Полный текст (16 465 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.
стр. 3396
فهذا حديث قُلِب إسنادُه ومتنه، ودخل لراويه حديث في حديث، فليس هذا من حديث الثوري، والمحفوظ عنه ما رواه عنه ثقات أصحابه.
• وأما هذا المتن فيرويه ببعض سنده: وكيع، وأبو أحمد محمد بن عبد الله الزبيري، وعمر بن سعد أبو داود الحفري، وأبو بكر عبد الكبير بن عبد المجيد الحنفي، وابن أبي فديك، وعلي بن قادم [وهم مشهورون بالصدق والعدالة، وفيهم ثقات أثبات]:
عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب [وقال بعضهم: عبيد الله بن عبد الله بن موهب، والصحيح: الأول]، قال: سمعت عمي عبيد الله بن موهب [وقال أبو أحمد: عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، والصحيح: عبيد الله بن عبد الله بن موهب]؛ أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "لو يعلم أحدكم ما له في أن يمشي بين يدي أخيه معترضًا وهو يناجي ربه، لكان أن يقف في ذلك المقام مئة عام أحبَّ إليه من الخطوة التي خطا".
وفي رواية: "لو يعلم أحدكم ما عليه في أن يمر بين يدي المصلي معترضًا؛ كان أن يقف مائة عام خير له من الخطوة التي خطاها". وقال عمر بن سعد: "أربعين عامًا".
أخرجه ابن ماجه (٩٤٦)، وابن خزيمة (٢/ ١٤/ ٨١٤)، وابن حبان (٦/ ١٢٩/ ٢٣٦٥)، وأحمد (٢/ ٣٧١)، وعبد بن حميد (١٤٥٢)، والطحاوي في المشكل (١/ ٨٤/ ٨٧)، وأبو طاهر المخلص في العاشر من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (٣٢٤) (٢٤٧٩ - المخلصيات)، وابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ٢٧٨).
قال عبد الحق في الأحكام الكبرى (٢/ ١٦٦): "عم عبيد الله هو: عبيد الله بن عبد الله بن موهب القرشي المدني، والد يحيي، سمع أبا هريرة، سمع منه ابن أخيه عبيد الله بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن موهب، ذكر ذلك البخاري".
وهذا إسناد ضعيف؛ عبيد الله بن عبد الله بن موهب: مجهول [ضعفاء العقيلي (٤/ ٤١٥)، الثقات (٥/ ٧٢)، مشاهير علماء الأمصار (٤٩٣)، بيان الوهم (٥/ ١١١ و ١٤٥/ ٢٣٦٦ و ٢٣٨٧)، التهذيب (٣/ ١٦)].
والراوي عنه: عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب التيمي المدني: ليس بالقوي [انظر: التهذيب (٣/ ١٨)، إكمال مغلطاي (٩/ ٤٣)، الميزان (٣/ ١٢)، التاريخ الأوسط (٣/ ٢٨٤/ ٤٥٠)، تخريج الذكر والدعاء (١٤٢)].
قال الطحاوي: "وحديث أبي هريرة هذا هو عندنا -والله أعلم- متأخِّر عن حديث أبي الجهيم الذي رويناه في صدر هذا الباب؛ لأن في حديث أبي هريرة الزيادة في الوعيد للمارِّ بين يدي المصلي، والذي في حديث أبي الجهيم التخفيف، وأولى الأشياء بنا أن نظنه بالله تعالى: الزيادة في الوعيد للعاصي المارِّ بين يدي المصلي؛ لا التخفيف من ذلك عنه في مروره بين يدي المصلي".
قلت: هذا لو صح الحديث، فإذ لم يصح فلنسترح من هذا العناء.
стр. 3397
• تنبيه: قال ابن قدامة في المغني (٢/ ٤١): "ولمسلم: "لأن يقف أحدكم مائة عام خير له من أن يمر بين يدي أخيه وهو يصلي""، وهذا ليس في مسلم أصلًا، ومتنه في التحديد بمائة عام لم أجده إلا في حديث أبي هريرة هذا، فلعله اشتبه عليه، والله أعلم [وانظر: البدر المنير (٤/ ٢٠٥)].
• قال ابن عبد البر في التمهيد (٢١/ ١٤٧): "وروي ابن عيينة هذا الحديث مقلوبًا عن أبي النضر عن بسر بن سعيد، جعل في موضع زيد بن خالد: أبا جهيم، وفي موضع أبي جهيم: زيد بن خالد، والقول عندنا: قول مالك، وقد تابعه الثوري وغيره".
قلت: رواه سفيان بن عيينة، واختلف عليه:
أ- فرواه الحميدي، وأحمد بن حنبل، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو خيثمة زهير بن حرب، وإبراهيم بن بشار الرمادي، ويونس بن عبد الأعلى، وأحمد بن عبدة، ويحيى بن حسان التنيسي، وعبد الله بن محمد الزهري، ومحمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، وهارون بن عبد الله بن مروان البغدادي، والحسن بن الصباح البزار، وهشام بن عمار [وهم ثلاثة عشر رجلًا من ثقات أصحاب ابن عيينة، لا سيما وفيهم: أثبت أصحابه، والمكثرون عنه]:
عن سفيان، قال: ثنا سالم أبو النضر، عن بسر بن سعيد، قال: أرسلني أبو الجهيم [زاد الجماعة إلا ابن عبدة وابن حسان وابن المقرئ: ابن أخت أُبي بن كعب] أسأل زيدَ بن خالد الجهني: ما سمعتَ في الذي يمر بين يدي المصلي؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لأن يمكث [وقال الجماعة: يقوم] أحدكم أربعين خيرٌ له من أن يمر بين يدي المصلي"، لا يدري أربعين سنة، أو أربعين شهرًا، أو أربعين يومًا، أو أربعين ساعة.
وقال هشام بن عمار: عن بسر بن سعيد، قال: أرسلوني إلى زيد بن خالد أسأله عن المرور بين يدي المصلي … فذكر الحديث، وفي آخره: فلا أدري أربعين سنةً، أو شهرًا، أو صباحًا، أو ساعةً. هكذا أبهم أبا الجهيم.
وهذا لفظ الحميدي، وبنحوه لفظ الجماعة، وشذَّ أحمدُ بن عبدة بزيادة: "أربعين خريفًا"، ولفظه بتمامه: "لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه؛ كان لأن يقوم أربعين خريفًا خير له من أن يمر بين يديه".
أخرجه ابن ماجه (٩٤٤)، والدارمي (١/ ٣٨٦/ ١٤١٦)، وأبو عوانة (١/ ٣٨٤/ ١٣٩٤)، وأحمد (٤/ ١١٦ - ١١٧)، والحميدي (٢/ ٦٢ - ٦٣/ ٨٣٦)، وعبد بن حميد (٢٨٢)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (١/ ٢٨٩/ ١٠١٤)، والبزار (٩/ ٢٣٩/ ٣٧٨٢)، وأبو علي الطوسي في مختصر الأحكام (٢/ ٢٢٩/ ٣١٤)، وأبو العباس السراج في مسنده (٣٩٠)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (٣٧٦)، والطحاوي في المشكل (١/ ٨٢/ ٨٤)، والطبراني في الكبير (٥/ ٢٤٧/ ٥٢٣٦)، وابن عبد البر في التمهيد (٢١/ ١٤٨).
وقد سئل يحيى بن معين عن هذا الحديث، فقال: "خطأ؛ إنما هو زيد إلى أبي
стр. 3398
جهيم" [تاريخ ابن أبي خيثمة (١/ ٢٨٩ / ١٠١٤)، التمهيد (٢١/ ١٤٨)].
يعني: كما روي مالك والثوري؛ إذ هما أحفظ وأتقن من ابن عيينة، وأكثر منه عددًا، وأكبر منه سنًّا وقدرًا.
وقال الطحاوي في المشكل بعد رواية سفيان الثوري: "فكان في ذلك أن راويه عن النبي ﵇ هو أبو الجهيم الأنصاري؛ لا زيد بن خالد، فوجب بذلك القضاء فيما اختلف فيه مالك وسفيان بن عيينة لمالك على ابن عيينة؛ لأن مالكًا والثوري لما اجتمعا في ذلك على شيء كانا أولى بحفظه من ابن عيينة فيما خالفهما فيه".
وتقدم نقل كلام ابن عبد البر في أن ابن عيينة قلبه، ثم قال: "والقول عندنا: قول مالك، وقد تابعه الثوري وغيره".
وقال ابن رجب في الفتح (٢/ ٦٧٨): "وهذا كله وهمٌ، وممن نص على أنَّ جعْلَ الحديث من مسند زيد بن خالد عن النبي ﷺ وهمٌ من ابن عيينة وخطأ: ابن معين في رواية ابن أبي خيثمة، وأشار إليه الإمام أحمد في رواية حنبل.
وقد اضطرب ابن عيينة في لفظه وإسناده، ولم يحفظه جيدًا، وقد روي عنه كقول مالك وسفيان على الصواب، خرجه ابن خزيمة عن على بن خشرم عنه.
ومن تكلف الجمع بين القولين من المتأخرين، فقوله ليس بشيء، ولم يأت بأمر يُقبل منه".
وقال المزي في التحفة (٣/ ١٨٤/ ٣٧٤٩ - ط الغرب): "والمحفوظ: حديث سالم أبي النضر (ع)، عن بسر بن سعيد: أن زيد بن خالد أرسله إلى أبي جهيم يسأله: ماذا سمع من النبي ﷺ في المارِّ بين يدي المصلي، ومن جعل الحديث من مسند زيد بن خالد فقد وهم، والله أعلم".
وقال في موضع آخر (٨/ ٣٩٨/ ١١٨٨٤): "روي عن بسر بن سعيد (ق)، قال: أرسلوني إلى زيد بن خالد أسأله عن المرور بين يدي المصلي، وهو غلط".
وقال ابن حجر في الفتح (١/ ٥٨٤): "هكذا روي مالك هذا الحديث في الموطأ، لم يختلف عليه فيه؛ أن المرسِل هو زيد، وأن المرسَل إليه هو أبو جهيم، وتابعه سفيان الثوري عن أبي النضر، عند مسلم وابن ماجه وغيرهما، وخالفهما ابن عيينة عن أبي النضر، فقال: عن بسر بن سعيد قال: أرسلني أبو جهيم إلى زيد بن خالد أسأله، فذكر هذا الحديث"، ثم ذكر كلام ابن معين وابن عبد البر في تخطئة ابن عيينة، ثم ذكر كلام ابن القطان الفاسي فيما خالف فيه جماعة الأئمة الحفاظ بتصحيح القولين، ثم رد عليه قوله.
وقال في الإتحاف (٥/ ١٢/ ٤٨٧٥): "كذا قال، ورواه مالك عن أبي النضر، فجعله من مسند أبي جهيم، وأن زيد بن خالد هو الذي أرسل بسر بن سعيد، وهو المحفوظ".
ب- خالف جماعة الثقات من أصحاب ابن عيينة:
علي بن خشرم: ثنا ابن عيينة، عن سالم بن النضر [كذا في المطبوع، وفي الإتحاف
стр. 3399
(١٤/ ٦٨/ ١٧٤٣٧): عن سالم أبي النضر]، عن بسر بن سعيد، قال: أرسلني زيد بن خالد إلى أبي جهيم، أسأله عن المار بين يدي المصلي، ماذا عليه؟ قال: "لو كان أن يقوم أربعين خيرًا له من أن يمر بين يديه".
اْخرجه ابن خزيمة (٢/ ٨١٣/١٤).
هكذا موقوفًا، وظاهر سياقه في الإتحاف أنه مرفوع.
قلت: والأقرب عندي أن هذه الرواية وهم، والمحفوظ: رواية الجماعة من أصحاب ابن عيينة، وفيهم الأئمة الحفاظ، مثل: الحميدي راويته، وأحمد بن حنبل، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأبي خيثمة زهير بن حرب، وعلي بن خشرم من أصحاب عيسى بن يونس المكثرين عنه، لا من أصحاب ابن عيينة المشهورين المكثرين، وهو يستصغر فيه إذا قورن بهؤلاء الجهابذة من قدامى أصحاب ابن عيينة، فهم أكبر منه سنًّا، وأجل قدرًا، وأقدم صحبة لابن عيينة، ولعل ابن عيينة حدثه به هكذا في آخر عمره، فإنه كان تغير حفظه بأخرة، أو روجع فيه سفيان فرجع، والله أعلم.
وانظر: بيان الوهم (٢/ ١٠٧/ ٧٦)، بغية النقاد النقلة (١/ ٢٩٧/ ١٤٥)، الدراية (١/ ١٧٩)، الفتح لابن حجر (١/ ٥٨٥).
• ورواه الضحاك بن عثمان، عن أبي النضر، عن بسر بن سعيد، عن زيد بن خالد الجهني، قال: قال رسول الله ﷺ : "لو يعلم المار بين يدي المصلِّي والمصلَّي ما عليهما؛ لكان يقف أربعين خير له من أن يمر بين يديه"، قال أبو النضر: فلا أدري قال: أربعين يومًا، أو شهرًا، أو سنة.
أخرجه أبو العباس السراج في مسنده (٣٩١)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (٣٧٧).
قال ابن رجب في الفتح (٢/ ٦٧٨): "وهذا يوافق رواية ابن عيينة، وهو أيضًا وهم، وزيادته: "والمصلَّى": غير محفوظة أيضًا".
قلت: الضحاك بن عثمان بن عبد الله الأسدي الحزامي: صدوق، يهم كثيرًا، ليَّنه بعضهم، وقال ابن عبد البر: "كان كثير الخطأ، ليس بحجة" [التهذيب (٢/ ٢٢٣)، الميزان (٢/ ٣٢٤)، إكمال مغلطاي (٧/ ٢٠)، علل ابن أبي حاتم (٣٦١)]، فلعله اختصر القصة، فوهم حيث جعله من مسند زيد بن خالد، بدل أبي الجهيم، كما أنه زاد في المتن هذه الزيادة التي لم يتابع عليها، ورواية جبلي الحفظ: مالك والثوري هي المحفوظة، والله أعلم.
• وروي أيضًا عن سعيد بن أبي أيوب [ثقة فقيه]، عن أبي النضر سالم، عن بسر بن سعيد، عن أبي جهيم بن الحارث بن الصِّمَّة الأنصاري، عن رسول الله ﷺ قال: "لأن يمكث المارُّ بين يدي المصلي أربعين خير له من أن يمر بين يديه".
أخرجه الطبراني في الأوسط (١/ ٨٩/ ٢٦٥)، قال: حدثنا أحمد بن رشدين، قال: حدثنا روح بن صلاح، قال: حدثنا سعيد به.
стр. 3400
قلت: لا يصح إسناده إلى سعيد، ولا يثبت عنه؛ روح بن صلاح ابن سيابة الحارثي المصري: ضعيف؛ ضعفه ابن عدي والدارقطني وابن ماكولا، وقال ابن منده: "صاحب مناكير"، وقال ابن الجوزي: "هو في عداد المجهولين"، وقال الذهبي: "له مناكير"، وذكره ابن حبان في الثقات، ووثقه الحاكم [اللسان (٣/ ٤٨٠)، الكامل (٣/ ١٤٦)، فتح الباب (٢١٣٩)، العلل المتناهية (١/ ٢٧٠/ ٤٣٣)، المغني (١/ ٢٣٣)، تاريخ الإسلام (١٧/ ١٦٠)]، وشيخ الطبراني: أحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدين بن سعد: ضعيف، واتهم [انظر: اللسان (١/ ٥٩٤)].
• ومما روي في الوعيد على المرور بين يدي المصلي:
١ - عن عبد الله بن عمرو، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الذي يمر بين يدي أخيه وهو يصلي متعمدًا، يتمنى يوم القيامة لو أنه شجرة يابسة".
أخرجه ابن عبد الحكم في فتوح مصر (٣٣)، والدولابي في الكنى (١/ ٨٦/ ١٨٥)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٢٦٢/ ١٩٢٨)، وفي الكبير (١٤/ ١٠٦/ ١٤٧٢٤).
قال ابن رجب في الفتح (٢/ ٦٨٠): "إسناده ليس بقوي".
وقال الهيثمي في المجمع (٢/ ٦١): "رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه من لم أجد من ترجمه".
قلت: هو حديث ضعيف؛ في سنده اختلاف، وبعض رجال إسناده مجاهيل، وفيهم من ضُعِّف.
٢ - روى عبد الحميد بن عبد الرحمن -عامل عمر بن عبد العزيز- أنه مرَّ رجل بين يديه وهو يصلي فجبذه حتى كاد يخرق ثيابه، فلما انصرف قال: قال رسول الله ﷺ : "لو يعلم المار بين يدي المصلي لأحب أن ينكسر فخذه، ولا يمر بين يديه".
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٥٣/ ٢٩١١).
