Полный текст (16 465 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.
стр. 3501
ابن عمر، فدخل جرو بيني وبينه، فمر بين يدي، فقال: أما أنت فأعد الصلاة، وأما أنا فلا أعيد؛ لأنه لم يمر بين يدي.
أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٠١/ ٢٤٦٤)، بإسناد صحيح إلى حماد.
والثاني عندي أقرب إلى الصواب، فإن حميدًا الطويل مشهور بالرواية عن بكر بن عبد الله المزني، بخلاف أيوب السختياني، ولم يروه عن أيوب أصحابه المشهورون، ورواية حميد عن بكر في الكتب الستة، ولم أجد روايةً لأيوب عن بكر فيها [انظر: تهذيب الكمال (٤/ ٢١٧)، تحفة الأشراف (٥/ ٤٧ - دار الغرب)، وغيرها].
وهذا إسناد بصري صحيح.
وعلى هذا فقد اختلفت الرواية عن ابن عمر، فقد صح عنه أنه قيل له: يقطع الصلاة الكلب والحمار؟ فقال ابن عمر: لا يقطع صلاة المسلم شيء، وصح عنه هنا: أنه أمر بكر بن عبد الله بإعادة الصلاة، مما يدل على أن الكلب عنده يقطع الصلاة، فالله أعلم.
٧ - عن معاذ بن جبل:
روى ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن معاذ بن جبل، قال: الكلب الأسود البهيم شيطان، وهو يقطع الصلاة.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٢٨/ ٢٣٥٤)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٥٢/ ٢٨٩٨)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٢٤٦٦/١٠١).
وإسناده ضعيف؛ مجاهد لم يدرك معاذًا [المراسيل (٧٦٣)، تحفة التحصيل (٢٩٤)]، وليث بن أبي سليم: ضعيف؛ لاختلاطه وعدم تميز حديثه.
• والحاصل: أنه قد صح عن بعض الصحابة، أنه قال: يقطع الصلاة: المرأة، والحمار، والكلب.
وهم: أبو هريرة، وأنس، وصح عن عائشة: أن الحمار والكلب الأسود يقطعان الصلاة، وصح عن ابن عباس: أن المرأة الحائض والكلب الأسود يقطعان الصلاة، وصح عن ابن عمر في الكلب وحده، وصح عن الحكم بن عمرو الغفاري في الحمار وحده.
كما أن حديث أبي جحيفة: أن النبي ﷺ صلى بمكة، وهو بالأبطح، وبين يديه عنزة، يمر من ورائها الكلب والمرأة والحمار [وهو حديث متفق عليه، تقدم برقم (٥٢٠ و ٦٨٨)]، يدل على أنه مما كان متقررًا في نفوس الصحابة: أن مرور هذه الثلاث بين المصلي وبين سترته تقطع صلاته، قال ابن رجب في الفتح (٢/ ٦٢٢): "وقوله: يمر بين يديه المرأة والحمار: مما يستدل به على أن مرورهما بين يدي المصلي إلى غير سترة يقطع عليه صلاته، ولولا ذلك لم يكن لتخصيص المرأة والحمار بمرورهما بين يديه من وراء السترة معنى"، ويدل على هذا المعنى أيضًا: قول من قال لعائشة وابن عباس: أن المرأة والحمار والكلب تقطع الصلاة، والله أعلم.
• وبهذا يظهر أن الصحابة قد اختلفوا في هذه المسألة، ولم يتفقوا، فكان مردُّنا عند
стр. 3502
الاختلاف إلى ما صح عن النبي ﷺ ، لا إلى غيره، وقوله الصريح في ذلك أولى من الفعل؛ إذ إن حديث أبي ذر قد سيق مساق التشريع العام، بخلاف الفعل في حديث ابن عباس وحديث عائشة؛ فإنهما يحتملان من التأويل ما لا يحتمله القول الصريح.
• وعلى هذا فإن عمدة هذه الأبواب هو: حديث أبي ذر، وشاهداه عن أبي هريرة وعبد الله بن مغفل، ففي حديث أبي ذر: أن رسول الله ﷺ قال: "يقطع صلاة الرجل إذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل: المرأة، والحمار، والكلب الأسود"، وفيه: "الكلب الأسود شيطان" [تقدم برقم (٧٠٢)].
وقد عارضه في الحمار [فيما صح] حديث ابن عباس [المتفق عليه] قال: أقبلتُ راكبًا على أتانٍ، وأنا يومئذٍ قد ناهزتُ الاحتلامَ، ورسولُ الله ﷺ يصلي بالناس بمنى، فمررتُ بين يدي بعض الصف فنزلتُ، فأرسلتُ الأتانَ ترتع، ودخلتُ في الصفِّ، فلم ينكرْ ذلك أحدٌ، وقد تقدم تخريجه فيما سبق برقم (٧١٥).
وعارضه في المرأة حديث عائشة ﵂[المتفق عليه]، أنها قالت: ما تقولون ما يقطع الصلاة؟ قال: فقالوا: الكلب والحمار والمرأة، فقالت عائشة: إن المرأة إذًا دابة سوء؛ لقد رأيتني وأنا معترضة بين يدي رسول الله ﷺ اعتراض الجنازة، وهو يصلي، وقد تقدم تخريج طرقه فيما سبق برقم (٧١٠ - ٧١٤).
ولم يعارضه في الكلب شيء يصح، وقد اختلف موقف العلماء من هذه الأحاديث، ولما كانت كلها صحيحة، كان الأولى الجمع بينها، وإعمالها جميعًا؛ إذ إن إعمال جميع الأدلة -طالما أمكن- أولى من إهمال بعضها، طالما لم يثبت لدينا نص يدل على أن بعضها ناسخ لبعض.
وبناءً على ذلك: فيقال بأن حديث ابن عباس إنما كان في مرور الحمار بين يدي المأمومين، ولما كانت سترةُ الإمام سترةً للمأمومين، لم يضر المأمومين مرورُ الحمار بين أيديهم، فإن صلاتهم محفوظة بسترة إمامهم، والله أعلم.
وأما حديث عائشة فهو في المرأة حال كونها معترضة، أو نائمة، أو ساكنة، فيخرج بذلك مرور المرأة أمام المصلي بينه وبين سترته، فتقطع صلاته حينئذ، والله أعلم.
• أسوق بعد ذلك بعض أقوال أهل العلم في هذه المسألة، مرتبًا إياها على وفياتهم، دون تعقب، إذ قد بيَّنت ما ظهر لي من وجه الصواب، والله أعلم.
قال الشافعي في اختلاف الحديث (١٠/ ١٢٦ - الأم): "لا يجوز إذا روي حديث واحد: أن رسول الله قال: "يقطع الصلاة: المرأة والكلب والحمار"، وكان مخالفًا لهذه الأحاديث، فكان كل واحد منها أثبت منه، ومعها ظاهر القرآن؛ أن يُترك إن كان ثابتًا إلا بأن يكون منسوخًا، ونحن لا نعلم المنسوخ حتى نعلم الآخر، ولسنا نعلم الآخر، أو يُرَدُّ ما يكون غيرَ محفوظ، وهو عندنا غير محفوظ؛ لأن النبي ﷺ صلى وعائشة بينه وبين القبلة، وصلى وهو حامل أمامة، يضعها في السجود، ويرفعها في القيام، ولو كان ذلك يقطع
стр. 3503
صلاته لم يفعل واحدًا من الأمرين، وصلى إلى غير سترة، وكل واحد من هذين الحديثين يرد ذلك الحديث؛ لأنه حديث واحد، وإن أخذت فيه أشياء، فإن قيل: فما يدل عليه كتاب الله من هذا؟ قيل: قضاء الله ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]-والله أعلم- أنه لا يُبطل عملُ رجلٍ عملَ غيره، وأن يكون سعيُ كلِّ لنفسه وعليها، فلما كان هذا هكذا، لم يجز أن يكون مرور رجل يقطع صلاة غيره".
وقال عبد الله بن أحمد: "سألت أبي: ما يقطع الصلاة؟ قال: الكلب الأسود، قال: أنس يروي أنه يقطع الصلاة الكلب والمرأة والحمار؟ قال: أما المرأة فاذهب إلى حديث عائشة: كان رسول الله ﷺ يصلي، وأنا معترضة بين يديه، وإلى حديث ابن عباس: مررت بين يدي رسول الله ﷺ ، وأنا على أتان، فقلت لأبي: إذا مرَّ الكلب الأسود بين يدي المصلي، قطع صلاته؟ قال: نعم، فقلت له: يعيد؟ قال: نعم؛ إذا كان أسود" [مسائله (٣٦٥)].
وقال إسحاق بن منصور الكوسج: "قلت: ما يقطع الصلاة؟ قال: ما أعلمه يقطعها إلا الكلب الأسود الذي لا أشك فيه، وفي قلبي من الحمار والمرأة شيء، قال إسحاق: لا يقطع إلا الكلب الأسود.
قال الإمام أحمد: ومن الناس من يقول: إن قول عائشة ﵂ حيث قالت: كنت أنام بين يدي النبي ﷺ ليس بحجة على هذا الحديث؛ يعني: من قال: يقطع الصلاة الحمار والمرأة والكلب؛ لأن النائم غير المار، وقول ابن عباس ﵄ في الحمار حيث مرَّ بين يدي بعض الصف ليس بحجة؛ لأن سترةَ الإمام سترةُ مَن خلفه.
قال إسحاق: كل هذا حجة، ولا يحتاج إلى هذا المبهم مع المفسر، قول عائشة ﵂: عدلتمونا بالحمار" [مسائله (٢٨٧ و ٢٨٨)].
وقال موسى بن سعيد الدنداني [صدوق، حافظ]: قال أبو عبد الله: "في الكلب ست خصال: ثمنه، وسؤره، وأمر النبي ﷺ بقتلها، وتقطع الصلاة، ويقتل الكلب الأسود البهيم؛ إن كان لصاحب ماشية فلا بأس بقتله" [طبقات الحنابلة (١/ ٣٣٢)].
وقال ابن رجب في الفتح (٢/ ٧٠١): "وفي مسائل الحسن بن ثواب، عن الإمام أحمد: قيل له: ما ترى في الحمار والكلب والمرأة؟ قال: الكلب الأسود يقطع؛ أنه شيطان. قيل له: حديث أبي ذر؟ قال: هاتوا غير حديث أبي ذر، ليس يصح إسناده، ثم ذكر حديث الفضل بن عباس؛ أنه مر على بعض الصف وهو على حمار. قيل له: إنه كان بين يديه عنزة؟ قال: هذا الحديث في فضاء".
[وانظر أيضًا: مسائل عبد الله (٤١٥)، مسائل أبي داود (٣١٨)، مسائل ابن هانئ (٣٣٠)، المغني (٢/ ٤٣)، الفتح لابن رجب (٢/ ٧٠٠ و ٧٠٩)].
وقال الترمذي بعد حديث ابن عباس (٣٣٧): "وحديث ابن عباس: حديث حسن صحيح، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، ومن بعدهم من
стр. 3504
التابعين، قالوا: لا يقطع الصلاة شيء، وبه يقول: سفيان الثوري، والشافعي".
وقال بعد حديث أبي ذر (٣٣٨): "حديث أبي ذر: حديث حسن صحيح، وقد ذهب بعض أهل العلم إليه، قالوا: يقطع الصلاة: الحمار والمرأة والكلب الأسود، قال أحمد: الذي لا أشك فيه أن الكلب الأسود يقطع الصلاة، وفي نفسي من الحمار والمرأة شيء، قال إسحاق: لا يقطعها شيء إلا الكلب الأسود".
وقال ابن نصر المروزي في اختلاف العلماء (٥٦): "قال سفيان: لا يقطع الصلاة شيء؛ كلب ولا حمار ولا امرأة، وكذلك قال أصحاب الرأي، وهو قول: مالك والشافعي، وقال أحمد وإسحاق والحميدي: يقطعها الكلب الأسود خاصة، ولا يقطعها سواه".
وتأول ابن جرير القطع، فقال في تهذيب الآثار (٣٢١ - الجزء المفقود): "فإن قال: أوليس صحيحًا عندك الخبر الذي روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "يقطع الصلاة: المرأة، والحمار، والكلب الأسود"؟ قيل: بلى؛ فإن قال: فكيف تجوِّز أن يكون مرور هؤلاء بين يدي المصلي إلى غير سترة قاطعًا صلاته، ثم لا تكون عليه الإعادة؟ قيل: إن قول النبي ﷺ في هذه الأشياء الثلاثة أنها تقطع صلاة المصلي، نظير قوله ﷺ : "إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته"، …
ومعلوم أن قطع الشيطان صلاة المصلي ليس بمروره بين يديه وحده دون إحداثه له من أسباب الوسوسة والشك وشغل القلب بغير صلاته ما يفسد به صلاته، ويقطعها عليه، وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه عرض له وهو في صلاته شيطان حتى التبست عليه القراءة، فلم يقطع لذلك صلاته، …
فلم يستقبل النبي ﷺ صلاته بعرض الشيطان له فيها، ولم يُعِدها، وقد لبس عليه قراءته فيها؛ إذ أقام ﷺ حدودها، ولكنه مضى فيها وأتمها، وكذلك معنى قطع المرأة، والكلب الأسود، والحمار: الصلاة، إنما هو بشغل قلب من مر ذلك به في صلاته بمروره به فيها، وإحداثه له فيها من الشك، وحديث النفس ما يقطع به صلاته ويفسدها عليه، فأما من أقام حدودها، وأداها على ما وجبت عليه، فلن يفسدها عليه إفسادًا تجب عليه معه إعادتها شيء مر بين يديه، … "، ثم أطال في بيان هذا المعنى، فليراجع في موضعه.
• وذهب ابن خزيمة إلى الجمع بين الأحاديث، وإعمالها جميعًا، فقال: "باب ذكر الدليل على أن هذا الخبر في ذكر المرأة ليس مضاد خبر عائشة؛ إذ النبي ﷺ إنما أراد: أن مرور الكلب والمرأة والحمار يقطع صلاة المصلي، لا ثوى الكلب، ولا ربضه، ولا ربض الحمار، ولا اضطجاع المرأة: يقطع صلاة المصلي، وعائشة إنما أخبرت أنها كانت تضطجع بين يدي النبي ﷺ وهو يصلي؛ لا أنها مرت بين يديه".
وقال أيضًا بعد خبر عبيد الله عن ابن عباس: "وليس في هذا الخبر أن النبي ﷺ رأى الأتان تمر ولا ترتع بين يدي الصفوف، ولا أن النبي ﷺ أُعلم بذلك، فلم يأمر من مرت
стр. 3505
الأتان بين يديه بإعادة الصلاة، والخبر ثابت صحيح عن النبي ﷺ أن: الكلب الأسود والمرأة الحائض والحمار يقطع الصلاة، وما لم يثبت خبر عن النبي ﷺ بضد ذلك لم يجز القول والفتيا بخلاف ما ثبت عن النبي ﷺ ".
وقال بعد خبر صهيب عن ابن عباس: "وليس في هذا الخبر: أن الحمار مر بين يدي رسول الله ﷺ ، وإنما قال: فمررت بين يدي رسول الله ﷺ ، وهذه اللفظة تدل أن ابن عباس مر بين يدي النبي ﷺ بعد نزوله عن الحمار؛ لأنه قال: فمررت بين يدي رسول الله ﷺ وهو يصلي، …
وهذا الخبر ظاهره كخبر عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس: أن الحمار إنما مر بين يدي أصحاب النبي ﷺ ، لا بين يدي النبي ﷺ ، وليس فيه أن النبي ﷺ علم بذلك، فإن كان في الخبر أن النبي ﷺ علم بمرور الحمار بين يدي بعض من كان خلفه، فجائز أن تكون سترة النبي ﷺ كانت سترة لمن خلفه؛ إذ النبي ﷺ قد كان يستتر بالحربة إذا صلى بالمصلى، ولو كانت سترتُه لا تكون سترةً لمن خلفه لاحتاج كل مأموم أن يستتر بحربة، كاستتار النبي ﷺ بها، فحمل العنزة للنبي ﷺ يستتر بها دون أن يأمر المأمومين بالاستتار خلفه، كالدال على أن سترة الإمام تكون سترة لمن خلفه، …
ثم قال: ففي قوله ﷺ : "مثل مؤخرة الرحل يكون بين يدي أحدكم، ثم لا يضره ما مر بين يديه" دلالة واضحة إذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل ضره مرور الدواب بين يديه، والدواب التي تضر مرورها بين يديه هي الدواب التي أعلم النبي ﷺ أنها تقطع الصلاة، وهو الحمار والكلب الأسود على ما أعلم المصطفى ﷺ لا غيرهما من الدواب التي لا تقطع الصلاة".
وقد احتج ابن خزيمة على ما ذهب إليه بحديث هشام بن حسان عن حميد بن هلال بلفظ: "تعاد الصلاة من: ممر الحمار، والمرأة، والكلب الأسود"، وهي رواية شاذة من حديث أبي ذر، والمحفوظ فيه رواية الجماعة: "يقطع الصلاة إذا لم يكن بين يدي الرجل مثل مؤخرة الرحل: المرأة، والحمار، والكلب الأسود"، وقد تبعه على ذلك ابن حبان في صحيحه، حيث قال (٦/ ١٥١): "ذكر البيان بأن صلاة المرء إنما تقطع من مرور الكلب والحمار والمرأة، لا كونهن واعتراضهن"، والله أعلم.
وقد ذهب إلى القول بالنسخ: الطحاوي، وابن عبد البر [شرح المعاني (١/ ٤٥٨)، التمهيد (٢١/ ١٦٨)]، وعزى الحازمي في الاعتبار (١/ ٣١٩) القول بالنسخ إلى جماعة من أهل العلم، ولابن حزم كلام طويل في الباب، يراجع المحلى (٤/ ١٢)، وانظر أيضًا: الاستذكار (٢/ ٨٤)، التمهيد (٢١/ ١٦٧).
قال ابن عبد البر في التمهيد (٢١/ ١٦٨): "وقال جمهور العلماء: لا يقطع الصلاة شيء، وهو قول: مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأصحابهم، والثوري، وأبي ثور، وداود، والطبري، وجماعة من التابعين.
стр. 3506
قال أبو عمر: الآثار المرفوعة في هذا الباب كلها صحاح من جهة النقل؛ غير أن حديث أبي ذر وغيره في المرأة والحمار والكلب: منسوخ، ومعارَض، فمما عارضه أو نسخه عند أكثر العلماء: حديث عائشة المذكور في هذا الباب".
