← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 261

فضل الرحيم الودود تخريج سنن أبي داود

ياسر فتحي

Полный текст (16 465 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

ذلك توثيقًا من الإمام أحمد، وأما قوله: "وغيره" فلعله عنى به ابن حبان، والله أعلم. وعلى فرض صحة هذا النقل: فالإسناد رجاله ثقات، إلا أني لا أعلم لعمرو بن راشد سماعًا من وابصة، والله أعلم. ولم ينفرد به عمرو بن راشد، بل تابعه عليه: زياد بن أبي الجعد، وهلال بن يساف، وسمعاه من وابصة. [وانظر فيمن وهم فيه على عمرو بن مرة، وخالف شعبة وابن أبي أنيسة والدالاني: تاريخ دمشق (٦٢/ ٣٣٣)]. • وقد اختلف في هذا الحديث على هلال بن يساف: ١ - فرواه عمرو بن مرة، عن هلال بن يساف، عن عمرو بن راشد، عن وابصة به هكذا، وتقدم. ٢ - ورواه حصين بن عبد الرحمن، عن هلال بن يساف، قال: كنت أنا وزياد بن أبي الجعد بالرَّقة، فأخذ بيدي زياد بن أبي الجعد، فأقامني على رجل بالرقة [من أصحاب النبي ﷺ ، يقال له: وابصة بن معبد]، فقال: زعم هذا: أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يصلي خلف الصف وحده، فأمره النبي ﷺ أن يعيد. أخرجه الترمذي (٢٣٠)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه على الترمذي "مختصر الأحكام" (٢/ ٦٢/ ٢١٣)، وابن ماجه (١٠٠٤)، والدارمي (١/ ٣٣٣/ ١٢٨٥)، وابن حبان (٥/ ٥٧٧/ ٢٢٠٠)، وأحمد (٤/ ٢٢٨)، والشافعي في اختلاف الحديث (١٠/ ١٧١ - ١٧٢/ ١٨٩ - الأم)، وفي المسند (١٧٦)، والحميدي (٢/ ١٣٥/ ٩٠٨)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢/ ١١/ ٥٨٨٧) و (٧/ ٢٨٠/ ٣٦٠٨٠)، وفي المسند (٧٥١)، والحسن بن علي بن عفان في الأمالي والقراءة (٣٥)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢/ ٢٨٩/ ١٠٥١)، والبزار (٢/ ٣٨ - نصب الراية)، والطحاوي (١/ ٣٩٣) [وانظر: إتحاف المهرة (١٣/ ٦٤٠/ ١٧٢٤٠)]، وابن قانع في المعجم (٣/ ١٨٤ - ١٨٥)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ١٤١ - ١٤٢/ ٣٧٦ - ٣٨١)، وابن حزم في المحلى (٤/ ٥٣)، والبيهقي في السنن (٣/ ١٠٤)، وفي المعرفة (٢/ ٣٨٢/ ١٥٠٧)، والخطيب في التاريخ (٤/ ١٢٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٢/ ٣٣٢ و ٣٣٣)، وانظر: أطراف الغرائب والأفراد (٢/ ١٥٩/ ٤٤٨٢)، الثاني من الأفراد (٤٠). • تنبيهات: اثنان في الإسناد، والثالث في المتن: أما الأول: فقد روى هذا الحديث عن حصين أثبت أصحابه، ممن روى عنه قبل التغير، وغيرهم، مثل: سفيان الثوري، وشعبة، وسفيان بن عيينة، وعبد اللَّه بن إدريس، وأبي زبيد عبثر بن القاسم، وأبي الأحوص سلام بن سليم، وهشيم بن بشير، وزائدة بن قدامة، وخالد بن عبد الله الواسطي، وأبي عوانة، وزهير بن معاوية، وجرير بن عبد الحميد، والحسن بن الصباح، والحسن بن صالح، وأبي حفص الأبار عمر بن عبد الرحمن بن قيس.

стр. 3257

وهم خمسة عشر رجلًا من الثقات، رووه عن حصين به هكذا. وخالفهم: شريك بن عبد الله النخعي، فرواه عن حصين، عن هلال، عن وابصة به. فلم يذكر زياد بن أبي الجعد في الإسناد، وهو وهم ظاهر، من سوء حفظ شريك. أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ١٤٣/ ٣٨٢). وأما التنبيه الثاني: فإن زياد بن أبي الجعد أخذ هلال بن يساف إلى وابصة بن معبد، فقال زياد لهلال: إن هذا الشيخ حدثني بهذا الحديث، ووابصة يسمع، فأقره على ذلك، فاتصل الإسناد بين هلال ووابصة، بعدما سمعه بواسطة عمرو بن راشد وزياد بن أبي الجعد، والله أعلم. قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على جامع الترمذي (١/ ٤٤٩): "فهو كالقراءة على الشيخ، والعرض عليه". قال الترمذي في الجامع (٢٣٠): "وفي حديث حصين ما يدل على أن هلالًا قد أدرك وابصة"، بل سماه ابن رجب سماعًا، فقال في الفتح (٥/ ٢٣): "ورجح الترمذي صحة ذلك، وأن هلالًا سمعه من وابصة مع زياد بن أبي الجعد". وأما التنبيه الثالث: فقد قال عبثر بن القاسم: عن هلال بن يساف، قال: أخذ بيدي زياد بن أبي الجعد، فأقامني على شيخ من بني أسد، يقال له: وابصة بن معبد، فقال: حدثني هذا -والرجل يسمع- أنه: رأى رسول الله ﷺ وقد صلى خلفه رجل، ولم يتصل بالصفوف، فأمره رسول الله ﷺ أن يعيد الصلاة. وقال أبو حفص الأبار: أن رجلًا صلى خلف النبي ﷺ ، في صف وحده، ولم يصل بالصفوف، فأمره النبي ﷺ فأعاد الصلاة. وقال هشيم: أن رجلًا صلى خلف النبي ﷺ وحده، لم يتَّصِلْ بأحد،. . .. وقال زائدة: رأى رجلًا صلى في صفٍ خلف القوم، لم يُصَلِّ بالصفوف،. . . . فهؤلاء أربعة من ثقات أصحاب حصين، وهم ثقات حفاظ، يُعتمد على حفظهم، قد تتابعوا على هذه الزيادة، مما يدل على كونها محفوظة، لا سيما وفيهم هشيم، وهو أثبت الناس في حصين، قال الإمام أحمد: "هشيم لا يكاد يسقط عليه شيء من حديث حصين، ولا يكاد يدلس عن حصين"، وقال أيضًا: "هشيم أعلم بحديث حصين"، وقال أيضًا: "ليس أحد أصح حديثًا عن حصين من هشيم"، والإمام أحمد من أعلم الناس بحديث هشيم، وقال يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي: "هشيم في حصين: أثبت من سفيان وشعبة"، وقال ابن مهدي: "أعلم الناس بحديث حصين، قديمها وحديثها: هشيم" [العلل ومعرفة الرجال (٧١٢)، سؤالات أبي داود لأحمد (٤٤٣)، الجرح والتعديل (٩/ ١١٥)، شرح علل الترمذي (٢/ ٧٣٩)، التهذيب (٤/ ٢٨٠)]. وهذه الزيادة تدل على أن الصف كان فيه متسع، وأن الرجل كان يجد فيه مكانًا؛ إلا

стр. 3258

أنه ترك الاتصال بالصفوف، وصلى خلف القوم في صف وحده، وكان الواجب عليه أن يكمل الصف الناقص، ويصاف الناس، بدلًا من أن يقف منفردًا في صف وحده، والله أعلم. • وقد اختلف الأئمة في حديث عمرو بن مرة، وحديث حصين؛ أيهما أصح؟ أ- فذهب أحمد وأبو حاتم إلى ترجيح رواية عمرو بن مرة: قال أبو محمد الدارمي: "كان أحمد بن حنبل يثبت حديث عمرو بن مرة". فإن قيل: قال عبد الله بن أحمد في المسند (٤/ ٢٢٨) بعد حديث حصين: "وكان أبي يقول بهذا الحديث". فيقال: قاله في آخر مسند وابصة، فيظهر منه أنه أراد عموم حديث وابصة، لا خصوص حديث حصين مرجحًا له على حديث عمرو بن مرة، فيأتلف بذلك النقلان عن الإمام، والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ١٠٠/ ٢٧١): "سألت أبي عن حديث رواه حصين، عن هلال بن يساف، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة: أن رجلًا صلى خلف الصف وحده، فأمره النبي ﷺ أن يعيد. ورواه عمرو بن مرة، عن هلال بن يساف، عن عمرو بن راشد، عن وابصة، عن النبي ﷺ . قلت لأبي: أيهما أشبه؟ قال: عمرو بن مرة أحفظ". ب- وذهب الدارمي والترمذي إلى ترجيح رواية حصين: قال الدارمي: "كان أحمد بن حنبل يثبت حديث عمرو بن مرة، وأنا أذهب إلى حديث يزيد بن زياد بن أبي الجعد"، يعني: المتابع لحديث حصين. وقال الترمذي في الجامع (٢٣٠): "وحديث وابصة حديث حسن،. . .، وروى حديثَ حصين عن هلال بن يساف غيرُ واحد، مثل رواية أبي الأحوص، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة، وفي حديث حصين ما يدل على أن هلالًا قد أدرك وابصة، فاختلف أهل الحديث في هذا: فقال بعضهم: حديث عمرو بن مرة، عن هلال بن يساف، عن عمرو بن راشد، عن وابصة بن معبد: أصح. وقال بعضهم: حديث حصين، عن هلال بن يساف، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة بن معبد: أصح. [قال أبو عيسى]: وهذا عندي أصح من حديث عمرو بن مرة؛ لأنه قد روي من غير حديث هلال بن يساف، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة بن معبد". وقال نحوه في العلل الكبير (٩٥)، وانظر: مختصر الأحكام للطوسي (٢/ ٦٣)، تاريخ دمشق (٦٢/ ٣٣٤). ج- وذهب ابن حبان وابن حزم إلى أن كلا الطريقين محفوظ:

стр. 3259

قال ابن حبان: "سمع هذا الخبر هلال بن يساف عن عمرو بن راشد عن وابصة بن معبد، وسمعه من زياد بن أبي الجعد عن وابصة، والطريقان جميعًا: محفوظان" [صحيح ابن حبان (٥/ ٥٧٨)]. وقال ابن حزم: "ورواية هلال بن يساف حديث وابصة: مرةً عن زياد بن أبي الجعد، ومرةً عن عمرو بن راشد: قوةٌ للخبر، وعمرو بن راشد: ثقة، وثقة أحمد بن حنبل وغيره" [المحلى (٤/ ٥٣ - ٥٤)]. وهذا ما أميل إليه، وهو أن الحديث كان عند هلال بن يساف: عن عمرو بن راشد عن وابصة، وعن زياد بن أبي الجعد عن وابصة، فحدَّث بالأول: عمرو بن مرة، وحدث بالثاني: حصين بن عبد الرحمن السلمي، وكلاهما: حافظ، وهذا أولى من توهيم أحدهما، لا سيما وهلال بن يساف: ثقة، كثير الحديث، يحتمل منه التعدد في الأسانيد، والله أعلم. ولا شك أن الصواب لا يخرج عن أحد هذه الأقوال الثلاثة، والأخير عندي أقربها إلى الصواب، ومع هذا فقد ذهب إلى تضعيف حديث حصين، مع بقية طرق حديث وابصة: البزار، حيث قال: "وأما حديث حصين؟ فإن حصينًا لم يكن بالحافظ، فلا يحتج بحديثه في حكم". قلت: وفي هذا القول مجازفة؛ فإن حصين بن عبد الرحمن السلمي، أبا الهذيل: ثقة ثبت حافظ، احتج به الشيخان، قال ابن رجب الحنبلي عنه في شرح العلل (٢/ ٧٣٩): "أحد الثقات الأعيان المحتج بهم في الصحيحين"، وأكثر ما نقم عليه: أنه ساء حفظه في آخر عمره؛ قاله أبو حاتم وغيره، وقد وثقوه، وقد أنكر بعضهم أنه تغير، مثل ابن المديني، وأيًّا كان فإن الذين رووا عنه هذا الحديث هم من ثقات أصحابه الذين رووا عنه قبل التغير، مثل: هشيم، وشعبة، والثوري، وخالد الطحان، وعبثر بن القاسم، وغيرهم. والخلاصة: فهذا كلام ساقط، لا حجة عليه، ولا دليل. • ثم إن حصين بن عبد الرحمن لم ينفرد بهذا عن هلال بن يساف؛ بل تابعه أحد كبار الثقات الحفاظ: ٣ - فقد رواه منصور بن المعتمر [ثقة ثبت حافظ، لم يكن يدلس]، عن هلال بن يساف، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة بن معبد، قال: رأى النبي ﷺ رجلًا يصلي خلف الصف وحده، فأمره، فأعاد الصلاة. أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٥٩/ ٢٤٨٢)، ومن طريقه: ابن الجارود (٣١٩)، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ١٨٤/ ١٩٩٥)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ١٤١/ ٣٧٥). رواه هكذا عن منصور أثبت أصحابه: سفيان الثوري، وتابعه: معمر بن راشد. خالفهما: إسرائيل [ثقة، ثبت في جده أبي إسحاق، قد يهم في حديث غيره]، فرواه عن منصور، عن عبيد بن أبي الجعد، قال: كنت مع هلال بن يساف بالرقة، فأراني رجلًا

стр. 3260

يقال له: وابصة بن معبد، أو: معبد بن وابصة، فقال: حدثني هذا. . . فذكره. أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٢/ ٣٣٤). وهذه الرواية وهم، وهم فيها راويها حيث جعل: عبيد، بدل: زياد، وقلب القصة، فجعل هلالًا هو الذي سمع الحديث، ثم اضطرب في اسم الصحابي. وثمة وهم آخر على منصور، يأتي ذكره عند سرد ما لم يصح من طرق حديث وابصة. ٤ - وخالفهم: شمر بن عطية [ثقة]، وأبو إسحاق الشيباني [ثقة]، وحجاج بن أرطأة [ليس بالقوي، يدلس عن الضعفاء والمتروكين، ولم يصرح بالسماع]: رواه ثلاثتهم: عن هلال بن يساف، عن وابصة بن معبد، قال: سئل رسول الله ﷺ عن رجل صلى خلف الصفوف وحده؟ فقال: "يعيد الصلاة". وفي رواية: أن النبي ﷺ رأى رجلًا يصلي خلف الصف وحده، فأمره أن يعيد الصلاة. فلم يذكروا أحدًا بين هلال ووابصة. أخرجه أحمد (٤/ ٢٢٨)، وابن أبي شيبة في المسند (٧٥٢)، وابن الأعرابي في المعجم (١/ ٣٣/ ١٥)، وابن قانع في المعجم (٣/ ١٨٤)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ١٤٣ و ١٤٤/ ٣٨٣ و ٣٨٧)، وتمام في الفوائد (٩٥٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٢/ ٣٣٣ و ٣٣٣ - ٣٣٤). وهذه الرواية شاذة؛ لمخالفتها رواية ثلاثة من كبار الثقات الحفاظ الأثبات: عمرو بن مرة، وحصين بن عبد الرحمن، ومنصور بن المعتمر، عن هلال بن يساف، وروايتهم هي المحفوظة. ومع كونها شاذة؛ فإنها لا تثبت: أما رواية شمر بن عطية: فالراوي عنه: هو الأعمش، ولم يسمع منه، قال أحمد في سؤالات حرب الكرماني: "الأعمش لم يسمع من شمر بن عطية" [المراسيل (٢٩٦)، جامع التحصيل (٢٥٨)، إكمال مغلطاي (٦/ ٢٩٥)، تحفة التحصيل (١٣٤)]. وأما رواية أبي إسحاق الشيباني: فلا تصح عنه؛ إذ الراوي عنه هو عدي بن الفضل التيمي، أبو حاتم البصري؛ وهو: متروك. وأما رواية حجاج بن أرطأة: فهو مشهور بالتدليس عن الضعفاء والمتروكين، ولم يصرح بالسماع، وليس هو بالقوي. وهذا لا ينفي سماع هلال بن يساف من وابصة لهذا الحديث؛ ففي رواية حصين ما يدل على أنه أخذه عنه، بل هي في حكم القراءة والعرض على الشيخ، وهو من أصح أنواع التحمل، قال الترمذي في الجامع (٢٣٠): "وفي حديث حصين ما يدل على أن هلالًا قد أدرك وابصة"، بل سماه ابن رجب سماعًا، فقال في الفتح (٥/ ٢٣): "ورجح

