، قالت: فألقت إلي عائشة ثوبًا، فقالت: شقيه بين بناتك خُمُرًا.
стр. 3041
أخرجه ابن الأعرابي في المعجم (٣/ ٩٤٠/ ١٩٩٦).
وهذا كله من أوهام أبي رفاعة هذا وتخليطه في الأسانيد، فإن أبا رفاعة هذا هو: عبد الله بن محمد بن عمر بن حبيب العدوي البصري القاضي، قال الخطيب في تاريخه (١٠/ ٨٣): "وكان ثقة"، وذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٣٦٩)، وقال: "وكان يخطئ"، ولم يذكر الدارقطني شيئًا من ذلك في ذكر الاختلاف على ابن سيرين في هذا الحديث، سوى الوجه الأول [علل الدارقطني (١٤/ ٤٣١/ ٣٧٨٠)].
وإنما رواه حماد بن سلمة، عن قتادة، عن ابن سيرين، عن صفية بنت الحارث، عن عائشة. ورواه أيوب، وهشام، عن ابن سيرين: أن عائشة، مرسلًا، وسيأتي.
قال أبو داود: "رواه سعيد -يعني: ابن أبي عروبة-، عن قتادة، عن الحسن، عن النبي ﷺ ".
وقال الترمذي: "حديث عائشة: حديث حسن".
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وأظن أنه لخلاف فيه على قتادة".
وقال البيهقي: "ورواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن النبي ﷺ ".
وقال ابن الملقن في البدر المنير (٤/ ١٥٥) و (٦/ ٦٧٦): "هذا الحديث صحيح".
• قلت: قد اختلف في هذا الحديث على قتادة:
١ - فرواه حماد بن سلمة، عن قتادة، عن محمد بن سيرين، عن صفية بنت الحارث، عن عائشة، عن النبي ﷺ أنه قال: … فذكره.
٢ - ورواه سعيد بن أبي عروبة [من رواية: عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، عنه]، عن قتادة، عن الحسن، عن النبي ﷺ ، … فذكره مثله.
أخرجه الحاكم (١/ ٢٥١)، وعنه: البيهقي (٢/ ٢٣٣).
٣ - ورواه شعبة، وسعيد بن بشير، عن قتادة به، موقوفًا.
ذكره الدارقطني في العلل (١٤/ ٤٣٢/ ٣٧٨٠).
وسيأتي نقل كلام الدارقطني بتمامه.
ومن هذا الاختلاف يظهر وهم رواية حماد بن سلمة، حيث خالف أثبت الناس في قتادة، فإن أصحاب قتادة الذين هم أثبت الناس فيه؛ ثلاثة: شعبة وهشام الدستوائي وسعيد بن أبي عروبة؛ فإذا اتفقوا مخالفين غيرهم كان القول قولهم؛ وإذا اتفق اثنان دون الثالث فالقول قول الرجلين، فإذا اختلفوا فحينئذ يتوقف في الحديث.
وهنا قد اتفق اثنان من أصحاب قتادة [شعبة وابن أبي عروبة] على خلاف ما رواه حماد بن سلمة، فالقول قولهما، وترد به رواية حماد.
لكن شعبة أوقف الحديث، وأرسله ابن أبي عروبة، فالله أعلم بالصواب.
• وقد روي نحو هذا من مراسيل الحسن ومن كلامه مقطوعًا عليه، من غير طريق قتادة:
стр. 3042
فقد روى عيسى بن يونس، عن عمرو، عن الحسن، رفعه، قال: "إذا حاضت الجارية لم تقبل لها صلاة إلا بخمار".
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٩/ ٦٢١٣).
وعمرو هذا الأقرب أنه عمرو بن عبيد، شيخ القدرية والمعتزلة: متروك، يكذب على الحسن.
ورواه هشام بن حسان [ثقة، من أصحاب الحسن]، والربيع بن صبيح [ليس بالقوي. انظر: التهذيب (١/ ٥٩٣)، الميزان (٢/ ٤١)]:
عن الحسن، قال: إذا بلغت المرأة الحيض ولم تغط أذنها ورأسها، لم تقبل لها صلاة. لفظ هشام. ولفظ ربيع: إذا حاضت الجارية لم تقبل لها صلاة إلا بخمار.
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٠/ ٦٢٢٠ و ٦٢٢٤).
