Полный текст (16 465 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.
стр. 3536
(٨/ ٣٢٩/ ١١٧٦٢ - ط دار الغرب) و (١٢/ ٤٦٥/ ١٩٢٤٥ - ط دار الغرب)]، وفي المراسيل (٤٢)، والبيهقي (٢/ ٩٩).
قال عفان: "وهذا الحديث غريب، ورواه يزيد بن هارون عن شريك".
وقال البيهقي: "هذا حديث يُعدُّ في أفراد شريك القاضي، وإنما تابعه همام من هذا الوجه مرسلًا، هكذا ذكره البخاري وغيره من الحفاظ المتقدمين رحمهم الله تعالى".
وقال ابن رجب في الفتح (٥/ ١٤٨): "وفي النهوض على صدور القدمين أحاديث مرفوعة، أسانيدها ليست قوية، أجودها: حديث مرسل، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، وقد خرجه أبو داود بالشك في وصله وإرساله، والصحيح: إرساله جزمًا، والله أعلم".
وقال المزي في التحفة في الموضع الثاني: "كذا وقع عنده [يعني: عند أبي داود في الصلاة وفي المراسيل]، وقال غيره: عن عاصم بن شنتم عن أبيه، كذلك ذكره أبو نصر ابن ماكولا، وكذلك ذكره عبد الباقي بن قانع في حرف الشين من معجمه، والله أعلم".
• تابع عفان بن مسلم، وأبا عمر الحوضي حفص بن عمر على رواية هذا الحديث عن همام به هكذا:
حَبان بن هلال [ثقة ثبت، قال أحمد: "إليه المنتهى في التثبت بالبصرة"]، قال: ثنا همام، عن شقيق أبي ليث، عن عاصم بن كليب، عن أبيه به.
أخرجه الطحاوي (١/ ٢٥٥)، وقال: "وشقيق أبو ليث هذا: فلا يُعرف".
• قلت: هكذا قال عفان وحجاج والحوضي وحبان في هذا الحديث عن همام: "عن عاصم بن كليب":
لكن رواه أبو القاسم البغوي المعروف بابن بنت منيع، قال: نا هارون بن عبد الله [هو الحمال: ثقة]: نا عباس بن الفضل الأزرق: نا همام: نا شقيق أبو ليث، عن عاصم بن شنتم، عن أبيه: أن النبي ﷺ كان إذا سجد وقعت ركبتاه إلى الأرض قبل أن تقع كفاه، وكان إذا قام في فصل الركعتين نهض على ركبتيه، وادَّعم على فخديه.
أخرجه أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة (٣/ ٣١٩/ ١٢٥٨)، وعنه: ابن قانع في المعجم (١/ ٣٥٠) [لكن وقع عنده: شتيم، وأخرجه في ترجمة من اسمه: شتيم، وقد ذكر ابن حجر في الإصابة (٣/ ٣٦٢) أن ابن قانع قال فيه: شنتم]، وابن السكن في الصحابة [الأصابة (٣/ ٣٦٢)].
قال أبو القاسم: "روى هذا الحديث: شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر، عن النبي ﷺ : تقع ركبتاه إلى الأرض قبل يديه، … ، ولا أعلم حدَّث به عن شريك غير يزيد، ولم أسمع لشنتم ذكرًا إلا في هذا الحديث".
قال ابن حجر: "قال البغوي وابن السكن: ليس له غيره".
وقال ابن السكن: "لم يثبت، وهو غير مشهور في الصحابة، ولم أسمع به إلا في هذه الرواية" [الإصابة (٣/ ٣٦٢)].
стр. 3537
ثم رواه: أبو نعيم الأصبهاني في معرفة الصحابة (٣/ ١٤٩١/ ٣٧٨٩)، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد [بن يعقوب بن عبد الله، أبو بكر المفيد، الجرجرائي: رحل وجمع، وكتب عن الغرباء، إلا أنه روى مناكير عن مشايخ مجهولين، وقد ضعفوه، وقال الذهبي في الميزان: "وهو: متهم"، ونعته في السير على عادته في التوسع، فقال: "المفيد الشيخ الإمام، المحدث الضعيف"، تاريخ بغداد (١/ ٣٤٦)، الإكمال لابن ماكولا (٧/ ٢١٧)، الأنساب (٢/ ٤٢) و (٥/ ٣٥٨)، تاريخ دمشق (٥١/ ١١٨)، السير (١٦/ ٢٦٩)، الميزان (٣/ ٤٦٠)]: ثنا أحمد بن موسى الخطمي [أحمد بن موسى بن إسحاق بن موسى الخطمي: قال الخطيب: "وكان ثقة"، طبقات المحدثين (٤/ ٢٤٣)، تاريخ أصبهان (١/ ١٧٩)، تاريخ بغداد (٥/ ١٤٤)]: ثنا القاسم بن نصر [بن سالم، الملقب: دُويسْت: موصوف بالعبادة والصلاح، قال الخطيب: "كان من خيار المسلمين، وأعيان المتعبدين"، تاريخ بغداد (٤/ ٣٥٠) و (١٢/ ٤٣٦)، تكملة الإكمال (٢/ ٥٤٤)، تاريخ الإسلام (٢٠/ ٤٢٠)]: ثنا عباس بن الفضل: ثنا همام بن يحيى: ثنا شقيق أبو ليث، عن عاصم بن شُيَيْم، عن أبيه؛ أن النبي ﷺ كان إذا سجد وقعت ركبتاه إلى الأرض قبل أن يبلغ كفاه، وإذا قام في فصل الركعتين اعتمد على فخذيه، ونهض على ركبتيه.
قال أبو نعيم: "ذكر المنيعي هذا الحديث عن هارون الحمال عن عباس، وقال: شنتم بالنون والتاء، وقال: لم أسمع لشنتم ذكرًا إلا في هذا الحديث".
قال ابن الأثير في أسد الغابة (٢/ ٦١٠): "ذكر المنيعيُّ في هذا الحديث: شنتم، بالنون والتاء، وقال: لم أسمع لشنتم ذكرًا إلا في هذا الحديث، وأما ابن منده وأبو نعيم فلم يعرفا هذا، وقد أخرجا شييم، بياءين مثناتين من تحت، وفرَّق الحسين بن علي البرذعي وأبو العباس المستغفري وابن ماكولا وغيرهم بينهما، ويرد في الشين مع الياء أكثر من هذا، إن شاء الله تعالى، أخرجه هاهنا أبو موسى"، ثم ذكره في ترجمة شييم (٢/ ٦١٦).
وقال ابن ناصر الدين في التوضيح (٥/ ٣٠٥): "وشقيق وعاصم: مجهولان"، بعد أن قال في العباس: "هو أبو عثمان الأزرق ذاك الواهي".
وقال ابن حجر في الإصابة (٣/ ٣٦٢): "شنتم: غير منسوب، بوزن أحمد، ضبطه الدارقطني والبغوي وابن السكن وغيرهم، بنون ثم مثناة، وذكره بعضهم بالمثناة بالتصغير".
وقال ابن حجر أيضًا بعد أن ذكر الحديث من طريق حجاج عن همام بالزيادة في آخره: "وهذه الزيادة إنما هي في رواية عاصم بن شنتم، فيغلب على الظن أنه لما كتبه من حفظه وقع له فيه وهم".
وانظر: [كمال ابن ماكولا (٥/ ٤١)، تهذيب الكمال (١٢/ ٥٥٨)، الميزان (٢/ ٣٥٢)، التقريب (٢٧٣ و ٢٧٤)، وغيرها.
قلت: رواية أبي القاسم البغوي هي الصواب: شنتم، وراوية أبي نعيم الأصبهاني: تصحيف، على فرض ثبوتها.
стр. 3538
• ثم أقول: عندنا في هذا الحديث رواية خمسة اختلفوا فيه على همام:
أحدهم: ثقة ثبت، حافظ متقن، وهو: عفان بن مسلم، فميَّز حديث ابن جحادة من حديث شقيق: سندًا ومتنًا، وحفظ أسماء رواته وضبطهم، وجاء به على الصواب، وروايته هي العمدة عندنا، وهي التي اعتمدها مسلم، وأخرجها في صحيحه.
ورواية ثقة ثبت، وهو حفص بن عمر الحوضي تابع عفان بن مسلم، إلا أنه أسقط علقمة بن وائل من حديث ابن جحادة، وميز حديث شقيق من حديث ابن جحادة.
ورواية ثقة ثبت، وهو حبان بن هلال، جاء بحديث همام عن شقيق على وجهه، مثل رواية عفان والحوضي، ولم أقف على روايته لحديث همام عن ابن جحادة.
ورواية ثقةٍ وهم في روايته وشك فيها، ولم يضبطها، وهو: حجاج بن منهال، أو كان الوهم فيها من شيخه همام لما حدثه به من حفظه فوهم.
لكن اتفق أربعتهم [وهم ثقات حفاظ] على قولهم في شيخ شقيق أبي ليث: "عاصم بن كليب".
وخالفهم: رجل متروك، ذهب حديثه، وترك أبو زرعة حديثه، وأنكر عليه ابن المديني حديثًا، وضعفه جدًّا، وقال ابن معين: "كذاب خبيث"، وهو: العباس بن الفضل بن العباس العبدي الأزرق البصري [التهذيب (٢/ ٢٩٣)، تاريخ الإسلام (١٦/ ٢١٦)، سؤالات البرذعي (٢/ ٧٠٢)، علل الدارقطني (١٢/ ٥٠/ ٢٤٠١)، تاريخ بغداد (١٢/ ١٣٤)]، فقال في روايته لحديث شقيق: "عن عاصم بن شنتم"، أو: ابن شييم، ولا يصح عنه، وقد قال بعضهم: إن عاصم بن كليب، يقال لجده في قولٍ: شتير، فيحتمل أن يكون نُسب عاصم إلى جده، ثم تصحف عليه شتير إلى شنتم، وهو محتمل، والله أعلم.
فكيف نُعرض عن الرواية المحفوظة، التي اتفق عليها أربعة من الثقات المشاهير، ثم نذهب إلى رواية هذا المتروك الواهي، فنثبتها، ونبني عليها أحكامًا، ونثبت بها الصحبة لمن لا يُعرف له ذِكرٌ إلا في رواية ذاك الواهي، ولا ذكر له في أمهات كتب الرجال، مثل: التاريخ الكبير للبخاري، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم، والثقات أو المجروحين لابن حبان، ولا في كتب التواريخ، أو السؤالات، أو العلل، أو الضعفاء، لأحد من الأئمة المتقدمين، فهذه الرواية ما هي إلا محض خطأ حادث، ووهم من هذا الراوي؛ على فرض الاعتبار بروايته، وإلا فمثله لا يُعتبر به ولا كرامة، إذ لا حقيقة ولا وجود لصحابي يقال له: شنتم، أو: شتيم، أو شييم، إنما هي أباطيل، كان ينبغي على العالم اطراحها لأول وهلة، حتى لا يأتي بعد ذلك من يحشو بها المصنفات، فيُذكر مثل هذا في أسماء الصحابة، فللَّه درُّ الحفاظ الأوائل، الذين مزقوا صحف الكذابين والمتروكين، وتركوا التحديث بها، بل وتركوا التحديث بأوهام الرواة وأخطائهم، حتى لا يختلط على الناس حديث رسول الله ﷺ ، بأوهام الرواة وأخطائهم، بل وكذبهم، والله المستعان [انظر: ترجمة شقيق من التهذيب (٢/ ١٧٩)].
стр. 3539
• والحاصل: فإن هذه الرواية: شقيق، عن عاصم بن شنتم، عن أبيه: رواية باطلة.
وكذلك فإن رواية حجاج: خطأ من حديث همام، والمحفوظ ما رواه عنه عفان ومن تابعه، والله أعلم.
• أما حديث عفان: حدثنا همام: حدثنا محمد بن جحادة: حدثني عبد الجبار بن وائل، عن علقمة بن وائل ومولى لهم؛ أنهما حدثاه عن أبيه وائل بن حجر: أنه رأى النبي ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة؛ كبر -وصف همام: حيال أذنيه-، ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب، ثم رفعهما، ثم كبر فركع، فلما قال: "سمع الله لمن حمده" رفع يديه، فلما سجد سجد بين كفيه. هكذا بدون ذكر الرفع مع الرفع من السجود.
فهو حديث صحيح، أخرجه مسلم (٤٠١)، وتقدم الكلام عليه.
• وأما حديث عفان والحوضي وحَبان بن هلال:
ثنا همام: ثنا شقيق أبو ليث، قال: حدثني عاصم بن كليب، عن أبيه؛ أن النبي ﷺ كان إذا سجد وقعت ركبتاه إلى الأرض قبل أن تقع كفاه، قال: وكان إذا نهض في فصل الركعتين: نهض على ركبتيه، واعتمد على فخذيه.
فهذا هو المحفوظ، وجعله من حديث ابن جحادة، عن عبد الجبار بن وائل عن أبيه: وهم، وخطأ محض.
وهو حديث ضعيف؛ كليب بن شهاب الجرمي، والد عاصم: تابعي، ثقة، سمع عمر وعليًّا وأبا هريرة وغيرهم، وليست له صحبة، فروايته عن النبي ﷺ مرسلة [التاريخ الكبير (٧/ ٢٢٩)، معرفة الثقات (١٥٥٥)، الجرح والتعديل (٧/ ١٦٧)، الثقات (٣/ ٣٥٦) و (٥/ ٣٣٧)، التهذيب (٣/ ٤٧٤)]، ووهم من عدَّه في الصحابة [انظر: معجم الصحابة لابن قانع (٢/ ٣٨٤)، المعجم الكبير (١٩/ ١٩٩)، معرفة الصحابة لأبي نعيم (٥/ ٢٣٩٦)، الاستيعاب (٣/ ١٣٢٩)، أسد الغابة (٤/ ٥٢٥)، الإصابة (٥/ ٦٦٨)].
وعاصم بن كليب: ثقة، وشقيق أبو ليث: لا يُعرف له ذكر في غير هذا الحديث، ولا روى عنه غير همام، فهو مجهول، قال الطحاوي: "لا يعرف"، وضعفه ابن القطان معللًا ذلك بقوله: "لا يُعرف بغير رواية همام عنه" [الجرح والتعديل (٤/ ٣٧٣)، شرح المعاني (١/ ٢٥٥)، بيان الوهم (٢/ ٦٦/ ٣٦)، التهذيب (٢/ ١٧٩)].
وعليه فهو مرسل بإسناد ضعيف، وسيأتي مزيد كلام عليه عند حديث شريك عن عاصم بن كليب، برقم (٧٢٨).
قال النووي في الخلاصة (١٢٨٠): "وزاد أبو داود في رواية أخرى ضعيفة منقطعة: وإذا نهض نهض على ركبتيه، واعتمد على فخذه".
وقال ابن عبد البر في التمهيد (٩/ ٢٢٧): "زيادة وائل بن حجر في حديثه رفع اليدين بين السجدتين قد عارضه في ذلك ابن عمر بقوله: وكان لا يرفع بين السجدتين، والسنن لا
стр. 3540
تثبت إذا تعارضت وتدافعت، ووائل بن حجر إنما رآه أيامًا قليلة في قدومه عليه، وابن عمر صحبه إلى أن توفي ﷺ ، فحديث ابن عمر: أصح عندهم، وأولى أن يعمل به من حديث وائل بن حجر، وعليه العمل عند جماعة فقهاء الأمصار القائلين بالرفع، قال أبو بكر الأثرم: قيل لأحمد بن حنبل: رفع اليدين من السجدتين؟ فذكر حديث سالم عن ابن عمر: ولا يرفع بين السجدتين، ثم قال: نحن نذهب إلى حديث ابن عمر، وقال الربيع عن الشافعي: كل تكبير كان في افتتاح أو في قيام ففيه رفع اليدين".
قلت: نحتاج إلى هذا التأويل لو ثبت حديث وائل؛ فأما إذ كان شاذًا لا يثبت -كما تقدم بيانه من رواية حجاج-، فقد استرحنا من ذلك، إذ المحفوظ من حديث وائل بن حجر ليس فيه رفع اليدين في السجود، وسيأتي له مزيد بيان، إن شاء الله تعالى.
• وقد روى خالد بن عبد الله الواسطي الطحان [ثقة ثبت، رواه عنه: مسدد]: حدثنا حصين، عن عمرو بن مرة، قال: دخلت مسجد حضرموت فإذا علقمة بن وائل يحدث عن أبيه، قال: كان النبي ﷺ يرفع يديه قبل الركوع [وبعده].
فذكرت ذلك لإبراهيم فغضب، وقال: رآه هو، ولم يره ابن مسعود ﷺ ولا أصحابه؟!
أخرجه البخاري في رفع اليدين (٤٩)، والطحاوي (١/ ٢٢٤)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ١٢/ ٩)، والرامهرمزي في المحدث الفاصل (٤٨٤) [ولفظه فيه منكر؛ فإن راويه عن خالد الطحان هو ابنه محمد، وهو ضعيف، وقد روى عن أبيه مناكير. التهذيب (٣/ ٥٥٣)].
ورواه زائدة بن قدامة [ثقة متقن]، عن حصين، قال: ذكر عمرو بن مرة عن علقمة بن وائل، عن أبيه، عن النبي ﷺ في رفع يديه للصلاة، قال حصين: فقال إبراهيم: ما أدري! لعل وائلًا لم ير النبي ﷺ غير ذلك اليوم؟ فكيف حفظه؟! ولم يحفظه عبد الله وأصحابه! هو أعلم برسول الله ﷺ أم عبد الله؟! فإنما كان يرفع يديه افتتاح.
أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٨/١٢)، بإسناد صحيح إلى زائدة.