стр. 3261

الترمذي صحة ذلك، وأن هلالًا سمعه من وابصة مع زياد بن أبي الجعد". وسيأتي عند أبي داود في الحديث رقم (٩٤٨) ما يدل على سماع هلال من وابصة، وتقدم الكلام عليه تحت الحديث السابق برقم (٦٧٠)، وهو حجة على قول البزار: "وهلال لم يسمع من وابصة". • وهلال بن يساف لم ينفرد بهذا الحديث عن زياد بن أبي الجعد: فقد رواه جماعة: عن يزيد بن زياد بن أبي الجعد، عن عمه عبيد بن أبي الجعد، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة بن معبد: أن رجلًا صلى خلف الصفوف وحده، فأمره النبي ﷺ أن يعيد. أخرجه الدارمي (١/ ٣٣٣/ ١٢٨٦)، وابن حبان (٥/ ٥٧٩/ ٢٢٠١)، وأحمد (٤/ ٢٢٨)، والبزار (٢/ ٣٨ - نصب الراية)، وابن المنذر (٤/ ١٨٤/ ١٩٩٦)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ١٤١ و ١٤٣/ ٣٧٤ و ٣٨٤)، والدارقطني (١/ ٣٦٢ و ٣٦٣)، والبيهقي (٣/ ١٠٥). قال البزار: "وأما حديث يزيد بن زياد: فلا نعلم أحدًا من أهل العلم إلا وهو يضعِّف أخباره، فلا يحتج بحديثه". وهذا أيضًا فيه من المجازفة ما فيه؛ فإني لم أر أحدًا ضعفه، ولم يتفق أهل العلم على رد حديثه هذا، بل أكثرهم على قبوله، وقد اتفقوا على تعديله؛ فوثقه: أحمد وابن معين والعجلي، وقواه أبو حاتم والنسائي وأبو زرعة، وذكره ابن حبان في الثقات، وصحح له ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، واحتج به النسائي [انظر: التهذيب (٤/ ٤١٢)]، والذهبي لم يذكره في الميزان (٤/ ٤٢٣) إلا تمييزًا له عمن تُكُلِّم فيه، وحتى يبين بأنه لا تُعلم فيه جرحة، فهو صدوق؛ إن لم يكن ثقة. وعمه: عبيد بن أبي الجعد: يروي عن جماعة من الصحابة، وروى عنه جماعة من الثقات، وكان قليل الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات، وصحح له في صحيحه، وقال البخاري: "سمع زياد بن أبي الجعد"، وقال ابن حجر: "صدوق" [التاريخ الكبير (٥/ ٤٤٥)، الثقات (٥/ ١٣٨)، الطبقات الكبرى (٦/ ٢٩١)، طبقات مسلم (١٥٤١)، التقريب (٤١١)]. وزياد بن أبي الجعد: تابعي روى عنه تابعيان، وذكره ابن حبان في الثقات، وصحح له هذا الحديث، وقد سمع وابصة بن معبد، ولم ينفرد عنه بهذا الحديث، فقد تابعه عليه: هلال بن يساف، وعمرو بن راشد. • وقد وجدت له طريقًا أخرى من غير طريق يزيد بن زياد: فقد روى الطبراني في الكبير (٢٢/ ١٤٣/ ٣٨٥ و ٣٨٦) بإسنادين يشد أحدهما الآخر، إلى عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن عبيد بن أبي الجعد، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة: أن النبي ﷺ رأى رجلًا يصلي خلف الصف وحده، فأمره أن يعيد الصلاة.

стр. 3262

وإسناده إلى عبيد صحيح، وعبد الواحد بن زياد: ثقة، من أصحاب الأعمش. • ولحديث وابصة طرق أخرى، لا نبسط القول فيها؛ إذ لا يصح منها شيء، والعمدة على ما تقدم، فمنها: ١ - ما رواه أشعث بن سوار، عن بكير بن الأخنس، عن حنش بن المعتمر، عن وابصة بن معبد: أن رجلًا صلى خلف الصف وحده، فأمره النبي ﷺ أن يعيد الصلاة. [رواه عن أشعث بهذا الوجه: يزيد بن هارون، وعمر بن علي المقدمي]. ورواه أشعث مرة ثانية: عن بكير بن الأخنس، عن وابصة [رواه عنه بهذا الوجه: أبو خالد الأحمر سليمان بن حيان]. ورواه ثالثة: عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن وابصة [رواه عنه بهذا الوجه: أبو خالد الأحمر سليمان بن حيان، والمحاربي عبد الرحمن بن محمد بن زياد]. ورواه رابعة: عن بكير بن سوار، عن بكير بن الأخنس، عن حنش بن المعتمر، عن وابصة [رواه عنه بهذا الوجه: حفص بن غياث]. أخرجه من هذه الوجوه: الطبراني في الكبير (٢٢/ ١٤٥ و ١٤٦/ ٣٩١ و ٣٩٥ - ٣٩٨)، والخطيب في المبهمات (٣٢٢). قلت: أشعث بن سوار: ضعيف الحديث، وقد اضطرب في إسناد هذا الحديث اضطرابًا شديدًا. قال أبو حاتم في العلل (١/ ١٠٤/ ٢٨١): "أما عمر: فمحله الصدق، وأشعث هو أشعث"، قال ابن أبي حاتم: "يعني: أنه ضعيف الحديث، وهو أشعث بن سوار". وقال أبو حاتم في موضع آخر من العلل (١/ ١٦٦/ ٤٧٤): "أما عمر: فمحله الصدق، ولولا تدليسه لحكمنا، إذ جاء بالزيادة، غير أنا نخاف أن يكون أخذه عن غير ثقة، وأشعث هو أشعث". ٢ - محمد بن سالم، عن سالم بن أبي الجعد، عن وابصة بن معبد قال: صليت خلف النبي ﷺ صفًّا وحدي، فلما انصرف قال: "أعد الصلاة". أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ١٤٤ و ١٤٥/ ٣٩٠ و ٣٩١). وهذا حديث منكر؛ محمد بن سالم الهمداني أبو سهل الكوفي: متروك، منكر الحديث [التهذيب (٣/ ٥٦٨)]. ٣ - عباد بن منصور، عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن ليث بن أبي سليم، عن سالم بن أبي الجعد، عن وابصة بن معبد، قال: صليت خلف الصفوف وحدي مع رسول الله ﷺ ، فلما انصرف قال: "هكذا صليت؟ " قلت: نعم، قال: "فأعد صلاتك". أخرجه ابن عدي في الكامل (١/ ٢٢٣). قلت: وهذا باطل؛ إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي: متروك، كذبه جماعة، وليث بن أبي سليم: ضعيف؛ لاختلاطه وعدم تميز حديثه، وعباد: متكلم فيه.

стр. 3263

٤ - سهل بن عامر البجلي: ثنا عبد الله بن نمير، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن وابصة به. أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ١٤٥/ ٣٩٢)، والدارقطني في الأفراد (٢/ ١٥٩/ ٤٤٨٤ - أطرافه)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٢/ ٣٣٠). قال الدارقطني: "غريب من حديث إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عنه، تفرد به: سهل بن عامر البجلي عن عبد الله بن نمير عن إسماعيل". وقال ابن عساكر: "هذا حديث غريب". وهو كما قالا؛ فإن المتفرد به عن ابن نمير عن إسماعيل: سهل بن عامر البجلي: منكر الحديث، كذبه أبو حاتم [اللسان (٤/ ٢٠١)]. ٥ - روى إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي في "أمالي أبي إسحاق" (٤٨)، قال: حدثنا محمد بن الحجاج الضبي: أخبرني أبي، الحجاج بن جعفر: حدثني مندل، عن أبي إسحاق الشيباني، عن بكير بن الأخنس، عن وابصة بن معبد، قال: أمر رسول الله ﷺ رجلًا صلى خلف القوم وحده: أن يعيد الصلاة. ومن طريق الهاشمي: أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٢/ ٣٣٠). قال ابن عساكر: "وهذا غريب أيضًا". وهو كما قال؛ مندل بن علي: ضعيف، والحجاج بن جعفر بن إياس بن نُذَير الضبي: لم أعثر له على ترجمة، وابنه محمد: قال فيه ابن عقدة: "في أمره نظر"، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: "يغرب" [الثقات (٩/ ١٢٦)، المؤتلف للدارقطني (٤/ ٢٢٥٩)، تاريخ بغداد (٢/ ٢٨٤)، الأنساب (٤/ ١١)، اللسان (٧/ ٥٦)]. • وقد اشتملت بعض طرق حديث وابصة على زيادة منكرة؛ احتج بها بعضهم على أن من حضر فلم يجد مكانًا في الصف جذب واحدًا من الصف ليصلي إلى جواره؛ وحجته في ذلك ساقطة: ٦ - فقد روى عقيل بن يحيى، قال: ثنا الطائي؛ شيخ قدم علينا أيام أبي داود: ثنا قيس، عن السدي، عن زيد بن وهب: حدثني وابصة بن معبد: أن رجلًا صلى خلف النبي ﷺ وحده، فلما قضى صلاته قال: "ألا دخلت في الصف، أو جذبت اليك رجلًا؟ أعد الصلاة". أخرجه أبو الشيخ ابن حيان في طبقات المحدثين (٢/ ٢٩٢)، وعنه: أبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/ ٤١٥) و (٢/ ٣٤٤). قال أبو نعيم: "ذكر بعض المتأخرين فيما رواه أن الطائي هذا هو يحيى بن عبدويه البغدادي، وذلك أنه زعم أنه تفرد بهذا الحديث عن قيس". ويبدو أن الذي أبهمه هنا هو شيخه أبو محمد ابن حيان؛ فقد قال في الموضع الثاني: "قال أبو محمد: هذا الشيخ أراه يحيى بن عبدويه البغدادي؛ لأن هذا الحديث معروف به".

стр. 3264

ثم وجدت ابن الأعرابي أخرجه في معجمه (٢/ ٥٠٨ و ٦٣٨/ ٩٨٦ و ١٢٦٨)، قال: نا جعفر بن محمد بن كزال: نا يحيى بن عبدويه: حدثنا قيس، عن السدي، عن زيد بن وهب، عن وابصة بن معبد: أن رجلًا صلى خلف الصف وحده، وكان النبي ﷺ يرى من خلفه كما يرى من بين يديه، فقال له النبي ﷺ : "ألا دخلت في الصف، أو جذبت رجلًا صلى معك؛ أعد الصلاة". وهذا مما يزيل الشك في كون الطائي هو يحيى بن عبدويه نفسه، كما جزم بذلك أبو الشيخ، إلا أن شيخ ابن الأعرابي: جعفر بن محمد بن كزال: مختلف فيه، فقد وثقه مسلمة بن قاسم، وقال الدارقطني: ليس بالقوي" [سؤالات الحاكم (٧١)، تاريخ بغداد (٧/ ١٨٩)، اللسان (٢/ ١٥٨)]. ويحيى بن عبدويه: أثنى عليه أحمد، وأمر ابنه عبد الله بالسماع منه، ولعله خفي عليه أمره، فقد كذبه يحيى بن معين، قال: "كذاب، رجل سوء"، وقال مرة: "ليس بشيء"، وقال أبو حاتم: "هو مجهول"، وقال ابن عدي: "ليس بالمعروف"، وفي موضع آخر: "حدث عن شعبة وحماد بن سلمة بأحاديث ليست بمحفوظة"، ثم قال: "وأرجو أنه لا بأس به" [انظر: الجرح والتعديل (٩/ ١٧٣)، الكامل (٥/ ٢١٣) و (٧/ ٢١٠)، تاريخ بغداد (١٤/ ١٦٥)، السير (١٠/ ٤٢٤)، اللسان (٨/ ٤٦٢)]. قلت: فمثله لا يحتمل تفرده عن قيس بن الربيع، وقيس: صدوق، تغير حفظه لما كبر، والعهدة فيه على ابن عبدويه. فهو حديث منكر، والله أعلم. ٧ - وروى السري بن إسماعيل، عن الشعبي، عن وابصة بن معبد، قال: انصرف رسول الله ﷺ ورجل يصلي خلف القوم وحده، فقال: "أيها المصلي وحده! ألا تكون وصلت صفًّا فدخلت معهم، أو اجتررت رجلًا إليك أن ضاق بك المكان! أعد صلاتك؛ فإنه لا صلاة لك". وفي رواية: رأى رسول الله ﷺ رجلًا يصلي خلف الصف وحده، فقال له: "أعد" وقال: "ما على أحدكم إذا جاء أن يجر معه رجلًا فيقيمه معه". وفي رواية: "أيها المصلي وحده! هلا كنت وصلت الصف، أم أخذت بيد رجل من القوم فصف معك! فإنه لا صلاة لك وحدك، فأعد صلاتك". أخرجه أبو يعلى في المسند (٣/ ١٦٢/ ١٥٨٨)، وفي المفاريد (٩٩)، وابن الأعرابي في المعجم (١/ ٤٠٨/ ٧٩٠) و (٢/ ٥٠٨/ ٩٨٥)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ١٤٥/ ٣٩٣ و ٣٩٤)، وفي الأوسط (٨/ ٢٠٧ - ٢٠٨/ ٨٤١٦)، والبيهقي (٣/ ١٠٥). قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث بهذا التمام عن الشعبي إلا السري بن إسماعيل، تفرد به: عباد". قلت: عباد بن صهيب: متروك [اللسان (٤/ ٣٩٠)]، لكنه توبع عليه، تابعه عليه

стр. 3265

جماعة من الثقات ومن المتروكين أيضًا، وإنما الآفة فيه من السري بن إسماعيل؛ فإنه متروك، أحاديثه عن الشعبي: منكرة [التهذيب (١/ ٦٨٧)]. وقال البيهقي: "تفرد به السري بن إسماعيل، وهو ضعيف". قلت: هو حديث منكر. ٨ - إبراهيم بن عبد الله بن أيوب المخرمي: نا صالح بن مالك: نا عيسى بن يونس: نا الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن وابصة بن معبد، قال: صلى رسول الله ﷺ فرأى رجلًا يصلي خلف الصف وحده، فقال له: "ألا أخذت بيد رجل فأقمته إلى جنبك، أو دخلت في الصف، قم فأعد صلاتك". أخرجه أبو الفضل الزهري في حديثه (١٢٩)، ومن طريقه: ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٢/ ٣٣١). قال ابن عساكر: "وهذا غريب، والمحفوظ حديث هلال بن يساف في سنده". قلت: إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن أيوب المخرمي أبو إسحاق: قال أبو علي الحافظ: "لا ينكر عليه"، وقال الإسماعيلي: "ما هو عندي إلا صدوق"، وخفي عليهما ما وقف عليه الدارقطني من أمره حتى قال فيه: "ليس بثقة، حدث عن قوم ثقات بأحاديث باطلة" [سؤالات السهمي (١٨٣)، تاريخ بغداد (٦/ ١٢٤)، الأنساب (٥/ ٢٢٤)، اللسان (١/ ٣٠٤)]. وهذا هو علة الحديث عندي، حيث قلب إسناده، وقال: سالم بن أبي الجعد، بدل: زياد بن أبي الجعد، وأما صالح بن مالك الخوارزمي: فقد سكن بغداد، وحدث عن عيسى بن يونس وغيره، روى عنه أبو زرعة، وقال ابن حبان في الثقات: "مستقيم الحديث"، وقال الخطيب: "كان صدوقًا" [الجرح والتعديل (٤/ ٤١٦)، الثقات (٨/ ٣١٨)، تاريخ بغداد (٩/ ٣١٦)]. وهذا الحديث قد رواه عبد الواحد بن زياد عن الأعمش؛ فلم يذكر فيه هذه الزيادة في المتن، إلا أنه قد اختلف على عبد الواحد في إسناده: أ- فروى الطبراني في الكبير (٢٢/ ١٤٣/ ٣٨٥ و ٣٨٦) بإسنادين يشد أحدهما الآخر، إلى عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن عبيد بن أبي الجعد، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة: أن النبي ﷺ رأى رجلًا يصلي خلف الصف وحده، فأمره أن يعيد الصلاة. ب- ثم رواه الطبراني (٢٢/ ١٤٤/ ٣٨٨)، بأحد الإسنادين السابقين مع مخالفة في السند، قال الطبراني: حدثنا حفص بن عمر الرقي: ثنا معلَّى بن أسد العمي: ثنا عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن عبيد بن أبي الجعد، عن سالم بن أبي الجعد، عن وابصة به. وهذا ما أظنه إلا وهمًا من شيخ الطبراني، حيث حدثه بالحديث مرتين فأصاب مرة، وقلب إسناده مرة أخرى، والله أعلم، حيث جعل سالم بن أبي الجعد مكان زياد بن أبي