وعليه: فالثابت فيه عن الحسن البصري، أنه من قوله مقطوع عليه، والله أعلم.
• وهذا الحديث قد اختلف فيه على محمد بن سيرين:
أ- فرواه قتادة، عن محمد بن سيرين، عن صفية بنت الحارث، عن عائشة، عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يقبلُ اللهُ صلاةَ حائضٍ إلا بخمار".
وتقدم بيان المحفوظ فيه عن قتادة.
ب- ورواه أيوب السختياني، وهشام بن حسان:
عن محمد: أن عائشة نزلت على صفيَّة أم طلْحة الطَّلَحات، فرأت بناتٍ لها، فقالت: … فذكرا الحديث هكذا مرسلًا، وهو الحديث الآتي:
***
٦٤٢ - . . . حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد: أن عائشة نزلت على صفيَّة أم طلْحة الطَّلَحات، فرأت بناتٍ لها، فقالت: إن رسول الله ﷺ دخل وفي حجرتي جارية، فألقى لي [وفي نسخة: إليَّ] حقوه، وقال لي: "شُقِّيه بشقَّين فأعطي هذه نصفًا، والفتاة التي عند أم سلمة نصفًا، فإني لا أُراها إلا قد حاضت"، أو: "لا أراهما إلا قد حاضتا".
قال أبو داود: وكذلك رواه هشام، عن ابن سيرين.
• حديث ضعيف.
أخرجه أحمد (٦/ ٩٦)، وابن حزم في الإحكام (٥/ ١١١)، والبيهقي (٦/ ٥٧).
ولفظه عند أحمد: أن عائشة نزلت على صفية أم طلحة الطلحات، فرأت بنات لها يصلين بغير خمر قد حضن، قال: فقالت عائشة: لا تصلِّينَّ جارية منهن إلا في خمار، إن رسول الله ﷺ دخل عليَّ، وكانت في حجري جارية، فألقى علي حقوه، فقال: "شقيه بين
стр. 3043
هذه، وبين الفتاة التي في حجر أم سلمة، فإني لا أراها إلا قد حاضت"، أو: "لا أراهما إلا قد حاضتا".
• وأما رواية هشام بن حسان التي علقها أبو داود، فقد جاءت موصولة:
رواه هشام، عن محمد، أن عائشة قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ وعندي فتاة، فألقى إليَّ حقوه، فقال: "شقيه بين هذه الفتاة وبين التي عند أم سلمة، فإني لا أراهما إلا قد حاضتا".
وفي لفظ له: عن ابن سيرين: أن عائشة نزلت على صفية أم طلحة الطلحات، فرأت بنات لها قد أَعصرن يصلين بغير خُمُر، فقلت: لا أرى بناتك هؤلاء إلا قد حضن، أو قد حاض بعضهن، قالت: أجل، قالت: فلا تصل جارية منهن حاضت إلا بخمار؛ فإن رسول الله ﷺ دخل عليَّ، وعندي جارية قد كانت تكون في حجري، فألقى إليَّ حقوه، فقال: "شقيها بينها وبين الجارية التي عند أم سلمة، فإني لا أراها إلا قد حاضت"، أو قال: "لا أراهما إلا قد حاضتا".
أخرجه أحمد (٦/ ٢٣٨)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٠/ ٦٢١٥)، وأبو علي الطوسي في مختصر الأحكام (٢/ ٢٩٥ - ٢٩٦/ ٣٤٨).
قلت: ورواية أيوب السختياني وهشام بن حسان أولى من رواية قتادة وأصح، فإن أيوب أثبت الناس في ابن سيرين، وقد تابعه هشام عليه.
قال الدارقطني في العلل (١٤/ ٤٣١/ ٣٧٨٠): "يرويه محمد بن سيرين، واختلف عنه:
فرواه قتادة، عن ابن سيرين، واختلف عن قتادة، فأسنده حماد بن سلمة، عن قتادة، عن ابن سيرين، عن صفية بنت الحارث، عن عائشة، عن النبي ﷺ .
وخالفه شعبة، وسعيد بن بشير، فروياه عن قتادة، موقوفًا.
ورواه أيوب السختياني، وهشام بن حسان، عن ابن سيرين، مرسلًا عن عائشة: أنها نزلت على صفية بنت الحارث حدثتها بذلك، ورفعا الحديث.
