Полный текст (16 465 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
قال البزار: "وهذا الحديث لا يثبت لابن لهيعة؛ لأن ابن لهيعة كانت قد احترقت كتبه فكان يقرأ من كتب غيره، فصار في أحاديثه أحاديث مناكير، وهذا منها، ولا نعلم روى ابن عباس عن عبد الله بن مسعود إلا هذين الحديثين".
وقال ابن عدي في الكامل (٧/ ٢٩٢): "وهو غير محفوظ أيضًا".
وقال الدارقطني في السنن: "ابن لهيعة: لا يحتج بحديثه، وقيل: إن ابن مسعود لم يشهد مع النبي ﷺ ليلة الجن، كذلك رواه: علقمة بن قيس، وأبو عبيدة بن عبد الله، وغيرهما عنه، أنه قال: "ما شهدت ليلة الجن""، ثم قال بعد أن أسنده من وجه آخر عن ابن لهيعة: "تفرد به ابن لهيعة، وهو ضعيف الحديث".
وقال في العلل (٥/ ٣٤٧/ ٩٤٠): "ولا يثبت، وابن لهيعة: لا يحتج به".
قلت: واضطرب فيه أيضًا ابن لهيعة، فرواه مرة من مسند ابن مسعود، ومرة من مسند ابن عباس.
وختم الدارقطني كلامه في العلل (٥/ ٣٤٧) على هذه الطرق بقوله: "والصحيح: ما رُوي عن ابن مسعود أنه لم يشهد مع النبي ﷺ ليلة الجن، والله أعلم".
وقال البيهقي في الخلافيات (١/ ١٧٧): "ومما يدل على بطلان جميع ما روي من ذلك عن عبد الله بن مسعود ﵁: إقراره بأنه لم يكن ليلة الجن مع رسول الله ﷺ "، وتقدم نقل بقية كلامه تحت الحديث المتقدم برقم (٣٩).
وقال أبو حاتم وأبو زرعة: "ولا يصح في هذا الباب شيء" [العلل (١/ ٤٥)].
وقال ابن القيم: "لا يثبت" [إعلام الموقعين (٢/ ٣١٢)].
• ومن شواهده:
١ - حديث ابن عباس، وله طريقان:
أ- يرويه المسيب بن واضح: نا مبشر بن إسماعيل الحلبي، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "النبيذ وضوء لمن لم يجد الماء".
أخرجه ابن عدي في الكامل (٧/ ١٧٠)، والدارقطني (١/ ٧٥)، والبيهقي في السنن (١/ ١١ و ١٢)، وفي الخلافيات (١/ ١٨٣ و ١٨٤/ ٣٩ و ٤٠)، والجوزقاني في الأباطيل (١/ ٥٠٦/ ٣١٥)، وابن الجوزي في التحقيق (٣٧)، وفي العلل المتناهية (١/ ٣٥٧/ ٥٩١).
وقد اختلف على المسبب في رفعه ووقفه.
قال ابن عدي: "وهذا رفعه يوسف بن بحر عن مسيب، [ثم قال ابن عدي:] ثنا محمد بن تمام: ثنا المسيب بن واضح: ثنا مبشر بإسناده مثله، موقوف".
قلت: يوسف بن بحر الشامي الساحلي: ضعيف [اللسان (٨/ ٥٤٩)]، ولم ينفرد برفعه عن المسيب، بل الوهم فيه والاضطراب من المسيب نفسه، والله أعلم.
وقال الدارقطني: "ووهم فيه المسيب بن واضح في موضعين: في ذكر ابن عباس،
стр. 352
وفي ذكر النبي ﷺ ، وقد اختلف فيه على المسيب"، ثم أسنده من وجه آخر عن المسيب به موقوفًا غير مرفوع إلى النبي ﷺ ، ثم قال: "والمحفوظ: أنه من قول عكرمة، غير مرفوع إلى النبي ﷺ ، ولا إلى ابن عباس، والمسيب: ضعيف".
وقال البيهقي في الخلافيات: "حديث واهٍ".
وقال في السنن: "فهذا حديث مختلف فيه على المسيب بن واضح، وهو واهم فيه في موضعين: في ذكر ابن عباس، وفي ذكر النبي ﷺ ، والمحفوظ: أنه من قول عكرمة غير مرفوع، كذا رواه هقل بن زياد والوليد بن مسلم عن الأوزاعي، وكذلك رواه شيبان النحوي وعلي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة، وكان المسيب رحمنا الله تعالى وإياه: كثير الوهم".
وقال في المعرفة (١/ ١٤١): "وهم فيه المسيب بن واضح، وكان ضعيفًا، وكل من تابعه عليه أضعف منه، وإنما الرواية المحفوظة فيه: عن عكرمة من قوله، غير مرفوع إلى النبي ﷺ ، ولا إلى ابن عباس. قاله أبو الحسن الدارقطني الحافظ".
وقال الجوزقاني: "هذا حديث باطل، تفرد به المسيب بن واضح عن مبشر بن إسماعيل، والمسيب: كان كثير الخطأ والوهم، وقد وهم في هذا الحديث، والمحفوظ: أنه من قول عكرمة غير مرفوع إلى النبي ﷺ ، ولا إلى ابن عباس".
• قلت: خالف المسيب على ضعفه [اللسان (٨/ ٦٩)]، ما رواه أصحاب الأوزاعي الثقات: فقد روى الوليد بن مسلم [ثقة، من أثبت أصحاب الأوزاعي]، وهقل بن زياد [ثقة، من أصحاب الأوزاعي، وكان كاتبه]:
كلاهما عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، قال: النبيذ وضوء إذا لم يجد غيره. زاد الوليد: قال الأوزاعي: إن كان مسكرًا فلا يتوضأ به.
أخرجه أبو يعلى (٩/ ٢٧٣/ ٥٣٩٥)، والدارقطني (١/ ٧٥)، والبيهقي في الخلافيات (١/ ١٨٥/ ٤١ و ٤٢)، وعلقه الجوزقاني في الأباطيل (٣١٦).
• ورواه شيبان بن عبد الرحمن النحوي [ثقة]، وعلي بن المبارك [ثقة]، كلاهما: عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، قال: الوضوء بالنبيذ إذا لم يجد الماء.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٢/ ٢٦٥)، والدارقطني (١/ ٧٥).
ثم روى الدارقطني (١/ ٧٦) بإسناد حسن إلى: عيسى بن عبيد بن مالك الكندي [لا بأس به]، قال: سمعت عكرمة، وسئل عن الرجل لا يقدر على الماء؟ قال: يتوضأ بالنبيذ.
فهدا هو المحفوظ: عن عكرمة قوله.
ب - وروى أبو عبيدة مجاعة بن الزبير، عن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا لم بجد أحدكم ماءً، ووجد النبيذ فليتوضأ به".
أخرجه الدارقطني (١/ ٧٦)، ومن طريقه: البيهقي في الخلافيات (١/ ١٨٦/ ٤٥)، وابن الجوزي في التحقيق (٣٨)، وفي العلل المتناهية (١/ ٣٥٧/ ٥٩٢)، وعلقه الجوزقاني في الأباطيل (٣١٧).
стр. 353
قال الدارقطني: "أبان هو: ابن أبي عياش: متروك الحديث، ومجاعة: ضعيف، والمحفوظ: أنه رأي عكرمة غير مرفوع"، ونقله البيهقي والجوزقاني وابن الجوزي.
• وممن وهم فيه أيضًا على عكرمة فجعله من قول ابن عباس:
عبد الله بن محرر [متروك، منكر الحديث]، رواه عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: النبيذ وضوء لمن لم يجد الماء.
أخرجه الدارقطني (١/ ٧٦)، ومن طريقه: البيهقي في الخلافيات (١/ ١٨٧/ ٤٦).
قال الدارقطني: "ابن محرر: متروك الحديث".
قلت: هو منكر من حديث قتادة؛ لتفرد ابن محرر عنه به.
٢ - وروي من قول علي بن أبي طالب: أنه كان لا يرى بأسًا بالوضوء بالنبيذ.
رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في الطهور (٢٦٦)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٢/ ٢٦٤)، وابن المنذر (١/ ٢٥٥/ ١٧٢)، والدارقطني (١/ ٧٨ - ٧٩ و ٧٩)، والبيهقي في الخلافيات (١/ ١٨٩ و ١٩٠/ ٤٨ - ٥١)، وابن حزم (١/ ٢٠٣).
بإسنادين ضعيفين، لا تقوم بهما حجة.
قال ابن المنذر: "وقد روينا عن علي -بإسناد لا يثبت-: أنه كان لا يرى بأسا بالوضوء بالنبيذ".
وضعفهما الدارقطني، والبيهقي في السنن (١/ ١٢)، وفي الخلافيات، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٥٦)، وكان قال في أول كلامه على هذه الطرق لهذا الحديث: "ليس في هذه الأحاديث شيء يصح"، ثم نقل كلام من تقدمه على كل طريق.
وقال النووي في المجموع (١/ ١٤٣): "وأما حديث ابن عباس والآثار عنه، وعن علي وغيرهما: فكلها ضعيفة واهية".
وقال ابن حجر في الفتح (١/ ٣٥٤): "وروي عن علي وابن عباس، ولم يصح عنهما".
• ثم قال ابن الجوزي في خاتمة بحثه على هذه الأحاديث في التحقيق (١/ ٥٧): "قال هبة الله الطبري: أحاديث الوضوء بالنبيذ: وضعت على أصحاب ابن مسعود عند ظهور العصبية"، ونقله ابن عبد الهادي في التنقيح (١/ ٦٣).
***
٨٥ - قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل: حدثنا وهيب، عن داود، عن عامر، عن علقمة، قال: قلت لعبد الله بن مسعود: من كان منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ فقال: ما كان معه منا أحد.
تقدم تحت الحديث السابق برقم (٣٩)، وهو حديث صحيح.
وتصرف أبي داود هذا يدل على تضعيفه لحديث النبيذ وإنكاره له، فلا يقال: سكت
стр. 354
عليه أبو داود، بل أخرج بعده مباشرة ما ينافيه ويعارضه، لا سيما ما سيأتي من الآثار الدالة على ذلك، والله أعلم.
***
٨٦ - قال أبو داود: حدثنا محمد بن بشار: حدثنا عبد الرحمن: حدثنا بشر بن منصور، عن ابن جريج، عن عطاء: أنه كره الوضوء باللبن والنبيذ، وقال: إن التيمم أعجب إليَّ منه.
أخرجه من طريق أبي داود: البيهقي في السنن (١/ ٩).
وإسناده صحيح إلى ابن جريج، وعطاء هو ابن أبي رباح.
وروى عبد الرزاق في مصنفه (١/ ١٧٩/ ٦٩٥)، عن ابن جريج، عن عطاء: أنه كان يكره أن يتوضأ باللبن.
وعلقه البخاري في الصحيح بصيغة الجزم في (٤) كتاب الوضوء، (٧١) باب: لا يجوز الوضوء بالنبيذ ولا المسكر، وكرهه الحسن وأبو العالية، وقال عطاء: التيمم أحب إليَّ من الوضوء بالنبيذ واللبن.
ثم أسند حديث عائشة عن النبي ﷺ قال: "كل شراب أسكر فهو حرام" [البخاري (٢٤٢)، مسلم (٢٠٠١)].
قال الخطابي في أعلام الحديث (١/ ٢٩٢): "واستدل به أبو عبد الله في منع جواز النبيذ في الوضوء".
وقال البيهقي في المعرفة (١/ ١٤٠): "وفيه دلالة على أن النبيذ الذي يسكر كثيره: حرام، وما كان حرامًا في نفسه لا بحرمة مالكه، لم تصح به الطهارة".
وقال في الخلافيات (١/ ١٥٦): "ويمكن أن يستدل من طريق الخبر في منع جواز استعمال النبيذ في الوضوء بحديث ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام" أخرجه مسلم في الصحيح [(٢٠٠٣)]، فثبت بهذا وقع اسم الخمر على النبيذ لكونه مسكرًا، وقد قال الله عز اسمه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠]، فأمر باجتنابه، وذلك يقتضي منع استعماله من كل وجه".
وقال ابن بطال في شرحه (١/ ٣٦١): "ووجه احتجاج البخاري ﵀ في هذا الباب بقوله ﷺ : "كل شراب أسكر فهو حرام" هو أنه إذا أسكر الشراب فقد وجب اجتنابه لنجاسته، وحرم استعماله في كل حال، ولم يحل شربه، وما لم يحل شربه لا يجوز الوضوء به، لخروجه عن اسم الماء في اللغة والشريعة، وكذلك النبيذ غير المسكر أيضًا فهو في معنى المسكر من جهة أنه لا يقع عليه اسم الماء، ولو جاز أن يسمى النبيذ ماءً لأن فيه ماءً، جاز أن يسمى الخل ماءً؛ لأن فيه ماءً، وهذا أبو عبيد -وهو إمام في اللغة-
стр. 355
يقول: النبيذ لا يكون طهورًا أبدًا؛ لأن الله شرط الطهور بشرطين، ولم يجعل لهما ثالثًا، وهما: الماء، والصعيد، والنبيذ ليس بواحد منهما" [انظر: الطهور لأبي عبيد (٣١٧)].
وقال ابن حجر في الفتح (١/ ٣٥٤): "ووجه احتجاج البخاري به في هذا الباب: أن المسكر لا يحل شربه، وما لا يحل شربه لا يجوز الوضوء به اتفاقًا، والله أعلم".
قال ابن حزم في "الإعراب عن الحيرة والالتباس الموجودين في مذاهب أهل الرأي والقياس" (٣/ ١٠٩٨): "أجازوا الوضوء بنبيذ التمر، وقالوا: هو ماء استضاف إليه تمر طاهر، قياسًا على كل ما اختلط به شيء طاهر، وقاسوا في أحد قوليهم عليه أيضًا سائر الأنبذة، ولم يقيسوا عليه في قولهم الثاني سائر الأنبذة، ثم لم يقيسوا عليه الخل، فإن كان القياس حقًّا فقد تركوه، وإن كان باطلًا فقد استعملوه، فإن ادعوا الإجماع على المنع من الخل، قلنا: كذبتم؛ لأن الحسن بن حي يجيز الوضوء به، وبماء العصفر، وكذلك حميد بن عبد الرحمن صاحبه، … ، فهبكم أنكم صدقتم في أنه إجماع، فهلا قستم ما اختلف فيه من النبيذ على ما صدقتم أنه إجماع من المنع من الوضوء من الخل، وهذا مما خالفوا فيه الأصول التي يعظمون خلافها، وذلك أنه يقال لهم: في أي الأصول وجدتم ماءً يجوز التطهر به في خارج المصر والقرية، ولا يجوز التطهر به في المصر والقرية، وهذا هو خلاف الأصول حقًّا، فإن قالوا: إنما اتبعنا في ذلك فعل النبي ﷺ ، فلم يفعله إلا خارج القرية، قلنا لهم: ولم يفعله ﵇ إلا خارج مكة، فلا تتعدوا به خارج مكة، وإلا فلم قستم على ذلك الموضع سائر المواضع، ولم تقيسوا عليه ما بين منازل القرية، فتأملوا جهلهم بالقياس، وتلوثهم فيه، وأين وجدوا في الأصول: ما لا يجزئ الوضوء به إذا وجد ماء آخر، ويجزئ الوضوء به إذا لم يوجد ماء غيره، وكيف قاسوا الغسل في ذلك على الوضوء الذي جاء به الخبر، ولم يقيسوا داخل القرية على خارجها، وكيف قاسوا جميع الموزونات في الربا على الذهب والفضة، ولم يقيسوا سائر الأنبذة على ما صححوه عن النبي ﷺ ، ونسبوه إليه، أنه قال: "تمرة طيبة وماء طهور"، فهلا قالوا في الخل: عنبة طيبة وماء طهور؟! وفي المرق: لحم طيب وماء وطهور؟! وهلا اقتصروا على الأصناف الستة، كما اقتصروا على التمر ههنا؟! … " [وانظر أيضًا: (٢/ ٤٨٧)] [وانظر: المحلى (١/ ٢٠٤ - ٢٠٦)، تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل (٢/ ٤٢٦)، إعلام الموقعين (١/ ٢٧٠)].
***
٨٧ - . . . أبو خلدة قال: سألت أبا العالية عن رجل أصابته جنابة وليس عنده ماء، وعنده نبيذ، أيغتسل به؟ قال: لا.
• إسناده صحيح
أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في الطهور (٢٦٥)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٢/ ٢٦٦)، والدارقطني (١/ ٧٨)، والبيهقي (١/ ٩ و ١٢)، وابن حجر في التغليق (٢/ ١٤٦).
стр. 356
رواه عن أبي خلدة خالد بن دينار البصري الحناط: عبد الرحمن بن مهدي، ومروان بن معاوية، والنضر [هو: ابن شميل، أو: ابن محمد المروزي]، وإسناده صحيح.
