Полный текст (16 465 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.
стр. 3466
• وممن رواه عن الحكم فخالف منصورًا وشعبة، وأسقط صهيبًا من إسناده، أو قلبه، وخالف في سياق متنه، حيث اختصره، فأخلَّ به، وحدَّث به على التوهم:
أ- رواه ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن ابن عباس، قال: جاءت جاريتان تمشيان في القبلة، ورسول الله ﷺ يصلي، حتى أخذتا فخذيه، فلما أراد أن يركع فرق بينهما، ثم ركع.
أخرجه البزار (١١/ ٥٤/ ٤٧٤٨) [وتصحف عنده: ابن أبي ليلى، إلى: ابن أبي يعلى]، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٥٤٧ - الجزء المفقود).
وهذا حديث شاذ سندًا ومتنًا، فالمحفوظ في إسناده إثبات صهيب فيه، كما رواه منصور وشعبة عن الحكم، وأما المتن فقد خالف فيه ابن أبي ليلى [وهو: سيئ الحفظ جدًّا] هذين الحافظين الكبيرين، فزاد فيه قوله: تمشيان في القبلة، … أخذتا فخذيه، فلما أراد أن يركع فرق بينهما، ثم ركع.
ب- ورواه الحجاج بن أرطأة، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن ابن عباس، قال: صلى رسول الله ﷺ في فضاء [من الأرض] ليس بين يديه شيء.
أخرجه أحمد (١/ ٢٢٤)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٤٩/ ٢٨٦٦)، وأبو يعلى (٤/ ٤٦٩/ ٢٦٠١)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٤٩٤ - الجزء المفقود)، وأبو جعفر ابن البختري في جزء فيه ستة مجالس من أماليه (١)، والطبراني في الكبير (١٢/ ١٤٩/ ١٢٧٢٨)، وفي الأوسط (٣/ ٢٦٤/ ٣٠٩٨)، والبيهقي (٢/ ٢٧٣)، وابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ٢٨٥).
وهذا حديث شاذ سندًا ومتنًا، فالمحفوظ في إسناده إثبات صهيب فيه، كما رواه منصور وشعبة عن الحكم، وأما المتن فقد خالف فيه حجاج هذين الحافظين الكبيرين، فرواه على التوهم، حيث قال فيه: ليس بين يديه شيء، وحجاج بن أرطاة: ليس بالقوي، يدلس عن الضعفاء والمتروكين، ولم يذكر سماعًا في هذا الحديث عن الحكم، فلعله دلسه.
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن الحكم عن يحيى بن الجزار إلا الحجاج.
ورواه هريم بن سفيان، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس.
ورواه إسماعيل بن مسلم، عن الحكم، عن مجاهد".
قلت: المحفوظ في هذا الحديث سندًا ومتنًا: هو ما رواه الإمامان الحافظان منصور وشعبة عن الحكم.
• ومما ينبغي التنبيه عليه أن ابن قدامة قد عزا هذا الحديث في المغني (٢/ ٤١) للبخاري، فقال: "لما روى ابن عباس قال: صلى النبي ﷺ في فضاء ليس بين يديه شيء، رواه البخاري"، وتبعه صاحب الشرح الكبير (١/ ٦٢٩)، وقد علمت أن البخاري إنما أخرج حديث مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس،
стр. 3467
قال: أقبلتُ راكبًا على أتانٍ، … الحديث، وتقدم (٧١٥)، وليست فيه هذه اللفظة.
ج- وروى أبو معاوية، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄ قال: مررت بين يدي رسول الله ﷺ على حمار، وهو يصلي بالناس، فلم يعد تلك الصلاة من أجل ذلك.
أخرجه البزار (١١/ ١٦١/ ٤٨٩٦).
قال البزار: "وهذا الحديث رواه غير واحد عن الحكم عن يحيى بن الجزار عن ابن عباس، وقال بعضهم: عن يحيى بن الجزار عن صهيب عن ابن عباس.
إسماعيل بن مسلم: لين الحديث، وهو بصري، وينسب، ويقال: إسماعيل المكي، ولكنه نزل البصرة فنسب إليها، وقد روى عنه الأعمش والثوري وجماعة، وهذا الحديث قد رواه غيره عن الحكم بخلاف إسناده".
قلت: هذا حديث منكر؛ تفرد به إسماعيل بن مسلم المكي، وهو: ضعيف، عنده عجائب، ويروي عن الثقات المناكير [العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٣٥٢/ ٢٥٥٦)، ضعفاء العقيلي (١/ ٩٢)، الكامل (١/ ٢٨٣)، التهذيب (١/ ٦٧)]، وهو هنا تفرد بإسنادٍ على شرط الشيخين [انظر: التحفة (٤/ ٦٨٠ - دار الغرب)]، وخالف فيه إمامين حافظين.
• يبقى بعد ذلك السؤال: من هو أبو الصهباء صهيب هذا؟
قال أبو نعيم في الحلية: "اختلف في أبي الصهباء هذا، فقيل: إنه صلة [يعني: ابن أشيم]، وقيل: بل هو صهيب، ومما دل على أنه صلة: ما حدثناه أبو أحمد الغطريفي، قال: ثنا عبد الله بن شيرويه، قال: ثنا إسحاق بن راهويه، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن يحيى الجزار، عن رجل من قرى البصرة، عن ابن عباس، بنحو من ذلك".
وقال عبد الحق في الأحكام الكبرى (٢/ ١٦١): "أبو الصهباء اسمه: صهيب مولى ابن عباس: مدني ثقة، قاله أبو زرعة فيما ذكر عنه أبو محمد بن أبي حاتم، ويحيى بن الجزار: ثقة مشهور".
وقال ابن رجب في الفتح (٢/ ٦١١): "وذكر الإمام أحمد هذا الحديث، واستدل به على أن الصلاة إلى غير سترة صحيحة، وقال: ليس هو بذاك؛ يعني: من جهة إسناده، ولعله رأى أن صهيبًا هذا غير معروف، وليس هو بأبي الصهباء البكري مولى ابن عباس؛ فإن ذاك مدني".
قلت: جاء في رواية شعبة: عن صهيب رجل من أهل البصرة، وكناه منصور بأبي الصهباء، وكلاهما ذكر سماعه من ابن عباس، وأورد البخاري في تاريخه الكبير حديثه هذا في ترجمة صهيب أبي الصهباء البكري، وذكر مسلم في الكنى أبا الصهباء صهيب البكري فذكر فيمن روى عنه: يحيى بن الجزار، وسئل أبو زرعة عن أبي الصهباء صهيب مولى ابن عباس؟ فقال: "مديني ثقة"، لكنه لما سئل عن اسم أبي الصهباء البكري الراوي عن علي بن
стр. 3468
أبي طالب؟ قال: "لا أعرف اسمه"، فكأنه فرَّق بينهما، وقال النسائي: "أبو الصهباء صهيب: ضعيف، بصري"، وقال العجلي: "أبو الصهباء البكري: تابعي ثقة"، وذكره ابن حبان في موضعين من ثقاته، قال في الأول: "صهيب أبو الصهباء البكري، من أهل البصرة، يروي عن علي وابن مسعود وابن عباس، روي عنه سعيد بن جبير وطاوس"، وقال في الموضع الثاني: "أبو الصهباء: يروي عن ابن عباس، روى عنه يحيى بن الجزار، وليس هذا بصلة بن أشيم"، جعلهما اثنين، ففرق بين من روى عنه سعيد بن جبير ومن روى عنه يحيى بن الجزار، وله ذكر في صحيح مسلم (١٥٩٤) في حديث أبي سعيد في الصرف [التاريخ الكبير (٤/ ٣١٥)، الكنى لمسلم (١٧٠٠)، معرفة الثقات (٢١٨٥)، الجرح والتعديل (٤/ ٤٤٤) و (٩/ ٣٩٤)، الثقات (٤/ ٣٨١) و (٥/ ٥٩٢)، فتح الباب (٣٩٧٨)، إكمال مغلطاي (٧/ ٨)، المغني (١/ ٣١٠)، الميزان (٢/ ٣٢١)، تاريخ الإسلام (٥/ ٥٥٥)، التهذيب (٢/ ٢١٩)، التقريب (٢٨٤)، وقال: "مقبول"].
قلت: حديثه هذا لا يصح عندي، فإن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي أبا عبد الله المدني: كان ثقةً ثبتًا، إمامًا عالمًا، فقيهًا شاعرًا، كان أحد فقهاء المدينة السبعة، وكان من بحور العلم، كثير الرواية والحديث، لازم ابن عباس زمنًا طويلًا [السير (٤/ ٤٧٥)، التهذيب (٣/ ١٥)]، فهذا العالم الفقيه الإمام الثبت الحافظ الذي صحب ابن عباس، لم يزد في روايته عن ابن عباس [والتي اتفق على إخراجها الشيخان] على أن قال: أقبلتُ راكبًا على أتانٍ [وفي رواية: جئت أنا والفضلُ ونحن على أتانٍ]، وأنا يومئذٍ قد ناهزتُ الاحتلامَ، ورسولُ الله ﷺ يصلي بالناس بمنى [وفي رواية: في حجة الوداع] [وفي رواية: إلى غير جدار]، فمررتُ بين يدي بعض الصف [وفي رواية: بين يدي بعض الصف الأول] فنزلتُ، فأرسلتُ الأتانَ ترتع، ودخلتُ في الصفِّ، فلم ينكرْ ذلك عليَّ أحدٌ [وفي رواية: فلم يقل لنا رسول الله ﷺ شيئًا] [وفي رواية: فلم تقطع صلاتهم].
فلم يذكر في الحديث قصة الجاريتين، ولا أن ابن عباس مرَّ بين يدي رسول الله ﷺ ، ولا أن: الحمار مرَّ بين يدي رسول الله ﷺ وهو يصلي، ولا قال: فمررنا بين يدي النبي ﷺ فنزلنا وتركنا الحمار.
• فكيف يُعارض حديث عبيد الله بن عبد الله بحديث صهيب هذا، لا سيما وقد قال أحمد في حديث صهيب هذا: "ليس هو بذاك"، وضعفه النسائي، ولا شك أن الحديث الذي اتفق الشيخان على إخراجه مع صحة إسناده وشهرة رجاله: مقدَّم على الحديث الذي اتفقا على عدم إخراجه، مع لين إسناده، وعدم الاتفاق على توثيق راويه، والله أعلم.
• والذين صححوا حديث صهيب هذا؛ إما حملوه على مذهبهم في عدم القطع، أو أنهم تأولوه، لا سيما وقد اختلفت الرواية فيه على الحكم؛ فإن رواية منصور بن المعتمر في قصة الحمار يمكن حملها على حديث عبيد الله، بخلاف رواية شعبة.
فممن حمله على مذهبه: الطحاوي حيث قال في شرح المعاني (١/ ٤٥٩): "ففي
стр. 3469
حديث عبيد الله عن ابن عباس ﵄: أنهما مرَّا على الصف، فقد يجوز أن يكونا مرَّا على المأمومين دون الإمام، فكان ذلك غير قاطع على المأمومين، ولم يكن في ذلك دليل على حكم مرور الحمار بين يدي الإمام، ولكن في حديث صهيب عن ابن عباس ﵄: أنه مرَّ برسول الله ﷺ فلم ينصرف، فدلَّ ذلك على أن مرور الحمار بين يدي الإمام أيضًا غير قاطع للصلاة".
قلت: التصريح بمرور الحمار أمام النبي ﷺ وهو يصلي إنما ورد في رواية شعبة دون رواية منصور، كما أن في رواية عبيد الله عن ابن عباس أنه مر بين يدي بعض الصف، دليل ظاهر أنه لم يمر بين يدي رسول الله ﷺ ، والله أعلم.
ومن الذين تأولوا حديث صهيب:
أ- قال ابن خزيمة بعد رواية غندر عن شعبة، وفيها: فمررت بين يدي رسول الله ﷺ وهو يصلي (٨٣٥): "وليس في هذا الخبر أن الحمار مر بين يدي رسول الله ﷺ ، وإنما قال: فمررت بين يدي رسول الله ﷺ ، وهذه اللفظة تدل أن ابن عباس مر بين يدي النبي ﷺ بعد نزوله عن الحمار؛ لأنه قال: فمررت بين يدي رسول الله ﷺ وهو يصلي؛ إلا أن عبيد الله بن موسى رواه عن شعبة قال: فمررنا بين يديه ثم نزلنا فدخلنا معه في الصلاة، … ، والحُكم لعبيد الله بن موسى على محمد بن جعفر محال؛ لا سيما في حديث شعبة، ولو خالف محمد بن جعفر عددًا مثل عبيد الله في حديث شعبة لكان الحكم لمحمد بن جعفر عليهم، وقد روى هذا الخبر منصور بن المعتمر عن الحكم عن يحيى بن الجزار عن أبي الصهباء، وهو صهيب، قال: كنا عند ابن عباس فذكرنا ما يقطع الصلاة، فقالوا: الحمار والمرأة، فقال ابن عباس: لقد جئت أنا وغلام من بني عبد المطلب مرتدفين على حمار، ورسول الله ﷺ يصلي بالناس في أرض خلاء، فتركنا الحمار بين أيديهم، ثم جئنا حتى دخلنا بين أيديهم، فما بالى ذلك، … [وذكر الحديث بقصة الجاريتين، ثم قال:] وهذا الخبر ظاهره كخبر عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس: أن الحمار إنما مر بين يدي أصحاب النبي ﷺ لا بين يدي النبي ﷺ ، وليس فيه أن النبي ﷺ علم بذلك، فإن كان في الخبر أن النبي ﷺ بمرور الحمار بين يدي بعض من كان خلفه، فجائز أن تكون سترة النبي ﷺ كانت سترة لمن خلفه؛ إذ النبي ﷺ قد كان يستتر بالحربة إذا صلى بالمصلى، … " ثم أطال في الرد فانظره في موضعه، وإنما اقتصرت على المراد.
ومعلوم أن النبي ﷺ قد علم بذلك يقينًا، دل على ذلك قول ابن عباس في رواية ابن عيينة: فلم يقل لنا رسول الله ﷺ شيئًا، وفي رواية مالك ويونس: فلم ينكرْ ذلك عليَّ أحدٌ.
وكان قال قبل ذلك (٢/ ٢٣): "وليس في هذا الخبر أن النبي ﷺ رأى الأتان تمر، ولا ترتع بين يدي الصفوف، ولا أن النبي ﷺ أُعلم بذلك فلم يأمر من مرت الأتان بين يديه بإعادة الصلاة، والخبر ثابت صحيح عن النبي ﷺ : أن الكلب الأسود والمرأة
стр. 3470
الحائض والحمار يقطع الصلاة، وما لم يثبت خبرٌ عن النبي ﷺ بضد ذلك لم يجز القول والفتيا بخلاف ما ثبت عن النبي ﷺ ".
قلت: ثبت أن النبي ﷺ قال لأصحابه: "إني أراكم من أمامي ومن خلفي"، وفي لفظ: "إني لأراكم من ورائي كما أراكم من أمامي"، وكلاهما في الصحيح [من حديث أنس، وتقدم برقم (٦٢٤)]، فكيف يخفى عليه مرور الحمار بين أيدي أصحابه، هذا من وجه، ومن وجه آخر، فإن الله تعالى ما كان ليقرَّ الصحابة على ما لا يرضيه؛ والوحي ينزل على نبيه ﷺ ، فلو لم يعلم النبي ﷺ بذلك لأعلمه الله تعالى، وأطلعه على ذلك، والكلام في هذه المسألة يطول، وموضعها من علم الأصول معلوم، لكن اكتفيت بالإشارة، والصواب في ذلك ما قال ابن خزيمة نفسه بعد ذلك: أن سترة النبي ﷺ كانت سترة لمن خلفه، فلا يضرهم مرور الحمار بين أيديهم، والله أعلم.
ب- قال ابن رجب في الفتح (٢/ ٦١٢): "فعلى تقدير أن يكون ابن عباس مر بين يدي النبي ﷺ وهو يصلي إلى غير سترة، فإنه يحمل على أنه مر بين يديه من بُعدٍ؛ فإنه لا يُظَن بالفضل وأخيه أن يمرا على حمار بين يدي النبي ﷺ بالقرب منه، وإذا كان مرورهما بين يديه متباعدًا؛ فإنه لا يضر، ومرورهما على هذه الحال وجوده كعدمه.
وعلى تقدير أن يكونا لم يمرا إلا بين يدي بعض الصف، ولم يمرا بين يدي النبي ﷺ ، والروايات الصحيحة إنما تدل على ذلك؛ فمع ما علم من عادة النبي ﷺ من صلاته إلى العنزة في أسفاره.
وقد روي ذلك من حديث ابن عباس أيضًا، خرجه الإمام أحمد: ثنا يزيد بن أبي حكيم: حدثني الحكم بن أبان، قال: سمعت عكرمة، يقول: قال ابن عباس: ركزت العنزة بين يدي النبي ﷺ بعرفات، فصلى والحمار من وراء العنزة.