ورواه هشيم بن بشير [ثقة ثبت]، وجرير بن عبد الحميد [ثقة]، ويعقوب بن إبراهيم [أبو يوسف القاضي: صدوق، كثير الخطأ. اللسان (٨/ ٥١٨)، الجرح والتعديل (٩/ ٢٠١)] [وانظر في أوهامه مما تقدم معنا: الأحاديث (٣٠٠ و ٤٤٠) وما قبل (٥٣٤)]، واللفظ لجرير:
عن حصين بن عبد الرحمن، قال: دخلنا على إبراهيم فحدثه عمرو بن مرة، قال: صلينا في مسجد الحضرميين، فحدثني علقمة بن وائل، عن أبيه؛ أنه رأى رسول الله ﷺ يرفع يديه حين يفتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا سجد، فقال إبراهيم: ما أرى أباك رأى رسول الله ﷺ إلا ذلك اليوم الواحد؛ فحفظ ذلك، وعبد الله لم يحفظ ذلك منه! ثم قال إبراهيم: إنما رفع اليدين عند افتتاح الصلاة.
أخرجه محمد بن الحسن في الحجة على أهل المدينة (١/ ٩٦)، وفي زياداته على
стр. 3541
موطأ مالك (١٠٧)، والدارقطني (١/ ٢٩١)، والبيهقي (٢/ ٨١)، وعلقه عبد الله بن أحمد في العلل (١/ ٤٦٣/ ١٠٥٨).
ورواه ورقاء بن عمر، عن حصين، قال: كان عمرو بن مرة يحدثهم عن علقمة بن وائل، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله ﷺ حين قام إلى الصلاة رفع يديه، وحين رفع رأسه من الركوع فعل ذلك.
أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ١٢/ ١٠)، بإسناد ضعيف إلى ورقاء.
في إسناده: اليمان بن سعيد المصيصي؛ وهو: ضعيف، يرفع الموقوفات، ويقلب الأسانيد [الثقات (٩/ ٢٩٢)، الكامل (٧/ ١٨٢)، ضعفاء الدارقطني (٦٠٩)، المستدرك (٢/ ٦٢٠)، المعرفة للبيهقي (١/ ٣٠٤/ ٣٥٣)، نصب الراية (١/ ١٥٧)، مجمع الزوائد (٣/ ١٦٧)، اللسان (٨/ ٤٥٦ و ٥٤٦)]، وراويه عن ورقاء: أشعث بن شعبة المصيصي: وثقه أبو داود والطبراني، وذكره ابن حبان في الثقات، ولينه أبو زرعة، وضعفه الأزدي، وقال ابن الفرضي: "إنه يخالف في بعض حديثه"، قلت: وقد وقعت له أوهام [الدعاء للطبراني (١٨٧)، بيان الوهم (٤/ ٤٢٧/ ٢٠٠٦)، بغية الطلب في تاريخ حلب (٤/ ١٨٨٥)، إكمال مغلطاي (٢/ ٢٣٧)، التهذيب (١/ ١٧٩)، الميزان (١/ ٢٦٥)، التقريب (٨٥)، وقال: "مقبول"، وانظر في أوهامه: علل ابن أبي حاتم (١/ ٢٦٨ / ٧٨٩) و (٢/ ٢١٥ و ٢٣٢/ ٢١٣٣ و ٢١٨٤)، علل الدارقطني (١٢/ ٢٩٦/ ٢٧٢٧)].
قال ابن حبان في صحيحه (٥/ ١٩٤) بعد الحديث (١٨٧٤): "كان ابن مسعود ﵀ ممن يشبِّك يديه في الركوع، وزعم أنه كذلك رأى النبي ﷺ يفعله، وأجمع المسلمون قاطبةً من لدن المصطفى ﷺ إلى يومنا هذا على أن الفعل كان في أول الإسلام، ثم نسخه الأمر بوضع اليدين للمصلي في ركوعه، فإن جاز لابن مسعود في فضله وورعه وكثرة تعاهده أحكام الدين وتفَقُّده أسباب الصلاة خلف المصطفى ﷺ ، وهو في الصف الأول إذ كان من أولى الأحلام والنهى أن يخفى عليه مثل هذا الشيء المستفيض الذي هو منسوخ بإجماع المسلمين، أو رآه فنسيه، جاز أن يكون رفع المصطفى ﷺ يديه عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع مثل التشبيك في الركوع؛ أن يخفى عليه ذلك، أو ينساه بعد أن رآه" [وانظر: الأوسط لابن المنذر (٣/ ١٥٠)].
وقال البيهقي: "قال أبو بكر بن إسحاق الفقيه: هذه علة لا تسوى سماعها؛ لأن رفع اليدين قد صح عن النبي ﷺ ، ثم عن الخلفاء الراشدين، ثم عن الصحابة والتابعين، وليس في نسيان عبد الله بن مسعود رفع اليدين ما يوجب أن هؤلاء الصحابة ﵁ لم يروا النبي ﷺ رفع يديه، قد نسي ابن مسعود من القرآن ما لم يختلف المسلمون فيه بعد، وهي المعوذتان، ونسي ما اتفق العلماء كلهم على نسخه وتركه من التطبيق، ونسي كيفية قيام اثنين خلف الإمام، ونسي ما لم يختلف العلماء فيه أن النبي ﷺ صلى الصبح يوم النحر في وقتها، ونسي كيفية جمع النبي ﷺ بعرفة، ونسي ما لم يختلف العلماء فيه من وضع المرفق
стр. 3542
والساعد على الأرض في السجود، ونسي كيف كان يقرأ النبي ﷺ : ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣)﴾ [الليل: ٣]، وإذا جاز على عبد الله أن ينسى مثل هذا في الصلاة خاصة، كيف لا يجوز مثله في رفع اليدين؟ ".
وانظر: معرفة السنن (١/ ٥٥٢)، المجموع شرح المهذب (٣/ ٣٦١)، الفتاوى الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية (٢/ ٤٤٨)، تنقيح التحقيق (١/ ٣٣٤)، البدر المنير (٣/ ٤٩٤)، وغيرها.
• قلت: قد خالف حصينَ بنَ عبد الرحمن في إسناده وسياقه:
شعبةُ، فرواه عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن عبد الرحمن بن اليحصبي، عن وائل بن حجر الحضرمي، قال: رأيت رسول الله ﷺ يرفع يديه مع التكبير.
وفي رواية: أنه صلى مع رسول الله ﷺ ، فكان يكبر إذا خفض، وإذا رفع، ويرفع يديه عند التكبير، ويسلم عن يمينه وعن يساره، قال شعبة: قال لي أبان -يعني: ابن تغلب-، في الحديث: حتى يبدو وَضَح وجهه، فقلت لعمرو: أفي الحديث: حتى يبدو وضح وجهه؟، فقال عمرو: أو نحو ذلك.
أخرجه الدارمي (١/ ٣١٧/ ١٢٥٢)، وابن حبان في كتاب الصلاة (١٣/ ٦٦١/ ١٧٢٧٢ - إتحاف المهرة)، وأحمد (٤/ ٣١٦)، والطيالسي (٢/ ٣٥٩/ ١١١٤)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٦٥/ ٣٠٤٢)، وأبو العباس السراج في مسنده (١٢٢١)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (٨٧٣ و ٢٤٩٥)، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (١٢٥)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٢٦٩)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٤١ و ٤٢/ ١٠٣ و ١٠٤)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٥/ ٢٧١٣/ ٦٤٨١)، والبيهقي في السنن (٢/ ٢٦).
رواه عن شعبة: يحيى بن سعيد القطان، وغندر محمد بن جعفر، ووكيع بن الجراح، وأبو داود الطيالسي، وعلي بن الجعد، وحفص بن عمر الحوضي، ووهب بن جرير، وسهل بن حماد.
قال عبد الله بن أحمد في العلل (١/ ٤٦٣ / ١٠٥٨): "سألت أبي عن حديث: هشيم، عن حصين، عن عمرو بن مرة، عن علقمة بن وائل، عن أبيه، عن النبي ﷺ : في الرفع؟ قال: رواه شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن عبد الرحمن اليحصبي، عن وائل، عن النبي ﷺ ؛ خالف حصين شعبة، فقال: شعبة أثبت في عمرو بن مرة من حصين، القول: قول شعبة، من أين يقع شعبة على [وفي شرح العلل: عن] أبي البختري عن عبد الرحمن اليحصبي عن وائل؟ ".
قال ابن رجب في شرح العلل (٢/ ٨٤٣): "يشير إلى أن هذا إسناد غريب؛ لا يحفظه إلا حافظ، بخلاف علقمة بن وائل عن أبيه، فإنه طريق مشهور".
تابعه: قيس بن الربيع [صدوق، تغير لما كبر، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه، فحدث به، فهو جيد في المتابعات]، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن عبد الرحمن
стр. 3543
اليحصبي، عن وائل بن حجر، قال: رأيت النبي ﷺ يسلم عن يمينه وعن شماله، حتى يرى بياض خده.
أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ١٠٥/٤٢).
خالفهما: حمزة بن حبيب الزيات، فرواه عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن اليحصبي، عن وائل بن حجر، قال: صليت مع رسول الله ﷺ فكان يرفع يديه عند التكبير، ويسلم عن يمينه وعن يساره: "السلام عليكم ورحمة الله". أسقط أبا البختري.
أخرجه أبو بكر محمد بن العباس بن نجيح البزاز في الأول من حديثه (١٨٩)، والخطيب في الموضح (١/ ٣٩٣ - ٣٩٤).
من طريقين عن إبراهيم بن هراسة، عن حمزة الزيات به.
وفي كلا الطريقين من لا يُعرف، ومن هو متكلم فيه، كأبي العباس ابن عقدة، وأما إبراهيم بن هراسة فهو: متروك، أطلقوا عليه الكذب [اللسان (١/ ٣٨٠)]، فلا يصح إسناده إلى حمزة الزيات.
وعليه: فإن المحفوظ هو ما رواه شعبة ومن تابعه.
وأبو البختري هو: سعيد بن فيروز الطائي مولاهم، الكوفي: ثقة ثبت، وقد توبع عليه:
فرواه محمد بن كثير [هو العبدي: ثقة]، وأبو غسان [مالك بن إسماعيل: ثقة متقن]:
عن إسرائيل [هو: ابن يونس بن أبي إسحاق: ثقة]، عن عبد الأعلى [هو: ابن عامر الثعلبي: ليس بذاك القوي. تقدمت ترجمته تحت الحديث رقم (٦٢١ و ٦٩٤)]، قال: صليت خلف عبد الرحمن اليحصبي، فسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره مثل ذلك، قال: قلت له: من أين أخذت هذا؟ قال: صليت خلف وائل بن حجر، قال: صليت خلف رسول الله ﷺ ففعل مثل ذلك حتى رأيت بياض خديه. لفظ العبدي.
أخرجه ابن الأعرابي في المعجم (٢/ ٧٤٥/ ١٥١١)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٤٢/ ١٠٦).
وعبد الرحمن اليحصبي، أو: ابن اليحصبي: روى عنه أبو البختري وعبد الأعلى بن عامر، وذكره ابن حبان في الثقات، ولا يُعرف بغير هذا الحديث وحديث آخر عن وائل أيضًا، وله ذكر في حديث ثالث عن وائل، لكن لا يصح الإسناد إليه، فضلًا عن نكارته، وعليه: فهو في عداد المجاهيل [التاريخ الكبير (٥/ ٣٦٩)، الجرح والتعديل (٥/ ٣٠٣)، الثقات (٥/ ١٠٧)، التعجيل (١/ ٨١٥/ ٦٥١)].
وعليه فالحديث ضعيف من هذا الطريق، وبهذا اللفظ: رأيت رسول الله ﷺ يرفع يديه مع التكبير، أو: كان يكبر إذا خفض، وإذا رفع، ويرفع يديه عند التكبير.
قال ابن رجب في الفتح (٤/ ٣٢٦): "ويجاب عن هذه الروايات كلِّها على تقدير أن يكون ذكر الرفع فيها محفوظًا، ولم يكن قد اشتبه ذكر التكبير بالرفع: بأن مالك بن الحويرث ووائل بن حجر لم يكونا من أهل المدينة، وإنما كانا قد قدما إليها مرة أو
стр. 3544
مرتين، فلعلهما رأيا النبي ﷺ فعل ذلك مرة، وقد عارض ذلك نفي ابن عمر، مع شدة ملازمته للنبي ﷺ ، وشدة حرصه على حفظ أفعاله، واقتدائه به فيها، فهذا يدل على أن أكثر أمر النبي ﷺ : كان ترك الرفع فيما عدا المواضع الثلاثة والقيام من الركعتين".
قلت: حديث وائل هذا في رفع اليدين مع كل تكبير: لا يثبت؛ فكيف يُعارض به حديث ابن عمر المتفق على صحته؟!
• ومما رواه علقمة بن وائل أيضًا في صفة الصلاة عن أبيه:
ما رواه عبدة بن عبد الله الصفار [ثقة]، وأبو الشعثاء علي بن الحسن [ثقة]:
ثنا يحيى بن آدم [ثقة حافظ]: ثنا موسى بن قيس الحضرمي، عن سلمة بن كُهَيل، عن علقمة بن وائل، عن أبيه، قال: صليتُ مع النبي ﷺ فكان يسلِّم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله.
أخرجه أبو داود (٩٩٧)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٤٥/ ١١٥)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٣/ ٢٠٤ / ٦٩٦)، وابن حجر في نتائج الأفكار (٢/ ٢٣٦).
قال الطبراني: "هكذا رواه موسى بن قيس عن سلمة، قال: عن علقمة بن وائل، وزاد في السلام: وبركاته".
وقال النووي في الخلاصة (١٤٥٩)، وفي المجموع (٣/ ٤٤٢)، وابن عبد الهادي في المحرر (٢٧١)، وتبعه ابن حجر في بلوغ المرام (٢٥٢): "رواه أبو داود بإسناد صحيح".
وقال ابن حجر في النتائج بعد أن أخرجه من طريق الطبراني: "هذا حديث حسن، أخرجه أبو داود عن عبدة بن عبد الله، والسراج عن محمد بن رافع، كلاهما عن يحيى بن آدم، ولم أر عندهم: "وبركاته" في الثانية".
قلت: اختلفت نسخ أبي داود في إثبات هذه الزيادة في التسليمة الثانية، وأكثر النسخ على عدم إثباتها، لا سيما رواية اللؤلؤي، ووقعت هذه الزيادة في نسخة تركية [محفوظة في المكتبة السليمانية] [وهي نسخة ملفقة] (١/ ٣٠٥/ ٩٩٧ - ط العلمية)، وكذا في حاشية إحدى النسخ الهندية برواية اللؤلؤي (١/ ١٥١ - مكتبة رحمانية).
وكذا وقعت هذه الزيادة في الموضعين في: المغني لابن قدامة (١/ ٣٢٤)، المجموع (٣/ ٤٤٢)، الخلاصة (١٤٥٩)، الإلمام (٢٩٧) [وانظر: طبقات الشافعية الكبرى (٩/ ٢٤٧)، فقد تعقبه فيما نسبه لأبي داود من لفظ الحديث]، المحرر لابن عبد الهادي (٢٧١)، بلوغ المرام (٢٥٢).
وممن أسند هذا الحديث من طريق أبي داود، أو عزاه إليه؛ فلم يذكر فيه هذه الزيادة، انظر مثلًا: شرح السُّنَّة (٣/ ٢٠٤/ ٦٩٦)، جامع الأصول (٥/ ٤١٠/ ٣٥٦٥)، الأحكام الكبرى للإشبيلي (٢/ ٢٨٤)، الأحكام الوسطى (١/ ٤١٣)، تنقيح التحقيق (٢/ ٢٨٦/ ٨٧٦)، الفتح لابن رجب (٥/ ٢١٥)، نصب الراية (١/ ٤٣٢)، نتائج الأفكار (٢/ ٢٣٦)، بذل المجهود (٥/ ٣٣٧).
стр. 3545
قال السيوطي في تحفة الأبرار بنكت الأذكار (٧١): "وقال الشيخ ولي الدين العراقي في شرح سنن أبي داود: وقد ذكر النووي في الخلاصة أن حديث أبي داود إسناده صحيح، والموجود في أصولنا من سنن أبي داود: ذكرها في التسليمة الأولى دون الثانية، وعزاه جماعة إليه بذكرها في التسليمتين".
قال النووي في المجموع (٣/ ٤٤٢) نقلًا عن ابن الصلاح قوله عن زيادة: "وبركاته": "لم أجده في شيء من الأحاديث؛ إلا في حديث رواه أبو داود من رواية وائل بن حجر ﵁: أن النبي ﷺ كان يسلم عن يمينه: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"، وعن شماله: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"، وهذه الزيادة نسبها الطبراني إلى موسى بن قيس الحضرمي، وعنه رواها أبو داود، قلت [القائل هو الإمام النووي]: هذا الحديث إسناده في سنن أبي داود إسناد صحيح"، ونقله أيضًا: ابن الملقن في البدر المنير (٤/ ٦٣)، ثم ذكر بأن هذه الزيادة رويت من طريقين من حديث ابن مسعود.
ومع كون النووي عقب بتصحيح إسناد أبي داود لهذه الزيادة، إلا أنه قال في الأذكار (٢/ ٢٣٢ - نتائج الأفكار): "ولا يستحب أن يقول معه: "وبركاته"؛ لأنه خلاف المشهور عن رسول الله ﷺ ، وإن كان قد جاء في روايةٍ لأبي داود"، فكأنه في الأذكار مال إلى قول ابن الصلاح في حكاية المذهب واستغراب هذه الزيادة.
وتعقبه ابن حجر في نتائج الأفكار (٢/ ٢٣٦) بتحسين حديث أبي داود، وذكر هذه الزيادة من عدة طرق من حديث ابن مسعود [وما هي إلا زيادات شاذة من حديث ابن مسعود، يأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى في موضعها من تخريج السنن برقم (٩٩٦)].
بل ذهب النووي في شرحه لصحيح مسلم (٤/ ١٥٣) إلى أبعد من ذلك، حيث قال ببدعية هذه الزيادة، فقال في شرحه لحديث جابر بن سمرة عند مسلم (٤٣١): "وفيه: أن السُّنَّة في السلام من الصلاة أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله عن يمينه، السلام عليكم ورحمة الله عن شماله، ولا يسن زيادة: "وبركاته"، وإن كان قد جاء فيها حديث ضعيف، وأشار إليها بعض العلماء، ولكنها بدعة؛ إذ لم يصح فيها حديث، بل صح هذا الحديث وغيره في تركها"، وانظر: شروح وحواشي الشافعية على المنهاج.