وقال في التمهيد (٤/ ١٩١) أيضًا: "والصحيح عندنا: أن الصلاة لا يقطعها شيء مما يمر بين يدي المصلي بوجه من الوجوه؛ ولو كان خنزيرًا، وإنما يقطعها ما يفسدها من الحدث وغيره؛ مما جاءت به الشريعة".
وانظر: المدونة (١/ ١١٤)، اختلاف الحديث (١٠/ ١٢٢ - الأم)، الأوسط لابن المنذر (٥/ ١٠٠ - ١٠٦)، التمهيد (٢١/ ١٧٠)، شرح السُّنَّة (٢/ ٤٦٢).
وقال ابن قدامة في المغني (٢/ ٤٣): "مسألة: قال: ولا يقطع الصلاة إلا الكلب الأسود البهيم؛ يعني: إذا مر بين يديه، هذا المشهور عن أحمد ﵀، نقله الجماعة عنه.
قال الأثرم: سئل أبو عبد الله: ما يقطع الصلاة؟ قال: لا يقطعها عندي شيء إلا الكلب الأسود البهيم.
وهذا قول عائشة، وحكي عن طاوس، وروي عن معاذ ومجاهد أنهما قالا: الكلب الأسود البهيم شيطان، وهو يقطع الصلاة.
ومعنى البهيم: الذي ليس في لونه شيء سوى السواد.
وعن أحمد رواية أخرى: أنه يقطعها: الكلب الأسود، والمرأة إذا مرت، والحمار، قال: وحديث عائشة من الناس من قال: ليس بحجة على هذا؛ لأن المار غير اللابث، وهو في التطوع وهو أسهل، والفرض آكد، وحديث ابن عباس مررت بين يدي بعض الصف: ليس بحجة لأن سترة الإمام سترة لمن خلفه، وروي هذا القول عن: أنس، وعكرمة، والحسن، وأبي الأحوص"، ثم ذكر أن أصحاب هذا القول احتجوا بحديث أبي هريرة وأبي ذر وغيرهما.
ثم قال: "قال عروة والشعبي والثوري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي: لا يقطع الصلاة شيء"، ثم ذكر حديث أبي سعيد وابن عباس وعائشة وزينب بنت أم سلمة وغيرها، ثم قال: "ولنا حديث أبي هريرة وأبي ذر، وحديث أبي سعيد: "لا يقطع الصلاة شيء": يرويه مجالد بن سعيد، وهو ضعيف، فلا يعارض به الحديث الصحيح، ثم حديثنا أخص؛ فيجب تقديمه لصحته وخصوصه، وحديث الفضل بن عباس في إسناده مقال، ثم يحتمل اْن الكلب لم يكن أسود، ولا بهيمًا، ويجوز أن يكونا بعيدين، ثم هذه الأحاديث كلها في المرأة والحمار تعارض حديث أبي هريرة وأبي ذر فيهما، فيبقى الكلب الأسود خاليًا عن معارض فيجب القول به؛ لثبوته، وخلوه عن معارض".
وقال النووي في المجموع (٣/ ٢٢٢): "وأما الجواب عن الأحاديث الصحيحة التي احتجوا بها فمن وجهين، أصحهما وأحسنهما؛ ما أجاب به الشافعي والخطابي والمحققون من الفقهاء والمحدثين: أن المراد بالقطع القطع عن الخشوع والذكر؛ للشغل بها،
стр. 3507
والالتفات إليها، لا أنها تفسد الصلاة، قال البيهقي ﵀: ويدل على صحة هذا التأويل أن ابن عباس أحد رواة قطع الصلاة بذلك، ثم روى عن ابن عباس أنه حمله على الكراهة، فهذا الجواب هو الذي نعتمده، وأما ما يدعيه أصحابنا وغيرهم من النسخ فليس بمقبول، إذ لا دليل عليه، ولا يلزم من كون حديث ابن عباس في حجة الوداع وهي في آخر الأمر أن يكون ناسخًا، إذ يمكن كون أحاديث القطع بعده، وقد علم وتقرر في الأصول أن مثل هذا لا يكون ناسخًا، مع أنه لو احتمل النسخ لكان الجمع بين الأحاديث مقدمًا عليه، إذ ليس فيه رد شيء منها، وهذه أيضا قاعدة معروفة، والله أعلم".
• وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في القواعد النورانية (١/ ٨٠): " … ، ومن تمام هذا: أنه قد صح عن النبي ﷺ في صحيح مسلم وغيره، من حديث أبي ذر وأبي هريرة ﵄، وجاء من حديث غيرهما أنه: "يقطع الصلاة: الكلب الأسود والمرأة والحمار"، وفرَّق النبي ﷺ بين الكلب الأسود والأحمر والأبيض؛ بأن الأسود شيطان، وصح عنه ﷺ أنه قال: "إن الشيطان تفلت على البارحة ليقطع صلاتي؛ فأخدته فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد، … " الحديث، فأخبر أن الشيطان أراد أن يقطع عليه صلاته، فهذا أيضًا يقتضي أن مرور الشيطان يقطع الصلاة، فلذلك أخذ أحمد بذلك في الكلب الأسود، واختلف قوله في المرأة والحمار؛ لأنه عارض هذا الحديثَ حديثُ عائشة لما كان النبي ﷺ يصلي وهي في قبلته، وحديث ابن عباس ﵄ لما اجتاز على أتانه بين يدي بعض الصف، والنبي ﷺ يصلي بأصحابه بمنى.
مع أن المتوجه أن الجميع يقطع، وأنه يُفرَّق بين المار واللابث، كما فرَّق بينهما في الرجل، في كراهة مروره دون لبثه في القبلة إذا استدبره المصلي، ولم يكن متحدثًا، وأن مروره ينقص ثواب الصلاة، دون اللبث.
واختلف المتقدمون من أصحاب أحمد في الشيطان الجني إذا علم بمروره، هل يقطع الصلاة؟ والأوجه أنه يقطعها؛ بتعليل رسول الله ﷺ ، وبظاهر قوله: "يقطع صلاتي"، … "، إلى أن قال: "والذين خالفوا أحاديث القطع للصلاة لم يعارضوها إلا بتضعيف بعضهم، وهو تضعيف من لم يعرف الحديث، كما ذكر أصحابه، أو بأن عارضوها بروايات ضعيفة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يقطع الصلاة شيء".
أو بما روي في ذلك عن الصحابة، وقد كان الصحابة مختلفين في هذه المسألة، أو برأيٍ ضعيفٍ لو صح لم يقاوم هذه الحجة، خصوصًا مذهب أحمد" [وهو في المجموع (٢١/ ١٤)].
وقال ابن رجب في الفتح (٢/ ٧٠٦) بعد أن ذكر جادة مذهب أحمد وأصحابه: "ولهم في ذلك مسلكان آخران:
أحدهما: أن حديث عائشة لا يعارض حديث أبي ذر؛ فإن حديث عائشة في وقوف المرأة بين يدي المصلي، وأنه لا يبطل صلاته، وحديث أبي ذر في مرور المرأة، وأنه
стр. 3508
مبطل للصلاة، فيعمل بكلا الحديثين، فتبطل الصلاة بمرور هذه الثلاثة دون وقوفها في قبلة المصلي، وهو رواية عن أحمد.
وهذا يتوجه على إحدى الروايتين عن أحمد في إبطال الصلاة بمرور الثلاثة المذكورة في حديث أبي ذر، وقد رجحها بعض أصحابنا المتأخرين.
وقد تقدم قول عائشة: فأكره أن أسنحه؛ أي: أعترض بين يديه مارة، فدل على أن مرورها بين يديه مما يكره ويتقى، بخلاف نومها معترضة .....
ويدل على أنه يفرَّق بين المرور والوقوف: أن المصلي مأمور بدفع المار ولو كان حيوانًا، وقد وردت السُّنَّة بالصلاة إلى الحيوان البارك والمرأة النائمة، فدل على الفرق بين الأمرين، وقد استدل الإمام أحمد بهذا على التفريق بين المرور والوقوف.
والثاني: أن يحمل حديث عائشة على صلاة النفل، فلا تقطعها المرأة، وحديث أبي ذر على الفريضة، وهذا مسلك آخر لأصحابنا، وقد حكوا رواية عن أحمد بالفرق بين الفريضة والنافلة في قطع الصلاة بمرور هذه الثلاثة .....
وقد سلك بعضهم مسلكًا آخر، وهو نسخ القطع بالمرأة والحمار بحديث عائشة وابن عباس؛ لأن حديث ابن عباس كان في حجة الوداع في آخر عمر النبي ﷺ ، وحديث عائشة يدل بظاهره على استمرار النبي ﷺ على ما أخبرت به عنه إلى آخر عمره، ولو كان قد ترك ذلك في آخر عمره لما خفي عليها، وبقي الكلب الأسود لا ناسخ له، وهذا المسلك فيه نظر، وقد أنكره الإمام أحمد في رواية حرب، وأنكره أيضًا الشافعي في كتاب مختلف الحديث، وعلى هذا المسلك يتوجه القول بإبطال الصلاة بالكلب الأسود خاصة.
وأحمد كان شديد الورع في دعوى النسخ، فلا يطلقه إلا عن يقين وتحقيق؛ فلذلك عدل عن دعوى النسخ هنا إلى دعوى تعارض الأخبار، والأخذ بأصحها إسنادًا، فأخذ بحديث عائشة في المرأة، وحديث ابن عباس في الحمار، فبقي الكلب الأسود من غير معارض"، ثم أطال النفس في بيان مذهب أحمد، وتوجيه كلامه.
إلى أن قال (٢/ ٧١٠): "ومتى قيل: إن حديث ابن عباس في مروره بالحمار بين يدي بعض الصف: لم يكن مرورًا بين يدي النبي ﷺ ، بل كانت سترته محفوظةً، فلا دليل في حديثه هذا على أن مرور الحمار لا يقطع الصلاة، وإن انضم إلى ذلك التفريق بين مرور المرأة ووقوفها وجلوسها ونومها لم يبق في حديثها [يعني: حديث عائشة] دليل على أن المرأة لا يقطع مرورها، فيسلم حينئذ حديث أبي ذر وما أشبهه من معارض في الكلب والمرأة والحمار".
قلت: وهذا القول عندي هو الصواب كما أسلفت، والذي به تأتلف الأحاديث، ويعمل بها جميعًا، ومتى أمكن إعمال جميع الأدلة كان أولى من إهمالها، أو القول بتأويل القطع المذكور، أو القول بنسخها، لا سيما مع عدم وجود الدليل على تأخر الناسخ من الأدلة على المتقدم منها في الزمن، والله أعلم.
стр. 3509
ثم قال في بيان قول الجمهور: "وأما جمهور أهل العلم الذين لم يروا قطع الصلاة وبطلانها بمرور شيء بين يدي المصلي، فاختلفت مسالكهم في هذه الأحاديث المروية في قطع الصلاة:
فمنهم: من تكلم فيها من جهة أسانيدها، وهذه تشبه طريقة البخاري؛ فإنه لم يخرج منها شيئًا، وليس شيء منها على شرطه كما سبق بيانه.
ومنهم: من ادعى نسخها بحديث مرور الحمار وهو في حجة الوداع، وهي في آخر عمر النبي ﷺ ، ............
ومنهم من قال: حديث أبي ذر ونحوه قد عارضه ما هو أصح منه إسنادًا، كحديث ابن عباس وعائشة، وقد أعضدهما أحاديث آخر تشهد لهما، …
إلى أن قال: وسلك آخرون مسلكًا آخر، وهو: أن الأحاديث إذا تعارضت نظر إلى ما عمل به الصحابة فيرجح، وقد عمل الصحابة بأن الصلاة لا يقطعها شيء، وقد روي ذلك عن الخلفاء الراشدين الأربعة وغيرهم.
وقد سلك هذا أبو داود في سننه، وهو من أجل أصحاب الإمام أحمد.
وسلك آخرون مسلكًا آخر، وهو: تأويل القطع المذكور في هذه الأحاديث، وأنه ليس المراد به إبطال الصلاة وإلزام إعادتها، وإنما المراد به القطع عن إكمالها والخشوع فيها بالاشتغال بها، والالتفات إليها، وهذا هو الذي قاله الشافعي في رواية حرملة، ورجح هذا الخطابي والبيهقي وغيرهما من العلماء.
وقد تُعُرِّض عليه بأن المصلي قد يكون أعمى، وقد يكون ذلك ليلًا بحيث لا يشعر به المار ولا من مر عليه، والحديث يعم هذه الأحوال كلها، وأيضًا؛ فقد يكون غير هذه الثلاثة أكثر إشغالًا للمصلي، كالفيل والزرافة والوحوش والخيل المسومة، ولا يقطع الصلاة مرور شيء من ذلك.
وأقرب من هذا التأويل: أن يقال: لما كان المصلي مشتغلًا بمناجاة الله، وهو في غاية القرب منه والخلوة به، أمر المصلي بالاحتراز من دخول الشيطان في هذه الخلوة الخاصة، والقرب الخاص؛ ولذلك شرعت السترة في الصلاة خشية من دخول الشيطان، وكونه وليجة في هذه الحال فيقطع بذلك مواد الأنس والقرب؛ فإن الشيطان رجيم مطرود مبعد عن الحضرة الإلهية، فإذا تخلل في محل القرب الخاص للمصلي أوجب تخلله بعدًا وقطعًا لمواد الرحمة والقرب والأنس.
فلهذا المعنى -والله أعلم- خصت هذه الثلاث بالاحتراز منها، وهي: المرأة؛ فإن النساء حبائل الشيطان، وإذا خرجت المرأة من بيتها استشرفها الشيطان، وإنما توصل الشيطان إلى إبعاد آدم من دار القرب بالنساء، والكلب الأسود: شيطان، كما نص عليه الحديث، وكذلك الحمار؛ ولهذا يستعاذ بالله عند سماع صوته بالليل؛ لأنه يرى الشيطان؛ فلهذا أمر ﷺ بالدنو من السترة خشية أن يقطع الشيطان عليه صلاته، وليس ذلك موجبًا لإبطال الصلاة وإعادتها -والله أعلم-، وإنما هو منقص لها، كما نص عليه الصحابة،
стр. 3510
كعمر وابن مسعود، كما سبق ذكره في مرور الرجل بين يدي المصلي، وقد أمر النبي ﷺ بدفعه وبمقاتلته، وقال: "إنما هو شيطان"، وفي رواية: "أن معه القرين".
لكن النقص الداخل بمرور هذه الحيوانات التي هي بالشيطان أخص أكثر وأكثر، فهذا هو المراد بالقطع، دون الإبطال والإلزام بالإعادة، والله أعلم".
وقال ابن حجر في الفتح (١/ ٥٩٠): "ووجه الدلالة من حديث عائشة الذي احتج به ابن شهاب أن حديث: "يقطع الصلاة المرأة … " إلخ يشمل ما إذا كانت مارة أو قائمة أو قاعدة أو مضطجعة، فلما ثبت أنه ﷺ صلى وهي مضطجعة أمامه؛ دل ذلك على نسخ الحكم في المضطجع، وفي الباقي بالقياس عليه، وهذا يتوقف على إثبات المساواة بين الأمور المذكورة، وقد تقدم ما فيه، فلو ثبت أن حديثها متأخر عن حديث أبي ذر لم يدل إلا على نسخ الاضطجاع فقط، وقد نازع بعضهم في الاستدلال به مع ذلك من أوجه أخرى، أحدها: إن العلة في قطع الصلاة بها ما يحصل من التشويش، وقد قالت: إن البيوت يومئذ لم يكن فيها مصابيح، فانتفى المعلول بانتفاء علته، ثانيها: إن المرأة في حديث أبي ذر مطلقة، وفي حديث عائشة مقيدة بكونها زوجته، فقد يحمل المطلق على المقيد، ويقال: يتقيد القطع بالأجنبية لخشية الافتتان بها، بخلاف الزوجة فإنها حاصلة، ثالثها: أن حديث عائشة واقعة حال يتطرق إليها الاحتمال، بخلاف حديث أبي ذر فإنه مسوق مساق التشريع العام، وقد أشار ابن بطال إلى أن ذلك كان من خصائصه ﷺ ؛ لأنه كان يقدر من ملك أربه على ما لا يقدر عليه غيره، وقال بعض الحنابلة يعارض حديث أبي ذر وما وافقه أحاديث صحيحة غير صريحة وصريحة غير صحيحة فلا يترك العمل بحديث أبي ذر الصريح بالمحتمل؛ يعني: حديث عائشة وما وافقه، والفرق بين المار وبين النائم في القبلة: أن المرور حرام بخلاف الاستقرار نائمًا كان أم غيره، فهكذا المرأة يقطع مرورها دون لبثها"، وهذا تحرير جيد، والله الموفق للصواب.
وانظر أيضًا: معالم السنن (١/ ١٦٤ و ١٦٥)، الذخيرة (٢/ ١٥٩)، إحكام الأحكام لابن دقيق العيد (١/ ٢٨٤)، التنقيح لابن عبد الهادي (٢/ ٣٢٠)، الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٣/ ٣١٤)، الفتح لابن حجر (١/ ٥٧٢ و ٥٨٩)، وغيرها.
***
أبواب تفريع استفتاح الصلاة
١١٦ - باب رفع اليدين
٧٢١ - . . . سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ إذا استفتح الصلاةَ رفع يديه حتى تحاذي [وفي نسخة: يحاذي] مَنكِبَيه، وإذا أراد أن يركعَ، وبعدما يرفعُ رأسَه من الركوع -وقال سفيان مرةً: وإذا رفع
стр. 3511
رأسه، وأكثر ما كان يقول: وبعدما يرفع رأسه من الركوع-، ولا يرفعُ بين السجدتين.
• حديث متفق عليه، من حديث الزهري.