والظاهر: أنه أشار إلى مروره على الحمار بين يديه، فيستدل بالحديث حينئذ على أن سترة الإمام سترة لمن خلفه، كما استدل به البخاري، وسواء كان النبي ﷺ حينئذ يصلي إلى سترة أو إلى غير سترة؛ لأن قبلته كانت محفوظة عن المرور فيها، وكان هو ﷺ سترة لمن وراءه؛ فلذلك لم يضرهم مرور الحمار بين أيديهم.
وهذا قول جمهور العلماء: إن سترة الإمام سترة لمن خلفه".
قلت: سيأتي الكلام على رواية الحكم بن أبان قريبًا.
• وأما قصة الجاريتين فلمن صححها أن يحملها على الجارية صغيرة السن التي لم تبلغ، وهذا ظاهر من سياق القصة، حيث قال راويها: وجاءت جاريتان تسعيان من بني عبد المطلب، إذ من المعلوم أن الحجاب كان قد فرض في هذا الوقت، فلم تكن الحرة من بني عبد المطلب لتفعل هذا، وإنما يليق ذلك بالجواري صغار السن، فليس لها أحكام النساء، ولا يقال لها امرأة، إذ لم تحض بعدُ، كما أنه لا يليق بالمرأة البالغة -حتى وإن كانت أمة- أن تجهل أحكام الصلاة، فتسعى إلى النبي مستعيذة به من أختها، وهو في
стр. 3471
حال الصلاة، هذا من وجه، ومن وجه آخر: قال الراوي: فأخذتا بركبتيه [كما في رواية شعبة]، وإنما يناسب هذا الجارية الصغيرة، فلِقِصَرها أخذت بركبته، وإلا لأخذت بغير ذلك لو كانت كبيرة، والله أعلم.
قال الخطابي في غريب الحديث (١/ ١٦٥): "قوله: فرع بينهما: يريد أنه فرق بينهما، يقال: فرعت بين القوم إذا حجزت بينهم، … ، وهو مأخوذ من الفصل بين الشيئين، … ".
• ولحديث ابن عباس طرق أخرى، منها:
أ - ما رواه يحيى بن ميمون الضبي أبو المعلى العطار [ثقة]: حدثنا الحسن العرني، قال: ذُكر عند ابن عباس: يقطع الصلاةَ الكلبُ والحمارُ والمرأةُ، قال: بئسما عدلتم بامرأةٍ مسلمةٍ كلبًا وحمارًا، لقد رأيتني أقبلت على حمارٍ، ورسولُ الله ﷺ يصلي بالناس، حتى إذا كنت قريبًا منه مستقبله نزلت عنه، وخليت عنه، ودخلت مع رسول الله ﷺ في صلاته، فما أعاد رسول الله ﷺ صلاته، ولا نهاني عما صنعت، ولقد كان رسول الله ﷺ يصلي بالناس، فجاءت وليدة تخلل الصفوف، حتى عاذت برسول الله ﷺ ، فما أعاد رسول الله ﷺ صلاته، ولا نهاها عما صنعت، ولقد كان رسول الله ﷺ يصلي في مسجد، فخرج جدْيٌ من بعض حجرات النبي ﷺ ، فذهب يجتاز بين يديه، فمنعه رسول الله ﷺ ، قال ابن عباس: أفلا تقولون: الجدي يقطع الصلاة؟!.
وفي رواية: عن ابن عباس؛ أنه ذُكر عنده ما يقطع الصلاة، فقال: ما تقولون في الجَدْيِ؟ فإن رسول الله ﷺ كان يصلي، فمرَّ جَدْيٌ بين يديه، فبادر رسول الله ﷺ القبلة، ولقد صلى رسول الله ﷺ يومًا، وإن حمارةً للفضل بن عباس ترعى بين يديه.
أخرجه ابن ماجه (٩٥٣)، وأحمد (١/ ٢٤٧)، والطبراني في الكبير (١٢/ ١٣٨ و ١٤٠/ ١٢٦٩٦ و ١٢٧٠٤).
ورواه سلمة بن كهيل، عن الحسن العرني، عن ابن عباس، بمعناه.
أخرجه أحمد (١/ ٣٠٨ و ٣٤٣)، والدارقطني في الأفراد (١/ ٤٢٧/ ٢٣١٣ - أطرافه)، والطبراني في الكبير (١٢/ ١٤٠/ ١٢٧٠٣)، والبيهقي (٢/ ٢٧٧).
قال الدارقطني: "تفرد به: أبو حمزة السكري، عن رقبة بن مصقلة، عن سلمة بن كهيل عنه".
قال البخاري: "ولم يسمع الحسن من ابن عباس"، وكذا قال أحمد وابن معين [العلل ومعرفة الرجال (٣١)، التاريخ الأوسط (١/ ٢٩٦/ ١٤٤١)، المراسيل (١٥٥)، الجرح والتعديل (٣/ ٤٥)، تحفة التحصيل (٧٧)].
وهذا حديث ضعيف؛ لانقطاعه بين الحسن العرني وابن عباس [وقد تقدم ذكره تحت الحديث رقم (٧٠٤ و ٧٠٩)].
ولا يقال بأن ضعفه يسير فينجبر بحديث أبي الصهباء عن ابن عباس، وقد سبق أن
стр. 3472
اعتبرت به، وأما هنا فقد رددته، وذلك لمخالفته هو وحديث أبي الصهباء لحديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس، وقد سبق بيان وجه المخالفة، وسبب تقديم حديث عبيد الله، والله أعلم.
ب- وروى ابن جريج، قال: أخبرني عبد الكريم؛ أن مجاهدًا أخبره، عن ابن عباس، قال: ارتدفت أنا والفضل على أتان، فمررنا بين يدي رسول الله ﷺ بعرفة، وهو يصلي المكتوبة، ليس شيء يستره ويحول بيننا وبينه.
أخرجه ابن خزيمة (٢/ ٢٥/ ٨٣٨)، وعبد الرزاق (٢/ ٢٨/ ٢٣٥٧)، والبزار (١١/ ٢٠١/ ٤٩٥١)، والطبراني في الكبير (١١/ ١٠٠/ ١١١٧٢)، وابن عبد البر في التمهيد (٩/ ٢١).
قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلمه يُروى إلا عن ابن عباس، وقد رُوي عن ابن عباس من غير وجه بألفاظ، فذكرنا كل حديث منها بلفظه في موضعه".
وقال ابن خزيمة: "وغير جائز أن يحتج بعبد الكريم عن مجاهد، على الزهري عن عبيد الله بن عبد الله، وهذه اللفظة قد رُويت عن ابن عباس خلاف هذا المعنى".
ثم أسند حديث الحكم بن أبان الآتي، ثم قال: "فهذا الخبر مضاد خبر عبد الكريم عن مجاهد؛ لأن في هذا الخبر أن الحمار إنما كان وراء العنزة، وقد ركز النبي ﷺ العنزة بين يديه بعرفة فصلى إليها، وفي خبر عبد الكريم عن مجاهد قال: وهو يصلي المكتوبة ليس شيء يستره يحول بيننا وبينه، وخبر عبد الكريم وخبر الحكم بن أبان: قريب من جهة النقل؛ لأن عبد الكريم قد تكلم أهل المعرفة بالحديث في الاحتجاج بخبره، وكذلك خبر الحكم بن أبان، غير أن خبر الحكم بن أبان تؤيده أخبار عن النبي ﷺ صحاح من جهة النقل، وخبر عبد الكريم عن مجاهد يدفعه أخبار صحاح من جهة النقل عن النبي ﷺ ، وهذا الفعل الذي ذكره عبد الكريم عن مجاهد عن ابن عباس قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قد زجر عن مثل هذا الفعل؛ في خبر سهل بن أبي حثمة؛ أن النبي ﷺ قال: "إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة، وليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته"".
قلت: وعبد الكريم بن أبي المخارق، أبو أمية البصري: مجمع على ضعفه، وقال النسائي والدارقطني: متروك، وقال أحمد في رواية ابنه عبد الله: "ضعيف"، وفي رواية أبي طالب: "ليس هو بشيء، شبه المتروك" [التهذيب (٢/ ٦٠٣)، الميزان (٢/ ٦٤٦)، الجرح والتعديل (٦/ ٦٠)].
وهذا من أوهام عبد الكريم ومناكيره؛ فإن الحديث لا يُعرف من حديث مجاهد عن ابن عباس من وجهٍ يصح.
ج- وروى ابن أبي ذئب، عن شعبة [مولى ابن عباس]، عن ابن عباس، قال: مررت أنا والفضل [بن عباس] على أتان [بين يدي النبي ﷺ ]، ورسول الله ﷺ يصلي بالناس في فضاء من الأرض، فنزلنا ودخلنا معه، فما قال لنا في ذلك شيئًا.
وفي رواية: حتى جاوزنا عامة الصف، فما نهانا، ولا ردنا.
стр. 3473
وفي رواية: مررت بين يدي الناس، والنبي ﷺ يصلي بهم بعرفة، وأنا والفضل على أتان مرتدفين، فلم ينكر علينا ذلك.
أخرجه أحمد (١/ ٣٢٧ و ٣٥٢)، والطيالسي (٤/ ٤٤٦/ ٢٨٤٩) [وفيه: العباس، بدل: الفضل، وهو خطأ]، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٥٤٠ و ٥٤٨ - الجزء المفقود)، والطبراني في الكبير (١١/ ٤٢٩/ ١٢٢١٧).
وهذا حديث منكر؛ وشعبة هذا هو: ابن دينار المديني، مولى ابن عباس، قال فيه مالك -وهو الحكم في أهل المدينة، ولا قول لأحد فيهم بعده- قال: "ليس بثقة"، وهذا جرح شديد، موافق لقول ابن حبان فيه: "يروي عن ابن عباس ما لا أصل له، كأنه ابن عباس آخر"، والجمهور على تليينه، وأنه ليس بقوي [انظر: التهذيب (٢/ ١٧٠)، الميزان (٢/ ٢٧٤)، بيان الوهم (٥/ ٢٤٩٨/٣٢٤ و ٢٤٩٩) ولم يعمل شيئًا].
وله في السنن حديث منكر، تقدم برقم (٢٤٦)، وأنكرت عليه حديثًا آخر في رمي الجمرة مع الفجر.
د- أسلم، قال: ثنا عبد الخالق بن إسماعيل، قال: ثنا محمد بن يزيد، عن أبي الحسن، عن عطاء، عن ابن العباس، قال: جئت أنا والفضل بن عباس رديفين على أتان، فمررنا بين يدي رسول الله ﷺ بعرفات وهو يصلي، فلم نقطع صلاته.
أخرجه بحشل في تاريخ واسط (١٣١).
عطاء هو ابن أبي رباح المكي، وأبو الحسن هو يعقوب بن القعقاع بن الأعلم الخراساني، ومحمد بن يزيد هو الكلاعي الواسطي، وهم ثقات، لكن تفرد عنهم بهذا الإسناد: عبد الخالق بن إسماعيل، شيخ لبحشل، لم أجد له ترجمة، ولم يكثر عنه بحشل، فهو في عداد المجاهيل، وبحشل: أسلم بن سهل الواسطي: حافظ مصنف مؤرخ، وثقه خميس الحوزي وغيره، وليَّنه الدارقطني، فقال: "تكلموا فيه" [سؤالات الحاكم (١٠٦)، سؤالات السلفي (١١١)، السير (١٣/ ٥٥٣)، اللسان (٢/ ٩٧)].
فهو حديث منكر من حديث عطاء بن أبي رباح المكي، ثم من حديث أبي الحسن الخراساني، ثم من حديث محمد بن يزيد الكلاعي الواسطي، فكيف لم يُعرف الحديث عن أحد من هؤلاء الثقات الثلاثة مع تباين بلدانهم إلا من هذا الطريق الفرد، حتى يتفرد به أحد المجاهيل، وينفرد بإخراجه بحشل في تاريخه.
هـ - ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: مررت أنا والفضل بن عباس بن عبد المطلب بين يدي النبي ﷺ ، وهو يصلي في حجة الوداع، فما قال لنا شيئًا.
أخرجه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٥٥٣ - الجزء المفقود)، قال: حدثنا ابن حميد به.
стр. 3474
هذا حديث منكر؛ داود بن الحصين: أحاديثه عن عكرمة مناكير [التهذيب (١/ ٥٦١)، انظر: ما تقدم برقم (٧٤ و ١٣٣)]، ومحمد بن حميد: ضعيف.
• ورواه يزيد بن أبي حكيم العدني [صدوق]، وحفص بن عمر بن ميمون العدني [ضعيف]، وإبراهيم بن الحكم بن أبان العدني [ليس بثقة، وعامة ما يرويه لا يتابع عليه، كان يوصل المراسيل عن أبيه. التهذيب (١/ ٦٣)]:
عن الحكم بن أبان [العدني: صدوق له أوهام، تقدم الكلام عليه عند الحديث رقم (٥٩٠)]، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ركزت العنزة بين يدي رسول الله ﷺ بعرفات، فصلى إليها، والحمار من وراء العنزة.
أخرجه ابن خزيمة (٢/ ٢٦/ ٨٤٠)، وأحمد (١/ ٢٤٣)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٤٧١ - الجزء المفقود)، والطبراني في الأوسط (٣/ ١٣٠/ ٢٧٠١) و (٩/ ١٣٦/ ٩٣٤٤)، وفي الكبير (١١/ ٢٤٣ / ١١٦٢٠).
وهذا حديث غريب، من حديث عكرمة عن ابن عباس، والمحفوظ في هذه القصة عن ابن عباس أنها كانت بمنى، ولم يُذكر فيها العنزة، وإن كان معناه غير منكر؛ إذ كانت عادة النبي ﷺ في السفر والفضاء: الاستتار بالعنزة؛ كما سبق تقريره، فهو أصلح من حديث عبد الكريم عن مجاهد عن ابن عباس، كما قرر ذلك ابن خزيمة، حيث قال: "فهذا الخبر مضاد خبر عبد الكريم عن مجاهد؛ لأن في هذا الخبر أن الحمار إنما كان وراء العنزة، وقد ركز النبي ﷺ العنزة بين يديه بعرفة فصلى إليها، وفي خبر عبد الكريم عن مجاهد قال: وهو يصلي المكتوبة ليس شيء يستره يحول بيننا وبينه، وخبر عبد الكريم وخبر الحكم بن أبان: قريب من جهة النقل؛ لأن عبد الكريم قد تكلم أهل المعرفة بالحديث في الاحتجاج بخبره، وكذلك خبر الحكم بن أبان، غير أن خبر الحكم بن أبان تؤيده أخبار عن النبي ﷺ صحاح من جهة النقل، وخبر عبد الكريم عن مجاهد يدفعه أخبار صحاح من جهة النقل عن النبي ﷺ ".
و- قال ابن سمعون في الأمالي (١٨٧): أخبرنا أبو الحسين عمر بن الحسن الشيباني، قال: أخبرني محمد بن علي بن حمزة العلوي: حدثني أبي: حدثني عمي عبيد الله بن الحسن، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس ﵄، قال: رأيت النبي ﷺ يصلي وأمامَه حمار، ليس بينه وبين الحمار سترة.
قلت: جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المعروف بالصادق، هو وأبوه وجده: ثقات، ومحمد بن علي بن حمزة بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب الهاشمي العلوي العباسي، قال ابن أبي حاتم: "صدوق ثقة" [تاريخ الإسلام (١٨/ ٤٥٩) و (٢١/ ٢٧٩)، التهذيب (٣/ ٦٥٢)]، ولم أقف على من ترجم لأبيه، وأما عم أبيه عبيد الله بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب فقد ولي المدينة ومكة وقضاءهما للمأمون، وحج بالناس [نسب قريش (٨/ ٢٧٢)، تاريخ
стр. 3475
خليفة بن خياط (٤٧١ و ٤٧٥)، المعرفة والتاريخ (١/ ٦٢)، أخبار القضاة (١/ ٢٥٨)، تاريخ الطبري (٥/ ١٥١)، تاريخ بغداد (١٠/ ٣١٣)]، ولم يترجم له البخاري ولا ابن أبي حاتم ولا ابن حبان، ولما ترجم له الخطيب البغدادي لم يذكر له شيئًا سوى الولاية، فلم يذكر له رواية، ولم ينقل عن أحد فيه جرحًا ولا تعديلًا؛ مما يدل على أنه لم يكن معروفًا بالرواية، ومن ثم فهو مجهول الحال، وشيخ ابن سمعون هو: عمر بن الحسن بن علي بن مالك بن أشرس بن عبد الله بن منجاب أبو الحسين الشيباني المعروف بابن الأشناني، وقد وثقه جماعة، وتكلم فيه آخرون، لكنه ممن يحتمل، ويُقوَّى أمره [انظر: تخريج الذكر والدعاء (٣/ ١٠٠٦/ ٤٦٠)، سؤالات الحاكم (٢٥٢)، سؤالات السلمي (٢١٨)، تاريخ بغداد (١١/ ٢٣٦)، السير (١٥/ ٤٠٦)، اللسان (٦/ ٧٨)، التنكيل (١/ ٣٦٨/ ١٧٠)].