ولفظ مروان بن معاوية، والنضر: قلت لأبي العالية: رجل ليس عنده ماء، عنده نبيذ، أيغتسل به في جنابة؟ قال: لا، فذكرت له ليلة الجن، فقال: أنبذتكم هذه الخبيثة؟ إنما كان ذلك زبيب وماء.
وأما قول ابن الجوزي في التحقيق (١/ ٥٧): "ولا يثبت عنه"، فلم أر له عليه حجة.
***
٤٣ - باب أيصلي الرجل وهو حاقن؟
٨٨ - . . . زهير: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن أرقم، أنه خرج حاجًّا أو معتمرًا، ومعه الناس وهو يؤمُّهم، فلما كان ذات يوم أقام الصلاةَ - صلاةَ الصبح-، ثم قال: ليتقدم أحدكم -وذهب إلى الخلاء-؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا أراد أحدكم أن يذهب الخلاء، وقامت الصلاة فليبدأ بالخلاء".
قال أبو داود: روى وهيب بن خالد، وشعيب بن إسحاق، وأبو ضمرة هذا الحديث: عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن رجل حدثه، عن عبد الله بن أرقم، والأكثر الذين رووه عن هشام قالوا كما قال زهير.
• حديث صحيح
اختلف في هذا الحديث على هشام بن عروة:
١ - فرواه مالك بن أنس، ويحيى بن سعيد القطان، وأيوب السختياني، وسفيان الثوري، وشعبة، وسفيان بن عيينة، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، ووكيع بن الجراح، وزائدة بن قدامة، ومحمد بن بشر، وعبدة بن سليمان، وجرير بن عبد الحميد، وأبو أسامة حماد بن أسامة، وعمر بن علي المقدمي، وعبد الله بن نمير، وزهير بن معاوية، وحفص بن غياث، ومحمد بن عبد الله بن كناسة، ومرجَّى بن رجاء، ومالك بن سُعير بن الخِمس، وأبو معاوية محمد بن خازم، وأيوب بن موسى، ومعمر بن راشد، وعيسى بن يونس، وقيس بن سعد المكي، وغيرهم [وهؤلاء ستة وعشرون رجلًا من الثقات، فيهم أثبت أصحاب هشام؛ لا سيما مالك والثوري ويحيى القطان وابن نمير. انظر: سؤالات ابن بكير (٤٠)، شرح علل الترمذي (٢/ ٦٧٨)].
كلهم رواه عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن أرقم به.
وفي رواية الثوري ومعمر وأيوب بن موسى [عند عبد الرزاق] إثبات لقاء عروة
стр. 357
لعبد الله بن أرقم، ففي رواية أيوب: خرجنا في حج أو عمرة مع عبد الله بن الأرقم، وفي رواية الآخرين: كنا معه في سفر.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٥/ ٣٣)، وفي الأوسط (١/ ١٦١ و ١٦٢/ ٢٢٦) متصلًا ومعلقًا. وأبو داود (٨٨)، والترمذي (١٤٢)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (١٢٤)، والنسائي (٢/ ١١٠ - ١١١/ ٨٥٢)، وابن ماجه (٦١٦)، والدارمي (١/ ٣٩٢/ ١٤٢٧)، ومالك في الموطأ (١/ ٢٢٦/ ٤٣٩ - رواية يحيى الليثي) (٢٨٦ - رواية القعنبي) (٥١٤ - رواية أبي مصعب الزهري) (١٦٥ - رواية الحدثاني)، وعنه: الشافعي في الأم (١/ ١٥٥)، وفي المسند (٥٣)، وكذا عن الثقة عن هشام. وأحمد (٣/ ٤٨٣) و (٤/ ٣٥)، وابن خزيمة (٢/ ٦٥/ ٩٣٢) و (٣/ ٧٦/ ١٦٥٢)، وابن حبان (٥/ ٤٢٧/ ٢٠٧١)، والحاكم (١/ ١٦٨ و ٢٥٧) و (٣/ ٣٣٥)، والضياء في المختارة (٨/ ٤٠٠ - ٤٠٢/ ٤٩٤ - ٤٩٩)، وعبد الرزاق (١/ ٤٥٠ - ٤٥١/ ١٧٥٩ - ١٧٦١)، والحميدي (٨٧٢)، وابن أبي شيبة (٢/ ١٨٥/ ٧٩٣٨)، ويعقوب بن سفيان الفسوي في المعرفة (١/ ٩٧)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١/ ٤٦٠/ ٦٤٠)، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ١٤٢/ ١٩١٦)، والطحاوي في مشكل الآثار (٢/ ٣٧١ و ٣٧٢/ ١٠٣٠ - ١٠٣٢ - ترتيبه)، والمحاملي في الأمالي (٢٨٥)، وابن قانع في المعجم (٢/ ١٣١)، والطبراني في الأوسط (٧/ ٩٢ و ١٢٢/ ٦٩٤٩ و ٧٠٤٢)، وفي الكبير (٤٥٢ - ٤٦٥ - قطعة من الجزء الثالث عشر)، والجوهري في مسند الموطأ (٧٦٩)، والدارقطني في الأفراد (٤/ ١٨٨/ ٤٠١٥ - أطرافه)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٣/ ١٥٨٢/ ٣٩٩٣ و ٣٩٩٤)، والخليلي في الإرشاد (٣/ ٨٣٧)، وابن حزم في المحلى (٤/ ٤٧)، والبيهقي في السنن (٣/ ٧٢)، وفي المعرفة (٢/ ٣٤٩/ ١٤٤٦ و ١٤٤٧)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٢/ ٢٠٤ و ٢٠٥)، والخطيب في التاريخ (١٣/ ٨٣)، وفي الفقيه والمتفقه (٢/ ٢٤٧)، وفي تلخيص المتشابه في الرسم (٢/ ٥٩٠ و ٥٩١)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٣/ ٣٥٩/ ٨٠٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤/ ٣٣٧)، والمزي في التهذيب (١٤/ ٣٠٢)، وانظر: المتفق والمفترق (١/ ١٧٦/ ٤٦) ففي سنده سقط.
ولفظ القعنبي وأبي مصعب والحدثاني عن مالك: أن عبد الله بن الأرقم كان يؤم أصحابه، فحضرت الصلاة يومًا، فذهب لحاجته ثم رجع، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا وجد أحدكم الغائط فليبدأ به قبل الصلاة".
وقال ابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ٢٩٦): "ولم يختلف الرواة للموطأ في إسناد هذا الحديث"، وقال في التمهيد (٢٢/ ٢٠٣): "ولم يختلف عن مالك في إسناد هذا الحديث ولفظه".
ولفظ أحمد عن يحيى بن سعيد القطان به: عن عبد الله بن أرقم: أنه حج فكان يصلي بأصحابه، يؤذن ويقيم، فأقام يومًا الصلاة، وقال: ليصلِّ أحدكم، فإني سمعت
стр. 358
رسول الله ﷺ يقول: "إذا أراد أحدكم أن يذهب إلى الخلاء، وأقيمت الصلاة، فليذهب إلى الخلاء".
وسرد أبو نعيم في المعرفة، وابن عبد البر في التمهيد، والخطيب في التلخيص: الخلاف فيه مفصلًا.
٢ - خالفهم: وهيب بن خالد، وشعيب بن إسحاق، وأبو ضمرة أنس بن عياض [وهم ثقات؛ إلا أنهم دون الأولين في الرتبة والعدد] فزادوا رجلًا مبهمًا في الإسناد.
قالوا: [حدثنا] عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن رجل، [حدثه] عن عبد الله بن الأرقم به مرفوعًا.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٥/ ٣٢)، وفي الأوسط (١/ ١٦١/ ٢٢٥ و ٢٢٦)، وأبو داود (٨٨) تعليقًا. والطحاوي في المشكل (٢/ ٣٧٢/ ١٠٣٣ - ترتيبه).
٣ - وخالف الجميع فسلك فيه الجادة والطريق السهل: عبد الرحمن بن أبي الزناد، فرواه عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أراد أحدكم الخلاء وأقيمت الصلا فلببدأ به".
أخرجه الطحاوي (١٠٢٩).
وقال: "فكان من رواه كما ذكرنا وهم: مالك، وعيسى بن يونس، وعبد الله بن نمير، وأبو معاوية، ووهيب بن خالد، عن هشام: أولى بالصواب مما رواه عليه ابن أبي الزناد.
وكل واحد من هؤلاء الذين رووه كذلك حجة على ابن أبي الزناد، وليس ابن أبي الزناد حجة عليه؛ فكيف بهم جميعًا؟! ".
إلا أنه قال: "وفي حديث وهيب عن هشام ما قد دل على فساد إسناد هذا الحديث من أصله؛ لأنه أدخل فيه بين عروة وعبد الله بن الأرقم رجلًا مجهولًا لا يعرف".
قلت: وهذا منه غير مقبول؛ فإن الذين خالفوا وهيبًا ومن معه: أحفظ منهم وأتقن، وأضبط وأكثر عددًا، لا سيما وفيهم الأئمة الكبار، الحفاظ المتقنون، الذين لا يدانيهم أحد: مالك والثوري والقطان، وهم أعرف بهشام وبحديثه من غيرهم، فالقول قولهم، والله أعلم.
قال ابن عبد البر في التمهيد (٢٢/ ٢٠٤) بعد رواية أيوب بن موسى والتي فيها ثبوت اللقاء: "فهذا الإسناد يشهد بأن رواية مالك ومن تابعه في هذا الحديث: متصلة؛ وابن جريج وأيوب بن موسى: ثقتان حافظان".
وأما قول الحافظ ابن حجر في التلخيص (٢/ ٥٦٨/٦٩): "ورجح البخاري فيما حكاه الترمذي في العلل المفرد: رواية من زاد فيه: عن رجل"، فإن هذا الذي استنبطه من كلام البخاري مجرد احتمال؛ إذ يقول الترمذي في العلل (٨١): "سألت محمدًا عن حديث هشام؟ فقال: رواه وهيب عن هشام عن أبيه عن رجل عن عبد الله بن الأرقم، وكان هذا أشبه عندي.
стр. 359
قال أبو عيسى: رواه مالك وغير واحد من الثقات: عن هشام عن أبيه عن ابن الأرقم: لم يذكروا فيه: عن رجل".
فإن هناك احتمالًا آخر لكلام البخاري، وهو أن هذا كان أشبه عنده فيما سبق ثم ظهر له بعدُ خلافه، وذلك لاستعماله لفظة "كان" فإنه في الغالب لا يذكرها؛ إلا أن تكون "كأن"، والله أعلم.
ويؤيده ما أتبعه الترمذي من بيان رواية الأوثق والأكثر، ثم هو في الجامع يرجح رواية الأئمة فيقول: "حديث عبد الله بن الأرقم: حديث حسن صحيح؛ هكذا روى مالك بن أنس ويحيى بن سعيد القطان وغير واحد من الحفاظ: عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الأرقم، وروى وهيب وغيره: عن هشام بن عروة عن أبيه عن رجل عن عبد الله بن الأرقم"، فلو لم تكن رواية مالك ومن معه هي الصواب عنده لما قال: "حسن صحيح"، والله أعلم.
• وممن رجح رواية مالك والثوري والقطان ومن معهم، أو صحح الحديث [غير الترمذي]:
أبو داود؛ لقوله: "والأكثر الذين رووه عن هشام قالوا كما قال زهير".
والنسائي؛ فقد احتج به في صحاحه، ولم يذكر الاختلاف فيه، فقد اقتصر على إخراجه من طريق مالك، معتمدًا قوله، مطرحًا قول غيره ممن خالفه.
وقد أودعه مالك في موطئه، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والضياء المقدسي، والحاكم، فقال في موضع: "صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه"، وفي الثاني "هذا حديث صحيح، من جملة ما قدمت ذكره من تفرد التابعي عن الصحابي، ولم يخرجاه"، وفي الثالث: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
وقال الخليلي في الإرشاد: "حديث صحيح".
وقال ابن عبد البر في التمهيد: "أحسن شيء رُوي مسندًا في هذا الباب: حديث عبد الله بن الأرقم، وحديث عائشة".
وقال البغوي: "حديث صحيح".
وذكره النووي في فصل الصحيح من الخلاصة (١٦٢٦).
وقال ابن الملقن في البدر المنير (٤/ ٤٢٨): "حديث صحيح".
وانظر: علل ابن أبي حاتم (١/ ٨٨/ ٢٣٧)، فإن سياقه يدل على أن أبا حاتم يرى أن إسناد مالك هو المحفوظ، وهو الذي يدل عليه أيضًا صنيع الدارقطني في العلل (١٤/ ٢٠٣/ ٣٥٥٥) (٥/ ٤٨/ أ).
• وللحديث طريق أخرى:
يرويها الطبراني في الكبير (٤٦٦ - قطعة من الجزء الثالث عشر)، وعنه: أبو نعيم في معرفة الصحابة (٣/ ١٥٨٣/ ٣٩٩٥).
стр. 360
قال الطبراني: حدثنا المقدام بن داود، قال: حدثنا أسد بن موسى، قال: حدثنا ابن لهيعة، قال: حدثنا أبو الأسود، أنه سمع عروة يقول: كنا في سفر مع عبد الله بن الأرقم الزهري، وحضرت الصلاة، وكان هو يتقدمنا فأذَّن لنا، فخرج إلى الغائط، فقيل له: لو صليت ثم خرجت؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا حضرت الصلاة وكان بأحدكم الغائط فليبدأ به، ثم ليصلِّ بعدُ، ولا يأتي الصلاة وهو يدافع".
وإسناده ضعيف؛ لضعف ابن لهيعة، وهي متابعة جيدة لحديث هشام، من رواية مالك ومن معه، لكن إذا لم يكن يُروى إلا بهذا الإسناد فهو حديث غريب؛ فإن شيخ الطبراني: المقدام بن داود الرعيني المصري: ضعيف، واتهم [انظر: تلخيص المستدرك (١/ ٥٦٩)، الجرح والتعديل (٨/ ٣٠٣)، سير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٤٥)، الكشف الحثيث (٧٨٢)، اللسان (٨/ ١٤٤)].
***
٨٩ - قال أبو داود: حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل ومسدد ومحمد بن عيسى -المعنى- قالوا: حدثنا يحيى بن سعيد، عن أبي حَزْرة، قال: حدثنا عبد الله بن محمد -قال ابن عيسى في حديثه: ابن أبي بكر، ثم اتفقوا- أخو القاسم بن محمد، قال: كنا عند عائشة فجيء بطعامها، فقام القاسم يصلي، فقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يُصلَّى بحضرة الطعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان".
• حديث صحيح
أخرجه من طريق أبي داود:
أبو عوانة (١/ ٢٢٥/ ٧٤٥ و ٧٤٦)، عن أبي داود به هكذا. وابن حزم في المحلى (١/ ١٧٨)، من طريق ابن داسة، وأفرد فيه طريق أحمد بن حنبل، ولم يقرن به مسدد ولا ابن عيسى، وقال فيه: "ثنا عبد الله بن محمد بن أبي بكر الصديق أخو القاسم بن محمد"، وابن عبد البر في التمهيد (٢٢/ ٢٠٥ - ٢٠٦)، من طريق ابن داسة، وفيه: "حدثنا عبد الله بن محمد -يعني: ابن أبي بكر، أخو القاسم بن محمد-"، هكذا ولم يميز بين الروايات الثلاث. والبغوي في شرح السُّنَّة (٣/ ٣٥٩/ ٨٠٢)، من طريق: أبي علي اللؤلؤي، وأفرد فيه طريق أحمد بن حنبل، ولم يقرن به مسدد ولا ابن عيسى، وقال فيه: "حدثنا عبد الله بن محمد -أخو القاسم بن محمد-"، ولم يذكر: ابن أبي بكر.
هكذا روى أبو داود هذا الحديث عن ثلاثة من مشايخه عن يحيى بن سعيد القطان:
أ- أما رواية محمد بن عيسى [وهو: ابن نجيح البغدادي، أبو جعفر بن الطباع: ثقة فقيه]: والتي قال فيها: "حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي بكر -أخو القاسم بن محمد-": فلم أقف عليها من غير طريق أبي داود.
стр. 361
وقد وجدت له متابعًا:
فقد رواه محمد بن أبي بكر المقدمي [وهو: ثقة]: ثنا يحيى بن سعيد، عن أبي حزرة القاضي: ثنا عبد الله بن محمد بن أبي بكر، قال: كنا عند عائشة … فذكر الحديث.
أخرجه أبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ١٥٨/ ١٢٢٥)، قال: حدثنا حبيب بن الحسن: ثنا يوسف بن يعقوب: ثنا محمد بن أبي بكر به.
وهذا إسناد صحيح متصل إلى يحيى بن سعيد؛ إن كان حفظه شيخ أبي نعيم: حبيب بن الحسن القزاز، فهو وإن وثقه: أبو نعيم وابن أبي الفوارس والخطيب؛ فقد ضعفه البرقاني [تاريخ بغداد (٨/ ٢٥٣)، اللسان (٢/ ٥٤٩)]، والله أعلم.