وقول أيوب، وهشام: أشبه بالصواب".
وعليه: فهو حديث ضعيف؛ لإرساله؛ فإن ابن سيرين لم يسمع من عائشة، قاله أبو حاتم وابن معين وزاد: "ولا رآها" [سؤالات ابن محرز (٦٣٠)، تحفة التحصيل (٢٧٧)، المراسيل (٦٨٧)، جامع التحصيل (٦٨٣)] [وانظر فيما تقدم الحديث رقم (٣٦٧ و ٣٦٨)].
• وله طريق أخرى عن عائشة:
روى سفيان الثوري، عن عبد الكريم، عن عمرو بن سعيد، عن عائشة: أن النبي ﷺ دخل عليها، فاختبأت مولاة لهم، فقال النبي ﷺ : "حاضت؟ " فقالوا: نعم، فشق لها من عمامته، فقال: "اختمري بهذا".
أخرجه ابن ماجه (٦٥٤)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٠/ ٦٢١٦)، وابن أبي عمر العدني في
стр. 3044
مسنده [عزاه إليه البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ٨٣/ ٢٤٧)]، والخطيب في الموضح (٢/ ٢٧١).
قال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ١٨٦/ ٥٣٢): "وسئل أبو زرعة عن حديثٍ: اختلف محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى والثوري، عن عبد الكريم أبي أمية:
فقال سفيان: عن عبد الكريم، عن عمرو بن سعيد، عن عائشة: أن النبي ﷺ دخل عليها، واختبأت مولاة له، فقال النبي ﷺ : "حاضت؟ " فقالت: نعم، فشق لها من ثوبه، وقال: "اختمري بهذا".
وروى ابن أبي ليلى، عن عبد الكريم، عن سعيد بن عمرو، عن عائشة؟
فقال أبو زرعة: ما يرويه الثوري أصح.
وسألت أبي عنه؟ فقال: هو عمرو بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن المعلي".
قلت: الأقرب أنه عمرو بن سعيد بن العاص الأموي الأشدق [كما في تهذيب الكمال] [وهو: تابعي أخرج له مسلم متابعة (٢٢٨)، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين (٥/ ١٧٨)، التهذيب (٣/ ٢٧٢)، إكمال مغلطاي (١٠/ ١٧٢)]، وأما قول أبي حاتم فلم أفهمه إن لم يكن محرفًا، وأما عمرو بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، أبو أمية القرشي الأموي، فهو متأخر الطبقة عن هذا، يروي عنه: روح بن عبادة [انظر: كنى الدولابي (١/ ٣٤٦)، فتح الباب (٤٢٩)].
وهذا الإسناد ضعيف؛ لضعف عبد الكريم بن أبي المخارق، والله أعلم.
• وله شاهد من حديث أبي قتادة:
روى الطبراني في الأوسط (٧/ ٣١٥/ ٧٦٠٦)، وفي الصغير (٢/ ١٣٨/ ٩٢٠)، قال: حدثنا محمد بن حرملة القلزمي بمدينة قلزم: حدثنا إسحاق بن إسماعيل بن عبد الأعلى الأيلي: حدثنا عمرو بن هاشم البيروتي: حدثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقبل الله من امرأة صلاة حتى تواري زينتها، ولا من جارية بلغت المحيض حتى تختمر".
قال الطبراني: "لم يروه عن الأوزاعي إلا عمرو بن هاشم، تفرد به: إسماعيل بن إسحاق".
