Полный текст (16 465 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.
стр. 3291
عند عبد الله جلوسًا، فجاء رجل، فقال: قد أقيمت الصلاة، فقام وقمنا معه، فلما دخلنا المسجد، رأينا الناس ركوعًا في مقدَّم المسجد، فكبر وركع، وركعنا ثم مشينا، وصنعنا مثل الذي صنع، فمر رجل يسرع، فقال: عليك السلام يا أبا عبد الرحمن، فقال: صدق الله و [بلَّغ] رسوله، فلما صلينا ورجعنا، دخل إلى أهله، جلسنا [وفي رواية: فولج على أهله، وجلسنا في مكاننا ننتظره حتى يخرج]، فقال بعضنا لبعض: أما سمعتم رده على الرجل: صدق الله وبلغت رسله، أيكم يسأله؟ فقال طارق: أنا أسأله، فسأله حين خرج، فذكر عن النبي ﷺ [وفي رواية: سمعت رسول الله ﷺ يقول]: "أن بين يدي الساعة: تسليم الخاصة، وفشو التجارة، حتى تعين المرأة زوجها على التجارة، [زاد في رواية: وحتى يخرج الرجل بماله إلى أطراف الأرض فيرجع فيقول: لم أربح شيئًا]، وقطع الأرحام، وشهادة الزور، وكتمان شهادة الحق، وظهور القلم".
أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٠٤٩)، والحاكم (٤/ ٩٨ و ٤٤٥)، وأحمد (١/ ٤٠٧ و ٤١٩)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٣٩٨)، وفي المشكل (٤/ ٢٦٣) و (١٤/ ٢٠٨)، وابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ٢٩٧)، والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (١/ ١٧٢/ ٢٥٤).
رواه عن بشير بن سلمان به هكذا: أبو نعيم الفضل بن دكين، ويحيى بن آدم، وأبو أحمد الزبيري [وهم ثقات]، فقالوا: عن سيار أبي الحكم.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه".
ورواه محمد بن سابق [صدوق]: نا بشير بن سلمان أبو إسماعيل، عن سيار به، ولم يكنه.
أخرجه الهيثم بن كليب الشاشي في مسنده (٢/ ١٩٧/ ٧٦٥)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٤/ ١٧٧٤/ ٤٤٩٩).
• ولبشير بن سلمان هذا أحاديث بنفس هذا الإسناد، فمنها: "من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس، كان قَمِنًا من أن لا تسدَّ حاجته، ومن أنزلها بالله أتاه الله برزق عاجل، أو موت آجل"، وفي لفظ له: "من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله ﵎ أوشك الله له بالغنى، إما موتًا عاجلًا، أو غنى آجلًا"، واختلف في لفظه كثيرًا.
رواه وكيع، وأبو نعيم، وأبو أحمد الزبيري، وعبد الله بن داود الخريبي، ومحمد بن بشر العبدي، ومحمد بن يوسف الفريابي، وإسماعيل بن عمر الواسطي، وشعيب بن حرب، ويعلى بن عبيد، وأبو قتيبة سلم بن قتيبة، وإسحاق بن سليمان الرازي [وهم ثقات] [والثلاثة الآخرون لم يكنوا سيارًا، ولم ينسبوه]:
عن بشير بن سلمان، عن سيار أبي الحكم، عن طارق بن شهاب، عن عبد الله بن مسعود به مرفوعًا.
أخرجه أبو داود (١٦٤٥)، وأحمد (١/ ٣٨٩ و ٤٠٧ و ٤٤٢)، وابن أبي شيبة في
стр. 3292
المسند (٣٣٧)، وهناد بن السري في الزهد (١/ ٣٢٨/ ٦٠٠)، والبزار (٤/ ٢٨٦/ ١٤٥٨)، وأبو يعلى (٩/ ٢١٧/ ٥٣١٧) و (٩/ ٢٧٥/ ٥٣٩٩)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ١١ و ١٣/ ١١ و ١٢ - مسند عمر)، والطحاوي في المشكل (١٥/ ٣٢٥/ ٦٠٥٣ - ٦٠٥٥)، والهيثم بن كليب الشاشي في مسنده (٢/ ١٩٥ - ١٩٦ و ٢٠٠/ ٧٦٤ و ٧٦٩)، والطبراني في الكبير (١٠/ ١٣/ ٩٧٨٥)، وابن منده في فتح الباب (٢٢١٩)، وأبو نعيم الحلية (٨/ ٣١٤)، والقضاعي في مسند الشهاب (٥٤٤)، والبيهقي في الشعب (٢/ ٢٩/ ١٠٧٨) و (٢/ ١٢٠/ ١٣٥٠)، وفي الآداب (١١٢١)، والخطيب في تلخيص المتشابه في الرسم (١/ ٥٦٨ و ٥٦٩)، والشجري في الأمالي الخميسية (٢/ ٢٦٥).
• ورواه عبد الرزاق، وعبد الرحمن بن مهدي [وقال: سيار، ولم يكنه]، وعمر بن علي المقدمي، والمعافى بن عمران [كذا وقعت روايته عند الدولابي في الكنى (٨٩٣): عن سيار أبي حمزة، والإسناد إليه صحيح، ووقع عند الخطيب في التلخيص: عن سيار أبي الحكم، وفي الإسناد إليه من لم يوثق، وقد روى عنه جماعة من الأئمة] [فروايته الموافقة للجماعة عن سفيان أولى لصحة إسنادها، والله أعلم]:
عن سفيان الثوري، عن بشير أبي إسماعيل، عن سيار أبي حمزة، عن طارق بن شهاب، عن ابن مسعود به مرفوعًا.
أخرجه الترمذي (٢٣٢٦) (٤/ ٣٦٠/ ٢٤٧٩ - ط الأرنؤوط)، وأحمد (١/ ٤٤٢)، وابن أبي الدنيا في الفرج بعد الشدة (٢٥)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ١٣/ ١٣ - مسند عمر)، والدولابي في الكنى (١/ ٢٩٦/ ٥١٢) و (٢/ ٤٩٢/ ٨٩٣)، والطبراني في الكبير (١٠/ ١٣/ ٩٧٨٦)، والخطيب في تلخيص المتشابه في الرسم (١/ ٥٦٩ و ٥٧٠).
• ورواه عبد الله بن المبارك، عن بشير بن سلمان، عن سيار أبي حمزة به.
أخرجه أبو داود (١٦٤٥)، وابن المبارك في الزهد (١٣٢ - زيادات نعيم بن حماد على حسين المروزي) [ولم يكنه]. والحاكم (١/ ٤٠٨) [ولم يكنه]. والبيهقي في السنن (٤/ ١٩٦) [ولم يكنه]. والبغوي في شرح السنة (١٤/ ٣٠٢/ ٤١٠٩) [وكناه أبا الحكم، ولا أظنه محفوظًا].
قال الترمذي: "حسن صحيح غريب" [وكذا هو في نسخ الكروخي (٤/ ٣٦٠/ ٢٤٧٩ - ط الأرنؤوط)، و (٢/ ٥٨ - نسخة هندية)، وفي نسخة تحفة الأحوذي (٦/ ٥٠٩/ ٢٤٢٨)، وهكذا نقله: الضياء المقدسي في فضائل الأعمال (٢٩٨)، وابن كثير في التفسير (٣/ ٣٥)، والمزي في التحفة (٦/ ٣٢٠/ ٩٣١٩)، والصدر المناوي في كشف المناهج (٢/ ١٢٠/ ١٣٢٦)، وعبد الرؤوف المناوي في الفيض (٦/ ٦٦)، وقال المنذري في الترغيب (١/ ٣٣٧/ ١٢٣٩) و (٢/ ٣١٦/ ٢٥٢٩): "حسن صحيح ثابت"، وقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الكبرى (٣/ ٣٣٤): "حسن غريب"، وقال النووي في رياض الصالحين (٥٣٤): "حسن"، وقال ابن القيم في المدارج (٢/ ٢٣٦): "حسن صحيح"].
стр. 3293
وقال البزار: "وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عبد الله عن النبي ﷺ إلا بهذا الإسناد".
وقال الحاكم: "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه".
وقال أبو نعيم: "غريب، لم يروه عن طارق إلا سيار، ولا عنه إلا بشير".
وقال البغوي: "حسن غريب"، وهو في الغالب ينقل حكم الترمذي.
• هكذا روى جماعة الثقات [وهم تسعة، بعضهم حفاظ، مثل: وكيع، وأبي نعيم، ويحيى بن آدم، وعبد الله بن داود الخريبي، ومحمد بن بشر العبدي]، فقالوا: عن سيار أبي الحكم، ورواه أربعة من الثقات، فقالوا: عن سيار، غير مكني، ولا منسوب، ورواه سفيان الثوري، وعبد الله بن المبارك [في رواية عنه] [وهما من هما في الإمامة، والحفظ والإتقان، والضبط والتثبت]، فقالا: عن سيار أبي حمزة.
• وقد اختلف الأئمة فيمن هو سيار هذا:
فذهب البخاري إلى أن الذي روى عن طارق بن شهاب، وعنه: بشير بن سلمان، هو: سيار بن أبي سيار، وهو سيار بن وردان الواسطي، كنيته أبو الحكم [التاريخ الكبير (٤/ ١٦١)].
وقال في سيار أبي حمزة: "عن قيس بن أبي حازم، عن جرير، قال: عزم عليَّ عمر لأكتوين، قاله لنا أبو نعيم، عن الثوري، عن عبد الملك بن أبجر، عن سيار، يعد في الكوفيين" [التاريخ الكبير (٤/ ١٦٠)].
وتبعه في الترجمتين: ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٤/ ٢٥٤ و ٢٥٥)، وابن حبان في الثقات (٦/ ٤٢١).
وكذا ترجم لسيار أبي الحكم في الكنى، في كونه يروي عن طارق بن شهاب: مسلم (١/ ٢٤٠/ ٨٠٩)، والدولابي (٢/ ٤٧٨ - ٤٨٥)، وأبو أحمد الحاكم (٤/ ١٩/ ١٦٦٢)، وابن عبد البر (١/ ٥٦١/ ٦٠٤ - الاستغناء).
وقال ابن حجر في التهذيب (٢/ ١٤٣): "وتبع البخاري أيضًا في أنه يروي عن طارق: مسلم في الكنى، والنسائي، والدولابي، وغير واحد، وهو وهم؛ كما قال الدارقطني" [وانظر: إكمال مغلطاي (٦/ ١٨٨)].
وتتلخص حجة هؤلاء الأئمة في أن سيارًا هذا هو سيار بن أبي سيار أبو الحكم: أن هذا هو قول جماعة الثقات، وفيهم أئمة حفاظ، والله أعلم.
قال الخطيب في تلخيص المتشابه (١/ ٥٦٨) بعد ما حكى قول البخاري: "وقد أنكر أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعمرو بن علي أن يكون الذي روى بشير بن سلمان عنه عن طارق بن شهاب: سيارًا أبا الحكم، وقالوا: إنما هو سيار أبو حمزة، فالله أعلم".
قلت: هاك أقوال الأئمة الذين خالفوهم، مع سياق حجتهم في ذلك:
قال أحمد في المسند (١/ ٤٤٢) بعد رواية الثوري: "وهو الصواب: سيار أبو
стр. 3294
حمزة"، قال: "وسيار أبو الحكم لم يحدث عن طارق بن شهاب بشيء".
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل في العلل ومعرفة الرجال (١/ ٣٢٩/ ٥٨٨): "قلت لأبي: حديث بشير أبي إسماعيل عن سيار أبي الحكم عن طارق عن عبد الله عن النبي ﷺ : "من نزلت به فاقة"؟ قال أبي: إنما هو سيار أبو حمزة، وليس هو سيار أبو الحكم؛ أبو الحكم لم يحدث عن طارق بشيء، حدثني أبي، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا سفيان، قال أبي: أملاه عليهم باليمن سفيان عن بشير أبي إسماعيل عن سيار أبي حمزة، فذكر هذا الحديث بعينه" [نقله: الدولابي في الكنى (١/ ٣٠١/ ٥٣٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٢٩/ ١٠٧٩)، وابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (١/ ٣٣٨)، والخطيب في التلخيص (١/ ٥٧٠)، والعلائي في جامع التحصيل (٢٧٧)].
وذكر أحمد أن سفيان أملاه عليهم باليمن يريد بذلك صحة سماع عبد الرزاق من سفيان، فإن سماعه من سفيان باليمن صحيح، وسماعه منه بمكة مضطرب جدًّا [انظر: شرح العلل (٢/ ٧٧٠)].
وقال في موضع آخر (٢/ ١٠/ ١٣٧٣): "حدث وكيع بحديث بشير أبي إسماعيل عن سيار أبي الحكم عن طارق بن شهاب عن عبد الله عن النبي ﷺ : "من نزلت به فاقة"، وقال غير وكيع: سيار أبو حمزة، قال أبي: وبشير أبو إسماعيل لم يسمع من سيار أبي الحكم، إنما هو سيار أبو حمزة، وليس أبو الحكم".
وقال الأثرم: "قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل: والذي يروي عنه بشير هو سيار أبو حمزة، ليس قولهم سيار أبو الحكم بشيء، أبو الحكم سيار ما له ولطارق بن شهاب، إنما هذا سيار أبو حمزة الذي يروي عنه ابن أبجر وغيره.
قلت لأبي عبد الله: الذي يروي حديث جرير عن عمر في الكي؟ فقال: نعم، ذاك.
قال أبو عبد الله: وكنت أظن أن أبا نعيم هو الذي يقول: سيار أبو الحكم في حديث بشير، فإذا غير واحد يقول أيضًا: أبو الحكم، قال: فأظن أن الشيخ بشيرًا لقنوه هذا فقاله" [تلخيص المتشابه (١/ ٥٧٠)].
وقال ابن الجنيد: "سألت يحيى عن بشير بن سلمان؟ فقال: ثقة كوفي، الذي روى عن سيار، وليس هو سيار أبي الحكم، هو سيار أبو حمزة" [سؤالاته ليحيى بن معين (٨٢١)] [وانظر: تاريخ ابن معين للدوري (٤/ ٢٠ و ٢٣ و ٣٠/ ٢٩٣٥ و ٢٩٥٠ و ٢٩٨٢)، الكنى للدولابي (٢/ ٤٨٧)].
وقال عمرو بن علي الفلاس بعد أن رواه عن أبي أحمد الزبيري به مكنيًا بأبي الحكم، قال أبو حفص: "أخطأ، إنما هو سيار أبو حمزة" [فتح الباب (٢٢١٩)].
وقال بعد أن رواه عن أبي قتيبة سلم بن قتيبة به حيث قال: سيار ولم يكنه: "وهو سيار أبو حمزة"، ثم ذكر أبو حفص الفلاس رواية الثوري غير منسوبة، ورواية أبي أحمد الزبيري وقد كناه أبا الحكم، قال أبو حفص: "والصواب: سيار أبي حمزة، وإنما روى
стр. 3295
حديثين [كذا] عن قيس، عن جرير: أقسم عليَّ عمر لأكتوين" [تلخيص المتشابه (١/ ٥٧١)].
وقال أبو داود: "هو سيار أبو حمزة، ولكن بشير كان يقول: سيار أبو الحكم، وهو خطأ" [تهذيب الكمال (١٢/ ٣١٦)، تهذيب التهذيب (٢/ ١٤٢)].
وقال الدارقطني في المؤتلف (٣/ ١٢٢٠): "قول البخاري [يعني في ترجمة سيار أبي الحكم] إنه سمع طارق بن شهاب، وهمٌ منه، وممن تابعه على ذلك، والذي يروي عن طارق هو سيار أبو حمزة، قال ذلك: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهما" [نقله ابن ماكولا في الإكمال (٤/ ٤٢٥)، والمزي في تهذيب الكمال (١٢/ ٣١٦)].
وقال في العلل (٥/ ١١٦/ ٧٦٢): "وقولهم: سيار أبو الحكم: وهم، وإنما هو سيار أبو حمزة الكوفي، كذلك رواه عبد الرزاق عن الثوري عن بشير عن سيار أبي حمزة، وهو الصواب، وسيار أبو الحكم: لم يسمع من طارق بن شهاب شيئًا، ولم يرو عنه".
وتبعهم على ذلك: ابن منده في الكنى (٢٢١٩).
وقال المزي في التهذيب (١٢/ ٣١٦) بأن بشير كان يقول فيه: سيار أبو الحكم، قال: "وهو وهم منه".
وقال ابن حجر في التقريب (٢٦٣): "سيار أبو الحكم العنزي:. . . وهو أخو مساور الوراق لأمه، ثقة، وليس هو الذي يروي عن طارق بن شهاب، من السادسة، مات سنة اثنتين وعشرين. ع".
ثم قال: "سيار أبو حمزة الكوفي: مقبول من الخامسة، ووقع في الإسناد: عن سيار أبي الحكم عن طارق، والصواب: عن سيار أبي حمزة".
وتتلخص حجة هؤلاء الأئمة في أن سيارًا هذا هو سيار أبو حمزة، فيما يلي:
أ- إن هذا هو قول إمامين جليلين: الثوري، وابن المبارك، وهما إماما أهل الحديث في: الحفظ، والضبط، والإتقان، في زمانهما.
ب- وإن سيارًا أبا الحكم لا يُعرف بالرواية عن طارق بن شهاب بشيء، إلا في هذا الإسناد الذي تفرد به بشير بن سلمان، وروى به عدة أحاديث، وجزم الدارقطني بأنه لم يسمع من طارق بن شهاب شيئًا، ولم يرو عنه.