وهذا مرسل أو معضل بإسناد ضعيف جدًّا؛ فيه: عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، وقد ضعفوه، وهو: منكر الحديث، وكان أبو أسامة يروي عن عبد الرحمن بن يزيد بن تميم الشامي، ويسميه: ابن جابر، كما وقع هنا عند ابن أبي شيبة [وانظر: تخريج الذكر والدعاء (٢/ ٧٣٣/ ٣٣٥)، [الحديث المتقدم برقم (٥٦١)].
• قال الترمذي: "والعمل عليه عند أهل العلم: كرهوا المرور بين يدي المصلي، ولم يروا أن ذلك يقطع صلاة الرجل".
وقال ابن عبد البر في التمهيد (٢١/ ١٤٨): "لا خلاف بين العلماء في كراهية المرور بين يدي المصلي لكل أحد، ويكرهون للمصلي أيضًا: أن يدع أحدًا يمر بين يديه، وعليه عندهم أن يدفعه جهده؛ ما لم يخرج إلى حدٍ من العمل يُفسِد به على نفسه صلاته، … ، والإثم على المارِّ بين يدي المصلي فوق الإثم على الذي يدعه يمر بين يديه، وكلاهما عاصٍ؛ إذا كان بالنهي عالمًا، والمارُّ أشد إثمًا إذا تعمد ذلك، وهذا ما لا أعلم فيه خلافًا، … ".
стр. 3401
وقال ابن رجب في الفتح (٢/ ٦٨٢): "وقد حمل إطلاق هؤلاء للكراهة على التحريم؛ فإن متقدمي العلماء كانوا يستعملون ذلك كثيرًا.
وقد حكى ابن حزم في كتاب الإجماع الاتفاق على أن المار بين المصلي وسترته آثم.
وفي الحديث: دليل على تحريم المرور بين يدي المصلي، سواء كان يصلي إلى سترة، أو لم يكن، … "، إلى أن قال: "فأما من وقف في مجاز الناس الذي ليس لهم طريق غيره وصلى، فلا إثم في المرور بين يديه، صرح به أصحابنا وغيرهم؛ لأنه مفرط بذلك، فلا حرمة له".
ولخص ابن الحاجب أحوال المصلي والمار في الإثم بقوله: "ويأثم المصلي إن تعرَّض، والمارُّ وله مندوحة" [الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٣/ ٣٠٣)].
***
١١٠ - باب ما يقطع الصلاة
٧٠٢ - قال أبو داود: حدثنا حفص بن عمر: حدثنا شعبة، ح.
وحدثنا عبد السلام بن مطهَّر، وابن كثير، المعني، أن سليمان بن المغيرة أخبرهم، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر: قال حفص: قال: قال رسول الله ﷺ : "يقطعُ صلاةَ الرجل".
وقالا عن سليمان، قال: قال أبو ذر: "يقطع صلاة الرجل إذا لم يكن بين يديه قِيْدُ آخِرةِ الرحل: الحمارُ، والكلبُ الأسود، والمرأةُ".
فقلت: ما بالُ الأسودِ من الأحمر من الأصفر من الأبيض؟! فقال: يا ابن أخي! سألتُ رسول الله ﷺ كما سألتني، فقال: "الكلب الأسود شيطان".
• حديث صحيح.
• أخرجه من طريق سليمان بن المغيرة:
مسلم (٥١٠)، وأبو عوانة (١/ ٣٨٦/ ١٤٠٠)، وأبو نعيم في المستخرج (٢/ ١١٧/ ١١٢٧)، وابن ماجه (٣٢١٠)، وابن حبان (٦/ ١٤٥/ ٢٣٨٤)، وأحمد (٥/ ١٥٥ و ١٥٨)، وأبو العباس السراج في مسنده (٣٩٥ و ٣٩٦)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (٣٨٢ و ٣٨٣)، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (١١٦٤ و ٣٠٨٥)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٠٠/ ٢٤٦٢)، والبيهقي في السنن (٢/ ٢٧٤).
هكذا رواه عن سليمان بن المغيرة: شيبان بن فروخ، وعبد السلام بن مطهر، ومحمد بن كثير العبدي، ووكيع بن الجراح، وبهز بن أسد، وعفان بن مسلم، وعلي بن الجعد، ويزيد بن هارون، وعبد الله بن حمران.
стр. 3402
ولفظه بتمامه من طريق بهز: حدثنا سليمان بن المغيرة: حدثنا حميد، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، قال: "يقطع صلاة الرجل إذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل: المرأة، والحمار، والكلب الأسود"، قال: قلت لأبي ذر: ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر؟ قال: يا ابن أخي! سألت رسول الله ﷺ كما سألتني، فقال: "الكلب الأسود شيطان".
• وتابع سليمانَ بن المغيرة على روايته هذه، بوقف أوله:
عاصم بن سليمان الأحول [ثقة]، وقرة بن خالد [ثقة]، وسهل بن أسلم العدوي [صدوق]، وقتادة [ثقة ثبت] [من رواية ابن أبي عروبة عنه] [ومن رواية هشام الدستوائي عنه، وتفرد به عن الدستوائي: أزهر بن القاسم، وهو: صدوق]، وسلم بن أبي الذيال [ثقة] [رُوي عنه موقوفًا ومرفوعًا]، ومطر بن طهمان الوراق [صدوق، كثير الخطأ]، وعبد الله بن بكر المزني [صدوق، لكن الإسناد إليه لا يصح]:
فرووه عن حميد بن هلال به نحو رواية سليمان بوقف أوله، ورفع آخره.
وزاد فيه مطرٌ وصفَ الكلب الأسود بالبهيم، وهي زيادة شاذة، بل منكرة في هذا الحديث، لتتابع الثقات الحفاظ على رواية الحديث بدونها.
أخرجه مسلم (٥١٠)، وأبو عوانة (١/ ٣٨٦/ ١٤٠٢)، وابن خزيمة (٢/ ٢١/ ٨٣٠)، وابن حبان (٦/ ١٤٤ و ١٤٩/ ٢٣٨٣ و ٢٣٨٨)، والبزار (٩/ ٣٦٢ و ٣٦٣/ ٣٩٣٢ و ٣٩٣٣)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٦٠٣ و ٦٠٤ - الجزء المفقود)، وأبو العباس السراج في مسنده (٣٩٧ و ٤١٦ - ٤١٨ و ٤٣١)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (٣٨٤ و ٨٩٧ - ٨٩٩)، وابن الأعرابي في المعجم (٣/ ٨٨١/ ١٨٣٧)، والطبراني في الأوسط (٣/ ١٢٥/ ٢٦٨٥)، وفي الصغير (٢/ ٢٧٧/ ١١٦١)، وفي جزء من حديثه لأهل البصرة (٢ - انتقاء ابن مردويه)، وابن عدي في الكامل (١/ ٤٠١ - ٤٠٢) و (٦/ ٣٥٧)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين (٣/ ٤٢٢)، وابن المقرئ في المعجم (١٣٤٦)، والدارقطني في الأفراد (٢/ ٢٠٤/ ٤٦٩٩ - أطرافه)، وأبو طاهر المخلص في الثالث من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (٢٣٧) (٦٠٣ - المخلصيات)، وفي السادس (١٩٠) (١٢٠٩ - المخلصيات)، وفي العاشر (٣٢٥ و ٣٢٦) (٢٤٨٠ و ٢٤٨١ - المخلصيات)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ١٣٢)، وفي تاريخ أصبهان (١/ ٣١٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٩/ ١٤٥).
قلت: رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، رواها عنه: عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، وهو ممن روى عن ابن أبي عروبة قبل وبعد اختلاطه، فلم يميز بينهما، ورواه عبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي، وهو من أروى الناس عن ابن أبي عروبة، فقال في روايته: عن قتادة أو مطر الوراق، هكذا بالشك، ورواه أيضًا: مغيرة بن موسى أبو عثمان البصري، وهو: منكر الحديث، وقد حدث بأصناف ابن أبي عروبة [التاريخ الكبير (٧/ ٣١٩)، التاريخ الأوسط (٢/ ٢٤٩)، ضعفاء البخاري (٣٤٩)، الجرح والتعديل (٨/ ٢٣٠)،
стр. 3403
المجروحين (٣/ ٧)، الثقات (٩/ ١٦٩)، الكامل (٦/ ٣٥٧)، اللسان (٨/ ١٣٦)].
قال الدارقطني: "غريب من حديث عبد الله بن شوذب عن مطر الوراق عن حميد عنه، هكذا حدث به الوليد بن مزيد عن ابن شوذب، وتابعه ضمرة".
قلت: اختلف فيه على ضمرة، فروي عنه بالوقف وبالرفع، وتابعهما أيضًا: محمد بن كثير المصيصي [وهو: صدوق، كثير الغلط]، فرواه عن ابن شوذب به، لكن برفع شقيه، في رواية عنه، ورواه عن مطر أيضًا: إبراهيم بن طهمان [ثقة]، وسويد بن سعيد [ضعيف، وقرن مطرًا بقتادة].
هكذا أوقف سليمان بن المغيرة ومن تابعه أول هذا الحديث على أبي ذر، وهو تقصير، فإن آخرَه يدلُّ على رفع أوله، وهكذا رفعه بشقيه -وهو الصواب- أكثر من رواه عن حميد بن هلال من الثقات الحفاظ، كما سيأتي، والذي يظهر لي -والله أعلم- أن بعض الأئمة أجروا هذا مجرى المرفوع لدلالة شقه الثاني عليه، فلم يعدوه اختلافًا على حميد بن هلال، ولذا فلم ينبه على ذلك مسلم، بل ولا أكثر من رواه، ممن قرن سليمان بن المغيرة بغيره ممن روي الحديث مرفوعًا بشقيه.
وقد ذكر ابن حبان في صحيحه (٦/ ١٤٥) بأن رواية سليمان توهم أن أول هذا الخبر غير مرفوع، ثم استدل برواية شعبة على رفعه.
وقال البيهقي: "أخرجه مسلم بن الحجاج في الصحيح من حديث: شعبة، ويونس بن عبيد، وسليمان بن المغيرة، وجرير بن حازم، وسلم بن أبي الذيال، وعاصم الأحول، عن حميد بن هلال، فساق حديث يونس، ثم أحال عليه حديث الباقين، وهذا منه رحمنا الله وإياه تجوز، … "، ثم ذكر رواية سليمان، ثم قال: "رواه مسلم في الصحيح عن شيبان بن فروخ؛ إلا أنه لم يسقه، وهكذا قاله عاصم الأحول عن حميد، جعل أول الحديث من قول أبي ذر، ثم جعله مرفوعًا بالسؤال في آخره، وأعرض محمد بن إسماعيل البخاري عن الاحتجاح برواية عبد الله بن الصامت، واحتج بها غيره من الحفاظ، وقد أشار الشافعي ﵀ إلى تضعيف الحديث في هذا الباب، وخلافه ما هو أثبت منه، فإما أن يكون غير محفوظ، أو يكون المراد به أن يلهو ببعض ما يمر بين يديه فيقطعه عن الاشتغال بها؛ إلا أنه لا يفسد الصلاة، وهذا الذي حمل الحديث عليه أولى به، فنحن نحتج بمثل إسناد هذا الحديث، وله شواهد بعضها صحيح الإسناد مثله"، ثم أتبعه بحديث أبي هريرة الآتي في الشواهد، وكذلك حديث ابن عباس وغيره.
• وأخرجه من طريق شعبة:
مسلم (٥١٠)، وأبو عوانة (١/ ٣٨٦/ ١٤٠٠ و ١٤٠١)، وأبو نعيم في المستخرج (٢/ ١١٧/ ١١٢٦)، والنسائي في الإغراب (٦٧ - الرابع)، وابن ماجه (٩٥٢)، والدارمي (١/ ٣٨٥/ ١٤١٤)، وابن خزيمة (٢/ ٢١/ ٨٣٠)، وابن حبان (٦/ ١٤٦/ ٢٣٨٥)، وأحمد (٥/ ١٤٩ و ١٦١)، والطيالسي (١/ ٣٦٢/ ٤٥٤)، والبزار (٩/ ٣٦٦/ ٣٩٤٣)، وابن جرير الطبري
стр. 3404
في تهذيب الآثار (٦٠٢ - الجزء المفقود)، وأبو العباس السراج في مسنده (٣٩٨)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (٣٨٥)، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (١١٦٤ و ٣٠٨٥)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٠٠/ ٢٤٦٢)، والبيهقي في السنن (٢/ ٢٧٤)، وفي المعرفة (٢/ ١٢٣/ ١٠٦٠)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٢/ ٤٦٢/ ٥٥١)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٤٢٥/ ٥٧٦).
هكذا رواه عن شعبة: محمد بن جعفر غندر، وعبد الرحمن بن مهدي، وعفان بن مسلم، وأبو الوليد الطيالسي، وحفص بن عمر، وأبو داود الطيالسي، وحجاج بن محمد، والنضر بن شميل، وعلي بن الجعد، ومحمد بن كثير العبدي، وشبابة بن سوار، ووهب بن جرير.
ولفظ غندر، قال: حدثنا شعبة، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ قال: "يقطع الصلاة إذا لم يكن بين يدي الرجل مثل مؤخرة الرحل: المرأة، والحمار، والكلب الأسود" قال: قلت: ما بال الأسود من الأحمر؟ فقال: سألت رسول الله ﷺ كما سألتني، فقال: "الكلب الأسود شيطان".
• تابع شعبة على رفعه بشقيه:
يونس بن عبيد [ثقة ثبت]، ومنصور بن زاذان [ثقة ثبت]، وأيوب السختياني [ثقة ثبت حجة]، وقتادة [ثقة ثبت] [من رواية هشام الدستوائي، وسعيد بن بشير، وسويد بن إبراهيم الجحدري أبي حاتم الحناط: عنه]، وجرير بن حازم [ثقة]، وخالد بن مهران الحذاء [ثقة]، وعاصم الأحول [ثقة]، وحبيب بن الشهيد [ثقة ثبت]، وهشام بن حسان [ثقة]، وأشعث بن عبد الملك [ثقة]، وعمر بن عامر السلمي [صدوق]، وسهل بن أسلم العدوي [صدوق]، وسلم بن أبي الذيال [ثقة]، والحسن بن ذكوان [صدوق]، وقيس بن سعد المكي [ثقة] [تفرد به ابن جريج عن قيس، قاله الدارقطني والطبراني]، وغيرهم:
رووه عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قام أحدكم يصلي، فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل؛ فإنه يقطع صلاته: الحمار، والمرأة، والكلب الأسود"، قلت: يا أبا ذر! ما بال الكلب الأسود، من الكلب الأحمر، من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي! سألت رسول الله ﷺ كما سألتني، فقال: "الكلب الأسود شيطان". وهذا لفظ يونس، وبنحوه رواية الجماعة.
وتفرد هشام بن حسان بهذا اللفظ: "تعاد الصلاة من: ممر الحمار، والمرأة، والكلب الأسود" [عند ابن خزيمة وابن حبان].
أخرجه مسلم (٥١٠)، وأبو عوانة (١/ ٣٨٥/ ١٣٩٨ و ١٣٩٩)، وأبو نعيم في المستخرج (٢/ ١١٦ - ١١٨/ ١١٢٥ و ١١٢٨ - ١١٣٠)، والترمذي (٣٣٨)، وقال: "حسن صحيح"، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٢/ ٢٣٨/ ٣١٦)،
стр. 3405
والنسائي في المجتبى (٢/ ٦٣/ ٧٥٠)، وفي الكبرى (١/ ٤٠٧ / ٨٢٨)، وابن خزيمة (٢/ ١١ و ٢١/ ٨٠٦ و ٨٣٠ و ٨٣١)، وابن حبان (٦/ ١٤٩ و ١٥٠ و ١٥١/ ٢٣٨٨ و ٢٣٨٩ و ٢٣٩١ و ٢٣٩٢)، وأحمد (٥/ ١٥١ و ١٦٠)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٥١/ ٢٨٩٦)، والبزار (٩/ ٣٦٢ - ٣٦٥ و ٣٦٧/ ٣٩٣٠ و ٣٩٣٤ - ٣٩٤٢ و ٣٩٤٤ و ٣٩٤٥)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٥٩٦ - ٦٠١ - الجزء المفقود)، وأبو العباس السراج في مسنده (٣٩٩ و ٤٢٩)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (٣٨٦)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٨٨/ ٢٤٣٢) (٥/ ٧٣/ ٢٤٢٢ - ط دار الفلاح)، والطحاوي (١/ ٤٥٨)، وأبو محمد الفاكهي في فوائده عن ابن أبي مسرة (٦٨)، والطبراني في الكبير (٢/ ١٥١ و ١٥٢/ ١٦٣٥ و ١٦٣٦)، وفي الأوسط (٣/ ٣٣٦/ ٣٣٢٥)، وفي الصغير (١/ ١٣١ و ٣٠٤/ ١٩٥ و ٥٠٥)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٣٧٣)، وابن المقرئ في المعجم (١٩٦)، والدارقطني في الأفراد (٢/ ٢٠٥/ ٤٦٩٩ - أطرافه)، وأبو طاهر المخلص في العاشر من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (٣٢٧ و ٣٢٨) (٢٤٨٢ و ٢٤٨٣ - المخلصيات)، والخطيب في الموضح (١/ ٥٥٠)، والحازمي في الاعتبار (١/ ٣١٩/ ٨١)، وقال: "هذا حديث صحيح، تفرد مسلم بإخراجه في الصحيح"، والمزي في التهذيب (١١/ ٢٢١ - ٢٢٢).