أخرجه البخاري في جزء رفع اليدين (١٨)، ومسلم (٣٩٠/ ٢١)، وأبو عوانة (١/ ٤٢٣ و ٤٢٤/ ١٥٧٢ - ١٥٧٥)، وأبو نعيم في مستخرجه عليه (٢/ ١٢/ ٨٥٦)، والترمذي (٢٥٥ و ٢٥٦)، وقال: "حسن صحيح"، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٢/ ١٠٠ / ٢٣٦)، والنسائي في المجتبى (٢/ ١٨٢/ ١٠٢٥) و (٢/ ٢٣١/ ١١٤٤)، وفي الكبرى (١/ ٣٦٧/ ٧٣٤) و (٢/ ٢٩/ ١٠٩٩)، وابن ماجه (٨٥٨)، وابن خزيمة (١/ ٢٩٤/ ٥٨٣)، وابن حبان (٥/ ١٧٧/ ١٨٦٤)، وابن الجارود (١٧٧)، وأحمد (٢/ ٨)، والشافعي في الأم (٨/ ٥٤٢ و ٧١١/ ٣٦٤٧ و ٣٩١٦ م)، وفي اختلاف الحديث (١٠/ ١٦٦/ ١٨٥ - الأم)، وفي المسند (٣٥ و ١٧٦)، والحميدي (١/ ٥١٥/ ٦٢٦)، وابن أبي شيبة (١/ ٢١١ و ٢١٢/ ٢٤٠٩ و ٢٤٢٥)، والبزار (١٢/ ٢٥٢/ ٦٠٠٢)، وأبو يعلى (٩/ ٢٩٥ و ٣٦٧ و ٣٩٩/ ٥٤٢٠ و ٥٤٨١ و ٥٥٣٤)، والروياني (١٤٠٢)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١٩٥ و ٢٢٢)، وفي المشكل (١٥/ ٤١ / ٥٨٢٧)، وابن الأعرابي في المعجم (٢/ ٦٣٤ و ٦٧٥/ ١٢٥٧ و ١٣٤٨) و (٣/ ٩١٩/ ١٩٢٩)، وأبو أحمد الحاكم في شعار أصحاب الحديث (٥٠)، وأبو بكر ابن المقرئ في جزء نافع (٢٨)، وابن سمعون في الأمالي (٢٧٣)، وتمام في الفوائد (١١٣)، وابن حزم في المحلى (٣/ ٢٣٥)، والبيهقي في السنن (٢/ ٢٣ و ٦٩)، وفي المعرفة (١/ ٤٩٥ و ٥٤٠/ ٦٧٨ و ٧٥٧)، والخطيب في تاريخ بغداد (٢/ ٣٩٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥/ ٤٢٨)، وابن الجوزي في التحقيق (٤١٩).
وهذا الحديث قد رواه عن سفيان بن عيينة جمع غفير، منهم: أحمد بن حنبل، والشافعي، والحميدي، وعلي بن المديني، ويحيى بن يحيى التميمي، وسعيد بن منصور، وأبو بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وعمرو بن محمد الناقد، وأبو خيثمة زهير بن حرب، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، وابن أبي عمر العدني، وقتيبة بن سعيد، وهشام بن عمار، وعثمان بن أبي شيبة، وأبو عمر حفص بن عمر الضرير، وأحمد بن عبدة، وعبد الجبار بن العلاء، وعلي بن حجر، وعلي بن خشرم، وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي، وأبو الربيع سليمان بن داود الزهراني، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وسعدان بن نصر، والحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، ويونس بن عبد الأعلى الصدفي، ومحمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، وعبد الله بن محمد الزهري، ويوسف بن موسى، وعتبة بن عبد الله اليحمدي، وهارون بن إسحاق الهمداني، ومحمد بن رافع، وعلي بن الأزهر، وعلي بن محمد الطنافسي، وعلي بن حرب الطائي، وشعيب بن عمرو، والفضل بن الصباح البغدادي، وعبد الرحمن بن بشر بن الحكم، وعلي بن المنذر
стр. 3512
الكوفي، ومحمد بن عاصم بن عبد الله الثقفي، وعبد الله بن محمد بن أيوب المخرمي [وله فيه زيادة شاذة، عند ابن الأعرابي في المعجم (١٩٢٩)]، وغيرهم، وهذا لفظ أحمد بن حنبل.
ولفظ يحيى بن يحيى عند مسلم: رأيت رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه، وقبل أن يركع، وإذا رفع من الركوع، ولا يرفعهما بين السجدتين.
ولفظ الحميدي، والشافعي: رأيت رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكببه [وفي رواية للشافعي: حتى يحاذي منكبيه]، وإذا أراد أن يركع، وبعدما يرفع رأسه من الركوع، ولا يرفع بين السجدتين.
قال سعيد بن عبد الرحمن المخزومي: "وأي إسناد أصح من هذا" [صحيح ابن خزيمة].
وقال ابن المديني: "قال سفيان: هذا مثل هذه الأسطوانة" [صحيح ابن خزيمة. شعار أصحاب الحديث (٥٠)، الإتحاف (٨/ ٣٦٥/ ٩٥٦٨)].
وقال البخاري: "قال علي بن عبد الله [يعني: ابن المديني]-وكان أعلم أهل زمانه-: رفع اليدين حقٌّ على المسلمين؛ بما روى الزهري عن سالم عن أبيه".
وقال الشافعي: "روى هذا عن النبي ﷺ بضعة عشر رجلًا" [الأم (٨/ ٥٤٢)].
وانظر في الأوهام والمناكير: كتاب الصلاة لابن حبان (٨/ ٣٣٩/ ٩٥١٠ - إتحاف المهرة)، المعجم الصغير للطبراني (٢/ ٢٨٠/ ١١٦٨).
***
٧٢٢ - . . . بقية: حدثنا الزبيدي، عن الزهري، عن سالم، عن عبد الله بن
عمر، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى تكونا حَذْوَ مَنكِبيه، ثم كبَّر وهما كذلك، فيركع، ثم إذا أراد أن يرفعَ صُلْبَه رفعهما حتى تكونا حذو منكبيه، ثم قال: "سمع الله لمن حمده"، ولا يرفع يديه في السجود، ويرفعُهما في كل تكبيرةٍ يكبِّرها قبل الركوع، حتى تنقضيَ صلاتُه.
• حديث صحيح، وهو متفق عليه من حديث الزهري بدون الزيادة في آخره.
أخرجه أبو العباس السراج في حديثه بانتقاء الشحامي (٢٢٩٤)، والطبراني في مسند الشاميين (٣/ ٤٥/ ١٧٧٧)، والدارقطني (١/ ٢٨٨)، والبيهقي (٢/ ٨٣) و (٣/ ٢٩٢)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٣/ ٢٢/ ٥٦١).
وعندهم زيادة: كان النبي ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى إذا كانتا حذو منكبيه كبر، ثم إذا أراد أن يركع يرفعهما حتى يكونا حذو منكبيه وكبر وهما كذلك فركع، ثم إذا أراد أن يرفع صلبه رفعهما حتى يكونا حذو منكبيه، ثم قال: … فذكره.
стр. 3513
رواه عن بقية بن الوليد: يحيى بن عثمان بن سعيد، ويزيد بن عبد ربه، ومحمد بن مصفى، وأبو عتبة أحمد بن الفرج الحمصيون.
قلت: أبو عتبة أحمد بن الفرج: ضعفه أهل بلده، واغتر به الغرباء، قال محمد بن عوف: "ليس له في حديث بقية أصل، هو فيها أكذب الخلق" [التهذيب (١/ ٤٠)، اللسان (١/ ٥٧٥)]، وشيخ الطبراني فيه: إبراهيم بن محمد بن الحارث بن عرق؛ قال الذهبي: "شيخ للطبراني غير معتمد" [الميزان (١/ ٦٣)، اللسان (١/ ٣٥٥)].
ومحمد بن مصفى بن بهلول الحمصي: صدوق، مدلس، يسوي حديث بقية.
ويحيى بن عثمان بن سعيد بن كثير الحمصي: صدوق، ويزيد بن عبد ربه الزبيدي الحمصي: ثقة، قال أبو بكر بن أبي داود: "أوثق من روى عن بقية" [التهذيب (٤/ ٤٢١)].
وبرواية هذَين ومتابعة الآخرَين: فإن الحديث ثابت عن بقية، وكذلك هو ثابت من حديث الزبيدي؛ محمد بن الوليد بن عامر الحمصي، وهو: ثقة ثبت، من أثبت أصحاب الزهري، صحبه عشر سنين، قدمه الأوزاعي على أصحاب الزهري، وقدمه أبو حاتم على معمر في الزهري خاصة [التهذيب (٣/ ٧٢٣)، شرح علل الترمذي (٢/ ٦٧١)].
• ولم ينفرد الزبيدي بهذا اللفظ عن الزهري؛ فقد تابعه عليه:
ابن أخي الزهري، عن عمه: حدثني سالم بن عبد الله؛ أن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى إذا كانتا حذو منكبيه كبر، ثم إذا أراد أن يركع رفعهما حتى يكونا حذو منكبيه كبر وهما كذلك، فركع، ثم إذا أراد أن يرفع صلبه رفعهما حتى يكونا حذو منكبيه، ثم قال: "سمع الله لمن حمده"، ثم يسجد، فلا يرفع يديه في السجود، ويرفعهما في كل ركعة وتكبيرة كبرها قبل الركوع، حتى تنقضي صلاته.
أخرجه ابن الجارود (١٧٨)، وأحمد (٢/ ١٣٤)، وأبو العباس السراج في مسنده (٩٠)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (١٥٩٤)، والدارقطني (١/ ٢٨٩).
وهذه متابعة جيدة، ابن أخي الزهري هو: محمد بن عبد الله بن مسلم، وهو صالح في المتابعات؛ وهو في الأصل صدوق، تُكُلِّم في حديثه عن الزهري، وهو من أهل الطبقة الثالثة من أصحاب الزهري، وقد استشهد به البخاري ومسلم في المتابعات.
• وهذا الحديث رواه أيضًا عن الزهري:
مالك، ومعمر بن راشد، ويونس بن يزيد، وشعيب بن أبي حمزة، وعقيل بن خالد، وإبراهيم بن سعد [وهم ثقات، من الطبقة الأولى من أصحاب الزهري]، وهشيم بن بشير، وإبراهيم بن أبي عبلة، وجعفر بن ربيعة، وخالد بن يزيد الجمحي المصري [وهم ثقات]، وابن جريج، وسفيان بن حسين، وإسحاق بن راشد، ومحمد بن أبي حفصة [وهم ثقات في الجملة، تُكُلِّم في حديثهم عن الزهري]، وأبو أويس عبد الله بن عبد الله بن أويس [صدوق يهم]، وعبد الله بن عمر العمري [ليس بالقوي]، وقرة بن عبد الرحمن بن حيويل [ليس بقوي؛ روى أحاديث مناكير. انظر: التهذيب (٣/ ٤٣٨) وغيره] [والراوي عنه: ابن
стр. 3514
لهيعة، وهو: ضعيف]، والوليد بن محمد الموقري [متروك] [١٨]:
رووه عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر؛ أن رسول الله ﷺ كان إذا افتتح الصلاة، رفع يديه حذو منكبيه، [وإذا كبر للركوع] [وفي رواية: وإذا أراد أن يركع] [وفي رواية: وإذا ركع]، وإذا رفع رأسه من الركوع، رفعهما كذلك أيضًا، وقال: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد"، وكان لا يفعل ذلك في السجود.
وهذا لفظ مالك.
ولفظ يونس: رأيت رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة، رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه، ثم يكبر، قال: وكان يفعل ذلك حين يكبر للركوع، ويفعل ذلك حين يرفع رأسه من الركوع، ويقول: "سمع الله لمن حمده"، ولا يفعل ذلك في السجود.
ولفظ شعيب عند البخاري: رأيت النبي ﷺ افتتح التكبير في الصلاة، فرفع يديه حين يكبر، حتى يجعلهما حذو منكبيه، وإذا كبر للركوع فعل مثله، وإذا قال: "سمع الله لمن حمده" فعل مثله، وقال: "ربنا ولك الحمد"، ولا يفعل ذلك حين يسجد، ولا حين يرفع رأسه من السجود. وبمثله لفظ إبراهيم بن أبي عبلة وأبي أويس.
ولفظ معمر: رأيت رسول الله ﷺ يرفع يديه إذا دخل إلى الصلاة، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، ولا يفعل ذلك في السجود.
وفي رواية عبد الرزاق عنه: كان رسول الله ﷺ يرفع يديه حين يكبر حتى يكونا حذو منكبيه، أو قريبًا من ذلك، وإذا ركع رفعهما، وإذا رفع رأسه من الركعة رفعهما، ولا يفعل ذلك في السجود.
أخرجه البخاري في الصحيح (٧٣٥ و ٧٣٦ و ٧٣٨)، وفي رفع اليدين (٣٣ و ٨٦ و ١٠١ و ١٣٧ و ١٣٨ و ١٧٦)، ومسلم (٣٩٠/ ٢٢ و ٢٣)، وأبو عوانة (١/ ٤٢٤/ ١٥٧٦ - ١٥٧٩)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ١٢ و ١٣/ ٨٥٧ - ٨٥٩)، والنسائي في المجتبى (٢/ ١٢١ و ١٢٢/ ٨٧٦ - ٨٧٨) و (٢/ ١٩٤ و ١٩٥/ ١٠٥٧ و ١٠٥٩) و (٢/ ٢٠٦/ ١٠٨٨)، وفي الكبرى (١/ ٣٣١ و ٣٣٢ و ٣٤٤/ ٦٤٨ و ٦٥٠ و ٦٧٩) (١/ ٤٥٨/ ٩٥٢ - ٩٥٤)، والدارمي (١/ ٣١٦/ ١٢٥٠) و (١/ ٣٤٢/ ١٣٠٨ و ١٣٠٩)، ومالك في الموطأ (١/ ١٢٤/ ١٩٦ - رواية يحيى الليثي)، وابن خزيمة (١/ ٢٣٢/ ٤٥٦)، وابن حبان (٥/ ١٧٢/ ١٨٦١)، وأحمد (٢/ ١٨ و ٤٧ و ٦٢ و ١٤٧)، والشافعي في الأم (٨/ ٥٤١ - ٥٤٢/ ٣٦٤٦)، وفي المسند (٢١٢) (١٩٣ - بترتيب سنجر)، وابن وهب في الجامع (٣٨٦)، وعبد الرزاق (٢/ ٦٧/ ٢٥١٧ و ٢٥١٨) و (٢/ ١٦٥/ ٢٩١١)، وابن أبي شيبة (١/ ٢١٢/ ٢٤٢٨)، والبزار (١٢/ ٢٥٢/ ٦٠٠٤)، وأبو يعلى (٩/ ٤١٦/ ٥٥٦٤)، والروياني (١٤٠٢)، وأبو العباس السراج في مسنده (٨٩ و ٩١ و ٩٥ و ٩٦ و ٩٨)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (٨١ و ١٧٢٦ و ١٩٢٥)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٧٢/ ١٢٥٣ و ١٢٥٤) و (٣/ ١٣٧/ ١٣٨١)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١٩٥ و ٢٢٣)، وفي المشكل (١٥/ ٤٢/ ٥٨٢٨)،
стр. 3515
والطبراني في الكبير (١٢/ ٢٧٩ و ٢٨٠/ ١٣١١١ و ١٣١١٢)، وفي الأوسط (٢/ ٢٢٢/ ١٨٠١)، وفي مسند الشاميين (١/ ٦٩/٦٤) و (٤/ ٢٢٩/ ٣١٥٠)، وأبو أحمد الحاكم في عوالي مالك (٨٥ و ١٢١)، وأبو بكر ابن المقرئ في المعجم (٩٩ و ١٠٠ و ٤٣٧)، وفي الأربعين (٣٣)، والجوهري في مسند الموطأ (١٧٦)، والدارقطني في السنن (١/ ٢٨٧ - ٢٨٨ و ٢٨٨ و ٢٨٩)، وفي العلل (١٣/ ١١٤/ ٢٩٩٣)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ١٥٧ و ٢٢٣)، وفي معرفة الصحابة (٣/ ١٧١٣/ ٤٣١٥)، وابن حزم في المحلى (٣/ ٢٦١)، والبيهقي في السنن (٢/ ٢٦ و ٦٩ و ٧٠ و ٩٤)، وفي المعرفة (١/ ٧٥٨/٥٤٠ و ٧٥٩)، والخطيب في الموضح (٢/ ٥٠٧)، وفي التاريخ (٣/ ٢٦٠)، وأبو القاسم المهرواني في فوائده (١٢٧)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٣/ ٢٠/ ٥٥٩)، وقال: "هذا حديث متفق على صحته"، والجوزقاني في الأباطيل (٢/ ١٩ و ٢٠/ ٣٩١ و ٣٩٢)، وقال: "هذا حديث صحيح"، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٩/ ٢٠٨) و (١٤/ ٣٥٣) و (٥٤/ ٦٢).
• تنبيهات:
١ - اختلف أصحاب مالك عليه في ذكر رفع اليدين إذا كبر للركوع:
أ - فرواه عنه بإثباته: الشافعي [كما في الأم]، وعبد الله بن مسلمة القعنبي [عند البخاري (٧٣٥)]، وعبد الله بن يوسف التنيسي، وعبد الرحمن بن القاسم (٥٩ - تلخيص القابسي)، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن المبارك، وقتيبة بن سعيد، وعبد الله بن وهب، وعثمان بن عمر بن فارس، وبشر بن عمر الزهراني، وخالد بن مخلد، ومحمد بن الحسن الشيباني (٩٩).
ب - ورواه عنه بإسقاطه: الشافعي [كما في المسند، وكذا هو عمن رواه من طريق الشافعي]، وعبد الله بن مسلمة [في موطئه (١٠٩)، وفي مسند الموطأ]، ويحيى بن يحيى الليثي (١٩٦)، وأبو مصعب الزهري (٢٠٤)، وسويد بن سعيد الحدثاني (٧٨)، ويحيى بن سعيد [في رواية عنه] [عند النسائي (١٠٥٧)]، وكامل بن طلحة.
قال الدارقطني في الأحاديث التي خولف فيها مالك (١٨): "روى مالك في الموطأ، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه؛ أن النبي ﷺ كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك، ولم يذكر رفعه يديه عند التكبير للركوع، ورواه عنه جماعة في غير الموطأ؛ فذكروا فيه: رفع اليدين عند التكبير للركوع، منهم: يحيى القطان، وابن مهدي، وغيرهما، وكذلك رواه أصحاب الزهري عنه، وهو الصواب؛ خلاف ما في الموطأ".