ج- إن بشير بن سلمان: كوفي، وسيار أبو الحكم: واسطي، فهو غريب عنه، وأما سيار أبو حمزة فإنه كوفي، ورواية الرجل عن أهل بلده أولى وأقرب من روايته عن الغرباء.
د- إن الإمام أحمد قد جزم بأن بشير بن سلمان لم يسمع من أبي الحكم، وذلك لاختلاف البلدان، واختلاف طبقة أبي الحكم وأبي حمزة، فأبو حمزة أكبر من أبي الحكم، وأما البخاري فقد أثبت له السماع بناءً على الحجة السابق ذكرها [انظر: التاريخ الكبير (٢/ ٩٩)].
стр. 3296
هـ- ولم يتفق الرواة عن بشير بن سلمان في ذلك، بل قد اختلفوا، فمنهم من قال: عن سيار أبي الحكم، ومنهم من قال: عن سيار حسب، ومنهم من قال: عن سيار أبي حمزة.
و- أن رواية سفيان الثوري قد احتفت بها عدة قرائن تدل على أنها هي المحفوظة: فمنها: حفظ سفيان وضبطه، فقد كان أحفظ أهل زمانه، وكان أحفظ من شعبة بن الحجاج، ثم رواه عنه عبد الرزاق، وسمعه منه باليمن، قال الأثرم في سؤالاته (٢): "قال أبو عبد الله: سماع عبد الرزاق من سفيان بمكة مضطرب، فأما سماعه باليمن الذي أملى عليهم، فذاك صحيح جدًّا، كان القاضي يكتب، فكانوا يصححون".
وقال ابن رجب في شرح العلل (٢/ ٧٧١): "قال أبو عبد الله أحمد: قال عبد الرزاق: كان هشام بن يوسف القاضي يكتب بيده، وأنا أنظر، -يعني: عن سفيان باليمن-، قال عبد الرزاق: قال سفيان: ائتوني برجل خفيف اليد، فجاؤوه بالقاضي، وكان ثم جماعة يسمعون، لا ينظرون في الكتاب، قال عبد الرزاق: وكنت أنا أنظر، فإذا قاموا ختم القاضي الكتاب.
قال أبو عبد الله: لا أعلم أني رأيت ثمة خطأ إلا في حديث بشير بن سلمان، عن سيار، قال: أظن أني رأيته عن سيار، عن أبي حمزة، فأراهم أرادوا: عن سيار أبي حمزة، فغلطوا، فكتبوا: عن سيار، عن أبي حمزة".
قال ابن رجب: "هذا كله كلام أحمد ﵀ ليبين به صحة سماع عبد الرزاق باليمن من سفيان، وضبط الكتاب الذي كتب هناك عنه".
يضاف إلى ذلك عدم تفرد عبد الرزاق عن الثوري بذلك، بل قد تابعه: عمر بن علي المقدمي، والمعافى بن عمران، وهما ثقتان.
ز- ذهب أحمد وأبو داود إلى تخطئة بشير بن سلمان في ذلك، وأن الخطأ منه، لا من هؤلاء الثقات الذين رووه عنه فقالوا: عن سيار أبي الحكم، وغلب على ظن الإمام أحمد أن هذا كان تلقنه بشير.
وكلام يحيى بن معين يُشعر بذلك، فإنه لما سئل عن بشير بن سلمان، فقال: "ثقة كوفي، الذي روى عن سيار، وليس هو سيار أبي الحكم، هو سيار أبو حمزة" [سؤالات ابن الجنيد ليحيى بن معين (٨٢١)]، فكلامه يُشعر بأن بشيرًا هو الذي أخطأ فيه، فقال: أبو الحكم، وإنما هو أبو حمزة، كما رواه مرة على الصواب، في رواية الثوري وابن المبارك، كما أن قول أبي حفص الفلاس: "أخطأ، إنما هو سيار أبو حمزة"، يمكن حمله على تخطئة بشير أيضًا، والله أعلم.
ح- أن بشير بن سلمان النهدي، أبا إسماعيل الكوفي، الذي اختلف عليه في ذلك: لم يكن بذاك الحافظ الذي يعتمد على حفظه، فهو وإن وثقه: أحمد، وابن معين، والعجلي، وقال أبو حاتم: "صالح الحديث"، وذكره ابن حبان في الثقات، فقد قال عنه
стр. 3297
أبو داود والدارقطني: "لا بأس به"، وقال عنه البزار: "حدَّث بغير حديث لم يشاركه فيه أحد"، يعني: أنه كان ممن يخطئ ويُغرب، فإذا انضاف إلى ذلك قول ابن سعد: "كان شيخًا قليل الحديث"، فإن مثله عندئذ إذا اختلف عليه الثقات، يكون الحمل عليه فيه، لا على الثقات الذين اختلفوا عليه، ولذا لخص الذهبي ما قيل فيه بقوله: "صدوق، وفيه لين"، وقال مرة أخرى: "صالح الحديث، وفيه لين"، والله أعلم [انظر: التهذيب (١/ ٢٣٥)، طبقات ابن سعد (٦/ ٣٦٠)، التاريخ الكبير (٢/ ٩٩)، سؤالات الآجري (١١٨)، الجرح والتعديل (٢/ ٣٧٤)، الثقات (٦/ ٩٨)، سؤالات البرقاني (٥٣)، المغني (١/ ١٠٨)، الميزان (١/ ٣٢٩)].
وبذا يظهر أن حجة الذين قالوا بأنه سيار أبو حمزة: أقوى وأظهر، ومعهم من الأدلة والبراهين ما يجعل النفس تطمئن إلى صحة قولهم، والله أعلم.
وسيار أبو حمزة: ذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٤٢١)، وروى عنه جماعة من الثقات، وهو قليل الحديث، وأكثر حديثه يرويه عنه بشير بن سلمان أبو إسماعيل النهدي بهذا الإسناد، وقال ابن القطان: "لا يُعرف" [التهذيب (٢/ ١٤٣)، بيان الوهم (٤/ ٥٥٠/ ٢١٠٢)، [وانظر: الإتحاف (١٠/ ٢٦٦/ ١٢٧١٩)].
فالأحاديث المروية بهذا الإسناد: أحاديث غرائب، تفرد بها بشير بن سلمان، عن سيار أبي حمزة الكوفي، عن طارق بن شهاب.
والترمذي حكم على أحدها بالغرابة، وأما تصحيحه له: فإن ثبت عنه؛ فإنه مبني على متابعته لشيخه البخاري في كون سيار هذا هو ابن أبي سيار أبا الحكم الواسطي، وليس كذلك، والله أعلم.
• فإن قيل: قد رُوي حديث تسليم الخاصة والسلام للمعرفة عن ابن مسعود من وجوه آخر كثيرة [انظر مثلًا: صحيح ابن خزيمة (٢/ ٢٨٤/ ١٣٢٦)، المستدرك (٤/ ٤٤٥ و ٤٤٦ و ٥٢٤)، مسند أحمد (١/ ٤٠٥ - ٤٠٦)، الأم (٧/ ١٨٦)، مسند الطيالسي (٣٩٣)، مصنف عبد الرزاق (٣/ ١٥٥/ ٥١٣٧)، مسند ابن أبي شيبة (٢١٠ و ٣٧٧)، شرح مشكل الآثار (٤/ ٢٦٦)، مسند الشاشي (٢٦٧)، المعجم الكبير للطبراني (٩/ ٢٩٦ و ٢٩٧/ ٩٤٨٦ - ٩٤٩١) و (١٨/ ١٣/ ١٧)، السنن الواردة في الفتن (٤٣٧)، السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢٤٥)، شعب الإيمان (٦/ ٤٣١/ ٨٧٧٨)، المطالب العالية (١٨/ ٣٧٨/ ٤٤٩٧)، [وانظر: السلسلة الصحيحة (٦٤٧ - ٦٤٩ و ٢٧٨٧)، والسلسلة الضعيفة (١٥٣٠ و ١٥٣١)].
وفي بعضها ما يشهد لكون راوي هذا الحديث هو سيار أبو حمزة:
فقد روى حماد بن سلمة، عن أبي حمزة، عن إبراهيم، عن علقمة: أنه كان مع مسروق، وابن مسعود بينهما، فجاء أعرابي، فقال: السلام عليك يا ابن أم عبد، فضحك عبد الله بن مسعود، فقال: ممَّ تضحك؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن من أشراط الساعة: السلام بالمعرفة، وأن يمرَّ الرجل بالمسجد ثم لا يصلِّي فيه، [وأن يبرد
стр. 3298
الشابُّ الشيخَ فيما بين الأفقين، وأن يتطاول الحفاة العراة رعاة الشاة في البنيان] ".
أخرجه الحارث بن أبي أسامة (٢/ ٧٨٧/ ٧٩٢ - بغية الباحث)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٣١/ ٢٥٢٧)، والطحاوي في المشكل (٤/ ٢٦٥).
فيقال: لا يمكن القول بأن أبا حمزة المذكور في هذا الإسناد هو سيار، لوجوه كثيرة، لا داعي للإطالة بذكرها، حاصلها: أن أبا حمزة المذكور في هذا الإسناد إنما هو: ميمون الأعور القصاب الكوفي الراعي، صاحب إبراهيم: ضعيف، وهو في إبراهيم النخعي: ضعيف جدًّا، قال ابن عدي: "وأحاديثه التي يرويها خاصة عن إبراهيم مما لا يتابع عليها" [الكامل (٦/ ٤١٣)، التهذيب (٤/ ٢٠٠)].
بل جاء التصريح باسمه من غير رواية حماد بن سلمة، عند: الطبراني في الكبير (٩/ ٢٩٧/ ٩٤٩٠)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٤١٢).
• وروى الطبراني في الكبير (٩/ ٢٧١/ ٩٣٥٧) بإسناد صحيح، إلى حماد بن سلمة، عن الحجاج، عن عبد الله بن يزيد النخعي، عن يزيد بن أحمر، عن ابن مسعود، قال: إذا ركع أحدكم فمشى إلى الصف قبل أن يرفعوا رؤوسهم: فإنه يَعْتَدُّ بها، وإن رفعوا رؤوسهم قبل أن يصل إلى الصف: فلا يَعْتَدُّ بها.
وهذا إسناد ضعيف؛ يزيد بن أحمر: فيه جهالة، ذكره ابن حبان في الثقات، ولم يُذكر له راوٍ غير عبد الله بن يزيد النخعي الصُّهباني، ولا يُعرف له سماع من ابن مسعود [التاريخ الكبير (٨/ ٣١٨)، الجرح والتعديل (٩/ ٢٥١)، الثقات (٥/ ٥٣٥)]، وحجاج هو ابن أرطأة، وليس بالقوي، يدلس عن الضعفاء والمتروكين، ولم يذكر سماعًا.
ولهذه القصة موضع الشاهد أسانيد آخر عن ابن مسعود من قوله وفعله، لا تخلو من مقال، عند: الحاكم في المستدرك (٤/ ٥٢٤)، وأحمد في المسند (١/ ٣٨٧)، وعبد الرزاق (٢/ ٢٨٣/ ٣٣٨٢)، وابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٢٢٩/ ٢٦٢٣)، وفي المسند (٢١٠ و ٣٧٧)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٧١ و ٢٧٢ و ٢٩٧/ ٩٣٥٦ و ٩٣٥٨ و ٩٤٩١)، والبيهقي (٢/ ٢٤٥)، والمطالب العالية (١٨/ ٣٧٨/ ٤٤٩٧).
٤ - عن عبد الله بن الزبير:
روى عبد اللَّه بن وهب: أخبرني ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح: أنه سمع عبد الله بن الزبير على المنبر، يقول للناس: إذا دخل أحدكم المسجد والناس ركوع فليركع حين يدخل، ثم ليدب راكعًا حتى يدخل في الصف، فإن ذلك السنة، قال عطاء: وقد رأيته هو يفعل ذلك.
أخرجه ابن خزيمة (٣/ ٣٢/ ١٥٧١)، والحاكم (١/ ٢١٤)، والطبراني في الأوسط (٧/ ١١٥/ ٧٠١٦)، والبيهقي (٣/ ١٠٦).
بوب له ابن خزيمة (١٥٧١) بقوله: "باب الرخصة في ركوع المأموم قبل اتصاله بالصف، ودبيبه راكعًا حتى يتصل بالصف في ركوعه".
стр. 3299
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه".
وقال الطبراني "لم يرو هذا الحديث عن ابن جريج إلا ابن وهب، تفرد به: حرملة، ولا يروى عن ابن الزبير إلا بهذا الإسناد".
قلت: تابع حرملة عليه: سعيد بن الحكم بن أبي مريم، فيبقى ابن وهب هو المتفرد به عن ابن جريج، وليس بذاك في ابن جريج، قال ابن معين: "عبد الله بن وهب: ليس بذاك في ابن جريج، كان يستصغر" [الكامل (٤/ ٢٠٢)، السير (٩/ ٢٢٣)، الميزان (٢/ ٥٢١)]، قال ابن رجب في شرح العلل (٢/ ٦٨٣): "يعني: لأنه سمع منه وهو صغير".
وقال أبو عوانة في كتاب الجنائز من صحيحه: "قال أحمد بن حنبل: في حديث ابن وهب عن ابن جريج شيء، قال أبو عوانة: صدق لأنه يأتي عنه بأشياء لا يأتي بها غيره" [التهذيب (٢/ ٤٥٤)] [وكتاب الجنائز ساقط من مطبوع أبي عوانة].
[وانظر في أوهام ابن وهب عن ابن جريج، ومخالفته لأصحابه: أطراف الغرائب والأفراد (١/ ٤٨٧/ ٢٧٣٢) و (٢/ ١١٣/ ٤٢٧٠)].
• خالفه: عبد الرزاق، فرواه عن ابن جريج، عن كثير بن كثير، عن أبيه، عن ابن الزبير: أنه علم الناس على المنبر، يقول: ليركع، ثم ليمش راكعًا، وإنه رأى ابن الزبير يفعله.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٢٨٤/ ٣٣٨٣)، ومن طريقه: ابن المنذر (٤/ ١٨٧/ ٢٠٠١).
قلت: هكذا قال عبد الرزاق: عن كثير بن كثير، عن أبيه، عن ابن الزبير، ولم يقل: عن عطاء عن ابن الزبير، ولم يقل فيه: فإن ذلك السنة.
وهذا أولى، فإن عبد الرزاق من أروى الناس عن ابن جريج، ولو كان عند ابن جريج فيه عن عطاء، لما فات عبد الرزاق، وابن جريج عن عطاء: طريق مسلوكة سهلة، وأما ابن جريج عن كثير بن كثير فتحتاج إلى من يضبطها، نعم ابن وهب ثقة حافظ، لكنه حمل عن ابن جريج وهو صغير، فلعل الوهم دخل عليه من هذا الباب، فسلك الجادة والطريق السهل، والله أعلم.
ومما يؤكد هذا المعنى الذي ذكرت، وأن ابن جريج لم يكن عنده عن عطاء عن ابن الزبير، وإنما هو عن كثير عن أبيه عن ابن الزبير: أن عبد الرزاق روى هذا القول عن ابن جريج عن عطاء من قوله، لم يعْدُه إلى ابن الزبير:
روى عبد الرزاق في مصنفه (٢/ ٢٨٤/ ٣٣٨٦)، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: إذا دخلت والإمام راكع فاركع قبل أن تخلف النساء، ثم امش راكعًا، فإذا رفع رأسه فارفع، ثم اسجد حيث يدركك السجدة، قال غير مرة، قال: قلت له: [فإن] سجدت [سجدتين] فكانت للإمام مثنى؟ قال: فاجلس مكانك، فإذا قام فاصفف مع الناس، فإن لم يكن له مثنى؛ فإذا سجدت فقم فاصفف مع الناس.
فلو كان عند عطاء عن ابن الزبير في هذا شيء لعلمه ابن جريج، ولما سكت عنه.
стр. 3300
إذا تقرر ذلك؛ فإن إسناد عبد الرزاق: إسناد مكي، رجاله ثقات؛ غير كثير بن المطلب بن أبي وداعة: روى عنه أولاده الثلاثة، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين [التهذيب (٣/ ٤٦٦)]، وابن جريج قد سمع من كثير، وروايته عنه في صحيح البخاري (٣٣٦٣).