• قلت: ما قاله النووي هو الصواب إذ لم تصح هذه الزيادة: "وبركاته" في حديث، والعبرة في ذلك بثبوت الرواية، لا بثبوت الزيادة في نسخ الكتب والمصنفات، ونقتصر هنا بالكلام عن حديث وائل؛ فهل تثبت هذه الزيادة من جهة الرواية من حديث سلمة بن كهيل، ثم من حديث وائل بن حجر؟
فإن هذا الحديث قد اختلف فيه على سلمة بن كهبل:
١ - فرواه موسى بن قيس الحضرمي، عن سلمة بن كُهَيل، عن علقمة بن وائل، عن أبيه، قال: صليتُ مع النبي ﷺ فكان يسلِّم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله.
стр. 3546
صحح إسناده جماعة تقدم ذكرهم، جريًا على ظاهر السند، لكن الطبراني قد أعله، حين قال: "هكذا رواه موسى بن قيس عن سلمة، قال: عن علقمة بن وائل، وزاد في السلام: وبركاته".
وفي هذا إشارة إلى أن الحفاظ مثل: شعبة والثوري ومن تابعهما قد خالفوا موسى بن قيس في إسناده ومتنه، كما سيأتي بيانه.
وموسى بن قيس الحضرمي: صدوق، قليل الحديث، وئقه ابن نمير وابن معين -في رواية إسحاق بن منصور عنه-، وقال في رواية ابن طهمان: "ليس به بأس"، وقال أبو حاتم: "لا بأس به"، وقال أحمد: "ما أعلم إلا خيرًا"، وذكره ابن حبان في الثقات [من كلام أبي زكريا في الرجال (٣٠٩)، العلل ومعرفة الرجال (٧٧٤ و ١٦٠٦)، التاريخ الكبير (٧/ ٢٩٣)، ضعفاء العقيلي (٤/ ١٦٤)، الجرح والتعديل (٨/ ١٥٧)، الثقات (٧/ ٤٥٥)، تاريخ أسماء الثقات (١٣٤٢ و ١٣٥٠)، الموضوعات (٢/ ١٦٠/ ٧١٦)، الميزان (٤/ ٢١٧)، التهذيب (٤/ ١٨٦)]، وأما ما اتهمه به العقيلي وابن الجوزي فلا يصح عندي، لاحتمال عدم ثبوت هذه اللفظة التي اتهماه بها: "غير دجال" أو: "لستَ بدجال"، فقد رواه جماعة بدونها [انظر: معجم الصحابة للبغوي (٢/ ١٣٠/ ٥٠١)، المعجم الكبير للطبراني (٤/ ٣٤/ ٣٥٧٠ و ٣٥٧١)، معرفة الصحابة لأبي نعيم (٢/ ٨٩٥/ ٢٣١١)]، وعلى فرض ثبوتها من حديث موسى بن قيس؛ يمكن تأويلها بإرجاع الضمير إلى النبي ﷺ على أنه قد وفي بوعده لعلي ﵁، قال ابن سعد: "لستُ بدجال" يعني: لستُ بكذاب، وذلك أنه كان قد وعد عليًّا بها قبل أن يخطب إليه أبو بكر وعمر"، وقال البزار: "يدل على أنه قد كان وعده، فقال: إني لا أخلف الوعد" [انظر: الطبقات الكبرى (٨/ ١٩)، كشف الأستار (٢/ ١٥١/ ١٤٠٦)، غريب الحديث للخطابي (١/ ٦٢٦)، وانظر أيضًا: سنن النسائي الصغرى (٦/ ٦٢/ ٣٢٢١)، السنن الكبرى (٥/ ١٥٣/ ٥٣١٠) و (٧/ ٤٥٢/ ٨٤٥٤)، صحيح ابن حبان (١٥/ ٣٩٩/ ٦٩٤٨)، المستدرك (٢/ ١٦٧ - ١٦٨)، السلسلة الضعيفة (١٣/ ٢/ ٨٨٠/ ٦٣٩٢)، وغيرها،، والله أعلم.
والحاصل: فإن حديث موسى بن قيس هذا: شاذ سندًا ومتنًا، فقد خالفه فيه شعبةُ والثوري، وأين موسى هذا من هذين الإمامين الجليلين الحافظين، ولو خالف واحدًا منهما لرُدَّت روايته بغير مرية، فكيف وقد اجتمعا على خلافه، فلم يذكر واحدٌ منهما صيغةَ السلام، فضلًا عن زيادة: "وبركاته"، ولا تُحفظ هذه الزيادة من حديث وائل بن حجر، وانظر رواية عبد الرحمن اليحصبي المتقدمة قريبًا، وما سيأتي من طرق حديث وائل، وأما من جهة الإسناد: فإن هذا الحديث إنما يرويه حُجْر بن عنبس عن وائل بن حجر، وليس فيه علقمة.
٢ - ورواه شعبة، واختلف عليه فيه:
أ - رواه محمد بن جعفر غندر [ثقة، من أثبت الناس في شعبة، وأطولهم له صحبة،
стр. 3547
وكتابه حكم بينهم] [وعنه بهذا الوجه: أحمد بن حنبل]، ويزيد بن زريع [ثقة ثبت، من أصحاب شعبة]:
ثنا شعبة، عن سلمة بن كُهَيْلٍ، عن حُجْرٍ أبي العَنْبَس، قال: سمعت علقمة يحدث عن وائل، أو سمعه حُجْرٌ من وائل، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ، فلما قرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] قال: "آمين"، وأخفى بها صوته، ووضع يده اليمنى على يده اليسرى، وسلم عن يمينه وعن يساره.
أخرجه أحمد (٤/ ٣١٦)، وأبو إسحاق الحربي في غريب الحديث (٢/ ٨٣٧)، والدارقطني (١/ ٣٣٤).
هكذا شك شعبة، هل سمعه حُجر من علقمة عن وائل، أم سمعه حجر من وائل بلا واسطة.
ب - ورواه أبو الوليد الطيالسي هشام بن عبد الملك [ثقة ثبت] [من رواية معاذ بن المثنى بن معاذ العنبري عنه، وهو: ثقة. تاريخ بغداد (١٣/ ١٣٦)، السير (١٣/ ٥٢٧)]، وأبو عامر العقدي [عبد الملك بن عمرو: ثقة]، وحجاج بن نصير [ضعيف]:
ثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، قال: سمعت أبا عنبس، يحدث عن وائل الحضرمي: أنه صلى خلف النبي ﷺ . . . فذكر مثله، زاد حجاج في وضع اليد: وجعلها على بطنه، وكان إذا قال: سمع الله لمن حمده، قال: اللَّهُمَّ ربنا لك الحمد، ويسلم عن يمينه وعن يساره تسليمتين، وقوله فيه: "وجعلها على بطنه": زيادة منكرة؛ تفرد بها حجاج بن نصير عن شعبة، وكان يروي عن شعبة المناكير، كما كان يقبل التلقين [انظر: التهذيب (١/ ٣٦٢)، الميزان (١/ ٤٦٥)].
أخرجه مسلم في التمييز (٣٦)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٤٣ و ٤٤/ ١٠٩ و ١١٠)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٥/ ٢٧١٣/ ٦٤٨٢).
وهذه الرواية عن شعبة هي الموافقة لرواية الثوري، بإسقاط علقمة، كما سيأتي.
ج - ورواه أبو داود الطيالسي [ثقة حافظ، من أصحاب شعبة]، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني سلمة بن كهيل، قال: سمعت حجرًا أبا العنبس، قال: سمعت علقمة بن وائل، يحدث عن وائل، وقد سمعت من وائل: أنه صلى مع رسول الله ﷺ فلما قرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: "آمين"، خفض بها صوته، ووضع يده اليمنى على يده اليسرى، وسلم عن يمينه وعن يساره.
أخرجه الطيالسي في مسنده (٢/ ٣٦٠ - ٣٦١/ ١١١٧)، ومن طريقه: الطحاوي في شرح المعاني (١/ ٢٦٩)، وفي أحكام القرآن (١/ ١٨٨/ ٣٣٥)، البيهقي (٢/ ٥٧ و ١٧٨).
وفي هذه الرواية: سمعه حجر من علقمة عن وائل، وسمعه أيضًا من وائل.
د - ورواه أبو الوليد الطيالسي أيضًا [من رواية إمامين جليلين عنه: إسماعيل القاضي وأبي إسحاق الحربي]، وغندر [وعنه: محمد بن بشار، قرنه بالقطان]، ويحيى بن سعيد
стр. 3548
القطان، ويزيد بن هارون، وسليمان بن حرب، ووهب بن جرير، ووكيع بن الجراح، وعبد الصمد بن عبد الوارث [وهم: ثقات]، وعفان بن مسلم [ثقة ثبت] [وأخشى ألا يكون محفوظًا عنه، إذ الراوي عنه: أحمد بن محمد بن يحيى بن مهران السوطي البغدادي، روى عنه جماعة، ولم يوثق. تاريخ بغداد (٥/ ٩٩ و ١١٨)، تكملة الإكمال (٣/ ٣٦٨)، تاريخ الإسلام (٢١/ ٩٣)]:
عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، قال: سمعت حجرًا [بن عنبس] أبا العنبس، يقول: حدثني علقمة بن وائل، عن وائل بن حجر: أنه صلى مع رسول الله ﷺ ، قال: فوضع اليد اليمنى على اليد اليسرى، فلما قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: "آمين" [يخفى بها صوته]، وسلم عن يمينه وعن يساره.
أخرجه مسلم في التمييز (٣٦)، وابن حبان في صحيحه (٥/ ١٠٩/ ١٨٠٥)، وفي الصلاة (١٣/ ٦٦٢/ ١٧٢٧٣ - إتحاف)، والحاكم (٢/ ٢٣٢)، وأبو عمر حفص بن عمر الدوري في جزء فيه قراءات النبي ﷺ (١١) [وسقط من إسناده حجر، ولعله من الناسخ]، وأبو إسحاق الحربي في غريب الحديث (٢/ ٨٣٧)، وأبو العباس السراج في حديثه بانتقاء الشحامي (٤٢٩)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٢ و ٤٥/ ٢ و ٣ و ١١٢)، وعلقه البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٧٣).
وهذه الرواية هي رواية أكثر أصحاب شعبة، وفيهم من أثبت أصحابه: يحيى بن سعيد القطان، وغندر، وهي التي بنى عليها البخاري كلامه.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه".
هذا هو المحفوظ في هذا الحديث عن شعبة -فيما رواه عنه أصحابه-، أنه أخطأ في متنه حيث قال فيه: "خفض بها صوته"؛ لكن رواه البيهقي في السنن (٢/ ٥٨) بإسناد صحيح إلى: إبراهيم بن مرزوق البصري: ثنا أبو الوليد: ثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، قال: سمعت حجرًا أبا عنبس، يحدث عن وائل الحضرمي؛ أنه صلى خلف النبي ﷺ ، فلما قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، قال: "آمين"، رافعًا بها صوته.
وهذه رواية منكرة من حديث أبي الوليد الطيالسي عن شعبة، إذ المعروف عن شعبة فيه الخطأ، وإبراهيم بن مرزوق بن دينار البصري، نزيل مصر: لا بأس به، وكان يخطئ فلا يرجع [التهذيب (١/ ٨٦)]، وهذا من أوهامه، فقد رواه جماعة من الثقات [إسماعيل بن إسحاق القاضي، وأبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق الحربي، ومعاذ بن المثنى العنبري] عن أبي الوليد عن شعبة به، على الخطأ، كما رواه عن شعبة كافة أصحابه، والله أعلم.
والحاصل: فإن شعبة قد اختلف الثقات من أصحابه عليه في إسناد هذا الحديث، فأكثر أصحابه على زيادة علقمة في الإسناد، ومنهم من حكى شكه فيما إذا كان في إسناده علقمة أم لا، ومنهم من روى عنه أن حجرًا سمعه من وائل، وسمعه أيضًا من علقمة عن وائل، ومنهم من أسقط علقمة من الإسناد.
стр. 3549
فإما أن يكون المحفوظ عنه رواية الجماعة من أصحابه، أو يكون شعبة قد اضطرب في إسناده، ولم يُقمه، وهذا هو الأقرب؛ بدليل أنه كان يشك فيه أحيانًا، ومرة يثبت الواسطة، ومرة يسقطها؛ فإن زيادة علقمة في إسناده لم تكن موضع جزم عند شعبة نفسه، ولذا قدم الحفاظ رواية الثوري عليه، والله أعلم.
قال أبو بكر الأثرم: "اضطرب فيه شعبة في إسناده ومتنه، ورواه سفيان فضبطه، ولم يضطرب في إسناده، ولا في متنه" [التلخيص (١/ ٢٣٧/ ٣٥٣)].
٣ - ورواه سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن حُجْر بن عنبس، قال: سمعت وائل بن حجر، قال: سمعت النبي ﷺ قرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقال: "آمين"، ومدَّ بها صوته.
وفي رواية: عن حُجْرٍ أبي العَنْبَس [وهو: ابن عنبس] الحضرمي، عن وائل بن حجر، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قرأ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: "آمين"، ورفع بها صوته.
أخرجه البخاري في القراءة خلف الإمام (٢٢٣ و ٢٢٤)، ومسلم في التمييز (٣٧)، وأبو داود (٩٣٢)، والترمذي في الجامع (٢٤٨)، وفي العلل (٩٨)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٢/ ٩٠/ ٢٣٠)، والدارمي (١/ ٣١٥/ ١٢٤٧)، وأحمد (٤/ ٣١٦)، وابن أبي شيبة (٢/ ١٨٧/ ٧٩٦٠) و (٦/ ١٤١/ ٣٠١٥١) و (٧/ ٣١٢/ ٣٦٣٩٤)، وأبو إسحاق الحربي في غريب الحديث (٢/ ٨٣٨)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٣١/ ١٣٦٩)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٤٤/ ١١١)، والدارقطني (١/ ٣٣٣ - ٣٣٤ و ٣٣٤)، وابن سمعون في الأمالي (١٦٥)، وأبو إسحاق الثعلبي في الكشف والبيان (١/ ١٢٤)، والبيهقي في السنن (٢/ ٥٧)، وفي المعرفة (١/ ٥٣٠/ ٧٣٨)، وابن عبد البر في التمهيد (٧/ ١٤)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٣/ ٥٨/ ٥٨٦).
رواه عن الثوري به هكذا: يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ووكيع بن الجراح، ومحمد بن كثير العبدي، وعبد الله بن يوسف، وقبيصة بن عقبة، وأبو داود عمر بن سعد الحفري، وعبيد الله بن عبيد الرحمن الأشجعي، وخلاد بن يحيى، وعبد الرحمن بن محمد المحاربي، ومحمد بن يوسف الفريابي، وقال في رواية عنه: "رفع صوته بآمين، وطوَّل بها".
• ورواه أبو أحمد الزبيري محمد بن عبد الله بن الزبير، قال: حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن حجر بن عنبس، عن وائل بن حجر: أن النبي ﷺ كان يسلم عن يمينه وعن شماله.
أخرجه أحمد (٤/ ٣١٧).
• تابع سفيان الثوري عليه:
أ - العلاء بن صالح الأسدي [ووقع عند أبي داود: علي بن صالح، وهو وهم، والعلاء: لا بأس به. التهذيب (٣/ ٣٤٤)، الميزان (٣/ ١٠١)]، فرواه عن سلمة بن كهيل،
стр. 3550
عن حجر بن عنبس، عن وائل بن حجر؛ أنه صلى خلف رسول الله ﷺ ، فجهر بآمين، وسلم عن يمينه وعن شماله حتى رأيت بياض خده.
أخرجه أبو داود (٩٣٣)، والترمذي (٢٤٩)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٦٦/ ٣٠٤٧)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٤٥/ ١١٤).
ب - ورواه محمد بن سلمة بن كهيل [ضعيف، يعتبر به. اللسان (٧/ ١٦٧)، الجرح والتعديل (٧/ ٢٧٦)، سؤالات البرذعي (٢/ ٣٤٩)، الضعفاء لأبي زرعة (٢/ ٧٠٤)، سؤالات البرقاني (٥٣٩)]، عن أبيه، عن أبي السكن حجر بن عنبس، قال: سمعت وائل بن حجر الحضرمي، يقول: رأيت رسول الله ﷺ يسلم، حتى رأيت بياض خده من ذا الجانب، ومن ذا الجانب.
أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٤٥/ ١١٣)، بإسناد لا بأس به إلى محمد بن سلمة.
ج - ورواه يحيى بن سلمة بن كهيل [متروك]، عن أبيه، عن أبي سكن حجر بن عنبس الثقفي، قال: سمعت وائل بن حجر الحضرمي، يقول: رأيت رسول الله ﷺ حين فرغ من الصلاة، حتى رأيت خده من هذا الجانب ومن هذا الجانب، وقرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقال: "آمين"، يمد بها صوته، ما أراه إلا يعلمنا.
أخرجه الدولابي في الكنى (٢/ ٦١٠/ ١٠٩٠)، قال: حدثنا الحسن بن علي بن عفان [العامري: صدوق]، قال: حدثنا الحسن بن عطية [ابن نجيح القرشي، الكوفي: صدوق]، قال: أنبأ يحيى به.
وانظر: علل الحديث لابن أبي حاتم (٢٥١)، علل الدارقطني (٣/ ٣٤٩/١٨٥).
• وحاصل هذا الاختلاف على سلمة بن كهيل: أن رواية الثوري هي المحفوظة؛ إذ هو أحفظ من رواه عن سلمة، وقد رجح الحفاظ إسناده، حيث ضبطه سفيان، ولم يختلف عليه فيه، وقد ذهبوا إلى تخطئة شعبة في قوله: وخفض بها صوته، وأن المحفوظ فيه: ما رواه الثوري ومن تابعه: أن النبي ﷺ جهر بآمين، ورفع بها صوته.
قال البخاري في رواية شعبة: "وخولف فيه في ثلاثة أشياء: قيل: حجر أبو السكن، وقال هو: أبو عنبس، وزاد فيه: علقمة، وليس فيه، وقال: خفض، وإنما هو: جهر بها" [التاريخ الكبير (٣/ ٧٣)].
