← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 261

فضل الرحيم الودود تخريج سنن أبي داود

ياسر فتحي

Полный текст (16 465 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

بإسناد صحيح إلى أحمد بن المعلي بن يزيد الدمشقي [وهو: لا بأس به]، عن هشام به هكذا، وهذه الرواية أولى من الرواية الأولى، والتي رواها عن هشام بن عمار: عبيد بن عبد الواحد بن شريك، وهو: بغدادي صدوق، حدث عن جماعة من أهل مصر، وله أوهام [الثقات (٨/ ٤٣٤)، سؤالات الحاكم (١٥٤)، تاريخ بغداد (١١/ ٩٩)، تاريخ دمشق (٣٨/ ٢٠٨)، سير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٨٥)، اللسان (٥/ ٣٥٥)]؛ فإن رواية أهل بلد الرجل أولى من رواية الغرباء، ولعل عبيد بن عبد الواحد رواه عن هشام بعدما تغير وصار يتلقن، فإن هشامًا ربما لُقِّن أحاديث فتلقنها، والله أعلم. قال ابن رجب في الفتح (٤/ ٣٥١) عن رواية الأوزاعي بزيادة عدم ذكر البسملة: "فهذه الرواية صحيحة، متصلة الإسناد بالسماع المتصل عن قتادة وإسحاق عن أنس". وأما دعوى من ردَّ هذا الحديث لكونه مكاتبةً جُهلت فيها الواسطة، فهي دعوى مردودة؛ فقد جرى عمل المحدثين على قبول الرواية بالمكاتبة، وعدُّوها من المتصل، وعليه عمل البخاري ومسلم في صحيحيهما، وقد وقع في صحيح مسلم أحاديث رُويت بالمكاتبة فوق العشرة، واختلف العلماء في اتصال ذلك، قال القاضي عياض: "والجمهور على العمل بذلك، وعدُّوه متصلًا، وذلك بعد ثبوت صحتها عند المكتوب إليه خط الكاتب كاتبها"، وقد شرح رشيد الدين العطار كلام القاضي بحكايته، فقال: "وذكر القاضي عياض أن الذي عليه الجمهور من أرباب النقل وغيرهم: جواز الرواية لأحاديث المكاتبة، ووجوب العمل بها، وأنها داخلة في المسند، وذلك بعد ثبوت صحتها عند المكتوب إليه بها، ووثوقه بأنها عن كاتبها"، والأوزاعي إمام فقيه، عالم بما يروي، وقد قبل هذه المكاتبة من قتادة، لوثوقه بها، وعدم قدحه في ناقلها إليه، أو فيمن كتبها لقتادة، فقد كان الأوزاعي يأخذ بهذا الحديث، ويحتج به، ولا يرى قراءة البسملة قبل الفاتحة سرًّا ولا جهرًا، كقول مالك [قال بعضه ابن رجب]، فيا عجبًا ممن ردَّ هذه الرواية التي احتج بها الأوزاعي نفسه، واحتج بها مسلم في صحيحه، بدعوى باردة، وشبهة ساقطة! لكي يصحح بذلك مذهبه! [الإلماع للقاضي عياض (٨٦)، غرر الفوائد لرشيد الدين العطار (٥١٥)، النكت على مقدمة ابن الصلاح لبدر الدين الزركشي (٣/ ٥٤٦)، البحر المحيط له (٣/ ٤٤٧)، الفتح لابن رجب (٤/ ٣٥٧)، إرشاد الفحول (١١٧)] [وانظر: معرفة علوم الحديث (٣١٢)، الكفاية (٣٣٦)، تذكرة المحتاج (٤٥)، التقييد والإيضاح (١٢١)، النكت لابن حجر (٢/ ٧٥٥)]. ٦ - أبو عوانة، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ ، وأبو بكر وعمر وعثمان يفتتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أخرجه البخاري في القراءة خلف الإمام (١٣٢)، والترمذي (٢٤٦)، والنسائي في المجتبى (٢/ ١٣٣/ ٩٠٢)، وفي الكبرى (١/ ٤٦٨/ ٩٧٧)، وابن ماجه (٨١٣)، وابن خزيمة (٤٩١)، وأبو العباس السراج في حديثه بانتقاء الشحامي (٢٥٣٩)، وجعفر المستغفري في