وكان ابن عيينة قد روى حديثًا في سترة المصلي عن كثير بن كثير بن المطلب، عن بعض أهله؛ أنه سمع جده المطلب بن أبي وداعة، فقال سفيان بعده: "وكان ابن جريج حدثنا أولًا عن كثير عن أبيه عن المطلب، فلما سألته عنه، قال: ليس هو عن أبي، إنما أخبرني بعض أهلي؛ أنه سمعه من المطلب"، وفي رواية: "ليس من أبي سمعته، ولكن من بعض أهلي عن جدي" [سنن أبي داود (٢٠١٦)، سنن النسائي (٢/ ٦٧/ ٧٥٨) و (٥/ ٢٣٥/ ٢٩٥٩)، سنن ابن ماجه (٢٩٥٨)، صحيح ابن خزيمة (٢/ ١٥/ ٨١٥)، صحيح ابن حبان (٦/ ١٢٧ و ١٢٨/ ٢٣٦٣ و ٢٣٦٤)، مستدرك الحاكم (١/ ٢٥٤)، العلل ومعرفة الرجال (٣/ ٤٥٦/ ٥٩٣٩ - ٥٩٤٠)، مسند أحمد (٦/ ٣٩٩)، مصنف عبد الرزاق (٢/ ٣٥/ ٢٣٨٧ - ٢٣٨٩)، مسند الحميدي (٥٧٨)، مصنف ابن أبي شيبة (٣/ ٣٧١/ ١٥٠٣٩ و ١٥٠٤٠)، أخبار مكة للفاكهي (٢/ ١٠٩/ ١٢٣١)، المعرفة والتاريخ (٣/ ٥١)، الآحاد والمثاني (٢/ ١١٠/ ٨١٤)، مسند أبي يعلى (١٢/ ٢٩٥/ ٦٨٧٥) و (١٣/ ١١٩/ ٧١٧٣)، تهذيب الآثار (٥٥٤ - ٥٥٨ - الجزء المفقود)، الأوسط لابن المنذر (٥/ ٩٢ و ٩٣)، مشكل الآثار (٧/ ٢٣)، معاني الآثار (١/ ٤٦١)، المعجم لابن قانع (٣/ ١٠١)، المعجم الكبير للطبراني (٢٠/ ٢٨٨ - ٢٩١/ ٦٨٠ - ٦٨٧)، علل الدارقطني (١٤/ ٤٢/ ٣٤٠٨)، السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢٧٣)، بيان الوهم (٥/ ٥٣٩/ ٢٧٧١)، وغيرها].
وحديث السترة في المسجد الحرام قد رواه عن كثير جماعة، فقالوا: عن كثير، عن أبيه، عن جده، وقد أبان ابن عيينة عن علته حين سأل كثيرًا عنه، فأخبره بأنه لم يسمعه من أبيه، وإنما سمعه من بعض أهله، وأخاف أن يكون وقع له في هذا الحديث مثل هذا، وألا يكون سمعه من أبيه، فالله أعلم.
• وله إسناد آخر عن ابن الزبير:
فقد روى عبيد الله بن موسى العبسي، عن عثمان بن الأسود، قال: دخلت أنا وعمرو بن تميم المسجد، فركع الإمام فركعت أنا وهو، ومشينا راكعين حتى دخلنا الصف، فلما دخلنا الصف، قال لي عمرو: والذي صنعت آنفًا ممن سمعته؟ قلت: من مجاهد، قال: قد رأيت ابن الزبير فعله.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٣٠/ ٢٦٣١) (٢/ ٤٦٥/ ٢٦٤٦ - ط عوامة).
ورواه يحيى بن سعيد القطان: حدثنا عثمان بن الأسود، قال: قال لي عمرو بن تميم: رأيت ابن الزبير ﵄ يركع دون الصف.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٣١٧)، وانظر: الجرح والتعديل (٦/ ٢٢٢).
стр. 3301
وهذا إسناد رجاله ثقات؛ غير عمرو بن تميم، وعمرو بن تميم اثنان، هذا وآخر مولى بني زمانة، روى عن أبيه عن أبي هريرة حديثًا في فضل شهر رمضان [صحيح ابن خزيمة (٣/ ١٨٨/ ١٨٨٤)، مسند أحمد (٢/ ٣٣٠ و ٣٧٤ و ٥٢٤)، الغيلانيات (١٨٦)، المعجم الأوسط (٩/ ٢١/ ٩٠٠٨)، سنن البيهقي (٤/ ٣٠٤)، فضائل الأوقات (٥٤)، الشعب (٣/ ٣٠٤/ ٣٦٠٧)]، فرق بينهما البخاري وابن حبان، وحسبهما أبو حاتم واحدًا، فإن كانا اثنين: فصاحب الترجمة: مجهول، روى عنه واحد، وذكره ابن حبان في الثقات، وإن كانا واحدًا، فقد ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، لكن قال البخاري: "في حديثه نظر"؛ فهو ضعيف [التاريخ الكبير (٦/ ٣١٧ و ٣١٨)، الجرح والتعديل (٦/ ٢٢٢)، الضعفاء الكبير (٣/ ٢٦٠)، الثقات (٥/ ١٧٢) و (٧/ ٢١٧)، التعجيل (٧٧٩)، اللسان (٦/ ١٩٥)].
قال ابن رجب في الفتح (٥/ ١٤) عن أثر ابن الزبير: "ولم يصححه الإمام أحمد عنه، وذكر أن الصحيح عنه النهي عنه".
قلت: لم أقف لابن الزبير على شيء في النهي عن الركوع قبل الصف، والله أعلم.
٥ - عن أبي بكرة:
قال إسماعيل بن جعفر المدني: حدثنا حميد، عن القاسم بن ربيعة، عن أبي بكرة -رجل كانت له صحبة-: أنه كان يخرج من بيته، فيجد الناس قد ركعوا، فيركع معهم، ثم يدرج راكعًا حتى يدخل في الصف، ثم يعتدُّ بها.
أخرجه علي بن حجر في حديثه عن إسماعيل بن جعفر (١٢٣).
وهذا الإسناد رجاله ثقات، ولا يُعرف للقاسم بن ربيعة بن جوشن الغطفاني سماع من أبي بكرة، وهو قليل الرواية [التاريخ الكبير (٧/ ١٦١)، التهذيب (٣/ ٤٠٩)].
• وحاصل ما تقدم: أنه قد ثبت من آثار الصحابة في الركوع دون الصف: عن زيد بن ثابت، وعن ابن مسعود، ورُوي عن ابن الزبير، وعن أبي بكرة.
• وروي أيضًا عن جماعة من التابعين، مثل: سعيد بن جبير، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وعروة بن الزبير، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، والحسن، والقاسم، وابن جريج، ومعمر.
• وقد صح خلاف ذلك عن أبي هريرة:
فقد روى أبو خالد الأحمر، ويحيى بن سعيد القطان:
عن محمد بن عجلان، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: لا تُكبِّر حتى تأخذ مقامك من الصف.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٣٠/ ٢٦٣٣ و ٢٦٣٦).
وهذا موقوف من قول أبي هريرة، بإسناد صحيح.
• وروي أيضًا عن جماعة من التابعين، مثل: الحسن البصري، وإبراهيم النخعي.
• ومن فقه الحديث:
стр. 3302
يستدل بحديث أبي بكرة في هذا الباب على مسألتين:
١ - المسألة الأولى:
أن من صلى خلف الصف وحده؛ تصح صلاته، لحديث أبي بكرة هذا، وهذه المسألة سبق بحثها في الباب السابق، وبينا أن الصواب: عدم صحة صلاة الفذ خلف الصف؛ إلا أن لا يجد مكانًا في الصف، فتصح للضرورة، لكن هنا سوف نناقش مسألة الركوع دون الصف، ثم المشي إلى الصف راكعًا:
قال ابن رجب في الفتح (٥/ ١٤) بأن هذا الحديث يستدل به على أن: "من صلى خلف الصف وحده، فإنه يعتد بصلاته، ولا إعادة عليه؛ فإن أبا بكرة ركع خلف الصف وحده، ولم يأمره النبي ﷺ بإعادة صلاته، وقد استدل بذلك الشافعي وغيره من الأئمة.
وممن روي عنه الركوع دون الصف والمشي راكعًا: ابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن الزبير، وكان يعلم الناس ذلك على المنبر، وروي عنه أنه قال: هو السنة، وورد أيضًا أنه فعله، ولم يصححه الإمام أحمد عنه، وذكر أن الصحيح عنه النهي عنه، وروي أيضًا فعله عن أبي بكر الصديق، خرجه البيهقي بإسناد منقطع".
وقال ابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ٣١٥) بعد حديث أبي هريرة المرفوع: "وعلى هذا مذهب الشافعي؛ إلا أنه يستحب ألا يركع دون الصف حتى يأخذ مكانه من الصف؛ فإن فعل فلا شيء عليه، كأنه لم يقطع بصحة رفع حديث أبي هريرة؛ مع ما روي عن ابن مسعود وزيد، وقال مالك والليث: لا بأس أن يركع الرجل وحده دون الصف، ويمشي إلى الصف إذا كان قريبًا قدر ما يلحق، وقال أبو حنيفة: أكره للواحد أن يركع دون الصف ثم يمشي، ولا أكره ذلك للجماعة، وهو قول الثوري"، إلى أن قال: "قال إسماعيل بن إسحاق: من دخل المسجد فوجد الناس ركوعًا فلا يركع دون الصف؛ إلا أن يطمع أن يصل إلى الصف راكعًا قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركعة".
قلت: الصحيح: عدم صحة صلاة الفذ خلف الصف، كما سبق تقريره في الباب السابق، وأما حديث أبي بكرة، ونهي النبي ﷺ له بقوله: "ولا تعد"، فقد أجيب عنه بأجوبة، نذكر منها ما يتعلق بمسألة الباب:
وقبل أن نبدأ بذكر الأجوبة نبين ضبط هذه اللفظة "ولا تعد": قال ابن حجر في الفتح (٢/ ٢٦٩): "قوله: "ولا تَعُد" ضبطناه في جميع الروايات بفتح أوله وضم العين من العود، وحكى بعض شراح المصابيح أنه رُوي بضم أوله وكسر العين من الإعادة".
وأما الأجوبة، فمنها:
١ - إن النبي ﷺ نهاه عن ذلك بقوله: "ولا تعد"، فلا تصح الصلاة بعد النهي عنه، وتصح إذا لم يعلم النهي، ففرَّق بين الجاهل والمتأوِّل، فأُمر بالإعادة دون الجاهل [الفتح لابن رجب (٥/ ١٧)].
قال الخرقي: "ومن أدرك الإمام راكعًا فركع دون الصف ثم مشى حتى دخل في
стр. 3303
الصف وهو لا يعلم قول النبي ﷺ لأبي بكرة: "زادك الله حرصًا، ولا تعد"؛ قيل له: لا تعد، وقد أجزأته صلاته، فإن عاد بعد النهي لم تجزئه صلاته، ونص أحمد ﵀ على هذا في رواية أبي طالب" [المغني (٢/ ٣٥)].
٢ - إن أبا بكرة دخل في الصف قبل رفع النبي ﷺ رأسه، وحينئذٍ، فقد زالت فذوذيته قبل أن تفوته الركعة، فيعتد له بذلك، وعلى هذا يحمل ما روي عن الصحابة في ذلك [الفتح لابن رجب (٥/ ١٩)].
٣ - وفي رواية الأثرم وغيره، أن الإمام أحمد قال: "لا يعجبني فعل زيد وابن مسعود"، ورده بحديث أبي بكرة، وقد اختلفت الرواية عن الإمام أحمد في ذلك:
قال إسحاق بن منصور الكوسج (٤٣٥ و ٤٣٦): "قلت لأحمد: إذا ركع دون الصف ثم مشى؟ قال: في حديث أبي بكرة: "زادك الله تعالى حرصًا".
قلت: لم يدرك الصف حتى رفع الإمام رأسه؟ قال: يُروى عن ابن مسعود، وعن زيد بن ثابت، كأنه لم ير أن يعيد على هذه الحال".
وفي رواية حرب، قال: "لا بأس أن يركع دون الصف إذا أدرك الإمام راكعًا" [الفتح لابن رجب (٥/ ٢٢)].
وروى أبو داود عن أحمد، فيمن ركع دون الصف، ثم مشى حتى دخل الصف، وقد رفع الإمام قبل أن ينتهي إلى الصف، قال أحمد: "تجزئه ركعة، كان صلى خلف الصف وحده، أعاد الصلاة" [مسائل أبي داود (٢٥٠)].
قال ابن رجب: "وظاهر هذه الرواية أنه يجزئه، ولو دخل في الصف بعد رفع إمامه، ما لم يُصلِّ ركعة كاملة وحده، وليس في حديث أبي بكرة أنه دخل في الصف قبل رفع النبي ﷺ ، ووجه ذلك: أنه أدرك معظم الركعة في الصف، وهو السجدتان، فاكتفى بذلك في المصافة" [الفتح (٥/ ٢٢)].
قلت: الصحيح أن أبا بكرة دخل في الصف والنبي ﷺ راكع، وقبل أن يرفع رأسه، كما في رواية حجاج السابق ذكرها.
وللإمام أحمد تفصيل آخر فيما إذا ركع وحده، أو كان معه غيره، قال إسحاق بن منصور في مسائله لأحمد وإسحاق (٢٦٠): "قلت: إذا دخل رجل المسجد والإمام راكع، يركع قبل أن يصل إلى الصف؟ قال: إذا كان وحده وظن أنه يدرك فعل، وإذا كان مع غيره فيركع حيث ما أدركه الركوع.
قال إسحاق: لا يركع أبدًا إذا كان وحده، وإذا كان معه آخر ركعا، ثم مشيا حتى يلحقا الصف".
٤ - وقال الإمام الشافعي في اختلاف الحديث (١٠/ ١٧٣ - الأم): "فكأنه أحب له الدخول في الصف، ولم ير عليه العجلة بالركوع حتى يلحق بالصف، ولم يأمره بالإعادة، بل فيه دلالة على أنه رأى ركوعه منفردًا مجزئًا عنه".
стр. 3304
وقال أيضًا: "ولما ذكر أبو بكرة للنبي ﷺ أنه ركع وحده فلم يأمره بإعادة، دل ذلك على أنه يجزي عنه، وقوله: "ولا تعد" يشبه قوله: "لا تأتوا الصلاة وأنتم تسعون، وأتوها وأنتم تمشون، وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا"، يعني -والله أعلم-: ليس عليك أن تركع حتى تصل إلى موقفك؛ لما في ذلك من التعب؛ كما ليس عليك أن تسعى إذا سمعت الإقامة" [المعرفة (٢/ ٣٨١)، السنن (٢/ ٩٠)].
٥ - قال ابن حبان: "هذا الخبر من الضرب الذي ذكرت في كتاب فصول السنن: أن النبي ﷺ قد ينهى عن شيء في فعل معلوم ويكون مرتكب ذلك الشيء المنهي عنه مأثومًا بفعله ذلك إذا كان عالمًا بنهي المصطفى ﷺ عنه، والفعل جائز على ما فعله، كنهيه ﷺ عن أن يخطب الرجل على خطبة أخيه، أو يستام على سوم أخيه، فإن خطب امرؤ على خطبة أخيه بعد علمه بالنهي عنه كان مأثومًا، والنكاح صحيح، فكذلك قوله ﷺ لأبي بكرة: "زادك الله حرصًا، ولا تعد"، فإن عاد رجل في هذا الفعل المنهي عنه، وكان عالمًا بذلك النهي: كان مأثومًا في ارتكابه المنهي، وصلاته جائزة؛ ولأنه ﷺ أباح هذا القدر لأبي بكرة مستثنى من جملة ما نهاه عنه في خبر وابصة، كالمزابنة والعرية ولو لم تجز الصلاة بهذا الوصف لأبي بكرة لأمره ﷺ بإعادة الصلاة، وقوله: "ولا تعد" أراد به: لا تعد في إبطاء المجيء إلى الصلاة؛ لا أنه أراد به أن لا تعود بعد تكبيرك في اللحوق بالصف".
وقد رد بعضهم هذا التأويل بأن النبي ﷺ قد أثنى على أبي بكرة بقوله: "زادك الله حرصًا"، فقد كان حريصًا على إدراك الصلاة، وكذلك على إدراك الركعة بإدراك الركوع، فلم يعاتبه على التأخير، وإنما نهاه عن عدم العود لما سبق ذكره والتنبيه عليه بقوله ﷺ : "أيُّكم الذي ركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف؟ ".
قال ابن قدامة في المغني (٢/ ٣٥): "فلم يأمره بإعادة الصلاة، ونهاه عن العود، والنهي يقتضي الفساد؛ فإن قيل: إنما نهاه عن التهاون والتخلف عن الصلاة، قلنا: إنما يعود النهي إلى المذكور، والمذكور: الركوع دون الصف، ولم ينسبه النبي ﷺ إلى التهاون، وإنما نسبه إلى الحرص، ودعا له بالزيادة فيه، فكيف ينهاه عن التهاون، وهو منسوب إلى ضده".
٦ - وقال ابن حزم في الاحكام (٢/ ١٩٢): "إنه ﵇ نهاه بقوله: "لا تعد" عن كل عمل عمله على غير الواجب، وكان من أبي بكرة ﵁ في ذلك الوقت أعمال منهي عنها، أحدها: سعيه إلى الصلاة، والثاني: تكبيره دون الصف، والثالث: مشيه في الصلاة، فعن كل ذلك نهاه ﵇ بقوله: "ولا تعد"".
وقال ابن حجر في الفتح (٢/ ٢٦٨): "قوله: "ولا تعد" أي: إلى ما صنعت من السعي الشديد، ثم الركوع دون الصف، ثم من المشي إلى الصف".
٧ - وقال البغوي في شرح السنة (٣/ ٣٧٨): "لأن أبا بكرة ركع خلف الصف، فقد
стр. 3305
أتى بجزء من الصلاة خلف الصف، ثم لم يأمره النبي ﷺ بالإعادة، وأرشده في المستقبل إلى ما هو أفضل بقوله: "ولا تعد" وهو نهي إرشاد، لا نهي تحريم، ولو كان للتحريم لأمره بالإعادة".