стр. 3266

الجعد، وحفص بن عمر بن الصباح الرقي، المعروف بسنجة ألف، قال عنه أبو أحمد الحاكم: "حدث بغير حديث لم يتابع عليه"، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: "ربما أخطأ"، وقال الخليلي: "وكان يحفظ، وينفرد برفع حديث"، وقال الذهبي: "وهو صدوق في نفسه، وليس بمتقن" [الثقات (٨/ ٢٠١)، الإرشاد (٢/ ٤٧٣)، تاريخ الإسلام (٢٠/ ٣٣٩)، السير (١٣/ ٤٠٥)، اللسان (٣/ ٢٣٦)]. وعلى هذا فالمحفوظ عن الأعمش هو الإسناد الأول: عن عبيد بن أبي الجعد، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة، فإن هذا الحديث لا يُعرف من حديث سالم بن أبي الجعد من وجه يصح، والله أعلم. ومما يؤكد كون هذا هو المحفوظ عن عبد الواحد بن زياد، أن أبا نعيم لما ذكر أسانيد حديث وابصة في معرفة الصحابة (٥/ ٢٧٢٥/ ٦٥٠٥)، لم يذكر لعبد الواحد سوى هذا الإسناد، فقال: "ورواه عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن عبيد بن أبي الجعد، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة". والخلاصة: أن هذه الزيادة في حديث وابصة لا تثبت بحال؛ بل هي زيادة منكرة. • وخلاصة القول في حديث وابصة بن معبد: أنه حديث صحيح، بطريقيه عن هلال بن يساف. وقد ذهب بعض العلماء إلى تضعيف حديث وابصة هذا، مثل الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وتبعه على ذلك جماعة: قال الإمام الشافعي: "وقد سمعت من أهل العلم بالحديث من يذكر أن بعض المحدثين من يدخل بين هلال بن يساف ووابصة فيه رجلًا، ومنهم من يرويه عن هلال عن وابصة سمعه منه، وسمعت بعض أهل العلم منهم كأنه يوهنه بما وصفت" [اختلاف الحديث (١٧٢)]. ونقله عنه البيهقي في المعرفة (٢/ ٣٨٢)، ثم قال: "ولم يخرجه البخاري ولا مسلم في الصحيح؛ لما حكاه الشافعي من الاختلاف في إسناد حديث وابصة، ولما في إسناد حديث علي بن شيبان من أن رجاله غير مشهورين" [وانظر: نصب الراية (٢/ ٣٨)]. وقال ابن عبد البر في التمهيد (١/ ٢٦٩): "وحديث وابصة: مضطرب الإسناد، لا يثبته جماعة من أهل الحديث". وقال في الاستذكار (٢/ ٢٧١): "مضطرب الإسناد، لا يقوم به حجة، وقد اتفق فقهاء الحجاز والعراق على ترك القول به، منهم: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابهم، ومن سلك سبيلهم، كلهم يرى أن صلاة الرجل خلف الصف جائزة". وتقدم نقل كلام البزار في تضعيفه لحديث وابصة، وتقدم الرد عليه في موضعه [وانظر: عمدة القاري (٥/ ٢٦٢) و (٦/ ٥٥ و ٢١٦)]. قلت: وأما كلام الشافعي ومن تبعه في إعلال الحديث بالاضطراب: فليس بصحيح،

стр. 3267

وتقدم بيان ذلك، وأن الصحيح: أن هلال بن يساف سمعه من عمرو بن راشد، وسمعه أيضًا من زياد بن أبي الجعد، ثم أخذه زياد إلى شيخه فأوقفه عليه، وعرض عليه الحديث فأقره، وهلال يسمع، فاتصل الإسناد بين هلال ووابصة. ورواه أيضًا: الأعمش، ويزيد بن زياد بن أبي الجعد، عن عبيد بن أبي الجعد، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة. • وقد تقدم أن حديث وابصة: صححه ابن حبان، وابن حزم، وحسنه أحمد، والترمذي، والبغوي. واحتج به: أحمد، وإسحاق، وابن معين، والدارمي، وأبو داود، وابن المنذر، وابن خزيمة. قال أحمد: "حديث وابصة حسن" [المغني (٢/ ٢٢)]. وقد احتج به أحمد بن حنبل، وثبَّته: ففي مسائل صالح بن أحمد بن حنبل (٤٣٤): "وسألته عن الرجل يصلي خلف الصف وحده؟ قال: يعيد الصلاة" [وكذا قال في مسائل ابن هانئ (٤٣٣)]. وفي مسائل ابنه عبد الله (٤٠٣)، قال: "أذهب فيه إلى حديث وابصة بن معبد". وقال في موضع آخر (٤١٣): "سألت أبي عن رجل صلى خلف الصف وحده؟ قال: يعيد الصلاة؟ أذهب فيه إلى حديث وابصة بن معبد: أن النبي ﷺ أمره أن يعيد الصلاة". وقال أحمد في مسائل أبي داود (٢٥٠): "وإن صلى خلف الصف وحده أعاد الصلاة" [وانظر أيضًا: (٢٥١)]. وقال أيضًا: "لا أعرف لحديث وابصة مخالفًا" [الفتح لابن رجب (٥/ ٢٥)]. وقال عبد الله في المسند (٤/ ٢٢٨): "وكان أبي يقول بهذا الحديث". وقال الدارمي: "كان أحمد بن حنبل يثبت حديث عمرو بن مرة". وفي مسائل إسحاق بن منصور الكوسج (٢٥٩): "إذا صلى خلف الصف وحده يعيد؟ قال: يعيد. قال إسحاق: كما قال". وقال في موضع آخر (٣٤٩): "قلت لسفيان: رجل صلى خلف الصف وحده؟ قال: ما أرى عليه إعادة. قال الإمام أحمد: خلافًا أبدًا. قال إسحاق: إذا صلى خلف الصف وحده فعليه الإعادة". وقال ابن نصر المروزي في اختلاف العلماء (٤٢): "قال أحمد وإسحاق: عليه أن يعيد الصلاة، واحتجا بحديث وابصة بن معبد". وقال ابن المنذر: "وقد ثبَّت هذا الحديث: أحمد، وإسحاق، وهما من معرفة الحديث بالموضع الذي لا يدفعان عنه، وقال أحمد: حديث أبي بكرة يقويه؛ قول النبي ﷺ : "لا تعد". وقال ابن معين في الرجل يصلي خلف الصف وحده، قال: "يعيد" [تاريخ الدوري

стр. 3268

(٣/ ٤٧٦/ ٢٣٢٤)]، قال ابن رجب في الفتح (٥/ ٢٤): "وهو دليل على ثبوته عنده". وقال الدارمي: "وأنا أذهب إلى حديث يزيد بن زياد بن أبي الجعد"، وقال بعده: "أقول بهذا". وقال الترمذي في الجامع (٢٣٥): "حديث وابصة حديث حسن". وقال ابن المنذر: "صلاة الفرد خلف الصف باطل؛ لثبوت خبر وابصة، وخبر علي بن الجعد بن شيبان". وقال البغوي: "حديث حسن". وقال ابن القيم في حاشية السنن (٢/ ٢٦٦): "فالحديث محفوظ". • ومن شواهده: ١ - حديث علي بن شيبان: يرويه ملازم بن عمرو، عن عبد الله بن بدر، قال: حدثني عبد الرحمن بن علي بن شيبان، عن أبيه علي بن شيبان، وكان من الوفد، قال: خرجنا حتى قدمنا على نبي الله ﷺ فبايعناه، وصلينا خلفه، فرأى رجلًا يصلي خلف الصفوف، قال: فوقف عليه نبي الله ﷺ حتى انصرف، فقال: "استقبل صلاتك؛ فلا صلاة للذي خلف الصف". وفي لفظ له: قال ملازم بن عمرو: حدثنا عبد الله بن بدر: أن عبد الرحمن بن علي حدثه: أن أباه علي بن شيبان حدثه: أنه خرج وافدًا إلى رسول الله ﷺ قال: فصلينا خلف النبي ﷺ ، فلمح بمؤخَّر عينه إلى رجل لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، فلما انصرف رسول الله ﷺ قال: "يا معشر المسلمين! إنه لا صلاة لمن لا يقيم صلبه في الركوع والسجود"، قال: ورأى رجلًا يصلي خلف الصف، فوقف حتى انصرف الرجل، فقال رسول الله ﷺ : "استقبل صلاتك؛ لا صلاة لرجل فرد خلف الصف". أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٢٥٩)، وابن ماجه (١٠٠٣)، وابن خزيمة (٣/ ٣٠/ ١٥٦٩)، وابن حبان (٥/ ٥٧٩ و ٥٨٠/ ٢٢٠٢ و ٢٢٠٣)، وأحمد (٤/ ٢٣) و (٥/ ٤٥٦ - ساقط من الميمنية)، وابن سعد في الطبقات (٥/ ٥٥١)، وابن أبي شيبة (٢/ ١١/ ٥٨٨٨) و (٧/ ٢٨٠/ ٣٦٠٨١)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (١/ ١١٦)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (١/ ٣٦٢/ ١٢٧٧ - السفر الثاني)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣/ ٢٩٧ - ٢٩٨/ ١٦٧٨)، والبزار (٢/ ٣٩ - نصب الراية)، والطحاوي (١/ ٣٩٤)، وابن قانع في المعجم (١/ ٣٤٠)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٤/ ١٩٧١/ ٤٩٥١)، ابن حزم في المحلى (٤/ ٥٣)، والبيهقي (٣/ ١٠٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٢/ ٢٤٧)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٤٨٥/ ٧٤٨). تنبيه: وقع في معجم ابن قانع: عن عبد الرحمن بن علي، عن أبيه، عن شيبان، وجعله من مسند شيبان. قال ابن حجر في الإصابة (٣/ ٣٦٩): "وهذا الحديث أخرجه أحمد وابن حبان من

стр. 3269

هذا الوجه، لكن ليس فيه: عن شيبان، وإنما فيه عن عبد الرحمن بن علي بن شيبان، فصحفت بن، فصارت عن، والله أعلم". قال البزار: "وعبد الله بن بدر: ليس بالمعروف، إنما حدث عنه ملازم بن عمرو ومحمد بن جابر، فأما ملازم فقد احتمل حديثه، وإن لم يحتج به، وأما محمد بن جابر فقد سكت الناس عن حديثه، وعلي بن شيبان لم يحدث عنه إلا ابنه، وابنه هذه صفته، وإنما يرتفع جهالة المجهول إذا روى عنه ثقتان مشهوران، فأما إذا روى عنه من لا يحتج بحديثه لم يكن ذلك الحديث حجة، ولا ارتفعت جهالته". وأعل البيهقي في المعرفة حديث علي بن شيبان بأن "رجاله غير مشهورين" [(٢/ ٣٨٢)]. وقال ابن حجر في الفتح (٢/ ٢١٣): "في صحته نظر". قلت: هذا إسناد يمامي صحيح؛ رجاله كلهم ثقات: عبد الرحمن بن علي بن شيبان: ذكره ابن حبان في الثقات، وصحح له هذا الحديث، وقال العجلي: "تابعي، ثقة"، ووثقه أيضًا: أبو العرب التميمي، وابن حزم، وصحح له ابن خزيمة هذا الحديث وغيره [صحيح ابن خزيمة (٥٩٣ و ١٥٦٩)، [التهذيب (٢/ ٥٣٥)]، فهو: ثقة. وعبد الله بن بدر: يمامي، ثقة، وهو جد ملازم بن عمرو، قال ابن معين، وأبو زرعة، والعجلي وابن حزم: "ثقة"، وقال أحمد: "ليس به بأس"، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وصحح له هذا الحديث وغيره، وصحح له أيضًا: ابن خزيمة والحاكم، واحتج به النسائي، وروى عنه: جماعة من الثقات المشاهير [التهذيب (٢/ ٣٠٦)، سؤالات أبي داود (٥٥٢)]. وملازم بن عمرو: يمامي، ثقة، قال أحمد وابن معين وأبو زرعة والنسائي والعجلي والدارقطني وابن حزم: "ثقة"، وقال أبو حاتم: "صدوق، لا بأس به"، وقال أبو داود: "ليس به بأس"، وذكره ابن حبان في الثقات، وصحح له ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، واحتج به النسائي، فكيف يقال بعد ذلك: لا يحتج بحديثه؟! وحديث علي بن شيبان هذا: صححه ابن خزيمة، وابن حبان. وسال الأثرمُ الإمامَ أحمد عن هذا الحديث، فقال الأثرم: "قلت لأبي عبد الله: حديث ملازم بن عمرو -يعني: هذا الحديث- في هذا أيضًا حسن؟ قال: نعم" [المغني (٢/ ٢٢)، الفتح لابن رجب (٥/ ٢٥)، التلخيص (٢/ ٧٩)]. وقال ابن المنذر: "صلاة الفرد خلف الصف: باطل؛ لثبوت خبر وابصة، وخبر علي بن الجعد بن شيبان". وقال الدارقطني عن هذا الإسناد بأنه قد حمله الناس، ويخرَّج [سؤالات البرقاني (٥٧٠)].

стр. 3270

وقال ابن حزم: "ملازم: ثقة، وثَّقه ابن أبي شيبة وابن نمير وغيرهما، وعبد الله بن بدر: ثقة مشهور، وما نعلم أحدًا عاب عبد الرحمن بأكثر من أنه لم يرو عنه إلا عبد الله بن بدر، وهذا ليس جُرْحةً" [المحلى (٤/ ٥٣)]. قلت: قد روى عنه ثلاثة، وهو: ثقة، قال ابن رجب في الفتح (٥/ ٢٥): "مشهور، وروى عنه جماعة من أهل اليمامة، وذكره ابن حبان في الثقات". وحسن النووي إسناده في الخلاصة (٢/ ٧١٨/ ٢٥١٧)، وفي المجموع (٤/ ٢٥٦). وصحح إسناده ابن القيم في إعلام الموقعين (٢/ ٣٥٨). وقال الذهبي في التنقيح (١/ ٢٦٣): "سنده قوي". ٢ - حديث ابن عباس: • يرويه النضر بن عبد الرحمن أبو عمر الخزاز، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رجلًا صلى خلف الصفوف وحده، فأمره النبي ﷺ أن يعيد الصلاة. أخرجه البزار (١/ ٢٥٠/ ٥١٦ - كشف الأستار)، والعقيلي (٤/ ٢٩١)، والسهمي في تاريخ جرجان (٢٦٣)، والطبراني في الكببر (١١/ ٢٥٥/ ١١٦٥٨)، وفي الأوسط (٥/ ١١٥/ ٤٨٣٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٣/ ١٤١ - ١٤٢). قال البزار: "لا نعلمه يُروى عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد". وقال الطبراني: "لا يُروى هذا الحديث عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد، تفرد به: أبو يحيى الحماني". وسأل ابنُ هانئ الإمامَ أحمد عن هذا الحديث، فقال: "هذا منكر"، أو قال: "باطل"، ثم قال: "النضر أبو عمر: منكر الحديث، وقد حدث عنه الحماني أحاديث مناكير سوى هذا الحديث" [مسائل ابن هانئ (٢/ ٢٣٣/ ٢٢٨٦)]. وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٨/ ٤٧٥): "سألت أبي عن النضر أبى عمر الخزاز؟ فقال: منكر الحديث، ضعيف الحديث، روى عن عكرمة عن ابن عباس: أن رجلًا صلى خلف الصف وحده، فأمره النبي ﷺ أن يعيد، حدث بمثل هذا". وقال العقيلي: "وهذا يروى عن وابصة بن معبد عن النبي ﷺ بأسانيد أجود من هذا الإسناد". فهو حديث منكر؛ تفرد به النضر بن عبد الرحمن أبو عمر الخزاز، وهو: متروك، منكر الحديث [التهذيب (٤/ ٢٢٥)]. • وله إسناد آخر، يرويه حماد بن داود الكوفي، قال: حفظته عن علي بن صالح، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس:. . . فذكره. أخرجه ابن عدي في الكامل (٢/ ٢٥١). قال ابن عدي: "وهذا بهذا الإسناد معضل، لا يرويه غير حماد بن داود هذا، وليس بالمعروف".

стр. 3271

• وله حديث آخر: يرويه بشر بن إبراهيم [المعروف بالمفلوج، وهو ممن يضع الحديث. اللسان (٢/ ٢٨٧)]: حدثني الحجاج بن حسان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا انتهى أحدكم إلى الصف وقد تم؛ فليجذب إليه رجلًا يقيمه إلى جنبه". أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ٣٧٤/ ٧٧٦٤). قال الطبراني: "لا يروى هذا الحديث عن رسول الله ﷺ إلا بهذا الإسناد، تفرد به: بشر بن إبراهيم". وهذا حديث باطل، موضوع بهذا الإسناد؛ إنما يرويه يزيد بن هارون [ثقة متقن]، عن الحجاج بن حسان [لا بأس به]، عن مقاتل بن حيان [ثقة، يروي عن التابعين] رفعه، قال: قال النبي ﷺ : "إن جاء رجل فلم يجد أحدًا، فليختلج إلبه رجلًا من الصف، فليقم معه، فما أعظم أجر المختلج". أخرجه أبو داود في المراسيل (٨٣)، ومن طريقه: البيهقي (٣/ ١٠٥). وهذا معضل، سقط من إسناده على أقل الأحوال: صحابي وتابعي. ٣ - حديث أبي هريرة: يرويه عبد الله بن محمد بن القاسم العبادي البصري، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أنا محمد بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: رأى رسول الله ﷺ رجلًا يصلي خلف الصفوف وحده، فقال: "أعد الصلاة". أخرجه ابن حبان في المجروحين (٢/ ٤٤ - ٤٥)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٢٨٣/ ٥٣٢٣). قال ابن حبان: "عبد الله بن محمد بن القاسم، مولى جعفر بن سليمان الهاشمي: يروي عن يزيد بن هارون المقلويات، وعن غيره من الثقات الملزقات، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد"، ثم ساق له هذا الحديث. وقال الطبراني: "لا يروى هذا الحديث عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد، تفرد به: عبد الله بن محمد العبادي". قلت: هو حديث باطل؛ لتفرد العبادي هذا به. • ومن فقه حديث الباب: هذه المسألة قد اختلف فيها أهل العلم: ١ - فقال بصحة الصلاة فذًا خلف الصف: الحسن البصري، ومالك، والأوزاعي، والثوري، وابن المبارك، والليث بن سعد، والشافعي، وأبو حنيفة [المدونة (١/ ١٠٦)، الأصل (١/ ١٩٧)، مصنف ابن أبي شيبة (٢/ ١٢)، تاريخ ابن معين للدوري (٣/ ٣٦٠/ ١٧٤٧)، العلل ومعرفة الرجال (٣/ ٥٠١/ ٦١٥٣)، جامع الترمذي (٢٣٠)، الأوسط (٤/ ١٨٣)، سنن البيهقي (٣/ ١٠٥)، الاستذكار (٢/ ٣١٥)، فتح الباري لابن رجب (٥/ ١٧)، وغيرها كثير].