ب- وأما رواية مسدد بن مسرهد [وهو ثقة حافظ]:
فقد أخرجها أيضًا: البخاري في التاريخ الكبير (٥/ ١٨٥)، مثل أبي داود، قال فيها: "حدثنا عبد الله بن محمد -أخو القاسم بن محمد-".
قال البخاري: "ولا أراه محفوظًا".
ج- وأما رواية أحمد بن حنبل:
فهكذا رواها عنه أبو داود، وهي وهم:
فقد روى الإمام أحمد هذا الحديث في مسنده (٦/ ٤٣ و ٥٤)، قال: ثنا يحيى، عن أبي حزرة، قال: حدثني عبد الله بن محمد، قال: سمعت عائشة تقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يصلَّى بحضرة الطعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان".
هكذا لم يزد شيئًا في نسب عبد الله بن محمد، ورواه من طريق أحمد: المزي في التهذيب (١٦/ ٥١)، وقال: "وهذه الرواية أقرب إلى الصواب من رواية أبي داود"، يعني: عن أحمد بن حنبل، وقال في تحفة الأشراف (١١/ ٤٦٤): "كذا وقع عند أبي داود: أبو عتيق أخو القاسم بن محمد، وهو في مسند أحمد بن حنبل: عن عبد الله بن محمد، ولم يزد، وهو أقرب إلى الصواب، والله أعلم".
• والحاصل أن هذا الحديث قد اختلف فيه على يحيى بن سعيد القطان في نسبة شيخ شيخه عبد الله بن محمد:
أ- فرواه محمد بن عيسى بن الطباع، ومحمد بن أبي بكر المقدمي [إن كان محفوظًا عنه]، فقالا فيه: "عبد الله بن محمد بن أبي بكر" زاد ابن الطباع: "أخو القاسم بن محمد".
ب- ورواه مسدد بن مسرهد، فقال: "عبد الله بن محمد -أخو القاسم بن محمد-".
ج- ورواه الإمام أحمد بن حنبل، ومحمد بن بشار بندار، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، وأحمد بن عبدة، ويحيى بن حكيم المقوم [وهم: ثقات حفاظ]، وموسى بن محمد بن حيان [ترك أبو زرعة حديثه، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: "ربما خالف"، الجرح والتعديل (٨/ ١٦١)، الثقات (٩/ ١٦١)، اللسان (٨/ ٢٢٠)]، عن يحيى بن سعيد به:
стр. 362
فقالوا: "عبد الله بن محمد"، ولم يزيدوا في نسبه شيئًا.
أخرجه ابن خزيمة (٢/ ٦٦/ ٩٣٣)، وأحمد (٦/ ٤٣ و ٥٤)، وأبو يعلى (٨/ ٢٣٣/ ٤٨٠٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٢/ ٢٣٦)، والمزي في التهذيب (١٦/ ٥١).
هذا هو المحفوظ عن يحيى القطان في هذا الحديث، وما جاء في رواية ابن خزيمة من نسبة عبد الله بن محمد بأنه: ابن أبي بكر الصديق، فالأظهر أنه من ابن خزيمة نفسه، والله أعلم.
ويؤيد أن هذا هو المحفوظ عن يحيى بن سعيد القطان: أن الدارقطني لما ذكر الاختلاف في هذا الحديث على أبي حزرة، جعل رواية يحيى موافقة لرواية الجماعة، فكان مما قال: "والصحيح من ذلك ما رواه يحيى القطان، عن أبي حزرة، عن ابن أبي عتيق، قال: كنت أنا والقاسم، عند عائشة فجيء بطعام، فقام القاسم يصلي، فقالت عائشة: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول ذلك" [العلل (١٤/ ٣٧٠/ ٣٧١٧)].
• وهذا الحديث قد رواه عن يعقوب بن مجاهد أبي حرزة المدني: المدنيون أهل بلده: إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير [مدني، ثقة ثبت. التقريب (١٣٨)]، وأخوه محمد بن جعفر [مدني، ثقة. التقريب (٨٣٢)]، وسليمان بن بلال [مدني، ثقة. التقريب (٤٠٥)]، وحاتم بن إسماعيل [مدني، صدوق، صحيح الكتاب]، ومحمد بن عمر الواقدي [مدني، متروك]، وتابعهم من الغرباء: صفوان بن عيسى [بصري، ثقة. التقريب (٤٥٤)]:
كلهم رواه عن أبي حرزة فقالوا: عن عبد الله بن أبي عتيق، وقال سليمان بن بلال: عبد الله بن محمد بن أبي عتيق، وهو: عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وأبو عتيق: هو محمد بن عبد الرحمن والد عبد الله هذا، وابن عم القاسم بن محمد.
أخرجه مسلم (٥٦٠)، والبخاري في التاريخ الكبير (٥/ ١٨٤ و ١٨٥)، وأبو عوانة (١/ ٢٢٤ - ٢٢٥/ ٧٤٤) و (١/ ١٢٩٦/٣٦٠)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ١٥٨ و ١٥٩/ ١٢٢٥ و ١٢٢٦)، وأحمد (٦/ ٧٣)، وعلي بن حجر في حديثه عن إسماعيل بن جعفر (٤٣٢)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٢٦٩/ ١٦٣٩)، وأبو جعفر بن البختري في الرابع من حديثه (١٩٢) (٤٣٦ - مجموع مصنفاته) [وفي سنده سقط، فلا أدري أهو من تخليط الواقدي، أم سهو من الناسخ]. وابن حزم في المحلى (٤/ ٤٦ - ٤٧ و ٢٠٣)، والبيهقي في السنن (٣/ ٧١ و ٧٢ و ٧٣)، وفي المعرفة (٢/ ٣٤٩/ ١٤٤٨)، والخطيب في التاريخ (٤/ ١٥٧)، والبغوي في شرح السُّنة (٣/ ٣٥٨/ ٨٠١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٢/ ٢٣٦).
قال الإمام مسلم: حدثنا محمد بن عباد: حدثنا حاتم -هو: ابن إسماعيل-، عن يعقوب بن مجاهد، عن ابن أبي عتيق، قال: تحدثت أنا والقاسم عند عائشة ﵄ حديثًا، وكان القاسم رجلًا لحانةً، وكان لأم ولد، فقالت له عائشة: ما لك لا تحدث كما يتحدث
стр. 363
ابن أخي هذا؟ أما إني قد علمت من أين أُتيت؟ هذا أدَّبته أمه، وأنت أدَّبتك أمك، قال: فغضب القاسم وأضب عليها، فلما رأى مائدة عائشة قد أتي بها قام، قالت: أين؟ قال: أصلي، قالت: اجلس، قال: إني أصلي، قالت: اجلس غدر! إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا صلاة بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الأخبثان".
ثم رواه من طريق إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير المدني فقال: بمثله، ولم يذكر في الحديث قصة القاسم.
• وعلى هذا فقد اتفق هؤلاء الثقات الستة على أن شيخ أبي حزرة في هذا الحديث هو ابن أبي عتيق؛ إلا أن القطان لم يزد على أن قال: "عبد اللَّه بن محمد" فظنه بعضهم أخا القاسم بن محمد، وكلاهما يروي عن عائشة وسمع منها.
وهذا هو ما رجحه المزي في التهذيب (١٦/ ٥١) فقال: "وهو المحفوظ"، وقد قال البخاري في رواية مسدد التي زاد فيها: أخو القاسم بن محمد: "ولا أراه محفوظًا".
وأخطأ ابن حجر لما تعقب المزي في النكت الظراف فجعله من رواية عبد الله بن محمد بن أبي بكر الصديق أخي القاسم بن محمد، وإنما هو ابن أبي عتيق، كما رواه المدنيون، وقد تراجع عن ذلك في إتحاف المهرة (١٧/ ٧١/ ٢١٨٩٥).
• والحديث قد رواه الحاكم (١/ ١٦٨) (١/ ٧٨/ أ- رواق المغاربة) (١٧/ ٤٥٠/ ٢٢٦٠٨ - إتحاف المهرة) من طريق: يحيى بن سعيد القطان، عن أبي حزرة: ثنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن القاسم بن محمد، قال: كنا عند عائشة … فذكر الحديث.
هكذا رواه الحاكم من طريق مسدد وأحمد بن حنبل، كلاهما عن يحيى بن سعيد القطان به هكذا، وإسناده صحيح إليهما، وقد علمت المحفوظ من روايتهما، وعلى هذا فلا أستبعد أن يكون الوهم من الحاكم نفسه، وهذا وهم قبيح وخطأ فاحش، ويحيى بن سعيد إنما يروي هذا الحديث عن أبي حزرة عن عبد الله بن محمد عن عائشة، فوهم فيه مرتين.
• وممن وهم في هذا الإسناد على أبي حرزة:
١ - يحيى بن أيوب المصري [صدوق ربما أخطأ. التقريب (١٠٤٩)]، رواه عن يعقوب بن مجاهد، عن القاسم بن محمد وعبد الله بن محمد، حدثاه أن عائشة … فذكره.
هكذا قال، والحديث ليس من رواية القاسم وإن كان له ذكر وقصة في الحديث.
أخرجه البخاري في التاريخ (٥/ ١٨٤)، وابن حبان (٥/ ٤٢٩/ ٢٠٧٣)، والطحاوي في المشكل (٢/ ٣٧٤/ ١٠٣٤ - ترتيبه).
٢ - حسين بن علي الجعفي الكوفي [ثقة. التقريب (٢٤٩)]، رواه عن أبي حزرة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة به.
стр. 364
أخرجه البخاري في التاريخ (٥/ ١٨٤ - ١٨٥)، وابن حبان (٥/ ٤٣٠/ ٢٠٧٤)، وابن أبي شيبة (٢/ ١٨٥/ ٧٩٤٠)، والطحاوي في المشكل (١٠٣٥ - ترتيبه).
قال الدارقطني في العلل: "والصحيح من ذلك: ما رواه يحيى القطان، عن أبي حرزة، عن ابن أبي عتيق، قال: كنت أنا والقاسم، عند عائشة فجيء بطعام، فقام القاسم يصلي، فقالت عائشة: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول ذلك.
فاشتبه على حسين الجعفي، فجعله: عن القاسم دون ابن أبي عتيق.
وكذلك اشتبه على يحيى بن أيوب في روايته عن أبي حزرة عنهما.
وقد بيَّن ذلك يحيى بن عمير في روايته عن أبي حزرة، عن عبد الله بن محمد بن أبي عتيق، عن عائشة" [العلل (١٤/ ٣٧٠/ ٣٧١٧)].
٣ - عبد العزيز بن محمد الدراوردي [صدوق، كان يحدث من كتب غيره فيخطئ. التقريب (٦١٥)]، رواه عن محمد بن أبي عتيق، عن أبيه، عن عائشة مثله. وله فيه إسناد آخر.
أخرجه البخاري في التاريخ (٥/ ١٨٥)، والبيهقي في السنن (٣/ ٧١).
• والمحفوظ ما أخرجه مسلم وغيره كما تقدم، وقال ابن عبد البر في التمهيد (٢٢/ ٢٠٦): "هذا حديث ثابت صحيح"، وقال البغوي: "هذا حديث صحيح".
***
٩٠ - . . . حبيب بن صالح، عن يزيد بن شريح الحضرمي، عن أبي حي المؤذن، عن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث لا يحل لأحد أن يفعلهن: لا يؤمُّ رجلٌ قومًا فيخصَّ نفسه بالدعاء دونهم، فإن فعل فقد خانهم، ولا ينظر في قَعرِ بيتٍ قبل أن يستأذن، فإن فعل فقد دخل، ولا يصلي وهو حَقِنٌ حتى يتخفَّف".
• حديث ضعيف
أخرجه الترمذي (٣٥٧)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٢/ ٢٦٧/ ٣٣٥)، وابن ماجه (٦١٩ و ٩٢٣)، وأحمد (٥/ ٢٨٠)، ويعقوب بن سفيان الفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٢٠٧)، وابن قانع في معجم الصحابة (١/ ١١٩ - ١٢٠)، والطبراني في مسند الشاميين (٢/ ١٢٧ و ١٦٣/ ١٠٤٢ و ١١١٣)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٧٩)، والخطابي في غريب الحديث (١/ ٦٣٦ - ٦٣٧)، والدارقطني في الأفراد (٢/ ٣٣٧/ ١٥٣٦ - أطرافه)، وابن المقرئ في المعجم (٦٥)، والبيهقي في السنن (٣/ ١٢٩ - ١٣٠)، وفي الشعب (٧/ ٥١٨/ ١١١٨٥)، والخطيب في تلخيص المتشابه في الرسم (١/ ٢٣٥)، والبغوي في شرح السُّنة (٣/ ١٢٩ و ١٣٠/ ٦٤١ و ٦٤١ م)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٦/ ١٢ - ١٣) [وفي سنده سقط وتصحيف]. والمزي في التهذيب (١٢/ ٣٩٣).
стр. 365
رواه عن حبيب بن صالح: إسماعيل بن عياش، وبقية بن الوليد، وصفوان بن عمرو.
واختلف فيه على إسماعيل بن عياش، والمحفوظ ما تقدم [انظر: مسند الروياني (٦٥٠)، ولعل التبعة فيه على شيخ الروياني: علي بن شيبة، له ترجمة في تاريخ بغداد (١١/ ٤٣٦)، وتاريخ الإسلام (٢٠/ ٤٠٣)].
• تابع حبيبًا عليه [وحبيب: حمصي، ثقة. التقريب (٢٢٠)]:
محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي الحمصي [ثقة ثبت. التقريب (٩٠٥)]، قال: حدثنا يزيد بن شريح، أن أبا حي المؤذن حدثه، أن ثوبان مولى رسول الله ﷺ حدثه، أن النبي ﷺ قال: "لا يحل لامرئ مسلم أن ينظر إلى جوف بيت حتى يستأذن، فإن فعل فقد دخل، ولا يؤم قومًا فيخص نفسه بدعوة دونهم حتى ينصرف، ولا يصلي وهو حاقن حتى يتخفف".
أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٠٩٣).
وقال: "أصح ما يروى في هذا الباب هذا الحديث" يعني: باب النظر في الدور.
قال الترمذي: "وفي الباب: عن أبي هريرة وأبي أمامة، ثم قال: حديث ثوبان: حديث حسن.
وقد رُوي هذا الحديث عن معاوية بن صالح، عن السفر بن نُسَير، عن يزيد بن شريح، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ . ورُوي هذا الحديث عن يزيد بن شريح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ . وكأن حديث يزيد بن شريح عن أبي حي المؤذن عن ثوبان في هذا: أجود إسنادًا وأشهر".
• قلت: قد اختلف في هذا الحديث على يزيد بن شريح:
١ - فرواه حبيب بن صالح ومحمد بن الوليد الزبيدي [وهما: ثقتان حمصيان]، عن يزيد بن شريح، عن أبي حي المؤذن، عن ثوبان به مرفوعًا. كما تقدم.
٢ - ورواه معاوية بن صالح، عن السَّفْر بن نُسَير، عن يزيد بن شريح، أنه سمع أبا أمامة، يحدث أن رسول الله ﷺ قال: "لا يأت أحدكم الصلاة وهو حاقن، ولا يخص نفسه بشيء دون أصحابه [وفي رواية: ولا يؤمَّن أحدُكم فيخصَّ نفسه بالدعاء دونهم، فمن فعل فقد خانهم]، ولا يُدخل عينيه بيتًا حتى يستأذن".
أخرجه بأطرافه الثلاثة، أو مقتصرًا منه على طرف: أحمد (٥/ ٢٥٠ و ٢٦٠ و ٢٦١) وهذا لفظه بالروايتين. والبخاري في التاريخ الكبير (٨/ ٣٤١)، وابن ماجه (٦١٧)، وابن أبي شيبة (٢/ ١٨٥/ ٧٩٣٤)، وابن قانع في المعجم (٢/ ٧)، والطبراني في الكبير (٨/ ١٠٥/ ٧٥٠٧)، وفي مسند الشاميين (٣/ ١٦٣/ ١٩٩٧)، والبيهقي في السنن (٣/ ١٢٩)، وفي المعرفة (٢/ ٤٠٩/ ١٥٦٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٥/ ٢٣٥)، والمزي في التهذيب (١١/ ١٣٥).
стр. 366
• واختلف فيه على السفر:
أ- فرواه معاوية بن صالح [بن حدير: صدوق له أوهام. التقريب (٩٥٥)]، عن السفر به هكذا.
ب- ورواه عبد الله بن رجاء الشيباني [ابن صبيح الحمصي الشامي: قال الذهبي: "روى الكتاني عن أبي حاتم أنه مجهول"، الميزان (٢/ ٤٢١)، وقال في التقريب (٥٠٥): "مقبول"]، عن السفر بن نسير، عن ضمرة بن حبيب بن صهيب، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: "من كان يشهد أني رسول الله فلا يشهد الصلاة حاقنًا حتى يتخفف، ومن كان يشهد أني رسول الله قائم قومًا فلا يختص نفسه بالدعاء، ومن كان يشهد أني رسول الله فلا يدخل على أهل بيت حتى يستأنس ويسلم، فإذا نظر في قعر البيت فقد دخل".
أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ١٠٤/ ٧٥٠٥)، والخطيب في المتفق والمفترق (٢/ ١٢٦٥/ ٧٩٦).
ورواية معاوية بن صالح هي الصواب، ووهم فيه عبد الله بن رجاء الشامي.
وقد يقال بأن السفر بن نسير هو الذي اضطرب فيه؛ فهو وإن أدخله ابن حبان في جملة ثقاته (٤/ ٣٤٩) و (٦/ ٤٣٤) فقد أخطأ، وأصاب الدارقطني حين قال فيه: "لا يعتبر به" [سؤالات البرقاني (٢١١)، التهذيب (٣/ ٣٩٢)، الميزان (٢/ ١٦٤)، التقريب (٣٩٣)، وقال: "أرسل عن أبي الدرداء، وهو ضعيف"].
٣ - ورواه:
***
٩١ - . . . ثور، عن يزيد بن شريح الحضرمي، عن أبي حي المؤذن، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصليَ وهو حَقِنٌ حتى يتخفَّف"، ثم ساق نحوه على هذا اللفظ، قال: "ولا يحلُّ لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يؤمَّ قومًا إلا بإذنهم، ولا يختصَّ نفسه بدعوة دونهم؛ فإن فعل فقد خانهم".
قال أبو داود: هذا من سنن أهل الشام لم يشركهم فيها أحد.
• حديث ضعيف
أخرجه الحاكم (١/ ١٦٨) مختصرًا. والبيهقي (٣/ ١٢٩)، وساقه بتمامه ولفظه: "لا يحل لرجل -أو: لامرئ- أن يصلي وهو حاقن حتى يتخفف، ولا يحل لامرئ مسلم أن يؤمَّ قومًا إلا بإذنهم، ولا يخص نفسه بدعوة دونهم، فإن فعل فقد خانهم، ولا يحل لامرئ مسلم أن ينظر في قعر بيت فإن نظر فقد دمر -أو قال: فقد دخل-". ومن طريقه: ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٥/ ٢٣٦).
стр. 367
قال البيهقي: "وقوله: "دمر" يعني: دخل بغير إذنهم" [وانظر: القاموس (٥٠٣)].
وثور بن يزيد: حمصي قدري، ثقة ثبت في الحديث.
• وحاصل هذا الاختلاف: أن الطريق الثاني لا يصح عن يزيد بن شريح؛ فإن السفر بن نسير: ضعيف، لا يعتبر به.
وأما الأول والثالث: فمحفوظان عن يزيد، فالذين رووه عنه ثقات حفاظ، وتبرئتهم من الوهم فيه أولى من تبرئة يزيد بن شريح، وإن كان إسناد حديث ثوبان: أجود وأشهر، كما قال الترمذي، فقد رواه عن يزيد اثنان من الثقات، وتفرد بالآخر ثور بن يزيد.
قال الدارقطني في العلل (٨/ ٢٨٢/ ١٥٦٨) بعد أن سرد الاختلاف في هذا الحديث: "والصحيح: عن معاوية بن صالح، عن السفر، عن يزيد بن شريح، عن أبي أمامة.
وعن حبيب بن صالح، عن يزيد بن شريح، عن أبي حي، عن ثوبان".
فلا أدري ما السبب في ترجيح الدارقطني رواية السفر [على ضعفه] على رواية ثور [على تثبته وضبطه]، مع كون كل منهما بلدي لشيخه، والطريق إليهما صحيح ثابت، إلا أن يكون مراده بيان المحفوظ عن معاوية بن صالح، فإن ثمة اختلاف وقع عليه، أو لكون الإسناد الذي رجحه كله شامي، والله أعلم.
وأيًّا كان: فإن هذا الحديث ضعيف، لا يصح ولا يثبت مثله، فإن مداره على يزيد بن شريح الحضرمي، روى عنه جماعة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال يعقوب بن سفيان: "حدثنا محمد بن مصفى، قال: حدثنا بقية، قال: حدثنا حبيب بن صالح -وهو حسن الحديث-، عن يزيد بن شريح -وهو من صالحي أهل الشام، حضرمي-"، وقال الدارقطني: "حمصي يعتبر به" [انظر ترجمته: الجرح والتعديل (٩/ ٢٧١)، الثقات (٥/ ٥٤١)، المعرفة والتاريخ (٢/ ٣٥٥)، سؤالات البرقاني (٥٥٨)، تاريخ دمشق (٦٥/ ٢٣٤)، الميزان (٤/ ٤٢٩)، تاريخ الإسلام (٧/ ٢٧٧)، التهذيب (٩/ ٣٥١)، وغيرها].
فمثل هذا وإن كان كما قال الذهبي: "تابعي، صالح الحديث"؛ إلا أنه لا يُقبل ما تفرد به من أصل وسُنَّة، فإن هذا الحديث لا يعرف إلا به، ولم يأت النهي عن اختصاص الإمام نفسه بالدعاء دون المأمومين إلا من طريقه؛ فكيف وقد جاء في السُّنَّة الصحيحة ما يعارضه، مما أخرجه الشيخان، واشتهر بين أهل العلم بالحديث صحته.
قال أبو داود: "هذا من سنن أهل الشام، لم يشركهم فيها أحد".
وقال ابن عبد البر في التمهيد: "ومثل هذا الخبر لا تقوم به حجة عند أهل العلم بالحديث".
وقال في الاستذكار (٢/ ٢٩٧): "وقد رُوي من حديث الشاميين في هذا الباب حديث: لا حجة فيه؛ لضعف إسناده، منهم من يجعله عن أبي هريرة، ومنهم من يجعله عن ثوبان عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يحل لمؤمن أن يصلي وهو حاقن جدًّا".
وقال ابن خزيمة في صحيحه (٣/ ٦٣): "باب الرخصة في خصوصية الإمام نفسه
стр. 368
بالدعاء دون المأمومين، خلاف الخبر غير الثابت المروي عن النبي ﷺ : أنه قد خانهم إذا خص نفسه بالدعاء دونهم"، ثم أخرج حديث أبي هريرة المتقق عليه [البخاري (٧٤٤)، مسلم (٥٩٨)، ابن خزيمة (١٥٧٩ و ١٦٣٠)]، في دعاء الاستفتاح "اللَّهُمَّ باعد بيني وبين خطاياي"، واستشهد أيضًا بحديث علي بن أبي طالب في الافتتاح: "وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض … " [مسلم (٧٧١)، ابن خزيمة (٤٦٢ و ١٦٣١)]، وفي حديث علي هذا: دعاء الركوع والسجود، وما يقال بعد التشهد، وقبل التسليم، وكلها بالإفراد والخصوصية، وهذا باب واسع كبير، كله يرد هذا الحديث الذي تفرد به يزيد بن شريح هذا.
وقال ابن المنذر في الأوسط (٤/ ٢٣٦) بعد أن ترجم للمسألة بقوله: "ذكر الإمام يخص نفسه بالدعاء دون القوم"، قال: "ثابت عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول إذا كبر في الصلاة وسكت هنيهة قبل القراءة: "اللَّهُمَّ باعد بيني وبين خطيئتي، كما باعدت ببن المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد"، وبهذا نقول.
وقد روينا عن غير واحد أنهم كرهوا ذلك، فممن روينا عنه أنه كره ذلك: عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وليس يثبت عن واحد منهما ما رُوي عنه … [ثم ذكر من قال به، ثم قال:] والشيء إذا صح [و] ثبت عن النبي ﷺ اقتدي به، ووجب القول به" [وانظر: طبقات الشافعية الكبرى (٣/ ١٠٤)].
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى (٢٣/ ١١٦ - ١١٩) عن هذا الحديث ومعناه وما يعارضه؟ فأجاب: "الحمد لله رب العالمين، قد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أنه قال للنبي ﷺ : أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة؟ … [فذكر الحديث ثم قال:] فهذا حديث صحيح، صريح في أنه دعا لنفسه خاصة وكان إمامًا، وكذلك حديث علي في الاستفتاح … [ثم ساقه مع آخر، ثم قال:] وجميع هذه الأحاديث المأثورة في دعائه بعد التشهد من فعله، ومن أمره، لم ينقل فيها إلا لفظ الإفراد … [ثم استشهد بأحاديث أخرى، ثم قال:] فهذه الأحاديث في الصحاح والسنن تدل على أن الإمام يدعو في هذه الأمكنة بصيغة الإفراد … ، وإذا عُرِف ذلك تبين أن الحديث المذكور -إن صح- فالمراد به الدعاء الذي يؤمِّن عليه المأموم -كدعاء القنوت-، فإن المأموم إذا أمَّن كان داعيًا، وإذا كان المأموم مؤَمِّنًا على دعاء الإمام فيدعو بصيغة الجمع، كما في دعاء الفاتحة في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦]، فإن المأموم إنما أمَّن لاعتقاده أن الإمام يدعو لهما جميعًا، فإن لم يفعل فقد خان الإمام المأموم.
فأما المواضع التي يدعو كل إنسان فيها لنفسه، كالاستفتاح وما بعد التشهد ونحو ذلك، فكما أن المأموم يدعو لنفسه، فالإمام يدعو لنفسه … ، وهذا الحديث لو كان صحيحًا صريحًا معارضًا للأحاديث المستفيضة المتواترة، ولعمل الأمة والأئمة؛ لم يلتفت
стр. 369
إليه، فكيف وليس من الصحيح! ولكن قد قيل: إنه حسن، ولو كان فيه دلالة لكان عامًّا، وتلك خاصة، والخاص يقضي على العام … ، ولهذا جاء دعاء القنوت بصيغة الجمع: "اللهم إنا نستعينك ونستهديك … ". اهـ كلامه.
وقال ابن القيم في زاد المعاد (١/ ٢٦٣): "والمحفوظ في أدعيته ﷺ في الصلاة كلها بلفظ الإفراد … [وذكر أحاديث، ثم ذكر حديث ثويان، فقال:] قال ابن خزيمة في صحيحه وقد ذكر حديث "اللَّهُمَّ باعد بيني وبين خطاياي … " الحديث، قال: في هذا دليل على رد الحديث الموضوع [سبق نقل كلام ابن خزيمة من صحيحه وليس فيه حكمه عليه بالوضع؛ إنما قال: "غير الثابت"] "لا يؤم عبد قومًا فيخص نفسه بدعوة دونهم، فإن فعل فقد خانهم"، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هذا الحديث عندي في الدعاء الذي يدعو به الإمام لنفسه وللمأمومين، ويشتركون فيه كدعاء القنوت ونحوه، والله أعلم".
وانظر: النكت على ابن الصلاح لابن حجر (٢/ ٨٤٦).
وقد انتقد ابن القطان الفاسي أبا محمد عبد الحق الإشبيلي لإيراده حديث ثوبان في الأحكام الوسطى (٤/ ٤٦)، من طريق أبي داود ولم يبين أنه من رواية ابن عياش عن أهل بلده، فهي وإن كانت مستقيمة؛ إلا أن ابن عياش قد ضعفه قوم على الإطلاق، ووثقه قوم عن الشاميين، فيرى ابن القطان أنه يجب أن يقال لحديثه بأنه حسن [بيان الوهم (٤/ ١٨٧/ ١٦٧٠)].
قلت: لم ينفرد به ابن عياش؛ بل تابعه بقية وصفوان بن عمرو، وكان ينبغي أن يُعلَّه بيزيد بن شريح؛ فإنه علة الحديث، وينبغي لأجله أن يُرَدَّ الحديث ويضعَّف لما سبق بيانه، والله أعلم.
وأما تحسين الترمذي للحديث، فليس دليلًا على ثبوت الحديث عنده، وقد تقدم مرارًا الكلام على تحسين الترمذي، وأن الأصل فيه أنه داخل في قسم الضعيف حتى يأتي دليل على تقويته، وهو كما قال الذهبي في الميزان (٤/ ٤١٦): "فلا يغتر بتحسين الترمذي، فعند المحاققة غالبها ضعاف".
• فالحديث في جملتيه الأخيرتين [غير جملة الدعاء: "لا يؤمُّ رجل قومًا فيخصَّ نفسه بالدعاء دونهم، فإن فعل فقد خانهم"] قد رُوي من غير وجه، ففي الصحيح [البخاري (٥٩٢٤ و ٦٢٤١ و ٦٩٠١)، مسلم (٢١٥٦)]: "إنما جعل الاستئذان من أجل البصر"، وفي صحيح مسلم (٥٦٠) "لا صلا بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الأخبثان"، وتقدم معنا برقم (٨٩)، فهو حسن بهذا الاعتبار، وأما جملة الدعاء -في اختصاص الإمام نفسه بالدعاء دون المأمومين-: فلم يأت ما يشهد لصحتها بل أتى ما يدل على نكارتها وردها كما تقدم بيانه.
كذلك فإن الحديث ليس في إسناده متهم، وليس هو بالشاذ في جملتيه المذكورتين آنفًا، فهذا وجه تحسين الترمذي، والله أعلم.
стр. 370
وأما قول البخاري: "أصح ما يُروى في هذا الباب هذا الحديث": فليس هذا احتجاج منه بهذا الحديث، نعم إسناده محتمل للتحسين لولا انفراد تابعيه بأصل وسُنَّة، وهو ممن لا يحتمل منه هذا التفرد، ولولاه لصار حسنًا، فقوله: "أصح ما يُروى" لا يقتضي التصحيح ولا التحسين، بل غاية ما فيه أن إسناده أصلح من غيره، وقد أعرض البخاري في صحيحه عن هذا الحديث، فذكر في (٧٩) كتاب الاستئذان، (١١) باب الاستئذان من أجل البصر، (٦٢٤١) حديث سهل بن سعد قال: اطَّلع رجلٌ من جُحْر في حُجَرِ النبي ﷺ ، ومع النبي ﷺ مِدْرى يحُكُّ به رأسه، فقال: "لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر" [البخاري (٥٩٢٤ و ٦٢٤١ و ٦٩٠١)، مسلم (٢١٥٦)]، ثم أتبعه بحديث أنس: أن رجلًا اطَّلع من بعض حُجَرِ النبي ﷺ ، فقام إليه النبي ﷺ بمشقص -أو: بمشاقص-، فكأني أنظر إليه يخْتِلُ الرجلَ ليطعُنَه [البخاري (٦٢٤٢ و ٦٨٨٩ و ٦٩٠٠)، مسلم (٢١٥٧)].
• ولحديث أبي هريرة في هذا الباب إسناد آخر بلفظ آخر:
يرويه أبو شهاب الحناط عبد ربه بن نافع الكناني [صدوق، تكلموا في حفظه]، عن إدريس بن يزيد الأودي، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يُصل أحدكم وهو يدافعه الأخبثان".
أخرجه ابن حبان (٥/ ٤٢٨/ ٢٠٧٢)، بإسناد صحيح إلى أبي شهاب الحناط.
• خالفه في لفظه:
أبو أسامة حماد بن أسامة [ثقة ثبت]، فرواه عن إدريس بن يزيد الأودي، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقوم أحدكم إلى الصلاة وبه أذى".
أخرجه ابن ماجه (٦١٨)، وإسحاق بن راهويه (١/ ٤١٥/ ٤٦٧)، وابن أبي شيبة (٢/ ١٨٥/ ٧٩٣٥).
ورواه محمد بن عبيد بن أبي أمية الطنافسي، ووكيع بن الجراح [وهما: ثقتان حافظان]، قالا: ثنا داود، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقومَنَّ أحدكم إلى الصلاة وبه أذى، يعني: البول والغائط.
أخرجه أحمد (٢/ ٤٤٢ و ٤٧١).
قلت: إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي: ثقة، وأخوه: داود: ضعيف، وأبوهما: يزيد بن عبد الرحمن بن الأسود الزعافري، أبو داود الأودي: قال ابن المديني: "كان ثبتًا"، وقال العجلي: "كوفي تابعي ثقة"، وذكره ابن حبان في الثقات، وروى عنه أربعة، وأخرج له الترمذي حديثًا (٢٠٠٤) من رواية عبد الله بن إدريس عن أبيه عن جده عن أبي هريرة، وقال: "صحيح غريب"، ولم يذكر الأودي سماعًا من أبي هريرة، وقد سمع علي بن أبي طالب، وعليه فسماعه من أبي هريرة محتمل، والله أعلم [التاريخ الكبير (٨/ ٣٤٧)، كنى البخاري (٨٥)، كنى مسلم (١٠٦١)، الجرح والتعديل (٩/ ٢٧٧)، معرفة
стр. 371
الثقات (١٦٣٩)، الثقات (٥/ ٥٤٢)، الضعفاء الكبير (٢/ ٤١)، فتح الباب (٢٦٦٢)، تاريخ الإسلام (٦/ ٥٠٥) و (٩/ ١٢٨)، التهذيب (٤/ ٤٢١)].