وقال في العلل (١٣/ ١٢ / ٢٩٩٣): "ورواه مالك بن أنس، واختلف عنه في لفظه: فرواه يحيى القطان، وعبد الله بن المبارك، وجويرية بن أسماء، وعبد الله بن وهب، وعبد الرحمن بن القاسم، وإبراهيم بن طهمان، وعبد الله بن نافع، وإسماعيل بن أبي أويس، رووه عن مالك، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: أن النبي ﷺ كان إذا افتتح
стр. 3516
الصلاة رفع يديه حذو منكببه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع.
وخالفهم أصحاب الموطأ، منهم: القعنبي، ومعن، ويحيى بن يحيى، وكامل بن طلحة، وإسحاق الطباع، والشافعي، وخالد بن مخلد، رووه عن مالك بهذا الإسناد: أن النبي ﷺ كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه، وإذا رفع رأسه من الركوع، ولم يذكروا في روايتهم: الرفع عند الركوع.
وأحسب أن مالكًا لم يذكر هذا اللفظ في موطئه، وقصر عنه؛ لأن مذهبه كان لا يرفع يديه للركوع، ولا يرفع إلا في التكبيرة الأولى".
فتعقبه أبو العباس بن طاهر الداني في كتاب الإيماء (٢/ ٣٤٣) بقوله: "وليس الأمر كما ظن؛ لأن مالكًا ذكر في الحديث رفع اليدين عند رفع الرأس من الركوع، وليس من مذهبه رفعهما عند الرفع من الركوع خاصةً دون الانحطاط إليه بوجه، بل قد رُوي عنه عكس ذلك.
روى أشهب عن مالك: أن المصلي يرفع يديه إذا ركع، ولا يرفعهما إذا رفع، وساوى بينهما في سائر الروايات منعًا أو إباحة، وروى ابن وهب عنه رفع اليدين في الحالين، وفي رواية ابن القاسم وغيره، وهو المشهور عنه: أنه لا يرفعهما في خفض ولا رفع.
فلو راعى مالك مذهبه في ترك الرفع لأسقط من الحديث رفع اليدين عند رفع الرأس من الركوع خاصة، وأثبت فيه رفعهما عند الانحطاط على ما ذهب إليه في رواية أشهب، أو كان يسقط منه رفع اليدين في الحالين، على ما هو المشهور من مذهبه، والله أعلم".
قال ابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٤٧): "وحكى يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن مالك أنه سئل: هل يرفع يديه في الركوع في الصلاة؟ قال: نعم، فقيل: وبعد أن يرفع رأسه من الركوع؟ قال: نعم، قال: وهذا في سنة سبع وسبعين، قال يونس: وهي آخر سنة فارق فيها ابن وهب مالك".
وقول مالك هذا أسنده إلى يونس: الحميدي في جذوة المقتبس (١٩٩) في ترجمة أحمد بن عمرو بن منصور الإلبيري.
وقال ابن عبد البر في التمهيد (٩/ ٢١٣): "وروى ابن وهب والوليد بن مسلم وسعيد بن أبي مريم وأشهب وأبو المصعب عن مالك: أنه كان يرفع يديه على حديث ابن عمر هذا إلى أن مات".
وقال البيهقي في المعرفة بعد أن أخرج حديث مالك من طريق ابن وهب بإثبات الرفع عند الركوع: "وكذلك رواه يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وجويرية بن أسماء، وإبراهيم بن طهمان، ومعن بن عيسى، وخالد بن مخلد، وبشر بن عمر، وغيرهم، عن مالك، ذكروا فيه رفع اليدين عند الافتتاح، وعند الركوع، وعند رفع الرأس من الركوع، وكذلك رواه عامة أصحاب الزهري، عن الزهري: يونس بن يزيد،
стр. 3517
وشعيب بن أبي حمزة، وعقيل بن خالد، وابن جريج، وغيرهم، وكذلك رواه سليمان الشيباني، والعلاء بن عبد الرحمن، وغيرهما، عن سالم بن عبد الله، ووصف أكثر هؤلاء الرواة رفعه عند الركوع، ورفع الرأس منه، بما وصفه عند الافتتاح".
وقال ابن عبد البر في الاستذكار (١/ ٤٠٧): "هكذا رواية يحيى، لم يذكر الرفع عند الركوع، وتابعه مِن رواةِ الموطأ جماعة، وروته أيضًا جماعة عن مالك، فذكرت فيه رفع اليدين عند الافتتاح، وعند الركوع، وعند الرفع من الركوع، وكذلك رواه أصحاب ابن شهاب، وهو الصواب".
وقال في التمهيد (٩/ ٢١٠): "هكذا رواه يحيى عن مالك، لم يذكر فيه الرفع عند الانحطاط إلى الركوع، وتابعه على ذلك جماعة من الرواة للموطأ عن مالك، منهم: القعنبي، وأبو مصعب، وابن بكير، وسعيد بن الحكم بن أبي مريم، ومعن بن عيسى، والشافعي، ويحيى بن يحيى النيسابوري، وإسحاق بن الطباع، وروح بن عبادة، وعبد الله بن نافع الزبيري، وكامل بن طلحة، وإسحاق بن إبراهيم الحنيني، وأبو حذافة أحمد بن إسماعيل، وابن وهب في رواية ابن أخيه عنه.
ورواه ابن وهب، وابن القاسم، ويحيى بن سعيد القطان، وابن أبي أويس، وعبد الرحمن بن مهدي، وجويرية بن أسماء، وإبراهيم بن طهمان، وعبد الله بن المبارك، وبشر بن عمر، وعثمان بن عمر، وعبد الله بن يوسف التنيسي، وخالد بن مخلد، ومكي بن إبراهيم، ومحمد بن الحسن الشيباني، وخارجة بن مصعب، وعبد الملك بن زياد النصيبي، وعبد الله بن نافع الصائغ، وأبو قرة موسى بن طارق، ومطرف بن عبد الله، وقتيبة بن سعيد، كل هؤلاء رووه عن مالك فذكروا فيه الرفع عند الانحطاط إلى الركوع، قالوا فيه: أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة حذو منكبيه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع.
ذكر الدارقطني الطرق عن أكثرهم عن مالك كما ذكرنا، وهو الصواب، وكذلك رواه سائر من رواه عن ابن شهاب، وممن روينا ذلك عنه من أصحاب ابن شهاب: الزبيدي، ومعمر، والأوزاعي، ومحمد بن إسحاق، وسفيان بن حسين، وعقيل بن خالد، وشعيب بن أبي حمزة، وابن عيينة، ويونس بن يزيد، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعبيد الله بن عمر، كلهم رووا هذا الحديث: عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه عن النبي ﷺ ، كما رواه ابن وهب ومن ذكرنا معه من أصحاب مالك، …
وقال جماعة من أهل العلم: إن إسقاط ذكر الرفع عند الانحطاط في هذا الحديث إما أتى من مالك، وهو الذي كان ربما وهم فيه؛ لأن جماعة حفاظًا رووا عنه الوجهين جميعًا.
وقال ابن حجر في الإتحاف (٨/ ٩٥٦٨/٣٦٥): "ولم يذكر الرفع عند الركوع في الموطأ، وذكره في غيره".
стр. 3518
• وانظر فيمن كذب فيه على مالك ومن دونه، فرواه عنه بهذا الإسناد، مرفوعًا بلفظ: كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، ثم لا يعود [أخرجه البيهقي في الخلافيات (٢/ ٩٠ - ٩١ - مختصره) (٣١٤ - المنار المنيف) (١/ ٤٠٤ - نصب الراية) (٣/ ٤٨٢ - البدر المنير)، وعزاه إليه ابن كثير في كتاب الأحكام الكبير (٣/ ٢٧٢)، من طريق: أحمد بن محمد بن خالد البراثي [قال الدارقطني: "ثقة مأمون"، سؤالات السهمي (١٢٣)، تاريخ بغداد (٥/ ٣)]، عن عبد الله بن عون [ثقة]، عن مالك به، قال البيهقي: "وهذا باطل موضوع"].
• وانظر أيضًا فيمن كذب فيه على ابن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، فقلب إسناده، وأتى بمتن مختلق، فقال فيه أحدهما: "من رفع يديه في الصلاة فلا صلاة له"، وقال الآخر: "من رفع يديه في الركوع فلا صلاة له" [أخرجهما أو أحدهما: ابن حبان في المجروحين (٣/ ٤٦)، والجوزقاني في الأباطيل (٢/ ١٨ و ٢٢/ ٣٩٠ و ٣٩٣)، وقال في أحدهما: "هذا حديث باطل، لا أصل له"، وقال في الآخر: "هذا حديث موضوع باطل"، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٤/ ٢٣٤)، وابن الجوزي في التحقيق (٤٢٧ و ٤٢٨)، وفي الموضوعات (٢/ ٣٨٧/ ٩٦٣ و ٩٦٤)، وعلقه أبو عبد الله الحاكم في المدخل إلى معرفة الإكليل (١١٣)، وحكم عليه بالوضع] [قال الذهبي في تلخيص الموضوعات (٤٠١): "وضعه مأمون بن أحمد على ثقات، وسرقه محمد بن عكاشة"، قلت: مأمون بن أحمد السلمي، ومحمد بن عكاشة الكرماني: روياه عن المسيب بن رافع، عن ابن المبارك، وكلاهما: كذاب خبيث، يضع الحديث. اللسان (٦/ ٤٤٧) و (٧/ ٣٥٠)] [وانظر: كتاب الأحكام الكبير (٣/ ٢٧٤)، المنار المنيف (٣١٦)، البدر المنير (٣/ ٤٨٢ و ٤٩٦)، الدراية (١/ ١٥٢)، التلخيص (١/ ٢٢٢)، وأدرجه كل من صنف في الموضوعات].
٢ - نصَّ بعضُ من روى هذا الحديث عن الزهري على تأخير التكبير عن رفع اليدين، منهم: الزبيدي، وابن أخي الزهري، وابن جريج، وعقيل، ويونس، وفي رواية الزبيدي: رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه، ثم كبَّر وهما كذلك، وفي رواية يونس: رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه، ثم يكبر.
٣ - خالف هشيم [عند ابن أبي شيبة والسراج] الجماعة في لفظه، فقال: لا يجاوز بهما أذنيه، فوهم هو أو من رواه عنه، إذ قد رواه كالجماعة عند البخاري في رفع اليدين (١٣٧)، لكن لم يقيد الرفع بشيء، والمحفوظ عن الزهري: حذو منكبيه.
وقد وجدت نصًّا للإمام أحمد أن هشيمًا لم يسمع هذا الحديث من الزهري، قال أبو نعيم في الحلية (٩/ ٢٢٣) بعد حديث هشيم: "قال عبد الله: قال أبي: لم يسمعه هشيم من الزهري، قال عبد الله: وحدثنا عثمان بن أبي شيبة: ثنا هشيم، عن سفيان بن حسين، عن الزهري نحوه"، وسفيان بن حسين ضعيف في الزهري خاصة، وعلى هذا فيكون هشيم قد دلس هذا الحديث عن الزهري.
стр. 3519
٤ - وقع في معجم ابن المقرئ بعد أن ساق الحديث من طريق ابن المبارك عن معمر؛ وكان ابن المبارك يفعله، فقيل له: تفعل هذا يا أبا عبد الرحمن؟ ولم يكن أصحابك يفعلونه! قال: جاءني به الثقة عن رسول الله ﷺ .
وانظر في الأوهام أو المناكير: المجروحين (١/ ١٦٠)، الكامل لابن عدي (٢/ ٣٤٥)، تاريخ دمشق (١٤/ ٢٧٧).
• ورواه عبيد الله بن عمر العمري، عن ابن شهاب الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي ﷺ أنه كان يرفع يديه إذا دخل في الصلاة، وإذا أراد أن يركع، وإذا رفع رأسه، وإذا قام من الركعتين، يرفع يديه في ذلك كله [حذو المنكبين]، وكان عبد الله يفعله.
أخرجه البخاري في رفع اليدين (١٣٦ و ١٣٩)، والنسائي في المجتبى (٣/ ٣/ ١١٨٢)، وفي الكبرى (٢/ ٣٢/ ١١٠٦)، وأبو عوانة (١/ ٤٢٤/ ١٥٧٩)، وابن خزيمة (١/ ٣٤٤/ ٦٩٣)، وابن حبان (٥/ ١٨٥ و ١٩٧/ ١٨٦٨ و ١٨٧٧)، والبزار (١٢/ ٢٥٢/ ٦٠٠٣)، والروياني (١٤٠٢)، والطحاوي في المشكل (١٥/ ٤٢/ ٥٨٢٩ و ٥٨٣٠)، وابن حزم في المحلى (٤/ ٩٠).
صححه البخاري في جزء رفع اليدين ضمن أحاديث، فقال (١٦٤): "هذه الأحاديث كلها صحيحة عن رسول الله ﷺ ، لا يخالف بعضها بعضًا، وليس فيها تضاد؛ لأنها في مواطن مختلفة"، وقال في موضع آخر (١٧٠) فيما نقله عنه ابن حجر في الفتح (٢/ ٢٢٢): "ما زاده ابن عمر وعلي وأبو حميد في عشرة من الصحابة: من الرفع عند القيام من الركعتين: صحيح؛ لأنهم لم يحكوا صلاة واحدة فاختلفوا فيها، وإنما زاد بعضهم على بعض، والزيادة مقبولة من أهل العلم".
وقد احتج به النسائي، وبوب له بقوله: "باب رفع اليدين للقيام إلى الركعتين الأخريين حذو المنكبين".
وأما ما نقله المزي في التحفة (٥/ ٦٨٧٦/١٣٢ - ط دار الغرب) عن النسائي قوله: ""وإذا قام من الركعتين": لم يذكره عامة الرواة عن الزهري، وعبيد الله ثقة، ولعل الخطأ من غيره"، فلا أظنه يثبت عن النسائي، فإني لم أجده لا في الصغرى ولا في الكبرى، وسياق النسائي يدل على احتجاجه به، حيث احتج بحديث أبي حميد، ثم بحديث ابن عمر هذا، وليس في تبويبه وسياقه ما يشعر بالإعلال، والله أعلم.
ثم قال المزي أيضًا: "وقال حمزة بن محمد الكناني: لا أعلم أحدًا قال في هذا الحديث: "وإذا قام من الركعتين" غير معتمر عن عبيد الله، وهو خطأ، وبالله التوفيق".
فتعقبه ابن حجر في النكت الظراف بحاشية التحفة (٥/ ٣٨١ - ط المكتب الإسلامي) فقال: "لم يتفرد به المعتمر، فقد أخرج السراج في مسنده من رواية عبد الوهاب الثقفي عن عبيد الله بن عمر، فقال فيه: "وإذا قام من الركعتين"".
стр. 3520
قلت: هذا الحديث قد رواه عن عبيد الله بن عمر: معتمر بن سليمان [وعنه: محمد بن أبي بكر المقدمي، ومحمد بن عبد الأعلى الصنعاني، وأبو الأشعث أحمد بن المقدام العجلي]، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وعبد الله بن المبارك [وقرن عبيد الله بن عمر بيونس ومعمر ومحمد بن أبي حفصة، كما عند أبي عوانة، لكنه لم يذكر الزيادة].
وقد صححه أيضًا، وترجم لهذه الزيادة: ابن خزيمة، وابن حبان.
• تابع عبيد الله بن عمر على هذا الوجه:
أخوه عبد الله بن عمر العمري [ليس بالقوي]، فرواه عن ابن شهاب، عن سالم، قال: كان ابن عمر إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه، وإذا ركع رفعهما، فإذا رفع رأسه من الركعة رفعهما، وإذا قام من مثنى رفعهما، ولا يفعل ذلك في السجود، قال: ثم يخبرهم أن رسول الله ﷺ كان يفعله.
قال عبد الله: سمعت نافعًا يحدث عن ابن عمر مثل هذا؛ إلا أنه قال: يرفع يديه حتى يكونا حذو أذنيه.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٦٨/ ٢٥١٩).
وبهذه المتابعة يقوى القول بثبوت هذه الزيادة من حديث الزهري.
• خالف رواية الجماعة عن عبيد الله:
عبد الأعلى بن عبد الأعلى، قال: حدثنا عبيد الله، عن نافع؛ أن ابن عمر ﵄ كان إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه، وإذا ركع رفع يديه، وإذا قال: سمع الله لمن حمده رفع يديه، وإذا قام من الركعتين رفع يديه، ورفع ذلك ابن عمر إلى النبي ﷺ .
أخرجه البخاري في الصحيح (٧٣٩)، وفي رفع اليدين (١٠٣)، وأبو داود (٧٤١)، والبزار (١٢/ ١٤٩/ ٥٧٤٢)، وابن حبان في كتاب الصلاة (٩/ ٢٠٧/ ١٠٩٠١ - إتحاف المهرة)، وابن حزم في المحلى (٤/ ٩٠)، والبيهقي في السنن (٢/ ٧٠ و ١٣٦)، وفي المعرفة (١/ ٥٤٢/ ٧٦٢)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٣/ ٢١/ ٥٦٠)، وقال: "هذا حديث صحيح".
هكذا رواه عن عبد الأعلى: عياش بن الوليد الرقام، ونصر بن علي الجهضمي، وإسماعيل بن بشر بن منصور السليمي، والحسين بن معاذ بن خليف [وهم ثقات].
• واختلف فيه على نصر بن علي:
أ- فرواه أبو داود، والبزار [وهما إمامان حافظان كبيران]، وأبو الحسين عبد الله بن محمد بن عبد الله بن يونس السمناني [ثقة حافظ. تاريخ دمشق (٣٢/ ٢٢١)، السير (١٤/ ١٩٤)، تذكرة الحفاظ (٢/ ٧١٨)، تاريخ الإسلام (٢٣/ ١٢٢)]، ومحمد بن صالح بن عبد الله الطبري [فيه لين، واتهم بالكذب. تاريخ الإسلام (٢٣/ ٣٣٠)، اللسان (٧/ ١٩٩)]، عن نصر بن علي به هكذا.
стр. 3521
ب- وخالفهم: إسحاق بن إبراهيم: حدثنا نصر بن علي الجهضمي: حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر؛ أنه كان يرفع يديه في كل خفض ورفع، وركوع وسجود، وقيام وقعود بين السجدتين، ويزعم أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك.
أخرجه الطحاوي في المشكل (١٥/ ٤٦/ ٥٨٣١)، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم به.