стр. 3272

٢ - وقال بأنه لا تصح صلاة الفذ خلف الصف: إبراهيم النخعي، والحكم، والحسن بن صالح، وحماد بن أبي سليمان، وابن أبي ليلى، وأبو بكر بن أبي شيبة، والدارمي، ووكيع، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وابن المنذر، وأكثر أهل الظاهر، وغيرهم [مصنف عبد الرزاق (٢/ ٥٩/ ٢٤٨٣)، مصنف ابن أبي شيبة (٢/ ١٢) و (٧/ ٢٨٠)، سنن الدارمي (١/ ٣٣٣)، تاريخ الدوري (٣/ ٣٦٠/ ١٧٤٦) و (٣/ ٤٧٥/ ٢٣٢٤)، مسائل صالح (٤٣٤)، مسائل عبد الله (٤٠٣ و ٤١٣)، مسائل إسحاق بن منصور الكوسج (٢٥٩ و ٣٤٩)، جامع الترمذي (٢٣٠ و ٢٣١)، مسند ابن الجعد (١١٢ و ١١٣)، الأوسط (٤/ ١٨٣)، فتح الباري لابن رجب (٥/ ١٧)، وغيرها كثير]. وقد احتج الشافعي في اختلاف الحديث، في باب: صلاة المنفرد، بحديثين، وبالقياس: أما الحديثان: فالأول: حديث أبي بكرة: أنه ركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف، فقال له النبي ﷺ : "زادك الله حرصًا، ولا تعد" [أخرجه البخاري (٧٨٣)]. قال الشافعي: "فكأنه أحب له الدخول في الصف، ولم ير عليه العجلة بالركوع حتى يلحق بالصف، ولم يأمره بالإعادة، بل فيه دلالة على أنه رأى ركوعه منفردًا مجزئًا عنه". وأما الحديث الثاني: حديث أنس بن مالك: أن جدته مُلَيكة، دعت رسول الله ﷺ لطعام صنعَتْه،. . . فذكر الحديث، والشاهد منه قوله: وصفَفْتُ أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، فصلى لنا ركعتين، ثم انصرف [متفق عليه، وقد تقدم برقم (٦١٢)]. قال الشافعي: "فأنس يحكي أن امرأة صلت منفردة مع رسول الله ﷺ ، ولا فرق في هذا بين امرأة ورجل، فإذا أجزأت المرأةَ صلاتُها مع الإمام منفردة؛ أجزأ الرجلَ صلاتُه مع الإمام منفردًا، كما تجزئها هي صلاتها". وأما القياس: فإنه قاس صلاة المنفرد خلف الصف وحده، على صلاة الرجل منفردًا، وعلى صلاة الإمام منفردًا أمام الصف في صلاة الجماعة، فإذا كانت صلاتهما لا تفسد بالانفراد؛ فكذلك هنا. وقال محمد بن الحسن الشيباني في الأصل (١/ ١٩٧) ناقلًا مذهب أبي حنيفة: "قلت: أرأيت رجلًا انتهى إلى الإمام وقد سبقه بركعة، فقام الرجل خلف الصف فصلى وحده بصلاة الإمام؟ قال: يجزيه، قلت: لم؟ قال: أرأيت لو كان معه رجل على غير وضوء، أو كان معه صبي، أو كان رجلان في صف، فكبر أحدهما قبل الآخر، أما يجزيه؟ قلت: بلى، قال: فهذا وذاك سواء". وقد رد على ذلك جماعة من الأئمة، وممن فصل القول فيه الإمام ابن خزيمة في صحيحه (٣/ ٣١)، وغيره، وننقل هنا شيئًا يسيرًا يدل على المطلوب. قال الترمذي بعد حديث أنس [(٢٣٤)]: "وقد احتج بعض الناس بهذا الحديث في

стр. 3273

إجازة الصلاة إذا كان الرجل خلف الصف وحده، وقالوا: إن الصبي لم تكن له صلاة، وكأن أنسًا كان خلف النبي ﷺ وحده في الصف، وليس الأمر على ما ذهبوا إليه، لأن النبي ﷺ أقامه مع اليتيم خلفه، فلولا أن النبي ﷺ جعل لليتيم صلاة لما أقام اليتيم معه، ولأقامه عن يمينه، وقد روي عن موسى بن أنس، عن أنس: أنه صلى مع النبي ﷺ ، فأقامه عن يمينه". وقال ابن خزيمة (٣/ ٣٠ - ٣١): "باب الزجر عن صلاة المأموم خلف الصف وحده، والبيان أن صلاته خلف الصف وحده غير جائزة، يجب عليه استقبالها، وأن قوله: "لا صلاة له" من الجنس الذي نقول: إن العرب تنفي الاسم عن الشيء لنقصه عن الكمال". ثم قال: "واحتج بعض أصحابنا وبعض من قال بمذهب العراقيين في إجازة صلاة المأموم خلف الصف وحده بما هو بعيد الشبه من هذه المسألة، احتجوا بخبر أنس بن مالك: أنه صلى وامرأة خلف النبي ﷺ ، فجعله عن يمينه، والمرأة خلف ذلك، فقالوا: إذا جاز للمرأة أن تقوم خلف الصف وحدها، جاز صلاة المصلي خلف الصف وحده، وهذا الاحتجاج عندي غلط؛ لأن سنة المرأة أن تقوم خلف الصف وحدها؛ إذا لم تكن معها امرأة أخرى، وغير جائز لها أن تقوم بحذاء الإمام، ولا في الصف مع الرجال". . . ثم أطال في الرد، ثم قال: "والمرأة إذا قامت خلف الصف، ولا امرأة معها، ولا نسوة: فاعلة ما أمرت به، وما هو سنتها في القيام، والرجل إذا قام في الصف وحده: فاعل ما ليس من سنته، إذ سنته أن يدخل الصف فيصطف مع المأمومين، فكيف يكون أن يشبه ما زجر المأموم عنه مما هو خلاف سنته في القيام، بفعل امرأة فعلت ما أمرت به، مما هو سنتها في القيام خلف الصف وحدها، فالمشبِّهُ المنهيَّ عنه بالمأمور به مغفَّل بيِّن الغفلة، مشبه بين فعلين متضادين، إذ هو مشبه منهي عنه بمأمور به، فتدبروا هذه اللفظة يبن لكم بتوفيق خالقنا حجة ما ذكرنا. وزعم مخالفونا من العراقيين في هذه المسألة: أن المرأة لو قامت في الصف مع الرجال حيث أمر الرجل أن يقوم، أفسدت صلاة من عن يمينها، ومن عن شمالها، والمصلي خلفها، والرجل مأمور عندهم أن يقوم في الصف مع الرجال، فكيف يشبه فعل امرأة لو فعلت أفسدت صلاة ثلاثة من المصلين؛ بفعل من هو مأمور بفِعله -إذا فَعَله- لا يفسد فِعلُه صلاة أحد". وقال ابن المنذر في الأوسط (٤/ ١٨٣): "صلاة الفرد خلف الصف باطل؛ لثبوت خبر وابصة، وخبر علي بن الجعد بن شيبان". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في المجموع (٢٣/ ٣٩٧): "وأما حديث أبى بكرة: فليس فيه أنه صلى منفردًا خلف الصف قبل رفع الإمام رأسه من الركوع، فقد أدرك من الاصطفاف المأمور به، ما يكون به مدركًا للركعة، فهو بمنزلة أن يقف وحده ثم يجيء آخر

стр. 3274

فيصافه في القيام، فإن هذا جائز باتفاق الأئمة، وحديث أبي بكرة فيه النهي بقوله: "ولا تعد"، وليس فيه أنه أمره بإعادة الركعة، كما في حديث الفذ، فإنه أمره بإعادة الصلاة، وهذا مبين مفسر، وذلك مجمل، حتى لو قُدِّر أنه صرح في حديث أبى بكرة بأنه دخل في الصف بعد اعتدال الإمام -كما يجوز ذلك في أحد القولين في مذهب أحمد وغيره- لكان سائغًا في مثل هذا، دون ما أمر فيه بالإعادة، فهذا له وجه، وهذا له وجه". وقال ابن القيم في إعلام الموقعين (١/ ٤٧٧ - ٤٧٨): "فصل: إعادة الصلاة لمن صلى منفردًا خلف الصف توافق القياس: ومن ذلك: ظنُّ بعضِهم أن أمره ﷺ لمن صلى فذًا خلف الصف بالإعادة على خلاف القياس؛ فإن الإمام والمرأة فذان وصلاتهما صحيحة. وهذا من أفسد القياس وأبطله؛ فإن الإمام يسَنُّ في حقه التقدم، وأن يكون وحده، والمأمومون يسنُّ في حقهم الاصطفاف، فقياس أحدهما على الآخر من أفسد القياس، والفرق بينهما: أن الإمام إنما جعل ليؤتم به، وتشاهَد أفعاله وانتقالاته، فإذا كان قدَّامهم حصل مقصود الإمامة، وإذا كان في الصف لم يشاهده إلا من يليه، ولهذا جاءت السنة بالتقدم ولو كانوا ثلاثة، محافظة على المقصود بالائتمام. وأما المرأة: فإن السنة وقوفها فذة إذا لم يكن هناك امرأة تقف معها، لأنها منهية عن مصافة الرجال، فموقفها المشروع أن تكون خلف الصف فذة، وموقف الرجل المشروع أن يكون في الصف، فقياس أحدهما على الآخر من أبطل القياس وأفسده، وهو قياس المشروع على غير المشروع". وفي هذا المعنى يقول شيخ الإسلام: "فكيف يقاس المنهي بالمأمور به، وكذلك وقوف الإمام أمام الصف هو السنة، فكيف يقاس المأمور به بالمنهي عنه، والقياس الصحيح: إنما هو قياس المسكوت على المنصوص، أما قياس المنصوص على منصوص يخالفه: فهو باطل باتفاق العلماء، كقياس الربا على البيع، وقد أحلَّ الله البيع وحرَّم الربا" [المجموع (٢٣/ ٣٩٦)]. قال ابن القيم: "فإن قيل: فلو كان معها نساء ووقفت وحدها صحت صلاتها. قيل: هذا غير مسلَّم، بل إذا كان صف النساء فحكم المرأة بالنسبة إليه في كونها فذة كحكم الرجل بالنسبة إلى صف الرجال [وهو قول شيخ الإسلام، إذ يقول: "وكان حكمها حكم الرجل المنفرد عن صف الرجال"]. لكن موقف المرأة وحدها خلف صف الرجال يدل على شيئين: أحدهما: أن الرجل إذا لم يجد خلف الصف من يقوم معه، وتعذر عليه الدخول في الصف، ووقف فذًا: صحت صلاته للحاجة، وهذا هو القياس المحض؛ فإن واجبات الصلاة تسقط بالعجز عنها [وبه قال شيخ الإسلام، قال: "والأظهر: صحة صلاته في هذا الموضع؛ لأن جميع واجبات الصلاة تسقط بالعجز"].

стр. 3275

الثاني: وهو طرد هذا القياس، إذا لم يمكنه أن يصلي مع الجماعة إلا قدَّام الإمام؛ فإنه يصلي قدَّامه، وتصح صلاته، وكلاهما وجه في مذهب أحمد، وهو اختيار شيخنا ﵀". قال شيخ الإسلام: "وطرد هذا: صحة صلاة المتقدم على الإمام للحاجة، كقول طائفة، وهو قول في مذهب أحمد، وإذا كان القيام والقراءة وإتمام الركوع والسجود والطهارة بالماء وغير ذلك: يسقط بالعجز، فكذلك الاصطفاف، وترك التقدم، وطرد هذا بقية مسائل الصفوف، كمسألة من صلى ولم ير الإمام ولا من وراءه، مع سماعه للتكبير، وغير ذلك" [المجموع (٢٣/ ٣٩٦)]. قال ابن القيم: "وبالجملة فليست المصافة أوجب من غيرها؛ فإذا سقط ما هو أوجب منها للعذر؛ فهي أولى بالسقوط، ومن قواعد الشرع الكلية: أنه لا واجب مع عجز، ولا حرام مع ضرورة". وقول شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم في صحة صلاة الفذ إذا لم يجد مكانًا في الصف: قد سبقهما إليه ابن معين [كما في تاريخ الدوري (٣/ ٣٦٠/ ١٧٤٦) و (٣/ ٤٧٥/ ٢٣٢٤)]، وقال به الشيخ ابن عثيمين وشيخه عبد الرحمن بن سعدي ﵏ جميعًا، قال ابن عثيمين رحمه الله تعالى: "فإذا جاء المصلي ووجد الصف قد تم؛ فإنه لا مكان له في الصف، وحينئذ يكون انفراده لعذر؛ فتصح صلاته" [الشرح الممتع (٤/ ٣٨٢)]. • وأخيرًا: فقد دل على صحة صلاة الفذ إذا لم يجد مكانًا في الصف: حديث وابصة بن معبد؛ ففيه: أن الرجل الذي أمره النبي ﷺ بإعادة الصلاة إنما صلى وحده خلف الصفوف، ولم يتصل بها، وقد كان في الصف متسع، لكنه ترك الاتصال بالصفوف، أي: ترك مصافة الناس مع اتساع المكان له، وصلى وحده خلفهم، فهذا الذي لا تصح صلاته وتبطل بانفراده خلف الصفوف، ويؤمر بالإعادة، والله أعلم. وحينئذ فلا يبقى مجال للكلام في مسألة: هل يجذب من لم يجد مكانًا في الصف رجلًا ليقوم إلى جنبه؟ فهي فضلًا عن سقوط دليلها، وشدة ضعفه، وعدم انتهاضه للاستدلال به كما قدمنا، فإن حديث وابصة من طريق حصين قد دل على أن المأمور بإعادة الصلاة ذاك الذي ترك مصافة الناس مع اتساع الصف له، والله أعلم. • مسألة: قال في الإنصاف (٢/ ٢٨٩): "قال الشيخ تقي الدين: لو حضر اثنان وفي الصف فرجة فأيهما أفضل: وقوفهما جميعًا، أو سد أحدهما الفرجة وينفرد الآخر؟ رجح أبو العباس الاصطفاف مع بقاء الفرجة؛ لأن سد الفرجة مستحب، والاصطفاف واجب" [وانظر: الفتاوى الكبرى (٤/ ٤٣٣)]. وانظر أيضًا: اختلاف العلماء لابن نصر المروزي (٤٢)، مختصر اختلاف العلماء (١/ ٢٣٤)، شرح معاني الآثار (١/ ٣٩٤)، صحيح ابن حبان (٥/ ٥٧٧)، المحلى (٤/ ٥٧)، الاستذكار (٢/ ٣١٥)، شرح السنة (٣/ ٣٧٨)، المغني (٢/ ٢٢)، المجموع شرح

стр. 3276

المهذب (٤/ ٢٥٥)، الذخيرة (٢/ ٢٦١)، فتح الباري لابن رجب (٤/ ٢٦٧) و (٥/ ١٤)، فتح الباري لابن حجر (٢/ ٣١٣ - ٣١٤)، عمدة القاري (٥/ ٢٦٢) و (٦/ ٥٥ - ٥٦ و ٢١٦). *** ١٠١ - باب الرجل يركع دون الصف ٦٨٣ - قال أبو داود: حدثنا حميد بن مسعدة: أن يزيد بن زريع حدثهم: حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن زيادٍ الأعلمِ: حدثنا الحسن، أن أبا بَكرة حدَّث أنه دخل المسجدَ، ونبيُّ الله ﷺ راكعٌ، قال: فركعتُ دون الصف، فقال النبي ﷺ : "زادك الله حِرصًا، ولا تَعُدْ". • حديث صحيح. أخرجه من طريق أبي داود: ابن حزم في المحلى (٤/ ٥٧)، وقال: "أن أبا بكرة حدث" من رواية ابن داسة. والبيهقي (٣/ ١٠٦)، وقال: "حدثه"، من رواية ابن داسة. وأخرجه من طريق حميد بن مسعدة [وهو: ثقة]: النسائي في المجتبى (٢/ ١١٨/ ٨٧١)، وفي الكبرى (١/ ٤٥٥/ ٩٤٦)، وقال: "أن أبا بكرة حدثه". وأخرجه من طريق يزيد بن زريع: ابن حبان (٥/ ٥٦٩/ ٢١٩٥)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٣٩٥). رواه عن يزيد: أحمد بن المقدام العجلي [صدوق]، ويحيى بن عبد الحميد الحماني [حافظ؛ إلا أنهم اتهموه بسرقة الحديث]. فقالا في روايتهما: عن أبي بكرة: أنه دخل المسجد، لفظ العجلي. كذا وقع عند أبي داود [وكذا هو في أكثر النسخ الخطية]: "أن أبا بكرة حدث"، وصورته مرسل، لكن النسائي رواه عن شيخ أبي داود به، فقال: "أن أبا بكرة حدثه"، هكذا متصلًا، وذكر ابن رجب في الفتح (٥/ ٧)، وابن حجر في الفتح (٢/ ٢٦٨): أن رواية أبي داود: "حدثه"، يعني: موصولة بذكر السماع فيها، ووقع في رواية معالم السنن (١/ ١٨٦): "حدث"، وهو من رواية ابن داسة. والذي يظهر لي -والله أعلم-: أن رواية حميد بن مسعدة بذكر السماع محفوظة؛ لأمور: الأول: أن النسائي لم يختلف عليه في وصله، والرواية التي جُزم بها ولم يُختلف فيها: أولى من الرواية التي وقع الاختلاف فيها. الثاني: أن الأكثر على أن رواية أبي داود بالوصل، كالنسائي، وبهذا جزم ابن رجب وابن حجر، وكذا وقعت عند البيهقي في سننه. الثالث: أن حميد بن مسعدة والذي تفرد بذكر السماع في هذا الحديث: ثقة، تقبل