قلت: هو حديث منكر؛ ولا يحتمل تفرد هذين المجهولين بمثل هذا عن جعفر الصادق عن أبيه عن جده، لا سيما مع مخالفة الأحاديث الصحيحة في الباب، والله أعلم.
***
١١٤ - باب من قال: الكلب لا يقطع الصلاة
٧١٨ - . . . يحيى بن أيوب، عن محمد بن عمر بن علي، عن عباس بن عبيد الله بن عباس، عن الفضل بن عباس، قال: أتانا رسول الله ﷺ ونحن في باديةٍ لنا ومعه عباس، فصلى في صحراءَ ليس بين يديه سترة، وحمارةٌ لنا وكلبةٌ يعبثان [وفي نسخة: تعبثان] بين يديه، فما بالى ذلك.
• حديث ضعيف.
أخرجه الطبراني في الكبير (١٨/ ٢٩٥/ ٧٥٦)، والدارقطني (١/ ٣٦٩)، والبيهقي في السنن (٢/ ٢٧٨)، وفي المعرفة (٢/ ١٢١/ ١٠٥٧)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٢/ ٤٦١/ ٥٤٩).
رواه عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري [ليس به بأس، كان ممن يخطئ إذا حدث من حفظه]: الليث بن سعد [ثقة ثبت، فقيه إمام]، وسعيد بن أبي مريم [ثقة ثبت فقيه]، ومعاذ بن فضالة [ثقة].
وهذا لفظ الليث، ولفظ سعيد:
سعيد بن أبي مريم: أنا يحيى بن أيوب: حدثني محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب؛ أن عباس بن عبيد الله بن عباس حدثه، عن الفضل بن عباس، قال: أتى رسول الله ﷺ عباسًا في بادية لنا، فصلى العصر وبين يديه كلبة لنا، أو: حمارة لنا، فلم ينْهَهَا ولا نُؤَخِّرها [كذا].
ولفظ معاذ بن فضالة: كان أتانا رسول الله ﷺ ونحن في بادية لنا، فصلى بنا العصر، وبين يديه كليبة وحمار لنا، فما نهْنَهَهُما، وما ردَّهما.
стр. 3476
والذي يظهر لي أن هذا الاختلاف في المتن إنما هو من يحيى بن أيوب، لم يكن يضبطه، والله أعلم، فمرة يقول: فصلى في صحراء ليس بين يديه سترة، ومرة لا يذكر شأن السترة، ومرة يقيد الصلاة بالعصر، ومرة يطلق، ومرة يجمع بين الكليبة والحمار، ومرة يشك أيهما كانت، مع تصرفه في ألفاظ السياق.
ويحيى بن أيوب الغافقي المصري: صدوق سيئ الحفظ، يخطئ كثيرًا، له غرائب ومناكير يتجنبها أرباب الصحاح، وينتقون من حديثه ما أصاب فيه [انظر: التاريخ الكبير (٨/ ٢٦٠ و ٣٠٦)، الجرح والتعديل (٩/ ١٢٧)، الثقات (٧/ ٦٠٠)، مشاهير علماء الأمصار (١٥٢٨)، العلل ومعرفة الرجال (٣/ ٥٢/ ٤١٢٥)، تاريخ ابن معين للدارمي (٧١٩)، الضعفاء والمتروكون للنسائي (٦٢٦)، ثقات العجلي (١٩٦٢)، سؤالات الآجري (٥/ ق ١٤)، علل الترمذي الكبير ص (١١٨)، عمل اليوم والليلة للنسائي (٣٦٥)، طبقات ابن سعد (٧/ ٥١٦)، المعرفة والتاريخ (٢/ ٤٤٥)، ضعفاء العقيلي (٤/ ٣٩١)، الكامل (٧/ ٢١٤)، سنن الدارقطني (١/ ٩٨)، علل الدارقطني (٥/ ق ٢١)، بيان الوهم والإيهام (٢/ ٤٨٥/ ٤٨٤)، سير أعلام النبلاء (٨/ ٥)، الميزان (٤/ ٣٦٢)، من تكلم فيه (٣٦٧)، إكمال مغلطاي (١٢/ ٢٨٧)، التهذيب (٤/ ٣٤٢)].
وانظر أحاديث وهم فيها يحيى بن أيوب: التاريخ الكبير (٨/ ٣٠٦)، علل الحديث لابن أبي حاتم (١/ ٨٥ و ١٢٢ و ١٤٧/ ٢٢٦ و ٣٣٣ و ٤٠٩)، علل الدارقطني (٤/ ٣٣٥) و (٩/ ٢٦٠)، بيان الوهم والإيهام (٣/ ٣٦ و ٣٢٤ و ٤٩٥ و ٦٠٦/ ٦٩٠ و ١٠٧٠ و ١٢٦٩ و ١٤١٢) و (٤/ ٦٨ - ٨٢ و ١٤٩ و ١٥٠ و ١٧١ و ٦٣٦/ ١٥٠٤ - ١٥١٥ و ١٥٩٢ و ١٦٣٨ و ٢١٩٣ و ٢١٩٤).
وانظر في أوهامه فيما تقدم في السنن على سبيل المثال: الحديث رقم (١٥٨)، وما تحت الحديث رقم (٢٢٨ و ٣٣٥).
• وهذا الحديث قد رواه ابن جريج، لكن اختلف عليه فيه:
أ - فرواه حجاج بن محمد المصيصي [ثقة ثبت، أثبت الناس في ابن جريج]، والضحاك بن مخلد أبو عاصم النبيل [ثقة ثبت، من أصحاب ابن جريج]:
قال حجاج: قال ابن جريج: أخبرني محمد بن عمر بن علي، عن عباس بن عبيد الله بن عباس، عن الفضل بن عباس، قال: زار النبي ﷺ عباسًا في بادية لنا، ولنا كليبة وحمارة ترعى، فصلى النبي ﷺ العصر، وهما بين يديه؛ فلم تُؤَخَّرا، ولم تُزجَرا.
أخرجه النسائي في المجتبى (٢/ ٦٥/ ٧٥٣)، وفي الكبرى (١/ ٤٠٩/ ٨٣١)، وأحمد (١/ ٢١١)، وأبو يعلى (١٢/ ٩٤/ ٦٧٢٦)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٤٩٦ و ٤٩٧ - الجزء المفقود)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٠٦/ ٢٤٧٨)، والطحاوي (١/ ٤٥٩)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٢٩٤/ ٧٥٤)، والدارقطني (١/ ٣٦٩)، والبيهقي (٢/ ٢٧٨)، والمزي في التهذيب (١٤/ ٢٣١).
стр. 3477
ب- ورواه عبد الرزاق بن همام [ثقة حافظ، من أثبت الناس في ابن جريج]، فقال: أنبأنا ابن جريج، قال: حدثني محمد بن عمر بن علي، عن الفضل بن عباس، قال: زار النبي ﷺ عباسًا، ونحن في بادية لنا، فقام يصلي -قال: أراه قال: العصر-، وبين يديه كُليبة لنا، وحمار يرعى، ليس بينه وبينهما شيء يحول بينه وبينهما.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٢٨/ ٢٣٥٨)، ومن طريقه: أحمد (١/ ٢١٢)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٢٩٤/ ٧٥٥) [وفي سنده قلب في اسم محمد بن عمر بن علي].
قال الطبراني: "ولم يذكر عبد الرزاق في حديثه: العباس بن عبيد الله بن العباس".
ج- ورواه مسدد، قال: وثنا عبد الله، عن ابن جريج، عن عمر بن محمد بن علي، عن الفضل بن العباس: أن النبي ﷺ زار العباس في بادية لهم، فصلى، وكليبُه وحمارُه ترعى، ليس بينه وبينهما شيء.
أخرجه مسدد في مسنده (٢/ ١٠٧/ ١١٣٣ - إتحاف الخيرة المهرة).
وعبد الله هذا يحتمل أن يكون: عبد الله بن المبارك، أو: عبد الله بن داود الخريبي، فكلاهما روى عنه مسدد، وكلاهما يروي عن ابن جريج، وعبد الله بن المبارك: ثقة ثبت، فقيه إمام، من أثبت الناس في ابن جريج، والخريبي: بصري ثقة، معروف بالرواية عن ابن جريج.
فهذا الاختلاف على ابن جريج في إسناد هذا الحديث، يُشعر بأنه لم يكن يضبطه، فيحتمل أن يكون حدث به من كتب غيره، كما قال يحيى بن سعيد القطان عنه [انظر: شرح العلل (٢/ ٦٨٣)، التهذيب (٢/ ٦١٦)،؛ فإنه مرة يثبت العباس بن عبيد الله، ومرة يسقطه، ومرة يقول: محمد بن عمر بن علي، ومرة يقلبه، والله أعلم.
وعباس بن عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب: ذكره ابن حبان في الثقات، وهو قليل الرواية جدًّا، ولم أقف على رواية أيوب السختياني عنه، وأظن قولَ ابن حبان: "روى عنه أيوب" خطأً نشأ عن سقط وقع له في نسخة التاريخ الكبير، والذي كان ينقل منه، ففي التاريخ الكبير للبخاري ذكر العباس بهذا الإسناد حسب، والذي يرويه يحيى بن أيوب وابن جريج، كلاهما عن محمد بن عمر بن علي، عن العباس به، وقال ابن القطان الفاسي: "لا تعرف حاله"، ومن ثم فهو مستور؛ وإن وثقه الذهبي في الكاشف، وقول ابن حجر عنه في التقريب: "مقبول" هو أولى بالقبول، أعني على اصطلاحه [الطبقات الكبرى (٥/ ٣١٥)، التاريخ الكبير (٧/ ٣)، الجرح والتعديل (٦/ ٢١١)، الثقات (٥/ ٢٥٨)، بيان الوهم (٣/ ٣٥٤/ ١١٠٠)، الكاشف (١/ ٥٣٥)، التهذيب (٢/ ٢٩١)، التقريب (٣٠٥)].
ثم هو منقطع؛ فإن عباسًا لم يدرك عمه الفضل؛ فإن الفضل بن العباس قديم الموت، مات في خلافة أبي بكر ﵁، على الأرجح [التاريخ الكبير (٧/ ١١٤)، الاستيعاب (٣/ ١٢٦٩)، تاريخ الإسلام (٣/ ١٨٢)، التهذيب (٣/ ٣٩٢)، الإصابة (٥/ ٣٧٥)]، وأخوه عبيد الله بن العباس كان يصغر عبد الله بن العباس بسنة، ومن ثم كان له عند وفاة النبي ﷺ
стр. 3478
قرابة اثنتي عشرة سنة، أو أقل من ذلك [الاستيعاب (٣/ ١٠٠٩)، السير (٣/ ٥١٢)، الإصابة (٤/ ٣٩٦)]، فكيف يولد له العباس فيدرك الفضل في خلافة أبي بكر!؟ وقد نبه المزي في التهذيب على أن روايته عن الفضل مرسلة.
ومحمد بن عمر بن علي بن أبي طالب: وثقه الدارقطني ضمن جماعة، قال البرقاني للدارقطني: "الحسين بن زيد بن علي بن الحسين، عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي؟ فقال: كلهم ثقات"، وذكره ابن حبان في الثقات، وروى عنه جماعة، وقال ابن سعد: "وكان قليل الحديث"، لكن قال ابن القطان الفاسي: "لا تعرف حاله"، ومع ذلك فقد حسَّن له، وقال ابن القيم في الزاد: "وقد استُنكر بعض حديثه"؛ يعني: هذا الحديث، وقال ابن حجر: "صدوق"، وقال الذهبي في الكاشف: "ثقة"، وقال في الميزان: "ما علمت به بأسًا، ولا رأيت لهم فيه كلامًا، وقد روى له أصحاب السنن الأربعة، فما استُنكِر له حديث"، ثم ذكر كلام عبد الحق وابن القطان الآتي [الثقات (٥/ ٣٥٣)، سؤالات البرقاني (٨٥)، تاريخ دمشق (٥٤/ ٤١٣)، بيان الوهم (٣/ ٣٥٤/ ١١٠٠) و (٤/ ٢٦٧/ ١٨٠٦)، تاريخ الإسلام (٨/ ٥٣١)، زاد المعاد (٢/ ٧٩)، إكمال مغلطاي (١٠/ ٢٨٩)، الميزان (٣/ ٦٦٨)، الكاشف (٢/ ٢٠٥)، التهذيب (٣/ ٦٥٥)، التقريب (٥٥٥)].
وقد نقل الخطابي في معالم السنن (١/ ١٦٥) عن أصحاب الإمام أحمد أن في إسناد حديث الفضل مقال.
وقال ابن المنذر، وابن قدامة: "في إسناده مقال" [المغني (٢/ ٤٤)].
وقال ابن حزم: "وهذا باطل؛ لأن العباس بن عبيد الله لم يدرك عمه الفضل" [المحلى (٤/ ١٣)، تحفة التحصيل (١٦٩)، التهذيب (٢/ ٢٩١)]، وأقره ابن حجر على انقطاعه.
قلت: هو ظاهر الانقطاع؛ كما تقدم بيانه.
وقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (١/ ٣٤٤): "إسناده ضعيف".
وأقره ابن القطان الفاسي في بيان الوهم (٣/ ٣٥٤/ ١١٠٠)، ثم قال: "وعباس هذا: لا تعرف حاله، ولا ذُكر بأكثر من رواية محمد بن عمر هذا عنه، وروايته هو عن الفضل، … ، ومحمد بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أبو حفص: مجهول الحال، وقد يظنه من لا يعلم: محمد بن عمر بن علي المقدَّمي، وليس به".
قلت: وهم في نسب محمد، وإنما هو محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب [انظر: التهذيب (٣/ ٦٥٥)، الرد على ابن القطان للذهبي (٢٩)].
وخالف هؤلاء فحسنه: النووي حيث قال في الخلاصة (١٧٤٦)، وفي المجموع (٣/ ٢٢٢): "رواه أبو داود بإسناد حسن".
وقال ابن رجب في الفتح (٢/ ٧١١): "ومحمد بن عمر بن علي بن أبي طالب: وثقه
стр. 3479
الدارقطني وغيره، وعباس بن عبيد الله بن عباس: روى عنه أيوب السختياني مع جلالته وانتقاده للرجال، حتى قال أحمد: لا تسأل عمن روى عنه أيوب، وذكره ابن حبان في الثقات، وقد اختلف قول أحمد في هذا: فمرة قال: حديث أبي ذر يخالفه، ولم يعتد به: نقله عنه علي بن سعيد، ومرة عارض به حديث أبي ذر، وقدمه عليه: نقله عنه الحسن بن ثواب، لكن ليس في هذا الحديث أن الكلب كان أسود؛ فلذلك لم يرد به حديث أبي ذر في الكلب الأسود، ولم يجعله معارضًا له".
قلت: ما نقله أصحاب الإمام أحمد في تصحيح حديث أبي ذر وقبوله، أولى من مما نقله الحسن بن ثواب عنه، وانظر في هذا حديث أبي ذر المتقدم برقم (٧٠٢)، وقد سبق التنبيه على أني لم أقف على رواية أيوب السختياني عن العباس، وأن هذا النقل قد يكون محض وهم وقع لابن حبان، والله أعلم.
وحاصل ما تقدم: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.
• ومما لم يُذكر في هذه الأبواب من أحاديث القطع:
حديث أم سلمة:
يرويه وكيع، قال: حدثنا أسامة بن زيد، عن محمد بن قيس، عن أمه، عن أم سلمة، قالت: كان النبي ﷺ يصلي في حجرة أم سلمة، فمر بين يديه عبد الله أو عمر [بن أبي سلمة]، فقال بيده هكذا، قال: فرجع، قال: فمرت [زينب] ابنة أم سلمة، فقال بيده هكذا، قال: فمضت، فلما صلى رسول الله ﷺ قال: "هن أغلب".
أخرجه ابن ماجه (٩٤٨)، وأحمد (٦/ ٢٩٤)، وابن أبي شيبة (٢٥٣/ ١/ ٢٩١٨) (٢/ ٥٤٠ - ٤٥١/ ٢٩٣٥ - ط عوامة)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٣٦٢/ ٨٥١).
وعلقه ابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ٢٧٨).
هكذا رواه عن وكيع بن الجراح: أحمد بن حنبل، وأبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة.
• تنبيهات:
الأول: أخرج ابن ماجه الحديث عن ابن أبي شيبة عن وكيع به، لكن وقع عنده: "عن أبيه"، بدل: "عن أمه"، وهكذا هو في أكثر الأصول الخطية، وممن عزاه لابن ماجه هكذا بقوله: "عن أبيه":
الزيلعي في نصب الراية (٢/ ٨٥)، حيث قال: "ولم أجد في كتاب ابن ماجه ومصنف ابن أبي شيبة إلا: محمد بن قيس عن أبيه"، قلت: هو في مصنف ابن أبي شيبة: "عن أمه".
وابن رجب في الفتح (٢/ ٧١٢).
والبوصيري في مصباح الزجاجة (٢/ ٦٠٤/ ٣٤٣)، وقال: "هذا إسناد ضعيف، وقع في بعض النسخ: عن أمه، بدل: عن أبيه، واعتمد المزي ذلك، وأخرج الحديث في ترجمة أم محمد بن قيس عن أم سلمة، ولم يسمها، وأبوه أيضًا: لا يعرف، والله أعلم".