• فهذا الحديث قد رواه بهذا اللفظ من الثقات: شعبة، ويونس بن عبيد، ومنصور بن زاذان، وأيوب السختياني، وقتادة، وجرير بن حازم، وخالد الحذاء، وحبيب بن الشهيد، وسليمان بن المغيرة، وعاصم الأحول، وقرة بن خالد، وسهل بن أسلم العدوي، وسلم بن أبي الذيال، وأشعث بن عبد الملك، وعمر بن عامر السلمي، وقيس بن سعد المكي، والحسن بن ذكوان، وهم سبعة عشر رجلًا، وتابعهم غيرهم.
وانفرد عنهم هشام بن حسان فأتى دونهم بهذا اللفظ: "تعاد الصلاة من: ممر الحمار، والمرأة، والكلب الأسود"، فإنه رواه بالمعنى الذي ظهر له، والله أعلم، وهو لفظ شاذ لمخالفته فيه عامة من روي الحديث من الثقات عن حميد بن هلال، والله أعلم.
• خالف جماعة الثقات أيضًا: أبو حمزة السكري، محمد بن ميمون المروزي [ثقة]، فرواه عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، قال سألت أبا ذر: ما يقطع الصلاة؟ قال: لا يقطع الصلاة شيء غير الكلب الأسود، فقلت: ما بال الكلب الأسود، من الأحمر، من الأبيض؟ قال: سألت النبي ﷺ عما سألتني، فقال: "الكلب الأسود شيطان".
أخرجه أبو العباس السراج في حديثه بانتقاء الشحامي (٩١٩) بإسناد مروزي صحيح إلى أبي حمزة، وعلي بن الحسن بن شقيق ممن كتب عنه وهو بصير [شرح العلل لابن رجب (٢/ ٧٥٤)].
وهذه أيضًا رواية شاذة، والله أعلم.
وانظر أيضًا في الأوهام والمناكير: المعجم الأوسط للطبراني (٨/ ١٦٩/ ٨٢٩٩).
стр. 3406
• ولحديث أبي ذر أسانيد أخرى، وقفت منها على ما رواه:
أ- عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن علي بن زيد بن جدعان، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، قال: "يقطع الصلاة الكلب الأسود"، أحسبه قال: "والمرأة الحائض"، قال: قلت لأبي ذر: ما بال الكلب الأسود؟ قال: أما إني قد سألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: "إنه شيطان".
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٢٦/ ٢٣٤٨)، ومن طريقه: أحمد (٥/ ١٦٤)، والطبراني في الكبير (٢/ ١٥١/ ١٦٣٢).
وهذا حديث ضعيف؛ علي بن زيد بن جدعان: ضعيف، وقد خالف فيه حميد بن هلال، فأوقف شطره الأول، وأسقط ذكر الحمار، وقيد المرأة بالحائض.
ب- الجراح بن مخلد [ثقة]، قال: نا عبيد الله بن عبد المجيد [صدوق]، قال: نا عبيد الله بن أبي حميد، عن سعيد بن أبي الحسن، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر رفعه، قال: "يقطع الصلاة: الكلب الأسود، والحمار، والمرأة".
أخرجه البزار (٩/ ٣٥٩/ ٣٩٢٧).
قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلم رواه عن سعيد بن أبي الحسن إلا عبيد الله بن أبي حميد".
وخالفه في إسناده: محمد بن إبراهيم بن كثير [هو الصوري أبو الحسن: ضعيف، واتُّهم. اللسان (٦/ ٤٧٦)، الثقات (٩/ ١٤٤)، الأباطيل والمناكير (١/ ٤٨٤/ ٢٩٧)]: ثنا مؤمَّل بن إسماعيل [صدوق، كثير الغلط، كان سيئ الحفظ]: ثنا عبيد الله بن أبي حميد، عن أبي المليح، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : … فذكره.
أخرجه أبو القاسم الحامض في المنتقى من الجزء الأول من حديثه (٤٥)، والدارقطني في الأفراد (٢/ ٢٠٥/ ٤٦٩٩ - أطرافه).
قال الدارقطني: "تفرد به عبيد الله بن أبي حميد عن أبي المليح عنه، ولم يروه عنه غير مؤمل بن إسماعيل".
قلت: وهذا إسناد واهٍ، ولا يصح لا عن سعيد بن أبي الحسن، ولا عن أبي المليح بن أسامة الهذلي، إذ مداره على عبيد الله بن أبي حميد الهذلي، وهو: متروك، منكر الحديث.
• وحديث أبي ذر هذا: صححه أحمد، ومسلم، والترمذي، وأبو عوانة، وابن خزيمة، وابن حبان، وابن جرير الطبري، وابن المنذر، والبيهقي، وابن عبد البر، والحازمي، وقدمه أبو حاتم على حديث أبي سعيد في عدم القطع [انظر مع المصادر المتقدمة: الجزء المفقود من تهذيب الآثار (ص ٣٢١)].
قال الإمام أحمد [في رواية المروذي]: "إليه أذهب، وهو صحيح الإسناد" [الفتح لابن رجب (٢/ ٧٠٠)].
стр. 3407
وقال [في رواية علي بن سعيد]: "هو حديث ثبت، يرويه شعبة وسليمان بن المغيرة"، ثم قال: "ما في نفسي من هذا الحديث شيء" [الفتح لابن رجب (٢/ ٧٠٠)].
وقال في مسائل ابن هانئ (٣٣٠): "ما في قلبي منه شيء".
وقال أبو حاتم: "حديث أبي ذر عن النبي ﷺ : "يقطع الصلاة الكلب الأسود البهيم": أصح من حديث أبي سعيد: "لا يقطع الصلاة شيء"" [العلل (١/ ٧٦/ ٢٠٤)].
وقال الترمذي: "حديث أبي ذر: حديث حسن صحيح".
وقال ابن المنذر: "وهو خبر صحيح، لا علة له".
وقال ابن عبد البر في التمهيد (٢١/ ١٦٨): "الآثار المرفوعة في هذا الباب كلها صحاح من جهة النقل؛ غير أن حديث أبي ذر وغيره في المرأة والحمار والكلب: منسوخ، ومعارَض، فمما عارضه أو نسخه عند أكثر العلماء: حديث عائشة المذكور في هذا الباب".
وقال الحازمي: "هذا حديث صحيح، تفرد مسلم بإخراجه في الصحيح".
ورده الإمام الشافعي لمعارضته لحديث ابن عباس في مروره بالأتان بين يدي الصف، ولحديث عائشة في صلاة النبي ﷺ إليها وهي معترضة بينه وبين القبلة، وقال: "وهو عندنا غير محفوظ" [اختلاف الحديث (١٠/ ١٢٦ - الأم)، معرفة السنن والآثار (٢/ ١٢٤)]، مع كون هذه الأحاديث المعارضة يمكن الجمع بينها وبين حديث أبي ذر، كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى.
ومع كون البيهقي ممن نصر الشافعي ومذهبه، فلم يذهب إلى ما ذهب إليه الشافعي، بل عارضه بقوله: "هذا الحديث صحيح إسناده، ونحن نحتج بأمثاله في الفقهيات، وإن كان البخاري لا يحتج به، وله شواهد عن أبي هريرة وابن عباس عن النبي ﷺ ، وقد اشتغل بتأويله في رواية حرملة، وهو به أحسن"، ثم أسند إلى حرملة قوله: "سمعت الشافعي يقول في تفسير حديث النبي ﷺ : "يقطع الصلاة: المرأة والكلب والحمار"، قال: يقطع الذِكرَ: الشغلُ بها، والالتفات إليها؛ لا أنه يفسد الصلاة، … ".
• ولحديث أبي ذر شواهد، منها:
١ - حديث أبي هريرة:
يرويه عبد الواحد بن زياد: حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن الأصم: حدثنا يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "يقطع الصلاة: المرأة، والحمار، والكلب، ويقي ذلك: مثلُ مؤْخِرة الرحل".
أخرجه مسلم (٥١١)، وأبو عوانة (١/ ٣٨٦/ ١٤٠٣)، وأبو نعيم في المستخرج (٢/ ١١٨/ ١١٣١)، وإسحاق بن راهويه في مسنده (١/ ٣٢٨/ ٣١٤)، وأبو العباس السراج في مسنده (٣٧١ و ٤٠٢)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (٣٨٩)، وابن حزم في المحلى (٤/ ٩)، والبيهقي (٢/ ٢٧٤)، والمزي في التهذيب (١٥/ ١٦٥).
стр. 3408
• وله طريق أخرى عن أبي هريرة، يرويها قتادة، واختلف عليه:
أ- فرواه هشام الدستوائي، واختلف عليه:
• فروى معاذ بن هشام، وابن أبي عدي:
عن هشام، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "يقطعُ الصلاةَ: المرأةُ، والكلبُ، والحمارُ".
أخرجه ابن ماجه (٩٥٠)، وأحمد (٢/ ٢٩٩)، وإسحاق بن راهويه في مسنده (١/ ٣٠١/ ٢٧٩)، والبزار (١٦/ ٢٧٠/ ٩٤٦١)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٥٧٧ و ٥٧٨ - الجزء المفقود)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٥٧٧/٤٢٥).
قال البزار: "ولا نعلم روى سعد بن هشام عن أبي هريرة إلا هذا الحديث".
• ورواه ابن علية، قال: حدثنا هشام الدستوائي، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن أبي هريرة، قال: "يقطع الصلاة: الكلب، والحمار، والمرأة". قال هشام: ولا أعلمه إلا عن النبي ﷺ . هكذا شك في رفعه، وأسقط سعد بن هشام.
أخرجه أحمد (٢/ ٤٢٥)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٥٨٠ - الجزء المفقود)، وأبو طاهر المخلص في العاشر من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (٣٢٩) (٢٤٨٤ - المخلصيات).
• ورواه يحيى بن سعيد القطان: عن هشام، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ . جزم برفعه، وأسقط سعدًا.
ذكره الدارقطني في العلل (٩/ ١٦٥٧/٩١) [وصححته من التنقيح لابن عبد الهادي (٢/ ٣١٥)].
• ورواه عبد الرحمن بن مهدي، ومسلم بن إبراهيم:
عن هشام، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن أبي هريرة، موقوفًا قوله، بدون ذكر سعد بن هشام.
ذكره الدارقطني في العلل (٩/ ٩١/ ١٦٥٧).
قلت: الذين اختلفوا على هشام الدستوائي كلهم ثقات، والحكم لمن زاد في الإسناد الرفع، وذكر سعد بن هشام، لكني أخاف أن يكون الرفع من قِبَل الدستوائي، فقد جاء عنه: الرفع والوقف والشك، وهذا الشك يدل على أنه كان أولًا يشك في رفعه، ثم غلب على ظنه الرفع فجزم به، وصوابه الوقف، حيث لم يتابعه على رفعه ابن أبي عروبة وهمام.
ب- ورواه معاذ بن معاذ، وابن أبي عدي:
عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن أبي هريرة، بمثله، ولم يرفعه، بدون ذكر سعد بن هشام.
أخرجه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٥٧٩ - الجزء المفقود).
стр. 3409
ج- ورواه عبد الرحمن بن مهدي، عن همام، عن قتادة، عن زرارة، عن سعد، عن أبي هريرة، موقوفًا.
ذكره الدارقطني في العلل (٩/ ٩١/ ١٦٥٧) [وصححته من التنقيح لابن عبد الهادي (٢/ ٣١٥)].
قال الدارقطني: "والصحيح: حديث قتادة، عن زرارة، عن سعد، عن أبي هريرة.
وحديث قتادة، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل".
قال ابن رجب في الفتح (٢/ ٧٠٢): "ولعل وقفه أشبه".
قلت: اتفق ابن أبي عروبة وهمام على الوقف، وعلى القول بأن الحكم لمن زاد في رواية هشام: فقد اتفق هشام وهمام على زيادة سعد بن هشام، ولم يأت الرفع إلا في بعض الروايات عن هشام، وكان يشك في رفعه أحيانًا، وعلى هذا فإذا أخذنا بقول اثنين من أصحاب قتادة، وتركنا قول من انفرد منهم، كان الأشبه بالصواب:
قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن أبي هريرة، قال: يقطعُ الصلاةَ: المرأةُ، والكلبُ، والحمارُ.
وهذا موقوف على أبي هريرة بإسناد صحيح، رجاله رجال الشيخين، والله أعلم.
وله حكم الرفع، فقد صح عن أبي هريرة مرفوعًا من وجه آخر، كما تقدم.
• قلت: ولقتادة في هذا الحديث أسانيد أخرى، عن عبد الله بن مغفل، وابن عباس، يأتي ذكرها في موضعها، وهو حافظ كبير يحتمل منه التعدد في الأسانيد، وقد رواها عنه ثقات أصحابه: هشام وسعيد وشعبة.
• وقد روي عن أبي هريرة خلاف ذلك:
رواه إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ؛ أنه: "لا يقطع الصلاة امرأة، ولا كلب، ولا حمار، وادرأ ما مر أمامك ما استطعت، فإن أبى إلا أن تلاطِمَه فلاطِمْه؛ فإنما تلاطم الشيطان".
وهو حديث منكر، تقدم ذكره تحت الحديث السابق برقم (٦٩٨).
• وأما ما روي عن أبي هريرة في الهر فبخلاف ما صح عنه في الكلب والحمار والمرأة، ولا يصح أيضًا:
فقد روى عيسى بن ميمون: ثنا محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "الهر من متاع البيت؛ لا يقطع الصلاة".
أخرجه ابن عدي في الكامل (٥/ ٢٤١).
قال ابن عدي: "ولعيسى بن ميمون غير ما ذكرت من الحديث، وعامة ما يرويه: لا يتابعه أحد عليه".
قلت: هو حديث منكر؛ عيسى بن ميمون هو: المدني، مولى القاسم، المعروف
стр. 3410
بالواسطي، ويُعرف بابن تليدان: متروك، منكر الحديث [انظر: التهذيب (٣/ ٣٧٠)، الميزان (٣/ ٣٢٥)، المغني (٢/ ١٧٣)، وغيرها].
• ورواه بندار محمد بن بشار [ثقة]: ثنا عبيد الله بن عبد المجيد أبو بكر الحنفي [بصري، صدوق]: ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "الهِرَّة لا تقطع الصلاة؛ لأنها من متاع البيت".
أخرجه ابن ماجه (٣٦٩)، وابن خزيمة (٢/ ٢٠/ ٨٢٨)، والحاكم (١/ ٢٥٤)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٠٠/ ٢٤٦١)، وابن عدي في الكامل (٤/ ٢٧٥)، والدارقطني في الأفراد (٢/ ٣٦٠/ ٥٦٦٤ - أطرافه).
قال الحاكم: "حديث صحيح على شرط مسلم؛ لاستشهاده بعبد الرحمن بن أبي الزناد مقرونًا بغيره من حديث ابن وهب، ولم يخرجاه".
وقال الدارقطني: "غريب من حديثه عنه [يعني: من حديث أبي الزناد عن أبي سلمة]، تفرد به ابنه عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عنه".
وقال مغلطاي في شرح سنن ابن ماجه (١/ ٢١٠): "هذا حديث إسناده جيد، لا بأس به".
وقال ابن خزيمة: "إن صح الخبر مسندًا؛ فإن في القلب من رفعه".
ثم أخرجه (٨٢٩) من طريق عبد الله بن وهب [مصري، ثقة حافظ]، عن ابن أبي الزناد، بهذا الحديث موقوفًا، غير مرفوع.
ثم قال: "ابن وهب أعلم بحديث أهل المدينة من عبيد الله بن عبد المجيد".
قلت: وهو كما قال؛ لكن لم ينفرد به أبو علي الحنفي، فقد تابعه على رفعه:
مهدي بن عيسى الواسطي [صدوق. الجرح والتعديل (٨/ ٣٣٧)، الثقات (٩/ ٢٠١)، بيان الوهم (٣/ ٢٣٠/ ٩٥٩)، اللسان (٨/ ١٨٠)]، قال: نا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقطع الهِرَّة الصلاة؛ وإنما هي من متاع البيت".