стр. 3817

فضائل القرآن (١/ ٤٦٤/ ٦١٤)، وابن عبد البر في الإنصاف (٢١)، والخطيب في تاريخ بغداد (٥/ ٢٣٣). قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". ٧ - شيبان بن عبد الرحمن النحوي، عن قتادة، قال: سمعت أنس بن مالك؛ قال: صليت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان رضوان الله عليهم، فلم أسمع أحدًا [منهم] يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. أخرجه أبو القاسم البغوي في مسند علي بن الجعد (٩٢٢ و ١٩٨٦)، وفي جزء فيه (٣٣) حديثًا من حديثه (٦ و ١١)، وابن حبان (٥/ ١٠٣/ ١٧٩٩)، والطحاوي (١/ ٢٠٢)، والدارقطني (١/ ٣١٥)، وابن أخي ميمي الدقاق في فوائده (١٤١)، وأبو طاهر المخلص في السادس من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (١٠٧) (١١٢٦ - المخلصيات)، وفي التاسع (٢١) (١٩٠٨ - المخلصيات)، وفي المنتقى من سبعة أجزاء من حديث المخلص (١١) (٣٠٥٠ - المخلصيات)، والخطيب في التاريخ (٢/ ٣٣٥)، وفي الجهر بالبسملة (٣٢ - مختصره للذهبي)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٣/ ٣٤٣) و (٤٧/ ٣٣٥). من طريق علي بن الجعد، قال: أخبرنا شعبة وشيبان به. ٨ - الحجاج بن الحجاج الباهلي البصري الأحول، عن قتادة، عن أنس بن مالك؛ أنه قال: صليت مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. أخرجه جعفر المستغفري في فضائل القرآن (٦١٩ و ٦٢٠) بإسناد حسن إلى حجاج، وبه تُروى نسخةٌ عن الحجاج الباهلي، من حديث إبراهيم بن طهمان عنه. ٩ - حماد بن سلمة، عن قتادة وثابت وحميد، عن أنس بن مالك؛ أن النبي ﷺ ، وأبا بكر وعمر [وعثمان] كانوا يستفتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وفي رواية عفان بن مسلم عن حماد: إلا أن حميدًا لم يذكر النبي ﷺ . أخرجه البخاري في القراءة خلف الإمام (١٣٠ و ١٣١)، وابن حبان (٥/ ١٠٤/ ١٨٠٠)، وأحمد (٣/ ١٦٨ و ٢٠٣ و ٢٨٦)، وأبو يعلى (٥/ ٤١٢/ ٣٠٩٣) و (٦/ ٢٣٢/ ٣٥٢٢) و (٦/ ٤٦٧/ ٣٨٧٤)، وأبو العباس السراج في حديثه بانتقاء الشحامي (٣٥١) [ولفظ روايته شاذ من حديث حماد]، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١١٩/ ١٣٤٣)، وأبو بكر الشافعي في فوائده "الغيلانيات" (٤١١)، والرامهرمزي في المحدث الفاصل (٣٤٥)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٣/ ٥٢/ ٥٨١). ١٠ - هشام بن حسان، عن قتادة، عن أنس، قال: صليت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يفتتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أخرجه أبو بكر الدينوري في المجالسة وجواهر العلم (٣٢١١)، وأبو بكر الإسماعيلي في معجم شيوخه (٢/ ٦٦٣)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ٢٠٣).