وقال الترمذي في الجامع، وبنحوه في العلل: "وسمعت محمدًا يقول: حديث سفيان أصح من حديث شعبة في هذا، وأخطأ شعبة في مواضع من هذا الحديث: فقال: عن حجر أبي العنبس، وإنما هو حجر بن عنبس، ويُكْنَى أبا السكن، وزاد فيه: عن علقمة بن وائل، وليس فيه: عن علقمة، وإنما هو عن حجر بن عنبس عن وائل بن حجر، وقال: وخفض بها صوته، وإنما هو: ومدَّ بها صوته [وفي العلل: والصحيح: أنه جهر بها].
قال أبو عيسى: وسألت أبا زرعة عن هذا الحديث؟ فقال: حديث سفيان في هذا أصح من حديث شعبة، قال: وروى العلاء بن صالح الأسدي عن سلمة بن كهيل نحو رواية سفيان".
стр. 3551
وقال أبو بكر الأثرم: "اضطرب فيه شعبة في إسناده ومتنه، ورواه سفيان فضبطه، ولم يضطرب في إسناده، ولا في متنه" [التلخيص (١/ ٢٣٧/ ٣٥٣)].
وقال مسلم في التمييز: "أخطأ شعبة في هذه الرواية حين قال: وأخفى صوته".
وقال الدارقطني في السنن: "خالف شعبة في إسناده ومتنه"، ثم ساق حديثه ثم قال: "كذا قال شعبة: "وأخفى بها صوته"، ويقال: إنه وهم فيه؛ لأن سفيان الثوري ومحمد بن سلمة بن كهيل وغيرهما رووه عن سلمة، فقالوا: "ورفع صوته بآمين"، وهو الصواب" [وانظر: إتحاف المهرة (١٣/ ٦٦٣/ ١٧٢٧٣)].
وقال البيهقي في المعرفة: "ورواه شعبة عن سلمة بن كهيل فقال في متنه: خفض بها صوته، وقد أجمع الحفاظ؛ محمد بن إسماعيل البخاري وغيره: على أنه أخطأ في ذلك".
وقال في السنن: "أما خطؤه في متنه: فبيِّنٌ، وأما قوله: حجر أبو العنبس، فكذلك ذكره محمد بن كثير عن الثوري، وأما قوله: عن علقمة، فقد بيَّن في روايته أن حجرًا سمعه من علقمة، وقد سمعه أيضًا من وائل نفسه، وقد رواه أبو الوليد الطيالسي عن شعبة نحو رواية الثوري".
قلت: تقدم بيان أن هذا اضطراب من شعبة في إسناده، والمحفوظ في إسناده: بدون ذكر علقمة.
وقال في الخلافيات (٢/ ٦٤ - مختصره): "ولا أعلم خلافًا بين أهل العلم بالحديث أن سفيان وشعبة إذا اختلفا فالقول قول سفيان، قال ابن معين: ليس أحد يخالف سفيان الثوري إلا كان القول قول سفيان، قيل: وشعبة أيضًا إن خالفه؟ قال: نعم، وقال يحيى بن سعيد: ليس أحد أحب إليَّ من شعبة، ولا يعدله أحد عندي، وإذا خالفه سفيان أخذت بقول سفيان، وقال شعبة: سفيان أحفظ مني، … "، ثم نقل كلام الترمذي والدارقطني، ثم قال البيهقي: "وقد روى أبو الوليد الطيالسي وهو من الثقات عن شعبة بوفاق الثوري في متنه"، فذكره، ثم قال: "ويحتمل أن يكون شعبة ﵀ تنبه لذلك فعاد إلى الصواب في متنه، وترك ذكر علقمة في إسناده، والله أعلم" [وانظر: إعلام الموقعين (٢/ ٣٩٦)، تهذيب السنن (١/ ٤٣٨)].
قلت: سبق أن بيَّنت نكارة هذه الرواية في آخر حديث شعبة، والله أعلم.
وقال النووي في الخلاصة (١١٩٢): "ورواه شعبة، وقال: خفض بها صوته، واتفق الحفاظ على غلطه فيها، وأن الصواب المعروف: مدَّ، ورفع بها صوته".
• وقد ذهب ابن حبان وابن القطان وابن الملقن وابن حجر إلى أن حجر بن عنبس كنيته أبو العنبس، ولا معارضة في كون كنيته هي اسم أبيه، ويجمع بين قولهم وبين قول البخاري بأن له كنيتين، قال ابن حجر: "ولا مانع أن يكون له كنيتان"، وهو قول قوي، وذلك لأنه قد صحت الرواية عن الثوري أنه قال: عن حجر أبي العنبس، وأما الذي كناه بأبي السكن فهما محمد ويحيى ابنا سلمة بن كهيل، وهما ضعيفان، والله أعلم.
стр. 3552
هذا هو الوجه الأول مما ذكره البخاري مما خولف فيه شعبة، وأما الثاني: وهو زيادة علقمة في الإسناد، فقد صح عن شعبة، أنه قال: أخبرني سلمة بن كهيل، قال: سمعت حجرًا أبا العنبس، قال: سمعت علقمة بن وائل، يحدث عن وائل، وقد سمعت من وائل، فوافق بذلك سفيانَ في أن حجرًا قد سمعه من وائل، قال ابن حجر: "فبهذا تنتفي وجوه الاضطراب عن هذا الحديث، وما بقي إلا التعارض الواقع بين شعبة وسفيان فيه في الرفع والخفض، وقد رُجِّحت رواية سفيان بمتابعة اثنين له بخلاف شعبة، فلذلك جزم النقاد بأن روايته أصح، والله أعلم" [التلخيص (١/ ٢٣٧)].
قلت: قول البخاري وأبي زرعة والأثرم وغيرهم في تقديم إسناد الثوري على إسناد شعبة، وأن شعبة اضطرب فيه، أو وهم في زيادة علقمة في الإسناد، هذا القول هو الصواب، وقد دللت على صحته قريبًا، فلينظر.
والحاصل: أن شعبة قد وهم في إسناد هذا الحديث بزيادة علقمة في الإسناد.
ووهم مرة أخرى في متنه، حيث قال: وخفض بها صوته، والمحفوظ فيه: ما رواه الثوري ومن تابعه: أن النبي ﷺ جهر بآمين، ورفع بها صوته.
وأما الطرفان الآخران: في السلام عن يمينه وشماله، وفي وضع اليمنى على اليسرى؛ فمحفوظان، والله تعالى أعلم.
• وأخيرًا: فإن المحفوظ من حديث حُجر بن عنبس عن وائل بن حُجر: حديث صحيح، وحجر بن عنبس الحضرمي الكوفي: ثقة، مخضرم، سمع وائل بن حجر [التهذيب (١/ ٣٦٥)، التاريخ الكبير (٣/ ٧٣)].
قال الترمذي: "حديث وائل بن حجر: حديث حسن".
وقال أبو بكر بن أبي داود: "هذه سُنَّة تفرد بها أهل الكوفة" [سنن الدارقطني (١/ ٣٣٤)].
وقال الدارقطني لما رواه من طرق عن الثوري: "هذا صحيح" [السنن (١/ ٣٣٣)، بيان الوهم (٣/ ٣٧٥)، البدر المنير (٣/ ٥٧٩)].
وقال البغوي: "هذا حديث حسن".
وقال ابن حجر في التلخيص (١/ ٢٣٧/ ٣٥٣): "وسنده صحيح".
وذكر ابن القطان في بيان الوهم (٣/ ١١١٨/٣٧٥) الاختلاف في إسناده ومتنه، وأن حجر بن عنبس: لا تُعرف حاله، ثم قال: "فالحديث لأن يقال فيه: ضعيف أقرب منه إلى أن يقال: حسن، فاعلم ذلك".
وتعقبه ابن حجر فقال في التلخيص (٣٥٣): "وأعلَّه ابن القطان بحجر بن عنبس، وأنه لا يُعرف، وأخطأ في ذلك؛ بل هو ثقة معروف، قيل: له صحبة، ووثَّقه يحيى بن معين وغيره، وتصحف اسم أبيه على ابن حزم، فقال فيه: حجر بن قيس، وهو مجهول، وهذا غير مقبول منه".
стр. 3553
• ومن غريب ما روي عن علقمة بن وائل في هذا:
ما رواه الطبراني في الكبير (٢٢/ ١٩ - ٢٠/ ٢٨)، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي [مطين: ثقة حافظ]، قال: حدثتني ميمونة بنت حجر بن عبد الجبار بن وائل بن حجر، قالت: سمعت عمتي أم يحيى بنت عبد الجبار بن وائل بن حجر، عن أبيها عبد الجبار، عن علقمة عمها، عن وائل بن حجر، قال: جئتُ النبي ﷺ ، فقال: "هذا وائل بن حجر، جاءكم؛ لم يجئكم رغبةً ولا رهبةً، جاء حبًا لله ولرسوله"، وبسط له رداءه، وأجلسه إلى جنبه، وضمَّه إليه، وأصعد به المنبر، فخطب الناس، فقال لأصحابه: "ارفقوا به؛ فإنه حديث عهد بالمُلك"، فقلت: إن أهلي قد غلبوني على الذي لي، قال: "أنا أُعطِيكَه، وأعطيك ضِعْفَه" فقال لي رسول الله ﷺ : "يا وائل بن حجر! إذا صليتَ فاجعل يديك حِذاء أُذُنَيْك، والمرأة تجعل يديها حِذاء ثدْيَيْها".
وانظر: معرفة الصحابة لأبي نعيم (٥/ ٢٧١١/ ٦٤٧٥)، تاريخ دمشق (٦٢/ ٣٩٠).
قلت: وهذا حديث منكر؛ وإسناد مجهول، جشة [بجيم مفتوحة، كذا في تكملة الإكمال وفي التوضيح، وفي المعرفة وتاريخ دمشق: كبشة، بالكاف والباء] أم يحيى بنت عبد الجبار: ترجم لها ابن نقطة في تكملة الإكمال (٢/ ٢٥٠)، وابن ناصر الدين في التوضيح (٣/ ٢٤٣)، ولم يعرفها الهيثمي [مجمع الزوائد (٢/ ١٠٣) و (٩/ ٣٧٤)]، قلت: أم يحيى وميمونة بنت حجر: مجهولتان.
• ولأم يحيى في هذا رواية أخرى مطولة، فهل هي المذكورة في الإسناد السالف؟ أم هي امرأة أخرى، والأقرب أنها غيرها؛ إذ الأولى: بنت عبد الجبار، والثانية: الأظهر أنها أم عبد الجبار، أو هي زوجته، أم سعيد بن عبد الجبار، والله أعلم:
روى محمد بن حجر بن عبد الجبار بن وائل الحضرمي: حدثني عمي سعيد بن عبد الجبار، عن أبيه، عن أمه أم يحيى، عن وائل بن حجر، قال: حضرت رسول الله ﷺ وقد أُتي بإناء فيه ماء، فأكفأ على يمينه ثلاثًا، ثم غمس يمينه في الإناء فأفاض بها على اليسرى ثلاثًا، ثم غمس اليمنى في الماء فحفن حفنة من ماء فتمضمض بها واستنشق واستنثر ثلاثًا، ثم أدخل كفيه في الإناء فحمل بهما ماء فغسل وجهه ثلاثًا، وخلل لحيته، ومسح باطن أذنيه، ثم أدخل خنصره في داخل أذنه ليبلغ الماء، ثم مسح رقبته، وباطن لحيته من فضل ماء الوجه، وغسل ذراعه اليمنى ثلاثًا حتى ما وراء المرفق، وغسل اليسرى مثل ذلك باليمنى حتى جاوز المرفق [ثلاثًا]، ثم مسح على رأسه ثلاثًا، ومسح ظاهر أذنيه [ثلاثًا]، ومسح رقبته وباطن لحيته بفضل ماء الرأس، ثم غسل قدمه اليمنى ثلاثًا، وخلل أصابعها، وجاوز بالماء الكعب، ورفع في الساق الماء، ثم فعل في اليسرى مثل ذلك، ثم أخذ حفنة من ماء بيده اليمنى فوضعه على رأسه حتى تحدر من جوانب رأسه، وقال: "هذا تمام الوضوء"، [ولم أره تنشف بثوب]، [ثم نهض إلى المسجد] فدخل محرابه فصف الناس خلفه، ونظر عن يمينه ويساره، ثم رفع يديه بالتكبير إلى أن حاذتا شحمة أذنيه، ثم
стр. 3554
وضع يمينه على يساره على صدره، ثم [افتتح القراءة، فـ] جهر بالحمد حتى فرغ من [سورة] الحمد، ثم جهر بآمين عند فراغه من قراءة الحمد حتى سمع من خلفه، ثم قرأ سورة أخرى مع الحمد، ثم رفع يديه بالتكبير إلى أن حاذتا شحمة أذنيه، ثم انحط راكعًا فوضع كفيه على ركبتيه، وفرج [بين] أصابعه، وأمهل في الركوع حتى اعتدل ركوعه، وصار متناه كأنهما نهرٌ جارٍ لو وضع عليه قدح ملآن ما انكفأ، ثم رفع رأسه بالخشوع، ورفع يديه حتى حاذتا شحمة أذنيه، وقال: "سمع الله لمن حمده"، ثم اعتدل قائمًا، وأمهل فيه حتى رجع كل عظم إلى موضعه، ثم انحط بالتكبير ساجدًا، [فرفع يديه إلى أن حاذتا بشحمة أذنيه]، فأثبت جبهته في الأرض وأنفه، حتى رأى أثر أنفه في الرمل، وفرش [وعند البزار: وقوس] ذراعيه ورأسه بينهما [ولم يمهل بالسجود]، ثم رفع رأسه [فرفع يديه] بالتكبير [إلى أن حاذتا بشحمة أذنيه]، وجلس جلسة خفيفة فاستبطن فخذه اليسرى ونصب قدمه اليمنى أثبت أصابعهما، [فوضع كفه اليمين على ركبته وبعض فخذه، وحلَّق بإصبعه]، ثم انحط ساجدًا مثل ذلك، ثم رفع رأسه بالتكبير [بيديه إلى أن حاذتا بشحمة أذنيه]، [وإلى أن اعتدل في قيامه، ورجع كل عظم إلى موضعه]، ثم فعل مثل ذلك في جميع الصلاة حتى تمت أربع ركعات، ثم جلس في التشهد فوضع كفه اليمنى على ركبته اليمنى، وبعض فخذه، وحلق إصبعه يدعو به من تحت الثوب، وكان ذلك في الشتاء، وكان أصحابه خلفه أيديهم في ثيابهم يعملون هذا وتنفل، ثم سلم عن يمينه حتى رؤي بياض خده الأيمن، ثم سلم عن يساره حتى رؤي بياض خده الأيسر [وفي رواية البزار: ثم سلم على يمينه حتى يرى بياض خده الأيسر، وسلم عن يساره حتى يرى بياض خده الأيمن].
أخرجه أبو إسحاق الحربي في غريب الحديث (٢/ ٨٣٨) و (٣/ ٩٨٠) مختصرًا، والبزار (١٠/ ٣٥٥/ ٤٤٨٨)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ١٩٣/ ٣٠٠ - مسند ابن عباس) مختصرًا، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٥٠ /١١٨)، وابن عدي في الكامل (٦/ ١٥٦) مختصرًا، والبيهقي (٢/ ٣٠ و ٩٩) مختصرًا مفرقًا.
قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا عن وائل بن حجر بهذا الإسناد".
قلت: هو حديث منكر.
وإسناده ضعيف جدًّا؛ مسلسل بالضعفاء والمجاهيل:
أم يحيى: مجهولة، قال ابن القطان: "لا تعرف لها حال" [بيان الوهم (٣/ ١٥٥/ ٨٦٤)].
وسعيد بن عبد الجبار: ضعيف [التقريب (٣٨٢)].
ومحمد بن حجر بن عبد الجبار: قال البخاري: "فيه نظر"، وهذا قدح شديد، وقال أبو حاتم: "كوفي شيخ"، روى بهذا الإسناد نسخة منكرة، منها أشياء لها أصول من حديث رسول الله ﷺ ، وليست من حديث وائل بن حجر، ومنها أشياء من حديث وائل مختصرة
стр. 3555
جاء بها على التقصي وأفرط فيها، ومنها أشياء موضوعة ليست من كلام رسول الله ﷺ ، قاله أبو حاتم ابن حبان، وضعفه عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى، وقال ابن القطان: "وهو عند البزار حديث طويل، فيه صفة الوضوء والصلاة بألفاظ تُنكر ولا تُعرف في غيره، وعلته ليست ما ذكر، وإنما يرويه محمد بن حجر، عن عمه: سعيد بن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، عن أمه، عن وائل، وأمه هذه لا تعرف لها حال، فأما ابنها عبد الجبار فثقة، وكان إذ مات وائلٌ حملًا، فإنما روايته عنه بواسطة أمه هذه، أو غيرها من أهل بيته، أو عن أخيه عنه" [التاريخ الكبير (١/ ٦٩)، الجرح والتعديل (٧/ ٢٣٩)، المجروحين (٢/ ٢٧٣)، ضعفاء العقيلي (٤/ ٥٩)، الكامل (٦/ ١٥٦)، الأحكام الوسطى (١/ ٣٥٧ و ٣٦٨)، بيان الوهم (٣/ ١٥٥/ ٨٦٤)، الميزان (٣/ ٥١١)، اللسان (٥/ ١٣٦)]، وتقدم ذكر طرف منه تحت الحديث رقم (١٤٥).
***
٧٢٤ - . . . الحسن بن عبيد الله النخعي، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، أنه أبصر النبيَّ ﷺ حين قام إلى الصلاة رفع يديه، حتى كانتا بحِيالِ مَنكِبيه، وحاذى بإبهامَيه أذنَيه، ثم كبر.
• حديث شاذ بهذا اللفظ، وأصله صحيح.
أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٩/ ٦٣)، والبيهقي (٢/ ٢٤)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٣/ ٢٦/ ٥٦٢).
قال النووي في المجموع (٣/ ٢٥٣) بعد أن عزا هذه الرواية لأبي داود: "إسنادها منقطع؛ لأنه من رواية عبد الجبار بن وائل عن أبيه، ولم يسمع منه، وقيل: إنه ولد بعد وفاة أبيه".