قلت: وهو شاذ بهذا اللفظ، والمحفوظ ما رواه جماعة الحفاظ عن نصر بن علي الجهضمي، موافقًا لما رواه جماعة الثقات عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى، وشيخ الطحاوي هو: إسحاق بن إبراهيم بن يونس بن موسى البغدادي المنجنيقي، وهو: ثقة [التهذيب (١/ ١١٤)، مغاني الأخيار (١/ ٣٩)]، وأخاف أن يكون الوهم منه، والله أعلم.
وقد نبهت عليه؛ لأن ابن القطان الفاسي احتج بلفظ الطحاوي هذا [في بيان الوهم (٥/ ٦١٣/ ٢٨٣١)] على ثبوت الرفع بين السجدتين، وما بين السجود حين النهوض إلى ابتداء الركعة، من حديث ابن عمر، وهو شاذ مردود؛ كما ترى.
وانظر: علل الدارقطني (١٣/ ١٤/ ٢٩٠٢)، الرابع من فوائد أبي عثمان البحيري (٣٢).
قال البيهقي: "رواه البخاري في الصحيح عن عياش عن عبد الأعلى، وعبد الأعلى ينفرد برفعه إلى النبي ﷺ ، وهو ثقة، وقد روي ذلك في حديث أبي حميد الساعدي".
وقال أيضًا: "فيثبت هذا الحديث من جهة سالم بن عبد الله، ونافع مولى ابن عمر، كلاهما عن ابن عمر، عن النبي ﷺ " [المعرفة (١/ ٥٤٢)].
قلت: عبيد الله بن عمر العمري: ثقة ثبت، واسع الرواية، يحتمل من مثله التعدد في الأسانيد، وعليه فإن كلا القولين محفوظ عن عبيد الله، لا سيما وقد صحح الثاني البخاري في صحيحه، واحتج به في بابه، حيث ترجم له بقوله: "باب رفع اليدين إذا قام من الركعتين"، وسيأتي الكلام على الاختلاف الواقع في حديث نافع عن ابن عمر هذا، ونقل كلام أهل العلم في رفعه ووقفه في موضعه قريبًا إن شاء الله تعالى [برقم (٧٤١)].
وحديث عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر هذا، قد اختلف في رفعه ووقفه على عبيد الله، والصواب قول عبد الأعلى، قال الدارقطني في العلل (١٣/ ١٤/ ٢٩٠٢): "وأشبهها بالصواب: ما قاله عبد الأعلى بن عبد الأعلى".
• قال عبد الله بن المبارك: "لم يثبت عندي حديث ابن مسعود؛ أن رسول الله ﷺ رفع يديه أول مرة، ثم لم يرفع، وقد ثبت عندي حديث من يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع"، قال ابن المبارك: "ذكره عبيد الله العمري، ومالك، ومعمر، وسفيان، ويونس، ومحمد بن أبي حفصة، عن الزهري، عن سالم عن أبيه عن النبي ﷺ " [سنن الدارقطني (١/ ٢٩٣)].
قلت: فكأنه يثبت حديث عبيد الله بن عمر عن الزهري بهذه الزيادة.
وفي مسائل ابن هانئ (٢٣٦) عن الإمام أحمد، قال: "سئل: إذا نهض الرجل من
стр. 3522
الركعتين، يرفع يديه؟ قال: إن فعله فما أقربه، فيه عن ابن عمر عن النبي ﷺ ، وأبو حميد: أحاديث صحاح، ولكن قال الزهري في حديثه: ولم يفعل في شيء من صلاته، وأنا لا أفعله" [انظر: الفتح لابن رجب (٤/ ٣٢١)، وقال: "وهذا اللفظ لا يُعرف في حديث الزهري"].
قلت: المعروف من حديث الزهري: [ولا يفعل ذلك في السجود"، وفي رواية: "ولا يفعل ذلك حين يسجد، ولا حين يرفع رأسه من السجود"، وهذا لا يخالف ما جاء في حديث عبيد الله بن عمر عن الزهري عن سالم، فإنه زاد فيه الرفع عند القيام من الركعتين، وعبيد الله بن عمر العمري: ثقة ثبت متقن، وهو من أصحاب الزهري، وعدَّه بعضهم في الطبقة الأولى من أصحابه [شرح علل الترمذي (٢/ ٦١٣)]، وقد قبل زيادته هذه عن الزهري: البخاري، والنسائي، وابن خزيمة، وابن حبان، والبيهقي، والإمام أحمد قد صحح الحديث، ولم يرده؛ إلا أنه لم يستعمله.
قال أبو داود في مسائله (٢٣٦): "سمعت أحمد سئل عن الرفع إذا قام من الثنتين؟ قال: أما أنا فلا أرفع يدي، فقيل له: بين السجدتين أرفع يدي؟ قال: لا".
فلو كان حديث عبيد الله بن عمر لا يثبت عنده، لصرح بنفي الرفع في هذا الموطن، كما صرح به فيما بين السجدتين، مما يدل على أنه يثبت حديث عبيد الله، ولم أقف له على نص صريح في رده، والله أعلم.
وقال النووي في المجموع (٣/ ٣٦٣): "قال البخاري: وأما رواية الذين رووا عن النبي ﷺ الرفع عند الافتتاح، وعند الركوع، والرفع منه، ورواية الذين رووا أن النبي ﷺ رفع في هذه المواضع وفي القيام من الركعتين: فالجميع صحيح؛ لأنهم لم يحكوا صلاة واحدة، واختلفوا فيها بعينها، مع أنه لا اختلاف في ذلك، وإنما زاد بعضهم على بعض، والزيادة مقبولة من أهل العلم، والله تعالى أعلم" [وانظر: البدر المنير (٣/ ٥٠٤)].
وقال ابن حجر في الفتح (٢/ ٢٢٢): "وقال البخاري في الجزء المذكور: ما زاده ابن عمر وعلي وأبو حميد في عشرة من الصحابة: من الرفع عند القيام من الركعتين: صحيح؛ لأنهم لم يحكوا صلاة واحدة فاختلفوا فيها، وإنما زاد بعضهم على بعض، والزيادة مقبولة من أهل العلم" [وانظر: عمدة القاري (٥/ ٢٧٧)] [وهذا النص الذي نقله النووي وابن حجر عن البخاري لم أجده بهذا اللفظ في كتابه: "رفع اليدين"، ويحتمل أن يكون ثمة سقط في المطبوع، تبعًا لأصله المخطوط، أو يكون في نقلِ مَن نقلَ عن البخاري شيء من التصرف، والله أعلم، وهذا نص ما في المطبوع (١٧٠): "قال البخاري: والذي يقول: كان النبي ﷺ يرفع يديه عند الركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وما زاد علي وأبو حميد في عشرة من أصحابه: أن النبي ﷺ كان يرفع يديه إذا قام من السجدتين: كله صحيح؛ لأنهم لم يحكوا صلاة واحدة فيختلفوا في تلك الصلاة بعينها، مع أنه لا اختلاف في ذلك، إنما زاد بعضهم على بعض، والزيادة مقبولة من أهل العلم"].
стр. 3523
قال ابن بطال في شرح صحيح البخاري (٢/ ٣٥٧): "والرفع عند القيام زيادة في هذا الحديث على ما رواه ابن شهاب عن سالم فيه، يجب قبولها لمن يقول بالرفع، وليس في حديث ابن شهاب ما يدفعها بل فيه ما يثبتها، وهو قوله: وكان لا يفعل ذلك بين السجدتين، فدليله أنه كان يفعلها في كل خفض ورفع ما عدا السجود، وكان أحمد بن حنبل لا يرفع بين السجدتين، ولا عند القيام من الركعتين، وهو ممن يقول بالرفع في كل خفض ورفع، فيمكن أن يرد عليه البخارى بهذا الحديث".
وقال البيهقي في الخلافيات (٢/ ٧٠ - مختصره): "ورفع اليدين عند القيام من الركعتين سُنَّة؛ وإن لم يذكره الشافعي؛ فإن إسناده صحيح، والزيادة من الثقة مقبولة، وقال الشافعي ﵀: إذا وجدتم في كتابي خلاف سُنَّة رسول الله ﷺ فقولوا بسُنَّة رسول الله ﷺ ودعوا ما قلت، وهو مذكور في حديث أبي حميد في عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ ورضي عنهم، وقد ذكر الشافعي حديث أبي حميد الساعدي، وفيه هذه الزيادة، ثم قال في آخره: وبه نقول".
وقال البغوي في شرح السُّنَّة (٣/ ٢٣): "ولم يذكر الشافعي رفع اليدين عند القيام من الركعتين؛ لأنه بنى قوله على حديث ابن شهاب عن سالم، ومذهبه اتباع السُّنَّة إذا ثبتت، وثبت رفع اليدين عند القيام من الركعتين برواية عبيد الله بن عمر عن نافع، وسائر الروايات".
وانظر: المجموع شرح المهذب (٣/ ٤١٠)، إحكام الأحكام لابن دقيق العيد (١/ ٢٢٠)، مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٢/ ٤٥٣)، فتح الباري لابن رجب (٤/ ٧٣٩).
رتابع الزهري على هذا الحديث: سليمان بن أبي سليمان الشيباني، وهو ثقة:
روى أبو حمزة السكري محمد بن ميمون [وهو: ثقة، والراوي عنه: علي بن الحسن بن شقيق، وهو: ثقة حافظ، من قدماء أصحاب أبي حمزة، ممن روى عنه قبل ذهاب بصره. شرح العلل (٢/ ٧٥٤)]، قال: حدثنا سليمان الشيباني، قال: رأيت سالمًا يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، فسألته، فقال: رأيت ابن عمر يفعله، فسألته، فقال: كان رسول الله ﷺ يفعله.
أخرجه أبو العباس السراج في حديثه بانتقاء الشحامي (١١٥)، وأبو بكر الإسماعيلي في معجم شيوخه (٣/ ٧٢٥)، وأبو طاهر المخلص في الحادي عشر من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (٩١) (٢٥٩٦ - المخلصيات).
وهذا حديث صحيح.
قال الدارقطني في العلل (١٣/ ١١٤/ ٢٩٩٣): "ورفعه صحيح من رواية الزهري، والشيباني، وعمر بن عبد العزيز، عن سالم".
• وانظر فيمن رواه أيضًا عن سالم، وفي بعضه ما يستنكر:
مسند أحمد (٢/ ٤٥)، مسند السراج (٩٩)، وحديثه بانتقاء الشحامي (٨٢ و ١٧٢٧)،
стр. 3524
شرح المعاني (١/ ١٩٥ و ٢٢٣)، كتاب الصلاة لابن حبان (٨/ ٣٣٩/ ٩٥١٠ - إتحاف المهرة)، المعجم لابن الأعرابي (٢/ ٦٠٨/ ١٢٠١)، المعجم الكبير للطبراني (١٢/ ٣٢٣/ ١٣٢٤٣)، علل الدارقطني (١٣/ ١١٤/ ٢٩٩٣)، الحلية لأبي نعيم (٣/ ١٦٣)، التدوين (٢/ ٤٢٥).
• ولحديث ابن عمر أسانيد أخرى عن نافع عن ابن عمر:
أما الأول: فهو عند: الطبراني في الأوسط (١/ ١٠/ ١٦) [وإسناده شامي غريب، تفرد به أهل الشام عن أهل المدينة، ولفظه: كان يرفع يديه عند التكبير للركوع، وعند التكبير حين يهوى ساجدًا].
وأما الثاني: فهو عند: الطبراني في الأوسط (١/ ٢٩/ ٧١)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٣١٦) [وفي إسناده: مسلمة بن علي الخشني، وهو: متروك، منكر الحديث، وقد تفرد به عن ابن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر به، وزاد: وإذا سجد، فهو حديث منكر] [انظر: التهذيب (٤/ ٧٦)].
وأما الثالث: فهو عند: الطبراني في الأوسط (٨/ ٢٠٨/ ٨٤١٧) [وإسناده واهٍ: عبد الله بن محرر، وعباد بن صهيب: متروكان. التقريب (٣٣٨)، اللسان (٤/ ٣٩٠)، وهو حديث منكر بهذا اللفظ: كان يرفع يديه عند التكبير في كل صلاة، وعلى الجنائز].
• قال الترمذي في الجامع (٢٥٦): "وفي الباب: عن عمر، وعلي، ووائل بن حجر، ومالك بن الحويرث، وأنس، وأبي هريرة، وأبي حميد، وأبي أسيد، وسهل بن سعد، ومحمد بن مسلمة، وأبي قتادة، وأبي موسى الأشعري، وجابر، وعمير الليثي.
قال أبو عيسى: حديث ابن عمر: حديث حسن صحيح.
وبهذا يقول بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ منهم: ابن عمر، وجابر بن عبد الله، وأبو هريرة، وأنس، وابن عباس، وعبد الله بن الزبير، وغيرهم.
ومن التابعين: الحسن البصري، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، ونافع، وسالم بن عبد الله، وسعيد بن جبير، وغيرهم.
وبه يقول: مالك، ومعمر، والأوزاعي، وابن عيينة، وعبد الله بن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
وقال عبد الله بن المبارك: قد ثبت حديث من يرفع يديه، وذكر حديث الزهري عن سالم عن أبيه، ولم يثبت حديث ابن مسعود: أن النبي ﷺ لم يرفع يديه إلا في أول مرة".
ثم نقل الرفع عن مالك [من رواية إسماعيل بن أبي أويس عنه]، ومعمر، وسفيان بن عيينة، وعمر بن هارون، والنضر بن شميل.
وقال الجوزقاني بعد هذا الحديث: "ورفع اليدين في الصلاة سُنَّة صحيحة عن رسول الله ﷺ ، رواها عنه: أبو بكر، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن عوف، والحسين بن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس،
стр. 3525
وعبد الله بن عمر بن الخطاب، ومالك بن الحويرث، ووائل بن حجر، وأنس بن مالك، وأبو هريرة، وجابر بن عبد الله، وأبو حميد الساعدي، ومعاذ بن جبل، وأبو سعيد الخدري، والبراء بن عازب، وسلمان الفارسي، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعقبة بن عامر، وأبو أمامة الباهلي، وعمار بن ياسر، وأبو موسى الأشعري، وسهل بن سعد الساعدي، وعمر بن قتادة الليثي، وعمران بن حصين، وبريدة بن الحصيب الأسلمي، وعائشة بنت أبي بكر الصديق ﵃ أجمعين" [٢٨].
***
٧٢٣ - . . . عبد الوارث بن سعيد، قال: حدثنا محمد بن جحادة: حدثني عبد الجبار بن وائل بن حجر، قال: كنتُ غلامًا لا أعقِلُ صلاةَ أبي، قال: فحدثني وائل بن علقمة، عن أبي: وائل بن حجر، قال: صليت مع رسول الله ﷺ فكان إذا كبر رفع يديه، قال: ثم التحف، ثم أخذ شماله بيمينه، وأدخل يديه في ثوبه، قال: فإذا أراد أن يركع أخرج يديه، ثم رفعهما، وإذا أراد أن يرفع رأسه من الركوع رفع يديه، ثم سجد ووضع وجهه بين كفَّيْه، وإذا رفع رأسه من السجود أيضًا رفع يديه، حتى فرغ من صلاته.
قال محمد: فذكرت ذلك للحسن بن أبي الحسن، فقال: هي صلاة رسول الله ﷺ ، فعلَه مَن فعلَه، وتركه من تركه.
قال أبو داود: روى هذا الحديث: همام، عن ابن جحادة، لم يذكر الرفعَ مع الرفعِ من السجود.
• هذا حديث خطأ، أخطأ فيه بن جحادة، والصواب: ما رواه عنه همام، من رواية عفان عنه.
أخرجه ابن خزيمة (٢/ ٥٥/ ٩٠٥)، وابن حبان (٥/ ١٧٣/ ١٨٦٢)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٥/ ٧٨/ ٢٦١٩)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٢٥٧)، وفي أحكام القرآن (١/ ١٨٩/ ٣٣٨)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٨/ ٦١)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ٨٨٩/٢٤)، وابن حزم في المحلى (٤/ ٩١)، وابن عبد البر في التمهيد (٩/ ٢٢٧) و (٢٠/ ٧١)، وأبو موسى المديني في اللطائف (٨١٧).
هكذا رواه أبو داود عن عبيد الله بن عمر بن ميسرة الجشمي القواريري، عن عبد الوارث به، وقال: وائل بن علقمة، ومن طريق أبي داود أخرجه ابن حزم.
وقال ابن خزيمة: حدثنا عمران بن موسى القزاز: ثنا عبد الوارث: ثنا محمد بن جحادة: نا عبد الجبار بن وائل، قال: كنت غلامًا لا أعقل صلاة أبي، فحدثني وائل بن علقمة، أو: علقمة بن وائل، عن أبي وائل بن حجر، قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل
стр. 3526
في الصلاة رفع يديه، ثم كبر، ثم التحف، ثم أدخل يديه في ثوبه، ثم أخذ شماله بيمينه، … ثم ذكر الحديث، هكذا قال، فلم يسقه بتمامه [انظر: الإتحاف (١٣/ ٦٥٧/ ١٧٢٧٠)، تهذيب الكمال (٣٠/ ٤٢٣)]، ومن طريقه أخرجه أبو نعيم.
ورواه ابن حبان، من طريق: إبراهيم بن الحجاج السامي، قال: حدثنا عبد الوارث به، إلى قوله: ثم وضع وجهه بين كفيه، فقط، ثم ساق كلام محمد بن جحادة، فلم يذكر الرفع مع الرفع من السجود؛ فلا أدري أقصر فيه راويه واختصره، أم لم تقع له هذه الزيادة في روايته، وقال في إسناده: وائل بن علقمة [وانظر: موارد الظمآن (٤٨٩)، تهذيب الكمال (٣٠/ ٤٢٣)، البدر المنير (٣/ ٥١٢)].
ورواه ابن أبي عاصم بتمامه، قال: حدثنا محمد بن عبيد بن حِسَاب، عن عبد الوارث به، وقال: وائل بن علقمة.
ورواه الطحاوي وابن عبد البر من طريق أبي معمر المقعَد عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج، عن عبد الوارث به، وقال: وائل بن علقمة.
ورواه الطبراني من طريق أبي معمر، وابن حِسَاب، عن عبد الوارث به نحوه، وذكر فيه الرفع مع الرفع من السجود، دون قول ابن جحادة، وقال: علقمة بن وائل.
قال زهير بن حرب: "إنما هو علقمة بن وائل" [تهذيب الكمال (٣٠/ ٤٢٤)].