٨ - وقال القاضي عياض في المشارق (٢/ ١٠٥): "وقوله للذي دب راكعًا: "زادك الله حرصًا، ولا تعد" أي: لا تعد إلى التأخير، وقيل: إلى التكبير دون الصف، وقيل: إلى الدب وأنت راكع، وقال الداوودي: معناه: لا تعد لإعادة الصلاة فإنها تجزيك؛ تصويبًا لما فعل".
قلت: قول الداوودي بعيد، وسياق القصة لا يساعد على هذا المعنى، فلم يهُم أبو بكرة بالإعادة، ولم يسأل عنها، وإنما سأل النبي ﷺ عمن ركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف، ثم نهاه عن ذلك، والله أعلم.
وقال النووي في الخلاصة (٢/ ٧١٩): "قيل معناه: لا تعد إلى الإحرام خلف الصف، وقيل: إلى التأخر عن الصلاة، وقيل: إلى إتيانها مسرعًا"، وكذا قال في المجموع (٤/ ٢٥٤).
٩ - وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في المجموع (٢٣/ ٣٩٧): "وأما حديث أبي بكرة: فليس فيه أنه صلى منفردًا خلف الصف قبل رفع الإمام رأسه من الركوع، فقد أدرك من الاصطفاف المأمور به، ما يكون به مدركًا للركعة، فهو بمنزلة أن يقف وحده ثم يجيء آخر فيصافه في القيام، فإن هذا جائز باتفاق الأئمة، وحديث أبي بكرة فيه النهى بقوله: "ولا تعد"، وليس فيه أنه أمره بإعادة الركعة، كما في حديث الفذ، فإنه أمره بإعادة الصلاة، وهذا مبين مفسر، وذلك مجمل، حتى لو قُدِّر أنه صرح في حديث أبي بكرة بأنه دخل في الصف بعد اعتدال الإمام -كما يجوز ذلك في أحد القولين في مذهب أحمد وغيره- لكان سائغًا في مثل هذا، دون ما أمر فيه بالإعادة، فهذا له وجه، وهذا له وجه".
وقال ابن القيم في إعلام الموقعين (٢/ ٣٥٩): "وإن أحرم وحده فالاعتبار بالمُصافَّة فيما تُدرَك به الركعة وهو الركوع".
وقال أيضًا (٢/ ٣٦٠): "فلو فعل أحد ذلك غير عالم بالنهي لقلنا له كما قال رسول الله ﷺ سواء، فإن عاد بعد علمه بالنهي: فكما أن يجتمع مع الإمام في الركوع وهو في الصف، أو لا، فإن جامعه في الركوع وهو في الصف: صحت صلاته؛ لأنه أدرك الركعة وهو غير فذٍّ، كما لو أدركها قائمًا، وإن رفع الإمام رأسه من الركوع قبل أن يدخل في الصف فقد قيل: تصح صلاته، وقيل: لا تصح له تلك الركعة، ويكون فذًّا فيها، والطائفتان احتجوا بحديث أبي بكرة، والتحقيق أنه قضية عين يحتمل دخوله في الصف قبل رفع الإمام، ويحتمل أنه لم يدخل فيه حتى رفع الإمام، وحكاية الفعل لا عموم لها؛ فلا يمكن أن يُحتجَّ بها على الصورتين؛ فهي إذًا مجملة متشابهة" [وانظر: حاشيته على سنن أبي داود (٢/ ٢٦٧)].
стр. 3306
قلت: جاء في رواية حجاج عن حماد بن سلمة: أنه دخل في الصف وهو راكع.
وقال ابن رجب في الفتح (٥/ ٢١): "هل يختص جواز الركوع دون الصف بمن أدرك الركوع في الصف، أو لا يختص بذلك؟
ظاهر كلام أحمد في رواية ابن منصور أنه يختص بمن أدرك الركوع في الصف؛ لأنه إنما أجاز الركوع خلفه لمن ظن أنه يدركه، فإنه إذا زالت فذوذيته في حال الركوع، فلم يُصلِّ ركعة فذًّا، والمنهي عنه أن يصلي فذًّا ركعةً فأكثر، وأما إذا زالت فذوذيته قبل أن يرفع من الركوع فقد أدرك الركعة في الصف، فلا يكون بذلك فذًّا؛ ولهذا لو قام خلف الإمام اثنان فأحرم أحدهما قبل إحرام الآخر، لم يكن في تلك الحالة فذًّا بالاتفاق".
• وبعد سرد هذه الأقوال؛ أقول -وبالله التوفيق-:
في حديث وابصة بن معبد أسقط الرجل المصافَّة بالكلية؛ فأمر بالإعادة، وفي حديث أبي بكرة أدرك الصف وهم ركوع، قبل أن يرفع النبي ﷺ رأسه؛ فلم تسقط المصافة التي تُدرك بها الركعة، ولم يأمره النبي ﷺ بالإعادة، فدل قوله ﷺ : "ولا تعد" على أنه ليس للتحريم، وإنما هو للكراهة، مع كونه فيه نوع إجمال فيما نُهي عن العود إليه؛ لكن المنصوص عليه فيما صح من الحديث [كما جاء في حديث حماد بن سلمة]: هو الركوع دون الصف، ثم المشي إلى الصف، وما عدا ذلك فلا يصح من طرق الحديث، ومن ثم فلا ينبغي حمل النهي على مجرد الإسراع إلى الصف المنهي عنه بدليل آخر مستقل، فإذا انضاف إلى ذلك: ما صح عن الصحابة -كزيد بن ثابت وابن مسعود- في ركوعهم دون الصف، ثم مشيهم حتى دخلوا في الصف، فإنه يقوي القول بأن النهي يحمل على الكراهة لا على التحريم، ولو صح أثر أبي بكرة وفعله في ذلك لكان حجة قوية، إذ الصحابي الذي وقعت له الواقعة هو أعلم الناس بما دل عليه نهي النبي ﷺ عن العود، والله أعلم.
ولو كان النهي هنا يقتضي الفساد لأمره النبي ﷺ بالإعادة، فإن قيل: المنهي عنه لا يتعلق بماهية الصلاة وأركانها، بل لأمر خارج عنها، فيقال: لم يكن خارجًا عنها، إذ المنهي عنه متعلق بالمصافة، كما دل عليه ما صح من سياق الحديث [عند أبي داود، من حديث حماد بن سلمة]، والمصافة لما أسقطت بالكامل أبطلت الصلاة في حديث وابصة بن معبد، فقد أمر المنفرد خلف الصف بإعادة الصلاة، ونفى حقيقة الصلاة عن صلاته التي صلاها، كما في حديث علي بن شيبان، ولفظه: "استقبل صلاتك؛ لا صلاة لرجل فرد خلف الصف"، فدل ذلك على أن عدم المصافة بالكلية مبطل للصلاة إلا لضرورة، كما بيناه في موضعه، والله أعلم، وهو الموفق للصواب.
• وفي النهاية: يمكن تلخيص حكم المسألة، بما ذكره ابن عبد البر من مذهب الشافعي؛ أنه يستحب ألا يركع دون الصف حتى يأخذ مكانه من الصف [لحديث أبي بكرة، وقول أبي هريرة]؛ فإن فعل فلا شيء عليه [لفعل زيد بن ثابت، وابن مسعود]، وأن نهيه ﷺ : "ولا تعد": نهي إرشاد، لا نهي تحريم، ولو كان للتحريم لأمره بالإعادة، كما قال البغوي، والله أعلم.
стр. 3307
وانظر: فتاوى السبكي (١/ ١٤٠)، بدائع الفوائد (٣/ ٥٩٣)، نصب الراية (٢/ ٣٩).
٢ - المسألة الثانية: من أدرك الركوع مع الإمام فقد أدرك الركعة؛ وإن فاته معه القيام وقراءة الفاتحة، وهذا قول جمهور العلماء، وهو قول عامة علماء الأمصار.
قال شيخ الإسلام في المجموع (٢٣/ ٣٢٠): "ولو كانت قراءة الفاتحة فرضًا على المأموم مطلقًا: لم تسقط بسبق، ولا جهل؛ كما أن الأعرابي المسيء في صلاته قال له: "ارجع فصلِّ؛ فإنك لم تصلِّ"، وأمر الذي صلى خلف الصف وحده أن يعيد الصلاة".
وعليه: فالصحيح أن الركعة تدرك بإدراك الركوع مع الإمام قبل أن يرفع، قال ابن رجب في الفتح (٥/ ١٣): "وأكثر العلماء على أنه لا يكون مدركًا للركعة إلا إذا كبر وركع قبل أن يرفع إمامه، ولم يشترط أكثرهم أن يدرك الطمأنينة مع الإمام قبل رفعه".
قال ابن رجب (٥/ ٩): "وذهبت طائفة إلى أنه لا يدرك الركعة بإدراك الركوع مع الإمام؛ لأنه فاته مع الإمام القيام وقراءة الفاتحة"، وعزى هذا القول لابن المديني، والبخاري، وابن خزيمة، وغيرهم، ثم أطال في الرد عليهم، وشدد النكير عليهم حيث قال: "وهذا شذوذ عن أهل العلم، ومخالفة لجماعتهم"، إلى أن قال: "فتبين أن قول هؤلاء محدث، لا سلف لهم به"، والله أعلم.
***
تفريع أبواب السترة
١٠٢ - باب ما يستر المصلي
٦٨٥ - . . . إسرائيل، عن سماك، عن موسى بن طلحة، عن أبيه طلحة بن عبيد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا جعلتَ بين يديك مثلَ مُؤْخِرَة الرَّحْل فلا يضرُّك من مرَّ بين يديك".
• حديث صحيح.
أخرجه ابن خزيمة (٢/ ٢٨/ ٨٤٣)، وأحمد (١/ ١٦٢)، وأبو العباس السراج في مسنده (٣٥٩ و ٣٦٠)، والهيثم بن كليب في مسنده (٤)، وابن عبد البر في التمهيد (٤/ ١٩٤).
• تابع إسرائيل عليه عن سماك:
سفيان الثوري، وزائدة بن قدامة، وأبو الأحوص سلام بن سليم، وعمر بن عبيد بن أبي أمية الطنافسي، وأسباط بن نصر، وشريك بن عبد الله النخعي [واختلف فيه على شريك لسوء حفظه، انظر: علل ابن أبي حاتم (١/ ١٨٨/ ٥٣٧)]، ويزيد بن عطاء اليشكري [لين الحديث]:
стр. 3308
رووه عن سماك بن حرب، عن موسى بن طلحة، عن أبيه، قال: قال النبي ﷺ : "إذا وضع أحدكم [وهو يريد أن يصلي، مثل مؤخرة الرحل فليصلِّ، ولا يبالِ [وفي رواية: ولا يبالي] من مرَّ وراء ذلك". لفظ أبي الأحوص.
ولفظ الطنافسي: كنا نصلي والدوابُّ تمر بين أيدينا، فذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "مثل مؤخرة الرحل تكون بين يدي أحدكم، ثم لا يضره ما مر بين يديه".
ولفظ الثوري: سئل رسول الله ﷺ : ما يستر المصلي؟ قال: "مثل آخرة الرحل".
ولفظ زائدة: "ليجعل أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل، ثم ليصلِّ".
أخرجه مسلم (٤٩٩)، وأبو عوانة (١/ ٣٨٥/ ١٣٩٦)، وأبو نعيم في المستخرج (٢/ ١٠٨/ ١١٠٢ و ١١٠٣)، والترمذي (٣٣٥)، وقال: "حسن صحيح". وابن ماجه (٩٤٠)، وابن خزيمة (٢/ ١١ و ٢٨/ ٨٠٥ و ٨٤٢)، وابن حبان (٦/ ١٤١ و ١٤٢/ ٢٣٧٩ و ٢٣٨٠)، وابن الجارود (١٦٦)، وأحمد (١/ ١٦١ و ١٦٢) [وانظر: الإتحاف (٦/ ٣٥٤/ ٦٦٢٣)]، والطيالسي (٢٢٨)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٤٧/ ٢٨٤٤)، وعبد بن حميد (١٠٠ و ١٠١)، والبزار (٣/ ١٥٤/ ٩٣٩)، وأبو يعلى (٢/ ٥ و ٦ و ٢٧/ ٦٢٩ و ٦٣٠ و ٦٦٤)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٤٤٤ و ٤٤٥ - الجزء المفقود)، وقال: "هذا خبر عندنا صحيح سنده". وأبو العباس السراج في مسنده (٣٥٧ و ٣٥٨ و ٣٦١)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٨٧/ ٢٤٣١)، والهيثم بن كليب في مسنده (٥ و ٦)، وابن قانع في معجم الصحابة (٢/ ٣٩)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين (٣/ ٢٩٨)، والبيهقي في السنن (٢/ ٢٦٩)، وفي المعرفة (٢/ ١١٧/ ١٠٤٦)، والبغوي في شرح السنة (٢/ ٤٤٩/ ٥٣٩)، وقال: "هذا حديث صحيح".
• هكذا رواه الجماعة، وقد اختلف فيه على الثوري:
أ- فرواه وكيع بن الجراح [ثقة حافظ، من أثبت أصحاب الثوري] [وعنه: أحمد بن حنبل]، وعبد الرزاق بن همام [ثقة، مكثر عن الثوري] [من رواية أبي محمد زهير بن محمد بن قمير البغدادي عنه، وهو: ثقة مأمون، لم يُذكر فيمن سمع من عبد الرزاق قبل ذهاب بصره، لكنه أحسن حالًا من إسحاق بن إبراهيم الدبري راوي المصنف، فهو أكبر وأحفظ وأجل من الدبري، وأقدم منه وفاة بثلاثين سنة. انظر: شرح العلل (٢/ ٧٥٢)، الكواكب النيرات (٣٤)، التهذيب (١/ ٦٣٩)، اللسان (٢/ ٣٦)] [ومن رواية أبي مسعود أحمد بن الفرات الرازي، وهو: ثقة، حافظ كبير، تراجمه تدل على تقدم سماعه من عبد الرزاق. سؤالات البرذعي (٧٤٣)، تاريخ بغداد (٤/ ٣٤٣)، تاريخ دمشق (٥/ ١٥٠)، السير (١٢/ ٤٨٠)، التهذيب (١/ ٣٩)]:
عن سفيان الثوري، عن سماك بن حرب، عن موسى بن طلحة، عن أبيه، قال: سئل رسول الله ﷺ : ما يستر المصلي؟ قال: "مثل آخرة الرحل". لفظ وكيع.
ولفظ عبد الرزاق: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان بين يديك مثل مؤخرة الرحل؛ لم يقطع صلاتك ما مر بين يديك".
стр. 3309
أخرجه أحمد (١/ ١٦٢)، وأبو علي الطوسي في مختصر الأحكام (٢/ ٢٢٨/ ٣١٣)، ونقل قول الترمذي: "حسن صحيح". وأبو العباس السراج في مسنده (٣٦٢)، وابن المقرئ في المعجم (٨٢٧)، والدارقطني في العلل (٤/ ٢٠٧/ ٥١٢)، والخطيب في تاريخ بغداد (٨/ ٤٨٤).
ب- ورواه عبد الرحمن بن مهدي [ثقة ثبت، إمام حجة، من أثبت أصحاب الثوري]، وإسحاق بن يوسف الأزرق [ثقة]، وعبد الرزاق بن همام [ثقة، مكثر عن الثوري] [من رواية إسحاق بن إبراهيم الدبري عنه، وهو متأخر السماع جدًّا من عبد الرزاق، سمع منه بعد ما عمي، قال إبراهيم الحربي: "مات عبد الرزاق وللدبري ست أو سبع سنين"]:
عن سماك بن حرب، عن موسى بن طلحة، قال: سئل النبي ﷺ : ما يستر المصلي من الدواب؟ قال: "مثل مؤخرة الرحل بين يديه". هكذا مرسلًا.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ١٣/ ٢٢٩٢) [وهكذا هو في الكنز (٧/ ١٤٣/ ١٩٢٣٣)]، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٤٤٦ - الجزء المفقود)، وأبو جعفر ابن البختري في الرابع من حديثه (٥٥) (٢٩٩ - مجموع مصنفاته).
• وانظر فيمن وهم في متنه على وكيع عن الثوري: علل الدارقطني (٤/ ٢٠٧/ ٥١٢)، أطراف الغرائب والأفراد (١/ ١٢١/ ٤٦٩).
• وسماك بن حرب: صدوق، تُكُلم فيه لأجل اضطرابه في حديث عكرمة خاصة، وكان لما كبر ساء حفظه؛ فربما لُقِّن فتلقن، وأما رواية القدماء عنه فهي مستقيمة، قال يعقوب بن شيبة: "وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وهو في غير عكرمة صالح، وليس من المتثبتين، ومن سمع منه قديمًا -مثل شعبة وسفيان- فحديثهم عنه: صحيح مستقيم" [انظر مثلًا: الأحاديث المتقدمة برقم (٦٨ و ٣٧٥ و ٤٤٧)]، وهذا الحديث رواه عنه: سفيان الثوري، لكن اختلف عليه فيه، ورواه زائدة بن قدامة [ثقة ثبت متقن] وهو من طبقة شعبة وسفيان وأقرانهم، وتابعه على وصله جماعة من الثقات، وهذا الحديث ليس من رواية سماك عن عكرمة، والتي وقع لسماك فيها الاضطراب، فقد أمنا فيه سلوك الجادة والطريق السهل، فإن موسى بن طلحة عن أبيه، تحتاج إلى ضبط، فهو من صحيح حديثه، والله أعلم.