قلت: هذا حديث منكر من حديث يحيى بن أبي كثير، ومن حديث الأوزاعي:
إسناده إلى عمرو بن هاشم إسناد فيه جهالة، شيخ الطبراني لم أجد من وثقه، وليس بمشهور، ولا له كثير رواية [انظر: المقفى الكبير (٥/ ٥٣١)، تاريخ الإسلام (٢٣/ ١٢٥ و ١٩٤)، توضيح المشتبه (٢/ ٢٧٢)]، وكلام الطبراني يدل على أنه قد توبع عليه، وشيخه إسحاق الأيلي: صدوق، روى عنه النسائي وابن ماجه، والظاهر أن علته: تفرد عمرو بن هاشم البيروتي به عن الأوزاعي الإمام في كثرة من روى عنه من أصحابه الثقات، وعمرو بن هاشم وإن كان بلديًا للأوزاعي إلا أنهم قد تكلموا فيه، فهذا محمد بن مسلم بن وارة
стр. 3045
الحافظ يقول فيه: "كتبت عنه، كان قليل الحديث"، قال ابن أبي حاتم: "ما حاله؟ قال ابن وارة: ليس بذاك، كان صغيرًا حين كتب عن الأوزاعي" [الجرح والتعديل (٦/ ٢٦٨)]، وقال العقيلي فيما رواه البيروتي عن ابن عجلان: "مجهول بالنقل، لا يتابع على حديثه"، وحسن ابن عدي القول فيه، فقال: "ليس به بأس"، وقد أنكرت أحاديث على البيروتي هذا فيما تفرد به عن الأوزاعي [انظر: علل الحديث لابن أبي حاتم (٢/ ٩٣ - ٩٤/ ١٧٧٥)]، ومن كان هذا حاله، فلا يُقبل تفرده عن الأوزاعي، ويُعدُّ تفرده منكرًا [انظر ترجمته: الضعفاء الكبير (٣/ ٢٩٤)، تاريخ دمشق (٤٦/ ٤٥١)، التهذيب (٣/ ٣٠٩)، الميزان (٣/ ٢٩٠)]، والأوزاعي: كان لا يقيم حديث يحيى بن أبي كثير، لم يكن عنده في كتاب، إنما كان يحدث به من حفظه، ويهم فيه [شرح علل الترمذي (٢/ ٦٧٧)]، والله أعلم.
• وروى أبو داود في المراسيل (٢٨)، قال: حدثنا عمرو بن عثمان: حدثنا إسماعيل -يعني: ابن عياش-، عن أبي سلمة، عن يحيى بن جابر: أن النبي ﷺ قال: "ثلاثة لا تجاوز صلاتهم رؤوسهم" … فذكر الحديث، قال: "وامرأة قامت إلى الصلاة وأذنها بادية".
وهذا معضل؛ يحيى بن جابر الطائي أبو عمرو الحمصي: ثقة، روايته عن الصحابة مرسلة [التهذيب (٤/ ٣٤٤)، تحفة التحصيل (٣٤١)]، والراوي عنه: أبو سلمة سليمان بن سليم الكلبي الحمصي: ثقة، كان كاتب يحيى بن جابر، ورواية إسماعيل بن عياش هنا عن أهل بلده، وروايته عنهم مستقيمة.
• ومن فقه الباب:
قال مالك: "إذا صلت المرأة وشعرها بادٍ، أو صدرها، أو ظهور قدميها، أو معصميها، فلتعد الصلاة ما دامت في الوقت" [المدونة (١/ ٩٤)].
وقال الشافعي في الأم (١/ ٩٠) بأن: "المرأة تصلي في الدرع والخمار والمِقْنَعة".
وقال الترمذي: "وحديث عائشة: حديث حسن، والعمل عليه عند أهل العلم: أن المرأة إذا أدركت فصلت وشيء من شعرها مكشوف لا تجوز صلاتها، وهو قول الشافعي، قال: لا تجوز صلاة المرأة وشيء من جسدها مكشوف، قال الشافعي: وقد قيل: إن كان ظهر قدميها مكشوفًا فصلاتها جائزة".
وقال عبد الله بن أحمد في مسائله لأبيه (٢٢٥): "قرأت على أبي، قلت: إذا صلت المرأة وبعض شعرها مكشوف، أو بعض ساقها، أو بعض ساعدها؟ قال: لا يعجبني، قلت: فإن كانت قد صلت؟ قال: إذا كان شيئًا يسيرًا فأرجو".
وقال ابن المنذر في الأوسط (٥/ ٦٩): "أجمع أهل العلم على أن المرأة الحرة البالغة تخمر رأسها إذا صلَّت، وعلى أنها إن صلَّت وجميعُ رأسها مكشوف أن صلاتها فاسدة، وأن عليها إعادة الصلاة، … ، واختلفوا في المرأة تصلي وبعض شعرها مكشوف" [وانظر: الإجماع (٩٢)].
стр. 3046
وقال أيضًا (٥/ ٧٥): "على المرأة أن تخمر في الصلاة جميع بدنها سوى وجهها وكفيها"، وقال في الإقناع (١/ ١٤٤): "وتستر المرأة جميع بدنها غير كفيها ووجهها".