أخرجه البزار (١٥/ ٢٢٤ و ٢٢٥/ ٨٦٤٦ و ٨٦٤٧)، والخطيب في التاريخ (٨/ ٣٣٠).
قال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطي (١/ ٣٤٨): "عبد الرحمن يكتب حديثه على ضعفه".
وجوَّد إسناده ابن حجر في ترجمة مهدي من اللسان (٨/ ١٨٠).
وانظر: بيان الوهم (٤/ ١٨٦/ ١٦٦٨).
قلت: عبد الرحمن بن أبي الزناد: حديثه بالمدينة: صحيح، وما حدث ببغداد أفسده البغداديون؛ إلا ما كان من رواية سليمان بن داود الهاشمي؛ فأحاديثه عنه حسان، وليس هذا من الأول ولا الأخير [انظر ما تقدم تحت الحديث رقم (١٤٨)]، فقد رواه عنه من العراقيين بصري وواسطي، وابن وهب أعلم بحديثه منهما.
وعليه: فالقول قول ابن وهب: موقوف على أبي هريرة قوله بإسناد حسن.
стр. 3411
والمرفوع قد استغربه الدارقطني من حديث أبي الزناد، وعده ابن عدي والذهبي من مناكير عبد الرحمن بن أبي الزناد [الميزان (٢/ ٥٧٦)]، والله أعلم.
وانظر أيضًا: مسند البزار (١٥/ ٢٩١/ ٨٧٩٣)، الكامل (٢/ ٣٨٦)، أطراف الغرائب والأفراد (٢/ ٣٠٥/ ٥٣١١)، سنن البيهقي (١/ ٢٤٩)، الحديث المتقدم برقم (٧٦).
٢ - حديث الحكم بن عمرو الغفاري:
روي حوشب، عن الحسن، عن الحكم بن عمرو الغفاري، قال: قال رسول الله ﷺ : "يقطع الصلاة: الكلب، والحمار، والمرأة".
أخرجه الطبراني في الكبير (٣/ ٢١١/ ٣١٦١)، من طريق: محمد بن أبي بكر المُقدَّمي: ثنا عمر بن رُدَيْح: ثنا حوشب به.
لم أقف على سماع الحسن البصري من الحكم بن عمرو، والحسن مشهور بالإرسال الخفي، وقد عنعنه، وحوشب هذا لعله ابن مسلم، وهو: صدوق، وعمر بن رديح: صدوق، يخطئ ويخالف، ضعفه أبو حاتم [اللسان (٦/ ١٠٢)، الاكتفاء في تنقيح كتاب الضعفاء لمغلطاي (٣/ ٤٠٠)، سنن البيهقي (١/ ٢٩٠)].
وهذه الرواية عندي وهم؛ فقد رواه أثبت أصحاب الحسن موقوفًا:
رواه يونس بن عبيد [ثقة ثبت، أثبت أصحاب الحسن]، ويزيد بن إبراهيم التستري [ثقة ثبت، من أثبت أصحاب الحسن]، ومعمر بن راشد عمن سمع الحسن:
عن الحسن، قال: صلى الحكم الغفاري بأصحابه، وقد ركز بين يديه رمحًا فمر بين أيديهم كلب أو حمار، فانصرف إلى أصحابه، فقال: أما إنه لم يقطع صلاتي، ولكنه قطع صلاتكم، فأعاد بهم الصلاة. لفظ معمر.
وأما لفظ يونس فمطول، والشاهد منه: قول الحسن: وقد صلى الحكم بن عمرو الغفاري بأصحابه، فمر بين أيديهم حمار، فلما قضى صلاته أعاد بمن لم يكن بين يديه شيء يستره.
ولفظ التستري: عن الحكم بن عمرو الغفاري؛ أنه صلى بأصحابه صلاة الصبح، قال: فمر حماران بين أيديهم، يطرد أحدهما الآخر، فلما انصرف أعاد بهم الصلاة، فقال ناس: فعلت كما فعل فلان، قال: فخطب فقال: يا أيها الناس إني والله! ما فعلت كما فعل فلان، ولكني لما صليت الصبح مر حماران بين أيدينا، يطرد أحدهما الآخر، وإني إنما أعدت بالصف الأول.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ١٨/ ٢٣١٨)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٥٦٤ و ٥٧٣ - الجزء المفقود).
وهذا هو الأشبه بالصواب، موقوف على الحكم.
• وروى ابن المبارك، قال: حدثني سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، قال: صلى الحكم الغفاري بالناس في سفرٍ، وبين يديه عنزة، فمرت
стр. 3412
حمير بين يدي أصحابه، فأعاد بهم الصلاة، فقالوا: أراد أن يصنع كما يصنع الوليد بن عقبة، إذ صلى بأصحابه الغداة أربعًا، ثم قال: أزيدكم، قال: فلحقتُ الحكم، فذكرت ذلك له، فوقف حتى تلاحق القوم، فقال: إني أعدت بكم الصلاة من أجل الحمُر التي مرت بين أيديكم؛ فضربتموني مثلًا لابن أبي معيط، وإني أسأل الله أن يحسن تسييركم، وأن يحسن بلاغكم، وأن ينصركم على عدوكم، وأن يفرق بيني وبينكم، قال: فمضوا فلم يروا في وجوههم ذلك إلا ما يُسَرُّون به، فلما فرغوا مات.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ١٨/ ٢٣٢٠)، ومن طريقه: الطبراني في الكبير (٣/ ٢٠٩/ ٣١٥١).
• تنبيه: وقع في المصنف: "عن ابن المبارك"، وكذا وقع في المحلى (٤/ ١١): "عبد الله بن المبارك"، لكن في المطبوع من المعجم الكبير [وهو من طريق عبد الرزاق]: "عن ابن التيمي"، ويبدو لي أنه من تصرف الناشر أو الناسخ، ففي جامع المسانيد والسنن لابن كثير (٣/ ٥٥٥/ ٢٢٤٧ - ط قلعجي) (٢/ ٢١٠/ ٢٥٨٤ - ط الدهيش) من طريق الطبراني: "عن التميمي"، وهو عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي التميمي مولاهم، وليس عن ابن التيمي، كما في مطبوع المعجم، فتبين بذلك خطأ ما في المطبوع، والله أعلم.
وهذا موقوف على الحكم بن عمرو الغفاري بإسناد صحيح.
وأما ما رواه مبارك بن فضالة، قال: حدثنا حميد بن هلال العدوي، قال: أخبرني عبد الله بن الصامت، قال: كنا مع الحكم بن عمرو الغفاري، فذكر القصة بنحو رواية ابن المبارك، إلى أن قال: رُدُّوا عليَّ أوائل الناس، قال: فردوهم عليه، فقال: إنا كنا نؤمر إذا كان أحدنا يصلي، وليس بين يديه ما يستره، فمر بين يديه الكلب، أو الحمار، أو المرأة: أن نعيد الصلاة؛ فمر بين أيديكم: حماران يطرد أحدهما الآخر، وقد كان بين يدي ما يسترني -يعني: العنزة- ولكني إنما أعدت الصلاة بمن لم يكن بين يديه ما يستره، لتكمل صلاتكم، فشبهتموني بابن أبي معيط، فإنه صلى الصبح أربع ركعات، أحسن الله صحبتكم، وأحسن عافيتكم، ونصركم على عدوكم، وعجل الفراق بيني وبينكم، قال: فأصابوا ظفرًا، كما دعا لهم، ثم هلك عند ذلك.
أخرجه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٥٦٥ - الجزء المفقود)، وأبو العباس السراج في مسنده (٤٠١)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (٣٨٨).
قلت: فلا يُقبل هذا من مبارك بن فضالة، وسليمان بن المغيرة أثبت منه بكثير، فهو ثقة ثبت، وأما المبارك فإن كثير الخطأ والتدليس، وكان يرفع حديثًا كثيرًا، وقد رفع هذا الحديث، وقد وقفه من هو أثبت منه، فالقول قول سليمان موقوفًا، والله أعلم.
• ورواه معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن قتادة، عن أبي طالب الضبعي: أن الحكم الغفاري- وكانت له صحبة مع النبي ﷺ - صلى بأصحابه، فمر حمار بينه وبين
стр. 3413
الصف فأعاد الصلاة، فقالوا: أميرنا صلى الصبح أربع ركعات فقال: اللَّهُمَّ أرحني منهم، وأرحهم مني؛ فما جمَّع الجمعة الثانية حتى مات.
أخرجه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٥٦٦ - الجزء المفقود).
وهذا موقوف، بإسناد رجاله ثقات، ولا أعرف لأبي طالب الضبعي سماعًا من الحكم، وصورته مرسل، وهذه الواقعة كانت متأخرة، قبل وفاة الحكم مباشرة، وقد توفي الحكم سنة خمسين، وقيل: سنة خمس وأربعين، فإدراك أبي طالب لها ممكن، وأبو طالب الضبعي الحجام: ثقة، روى عن ابن عباس وأبي أمامة [تاريخ ابن معين (٤/ ٣١١/ ٤٥٤٣)، العلل ومعرفة الرجال (٣/ ٣٨٩/ ٥٧٠٩)، كني البخاري (٤٥)، التاريخ الكبير (٣/ ٢٤٨)، مسند البزار (١١/ ٤٥٦/ ٥٣٢٤)، الجرح والتعديل (٩/ ٣٩٧)، الثقات (٤/ ٢١٩) و (٥/ ٥٧٤)، فتح الباب (٤٠٨٧)].
والحاصل: أن حديث الحكم بن عمرو الغفاري موقوف، ومن رفعه فقد وهم، والله أعلم.
٣ - حديث أبي سعيد الخدري:
يرويه أبو هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، قال: إن رسول الله ﷺ قال: "يقطع الصلاة: الكلب، والحمار، والمرأة"، وفي رواية: فقلنا: يا أبا سعيد! ما يستر المصلي؟ قال: السهم، والحجر، والرحل.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ١٣/ ٢٢٩٤ و ٢٢٩٥) و (٢/ ٢٧/ ٢٣٥٠)، والحارث بن أبي أسامة (١٦٥ - بغية الباحث) (٣/ ٣٣٣/ ٣١٥ - مطالب)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٥٨١ - الجزء المفقود)، وأبو جعفر ابن البختري في الرابع من حديثه (٣٦) [مجموع مصنفاته (٢٨٠)].
وهذا حديث واهٍ؛ أبو هارون عمارة بن جوين العبدي البصري: متروك، كذبه جماعة [التهذيب (٣/ ٢٠٧)].
٤ - حديث أنس:
وله طرق عن أنس:
أ- يرويه أبو غسان العنبري يحيى بن كثير بن درهم [ثقة]، وأبو زيد الهروي سعيد بن الربيع [ثقة]:
كلاهما، عن شعبة، عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس: سمعت أنسًا، عن النبي ﷺ قال: "يقطع الصلاة: الحمار، والمرأة، والكلب".
أخرجه البزار (١٤/ ٣٧/ ٧٤٦١)، وأبو العباس السراج في مسنده (٤٠٠)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (٣٨٧)، وابن المظفر في غرائب شعبة (٢١٤)، وأبو طاهر المخلص في العاشر من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (٣٣١) (٢٤٨٦ - المخلصيات)، والخطيب في تاريخ بغداد (٧/ ٤٩)، والضياء في المختارة (٦/ ٢٥٠ و ٢٥١/ ٢٢٦٧ و ٢٢٦٨).
стр. 3414
• وخالفهما جماعة الحفاظ من أصحاب شعبة فأوقفوه، وهو الصواب:
رواه عبد الرحمن بن مهدي، وغندر محمد بن جعفر، وأبو داود الطيالسي، وأبو الوليد الطيالسي، ومحمد بن كثير العبدي، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وحجاج بن منهال:
عن شعبة، عن عبيد الله بن أبي بكر، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: يقطع الصلاة: المرأة، والحمار، والكلب.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٥٢/ ٢٨٩٩)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٥٦٢ و ٥٦٣ - الجزء المفقود)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٠١/ ٢٤٦٣).
قال الدارقطني: "والموقوف: أصح" [العلل (١٢/ ١٢٤/ ٢٥١٠)، الفتح لابن رجب (٢/ ٧٠٥)].
وهذا موقوف على أنس، بإسناد صحيح على شرط الشيخين.
ب- وروى يعلى بن عباد: حدثنا عبد الحكم، عن أنس؛ أن رسول الله ﷺ قال: "يقطع الصلاةَ: الكلبُ، والحمارُ، والمرأةُ".
أخرجه الحارث بن أبي أسامة (١٦٣ - بغية الباحث) (٣/ ٤٢٦/ ٣٤٠ - مطالب).
وهذا حديث منكر؛ عبد الحكم بن عبد الله، ويقال: ابن زياد القسملي: منكر الحديث، روى عن أنس: نسخة منكرة [التهذيب (٢/ ٤٧١)، الميزان (٢/ ٥٣٦)]، ويعلى بن عباد الكلابي: ضعفه الدارقطني، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: "يخطئ" [علل الدارقطني (١٢/ ١٥٥/ ٢٥٦٢)، الثقات (٩/ ٢٩١)، تاريخ بغداد (١٤/ ٣٥٤)، اللسان (٨/ ٥٤٠)].
ج- وروى جعفر بن عبد الواحد، قال: قال لنا الأنصاري: حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: … فذكره.
وهو حديث باطل، يأتي ذكره بطرقه في حديث عبد الله بن المغفل.
• وقد روي عن أنس خلاف ذلك:
فقد روى إدريس بن يحيى أبو عمرو المعروف بالخولاني [صدوق. الجرح والتعديل (٢/ ٢٦٥)، الثقات (٨/ ١٣٣)، السير (١٠/ ١٦٥)، تاريخ الإسلام (١٥/ ٥٦)]، عن بكر بن مضر [ثقة ثبت]، عن صخر بن عبد الله بن حرملة؛ أنه سمع عمر بن عبد العزيز، يقول: عن أنس؛ أن رسول الله ﷺ صلى بالناس، فمر بين أيديهم حمار، فقال عياش بن أبي ربيعة: سبحان الله! سبحان الله! سبحان الله! فلما سلَّم رسول الله ﷺ قال: "من المسبِّح آنفًا، سبحان الله؟ " قال: أنا، يا رسول الله! إني سمعت أن الحمار يقطع الصلاة، قال: "لا يقطع الصلاة شيء".
أخرجه أبو بكر الباغندي في مسند عمر بن عبد العزيز (٨ و ٩)، والدارقطني (١/ ٣٦٧)، والبيهقي (٢/ ٢٧٧)، والخطيب في المتفق والمفترق (٢/ ٩٢٤/ ٥٥٩ م)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٥٨٣/٤٢٦).
стр. 3415
قال ابن حجر في الدراية (١/ ١٧٨): "وإسناده حسن".
• خالفه: الوليد بن مسلم [شامي، ثقة ثبت]، فرواه عن بكر بن مضر المصري، عن صخر بن عبد الله المدلجي، قال: سمعت عمر بن عبد العزيز، يحدث عن عياش بن أبي ربيعة المخزومي، قال: بينما رسول الله ﷺ يومًا بأصحابه إذ مر بين أيدينا حمار، … فذكره مثله.
أخرجه أبو بكر الباغندي في مسند عمر بن عبد العزيز (١٠).
• وخالفهما: إسحاق بن بكر بن مضر [قال أبو حاتم: "لا بأس به، وكان عنده درج عن أبيه"، الجرح والتعديل (٢/ ٢١٤)، التهذيب (١/ ١١٧)]، فرواه عن أبيه بكر بن مضر، عن صخر بن عبد الله بن حرملة المدلجي، قال: سمعت عمر بن عبد العزيز، يقول بينا رسول الله ﷺ [يصلي] بالناس إذ مرَّ بين أيديهم حمار، فقال رجل من أصحابه … فذكر الحديث هكذا مرسلًا، بالقصة وبإبهام اسم عياش بن أبي ربيعة.
أخرجه الخطيب في المتفق والمفترق (٢/ ٥٥٩/٩٢٤).
قلت: وهذا مرسل، هو أشبه بالصواب؛ فإن أهل بيت الرجل أولى به من غيرهم، لا سيما وأن إسحاق كان عنده صحف أبيه، فلعل الوهم وقع للغرباء بما لم يكن في الصحف، كما أن كلام الدارقطني يدل على أن إسحاق بن بكر لم يتفرد بإرساله عن أبيه، وأنه قد توبع عليه، والله أعلم.
قال الدارقطني في العلل (١٢/ ١١٦/ ٢٤٩٩): "يرويه صخر بن عبد الله بن حرملة المدلجي، حدث به عنه بكر بن مضر، واختلف عنه: فرواه إدريس بن يحيى، عن بكر، عن صخر بن عبد الله، عن عمر بن عبد العزيز، عن أنس.
وخالفه الوليد بن مسلم؛ رواه عن بكر، عن صخر، عن عمر بن عبد العزيز، عن عياش بن أبي ربيعة.