• الحسن بن عبيد الله النخعي: كوفي ثقة، ورواه أيضًا عن عبد الجبار:
١ - فطر بن خليفة [صدوق]، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله ﷺ يرفع يديه حين افتتح الصلاة، حتى حاذت إبهامُه شحمةَ أذنيه، وفي رواية: حتى تكاد إبهاماه تحاذي شحمة أذنيه.
أخرجه أبو داود (٧٣٧)، والنسائي في المجتبى (٢/ ١٢٣/ ٨٨٢)، وفي الكبرى (١/ ٤٦٠/ ٩٥٨)، وأحمد (٤/ ٣١٦)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (٢/ ٩٧٠ - ٩٧١/ ٤١٦١ - السفر الثاني)، وابن قانع في المعجم (٣/ ١٨١ - ١٨٢)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٢/ ٧٢)، وأبو نعيم الأصبهاني في تسمية الرواة عن أبي نعيم (٧٤)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٠/ ٢٧٥)، وابن مخلد البزاز في حديثه عن ابن السماك والخلدي (٣٧)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٣/ ٢٨/ ٥٦٦).
стр. 3556
هكذا رواه عن فطر: محمد بن بشر العبدي، وعبد الله بن داود، ووكيع بن الجراح، وأبو نعيم الفضل بن دكين [وهم ثقات]، وغيرهم.
ورواه خلاد بن يحيى [صدوق]: نا فطر بن خليفة، عن عبد الجبار الحضرمي، قال: سمعت أبي، وهذه الرواية بذكر السماع وهم، إذ الحفاظ متفقون على أن عبد الجبار لم يسمع من أبيه، وتقدم نقل كلامهم تحت الحديث السابق.
قال النسائي في الكبرى (٩٥٨): "عبد الجبار بن وائل: لم يسمع من أبيه، والحديث في نفسه صحيح".
وقال ابن أبي خيثمة: "سئل يحيى بن معين: عن عبد الجبار بن وائل عن أبيه؟ قال: مرسل؛ مات أبوه وأمه حامل به".
٢ - الحجاج بن أرطاة [ليس بالقوي، وقد توبع عليه، لكنه مشهور بالتدليس عن الضعفاء والمتروكين، ولم يسمع من عبد الجبار، قاله البخاري. علل الترمذي الكبير (٤٢٦)، سنن البيهقي (٨/ ٢٣٥)]، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله ﷺ يضع أنفه على الأرض إذا سجد مع جبهته. وفي رواية: يسجد على أرنبته وجبهته، وفي رواية: أنه سمع النبي ﷺ يقول: "آمين".
أخرجه أحمد (٤/ ٣١٥ و ٣١٧)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٦٨٧/٢٣٤)، ولوين محمد بن سليمان المصيصي في حديثه (١١٥)، والبزار (١٠/ ٣٤٨ / ٤٤٧٨)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ١٩٢ و ١٩٣/ ٢٩٨ و ٢٩٩ - مسند ابن عباس)، وأبو علي الطوسي في مختصر الأحكام (٢/ ١٢٥ و ١٢٧ و ١٢٨/ ٢٥٣ و ٢٥٥ و ٢٥٦)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٠/ ٦٥ - ٦٧)، وانظر: أسد الغابة (٤/ ٩١)، الإصابة (٢/ ٢٠٦) و (٥/ ٢٨٠).
قال الطوسي: "وحديث وائل: حسن".
٣ - الأعمش [ثقة حافظ]، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله ﷺ يسجد على الأرض واضعًا جبهته وأنفه في سجوده.
أخرجه أحمد (٤/ ٣١٧) [وانظر: الإتحاف (١٣/ ٦٦٤/ ١٧٢٧٤)]، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ١٩٣/ ٣٠١ - مسند ابن عباس)، وأبو علي الطوسي في مختصر الأحكام (٢/ ١٢٦/ ٢٥٤)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٩/ ٦٢).
قال الطوسي: "وحديث وائل: حسن".
٤ - أشعث بن سوار [ضعيف]، عن عبد الجبار بن وائل بن حجر، عن أبيه، قال: أتيت رسول الله ﷺ ، فكان لي من وجهه ما لا أحب أن لي به من وجه رجل من بادية العرب، صليت خلفه، وكان يرفع يديه كلما كبر ورفع ووضع بين السجدتين، ويسلم عن يمينه وعن شماله [وفي رواية: إذا انصرف حتى أرى بياض خده من ههنا وههنا].
أخرجه أحمد (٤/ ٣١٧)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣١/ ٧١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٢/ ٣٩٠).
стр. 3557
وهو منكر بذكر الرفع بين السجدتين.
٥ - روى زهير بن معاوية، وأبو الأحوص، ويونس بن أبي إسحاق، وابنه إسرائيل، وزكريا بن أبي زائدة، ومعمر بن راشد، وحديج بن معاوية، وأبو بكر بن عياش، وزيد بن أبي أنيسة، وعمار بن رزيق، والأعمش [وهو غريب من حديثه]، وغيرهم:
عن أبي إسحاق، عن عبد الجبار بن وائل، عن وائل، قال: رأيت رسول الله ﷺ يضع يده اليمنى على اليسرى في الصلاة، قريبًا من الرسغ، ويرفع يديه حين يوجب حتى تبلغا أذنيه، وصليت خلفه فقرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقال: "آمين" يجهر. لفظ زهير. وقال إسرائيل وغيره: رفع بها صوته، وقال زيد: مدَّ بها صوته.
ولفظ أبي الأحوص: صليت خلف رسول الله ﷺ ، فلما افتتح الصلاة [كبر و] رفع يديه حتى حاذى بأذنيه. فرقه بعضهم أحاديث.
أخرجه النسائي في المجتبى (٢/ ١٢٢/ ٨٧٩) و (٢/ ١٤٥/ ٩٣٢) مطولًا بزيادة. وفي الكبرى (١/ ٤٥٩/ ٩٥٥) و (١/ ٤٨٠/ ١٠٠٦) مطولًا بزيادة. وابن ماجه (٨٥٥)، والدارمي (١/ ٣١٢/ ١٢٤١)، وأحمد (٤/ ٣١٨)، وعبد الرزاق (٢/ ٩٥/ ٢٦٣٣)، وابن أبي شيبة (٢/ ١٨٧/ ٧٩٥٩) و (٧/ ٣١٢/ ٣٦٣٩٣)، وأبو إسحاق الحربي في غريب الحديث (٢/ ٨٣٨)، والبزار (١٠/ ٣٤٩/ ٤٤٨١)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٧٣/ ١٢٥٥) و (٣/ ١٣٠/ ١٣٦٧)، والطحاوي في أحكام القرآن (١/ ١٨٨/ ٣٣٢ و ٣٣٣)، وأبو بكر الشافعي في فوائده "الغيلانيات" (٤٦٦)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٠ - ٢٥/ ٣٠ - ٥٣)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين (٣/ ٣٧١)، والدارقطني في السنن (١/ ٣٣٤)، وفي الأفراد (٢/ ١٥٦/ ٤٤٦٩ - أطرافه)، وأبو إسحاق الثعلبي في الكشف والبيان (١٠/ ٣١١)، والبيهقي (٢/ ٥٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٢/ ٣٨٣)، وأبو موسى المديني في اللطائف (٨١٦).
قال الدارقطني: "هذا إسناد صحيح".
قلت: زيادة: "قريبًا من الرسغ"؛ زيادة شاذة؛ لم يروها عن أبي إسحاق إلا زهير بن معاوية، وهو ثقة متقن، لكن في حديثه عن أبي إسحاق لين، سمع منه بأخرة، فهو كما قال الذهبي: "لينُ روايته عن أبي إسحاق: من قِبَل أبي إسحاق، لا من قِبَله"؛ فإن أبا إسحاق كان قد تغير في آخر عمره [التهذيب (١/ ٦٤٠)، الميزان (٢/ ٨٦)].
وزادها أيضًا: إسماعيل بن عياش في روايته عن يونس بن أبي إسحاق، وإسماعيل: ضعيف في روايته عن غير أهل الشام، وهذه منها، ورواه غيره عن يونس بدونها.
فإن قيل: لم يتفرد أبو إسحاق بهذه اللفظة: يضع يده اليمنى على اليسرى في الصلاة قريبًا من الرسغ، بل تابعه عليها: زائدة بن قدامة [وهو: ثقة متقن]، حيث قال: حدثنا عاصم بن كليب: أخبرني أبي؛ أن وائل بن حجر الحضرمي أخبره، … فذكر الحديث، وفيه: ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد.
فيقال: رواية أبي إسحاق السبيعي -على فرض ثبوتها- هي في معنى بقية الروايات
стр. 3558
في مطلق الوضع أو القبض؛ لأن قوله: "قريبًا من الرسغ" لا يلزم منه كون اليد اليمنى على رسغ اليد اليسرى، وإنما فقط قريبًا منه، وعليه فهي ليست في معنى حديث زائدة، ولا يشهد أحدهما للآخر.
ورواية زائدة بن قدامة: مع اختلاف سياقها ومعناها، فإنها شاذة أيضًا، وسيأتي بيان ذلك في موضعه عند تخريجه برقم (٧٢٧)، والشاذ لا يشهد لغيره، ولا يقويه؛ إذ إنه خطأ محض، والمنكر أبدًا منكر، كما قال أحمد [العلل ومعرفة الرجال (٢٨١)، إعلام الموقعين (٤/ ٢٠٧)]، والشاذ في معناه، والله الهادي إلى سواء السبيل.
• زاد يونس، وأفرده دون بقية أطراف الحديث: إسرائيل، وأبو الأحوص، وزيد بن أبي أنيسة [وهم ثقاتي، وعبد الحميد بن أبي جعفر الفراء [شيخ، له أوهام، تقدمت ترجمته تحت الحديث رقم (٥٢٠) طريق رقم (٢١)، والراوي عنه: سنان بن مظاهر العنزي: روى عنه أبو كريب، وصحح له ابن خزيمة (٢٩١٨)، وقال الدارقطني: "ثقة"، سؤالات السلمي (١٤٠)، الإكمال (٤/ ٤٤٢) و (٧/ ٣٤)، الأنساب (٤/ ١٥١)، توضيح المشتبه (٦/ ٣٨١)]، وحُبيِّب [مصغَّر] بن حَبيب [واهي الحديث. اللسان (٢/ ٥٥٧)، المؤتلف للدارقطني (٢/ ٦٢٧)، توضيح المشتبه (٣/ ٩٧)]:
فرووا عن أبي إسحاق، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، قال: صليت خلف رسول الله ﷺ فسمع رجلًا يقول: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما قضى النبي ﷺ صلاته قال: "من صاحب الكلمات؟ " قال: أنا يا رسول الله، والله ما أردت بها إلا الخير، قال: "لقد فتحت لها أبواب السماء، فما نهنهها شيء دون العرش". لفظ إسرائيل، وقال فيه الباقون -واللفظ لأبي الأحوص-: الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله وبحمده بكرة وأصيلًا، وفي لفظ يونس شذوذ.
أخرجه النسائي في المجتبى (٢/ ١٤٥/ ٩٣٢)، وفي الكبرى (١/ ٤٨٠/ ١٠٠٦)، وابن ماجه (٣٨٠٢)، وأحمد (٤/ ٣١٧)، والطيالسي (٢/ ٣٦٠/ ١١١٦)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٦ - ٢٧/ ٥٤ - ٥٩)، وفي الدعاء (٥١٧ - ٥٢٠).
وانظر شواهد هذا الطرف في: تخريج أحاديث الذكر والدعاء (١/ ١٦١ و ١٦٣/ ٨١).
• وقد تفرد محمد بن جابر عن أبي إسحاق في هذا الحديث بلفظ: يعتمد بإحدى يديه على الأخرى [كما عند الطبراني برقم (٥٣)]، وهي لفظة منكرة، ومحمد بن جابر بن سيار السحيمي اليمامي: ضعيف؛ وكان قد ذهبت كتبه في آخر عمره، وعمِي، وساء حفظه، وكان يُلقَّن، ويُلحَق في كتابه [انظر: التهذيب (٣/ ٥٢٧)، الميزان (٣/ ٤٩٦)].
• وخالفهم في إسناده فوهم: إبراهيم بن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق [ليس بالقوي]، فرواه عن أبيه [ثقة]، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل القَيْل [يقال للملك من ملوك حمير: قَيْل]، قال: رأيت النبي ﷺ ضرب بيمينه على شماله في الصلاة.
стр. 3559
أخرجه النسائي في جزء من إملائه (٣٤)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٨/ ٩١)، وفي الأوسط (٢/ ١٩٨/ ١٧٠٥)، والدارقطني في الأفراد (٢/ ١٥٦/ ٤٤٧١ - أطرافه)، وفي المؤتلف (٤/ ١٨٥٢)، والخطيب في الموضح (٢/ ٥٠٢).
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن أبي إسحاق إلا يوسف بن أبي إسحاق، ولا عن يوسف إلا إبراهيم، تفرد به: شريح".
وقال الدارقطني: "غريب من حديث أبي إسحاق السبيعي عن عاصم عن أبيه، تفرد به عنه: ابن ابنه يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق، وتفرد به عنه ابنه: إبراهيم بن يوسف، ولم يروه عنه غير: شريح بن مسلمة"، قلت: وهو ثقة.
قلت: إنما يرويه أبو إسحاق السبيعي عن عبد الجبار عن أبيه.
• ووهم في إسناده أيضًا على أبي إسحاق: شريك بن عبد الله النخعي، ويأتي ذكره في ذكر الاختلاف على شريك، عند الحديث الآتي برقم (٧٢٨)، إن شاء الله تعالى.
• وانظر أيضًا فيمن وهم فيه على أبي إسحاق: المعجم الكبير (٢٢/ ٤٣/ ١٠٧)، سنن البيهقي (٢/ ٥٨) [وفي إسناده: أحمد بن عبد الجبار العطاردي: ثنا أبي، وهو: ضعيف، وأبوه قد ضُعِّف أيضًا. اللسان (٥/ ٥٨)]، جزء فيه قراءات النبي ﷺ (١٢)، أطراف الغرائب والأفراد (٢/ ١٥٧/ ٤٤٧٤).
[وانظر فيمن رواه أيضًا عن عبد الجبار عن أبيه: تلخيص المتشابه في الرسم (٢/ ٦٢٦)].
• ورواه بعض الكذابين فجعله عن عبد الجبار بن وائل عن أبيه عن جده [فوائد تمام (١٥٥٤)، وفي إسناده: محمد بن الفضل بن عطية، وهو: متروك الحديث، كذاب، روى أحاديث موضوعة. التهذيب (٣/ ٦٧٥)، الميزان (٤/ ٦)، وعنه: محمد بن عيسى بن حيان المدائني، وهو: ضعيف، يروي عن مشايخه ما لا يتابع عليه. انظر: اللسان (٧/ ٤٢٨)] [وانظر: أسد الغابة (١/ ٥٦٤)].
• والحاصل: فإن هذا الحديث قد رواه جماعة من الثقات عن عبد الجبار بن وائل بن حجر، عن أبيه، ولم يسمع منه، وقال جماعة من الأئمة: ولد بعد موت أبيه بستة أشهر، وتقدم نقل كلامهم في ذلك تحت الحديث السابق.
إلا أن الحديث صحيح، لمتابعاته التي تقدم بعضها، ويأتي ذكر ما بقي منها، ولأن عبد الجبار إنما أخذ هذا الحديث عن أخيه علقمة؛ كما ثبت ذلك في رواية همام، قال: حدثنا محمد بن جحادة: حدثني عبد الجبار بن وائل، عن علقمة بن وائل ومولى لهم؛ أنهما حدثاه عن أبيه وائل بن حجر [تقدم ذكره تحت الحديث السابق].
قال النسائي في الكبرى (٩٥٨): "عبد الجبار بن وائل: لم يسمع من أبيه، والحديث في نفسه صحيح"، وقال الطوسي: "حديث حسن"، وصحح إسناده الدارقطني.
وأما رواية الحسن بن عبيد الله النخعي، حيث قال: حتى كانتا بحِيالِ مَنكِبيه، وحاذى بإبهامَيه أذنَيه، فالأقرب عندي أنها شاذة، والمحفوظ: رواية بقية الثقات عن عبد الجبار:
стр. 3560
حتى حاذت إبهامُه شحمةَ أذنيه، أو: ورفع يديه حتى حاذى بأذنيه، وهذه الرواية هي الموافقة للمحفوظ من حديث وائل بن حجر، كما تقدم معنا في حديث عفان بن مسلم [والذي أخرجه مسلم]، وكما سيأتي بيانه من حديث عاصم بن كليب، إن شاء الله تعالى، والحسن بن عبيد الله النخعي وإن كان ثقة؛ إلا إنه قد تكلم فيه غير واحد [انظر: التهذيب (١/ ٤٠١)، سؤالات أبي داود لأحمد (٣٧٥)] [وقد سبق أن فصلت القول فيه تحت الحديث رقم (٦٦٤)]، ولا يقاس الحسن بأبي إسحاق السبيعي، والله أعلم.
***
٧٢٥ - . . . المسعودي: حدثني عبد الجبار بن وائل: حدثني أهل بيتي، عن أبي؛ أنه حدثهم؛ أنه رأى رسول الله ﷺ يرفع يديه مع التكبيرة.
• في إسناده من أُبهم، وقد عينه بن جحادة في روايته؛ فصح الحديث.
أخرجه أحمد (٤/ ٣١٦)، والطيالسي (٢/ ٣٥٩/ ١١١٥)، والطحاوي في أحكام القرآن (١/ ١٨٨/ ٣٣٤) [وفي سنده سقط]، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٣/ ٧٦ و ٧٧)، والبيهقي في السنن (٢/ ٢٦)، وأبو موسى المديني في اللطائف (٨٢٢ - ٨٢٤).