وقال ابن خزيمة: "هذا علقمة بن وائل لا شك فيه، لعل عبد الوارث أو من دونه شك في اسمه، ورواه همام بن يحيى: ثنا محمد بن جحادة: حدثني عبد الجبار بن وائل، عن علقمة بن وائل ومولى لهم، عن أبيه وائل بن حجر"، وفي هذا ترجيح من ابن خزيمة لرواية عفان عن همام، والتي أخرجها مسلم في صحيحه، كما سيأتي ذكره.
وقال ابن حبان: "محمد بن جحادة: من الثقات المتقنين، وأهل الفضل في الدين؛ إلا أنه وَهِم في اسم هذا الرجل، إذ الجوادُ يَعْثُر، فقال: وائل بن علقمة، وإنما هو: علقمة بن وائل".
وقال ابن عبد البر: "قال في إسناد هذا الحديث: وائل بن علقمة، وإنما أعرف علقمة بن وائل".
وقال عبد الحق في الأحكام الكبرى (٢/ ١٩٠): "كذا وقع عند أبي داود: وائل بن علقمة، والصواب: علقمة بن وائل، كذلك ذكره مسلم في كتابه، وابن أبي حاتم والبخاري في تاريخيهما، وهو: علقمة بن وائل بن حجر، أخو عبد الجبار بن وائل بن حجر، وعبد الجبار: لم يسمع من أبيه، إنما يحدثه عنه أخوه علقمة وغيره".
وقال المزي في التحفة (٨/ ٣٣٥/ ١١٧٧٤ - ط دار الغرب)، وفي التهذيب (٣٠/ ٤٢٠): "وهو وهم".
وقال أيضًا (٨/ ٣٩٩/ ١١٧٨٨): "تابعه [يعني: القواريري] عليُّ بن مسلم الطوسي، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه، وهو خطأ، وقيل: عن عبد الوارث بهذا
стр. 3527
الإسناد، فحدثني علقمة بن وائل، وهو الصواب، ورواه همام بن يحيى، عن محمد بن جحادة، عن عبد الجبار بن وائل، عن علقمة بن وائل، عن أبيه، وهو الصواب"، وذكر نحوه مفصلًا في التهذيب (٣٠/ ٤٢٣)، وتبعه على ذلك ابن حجر وغيره.
قلت: الذين رووه عن عبد الوارث كلهم ثقات، وعبد الوارث كان يرويه هكذا: "فحدثني وائل بن علقمة" كما هو في كتابه؛ قال عبد الله بن أحمد في العلل (١/ ٤٣٧/ ٩٧٤): "سمعت القواريري يقول: ذهبت أنا وعفان إلى عبد الوارث، فقال: أيش تريدون؟ فقال له عفان: أخرج حديث ابن جحادة، فأملاه من كتابه: حدثنا محمد بن جحادة، قال: حدثني وائل بن علقمة، عن أبيه وائل بن حجر، قال: فقال له عفان: هذا كيف يكون؟ حدثنا به همام، فلم يقل هكذا، قال: فضرب بالكتاب الأرضَ، وقال: أخرج إليكم كتابي ويقولون أخطأت".
ولعل عبد الوارث بعد أن روجع فيه حدث به مرةً على الشك، كما جاء في رواية عمران بن موسى عنه، وأما رواية الطبراني فأخاف أن يكون انقلب عليه، أو يكون الطبراني نفسه هو الذي صححه، وبهذا يظهر أن الخطأ فيه لم يكن من عبد الوارث نفسه، وإنما حدثه به هكذا ابن جحادة، فوهم فيه، كما قال ابن حبان، وهو الذي يدل عليه سياق القصة التي ساقها عبد الله في العلل، والله أعلم.
• والحديث قد رواه عن ابن جحادة على الصواب:
عفان بن مسلم [ثقة ثبت]: حدثنا همام: حدثنا محمد بن جحادة: حدثني عبد الجبار بن وائل، عن علقمة بن وائل ومولى لهم؛ أنهما حدثاه عن أبيه وائل بن حجر: أنه رأى النبي ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة؛ كبر -وصف همام: حيال أذنيه-، ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب، ثم رفعهما، ثم كبر فركع، فلما قال: "سمع الله لمن حمده" رفع يديه، فلما سجد سجد بين كفيه. هكذا بدون ذكر الرفع مع الرفع من السجود.
أخرجه مسلم (٤٠١)، وأبو عوانة (١/ ٤٢٨/ ١٥٩٦) و (١/ ٥٠٣/ ١٨٧٩)، وأبو نعيم في مستخرجه عليه (٢/ ٢٤/ ٨٨٩)، وابن خزيمة (٢/ ٥٥/ ٩٠٦)، وأحمد (٤/ ٣١٧ - ٣١٨)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (٢/ ٩٧١/ ٤١٦٣ - السفر الثاني)، والطحاوي في أحكام القرآن (١/ ١٨٨/ ٣٣٧)، وأبو أحمد الحاكم في شعار أصحاب الحديث (٥٧)، وابن حزم في المحلى (٤/ ١١٢)، والبيهقي في السنن (٢/ ٢٨ و ٧١)، وفي المعرفة (١/ ٤٩٨ و ٥٤٣/ ٦٨٠ و ٧٦٦)، والجوزقاني في الأباطيل (٢/ ٢٤/ ٣٩٥)، وقال: "هذا حديث صحيح"، وأبو موسى المديني في اللطائف (٨٢٥).
قال أبو داود بعد حديث عبد الوارث: "روى هذا الحديث: همام، عن ابن جحادة، لم يذكر الرفعَ مع الرفعِ من السجود"، وفي هذا إعلال لرواية عبد الوارث، وتقديم رواية همام عليها، وعليه يحمل أيضًا قول ابن خزيمة في ترجيح رواية عفان عن همام، والله أعلم.
стр. 3528
• تابع ابن جحادة على هذا الوجه:
أ - قيس بن سليم العنبري [ثقة]، قال: حدثني علقمة بن وائل بن حجر، عن أبيه، قال: صليت مع رسول الله ﷺ فكبر حين افتتح الصلاة ورفع يديه، وحين أراد أن يركع رفع يديه، وبعد ما رفع رأسه من الركوع.
وفي رواية: حدثني أبي، قال: صليت خلف رسول الله ﷺ فرأيته يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا قال: "سمع الله لمن حمده"، هكذا، وأشار قيس إلى نحو الأذنين.
هكذا فلم يذكر رفعَ اليدين مع الرفعِ من السجود.
أخرجه البخاري في رفع اليدين (٢٨)، والنسائي في المجتبى (٢/ ١٩٤/ ١٠٥٥)، وفي الكبرى (١/ ٣٣٠/ ٦٤٦)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (٢/ ٩٧٠/ ٤١٥٨ - السفر الثاني)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ١٩/ ٢٧).
هكذا رواه عن قيس: عبد الله بن المبارك، وأبو نعيم الفضل بن دكين.
ب - ورواه موسى بن عمير العنبري [ثقة]: حدثني علقمة بن وائل، عن أبيه؛ أن النبي ﷺ كان إذا قام في الصلاة قبض على شماله بيمينه، ورأيت علقمه يفعله.
وفي رواية: رأيت رسول الله ﷺ واضعًا يمينه على شماله في الصلاة.
أخرجه أحمد (٤/ ٣١٦)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٤٣/ ٣٩٣٨)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (٣/ ٢٠٠)، وابن المنذر (٣/ ٩٠/ ١٢٨٢)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٩/ ١)، والدارقطني (١/ ٢٨٦)، والبيهقي (٢/ ٢٨)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ٧٢)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٣/ ٣٠/ ٥٦٩).
قال يعقوب بن سفيان: "وموسى بن عمير: كوفي ثقة، روى إسحاق بن كعب عن موسى بن عمير؛ ليس هو هذا العنبري، وهو ضعيف".
هكذا رواه عن موسى بن عمير: أبو نعيم الفضل بن دكين [ثقة ثبت]، ووكيع بن الجراح [ثقة حافظ]، وخلاد بن يحيى السلمي [صدوق].
• ورواه عبد الله بن المبارك [ثقة ثبت، إمام حافظ]، عن موسى بن عمير العنبري، وقيس بن سليم العنبري، قالا: نا علقمة بن وائل، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا كان قائمًا في الصلاة قبض بيمينه على شماله.
أخرجه النسائي في المجتبى (٢/ ١٢٥ - ١٢٦/ ٨٨٧)، وفى الكبرى (١/ ٤٦٢/ ٩٦٣)، ومن طريقه: الدارقطني في السنن (١/ ٢٨٦)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ٧٢).
وخالفهم: بكر بن بكار القيسي [وهو: ضعيف]، فرواه عن موسى بن عمير به؛ إلا أنه قال: كان يضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى إذا قام في الصلاة.
أخرجه الطحاوي في أحكام القرآن (١/ ٨٨/ ٣٣٦).
وهذه رواية منكرة، وإنما تُعرف هذه اللفظة من حديث سهل بن سعد الساعدي، قال: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة [عند:
стр. 3529
البخاري (٧٤٠)، وهو في الموطأ (٤٣٧)، وفي المسند (٥/ ٣٣٦)].
• والحاصل أن هذه الأسانيد الثلاثة: أسانيد صحيحة لا مطعن فيها؛ فإن قيل:
قال ابن أبي خيثمة: "سئل يحيى بن معين: عن علقمة بن وائل الحضرمي عن أبيه؟ فقال: مرسل" [تاريخ ابن أبي خيثمة (٣/ ٤٨/ ٣٧٦٩) و (١/ ٥٩١/ ٢٤٥٨ - السفر الثاني) و (٢/ ٩٠/ ٤١٥٩ - السفر الثاني)].
وفي التهذيب (٣/ ١٤٢)، نقلًا من إكمال مغلطاي (٩/ ٢٧٥): "وحكى العسكري عن ابن معين أنه قال: علقمة بن وائل عن أبيه: مرسل".
وفي جامع التحصيل (٢٤٠)، وتحفة التحصيل (٢٣٣): "قال ابن معين: لم يسمع من أبيه شيئًا".
وقال الترمذي في العلل (٣٥٦ - ترتيبه): "سألت محمدًا عن علقمة بن وائل: هل سمع من أبيه؟ فقال: إنه ولد بعد موت أبيه بستة أشهر".
وبناءً على هذين النقلين؛ يمكن أن يُحكم على هذا الإسناد بالانقطاع، لكن بعد جمع أقوال الأئمة في علقمة بن وائل، وأخيه عبد الجبار، وإنعام النظر فيها، يتبين لي خلاف ما بدا لأول وهلة:
• فأقول وبالله التوفيق: أما النقل عن البخاري فلا يصح، والأقرب عندي أن الخطأ وقع من قِبَل الذي قام بترتيب علل الترمذي على الأبواب، وهو: أبو طالب محمود بن علي بن أبي طالب القاضي، صاحب التعليقة المشهورة في الخلاف، فلم أقف في ثنايا ترجمته على أنه كان مشتهرًا بالحديث، وإن كان قد ذكر في مقدمة ترتيبه للعلل بأن له سماعًا وروايةً، والحاصل أنه إنما كان مشتهرًا بالفقه والقضاء، ووصف بأنه كان صاحب فنون، وكان آية في الوعظ [وفيات الأعيان (٥/ ١٧٤)، السير (٢١/ ٢٢٧)، طبقات الشافعية الكبرى (٧/ ٢٨٦)، شذرات الذهب (٤/ ٢٨٤)].
والدليل على كون المنقول في ترتيب العلل خطأ محض:
١ - قال البخاري في التاريخ الكبير (٧/ ٤١): "علقمة بن وائل بن حجر الحضرمي الكندي الكوفي: سمع أباه"، وكلام البخاري في مصنفه أثبت من النقل المذكور، لا سيما وقد أعيد ترتيب كتاب العلل، مما يعرضه لوقوع الخلل فيه، والله أعلم.
٢ - أخرج البخاري في جزء رفع اليدين عدة أحاديث لعلقمة بن وائل عن أبيه (٢٨ و ٤٩ و ٩٣)، ثم شهد لها بالصحة مع غيرها من الأحاديث التي احتج بها على إثبات رفع اليدين، فقال (١٦٤): "هذه الأحاديث كلها صحيحة عن رسول الله ﷺ "، فلو كان علقمة عن أبيه عنده منقطعًا لأشار إلى ذلك، ولم يحكم عليها بالصحة، بل قد صرح علقمة نفسه في أحد هذه الأسانيد [عند البخاري] بالسماع من أبيه، فقال: حدثني أبي.
٣ - قال البخاري في التاريخ الكبير (٦/ ١٠٦): "عبد الجبار بن وائل بن حجر الحضرمي: عن أخيه عن أبيه، قال محمد بن حجر: ولد بعد أبيه لستة أشهر"، وهذا
стр. 3530
صريح في أن البخاري قال هذا الكلام في عبد الجبار، وأنه هو الذي ولد بعد موت أبيه بستة أشهر، وليس علقمة، فإن علقمة أكبر سنًّا من عبد الجبار، وقد أثبت له البخاري السماع من أبيه في تاريخه، كما تقدم.
٤ - قال البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٦٩) في ترجمة محمد بن حجر: "كوفي، فيه نظر، سمع عمه سعيد بن عبد الجبار عن أبيه، قال لي ابن حجر: وولد عبد الجبار بعد موت أبيه بستة أشهر، وقال فطر عن أبي إسحاق عن عبد الجبار: سمعت أبي، ولا يصح"، فقدم البخاري قول ابن حُجر في جده عبد الجبار على غيره، مع كون فطر بن خليفة أثبت بكثير من محمد بن حُجر، بل لا مقارنة؛ فإن فطرًا صدوق، روى له البخاري مقرونًا بغيره، بينما قال البخاري في ابن حُجر هذا: "فيه نظر"، وهو قدح شديد عند البخاري، لكن ابن حُجر هنا ينقل واقعةً عن جده عبد الجبار، وأهل بيت الرجل أعلم بحاله من الغرباء، لا سيما وهذا النقل مما يقدح في اتصال إسناد جده عبد الجبار بأبيه وائل، فهو إذن لا يتزيد بهذا النقل، وعليه فقبول قوله في جده أولى من قبول رواية فطر، والتي خالف فيها غيره ممن لم يذكر السماع، والله أعلم.
٥ - وهذا هو ما اعتمده وصرح به الترمذي نقلًا عن البخاري في الجامع وفي العلل؛ قال الترمذي في الجامع (١٤٥٣) بعد حديث رواه عبد الجبار عن أبيه: "هذا حديث غريب؛ وليس إسناده بمتصل … ، سمعت محمدًا يقول: عبد الجبار بن وائل بن حجر: لم يسمع من أبيه، ولا أدركه، يقال: إنه ولد بعد موت أبيه بأشهُر"، ثم قال بعد الحديث الذي يليه من طريق علقمة بن وائل عن أبيه (١٤٥٤): "هذا حديث حسن غريب صحيح، وعلقمة بن وائل بن حجر: سمع من أبيه، وهو أكبر من عبد الجبار بن وائل، وعبد الجبار: لم يسمع من أبيها، وقال في العلل (٤٢٦): "وعبد الجبار: لم يسمع من أبيه، ولد بعد موت أبيه".
وهذا النقل عن البخاري إضافة إلى ما قال به الترمذي نفسه ليؤكد عدم صحة ذاك النقل المذكور، ولو كان الترمذي نقله عن البخاري لكان أولى الناس بالقول به؛ لا أن يقول بخلافه مما هو ثابت عن البخاري في كتبه.
٦ - وهناك دليل آخر على صحة ما أقول؛ فإن الترمذي نفسه قد حكم على نفس الحديث المذكور في العلل، حكم عليه في الجامع (١٣٤٠) بالصحة، فقال: "حديث وائل بن حجر: حديث حسن صحيح"، فلو كان عنده منقطعًا بناءً على النقل السابق ذكره؛ لما حكم عليه بالصحة، ولقال فيه كما قال في رواية عبد الجبار آنفًا: "وليس إسناده بمتصل"، أو اكتفى بالحكم عليه بالحسن فقط؛ إشارةً إلى وجود ضعف في الإسناد من جهة الانقطاع ونحوه كعادته؛ فلما حكم عليه بالحسن والصحة معًا علمنا أنه لا يعلم لهذا الحديث علةً، وأنه حديث صحيح ثابت عنده، وقد صحح الترمذي لعلقمة عن أبيه أكثر من حديث، انظر: الجامع (٢٠٤٦ و ٢١٩٩).
стр. 3531
فدلت هذه الدلائل مجتمعة على خطأ هذا النقل الذي وقع في ترتيب علل الترمذي، والله أعلم.
• وأما النقل الأول عن ابن معين؛ فإنه ثابت عنه، نقله عنه ابن أبي خيثمة في تاريخه، وهو من أصحاب ابن معين المعروفين بالإمامة والعلم والحفظ والإتقان [انظر ترجمته في: تاريخ بغداد (٤/ ١٦٢)، السير (١١/ ٤٩٢)، اللسان (١/ ٤٦٣)]، وهذا بغض النظر عن صحة نقل أبي أحمد العسكري عنه، فإن أبا أحمد العسكري الحسن بن عبد الله بن سعيد، صاحب كتاب التصحيف، إنما ينقل عن ابن معين بواسطة رجل أو رجلين، وهو معروف بالرواية عن محمد بن يحيى الصولي عن الغلابي، والغلابي يروي عن ابن معين، وقد تُكُلِّم في هذه السلسلة [انظر: معجم الأدباء (١/ ٤١٥)، اللسان (٧/ ٥٨٤)، معجم الشعراء (٣٨٢)، تاريخ بغداد (٣/ ٤٢٧)، السير (١٥/ ٣٠١)].
ويقابله أنه قد ثبت عن ابن معين أنه قال ذلك أيضًا في عبد الجبار، قال عباس الدوري في تاريخه (٣/ ١١/ ٤٤): "سمعت يحيى يقول: عبد الجبار بن وائل بن حجر: ثبت، ولم يسمع من أبيه شيئًا، إنما كان يحدث عن أهل بيته عن أبيه"، وقال في موضع آخر (٣/ ٣٩٠/ ١٨٩٠): "سمعت يحيى يقول: عبد الجبار بن وائل: لم يسمع من وائل، يقولون: إنه مات وهو حبل، يعني: يحيى: أن أمه به حبلى"، وقال الآجري: "قلت لأبي داود: عبد الجبار بن وائل سمع من أبيه؟ قال: سمعت يحيى بن معين يقول: مات وهو حمل" [سؤالات الآجري (٧٠)]، وقال ابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (١/ ٥٩١/ ٢٤٥٨ - السفر الثاني): "وسئل يحيى بن معين: عن عاصم بن وائل [كذا، وإنما هو علقمة بن وائل] عن أبيه؟ قال: مرسل، وقال: عبد الجبار بن وائل عن أبيه: مرسل، مات أبوه وأمه حمل به بعيد الحياة"، وقال ابن أبي خيثمة (٢/ ٩٧٠ - ٩٧١/ ٤١٦١ - السفر الثاني): "سئل يحيى بن معين: عن عبد الجبار بن وائل عن أبيه؟ قال: مرسل؛ مات أبوه وأمه حامل به".