والحديث قد صححه: مسلم، والترمذي، وأبو عوانة، وابن خزيمة، وابن حبان، وابن الجارود، وابن جرير الطبري، وقال علي بن المديني: "إسناده حسن" [الفتح لابن رجب (٢/ ٦٣٢)]، وثبته ابن المنذر [الإقناع (١/ ١٤٥)]، وقال الدارقطني في العلل (٤/ ٢٠٧/ ٥١٢): "وهو صحيح من حديث إسرائيل ومن تابعه على وصله".
• قال ابن خزيمة (٢/ ٢٨): "ففي قوله ﷺ : "مثل مؤخرة الرحل يكون بين يدي أحدكم ثم لا يضره ما مر بين يديه": دلالة واضحة إذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل ضره مرور الدواب بين يديه، والدواب التي تضر مرورها بين يديه هي الدواب التي أعلم
стр. 3310
النبي ﷺ أنها تقطع الصلاة؛ وهو الحمار والكلب الأسود، على ما أعلم المصطفى ﷺ ، لا غيرهما من الدواب التي لا تقطع الصلاة".
• وله شواهد، فمنها:
١ - حديث عائشة:
يرويه عبد الله بن يزيد المقرئ أبو عبد الرحمن، واختلف عليه فيه:
أ- فرواه أبو خيثمة زهير بن حرب [ثقة ثبت]، وعبد الله بن الحكم بن أبي زياد القطواني [صدوق]، وعلي بن الحسن بن موسى الهلالي، وهو: ابن أبي عيسى الدرابجردي [ثقة]:
عن عبد الله بن يزيد: أخبرنا سعيد بن أبي أيوب، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة، أنها قالت: سئل رسول الله ﷺ [في غزوة تبوك] عن سترة المصلي؟ فقال: "مثل مؤخرة الرحل".
أخرجه مسلم (٥٠٠/ ٢٤٣)، وأبو نعيم في المستخرج (٢/ ١٠٩/ ١١٠٥)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٤٤٧ - الجزء المفقود)، والبيهقي (٢/ ٢٦٩).
ب- وخالفهم: أبو يحيى عبد الله بن أحمد بن زكريا بن الحارث بن أبي مسرة [ثقة مشهور. انظر: الجرح والتعديل (٥/ ٦)، الثقات (٨/ ٣٦٩)، السير (١٢/ ٦٣٢)]، قال: حدثنا المقرئ: نا سعيد بن أبي أيوب، عن أبي الأسود، عن عروة، أن رسول الله ﷺ ،. . . فذكره هكذا مرسلًا.
أخرجه أبو محمد الفاكهي في فوائده عن ابن أبي مسرة (٢٢٣).
وتابع المقرئ على هذا الوجه:
ابن وهب، رواه عن ابن لهيعة، وسعيد بن أبي أيوب، عن محمد بن عبد الرحمن القرشي، عن عروة بن الزبير، قال: سئل رسول الله ﷺ في غزوة تبوك: ما سترة المصلي؟ فقال: "مثل مؤخرة الرحل يجعله بين يديه".
أخرجه ابن وهب في الجامع (٤٠٠).
قلت: رواية الجماعة الذين تتابعوا على وصله أولى ممن أرسله، فمع الواصل زيادة، وقد حفظها، والوهم من الجماعة أبعد، وقد صحح مسلم الموصول.
ج- ورواه: محمد بن عبد الله بن نمير، والعباس بن محمد الدوري، وابن أبي مسرة، والحارث بن أبي أسامة [وهم ثقات]، وبشر بن موسى البغدادي الأسدي [راوي مسند الحميدي، ثقة نبيل. الجرح والتعديل (٢/ ٣٦٧)، سؤالات السلمي (٧٤)، تاريخ بغداد (٧/ ٨٦)، السير (١٣/ ٣٥٢)]، وأبو بكر الأعين محمد بن طريف [المعروف بابن أبي عتاب: صدوق]، وأحمد بن محمد بن الصباح الدولابي [صدوق يُغرب. الثقات (٨/ ٤١)، تاريخ بغداد (٥/ ٣٤)، اللسان (١/ ٦٥٩)]:
عن عبد الله بن يزيد: أخبرنا حيوة بن شريح، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن،
стр. 3311
عن عروة، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ سئل في غزوة تبوك عن سترة المصلى؟ فقال: "كمؤخرة الرحل".
أخرجه مسلم (٥٠٠/ ٢٤٤)، وأبو عوانة (١/ ٣٨٥/ ١٣٩٧)، وأبو نعيم في المستخرج (٢/ ١٠٨/ ١١٠٤)، والنسائي في المجتبى (٢/ ٦٢/ ٧٤٦)، وفي الكبرى (١/ ٤٠٥ - ٤٠٦/ ٨٢٣)، وأبو يعلى (٨/ ٤٥/ ٤٥٦١)، وأبو العباس السراج في مسنده (٣٦٣)، وأبو محمد الفاكهي في فوائده عن ابن أبي مسرة (٢٢٣)، والبيهقي (٢/ ٢٦٨)، وابن عبد البر في التمهيد (٤/ ١٩٥).
قال ابن أبي مسرة: "وكان المقرئ قد حدثنا به، عن حيوة، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة، ثم رجع عنه بعدُ، فحدثنا به عن سعيد بن أبي أيوب، عن أبي الأسود، عن عروة، وليس فيه عائشة".
قلت: تقدم بيان أن الراجح في حديثه عن سعيد بن أبي أيوب: الوصل، وعبد الله بن يزيد المقرئ، أبو عبد الرحمن المدني: ثقة، متفق عليه، يحتمل منه التعدد في الأسانيد، وأن يكون حمل الحديث بنفس الإسناد عن شيخين، وقد صححه مسلم بالإسنادين جميعًا، والله أعلم.
٢ - حديث أبي هريرة:
يرويه عبد الواحد بن زياد: حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن الأصم: حدثنا يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "يقطع الصلاة: المرأة، والحمار، والكلب، ويقي ذلك: مثل مؤخرة الرحل".
أخرجه مسلم (٥١١)، ويأتي تخريجه قريبًا -إن شاء الله تعالى- في شواهد حديث أبي ذر برقم (٧٥٢).
• ولأبي هريرة في سترة المصلي قول موقوف عليه، يُروى عنه من وجوه، وهِم فيه بعضهم فرواه عن أبي هريرة مرفوعًا:
أ- روى حفص بن غياث [ثقة]، عن مسعر، عن الوليد بن أبي مالك، عن أبي عبيد الله، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "يستر المصلي مثل مؤخرة الرحل، في مثل جلة السوط"، وفي رواية أخرى تفسرها: "دقة السوط".
أخرجه أبو إسحاق الحربي في غريب الحديث (١/ ١١٢)، وأبو يعلى في المعجم (٤٥)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٤٧٩ - الجزء المفقود)، والدراقطني في الأفراد (٢/ ٣٤٥/ ٥٥٦١ - أطرافه).
من طريق أبي هشام الرفاعي: حدثنا حفص به.
قال أبو هشام: "هذا وهم من حفص".
قلت: وأبو هشام الرفاعي محمد بن يزيد بن محمد بن كثير العجلي: فليس بالقوي.
قال الدارقطني: "لا أعلم رواه عن مسعر عن الوليد بن أبي مالك عنه مرفوعًا غير
стр. 3312
حفص بن غياث، ورواه جعفر بن عون، وأبو نعيم، وغيرهم عن مسعر موقوفًا،. . .".
قلت: خالفه: وكيع بن الجراح [ثقة حافظ]، وأبو نعيم الفضل بن دكين [ثقة ثبت]، وجعفر بن عون [صدوق]:
فرووه عن مسعر، عن الوليد بن أبي مالك، عن أبي عبيد الله، عن أبي هريرة، موقوفًا عليه، ولم يرفعوه، وهو المحفوظ.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٤٨/ ٢٨٥٠)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (١/ ٢٨٧)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٤٨٠ - الجزء المفقود)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٨٩/ ٢٤٣٦)، والدارقطني في العلل (٩/ ٦٣/ ١٦٤٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٣/ ١٥٧).
قال الدارقطني: "والمحفوظ: الموقوف عن أبي هريرة".
والوليد بن عبد الرحمن بن أبي مالك الهمداني الدمشقي، ينسب إلى جده: ثقة، وأبو عبيد الله مسلم بن مشكم، كاتب أبي الدرداء: شامي ثقة، لكن لا يُعرف له سماع من أبي هريرة، فرجاله ثقات حسب.
ورواه ابن عيينة، عن مسعر، عن أبي إسماعيل السكسكي؛ أن أبا هريرة قال: مثل مؤخرة الرحل في جلة السوط. يعني: السترة.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ١٣/ ٢٢٩١).
قلت: وهذا منفطع بإسناد ضعيف؛ أبو إسماعيل إبراهيم بن عبد الرحمن السكسكي الكوفي: ضعيف، من الخامسة، فلم يدرك أبا هريرة، والمعروف رواية الجماعة عن مسعر.
ب- وروى محمد بن القاسم أبو إبراهيم الأسدي: نا ثور بن يزيد، عن يزيد بن يزيد بن جابر، عن مكحول، عن يزيد بن جابر، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "تجزئ من السترة مثل مؤخرة الرحل، ولو بدِق شعرة".
أخرجه ابن خزيمة (٢/ ١٢/ ٨٠٨)، والحاكم (١/ ٢٥٢)، والطبراني في مسند الشاميين (١/ ٢٨٤ و ٣٦٧/ ٤٩٦ و ٦٣٥) و (٤/ ٣٧٣/ ٣٥٨٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٥/ ١٣٥).
من طريق: محمد بن معمر القيسي [صدوق]: نا محمد بن القاسم به.
قال ابن خزيمة: "باب ذكر الدليل على أن النبي ﷺ إنما أمر بالاستتار بمثل آخرة الرحل في الصلاة في طولها، لا في طولها وعرضها جميعًا"، ثم قال بعده: "أخاف أن يكون محمد بن القاسم وهم في رفع هذا الخبر".
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه مفسرًا بذكر دقة الشعر".
قلت: قد أخطأ في رفعه يقينًا؛ وأنى له الصحة، فضلًا عن كونه ليس على شرط
стр. 3313
أصحاب الصحاح، ومحمد بن القاسم الأسدي هذا: متروك، منكر الحديث، كذبه أحمد والدارقطني [التهذيب (٣/ ٦٧٨)، الميزان (٤/ ١١)].
وإنما يُعرف بهذا الإسناد عن أبي هريرة موقوفًا عليه قوله:
قال عباس الدوري في تاريخه (٤/ ٤١٦/ ٥٠٤٦): "سألت يحيى عن حديث: ثور، عن يزيد بن يزيد بن جابر، عن مكحول، عن يزيد بن جابر، عن أبي هريرة: يجزئ من السترة مثل مؤخرة الرحل؟ فقال: هذا مستقيم الإسناد، هكذا يحدث ثور به".
وسئل عنه الدارقطني فقال: "يرويه يزيد بن يزيد بن جابر واختلف عنه، فرواه ثور بن يزيد، عن يزيد بن يزيد بن جابر، عن مكحول، عن يزيد بن جابر، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قاله محمد بن القاسم الأسدي عنه، وغيره لا يرفعه.
ورواه الثوري، عن يزيد بن يزيد بن جابر، عن أبيه، عن أبي هريرة موقوفًا، ولم يذكر مكحولًا، والأول أصح" [العلل (٩/ ٤٧/ ١٦٣٣)].
قلت: وهو كما قالا؛ فمن رواه عن ثور بن يزيد به موقوفًا أصح، وثور بن يزيد: حمصي، ثقة ثبت، وهو أعلم بحديث أهل الشام، ولا يحتمل أن الدارقطني أراد رواية محمد بن القاسم الأسدي المرفوعة، فإن الدارقطني نفسه ممن كذبه، وأعل روايته.
نعم، رواه سفيان الثوري [وهو: إمام حجة، حافظ متقن]، عن يزيد بن يزيد بن جابر، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: إذا كان قدر آخرة الرحل -أو قال: مؤخرة الرحل- وإن كان قدر الشعرة أجزأه.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ١٢/ ٢٢٩٠)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٨٨/ ٢٤٣٥) [وتصحف في المطبوعة سفيان إلى مسكين].
لكن رواه ثور فأثبت مكحولًا، وتوبع على ذلك:
فرواه علي بن الجعد [ثقة ثبت]: أنا محمد بن راشد [المكحولي الدمشقي: صدوق، سمع من مكحول]، عن مكحول؛ أن يزيد بن جابر الأزدي أخبره: أنه سأل أبا هريرة: ما يستر المصلي في صلاته؟ فقال: مثل مؤخرة الرحل، وإن كان مثل الخيط في الدقة.
أخرجه أبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (٣٤١٣)، ومن طريقه: ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٥/ ١٣٥).
فهو موقوف على أبي هريرة بإسناد شامي متصل، لا بأس به، رجاله ثقات، غير يزيد بن جابر، فقد روى عنه: مكحول، وابنه عبد الرحمن، والوليد بن سليمان بن أبي السائب، وهم ثقات، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن معين عن الموقوف: "هذا مستقيم الإسناد" [تاريخ الدوري (٤/ ٤١٦/ ٥٠٤٦)، التاريخ الكبير (٨/ ٣٢٣)، الجرح والتعديل (٩/ ٢٥٥)، الثقات (٥/ ٥٣٥)، تاريخ دمشق (٦٥/ ١٣٤)، بيان الوهم (٣/ ١٥٠/ ٨٥٩)، وقال: "مجهول الحال". اللسان (٨/ ٤٩٠)].
стр. 3314
• لكن يعكر عليه ما رواه هشام بن عمار، عن صدقة بن خالد، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن يزيد أبن يزيد، بن جابر، عن مكحول، عن أبي هريرة، في سترة المصلي.
أخرجه يعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (٢/ ٢٦٣)، عن هشام به.
وهذا إسناد شامي صحيح إلى مكحول، إلا إنه منقطع بين مكحول وأبي هريرة، فإن مكحولًا لم يلق أبا هريرة [المراسيل (٧٩٣)، تحفة التحصيل (٣١٤)]، لكن أخشى أن يكون هذا مما تلقنه هشام؛ فالله أعلم.
قال ابن خزيمة (٢/ ١٢): "والدليل من أخبار النبي ﷺ أنه أراد مثل آخرة الرحل في الطول لا في العرض قائم ثابت، منه أخبار النبي ﷺ أنه كان يركز له الحربة يصلي إليها، وعرض الحربة لا يكون كعرض آخرة الرحل".
٣ - حديث أبي ذر:
يرويه حميد بن هلال، عن عبد اللَّه بن الصامت، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل؛ فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل فإنه يقطع صلاته: الحمار، والمرأة، والكلب الأسود". قلت: يا أبا ذر! ما بال الكلب الأسود، من الكلب الأحمر، من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي! سألت رسول الله ﷺ كما سألتني، فقال: "الكلب الأسود شيطان".
أخرجه مسلم (٥١٠)، وعلقه البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٧٤)، ويأتي تخريجه قريبًا -إن شاء الله تعالى- في موضعه من السنن برقم (٧٠٢).
٤ - حديث من سمع النبي ﷺ :
يرويه الثوري، وحجاج بن أرطأة:
عن أبي إسحاق، قال: سمعت المهلب بن أبي صفرة، قال: أخبرني من سمع النبي ﷺ يقول: "إذا كان بينك وبين الطريق مثل مؤخرة الرحل؛ فلا يضرك من مر عليك". لفظ الثوري.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ١٠/ ٢٢٧٦)، وابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٢٤٨/ ٢٨٥١)، وفي المسند (٩٧٧)، وابن منيع في مسنده (٣/ ٣٣٩/ ٣١٦ - مطالب)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٤٨١ - الجزء المفقود)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٦/ ٣١٧١/ ٧٢٩٨ ب).
وهو حديث صحيح، وجهالة الصحابي لا تضر، وقد سمع منه المهلب، والمهلب: تابعي، من ثقات الأمراء [التهذيب (٤/ ١٦٨)].
***
стр. 3315
٦٨٦ - . . . عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: آخِرةُ الرحلِ ذراعٌ فما فوقه.
• مقطوع على عطاء بإسناد صحيح.
أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٢/ ٩ و ١٤/ ٢٢٧٢ و ٢٣٠٠)، ومن طريقه: أبو داود (٦٨٦)، وابن خزيمة (٢/ ١١/ ٨٠٧)، وإسحاق بن راهويه (١/ ٣٢٨/ ٣١٥)، والبيهقي (٢/ ٢٦٩).
ولفظه عند عبد الرزاق: كان من مضى يجعلون مؤخرة الرحل إذا صلوا. قلت [القائل ابن جريج]: وكم بلغك؟ قال: قدر مؤخرة الرحل، قال: ذراع.
• ورواه سفيان الثوري، وأبو عاصم الضحاك بن مخلد:
عن ابن جريج، عن عطاء، قال: قدر مؤخرة الرحل ذراع.
أخرجه ابن خزيمة (٢/ ١١/ ٨٠٧)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٤٧٣ و ٤٧٤ - الجزء المفقود).
فهو مقطوع على عطاء بن أبي رباح بإسناد صحيح، وصحح إسناده النووي في المجموع (٣/ ٢١٧).