فهو حديث حسن، والله أعلم.
• ومن فقه هذا الحديث:
ما بوَّبه أبو داود فقال: "أيصلي الرجل وهو حاقن؟ "، ويدخل في معناه: الصلاة بحضرة الطعام أو الشراب أو الجماع -يعني: وهو تائق إليها-.
قال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (٥/ ١٩٤): "فإن المطلوب من المصلي الإقبال على الله تعالى بقلبه وترك الالتفات إلى غيره، والخلو عن كل ما يشوش عليه من: نوم، وحقنة، وجوع، وكل ما يشغل البال ويغير الحال، قال ﷺ : "إذا حضر العَشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعَشاء" [البخاري (٦٧١ و ٥٤٦٥)، مسلم (٥٥٨)] فراعى ﷺ زوال كل مشوش يتعلق به الخاطر؛ حتى يقبل على عبادة ربه بفراغ قلبه وخالص لبه، فيخشع في صلاته ويدخل في هذه الآية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١، ٢]. اهـ.
• وفي هذه الأحاديث: دليل على تقديم فضيلة حضور القلب على فضيلة أول الوقت، فإنها لما تزاحما قدم صاحب الشرع الوسيلة إلى حضور القلب على أداء الصلاة في أول الوقت [إحكام الأحكام لابن دقيق العيد (١/ ١٧٨)، الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٢/ ٢٩٨)، فتح الباري (٢/ ١٨٩)].
قال العز بن عبد السلام في القواعد الكبرى (١/ ٥٤): "وأما الإبراد بالظهر مع ما فيه من تفويت المبادرة إلى الصلاة، فإنه من باب تقديم مصلحة راجحة على مصلحة مرجوحة، فإن المشي إلى الجماعات في شدة الحر يشوش الخشوع الذي هو من أفضل أوصاف الصلاة، فقدم الخشوع -الذي هو من أفضل أوصاف الصلاة- على المبادرة التي لا تدانيه في الرتبة، ولهذا المعنى أمر بالمشي إلى الجماعات بالسكينة والوقار مع ما فيه من تفويت البدار وتكميل الاقتداء بالإمام؛ لأنه لو أسرع لانزعج وذهب خشوعه، فقدم الشرع رعاية الخشوع على المبادرة وعلى الاقتداء في جميع الصلوات، كذلك تؤخر الصلوات بكل ما يشوش الخشوع كإفراط الظمأ والجوع، وكذلك يؤخرها الحاقن والحاقب".
• أما حكم المسألة:
فإن ظاهر أحاديث النهي: نفي الصحة والإجزاء، والصحيح أنه فيه تفصيل يأتي بيانه في آخر الكلام.
قال النووي في شرح مسلم (٥/ ٤٦): "في هذه الأحاديث: كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله؛ لما فيه من اشتغال القلب به، وذهاب كمال الخشوع، وكراهتها مع مدافعة الأخبثين، وهما البول والغائط، ويلحق بهذا ما كان في معناه مما يشغل القلب ويذهب كمال الخشوع، وهذه الكراهة عند جمهور أصحابنا وغيرهم؛ إذا صلى كذلك وفي
стр. 372
الوقت سعة، فإذا ضاق بحيث لو أكل أو تطهر خرج وقت الصلاة، صلى على حاله محافظة على حرمة الوقت ولا يجوز تأخيرها … ، وإذا صلى على حاله وفي الوقت سعة فقد ارتكب المكروه وصلاته صحيحة عندنا وعند الجمهور، لكن يستحب إعادتها ولا يجب".
قال العلامة ابن باز -رحمه الله تعالى- معلقًا على فتح الباري (٢/ ١٦١) [الأحاديث (٦٧١ - ٦٧٤)]: "الأولى عدم استحباب الإعادة؛ لأن من صلى كما أمر فليس عليه إعادة، فقد قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، والله أعلم"، وقال الشيخ: "هذه الأحاديث وما في معناها: تدل على أن المشروع للمؤمن أن يعتني بحاجته قبل إتيان الصلاة، حتى لا تشغل باله بغيرها، وهذا من تعظيمها أن أمر بإزالة ما قد يشغله" [الحلل الأبريزية من التعليقات البازية على صحيح البخاري (١/ ٢١٥)].
والدليل على صرف النهي عن التحريم إلى الكراهة حديث عائشة: "لا صلاة بحضرة الطعام" قال ابن عبد البر في التمهيد (٢٢/ ٢٠٦): "قد أجمعوا أنه لو صلى بحضرة الطعام فأكمل صلاته ولم يترك من فرائضها شيئًا أن صلاته مجزية عنه، فكذلك إذا صلاها حاقنًا فأكمل صلاته، وفي هذا دليل على أن النهي عن الصلاة بحضرة الطعام من أجل خوف اشتغال بال المصلي بالطعام عن الصلاة وتركه إقامتها على حدودها، فإذا أقامها على حدودها خرج من المعنى المخوف عليه، وأجزأته صلاته لذلك".
قال ابن عبد البر (٢٢/ ٢٠٥): "واختلف الفقهاء فيمن صلى وهو حاقن: فقال ابن القاسم عن مالك: إذا شغله ذلك فصلى كذلك، فإني أحب أن يعيد في الوقت وبعده. وقال الشافعي وأبو حنيفة وعبيد الله بن الحسن [قلت: وكذا الحنابلة]: يُكره أن يصلي وهو حاقن، وصلاته جائزة مع ذلك؛ إن لم يترك شيئًا من فرضها … ، وقال الطحاوي: لا يختلفون أنه لو شغل قلبه بشيء من أمر الدنيا لم تستحب له الإعادة؛ كذلك إذا شغله البول".
وختم الكلام بقوله: "الذي نقول به: أنه لا ينبغي لأحد أن يفعله، فإن فعل وسلمت له صلاته أجزأت عنه، وبئسما صنع".
وقال في الاستذكار (٢/ ٢٩٧): "وقد أجمعوا أنه لو صلى بحضرة الطعام فأكمل صلاته ولم يترك من فرائضها شيئًا: أن صلاته مجزية عنه، وكذلك إذا صلى حاقنًا فأكمل صلاته، وفي هذا دليل على أن الصلاة بحضرة الطعام إنما هو لأن لا يشتغل قلب المصلي بالطعام فيسهو عن صلاته ولا يقيمها بما يجب عليه فيها، وكذلك الحاقن، وإن كنا نكره لكل حاقن أن يبدأ بصلاته في حالته؛ فإن فعل وسلمت صلاته جزت عنه، وبئس ما صنع، والمرء أعلم بنفسه، فليست أحوال الناس في ذلك سواء، ولا الشيخ في ذلك كالشاب، والله أعلم".
وقال القاضي عياض في إكمال المعلم (٢/ ٤٩٤ - ٤٩٥): "وتأوله بعض أصحابنا على أنه إن شغله حتى لا يدري كيف صلى فهو الذي يعيد قبل وبعد، وأما إن شغله شغلًا
стр. 373
لم يمنعه من إقامة حدودها وصلى ضامًا بين وركيه فهذا يعيد في الوقت [يعني: في تأويل قول مالك]، وذهب الشافعي والحنفي في مثل هذا إلى أنه لا إعادة عليه، وظاهر قول مالك في هذا استحباب الإعادة، وكلهم مجمعون: أن من بلغ به ما لا يعقل به صلاته ولا يضبط حدودها أنه لا تجزئه، ولا يحل له الدخول كذلك في الصلاة، وأنه يقطع الصلاة إن أصابه ذلك فيها" [وانظر: المفهم للقرطبي (٢/ ١٦٥)].
وقال ابن دقيق العيد في إحكام الأحكام (١/ ١٧٩ - ١٨٠): "ومدافعة الأخبثين: إما أن تؤدي إلى الأخلال بركن أو شرط، أو لا، فإن أدى إلى ذلك: امتنع دخول الصلاة معه، وإن دخل واختل الركن أو الشرط: فسدت بذلك الاختلال، وإن لم يؤدِّ إلى ذلك: فالمشهور فيه الكراهة".
ثم نقل كلام القاضي عياض ثم تعقبه بقوله: "فيه بعض إجمال، والتحقيق: ما أشرنا إليه أولًا … ، وأما ما ذكر من التأويل: أنه لا يدري كيف صلى، أو ما قال القاضي عياض: أن من بلغ به ما لا يعقل صلاته، فإن أريد بذلك: الشك في شيء من الأركان، فحكمه حكم من شك في ذلك بغير هذا السبب، وهو البناء على اليقين، وإن أريد به: أنه يُذهب الخشوع بالكلية: فحكمه حكم من صلى بغير خشوع، ومذهب جمهور الأمة: أن ذلك لا يبطل الصلاة، وقول القاضي: ولا يضبط حدودها، إن أريد به: أنه لا يفعلها كما وجب عليه، فهو ما ذكرناه مبينًا، وإن أريد به أنه لا يستحضرها، فإن أوقع ذلك شكًا في فعلها، فحكمه حكم الشاك في الإتيان بالركن أو الإخلال بالشرط من غير هذه الجهة، وإن أريد به غير ذلك: من ذهاب الخشوع: فقد بيناه أيضًا".
ونقل ابن الملقن كلام ابن دقيق العيد وزاد عليه في الإعلام (٢/ ٣٠٣ - ٣٠٥) ثم قال: "فتخلص أن لمدافع الأخبثين أربعة أحوال:
أحدها: أن يكون بحيث لا يعقل بسببها الصلاة، وضبط حدودها، فلا تحل له الصلاة، ولا الدخول فيها إجماعًا.
ثانيها: أن يكون بحيث يعقلها مع ذهاب خشوعه بالكلية.
ثالثها: أن يكون بحيث يؤدي إلى الإخلال بركن أو شرط.
رابعها: أن يكون بحيث يؤدي إلى الشك في شيء من الأركان.
وقد عرفت حكم ذلك".
وقال ابن قدامة في المغني (١/ ٣٦٤): "فهذان من الأعذار التي يعذر بها في ترك الجماعة والجمعة لعموم اللفظ؛ فإن قوله: "وأقيمت الصلاة" عام في كل صلاة، وقوله: "لا صلاة" عام أيضًا".
وفي كشاف القناع (١/ ٣٧١)، والإنصاف (٢/ ٩٢) وغيرها: أنه إنما يكره ابتداء الصلاة وهو حاقن أو حاقب أو حازق أو تائق إلى طعام أو شراب أو جماع، لا من طرأ عليه ذلك وهو في الصلاة فلا تكره.
стр. 374
﵁ وقال إسحاق بن منصور الكوسج في مسائله للإمامين أحمد وإسحاق: "قلت: إذا وجد البول وهو في الصلاة؟ قال [الإمام أحمد]: أما قبل الدخول فلا يدخل حتى يبدأ بالخلاء، وإذا كان في الصلاة ما لم يشغله ويثبت فلا ينصرف. قال إسحاق: كما قال وأحسن الإجابة" [مسائل إسحاق بن منصور الكوسج (٩١)] [وانظر: مسائل ابنه عبد الله (٣٠٠)].
قال ابن رجب في الفتح (٤/ ١٠٥): "وحاصل الأمر: أنه إذا حضر الطعام كان عذرًا في ترك صلاة الجماعة، فيقدم تناول الطعام، وإن خشي فوات الجماعة، ولكن لابد أن يكون له ميل إلى الطعام، ولو كان ميلًا يسيرًا … ، فأما إذا لم يكن له ميل بالكلية إلى الطعام: فلا معنى لتقديم الأكل على الصلاة".
وقال أيضًا (٤/ ١٠٩): "وبكل حال: فلا يرخص مع حضور الطعام في غير ترك الجماعة، فأما الوقت فلا يرخص بذلك في تفويته عند جمهور العلماء، ونص عليه أحمد وغيره، وشذت طائفة فرخصت في تأخير الصلاة عن الوقت بحضور الطعام أيضًا، وهو قول بعض الظاهرية، ووجه ضعيف للشافعية حكاه المتولي وغيره".
وقال أيضًا (٤/ ١١٠): "ومتى خالف، وصلى بحضرة طعام تتوق نفسه إليه: فصلاته مجزئة عند جميع العلماء المعتبرين، وقد حكى الإجماع على ذلك ابن عبد البر وغيره، وإنما خالف فيه شذوذ من متأخري الظاهرية، لا يعبأ بخلافهم الإجماع القديم".
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- عن الحاقن: أيما أفضل: يصلي بوضوء محتقنًا، أو أن يحدث ثم يتيمم لعدم الماء؟
فأجاب: "صلاته بالتيمم بلا احتقان أفضل من صلاته بالوضوء مع الاحتقان، فإن هذه الصلاة مع الاحتقان مكروهة، منهي عنها، وفي صحتها روايتان، وأما صلاته بالتيمم فصحيحة، لا كراهة فيها بالاتفاق، والله أعلم" [مجموع الفتاوى (٢١/ ٤٧٣)].
• فائدة:
قال ابن حجر في الفتح (٢/ ١٩٠): "قال ابن الجوزي: ظن قوم أن هذا من باب تقديم حق العبد على حق الله، وليس كذلك، وإنما هو صيانة لحق الحق؛ ليَدخل الخلقُ في عبادته بقلوب مقبلة، ثم إن طعام القوم كان شيئًا يسيرًا لا يقطع عن لحاق الجماعة غالبًا".
• وفي الباب فروع كثيرة تركنا ذكرها طلبًا للاختصار، تراجع في المراجع السابق ذكرها، ومما لم يذكر: المجموع شرح المهذب (٣/ ٦١) و (٤/ ٣٨)، معالم السنن (١/ ٣٩)، شرح مشكل الآثار (٢/ ٣٧٦ - ترتيبه)، المبدع (١/ ٤٧٨)، الموسوعة الفقهية، احتقان. وغيرها كثير.
***
стр. 375
٤٤ - باب ما يجزئ من الماء في الوضوء
٩٢ - . . . همام، عن قتادة، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يغتسل بالصاع، ويتوضأ بالمد.
قال أبو داود: رواه أبان عن قتادة قال: سمعت صفية.
• حديث صحيح
أخرجه النسائي (١/ ١٨٠/ ٣٤٦)، وابن ماجه (٢٦٨)، وأحمد (٦/ ١٢١ و ٢٣٤ و ٢٣٩ و ٢٤٩)، وإسحاق بن راهويه (٣/ ٦٧٧/ ١٢٧٠)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في الطهور (١٠١)، وفي الأموال (١٥٧١)، وابن سعد في الطبقات (١/ ٣٨٥)، وأبكر الأثرم في السنن (٨٣)، ومحمد بن أسلم الطوسي في الأربعين (٣)، وابن قتيبة في غريب الحديث (١/ ١٦١ - ١٦٢)، والحسن بن سفيان في الأربعين (١٤)، وأبو يعلى (٨/ ٤٨٥٨/٢٧١)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ١١٧/ ٦٤٣)، والطحاوي في شرح المعاني (٢/ ٤٩)، والدارقطني (١/ ٩٤)، والبيهقي (١/ ١٩٥)، والخطيب في المتفق والمفترق (٣/ ١٨٣٦/ ١٤٠٧)، والرافعي في التدوين (٣/ ١٩٤).
من طرق عن قتادة به.
• واختلف فيه على قتادة:
١ - فرواه هشام الدستوائي، وسعيد بن أبي عروبة، وهمام بن يحيى، وأبان بن يزيد العطار، وغيرهم: كلهم عن قتادة، عن صفية، عن عائشة به، هكذا.
وقد صرح فيه أبان بسماع قتادة من صفية.
٢ - ورواه حماد بن سلمة [ثقة]، عن قتادة، عن معاذة أو صفية، عن عائشة به.
أخرجه أحمد (٦/ ٢١٨ - ٢١٩)، وأبو عبيد في الطهور (١٠٢)، وفي الأموال (١٥٧٢) [ولم يذكر صفية] [وانظر: إتحاف المهرة (١٧/ ٧٨٧)، وأطراف المسند (٩/ ٣٣٤)].
هكذا شك حماد بن سلمة.
٣ - ورواه شيبان بن عبد الرحمن النحوي [ثقة]، عن قتادة، عن الحسن، عن أمه، عن عائشة به.
أخرجه النسائي (١/ ١٨٠/ ٣٤٧)، وأحمد (٦/ ٢٨٠)، وابن الأعرابي في المعجم
(٣/ ١٠٤١/ ٢٢٣٩)، والطبراني في الأوسط (٩/ ١٢٦/ ٩٣١٦)، والدارقطني في الأفراد (٥/ ٥٤٦ - ٥٤٧/ ٦٣٥٨ - أطرافه).
قال الطبراني: "لم يروه عن قتادة عن الحسن عن أمه عن عائشة إلا شيبان".
стр. 376
وقال الدارقطني: "غريب من حديث الحسن عن أمه عنها، تفرد به قتادة، وغريب من حديث قتادة، تفرد به شيبان بن عبد الرحمن".