стр. 3277

زيادته، لا سيما وهو أوثق من اللذين لم يذكرا السماع، والله أعلم. وحميد بن مسعدة: بصري، بلدي ليزيد بن زريع، ويزيد: ثقة ثبت، قال أحمد: "إليه المنتهى في التثبت بالبصرة"، وهو ثبت في سعيد بن أبي عروبة، ممن سمع منه قبل اختلاطه؛ فهو: إسناد بصري صحيح. *** ٦٨٤ - . . . حماد: أخبرنا زياد الأعلم، عن الحسن: أن أبا بكرة جاء ورسول الله ﷺ راكع، فركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف، فلما قضى النبي ﷺ صلاته، قال: "أيُّكم الذي ركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف؟ " فقال أبو بكرة: أنا، فقال النبي ﷺ : "زادك الله حرصًا، ولا تَعُدْ". قال أبو داود: زياد الأعلم: زياد بن فلان بن قرة، وهو ابن خالة يونس بن عبيد. • حديث صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ٤٥)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٣٩٥)، وفي المشكل (١٤/ ٢٠٣ و ٢٠٥/ ٥٥٧٥ و ٥٥٧٦)، وابن حزم في المحلى (٤/ ٥٨)، والبيهقي (٣/ ١٠٥)، والبغوي في شرح السنة (٣/ ٣٧٧ - ٣٧٨/ ٨٢٣). رواه عن حماد بن سلمة: موسى بن إسماعيل أبو سلمة التبوذكي، وعفان بن مسلم، والحجاج بن المنهال، وأبو عمر حفص بن عمر الضرير، وسليمان بن حرب [وهم ثقات حفاظ، من أصحاب حماد بن سلمة]. زاد أبو عمر الضرير: وتد حفزني النَّفَس، فركعت دون الصف. وفي رواية حجاج: عن أبي بكرة: أنه دخل المسجد، ورسول الله ﷺ يصلي، وقد ركع، فركع، ثم دخل الصف وهو راكع، فلما انصرف رسول الله ﷺ ، قال: "أيكم دخل الصف وهو راكع؟ " فقال له أبو بكرة: أنا، قال: "زادك الله حرصًا، ولا تعد". وعزى ابن القطان في بيان الوهم (٥/ ٦١٠)، وابن حجر في الإتحاف (١٣/ ٥٦٢/ ١٧١٣٨) رواية حجاج هذه أيضًا إلى: علي بن عبد العزيز في "المنتخب"، زاد ابن حجر: ومحمد بن سنجر في "مسنده". قلت: وقد رواه ابن حزم في المحلى (٤/ ٥٨) من طريق علي بن عبد العزيز عن حجاج به. ومن طريق ابن حزم: رواه أبو محمد عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الكبرى (٢/ ١٧٨). قال ابن القطان في بيان الوهم (٥/ ٦١٠/ ٢٨٣٠): "وهكذا هو في مصنف حماد بن سلمة"، ثم قال: "وبهذه الزيادة يتبين أن الذي أنكر عليه النبي ﷺ إنما هو أن دبَّ راكعًا،

стр. 3278

وقد كان هذا متنازعًا فيه، فمن الناس من قال: إنما قال له: "لا تَعُد" أي إلى التأخر والإبطاء، وشكر له مع ذلك حرصه، ومنهم من قال: إنه إنما نهاه عن المشي راكعًا، وبهذه الزيادة يتبين أن هذا هو المراد، والله أعلم". قلت: حجاج بن المنهال الأنماطي البصري: ثقة، متفق عليه، من أصحاب حماد بن سلمة، المكثرين عنه، وزيادته مقبولة، لكنا نجمعها إلى رواية غيره من الثقات، ونؤلف بينها، فنجد أن النبي ﷺ قد سأل عن: الركوع دون الصف، وعن المشي إلى الصف، ورواية حجاج قد جمعت بين المعنيين، ولا تنافي، إلا أنها زادتنا معنى جديدًا؛ ألا وهو أن أبا بكرة قد دخل الصف راكعًا، ومن ثم فقد حصلت له المصافة حال الركوع، وقبل أن يرفع النبي ﷺ رأسه من الركوع، وبذا يزول الإشكال الذي سيأتي ذكره في الكلام عن فقه مسائل الحديث، كذلك فإنه يظهر بذلك جليًّا أن النهي عن العود المذكور في الحديث إنما يرجع إلى هذين المعنيين المنصوص عليهما، لكن هل صح في روايات الحديث معنى ثالث، أو رابع، يمكن أن يضاف إلى ذلك، أم لا؟ هذا ما سيأتي بيانه قريبًا، والله أعلم. فإن قيل: ذكر ابن رجب في شرح العلل (٢/ ٧٨٤) أن من سمع من حماد تصانيفه فليس حديثه بذاك، ومن سمع منه النسخ التي كانت عنده عن شيوخه فسماعه جيد، فيقال: لم يقع اختلاف يؤثر كثيرًا في المعنى فإن رواية أصحاب حماد تتفق مع ما في مصنفه في المعنى، غير أن ما في المصنف زاد معنى جديدًا، ولعل حجاجًا سمعه من النسخ، لا من المصنفات، وحجاج ثقة يعتمد على حفظه، لا سيما وأبو سلمة المنقري موسى بن إسماعيل ممن روى عن حماد تصانيفه [ذكر ذلك الذهبي في التذكرة (١/ ٣٩٤)، والتاريخ (١٦/ ٤١٥)]، وهو شيخ أبي داود في هذا الحديث، ولفظه كما ترى، فذلك مما يجعل النفس تطمئن إلى ثبوت رواية حجاج، كما أن ابن رجب لم يذكر لنا قائل هذه المقالة، والله أعلم. بل إن الأئمة كانوا يذهبون إلى القول بعدم ثبوت الحديث عن حماد بن سلمة إذا لم يكن في مصنفاته [انظر مثلًا: سنن الدارقطني (١/ ٧٧)، علل الدارقطني (٥/ ٣٤٦/ ٩٤٠)، سنن البيهقي (١/ ١٠)، الخلافيات (١/ ١٦٨/ ٢٩)، الأباطيل والمناكير (١/ ٤٩٨/ ٣٠٨)، الحديث المتقدم في السنن برقم (٨٤)]، وهذا مما يؤكد القول بثبوت هذا الحديث بروايتيه عن حماد بن سلمة، والله أعلم. فإن قيل: فإن يحيى بن سعيد القطان ليَّن روايات حماد بن سلمة عن زياد الأعلم، قال يحيى بن سعيد: "حماد بن سلمة عن زياد الأعلم وقيس بن سعد: ليس بذاك" [مسند ابن الجعد (٣٣٦٥)، الجرح والتعديل (٣/ ١٤١)، الكامل في الضعفاء (٢/ ٢٥٣ و ٢٥٦)، سنن البيهقي (٤/ ٩٤)، السير (٧/ ٤٥١)، شرح العلل (٢/ ٧٨٣)، وغيرها]. فيقال: أما رواية حماد عن قيس بن سعد، فقد تكلموا فيها، لأن كتابه عن قيس كان قد ضاع، فكان يحدثهم من حفظه فَيَهِم، ويرفع أحاديث [انظر: التهذيب (١/ ٤٨١)،

стр. 3279

الميزان (١/ ٥٩٠)]، وأما عن زياد الأعلم، فلم أقف على شيء استنكروه على حماد بن سلمة مما رواه عن زياد الأعلم، ولم ينفرد حماد بهذا الحديث عن زياد، بل تابعه عليه: سعيد بن أبي عروبة، وهمام، وأشعث، لكن حمادًا هو الذي انفرد بهذا السياق، وحماد: ثقة، وقد توبع على أصله، ممن روى الحديث عن الحسن، مثل أبي حرة، ويأتي ذكره في المتابعات. • خالف أصحاب حماد بن سلمة في إسناده: هوذة بن خليفة [صدوق، ذهبت كتبه؛ إلا كتاب عوف الأعرابي، وشيء يسير لابن عون، وابن جريج، وأشعث، وسليمان التيمي، وقد تكلم فيه ابن معين، وكان مكثرًا عن عوف الأعرابي، ولم يكن من أصحاب حماد بن سلمة. التهذيب (٤/ ٢٨٧)، طبقات ابن سعد (٧/ ٣٣٩)، تاريخ بغداد (١٤/ ٩٤)]: حدثنا حماد بن سلمة: عن علي بن زيد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبي بكرة، قال: جئت ونبي الله ﷺ راكع قد حفزني النفس، فركعت دون الصف، فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة قال: "أيكم ركع دون الصف؟ " قلت: أنا، قال: "زادك الله حرصًا، ولا تعد". أخرجه عبد الله بن أحمد عن أبيه وجادة في المسند (٥/ ٥٠)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٢/ ٢٠١). وهذه رواية شاذة بهذا الإسناد، والمحفوظ: ما رواه أصحاب حماد الحفاظ. • هكذا روى هذا الحديث عن زياد بن حسان بن قرة الباهلي، المعروف بالأعلم: سعيد بن أبي عروبة، وحماد بن سلمة، وتابعهما: همام بن يحيى، وأشعث بن عبد الملك الحمراني: فروياه عن زياد الأعلم، عن الحسن، عن أبي بكرة: أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذُكِر ذلك للنبي ﷺ فقال: "زادك الله حرصًا، ولا تعد". أخرجه البخاري في الصحيح (٧٨٣)، وفي القراءة خلف الإمام (١٤٤)، وفي التاريخ الكبير (١/ ٤٣١)، وابن الجارود (٣١٨)، وأحمد (٥/ ٣٩ و ٤٥)، والبزار (٩/ ١٠٧/ ٣٦٥١)، والبيهقي في السنن (٢/ ٩٠) و (٣/ ١٠٦)، وفي المعرفة (٢/ ٣٨١/ ١٥٠٥)، والبغوي في شرح السنة (٣/ ٣٧٧/ ٨٢٢)، وقال: "صحيح". قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلم أحدًا يرويه عن النبي إلا أبو بكرة، وزياد لا نعلم رواه عنه إلا: أشعث، وحماد بن سلمة، وابن أبي عروبة"، قلت: وهمام. • وحديث أبي بكرة قد رواه عن الحسن من الثقات أيضًا: قتادة [وعنه: معمر]، وهشام بن حسان، وأبو حرة واصل بن عبد الرحمن، وعبد الله بن عون [ثقة ثبت، لكن لا يصح عنه، فقد تفرد به عنه: عبد الواحد بن سليمان الأزدي: مجهول، يروي عن ابن عون ما لا يتابع عليه، وأنكره عليه ابن عدي، وشيخ ابن عدي: كذاب، يضع الحديث. الكامل

стр. 3280

(٥/ ٢٩٩) و (٦/ ٢٩٨)، اللسان (٥/ ٢٩٢) و (٦/ ٥٠٣)]، ومبارك بن فضالة [صدوق، يدلس ويسوي]: أخرجه أحمد (٥/ ٤٦)، ومحمد بن الحسن الشيباني في الآثار (١٦٨)، وفي الحجة على أهل المدينة (١/ ٢١٥)، وفي زياداته على موطأ مالك (٢٨٦)، والطيالسي (٢/ ٢٠٤/ ٩١٧)، وعبد الرزاق (٢/ ٢٨٢ و ٢٨٣/ ٣٣٧٦ و ٣٣٧٧)، وأبو القاسم الحامض في الثالث من فوائده (١٢)، وابن الأعرابي في المعجم (١/ ٢٥١/ ٤٦٣) [وعنده زيادة منكرة، ففيه: أنه ركع وسجد دون الصف، وذكر السجود هنا منكر، فإن شيخ ابن الأعرابي: محمد بن عيسى المدائني: ضعيف. اللسان (٧/ ٤٢٨)]، وابن عدي في الكامل (٥/ ٢٩٩) و (٦/ ٢٩٨). لفظهم نحو لفظ ابن أبي عروبة وهمام وأشعث عن حماد، وأما أبو حرة واصل بن عبد الرحمن فرواه: عن الحسن، عن أبي بكرة: أنه انتهى إلى النبي ﷺ ، وهو منبهر، فركع دون الصف، فلما قضى النبي ﷺ صلاته قال: "من فعل هذا؟ "، قال أبو بكرة: أنا، قال: "زادك الله حرصًا، ولا تعد". البُهْر والانبهار: تتابع النَّفَس من شدة السعي [النهاية (١/ ١٦٥)، مختار الصحاح (٥٨)]. وأبو حرة واصل بن عبد الرحمن البصري: صدوق، لم يسمع من الحسن إلا ثلاثة أحاديث، والباقي يدلسه، لذا ضعفوا حديثه عن الحسن [العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٥٩٥/ ٣٨٢٣)، الكامل (٧/ ٨٦)، الميزان (٤/ ٣٢٩)، إكمال مغلطاي (١٢/ ٢٠٠)، التهذيب (٤/ ٣٠٢)، تحفة التحصيل (٣٣٦)]. فهو صالح في المتابعات، وفيه متابعة لأصل رواية حماد بن سلمة عن زياد الأعلم، بذكر الانبهار، وهو حفز النَّفَس، وبذكر سؤال النبي ﷺ لأبي بكرة، لكنه لا يصلح لأن يحتج به على أن السعي داخل فيما نهى عنه النبي ﷺ أبا بكرة من عدم العود إليه، لقوله: "من فعل هذا؟ "؛ فلا يدخل في ضمنه: مجيؤه، وقد انبهر من شدة السعي، وذلك لعدم صلاحية حديث أبي حرة هذا للاحتجاج به، والله أعلم. • رواه أيضًا عن الحسن، لكن من الضعفاء: عنبسة بن أبي رائطة الغنوي الأعور، وإسماعيل بن مسلم المكي، والربيع بن صبيح، وأبو أمية عبد الكريم بن أبي المخارق، وعمرو بن عبيد [والراوي عنه: المثنى بن الصباح: ضعيف]: أخرجه ابن حبان (٥/ ٥٦٨/ ٢١٩٤)، والبزار (٩/ ١١٥/ ٣٦٦١)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٣٤٩/ ٢١٩٦) و (٧/ ٩١/ ٦٩٤٧) و (٨/ ١٣٢/ ٨١٨٥)، وفي الصغير (٢/ ٢٠٣/ ١٠٣٠)، وابن عدي في الكامل (٥/ ١١٠). ولفظهم مختصر، بنحو رواية الجماعة. • وممن رواه عن الحسن، فأرسله: يونس بن عبيد [من رواية الثوري عنه]، وابن جريج، كلاهما عن الحسن به مرسلًا:

стр. 3281

قال الثوري: عن يونس، عن الحسن، قال: سمع النبي ﷺ رجلًا وهو يسرع إلى الصلاة، وهو راكع، فقال: "زادك الله حرصًا، فلا تعد". هكذا مرسلًا. وقال ابن جريج: عن الحسن، قال: التفت النبي ﷺ فقال: "زادك الله حرصًا، ولا تعد"، قال: فثبت مكانه. وهذا غريب جدًّا. أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٢٨٣/ ٣٣٧٨ و ٣٣٧٩). ويونس بن عبيد: ثقة ثبت، من أثبت أصحاب الحسن، لكن وصله صحيح، فقد وصله عن الحسن جماعة من ثقات أصحابه، وصححه البخاري. • خالف الثوري فوصله عن يونس: عبد الله بن عيسى أبو خلف الخزاز، رواه عن يونس، عن الحسن، عن أبي بكرة، ﵁: أن النبي ﷺ صلى صلاة الصبح، فسمع نفسًا شديدًا، أو بهرًا من خلفه، فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة قال لأبي بكرة: "أنت صاحب هذا النفس؟ " قال: نعم، جعلني الله فداك، خشيت أن تفوتني ركعة معك فأسرعت المشي، فقال له رسول الله ﷺ : "زادك الله حرصًا ولا تعد، صلِّ ما أدركت، واقضِ ما سُبقت". أخرجه البخاري في القراءة خلف الإمام (١٩٢). وهو حديث منكر، تفرد فيه بهاتين الزيادتين: "أنت صاحب هذا النفس؟ " و"صل ما أدركت، واقض ما سبقت": عبد الله بن عيسى أبو خلف الخزاز، وهو: منكر الحديث، ينفرد عن يونس بما لا يتابع عليه [التهذيب (٢/ ٤٠١)، الميزان (٢/ ٤٧٠)]. وضعف ابن رجب إسناده في الفتح (٥/ ٢٠). والمحفوظ فيه: ما رواه الثوري عن يونس عن الحسن، مرسلًا، كما تقدم. وقد رواه عن الحسن بدون هذه الزيادة في المتن: زياد الأعلم، وقتادة، وهشام بن حسان، وأبو حرة واصل بن عبد الرحمن، ومبارك بن فضالة، وعنبسة بن أبي رائطة الغنوي الأعور، وإسماعيل بن مسلم المكي، والربيع بن صبيح، وأبو أمية عبد الكريم بن أبي المخارق، وغيرهم [وتقدم ذكره تحت الحديث رقم (٥٧٣)]. • وأما ما رواه وهيب، عن يونس، عن الحسن: أن أبا بكرة. . .، فذكر الحديث بدون هذه الزيادة. أخرجه الدارقطني فيما انتقاه من حديث أبي الطاهر (٤٢). فهو وهم، فإن شيخ أبي الطاهر الذهلي: موسى بن زكريا بن يحيى أبا عمران التستري: متروك [سؤالات الحاكم (٢٢٧)، الإرشاد (٢/ ٥٢٨ و ٥٢٩)، اللسان (٨/ ٢٩٨)]، قلب شيخ وهيب فجعله يونس بن عبيد، وإنما هو عنبسة بن أبي رائطة. فقد خالفه: موسى بن هارون الحمال [ثقة حافظ]، ومحمد بن علي بن الأحمر الصيرفي [غلام طالوت: روى عنه جماعة من الأئمة المصنفين، منهم ابن حبان في صحيحه، ولم يذكره أحد بجرح، وقال الدارقطني: "ما علمت إلا خيرًا". سؤالات حمزة

стр. 3282

السهمي (٨١)، معجم الإسماعيلي (٧٧)]، ومحمد بن يوسف بن الحكم الصابوني البصري [لا بأس به. سؤالات الحاكم (١٨٧)، تاريخ بغداد (٣/ ٣٩٦)]: قالوا: نا العباس بن الوليد النرسي: ثنا وهيب بن خالد، عن عنبسة الأعور [العبدي]، عن الحسن به. أخرجه ابن حبان (٥/ ٥٦٨/ ٢١٩٤)، والطبراني في الأوسط (٨/ ١٣٢/ ٨١٨٥)، وفي الصغير (٢/ ٢٠٣/ ١٠٣٠). • وأخيرًا: فإن حديث الحسن عن أبي بكرة هذا، والذي أخرجه البخاري، قد ضعفه الدارقطني، فقال في التتبع (٨٨ - ٩١): "وأخرج البخاري أحاديث الحسن، عن أبي بكرة: منها الكسوف، ومنها: "زادك الله حرصًا، ولا تعد"، ومنها: "لا يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة"، ومنها: "ابني هذا سيد"، والحسن لا يروي إلا عن الأحنف عن أبي بكرة". وقال الحاكم في سؤالاته للدارقطني (٣٢٠): "قلت: فزياد الأعلم؟ قال: هو قليل الحديث جدًّا، اشتهر بحديث: "زادك الله حرصًا، ولا تعد"، وفيه إرسال؛ لأن الحسن لم يسمع من أبي بكرة". قال العلائي في جامع التحصيل (١٦٣): "وإن لم يكن فيها التصريح بالسماع؛ فالبخاري لا يكتفي بمجرد إمكان اللقاء كما تقدم، وغاية ما اعتل به الدارقطني أن الحسن روى أحاديث عن الأحنف بن قيس عن أبي بكرة، وذلك لا يمنع من سماعه منه ما أخرجه البخاري" [ونقله ابن الملقن في البدر المنير (٤/ ١٩٢)، وأبو زرعة في تحفة التحصيل (٧٤)]. وقال ابن رجب في الفتح (٥/ ٧): "اختلف في سماع الحسن من أبي بكرة، فأثبته ابن المديني والبخاري وغيرهما، وكذلك خرج حديثه هذا، ونفاه يحيى بن معين -نقله عنه ابن أبي خيثمة-، ويؤيده: أنه روي عن الحسن مرسلًا، وأن الحسن روى عن الأحنف، عن أبي بكرة حديث: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما"، وهذا مما يُستدل به على عدم سماعه منه، حيث أدخل بينه وبينه في حديث آخر واسطة، وقد روى هشام بن حسان، عن الحسن، أنه دخل مع أنس بن مالك على أبي بكرة وهو مريض، وروى مبارك بن فضالة، عن الحسن، قال: أخبرني أبو بكرة، فذكر حديث صلاة الكسوف، إلا أن مبارك بن فضالة ليس بالحافظ المتقن، وقال الشافعي في حديث أبي بكرة هذا إسناده حسن". وقال ابن حجر في الفتح (٢/ ٢٦٨): "ورُدَّ هذا الإعلال برواية سعيد بن أبي عروبة، عن الأعلم، قال: حدثني الحسن: أن أبا بكرة حدثه، أخرجه أبو داود والنسائي". قلت: زياد الأعلم، وهو: ابن حسان بن قرة الباهلي: ثقة ثقة، من أثبت أصحاب الحسن البصري، ومن قدماء أصحابه. وسماع الحسن البصري من أبي بكرة: ثابت صحيح، في صحيح البخاري (٢٧٠٤ و ٣٧٤٦ و ٧١٠٩) وغيره، فلا يطلب سماعه في كل حديث حديث، لأن تدليس الحسن

стр. 3283

البصري الذي وصف به إنما هو من قبيل الإرسال الخفي، وهو رواية المعاصر عمن لم يلقه ولم يسمع منه بصيغة موهمة، وهذا النوع من التدليس لا ترد عنعنته طالما ثبت سماعه من شيخه ولو مرة، وقد دل على هذا المعنى قولُ ابن المديني بعد حديث: "ابني هذا سيد"، قال: "إنما ثبت لنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث"، يعني: أنه قد احتج ببقية أحاديثه التي يرويها الحسن عن أبي بكرة، وإن لم يصرح فيها بالسماع، وذلك لثبوت السماع في هذا الحديث، والله أعلم، وعلى هذا فنحن لسنا بحاجة إلى إثبات السماع في هذا الحديث بعينه، طالما أن الحسن يرويه عن أبي بكرة بلا واسطة، وإن كان قد روي السماع من وجهٍ صحيح، كما سبق بيانه قبل قليل [الحديث رقم (٦٨٣)]. وعلى فرض صحة كلام الدارقطني: "لم يسمع الحسن من أبي بكرة"، الذي علله بأن الحسن لا يروي إلا عن الأحنف عن أبي بكرة [انظر: علل الدارقطني (٧/ ١٥٣)، التتبع (٨٨ - ٩١)]، فيقال: إذا علمنا الواسطة وكان ثقة، فقد صح الإسناد والحمد لله، والأحنف بن قيس: مخضرم ثقة، وعليه يحمل أيضًا قول ابن معين: "لم يسمع الحسن من أبي بكرة" [تاريخ الدوري (٤/ ٣٢٢/ ٤٥٩٧)]، لكنا نقول بأن سماع الحسن من أبي بكرة: ثابت صحيح، أثبته: بهز بن أسد، وعلي بن المديني، والبخاري، والبيهقي، وقد تبع الترمذي شيخه البخاري في ذلك، فصحح أحاديث للحسن عن أبي بكرة، مما يدل على اعتماده قول البخاري في إثبات السماع، ومن ثم فإن مع المثبت زيادة علم، فقوله مقدَّم على النافي [انظر: صحيح البخاري (٢٧٠٤)، التاريخ الأوسط (١/ ٩٦)، التاريخ الكبير (٢/ ٥٦)، العلل لابن المديني (٦٠)، جامع الترمذي (٢٢٦٢ و ٢٢٨٧ و ٣٧٧٣)، المراسيل (١٥٢)، معرفة السنن والآثار (٣/ ١٧/ ١٨٤٤)، التعديل والتجريح للباجي (١/ ٣٠٣) و (٢/ ٤٨٦)، تحفة التحصيل (٦٨)، جامع التحصيل (١٣٥)، نصب الراية (١/ ٩٠)، هدي الساري (٣٦٧)، فتح الباري (١٣/ ٦٥)]. وهذه المسألة سبق تحقيق الكلام فيها عند الحديث رقم (٢٧) فلتراجع، كما سبق الكلام على هذا الإسناد بعينه عند الحديث المتقدم برقم (٢٣٣ و ٢٣٤)، وقد نقلت هنا بعض ما قلته هناك للفائدة. وعلى هذا فإن هذا الإسناد: إسناد بصري صحيح، رجاله أئمة ثقات، ثبت سماع بعضهم من بعض. وقد صححه البخاري، وابن حبان، والبغوي، وحسن إسناده الشافعي في اختلاف الحديث (١٠/ ١٧٢/ ١٩٠ - الأم)، واحتج به أبو داود والنسائي. • ولحديث أبي بكرة طرق أخرى: ١ - روى بشار الخياط [قال ابن رجب: "وهو غير معروف"، وقال الحسيني في الإكمال: "لا أعرفه"، لكن ذهب ابن حجر إلى أنه بشار بن عبد الملك؛ الذي ضعفه ابن معين، وذكره ابن حبان في الثقات، والظاهر أنه غيره، والله أعلم. الفتح لابن رجب

стр. 3284

(٥/ ٢٠)، التعجيل (٨٩)]، وبكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة [رواه في بعض الروايات عنه كالجماعة، وقال في رواية صحيحة عنه: وهو في الصلاة قائمًا، يعني: النبي ﷺ ، والمحفوظ: أن أبا بكرة أدرك النبي ﷺ راكعًا، وهذا من تخليط بكار؛ فإنه لم يكن بالقوي، يغلب عليه الضعف. التهذيب (١/ ٢٤١)]: قالا: سمعت عبد العزيز بن أبي بكرة، يحدث أن أبا بكرة جاء والنبي ﷺ راكع، فسمع النبي ﷺ صوت نعل أبي بكرة وهو يحضر، يريد أن يدرك الركعة، فلما انصرف النبي ﷺ قال: "من الساعي؟ "، قال أبو بكرة: أنا، قال: "زادك الله حرصًا، ولا تعد". أخرجه أحمد (٥/ ٤٢)، وابن الأعرابي في المعجم (١/ ٣٣٢/ ٦٣٨)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٤٣)، وابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ٣١٧). قال ابن رجب في الفتح (٣/ ٥٦٨): "وفي إسناده من يجهل حاله"، يعني: بشارًا الخياط. قلت: لا يثبت مثله، وحديث الحسن عن أبي بكرة هو المحفوظ في هذا الباب، وهذا منكر بهذه اللفظة: "من الساعي؟ "، وعبد العزيز بن أبي بكرة: قال العجلي: "تابعي، ثقة"، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن سعد: "له أحاديث"، وقال ابن القطان: "لا تعرف له حال" [الطبقات الكبرى (٧/ ١٩٠)، معرفة الثقات (١١٠٣)، الثقات (٥/ ١٢٢)، بيان الوهم (٣/ ٢٨٢/ ١٠٢٩)، ذيل الميزان (٥٣١)، التهذيب (٢/ ٥٨٢)]، وعبد العزيز هذا قلَّ من يروي عنه من الثقات، وأغلب من روى عنه فيهم ضعف أو جهالة. وقد روى عنه هذا الحديث: ابنه بكار، وهو إلى الضعف أقرب، وبشار الخياط، هو غير معروف، والله أعلم. ٢ - وروى الوليد بن مسلم، عن زهير بن محمد، عن سالم الخياط، عن محمد بن سيرين: أنه حدثهم عن أبي بكرة: أنه دخل المسجد والناس ركوع،. . . فذكره. أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٥/ ٢٠٥). ولا يثبت هذا؛ فإن رواية الشاميين عن زهير بن محمد التميمي: غير مستقيمة، وهذه منها، ولا يثبت أيضًا عن الوليد بن مسلم، فإن الراوي عنه: محمد -أو: محمود- بن محمد بن مرزوق البعلبكي: مجهول، ولم يرو عنه سوى محمد بن محمد بن سليمان الباغندي، وقد تكلم فيه [اللسان (٧/ ٤٧٣)]، والله أعلم. ٣ - هوذة بن خليفة: حدثنا حماد بن سلمة: عن علي بن زيد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبي بكرة، قال: جئت ونبي الله ﷺ راكع قد حفزني النفس، فركعت دون الصف، فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة قال: "أيكم ركع دون الصف؟ " قلت: أنا، قال: "زادك الله حرصًا، ولا تعد". وهي رواية شاذة سبق التنبيه عليها عند حديث حماد بن سلمة. • وحاصل ما تقدم:

стр. 3285

فإن حديث أبي بكرة إنما يصح من رواية الحسن عنه، وقد صححه البخاري، وقد جوَّده، وساقه سياقة حسنة: حماد بن سلمة، وهو ثقة، إمام. ولفظه: أن أبا بكرة جاء ورسول الله ﷺ راكع، فركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف، فلما قضى النبي ﷺ صلاته، قال: "أيُّكم الذي ركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف؟ " فقال أبو بكرة: أنا، فقال النبي ﷺ : "زادك الله حرصًا، ولا تَعُدْ". وفي رواية: عن أبي بكرة: أنه دخل المسجد، ورسول الله ﷺ يصلي، وقد ركع، فركع، ثم دخل الصف وهو راكع، فلما انصرف رسول الله ﷺ ، قال: "أيكم دخل الصف وهو راكع؟ " فقال له أبو بكرة: أنا، قال: "زادك الله حرصًا، ولا تعد". • وفي الباب: ١ - عن حذيفة بن اليمان: روى ابن أبي عمر العدني في مسنده (٤/ ٢٥/ ٤٥٤ - مطالب)، قال: حدثنا يوسف بن خالد البصري، عن جويبر، عن الضحاك، عن حذيفة ﵁ أنه دخل والنبي ﷺ راكع، فركع دون الصف، فذكروا صنيعه للنبي ﷺ فقال: "أحسن حذيفة، وأجمل". وهذا إسناد تالف؛ الضحاك بن مزاحم: لم يسمع من حذيفة، قاله الدراقطني في السنن (٢/ ٢٠٠)، وجويبر: متروك، ويوسف بن خالد السمتي: متروك، كذبه غير واحد. قال ابن حجر في المطالب: "هذا إسناد واهٍ جدًّا". ٢ - عن أبي هريرة: يرويه إبراهيم بن أبي داود [هو: إبراهيم بن سليمان بن داود البرلسي: ثقة حافظ. السير (١٣/ ٣٩٣)]: حدثنا المقدَّمي [هو: محمد بن أبي بكر بن علي بن عطاء: ثقة]: حدثني عمر بن علي [بن عطاء المقدَّمي: ثقة]: حدثنا ابن عجلان، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتى أحدكم الصلاة فلا يركع دون الصف؛ حتى يأخذ مكانه من الصف". أخرجه الطحاوي في شرح المعاني (١/ ٣٩٦)، وفي المشكل (١٤/ ٢٠٥/ ٥٥٧٧). حسن إسناده ابن حجر في الفتح (٢/ ٢٦٩). لكن قال ابن رجب في الفتح (٥/ ١٥): "ووقفه أصح". وهو كما قال، فقد خالف المقدَّمي: أبو خالد الأحمر [سليمان بن حيان: صدوق]، ويحيى بن سعيد القطان [ثقة ثبت، إمام حجة]: فروياه عن محمد بن عجلان، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: لا تُكبِّر حتى تأخذ مقامك من الصف. هكذا موقوفًا، وهو الصحيح. وفي رواية: عن أبي هريرة ﵁، في الرجل يدخل المسجد والقوم ركوع، يكبر؟ قال: لا؛ حتى تأخذ مقامك في الصف.