وغيرهما يرويه عن بكر بن مضر، عن صخر، عن عمر مرسلًا.
والمرسل أصح".
وقال عبد الحق في الأحكام الوسطي (١/ ٣٤٨): "اختلف في إسناده، والصواب: مرسل عن عمر".
قال ابن القطان في بيان الوهم (٣/ ٤٩/ ٧٠٣): "إنما يرويه صخر بن عبد الله بن حرملة، وهو: مجهول الحال، ولا يعرف روي عنه غير بكر بن مضر".
وضعفه ابن الجوزي بقوله: "فيه صخر بن عبد الله: قال ابن عدي: يحدث عن الثقات بالأباطيل، عامة ما يرويه منكر، أو من موضوعاته، وقال ابن حبان: لا يحل الرواية عنه"، وخلَّط فيه أيضًا في الضعفاء (٢/ ٥٣/ ١٦٨٦).
فتعقبه ابن عبد الهادي في التنقيح (٢/ ٣٢٠) بقوله: "وصخر بن عبد الله بن حرملة الراوي عن عمر بن عبد العزيز: لم يتكلم فيه ابن عدي، ولا ابن حبان، بل ذكره ابن حبان
стр. 3416
في الثقات، وقال النسائي: هو صالح، وإنما ضعف ابن عدي صخر بن عبد الله الكوفي المعروف بالحاجبي، وهو متأخر عن ابن حرملة، روي عن مالك والليث وغيرهما، وعلي تقدير ثبوت قول النبي ﷺ : "لا يقطع الصلاة شيء" لا يعارض به حديث أبي ذر وأبي هريرة وابن مغفل؛ لأنها خاصة، فيجب تقديمها على العام".
وتعقب ابنَ الجوزي أيضًا مغلطاي في الاكتفاء في تنقيح كتاب الضعفاء (١/ ٤٣٢)، فقال: "والذي نقله ابن الجوزي عن ابن عدي فيه، إنما هو في صخر الحاجبي، وكذلك ابن حبان، وأما المدلجي فثقة"، وتعقبه أيضًا: الذهبي وابن حجر [الميزان (٢/ ٣٠٩)، التهذيب (٢/ ٢٠٥)، اللسان (٤/ ٣٠٧)].
قلت: صخر بن عبد الله بن حرملة المدلجي: روي عنه: بكر بن مضر، وعبد الله بن وهب [كما في المدونة (١/ ١١٤)]، قال النسائي: "صالح"، وقال العجلي: "ثقة"، وذكره ابن حبان في الثقات [معرفة الثقات (٧٥٨)، الثقات (٦/ ٤٧٣)، التهذيب (٢/ ٢٠٥)، اللسان (٤/ ٣٠٧)]، وصحح له حديثًا في صحيحه (١٥/ ٤٥٦/ ٦٩٩٥)، وصحح له الحاكم نفس الحديث (٣/ ٣١٢)، وقال: "على شرط الشيخين"، فتعقبه الذهبي بقوله: "صخر صدوق، لم يخرجا له"، وهذا الحديث أخرجه الترمذي [جامع الترمذي (٣٧٤٩) (٦/ ٣١٢/ ٤٠٨٢ ط شعيب)]، وقال: "حسن غريب"، فلم يصححه.
وأما صخر بن عبد الله الحاجبي: فهو معروف بوضع الحديث [المجروحين (١/ ٣٧٨)، الكامل (٤/ ٩٢)، اللسان (٤/ ٣٠٧)].
وعليه: فهذا مرسل، بإسناد لا بأس به، والله أعلم.
• وروي نحوه عن أنس من وجه آخر:
روى السهمي في تاريخ إستراباذ من آخر تاريخ جرجان (٥١٨)، قال: قال أبو أحمد محمد بن أحمد الغطريف: حدثنا أبي: حدثنا إسحاق بن أبي عمران الإستراباذي: حدثنا حيون بن المبارك البصري بمصر: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري: حدثنا أبي، عن جدي، عن أنس؛ أن رسول الله ﷺ قال: "ليستتر أحدكم في الصلاة بالخط بين يديه والحجر، وبما وجد من شيء؛ مع أن المؤمن لا يقطع صلاته شيء".
رواه من طريق السهمي: ابن عساكر في تاريخ دمشق (٨/ ٢٩١)، وابن العديم في بغية الطلب في تاريخ حلب (٣/ ١٥٢٤).
قال ابن رجب في الفتح (٢/ ٦٣٩): "وإسناده مجهول، ساقط بمرة".
وقال ابن حجر في اللسان (٣/ ٣١٠): "حيُّون بن المبارك البصري: نكرة، حدث بمصر عن الأنصاري، عن أبيه، عن جده، عن أنس ﵁ مرفوعًا: "ليستتر أحدكم في الصلاة بالخط … " الحديث، رواته ثقات غير حيون، والخبر منكر".
قلت: وهو كما قال ابن رجب؛ فوائد أبي أحمد الغطريفي، والمثنى بن عبد الله بن أنس: مجهولان، وحيون: نكرة، وعبد الله بن المثنى: صدوق، كثير الغلط.
стр. 3417
• والحاصل: أن الثابت عن أنس في هذا أنه قال: يقطع الصلاة: المرأة، والحمار، والكلب، كما تقدم بيانه.
٥ - حديث عائشة:
يرويه أبو المغيرة، قال: ثنا صفوان بن عمرو، قال: ثنا راشد بن سعد، عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا يقطع صلاة المسلم شيء؛ إلا: الحمار، والكافر، والكلب، والمرأة"، فقالت عائشة: يا رسول الله لقد قُرِنَّا بدوابِّ سوء.
أخرجه أحمد (٦/ ٨٤)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٥٨٤ - الجزء المفقود)، والطبراني في مسند الشاميين (٢/ ١٠١/ ٩٩٠).
وهذا إسناد حمصي صحيح إلى راشد بن سعد، صفوان بن عمرو بن هرم السكسكي: حمصي ثقة، وأبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج الخولاني: حمصي ثقة، وراشد بن سعد: حمصي تابعي ثقة، لكنه كان يرسل كثيرًا، ولا أظنه سمع عائشة، إذ لا يُعرف له سماع منها، وما له في الكتب الستة عنها شيء، ولا له في أطراف العشرة (١٦/ ٢/ ١٠٧٥ ٢١٦٥٣ و ٢١٦٥٤) سوى هذا الحديث [عند أحمد فقط]، وحديث آخر عند الدارقطني (٤/ ١٤٢)، صوابه مرسل [المراسيل لأبي داود (٣٨٨)، [وانظر: المعجم الأوسط للطبراني (٥/ ٥٥/ ٤٦٥٦)] [وانظر: التاريخ الكبير (٣/ ٢٩٢)، الجرح والتعديل (٣/ ٤٨٣)، تاريخ دمشق (١٧/ ٤٥٠)].
ثم وجدته يروي عن عائشة بواسطة [كما في التاريخ الكبير (٣/ ٢٢٣)، مسند الشاميين (٣/ ٩٣/ ١٨٥٩)، سنن البيهقي (٣/ ٧٨)]، مما يؤكد عدم سماعه منها.
• ثم إن هذه الرواية وهم؛ فقد خالف فيه أصحاب عائشة:
فقد روى الأعمش، قال: حدثنا إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة.
ح وقال الأعمش: حدثني مسلم، عن مسروق، عن عائشة، ذُكر عندها ما يقطع الصلاة: الكلب والحمار والمرأة، فقالت: شبهتمونا بالحمر والكلاب، والله لقد رأيت النبي ﷺ يصلي، وإني على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة، فتبدو لي الحاجة، فأكره أن أجلس، فأوذي النبي ﷺ ، فأنسل من عند رجليه.
وهذا حديث متفق عليه [البخاري (٥١١ و ٥١٤ و ٦٢٧٦)، مسلم (٥١٢/ ٢٧٠)].
وروى شعبة، عن أبي بكر بن حفص، عن عروة بن الزبير، قال: قالت عائشة: ما يقطع الصلاة؟ قال: فقلنا: المرأة والحمار، فقالت: إن المرأة لدابة سوء؛ لقد رأيتني بين يدي رسول الله ﷺ معترضة، كاعتراض الجنازة، وهو يصلي.
وهذا حديث صحيح؛ أخرجه مسلم (٥١٢/ ٢٦٩).
وحديث عائشة هذا سيأتي تخريجه بطرقه موسعًا في موضعه من السنن برقم (٧١٠ - ٧١٤).
قال ابن رجب في الفتح (٢/ ٧٠٥): "هذا منقطع؛ راشد لم يسمع من عائشة بغير شك، ووهم في ذلك، وإنما الصحيح: ما رواه أصحاب عائشة الحفاظ عنها، أنه ذُكر
стр. 3418
عندها ذلك، فقالت: لقد قرنتمونا بقرناء سوء، ونحو هذا المعنى، وقد ذكر الميموني أن أحمد ذُكر له أن الحوضي روى من طريق الأسود، عن عائشة، مرفوعًا: "يقطع الصلاة: المرأة، والحمار، والكلب الأسود"؟ فقال أحمد: غلط الشيخ عندنا؛ هذا عن رسول الله ﷺ وهي تقول: عدلتمونا بالكلب والحمار؟! يعني: لو كان هذا عندها عن النبي ﷺ ؛ لما قالت ما قالت".
٦ - حديث عبد الله بن مغفل:
يرويه عبدة بن سليمان، ومحمد بن بشر، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي، وعبد الوهاب بن عطاء الخفاف، وجعفر بن عون، ومعاذ بن معاذ، وسعيد بن عامر، ومحمد بن جعفر غندر:
عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل، عن النبي ﷺ قال: "يقطعُ الصلاةَ: المرأةُ، والكلبُ، والحمارُ".
أخرجه ابن ماجه (٩٥١)، وابن حبان (٦/ ١٤٧/ ٢٣٨٦)، وأحمد (٤/ ٨٦) و (٥/ ٥٧)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٥٧٥ و ٥٧٦ - الجزء المفقود)، والروياني (٨٨٠)، والطحاوي (١/ ٤٥٨)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٤٢٥/ ٥٧٨).
قال ابن عبد الهادي في التنقيح (٢/ ٣١٦): "إسناده صحيح".
وقال الذهبي في التنقيح (١/ ١٨٧): "صحيح".
قلت: وهو كما قالا؛ فإن سماع الحسن من عبد الله بن مغفل ثابت في غير هذا الحديث، وقد أثبت له السماع منه: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأبو حاتم، والبزار، والبرديجي، فلسنا بحاجة إلى طلب إثباته في كل حديث بعينه، ولم أر تصريحًا له بالسماع في طرق هذا الحديث، وهذا لا يُعِلُّ الإسناد بشيء، أعني: عنعنة الحسن فيه، فإنها مقبولة محمولة على الاتصال، وقد سبق بحث هذه المسألة بالتفصيل عند الحديث المتقدم برقم (٢٧).
• وخالف أصحاب ابن أبي عروبة فيه:
جعفر بن عبد الواحد [أحاديثه بواطيل، كان يسرق الحديث، وروى أحاديث لا أصل لها. اللسان (٢/ ٤٥٧)]، قال: قال لنا الأنصاري: حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: "يقطع الصلاة: الكلب، والحمار، والمرأة".
أخرجه ابن حبان في المجروحين (١/ ٢١٥)، وابن عدي في الكامل (٢/ ١٥٤).
وهو حديث باطل.
قال ابن عدي: "وهذا الحديث بهذا الإسناد لا نعرفه إلا عن جعفر هذا؛ وقد ترك فيه جعفر الطريقَ الواضح؛ إذ كان أسهلَ عليه: عن سعيد عن قتادة عن أنس، وروي سعيد بن أبي عروبة هذا عن حميد بن هلال عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر".
قلت: روى سعيد بن أبي عروبة هذا المتن عن قتادة بأسانيد عنه، وكلها محفوظة،
стр. 3419
وإنما أوردته هاهنا لسببين: الأول: اتحاد لفظه مع لفظ حديث ابن المغفل، والثاني: أن الذين رووا هذا الطرف من حديث أبي ذر عن ابن أبي عروبة أوقفوه على أبي ذر، وكذلك فإن الذين رووه عن ابن أبي عروبة من حديث أبي هريرة، أوقفوه عليه أيضًا، كما تقدم بيانه في موضعه، وسيأتي أيضًا من حديث ابن عباس كذلك، وكلها محفوظة؛ غير حديث أنس.
• وقد وجدت من تابع جعفر بن عبد الواحد هذا؛ إلا أنه أشد منه وهاءً:
فقد رواه محمد بن يونس الكديمي، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، قال: حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ ، مثله.
أخرجه أبو بكر القطيعي في جزء الألف دينار (٢٨٥)، وأبو طاهر المخلص في العاشر من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (٣٣٠) (٢٤٨٥ - المخلصيات)، والضياء في المختارة (٧/ ١١٤/ ٢٥٣٨).
وهذا باطل كسابقه، محمد بن يونس الكديمي: كذاب، يضع الحديث، وهو شيخ القطيعي في هذا الحديث، لكن قال: حدثنا محمد، ولم ينسبه، وكان قد روى عنه أحاديث هذا منها، وقد نسبه في أولها، ووقع في رواية المخلص والضياء من طريق الحسين بن إسماعيل المحاملي، قال: ثنا محمد بن موسى البصري، هكذا نسبه إلى جده كي يعمي عليه لئلا يُعرف، فهو محمد بن يونس بن موسى البصري الكديمي، قال ابن عدي: "ومن حدَّث عنه نسبه إلى جده لئلا يُعرف" [التهذيب (٣/ ٧٤٣)].
وأما ما جعله ابن عبد الهادي احتمالًا، فقد ظهر هنا الجزم به، حيث قال في التنقيح (٢/ ٣١٦): "يحتمل أن يكون شيخ المحاملي: محمد بن يونس بن موسى الكديمي، وهو: ضعيف".
• ويأتي ذكر بقية الشواهد، في حديث ابن عباس الآتي:
***
٧٠٣ - . . . يحيى، عن شعبة: حدثنا قتادة، قال: سمعت جابر بن زيد، يحدث عن ابن عباس -رفعه شعبة-، قال: "يقطعُ الصلاةَ: المرأةُ الحائضُ، والكلبُ".
قال أبو داود: أوقفه سعيد، وهشام، وهمام، عن قتادة، عن جابر بن زيد، على ابن عباس.
• المحفوظ: موقوف على ابن عباس بإسناد صحيح، على شرط الشيخين
أخرجه النسائي في المجتبى (٢/ ٦٤/ ٧٥١)، وفي الكبرى (١/ ٤٠٨/ ٨٢٩)، وابن ماجه (٩٤٩)، وابن خزيمة (٢/ ٢٢/ ٨٣٢)، وابن حبان (٦/ ١٤٨/ ٢٣٨٧)، والضياء في
стр. 3420
المختارة (٩/ ٥١٧ و ٥١٩/ ٥٠٠ و ٥٠١)، وأحمد (١/ ٣٤٧)، والبزار (١١/ ٥٠ و ٤١٧/ ٤٧٤١ و ٥٢٦٩)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٥٩٢ - الجزء المفقود) [لكن وقع عنده موقوفًا، ومقرونًا بابن أبي عروبة، وقال: الحمار، بدل المرأة]، والطحاوي (١/ ٤٥٨)، والطبراني في الكبير (١٢/ ١٨١/ ١٢٨٢٤)، وابن عدي في الكامل (٥/ ٣٨٥) و (٧/ ١٣٠)، والدارقطني في الأفراد (١/ ٤٢٧/ ٢٣١٢ - أطرافه)، وأبو طاهر المخلص في العاشر من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (٣٣٣) (٢٤٨٨ - المخلصيات)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٣٨٧)، والبيهقي (٢/ ٢٧٤)، وابن عبد البر في التمهيد (٢١/ ١٦٨).
ولفظ البزار، قال: حدثنا عمرو بن علي، قال: نا يحيى بن سعيد، قال: نا شعبة، عن قتادة، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: "يقطع الصلاة: الكلب الأسود، والمرأة الحائض".
قال: قلت: قد كان يُذكر الثالث، قال: ما هو؟ قلت: الحمار، قال: رويدًا الحمار، قلت: قد ذكر الرابع، قال: ما هو؟ قلت: الكافر، قال: إن استطعت ألا يمر بين يديك كافر ولا مسلم فافعل.
قال أبو داود: "أوقفه سعيد، وهشام، وهمام، عن قتادة، عن جابر بن زيد، على ابن عباس".
وقال البزار: "وهذا الحديث أسنده يحيى بن سعيد، ولا نعلم أسنده إلا يحيى عن شعبة".
وقال الدارقطني: "تفرد به يحيى القطان عن شعبة عن قتادة: مرفوعًا".