٤ - ورواه فوهم أيضًا: إبراهيم بن عبد الملك أبو إسماعيل القناد [صدوق، يخطئ ويهم على قتادة وغيره، وقد ضعفه ابن المديني وابن معين. سؤالات ابن أبي شيبة لابن المديني (٩ و ٦٢)، الضعفاء الكبير (١/ ٥٧)، إكمال مغلطاي (١/ ٢٤٧)، التهذيب (١/ ٧٥)، الميزان (١/ ٤٦)]، عن قتادة، عن أنس: أن النبي ﷺ كان يتوضأ بالمد من الماء لصلاة الفريضة، وبغتسل بالصاع.
أخرجه العقيلي في الضعفاء (١/ ٥٨)، والطبراني في الأوسط (١/ ٢٨٣/ ٩٢٢).
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن قتادة عن أنس إلا أبو إسماعيل".
والمحفوظ: ما رواه الجماعة، لا سيما وفيهم أثبت أصحاب قتادة: هشام وسعيد؛ فإنهما إذا اجتمعا فلا عبرة بمن خالفهما، والله أعلم.
• وتابع قتادة على الوجه المحفوظ عنه:
إبراهيم بن مهاجر البجلي الكوفي [صدوق، لين الحفظ]، فرواه عن صفية، عن عائشة به.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٦٧/ ٧١٤)، والطحاوي (٢/ ٤٩)، وابن المقرئ في الأربعين (٢٥)، وفي المعجم (١٢٢٠)، ومن طريقه: ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤١/ ٢٤٨).
من طريقين عن إبراهيم به، أحدهما صحيح، والآخر صالح في المتابعات.
وهذا إسناد جيد في المتابعات.
• قال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ١٢/ ٥): "سألت أبا زرعة عن حديث رواه إبراهيم بن عبد الملك، عن قتادة، عن أنس: أن النبي ﷺ كان يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد؟ قال أبو زرعة: هذا خطأ، إنما هو: قتادة، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة، عن النبي ﷺ ".
وقال العقيلي: "حديث هشام وأبان أولى".
وقال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٢٦/ ٤١): "سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه شيبان النحوي، عن قتادة، عن الحسن، عن أمه، عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يتوضأ بالمد؟ قال أبي: هذا خطأ، إنما هو: قتادة، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة، عن النبي ﷺ ، وهذا أشبه.
قال أبو زرعة: حديث قتادة عن صفية بنت شيبة عن عائشة: صحيح. ورواه يونس بن عبيد، عن الحسن، عن أم سلمة، عن النبي ﷺ ، وهذا عندي أشبه".
قلت: ورواه أشعث بن عبد الملك، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة به.
أخرجه الطبراني في الكبير (٢٣/ ٣٦٥/ ٨٦٣)، وفي الأوسط (٥/ ٣٧٤/ ٥٥٩٨).
стр. 377
وانظر الاختلاف فيه على الحسن: في علل الدارقطني (١٤/ ٤٣٠ / ٣٧٧٩).
• وأسند العقيلي الحديث من حديث ابن عباس وعائشة بإسنادين غير محفوظين، في ترجمة سلمة بن مسلم العبدي [وهو ضعيف. انظر: اللسان (٣/ ٨٥)] ثم قال: "هذا يرويه: قتادة، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة، عن النبي ﷺ : بإسناد صحيح، وهو الصحيح" [الضعفاء الكبير (٢/ ٥١٧) طبعة حمدي السلفي. (٢/ ١٤٩) طبعة العلمية].
وساق الدارقطني في علله (١٤/ ٤٣٠/ ٣٧٧٩) الاختلاف في هذا الحديث مفصلًا بأكثر مما ذُكر هنا، ثم ختم كلامه بقوله: "وأصحها قول من قال: عن قتادة، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة".
• وحاصل مما تقدم: أن المحفوظ هو ما رواه هشام الدستوائي وسعيد بن أبي عروبة وهمام بن يحيى وأبان بن يزيد العطار: عن قتادة، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة به.
وهدا إسناد صحيح، وصرح قتادة بسماعه من صفية في رواية أبان.
وقد صححه كما تقدم أبو زرعة والعقيلي، وقال المنذري: "حديث حسن، ورجاله كلهم ثقات" [البدر المنير (٢/ ٥٩٥)] [وانظر: إتحاف المهرة (١٧/ ٧٠٣)، النكت الظراف (١٢/ ٣٨٩)].
• وهذا الحديث أصله في الصحيحين:
فقد روى شعبة، عن أبي بكر بن حفص، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن [وفي رواية البخاري: شعبة، قال: حدثني أبو بكر بن حفص، قال: سمعت أبا سلمة]، قال: دخلت على عائشة أنا وأخوها من الرضاعة، فسألها عن غُسل النبي ﷺ من الجنابة؟ فدعت بإناء قَدْرَ الصاع، فاغتسلتْ، وبيننا وبينها سِتر، وأفرغتْ على رأسها ثلاثًا، قال: وكان أزواج النبي ﷺ يأخذن من رؤوسهن حتى تكون كالوفرة.
أخرجه البخاري (٢٥١)، ومسلم (٣٢٠)، وأبو عوانة (١/ ٢٤٧ و ٢٤٨/ ٨٤٩ - ٨٥١)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (١/ ٣٧٠/ ٧٢٠)، والنسائي (١/ ١٢٧/ ٢٢٧)، وأحمد (٦/ ٧١ - ٧٢ و ١٤٣)، والبيهقي (١/ ١٩٥)، وابن حجر في التغليق (٢/ ١٥٢).
• ولحديث عائشة أسانيد أخرى لا تخلو من مقال، وفي بعضها وهن شديد:
أخرجها أحمد (٦/ ١٣٣)، والبزار (٥/ ٣٠/ ١٥٨٧)، وأبو علي الطوسي في مختصر الأحكام (٣/ ١٨٦ - ١٨٧/ ٥٦٧)، وأبو عوانة (٢/ ١٦٠/ ٢٦٦٤)، والطحاوي (٢/ ٤٩ و ٥٠)، والعقيلي في الضعفاء الكبير (٢/ ١٤٩)، وأبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي في الأول من أماليه (٥٨)، والطبراني في الأوسط (١/ ١٠٩/ ٣٣٩) و (٥/ ٢١٥/ ٥١٢٣)، والدارقطني في السنن (٢/ ١٢٨ و ١٥٣)، وفي الأفراد (٥/ ٤٤٤/ ٦٠٠٠ - أطرافه)، وابن الجوزي في التحقيق (٢/ ٥٧/ ١٠٣٠)، وانظر: علل الدارقطني (٥/ ١٦٦/ ٧٩٧) و (١٤/ ٢٤٩ و ٣٤٩ و ٣٨٧/ ٣٥٩٩ و ٣٦٩٥ و ٣٧٣٨)، سنن البيهقي الكبرى (٤/ ١٧١).
***
стр. 378
٩٣ - . . . يزيد بن أبي زياد، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر، قال: كان رسول الله ﷺ يغتسل بالصاع، ويتوضأ بالمد.
• حديث ضعيف
أخرجه أحمد (٣/ ٣٠٣ و ٣٧٠)، والطيالسي (١٧٣٢)، وأبو عبيد في الطهور (١٠٤)، وفي الأموال (١٥٧٠)، والطحاوي في شرح المعاني (٢/ ٥٠)، والبيهقي (١/ ١٩٥)، والبغوي في شرح السُّنَّة (١/ ٣٦٧/ ٢٨٠).
هكذا رواه عن يزيد وحده: أبو عوانة، وهشيم، وخالد بن عبد الله الطحان، وعلي بن عاصم: الواسطيون، وهم ثقات، وقد صرح هشيم بالتحديث.
ووهم فيه علي بن عاصم فجعله من قوله ﷺ ، بلفظ: "يجزئ من الوضوء المد من الماء، ومن الجنابة الصاع".
فقال رجل: ما يكفيني، فقال جابر: قد كفى من هو خير منك، وأكثر شعرًا رسولَ الله ﷺ . [أحمد (٣/ ٣٧٠)].
• وأخطأ ابن فضيل، فمرة يرويه عن يزيد وحده مثل الجماعة، ومرة يرويه عن يزيد وحصين، وجوده بعضهم عن ابن فضيل فأسقط يزيد من الإسناد، أو هو من تصرف النساخ، وهو الأظهر، كما عند الحاكم في المستدرك: "عن حصين عن سالم بن أبي الجعد" [كذا هو في المطبوع (١/ ١٦١)، وفي مخطوط رواق المغاربة (١/ ٧٥/ أ)]، وقد رواه ابن خزيمة من نفس الطريق وفيه: "عن حصين ويزيد بن أبي زياد عن سالم"، وساق ابن حجر في الإتحاف (٣/ ١٢٦/ ٢٦٥٤) إسناد ابن خزيمة هكذا مقرونًا، فلما ذكر إسناد الحاكم وقف عند هارون بن إسحاق شيخ ابن خزيمة وراويه عن ابن فضيل [عند ابن خزيمة والحاكم وابن السكن، إلا أنه كناه عند الأخير ولم يسمه، فقال: "عن حصين وآخر"]، للدلالة على أن ما بعده مثل إسناد ابن خزيمة مقرونًا، فلعل نسخة المستدرك التي نقل منها الحافظ كان الإسناد فيها مثل إسناد ابن خزيمة، والله أعلم.
ومحمد بن فضيل: كوفي صدوق، وهو لا يداني في الضبط والإتقان والتثبت في الرواية: مرتبة هشيم بن بشير، أو الوضاح بن عبد الله أبا عوانة، أو خالد بن عبد الله الواسطي، كلًا على حدة، إذ لو انفرد كل واحد من هؤلاء لقُدِّم عليه، فكيف إذا اجتمعوا؟! وعلى هذا فذكر حصين بن عبد الرحمن السلمي الكوفي الثقة في هذا الإسناد إنما هو من أوهام ابن فضيل، فإنه يروي أحاديث عن حصين عن سالم عن جابر، فلعله أُتي من هذا الجانب [انظر: تحفة الأشراف (٢/ ١٧٤ و ١٧٥)]، فسلك فيه الجادة، ولم يتابَع عليه من أقرانه الذين يروون عن حصين، أمثال: هشيم وخالد الطحان وأبي عوانة وجرير وزائدة وغيرهم، وبذا تعلم ما في تصحيح الحاكم إذ يقول: "صحيح على شرط الشيخين".
стр. 379
ولابن فضيل فيه وهم آخر، فقد رواه من قول النبي ﷺ ، لا من فعله:
رواه ابن فضيل، عن حصين ويزيد بن أبي زياد، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "يجزئ من الوضوء المد، ومن الجنابة الصاع".
فقال له رجل: لا يكفينا ذلك يا جابر، فقال: قد كفى من هو خير منك، وأكثر شعرًا.
أخرجه ابن خزيمة (١/ ٦٢/ ١١٧)، والحاكم (١/ ١٦١)، وابن السكن [بيان الوهم (٥/ ٢٧٠/ ٢٤٦٦)، إتحاف المهرة (٣/ ١٢٦/ ٢٦٥٤)]، وابن أبي شيبة (١/ ٧٠٨/٦٦)، وعبد بن حميد (١١١٤)، وأبو بكر الأثرم في السنن (٨٦ و ٨٧)، والبيهقي (١/ ١٩٥).
وقد اغتر بذلك ابن القطان الفاسي، فصحح إسناده؛ لأجل حصين، وقد علمت ما فيه [بيان الوهم (٥/ ٢٧٠/ ٢٤٦٦)]، وما وقع في سنن الأثرم من إفراد حصين فهو من اجتهاد المحقق.
• وبناء على ما تقدم: فقد تفرد بهذا الحديث عن سالم بن أبي الجعد: يزيد بن أبي زياد الكوفي: وهو ضعيف، كبر فتغير، وصار يتلقن، وكان شيعيًا [التقريب (١٠٧٥)]، فمثله لا يحتمل تفرده عن سالم.
وعليه فهو حديث ضعيف، وبذا تعلم ما في قول الحافظ في الفتح (١/ ٣٦٥): "بإسناد صحيح".
• وممن وهم في هذا الإسناد على يزيد بن أبي زياد، وفي متنه أيضًا:
حبان بن علي العنزي [وهو: ضعيف]، رواه عنه: بكر بن يحيى بن زبان العنزي [قال أبو حاتم: "شيخ"، وذكره ابن حبان في الثقات. الجرح (٢/ ٣٩٤)، وقال في التقريب (١٧٦): "مقبول"].
• واختلف على بكر فيه:
أ- فرواه محمد بن المؤمل بن الصباح، وعباد بن الوليد [وهما: صدوقان]، قالا: حدثنا بكر بن يحيى بن زبان: حدثنا حبان بن علي، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ : "يجزئ من الوضوء مد، ومن الغسل صاع".
فقال رجل: لا يجزئنا. فقال: قد كان يجزئ من هو خير منك وأكثر شعرًا، يعني: النبي ﷺ . هكذا من قوله.
أخرجه ابن ماجه (٢٧٠).
ب- ورواه إبراهيم بن المستمر العروقي [صدوق يغرب. التقريب (١١٦)]، قال: نا بكر بن يحيى بن زبان العنزي، قال: نا مندل -يعني: ابن علي-، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن أبيه، عن جده عقيل بن أبي طالب: أن النبي ﷺ كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع. هكذا من فعله.
стр. 380
أخرجه البزار (٦/ ١١٧/ ٢١٧١).
وقال: "وهذا الحديث لا نعلمه يُروى عن عقيل إلا من هذا الوجه، وهذا الحديث أخطأ فيه مندل إذ جعله بهذا الإسناد، وإنما رواه يزيد بن أبي زياد عن سالم بن أبي الجعد عن جابر بن عبد الله".
وانظر أيضًا: الكامل لابن عدي (٤/ ١٩٩)، الأفراد والغرائب للدارقطني (٢/ ٣٤٧/ ١٥٦١ - أطرافه)، تلخيص المتشابه في الرسم (١/ ١١٤).
قلت: والأول أشبه، وأيًّا كان فإن مندل وحبان ابني علي: ضعيفان، ورواية الجماعة من الثقات الأثبات هي المحفوظة عن يزيد، والله أعلم.
وحديث عقيل بن أبي طالب هذا: منكر سندًا ومتنًا، أما السند فقد علمت ما فيه، وأما المتن فقد جعله حبان بن علي من قول النبي ﷺ والمحفوظ من فعله.
• وقد روى حديث جابر هذا جماعة من الضعفاء منهم:
الربيع بن بدر [متروك]، ومحمد بن عبيد الله العرزمي [متروك]، وعثمان بن عبد الرحمن الجمحي البصري [ليس بالقوي]:
ثلاثتهم: عن أبي الزبير، عن جابر: أن رسول الله ﷺ كان يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع.
أخرجه ابن ماجه (٢٦٩)، وعبد بن حميد (١٠٧٠)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٣٤١/ ٤٣٨٠)، وابن عدي في الكامل (٣/ ١٣١) و (٥/ ١٦٢) و (٦/ ٩٨)، والسهمي في تاريخ جرجان (٣٠٩).
لا يصح هذا عن أبي الزبير.
• وله طرق أخرى لا تصح أيضًا عن جابر:
انظر: مسند الطيالسي (١٨٠١)، الكامل (٥/ ١٢)، المتفق والمفترق (٢/ ٨٦٥/ ٥١٥).
• والمحفوظ عن جابر في هذا الحديث:
هو ما رواه أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين، أنه كان عند جابر بن عبد الله هو وأبوه وعنده قوم، فسألوه عن الغسل؟ فقال: يكفيك صاع. فقال رجل: ما يكفيني. فقال جابر: كان يكفي من هو أوفى منك شعرًا وخير منك، ثم أمنا في ثوب.
وفي رواية جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، قال: كان النبي ﷺ إذا اغتسل من الجنابة صبَّ على رأسه ثلاث حفنات من ماء.
فقال له الحسن بن محمد: إن شعري كثير؟ قال جابر: فقلت له: يا ابن أخي، كان شعر رسول الله ﷺ أكثر من شعرك، وأطيب.
رواه عن محمد بن علي جماعة بألفاظ متقاربة، يزيد بعضهم على بعض، وهذان اللفظان في الصحيح.