стр. 3286

أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٣٠/ ٢٦٣٣ و ٢٦٣٦)، ومسدد (٤/ ٢١/ ٤٥٣ - مطالب)، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ١٨٦/ ١٩٩٧). وهذا موقوف من قول أبي هريرة، بإسناد صحيح. قال ابن حجر في المطالب: "صحيح موقوف". وعلة أخرى غير مخالفة الأحفظ والأكثر عددًا، وهو ما نُقم على عمر بن علي المقدمي من تدليس القطع، قال ابن حجر في طبقات المدلسين (١٢٣) عن المقدمي: "ثقة مشهور، كان شديد الغلو في التدليس، وصفه بذلك: أحمد وابن معين والدارقطني وغير واحد، وقال ابن سعد: ثقة، وكان يدلس تدليسًا شديدًا، يقول: ثنا، ثم يسكت، ثم يقول: هشام بن عروة، أو الأعمش، أو غيرهما، قلت: وهذا ينبغي أن يسمى تدليس القطع" [وانظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٢٩١)، الجرح والتعديل (٦/ ١٢٤)، السير (٨/ ٥١٣)، التهذيب (٣/ ٢٤٥)]. ولهذا فإنه مع كونه صرح في هذا الحديث بالسماع من ابن عجلان، إلا أنه يخشى أن يكون أخذه عن مجروح، ثم دلسه بهذه الطريقة، والله أعلم [وانظر: السلسلة الضعيفة (٢/ ٤٠٨/ ٩٧٧)]. • وقد نسب إلى بعض الصحابة أنهم ركعوا دون الصف، ثم دبوا راكعين، حتى وصلوا إلى الصف: ١ - عن أبي بكر الصديق: قال البيهقي في السنن (٢/ ٩٠): وأخبرنا أبو بكر بن الحارث: أنبأ أبو محمد بن حيان: أنبأ إبراهيم بن محمد بن الحسن: أنبأ أبو عامر: ثنا الوليد بن مسلم: أخبرني ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: أن أبا بكر الصديق، وزيد بن ثابت، دخلا المسجد والإمام راكع، فركعا، ثم دبا وهما راكعان، حتى لحقا بالصف. والبيهقي يروي بهذا الإسناد نسخة عن الوليد بن مسلم [انظر: سنن البيهقي (١/ ١١٩ و ١٥٠ و ٢١٨ و ٢٢٨ و ٢٢٩ و ٢٣٣ و ٢٥٩ و ٣٠٩ و ٣١٠ و ٣٥٧ و ٤٠٧) و (٢/ ٩٠ و ٩١ و ٩٣ و ٢٥٥ و ٢٥٧ و ٢٩٨ و ٢٩٩ و ٤٠٥ و ٤٩٤) و (٣/ ٤١ و ١٧٣ و ١٧٥ و ١٧٨ و ١٩٩) و (٤/ ١٠٧ و ١٠٨ و ١٢٤ و ١٢٥ و ١٤٦ و ١٤٩ و ١٥٠ و ١٥٢ و ١٥٤ و ١٩٤ و ٢٦٩ و ٣١٧) و (٥/ ٣٢٧) و (١٠/ ٢٩ و ٣٠ و ٣٥)]: أما شيخ البيهقي، فهو: أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن الحارث الفقيه، أبو بكر التميمي الأصبهاني، المقرئ النحوي، الزاهد المحدث، نزيل نيسابور، حدث بسنن الدارقطني، وروى عن أبي الشيخ الأصبهاني وطائفة، وحدث عنه البيهقي، ومحمد بن يحيى المزكي، وجماعة، كان إمامًا في العربية، تخرج به أهل نيسابور [المنتخب من كتاب السياق لتاريخ نيسابور (١٩٤)، السير (١٧/ ٥٣٨)، تاريخ الإسلام (٢٩/ ٢٨١)، شذرات الذهب (٣/ ٢٤٥)].

стр. 3287

وأما أبو محمد بن حيان، فهو: أبو الشيخ الأصبهاني عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان: الحافظ الكبير، صاحب التصانيف، ثقة مأمون [السير (١٦/ ٢٧٦)، تذكرة الحفاظ (٣/ ٩٤٥)]. وأما إبراهيم بن محمد بن الحسن، فإنه يُعرف بابن متويه، إمام جامع أصبهان: ثقة حافظ، عابد [طبقات أصبهان (٣/ ٤٥٠)، معجم ابن المقرئ (٦٦٥)، تاريخ أصبهان (١/ ٢٣١)، السير (١٤/ ١٤٢)، التذكرة (٢/ ٧٤٠)]. وأما أبو عامر، فهو: موسى بن عامر بن عمارة بن خريم المري الخريمي الدمشقي، ويُعرف بابن أبي الهيذام، ذكره ابن حبان في الثقات (٩/ ١٦٢)، وقال: "يغرب"، وقال عبدان: "سمعت أبا داود السجستاني يقول: حدثنا ابن أبي الهيذام عن الوليد عن الأوزاعي، يشبه حديث هِقل، وكان أبو داود لا يحدث عنه" [الكامل (٦/ ٣٥٠)]، قلت: كأنه يقول: حديثه عن الوليد عن الأوزاعي، يشبه حديث هقل عن الأوزاعي، ولا يشبه حديث الوليد عن الأوزاعي، وقد روى عنه أبو داود في السنن حديثين (٢٩٠٨ و ٢٩٣٢)، وأثرًا (٤٦٣٩)، ولعله احتاج إليه، فإن أبا داود يخرج حديث الوليد من طريق أصحابه المشاهير، مثل: أحمد بن حنبل، وعبد الرحمن بن إبراهيم دحيم، وهشام بن عمار، ومحمود بن خالد، وصفوان بن صالح، وإبراهيم بن العلاء الزبيدي، وعمرو بن عثمان الحمصي، ويزيد بن عبد ربه الجرجسي، ومحمد بن المثنى أبي موسى الزمن، وجماعة غيرهم. وقال عنه ابن عدي في الكامل (٦/ ٣٥٠): "ولموسى هذا غير حديث مما يعز وجوده عن الوليد، وعن غيره، ويروي إفرادات، وكان يروي عن الوليد ما كان يروي المتقدمون عن الوليد، وكانوا يجعلونه -من لم يلحق هشامًا ودحيمًا- عوضًا منهما، وكان عنده بعض أصناف الوليد". قال ابن عساكر: "وليس بعجب أن يروي أبو عامر عن الوليد ما رواه عنه المتقدمون"، ثم ساق حكاية تدل على أن الوليد بن مسلم قد خص أبا عامر بما لم يخص به غيره، والشاهد منها ما قال أبو الحسن محمد بن الفيض: "فكان عند أبي عامر من كتب الوليد ما لم يكن عند الشيخين بدمشق؛ هشام ودحيم، فلما مات هشام ودحيم، أقبل إليه أصحاب الحديث، فقالوا له: يا أبا عامر حدثنا؛ فإن عندك شيئًا لا نصيبه عند غيرك، فجلس لهم أبو عامر،. . . " [تاريخ دمشق (٦٠/ ٤٣٩)]. ولذا قال الذهبي في المغني (٢/ ٦٨٤): "موسى بن عامر المري، صاحب الوليد بن مسلم: صدوق، تكلم فيه بلا حجة، ولا ينكر له تفرده عن الوليد؛ فإنه مكثر عنه"، وقال نحوه في الميزان (٤/ ٢٠٩) [وانظر: تاريخ الإسلام (١٩/ ٣٥٦)، توضيح المشتبه (٣/ ٢٠٦)، التهذيب (٤/ ١٧٩)]. والوليد بن مسلم، وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، وأبوه ثابت بن ثوبان، ومكحول: شاميون ثقات.

стр. 3288

وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المدني: ثقة، أحد الفقهاء السبعة، لكنه لم يدرك أبا بكر، فقد ولد في خلافة عمر، وذكره ابن المديني فيمن لم يثبت له لقاء زيد بن ثابت [التهذيب (٤/ ٤٩١)، جامع التحصيل (٩٣٦)، تحفة التحصيل (٣٥٨)]، فهو منقطع، وإسناده غريب، فهو مدني، ثم شامي، ثم أصبهاني. فلا يثبت فيه عن أبي بكر شيئًا. قال ابن رجب في الفتح (٥/ ١٤): "وروي أيضًا فعله عن أبي بكر الصديق، خرجه البيهقي بإسناد منقطع". ٢ - عن زيد بن ثابت: رواه معمر، ويونس بن يزيد الأيلي، وسفيان بن عيينة [في رواية عنه]، وابن أبي ذئب: عن الزهري، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، قال: رأيت زيد بن ثابت دخل المسجد والإمام راكع، فاستقبل فكبر، ثم ركع، ثم دبَّ راكعًا، حتى وصل إلى الصف. لفظ معمر. ولفظ يونس، وابن عيينة: عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو أمامة بن سهل بن حنيف: أنه رأى زيد بن ثابت دخل المسجد والإمام راكع، فمشى حتى إذا أمكنه أن يصل إلى الصف وهو راكع، كبر فىكع، ثم دبَّ وهو راكع، حتى وصل الصف. أخرجه ابن وهب في الجامع (٤١٧)، وسحنون في المدونة (١/ ٧٠)، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ١٨٦/ ١٩٩٩)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٣٩٨)، وفي المشكل (١٤/ ٢٠٦)، والبيهقي في السنن (٢/ ٩٠) (٦/ ١٠٣)، وفي المعرفة (١/ ٥٧٩/ ٨٢٥). وهذا إسناد صحيح. • لكن رواه مالك، وابن عيينة، وشعيب بن أبي حمزة، والأوزاعي: عن ابن شهاب الزهري، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، أنه قال: دخل زيد بن ثابت المسجد فوجد الناس ركوعًا، فركع، ثم دبَّ حتى وصل الصف. لفظ مالك. وفي رواية شعيب: أن زيد بن ثابت كان إذا دخل المسجد والناس ركوع؛ استقبل القبلة، فكبر، ثم ركع، ثم دب وهو راكع، حتى يصل إلى الصف. أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٢٣٣/ ٤٥٤)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٢٩/ ٢٦٢٤)، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ١٨٦/ ١٩٩٨)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٣٩٨)، وفي المشكل (١٤/ ٢٠٦)، والطبراني في مسند الشاميين (٤/ ١٦٢/ ٣٠٠٣)، والبيهقي (٢/ ٩١) و (٣/ ١٠٦). وقد يقال في هذا بأن صورته مرسل، فيقال: ليس كذلك؛ بل هو متصل صحيح؛ وذلك لعدة دلائل: الأول: أن جماعة من ثقات أصحاب الزهري المقدّمين فيه، مثل: معمر، ويونس، وابن عيينة، قد رووه متصلًا، الثاني: أن أبا أمامة لا ينكَر إدراكه وشهوده

стр. 3289

لهذه الواقعة، الثالث: أن ابن المديني قد أثبت لأبي أمامة لقاء زيد بن ثابت [العلل لابن المديني (٣٨)]. لذا قال ابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ٣١٤): "حديث زيد بن ثابت في هذا الباب: متصل صحيح". وانظر في الأوهام: القراءة خلف الإمام للبخاري (٢٤٠)، فتح الباري لابن رجب (٥/ ١٦). • وروى وكيع، عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، عن كثير بن أفلح، عن زيد بن ثابت: أنه دخل والقوم ركوع، فركع دون الصف، ثم دخل الصف. أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٢٩/ ٢٦٢٥). وهذا إسناد رجاله ثقات؛ غير عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب التيمي المدني، فإنه: ليس بالقوي، وقد وثقه جماعة [انظر: التهذيب (٣/ ١٨)، إكمال مغلطاي (٩/ ٤٣)، الميزان (٣/ ١٢)، التاريخ الأوسط (٣/ ٢٨٤/ ٤٥٠)، تخريج الذكر والدعاء (١٤٢)]، وكثير بن أفلح أدرك زيد بن ثابت، وجالسه، وكان فيمن كتب المصاحف [انظر: المصنف لعبد الرزاق (١/ ٥٢٩/ ٢٠٢٥)، المصنف لابن أبي شيبة (٥/ ٢٧٥/ ٢٦٠٣٨)، العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٣٩٠/ ٢٧٤٣)، أخبار المدينة (٢/ ١١٨)، أخبار مكة للفاكهي (١/ ٣١٠/ ٦٣٩)، المصاحف لابن أبي داود (٨٧ و ٨٨)، السنن الكبرى للبيهقي (١٠/ ٢٤٠)، وغيرها، [وانظر: تخريج الذكر والدعاء (١/ ٢١٧/ ١٢٠)]. فهو صالح في المتابعات. قال الطحاوي: حدثنا ابن أبي داود [إبراهيم بن سليمان بن داود البرلسي: ثقة حافظ. السير (١٣/ ٣٩٣)]: حدثنا سعيد بن أبي مريم [مصري، ثقة ثبت]: أخبرنا ابن أبي الزناد [حديثه بالمدينة: صحيح، وما حدث ببغداد أفسده البغداديون؛ إلا ما كان من رواية سليمان بن داود الهاشمي؛ فأحاديثه عنه حسان، وليس هذا من الأول ولا الأخير. انظر ما تقدم تحت الحديث رقم (١٤٨)]: أخبرني أبي [عبد الله بن ذكوان: ثقة ثبت]، عن خارجة أبن زيد بن ثابت: ثقة إمام، أحد الفقهاء السبعة]: أن زيد بن ثابت كان يركع على عتبة المسجد، ووجهه إلى القبلة، ثم يمشي معترضًا على شقه الأيمن، ثم يعتد بها إن وصل إلى الصف، أو لم يصل. أخرجه الطحاوي في شرح المعاني (١/ ٣٩٨)، وفي المشكل (١٤/ ٢٠٧). وهذا عندي شاذ، إذ المحفوظ ما تقدم بإسناد مدني صحيح، وله متابعة صالحة، وأخشى أن لا يكون ابن أبي مريم حمله عن ابن أبي الزناد بالمدينة، وأن يكون حمله عنه ببغداد، والله أعلم. وله إسناد آخر عند عبد الرزاق (٢/ ٢٨٣/ ٣٣٨٠). • والحاصل: أنه قد صح عن زيد بن ثابت: أنه كان إذا دخل المسجد والإمام

стр. 3290

راكع، مشى حتى إذا أمكنه أن يصل إلى الصف وهو راكع، كبر فركع، ثم دبَّ وهو راكع، حتى يصل إلى الصف. فدل ذلك على أنه لم يكن يفعل هذا إذا غلب على ظنه عدم إدراك الصف والإمام راكع، والله أعلم. ٣ - عن ابن مسعود: روى سفيان الثوري، وأبو الأحوص، وزائدة بن قدامة، وأبو عوانة: ثنا منصور، عن زيد بن وهب، قال: خرجت مع عبد الله -يعني: ابن مسعود- من داره إلى المسجد، فلما توسَّطنا المسجد ركع الإمام، فكبر عبد الله ثم ركع، وركعت معه، ثم مشينا راكعَين حتى انتهينا إلى الصف حتى [وفي رواية: حين] رفع القوم رؤوسهم، فلما قضى الإمام الصلاة، قمت وأنا أرى أني لم أدرك، فأخذ عبد اللَّه بيدي فأجلسني، وقال: إنك قد أدركت. لفظ أبي الأحوص. ولفظ زائدة: دخلت أنا وعبد الله المسجد، والقوم ركوع، فركعنا، ثم مشينا حتى دخلنا في القوم، فرفعوا رؤوسهم، ورفعنا معهم، فلما أن فرغنا من الصلاة قمت لأقضي؛ فحدثني عبد الله فقال: قد أتممت الصلاة. وقال أبو عوانة: فانتهينا إلى الصف، فرفعوا رؤوسهم. أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٢٨٣/ ٣٣٨١)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٢٩/ ٢٦٢٢) (٢/ ٤٦٣/ ٢٦٣٧ - ط عوامة)، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ١٨٧/ ٢٠٠٠) و (٤/ ١٩٦/ ٢٠٢٤)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٣٩٧)، وفي المشكل (١٤/ ٢٠٨)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٧١/ ٩٣٥٣ - ٩٣٥٥)، والبيهقي (٢/ ٩٠). قال ابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ٣١٤): "متصل صحيح من رواية أئمة أهل الحديث". قلت: وهو كما قال، إسناده كوفي صحيح، رجاله أئمة ثقات، روى لهم الجماعة. • وقد روى إبراهيم بن يزيد النخعي هذه القصة، فبين الموضع الذي انتهيا فيه إلى الصف، وأنهما صفا مع الناس حين قال الإمام: سمع الله لمن حمده، لكنه أرسلها: فقد روى الطبراني في الكبير (٩/ ٢٧٢/ ٩٣٥٩) بإسناد صحيح، إلى مغيرة بن مقسم، عن إبراهيم، قال: دخل عبد الله المسجد، ودخل معه، فركع الإمام، فركعنا قبل أن انتهينا إلى الصف، ثم انتهينا إلى الصف حين قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فلما سلم الإمام، قام صاحب عبد الله ليقضي، فأخذ عبد الله بثوبه، فقال: اجلس؛ فقد أدركت الصلاة. ومغيرة: ثقة متقن، إلا أنه كان يدلس عن إبراهيم، فحديثه عن إبراهيم مدخول، وقال أحمد بأن عامة ما رواه عن إبراهيم إنما سمعه من غيره [التهذيب (٤/ ١٣٨)]. وعلى هذا فالعمدة على رواية منصور المتصلة. • وروى بشير بن سلمان: حدثنا سيار أبو الحكم، عن طارق بن شهاب، قال: كنا