• وروى عبد الله بن عمر العمري [ليس بالقوي]، عن نافع، قال: كان ابن عمر لا يصلي إلا إلى السترة، قال: وكان قدر مؤخرة رحله ذراع، قال: يصلي، وكان ربما اعترض بعيره فيصلي إليها. وفي رواية: أنه كان يصلي إلى مؤخرة رحله، وهي ذراع، أو قدر ذراع.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٩/ ٢٢٧٣)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٤٧٢ - الجزء المفقود).
وإسناده ليس بذاك.
وروي نحوه أيضًا: عن معاذ بن جبل قوله، ولا يصح عنه [عند: ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٤٧٥ - الجزء المفقود)].
وقد صح عن سفيان الثوري أنه كان يفتي به [عند: عبد الرزاق (٢/ ٩/ ٢٢٧٢)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٤٧٦ - الجزء المفقود)].
وقال معمر، عن قتادة: ذراع وشبر [عند: عبد الرزاق (٢/ ١٤/ ٢٢٩٨)، وإسحاق في مسنده (١/ ٣٢٨/ ٣١٥)].
وقال مالك والشافعي بأنها قدر عظم الذراع فصاعدًا [المدونة (١/ ١١٣)، الأوسط (٥/ ٨٩)، التمهيد (٤/ ١٩٨)، الاستذكار (٢/ ٢٨٠)، الفتح لابن رجب (٢/ ٦٣٠)].
وقال إسحاق بن منصور الكوسج في مسائله لأحمد وإسحاق (١٥٢): "قلت: كم مؤخرة الرحل؟ قال: ذراع. قال إسحاق: كما قال".
стр. 3316
وقال ابن جرير الطبري: "والصواب من القول في ذلك عندنا قول من قال: قدر ذلك: ذراع ونحوها؛. . .، وإن زاد على قدر ذلك لم نكرهه".
وقال ابن خزيمة (٢/ ١٢): "والدليل من أخبار النبي ﷺ أنه أراد مثل آخرة الرحل في الطول لا في العرض قائم ثابت، منه أخبار النبي ﷺ أنه كان يركز له الحربة يصلي إليها، وعرض الحربة لا يكون كعرض آخرة الرحل".
وقال ابن المنذر في الإقناع (١/ ١٤٥): "وارتفاع ذلك عن وجه الأرض قدر ذراع فصاعدًا، فإن [در، كذا، ولعلها: بحث] فلم يجد شيئًا خط خطًا بين يديه كالهلال".
وقال ابن رجب في الفتح (٢/ ٦٣٠): "وصلاته ﷺ إلى العنزة والحربة يستفاد منه: أن السترة يستحب أن يكون عرضها كعرض الرمح ونحوه، وطولها ذراع فما فوقه".
***
٦٨٧ - . . . عبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه؛ فيصلي إليها، والناس وراءه، وكان يفعل ذلك في السفر، فمِن ثَمَّ اتخدها الأمراء.
• حديث متفق على صحته.
أخرجه البخاري (٤٩٤ و ٤٩٨ و ٩٧٢)، ومسلم (٥٠١)، وأبو عوانة (١/ ٣٨٧ و ٣٨٩/ ١٤٠٦ و ١٤٠٧ و ١٤١٦)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ١٢٨ و ١٠٩/ ١١٠٦ و ١١٠٧ و ١١٠٩)، والنسائي في المجتبى (٢/ ٦٢/ ٧٤٧)، وفي الكبرى (١/ ٤٠٦/ ٨٢٤)، وابن ماجه (٩٤١ و ١٣٠٥)، والدارمي (١/ ٣٨٣/ ١٤١٠)، وابن خزيمة (٢/ ٩/ ٧٩٨ و ٧٩٩) و (٢/ ٣٤٤/ ١٤٣٣)، وابن حبان (٦/ ١٣٨/ ٢٣٧٧)، وابن الجارود (٢٦٠)، وأحمد (٢/ ١٣ و ١٨ و ٩٨ و ١٤٢)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٤٨/ ٢٨٤٦)، وابن شبة في أخبار المدينة (١/ ٩١/ ٤٠٩)، والبزار (١٢/ ٩٤ و ١٣٦/ ٥٥٧٠ و ٥٧٠٩)، وأبو بكر الفريابي في أحكام العيدين (٧٠)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٤٦٤ و ٤٦٧ - ٤٦٩ - الجزء المفقود)، وأبو العباس السراج في مسنده (٣٦٤ - ٣٦٨ و ٣٧٢)، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ٢٦١/ ٢١٢٥) [وفي سنده سقط وتصحيف] و (٥/ ٨٥/ ٢٤٢٠ و ٢٤٢١)، وفي الإقناع (٣٦)، والسهمي في تاريخ جرجان (٤٤٧)، وأبو الشيخ في أخلاق النبي ﷺ (٢/ ٤٢٤/ ٤٣١)، وابن أخي ميمي الدقاق في فوائده (٢٢٨ و ٢٩٧)، وابن حزم في المحلى (٤/ ٩)، والبيهقي (٢/ ٢٦٩) و (٣/ ٢٨٥)، والبغوي في شرح السنة (٢/ ٤٥٢/ ٥٤٢)، والجوزقاني في الأباطيل والمناكير (٢/ ٥٢/ ٤٢١).
وفي لفظ للبخاري: أن النبي ﷺ كان يُركَزُ له الحربة، فيصلي إليها.
وفي لفظ لمسلم: أن النبي ﷺ كان يركُزُ [وفي رواية: يغرز] العنزة، ويصلي إليها.
стр. 3317
هكذا رواه عن عبيد الله بن عمر العمري: يحيى بن سعيد القطان، وخالد بن الحارث، وعبد الله بن نمير، ومحمد بن بشر العبدي، وزائدة بن قدامة، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن رجاء المكي، وعلي بن مسهر، وهريم بن سفيان البجلي، وسعيد بن عبد الرحمن الجمحي، وأبو خالد الأحمر سليمان بن حيان، وعقبة بن خالد السكوني، وشعبة [ولا يصح عنه، بل هو منكر من حديثه].
وفي رواية علي بن مسهر: قال نافع: فمِن ثَمَّ اتخذها الأمراء.
• تابع عبيد الله بن عمر العمري عليه:
أبو عمرو الأوزاعي [ثقة ثبت، إمام]، وسعيد بن أبي هلال [ثقة]، وعبد الله بن عمر العمري [ليس بالقوي]، وعقيل بن خالد الأيلي [ثقة ثبت، لكن الإسناد إليه لا يصح، وراجع فيه ما تحت الحديث رقم (٤٢٥)]:
فرووه عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان النبي ﷺ يغدو إلى المصلى، والعنزة بين يديه تُحمل، وتُنصب بالمصلى بين يديه، فيصلي إليها. لفظ الأوزاعي عند البخاري.
وزاد في رواية خارج الصحيح: وذلك أن المصلَّى كان فضاءً ليس فيه شيء يستتر به، وهي مدرجة من بعض الرواة، والله أعلم.
ولفظ العمري: كانت تحمل مع النبي ﷺ عنزة يوم العيد فيصلي إليها، وإذا سافر حملت معه فيصلي إليها، وفي لفظ له: كان نركز له الحربة في العيدين فيصلي إليها.
ولفظ سعيد بن أبي هلال: أن رسول الله ﷺ كان يخرج يوم الفطر ويوم الأضحى بالحربة، يغرزها بين يديه، حين يقوم يصلي.
أخرجه البخاري (٩٧٣)، وابن ماجه (١٣٠٤)، وابن خزيمة (٢/ ٣٤٤/ ١٤٣٤ و ١٤٣٥)، وأحمد (٢/ ١٠٦)، وعبد الرزاق (٢/ ١١/ ٢٢٨٣)، وابن سعد في الطبقات (١/ ٢٤٩)، وابن شبة في أخبار المدينة (١/ ٩٠ و ٩٠ - ٩١/ ٤٠٧ و ٤٠٨)، والبزار (١٢/ ٢٢٧/ ٥٩٤١)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٤٧٠ - الجزء المفقود)، وأبو العباس السراج في مسنده (٣٧٠)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٣١٩/ ٨٧٥٠)، والبيهقي (٣/ ٢٨٤)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٢/ ٤٨٥).
وانظر فيمن وهم فيه على الأوزاعي: معجم ابن الأعرابي (٣/ ١٠٣٨/ ٢٢٣٤)، تحفة الأشراف (٥/ ٤٢٨/ ٧٧٥٧ - ط الغرب).
• ورواه معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي ﷺ كان يخرج بالعنزة معه يوم الفطر والأضحى؛ لأنْ يَركُزها؛ فيصلي إليها.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ١١/ ٢٢٨١) و (٣/ ٢٨٨/ ٥٦٦١)، ومن طريقه: النسائي في المجتبى (٣/ ١٨٣/ ١٥٦٥)، وفى الكبرى (٢/ ٣٠١/ ١٧٨٢)، وأبو عوانة (١/ ٣٨٩/ ١٤١٧)، وأحمد (٢/ ١٤٥ و ١٥١)، وأبو العباس السراج في مسنده (٣٦٩).
• ولحديث ابن عمر إسناد آخر فيه اختلاف [عند: ابن أبي شيبة (١/ ٢٤٨/ ٢٨٥٢)،
стр. 3318
والدارقطني في العلل (٩/ ٦٤/ ١٦٤٤)، وأبي سعيد النقاش في فوائد العراقيين (١٠١)، وأبي نعيم في الحلية (٧/ ٢٦٦)].
• ومن شواهده: حديث أنس بن مالك:
يرويه عبد الله بن وهب، قال: أخبرني سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ صلى العيد بالمصلى، مستترًا بحربة.
وفي رواية: كان النبي ﷺ يصلي إليها، يعني: إلى العنزة.
أخرجه النسائي في الكبرى (٢/ ٣٠٢/ ١٧٨٣)، وابن ماجه (١٣٠٦)، وأبو عوانة (١/ ٣٨٨/ ١٤١٢)، وابن خزيمة (٢/ ١٢/ ٨٠٩)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٨٨/ ٢٤٣٣)، وابن قانع في معجم الصحابة (١/ ١٥)، وابن المقرئ في المعجم (٦٧).
• خالفه: ابن أبي أويس، فرواه عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، قال: أخبرني من رأى أنس بن مالك ﵁ يركز عصاه يصلي إليها عند الكعبة يسترها بينه وبين الناس.
أخرجه الفاكهي في أخبار مكة (٢/ ١١٠/ ١٢٣٥).
وهذا موقوف بإسناد ضعيف؛ لإبهام الراوي عن أنس.
قلت: والأقرب أنه كان عند سليمان بن بلال على الوجهين لاختلاف المتن والسياق، وابن وهب أحفظ من إسماعيل بن أبي أويس، وإسناده محفوظ، والله أعلم.
وعليه فإن: حديث أنس المرفوع: إسناده صحيح، رجاله رجال الشيخين، ويحيى بن سعيد الأنصاري سمع أنسًا [التاريخ الكبير (٨/ ٢٧٥)]، وروايته عنه في صحيح البخاري [الأحاديث (٢٢١ و ٢٣٧٦ و ٥٣٠٠) وغيرها]، وقد صححه أبو عوانة، وابن خزيمة.
• قال ابن خزيمة: "وفي أمر النبي ﷺ بالاستتار بالسهم في الصلاة ما بأن وثبت أنه ﷺ أراد بالأمر بالاستتار بمثل آخرة الرحل في طولها؛ لا في طولها وعرضها جميعًا".
وبهذه الأحاديث في الصلاة إلى العنزة والحربة والسهم احتج ابن المنذر على هذا المعنى بقوله (٥/ ٨٨): "ذكر الخبر الدال على أن أمر النبي ﷺ بالاستتار بمثل آخرة الرحل في الصلاة في طولها، لا في عرضها".
***
٦٨٨ - . . . شعبة، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه: أن النبي ﷺ صلى بهم بالبطحاء -وبين يديه عَنَزَةٌ- الظهرَ ركعتين، والعصرَ ركعتين، يمرُّ خلف العنزة، المرأةُ، والحمارُ.
• حديث متفق على صحته.
تقدم برقم (٥٢٠).
стр. 3319
• وفي الباب:
١ - عن أنس بن مالك:
يرويه عطاء بن أبي ميمونة، قال سمعت أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغُلامٌ نَحْوي إِداوةً من ماء وعَنَزة، فيستنجي بالماء.
وفي رواية للبخاري: ومعنا عُكَّازة، أو عصا، أو عنزة.
وهو حديث متفق على صحته، وقد تقدم برقم (٤٣).
٢ - عن سبرة بن معبد:
يرويه عبد الملك بن الربيع بن سبرة، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: "استتروا في صلاتكم، ولو بسهم".
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ١٨٧)، وابن خزيمة (٢/ ١٣/ ٨١٠)، والحاكم (١/ ٢٥٢)، وأحمد (٣/ ٤٠٤)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٤٩/ ٢٨٦٢)، والحارث بن أبي أسامة (١٦٦ و ١٦٧ - البغية)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (٢/ ٧٠١/ ٢٨٩٥ - السفر الثاني)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٥/ ٣١ و ٣٢/ ٢٥٧٠ و ٢٥٧١)، وأبو يعلى (٢/ ٢٣٩/ ٩٤١)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٨٨/ ٢٤٣٤)، والطحاوي في أحكام القرآن (١/ ٢٣٦/ ٤٥٩)، وابن قانع في المعجم (٣/ ٩٦)، والطبراني في الكبير (٧/ ١١٤/ ٦٥٣٩ - ٦٥٤٢)، والبيهقي (٢/ ٢٧٠)، والبغوي في شرح السنة (٢/ ١٤١/ ٥٠٣)، والرافعي في التدوين (٢/ ٣٨٤).
وهو حديث صحيح، تقدم تخريجه والكلام على هذا الإسناد عند الحديث رقم (٤٩٤).
• وأما بقية الأحاديث التي فيها التقييد بما يقطع الصلاة فيأتي تخريجها في (١٠٩) باب: ما يقطع الصلاة (٧٠٢ - ٧٠٧).
• ومما لا يصح -في الصلاة إلى العنزة أو الحربة- من الأباطيل والمناكير والغرائب:
أ- حديث عبد الرحمن بن عوف [عند: ابن شبة في أخبار المدينة (١/ ٩٠ و ٩١/ ٤٠٤ و ٤١١)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١/ ٢١٦/ ٢٨٤)، والبزار (٣/ ٢٣٤/ ١٠٢٣)، والهيثم بن كليب الشاشي (١/ ٢٨١/ ٢٥١)، والدارقطني في الأفراد (١/ ١٣٦/ ٥٤٩ - أطرافه)، وابن عبد البر في التمهيد (١٦/ ٤٠)، وانظر: علل الدارقطنى (٤/ ٢٨٥/ ٥٦٧)] [ومداره على الحسن بن عمارة، وهو: متروك، والصحيح: مرسل].
ب- حديث ابن عباس [عند: ابن خزيمة (٢/ ٢٦/ ٨٤٠)، وأحمد (١/ ٢٤٣)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٤٧١ - الجزء المفقود)، والطبراني في الأوسط (٩/ ١٣٦/ ٩٣٤٤)] [تفرد به الحكم بن أبان العدني، وفيه ضعف؛ عن عكرمة عن ابن عباس، ويأتي الكلام عليه في موضعه قريبًا إن شاء الله تعالى].
стр. 3320
ج- حديث سعد بن عائذ القرظي المؤذن [راجع ما تقدم تحت الحديث رقم (٥٢٠)] [عند: أبي القاسم البغوي في معجم الصحابة (٣/ ٤٠/ ٩٤٦)، وابن قانع في معجم الصحابة (١/ ٢٥٢)، والطبراني في المعجم الكبير (٦/ ٤١/ ٥٤٥٤)، وأبي نعيم معرفة الصحابة (٣/ ١٢٦٧/ ٣١٨٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٠/ ٤٦٩)].
د- حديث أنس [عند أبي الشيخ في أخلاق النبي ﷺ (٢/ ٣٧٢/ ٤٠١)] [وإسناده واهٍ بمرة، فيه عبد الله بن شبيب أبو سعيد الربعي: أخباري علامة؛ لكنه واهٍ، ذاهب الحديث، وكان يسرق الحديث. اللسان (٤/ ٤٩٩)، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو: ضعيف] أوله إسناد آخر عند: ابن عدي في الكامل (٢/ ٨٤)، وأبي نعيم في الحلية (٧/ ١٢٣)] [وهو حديث منكر؛ تفرد به تمام بن نجيح عن ابن سيرين، وتمام: منكر الحديث].
هـ- حديث جابر بن عبد الله، قال: نهى رسول الله ﷺ أن يصلي الرجل إلى عود [عند: الجوزقاني في الأباطيل والمناكير (٤٢٠)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ٤١٤/ ٧٠٠)] [وهو حديث باطل، تفرد به سليمان بن أبي داود الحراني عن أبي الزبير عن جابر، وسليمان هذا: منكر الحديث. اللسان (٤/ ١٥٠)].
***
١٠٣ - باب الخط إذا لم يجد عصًا
٦٨٩ - . . . بشر بن المفضل: حدثنا إسماعيل بن أمية: حدثني أبو عمرو بن محمد بن حريث؛ أنه سمع جده حريثًا، يحدث عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا صلى أحدكم فليجعلْ تلقاء وجهه شيئًا، فإن لم يجدْ فلينصِبْ عصًا، فإن لم يكن معه عصًا فليخْطُطْ خَطًّا، ثم لا يضرُّه ما مرَّ أمامه".