وقد تتابعت أقوال الأئمة في الجزم بعدم سماع عبد الجبار بن وائل من أبيه، وممن اعتمد في ذلك كلام حفيده محمد بن حجر أيضًا: ابن حبان؛ فقد قال في الثقات (٧/ ١٣٥) في ترجمة عبد الجبار: "ومن زعم أنه سمع أباه فقد وهم؛ لأن وائل بن حجر مات وأمه حامل به، ووضعته بعد موت وائل بستة أشهر"، وقال نحوه في مشاهير علماء الأمصار (١٢٩٣)، وقال في ترجمة علقمة (٥/ ٢٠٩): "علقمة: سمع أباه، وعبد الجبار: لم يره، مات أبوه وأمه حامل به"، وقال في ترجمة محمد بن حجر في كتابه المجروحين (٢/ ٢٧٣): "وأما عبد الجبار بن وائل: فإنه ولد بعد موت أبيه بستة أشهر، مات وائل بن حجر وأم عبد الجبار حامل به، وهذا ضرب من المنقطع الذي لا تقوم به الحجة، وقد وهم فطر بن خليفة حيث قال: عن أبي إسحاق، عن عبد الجبار بن وائل، قال: سمعت أبي".
وابن حبان في هذا كله متابع للبخاري، وهذا أيضًا مما يؤكد عدم صحة النقل السابق ذكره عن البخاري في ترتيب علل الترمذي.
стр. 3532
وممن جزم أيضًا بعدم سماع عبد الجبار من أبيه، أو حكى القول به: ابن سعد، وابن المديني، وأبو حاتم، والنسائي، ويعقوب بن سفيان، وابن جرير الطبري، ويعقوب بن شيبة، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي، وابن عبد البر، وآخرون [الطبقات الكبرى (٦/ ٣١٢)، الجرح والتعديل (٦/ ٣٠)، السنن الصغرى للنسائي (٣/ ١٠٥/ ١٤٠٤)، السنن الكبرى (١/ ٤٦٠/ ٩٥٨)، المعرفة والتاريخ (٣/ ٣٦٧)، السنن الكبرى للبيهقي (١/ ٣٩٧) و (٨/ ٢٣٥)، الاستيعاب (٤/ ١٥٦٣/ ٢٧٣٦)، الأنساب (٥/ ١٠٥)، تاريخ دمشق (٦٢/ ٣٨٣)، الأحكام الكبرى (٢/ ١٩١)، الفتح لابن رجب (٥/ ٩٠)، جامع التحصيل (٤١٣)، تحفة التحصيل (١٩٢)، التلخيص (١/ ٢٥٤/ ٣٧٩) (١/ ٢٧١/ ٤٢٠)، التهذيب (٢/ ٤٧٠)].
ولا يُعرف عن أئمة الحديث خلاف هذا القول؛ ولذلك قال النووي في المجموع (٣/ ١١٢): "أئمة الحديث متفقون على أن عبد الجبار لم يسمع من أبيه شيئًا، وقال جماعة منهم: إنما ولد بعد وفاة أبيه بستة أشهر" [وانظر أيضًا: (٣/ ٢٥٣ و ٣٨١ و ٤٠٨)]، وقال في الخلاصة (١/ ١٣٦٧/٤٢٢): "ولم يدركه باتفاقهم، وقيل: ولد بعد موته بستة أشهر".
قلت: وهذا الاتفاق على أن عبد الجبار لم يسمع من أبيه شيئًا، أو أنه ولد بعد موت أبيه بستة أشهر؛ هذا مما يؤكد شذوذ رواية عبد الوارث عن ابن جحادة، والتي فيها إثبات كون عبد الجبار كان طفلًا صغيرًا في حياة أبيه، والله أعلم.
وأما قول المزي في التهذيب (١٦/ ٣٩٥) في الرد على ما قال به: ابن معين والبخاري والترمذي وابن حبان؛ بأن عبد الجبار ولد بعد موت أبيه بستة أشهر، قال: "وهذا القول ضعيف جدًّا؛ فإنه قد صح عنه أنه قال: كنت غلامًا لا أعقل صلاة أبي، ولو مات أبوه وهو حمل لم يقل هذا القول".
وقال في تحفة الأشراف (٩/ ٨٣/ ١١٧٦٠) ردًّا على ما قال الترمذي: "كذا قال، وقد روى مسلم في صحيحه: عن عبد الجبار بن وائل قال: كنت غلامًا لا أعقل صلاة أبي … الحديث، … وهذا يبطل قول من قال: ولد بعد موت أبيه، والله أعلم" [وانظر أيضًا: تحفة الأشراف وبحاشيته النكت الظراف (٩/ ٨٨/ ١١٧٧٤)].
وتبعه على ذلك جماعة، منهم: ابن الملقن؛ فقال بعد أن نقل كلام النسائي وابن معين في عدم سماع عبد الجبار من أبيه، قال: "ونقل النووي اتفاق أئمة الحديث على ذلك، ثم نقل عن جماعة: أنه إنما ولد بعد وفاة أبيه بستة أشهر، وهذا القول بعيد فإن في صحيح مسلم عن عبد الجبار بن وائل قال: كنت غلامًا لا أعقل صلاة أبي … الحديث، وهذا يبطل قول من قال إنه ولد بعد موت أبيه، وقد نبه على ذلك المزي في أطرافه بعد أن نقل هذا القول عن الترمذي، ونبه عليه أيضًا غيره من شيوخنا، لكن لم يعز ما أسلفناه إلى مسلم؛ بل عزاه إلى الطبراني [المعجم الكبير (٢٢/ ٢٨/ ٦١)]، وأنه رواه عن عبد الله بن أحمد بن حنبل: ثنا محمد بن عبيد بن حساب: ثنا عبد الوارث: نا محمد بن جحادة، عن عبد الجبار بن وائل قال: كنت غلامًا لا أعقل صلاة أبي، فحدثني علقمة بن وائل، عن
стр. 3533
أبي وائل … فذكره" [البدر المنير (٣/ ٣٨٩)] [وانظر: جامع التحصيل (٤١٣)، تحفة التحصيل (١٩٢)، التلخيص (١/ ٢٠٥/ ٣٠١)].
قلت: يقال: ثبت العرش ثم انقش، فإن هذه الرواية التي احتج بها المزي -وتبعه من تبعه-: رواية شاذة مردودة، وليست هي في صحيح مسلم، كما ادعى بعضهم، والمحفوظ: ما رواه ابن جحادة عن عبد الجبار [من رواية عفان عن همام عن ابن جحادة به، وهي التي أخرجها مسلم]، وتابعه: قيس بن سليم العنبري، وموسى بن عمير العنبري، رواه ثلاثتهم: عن علقمة بن وائل، عن أبيه وائل بن حجر.
وقد سبق أن بينت أن رواية عبد الوارث هذه وهم من ابن جحادة، فلا يُعوَّل عليها، وليست هي في صحيح مسلم، إنما أخرجه مسلم من حديث عفان عن همام عن ابن جحادة، وليس فيه قول عبد الجبار: كنت غلامًا لا أعقل صلاة أبي، كما تقدم تفصيل القول في ذلك، وعلى هذا فلا يصلح ما ذكروه مستمسكًا في رد ما اتفق عليه أئمة الحديث؛ من الجزم بعدم سماع عبد الجبار بن وائل من أبيه، فإنهم إذا اتفقوا على شيء كان حجة، وكذا ما اتفق عليه ابن معين والبخاري والترمذي وابن حبان، بأن عبد الجبار ولد بعد موت أبيه بستة أشهر، والله أعلم.
والمقصود أن هذا الحديث إنما هو حديث علقمة بن وائل، وعبد الجبار إنما يرويه بواسطة علقمة، ولا تصح هذه اللفظة في حديثه، وقد بيَّن الحفيد محمد بن حجر أن جده عبد الجبار قد ولد بعد موت أبيه بستة أشهر، وأهل بيت الرجل أعلم بحاله، وبهذا أخذ الأئمة، واحتجوا به على عدم سماع عبد الجبار من أبيه، لا سيما مع ثبوت الواسطة بينه وبين أبيه، ولم تكن لتخفى عليهم رواية عبد الوارث عن ابن جحادة، والله أعلم.
• وحاصل ما تقدم: فإن علقمة بن وائل قد سمع من أبيه وائل بن حجر، وقد أثبت هذا السماع إمام الأئمة، وجبل الحفظ والإتقان، وإمام هذا الفن في زمانه بلا مدافع: الإمام البخاري، وتبعه على ذلك: الترمذي وابن حبان، ولا يُعارض هذا بنفي ابن معين له، فإن المثبِت مقدَّم على النافي، لما معه من زيادة علم، لا سيما إذا كان مشهورًا بالتثبت في هذه المسألة على وجه الخصوص، وهي مسألة ثبوت سماع الرواة من شيوخهم؛ فإذا انضم إلى هذا: احتجاج مسلم بما رواه علقمة عن أبيه، فإنه يزداد قوة؛ ومما يجعل النفس تقطع بصحة ما ذهب إليه الأئمة، وعدم صحة قول ابن معين: ما قد ثبت من طرق صحيحة من التصريح بسماع علقمة بن وائل من أبيه، انظر على سبيل المثال ما أخرجه: مسلم (١٦٨٠)، والبخاري في رفع اليدين (٢٨)، وأبو عوانة (٤/ ١٠٥/ ٦١٨٦)، وأبو داود (٤٤٩٩)، والنسائي (٢/ ١٩٤/ ١٠٥٥) و (٨/ ١٦ و ١٧/ ٤٧٢٨ و ٤٧٢٩)، والبيهقي (٨/ ٥٤).
إذا تبين هذا؛ فلم يعد لأحد حجة في إعلال ما رواه علقمة بن وائل عن أبيه، لمجرد عدم السماع، أو بدعوى الإرسال والانقطاع، بل هو إسناد صحيح متصل، على شرط مسلم، أخرج به مسلم عدة أحاديث [انظر: تحفة الأشراف (٨/ ٣٣١ - ٣٣٥ - ط دار الغرب)، والله أعلم.
стр. 3534
• خالف عفانَ بنَ مسلم: حجاج بن منهال [وهو: ثقة]، قال: ثنا همام، قال: حدثنا محمد بن جحادة، عن عبد الجبار بن وائل بن حجر، عن أبيه: أن النبي ﷺ كان إذا دخل في الصلاة رفع يديه وكبر، ثم التحف بثوبه، ووضع اليمنى على اليسرى، فإذا أراد أن يركع قال هكذا بثوبه، فأخرج يديه، ثم رفعهما وكبر، [وركع]، فلما أراد أن يسجد وقعت ركبتاه على الأرض قبل أن تقعا كفاه [وفي رواية: قبل كفيه]، فلما سجد وضع جبهته بين كفيه، وجافى عن إبطيه.
فقال همام: وحدثنا شقيق: حدثنا عاصم [بن كليب]، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، قال مثل هذا.
قال [حجاج]: وفي حديث أحدهما، قال همام: وأكبر علمي أنه في حديث محمد بن جحادة: فإذا نهض نهض على ركبتيه، واعتمد على فخذيه.
أخرجه أبو داود (٧٣٦ و ٨٣٩) ببعضه، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٦٦ و ٢٦١/ ١٤٣٢ و ١٦٢٣) بأوله فقط، وأبو جعفر ابن البختري في المنتقى من السادس عشر من حديثه (٣٦) [(٧٠٥) مجموع مصنفاته]، واللفظ له بتمامه، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٨/ ٦٠)، وما بين المعكوفين له، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ٨٨٩/٢٤)، وأبو بكر القطيعي في جزء الألف دينار (١٨٢)، والبيهقي (٢/ ٩٩).
• ورواه أبو عمر حفص بن عمر الحوضي، عن همام به متابعًا لحجاج على إسناده.
أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٨/ ٦٠)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ٢٤/ ٨٨٩).
وحفص بن عمر الحوضي: ثقة ثبت، لكني لم أقف على لفظه هنا، فإن الطبراني وأبا نعيم قد قرنا بين أبي عمر الحوضي وحجاج في إسناد واحد ولفظ واحد، ولم يسوقا لفظ الحوضي مستقلًا.
ثم وجدت بعد ذلك الطبراني أخرج حديث شقيق من طريق حفص بن عمر، بما يدل على أن لفظه غير لفظ حجاج، وأنه لم يكن متابعًا له على لفظه، وإنما على إسناده فقط:
فقد أخرج الطبراني في الأوسط (٦/ ٩٧/ ٥٩١١)، قال: حدثنا محمد بن يحيى القزاز [لا بأس به. سؤالات الحاكم (١٩٤)، الثقات (٩/ ١٥٣)، السير (١٣/ ٤١٨)]، قال: نا حفص بن عمر، قال: نا همام، قال: ثنا شقيق، عن عاصم بن كليب، عن أبيه: أن النبي ﷺ كان إذا سجد وقعتا ركبتاه على الأرض قبل أن يقع كفاه، وإذا نهض في فصل الركعتين نهض على ركبتيه، واعتمد على فخديه.
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن شقيق بن أبي عبد الله إلا همام".
قلت: فظهر بذلك أن حفص بن عمر لم يتابع حجاجًا على لفظه، وأنه ميز حديث شقيق من حديث ابن جحادة، والذي اختلط على حجاج، ولم يميزه، فأدرج بعض حديث شقيق في حديث ابن جحادة، أو يكون الوهم من همام نفسه لما حدث به حجاجًا، حدَّثه
стр. 3535
به من حفظه فوهم، وحدَّث به عفان بن مسلم وحفص بن عمر من كتابه فأصاب، وقد كان همام يخطئ إذا حدث من حفظه، وكان ثبتًا في كتابه [انظر: التهذيب (٤/ ٢٨٤)].
وقد وهم بعضهم في هذا الإسناد على حفص بن عمر أبي عمر الحوضي، فجعله عن سفيان الثوري، بدلًا من شقيق، هكذا رواه الطحاوي (١/ ٢٥٥)، ثم قال: "كذا قال ابن أبي داود من حفظه: سفيان الثوري، وقد غلِطَ، والصواب: شقيق أبو الليث".
• فرواية حجاج هذه وهمٌ، سندًا ومتنًا، ورواية عفان هي الصواب، وفيها: إثبات علقمة بن وائل في الإسناد، وعدم ذكر الرفع مع الرفع من السجود، وعدم ذكر هيئة الهوي والنهوض، من حديث ابن جحادة، وإنما هي من حديث شقيق، وتابعه على المتن: حفص بن عمر الحوضي.
وعفان بن مسلم أثبت من روى هذا الحديث عن همام، وقد كان متيقظًا فطنًا، ضابطًا للألفاظ والأخبار، لا يجاريه في ذلك أقرانه، قدَّمه أحمد وغيره على بعض المتثبتين من أقرانه، مثل: بهز بن أسد، وحَبان بن هلال، وكلاهما: ثقة ثبت، بل قال أحمد مرة: "عفان أثبت من عبد الرحمن بن مهدي"، وقدمه ابن معين على أبي الوليد الطيالسي وأبي نعيم، وكلاهما: ثقة ثبت، وقدمه مرة على ابن مهدي، وكان يحيى بن سعيد القطان يرجع إلى قوله؛ لشدة تثبته، وكان أبو داود يقدمه على حجاج وحَبان عند الاختلاف، ويكفي شهادةً له على ضبطه وتثبته في الرواية قول أبي حاتم -الإمام المتشدد-، إذ يقول فيه: "ثقة متقن متين"، فإنه يندر أن يقول هذا في أحد، وقد قدَّمه مرة في الاختلاف على همام [انظر: التهذيب (٣/ ١١٨)، السير (١٠/ ٢٤٢)، الميزان (٣/ ٨١)، العلل ومعرفة الرجال (٣/ ٤٣٤/ ٥٨٤٧)، الجرح والتعديل (٧/ ٣٠)، علل الحديث (٢٧٥٠)، سؤالات الآجري (٤/ ق ٧) و (٥/ ق ٧)، تاريخ بغداد (١٢/ ٢٧٣)، وغيرها].
وقد تابعه على هذا الوجه من حديث علقمة: قيس بن سليم العنبري، وموسى بن عمير العنبري، فلم يذكرا هذه الزيادات، وهو الصواب.
• ومما يبين أن عفان قد ضبط هذا الحديث، أنه ميز رواية ابن جحادة، من رواية شقيق، والتي اختلطت على حجاج، أو وهم فيها همام لما حدث بها حجاجًا:
فقد رواه عفان، قال: حدثنا همام: حدثنا محمد بن جحادة: حدثني عبد الجبار بن وائل، عن علقمة بن وائل ومولى لهم؛ أنهما حدثاه عن أبيه وائل بن حجر: أنه رأى النبي ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة، … فذكر الحديث، ولم يذكر زيادة حجاج، وقد تقدم ذكره قريبًا.
ثم روى عفان مرة أخرى، قال: ثنا همام: ثنا شقيق أبو الليث، قال: حدثني عاصم بن كليب، عن أبيه؛ أن النبي ﷺ كان إذا سجد وقعت ركبتاه إلى الأرض قبل أن تقع كفاه، قال: وكان إذا نهض في فصل الركعتين نهض على ركبتيه، واعتمد على فخذيه.
أخرجه أبو داود في السنن [من رواية أبي الحسن بن العبد. تحفة الأشراف
стр. 3536
(٨/ ٣٢٩/ ١١٧٦٢ - ط دار الغرب) و (١٢/ ٤٦٥/ ١٩٢٤٥ - ط دار الغرب)]، وفي المراسيل (٤٢)، والبيهقي (٢/ ٩٩).
قال عفان: "وهذا الحديث غريب، ورواه يزيد بن هارون عن شريك".