وقال ابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ٢٠١): "والذي عليه فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق أن على المرأة الحرة أن تغطي جسمها كله بدرع صفيق سابغ وتخمر رأسها؛ فإنها كلها عورة إلا وجهها وكفيها، وأن عليها ستر ما عدا وجهها وكفيها، …
وقال الشافعي: ما عدا وجهها وكفيها عورة، فإن انكشف ذلك منها في الصلاة أعادت، … ".
وانظر: الاستذكار (٢/ ١٩٤)، التمهيد (٦/ ٣٦٤)، شرح السنة (٢/ ٤٣٦)، أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٣٠٩)، المغني (١/ ٣٥٠)، المجموع (٣/ ١٦٩).
***
٨٦ - باب ما جاء في السدل في الصلاة
٦٤٣ - . . . ابن المبارك، عن الحسن بن ذكوان، عن سليمان الأحول، عن عطاء -قال إبراهيم-: عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ نهى عن السَّدْل في الصلاة، وأن يُغطِّيَ الرجل فاه.
قال أبو داود: رواه عِسْلٌ، عن عطاء، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ نهى عن السدل في الصلاة.
• حديث ضعيف.
أما حديث ابن المبارك: فأخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٢٩٣)، وابن خزيمة (١/ ٣٧٩/ ٧٧٢) و (٢/ ٦٠/ ٩١٨)، وابن حبان (٦/ ١١٧/ ٢٣٥٣)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٦٢٩/٢٦٤) و (٥/ ٥٧/ ٢٣٨٢)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٣١٧)، والبيهقي (٢/ ٢٤٢)، والبغوي في شرح السنة (٢/ ٤٢٦/ ٥١٩).
قال ابن عدي بعد أن أخرجه في ترجمة الحسن بن ذكوان: "وقوله: نهى عن السدل في الصلاة، كنا نعرفه من حديث عسل بن سفيان عن عطاء عن أبي هريرة، وهذا الحسن بن ذكوان قد رواه عن سليمان عن عطاء".
وقال ابن مفلح في المبدع (١/ ٣٧٤): "رواه أبو داود بإسناد حسن".
• هكذا رواه عن ابن المبارك: أبو كريب محمد بن العلاء [ثقة حافظ]، وإبراهيم بن موسى بن يزيد [ثقة حافظ متقن]، ومحمد بن مقاتل المروزي [ثقة]، وحبان بن موسى المروزي [ثقة]، وسريج بن النعمان الجوهري [ثقة]، ومحمد بن عيسى الدامغاني [روى عنه جماعة من الأئمة الحفاظ، مثل النسائي وابن خزيمة وابن جرير الطبري وأبو بكر بن أبي
стр. 3047
داود، وروى عنه أبو حاتم، وقال: "يكتب حديثه"، قلت: هو صدوق. الجرح والتعديل (٨/ ٣٩)، التهذيب (٣/ ٦٦٨)]، ويحيى بن عبد الحميد الحماني [حافظ؛ إلا أنه اتهم بسرقة الحديث].
وخالفهم: عبدان [عبد الله بن عثمان بن جبلة: ثقة حافظ، من أصحاب ابن المبارك]، قال: أنبأ عبد الله: أنبأ الحسين بن ذكوان، عن سليمان الأحول، عن عطاء، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ نهى عن السدل، وأن يغطي الرجل فاه.
أخرجه الحاكم (١/ ٢٥٣) (١/ ١٢٣/ ب- رواق المغاربة)، قال: أخبرنا الحسن بن حليم المروزي: أنبأ أبو الموجه [محمد بن عمرو بن الموجه الفزاري المروزي: حافظ ثقة مصنف. الجرح والتعديل (٨/ ٣٥)، تذكرة الحفاظ (٢/ ٦١٥)، السير (١٣/ ٣٤٧)]: أنبأ عبدان به.
وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجا فيه تغطية الرجل فاه في الصلاة".
وكذا هو في تلخيص المستدرك للذهبي، بل قيده بالمعلم، فقال: "حسين المعلم".