• حديث ضعيف.
أخرجه من طرق عن بشر بن المفضل:
البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٧١)، وابن خزيمة (٢/ ١٣/ ٨١٢)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٦٠٨ - الجزء المفقود)، والبيهقي (٢/ ٢٧٠)، وابن عبد البر في التمهيد (٤/ ١٩٩)، والبغوي في شرح السنة (٢/ ٤٥١/ ٥٤١).
تابعه عليه: وهيب بن خالد، وعبد الوارث بن سعيد، وإسماعيل بن علية [وسقط من الناسخ أو غيره: [أبو"قبل: عمرو، فهو: أبو عمرو بن محمد بن حريث، فرواية ابن علية كالجماعة، كما في علل ابن أبي حاتم (٥٣٤)]، وروح بن القاسم، وإبراهيم بن طهمان، وحميد بن الأسود، والفضل بن العلاء، وذوَّاد بن عُلبة [ضعيف، وزاد في نسبة الراوي، فقال: عن أبي عمرو بن محمد بن حريث بن سليم، عن جده حريث بن سليم]:
стр. 3321
رووه عن إسماعيل بن أمية، عن أبي عمرو بن محمد بن حريث، عن جده حريث، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال:. . . فذكروه بنحوه.
ومنهم من نسبه إلى جده -في بعض الروايات عنه- فقال: عن أبي عمرو بن حريث.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٧١ و ٧٢)، وابن ماجه (٩٤٣)، وعبد بن حميد (١٤٣٦)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٦٠٧ و ٦٠٩ - ٦١٢ - الجزء المفقود)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٩١/ ٢٤٣٩).
وفي رواية عن حميد بن الأسود: عن إسماعيل بن أمية، عن أبي عمرو بن محمد بن حريث بن سليم، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ .
أخرجه البيهقي (٢/ ٢٧٠).
***
٦٩٠ - قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس: حدثنا علي -يعني: ابن المديني-، عن سفيان، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي محمد بن عمرو بن حريث، عن جده حريث -رجل من بني عُذرة-، عن أبي هريرة، عن أبي القاسم ﷺ ، قال:. . . فذكر حديث الخط.
قال سفيان: لم نجد شيئًا نشُدُّ به هذا الحديث، ولم يجئ إلا من هذا الوجه، قال: قلت لسفيان: إنهم يختلفون فيه، فتفكر ساعة، ثم قال: ما أحفظ إلا أبا محمد بن عمرو، قال سفيان: قدم ها هنا رجل بعد ما مات إسماعيل بن أمية، فطلب هذا الشيخ أبا محمد حتى وجده، فسأله عنه، فخلَّط عليه.
قال أبو داود: وسمعت أحمد بن حنبل سئل عن وصف الخط غير مرة؟ فقال: هكذا عرضًا مثل الهلال.
قال أبو داود: وسمعت مسددًا، قال: قال ابن داود: الخطُّ بالطول.
قال أبو داود: وسمعت أحمد بن حنبل وصَفَ الخطَّ غير مرة، فقال: هكذا، -يعني: بالعرض حورًا دورًا- مثل الهلال، يعني: منعطفًا.
• حديث ضعيف.
هكذا رواه محمد بن يحيى بن فارس الذهلي [وهو: ثقة حافظ، إمام كبير]، عن علي بن المديني.
وتابعه على هذه الرواية، وزاد فيها تردد سفيان في اسم شيخ إسماعيل بن أمية:
عثمان بن سعيد الدارمي [ثقة حافظ، إمام ناقد]، قال: "سمعت عليًّا -يعني: بن عبد الله بن المديني- يقول: قال سفيان في حديث إسماعيل بن أمية: عن أبي محمد بن
стр. 3322
عمرو بن حريث عن جده عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "إذا صلى أحدكم بأرض فلاة فلينصب عصًا"، قال علي: قلت لسفيان: إنهم يختلفون فيه، بعضهم يقول: أبو عمرو بن محمد، وبعضهم يقول: أبو محمد بن عمرو، فتفكر ساعة، ثم قال: ما أحفظه إلا أبا محمد بن عمرو، قلت لسفيان: فابن جريج يقول: أبو عمرو بن محمد، فسكت سفيان ساعة ثم قال: أبو محمد بن عمرو، أو أبو عمرو بن محمد، ثم قال سفيان: كنت أراه أخًا لعمرو بن حريث، وقال مرة: العذري، قال علي: قال سفيان: كان جاءنا إنسان بصري [لكم] عتبة ذاك أبو معاذ، فقال: إني لقيت هذا الرجل الذي روي عنه إسماعيل، قال علي: ذلك بعد ما مات إسماعيل بن أمية، فطلب هذا الشيخ حتى وجده، قال عتبة: فسألته عنه، فخلَّطه عليَّ، قال سفيان: ولم نجد شيئًا يشدُّ هذا الحديث، ولم يجئ إلا من هذا الوجه، قال سفيان: وكان إسماعيل إذا حدث بهذا الحديث يقول: عندكم شيء تشدونه به".
أخرجه البيهقي في السنن (٢/ ٢٧١).
وخالفهما: محمد بن إسماعيل البخاري [إمام الدنيا، وجبل الحفظ]، فرواه عن ابن المديني، قال: أخبرنا سفيان، قال: حدثنا إسماعيل، عن أبي عمرو بن محمد بن حريث، عن جده حريث -من بني عذرة-: سمعت أبا هريرة، عن النبي ﷺ .
قال سفيان: جاءنا بصري، عتبة أبو معاذ، قال: لقيت هذا الشيخ الذي روى عنه إسماعيل، فسألته، فخلَّط عليَّ، وكان إسماعيل إذا حدث بهذا يقول: عندكم شيء تشدونه.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٧١).
أ- هكذا اختلفت الرواية عن علي بن المديني [ثقة ثبت، إمام، أعلم أهل زمانه بالعلل، ومن أثبت الناس في ابن عيينة]، والحاصل أن سفيان بن عيينة لم يكن يضبط اسم هذا الرجل ونسبه، ويدل على ذلك أيضًا:
ب- أن الإمام أحمد بن حنبل [ثقة حافظ، إمام فقيه، حجة، من أثبت الناس في ابن عيينة]، قال: حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي محمد بن عمرو بن حريث العذري، قال مرة: عن أبي عمرو بن محمد بن حريث، عن جده: سمعت أبا هريرة، يقول: قال أبو القاسم ﷺ :. . . فذكر الحديث.
ثم قال أحمد: حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي عمرو بن حريث، عن أبيه، عن أبي هريرة، يرفعه، فذكر معناه.
أخرجه أحمد (٢/ ٢٤٩).
ج- ورواه سعيد بن منصور [ثقة حافظ، من أصحاب ابن عيينة]، عن ابن عيينة، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي محمد بن عمرو بن حريث، عن أبيه، عن جده، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ .
ذكره الدارقطني في العلل (١٠/ ٢٧٨/ ٢٠١٠).
стр. 3323
د- ورواه محمد بن سلام البِيكَندي [ثقة ثبت]، وأحمد بن حماد الدولابي [صدوق. الجرح والتعديل (٢/ ٤٩)]، وعمار بن خالد الواسطي [ثقة] [ووقع في روايته: "عن جده حريث بن سليم"]:
عن ابن عيينة، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي عمرو بن محمد بن حريث العذري، عن جده، سمع أبا هريرة، عن النبي ﷺ .
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٧١)، وابن ماجه (٩٤٣)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٦١٣ - الجزء المفقود).
هـ- ورواه يونس بن عبد الأعلى الصدفي [ثقة حافظ]، وسليمان بن داود القزاز [ثقة كبير. الجرح والتعديل (٤/ ١١٥)، الثقات (٨/ ٢٨٠)، الإرشاد (٢/ ٦٧٠)]:
عن ابن عيينة، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي عمرو بن محمد بن حريث، عن أبيه [وفي رواية ليونس: "عن جده" بدل: "عن أبيه"]، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ .
أخرجه الطحاوي في أحكام القرآن (٤٥٦)، وابن أبي حاتم في العلل (١/ ١٨٧/ ٥٣٤).
و- ورواه الحميدي، والشافعي، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو خيثمة زهير بن حرب [وهم: ثقات حفاظ أئمة، أصحاب ابن عيينة ومن أثبتهم فيه]، وعبد الجبار بن العلاء [ثقة]، ومحمد بن منصور الجواز [ثقة]:
عن سفيان، قال: ثنا إسماعيل بن أمية، عن أبي محمد بن عمرو بن حريث العذري، عن جده، عن أبي هريرة، قال: قال أبو القاسم رسول الله ﷺ :. . . فذكره.
أخرجه ابن خزيمة (٢/ ١٣/ ٨١١)، وابن حبان في صحيحه (٦/ ١٢٥/ ٢٣٦١)، وفي الثقات (٤/ ١٧٥)، والحميدي في مسنده (٩٩٣) (٢/ ٢٠٦/ ١٠٢٣ - ط حسين أسد)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢٦٧/ ٨٨٤٤) (٦/ ٨٥/ ٨٩٣٦ - ط عوامة)، والدولابي في الكنى (٣/ ٩٧٠/ ١٧٠٣)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٩١/ ٢٤٣٨)، والبيهقي في المعرفة (٢/ ١١٨/ ١٠٤٩).
قال ابن حبان: "عمرو بن حُريث هذا: شيخ من أهل المدينة، روى عنه سعيد المقبري، وابنه أبو محمد يروي عن جده، وليس هذا بعمرو بن حريث المخزومي، ذلك له صحبة، وهذا عمرو بن حريث بن عمارة من بني عذرة، سمع أبو محمد بن عمرو بن حريث جده حريث بن عمارة عن أبي هريرة".
• هكذا اضطرب سفيان بن عيينة في هذا الحديث، فمرة يقول: عن أبي محمد بن عمرو بن حريث، عن جده حريث، ثم يقول: ما أحفظ إلا أبا محمد بن عمرو، ومرة يقول مترددًا: أبو محمد بن عمرو، أو: أبو عمرو بن محمد، ومرة يقول: عن أبي عمرو بن محمد بن حريث العذري، عن جده، ومرة يقول: عن أبي عمرو بن محمد بن حريث، عن أبيه، ومرة يقول: عن أبي عمرو بن حريث، عن أبيه، ومرة يقول: عن أبي محمد بن عمرو بن حريث، عن أبيه، عن جده.
قال الدارقطني: "وكان ابن عيينة يضطرب في هذا الحديث، فربما قال: عن أبي
стр. 3324
محمد بن عمرو بن حريث، وربما قال: عن أبي عمرو بن محمد، ثم ثبت على: أبي محمد بن عمرو" [العلل (١٠/ ٢٨٠/ ٢٠١٠)].
قلت: وهي رواية جماعة الحفاظ من أصحابه، لكن رواية علي بن المديني وأحمد بن حنبل تؤكد اضطراب ابن عيينة فيه، وعدم ضبطه لاسم هذا الشيخ، ولا عمن رواه.
• قلت: هذا الحديث قد اختلف فيه على إسماعيل بن أمية الأموي المكي [وهو: ثقة ثبت]:
١ - فرواه بشر بن المفضل، ووهيب بن خالد، وعبد الوارث بن سعيد، وإسماعيل بن علية، وروح بن القاسم [وهم خمسة من: الثقات الحفاظ الأثبات]، وإبراهيم بن طهمان [ثقة]، وحميد بن الأسود [صدوق] [واختلف عليه]، والفضل بن العلاء [ليس به بأس]، وذوَّاد بن عُلبة [ضعيف، وزاد في نسبة الراوي، فقال: عن أبي عمرو بن محمد بن حريث بن سليم، عن جده حريث بن سليم]:
عن إسماعيل بن أمية، عن أبي عمرو بن محمد بن حريث، عن جده حريث، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ . [تقدم ذكره في الحديث السابق].
٢ - ورواه سفيان بن عيينة [ثقة حافظ، إمام]، عن إسماعيل بن أمية به، واضطرب فيه، كما سبق بيانه.
٣ - ورواه سفيان الثوري [ثقة حافظ، إمام حجة، من أحفظ أهل زمانه]، ومعمر بن راشد [ثقة]:
عن إسماعيل بن أمية، عن أبي عمرو بن حريث، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال:. . . فذكره.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٧١)، وابن خزيمة (٢/ ١٣/ ٨١٢ م)، وأحمد (٢/ ٢٤٩ و ٢٥٤ - ٢٥٥ و ٢٦٦)، وإسحاق (١/ ٣١٢/ ٢٩٥)، والبيهقي (٢/ ٢٧٠)، وعلقه ابن أبي حاتم في العلل (٥٣٤).
٤ - ورواه ابن جريج [ثقة، إمام فقيه، كان من أوعية العلم]، قال: أخبرني إسماعيل بن أمية، عن حريث بن عمار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إذا صلى أحدكم فليُصلِّ إلى شيء، فإن لم يجد شيئًا فلينصب عصًا، فإن لم يجد عصًا فليخطط بين يديه خطًا، ولا يضره ما مر بين يديه".
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ١٢/ ٢٢٨٦)، عن ابن جريج به. ومن طريقه: البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٧١) معلقًا.
هكذا رواه عبد الرزاق [ثقة، من أصحاب ابن جريج، وأكثرهم عنه رواية]، عن ابن جريج.
وخالفه: حجاج بن محمد المصيصي [ثقة ثبت، من أثبت الناس في ابن جريج]، فرواه عن ابن جريج، قال: أخبرني إسماعيل بن أمية، عن أبي محمد بن عمرو بن حريث،
стр. 3325
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال:. . . فذكره، هكذا بلا واسطة، فلم يذكر أباه، ولا جده.
أخرجه الطحاوي في أحكام القرآن (٤٥٧).
قال الدارقطني في العلل (١٠/ ٢٨٠/ ٢٠١٠): "ولم يقل: عن أبيه، ولا: عن جده، ورفعه"، وانظر بقية الاختلاف على ابن جريج في علل الدارقطني.
ولعل هذه الرواية عن ابن جريج: أقرب إلى الصواب؛ فإن حجاجًا كان أثبت الناس في ابن جريج [شرح علل الترمذي (٢/ ٦٨٢)].
تنبيه: ذكر ابن أبي حاتم في العلل (٥٣٤) رواية ابن جريج كرواية ابن عيينة -من رواية جماعة الحفاظ عنه-: عن إسماعيل بن أمية، عن أبي محمد بن عمرو بن حريث، عن جده حريث -رجل من بني عذرة-، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ . لكن لم يذكر من رواها عن ابن جريج بهذا الوجه.
٥ - ورواه مسلم بن خالد الزنجي [ليس بالقوي، كثير الغلط. انظر: التهذيب (٤/ ٦٨) وغيره]، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي محمد بن عمرو بن حريث، عن أبيه، عن جده، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ :. . . فذكره.
أخرجه ابن حبان (٦/ ١٣٨/ ٢٣٧٦).
وهذه رواية منكرة، بزيادة: "عن أبيه، عن جده"، والحفاظ يروونه عن جده فقط، أو: عن أبيه فقط.
٦ - ورواه نصر بن حاجب [مختلف فيه، وثقه ابن معين في رواية، وقال أبو حاتم: "صالح الحديث"، وقال أبو زرعة: "صدوق، لا بأس به" وذكره ابن حبان في الثقات، لكن قال ابن معين في رواية الدوري عنه: "ليس بشيء"، وكذا قال أبو داود، وقال النسائي: "ليس بثقة"، وذكره العقيلي وابن عدي في الضعفاء، لكن قال ابن عدي: "لم يرو حديثًا منكرًا؛ فأذكره". اللسان (٨/ ٢٥٩)، تاريخ الدوري (٤/ ٣٥٨/ ٤٧٧٣)، الجرح والتعديل (٨/ ٤٦٦)، الثقات (٧/ ٥٣٨) و (٩/ ٢١٤)، ضعفاء العقيلي (٤/ ٣٠١)، الكامل (٧/ ٣٨)، تاريخ بغداد (١٣/ ٢٧٧)]، قال: ثنا إسماعيل بن أمية، قال: ثنا محمد بن عمرو [صححته]، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ :. . . فذكره.
أخرجه بحشل في تاريخ واسط (١٣١)، قال: ثنا عبد الخالق بن إسماعيل [شيخ لبحشل، لم أجد من ترجم له، وهو قليل الرواية جدًّا، فهو مجهول]، قال: ثنا محمد بن يزيد [هو: الكلاعي الواسطي: ثقة ثبت]، قال: ثنا نصر به.
خالفه: يزيد بن هارون [ثقة متقن]، فرواه عن نصر بن حاجب القرشي، عن إسماعيل بن أمية، عن محمد بن عمرو بن سعيد بن العاص، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: إذا صلى أحدكم بأرض فلاة فلينصب تلقاء وجهه شيئًا؛ فإن لم يجد فليخط في الأرض خطًا. موقوف.
стр. 3326
أخرجه ابن حبان في الثقات (٧/ ٣٩٨)، معلقًا.
وهذه الرواية أولى، والأولى لا تثبت، وأيًّا كان فهي رواية شاذة تفرد بها عن إسماعيل: نصر بن حاجب، وليس هو بالقوي، والله أعلم.