وقال البيهقي: "هذا حديث يُعدُّ في أفراد شريك القاضي، وإنما تابعه همام من هذا الوجه مرسلًا، هكذا ذكره البخاري وغيره من الحفاظ المتقدمين رحمهم الله تعالى".
وقال ابن رجب في الفتح (٥/ ١٤٨): "وفي النهوض على صدور القدمين أحاديث مرفوعة، أسانيدها ليست قوية، أجودها: حديث مرسل، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، وقد خرجه أبو داود بالشك في وصله وإرساله، والصحيح: إرساله جزمًا، والله أعلم".
وقال المزي في التحفة في الموضع الثاني: "كذا وقع عنده [يعني: عند أبي داود في الصلاة وفي المراسيل]، وقال غيره: عن عاصم بن شنتم عن أبيه، كذلك ذكره أبو نصر ابن ماكولا، وكذلك ذكره عبد الباقي بن قانع في حرف الشين من معجمه، والله أعلم".
• تابع عفان بن مسلم، وأبا عمر الحوضي حفص بن عمر على رواية هذا الحديث عن همام به هكذا:
حَبان بن هلال [ثقة ثبت، قال أحمد: "إليه المنتهى في التثبت بالبصرة"]، قال: ثنا همام، عن شقيق أبي ليث، عن عاصم بن كليب، عن أبيه به.
أخرجه الطحاوي (١/ ٢٥٥)، وقال: "وشقيق أبو ليث هذا: فلا يُعرف".
• قلت: هكذا قال عفان وحجاج والحوضي وحبان في هذا الحديث عن همام: "عن عاصم بن كليب":
لكن رواه أبو القاسم البغوي المعروف بابن بنت منيع، قال: نا هارون بن عبد الله [هو الحمال: ثقة]: نا عباس بن الفضل الأزرق: نا همام: نا شقيق أبو ليث، عن عاصم بن شنتم، عن أبيه: أن النبي ﷺ كان إذا سجد وقعت ركبتاه إلى الأرض قبل أن تقع كفاه، وكان إذا قام في فصل الركعتين نهض على ركبتيه، وادَّعم على فخديه.
أخرجه أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة (٣/ ٣١٩/ ١٢٥٨)، وعنه: ابن قانع في المعجم (١/ ٣٥٠) [لكن وقع عنده: شتيم، وأخرجه في ترجمة من اسمه: شتيم، وقد ذكر ابن حجر في الإصابة (٣/ ٣٦٢) أن ابن قانع قال فيه: شنتم]، وابن السكن في الصحابة [الأصابة (٣/ ٣٦٢)].
قال أبو القاسم: "روى هذا الحديث: شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر، عن النبي ﷺ : تقع ركبتاه إلى الأرض قبل يديه، … ، ولا أعلم حدَّث به عن شريك غير يزيد، ولم أسمع لشنتم ذكرًا إلا في هذا الحديث".
قال ابن حجر: "قال البغوي وابن السكن: ليس له غيره".
وقال ابن السكن: "لم يثبت، وهو غير مشهور في الصحابة، ولم أسمع به إلا في هذه الرواية" [الإصابة (٣/ ٣٦٢)].
стр. 3537
ثم رواه: أبو نعيم الأصبهاني في معرفة الصحابة (٣/ ١٤٩١/ ٣٧٨٩)، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد [بن يعقوب بن عبد الله، أبو بكر المفيد، الجرجرائي: رحل وجمع، وكتب عن الغرباء، إلا أنه روى مناكير عن مشايخ مجهولين، وقد ضعفوه، وقال الذهبي في الميزان: "وهو: متهم"، ونعته في السير على عادته في التوسع، فقال: "المفيد الشيخ الإمام، المحدث الضعيف"، تاريخ بغداد (١/ ٣٤٦)، الإكمال لابن ماكولا (٧/ ٢١٧)، الأنساب (٢/ ٤٢) و (٥/ ٣٥٨)، تاريخ دمشق (٥١/ ١١٨)، السير (١٦/ ٢٦٩)، الميزان (٣/ ٤٦٠)]: ثنا أحمد بن موسى الخطمي [أحمد بن موسى بن إسحاق بن موسى الخطمي: قال الخطيب: "وكان ثقة"، طبقات المحدثين (٤/ ٢٤٣)، تاريخ أصبهان (١/ ١٧٩)، تاريخ بغداد (٥/ ١٤٤)]: ثنا القاسم بن نصر [بن سالم، الملقب: دُويسْت: موصوف بالعبادة والصلاح، قال الخطيب: "كان من خيار المسلمين، وأعيان المتعبدين"، تاريخ بغداد (٤/ ٣٥٠) و (١٢/ ٤٣٦)، تكملة الإكمال (٢/ ٥٤٤)، تاريخ الإسلام (٢٠/ ٤٢٠)]: ثنا عباس بن الفضل: ثنا همام بن يحيى: ثنا شقيق أبو ليث، عن عاصم بن شُيَيْم، عن أبيه؛ أن النبي ﷺ كان إذا سجد وقعت ركبتاه إلى الأرض قبل أن يبلغ كفاه، وإذا قام في فصل الركعتين اعتمد على فخذيه، ونهض على ركبتيه.
قال أبو نعيم: "ذكر المنيعي هذا الحديث عن هارون الحمال عن عباس، وقال: شنتم بالنون والتاء، وقال: لم أسمع لشنتم ذكرًا إلا في هذا الحديث".
قال ابن الأثير في أسد الغابة (٢/ ٦١٠): "ذكر المنيعيُّ في هذا الحديث: شنتم، بالنون والتاء، وقال: لم أسمع لشنتم ذكرًا إلا في هذا الحديث، وأما ابن منده وأبو نعيم فلم يعرفا هذا، وقد أخرجا شييم، بياءين مثناتين من تحت، وفرَّق الحسين بن علي البرذعي وأبو العباس المستغفري وابن ماكولا وغيرهم بينهما، ويرد في الشين مع الياء أكثر من هذا، إن شاء الله تعالى، أخرجه هاهنا أبو موسى"، ثم ذكره في ترجمة شييم (٢/ ٦١٦).
وقال ابن ناصر الدين في التوضيح (٥/ ٣٠٥): "وشقيق وعاصم: مجهولان"، بعد أن قال في العباس: "هو أبو عثمان الأزرق ذاك الواهي".
وقال ابن حجر في الإصابة (٣/ ٣٦٢): "شنتم: غير منسوب، بوزن أحمد، ضبطه الدارقطني والبغوي وابن السكن وغيرهم، بنون ثم مثناة، وذكره بعضهم بالمثناة بالتصغير".
وقال ابن حجر أيضًا بعد أن ذكر الحديث من طريق حجاج عن همام بالزيادة في آخره: "وهذه الزيادة إنما هي في رواية عاصم بن شنتم، فيغلب على الظن أنه لما كتبه من حفظه وقع له فيه وهم".
وانظر: [كمال ابن ماكولا (٥/ ٤١)، تهذيب الكمال (١٢/ ٥٥٨)، الميزان (٢/ ٣٥٢)، التقريب (٢٧٣ و ٢٧٤)، وغيرها.
قلت: رواية أبي القاسم البغوي هي الصواب: شنتم، وراوية أبي نعيم الأصبهاني: تصحيف، على فرض ثبوتها.
стр. 3538
• ثم أقول: عندنا في هذا الحديث رواية خمسة اختلفوا فيه على همام:
أحدهم: ثقة ثبت، حافظ متقن، وهو: عفان بن مسلم، فميَّز حديث ابن جحادة من حديث شقيق: سندًا ومتنًا، وحفظ أسماء رواته وضبطهم، وجاء به على الصواب، وروايته هي العمدة عندنا، وهي التي اعتمدها مسلم، وأخرجها في صحيحه.
ورواية ثقة ثبت، وهو حفص بن عمر الحوضي تابع عفان بن مسلم، إلا أنه أسقط علقمة بن وائل من حديث ابن جحادة، وميز حديث شقيق من حديث ابن جحادة.
ورواية ثقة ثبت، وهو حبان بن هلال، جاء بحديث همام عن شقيق على وجهه، مثل رواية عفان والحوضي، ولم أقف على روايته لحديث همام عن ابن جحادة.
ورواية ثقةٍ وهم في روايته وشك فيها، ولم يضبطها، وهو: حجاج بن منهال، أو كان الوهم فيها من شيخه همام لما حدثه به من حفظه فوهم.
لكن اتفق أربعتهم [وهم ثقات حفاظ] على قولهم في شيخ شقيق أبي ليث: "عاصم بن كليب".
وخالفهم: رجل متروك، ذهب حديثه، وترك أبو زرعة حديثه، وأنكر عليه ابن المديني حديثًا، وضعفه جدًّا، وقال ابن معين: "كذاب خبيث"، وهو: العباس بن الفضل بن العباس العبدي الأزرق البصري [التهذيب (٢/ ٢٩٣)، تاريخ الإسلام (١٦/ ٢١٦)، سؤالات البرذعي (٢/ ٧٠٢)، علل الدارقطني (١٢/ ٥٠/ ٢٤٠١)، تاريخ بغداد (١٢/ ١٣٤)]، فقال في روايته لحديث شقيق: "عن عاصم بن شنتم"، أو: ابن شييم، ولا يصح عنه، وقد قال بعضهم: إن عاصم بن كليب، يقال لجده في قولٍ: شتير، فيحتمل أن يكون نُسب عاصم إلى جده، ثم تصحف عليه شتير إلى شنتم، وهو محتمل، والله أعلم.
فكيف نُعرض عن الرواية المحفوظة، التي اتفق عليها أربعة من الثقات المشاهير، ثم نذهب إلى رواية هذا المتروك الواهي، فنثبتها، ونبني عليها أحكامًا، ونثبت بها الصحبة لمن لا يُعرف له ذِكرٌ إلا في رواية ذاك الواهي، ولا ذكر له في أمهات كتب الرجال، مثل: التاريخ الكبير للبخاري، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم، والثقات أو المجروحين لابن حبان، ولا في كتب التواريخ، أو السؤالات، أو العلل، أو الضعفاء، لأحد من الأئمة المتقدمين، فهذه الرواية ما هي إلا محض خطأ حادث، ووهم من هذا الراوي؛ على فرض الاعتبار بروايته، وإلا فمثله لا يُعتبر به ولا كرامة، إذ لا حقيقة ولا وجود لصحابي يقال له: شنتم، أو: شتيم، أو شييم، إنما هي أباطيل، كان ينبغي على العالم اطراحها لأول وهلة، حتى لا يأتي بعد ذلك من يحشو بها المصنفات، فيُذكر مثل هذا في أسماء الصحابة، فللَّه درُّ الحفاظ الأوائل، الذين مزقوا صحف الكذابين والمتروكين، وتركوا التحديث بها، بل وتركوا التحديث بأوهام الرواة وأخطائهم، حتى لا يختلط على الناس حديث رسول الله ﷺ ، بأوهام الرواة وأخطائهم، بل وكذبهم، والله المستعان [انظر: ترجمة شقيق من التهذيب (٢/ ١٧٩)].
стр. 3539
• والحاصل: فإن هذه الرواية: شقيق، عن عاصم بن شنتم، عن أبيه: رواية باطلة.
وكذلك فإن رواية حجاج: خطأ من حديث همام، والمحفوظ ما رواه عنه عفان ومن تابعه، والله أعلم.
• أما حديث عفان: حدثنا همام: حدثنا محمد بن جحادة: حدثني عبد الجبار بن وائل، عن علقمة بن وائل ومولى لهم؛ أنهما حدثاه عن أبيه وائل بن حجر: أنه رأى النبي ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة؛ كبر -وصف همام: حيال أذنيه-، ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب، ثم رفعهما، ثم كبر فركع، فلما قال: "سمع الله لمن حمده" رفع يديه، فلما سجد سجد بين كفيه. هكذا بدون ذكر الرفع مع الرفع من السجود.
فهو حديث صحيح، أخرجه مسلم (٤٠١)، وتقدم الكلام عليه.
• وأما حديث عفان والحوضي وحَبان بن هلال:
ثنا همام: ثنا شقيق أبو ليث، قال: حدثني عاصم بن كليب، عن أبيه؛ أن النبي ﷺ كان إذا سجد وقعت ركبتاه إلى الأرض قبل أن تقع كفاه، قال: وكان إذا نهض في فصل الركعتين: نهض على ركبتيه، واعتمد على فخذيه.
فهذا هو المحفوظ، وجعله من حديث ابن جحادة، عن عبد الجبار بن وائل عن أبيه: وهم، وخطأ محض.
وهو حديث ضعيف؛ كليب بن شهاب الجرمي، والد عاصم: تابعي، ثقة، سمع عمر وعليًّا وأبا هريرة وغيرهم، وليست له صحبة، فروايته عن النبي ﷺ مرسلة [التاريخ الكبير (٧/ ٢٢٩)، معرفة الثقات (١٥٥٥)، الجرح والتعديل (٧/ ١٦٧)، الثقات (٣/ ٣٥٦) و (٥/ ٣٣٧)، التهذيب (٣/ ٤٧٤)]، ووهم من عدَّه في الصحابة [انظر: معجم الصحابة لابن قانع (٢/ ٣٨٤)، المعجم الكبير (١٩/ ١٩٩)، معرفة الصحابة لأبي نعيم (٥/ ٢٣٩٦)، الاستيعاب (٣/ ١٣٢٩)، أسد الغابة (٤/ ٥٢٥)، الإصابة (٥/ ٦٦٨)].
وعاصم بن كليب: ثقة، وشقيق أبو ليث: لا يُعرف له ذكر في غير هذا الحديث، ولا روى عنه غير همام، فهو مجهول، قال الطحاوي: "لا يعرف"، وضعفه ابن القطان معللًا ذلك بقوله: "لا يُعرف بغير رواية همام عنه" [الجرح والتعديل (٤/ ٣٧٣)، شرح المعاني (١/ ٢٥٥)، بيان الوهم (٢/ ٦٦/ ٣٦)، التهذيب (٢/ ١٧٩)].
وعليه فهو مرسل بإسناد ضعيف، وسيأتي مزيد كلام عليه عند حديث شريك عن عاصم بن كليب، برقم (٧٢٨).
قال النووي في الخلاصة (١٢٨٠): "وزاد أبو داود في رواية أخرى ضعيفة منقطعة: وإذا نهض نهض على ركبتيه، واعتمد على فخذه".
وقال ابن عبد البر في التمهيد (٩/ ٢٢٧): "زيادة وائل بن حجر في حديثه رفع اليدين بين السجدتين قد عارضه في ذلك ابن عمر بقوله: وكان لا يرفع بين السجدتين، والسنن لا
стр. 3540
تثبت إذا تعارضت وتدافعت، ووائل بن حجر إنما رآه أيامًا قليلة في قدومه عليه، وابن عمر صحبه إلى أن توفي ﷺ ، فحديث ابن عمر: أصح عندهم، وأولى أن يعمل به من حديث وائل بن حجر، وعليه العمل عند جماعة فقهاء الأمصار القائلين بالرفع، قال أبو بكر الأثرم: قيل لأحمد بن حنبل: رفع اليدين من السجدتين؟ فذكر حديث سالم عن ابن عمر: ولا يرفع بين السجدتين، ثم قال: نحن نذهب إلى حديث ابن عمر، وقال الربيع عن الشافعي: كل تكبير كان في افتتاح أو في قيام ففيه رفع اليدين".
قلت: نحتاج إلى هذا التأويل لو ثبت حديث وائل؛ فأما إذ كان شاذًا لا يثبت -كما تقدم بيانه من رواية حجاج-، فقد استرحنا من ذلك، إذ المحفوظ من حديث وائل بن حجر ليس فيه رفع اليدين في السجود، وسيأتي له مزيد بيان، إن شاء الله تعالى.
• وقد روى خالد بن عبد الله الواسطي الطحان [ثقة ثبت، رواه عنه: مسدد]: حدثنا حصين، عن عمرو بن مرة، قال: دخلت مسجد حضرموت فإذا علقمة بن وائل يحدث عن أبيه، قال: كان النبي ﷺ يرفع يديه قبل الركوع [وبعده].
فذكرت ذلك لإبراهيم فغضب، وقال: رآه هو، ولم يره ابن مسعود ﷺ ولا أصحابه؟!
أخرجه البخاري في رفع اليدين (٤٩)، والطحاوي (١/ ٢٢٤)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ١٢/ ٩)، والرامهرمزي في المحدث الفاصل (٤٨٤) [ولفظه فيه منكر؛ فإن راويه عن خالد الطحان هو ابنه محمد، وهو ضعيف، وقد روى عن أبيه مناكير. التهذيب (٣/ ٥٥٣)].
ورواه زائدة بن قدامة [ثقة متقن]، عن حصين، قال: ذكر عمرو بن مرة عن علقمة بن وائل، عن أبيه، عن النبي ﷺ في رفع يديه للصلاة، قال حصين: فقال إبراهيم: ما أدري! لعل وائلًا لم ير النبي ﷺ غير ذلك اليوم؟ فكيف حفظه؟! ولم يحفظه عبد الله وأصحابه! هو أعلم برسول الله ﷺ أم عبد الله؟! فإنما كان يرفع يديه افتتاح.
أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٨/١٢)، بإسناد صحيح إلى زائدة.
ورواه هشيم بن بشير [ثقة ثبت]، وجرير بن عبد الحميد [ثقة]، ويعقوب بن إبراهيم [أبو يوسف القاضي: صدوق، كثير الخطأ. اللسان (٨/ ٥١٨)، الجرح والتعديل (٩/ ٢٠١)] [وانظر في أوهامه مما تقدم معنا: الأحاديث (٣٠٠ و ٤٤٠) وما قبل (٥٣٤)]، واللفظ لجرير:
عن حصين بن عبد الرحمن، قال: دخلنا على إبراهيم فحدثه عمرو بن مرة، قال: صلينا في مسجد الحضرميين، فحدثني علقمة بن وائل، عن أبيه؛ أنه رأى رسول الله ﷺ يرفع يديه حين يفتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا سجد، فقال إبراهيم: ما أرى أباك رأى رسول الله ﷺ إلا ذلك اليوم الواحد؛ فحفظ ذلك، وعبد الله لم يحفظ ذلك منه! ثم قال إبراهيم: إنما رفع اليدين عند افتتاح الصلاة.
أخرجه محمد بن الحسن في الحجة على أهل المدينة (١/ ٩٦)، وفي زياداته على
следующие страницы →