стр. 3480
والمناوي في الفيض (٦/ ٣٥٧).
وكذا هو في نسخة مغلطاي في شرحه للسنن (٥/ ١٦٢٣).
لكن وقع في بعض النسخ لابن ماجه: "عن أمه"، وممن اعتمدها: المزي في التحفة (١٢/ ١٦٤/ ١٨٢٩٣ - دار الغرب)، وفي التهذيب (٢٦/ ٣٢٤).
الثاني: وقع في مطبوعة المعجم الكبير للطبراني: "عن محمد بن بكر، عن أبيه، عن أم سلمة"، وأخشى أن يكون وهمًا من الناسخ أو الناشر، فإن الطبراني ترجم له بقوله: "أم محمد بن قيس عن أم سلمة"، مما يقتضي كون الإسناد عنده هكذا: "محمد بن قيس، عن أمه، عن أم سلمة"، وقد رواه الطبراني من طريق أبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة.
الثالث: وقع عند ابن ماجه وحده: "عن محمد بن قيس، هو: قاصُّ عمر بن عبد العزيز"، ولم أجده مقيدًا بهذا الوصف عند غيره.
ولذلك فإن المزي اعتمد ذلك في إيراد أسامة بن زيد الليثي، فيمن روى عن محمد بن قيس المدني قاص عمر بن عبد العزيز، وتبعه على ذلك جماعة، ويؤيد هذا القول: أن عبد الله بن أحمد سأل أباه، فقال: "سألت أبي عن محمد بن قيس الذي روى عنه أسامة بن زيد وأبو معشر وابن عجلان؟ فقال: هو المديني، قديم، لا أعلم إلا خيرًا"، وفرَّق بينه وبين محمد بن قيس بن مخرمة المطلبي المكي [العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٥٠٥/ ٣٣٢٨ و ٣٣٢٩)، وانظر: التاريخ الكبير (١/ ٢١٢)، الجرح والتعديل (٨/ ٦٣)، التهذيب (٣/ ٦٨١)].
لكن يُشكل عليه أن ابن سعد في الطبقات الكبرى (٨/ ٤٧٦) ترجم لأم محمد هذا بقوله: "أم محمد بن قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف بن قصي، وأمها درة بنت عقبة بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل: روت عن أم سلمة زوج النبي ﷺ ، قالت: مرَّ بعض بني سلمة على رسول الله ﷺ وهو يصلي"، فالله أعلم.
قال ابن القطان في بيان الوهم (٥/ ٢٢٥٩/٢٤): "وأم محمد بن قيس: لا تعرف البتة، فأما ابنها محمد: فإنني لا أعرف مَن هو مِن جماعة مسمَّين بهذا الاسم، وفي هذه الطبقة، وقد ذكر الحديثَ كما ذكره وكيعٌ: ابنُ أبي شيبة، والظنُّ بأبي محمد أنه لم يعرف هذا الإسناد، فلذلك تبرأ من عهدة الحديث بذكر جميعه، ولو عرفه اقتصر منه على أم سلمة، كغالب أمره فيما يذكره، و [على] هذا: فإن أسامة بن زيد الليثي مختلف فيه، فالحديث من أجله لو سلم من غيره لا يقال له: صحيح، وهو من أجل محمد بن قيس وأمه: ضعيف، فاعلم ذلك" [وانظر أيضًا: (٤/ ٨٥/ ١٥٢٣) و (٥/ ٦٨٨)] [وانظر: بغية النقاد النقلة (١/ ١١٣/ ٥٠) لابن المواق، حيث تعقب ابن القطان في بعض ما قال].
قلت: محمد بن قيس سواء كان هو: المدني قاص عمر بن عبد العزيز، أم: محمد بن قيس بن مخرمة، فكلاهما: ثقة، وأسامة بن زيد الليثي مولاهم: صدوق، صحيح الكتاب، يخطئ إذا حدث من حفظه، وقد أنكروا عليه أحاديث [تقدمت ترجمته مفصلة عند الحديث رقم (٣٩٤ و ٦٠٠ و ٦١٩)]، وأخاف أن يكون هذا من مناكيره؛ حيث تفرد به،
стр. 3481
وقد أعرض عن حديثه هذا أرباب الصحاح، فلم يخرجه ابن خزيمة ولا ابن حبان ولا الحاكم، ولا غيرهم ممن صنف في الصحيح وكان شرطه دون شرط الشيخين، لا سيما وقد استشهد مسلم بأسامة من رواية ابن وهب عنه، وأخرج له ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، فكيف يعرضوا عن حديثه هذا مع حاجتهم إليه؟ فإذا انضم إلى ذلك جهالة أم محمد بن قيس، وأنه لا يُعرف لها سماع من أم سلمة، كما أن سياق الحديث كأنه لها، وليس لأم سلمة، وكأن ذكر أم سلمة في إسناده مقحم، حيث يبدو من ظاهر السياق أن أم محمد بن قيس هي التي تحكي الواقعة، ولم تدركها، والله أعلم.
إذا تبين هذا دل على أنه: حديث ضعيف، والله أعلم.
• ومما روي في صلاة النبي ﷺ إلى غير سترة:
حديث المطلب بن أبي وداعة:
يرويه ابن جريج [ثقة فقيه، مدلس، وقد صرح فيه بالسماع من كثير بن كثير]، وسالم بن عبد الله الخياط [صدوق، سيئ الحفظ]، وعمر بن قيس [المعروف بسندل: متروك]، وزهير بن محمد التميمي [والراوي عنه: الوليد بن مسلم الدمشقي وعمرو بن أبي سلمة التنيسي، ورواية أهل الشام عن زهير غير مستقيمة، والتنيسي يروي عنه أحاديث منكرة]، وعبد الملك ابن عم المطلب بن أبي وداعة [لم أعرفه]، ومحمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير [متروك، منكر الحديث. اللسان (٧/ ٢٢٧ و ٤٠٤)]:
عن كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، عن أبيه [وفي رواية لابن جريج: عن أبيه، وذكر أعمامه]، عن جده [المطلب بن أبي وداعة]، قال: رأيت النبي ﷺ يصلي في المسجد الحرام، والناس يطوفون بالبيت بينه وبين القبلة بين يديه، ليس بينه وبينهم سترة.
وفي رواية: رأيت رسول الله ﷺ إذا فرغ من سُبُعه جاء حتى يحاذِيَ بالركن، فصلى ركعتين في حاشية المطاف، وليس بينه وبين الطواف أحد.
قال ابن ماجه بعده: "هذا بمكةَ خاصة".
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٨/ ٧)، وأبو داود (٢٠١٦)، والنسائي في المجتبى (٢/ ٦٧/ ٧٥٨) و (٥/ ٢٣٥/ ٢٩٥٩)، وفي الكبرى (١/ ٤١٠/ ٨٣٦) و (٤/ ١٣٦/ ٣٩٣٩)، وابن ماجه (٢٩٥٨)، وابن خزيمة (٢/ ١٥/ ٨١٥)، وابن حبان (٦/ ١٢٧ و ١٢٨/ ٢٣٦٣ و ٢٣٦٤)، والحاكم (١/ ٢٥٤)، وأحمد في المسند (٦/ ٣٩٩)، وفي العلل ومعرفة الرجال (٣/ ٤٥٦/ ٥٩٤١)، وعبد الرزاق (٢/ ٣٥/ ٢٣٨٧)، والحميدي (٥٧٨)، وابن أبي شيبة (٣/ ٣٧١/ ١٥٠٤٠)، والفاكهي في أخبار مكة (٢/ ١٠٩ و ١١٠/ ١٢٣١ و ١٢٣٣)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (٣/ ٥١)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢/ ١١٠/ ٨١٤)، وأبو يعلى (١٢/ ٢٩٥/ ٦٨٧٥)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٥٥٧ و ٥٥٨ - الجزء المفقود)، والطحاوي في مشكل الآثار (٧/ ٢٣ و ٢٥)، وفي شرح معاني الآثار (١/ ٤٦١)، وابن قانع في المعجم (٣/ ١٠١) [لكنه أسقط من طريق سندل
стр. 3482
رجلًا من الإسناد، وانظر: علل الدارقطني (١٤/ ٤٣/ ٣٤٠٨)]، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٨٨ و ٢٨٩ و ٢٩٠/ ٦٨٠ و ٦٨٢ و ٦٨٣ و ٦٨٥ و ٦٨٧).
وفي رواية هشام بن حسان، قال: ثنا غير واحد من أهل مكة، منهم: عبد الملك ابن عم المطلب بن أبي وداعة، عن كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، عن أبيه، عن جده ﵁ قال: رأيت النبي ﷺ خرج من البيت فأتى المكان، وأشار إلى موضع سقاية خالد، قبالة الحجر الأسود، فصلى ركعتين، والرجال والنساء يمرون بين يديه، وما بينهم وبينه شيء. وفي رواية لابن جريج: أتى موضع الفسقينة.
• هكذا روى هذا الحديث عن ابن جريج جماعة من أصحابه الثقات الحفاظ، منهم: يحيى بن سعيد القطان، وسفيان بن عيينة، وأبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، وأبو أسامة حماد بن أسامة، وعيسى بن يونس، ويحيى بن سعيد الأموي، والليث بن سعد [من رواية عبد الله بن صالح، وعبد الله بن عبد الحكم] [طب (٦٨٣)].
واختلف الثقات فيه على عبد الله بن صالح كاتب الليث بن سعد [وهو صدوق، كثير الغلط، ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة]، فرواه مرة عن الليث هكذا كالجماعة.
ورواه مرة أخرى عن الليث بن سعد، عن ابن جريج، عن كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، عن أبيه، عن غير واحد من أعيان بني المطلب، عن المطلب بن أبي وداعة، أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ لما قضى سعيه يصلي في حاشية المطاف، وليس بينه وبين الطوافين سترة.
أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٥/ ٩٢ - ٩٣/ ٢٤٤١)، قال: حدثنا علان بن المغيرة [هو: علي بن عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة المخزومي مولاهم المصري: ثقة]، قال: ثنا أبو صالح، قال: حدثني الليث به.
• وخالف جماعة الثقات عن ابن جريج: حماد بن زيد [ثقة ثبت، أثبت الناس في أيوب السختياني]، فرواه عن ابن جريج: حدثني كثير بن كثير بن المطلب، عن أبيه: حدثني أعيان المطلب، عن المطلب بن أبي وداعة، قال: رأيت النبي ﷺ يصلي حيال الركن، والرجال يمرون بين يديه.
أخرجه الطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٩٠/ ٦٨٤)، قال: حدثنا أحمد بن داود المكي [هو: أحمد بن داود بن موسى السدوسي البصري المكي: ثقة. المنتظم (١٢/ ٣٤٥)، تاريخ الإسلام (٢١/ ٥٧)، مغاني الأخيار (١/ ٢٦)]: ثنا محمد بن أبي بكر المقدمي: ثنا حماد به.
واختلف فيه على المقدمي:
فرواه أحمد بن داود المكي [ثقة]، ويوسف بن يعقوب القاضى [ثقة حافظ، وهو راوية المقدمي. تاريخ بغداد (١٤/ ٣١٠)، الإرشاد (٢/ ٦٠٨)، السير (١٤/ ٨٥)، التذكرة (٢/ ٦٦٠)]، عن المقدمي به هكذا [كما عند الطبراني في الكبير، وذكره الدارقطني في العلل (١٤/ ٤٣/ ٣٤٠٨)].
стр. 3483
وخالفهما: معاذ بن المثنى بن معاذ العنبري [ثقة. تاريخ بغداد (١٣/ ١٣٦)، تاريخ الإسلام (٢١/ ٣٠٨)، السير (١٣/ ٥٢٧)]، فرواه عن المقدمي، عن حماد، عن ابن جريج، عن كثير بن كثير، قال: حدثني أعيان بني المطلب، عن المطلب به.
ذكره الدارقطني في العلل (١٤/ ٤٣/ ٣٤٠٨).
واختلف فيه على حماد بن زيد:
أ - فرواه محمد بن أبي بكر بن علي المقدمي [ثقة]: ثنا حماد به، كما تقدم على الاختلاف المذكور.
ب - ورواه أحمد بن حاتم بن مخشي [وفي رواية الطبراني: عيسى، بدل: مخشي] [وهو غير أحمد بن حاتم الطويل، فرَّق بينهما ابن أبي حاتم، وجعلهما ابن حبان واحدًا، روى عنه أبو زرعة. الجرح والتعديل (٢/ ٤٨)، الثقات (٨/ ١١)]: نا حماد بن زيد: نا عمرو بن دينار، عن عثمان [وفي رواية الطبراني: عباد، وكذا هو في علل الدارقطني (١٤/ ٤٣/ ٣٤٠٨)، ولم أجد من ترجم له] بن المطلب، عن المطلب بن أبي وداعة، قال: كان رسول الله ﷺ يصلي عند حيال الركن عند السقاية، والنساء والرجال يمرون بين يديه.
أخرجه ابن قانع في المعجم (٣/ ١٠٠)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٩٠/ ٦٨٦).
قلت: هذه الرواية وهم على حماد بن زيد، ولا يُعرف من حديث عمرو بن دينار، فهو حديث غريب جدًّا.
قال الدارقطني في العلل (١٤/ ٤٣ / ٣٤٠٨): "وهو غريب من حديث عمرو بن دينار، لا أعلم جاء به عنهم غير أحمد بن حاتم، عن حماد بن زيد، وقول ابن عيينة أصحها".
• قلت: وحاصل هذا الاختلاف على ابن جريج: أن المحفوظ ما رواه عنه جماعة الحفاظ، والله أعلم.
وقد احتج به من صححه على إباحة مرور المرء بين يدي المصلي إذا صلى إلى غير سترة يستتر بها.
• ورواه سفيان بن عيينة، واختلف عليه:
أ - فرواه الشافعي، والحميدي، وأحمد بن حنبل، وعلي بن المديني [وهم أئمة أجلاء، ثقات حفاظ، أثبت أصحاب ابن عيينة]، وأبو بكر بن أبي شيبة [ثقة حافظ]، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر العدني [صدوق، لازم ابن عيينة]، وإبراهيم بن بشار الرمادي [ثقة، من أصحاب ابن عيينة]، وسعدان بن نصر [صدوق. الجرح والتعديل (٤/ ٢٩١)، سؤالات السلمي (١٤٢)، السير (١٢/ ٣٥٧)]، وأحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي [ثقة]، وهارون بن عبد الله الحمال [ثقة]، ويونس بن عبد الأعلى [ثقة]، وغيرهم:
عن سفيان، قال: ثنا كثير بن كثير بن المطلب، عن بعض أهله؛ أنه سمع جده المطلب بن أبي وداعة، يقول: رأيت رسول الله ﷺ يصلي مما يلي باب بني سهم، والناس يمرون بين يديه، وليس بينه وبين الطواف سترة.
стр. 3484
قال سفيان: وكان ابن جريج حدثنا أولًا: عن كثير عن أبيه عن المطلب، فلما سألته عنه؟ قال: ليس هو عن أبي [وفي رواية أحمد: ليس من أبي سمعته]، إنما أخبرني بعض أهلي أنه سمعه من المطلب. هكذا في حديث الحميدي، وأحمد، والعدني.
وقال ابن المديني: قال سفيان: فذهبت إلى كثير فسألته، قلت: حديث تحدثه عن أبيك؟ قال: لم أسمعه من أبي، حدثني بعض أهلي، عن جدي المطلب.
قال علي: "قوله: لم أسمعه من أبي، شديد على ابن جريج"، قال أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي: "يعني: ابن جريج لم يضبطه".
وفي رواية الرمادي: قال سفيان: فحدثنا كثير بن كثير بعد ما سمعته من ابن جريج، قال: أخبرني بعض أهلي، ولم أسمعه من أبي.
أخرجه أبو داود (٢٠١٦)، وأحمد في المسند (٦/ ٣٩٩)، وفي العلل ومعرفة الرجال (٣/ ٤٥٦/ ٥٩٣٩ - ٥٩٤١)، والشافعي في اختلاف الحديث (١٠/ ١٢٢ - ١٢٣/ ١٢١ - أم)، والحميدي (٥٧٨)، وابن أبي شيبة (٣/ ٣٧١/ ١٥٠٣٩)، والأزرقي في أخبار مكة (٢/ ٦٧)، والفاكهي في أخبار مكة (٢/ ١٠٩/ ١٢٣١)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (٣/ ٥١)، وأبو يعلى (١٣/ ١١٩/ ٧١٧٣)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٥٥٦ - الجزء المفقود)، والطحاوي في مشكل الآثار (٧/ ٢٣)، وفي شرح معاني الآثار (١/ ٤٦١)، وابن قانع في المعجم (٣/ ١٠١)، والبيهقي في السنن (٢/ ٢٧٣)، وفي المعرفة (٢/ ١٢٠/ ١٠٥٣ و ١٠٥٤).