هكذا رواه عن المسعودي مطولًا، أو مختصرًا، أو مفرقًا: يزيد بن زريع [وهذا لفظه عند أبي داود]، ووكيع بن الجراح، وأبو النضر هاشم بن القاسم، وأبو داود الطيالسي، وعمرو بن مرزوق، وأبو حفص عمرو بن علي الفلاس [ولا يصح عنه] [والفلاس: لم يدرك المسعودي، إنما يروي عنه بواسطة].
ولفظ وكيع عند أحمد: أنه رأى النبي ﷺ يرفع يديه مع التكبيرة، ويضع يمينه على يساره في الصلاة. وفي رواية: أنه رأى رسول الله ﷺ يسجد بين كفيه.
ولفظ الطيالسي: أنه صلى مع النبي ﷺ فسلم عن يمينه وعن شماله.
واختلف فيه على المسعودي:
أ - فرواه يزيد بن زريع، ووكيع بن الجراح، وعمرو بن مرزوق [وثلاثتهم ثقات، ممن روى عن المسعودي قبل الاختلاط. الكواكب النيرات (٣٥)، شرح علل الترمذي (٢/ ٧٤٧)]، وأبو النضر هاشم بن القاسم، وأبو داود الطيالسي [وهما ثقتان، ممن روى عن المسعودي بعد الاختلاط]، عن المسعودي به هكذا.
ب - وخالفهم: يزيد بن هارون [ثقة ثبت، ممن روى عن المسعودي بعد الاختلاط]، وأسد بن موسى [المعروف بأسد السُّنَّة: ثقة، وما حدث به من مناكير فالآفة فيها من غيره. انظر: التهذيب (١/ ١٣٣) وغيره، والراوي عنه هو شيخ الطبراني، المقدام بن داود الرعيني: ضعيف، واتُّهم. راجع ترجمته تحت الحديث المتقدم برقم (٢٣٦)، وقد قيل: إن سماعه من أسد صحيح، وإنما نقم عليه روايته عن خالد بن نزار؛ فإنه لم يدركه. ترتيب المدارك (١/ ٤٧٦)]:
стр. 3561
ثنا المسعودي، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، قال: لما قدم أبي على النبي ﷺ رآه يضع يده اليمنى على اليسرى، ورفع يديه مع كل تكبيرة. لفظ أسد.
ولفظ يزيد: أن رسول الله ﷺ كان يسجد بين كَفَّيْه.
أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٢/ ٧٤ و ٧٥).
وهذه رواية شاذة سندًا ومتنًا.
والمحفوظ: رواية جماعة الثقات الذين رووه عن المسعودي قبل اختلاطه، لكن يبدو أن المسعودي لم يحفظ في إسناده عين الواسطة بين عبد الجبار وأبيه، فقال فيه: حدثني أهل بيتي، عن أبي، وقد حفظه غيره، فقد روى همام، قال: حدثنا محمد بن جحادة: حدثني عبد الجبار بن وائل، عن علقمة بن وائل ومولى لهم؛ أنهما حدثاه عن أبيه وائل بن حجر [تقدم].
فاتصل بذلك الإسناد، وصح الحديث، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، وهي زيادة من ثقة حافظ، فوجب قبولها، والله أعلم.
• وروى زهير بن معاوية، قال: قال عاصم [يعني: ابن كليب]: وحدثني عبد الجبار، عن بعض أهله، أن وائلًا قال: أتيته مرة أخرى، وعلى الناس ثياب فيها البرانس وفيها الأكسية، فرأيتهم يقولون هكذا، تحت الثياب.
أخرجه أحمد (٤/ ٣١٩).
ويأتي ذكره والكلام عليه تحت الحديث رقم (٧٢٨)، في طريق زهير بن معاوية برقم (١٠).
وله إسناد آخر، يأتي ذكره في ذكر الاختلاف على شريك بن عبد الله النخعي، تحت الحديث رقم (٧٢٨).
***
٧٢٦ - . . . بشر بن المفضل، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر، قال: قلت: لأَنظُرَنَّ إلى صلاة رسول الله ﷺ كيف يصلي! قال: فقام رسول الله ﷺ فاستقبل القبلة، فكبر فرفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم أخذ شماله بيمينه، فلما أراد أن يركع رفعهما مثل ذلك، ثم وضع يديه على ركبتيه، فلما رفع رأسه من الركوع رفعهما مثل ذلك، فلما سجد وضع رأسه بذلك المنزل من بين يديه، ثم جلس فافترش رجله البسرى، ووضع بده اليسرى على فخِذه اليسرى، وحدَّ مِرفَقه الأيمن على فخذه اليمنى، وقبض ثنتين، وحلَّق حلْقةً. ورأيته يقول هكذا: وحلَّق بِشرٌ الإبهامَ والوسطى، وأشار بالسبابة.
• حديث صحيح.
أخرجه أبو داود هنا (٧٢٦)، ثم أعاده بنفس إسناده في باب: كيف الجلوس في التشهد، برقم (٩٥٧)، وأخرجه أيضًا من طريق بشر: النسائي في المجتبى (٣/ ٣٥ / ١٢٦٥)،
стр. 3562
وفي الكبرى (٢/ ٦٠/ ١١٨٩)، وابن ماجه (٨١٠ و ٨٦٧)، والبزار (١٠/ ٣٥٣/ ٤٤٨٥)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٧/ ٨٦)، وابن حزم في المحلى (٤/ ١٢٦)، والبيهقي في المعرفة (٢/ ٢٨/ ٨٨٠)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ٧١)، والخطيب في المدرج (١/ ٤٥١)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٣/ ٢٧/ ٥٦٣).
***
٧٢٧ - . . . زائدة، عن عاصم بن كليب، بإسناده ومعناه، قال فيه: ثم وضع يده اليمنى على ظَهر كفِّه اليسرى والرُّسْغ والساعد، وقال فيه: ثم جئت بعد ذلك في زمانٍ فيه بردٌ شديدٌ، فرأيتُ الناسَ عليهم جلُّ الثياب، تَحَرَّكُ أيديهم تحت الثياب.
• حديث شاذ بهذه الزيادات.
أخرجه البخاري في رفع اليدين (٦٧)، والنسائي في المجتبى (٢/ ١٢٦/ ٨٨٩) و (٣/ ٣٧/ ١٢٦٨)، وفي الكبرى (١/ ٤٦٣/ ٩٦٥) و (٢/ ٦٢/ ١١٩٢)، والدارمي (١/ ٣٦٢/ ١٣٥٧)، وابن خزيمة (١/ ٢٤٣ و ٣٥٤/ ٤٨٠ و ٧١٤)، وابن حبان في صحيحه (٥/ ١٧٠/ ١٨٦٠)، وفي الصلاة (١٣/ ٦٦٦ و ٦٦٧ و ٦٧٢/ ١٧٢٨٠ و ١٧٢٨١ و ١٧٢٨٩ - إتحاف المهرة)، وابن الجارود (٢٠٨)، وأحمد (٤/ ٣١٨)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٩٣/ ١٢٨٩)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٥/ ٨٢)، والبيهقي في السنن (٢/ ٢٨ و ١٣١)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ٧١)، والخطيب في الفصل للوصل (١/ ٤٤٤ و ٤٤٥)، وابن الجوزي في التحقيق (٥٢٩).
ولفظه عند أحمد: زائدة بن قدامة: حدثنا عاصم بن كليب: أخبرني أبي؛ أن وائل بن حجر الحضرمي أخبره، قال: قلت: لأنظرنَّ إلى رسول الله ﷺ كيف يصلي؟ قال: فنظرت إليه قام فكبر، ورفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد، ثم قال: لما أراد أن يركع رفع يديه مثلها، ووضع يديه على ركبتيه، ثم رفع رأسه، فرفع يديه مثلها، ثم سجد، فجعل كفيه بحذاء أذنيه، ثم قعد فافترش رجله اليسرى، فوضع كفه اليسرى على فخذه وركبته اليسرى، وجعل حدَّ مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم قبض بين أصابعه [وفي رواية: ثم قبض اثنتين من أصابعه] فحلَّق حلْقة، ثم رفع إصبعه، فرأيته يحرِّكها يدعو بها، ثم جئت بعد ذلك في زمان فيه بردٌ، فرأيت الناس عليهم الثياب تحرَّك أيديهم من تحت الثياب من البرد.
قال ابن خزيمة: "ليس في شيء من الأخبار: "يحركها" إلا في هذا الخبر، زائدة ذكره".
وقال البيهقي: "فيحتمل أن يكون المراد بالتحريك الإشارة بها؛ لا تكرير تحريكها، فيكون موافقًا لرواية ابن الزبير، والله تعالى أعلم".
стр. 3563
وقال النووي في المجموع (٣/ ٢٥٨): "رواه أبو داود بإسناد صحيح"، وقال في الخلاصة (١٣٩١)، وفي المجموع أيضًا (٣/ ٤١٧): "رواه البيهقي بإسناد صحيح".
وقال ابن الملقن في البدر المنير (٤/ ١١): "هذا الحديث صحيح".
• قلت: وهم زائده بن قدامة في هذا الحديث في ثلاثة مواضع:
الأول: زيادة: "على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد"، ولم يتابع عليها، وقد تفرد بها دون من روى الحديث عن عاصم بن كليب، وهم: سفيان الثوري، وشعبة، وسفيان بن عيينة، وبشر بن المفضل، وخالد بن عبد الله الواسطي، وأبو عوانة، وأبو الأحوص سلام بن سليم، وعبد الله بن إدريس، وزهير بن معاوية، وعبد الواحد بن زياد، وجرير بن عبد الحميد، وعبد العزيز بن مسلم القسملي، ومحمد بن فضيل، وأبو بدر شجاع بن الوليد، وعَبيدة بن حميد، وغيلان بن جامع، وقيس بن الربيع، وجعفر بن زياد الأحمر، وصالح بن عمر الواسطي، وهريم بن سفيان.
وهم عشرون نفسًا، وفيهم من الثقات الحفاظ من هو أحفظ وأثبت وأتقن من زائدة بن قدامة، وعليه فإنهم مقدَّمون عليه بالحفظ والعدد، والوهم أبعد عن الاثنين من الواحد، فكيف بهذا العدد الكثير؟!
ولم يتابع عليها أيضًا ممن روى الحديث عن وائل بن حجر، إلا ما يوهم من رواية شاذة عن أبي إسحاق السبيعي، عن عبد الجبار بن وائل، عن وائل، قال فيها: رأيت رسول الله ﷺ يضع يده اليمنى على اليسرى في الصلاة، قريبًا من الرسغ، وسبق الكلام عليها تحت الحديث رقم (٧٢٤)، وبيان أنها ليست في معنى حديث زائدة، مع كونها شاذة أيضًا، والشاذ لا يتقوى بالشاذ، ولا يقوي غيره.
الثاني: زيادة: "يحركها"، تفرد بها زائدة أيضًا دون من سبق ذكرهم، ممن روى الحديث عن عاصم، وقد أعلَّها ابن خزيمة، وتأولها البيهقي، وهي زيادة شاذة معلولة، والله أعلم.
فهاتان الزيادتان: شاذتان.
والموضع الثالث: إدراج قصة رفع الأيدي تحت الثياب في حديث عاصم بن كليب عن أبيه، وسيأتي الكلام عليها قريبًا -إن شاء الله تعالى- عند رواية شريك [برقم (٧٢٨)، وهو الحديث الآتي]، وزهير بن معاوية [برقم (١٠) في المتابعات].
وسيأتي الكلام أيضًا عن مسألة وضع اليمنى على اليسرى، أو قبضها، وغير ذلك، قريبًا -إن شاء الله تعالى-، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
***
٧٢٨ - . . . شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر، قال: رأيت النبي ﷺ حين افتتح الصلاة رفع يديه حِيالَ أذنَيه، قال: ثم أتيتهم،
стр. 3564
فرأيتهم يرفعون أيديهم إلى صدورهم في افتتاح الصلاة، وعليهم بَرانِسُ وأكسيةٌ.
• هذا الحديث قد اضطرب فيه شريك، ووهم وأدرج وتفرد.
أخرجه الطحاوي (١/ ١٩٦)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٩ و ٤٠/ ٩٦ و ٩٨)، والخطيب في المدرج (١/ ٤٥٥ و ٤٥٦)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٣/ ٢٧/ ٥٦٤).
هكذا رواه عثمان بن أبي شيبة [وعنه: أبو داود]، ومحمد بن سعيد بن سليمان الكوفي أبو جعفر بن الأصبهاني، ويحيى بن عبد الحميد الحِمَّاني، وعمار بن مطر الرُّهاوي، عن شريك به.
ولفظ ابن الأصبهاني [عند الطحاوي]: أتيت النبي ﷺ ، فرأيته يرفع يديه حذاء أذنيه إذا كبر، وإذا رفع، وإذا سجد، فذكر من هذا ما شاء الله، قال: ثم أتيته من العام المقبل وعليهم الأكسية والبرانس، فكانوا يرفعون أيديهم فيها، وأشار شريك إلى صدره.
وقال الحماني وعمار بن مطر في روايتهما: إلى نحورهم، أو قال: إلى صدورهم [هكذا قرنهما الطبراني على لفظ واحد، وأفرد رواية الحماني مرةً بأوله فقط، بلفظ ابن أبي شيبة عند أبي داود].
• ورواه يحيى بن أبي بكير الكرماني، ويحيى بن آدم الكوفي:
كلاهما عن شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر: أن النبي ﷺ جهر بآمين. لفظ الكرماني.
أخرجه أحمد (٤/ ٣١٨)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٤١/ ١٠٢)، بإسناد صحيح إلى يحيى الكرماني.
• وهذا الحديث قد اختلف فيه على شريك بن عبد الله النخعي:
أ - فرواه عثمان بن أبي شيبة [ثقة حافظ، له أوهام]، ومحمد بن سعيد بن سليمان الكوفي أبو جعفر بن الأصبهاني [ثقة ثبت]، ويحيى بن آدم بن سليمان الكوفي [ثقة حافظ]، ويحيى بن أبي بكير الكرماني [ثقة]، ويحيى بن عبد الحميد الحماني [حافظ؛ إلا أنه اتهم بسرقة الحديث، وكان يحفظ حديث شريك]، وعمار بن مطر الرُّهاوي [أحاديثه بواطيل، وكان يكذب. اللسان (٦/ ٥٢)]:
ستتهم عن شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر به، على اختلاف بينهم في لفظه.
ب - وخالفهم: سعيد بن منصور [ثقة ثبت، مصنف مشهور]، ومحمد بن جعفر الوَرَكاني [ثقة]، ومحرز بن عون الهلالي [صدوق]، وإبراهيم بن عبد الله بن حاتم الهروي [صدوق حافظ]، وزكريا بن يحيى بن صُبَيح زحمويه [ثقة. التعجيل (١/ ٥٥١/ ٣٣٩)]:
خمستهم عن شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن خاله [الفَلَتان بن عاصم]، قال: أتيت النبي ﷺ [في الشتاء] فرأيتهم يصلون في الأكسية والبرانس، أيديهم فيها من البرد.
стр. 3565
أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٣/ ٧٣/ ١٢٥٦)، وابن قانع في المعجم (٢/ ٣٣٠)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٣٣٦/ ٨٦١)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين (٣/ ٥٦٧)، وتمام في الفوائد (٦٠٧)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (٢/ ١٣١)، والخطيب البغدادي في المدرج (١/ ٤٥٧).
هكذا جعله عن الفلتان بن عاصم، وهو خال كليب بن شهاب الجرمي [انظر: الإصابة (٥/ ٣٧٧)]، ولم يختلفوا على شريك في لفظه، وقد عدَّ الخطيب هذه الرواية وهمًا فظيعًا، وخطأً شنيعًا، لكن عاد بالتبعة فيها على غير شريك ممن هو دونه في الإسناد، وإنما الوهم فيها من شريك نفسه، والله أعلم.
ج - ورواه وكيع بن الجراح [ثقة حافظ]، قال: حدثنا شريك، عن عاصم بن كليب، عن علقمة بن وائل بن حجر، عن أبيه، قال: أتيت النبي ﷺ في الشتاء، قال: فرأيت أصحابه يرفعون أيديهم في ثيابهم.
أخرجه أبو داود (٧٢٩)، وأحمد (٤/ ٣١٦)، والخطيب في المدرج (١/ ٤٥٥)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٣/ ٢٨/ ٥٦٥).
هكذا جعله عن علقمة بن وائل عن أبيه، بدل: كليب بن شهاب عن وائل.
د - ورواه أسود بن عامر [شامي، نزيل بغداد، يلقب شاذان: ثقة]، ومحمد بن الحسن بن الزبير الأسدي المعروف بالتل [لين الحديث. التهذيب (٣/ ٥٤١)، الميزان (٣/ ٥١٢)، المجروحين (٢/ ٢٧٧)]:
ثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن علقمة بن وائل، عن أبيه، قال: سمعت النبي ﷺ يجهر بآمين. لفظ شاذان.
أخرجه أحمد (٤/ ٣١٨)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ١٣/ ١١)، والبيهقي (٢/ ٥٨).
وهذا قد رواه أصحاب أبي إسحاق عنه، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، وهو المحفوظ، وتقدم ذكره تحت الحديث رقم (٧٢٤).
هـ - ورواه أيضًا: أسود بن عامر: ثنا شريك، عن سماك، عن علقمة، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يجهر بآمين.
أخرجه مسلم في التمييز (٣٨).
ولا يُعرف هذا من حديث سماك بن حرب؛ إلا من حديث شريك.
هكذا اضطرب شريك في إسناد هذا الحديث اضطرابًا شديدًا؛ لسوء حفظه، فهو مرة يرويه: عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل، ومرة: عن عاصم عن أبيه عن خاله الفلتان، ومرة: عن عاصم عن علقمة عن أبيه، ومرة عن أبي إسحاق عن علقمة عن أبيه، ومرة: عن سماك عن علقمة عن أبيه.
• هذا وجه من الإعلال؛ ووجهان آخران:
أن هذه الزيادة في آخر الحديث، يرويها زائدة بن قدامة، وسفيان بن عيينة.
стр. 3566
ولفظ زائدة: ثم جئت بعد ذلك في زمان فيه بردٌ، فرأيت الناس عليهم الثياب تحرَّك أيديهم من تحت الثياب من البرد، ولفظ ابن عيينة: ثم أتيتهم في الشتاء فرأيتهم يرفعون أيديهم في البرانس، هكذا فلم يذكرا قيد رفعها إلى الصدور.