قلت: قوله الحسين بن ذكوان: وهمٌ؛ إما من الحاكم نفسه، وإما من شيخه الحسن بن محمد بن حليم بن إبراهيم بن ميمون الصائغ، الحليمي المروزي: حدث بمسند أبي الموجه محمد بن عمرو بن الموجه الفزاري، روى عنه: الحاكم أبو عبد الله الحافظ، وأبو عبد الله ابن منده [الإكمال (٢/ ٤٩٢)، الأنساب (٢/ ٢٥٠)، تاريخ الإسلام (٢٦/ ١٥٩)].
ولا أظن أن عبدان قد خالف جماعة الثقات الحفاظ الذين رووه عن ابن المبارك عن الحسن بن ذكوان، فالأصل متابعته لهم، وإنما الحمل فيه على من دونه، والله أعلم.
• وهذا الحديث إنما يعرف بالحسن بن ذكوان، وليس من حديث الحسين بن ذكوان المعلم، فكما ترى هكذا رواه عن ابن المبارك جماعة الثقات الحفاظ، وأخرجه ابن عدي في ترجمة الحسن بن ذكوان، وكذلك فإن ابن حجر لما تعقب الحاكم في الإتحاف (١٥/ ٣٧٥/ ١٩٥١٢) قال: "لم يحتج مسلم بالحسن بن ذكوان، وهو ضعيف، لم يخرج له البخاري سوى شيء يسير في غير الاحتجاج، فيما أظن"، فلعله كان في نسخة المستدرك التي وقعت للحافظ: الحسن بن ذكوان، مصححة، والله أعلم.
وممن وقع له هذا الوهم أيضًا، فجعله عن الحسين بن ذكوان المعلم: المزي في التهذيب (٦/ ٣٧٢)، وفي الأطراف (١٠/ ٢٦١/ ١٤١٧٨).
• وقد اختلف في هذا الحديث على الحسن بن ذكوان:
١ - فرواه ابن المبارك [ثقة حافظ، إمام متقن]، عن الحسن بن ذكوان، عن سليمان الأحول، عن عطاء، عن أبي هريرة به مرفوعًا.
٢ - ورواه ميمون بن زيد [لين الحديث. اللسان (٨/ ٢٣٨)]، ومحمد بن راشد [التميمي ثم المنقري، البصري المكفوف: روى عنه جماعة من الثقات، وذكره ابن حبان
стр. 3048
في الثقات، وقال الدارقطني: "محمد بن راشد الضرير: بصري، يحدث عن روح بن القاسم، ويونس بن عبيد: ليس بالقوي، يعتبر به". التهذيب (٣/ ٥٥٩)، سؤالات البرقاني (٤٣١)، اللسان (٧/ ١٣١ - ١٣٢)، فرق بينهما الذهبي، وجعلهما ابن حجر واحدًا، وهو الأقرب] [وأما قول ابن معين (٢٩٣ - رواية الدقاق): "محمد بن راشد الأعمى: ثقة" فأظنه أراد المكحولي، والله أعلم]:
عن الحسن بن ذكوان، عن عطاء، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ مثله. هكذا بإسقاط سليمان الأحول من الإسناد.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٢٩٣)، وابن ماجه (٩٦٦) بطرفه الثاني فقط.
والبزار (١٦/ ١٨٦/ ٩٣٠٥) بتمامه.
قال مغلطاي في شرح سنن ابن ماجه (٥/ ٤٥٠ - ط مكتبة ابن عباس) (٥/ ١٦٤٧ - ط الباز): "هذا حديث إسناده صحيح، وضعفه بعضهم بالحسن بن ذكوان، وهو غير جيد؛ لثبوت حديثه في صحيح البخاري".
٣ - ورواه يحيى بن أبي كثير [ثقة ثبت]، عن الحسن بن ذكوان، عن سليمان الأحول، عن عطاء: أن رسول الله ﷺ نهى عن السدل في الصلاة، وأن يغطي فاه. هكذا مرسلًا.
أخرجه أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه في السادس من حديثه عن شيوخه (١١ - بتخريج الدارقطني)، بإسناد صحيح إلى أيوب بن النجار: ثنا يحيى بن أبي كثير به.