ب- ورواه عبد الرزاق بن همام [ثقة حافظ]:
عن ابن عيينة، عن كثير بن كثير، عن أبيه، عن جده، قال: رأيت النبي ﷺ . . . فذكره، وزاد في رواية: مما يلي باب سهم.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٣٥/ ٢٣٨٨ و ٢٣٨٩)، ومن طريقه: ابن المنذر في الأوسط (٥/ ٩٣/ ٢٤٤٢) [لكن وقع عنده كرواية الجماعة عن ابن عيينة: عن كثير بن المطلب، عن بعض أهله، عن جده]، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٨٩/ ٦٨١).
والمحفوظ: رواية الجماعة، ورواية عبد الرزاق وهم.
قلت: رواية ابن عيينة بيَّنت عوار رواية ابن جريج ومن معه، وأن كثير بن كثير لم يسمع هذا الحديث من أبيه، وإنما رواه عمن لم يسمه، عن جده المطلب، فسقط بذلك الاحتجاج بهذا الحديث لأجل هذا المبهم، والله أعلم.
قال ابن المديني: قال سفيان: فذهبت إلى كثير فسألته، قلت: حديث تحدثه عن أبيك؟ قال: لم أسمعه من أبي، حدثني بعض أهلي، عن جدي المطلب.
قال علي عقبه: "قوله: لم أسمعه من أبي، شديد على ابن جريج"، قال أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي: "يعني: ابن جريج لم يضبطه".
وقال البيهقي معقبًا: "وقد قيل: عن ابن جريج، عن كثير، عن أبيه، قال: حدثني أعيان بني المطلب، عن المطلب، ورواية ابن عيينة: أحفظ".
стр. 3485
وقد ترجم البخاري في صحيحه بابًا في أبواب السترة، فقال: "باب السترة بمكة وغيرها"، ثم أخرج تحته حديث أبي جحيفة [صحيح البخاري (٥٠١)].
قال ابن حجر في الفتح (١/ ٥٧٦) معلقًا على ترجمة البخاري: "فأراد البخاري التنبيه على ضعف هذا الحديث [يعني: حديث ابن أبي وداعة]، وأن لا فرق بين مكة وغيرها في مشروعية السترة، واستدل على ذلك بحديث أبي جحيفة".
قال الدارقطني في العلل (١٤/ ٣٤٠٨/٤٢): "وقول ابن عيينة: أصحها".
وانظر: الأحكام الوسطى (١/ ٣٤٤)، بيان الوهم (٥/ ٥٣٩/ ٢٧٧١).
وقال العلائي: "فتبين أن الحديث مرسل" [جامع التحصيل (٦٤٩)، تحفة التحصيل (٢٦٩)].
وقال ابن رجب في الفتح (٢/ ٦٤٢): "وقد تبين برواية ابن عيينة هذه أنها أصح من رواية ابن جريج، ولكن يصير في إسنادها من لا يعرف".
وقال ابن حجر في الفتح (١/ ٥٧٦) عن حديث ابن جريج: "ورجاله موثقون؛ إلا أنه معلول".
فهو حديث ضعيف.
وكثير بن المطلب بن أبي وداعة: روى عنه أولاده الثلاثة، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين [التهذيب (٣/ ٤٦٦)]، لكن لا يثبت ذكره في هذا الحديث، وبقية رجاله ثقات، والله أعلم.
• ورواه عبد ربه بن عطاء الله القرشي، قال: حدثني أبو سفيان بن عبد الرحمن بن المطلب بن أبي وداعة، عن أبيه، عن جده: أنه رأى النبي ﷺ يصلي، وليس بينه وبين الذين يطوفون بالبيت سترة.
أخرجه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٥٥٤ - الجزء المفقود)، وابن شاهين في الناسخ (٢٣٦)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٦/ ٣٠٤٥/ ٧٠٥١).
عبد الرحمن بن المطلب: روى عنه اثنان، وذكره ابن حبان في الثقات، وهو معروف بتساهله في توثيق المجاهيل [التاريخ الكبير (٥/ ٣٥٠)، الجرح والتعديل (٥/ ٢٨٣)، الثقات (٥/ ٨١)].
وأبو سفيان بن عبد الرحمن بن المطلب: لا يُعرف إلا بهذا الإسناد [كنى البخاري (٣٩)، الجرح والتعديل (٩/ ٣٨١)، فتح الباب (٣٥٦١)].
وعبد ربه بن عطاء الله القرشي: مجهول الحال [الجرح والتعديل (٦/ ٤٣)، تاريخ الإسلام (١٠/ ٣٤٠)، التهذيب (٢/ ٤٨٢)، التقريب (٣٥٦)].
فهو إسناد مجهول.
ولا يقال بأن هذا الإسناد يعضد الإسناد السابق؛ فقد يكون هؤلاء هم بعض آل المطلب الذين أبهمهم كثير، والله أعلم.
стр. 3486
وانظر فيمن وهم في إسناده: معرفة الصحابة لأبي نعيم (٦/ ٣٠٤٤/ ٧٠٥٠).
• ورواه أحمد بن حاتم بن مخشى: نا حماد بن زيد: نا عمرو بن دينار، عن عثمان [وفي رواية: عباد] بن المطلب، عن المطلب بن أبي وداعة، قال: كان رسول الله ﷺ يصلي عند حيال الركن عند السقاية، والنساء والرجال يمرون بين يديه.
أخرجه ابن قانع في المعجم (٣/ ١٠٠)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٩٠/ ٦٨٦).
وهذا حديث غريب جدًّا، وهو وهم، تقدم الكلام عليه.
وانظر: أطراف الغرائب والأفراد (٢/ ٥٠٦/ ٦٥٠١)، الحديث المتقدم برقم (٦٨٤).
• وحاصل ما تقدم من أحاديث في الصلاة إلى غيرة سترة:
فأحاديث هذا الباب إما صحيح غير صريح، وإما صريح غير صحيح، وغاية ما يمكن الاحتجاج به مما صح هو حديث ابن عباس [عند البخاري]: أن رسول الله ﷺ صلى بمنى إلى غير جدار، لكنه كما قلت ليس صريحًا في بيان المراد، وقد تقدم بيان المراد من قوله: إلى غير جدار، وهو أنه ﷺ صلى في أرض خلاء، ولم يذكر ابن عباس شأن السترة، وقد كانت عادته ﷺ إذا صلى في أرض فضاء أن يصلي إلى العنزة، كما في حديث أبي جحيفة وحديث ابن عمر وغيرهما، وتقدم تفصيل القول فيه في موضعه، وأما ما جاء صريحًا في أن النبي ﷺ صلى إلى غير سترة، فلا يصح من ذلك شيء، والله أعلم.
لكن الزهري قد احتج بحديث عائشة ﵂ في صلاة النبي ﷺ وهي معترضة بين يديه، احتج به على جواز الصلاة إلى غير سترة، فقد سأله عبد الرحمن بن نمر عن إمام يصلي بلا سترة؟ فقال: أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة، قالت: لقد كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل وأنا معترضة بينه وبين القبلة على فراش أهله [مسند الشاميين (٢٨٩٠)] [وتقدم تخريجه قريبًا تحت الحديث رقم (٧١١)].
وهو دليل قوي في هذه المسألة، وهو صالح لصرف الأمر الوارد في حديث سبرة بن معبد مرفوعًا: "استتروا في صلاتكم، ولو بسهم" [وهو حديث صحيح، تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (٤٩٤)، وذكرته في شواهد الحديث رقم (٦٨٨)]، فقد دل حديث سبرة هذا على وجوب اتخاذ السترة بدلالة الأمر والسياق، لكن دلالة هذا الأمر على الوجوب يمكن صرفها إلى الاستحباب إذا ثبت عن النبي ﷺ أنه صلى إلى غير سترة، وقد ثبت، كما في حديث عائشة، وقد احتج به الزهري على المطلوب، وعليه: فإن اتخاذ السترة مستحب، وليس بواجب، ومن صلى إلى غير سترة صحت صلاته، وأجزأته من غير إثم، لا سيما مع أمن أن لا يمر بين يديه أحد، والله أعلم.
قال ابن القاسم في المدونة (١/ ١١٣): "وقال مالك: من كان في سفر فلا بأس أن يصلي إلى غير سترة، وأما في الحضر فلا يصلي إلا إلى سترة.
قال ابن القاسم: إلا أن يكون في الحضر بموضع يأمن أن لا يمر بين يديه أحد، مثل الجنازة يحضرها فتحضره الصلاة خارجًا، وما أشبه ذلك، فلا بأس أن يصلي إلى غير سترة".
стр. 3487
وقال أحمد في الرجل يصلي في فضاء ليس بين يديه سترة ولا خط: "صلاته جائزة"، وقال: "أُحِبُّ أن يفعل، فإن لم يفعل يجزيه" [مسائل أبي داود (٣١٥)، المغني (٢/ ٤١)].
وبه قال الشافعي، وابن جرير الطبري [اختلاف الحديث (١٠/ ١٢٣ - أم)، تهذيب الآثار ص (٣١٨) (الجزء المفقود)]، وغيرهما، لكن مع اختلاف مدركهم، والله أعلم.
***
١١٥ - باب من قال: لا يقطع الصلاة شيء
٧١٩ - . . . أبو أسامة، عن مجالد، عن أبي الودَّاك، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقطعُ الصلاةَ شيءٌ"، وادرؤوا ما استطعتم، فإنما هو شيطان".
• حديث ضعيف.
تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (٦٩٨).
***
٧٢٠ - . . . عبد الواحد بن زياد: حدثنا مجالد: حدثنا أبو الوداك، قال: مرَّ شابٌّ من قريش بين يدَيْ أبي سعيد الخدري وهو يصلي، فدفعه، ثم عاد فدفعه، ثلاث مرات، فلما انصرف قال: إن الصلاة لا يقطعها شيء، ولكن قال رسول الله ﷺ : "ادرؤوا ما استطعتم؛ فإنه شيطان".
• حديث ضعيف.
وهو حديث ضعيف مضطرب، والأقرب وقف موضع الشاهد على أبي سعيد، وإسناده ضعيف أيضًا، وقد سبق الكلام عليه تحت الحديث رقم (٦٩٨).
• وفي الباب عن عددٍ من الصحابة مرفوعًا:
١ - عن جابر بن عبد الله:
رواه يحيى بن ميمون: نا جرير بن حازم، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: كان رسول الله ﷺ قائمًا يصلي، فذهبت شاة تمر بين يديه فساعاها رسول الله ﷺ حتى ألزقها بالحائط، ثم قال رسول الله ﷺ : "لا يقطع الصلاة شيء، وادرؤوا ما استطعتم".
أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ٣٧٧/ ٧٧٧٤).
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن محمد بن المنكدر إلا جرير بن حازم، تفرد به: يحيى بن ميمون".
стр. 3488
قال الهيثمي في المجمع (٢/ ٦٢): "رواه الطبراني في الأوسط، وفيه يحيى بن ميمون التمار، وهو ضعيف، وقد ذكره ابن حبان في الثقات".
قلت: هو حديث باطل، يحيى بن ميمون بن عطاء أبو أيوب التمار: متروك، منكر الحديث، كذبه الفلاس والساجي [التهذيب (٤/ ٣٩٤)، الميزان (٤/ ٤١١)]، وقد حدث بأحاديث بواطيل، وهذا منها، وقد تقدم الكلام عليه تحت الحديث رقم (٧٠٩).
٢ - عن أبي أمامة:
رواه عُفَير بن معدان، عن سليم بن عامر، عن أبي أمامة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقطع الصلاة شيء".
أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ١٦٥/ ٧٦٨٧)، والدارقطني (١/ ٣٦٨)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٤٢٦/ ٥٨٢)، والذهبي في تاريخ الإسلام (٤١/ ٤٠١)، وضعفه.
وهذا حديث منكر؛ عفير بن معدان: ضعفوه، منكر الحديث، يروي عن سليم بن عامر، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ : ما لا أصل له [التهذيب (٣/ ١١٩)، الميزان (٣/ ٨٣)].
٣ - عن عائشة:
رواه عبد الله بن محمد بن يعقوب البخاري: حدثنا موسى بن أفلح بن خالد أبو عمران البخاري: حدثنا أبو حذيفة إسحاق بن بشر البخاري: حدثنا سفيان الثوري، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يقطع الصلاة شيء؛ ولكن امنع ما استطعت في نفسه".
أخرجه ابن عدي في الكامل (١/ ٣٣٧).
وهذا حديث موضوع؛ إسحاق بن بشر، وعبد الله بن محمد بن يعقوب البخاري الحارثي، كلاهما: متهم بوضع الحديث [اللسان (٢/ ٤٤) و (٤/ ٥٨٠)،، قال ابن عدي بعد أن ساق عدة أحاديث في ترجمة إسحاق بن بشر، وهذا منها: "وهذه الأحاديث مع غيرها؛ مما يرويه إسحاق بن بشر هذا: غير محفوظة كلها، وأحاديثه منكرة؛ إما إسنادًا أو متنًا، لا يتابعه أحد عليها".
٤ - عن ابن عمر:
رواه إسحاق بن البهلول: ثنا يحيى بن المتوكل: ثنا إبراهيم بن يزيد: ثنا سالم بن عبد الله، عن أبيه؛ أن رسول الله ﷺ ، وأبا بكر، وعمر، قالوا: "لا يقطع صلاة المسلم شيء، وادرأ ما استطعت".
أخرجه الدارقطني في السنن (١/ ٣٦٧)، وفي الأفراد (١/ ٥٢٦ و ٥٢٧/ ٣٠٠٧ و ٣٠١١ - أطرافه)، ومن طريقه: ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ٤٤٥/ ٧٦١).
وأخرجه ابن عدي في الكامل (٧/ ٢٠٧) مطولًا بلفظ: أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر قالوا: "لا تُقطعُ صلاةُ المسلم بشيءٍ، وادرؤوا ما استطعتم"، وكانوا يقرؤونها: ﴿مَالِكِ يَوْمِ
стр. 3489
الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٤]، وكانوا يستفتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢].
وأخرج بعضه بدون موضع الشاهد: الخطيب في الموضح (١/ ٣٨٣).
قال ابن عدي: "وهذا عن سالم يرويه: إبراهيم بن يزيد المكي، وعن إبراهيم بن يزيد: أبو عقيل".
وقال الدارقطني: "تفرد به إبراهيم عن سالم، وتفرد به يحيى بن المتوكل عنه، ولا نعلم حدث به غير إسحاق بن بهلول، ورواه الزهري عن سالم عن أبيه، من قوله".
وهذا حديث منكر؛ تفرد برفعه إبراهيم بن يزيد الخوزي، وهو: متروك، منكر الحديث [التهذيب (١/ ٩٤)]، وأنكره على الخوزي: ابن حبان في المجروحين (١/ ١٠١).
إلا أن ابن عدي جعل التبعة فيه على أبي عقيل يحيى بن المتوكل [صاحب بُهية، وقد ضعفوه. التهذيب (٤/ ٣٨٤)]، حيث أورد هذا الحديث في ترجمته، وبين أنه هو المتفرد به، ثم قال: "عامة أحاديثه غير محفوظة".
لكن وقع في الإسناد منسوبًا: يحيى بن المتوكل الباهلي، والراوي عنه: إسحاق بن بهلول التنوخي، والباهلي الذي يروي عنه إسحاق بن بهلول غير أبي عقيل صاحب بهية، وكلام ابن عدي يدل على أنه جعلهما واحدًا، ولم يفرق بينهما، وقد فرق بينهما: ابن معين والبخاري وأبو حاتم وابن حبان [التهذيب (٤/ ٣٨٤)، التاريخ الكبير (٨/ ٣٠٦)، الجرح والتعديل (٩/ ١٨٩ و ١٩٠)، الثقات (٧/ ٦١٢)، المجروحين (٣/ ١١٦)]، وأبو عقيل صاحب بهية قد ضعفوه، وأما الباهلي: فقال ابن معين: "لا أعرفه"؛ يعني: لا يعرف حاله، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: "كان يخطئ"، وقال الذهبي: "صدوق"، وقال مرة: "ما علمت به بأسًا"، وقال ابن حجر: "صدوق يخطئ" [تاريخ الإسلام (١٣/ ٤٧٨)، المغني (٢/ ٧٤٢)، ذيل الميزان (٧٣٤)، التقريب (٦٦٧)].
وأما قول الدارقطني الآتي ذكره في العلل: "ويحيى بن المتوكل، وإبراهيم بن يزيد: ضعيفان"، فلعله أراد صاحب بهية، والله أعلم.
• والمعروف: موقوف على ابن عمر قوله:
فقد روى مالك، ومعمر، وابن عيينة:
عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، قال: لا يقطع الصلاة شيء، وادرؤوا ما استطعتم. أو قال: ما استطعت. لفظ معمر.
ولفظ مالك: لا يقطع الصلاة شيء مما يمر بين يدي المصلي.
ولفظ ابن عيينة: قيل لابن عمر: إن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة يقول: يقطع الصلاة الكلب والحمار؟ فقال ابن عمر: لا يقطع صلاة المسلم شيء.
أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٢٢٢/ ٤٢٩)، وعبد الرزاق (٢/ ٣٠/ ٢٣٦٦)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٥٠/ ٢٨٨٥) (٢/ ٥٣٠/ ٢٩٠٢ - ط عوامة)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار
стр. 3490
(٥١٥ - الجزء المفقود)، والطحاوي (١/ ٤٦٣)، والبيهقي (٢/ ٢٧٨).
وهذا موقوف على ابن عمر بإسناد صحيح على شرط الشيخين.
قال الدارقطني في العلل (١٣/ ١٤٣/ ٣٠١٩): "رواه عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن إبراهيم بن يزيد، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه.
وخالفه يحيى بن المتوكل، فرواه عن إبراهيم بن يزيد، عن سالم، عن أبيه، وقال فيه: عن النبي ﷺ ، وأبي بكر، وعمر.
ويحيى بن المتوكل، وإبراهيم بن يزيد: ضعيفان.
وقول عبد الأعلى: عن إبراهيم بن يزيد، عن الزهري: أشبه بالصواب.
ووهم إبراهيم بن يزيد في رفعه إلى النبي ﷺ ؛ لأن مالكًا، وشعيب بن أبي حمزة، وسفيان بن عيينة، رووه عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، من قوله.
ورواه الأوزاعي، عن الزهري، عن عياش، عن ابن عمر موقوفًا، وهو وهم.
وإنما أراد: عن الزهري، عن سالم؛ أن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، قال: الحمار يقطع الصلاة، وأنكر ذلك ابن عمر، فقال: لا يقطع الصلاة شيء.
والصحيح عن ابن عمر موقوفًا.
وكذلك رواه نافع، عن ابن عمر موقوفًا".
وقال البيهقي في السنن (٢/ ٢٧٨): "والصحيح: موقوف".
٥ - عن أبي هريرة:
رواه إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ؛ أنه: "لا يقطع الصلاة امرأة، ولا كلب، ولا حمار، وادرأ ما مر أمامك ما استطعت، فإن أبى إلا أن تلاطِمَه فلاطِمْه؛ فإنما تلاطم الشيطان".
وهو حديث منكر، تقدم ذكره تحت الحديث السابق برقم (٦٩٨).
٦ - عن أنس بن مالك:
روى إدريس بن يحيى أبو عمرو المعروف بالخولاني، عن بكر بن مضر، عن صخر بن عبد الله بن حرملة؛ أنه سمع عمر بن عبد العزيز، يقول: عن أنس؛ أن رسول الله ﷺ صلى بالناس، فمر بين أيديهم حمار، فقال عياش بن أبي ربيعة: سبحان الله! سبحان الله! سبحان الله! فلما سلم رسول الله ﷺ قال: "من المسبِّح آنفًا، سبحان الله؟ " قال: أنا، يا رسول الله! إني سمعت أن الحمار يقطع الصلاة، قال: "لا يقطع الصلاة شيء".
وهذا الحديث صوابه مرسل بإسناد لا بأس به، وتقدم تخريجه مفصلًا تحت الحديث رقم (٧٠٢).
• والثابت عن أنس في هذا خلاف ذلك:
فقد روى جماعة الحفاظ من أصحاب شعبة، عن شعبة، عن عبيد الله بن أبي بكر،
стр. 3491
قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: يقطع الصلاة: المرأة، والحمار، والكلب.
وهذا موقوف على أنس، بإسناد صحيح على شرط الشيخين، وتقدم تخريجه مفصلًا تحت الحديث رقم (٧٠٢).
• والحاصل: أنه لا يصح شيءٌ في هذا عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يقطع الصلاة شيء".
والعقيلي لما أخرج هذا من قول حذيفة موقوفًا عليه، في ترجمة الزبرقان بن عبد الله العبدي (٢/ ٨٢)، قال: "وفي هذا رواية من غير هذا الوجه فيها لين وضعف".
وقال النووي في شرح مسلم (٤/ ٢٢٧): "حديث: "لا يقطع صلاة المرء شيء": ضعيف".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والذين خالفوا أحاديث القطع للصلاة لم يعارضوها إلا بتضعيف بعضها، وهو تضعيف من لم يعرف الحديث، … ، أو بأن عارضوها بروايات ضعيفة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يقطع الصلاة شيء"" [مجموع الفتاوى (٢١/ ١٦)، القواعد النورانية (١/ ٨٤)].
وقال ابن رجب في الفتح (٢/ ٦٩٧): "وقد روي هذا المتن من حديث: علي، وأبي هريرة، وعائشة، وأبي أمامة، ولا يثبت منها شيء".
***
قال أبو داود: إذا تنازع الخبران عن النبي ﷺ نُظِر إلى ما عَمِل به أصحابه من بعده.
قلت: لم يتفق الصحابة في ذلك، بل قد اختلفوا فيه أيضًا:
• أولًا: الآثار الواردة عن الصحابة في أن الصلاة لا يقطعها شيء:
١ - عن أبي بكر وعمر:
رواه يحيى بن المتوكل: ثنا إبراهيم بن يزيد: ثنا سالم بن عبد الله، عن أبيه؛ أن رسول الله ﷺ ، وأبا بكر، وعمر، قالوا: "لا يقطع صلاة المسلم شيء، وادرأ ما استطعت".
وهو حديث منكر؛ والمعروف: موقوف على ابن عمر قوله، وتقدم ذكره تحت حديث ابن عمر في الشواهد برقم (٤).
٢ - عن عثمان بن عفان:
أ- روى عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أراد رجل أن يجيز أمام حميد بن عبد الرحمن بن عوف، فانطلق به إلى عثمان، فقال للرجل: ما يضرك لو ارتددت حين ردَّك؟! ثم أقبل على حميد، فقال له: ما ضرَّك لو أجاز أمامك، إن الصلاة لا يقطعها شيء؛ إلا الكلام والأحداث.
стр. 3492
قال عبد الرزاق: ذكره ابن جريج عن محمد بن يوسف، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٢٩/ ٢٣٦٢).
قلت: وهذا رجاله ثقات، وأخاف أن يكون وهم فيه محمد بن يوسف [والأقرب أنه القرشي مولى عثمان، وهو: ثقة]، فقد رواه غيره عن إبراهيم فلم يذكر فيه هذه اللفظة: إن الصلاة لا يقطعها شيء، أو أن يكون ابن جريج دلسه عن بعض الضعفاء.
• فقد روى عبد الله بن صالح، قال: حدثني بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن بكير [هو: ابن عبد الله بن الأشج]، أن بشر بن سعيد وسليمان بن يسار حدثاه، أن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف حدثهما؛ أنه كان في صلاة فمرَّ به سليط بن أبي سليط، فجذبه إبراهيم فخرَّ فشُجَّ، فذهب إلى عثمان بن عفان ﵁، فأرسل إليَّ، فقال لي: ما هذا؟ فقلت: مرَّ بين يدي فرددته؛ لئلا يقطعَ صلاتي، قال: ويقطع صلاتك؟ قلت: أنت أعلم، قال: إنه لا يقطع صلاتك.
أخرجه الطحاوي (١/ ٤٦٤)، قال: حدثنا علي بن عبد الرحمن: حدثنا عبد الله به.
وهذا موقوف على عثمان بإسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات؛ غير بشر بن سعيد الكندي، روى عنه جماعة، وذكره ابن حبان في الثقات [التاريخ الكبير (٢/ ٧٥)، الجرح والتعديل (٢/ ٣٥٨)، الثقات (٤/ ٧٠)، مغاني الأخيار (١/ ٨٠)]، وشيخ الطحاوي: علي بن عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة المخزومي مولاهم المصري: ثقة.
• وروى شعبة، وإبراهيم بن سعد [وعنه: سويد بن سعيد الحدثاني، وهو: صدوق في نفسه؛ إلا أنه تغير بعدما عمي، وصار يتلقن، فضعِّف بسبب ذلك، لكن هذا الحديث من رواية عبد الله بن أحمد عنه، وكان الإمام أحمد ينتقي عليه لولديه فيسمعان منه. انظر: التهذيب (٢/ ١٣٣)]:
عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه؛ أنه كان يصلي فمر بين يديه رجل، قال: فمنعته، فغلبني إلا أن يمر بين يديَّ، فذكرت ذلك لعثمان بن عفان ﵁ وكان خال أبيه-، فقال: لا يضرك.
أخرجه عبد الله بن أحمد في زياداته على المسند (١/ ٧٢)، والطحاوي (١/ ٤٦٤).
وهذا مثل سابقه: موقوف على عثمان بإسناد صحيح.
وفي هاتين الروايتين أن القصة وقعت لإبراهيم بن عبد الرحمن، وليست لأخيه حميد، وبدون هذه الزيادة: إن الصلاة لا يقطعها شيء.
وهذا عندي الأقرب للصواب، إذ هو من رواية ثلاثة عن إبراهيم، أحدهم: ابنه سعد، وأهل بيت الرجل أعلم بحديثه من الغرباء، والله أعلم.
ب- وروى هشام الدستوائي، وسعيد بن أبي عروبة، وشعبة، وهمام بن يحيى:
عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن علي وعثمان أنهما قالا: لا يقطع الصلاة شيء، وادرؤوا ما استطعتم.
стр. 3493
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٥٠/ ٢٨٨٤)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٥٠٣ - ٥٠٧ - الجزء المفقود)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٠٣/ ٢٤٧١)، والطحاوي (١/ ٤٦٤)، والبيهقي (٢/ ٢٧٨).
وصحح إسناده ابن حجر في الفتح (١/ ٥٨٨).
وهو كما قال، موقوف على عثمان وعلي بإسناد صحيح، ورواية ابن المسيب عنهما في الصحيحين [انظر: تحفة الأشراف (٦/ ٥٤٥/ ٩٨٠٤ - ط دار الغرب) و (٧/ ٤٢/ ١٠١١٤ - دار الغرب)].
وانظر فيمن وهم فيه على قتادة، وخالف أثبت أصحابه: مصنف عبد الرزاق (٢/ ٣١/ ٢٣٦٧)، تهذيب الآثار لابن جرير الطبري (٥٠٢ - الجزء المفقود).
٣ - عن علي بن أبي طالب:
قد صح ذلك عن علي، كما تقدم.
وروي عنه من طرق أخرى، لكن لا تصح:
أ - فعن مالك؛ أنه بلغه أن علي بن أبي طالب، قال: لا يقطع الصلاة شيء مما يمرُّ بين يدي المصلي.
أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٤٢٨/٢٢٢).
ب- وروى أبو إسحاق السبيعي، عن الحارث الأعور، عن علي، قال: لا يقطع الصلاة شيء، وادرأ عن نفسك ما استطعت.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٢٩/ ٢٣٦١)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٥٠٠ و ٥٠١ - الجزء المفقود)، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (٢٥١٧)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٠٣/ ٢٤٧٢)، والطحاوي (١/ ٤٦٤).
وهذا إسناد ضعيف؛ لأجل الحارث الأعور، وأبو إسحاق لم يسمع من الحارث إلا أربعة أحاديث.
٤ - عن ابن عمر:
روى مالك، ومعمر، وابن عيينة:
عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، قال: لا يقطع الصلاة شيء، وادرؤوا ما استطعتم. أو قال: ما استطعت. لفظ معمر.
ولفظ مالك: لا يقطع الصلاة شيء مما يمر بين يدي المصلي.
ولفظ ابن عيينة: قيل لابن عمر: إن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة يقول: يقطع الصلاة الكلب والحمار؟ فقال ابن عمر: لا يقطع صلاة المسلم شيء.
وهذا موقوف على ابن عمر بإسناد صحيح على شرط الشيخين.
وتقدم ذكره تحت حديث ابن عمر في شواهد الأحاديث المرفوعة برقم (٤).
стр. 3494
• وروي من طرقٍ أخرى عن ابن عمر:
أ - عبيد الله بن عمر، عن نافع [وفي رواية: وسالم]، عن ابن عمر، قال: لا يقطع الصلاة شيء، وذُبُّوا عن أنفسكم. وفي رواية: وادرأ ما استطعت.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٥١/ ٢٨٨٦) (٢/ ٥٣٠/ ٢٩٠٣ - ط عوامة)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٥١٣ و ٥٢٤ - الجزء المفقود)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٠٣/ ٢٤٧٣)، والطحاوي (١/ ٤٦٣)، والدارقطني (١/ ٣٦٨).
وإسناده صحيح على شرط الشيخين، موقوف.
ب - عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: لا يقطع الصلاة شيء، وادرأ ما استطعت، قال: وكان لا يصلي إلا إلى سترة.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٣١/ ٢٣٦٨).
موقوف، وإسناده صالح في المتابعات، عبد الله بن عمر العمري: ليس بالقوي.
• خالفهما: مطر بن طهمان الوراق، فرواه عن نافع؛ أن ابن عمر مرَّ بين يديه كلب أصفر وهو في الصلاة، فأعاد الصلاة.
أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٠١/ ٢٤٦٥).
ومطر: صالح الحديث، كثير الخطأ، وليس هو من أصحاب نافع، إذ لم يعدَّه فيهم: ابن المديني ولا النسائي، ولا حتى في الضعفاء منهم [الطبقات للنسائي. شرح علل الترمذي (٢/ ٦١٥)]، فأين هو من عبيد الله بن عمر العمري؟ الذي هو من أثبت أصحاب نافع، وقدمه بعضهم في نافع على مالك وأيوب، وجعله أثبت أصحاب نافع على الإطلاق، وقد تابعه عليه أخوه عبد الله، وعليه: فرواية مطر هذه وهم محض، والله أعلم.
ج - وروى شعبة، عن أبي عبد الله العسقلاني، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط: أنه رأى ابن عمر يصلي على جنازة، وحمار يمر بين أيديهم، فناداه رجل: الحمار! فلما انصرف ابن عمر، قال: أيها الصارخ! إن الصلاة لا يقطعها شيء، ولكنه أذى، فادرؤوا الأذى عنكم ما استطعتم.
أخرجه يعقوب بن سفيان الفسوي في المعرفة والتاريخ (١/ ٣١٤)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٥١٤ - الجزء المفقود)، واللفظ له، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٥/ ٢٦٥).
وهذا إسناد ضعيف، أبو عبد الله العسقلاني هو: الحسن بن عمران: قال أبو حاتم: "شيخ"، وذكره ابن حبان في الثقات، وله حديث في عدم إتمام التكبير، وهو حديث معلول، يأتي عند أبي داود برقم (٨٣٧)، ضعَّفه: الطيالسي والبخاري، ونقل البخاري في التاريخ عن أبي داود الطيالسي أنه قال: "هذا عندنا باطل"، وقال الطبري والبزار: "تفرد به الحسن بن عمران، وهو مجهول"، وقال النووي: "ضعيف؛ لأن راويه الحسن بن عمران ليس معروفًا" [سؤالات أبي داود (١٢٩)، التاريخ الكبير (٢/ ٣٠٠)، الجرح والتعديل
стр. 3495
(٣/ ٢٧)، الثقات (٦/ ١٦٢)، المجموع شرح المهذب (٣/ ٣٥٣)، الذيل على الميزان (٢٨٣)، التهذيب (١/ ٤١١)، فتح الباري (٢/ ٢٦٩)، مغاني الأخيار (١/ ٢٠١)].
٥ - عن جابر بن عبد الله:
روى إبراهيم بن يزيد، عن الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث، عن جابر بن عبد الله، قال: لا يقطع صلاةَ المسلم شيءٌ، وادرؤوا ما استطعتم.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٣١/ ٢٣٦٩).
وهذا إسناد واهٍ، إبراهيم بن يزيد الخوزي: متروك، منكر الحديث [التهذيب (١/ ٩٤)]، والوليد بن عبد الله بن أبي مغيث: ثقة، من السادسة، يروي عن التابعين، فهو منقطع.
٦ - عن عبد الله بن الزبير:
روى وكيع، وابن وهب:
عن حنظلة الجمحي، عن سالم بن عبد الله، قال: صلى بنا ابن الزبير، فمرَّت بين أيدينا امرأةٌ بعد ما قد صلينا ركعة أو ركعتين، فلم يُبالِ بها. لفظ وكيع.
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٥٨/ ٨٧٥٧)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٥١٧ - الجزء المفقود).
وهذا موقوف على ابن الزبير بإسناد صحيح، وحنظلة هو: ابن أبي سفيان الجمحي المكي: ثقة حجة.
• ورواه ابن جريج، قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار [تصحف عند عبد الرزاق من ابن أبي عمار، إلى: أبي بن أبي عامر]، قال: رأيت ابن الزبير يصلي، فمرت امرأة بين يديه تطوف بالبيت، فوضع جبهته في موضع قدمها.
ولفظ عبد الرزاق: رأيت ابن الزبير يصلي في المسجد، فتريد المرأة أن تجيز أمامه وهو يريد السجود، حتى إذا هي أجازت سجد في موضع قدميها.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٣٥/ ٢٣٨٦)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٥١٦ - الجزء المفقود)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٠٤/ ٢٤٧٥).
وهذا موقوف على ابن الزبير بإسناد مكي صحيح.