ورواه البيهقي بإسناد لا بأس به إلى: علي بن عبد الله المديني: ثنا يحيى بن سعيد: ثنا شعبة، عن قتادة، قال: سمعت جابر بن زيد، يحدث عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "يقطع الصلاة: المرأة الحائض، والكلب".
قال يحيى -وهو القطان-: لم يرفع هذا الحديث أحد عن قتادة غير شعبة، قال يحيى: وأنا أفْرَقه.
قال: ورواه ابن أبي عروبة وهشام عن قتادة -يعني: موقوفًا-.
قال يحيى: وبلغني أن همامًا يدخل بين قتادة وجابر بن زيد أبا الخليل.
قال علي: ولم يرفع همام الحديث.
قال البيهقي: والثابت عن ابن عباس أن شيئًا من ذلك لا يفسد الصلاة، ولكن يكره، وذلك يدل من قوله مع قوله: "يقطع" على أن المراد بالقطع غير الإفساد، ويروى من وجه آخر عن ابن عباس ﵄. اهـ كلامه.
قلت: الذي أبلغ يحيى برواية همام هو عفان بن مسلم، قال أبو حفص عمرو بن على الفلاس بعد أن روى الحديث عن يحيى بن سعيد به: "فقال له عفان: حدثنا همام، عن قتادة، عن صالح أبي الخليل، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، قال: فبكى يحيى،
стр. 3421
وقال: اجترأتم عليَّ؛ ذهب أصحابي خالد بن الحارث، ومعاذ بن معاذ" [الكامل (٥/ ٣٨٥) و (٧/ ١٣٠)].
قال الذهبي في السير (١٠/ ٢٥٣) بعد هذه الحكاية: "مثل هذا يجوز أن يكون حدث به قتادة مرة عن جابر فدلسه كعوائده، ومرة رواه عن صالح عن جابر أبي الشعثاء، والله أعلم".
قلت: وهذا بعيد -والله أعلم- فإن أثبت الناس في قتادة، وأعلمهم بحديثه: شعبة وهشام الدستوائي وسعيد بن أبي عروبة قد رووا هذا الحديث عن قتادة، قال شعبة: سمعت جابر بن زيد، وقال هشام وسعيد: قال: قلت لجابر بن زيد، وهذا دليل ظاهر على سماع قتادة لهذا الحديث من جابر بن زيد، فكيف يقال بعد ذلك بأنه دلسه؟!
وقال ابن أبي حاتم: "قال يحيى بن سعيد: أخاف أن يكون وهم"؛ يعني: شعبة [العلل (١/ ٢١٠/ ٦٠٦)، الفتح لابن رجب (٢/ ٧٠٢)].
وقال ابن رجب في الفتح (٢/ ٧٠٢): "وكذا وقفه غندر عن شعبة، ورفعه سفيان بن حبيب عن شعبة".
قلت: قد صرح البزار والدارقطني أن يحيى بن سعيد القطان قد تفرد برفعه عن شعبة، ورواية سفيان بن حبيب هذه قد وصلها:
أبو طاهر المخلص في العاشر من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (٣٣٢) (٢٤٨٧ - المخلصيات).
والأقرب عندي أنها تصحيف، تصحف على بعضهم سعيد إلى شعبة، وسيأتي بيان ذلك في ذكر الاختلاف فيه على سعيد بن أبي عروبة.
• وقد اختلف في هذا الحديث على قتادة:
١ - فرواه شعبة: حدثنا قتادة، قال: سمعت جابر بن زيد، يحدث عن ابن عباس -رفعه شعبة-، قال: "يقطعُ الصلاةَ: المرأةُ الحائضُ، والكلبُ". وتقدم ذكر الاختلاف على شعبة في رفعه ووقفه.
٢ - ورواه هشام الدستوائي، واختلف عليه:
أ- فرواه يحيى بن سعيد القطان، وابن أبي عدي:
عن هشام [مقرونًا بشعبة في رواية القطان؛ حيث قال: حدثني شعبة وهشام]، عن قتادة، قال: قلت لجابر بن زيد: ما يقطع الصلاة؟ قال: كان ابن عباس يقول: المرأةُ الحائضُ، والكلبُ.
زاد ابن أبي عدي: قلت: فأين الحمار؟ قال: [رويدك] الحمار؟ قلت: قد كان يُذكر رابعٌ! قال: ما هو؟ قلت: العلج الكافر، قال: إن استطعت ألا يمر بين يديك كافر ولا مسلم، فافعل. هكذا موقوفًا.
أخرجه النسائي في المجتبى (٢/ ٦٤/ ٧٥١)، وفي الكبرى (١/ ٤٠٨/ ٨٢٩)، وابن
стр. 3422
جرير الطبري في تهذيب الآثار (٥٩١ - الجزء المفقود)، وابن عدي في الكامل (٥/ ٣٨٥) و (٧/ ١٣٠).
ب- ورواه معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: يقطع الصلاة: الكلب الأسود، والحمار، والمرأة الحائض.
أخرجه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٥٩٠ - الجزء المفقود).
قلت: وهذا الوجه الثاني وهمٌ، والمحفوظ ما رواه الحافظان عن هشام كالجماعة.
٣ - ورواه سعيد بن أبي عروبة:
فرواه يحيى بن سعيد القطان، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي، وابن أبي عدي: عن سعيد [مقرونًا بشعبة في رواية القطان؛ حيث قال: حدثنا سعيد وشعبة]، عن قتادة، قال: قلت لجابر بن زيد: ما يقطع الصلاة؟ قال: قال ابن عباس: الكلب الأسود، والمرأة الحائض.
قال: قلت: قد كان يُذكر الثالث، قال: ما هو؟ قلت: الحمار، قال: رويدك الحمار، قلت: قد كان يذكر الرابع، قال: ما هو؟ قلت: العلج الكافر، قال: إن استطعت أن لا يمر بين يديك كافر ولا مسلم فافعل. هكذا موقوفًا.
أخرجه البزار (١١/ ٥٠ و ٤١٧/ ٤٧٤١ و ٥٢٦٨)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٥٩٢ - الجزء المفقود).
قال البزار: "وهذا الحديث أسنده يحيى بن سعيد، ولا نعلم أسنده إلا يحيى عن شعبة".
خالفهما فرواه عن سعيد به مرفوعًا: سفيان بن حبيب [بصري، ثقة، عالم بحديث ابن أبي عروبة]، لكن الإسناد إليه لا يصح؛ إذ شيخ القطيعي فيه: محمد بن يونس الكديمي، وهو: كذاب، يضع الحديث.
أخرجه أبو بكر القطيعي في جزء الألف دينار (٢٨٤).
وأخرجه أبو طاهر المخلص في العاشر من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (٣٣٢) (٢٤٨٧ - المخلصيات)، من طريق الحسين بن إسماعيل المحاملي، قال: ثنا محمد بن موسى البصري، هكذا نسبه إلى جده كي يعمي عليه لئلا يُعرف، فهو محمد بن يونس بن موسى البصري الكديمي، قال ابن عدي: "ومن حدَّث عنه نسبه إلى جده لئلا يُعرف" [التهذيب (٣/ ٧٤٣)]، لكن وقع عنده: شعبة بدل: سعيد، والأقرب عندي أنه تصحف على بعضهم، وإنما هو سعيد بن أبي عروبة، فقد صرح غير واحد من الأئمة، مثل البزار والدارقطني: أن يحيى بن سعيد القطان قد نفرد به عن شعبة، والله أعلم.
٤ - ورواه همام، عن قتادة، عن صالح أبي الخليل، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، قال: يقطع الصلاة: الكلب الأسود، والمرأة.
قلت: فأين الحمار؟ قال: إن استطعت ألا يمر بين يديك: مسلم، ولا كافر فافعل.
стр. 3423
أخرجه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٥٨٩ - الجزء المفقود)، وابن عدي في الكامل (٥/ ٣٨٥).
[وانظر في الأوهام على قتادة: مصنف عبد الرزاق (٢/ ٢٧/ ٢٣٥١)، مصنف ابن أبي شيبة (١/ ٢٥٢/ ٢٩٠٢)].
قال الإمام أحمد: "ثنا يحيى، قال: شعبة رفعه، قال: وهشام لم يرفعه"، قال أحمد: "كان هشام حافظًا".
قال ابن رجب: "وهذا ترجيح من أحمد لوقفه، وقد تبين أن شعبة اختلف عليه في وقفه ورفعه" [الفتح (٢/ ٧٠٣)].
ورجح أبو حاتم الرازي رفعه، فقال عن رواية شعبة: "هو صحيح عندي" [العلل (١/ ٢١٠/ ٦٠٦)].
وقال النووي في المجموع (٣/ ٢٢١): "رواه أبو داود بإسناد صحيح".
قلت: هكذا اختلف على شعبة في رفع هذا الحديث ووقفه، وتابعه على رواية الوقف: هشام الدستوائي، وسعيد بن أبي عروبة، وهمام -وإن خالفهم همام في إسناده- مما يدل على أن رواية الرفع: وهمٌ؛ لذا كان يَفرَق منها يحيى بن سعيد القطان، ويخشى أن يكون شعبة وهم فيها، واستغربها الحفاظ مثل: البزار والدارقطني، وأعلها: أحمد وأبو داود، وخالفهم أبو حاتم الرازي فصححها.
قلت: المحفوظ وقفه على ابن عباس، وهذا ظاهر كلام أكثر النقاد، فمن المعلوم أن شعبة وهشام الدستوائي وسعيد بن أبي عروبة: هم أثبت أصحاب قتادة؛ فإذا اختلفوا قدَّمنا رواية الاثنين على الواحد منهم، قال البرديجي: "إذا روي هشام وسعيد بن أبي عروبة شيئًا، وخالفهما شعبة، فالقول قولهما"، وقال: "وإذا اتفق هشام وسعيد بن أبي عروبة من رواية أهل التثبت عنهما، وخالفهما شعبة: كان القول قول هشام وسعيد"، وقال أيضًا: "وإذا اختلفوا في حديث واحد فإن القول فيه: قول رجلين من الثلاثة" [شرح علل الترمذي (٢/ ٦٩٦)].
وأما المحفوظ في إسناده: فهو ما اتفق عليه الحفاظ الثلاثة: قتادة، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، وهي مقدمة على رواية همام، والله أعلم.
وعليه: فهو موقوف على ابن عباس بإسناد صحيح، على شرط الشيخين.
• وقد روي من وجهين آخرين، موقوفًا أيضًا:
أ- فقد روى المعتمر بن سليمان التيمي، عن أبيه، عن عكرمة، وأبي الشعثاء [جابر بن زيد]، عن ابن عباس، قال: تقطع الصلاة: المرأة الحائض، والكلب الأسود.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٢٨/ ٢٣٥٤)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٥٨٨ - الجزء المفقود)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٠٣/ ٢٤٧٠).
وهذا أيضًا موقوف على ابن عباس بإسناد صحيح، رجاله رجال الصحيح؛ إلا أن
стр. 3424
سليمان التيمي لم يسمع من عكرمة شيئًا، قاله أبو زرعة الرازي [المراسيل (٣٠٧)]، والعمدة في الإسناد على أبي الشعثاء جابر بن زيد.
ب- ورواه ابن عيينة، أو ابن جريج:
قال ابن جريج: أخبرني عبيد الله بن أبي يزيد، أنه سمع ابن عباس، قال: يقطع الصلاة: الكلب، والمرأة الحائض.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٢٧/ ٢٣٥٣)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٠٣/ ٢٤٦٩)، واللفظ له.
وهذا موقوف بإسناد مكي صحيح، على شرط الشيخين.
***
٧٠٤ - قال أبو داود: حدثنا محمد بن إسماعيل، مولى بني هاشم البصري: حدثنا معاذ: حدثنا هشام، عن يحيى، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: أحسبه عن رسول الله ﷺ ، قال: "إذا صلى أحدكم إلى غير سترة؛ فإنه يقطع صلاتَه: الكلبُ، والحمارُ، والخنزيرُ، واليهوديُّ، والمجوسيُّ، والمرأةُ، ويجزئُ عنه: إذا مرُّوا بين يديه على قَذْفَةٍ بحجر".
قال أبو داود: في نفسي من هذا الحديث شيءٌ، كنت أذاكر به إبراهيم وغيره؛ فلم أر أحدًا جاء به عن هشام، ولا يعرفه، ولم أر أحدًا يحدث به عن هشام، وأحسب الوهم من ابن أبي سمينة -يعني: محمد بن إسماعيل البصري مولى بني هاشم-، والمنكَرُ فيه: دِكرُ المجوسي، وفيه: "على قذفة بحجر"، وذِكرُ الخنزير، وفيه نكارة.
قال أبو داود: ولم أسمع هذا الحديث إلا من محمد بن إسماعيل بن أبي سمينة، وأحسبه وهِمَ؛ لأنه كان يحدثنا من حفظه.
• حديث منكر؛ والمعروف عن هشام الدستوائي: مقطوع على عكرمة.
أخرجه من طريق أبي داود: البيهقي (٢/ ٢٧٥).
قال عبد الحق في الأحكام الوسطى (١/ ٣٤٥): "إنما يصح من هذا: ذكر المرأة والكلب والحمار".
فتعقبه ابن القطان في بيان الوهم (٣/ ٣٥٥/ ١١٠١) بقوله: "وعلة هذا الحديث بادية، وهي الشك في رفعه، فلا يجوز أن يقال: إنه مرفوع، وراويه قد قال: أحسبه عن رسول الله ﷺ ، … "، إلى أن حكى كلام أبي داود، ثم قال: "وهذا كله لا يحتاج إليه، فإنه رأيٌ لا خبر، ولم يجزم ابن عباس برفعه، وابن أبي سمينة أحد الثقات، وقد جاء هذا
стр. 3425
الخبر بذكر أربعة فقط، عن ابن عباس موقوفًا بسند جيد كذلك، … "، ثم ذكر أثر أبي الشعثاء عن ابن عباس السابق برقم (٧٠٣)، من طريق ابن عروبة، موقوفًا على ابن عباس، بذكر الكلب الأسود، والمرأة، والحمار، والعلج الكافر.
وقال النووي في المجموع (٣/ ٢٢١): "رواه أبو داود وضعفه، وجعله منكرًا، وروي أبو داود أحاديث كثيرة من هذا النوع ضعيفة".
وقال الذهبي في الميزان (٣/ ٤٨٢) بعد أن ذكر كلام أبي داود في ابن أبي سمينة: "صدوق؛ لأنه منكر جدًّا، ولكنه قد شك في رفعِه، ووقفُه يحتمل إن كان محفوظًا".
قلت: في هذا السياق خلل، فإما أن يكون قال: "صدق؛ لأنه منكر جدًّا، … "، أو يكون قال: "صدوق؛ إلا أنه منكر جدًّا، … "، وفي الاحتمال الأول يكون فاعل صدق هو أبو داود، وفي الاحتمال الثاني أراد بهذا الوصف ابن أبي سمينة، والله أعلم.
• قلت: لم ينفرد به ابن أبي سمينة، وقد برئ من عهدته، فقد تابعه عليه:
عبد بن حميد [ثقة حافظ، مصنف]، وصالح بن مسمار المروزي [ثقة]، وعلي بن بحر القطان [ثقة]، ومحمد بن عمر بن علي المقدمي [ثقة]:
رووه عن معاذ بن هشام الدستوائي، قال: حدثني أبي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال:- وأحسبه أسند ذلك إلى النبي ﷺ -، قال: "يقطع الصلاة: الحمار، والكلب، والمرأة الحائض، واليهودي، والنصاري، والمجوس [وفي رواية: والنصراني، والمجوسي]، والخنزير" قال: "ويكفيك ما كانوا منك على قدر رمية بحجر، لم يقطعوا عليك صلاتك".
أخرجه عبد بن حميد (٥٧٦)، وأبن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٥٨٥ - الجزء المفقود)، والطحاوي (١/ ٤٥٨)، والبيهقي (٢/ ٢٧٥).
قال ابن رجب في الفتح (٢/ ٧٠٣): "وقد تبين بذلك أن ابن أبي سمينة لم ينفرد به كما ظنه أبو داود، ولكنه منكر؛ كما قاله ابن عدي".
[وانظر: الكامل لابن عدي (٦/ ٤٣٣ - ط دار الفكر) (٨/ ١٨٥ - ط الكتب العلمية) (٣/ ١٥٧/ ب- مخطوط)] [فقد رواه من طريق محمد بن المثنى -وهو: ثقة ثبت-، ومحمد بن ميمون الخياط -وهو: ليس به بأس، يهم-، كلاهما: عن معاذ به، إلا أنه سقط من إسناده من فوق يحيى بن أبي كثير، ثم قال ابن عدي: "وهذا عن يحيى غير محفوظ بهذا المتن"، فلعله أراد أن هذا المتن غير محفوظ عن ابن عباس، لا مرفوعًا، ولا موقوفًا، والله أعلم].