• وحاصل ما تقدم: فإنا إذا استثنينا الأوهام والمناكير، واستثنينا رواية ابن عيينة لاضطرابه في الإسناد، بقي لنا:
أ- رواية جماعة الحفاظ: عن إسماعيل بن أمية، عن أبي عمرو بن محمد بن حريث، عن جده حريث، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ .
ب- رواية سفيان الثوري، ومعمر بن راشد:
عن إسماعيل بن أمية، عن أبي عمرو بن حريث، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ .
ج- رواية ابن جريج، قال: أخبرني إسماعيل بن أمية، عن أبي محمد بن عمرو بن حريث، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ . هكذا بلا واسطة، فلم يذكر أباه، ولا جده.
نجد أن رواية ابن جريج مخالفة للجميع لعدم إثباته الواسطة بين أبي هريرة، وشيخ إسماعيل، فيبقى الترجيح بين رواية الجماعة وبين رواية الثوري ومعمر:
فيقال: إما أن ترجح رواية جماعة الحفاظ، فتكون هي المحفوظة، وإما أن تقابل برواية الثوري ومعمر؛ لكون الثوري كان أحفظ أهل زمانه، وكان مقدمًا على أقرانه كشعبة وغيره، فيكون بذلك قد وقع اضطراب في السند من قبل إسماعيل بن أمية، وإما أن ترجح رواية الثوري ومعمر على رواية الجماعة، لأجل حفظ سفيان، وللأئمة نظر في هذا الاختلاف، نسوق كلامهم، ثم نعقب عليه:
• قال عباس الدوري في تاريخه (٣/ ٣٦٨): "سمعت يحيى يقول في حديث إسماعيل بن أمية عن أبي عمرو بن حريث، قال يحيى: وهو جد إسماعيل بن أمية من قبل أمه، وهو عذري، قال يحيى: الحديث هو هكذا: عن أبي عمرو بن حريث".
قلت: فكأنه هنا يرجح رواية الثوري.
وقال ابن رجب في الفتح (٢/ ٦٣٨): "ونقل الغلابي في تاريخه عن يحيى بن معين، أنه قال: الصحيح: إسماعيل بن أمية، عن جده حريث، وهو: أبو أمية، وهو من عذرة، قال: ومن قال فيه: عمرو بن حريث فقد أخطأ".
وهذان القولان متعارضان، ففي الأول: أن شيخ إسماعيل بن أمية هو جده من قبل أمه، وفي الثاني: جده من قبل أبيه، كما أن في الأول ترجيح لقول الثوري، وفي الثاني ترجيح لرواية عبد الرزاق عن ابن جريج.
وقد استغرب ابن رجب رواية الغلابي، فإنه يترتب عليها أن إسماعيل بن أمية راوي هذا الحديث ليس هو الأموي المكي المشهور، ولكنه إسماعيل بن أمية بن حريث العذري، وهو لا يُعرف، قال ابن رجب في الفتح (٢/ ٦٣٨): "وهذا غريب جدًّا، ولا أعلم أحدًا
стр. 3327
ذكر إسماعيل هذا، وهذا الحديث قد رواه الأعيان عن إسماعيل، منهم: الثوري وابن جريج وابن عيينة، وإنما يروي هؤلاء عن إسماعيل بن أمية الأموي المكي الثقة المشهور، ويمتنع أن يروي هؤلاء كلهم عن رجل لا يُعرف، ولا يُذكر اسمه في تاريخ ولا غيره".
وقال أبو زرعة الرازي: "الصواب ما رواه الثوري" [العلل لابن أبي حاتم (١/ ١٨٧/ ٥٣٤)]، هكذا يرجح رواية الثوري على رواية الجماعة.
وقال ابن خزيمة (٢/ ١٣): "والصحيح: ما قال بشر بن المفضل، وهكذا قال معمر والثوري: عن أبي عمرو بن حريث؛ إلا أنهما قالا: عن أبيه، عن أبي هريرة".
هكذا يرجح رواية الجماعة، ويعضدها برواية الثوري ومعمر من جهة اتفاقهم على أنه: أبو عمرو، ثم نسبه الثوري ومعمر إلى جده، فقالا: عن أبي عمرو بن حريث، ثم خالفا الجماعة، فقالا: عن أبيه، بدل: عن جده.
هكذا يظهر من تصرف هؤلاء الأئمة أنهم ذهبوا إلى ترجيح أحد الوجوه، ولم يقولوا بالاضطراب.
وقد ساق المزي في التهذيب (٥/ ٥٦٥) هذا الاختلاف، ثم قال: "والاضطراب فيه من إسماعيل بن أمية، والله أعلم".
وقال الذهبي في الميزان (١/ ٤٧٥) في ترجمة حريث: "تفرد عنه: إسماعيل بن أمية، واضطرب فيه".
وقد جعل ابن الصلاح هذا الحديث مثالًا للحديث المضطرب، وتبعه على ذلك جماعة، منهم الحافظ العراقي، ونوزعوا في ذلك [مقدمة ابن الصلاح (٩٣)، الشذا الفياح (١/ ٢١٢)، التقييد والإيضاح (١٢٤)، النكت على مقدمة ابن الصلاح لبدر الدين الزركشي (٢/ ٢٣٥)، النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر (٢/ ٧٧٢)، التلخيص الحبير (١/ ٢٨٦)، فتح المغيث (١/ ٢٣٨)، تدريب الراوي (١/ ٢٦٢)، وغيرها كثير].
وقد ذهب ابن حجر إلى نفي الاضطراب عنه، بل ذهب إلي تحسينه، فقال في النكت (٢/ ٧٧٢): "ولكن بقي أمر يجب التيقظ له؛ وذلك أن جميع من رواه عن إسماعيل بن أمية عن هذا الرجل إنما وقع الاختلاف بينهم في اسمه أو كنيته، وهل روايته عن أبيه، أو عن جده، أو عن أبي هريرة بلا واسطة، وإذا تحقق الأمر فيه لم يكن فيه حقيقة الاضطراب؛ لأن الاضطراب هو الاختلاف الذي يؤثر قدحًا، واختلاف الرواة في اسم رجل: لا يؤثر، ذلك لأنه إن كان ذلك الرجل ثقة؛ فلا ضير، وإن كان غير ثقة؛ فضعف الحديث إنما هو من قبل ضعفه، لا من قبل اختلاف الثقات في اسمه؛ فتأمل ذلك.
ومع ذلك كله؛ فالطرق التي ذكرها ابن الصلاح ثم شيخنا قابلة لترجيح بعضها على بعض، والراجحة منها يمكن التوفيق بينها، فينتفي الاضطراب أصلًا ورأسًا"، ثم ذكر تضعيف ابن عيينة له، حيث لم يجد شيئًا يشده، وأنه لم يجئ إلا من هذا الوجه، ثم قال بأن قوله هذا فيه نظر، ثم اجتهد في أن يأتي له بما لا يصلح مثله لا في الشواهد ولا في
стр. 3328
المتابعات، لكونه من رواية أبي هارون عمارة بن جوين العبدي البصري، وهو: متروك، كذبه جماعة [التهذيب (٣/ ٢٠٧)]، وبرواية أخرى مقطوعة من قول سعيد بن جبير، إلى أن قال: "ولهذا صحح الحديث أبو حاتم ابن حبان والحاكم وغيرهما، وذلك مقتضٍ لثبوت عدالته عند من صححه.
فما يضره مع ذلك أن لا ينضبط اسمه إذا عرفت ذاته، والله تعالى أعلم".
وقال في البلوغ (١٨٥): "ولم يصب من زعم أنه مضطرب؛ بل هو حسن".
وسوف يأتي بيان ما هو الحق في ذلك، وأن ابن حجر قد جانب الصواب فيما ذهب إليه، ونسوق الآن كلام الأئمة في حكمهم على هذا الحديث:
• فأول من ضعَّف هذا الحديث رواته، فكان إسماعيل بن أمية إذا حدث بهذا الحديث يقول: "عندكم شيء تشدونه به".
وقال سفيان بن عيينة: "لم نجد شيئًا نشُدُّ به هذا الحديث، ولم يجئ إلا من هذا الوجه"، ثم ذكر أن هذا الشيخ الذي روى عنه إسماعيل بن أمية سئل عنه، فخلَّط فيه.
وإيراد أبي داود لكلام ابن عيينة على الحديث مشعر بعدم احتجاجه به، وأنه أراد بذلك تعليله، والله أعلم.
وقال مالك، والليث: "الخَطُّ باطلٌ، وليس بشيء" [المدونة (١/ ١١٣)، الأوسط لابن المنذر (٥/ ٩٢)، شرح صحيح البخاري لابن بطال (٢/ ١٣٢)، التمهيد (٤/ ١٩٨)، الاستذكار (٢/ ٢٨١)].
وقال الطحاوي: "قال أصحابنا ومالك والليث: الخط ليس بشيء" [مختصر اختلاف العلماء (١/ ٢٣٥)، وانظر: التمهيد (٤/ ١٩٨)].
وفي هذا تضعيف ضمني لحديث أبي هريرة هذا، إذ إن حكمهم على الخط بالبطلان حكم على الحديث، والله أعلم.
وقال البيهقي في المعرفة (٢/ ١١٨): "هذا حديث قد أخذ به الشافعي في القديم، وفي سنن حرملة، وقال في كتاب البويطي: ولا يخط المصلي بين يديه خطًا؛ إلا أن يكون في ذلك حديث ثابت فيتبع.
وإنما توقف الشافعي في صحة الحديث لاختلاف الرواة على إسماعيل بن أمية؛ في أبي محمد بن عمرو بن حريث، فقيل هكذا، وقيل: عن أبي عمرو بن محمد بن حريث عن جده، وقيل: عن أبي عمرو بن حريث عن أبيه، وقيل غير ذلك".
وقال في السنن (٢/ ٢٧١): "واحتج الشافعي ﵀ بهذا الحديث في القديم، ثم توقف فيه في الجديد، فقال في كتاب البويطي: ولا يخط المصلي بين يديه خطًا؛ إلا أن يكون في ذلك حديث ثابت؛ فليتبع.
وكأنه عثر على ما نقلناه من الاختلاف في إسناده، ولا بأس به في مثل هذا الحكم إن شاء الله تعالى، وبه التوفيق" [وانظر: التمهيد (٤/ ١٩٨)، الاستذكار (٢/ ٢٨١)].
стр. 3329
قلت: إذا لم يكن فيه حديث ثابت، فلا يتبع، إذ إن هذه المسألة من مسائل الأحكام، والتي لا بد لها من دليل ثابت، فإذا لم يثبت الدليل فكيف يُتدين به!؟
وقال أحمد في رواية ابن القاسم عنه: "الحديث في الخط ضعيف" [الفتح لابن رجب (٢/ ٦٣٧)].
وفي التهذيب لابن حجر في ترجمة حريث (١/ ٣٧٥): "وقال الخطابي عن أحمد: حديث الخط ضعيف"، إلا أنه قال في ترجمة أبي عمرو بن محمد (٤/ ٥٦٢): "ونقل الخلال عن أحمد أنه قال: حديث الخط ضعيف".
قلت: والنقل الثاني يبين التصحيف الذي وقع في النقل الأول، فلا ذكر فيه للخطابي، وإنما هو الخلال أحمد بن محمد بن هارون أبو بكر، شيخ الحنابلة في وقته، جامع علوم الإمام أحمد من أصحابه وأصحاب أصحابه [انظر ترجمته في: طبقات الحنابلة (٣/ ٢٣/ ٥٨٢)، تاريخ بغداد (٥/ ١١٢)، السير (١٤/ ٢٩٧)]، ويؤكد أن كلمة: الخطابي إنما تصحفت عن الخلال، أن ابن حجر العسقلاني اعتاد نقل الزيادات والتحريرات على كلام المزي في التهذيب من كلام مغلطاي في إكماله، وقد وقع في الإكمال (٤/ ٤٤) في ترجمة حريث ما خطه: "وفي علل الخلال عن أحمد: حديث الخط ضعيف"، وذكر نحوه مغلطاي في شرح سنن ابن ماجه (٥/ ١٦١٥)، والله أعلم.
وقال ابن جرير الطبري: "في إسناده نظر".
وقال الطحاوي: "أبو عمرو بن محمد هذا، وجده: مجهولان، ليس لهما ذكر في غير هذا الحديث" [مختصر اختلاف العلماء (١/ ٢٣٥)].
وقال الدارقطني: "والحديث لا يثبت" [علل الدارقطني (٨/ ٥٠/ ١٤١٠)، الأحكام الوسطى (١/ ٣٤٥)، العلل المتناهية (١/ ٤١٥/ ٧٠٢)، الفتح لابن رجب (٢/ ٦٣٩)].
وقال البغوي: "وفي إسناده ضعف".
وقال القاضي أبو بكر بن العربي: "وهذا الحديث لو صح لقلنا به، إلا أنه معلول، فلا معنى للنَّصَب فيه معهم" [المسالك في شرح الموطأ (٣/ ١١٣)، القبس (١/ ٣٤٠)].
وقال القاضي عياض: "ضعيف" [إكمال المعلم (٢/ ٤١٤)].
وقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (١/ ٣٤٥): "وقد رُوي حديث الصلاة إلى الخط عن أبي هريرة من طرق، ولا يصح ولا يثبت الحديث، ذكر ذلك الدارقطني".
وقال في الأحكام الكبرى (٢/ ١٥٧): "وأبو عمرو هذا: مجهول".
وقال النووي في الخلاصة (١٧٤١ - ١٧٤٥): "قال الحفاظ: هو ضعيف لاضطرابه، وممن ضعفه: سفيان بن عيينة، فيما حكاه عنه أبو داود، وأشار إلى تضعيفه أيضًا: الشافعي والبيهقي، وصرح به آخرون، قال البيهقي: ولا بأس بالعمل بهذا الحديث في هذا الحكم إن شاء الله، وهذا الذي يختاره هو المختار، قيل: يكون الخط كالهلال، وقيل: طولًا، وقيل: كالجنازة"، وحكاه في المجموع (٣/ ٢١٧) وزاد عليه.
стр. 3330
قلت: إذا لم يثبت الحديث فلا وجه للعمل به.
وقال القرافي في الذخيرة (٢/ ١٥٥): "وهو مطعون عليه جدًّا، والنظر يرده".
وقال ابن عبد الهادي في المحرر (٢٨٣): "وهو حديث مضطرب الإسناد".
• قلت: وحاصل ما تقدم: أن هذا الحديث ضعيف؛ ضعفه جماعة من الأئمة ممن تقدم ذكرهم، وضعْفُ الحديث إما من جهتين معًا، أو من جهة واحدة:
فإذا قلنا بتعارض وتساوي رواية جماعة الحفاظ مع رواية الثوري ومعمر، فيكون الحديث حينئذ مضطربًا، ويضاف إلى ذلك: جهالة حريث وحفيده، كما صرح بذلك الطحاوي وغيره [التقريب (١٣٧ و ٧١٧)].
وإذا قلنا بترجيح رواية جماعة الحفاظ، وهو قول قوي، أو بترجيح رواية الثوري ومعمر، وهو قول أبي زرعة وابن معين في رواية، فعندئذ يُضعَّف الحديث من جهة جهالة حريث وحفيده، أو: حريث وابنه، والله أعلم.
• فإن قيل: هذا الحديث قد صححه جماعة من الأئمة، منهم: ابن خزيمة وابن حبان، واحتج به ابن المنذر، ونقل تصحيحه عن أحمد وابن المديني.
فيقال: ابن خزيمة قد يقع له التساهل في تصحيح أحاديث المجاهيل، وابن حبان أشد منه تساهلًا في توثيق المجاهيل وتصحيح أحاديثهم، ويقع لابن المنذر شيء من ذلك.
وأما تصحيح ابن المديني وأحمد، فلا يثبت عندي؛ أما ابن المديني: فإن نقله لرأي ابن عيينة في هذا الحديث، وإقراره إياه: كافٍ في أن يأخذ هو بقول شيخه فيه، إلا أن يثبت لدينا نقل صحيح عنه بمخالفته فيه، وعليه فالأصل: أن ابن المديني يضعِّف الحديث تبعًا لشيخه ابن عيينة الذي ساق حجته في تضعيف هذا الحديث من وجوه:
لم نجد شيئًا نشُدُّ به هذا الحديث.
ولم يجئ إلا من هذا الوجه.
وكان إسماعيل إذا حدث بهذا الحديث يقول: عندكم شيء تشدونه به.
وذكر أن شيخ إسماعيل بن أمية كان يخلط فيه.
وعلى هذا فالذي ينقل عن ابن المديني خلاف هذا فيأتي ببرهان، أو إسناد صحيح؟
وأما تصحيح أحمد له فلا يثبت كذلك، وقد نقل التصحيحين عنهما ابن عبد البر، حيث قال في الاستذكار (٢/ ٢٨١): "وأما أحمد بن حنبل وعلي بن المديني فكانا يصححان هذا الحديث".
وهذا جزم منه بنسبة التصحيح إليهما، لكنه قال في التمهيد (٤/ ١٩٩): "وهذا الحديث عند أحمد بن حنبل ومن قال بقوله: حديث صحيح، وإليه ذهبوا، ورأيت أن علي بن المديني كان يصحح هذا الحديث ويحتج به".
وبهذا يظهر أن ابن عبد البر نزَّل الاحتجاج بالحديث، أو بغيره من الآثار، والعمل به منزلة التصحيح الصريح؛ أما ردُّ تصحيح ابن المديني فقد تقدم، وأما ردُّ تصحيح أحمد،
следующие страницы →