وهكذا روياها مدرجةً من حديث عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل، مثل شريك، وفصله زهير بن معاوية، وأبو بدر شجاع بن الوليد، قال زهير بعد أن ساق الحديث عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل، قال زهير: قال عاصم: وحدثني عبد الجبار، عن بعض أهله، أن وائلًا قال: أتيته مرة أخرى، وعلى الناس ثياب فيها البرانس وفيها الأكسية، فرأيتهم يقولون هكذا، تحت الثياب.
وقال أبو بدر شجاع بن الوليد: نا عاصم بن كليب، قال: حدثني عبد الجبار بن وائل، عن بعض أهله؛ أن وائل بن حجر قال: ثم أتيته مرة أخرى، وعلى الناس ثياب الشتاء فيها البرانس والأكسية، قال: فرأيتهم يقولون هكذا بأيديهم من تحت الثياب، فوصف عاصم بن كليب رفع أيديهم.
وبذا يكون شريك قد وهم في هذا الحديث مرتين: الأولى: بإدراج هذه الزيادة في حديث عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل، وإنما هي من حديث عاصم بن كليب عن عبد الجبار بن وائل عن بعض أهله عن وائل، والثانية: زاد فيه قيد رفع الأيدي إلى الصدور، وتفرد به شريك -على سوء حفظه- دون من روى هذا الحديث من الثقات، وهم: زهير بن معاوية وأبو بدر شجاع بن الوليد [وهما اللذان فصلاه]، وزائدة بن قدامة وابن عيينة [وهما ممن أدرجاه]، [ويأتي تخريج رواية كل واحد منهم قريبًا، عدا رواية زائدة فقد تقدمت].
• قال موسى بن هارون الحمَّال الحافظ الإمام الناقد [وقد كان إمام وقته في حفظ الحديث وعلله. السير (١٢/ ١١٦)، تذكرة الحفاظ (٦٨٩)، العبر (٢/ ١٠٦)، تاريخ الإسلام (٢٢/ ٣١٥)]، قال عن شريك وحديثه هذا: "وهذا حديثٌ لا إسنادَه حفِظَ، ولا متنَه ضبَطَ، فأما الإسناد فإنما رواه عاصم بن كليب، عن عبد الجبار بن وائل، عن بعض أهله، عن وائل بن حجر.
وأما قوله: إلى نحورهم أو صدورهم؛ فلا أعلم أحدًا ذكره في حديث عاصم بن كليب، وإنما هو: قال: أتيتهم في الشتاء، وعليهم الأكسية والبرانس، فجعلوا يرفعون أيديهم من تحت الثياب.
وإنما هذا التخليط في الإسناد وفي المتن من شريك، كان بآخره قد ساء حفظه، ولم يكن ﵀ بأثبت الناس قبل أن يسوء حفظه" [المدرج (١/ ٤٥٦)].
وقال أيضًا: "اتفق زهير بن معاوية وشجاع بن الوليد، فرويا صفة الصلاة عن عاصم بن كليب أن أباه أخبره أن وائل بن حجر أخبره، ثم فصلا ذكر رفع الأيدي من تحت الثياب، فرويا عن عاصم بن كليب أنه حدثه به عبد الجبار بن وائل عن بعض أهله
стр. 3567
عن وائل بن حجر، وهذه الرواية مضبوطة اتفق عليها زهير بن معاوية وشجاع بن الوليد، فهما أثبت له روايةً ممن روى رفع الأيدي من تحت الثياب عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر، وقد رواه غير واحد فجعلوه عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر، وذاك عندنا وهم ممن وهم فيه، وإنما سلك به الذي وهم فيه المحجة السهلة؛ لأن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر أسهل عليه من عاصم بن كليب عن عبد الجبار بن وائل عن بعض أهله عن وائل بن حجر" [المدرج (١/ ٤٥٣)].
• ثم له بعد ذلك علة رابعة، وهي أن شريكًا كان يرويه قريبًا من الصواب قبل أن يسوء حفظه، فلم يكن يزيد فيه هذا القيد برفع الأيدي إلى الصدور، وكان يفصله، لكن يهم فيه، فيجعله عن علقمة بن وائل عن أبيه، بدل أخيه عبد الجبار عن بعض أهله عن وائل:
قال موسى بن هارون الحافظ: "فإن قال قائل: فإن يحيى الحماني وعثمان بن أبي شيبة رويا جميعًا عن شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر؛ أن النبي ﷺ رفع يديه حين افتتح الصلاة حذو أذنيه، ثم لم يذكر شريك في حديثه رفع اليدين للركوع، ولا هذه الصفات؟
قيل له: إنما هذا اختصار من شريك؛ لأنا قد وجدناه من رواية إسحاق الأزرق عن شريك، وفيه رفع اليدين للركوع، وفيه من الصفات أكثر من عشر سنن، قد ذكرها شريك في حديثه عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر، وقال في آخره: قال: وحدثني علقمة ابنه عنه، قال: أتيته في الشتاء -يعني: النبي ﷺ وعليهم الأكسية والبرانس، فجعلوا لا يستطيعون أن يرفعوا أيديهم إلا في أكسيتهم.
قال موسى: حدثني به محمد بن بشر: نا تميم بن المنتصر: أنا إسحاق الأزرق، عن شريك [قلت: وإسناده صحيح إلى الأزرق].
وسماع إسحاق من شريك قبل سماع الحماني وعثمان بن أبي شيبة بدهر طويل، وقد وهم شريك إذ ذكر في آخر الحديث: علقمة بن وائل، والصواب: قال: وحدثني عبد الجبار ابنه، فجعل شريك مكان عبد الجبار بن وائل: علقمة بن وائل" [المدرج للخطيب (١/ ٤٥٤)].
• ومن دلائل عدم حفظ شريك لهذا الحديث، واضطرابه في إسناده ومتنه، وتفرده فيه بما لا يتابع عليه:
• ما رواه يزيد بن هارون: أنا شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر، قال: رأيت النبي ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه. وفي لفظ: كان النبي ﷺ إذا سجد تقع ركبتاه قبل يديه وإذا رفع رفع يديه قبل ركبتيه.
أخرجه أبو داود (٨٣٨)، والترمذي في الجامع (٢٦٨)، وفي العلل (١٠٠)، وأبو
стр. 3568
علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٢/ ١٢١ - ١٢٢/ ٢٥١)، والنسائي في المجتبى (٢/ ٢٠٦ / ١٠٨٩) و (٢/ ٢٣٤/ ١١٥٤)، وفي الكبرى (١/ ٣٤٤/ ٦٨٠) و (١/ ٣٧١/ ٧٤٤)، وابن ماجه (٨٨٢)، والدارمي (١/ ٣٤٧/ ١٣٢٠)، وابن خزيمة (١/ ٣١٨ و ٣١٩/ ٦٢٦ و ٦٢٩)، وابن حبان (٥/ ٢٣٧/ ١٩١٢)، والحاكم (١/ ٢٢٦) [انظر: الإتحاف (١٣/ ٦٧٣/ ١٧٢٩١)]، وابن السكن في صحيحه (١/ ٢٥٤/ ٣٧٩ - التلخيص)، والبزار (١٠/ ٣٥١/ ٤٤٨٣)، وابن المنذر (٣/ ١٦٥/ ١٤٢٩)، وأبو القاسم البغوي في معجم الصحابة (٣/ ٣١٩/ ١٢٥٩)، والطحاوي (١/ ٢٥٥)، وأبو بكر الشافعي في فوائده "الغيلانيات" (٣٤٢)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٩ - ٤٠/ ٩٧)، والدارقطني (١/ ٣٤٥)، والبيهقي في السنن (٢/ ٩٨)، وفي المعرفة (٢/ ٣/ ٨٣٤)، والخطيب في الموضح (٢/ ٥٠١)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٣/ ١٣٣/ ٦٤٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٢/ ٣٨٣)، والحازمي في الاعتبار (١/ ٣٣٠/ ٨٩)، وابن الجوزي في التحقيق (٥١٨).
قال يزيد بن هارون: "لم يرو شريك عن عاصم بن كليب غير هذا الحديث [الواحد] ".
وقال الترمذي في الجامع: "هذا حديث حسن غريب، لا نعرف أحدًا رواه مثل هذا غير شريك [وفي بعض النسخ: عن شريك]، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم: يرون أن يضع الرجل ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه، وروى همام عن عاصم هذا مرسلًا، ولم يذكر فيه وائل بن حجر" [جامع الترمذي (٢٦٨) (١/ ٣٢٨/ ٢٦٧ - ط الرسالة)] [وانظر: النفح الشذي لأبي الفتح اليعمري (٤/ ٤٥٤) حيث تكلم عن سبب عدول الترمذي عن تصحيح هذا الحديث بهذا الإسناد، مع كونه صحح بهذه الترجمة حديث ابن إدريس عن عاصم بن كليب (٢٩٢)، ويأتي].
وفي مستخرج الطوسي: "هذا حديث غريب، لا نعرف أحدًا روى مثل هذا غير شريك، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم؛ يرون أن يضع الرجل ركبتيه قبل يديه، وروى همام عن عاصم هذا مرسلًا، ولم يذكر فيه وائل بن حجر" [وهو في ذلك يحكي قول الترمذي].
وقال الترمذي في العلل: "وروى همام بن يحيى عن شقيق عن عاصم بن كليب شيئًا من هذا مرسلًا، لم يذكر فيه: عن وائل بن حجر، وشريك بن عبد الله: كثير الغلط والوهم".
وقال النسائي: "لم يقل هذا عن شريك غير يزيد بن هارون، والله تعالى أعلم".
وقال البزار: "وهذا الحديث لا نعلم رواه إلا يزيد بن هارون عن شريك".
وقال ابن المنذر: "وحديث وائل بن حجر: ثابت، وبه نقول"، وتبعه الخطابي في معالم السنن (١/ ١٨٠/ ٢٥٧).
وقال أبو القاسم البغوي: "ولا أعلم حدَّث به عن شريك غير يزيد".
стр. 3569
وقال الدارقطني: "تفرد به يزيد عن شريك، ولم يحدث به عن عاصم بن كليب غير شريك، وشريك: ليس بالقوي فيما يتفرد به، واللّه أعلم" [انظر: الأحاديث الضعاف (٣١٣)، من تكلم فيه الدارقطني في كتاب السنن لابن زريق (١٦٢)، الخلاصة (١٢٨٠)، التنقيح لابن عبد الهادي (١/ ٣٩٩)، المحرر في الحديث (٢٤٧)، الإتحاف (١٣/ ٦٧٣/ ١٧٢٩١)].
وقال البيهقي في السنن: "هذا حديث يُعدُّ في أفراد شريك القاضي، وإنما تابعه همام من هذا الوجه مرسلًا، هكذا ذكره البخاري وغيره من الحفاظ المتقدمين رحمهم الله تعالى".
وقال في المعرفة بعد رواية شريك: "قال همام: وحدثنا شقيق -يعني: أبا الليث-، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، بهذا مرسلًا، وهو المحفوظ".
وقال البغوي: "حديث حسن".
وقال ابن العربي في العارضة (٢/ ٦١): "حديث غريب"، وقال بأنه لم يصح.
وقال الحازمي في الاعتبار: "هذا حديث حسن، على شرط أبي داود وأبي عيسى الترمذي وأبي عبد الرحمن النسائي، أخرجوه في كتبهم من حديث يزيد بن هارون عن شريك، ورواه همام بن يحيى، عن محمد بن جحادة، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه مرفوعًا، قال همام: ونا شقيق -يعني: أبا الليث-، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن النبي ﷺ مرسلًا، وهو المحفوظ".
وقال ابن رجب في الفتح (٥/ ٨٩): "وهو مما تفرد به شريك، وليس بالقوي".
وقال أيضًا (٥/ ١٤٨): "وفي النهوض على صدور القدمين أحاديث مرفوعة، أسانيدها ليست قوية، أجودها: حديث مرسل؛ عن عاصم بن كليب، عن أبيه، وقد خرجه أبو داود بالشك في وصله وإرساله، والصحيح: إرساله جزمًا، واللّه أعلم".
قلت: يتحصل من مجموع كلام الأئمة: أن يزيد بن هارون قد تفرد بهذا الحديث عن شريك، ولا يضره تفرده؛ فإنه ثقة متقن؛ إلا أن يقال: كيف يتفرد به يزيد بن هارون الواسطي دون أهل الكوفة عن شريك الكوفي، على كثرة من روى عن شريك من أصحابه الكوفيين، لا سيما وقد روى جماعة منهم [تقدم ذكرهم قريبًا]، عن شريك حديث عاصم بن كليب هذا، فلم يذكروا فيه ما ذكره يزيد، وهذا وجه قوي للإعلال.
ووجه آخر، وهو الأقرب: أن الشأن إنما هو في شريك بن عبد الله النخعي؛ إذ هو المتفرد بوصل هذا الحديث عن عاصم، ورواه غيره فأرسله، ويحتمل أن يكون شريك خص به يزيد بن هارون، فسلِم يزيد من التبعة، لا سيما وقد قال يزيد نفسه: "لم يرو شريك عن عاصم بن كليب غير هذا الحديث"، فدل ذلك على أن يزيد قد حفظه عن شريك، وإنما الوهم فيه من شريك نفسه، فقد كان سيئ الحفظ، والله أعلم.
• وقد ادَّعى بعض من لا معرفة له بعلم الحديث أن شريكًا قد توبع عليه، وأتى هذا
стр. 3570
المدعي في بحثه بما يغني عن حكايته وذكره، لذا أعرضت عنه، لكني وجدت فيما جمعه الأستاذ عبد الله بن محمد بن يعقوب بن الحارث بن خليل الحارثي البخاري الكلاباذي الحنفي الفقيه من مسند أبي حنيفة (١٤٩٥ - ط المكتبة الإمدادية) (٨٠٠ م - ط العلمية)، قال: كتب إليَّ صالح بن أبي رميح [وفي طبعة العلمية: صالح بن رميح]: حدثنا محمد بن أحمد بن السكن أبو بكر: حدثنا هوذة بن خليفة: حدثنا النعمان بن ثابت، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر، قال: كان النبي ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا قام رفع يديه قبل ركبتيه.
وهذه متابعة ساقطة، لا تسوي شيئًا، إسنادها تالف؛ ولا أظنها تحفظ عن أبي حنيفة نفسه، وأبو حنيفة النعمان بن ثابت الإمام: ضعيف في الحديث، وأبو بكر محمد بن أحمد بن السكن البغدادي، ويُعرف بأبي خراسان؛ قال الخطيب: "وكان ثقة"، وروى عنه أبو عوانة في صحيحه [صحيح أبي عوانة (٣/ ١٨١ و ١٨٥/ ٤٦٠٥ و ٤٦٢٥)، معجم ابن الأعرابي (١/ ٣٢٠/ ٦١٠ - ٦١٢)، الأسامي والكنى لأبي أحمد الحاكم (٤/ ٣٧٨/ ٢٠٩٢)، تاريخ بغداد (١/ ٣٠٥)، الموضح (١/ ٣١٤)]، وصالح بن أبي رميح: لم أقف له على ترجمة، إلا أن السمعاني لما ترجم في الأنساب (١/ ٣٧٤) لأبي حامد أحمد بن إبراهيم بن محمد الفقيه الزاهد البَغُولَني قال: "ذكره الحاكم أبو عبد الله الحافظ في التاريخ، فقال: أبو حامد البغولني شيخ أهل الرأي في عصره وزاهدهم، درس بنيسابور فقه أبي حنيفة ﵀ نيفًا وستين سنة، وأفتى قريبًا من هذا، سمع بنيسابور والعراق، وكتب تلك العجائب ببلخ وبترمذ عن صالح بن أبي رميح"، وفي هذا ما يدل على أن صالح بن أبي رميح هذا هو المتهم بتلك العجائب، وابن حجر العسقلاني لما ذكر هذا الكتاب "مسند أبي حنيفة" في معجمه المفهرس (١١٢٩) ذكر شيخ المصنف في أول الجزء الخامس من تجزئة الكتاب، بقوله: "ومن قوله: كتب إليَّ صالح بن رميح: أنبأنا … "، فإن كان هو صالح بن رميح، فقد قال فيه الدارقطني: "لا شيء" [سؤالات السلمي (١٧٠)، اللسان (٤/ ٢٨٥)]، وأما مصنف الكتاب؛ فهو عندي آفة هذه الرواية، فقد كان صاحب عجائب ومناكير وغرائب عن الثقات وغيرهم، وكان شيخًا مكثرًا من الحديث؛ غير أنَّه كان ضعيفًا في الرواية، غيرَ موثوق به فيما ينقله، وقد اتهمه غير واحد بالوضع، وبتلفيق الأسانيد والمتون [سؤالات حمزة السهمي (٣١٨)، الإرشاد (٣/ ٩٧١)، تاريخ بغداد (١٠/ ١٢٦)، الأنساب (١/ ١٢٩) و (٣/ ٢١٣)، السير (١٥/ ٤٢٤)، الميزان (٢/ ٤٩٦)، اللسان (٤/ ٥٨٠)].
وانظر: البدر المنير (٣/ ٦٥٧).
• والحاصل: فإن شريك بن عبد الله هو المتفرد بوصل هذا الحديث، وقد وهم فيه، وهذا من سوء حفظه:
فقد رواه عفان بن مسلم، وحفص بن عمر الحوضي، وحَبان بن هلال:
ثنا همام: ثنا شقيق أبو ليث، قال: حدثني عاصم بن كليب، عن أبيه؛ أن النبي ﷺ
стр. 3571
كان إذا سجد وقعت ركبتاه إلى الأرض قبل أن تقع كفاه، قال: وكان إذا نهض في فصل الركعتين: نهض على ركبتيه، واعتمد على فخذيه.