فالراوي عن يحيى: أيوب بن النجار: يمامي ثقة، قد صرح بسماعه لهذا الحديث من يحيى، وقد أخرج له الشيخان عن يحيى حديثًا واحدًا، حديث: حاجَّ موسى آدم [البخاري (٤٧٣٨)، مسلم (٢٦٥٢/ ١٥)]، وأما قول يحيى بن معين عن أيوب هذا: "وكان يقول: لم أسمع من يحيى بن أبي كثير إلا حديثًا واحدًا: التقي آدم وموسى"، فإنه يحمل على أنه لم يسمع من يحيى حديثًا مسندًا غير حديث: حاجَّ موسى آدم، ولا يمنع أنه سمع منه مقاطيع ومراسيل، وهذا منها، وفي تهذيب الآثار لابن جرير الطبري (٨٩٨ - الجزء المفقود) بإسناد صحيح: أنه رأى يحيى بن أبي كثير قبض على لحيته، فقال: ما أحب أني سودتها، وأن لي بكل شعرة دينارًا، وكان أحمر اللحية، وأما حديثه عن يحيى في التسمية على الوضوء فلا يصح إلى أيوب، فضلًا عن كونه لم يسمعه منه، وقد سبق أن خرجته في الذكر والدعاء (١/ ١٠١/ ٥٥) [انظر: تحفة الأشراف (١١/ ٦٥/ ١٥٣٦١)، التهذيب (١/ ٢٠٩)، هدي الساري (٣٩٢)].
وعلى هذا فإن الحسن بن ذكوان هذا قد اضطرب في إسناد هذا الحديث، نعم الوجه الثاني في ثبوته عنه نظر، لكن اختلف عليه إمامان كبيران: ابن المبارك ويحيى بن أبي كثير، وأكبر ظني أنه حدث به ابن المبارك مجودًا، ثم أبان عن علته لما حدث به يحيى بن أبي كثير.
стр. 3049
والحسن بن ذكوان، أبو سلمة البصري: تقدم الكلام عنه بالتفصيل عند الحديث رقم (١١)، وحاصل أمره: أنه يتجنب من روايته ما كان عن حبيب بن أبي ثابت؛ فإن أحاديثه عنه أباطيل، كما قال الإمام أحمد؛ فإنه لم يسمعها من حبيب وإنما هي أحاديث عمرو بن خالد الواسطي الكذاب، وكذا ما كان من روايته عن عبد الواحد بن قيس فإنه يحدث عنه بالعجائب، والثالث: ما رواه بصيغة من صيغ التدليس [وانظر أيضًا في أدلة تدليس الحسن بن ذكوان: الحديث المتقدم برقم (٢٧)، فقد أقر على نفسه بالتدليس]، وما عدا ذلك فهو صالح الحديث؛ إذا لم يأت بمنكر، ولم يخالف الثقات.
وحديثه هذا مردود؛ فإنه قد اضطرب فيه، وروايته المرسلة أشبه بالصواب، ولم يصرح فيه بالسماع من سليمان بن أبي مسلم المكي الأحول، فما يدرينا أنه سمعه منه، بل وفي تفرده عنه نظر، ولا تغني عنه متابعة عسل بن سفيان؛ فإنه أضعف منه، والله أعلم.
وحديث الحسن بن ذكوان هذا قد ضعفه جماعة:
قال ابن المنذر: "وأما حديث ابن المبارك، عن الحسن بن ذكوان: فقد ضعفه بعض أصحابنا، وضعف الحسن بن ذكوان".
• وأما حديث عِسْل بن سفيان:
فقد رواه حماد بن سلمة، ووهيب بن خالد، وسعيد بن أبي عروبة، وشعبة [وهو غريب من حديثه، تفرد به عنه: سعيد بن عامر الضبعي]:
عن عسل بن سفيان [ضعيف]، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة، قال: نهى رسول الله ﷺ عن السدل في الصلاة.
أخرجه الترمذي (٣٧٨)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٢/ ٢٩٩/ ٣٥٠)، والدارمي (١/ ٣٧٠/ ١٣٧٩)، وابن حبان (٦/ ٦٧/ ٢٢٨٩)، وأحمد (٢/ ٢٩٥ و ٣٤١ و ٣٤٥ و ٣٤٨)، وابن أبي شيبة (٢/ ٦٣/ ٦٤٨٧)، والبزار (١٦/ ١٨٠/ ٩٢٩٥)، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (٣٣٣٢)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٦٠/ ٢٣٨٧)، والبيهقي (٢/ ٢٤٢)، والبغوي في شرح السنة (٢/ ٤٢٦/ ٥١٨)، والمزي في التهذيب (٢٠/ ٥٥).