• والعهدة فيه عندي على معاذ بن هشام؛ فقد اختلف فيه على هشام الدستوائي:
أ- فرواه معاذ بن هشام الدستوائي [صدوق، ربما رهم]، قال: حدثني أبي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: -وأحسبه أسند ذلك إلى النبي ﷺ -، قال: … فذكره كما تقدم.
стр. 3426
ب- وخالفه أبو داود الطيالسي [ثقة حافظ]، فرواه عن هشام، عن يحيى، عن عكرمة، قال: يقطع الصلاة: الكلب، والمرأة، والخنزير، والحمار، واليهودي، والنصراني، والمجوسي.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٥٢/ ٢٩٠٤).
قلت: أخطأ معاذ بن هشام على أبيه في هذا الحديث في موضعين: وصله بذكر ابن عباس، وشك في رفعه إلى النبي ﷺ ، وكان معاذ بن هشام يغلط في الشيء بعد الشيء مع صدقه [انظر: التهذيب (٤/ ١٠٢) وغيره]، وأبو داود سليمان بن داود بن الجارود الطيالسي أحفظ من معاذ بن هشام، فإن قيل: إن أبا داود كان يغلط أيضًا إذا حدث من حفظه، فيقال: إنما كان خطؤه في رفع الموقوف، ووصل المرسل [انظر: التهذيب (٢/ ٩٠)]، وهو هنا على العكس، قد قطعه على عكرمة قوله، لم يعْدُه إلى ابن عباس، ولم يرفعه إلى النبي ﷺ ، وهو المحفوظ عن هشام، والله أعلم.
• واختلف فيه أيضًا على يحيى بن أبي كثير:
أ- فرواه هشام الدستوائي [في المحفوظ عنه]، عن يحيى، عن عكرمة، قال: يقطع الصلاة: الكلب، والمرأة، والخنزير، والحمار، واليهودي، والنصراني، والمجوسي.
هكذا مقطوعًا على عكرمة قوله.
ب- وخالفه فسلك فيه الجادة والطريق السهل: عبيس بن ميمون، فرواه عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "يقطع الصلاة: الكلب، والحمار، والمرأة، واليهودي، والنصراني، والمجوسي، والخنزير".
ذكره ابن أبي حاتم في العلل (١/ ١٧٧/ ٥٠٧).
قال أبو زرعة: "هذا حديث منكر، وعبيس: شيخ ضعيف الحديث".
وقال الأثرم: "هذا إسناد واه" [الفتح لابن رجب (٢/ ٧٠٤)].
قلت: هو حديث منكر باطل؛ خالف فيه عبيسٌ هذا أثبتَ أصحاب يحيى بن أبي كثير، هشامًا الدستوائي، وقول هشام هو الصواب، وعبيس: متروك، منكر الحديث، عامة ما يرويه غير محفوظ [لتهذيب (٣/ ٤٧)، الميزان (٣/ ٢٦)].
• تابع يحيى بن أبي كثير على قطعه على عكرمة:
أ- رواه معمر، قال: أخبرني من سمع عكرمة، يقول: يقطع الصلاة: الكلب، والخنزير، واليهودي، والنصراني، والمجوسي، والمرأة الحائض.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٢٧/ ٢٣٥٢).
وإسناده ضعيف؛ لإبهام الواسطة بين معمر وعكرمة.
ب- ورواه عبد الوارث بن سعيد، قال: حدثنا أيوب، قال: نبئت أن عكرمة قال: يقطع الصلاة: الكلب، والحمار، والمرأة، والخنزير، واليهودي، والنصراني؛ فإن مروا بين يديك قذفة حجر، أو كان فوقك، أو تحتك، أو بين يديك: لم يقطع صلاتك.
стр. 3427
أخرجه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٥٨٣ - الجزء المفقود)، قال: حدثنا عمران بن موسى القزاز، قال: حدثنا عبد الوارث به.
وإسناده صحيح إلى أيوب السختياني، لكنه لا يصح أيضًا لإبهام الواسطة بينه وبين عكرمة.
ويحتمل أن يكون المبهم في إسناد معمر وأيوب هو يحيى بن أبي كثير نفسه، فإن معمرًا وأيوب كلاهما يروي عن يحيى، فإن كان كذلك فقد عاد الحديث إلى يحيى، ولم يتابع عليه، والله أعلم.
• خالف فزاد فيه ابن عباس، موقوفًا عليه:
المعتمر بن سليمان التيمي، رواه عن أبيه، عن عكرمة، وأبي الشعثاء [جابر بن زيد]، عن ابن عباس، قال: تقطع الصلاة: المرأة الحائض، والكلب الأسود.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٢٨/ ٢٣٥٤)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٥٨٨ - الجزء المفقود)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٠٣/ ٢٤٧٠).
وهذا موقوف على ابن عباس بإسناد صحيح، رجاله رجال الصحيح.
لكن الأقرب أنه حمل لفظ عكرمة على لفظ أبي الشعثاء، فإن هذا هو لفظ أثر ابن عباس من رواية أبي الشعثاء جابر بن زيد عنه، ومن ثم فقد تكون زيادة: ابن عباس في أثر جابر بن زيد وحده؛ حيث ساق لفظه، وأعرض عن لفظ عكرمة وإسناده، والله أعلم.
والذي يؤيد ذلك: أن سليمان التيمي لم يسمع من عكرمة شيئًا، قاله أبو زرعة الرازي [المراسيل (٣٠٧)]، وعليه: فلا يحفظ في إسناد هذا الحديث ذكر ابن عباس من طريق عكرمة، إنما هو مقطوع على عكرمة قوله، والله أعلم.
• وحاصل ما تقدم: أن هذا اللفظ: يقطع الصلاة: الكلب، والمرأة، والخنزير، والحمار، واليهودي، والنصراني، والمجوسي: إنما هو من كلام عكرمة، مقطوع عليه، وليس من كلام ابن عباس، والله أعلم.
• فإن قيل: رُوي عن ابن عباس خلاف ذلك:
أ- فقد روى الثوري، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، قال: ذُكر لابن عباس: ما يقطع الصلاة؟ فقيل له: المرأة والكلب [والحمار]؟ فقال ابن عباس: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] فما يقطع هذا [ولكن يكره].
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٢٩/ ٢٣٦٠)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢٥٨/ ٨٧٦٠)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٥١٨ - الجزء المفقود)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٠٤/ ٢٤٧٤)، والطحاوي (١/ ٤٥٩)، والبيهقي في السنن (٢/ ٢٧٩)، وفي المعرفة (٢/ ١٢٥/ ١٠٦٢).
وهذا موقوف على ابن عباس بإسناد صحيح.
ولا حجة في إعلاله بتلقين سماك؛ ذلك أنه قد رواه عن سماك من لم يكن يروج عليه ما يُلقَّنه سماك، فإن سفيان الثوري ممن حمل عن سماك صحيح حديثه دون ما أخطأ
стр. 3428
فيه، وأكثر ما نُقِم على سماك هو التلقين؛ لذا فقد ضُعِّف بسببه، وقد أمناه هنا؛ قال يعقوب بن شيبة السدوسي: "ومن سمع منه قديمًا مثل شعبة وسفيان: فحديثهم عنه صحيح مستقيم".
ومما نُقم على سماك أيضًا: اضطرابه في حديث عكرمة، ذلك لأنه كان يقول فيه: عن ابن عباس، وقد أمنا خطأه هنا لما قد علمت، أعني لمجيئه من طريق سفيان عنه، فإنه كان يميز ذلك منه؛ قال ابن المديني: "روايته عن عكرمة مضطربة، فسفيان وشعبة يجعلونها عن عكرمة، وأبو الأحوص وإسرائيل يجعلونها عن عكرمة عن ابن عباس" [تاريخ دمشق (٤١/ ٩٧)، شرح علل الترمذي (٢/ ٧٩٧)، التهذيب (٣/ ٥١٧)، الميزان (٢/ ٢٣٢)].
وأما قول الذهبي في السير (٥/ ٢٤٨) في سلسلة إسناد: سماك عن عكرمة عن ابن عباس: "ولا ينبغي أن تُعدَّ صحيحةً؛ لأن سماكًا إنما تُكُلِّم فيه من أجلها".
فإن هذا ليس على إطلاقه؛ فإن قامت القرائن التي تدل على صحتها فهي صحيحة، لكنا هنا نجد ما يوافق كلام الذهبي!
فقد روى يحيى بن أبي كثير وسليمان التيمي عن عكرمة خلاف ما رواه سماك عنه، كما تقدم بيانه؛ كما أنه قد صح عن ابن عباس من طرق صحيحة، على شرط الشيخين خلاف ما رواه سماك أيضًا:
فقد روى قتادة، قال: قلت لجابر بن زيد: ما يقطع الصلاة؟ قال: قال ابن عباس: الكلب الأسود، والمرأة الحائض.
وهو موقوف على ابن عباس بإسناد صحيح، على شرط الشيخين.
ورواه عبيد الله بن أبي يزيد الليثي المكي، أنه سمع ابن عباس، قال: يقطع الصلاة: الكلب، والمرأة الحائض.
وإسناده صحيح على شرط الشيخين، موقوف على ابن عباس.
وقد تقدم ذكر هذين الأثرين في الحديث السابق (٧٠٣)، وهذان إسنادان لا مطعن فيهما، وهما أصح من إسناد سماك.
وعليه: فالأقرب عندي: تقديم ما رواه اثنان من أصحاب ابن عباس: جابر بن زيد، وعبيد الله بن أبي يزيد، على ما رواه عكرمة من طريق سماك عنه، لا سيما وقد خولف فيه سماك عن عكرمة، والله أعلم.
ب- وروى يحيى بن ميمون الضبي أبو المعلى العطار [ثقة]: حدثنا الحسن العرني، قال: ذُكر عند ابن عباس: يقطع الصلاةَ الكلبُ والحمارُ والمرأةُ، قال: بئسما عدلتم بامرأةٍ مسلمةٍ كلبًا وحمارًا، لقد رأيتني أقبلت على حمارٍ، ورسولُ الله ﷺ يصلي بالناس، حتى إذا كنت قريبًا منه مستقبله نزلت عنه، وخليت عنه، ودخلت مع رسول الله ﷺ في صلاته، فما أعاد رسول الله ﷺ صلاته، ولا نهاني عما صنعت، ولقد كان رسول الله ﷺ يصلي بالناس،
стр. 3429
فجاءت وليدة تخلل الصفوف، حتى عاذت برسول الله ﷺ ، فما أعاد رسول الله ﷺ صلاته، ولا نهاها عما صنعت، ولقد كان رسول الله ﷺ يصلي في مسجد، فخرج جدْيٌ من بعض حجرات النبي ﷺ ، فذهب يجتاز بين يديه، فمنعه رسول الله ﷺ ، قال ابن عباس: أفلا تقولون: الجدي يقطع الصلاة؟!.
وفي رواية: عن ابن عباس؛ أنه ذُكر عنده ما يقطع الصلاة، فقال: ما تقولون في الجَدْي؟ فإن رسول الله ﷺ كان يصلي، فمرَّ جَدْيٌ بين يديه، فبادر رسول الله ﷺ القبلة، ولقد صلى رسول الله ﷺ يومًا، وإن حمارةً للفضل بن عباس ترعي بين يديه.
أخرجه ابن ماجه (٩٥٣)، وأحمد (١/ ٢٤٧)، والطبراني في الكبير (١٢/ ١٣٨ و ١٤٠/ ١٢٦٩٦ و ١٢٧٠٤).
ورواه سلمة بن كهيل، عن الحسن العرني، عن ابن عباس، بمعناه.
أخرجه أحمد (١/ ٣٠٨ و ٣٤٣)، والدارقطني في الأفراد (١/ ٤٢٧/ ٢٣١٣ - أطرافه)، والطبراني في الكبير (١٢/ ١٤٠/ ١٢٧٠٣)، والبيهقي (٢/ ٢٧٧).
قال الدارقطني: "تفرد به: أبو حمزة السكري، عن رقبة بن مصقلة، عن سلمة بن كهيل عنه".
قال البخاري: "ولم يسمع الحسن من ابن عباس"، وكذا قال أحمد وابن معين [العلل ومعرفة الرجال (٣١)، التاريخ الأوسط (١/ ٢٩٦/ ١٤٤١)، المراسيل (١٥٥)، الجرح والتعديل (٣/ ٤٥)، تحفة التحصيل (٧٧)].
وهذا إسناد ضعيف؛ لانقطاعه بين الحسن العرني وابن عباس، وسيأتي الكلام عن طرق هذا الحديث في موضعه من السنن -إن شاء الله تعالى- برقم (٧١٦ و ٧١٧).
***
٧٠٥ - . . . وكيع، عن سعيد بن عبد العزيز، عن مولىً ليزيدَ بن نِمْران، عن يزيد بن نمران، قال: رأيتُ رجلًا بتبوكَ مُقعَدًا، فقال: مررتُ بين يدي النبي ﷺ ، وأنا على حمارٍ، وهو يصلي، فقال: "اللَّهُمَّ اقطع أثره"، فما مشيتُ عليها بعدُ.
• حديث منكر.
أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٢٥٤/ ٢٩٢٠)، وفي المسند (٢/ ٢٢٩/ ٧١٧)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (٢/ ٢٥٤٩/ ٦١٥ - السفر الثاني)، والبيهقي في السنن (٢/ ٢٧٥)، وفي الدلائل (٥/ ٢٤٣)، وعلقه البخاري في التاريخ الكبير (٨/ ٣٦٥).
***
٧٠٦ - قال أبو داود: حدثنا كثير بن عبيد -يعني: المَذْحِجي-: حدثنا أبو حَيْوَة، عن سعيد، بإسناده ومعناه، زاد: فقال: "قطع صلاتنا؛ قطع الله أثره".
стр. 3430
قال أبو داود: ورواه أبو مسهر، عن سعيد، قال فيه أيضًا: "قطع صلاتنا".
• حديث منكر.
أخرجه من طريق أبي داود: البيهقي في السنن (٢/ ٢٧٥)، وفي الدلائل (٥/ ٢٤٣)، والحازمي في الاعتبار (١/ ٣١٧/ ٨٠).
قال الحازمي: "هذا حديث غريب، على شرط أبي داود، وأخرجه في كتابه".
وأبو حيوة هكذا وقع في بعض النسخ، وكذا هو في تحفة الأشراف (١١/ ٢١٤/ ١٥٦٨٤ - ط المكتب الإسلامي) (١٠/ ٦١٠/ ١٥٦٨٤ - ط دار الغرب)، قال المزي: "وهو: شريح بن يزيد"، وفي بعض النسخ: حيوة، كذا فقط بدون أداة الكنية، قال ابن حجر في النكت الظراف: "الذي رأيته في د: عن حيوة بن شريح، وكذا ذكره ابن عساكر في ترجمة يزيد بن نمران من تاريخه".
• قلت: الذي يظهر لي أنه أبو حيوة؛ لأمور:
الأول: أن هذا الحديث رواه من طريق أبي داود -فقال: أبو حيوة-: البيهقي والحازمي.
الثاني: لم أر فيمن روي عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي من اسمه حيوة، وذكر المزي في ترجمته من التهذيب، فيمن روي عنه: أبا حيوة شريح بن يريد الحمصي، ورمز له برمز أبي داود، وكذلك فقد ذكر سعيدًا في شيوخ أبي حيوة.
الثالث: لم أر في شيوخ حيوة بن شريح: سعيد بن عبد العزيز التنوخي.
• وأخرجه من طريق أبي مسهر عبد الأعلى بن مسهر:
البخاري في التاريخ الكبير (٨/ ٣٦٦).
قال البخاري: وقال أبو مسهر: نا سعيد بن عبد العزيز، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر: حدثني يزيد بن جابر: حدثني ابن نمران، ولم يقل: على أتان، قال أبو مسهر: وكان سعيد فيما أعلم قال أيضًا: عن مولى يزيد، وأما أنا فإني لسمعته عن ابن جابر.
هكذا رواه أبو مسهر عن سعيد وابن جابر، فجعل يزيد بن جابر بدل مولى يزيد بن نمران، وقد خالفه في ذلك الجماعة.