٧ - عن عائشة:
قد ثبت عن عائشة ﵂، أنها قالت: ما تقولون ما يقطع الصلاة؟ قال: فقالوا: الكلب والحمار والمرأة، فقالت عائشة: إن المرأة إذًا دابة سوء؛ لقد رأيتني وأنا معترضة بين يدي رسول الله ﷺ اعتراض الجنازة، وهو يصلي، وقالت: بئسما عدَلتُمونا بالحمار والكلب؛ لقد رأيتُ رسول الله ﷺ يصلي وأنا معترضةٌ بين يديه؛ فإذا أراد أن يسجد غمز رجلي، فضممتُها إليَّ، ثم يسجد، وقالت: ألا أراهم قد عدلونا بالكلاب والحمر، ربما رأيت رسول الله ﷺ يصلي بالليل، وأنا على السرير بينه وبين القبلة، فتكون لي الحاجة،
стр. 3496
فأنسل من قِبَل رِجْل السرير، كراهية أن أستقبله بوجهي، وذكر عندها ما يقطع الصلاة، فقالوا: يقطعها الكلب والحمار والمرأة، قالت: لقد جعلتمونا كلابًا، لقد رأيت النبي ﷺ يصلي، وإني لبينه وبين القبلة، وأنا مضطجعة على السرير، فتكون لي الحاجة، فأكره أن أستقبله، فأنسل انسلالًا.
وهذه الروايات في الصحيحين، وقد تقدم تخريجها فيما سبق برقم (٧١٠ - ٧١٤).
• ومما روي عنها في هذا أيضًا:
أ - شعبة، عن الحكم، عن خيثمة، عن الأسود [وفي رواية: قال: سمعته يحدث عن الأسود]، عن عائشة، قالت: لا يقطع الصلاة شيء؛ إلا الكلب الأسود.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٥١/ ٢٨٩٠)، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (١٦٤)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (٣/ ٧٧/ ٣٩٠١)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٦٠٥ - الجزء المفقود)، وأبو العباس السراج في مسنده (٤١٤)، وفي حديثه بانتقاء زاهر الشحامي (٨٩٥)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٠٢/ ٢٤٦٨).
وهذا موقوف على عائشة بإسناد صحيح، رجاله ثقات أئمة، رجال الشيخين، وخيثمة هو: ابن عبد الرحمن بن أبي سبرة الكوفي: تابعي ثقة.
ب - شعبة، قال: سمعت عبد الرحمن بن سعيد، قال: سمعت صفية بنت شيبة، تقول: كانت امرأة تصلي عند البيت إلى مرفقة، فمرت عائشة ﵂ بينها وبين المرفقة، فقالت عائشة ﵂: إنما يقطع الصلاة الكلب والهر الأسود.
أخرجه أحمد في مسائل ابنه عبد الله (٢/ ٦٨٦ - الفتح لابن رجب)، والفاكهي في أخبار مكة (٢/ ١١٠/ ١٢٣٢)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٥٨٧ - الجزء المفقود).
وهذا موقوف على عائشة بإسناد صحيح، وعبد الرحمن بن سعيد بن وهب الهمداني: ثقة، روى له مسلم.
ورواه ابن أبي عدي، عن حميد، عن طلق بن حبيب، عن صفية ابنة شيبة، قالت: كنت أصلي فمرت عائشة بين يدي، فمنعتها فقالت: ألم أقل لكِ: إنه لا يقطع الصلاة إلا الكلب والسنور.
أخرجه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٥٨٦ - الجزء المفقود).
وهذا أيضًا موقوف على عائشة بإسناد صحيح.
• خالفهما: يعلى بن حكيم، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة، قالت: المرأة السوداء تقطع الصلاة.
أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٠١/ ٢٤٦٧) (٥/ ٩١/ ٢٤٥٢ - ط دار الفلاح)، قال: حدثنا يحيى بن محمد، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى، عن قرة بن خالد، قال: حدثني يعلى به.
стр. 3497
وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات، شيخ مسدد هو القطان، وشيخ ابن المنذر هو يحيى بن محمد بن يحيى الذهلي النيسابوري، ولكنها رواية شاذة، مخالفة لما رواه الثقات من أصحاب عائشة ﵂، فإنها كانت ترى أن مرور المرأة لا يقطع الصلاة، وأنكرت على من شبَّه المرأة وعدلها بالكلب والحمار، وممن روى عنها ذلك من أصحابها: ابن أختها عروة بن الزبير، وابن أخيها القاسم بن محمد بن أبي بكر، والأسود بن يزيد النخعي، ومسروق بن الأجدع الهمداني [انظر الأحاديث المتقدمة برقم (٧١٠ - ٧١٤)]، وهؤلاء من أثبت أصحابها، وأكثرهم عنها رواية، وكذلك فقد رواه اثنان من الثقات: عبد الرحمن بن سعيد بن وهب الهمداني، وطلق بن حبيب، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة بما يوافق رواية أصحابها، وحفظا فيه القصة، فدل ذلك على شذوذ رواية يعلى بن حكيم، ولا يقال بأن رواية يعلى مقيدة بالمرأة السوداء دون غيرها، فيقال: لون بشرة المرأة لا أثر له في الحكم، وهو وصف طردي غير مؤثر في قطع الصلاة، بخلاف وصف الكلب بالأسود، فإنه وصف مؤثر، حيث جاء النص بتعليله بكونه شيطانًا، بخلاف غيره من الكلاب، وهذا المعنى غير موجود في المرأة، والله أعلم.
• نعود مرة أخرى إلى رواية صفية بنت شيبة [في المحفوظ عنها]:
فإن قيل: لعل عائشة قالت ذلك في تخصيص القطع بالكلب والهر الأسود، لما روي عنها مرفوعًا من أن الكلب الأسود شيطان:
فقد روى شيبان أبو معاوية، عن ليث بن أبي سليم [ضعيف]، عن مجاهد، عن الأسود، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : "الكلب الأسود البهيم شيطان".
أخرجه أحمد (٦/ ١٥٧ و ٢٨٠)، والطبراني في الأوسط (٣/ ٢٣٣/ ٣٠١٣)، والدارقطني في الأفراد (٢/ ٤٢١/ ٥٩٩٤ - أطرافه)، وأبو طاهر المخلص في العاشر من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (٣٣٤) (٢٤٨٩ - المخلصيات).
قال الطبراني: "لم يرو مجاهد عن الأسود عن عائشة غير هذا، ولا رواه عنه إلا ليث، ولا عن ليث إلا شيبان".
وقال الدارقطني: "تفرد به شيبان عن ليث عن مجاهد، ولم يروه بهذا الإسناد غير الحسن بن موسى الأشيب".
قلت: لم يتفرد به الحسن بن موسى، تابعه عليه: أبو النضر هاشم بن القاسم، فالمتفرد به شيبان بن عبد الرحمن النحوي، وهو: ثقة.
وهذه رواية منكرة، وهي من تخاليط ليث بن أبي سليم، فقد رواه ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: الكلب الأسود البهيم شيطان، وهو يقطع الصلاة.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٥٢/ ٢٨٩٧).
ورواه خيثمة بن عبد الرحمن، عن الأسود، عن عائشة، قالت: لا يقطع الصلاة شيء؛ إلا الكلب الأسود. وتقدم.
стр. 3498
ج - عبد الرزاق، عن إبراهيم، عن حماد، عن إبراهيم؛ أن عائشة قالت: قرنتموني يا أهل العراق بالكلب والحمار، إنه لا يقطع الصلاة شيء، ولكن ادرؤوا ما استطعتم.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٣٠/ ٢٣٦٥).
وهذا منكر؛ فقد روى الأعمش، ومنصور، وحماد بن أبي سليمان:
عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة؛ بلغها أن ناسًا يقولون: إن الصلاة يقطعها الكلب والحمار والمرأة، قالت: ألا أراهم قد عدلونا بالكلاب والحمر، ربما رأيت رسول الله ﷺ يصلي بالليل، وأنا على السرير بينه وبين القبلة، فتكون لي الحاجة، فأنسل من قِبَل رِجْل السرير، كراهية أن أستقبله بوجهي.
وهو حديث متفق على صحته، تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (٧١٤).
وإبراهيم شيخ عبد الرزاق سواء أكان أحد الثقات، أم كان أحد المتروكين، مثل: إبراهيم بن يزيد الخوزي، أو: إبراهيم بن محمد الأسلمي، فإن روايته هذه منكرة، لمخالفة جماعة الأئمة الثقات في روايتهم عن إبراهيم النخعي، والله أعلم.
ولأثر عائشة إسناد آخر ضعيف أيضًا، عند: ابن جرير في تهذيب الآثار (٦٠٦ - الجزء المفقود).
• والحاصل: أن مجموع ما صح عن عائشة يدل على أنها كانت ترى أن الكلب والحمار يقطعان الصلاة دون المرأة، وإلا لما قالت: عدلتمونا بالحمار والكلب، وقد صح عنها صريحًا أنها قالت: لا يقطع الصلاة شيء؛ إلا الكلب الأسود، والله أعلم.
٨ - عن حذيفة بن اليمان:
يرويه إسرائيل، عن الزبرقان، عن كعب بن عبد الله، عن حذيفة، قال: لا يقطع الصلاة شيء، وادرؤوا ما استطعتم.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٥١/ ٢٨٨٩)، والطحاوي (١/ ٤٦٤)، والعقيلي في الضعفاء (٢/ ٨٢).
قال العقيلي: "وفي هذا رواية من غير هذا الوجه فيها لين وضعف".
قلت: إسناده ضعيف؛ كعب بن عبد الله العبدي: مجهول، ذكره ابن حبان في الثقات، ولم يرو عنه سوى الزبرقان بن عبد الله العبدي [الطبقات الكبرى (٦/ ٢٣٢)، التاريخ الكبير (٧/ ٢٢٤)، الجرح والتعديل (٧/ ١٦٢)، الثقات (٥/ ٣٣٤)].
والزبرقان بن عبد الله العبدي: روى عنه جماعة من الثقات، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن سعد: "وكان قليل الحديث"، وقال ابن عدي: "وزبرقان هذا: لا أعرف له حديثًا مسندًا له ضوء، وما يروي عنه الثوري وإسرائيل لعله مقاطيع"، وقول البخاري: "وهم فيه"؛ يعني: أن شعبة وهم في قوله عنه: عن عبد الله بن كعب، وإنما هو: كعب بن عبد الله [الطبقات الكبرى (٦/ ٣٤٨)، التاريخ الكبير (٣/ ٤٣٥) و (٧/ ٢٢٤)، الجرح والتعديل (٣/ ٦١١) و (٧/ ١٦٢)، الثقات (٦/ ٣٤٠)، الكامل (٣/ ٢٤٠)، اللسان (٣/ ٤٩١)].
стр. 3499
٩ - عن ابن عباس:
روى الثوري، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، قال: ذُكر لابن عباس: ما يقطع الصلاة؟ فقيل له: المرأة والكلب [والحمار]؟ فقال ابن عباس: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] فما يقطع هذا [ولكن يكره].
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٢٩/ ٢٣٦٠)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢٥٨/ ٨٧٦٠)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٥١٨ - الجزء المفقود)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٠٤/ ٢٤٧٤)، والطحاوي (١/ ٤٥٩)، والبيهقي في السنن (٢/ ٢٧٩)، وفي المعرفة (٢/ ١٢٥/ ١٠٦٢).
وهذا موقوف على ابن عباس بإسناد صحيح، لكنه شاذ عنه، وتقدم الكلام عليه تحت الحديث رقم (٧٠٤).
• والحاصل: أنه قد صح عن بعض الصحابة، أنه قال: لا يقطع الصلاة شيء، وهم: عثمان، وعلي، وابن عمر، وصح عن ابن الزبير، وعائشة: أن المرأة لا تقطع الصلاة.
• ثانيًا: الآثار الواردة عن الصحابة في قطع الصلاة:
١ - عن أبي هريرة:
قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن أبي هريرة، قال: يقطعُ الصلاةَ: المرأةُ، والكلبُ، والحمارُ.
وهذا موقوف على أبي هريرة بإسناد صحيح، رجاله رجال الشيخين.
وله حكم الرفع، فقد صح عن أبي هريرة مرفوعًا من وجه آخر، كما تقدم بيانه مفصلًا تحت الحديث رقم (٧٠٢).
٢ - عن الحكم بن عمرو الغفاري:
وروى ابن المبارك، قال: حدثني سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، قال: صلى الحكم الغفاري بالناس في سفرٍ، وبين يديه عنزة، فمرت حمير بين يدي أصحابه، فأعاد بهم الصلاة، فقالوا: أراد أن يصنع كما يصنع الوليد بن عقبة، إذ صلى بأصحابه الغداة أربعًا، ثم قال: أزيدكم، قال: فلحقتُ الحكم، فذكرت ذلك له، فوقف حتى تلاحق القوم، فقال: إني أعدت بكم الصلاة من أجل الحمُر التي مرت بين أيديكم؛ فضربتموني مثلًا لابن أبي معيط، وإني أسأل الله أن يحسن تسييركم، وأن يحسن بلاغكم، وأن ينصركم على عدوكم، وأن يفرق بيني وبينكم، قال: فمضوا فلم يروا في وجوههم ذلك إلا ما يُسَرُّون به، فلما فرغوا مات.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ١٨/ ٢٣٢٠)، ومن طريقه: الطبراني في الكبير (٣/ ٢٠٩/ ٣١٥١).
وهذا موقوف على الحكم بن عمرو الغفاري بإسناد صحيح، وتقدم تخريجه مفصلًا تحت الحديث رقم (٧٠٢).
стр. 3500
٣ - عن أنس بن مالك:
روى شعبة، عن عبيد الله بن أبي بكر، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: يقطع الصلاة: المرأة، والحمار، والكلب.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٨٩٩/٢٥٢)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٥٦٢ و ٥٦٣ - الجزء المفقود)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٠١ / ٢٤٦٣).
وهذا موقوف على أنس، بإسناد صحيح على شرط الشيخين، وتقدم ذكره تحت الحديث رقم (٧٠٢).
٤ - عن عائشة:
تقدم في القسم الأول بيان أنها كانت ترى أن الكلب والحمار يقطعان الصلاة، دون المرأة، فليراجع، والله أعلم.
٥ - عن ابن عباس؛ وله أسانيد:
أ - قتادة، قال: سمعت جابر بن زيد، يحدث عن ابن عباس قال: يقطعُ الصلاةَ: المرأةُ الحائضُ، والكلبُ.
وهذا موقوف على ابن عباس بإسناد صحيح، على شرط الشيخين، وتقدم برقم (٧٠٣).
ب - المعتمر بن سليمان التيمي، عن أبيه، عن عكرمة، وأبي الشعثاء [جابر بن زيد]، عن ابن عباس، قال: تقطع الصلاة: المرأة الحائض، والكلب الأسود.
وهذا أيضًا موقوف على ابن عباس بإسناد صحيح، رجاله رجال الصحيح، وتقدم تحت الحديث رقم (٧٠٣).
ج - ورواه ابن عيينة، أو ابن جريج:
قال ابن جريج: أخبرني عبيد الله بن أبي يزيد، أنه سمع ابن عباس، قال: يقطع الصلاة: الكلب، والمرأة الحائض.
وهذا موقوف بإسناد مكي صحيح، على شرط الشيخين، وتقدم تحت الحديث رقم (٧٠٣).
٦ - عن ابن عمر:
تقدم ذكره تحت الآثار الواردة عنه في عدم القطع، وبينت هناك أنه لا يصح عنه، والثابت عنه: القول بأنه لا يقطع الصلاة شيء.
ومما رُوي عنه في ذلك أيضًا:
ما رواه ابن عيينة، عن أيوب، عن بكر: أن ابن عمر أعاد ركعة الصلاة من جرْوٍ مرَّ بين يديه في الصلاة.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٥٢/ ٢٩٠٦).
ورواه حماد بن سلمة، عن حميد، عن بكر بن عبد الله، قال: كنت أصلي إلى جنب
стр. 3501
ابن عمر، فدخل جرو بيني وبينه، فمر بين يدي، فقال: أما أنت فأعد الصلاة، وأما أنا فلا أعيد؛ لأنه لم يمر بين يدي.
أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٠١/ ٢٤٦٤)، بإسناد صحيح إلى حماد.
والثاني عندي أقرب إلى الصواب، فإن حميدًا الطويل مشهور بالرواية عن بكر بن عبد الله المزني، بخلاف أيوب السختياني، ولم يروه عن أيوب أصحابه المشهورون، ورواية حميد عن بكر في الكتب الستة، ولم أجد روايةً لأيوب عن بكر فيها [انظر: تهذيب الكمال (٤/ ٢١٧)، تحفة الأشراف (٥/ ٤٧ - دار الغرب)، وغيرها].
وهذا إسناد بصري صحيح.
وعلى هذا فقد اختلفت الرواية عن ابن عمر، فقد صح عنه أنه قيل له: يقطع الصلاة الكلب والحمار؟ فقال ابن عمر: لا يقطع صلاة المسلم شيء، وصح عنه هنا: أنه أمر بكر بن عبد الله بإعادة الصلاة، مما يدل على أن الكلب عنده يقطع الصلاة، فالله أعلم.