стр. 3291

عند عبد الله جلوسًا، فجاء رجل، فقال: قد أقيمت الصلاة، فقام وقمنا معه، فلما دخلنا المسجد، رأينا الناس ركوعًا في مقدَّم المسجد، فكبر وركع، وركعنا ثم مشينا، وصنعنا مثل الذي صنع، فمر رجل يسرع، فقال: عليك السلام يا أبا عبد الرحمن، فقال: صدق الله و [بلَّغ] رسوله، فلما صلينا ورجعنا، دخل إلى أهله، جلسنا [وفي رواية: فولج على أهله، وجلسنا في مكاننا ننتظره حتى يخرج]، فقال بعضنا لبعض: أما سمعتم رده على الرجل: صدق الله وبلغت رسله، أيكم يسأله؟ فقال طارق: أنا أسأله، فسأله حين خرج، فذكر عن النبي ﷺ [وفي رواية: سمعت رسول الله ﷺ يقول]: "أن بين يدي الساعة: تسليم الخاصة، وفشو التجارة، حتى تعين المرأة زوجها على التجارة، [زاد في رواية: وحتى يخرج الرجل بماله إلى أطراف الأرض فيرجع فيقول: لم أربح شيئًا]، وقطع الأرحام، وشهادة الزور، وكتمان شهادة الحق، وظهور القلم". أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٠٤٩)، والحاكم (٤/ ٩٨ و ٤٤٥)، وأحمد (١/ ٤٠٧ و ٤١٩)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٣٩٨)، وفي المشكل (٤/ ٢٦٣) و (١٤/ ٢٠٨)، وابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ٢٩٧)، والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (١/ ١٧٢/ ٢٥٤). رواه عن بشير بن سلمان به هكذا: أبو نعيم الفضل بن دكين، ويحيى بن آدم، وأبو أحمد الزبيري [وهم ثقات]، فقالوا: عن سيار أبي الحكم. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه". ورواه محمد بن سابق [صدوق]: نا بشير بن سلمان أبو إسماعيل، عن سيار به، ولم يكنه. أخرجه الهيثم بن كليب الشاشي في مسنده (٢/ ١٩٧/ ٧٦٥)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٤/ ١٧٧٤/ ٤٤٩٩). • ولبشير بن سلمان هذا أحاديث بنفس هذا الإسناد، فمنها: "من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس، كان قَمِنًا من أن لا تسدَّ حاجته، ومن أنزلها بالله أتاه الله برزق عاجل، أو موت آجل"، وفي لفظ له: "من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله ﵎ أوشك الله له بالغنى، إما موتًا عاجلًا، أو غنى آجلًا"، واختلف في لفظه كثيرًا. رواه وكيع، وأبو نعيم، وأبو أحمد الزبيري، وعبد الله بن داود الخريبي، ومحمد بن بشر العبدي، ومحمد بن يوسف الفريابي، وإسماعيل بن عمر الواسطي، وشعيب بن حرب، ويعلى بن عبيد، وأبو قتيبة سلم بن قتيبة، وإسحاق بن سليمان الرازي [وهم ثقات] [والثلاثة الآخرون لم يكنوا سيارًا، ولم ينسبوه]: عن بشير بن سلمان، عن سيار أبي الحكم، عن طارق بن شهاب، عن عبد الله بن مسعود به مرفوعًا. أخرجه أبو داود (١٦٤٥)، وأحمد (١/ ٣٨٩ و ٤٠٧ و ٤٤٢)، وابن أبي شيبة في

стр. 3292

المسند (٣٣٧)، وهناد بن السري في الزهد (١/ ٣٢٨/ ٦٠٠)، والبزار (٤/ ٢٨٦/ ١٤٥٨)، وأبو يعلى (٩/ ٢١٧/ ٥٣١٧) و (٩/ ٢٧٥/ ٥٣٩٩)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ١١ و ١٣/ ١١ و ١٢ - مسند عمر)، والطحاوي في المشكل (١٥/ ٣٢٥/ ٦٠٥٣ - ٦٠٥٥)، والهيثم بن كليب الشاشي في مسنده (٢/ ١٩٥ - ١٩٦ و ٢٠٠/ ٧٦٤ و ٧٦٩)، والطبراني في الكبير (١٠/ ١٣/ ٩٧٨٥)، وابن منده في فتح الباب (٢٢١٩)، وأبو نعيم الحلية (٨/ ٣١٤)، والقضاعي في مسند الشهاب (٥٤٤)، والبيهقي في الشعب (٢/ ٢٩/ ١٠٧٨) و (٢/ ١٢٠/ ١٣٥٠)، وفي الآداب (١١٢١)، والخطيب في تلخيص المتشابه في الرسم (١/ ٥٦٨ و ٥٦٩)، والشجري في الأمالي الخميسية (٢/ ٢٦٥). • ورواه عبد الرزاق، وعبد الرحمن بن مهدي [وقال: سيار، ولم يكنه]، وعمر بن علي المقدمي، والمعافى بن عمران [كذا وقعت روايته عند الدولابي في الكنى (٨٩٣): عن سيار أبي حمزة، والإسناد إليه صحيح، ووقع عند الخطيب في التلخيص: عن سيار أبي الحكم، وفي الإسناد إليه من لم يوثق، وقد روى عنه جماعة من الأئمة] [فروايته الموافقة للجماعة عن سفيان أولى لصحة إسنادها، والله أعلم]: عن سفيان الثوري، عن بشير أبي إسماعيل، عن سيار أبي حمزة، عن طارق بن شهاب، عن ابن مسعود به مرفوعًا. أخرجه الترمذي (٢٣٢٦) (٤/ ٣٦٠/ ٢٤٧٩ - ط الأرنؤوط)، وأحمد (١/ ٤٤٢)، وابن أبي الدنيا في الفرج بعد الشدة (٢٥)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ١٣/ ١٣ - مسند عمر)، والدولابي في الكنى (١/ ٢٩٦/ ٥١٢) و (٢/ ٤٩٢/ ٨٩٣)، والطبراني في الكبير (١٠/ ١٣/ ٩٧٨٦)، والخطيب في تلخيص المتشابه في الرسم (١/ ٥٦٩ و ٥٧٠). • ورواه عبد الله بن المبارك، عن بشير بن سلمان، عن سيار أبي حمزة به. أخرجه أبو داود (١٦٤٥)، وابن المبارك في الزهد (١٣٢ - زيادات نعيم بن حماد على حسين المروزي) [ولم يكنه]. والحاكم (١/ ٤٠٨) [ولم يكنه]. والبيهقي في السنن (٤/ ١٩٦) [ولم يكنه]. والبغوي في شرح السنة (١٤/ ٣٠٢/ ٤١٠٩) [وكناه أبا الحكم، ولا أظنه محفوظًا]. قال الترمذي: "حسن صحيح غريب" [وكذا هو في نسخ الكروخي (٤/ ٣٦٠/ ٢٤٧٩ - ط الأرنؤوط)، و (٢/ ٥٨ - نسخة هندية)، وفي نسخة تحفة الأحوذي (٦/ ٥٠٩/ ٢٤٢٨)، وهكذا نقله: الضياء المقدسي في فضائل الأعمال (٢٩٨)، وابن كثير في التفسير (٣/ ٣٥)، والمزي في التحفة (٦/ ٣٢٠/ ٩٣١٩)، والصدر المناوي في كشف المناهج (٢/ ١٢٠/ ١٣٢٦)، وعبد الرؤوف المناوي في الفيض (٦/ ٦٦)، وقال المنذري في الترغيب (١/ ٣٣٧/ ١٢٣٩) و (٢/ ٣١٦/ ٢٥٢٩): "حسن صحيح ثابت"، وقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الكبرى (٣/ ٣٣٤): "حسن غريب"، وقال النووي في رياض الصالحين (٥٣٤): "حسن"، وقال ابن القيم في المدارج (٢/ ٢٣٦): "حسن صحيح"].

стр. 3293

وقال البزار: "وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عبد الله عن النبي ﷺ إلا بهذا الإسناد". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه". وقال أبو نعيم: "غريب، لم يروه عن طارق إلا سيار، ولا عنه إلا بشير". وقال البغوي: "حسن غريب"، وهو في الغالب ينقل حكم الترمذي. • هكذا روى جماعة الثقات [وهم تسعة، بعضهم حفاظ، مثل: وكيع، وأبي نعيم، ويحيى بن آدم، وعبد الله بن داود الخريبي، ومحمد بن بشر العبدي]، فقالوا: عن سيار أبي الحكم، ورواه أربعة من الثقات، فقالوا: عن سيار، غير مكني، ولا منسوب، ورواه سفيان الثوري، وعبد الله بن المبارك [في رواية عنه] [وهما من هما في الإمامة، والحفظ والإتقان، والضبط والتثبت]، فقالا: عن سيار أبي حمزة. • وقد اختلف الأئمة فيمن هو سيار هذا: فذهب البخاري إلى أن الذي روى عن طارق بن شهاب، وعنه: بشير بن سلمان، هو: سيار بن أبي سيار، وهو سيار بن وردان الواسطي، كنيته أبو الحكم [التاريخ الكبير (٤/ ١٦١)]. وقال في سيار أبي حمزة: "عن قيس بن أبي حازم، عن جرير، قال: عزم عليَّ عمر لأكتوين، قاله لنا أبو نعيم، عن الثوري، عن عبد الملك بن أبجر، عن سيار، يعد في الكوفيين" [التاريخ الكبير (٤/ ١٦٠)]. وتبعه في الترجمتين: ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٤/ ٢٥٤ و ٢٥٥)، وابن حبان في الثقات (٦/ ٤٢١). وكذا ترجم لسيار أبي الحكم في الكنى، في كونه يروي عن طارق بن شهاب: مسلم (١/ ٢٤٠/ ٨٠٩)، والدولابي (٢/ ٤٧٨ - ٤٨٥)، وأبو أحمد الحاكم (٤/ ١٩/ ١٦٦٢)، وابن عبد البر (١/ ٥٦١/ ٦٠٤ - الاستغناء). وقال ابن حجر في التهذيب (٢/ ١٤٣): "وتبع البخاري أيضًا في أنه يروي عن طارق: مسلم في الكنى، والنسائي، والدولابي، وغير واحد، وهو وهم؛ كما قال الدارقطني" [وانظر: إكمال مغلطاي (٦/ ١٨٨)]. وتتلخص حجة هؤلاء الأئمة في أن سيارًا هذا هو سيار بن أبي سيار أبو الحكم: أن هذا هو قول جماعة الثقات، وفيهم أئمة حفاظ، والله أعلم. قال الخطيب في تلخيص المتشابه (١/ ٥٦٨) بعد ما حكى قول البخاري: "وقد أنكر أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعمرو بن علي أن يكون الذي روى بشير بن سلمان عنه عن طارق بن شهاب: سيارًا أبا الحكم، وقالوا: إنما هو سيار أبو حمزة، فالله أعلم". قلت: هاك أقوال الأئمة الذين خالفوهم، مع سياق حجتهم في ذلك: قال أحمد في المسند (١/ ٤٤٢) بعد رواية الثوري: "وهو الصواب: سيار أبو

стр. 3294

حمزة"، قال: "وسيار أبو الحكم لم يحدث عن طارق بن شهاب بشيء". وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل في العلل ومعرفة الرجال (١/ ٣٢٩/ ٥٨٨): "قلت لأبي: حديث بشير أبي إسماعيل عن سيار أبي الحكم عن طارق عن عبد الله عن النبي ﷺ : "من نزلت به فاقة"؟ قال أبي: إنما هو سيار أبو حمزة، وليس هو سيار أبو الحكم؛ أبو الحكم لم يحدث عن طارق بشيء، حدثني أبي، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا سفيان، قال أبي: أملاه عليهم باليمن سفيان عن بشير أبي إسماعيل عن سيار أبي حمزة، فذكر هذا الحديث بعينه" [نقله: الدولابي في الكنى (١/ ٣٠١/ ٥٣٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٢٩/ ١٠٧٩)، وابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (١/ ٣٣٨)، والخطيب في التلخيص (١/ ٥٧٠)، والعلائي في جامع التحصيل (٢٧٧)]. وذكر أحمد أن سفيان أملاه عليهم باليمن يريد بذلك صحة سماع عبد الرزاق من سفيان، فإن سماعه من سفيان باليمن صحيح، وسماعه منه بمكة مضطرب جدًّا [انظر: شرح العلل (٢/ ٧٧٠)]. وقال في موضع آخر (٢/ ١٠/ ١٣٧٣): "حدث وكيع بحديث بشير أبي إسماعيل عن سيار أبي الحكم عن طارق بن شهاب عن عبد الله عن النبي ﷺ : "من نزلت به فاقة"، وقال غير وكيع: سيار أبو حمزة، قال أبي: وبشير أبو إسماعيل لم يسمع من سيار أبي الحكم، إنما هو سيار أبو حمزة، وليس أبو الحكم". وقال الأثرم: "قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل: والذي يروي عنه بشير هو سيار أبو حمزة، ليس قولهم سيار أبو الحكم بشيء، أبو الحكم سيار ما له ولطارق بن شهاب، إنما هذا سيار أبو حمزة الذي يروي عنه ابن أبجر وغيره. قلت لأبي عبد الله: الذي يروي حديث جرير عن عمر في الكي؟ فقال: نعم، ذاك. قال أبو عبد الله: وكنت أظن أن أبا نعيم هو الذي يقول: سيار أبو الحكم في حديث بشير، فإذا غير واحد يقول أيضًا: أبو الحكم، قال: فأظن أن الشيخ بشيرًا لقنوه هذا فقاله" [تلخيص المتشابه (١/ ٥٧٠)]. وقال ابن الجنيد: "سألت يحيى عن بشير بن سلمان؟ فقال: ثقة كوفي، الذي روى عن سيار، وليس هو سيار أبي الحكم، هو سيار أبو حمزة" [سؤالاته ليحيى بن معين (٨٢١)] [وانظر: تاريخ ابن معين للدوري (٤/ ٢٠ و ٢٣ و ٣٠/ ٢٩٣٥ و ٢٩٥٠ و ٢٩٨٢)، الكنى للدولابي (٢/ ٤٨٧)]. وقال عمرو بن علي الفلاس بعد أن رواه عن أبي أحمد الزبيري به مكنيًا بأبي الحكم، قال أبو حفص: "أخطأ، إنما هو سيار أبو حمزة" [فتح الباب (٢٢١٩)]. وقال بعد أن رواه عن أبي قتيبة سلم بن قتيبة به حيث قال: سيار ولم يكنه: "وهو سيار أبو حمزة"، ثم ذكر أبو حفص الفلاس رواية الثوري غير منسوبة، ورواية أبي أحمد الزبيري وقد كناه أبا الحكم، قال أبو حفص: "والصواب: سيار أبي حمزة، وإنما روى

стр. 3295

حديثين [كذا] عن قيس، عن جرير: أقسم عليَّ عمر لأكتوين" [تلخيص المتشابه (١/ ٥٧١)]. وقال أبو داود: "هو سيار أبو حمزة، ولكن بشير كان يقول: سيار أبو الحكم، وهو خطأ" [تهذيب الكمال (١٢/ ٣١٦)، تهذيب التهذيب (٢/ ١٤٢)]. وقال الدارقطني في المؤتلف (٣/ ١٢٢٠): "قول البخاري [يعني في ترجمة سيار أبي الحكم] إنه سمع طارق بن شهاب، وهمٌ منه، وممن تابعه على ذلك، والذي يروي عن طارق هو سيار أبو حمزة، قال ذلك: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهما" [نقله ابن ماكولا في الإكمال (٤/ ٤٢٥)، والمزي في تهذيب الكمال (١٢/ ٣١٦)]. وقال في العلل (٥/ ١١٦/ ٧٦٢): "وقولهم: سيار أبو الحكم: وهم، وإنما هو سيار أبو حمزة الكوفي، كذلك رواه عبد الرزاق عن الثوري عن بشير عن سيار أبي حمزة، وهو الصواب، وسيار أبو الحكم: لم يسمع من طارق بن شهاب شيئًا، ولم يرو عنه". وتبعهم على ذلك: ابن منده في الكنى (٢٢١٩). وقال المزي في التهذيب (١٢/ ٣١٦) بأن بشير كان يقول فيه: سيار أبو الحكم، قال: "وهو وهم منه". وقال ابن حجر في التقريب (٢٦٣): "سيار أبو الحكم العنزي:. . . وهو أخو مساور الوراق لأمه، ثقة، وليس هو الذي يروي عن طارق بن شهاب، من السادسة، مات سنة اثنتين وعشرين. ع". ثم قال: "سيار أبو حمزة الكوفي: مقبول من الخامسة، ووقع في الإسناد: عن سيار أبي الحكم عن طارق، والصواب: عن سيار أبي حمزة". وتتلخص حجة هؤلاء الأئمة في أن سيارًا هذا هو سيار أبو حمزة، فيما يلي: أ- إن هذا هو قول إمامين جليلين: الثوري، وابن المبارك، وهما إماما أهل الحديث في: الحفظ، والضبط، والإتقان، في زمانهما. ب- وإن سيارًا أبا الحكم لا يُعرف بالرواية عن طارق بن شهاب بشيء، إلا في هذا الإسناد الذي تفرد به بشير بن سلمان، وروى به عدة أحاديث، وجزم الدارقطني بأنه لم يسمع من طارق بن شهاب شيئًا، ولم يرو عنه. ج- إن بشير بن سلمان: كوفي، وسيار أبو الحكم: واسطي، فهو غريب عنه، وأما سيار أبو حمزة فإنه كوفي، ورواية الرجل عن أهل بلده أولى وأقرب من روايته عن الغرباء. د- إن الإمام أحمد قد جزم بأن بشير بن سلمان لم يسمع من أبي الحكم، وذلك لاختلاف البلدان، واختلاف طبقة أبي الحكم وأبي حمزة، فأبو حمزة أكبر من أبي الحكم، وأما البخاري فقد أثبت له السماع بناءً على الحجة السابق ذكرها [انظر: التاريخ الكبير (٢/ ٩٩)].
следующие страницы →