وهذا هو المحفوظ من حديث شقيق هذا، وجعْلُه من حديث ابن جحادة، عن عبد الجبار بن وائل عن أبيه: وهم، وخطأ محض، كما تقدم تحرير ذلك تحت الحديث رقم (٧٢٣)، وهو مرسل بإسناد ضعيف؛ لكن يبقى أن يقال: كيف تُقدَّم رواية شقيق هذا، وهو مجهول؛ على رواية شريك، وهو في الأصل صدوق، لكنه يخطئ كثيرًا، لسوء حفظه، فيقال: بهذه الرواية أعلَّ الترمذي وغيره رواية شريك، وقد جزموا بغرابة رواية شريك، مع شهرة رواية همام، فرواية همام أولى لشهرتها، وروايةُ شريكٍ وهمٌ لأجل غرابتها، إذ لم يحملها عنه سوى يزيد بن هارون الواسطي، دون أهل الكوفة، وفي هذا ما يجعل النفس لا تطمئن لثبوتها، إذ من المحتمل أن يكون شريك خص بها يزيد؛ ووهم فيها، والله أعلم.
ومع كون رواية شقيق هذه مقدَّمة على رواية شريك، لكن هذا لا يخرجها عن كونها منكرة أيضًا، حيث خالف فيها شقيق هذا - على جهالته - جماعة من الثقات الحفاظ، فرووه عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل، ولم يذكروا فيه هيئة الهوي إلى السجود أو الرفع منه، والله أعلم.
وعلى هذا فالأقرب عندي أن حديث: رأيت النبي ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه: حديث منكر من حديث وائل بن حجر، والله تعالى أعلم.
• وهذا الحديث في صفة صلاة النبي ﷺ رواه أيضًا عن عاصم بن كليب:
١ - سفيان بن عيينة [ثقة حافظ، فقيه إمام حجة]، عن عاصم بن كليب، قال: سمعت أبي، يقول: حدثني وائل بن حجر، قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة يرفع يديه حذو منكبيه، وإذا ركع، وبعدما يرفع رأسه، قال وائل: ثم أتيتهم في الشتاء فرأيتهم يرفعون أيديهم في البرانس.
هذا لفظ الشافعي، ولفظ الحميدي: رأيت رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه، وإذا ركع، وبعدما يرفع رأسه من الركوع، ورأيته إذا جلس في الصلاة أضجع رجله اليسرى، ونصب اليمنى، ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى وبسطها، ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض ثنتين وحلَّق حلْقة، ودعا هكذا - ونصب الحميدي السبابة -، قال وائل: ثم أتيتهم في الشتاء فرأيتهم يرفعون أيديهم في البرانس.
ورواه محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ عن ابن عيينة بنحو رواية الحميدي، وزاد: يرفع يديه إذا افتتح الصلاة حتَّى يحاذي منكبيه، وفيه: ونصب أصبعه للدعاء، وفي رواية: أصبعه الدَّعَّاءة.
أخرجه النسائي في المجتبى (٢/ ٢٣٦/ ١١٥٩) و (٣/ ٣٤/ ١٢٦٣)، وفي الكبرى
стр. 3572
(١/ ٣٧٣/ ٧٥٠) و (٢/ ٦٠/ ١١٨٧)، والشافعي في الأم (٨/ ٥٤٤/ ٣٦٤٩)، وفي اختلاف الحديث (١٠/ ١٦٦/ ١٨٦ - الأم)، وفي المسند (١٧٦)، والحميدي (٢/ ١٣٦/ ٩٠٩)، وابن خزيمة (١/ ٢٣٣ و ٣٤٣ و ٣٥٣/ ٤٥٧ و ٦٩١ و ٧١٣) [وانظر: إتحاف المهرة (١٣/ ٦٧٣/ ١٧٢٩٢)]، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٧٤/ ١٢٥٧)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٦/ ٨٥)، والدارقطني (١/ ٢٩٠ - ٢٩١)، والبيهقي في السنن (٢/ ٢٤ و ٢٨)، وفي المعرفة (١/ ٤٩٧ و ٦٧٩/ ٥٤٣ و ٧٦٥)، وابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ٢٥٢)، والخطيب في الفصل للوصل (١/ ٤٤٥ و ٤٤٦).
وفي رواية ابن عيينة هذه بعض الملاحظات:
أ - قوله فيها: "حذو منكبيه "الأقرب عندي أنَّه انقلب على ابن عيينة لفظه، ودخل له حديث في حديث، فابن عيينة يروي أيضًا عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه [تقدم معنا برقم (٧٢١)]، وبهذا يظهر أن ابن عيينة دخل له حديث ابن عمر في حديث وائل؛ إذ المحفوظ من حديث وائل: ما رواه جماعة الحفاظ عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر، أن النبي ﷺ قام إلى الصلاة، فكبر ورفع يديه حتَّى حاذى بهما أذنيه، فانقلب على ابن عيينة، فقال: منكبيه، بدل: أذنيه، ورفع اليدين إلى الأذنين هو المحفوظ من حديث وائل بن حجر، كما رواه عنه جماعة، وممن شذَّ أيضًا فرواه بقيد المنكبين: عبد الواحد بن زياد [يأتي في المتابعات برقم (٧)]، والحسن بن عبيد الله النخعي [فيما رواه عن عبد الجبار عن أبيه، وتقدم برقم (٧٢٤)].
ب - قوله: إذا جلس في الصلاة؛ فإنما يحمل على جلوس التشهد دون الجلسة بين السجدتين ودون جلسة الاستراحة، لما سيأتي في ذلك من مزيد بيان.
ج - قوله: قال وائل: ثم أتيتهم في الشتاء فرأيتهم يرفعون أيديهم في البرانس: هذه الزيادة مدرجة في حديث عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل، وإنما هي من حديث عاصم بن كليب عن عبد الجبار بن وائل عن بعض أهله عن وائل، وتقدم كان ذلك عند الكلام عن أوهام شريك.
٢ - ورواه عبد الله بن إدريس [ثقة فقيه]، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر، قال: قدمت المدينة، فقلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله ﷺ ، فكبر ورفع يديه حتَّى رأيت إبهاميه قريبًا من أذنيه، [ثم أخذ شماله بيمينه]، فلما أراد أن يركع كبر ورفع يديه، ثم رفع رأسه فقال: "سمع الله لمن حمده"، ثم كبر وسجد، فكانت يداه من أذنيه على الموضع الَّذي استقبل بهما الصلاة، [فلما جلس افترش قدميه ووضع مِرفَقه الأيمن على فخذه اليمنى وقبض خِنْصَره والتي تليها وجمع بين إبهامه والوسطى ورفع التي تليها يدعو بها]، وقال مرة: رأيت النبي ﷺ يرفع كلما ركع ورفع. وقال أخرى: فافتتح الصلاة فكبر ورفع يديه، فلما رفع رأسه رفع يديه.
стр. 3573
ولفظه عند الترمذي: فلما جلس -يعني: للتشهد-: افترش رجله اليسرى، ووضع يده اليسرى -يعني: على فخذه اليسرى-، ونصب رجله اليمنى.
أخرجه البخاري في رفع اليدين (١٢٨)، والترمذي (٢٩٢)، والنسائي في المجتبى (٢/ ٢١١/ ١١٠٢)، وفي الكبرى (١/ ٣٥٠/ ٦٩٣)، وابن ماجة (٨١٠ و ٩١٢)، وابن خزيمة (١/ ٢٤٢/ ٤٧٧) و (١/ ٣٢٣/ ٦٤١) و (١/ ٣٤٣/ ٦٩٠) و (١/ ٣٥٣/ ٧١٣)، وابن حبان في صحيحه (٥/ ٢٧١/ ١٩٤٥)، وفي الصلاة (١٣/ ٦٦٠ و ٦٦٥/ ١٧٢٧١ و ١٧٢٧٨ - إتحاف المهرة)، وابن الجارود (٢٠٢)، وابن أبي شيبة (١/ ٢١١ و ٢١٢/ ٢٤١٥ و ٢٤٢٦) و (١/ ٢٣٣/ ٢٦٦٦) و (١/ ٢٥٤/ ٢٩٢٣) و (١/ ٣٤٢/ ٣٩٣٥) و (٢/ ٢٣٠/ ٨٤٤٢) و (٦/ ٨٦/ ٢٩٦٧٩)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ٧٤)، وابن الجوزي في التحقيق (٥٤٧).
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ١١٣): "هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات".
هكذا رواه عن ابن إدريس: أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، وأبو غريب محمد بن العلاء، وعلي بن محمد الطنافسي، وعبد الله بن سعيد الأشج، وأحمد بن ناصح، وعلي بن خشرم [وهم ثقات].
شذَّ عنهم سلم بن جنادة: [أبو السائب الكوني: ثقة، قال عنه أبو أحمد الحاكم: "يخالف في بعض حديثه"، التهذيب (٢/ ٦٤)، والراوي عنه: محمد بن عمر بن محمد بن يوسف النسوي: أكثر عنه ابن حبان جدًّا، وليس بالمشهور، [عند ابن حبان (١٩٤٥)]، فزاد فيه الرفع عند السجود، فقال: ثم كبر ورفع يديه ثم سجد، وزاد في أوله: قدمنا المدينة وهم يَنْفُضُون أيديهم من تحت الثياب.
وقد جاء في رواية ابن إدريس هنا تفسير بعض الرواة الجلوس بأنه للتشهد، وكذا قال ابن خزيمة أيضًا (١/ ٣٤٢ و ٣٤٥ و ٣٤٦)، وليس هو مطلق الجلوس في الصلاة، فلا يشمل الجلسة بين السجدتين.
٣ - ورواه شعبة [ثقة حافظ، إمام ثبت حجة]: حدثنا عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر الحضرمي ﵁: أنَّه رأى النبي ﷺ صلى فكبر، فرفع يديه، فلما ركع رفع يديه، فلما رفع رأسه من الركوع رفع يديه، وخوَّى في ركوعه، وخوَّى في سجوده، فلما قعد يتشهد وضع فخذه اليمنى على اليسرى، ووضع يده اليمنى وأشار بإصبعه السبابة، وحلَّق بالوسطى [لفظ هاشم بن القاسم].
وفي رواية: صليت خلف رسول الله ﷺ ، فكبر حين دخل، ورفع يده، وحين أراد أن يركع رفع يديه، وحين رفع رأسه من الركوع رفع يديه، ووضع كفيه، وجافى [يعني: في السجود]، وفرش فخذه اليسرى من اليمنى، وأشار بإصبعه السبابة [يعني: في الجلوس في التشهد] [لفظ غندر].
وفي رواية أسود بن عامر: ووضع يده اليمنى على اليسرى، قال: وزاد فيه شعبة مرةً
стр. 3574
أخرى: فلما كان في الركوع وضع يديه على ركبتيه، وجافى في الركوع.
وفي رواية وهب بن جرير: … ، وقال حين سجد هكذا، وجافى يديه عن إبطبه، ووضع فخذه اليمنى على فخذه اليسرى، .....
وفي أخرى: … ثم جلس فوضع حد مرفقه الأيمن على فخذه الأيمن، ورفع السبابة بدعو بها.
أخرجه البخاري في رفع اليدين (٥٤)، وابن خزيمة (١/ ٣٤٦/ ٦٩٧ و ٦٩٨)، وأحمد (٤/ ٣١٦ - ٣١٧ و ٣١٩)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٥/ ٨٣)، وفي الدعاء (٦٣٧)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٣/ ١٦١)، والخطيب في الفصل للوصل (١/ ٤٤٧ و ٤٤٨).
قال ابن خزيمة: "قوله: وفرش فخذه اليسرى اليمنى، يريد: لليمنى؛ أي: فرش فخذه اليسرى ليضع فخذه اليمنى على اليسرى؛ كخبر آدم بن أبي إياس: وضع فخذه اليمنى على اليسرى".
قلت: قوله: وضع فخذه اليمنى على اليسرى، أو: وفرش فخذه اليسرى من اليمنى: هي لفظة شاذة من حديث عاصم بن كليب، وكذا من حديث وائل بن حجر، فقد رواه عن عاصم بن كليب: بشر بن المفضل، وزائدة بن قدامة، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن إدريس، وسفيان الثوري، وعبد الواحد بن زياد، وأبو عوانة، وأبو الأحوص، وزهير بن معاوية، وأبو بدر شجاع بن الوليد، وقيس بن الربيع، وابن فضيل [كذا على ترتيب ذكرهم في هذا البحث، وهم اثنا عشر رجلًا]، فقالوا في روايتهم: ثم جلس فافترش رجله اليسرى، ووضع يده اليسرى على فخِذه اليسرى، وحدَّ مِرفَقه الأيمن على فخذه اليمنى [وألفاظهم متقاربة] [وهذا لفظ بشر]، ولفظ أبي الأحوص: فلما قعد يتشهد افترش رجله اليسرى بالأرض، ثم قعد عليها، ولفظ ابن عيينة: ورأيته إذا جلس في الصلاة أضجع رجله اليسرى، ونصب اليمنى، ولفظ ابن إدريس: افترش رجله اليسرى، ووضع يده اليسرى -يعني: على فخذه اليسرى-، ونصب رجله اليمنى، وذكر نصب اليمنى أيضًا: قيس بن الربيع، وجعفر بن زياد الأحمر.
وعليه: فالمحفوظ من حديث وائل بن حجر هو جلسة الافتراش، لا جلسة التورك.
• قال في القاموس (١٦٥٣): "وخوَّى في سجوده تخوية: تجافى، وفرَّج ما بين عضديه وجنبيه"، وقال في النهاية (٢/ ٩٠): "جافى بطنه عن الأرض ورفعها، وجافى عضديه عن جنبيه، حتَّى يخوى ما بين ذلك" [وانظر: تهذيب اللغة (٧/ ٢٥٠)]، قلت: وهكذا جاء مفسرًا في الروايات الأخرى عن شعبة، وأن التخوية والمجافاة إنما هي في حال الركوع والسجود، لا في حال الهوي، والله أعلم.
• وقال ابن خزيمة: "قوله: ووضع فخذه اليمنى على فخذه اليسرى، يريد: في التشهد"، قلت: قد جاء هذا القيد في رواية أبي النضر هاشم بن القاسم صريحًا، حيث قال: "فلما قعد يتشهد"، وفي هذا قيد تحمل عليه الروايات المطلقة في الجلوس، وأن هذه
стр. 3575
الهيئة الواردة في صفة الجلوس إنما هي في التشهد خاصة، وليست في مطلق الجلوس في الصلاة، وعليه فإن قبض أصابع اليد اليمنى، والإشارة بالسبابة: لا يكون في الجلسة بين السجدتين، ولا في جلسة الاستراحة، وإنما هو في الجلوس للتشهد [وانظر: السلسلة الصحيحة (٥/ ٣٠٨/ ٢٢٤٧)].
٤ - ورواه سفيان الثوري [ثقة حافظ، فقيه إمام، ثبت حجة]، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل الحضرمي: رأيت النبي ﷺ كبر فرفع يديه أحداء أذنيه، حين كبر -يعني: استفتح الصلاة-، ورفع يديه حين ركع، ورفع يديه حين قال: "سمع الله لمن حمده"، [وفي رواية عبد الله بن الوليد: ورأيته ممسكا يمينه على شماله في الصلاة]، وسجد فوضع يديه حذو أذنيه [وفي رواية وكيع: ويداه قريبتان من أذنيه]، ثم جلس فافترش رجله اليسرى، ثم وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع ذراعه اليمنى على فخذه اليمنى، ثم أشار بسبابته، ووضع الإبهام على الوسطى [وفي رواية عبد الله بن الوليد: حلَّق بالوسطى والإبهام، وأشار بالسبابة]، وقبض سائر أصابعه، ثم سجد، فكانت يداه حذاء أذنيه. [لفظ عبد الرزاق عند أحمد].
ولفظ الفريابي: رأيت النبي ﷺ يضع يده اليمنى على اليسرى، وإذا جلس افترش رجله اليسرى، ووضع ذراعيه على فخذيه، وأشار بالسبابة [يدعو بها].
أخرجه النسائي في المجتبى (٣/ ٣٥/ ١٢٦٤)، وفي الكبرى (٢/ ٦٠/ ١١٨٨)، وأحمد (٤/ ٣١٦ و ٣١٧ و ٣١٨)، وعبد الرزاق (٢/ ٦٨/ ٢٥٢٢) و (٢/ ١٧٥/ ٢٩٤٨) و (٢/ ١٩٣/ ٣٠٣٨)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٣٣/ ٢٦٦٧)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (٣/ ٣٢/ ٣٧٠٩)، والطحاوي (١/ ١٩٦ و ٢٢٣ و ٢٥٧)، وابن المنذر (٣/ ١٦٩/ ١٤٣٨)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٣ و ٣٤/ ٧٨ و ٨١)، وفي الدعاء (٦٣٧)، والبيهقي (٢/ ١١٢)، والخطيب في الفصل للوصل (١/ ٤٤٧)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٣/ ٦٤٨/ ١٤٢).
رواه عن الثوري مطولًا أو مختصرًا: وكيع بن الجراح، وعبد الرزاق بن همام، ويحيى بن آدم، وأبو نعيم الفضل بن دكين، ومحمد بن يوسف الفريابي، وعبد الله بن الوليد، والحسين بن حفص، ومؤمَّل بن إسماعيل.
لكن عبد الرزاق وهم في ذكر السجدة الثانية، والمحفوظ عن الثوري بدونها، فقد رواه عبد الله بن الوليد مطولًا بنحو رواية عبد الرزاق، ولم يذكر فيه السجود، فضلًا عن ذكر السجدة الثانية، وكذا رواه الفريابي فلم يذكر فيه السجود.
واتفاق محمد بن يوسف الفريابي [وهو ثقة، من الطبقة الثانية من أصحاب الثوري، من المكثرين عنه، وهو مقدَّم فيه على عبد الرزاق، وقبيصة، وأبي حذيفة النهدي. انظر: التهذيب (٣/ ٧٤٠)، شرح العلل (٢/ ٧٢٢)]، وعبد الله بن الوليد [وهو: ابن ميمون، المكي العدني: صدوق، صحيح السماع من الثوري، أملى عليه إملاءً، وروى عنه جامعه، وله عنه غرائب. انظر: التهذيب (٢/ ٤٥٢)، سؤالات أبي داود (٢٣٩)، المعرفة والتاريخ
следующие страницы →