قال البزار: "وهذا الحديث قد رواه عن عسل غير واحد، منهم: حماد بن سلمة".
• هكذا رواه عن سعيد بن أبي عروبة: عبد الوهاب بن عطاء الخفاف [ثقة، من أروى الناس عن ابن أبي عروبة، وقد روى عنه في الصحة والاختلاط، ولم يميز بينهما]، وسعيد بن عامر الضبعي [ثقة]، وغندر محمد بن جعفر [ثقة، روى عن ابن أبي عروبة بعد الاختلاط] [انظر: شرح علل الترمذي (٢/ ٦٩٩ و ٧٤٣)، الكواكب النيرات (٢٥)].
وخالفهم: أبو بحر البكراوي عبد الرحمن بن عثمان [وهو: ضعيف]، فقال: حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن عامر الأحول، عن عطاء، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ نهى عن السدل في الصلاة.
стр. 3050
أخرجه الطبراني في الأوسط (٢/ ٧٠/ ١٢٨٠).
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن عامر إلا سعيد، تفرد به أبو بحر".
قلت: هو منكر بهذا الإسناد، وإنما هو عسل بن سفيان، بدل: عامر الأحول.
وقد وهم أبو بحر البكراوي في هذا الإسناد في موضعين:
الأول: أن ابن أبي عروبة إنما يرويه عن عسل بن سفيان، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة به مرفوعًا [وانظر: علل الدارقطني (٨/ ٣٣٧/ ١٦٠٨)].
الثاني: أن عامرًا الأحول إنما يرويه عن عطاء مرسلًا، هكذا رواه عنه هشيم [كما عند: أبي عبيد في غريب الحديث (٤/ ٣٧٤)، والبيهقي (٢/ ٢٤٢)، ويأتي].
• هكذا روى هذا الحديث: حماد بن سلمة، ووهيب بن خالد، وسعيد بن أبي عروبة: عن عسل بن سفيان، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة به مرفوعًا.
وخالفهم: هشام الدستوائي [ثقة ثبت]، فرواه عن عسل، عن عطاء، عن أبي هريرة موقوفًا.
ذكره الدارقطني في العلل (٨/ ٣٣٨/ ١٦٠٨).
وهذا الاختلاف إنما هو من عسل بن سفيان؛ فإنه ضعيف، والحمل عليه فيه.
قال الترمذي: "حديث أبي هريرة لا نعرفه من حديث عطاء عن أبي هريرة مرفوعًا إلا من حديث عسل بن سفيان".
وقال ابن المنذر: "حديث السدل في الصلاة معروف من حديث عسل بن سفيان"، ثم أسنده ثم قال: "أما حديث عسل: فغير ثابت، كان يحيى بن معين يضعف حديثه، وقال محمد بن إسماعيل: عسل يقال له: أبو قرة، عنده مناكير، وأما حديث ابن المبارك، عن الحسن بن ذكوان، فقد ضعفه بعض أصحابنا، وضعف الحسن بن ذكوان، وعن جابر [كذا في المطبوعة، ولعلها تصحفت عن: والأحوط] إذا كان الحديث هكذا أن يحظر السدل على المصلي، وعلى غير المصلي".
قلت: كلام الترمذي وابن المنذر وابن عدي يُشعر بغرابة حديث الحسن بن ذكوان، إذ إن حديث السدل إنما يُعرف به عسل بن سفيان.
ونقل ابن قدامة في المغني (١/ ٣٤٠) عن ابن المنذر قوله: "لا أعلم فيه حديثًا يثبت".
وقال الدارقطني في العلل (٨/ ٣٣٨/ ١٦٠٨): "وفي رفعه نظر؛ لأن ابن جريج روى عن عطاء بن أبي رباح: أنه كان يسدل في الصلاة".
وقال أبو داود بعد أن أخرج من طريق: ابن جريج، قال: أكثر ما رأيت عطاء يصلي سادلًا، قال أبو داود: "وهذا يُضعِّف ذلك الحديث".
ونقل النووي في المجموع (٣/ ١٧٩) عنه قوله: "لا أعلم في النهي عن السدل خبرًا يثبت؛ فلا نهي عنه بغير حجة".
следующие страницы →