стр. 381
أخرجه البخاري في الصحيح (٢٥٢ و ٢٥٥ و ٢٥٦)، وفي الأدب المفرد (٩٥٩)، ومسلم (٣٢٩)، وأبو عوانة (١/ ١٩٦ - ١٩٧/ ٦٢٥ و ٦٢٦)، وأبو نعيم الأصبهاني في المستخرج (١/ ٣٧٥/ ٧٣٥)، والنسائي (١/ ١٢٧ - ١٢٨/ ٢٣٠)، وابن ماجه (٥٧٧)، وابن خزيمة (١/ ١٢١/ ٢٤٣)، وأحمد (٣/ ٢٩٨ و ٣١٩ و ٣٧٠ و ٣٧٩)، والشافعي في المسند (١٩)، وابن سعد في الطبقات (١/ ٤٣٠)، وابن أبي شيبة (١/ ٦٥/ ٦٩٧)، وأبو نعيم الفضل بن دكين في الصلاة (٧٣)، وأبو يعلى (٤/ ١٦٠ و ٢٠٨/ ٢٢٢٧ و ٢٣٢٠)، والطبراني في المعجم الأوسط (٢/ ٢٧٣/ ١٩٦١)، وأبو نعيم الأصبهاني في معرفة الصحابة (٢/ ٥٣١ و ٥٣٢/ ١٤٨٦ - ١٤٨٩)، وفي تاريخ أصبهان (٢/ ٢٥٣)، والبيهقي (١/ ١٧٦ و ١٧٧ و ١٩٥)، والخطيب في الأسماء المبهمة (٥٧)، والمزي في التهذيب (٢٨/ ٣٢٤).
***
٩٤ - . . . محمد بن جعفر: حدثنا شعبة، عن حبيب الأنصاري، قال: سمعت عَبَّاد بن تميم، عن جدته -وهي: أم عمارة-: أن النبي ﷺ توضأ فأُتي بإناء فيه ماء قدرُ ثلثي المد.
• حديث صحيح
أخرجه النسائي (١/ ٥٨/ ٧٤) بنحوه وزاد: قال شعبة: فأحفظ: أنه غسل ذراعيه وجعل يدلكهما، ويمسح أذنيه باطنهما، ولا أحفظ أنه: مسح ظاهرهما. وفي الإغراب (٥١)، وابن حزم في المحلى (٢/ ٧٤)، والبيهقي (١/ ١٩٦).
هكذا رواه غندر عن شعبة، فجعله من مسند أم عمارة نسيبة بنت كعب الأنصارية، والدة عبد الله بن زيد.
وقد حسن إسناده ابن الملقن في البدر المنير (٢/ ٦٠٢).
• وخالفه يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، ومعاذ بن معاذ، ويحيى بن سعيد القطان، وأبو خالد الأحمر سليمان بن حيان، وأبو داود الطيالسي:
فجعله خمستهم من مسند ابنها عبد الله بن زيد بن عاصم، فقالوا: عن عباد بن تميم، عن عمه عبد الله بن زيد.
وقد سأل ابن أبي حاتم أبا زرعة عن هذا الاختلاف وذكر له من الفريق الثاني ابن أبي زائدة وأبا داود حسب؟ فقال أبو زرعة: "الصحيح عندي حديث غندر" [العلل (١/ ٢٥/ ٣٩)].
قلت: لعله لم يقف على رواية من تابع ابن أبي زائدة، وأبا داود، أو أنه كان يأخذ بقول الفلاس: "كان يحيى وعبد الرحمن ومعاذ وخالد وأصحابنا إذا اختلفوا في حديث عن شعبة رجعوا إلى كتاب غندر فحكم بينهم" [شرح علل الترمذي (٢/ ٧٠٣)]، وكذا قال ابن المبارك: "إذا اختلف الناس في حديث شعبة فكتاب غندر حكم بينهم".
стр. 382
لكن هذا محمول على وقوع الاختلاف بين أصحاب شعبة، فحينئذ يرجعون إلى كتاب غندر، أما والحال هنا على الاتفاق فيما بينهم بما يخالف غندر، وفيهم من هو أثبت في شعبة منه مثل: يحيى بن سعيد القطان ومعاذ بن معاذ العنبري، ولم ينفردا بل تابعهما من أصحاب شعبة: أبو داود الطيالسي ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة وأبو خالد الأحمر، فهذا مما يجعل النفس تطمئن إلى قول الجماعة من أصحاب شعبة، وهو أولى عندي بالصواب، والله أعلم.
أو يقال: إن أبا زرعة مال إلى تخطئة من سلك فيه الجادة، فقال: عن عبد الله بن زيد؛ لأن أكثر رواية عباد عن عمه، فمن قال: عن جدته أم عمارة، فقد حفظ ما لم يحفظه غيره، والله أعلم.
وقد مال إلى تصحيح رواية الجماعة من أصحاب شعبة: ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والضياء المقدسي.
وقد أخرج روايتهم:
النسائي في الإغراب (٤٩ و ٥٠)، وابن خزيمة (١/ ٦٢/ ١١٨)، وابن حبان (٣/ ٣٦٣ و ٣٦٤/ ١٠٨٢ و ١٠٨٣)، والحاكم (١/ ١٤٤ و ١٦١ - ١٦٢)، والضياء في المختارة (٩/ ٣٦٤ و ٣٦٨ و ٣٦٩/ ٣٣٢ و ٣٣٣ و ٣٣٧ - ٣٣٩)، وأحمد (٤/ ٣٩)، والطيالسي (١١٩٥)، والروياني (١٠٠٩)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٣٢)، والهيثم بن كليب الشاشي (٣/ ٤٥/ ١٠٨٨)، والبيهقي (١/ ١٩٦).
لفظ ابن أبي زائدة، وبنحوه معاذ بن معاذ: [وهما متقنان]: أن النبي ﷺ أتي بثلثي مد، فجعل يدلك ذراعيه. وفي رواية لابن أبي زائدة: أن النبي ﷺ توضأ، ومسح بأذنيه.
والحديث صححه أيضًا: ابن حزم في المحلى (٥/ ٢٤٢ - ٢٤٣).
وأما قول البخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٣٥): "عباد بن تميم المازني الأنصاري المديني عن عمه عبد الله بن زيد، … " فلا يعتبر حجة في دعوى الانقطاع وعدم السماع، فالبخاري نفسه ومسلم قد أخرجا لعباد بن تميم عن عمه عبد الله بن زيد: سبعة أحاديث، اتفقا على ستة منها، وانفرد البخاري بواحد، وقد جاء التصريح بسماع عباد من عمه عبد الله بن زيد عند البخاري نفسه، وهذه بعض الأسانيد التي وقفت فيها على سماع عباد من عمه [البخاري (١٠٢٣ و ١٠٢٨)، مسلم (٨٩٤)، مالك في الموطأ (١/ ١٩٠/ ٤٤٨)، ابن خزيمة (٢/ ٣٣٩/ ١٤٢٤)، أبو داود (١١٦٦ و ١١٦٧)، النسائي (٣/ ١٥٧/ ١٥٠٩) و (٣/ ١٦٣/ ١٥١٩)، الدارمي (١/ ٤٣٢ و ٤٣٣/ ١٥٣٣ و ١٥٣٤)، أحمد (٤/ ٤١)، البيهقي (٣/ ٣٤٨ و ٣٤٩)، وغيرها] [وانظر: تحفة الأشراف (٤/ ٣٣٧) وما بعدها].
وعلى هذا فهو حديث صحيح، متصل الإسناد، رجاله ثقات.
• وهذا هو أقل مقدار من الماء توضأ به النبي ﷺ فيما ثبت عنه، وأما ما يروى من أنه توضأ بنصف مد؛ فلا يصح.
стр. 383
فقد روى علي بن ثابت الجزري [صدوق]، عن الصلت بن دينار، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة: أن النبي ﷺ توضأ بنصف مد.
وفي رواية: بقسط من ماء، وفي أخرى: بأقل من مد.
أخرجه أبو يعلى (٢/ ٧٤/ ٦ - مطالب)، وابن عدي في الكامل (٤/ ٨٥)، ومن طريقه: البيهقي (١/ ١٩٦).
• ورواه زيد بن الحباب [صدوق]، عن الصلت بن دينار، عن أبي غالب، عن أبي أمامة: أن رسول الله ﷺ توضأ بنصف مد.
أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ٢٧٨/ ٨٠٧١).
قال ابن عدي: "وهذا يرويه الصلت عن شهر"، ثم قال في الصلت: "وعامة ما يرويه مما لا يتابعه الناس عليه".
وقال البيهقي: "والصلت بن دينار: متروك، لا يفرح بحديثه".
وقال الهيثمي في المجمع (١/ ٢١٩): "رواه الطبراني في الكبير، وفيه الصلت بن دينار، وقد أجمعوا على ضعفه" [وفي التقريب (٤٥٥): "متروك ناصبي"].
***
٩٥ - . . . شريك، عن عبد الله بن عيسى، عن عبد الله بن جبر، عن أنس، قال: كان النبي ﷺ يتوضأ بإناء يسع رِطلين، ويغتسل بالصاع.
قال أبو داود: رواه يحيى بن آدم، عن شريك، قال: عن ابن جبر بن عتيك.
قال: ورواه سفيان، عن عبد الله بن عيسى، قال: حدثني جبر بن عبد الله.
قال أبو داود: ورواه شعبة قال: حدثني عبد الله بن عبد الله بن جبر، قال: سمعت أنسًا؛ إلا أنه قال: "يتوضأ بمكوك"، ولم يذكر: "رطلين".
قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الصاع خمسة أرطال.
قال أبو داود: وهو صاع ابن أبي ذئب، وهو صاع النبي ﷺ .
• منكر بنكر الرطلين، وهو متفق عليه بلفظ: كان النبي ﷺ يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد حديث شريك: أخرجه الترمذي (٦٠٩) بلفظ: أن رسول الله ﷺ قال: "يجزئ في الوضوء رطلان من ماء"، من قوله ﷺ لا من فعله. ومثله أحمد في المسند (٣/ ١٧٩) من قوله ﷺ ، ومرة أخرى من فعله بنحو لفظ أبي داود. وأبو عبيد في الأموال (١٥٨١) من فعله ﷺ ، وابن أبي شيبة (١/ ٦٨/ ٧٣٥) من فعله ﷺ بلفظ: توضأ برطلين من ماء. والطحاوي في شرح المعاني (٢/ ٥٠) من فعله ﷺ بلفظ: كان رسول الله ﷺ يتوضأ بالمد، وهو رطلان. وفي رواية أخرى: يتوضأ برطلين، ويغتسل بالصاع. والبغوي في شرح
стр. 384
السُّنَّة (١/ ٣٦٦/ ٢٧٨) من طريق الترمذي به. وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣١/ ٣٩٤) بنحو لفظ أبي داود.
قال أبو عيسى الترمذي: "هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث شريك على هذا اللفظ.
وروى شعبة، عن عبد الله بن عبد الله بن جبر، عن أنس بن مالك: أن النبي ﷺ كان يتوضأ بالمكوك، ويغتسل بخمسة مكاكي.
ورُوي عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن عيسى، عن عبد الله بن جبر، عن أنس: أن النبي ﷺ كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع.
وهذا أصح من حديث شريك".
وقال الدارقطني في العلل (١٢/ ١١٧/ ٢٥٠١): "ووهم في متنه، فقال: عن النبي ﷺ ، قال: "يكفي في الوضوء رطلين من ماء"، وإنما ذكره شريك على المعنى عنده أن الصاع ثمانية أرطال.
والقول: قول أبي خالد وعمار بن رزيق: أن النبي ﷺ قال: "يكفي أحدكم من الوضوء مد"".
قلت: هذا الحديث من أوهام شريك بن عبد الله النخعي، واضطرابُه فيه مما يدل على سوء حفظه، فهو مرة يجعله من فعله ﷺ ، ومرة يجعله من قوله، وهو منكر بذكر الرطلين، فإن شريكًا غلب عليه الاشتغال بالفقه والقضاء، حتى ساء حفظه، وربما أتى في المتون بألفاظ تشبه ألفاظ الفقهاء المتداولة بينهم، قال ابن رجب في شرح علل الترمذي (٢/ ٨٣٤) عن شريك: "وكذلك روى حديث أنس: أن النبي ﷺ كان يتوضأ برطلين من ماء، وهذا ما رواه بالمعنى الذي فهمه، فإن لفظ الحديث: أنه كان يتوضأ بالمد، والمد عند أهل الكوفة رطلان"، وهذا الحديث قد رواه الثقات بدون ذكر هذه اللفظة مما يدل على نكارتها وأنها غير محفوظة:
فقد رواه سفيان الثوري، عن عبد الله بن عيسى، عن عبد الله بن جبر، عن أنس: أن النبي ﷺ كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع.
هكذا علقه: الترمذي وأبو داود [كما تقدم].
ووصله: الإمام أحمد في مسنده (٣/ ٢٦٤)، قال: ثنا معاوية بن عمرو: ثنا زائدة، عن سفيان، عن عبد الله بن عيسى، قال: حدثني جبر بن عبد الله، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ أنه قال: "يكفي أحدَكم مُدٌّ في الوضوء".
وهذا إسناد صحيح، لكن أخشى أن يكون الوهم فيه من معاوية بن عمرو، فانقلب عليه اسم التابعي فقال: "جبر بن عبد الله"، وإنما هو: عبد الله بن عبد الله بن جبر، كما رواه معاوية بن هشام عن الثوري، وكما سيأتي من رواية أبي خالد الدالاني، ومن رواية شعبة ومسعر في الصحيحين.
стр. 385
ووصله أيضًا أبو عوانة (١/ ١٩٧/ ٦٢٩)، من طريق معاوية بن هشام [وهو: صدوق له أوهام. التقريب (٩٥٦)]، قال: ثنا سفيان، عن عبد الله بن جبر، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: "يكفي من الوضوء المد، ويكفي من الغسل الصاع".
هكذا بدون ذكر عبد الله بن عيسى في الإسناد، والراجح أنه سقط إما من الراوي عن سفيان: معاوية بن هشام؛ فإنه لم يكن بالثبت فيه، وهو قريب فيه من الفريابي وقبيصة [شرح علل الترمذي (٢/ ٧٢٦)، التهذيب (٨/ ٢٥٣)]، يعني: كثير الخطأ على الثوري، وإما أن يكون السقط من الناسخ، فإن الثوري إنما يروي عن عبد الله بن عيسى، ولا تعرف له رواية عن عبد الله بن جبر، ورواية زائدة بن قدامة [الثقة الثبت] بإثباته: هي المحفوظة، والله أعلم.
والحاصل: أن الثوري أحفظ من مائة مثل شريك، فرواية شريك بذكر الرطلين منكرة.
• وقد تابع الثوري عليه، فلم يذكر الرطلين:
أبو خالد الدالاني يزيد بن عبد الرحمن [صدوق يخطئ]، فرواه عن عبد الله بن عيسى، عن عبد الله بن جبر الأنصاري، عن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يكفي أحدكم من الوضوء مد، ومن الغسل صاع".
أخرجه أبو يعلى (٧/ ٤٣٠٧/٢٨٤).
هكذا رواه عبد الله بن عيسى: وهو ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى: ابن أخي محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى [وهو ثقة]، فرواه من قوله ﷺ ، وإنما هو من فعله، كما رواه شعبة ومسعر.
• خالفه: شعبة ومسعر فروياه من فعله ﷺ ، وهو المحفوظ.
• أما رواية شعبة:
فأخرجها مسلم (٣٢٥/ ٥٠)، وأبو عوانة (١/ ١٩٧/ ٦٢٧)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (١/ ٣٧٢ - ٣٧٣/ ٧٢٩)، والنسائي (١/ ٥٧ - ٥٨ و ١٢٧ و ٧٣/ ١٧٩ و ٢٢٩ و ٣٤٥)، والدارمي (١/ ١٨٦/ ٦٨٩)، وابن خزيمة (١/ ٦١/ ١١٦)، وابن حبان (٣/ ٤٧٦ و ٤٧٧/ ١٢٠٣ و ١٢٠٤)، وأحمد (٣/ ١١٢ و ١١٦ و ٢٥٩ و ٢٨٢ و ٢٩٠)، والطيالسي (٢١٠٢)، وأبو علي الطوسي في مختصر الأحكام (٣/ ١٨٨/ ٥٦٨)، والطحاوي (٢/ ٥١)، والبيهقي (١/ ١٩٤)، والبغوي في شرح السُّنَّة (١/ ٣٦٥/ ٢٧٧).
قال شعبة: أخبرني عبد الله بن عبد الله بن جبر، قال: سمعت أنسًا يقول: كان النبي ﷺ يتوضأ بمكوك، ويغتسل بخمسة مكاكيَّ. وفي رواية: بخمس مكاكيك.
قال أبو خيثمة: "المكوك: المد".
وقال ابن خزيمة: "المكوك في هذا الخبر: المد نفسه".
وقال في النهاية (٤/ ٣٥٠): "أراد بالمكوك: المد، وقيل: الصاع، والأول أشبه؛ لأنه جاء في حديث آخر مفسرًا بالمد".
стр. 386
• وأما رواية مسعر:
فأخرجها البخاري (٢٠١)، ومسلم (٣٢٥/ ٥١)، وأبو عوانة (٦٢٨)، وأبو نعيم الأصبهاني في مستخرجه (٧٣٠)، وابن أبي شيبة (١/ ٦٦/ ٧١٠)، وأبو نعيم الفضل بن دكين في الصلاة (٦٥)، والبيهقي في السنن (١/ ١٩٤)، وفي المعرفة (١/ ٢٨٠/ ٣٠٠)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٢٧٦).