٧ - عن معاذ بن جبل:
روى ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن معاذ بن جبل، قال: الكلب الأسود البهيم شيطان، وهو يقطع الصلاة.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٢٨/ ٢٣٥٤)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٥٢/ ٢٨٩٨)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٢٤٦٦/١٠١).
وإسناده ضعيف؛ مجاهد لم يدرك معاذًا [المراسيل (٧٦٣)، تحفة التحصيل (٢٩٤)]، وليث بن أبي سليم: ضعيف؛ لاختلاطه وعدم تميز حديثه.
• والحاصل: أنه قد صح عن بعض الصحابة، أنه قال: يقطع الصلاة: المرأة، والحمار، والكلب.
وهم: أبو هريرة، وأنس، وصح عن عائشة: أن الحمار والكلب الأسود يقطعان الصلاة، وصح عن ابن عباس: أن المرأة الحائض والكلب الأسود يقطعان الصلاة، وصح عن ابن عمر في الكلب وحده، وصح عن الحكم بن عمرو الغفاري في الحمار وحده.
كما أن حديث أبي جحيفة: أن النبي ﷺ صلى بمكة، وهو بالأبطح، وبين يديه عنزة، يمر من ورائها الكلب والمرأة والحمار [وهو حديث متفق عليه، تقدم برقم (٥٢٠ و ٦٨٨)]، يدل على أنه مما كان متقررًا في نفوس الصحابة: أن مرور هذه الثلاث بين المصلي وبين سترته تقطع صلاته، قال ابن رجب في الفتح (٢/ ٦٢٢): "وقوله: يمر بين يديه المرأة والحمار: مما يستدل به على أن مرورهما بين يدي المصلي إلى غير سترة يقطع عليه صلاته، ولولا ذلك لم يكن لتخصيص المرأة والحمار بمرورهما بين يديه من وراء السترة معنى"، ويدل على هذا المعنى أيضًا: قول من قال لعائشة وابن عباس: أن المرأة والحمار والكلب تقطع الصلاة، والله أعلم.
• وبهذا يظهر أن الصحابة قد اختلفوا في هذه المسألة، ولم يتفقوا، فكان مردُّنا عند
стр. 3502
الاختلاف إلى ما صح عن النبي ﷺ ، لا إلى غيره، وقوله الصريح في ذلك أولى من الفعل؛ إذ إن حديث أبي ذر قد سيق مساق التشريع العام، بخلاف الفعل في حديث ابن عباس وحديث عائشة؛ فإنهما يحتملان من التأويل ما لا يحتمله القول الصريح.
• وعلى هذا فإن عمدة هذه الأبواب هو: حديث أبي ذر، وشاهداه عن أبي هريرة وعبد الله بن مغفل، ففي حديث أبي ذر: أن رسول الله ﷺ قال: "يقطع صلاة الرجل إذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل: المرأة، والحمار، والكلب الأسود"، وفيه: "الكلب الأسود شيطان" [تقدم برقم (٧٠٢)].
وقد عارضه في الحمار [فيما صح] حديث ابن عباس [المتفق عليه] قال: أقبلتُ راكبًا على أتانٍ، وأنا يومئذٍ قد ناهزتُ الاحتلامَ، ورسولُ الله ﷺ يصلي بالناس بمنى، فمررتُ بين يدي بعض الصف فنزلتُ، فأرسلتُ الأتانَ ترتع، ودخلتُ في الصفِّ، فلم ينكرْ ذلك أحدٌ، وقد تقدم تخريجه فيما سبق برقم (٧١٥).
وعارضه في المرأة حديث عائشة ﵂[المتفق عليه]، أنها قالت: ما تقولون ما يقطع الصلاة؟ قال: فقالوا: الكلب والحمار والمرأة، فقالت عائشة: إن المرأة إذًا دابة سوء؛ لقد رأيتني وأنا معترضة بين يدي رسول الله ﷺ اعتراض الجنازة، وهو يصلي، وقد تقدم تخريج طرقه فيما سبق برقم (٧١٠ - ٧١٤).
ولم يعارضه في الكلب شيء يصح، وقد اختلف موقف العلماء من هذه الأحاديث، ولما كانت كلها صحيحة، كان الأولى الجمع بينها، وإعمالها جميعًا؛ إذ إن إعمال جميع الأدلة -طالما أمكن- أولى من إهمال بعضها، طالما لم يثبت لدينا نص يدل على أن بعضها ناسخ لبعض.
وبناءً على ذلك: فيقال بأن حديث ابن عباس إنما كان في مرور الحمار بين يدي المأمومين، ولما كانت سترةُ الإمام سترةً للمأمومين، لم يضر المأمومين مرورُ الحمار بين أيديهم، فإن صلاتهم محفوظة بسترة إمامهم، والله أعلم.
وأما حديث عائشة فهو في المرأة حال كونها معترضة، أو نائمة، أو ساكنة، فيخرج بذلك مرور المرأة أمام المصلي بينه وبين سترته، فتقطع صلاته حينئذ، والله أعلم.
• أسوق بعد ذلك بعض أقوال أهل العلم في هذه المسألة، مرتبًا إياها على وفياتهم، دون تعقب، إذ قد بيَّنت ما ظهر لي من وجه الصواب، والله أعلم.
قال الشافعي في اختلاف الحديث (١٠/ ١٢٦ - الأم): "لا يجوز إذا روي حديث واحد: أن رسول الله قال: "يقطع الصلاة: المرأة والكلب والحمار"، وكان مخالفًا لهذه الأحاديث، فكان كل واحد منها أثبت منه، ومعها ظاهر القرآن؛ أن يُترك إن كان ثابتًا إلا بأن يكون منسوخًا، ونحن لا نعلم المنسوخ حتى نعلم الآخر، ولسنا نعلم الآخر، أو يُرَدُّ ما يكون غيرَ محفوظ، وهو عندنا غير محفوظ؛ لأن النبي ﷺ صلى وعائشة بينه وبين القبلة، وصلى وهو حامل أمامة، يضعها في السجود، ويرفعها في القيام، ولو كان ذلك يقطع
стр. 3503
صلاته لم يفعل واحدًا من الأمرين، وصلى إلى غير سترة، وكل واحد من هذين الحديثين يرد ذلك الحديث؛ لأنه حديث واحد، وإن أخذت فيه أشياء، فإن قيل: فما يدل عليه كتاب الله من هذا؟ قيل: قضاء الله ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]-والله أعلم- أنه لا يُبطل عملُ رجلٍ عملَ غيره، وأن يكون سعيُ كلِّ لنفسه وعليها، فلما كان هذا هكذا، لم يجز أن يكون مرور رجل يقطع صلاة غيره".
وقال عبد الله بن أحمد: "سألت أبي: ما يقطع الصلاة؟ قال: الكلب الأسود، قال: أنس يروي أنه يقطع الصلاة الكلب والمرأة والحمار؟ قال: أما المرأة فاذهب إلى حديث عائشة: كان رسول الله ﷺ يصلي، وأنا معترضة بين يديه، وإلى حديث ابن عباس: مررت بين يدي رسول الله ﷺ ، وأنا على أتان، فقلت لأبي: إذا مرَّ الكلب الأسود بين يدي المصلي، قطع صلاته؟ قال: نعم، فقلت له: يعيد؟ قال: نعم؛ إذا كان أسود" [مسائله (٣٦٥)].
وقال إسحاق بن منصور الكوسج: "قلت: ما يقطع الصلاة؟ قال: ما أعلمه يقطعها إلا الكلب الأسود الذي لا أشك فيه، وفي قلبي من الحمار والمرأة شيء، قال إسحاق: لا يقطع إلا الكلب الأسود.
قال الإمام أحمد: ومن الناس من يقول: إن قول عائشة ﵂ حيث قالت: كنت أنام بين يدي النبي ﷺ ليس بحجة على هذا الحديث؛ يعني: من قال: يقطع الصلاة الحمار والمرأة والكلب؛ لأن النائم غير المار، وقول ابن عباس ﵄ في الحمار حيث مرَّ بين يدي بعض الصف ليس بحجة؛ لأن سترةَ الإمام سترةُ مَن خلفه.
قال إسحاق: كل هذا حجة، ولا يحتاج إلى هذا المبهم مع المفسر، قول عائشة ﵂: عدلتمونا بالحمار" [مسائله (٢٨٧ و ٢٨٨)].
وقال موسى بن سعيد الدنداني [صدوق، حافظ]: قال أبو عبد الله: "في الكلب ست خصال: ثمنه، وسؤره، وأمر النبي ﷺ بقتلها، وتقطع الصلاة، ويقتل الكلب الأسود البهيم؛ إن كان لصاحب ماشية فلا بأس بقتله" [طبقات الحنابلة (١/ ٣٣٢)].
وقال ابن رجب في الفتح (٢/ ٧٠١): "وفي مسائل الحسن بن ثواب، عن الإمام أحمد: قيل له: ما ترى في الحمار والكلب والمرأة؟ قال: الكلب الأسود يقطع؛ أنه شيطان. قيل له: حديث أبي ذر؟ قال: هاتوا غير حديث أبي ذر، ليس يصح إسناده، ثم ذكر حديث الفضل بن عباس؛ أنه مر على بعض الصف وهو على حمار. قيل له: إنه كان بين يديه عنزة؟ قال: هذا الحديث في فضاء".
[وانظر أيضًا: مسائل عبد الله (٤١٥)، مسائل أبي داود (٣١٨)، مسائل ابن هانئ (٣٣٠)، المغني (٢/ ٤٣)، الفتح لابن رجب (٢/ ٧٠٠ و ٧٠٩)].
وقال الترمذي بعد حديث ابن عباس (٣٣٧): "وحديث ابن عباس: حديث حسن صحيح، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، ومن بعدهم من
стр. 3504
التابعين، قالوا: لا يقطع الصلاة شيء، وبه يقول: سفيان الثوري، والشافعي".
وقال بعد حديث أبي ذر (٣٣٨): "حديث أبي ذر: حديث حسن صحيح، وقد ذهب بعض أهل العلم إليه، قالوا: يقطع الصلاة: الحمار والمرأة والكلب الأسود، قال أحمد: الذي لا أشك فيه أن الكلب الأسود يقطع الصلاة، وفي نفسي من الحمار والمرأة شيء، قال إسحاق: لا يقطعها شيء إلا الكلب الأسود".
وقال ابن نصر المروزي في اختلاف العلماء (٥٦): "قال سفيان: لا يقطع الصلاة شيء؛ كلب ولا حمار ولا امرأة، وكذلك قال أصحاب الرأي، وهو قول: مالك والشافعي، وقال أحمد وإسحاق والحميدي: يقطعها الكلب الأسود خاصة، ولا يقطعها سواه".
وتأول ابن جرير القطع، فقال في تهذيب الآثار (٣٢١ - الجزء المفقود): "فإن قال: أوليس صحيحًا عندك الخبر الذي روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "يقطع الصلاة: المرأة، والحمار، والكلب الأسود"؟ قيل: بلى؛ فإن قال: فكيف تجوِّز أن يكون مرور هؤلاء بين يدي المصلي إلى غير سترة قاطعًا صلاته، ثم لا تكون عليه الإعادة؟ قيل: إن قول النبي ﷺ في هذه الأشياء الثلاثة أنها تقطع صلاة المصلي، نظير قوله ﷺ : "إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته"، …
ومعلوم أن قطع الشيطان صلاة المصلي ليس بمروره بين يديه وحده دون إحداثه له من أسباب الوسوسة والشك وشغل القلب بغير صلاته ما يفسد به صلاته، ويقطعها عليه، وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه عرض له وهو في صلاته شيطان حتى التبست عليه القراءة، فلم يقطع لذلك صلاته، …
فلم يستقبل النبي ﷺ صلاته بعرض الشيطان له فيها، ولم يُعِدها، وقد لبس عليه قراءته فيها؛ إذ أقام ﷺ حدودها، ولكنه مضى فيها وأتمها، وكذلك معنى قطع المرأة، والكلب الأسود، والحمار: الصلاة، إنما هو بشغل قلب من مر ذلك به في صلاته بمروره به فيها، وإحداثه له فيها من الشك، وحديث النفس ما يقطع به صلاته ويفسدها عليه، فأما من أقام حدودها، وأداها على ما وجبت عليه، فلن يفسدها عليه إفسادًا تجب عليه معه إعادتها شيء مر بين يديه، … "، ثم أطال في بيان هذا المعنى، فليراجع في موضعه.
• وذهب ابن خزيمة إلى الجمع بين الأحاديث، وإعمالها جميعًا، فقال: "باب ذكر الدليل على أن هذا الخبر في ذكر المرأة ليس مضاد خبر عائشة؛ إذ النبي ﷺ إنما أراد: أن مرور الكلب والمرأة والحمار يقطع صلاة المصلي، لا ثوى الكلب، ولا ربضه، ولا ربض الحمار، ولا اضطجاع المرأة: يقطع صلاة المصلي، وعائشة إنما أخبرت أنها كانت تضطجع بين يدي النبي ﷺ وهو يصلي؛ لا أنها مرت بين يديه".
وقال أيضًا بعد خبر عبيد الله عن ابن عباس: "وليس في هذا الخبر أن النبي ﷺ رأى الأتان تمر ولا ترتع بين يدي الصفوف، ولا أن النبي ﷺ أُعلم بذلك، فلم يأمر من مرت
стр. 3505
الأتان بين يديه بإعادة الصلاة، والخبر ثابت صحيح عن النبي ﷺ أن: الكلب الأسود والمرأة الحائض والحمار يقطع الصلاة، وما لم يثبت خبر عن النبي ﷺ بضد ذلك لم يجز القول والفتيا بخلاف ما ثبت عن النبي ﷺ ".
وقال بعد خبر صهيب عن ابن عباس: "وليس في هذا الخبر: أن الحمار مر بين يدي رسول الله ﷺ ، وإنما قال: فمررت بين يدي رسول الله ﷺ ، وهذه اللفظة تدل أن ابن عباس مر بين يدي النبي ﷺ بعد نزوله عن الحمار؛ لأنه قال: فمررت بين يدي رسول الله ﷺ وهو يصلي، …
وهذا الخبر ظاهره كخبر عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس: أن الحمار إنما مر بين يدي أصحاب النبي ﷺ ، لا بين يدي النبي ﷺ ، وليس فيه أن النبي ﷺ علم بذلك، فإن كان في الخبر أن النبي ﷺ علم بمرور الحمار بين يدي بعض من كان خلفه، فجائز أن تكون سترة النبي ﷺ كانت سترة لمن خلفه؛ إذ النبي ﷺ قد كان يستتر بالحربة إذا صلى بالمصلى، ولو كانت سترتُه لا تكون سترةً لمن خلفه لاحتاج كل مأموم أن يستتر بحربة، كاستتار النبي ﷺ بها، فحمل العنزة للنبي ﷺ يستتر بها دون أن يأمر المأمومين بالاستتار خلفه، كالدال على أن سترة الإمام تكون سترة لمن خلفه، …
ثم قال: ففي قوله ﷺ : "مثل مؤخرة الرحل يكون بين يدي أحدكم، ثم لا يضره ما مر بين يديه" دلالة واضحة إذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل ضره مرور الدواب بين يديه، والدواب التي تضر مرورها بين يديه هي الدواب التي أعلم النبي ﷺ أنها تقطع الصلاة، وهو الحمار والكلب الأسود على ما أعلم المصطفى ﷺ لا غيرهما من الدواب التي لا تقطع الصلاة".
وقد احتج ابن خزيمة على ما ذهب إليه بحديث هشام بن حسان عن حميد بن هلال بلفظ: "تعاد الصلاة من: ممر الحمار، والمرأة، والكلب الأسود"، وهي رواية شاذة من حديث أبي ذر، والمحفوظ فيه رواية الجماعة: "يقطع الصلاة إذا لم يكن بين يدي الرجل مثل مؤخرة الرحل: المرأة، والحمار، والكلب الأسود"، وقد تبعه على ذلك ابن حبان في صحيحه، حيث قال (٦/ ١٥١): "ذكر البيان بأن صلاة المرء إنما تقطع من مرور الكلب والحمار والمرأة، لا كونهن واعتراضهن"، والله أعلم.
وقد ذهب إلى القول بالنسخ: الطحاوي، وابن عبد البر [شرح المعاني (١/ ٤٥٨)، التمهيد (٢١/ ١٦٨)]، وعزى الحازمي في الاعتبار (١/ ٣١٩) القول بالنسخ إلى جماعة من أهل العلم، ولابن حزم كلام طويل في الباب، يراجع المحلى (٤/ ١٢)، وانظر أيضًا: الاستذكار (٢/ ٨٤)، التمهيد (٢١/ ١٦٧).
قال ابن عبد البر في التمهيد (٢١/ ١٦٨): "وقال جمهور العلماء: لا يقطع الصلاة شيء، وهو قول: مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأصحابهم، والثوري، وأبي ثور، وداود، والطبري، وجماعة من التابعين.
следующие страницы →