• تابع أبا حيوة وأبا مسهر على هذه اللفظة: "قطع صلاتنا":
الوليد بن مزيد، والوليد بن مسلم، وأبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، ومروان بن معاوية [وهم ثقات أثبات]، وعمرو بن أبي سلمة التنيسي [صدوق، والراوي عنه: أحمد بن عيسى الخشاب التنيسي: كذبه أبو زرعة الرازي ومسلمة وابن طاهر، وقال ابن حبان: "يروي عن المجاهيل الأشياء المناكير، وعن المشاهير الأشياء المقلوبة، لا يجوز عندي الاحتجاج بما انفرد من الأخبار"، وقال الدارقطني: "ليس بالقوي"، سؤالات البرذعي (٢/ ٦٧٦)، المجروحين (١/ ١٦٠ - ط حمدي السلفي)، الكامل (١/ ١٩١)، الضعفاء
стр. 3431
والمتروكون للدارقطني (٧٣)، التهذيب (١/ ٩١)، الميزان (١/ ١٢٦)، اللسان (١/ ٥٦٨)]: عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي، قال: حدثنا مولى ليزيد بن نمران، قال: حدثني يزيد بن نمران، قال: لقيت [بتبوك] رجلًا مُقعدًا، فسألته [عن إقعاده]؟ قال: مررت بين يدي رسول الله ﷺ على أَتَانٍ، أو حمار، فقال: "قطع صلاتنا؛ قطع الله أثره"، قال: فأُقعِدت.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٨/ ٣٦٦)، وأحمد (٤/ ٦٤) و (٥/ ٣٧٦ - ٣٧٧)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٥٦٠ - الجزء المفقود)، والبيهقي في الدلائل (٦/ ٢٤١)، وإسماعيل الأصبهاني المعروف بقوام السُّنَّة في دلائل النبوة (١٨٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢١/ ٣٣٦) و (٦٨/ ٢٢٤)، والمزي في التهذيب (٣٢/ ٢٦٠).
وانظر: الثقات (٣/ ٤٤٦).
• ورواه أيضًا عن سعيد:
محمد بن بكار بن بلال العاملي [صدوق]: أرنا سعيد، عن مولى ليزيد بن نمران، عن نمران، به.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٨/ ٣٦٦) معلقًا، ولم يذكر لفظه.
• هكذا روى الوليد بن مزيد، والوليد بن مسلم، وأبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، ومروان بن معاوية، ووكيع بن الجراح [وهم ثقات أثبات]، وأبو حيوة شريح بن يزيد الحضرمي الحمصي [ثقة]، ومحمد بن بكار بن بلال العاملي [صدوق]:
رواه سبعتهم: عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي، قال: حدثنا مولى ليزيد بن نمران، قال: حدثني يزيد بن نمران، قال: لقيت رجلًا مُقعدًا … الحديث.
وخالفهم في إسناده: أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر [ثقة إمام]، فرواه عن سعيد بن عبد العزيز، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر: حدثني يزيد بن جابر: حدثني ابن نمران به.
قلت: رواية الجماعة أولى بالصواب، والله أعلم.
ويزيد بن نمران المَذحِجي الذِّماري: روي عنه ثلاثة من ثقات الشاميين، وذكره ابن حبان في الثقات [الثقات (٥/ ٥٣٩)، التهذيب (٤/ ٤٣١)].
ومولى يزيد بن نمران، سماه البخاري: سعيدًا مولى نمران، وقال: "قاله أبو اليمان عن سعيد بن عبد العزيز"، وتبعه على ذلك: ابن أبي حاتم وابن حبان وابن عساكر، ومن بعدهم، لكن وقع في الثقات: سعيد بن نمران، فلعله تصحف [التاريخ الكبير (٣/ ٥١٧)، الجرح والتعديل (٤/ ٧٧)، الثقات (٦/ ٣٧٣)، تاريخ دمشق (٢١/ ٣٣٦)، الميزان (٢/ ١ ٦٣)، التهذيب (٢/ ٥٣)]، وهو مجهول، كما في التقريب (٢٣٨).
فالإسناد ضعيف؛ والحديث منكر، والله أعلم.
قال ابن رجب في الفتح (٢/ ٧٠٦): "وفي إسناده جهالة".
وممن ضعفه أيضًا: ابن القيم في الزاد (٣/ ٥٤٣).
***
стр. 3432
٧٠٧ - . . . معاوية [يعني: ابن صالح]، عن سعيد بن غزوان، عن أبيه: أنه نزل بتبوك، وهو حاجٌّ، فإذا هو برجل مُقعَد، فسأله عن أمره؟ فقال له: سأحدثك حديثًا فلا تحدِّث به ما سمعتَ أني حيٌّ، إن رسول الله ﷺ بتبوك إلى نخلةٍ، فقال: "هذه قِبلتنا"، ثم صلى إليها، فأقبلتُ وأنا غلامٌ أسعي حتى مررتُ بينه وبينها، فقال: "قطع صلاتنا؛ قطع الله أثره"، فما قمتُ عليها إلى يومي هذا.
• حديث منكر.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٨/ ٣٦٥)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٥٦١ - الجزء المفقود)، والطبراني في مسند الشاميين (٣/ ١٩٥/ ٢٠٦٧)، والبيهقي في السنن (٢/ ٢٧٥)، وفي الدلائل (٥/ ٢٤٣ - ٢٤٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٨/ ٥٨)، والمزي في التهذيب (٢٣/ ١٠١).
قال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (١/ ٣٤٥): "إسناده ضعيف".
وقال ابن القطان في بيان الوهم (٢/ ٦٥/ ٣٥): "والحديث في غاية الضعف، ونكارة المتن، فإن دعاءه ﵇ لمن ليس له بأهل: زكاة ورحمة، فاعلم ذلك".
وقال أيضًا (٣/ ٣٥٦/ ١١٠٢): "وهو كما ذكر ضعيف، وعلته الجهل بحال سعيد، فإنها لا تعرف، فأما أبو غزوان، فإنه لا يُعرف مذكورًا، فإن ابنه وإن كانت حاله لا تعرف؛ فقد ذُكر وتُرجم باسمه في مظان ذكره وذكر أمثاله، وذكر ما يذكر به المجهولون".
وقال النووي في الخلاصة (١٧٦٧): "وذكر أبو داود أحاديث كثيرة في قطع الصلاة: بالكلب، والمرأة، والحمار، ومعظمها ضعيفة، وتأول الجمهور القطع المذكور على قطع الذكر والخشوع؛ للجمع بين الأحاديث".
وقال الذهبي في الميزان (٢/ ١٥٤) عن سعيد بن غزوان: "فهذا شامي مُقِلٌّ، ما رأيت لهم فيه ولا في أبيه كلامًا، ولا يُدري مَن هما، ولا مَن المقعد، قال عبد الحق وابن القطان: إسناده ضعيف، قلت: أظنه موضوعًا".
وقال ابن رجب في الفتح (٢/ ٦٨٥): "إسناد فيه نظر".
وممن ضعفه أيضًا: ابن القيم في الزاد (٣/ ٥٤٣).
قلت: إسناده مجهول، وهو حديث منكر؛ سعيد بن غزوان وأبوه: مجهولان، ومعاوية بن صالح، هو الحضرمي الحمصي: صدوق، له إفرادات وغرائب وأوهام، ولأجل ذلك تكلم فيه من تكلم، والأكثر على توثيقه، وقد أكثر عنه مسلم، لكن أكثره في المتابعات والشواهد، وهذا الحديث من أفراده، رواه عنه: عبد الله بن وهب، وعبد الله بن صالح.
стр. 3433
قال العلامة الألباني رحمه الله تعالى بعد رواية وكيع المتقدمة: "ثم إن متنه ظاهر النكارة؛ لأنه مخالف كل المخالفة لما عرف من هديه ﷺ في حسن إرشاده لأمته، ولطفه في تعليمهم، كما ترى ذلك في حديث الأعرابي الذي بال في المسجد النبوي، وفي حديث معاوية بن الحكم السُّلمِي، الذي تكلم في الصلاة، فلم ينهره ﵊، ولا دعا عليه! بل قال معاوية نفسه: فوالله! ما قهرني ولا كهرني ولا ضربني ولا شتمني، وإنما قال: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس … " الحديث؛
فأين هذا مما في هذا الحديث من دعائه ﵊ على هذا الرجل؛ لمجرد مروره بينه وبين السترة؟! ولذلك مال الذهبي إلى أن الحديث موضوع، … ، فما أبعد" [ضعيف سنن أبي داود (٩/ ٢٥٧/ ١١١)].
• وفي الباب أيضًا:
عن عبد الله بن عمرو:
يرويه عبد الرزاق بن همام [ثقة حافظ]، وهشام بن سليمان [هو: ابن عكرمة بن خالد المخزومي المكي: قال أبو حاتم: "مضطرب الحديث، ومحله الصدق، ما أرى به بأسًا"، وقال العقيلي: "في حديثه عن غير ابن جريج وهم"، لم يخرج له مسلم إلا من روايته عن ابن جريج، وعلق له البخاري موضعًا عن ابن جريج، وله أيضًا ما استنكر عن ابن جريج، كما في علل ابن أبي حاتم (١/ ٢٨٩/ ٨٦٢)، انظر: التاريخ الكبير (٨/ ٢٠٠)، الجرح والتعديل (٩/ ٦٢)، ضعفاء العقيلي (٤/ ٣٣٨)، شرح علل الترمذي (٧/ ٨٠٢)، التهذيب (٤/ ٢٧٢)، الميزان (٤/ ٢٩٩)، وغيرها]، وحميد بن حماد بن خوار [ليس بالقوي]:
قال عبد الرزاق: أنا ابن جريج: أخبرني عمرو بن شعيب أزاد ابن خوار: نافعًا، قرنه بعمرو بن شعيب]، عن عبد الله بن عمرو بن العاصي، قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ ببعض أعلى الوادي، نريد أن نصلي، قد قام وقمنا؛ إذ خرج علينا حمارٌ من شِعْبِ أبي دُبٍّ، شِعْب أبي موسى، فأمسك النبي ﷺ فلم يُكبِّر، وأجرى إليه يعقوب بن زَمْعة حتى ردَّه.
أخرجه أحمد (٢/ ٢٠٤)، وعبد الرزاق (٢/ ٢٢/ ٢٣٣٣)، والفاكهي في أخبار مكة (٤/ ١٤٠/ ٢٤٧١)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٥٨٢ - الجزء المفقود).
وهو حديث ضعيف؛ لانقطاعه، فإن عمرو بن شعيب لم يسمع من جد أبيه عبد الله بن عمرو [انظر: جامع التحصيل (٢٤٤)، تحفة التحصيل (٢٤٣)، الإتحاف (٩/ ٦٠١/ ١٢٠٢٧)].
***
стр. 3434
١١١ - باب سُترة الإمام سترةُ مَن خلفَه
٧٠٨ - . . . هشام بن الغاز، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: هبطنا مع رسول الله ﷺ من ثنيَّة أذاخِرَ، فحضرت الصلاة، فصلَّى -يعني: إلى جَدْرٍ [وفي نسخة: جِدار]- فاتخذه قبلةً ونحن خلفه، فجاءت بَهْمة تمرُّ بين يديه، فما زال يُدارِئُها حتى لصِق بطنُه بالجَدر [وفي نسخة: بالجِدار]، ومرَّت من ورائه.
• حديث حسن.
أخرجه أحمد (٢/ ١٩٦)، والبزار (٦/ ٤٥٣/ ٢٤٩٤)، والطبراني في مسند الشاميين (٢/ ٣٨٠/ ١٥٤٠)، والخطابي في غريب الحديث (١/ ١٦٤)، والبيهقي (٢/ ٢٦٨) و (٣/ ٢٤٥) و (٥/ ٦٠)، وابن عبد البر في التمهيد (٤/ ١٩٣).
هكذا رواه عن هشام بن الغاز: عيسى بن يونس، وأبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج.
وقد رواه أبو المغيرة مطولًا [كما في مسند أحمد، والبزار، والشاميين]، ولفظه: هبطنا مع رسول الله ﷺ من ثنية أذاخر، فنظر [إليَّ رسول الله ﷺ ]، فإذا عليَّ رَيطة مضرَّجة بعُصفُر، فقال: "ما هذه؟! فعرفت أن رسول الله ﷺ قد كرِهها، فأتيت أهلي وهم يَسجُرون تنورهم، فلففتها، ثم ألقيتها فيه، ثم أتيت رسول الله ﷺ ، فقال: "ما فعلت الريطة؟! فقلت: [قد] عرفتُ ما كرهتَ منها يا رسول الله، فأتيت أهلي وهم يسجرون تنورهم فألقيتها فيه، فقال النبي ﷺ : "فهلا كسوتها بعض أهلك".
وذكر أنه حين هبط بهم من ثنية أذاخر، صلى بهم رسول الله ﷺ إلى جَدْرٍ اتخذه قبلةً، فأقبلت بهمة تمر بين يدي النبي ﷺ ، فما زال يدارئها، ويدنو من الجدر، حتى نظرت إلى بطن رسول الله ﷺ قد لصق بالجدار، ومرت من خلفه.
ووقع عند البيهقي أيضًا هذه الرواية المطولة بطرفيها لعيسى بن يونس، لكن البيهقي اختصر الطرف موضع الشاهد منه.
وقد ذكرنا من أخرج الحديث إما بطرفيه معًا، أو بالطرف موضع الشاهد فقط.
• وأما طرف الريطة المعصفرة فأخرجه وحده:
أبو داود (٤٠٦٦)، وابن ماجه (٣٦٠٣)، والدولابي في الكنى (٢/ ٧٨٠/ ١٣٥٢)، والبيهقي في الشعب (٥/ ١٩٢/ ٦٣٢٣)، وفي الآداب (٧٢١).
وقد رواه بهذا الشطر عن هشام بن الغاز: عيسى بن يونس، وأبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج، وخلاد بن يزيد الباهلي الأرقط.
زاد عيسى بن يونس [عند أبي داود وابن ماجه]: "فإنه لا بأس به للنساء".
стр. 3435
• ولم ينفرد بهذا الشطر هشام بن الغاز، فقد تابعه عليه أحد الضعفاء:
فقد روى محمد بن بشر العبدي [ثقة حافظ]، قال: حدثنا محمد [هو: ابن أبي حميد الأنصاري المدني: ضعفوه، وهو منكر الحديث]، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ من ثنية أذاخر، فالتفت إليَّ وعليَّ ريطة مضرجة بالعصفر، فقال: "ما هذه؟ " فعرفت ما كره، فأتيت أهلي وهم يسجرون تنورهم، فقذفتها فيه، ثم أتيته من الغد، فقال: "يا عبد الله! ما فعلت الريطة؟ " فأخبرته، فقال: "ألا كسوتها بعض أهلك؛ فإنه لا بأس بذلك للنساء".
أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ١٥٩ / ٢٤٧٣٣)، ومن طريقه: ابن عبد البر في الاستذكار (٨/ ٣٠١).
• وقد اختلف في حديث الباب على هشام بن الغاز:
أ- فرواه عيسى بن يونس [كوفي، نزل الشام، ثقة مأمون] [بالشطرين معًا]، وأبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج الخولاني [حمصي، ثقة] [بالشطرين معًا]، وخلاد بن يزيد الباهلي الأرقط [بشطر الريطة المعصفرة]:
عن هشام بن الغاز، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: … فذكره.
ب- ورواه خلاد بن يزيد الباهلي الأرقط [بصري، قال أبو حاتم: "شيخ"، ولم أره في ثقات ابن حبان، وكان نبيلًا، قال ابن حجر في التقريب (١٨٤): "صدوق جليل"، انظر: الجرح والتعديل (٣/ ٣٦٧)، الفهرست لابن النديم (١٥٦)، اقتضاء العلم العمل (١٣٣)، التهذيب (١/ ٥٥٨)]، قال: حدثنا هشام بن الغاز، عن نافع، عن ابن عمر، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ فقام إلى جدار، وقمنا خلفه، فجاءت بهيمة تمر بين يديه، فجعل يذبها، حتى رأيته ألصق بطنه بالجدار، ومرت خلفه.
أخرجه المحاملي في الأمالي (٦/ ٣٣٩ - النكت الظراف بحاشية التحفة)، والطبراني في مسند الشاميين (٢/ ٣٧٩/ ١٥٣٩)، وابن عبد البر في التمهيد (٤/ ١٩٢).
قلت: وهذا وهم، وفيه سلوك للجادة، فإن هشام بن الغاز كثير الرواية عن نافع عن ابن عمر، وليس له عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إلا اليسير، أو لعله دخل له حديث في حديث [انظر: تحفة الأشراف (٥/ ٦٣٠/ ٨٥١٤ و ٨٥١٥ - ط دار الغرب)، الإتحاف (٩/ ٣٦٦/ ١١٤٤٤ - ١١٤٤٦)، مسند الشاميين (١٥٣١ - ١٥٣٨)، وغيرها].
والمحفوظ: ما رواه الثقتان عيسى بن يونس، وأبو المغيرة، عن هشام بن الغاز، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.
وهذا إسناد حسن؛ لأجل ما قيل في سلسلة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده [وانظر الكلام عليها مفصلًا عند الحديث رقم (١٣٥)].
قال النووي في الخلاصة (١٧٥٥): "رواه أبو داود بإسناد صحيح".
• قال ابن رجب في الفتح (٢/ ٦١٤) معلقًا على هذا الحديث: "وهذا يدل على أن
следующие страницы →