رواه مسعر، عن ابن جبر، عن أنس، قال: كان النبي ﷺ يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد. لفظ مسلم، والبخاري بنحوه مع تقديم وتأخير.
• ورواه عتبة بن أبي حكيم [صدوق يخطئ كثيرًا. تقدم في الحديث (٤٤)]، قال: حدثني عبد الله بن عبد الله بن جبير بن عتيك، قال: سألنا أنسًا عن الوضوء: الذي يكفي الرجل من الماء؟ فقال: كان رسول الله ﷺ يتوضأ من مد، فيسبغ الوضوء، وعسى أن يفضل منه.
قال: سألناه عن الغسل من الجنابة: كم يكفي من الماء؟ قال: الصاع، فسألت عنه: أعن النبي ﷺ ذكر الصاع؟ قال: نعم، مع المد.
أخرجه هكذا مطولًا: الطحاوي (٢/ ٥٠)، ومختصرًا: الطبراني في مسند الشاميين (١/ ٤٣٢/ ٧٦١).
• قال الدارقطني في العلل (١٢/ ١١٨/ ٢٥٠١): "وروى هذا الحديث شيخ يعرف بموسى بن نصر الحنفي -ولم يكن بالحافظ ولا القوي-، رواه عن عبدة بن سليمان، عن ابن أبي خالد، عن جرير بن يزيد، عن أنس، وتابع شريكًا على قوله: أن النبي ﷺ كان يتوضأ برطلين.
وهذا غير محفوظ المتن والإسناد جميعًا؛ وموسى بن نصر هذا: ضعيف، ليس بالقوي".
قلت: أخرجه الدارقطني في السنن (١/ ٩٤) و (٢/ ١٥٣)، ومن طريقه: ابن الجوزي في التحقيق (٢/ ٥٧/ ١٠٢٩).
من طريق: أبي عاصم موسى بن نصر الحنفي: حدثنا عبدة بن سليمان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن جرير بن يزيد، عن أنس بن مالك: أن النبي ﷺ كان يتوضأ برطلين، ويغتسل بالصاع ثمانية أرطال.
قال الدارقطني: "تفرد به موسى بن نصر، وهو: ضعيف الحديث" [ونقله ابن قدامة في المغني (١/ ١٤١)].
وقال البيهقي في السنن (٤/ ١٧١): "إسناده ضعيف، والصحيح عن أنس بن مالك: كان رسول الله ﷺ يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد".
قلت: هو حديث منكر؛ تفرد به موسى بن نصر الحنفي هذا به عن عبدة بن سليمان الثقة الثبت، ولا يحتمل تفرد مثل هذا عنه [انظر: ذيل الميزان (٧٠٨)، اللسان (٨/ ٢٢٦)].
стр. 387
وجرير بن يزيد هذا، هو: ابن جرير بن عبد الله البجلي، قال أبو زرعة الرازي: "وهو شامي منكر الحديث" [الجرح والتعديل (٢/ ٥٠٢)، التهذيب (١/ ٢٩٨)].
• ولحديث أنس أسانيد أخرى، فيها ضعف ونكارة:
أخرجها الطبراني في المعجم الأوسط (٤/ ٢٠١/ ٣٩٧٤)، والدارقطني (٢/ ١٥٣)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/ ٣٢١)، وأبو موسى المديني في اللطائف من دقائق المعارف (٣٥٧)، وانظر: سنن البيهقي (٤/ ١٧١).
• ومما صح أيضًا:
١ - ما رواه أبو ريحانة، عن سفينة -صاحب رسول الله ﷺ - قال: كان رسول الله ﷺ يغسِّله الصاع من الماء من الجنابة، ويوضِّئُه المدُّ.
وفي رواية: كان رسول الله ﷺ يغتسل بالصاع، ويتطهر بالمد.
أخرجه مسلم (٣٢٦)، وأبو عوانة (٦٣٠ - ٦٣٢)، وأبو نعيم (٧٣٤)، والترمذي (٥٦)، وقال: "حديث سفينة: حديث حسن صحيح، وأبو ريحانة اسمه: عبد الله بن مطر"، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٤٧)، وابن ماجه (٢٦٧)، والدارمي (١/ ١٨٦/ ٦٨٨)، وابن الجارود (٦٢)، وأحمد (٥/ ٢٢٢)، وأبو عبيد في الطهور (١٠٠)، وفي الأموال (١٥٦٩)، وابن أبي شيبة (١/ ٦٦/ ٧٠٦)، وأبو بكر الأثرم في السنن (٨٤ و ٨٥)، والبزار (٩/ ٢٨٣ و ٢٨٤/ ٣٨٣٢ و ٣٨٣٣)، والرويا في (٦٧٤)، والدولابي في الكنى (٢/ ٥٥٢/ ٩٩٣)، وابن المنذر في الأوسط (١/ ٣٦٠/ ٣٢٧)، والطحاوي (٢/ ٥٠)، والمحاملي في أماليه (٥٢٧)، والطبراني في الأوسط (٨/ ١٠/ ٧٧٩٨)، وفي الكبير (٧/ ٩٦/ ٦٤٣٨)، وابن عدي (٤/ ٢٥٤)، والدارقطني (١/ ٩٤)، والبيهقي (١/ ١٩٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤/ ٢٦٩) و (٤٩/ ٥٩)، والمزي في التهذيب (١٦/ ١٤٨).
٢ - وروى محمد بن العباس المؤدب: ثنا داود بن مهران الدباغ: ثنا داود بن عبد الرحمن العطار، عن ابن جريج، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ كان يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع.
أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١١/ ١٢٨/ ١١٢٥٨)، قال: حدثنا محمد بن العباس المؤدب به، وهو ثقة [انظر ترجمته: تاريخ بغداد (٣/ ١١٢)، الأنساب (٥/ ٣٢)، تاريخ الإسلام (٢١/ ٢٦٥)].
خالفه في سياقه: الإمام أحمد فرواه في مسنده (١/ ٢٨٩)، قال: ثنا داود بن مهران: ثنا داود -يعني: العطار-، عن ابن جريج، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن عباس، قال: قال رجل: كم يكفيني من الوضوء؟ قال: مد، قال: كم يكفيني للغسل؟ قال: صاعٌ، قال: فقال الرجل: لا يكفيني! قال: لا أمَّ لك، قد كفى من هو خير منك، رسول الله ﷺ .
وهذا إسناد مكي صحيح فريب، تفرد به داود بن مهران الدباغ البغدادي به، وهو:
стр. 388
ثقة متقن [الجرح والتعديل (٣/ ٤٢٦)، الثقات (٨/ ٢٣٥)، تاريخ بغداد (٨/ ٣٦٢)، التعجيل (٢٨٣)]، وقد أخرج الشيخان لعبيد الله عن ابن عباس أحاديث [انظر: تحفة الأشراف (٥/ ٧٢)]، وأخرج مسلم لابن جريج بهذا الإسناد حديثًا (١١٣٢).
• كما تقدم معنا شيء من هذا المعنى في قدر الإناء الذي كان يغتسل فيه رسول الله ﷺ مع أزواجه، في طرق حديث عائشة المتقدم برقم (٧٧).
وللحديث شواهد أخرى لا يصح منها شيء، عن ابن عباس، وابن عمر، وعقيل بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود:
انظر: مسند البزار (٥/ ٣٠/ ١٥٨٧ و ١٥٨٨)، شرح المعاني (٢/ ٥٠)، الضعفاء الكبير (٢/ ١٤٩)، المعجم الأوسط للطبراني (٤/ ٦/ ٣٤٦٧) و (٧/ ٣٠٠/ ٧٥٥٥)، الكامل (٢/ ٢٢٢) و (٤/ ١٩٩)، سنن الدارقطني (١/ ٩٤)، علل الدارقطني (٥/ ١٦٦/ ٧٩٧)، تاريخ أصبهان (١/ ٤٣٥) و (٢/ ٢٩٦)، سنن البيهقي (١/ ١٩٦)، تلخيص المتشابه في الرسم (١/ ١١٤).
ومن فقه هذا الباب:
قال الترمذي: "وهكذا رأى بعض أهل العلم: الوضوء بالمد والغسل بالصاع، وقال الشافعي وأحمد وإسحاق: ليس معنى هذا الحديث على التوقي أنه لا يجوز أكثر منه ولا اْقل منه، وهو قدر ما يكفي" [وانظر: مسائل أحمد وإسحاق للكوسج (٥٥)].
وقال ابن خزيمة: "باب ذكر الدليل على أن توقيت المد من الماء للوضوء، أن الوضوء بالمد يجزئ، لا إنه لا يسع المتوضئ أن يزيد على المد أو ينقص منه، إذ لو لم يجزئ الزيادة على ذلك ولا النقصان منه؛ كان على المرء إذا أراد الوضوء أن يكيل مدًّا من ماء فيتوضأ به، ولا يبقي منه شيئًا، وقد يرفق المتوضئ بالقليل من الماء فيكفي بغسل أعضاء الوضوء، ويخرق بالكثير فلا يكفي لغسل أعضاء الوضوء"، ثم أخرج حديث جابر من طريق يزيد بن أبي زياد. ثم قال: "باب الرخصة في الوضوء بأقل من قدر المد من الماء"، ثم أخرج حديث عبد الله بن زيد. ثم قال: "باب ذكر الدليل على أن لا توقيت في قدر الماء الذي يتوضأ به المرء، فيضيق على المتوضئ أن يزيد عليه أو ينقص منه، … "، فأطال في الترجمة ثم أخرج حديث عائشة: كنت أنا ورسول الله ﷺ نتوضأ من إناء واحد، وهو متفق عليه وقد تقدم، وحديث ابن عمر في وضوء الرجال والنساء من إناء واحد، وقد
تقدم أيضًا.
وقال ابن المنذر في الأوسط (٢/ ١١٨): "هذا الحديث يدل على نفي التوقيت؛ لأنهم لم يأخذوا الماء بكيل، ولا كان ما أخذه كل رجل منهم معلومًا، وفي هذا المعنى: اغتسال النبي ﷺ وعائشة من إناء واحد" ثم قال: "ليس فيما يقتصر عليه المغتسل والمتوضئ من الماء حد لا يجاوزه ولا ينقص منه، وأخذ الناس للماء مختلف على قدر رفق الإنسان وخرقه، وكان مالك يقول: ليس للوضوء ولا للغسل عندنا وقت ولا قدر ولا
стр. 389
كيل من الماء، إنما هو ما طهره، وهذا على مذهب الشافعي، وقال أصحاب الرأي: أدنى ما يكفي من الماء في غسل الجنابة صاع، وأدنى ما يكفي من الوضوء من الماء مد".
وقال ابن عبد البر في التمهيد (٣/ ٣٩٧ - إحياء التراث): "وإذا توضأ الاثنان وأكثر من إناء واحد، ففي ذلك دليل على أنه لا تحديد ولا توقيف فيما يكفي المغتسل والمتوضئ من الماء، وحسبه الإتيان بالماء على ما يُغسل من الأعضاء غسلًا، وعلى ما يمسح مسحًا.
وأما حديث ابن شهاب المذكور في هذا الباب؛ ففيه من الفقه: الاقتصار على أقل ما يكفي من الماء، وأن الإسراف فيه مذموم، وفي ذلك رد على الإباضية ومن ذهب مذهبهم في الإكثار من الماء …
وجملتها تدل على أن لا توقيت فيما يكفي من الماء، والدليل على ذلك أنهم أجمعوا أن الماء لا يكال للوضوء ولا للغسل … ".
وقال البغوي في شرح السنَّة (١/ ٣٦٦): "الرفق في استعمال الماء مستحب، فالإسراف مكروه وإن كان على شط البحر، وذكر الصاع والمد ليس على معنى التقدير حتى لا يجوز أكثر منه ولا أقل، بل يحترز أن يدخل في حد السرف".
وانظر أيضًا: سنن الأثرم (٨٨ - ٩٠)، المحلى (٥/ ٢٤٢)، المغني (١/ ١٤١)، الفتح (١/ ٣٦٥)، النيل (١/ ٣١٤).
***
٤٥ - باب الإسراف في الماء
٩٦ - . . . حماد: حدثنا سعيد الجريري، عن أبي نعامة: أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: اللَّهُمَّ إني أسألك القصرَ الأبيضَ عن يمينِ الجنة إذا دخلتُها، فقال: أيْ بني! سلِ الله الجنة، وتعوَّذْ به من النار؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنه سيكون في هذه الأمة قومٌ يعتَدُون في الطهور والدعاء".
• رجاله ثقات، ولا يعرف لأبي نعامة سماع من عبد الله بن مغفل.
سبق تخريجه في أحاديث الذكر والدعاء برقم (٤٤١ و ٤٤٢).
ورجاله ثقات، والذي يظهر لي أنه منقطع، فإن أبا نعامة يروي عن ابن لعبد الله بن مغفل عن أبيه، قال أبو نعامة: حدثني ابن عبد الله بن مغفل، قال: سمعني أبي وأنا في الصلاة أقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال لي: أيْ بُنَيَّ مُحْدَث … الحديث في ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم.
أخرجه الترمذي (٢٤٤)، والنسائي (٢/ ١٣٥)، وابن ماجه (١٨٥)، وأحمد (٤/ ٨٥) و (٥/ ٥٤ و ٥٥)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٥٩ - ٣٦٠/ ٤١٢٨)، وأبو علي الطوسي في مختصر
стр. 390
الأحكام (٢٢٧)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٢٣/ ١٣٥٠)، والطحاوي (١/ ٢٠٢)، والبيهقي (٢/ ٥٢)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ٢٠٦)، وقال: "قيس بن عباية هذا هو: أبو نعامة الحنفي، وهو: ثقة؛ لكن ابن عبد الله بن مغفل: غير معروف بحمل العلم، مجهول، لم يرو عنه أحد غير أبي نعامة هذا".
وابن عبد الله بن مغفل هذا: مجهول، كما قال ابن عبد البر [انظر: التهذيب (٤/ ٦١٩)،، وقد اختلف فيه على أبي نعامة.
فإذا كان أبو نعامة يروي عن عبد الله بن مغفل بواسطة ابنه عنه، ثم هو هنا يروي عنه هذا الحديث على صيغة الحكاية لا الرواية، فهذا مما يؤكد الانقطاع، والله أعلم.
• وأما حديث: أُبي بن كعب عن النبي ﷺ قال: "إن للوضوء شيطانًا يقال له: الولهان، فاتقوا وسواس الماء".
فإنما يرويه خارجة بن مصعب، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن عُتَيِّ بن ضَمرة السعدي، عن أبي به مرفوعًا.
أخرجه الترمذي (٥٧)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٤٨)، وابن ماجه (٤٢١)، وابن خزيمة (١/ ٦٤/ ١٢٢)، والحاكم (١/ ١٦٢)، وأحمد (٥/ ١٣٦)، والطيالسي (٥٤٧)، وابن عدي (٣/ ٥٤)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (١/ ٢١٨/ ٧٥٧)، والبيهقي (١/ ١٩٧)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ٣٤٥ و ٣٤٨/ ٥٦٧ و ٥٧٢)، وفي المنتظم (١/ ١٧٩)، والمزي في التهذيب (٨/ ٢٣) و (١٩/ ٣٣٠).
قال الترمذي: "حديث أبي بن كعب: حديث غريب، وليس إسناده بالقوي عند أهل الحديث؛ لأنا لا نعلم أحدًا أسنده غير خارجة.
وقد رُوي هذا الحديث من غير وجه عن الحسن قوله، ولا يصح في هذا الباب عن النبي ﷺ شيء. وخارجة: ليس بالقوي عند أصحابنا، وضعفه ابن المبارك".
وقال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٥٣/ ١٣٠) عن أبيه: "كذا رواه خارجة وأخطأ فيه، ورواه الثوري عن يونس عن الحسن قوله، ورواه غير الثوري عن يونس عن الحسن أن النبي ﷺ : مرسل" ثم قال: "وسئل أبو زرعة عن هذا الحديث؟ فقال: رفْعُه إلى النبي ﷺ : منكر".
ونقل في موضع آخر (١/ ١٥٨/٦٠) عن أبي زرعة قوله لما سئل عن هذا الحديث؟ قال: "هو عندي منكر".
وقال ابن عدي: "وهذا يرويه عن يونس بن عبيد: خارجة"، يعني: انفرد به.
وقال البيهقي: "وهذا الحديث معلول برواية الثوري عن بيان عن الحسن بعضه من قوله غير مرفوع، وباقيه عن يونس بن عبيد من قوله غير مرفوع، والله أعلم" ثم قال: "وخارجة ينفرد بروايته مسندًا، وليس بالقوي في الرواية، والله أعلم.
وقد روي بإسناد آخر ضعيف عن عمران بن حصين مرفوعًا"، ثم أسنده (١/ ١٩٧)، وانظر: تاريخ الدوري (٣/ ٣٤٣/ ١٦٦٠).
следующие страницы →