стр. 3818

١١ - معمر بن راشد، عن قتادة وحميد وأبان، عن أنس؛ سمعت النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان يقرؤون [وفي رواية: يفتتحون القراءة بـ]: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٨٨/ ٢٥٩٨)، ومن طريقه: أبو يعلى (٥/ ٣٧٥/ ٣٠٣١). كذا رواه عبد الرزاق عن معمر، ورواه ابن المبارك، عن معمر وابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس نحوه. أخرجه أبو العباس السراج في حديثه بانتقاء الشحامي (١٩١ و ٢٥٣٤)، ومن طريقه: مسعود بن الحسن الثقفي في عروس الأجزاء (١٨). وأبان بن أبي عياش: متروك. ورواية سر عن قتادة محفوظة، وأما روايته عن حمبد الطويل فهي شاذة، كما سيأتي بيانه؛ فإن المحفوظ عن حميد في هذا الحديث موقوف، بدون ذكر النبي ﷺ . ١٢ - محمد بن أبي عدي: نا حميد وسعيد -يعني: ابن أبي عروبة-، عن قتادة، عن أنس، قال: كان النبي ﷺ ، وأبو بكر وعمر [وعثمان] يفتتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أخرجه ابن حبان (٥/ ١٠١/ ١٧٩٨)، والبزار (١٣/ ٣٦٣/ ٧٠١١)، وأبو يعلى (٥/ ٣٤٥/ ٢٩٨١) [ولم يقرن فيه حميدًا إلى ابن أبي عروبة]، وأبو العباس السراج في حديثه بانتقاء الشحامي (٢٥٣٨) [ولم يقرن فيه ابن أبي عروبة إلى حميد]، وابن الأعرابي في المعجم (٧٩٧) [ولم يقرن فيه ابن أبي عروبة إلى حميد]، والدارقطني في الأفراد (١/ ٢٠٦/ ٩٧٨ - أطرافه)، وجعفر المستغفري في فضائل القرآن (١/ ٤٦٢/ ٦٠٧) [ولم يقرن فيه ابن أبي عروبة إلى حميد]، وابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ٢٠٢) [ولم يقرن فيه ابن أبي عروبة إلى حميد]. قال البزار: ". . .، ولا أسند حميد عن قتادة عن أنس إلا حديثين، هذا أحدهما". وقال ابن الأعرابي: "قال الصاغاني [هو: محمد بن إسحاق بن جعفر أبو بكر الصاغاني: ثقة ثبت]: سمعت يحيى بن معين، قال: كان حميد إذا قال: عن قتادة عن أنس، رفعه، وإذا قال: عن أنس، لم يرفعه". وقال الدارقطني: "تفرد به ابن أبي عدي عن حميد عنه، ورواه يحيى بن معين وعمرو بن علي عن ابن أبي عدي، وقال يحيى: كان حميد إذا حدَّث به عن قتادة رفعه، وإذا حدَّث به عن أنس لم يرفعه، وكذلك قال العباس بن يزيد في حديثه". وقال ابن عبد البر في الإنصاف (١٤): "ولست أعلم أحدًا ذكره عن حميد عن قتادة عن أنس؛ إلا ابن أبي عدي، فيما علمت". قلت: هو غريب من حديث حميد عن قتادة عن أنس، تفرد به محمد بن إبراهيم بن أبي عدي، وهو: ثقة، والمشهور: عن حميد عن أنس، ولم يرفعه، كما سيأتي.

стр. 3819

١٣ - يحيى بن السكن: ثنا حماد بن سلمة وشعبة وعمران القطان، عن قتادة، عن أنس، قال: صليت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃، فكانوا يستفتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أخرجه الدارقطني (١/ ٣١٦) (٢/ ٩٤/ ١٢٠٦ - ط الرسالة)، بإسناد صحيح إلى ابن السكن. ويحيى بن السكن: ضعيف، يتفرد عن أبي العوام وشعبة بما لا يتابع عليه، قال أبو حاتم: "ليس بالقوي"، وقال في العلل: "ضعيف الحديث"، وضعفه صالح جزرة، قال: "بصري، كان يكون بالرقة، وكان أبو الوليد يقول: هو يكذب، وهو شيخ مقارب"، وقال مرة: "لا يسوي فلسًا"، وله أوهام يخالف فيها الثقات، فالعجب بعد ذلك من ذكر ابن حبان له في الثقات [الجرح والتعديل (٩/ ١٥٥)، العلل (٢/ ٥٧/ ١٦٥٧)، الثقات (٩/ ٢٥٣)، علل الدارقطني (٥/ ٢٩٨/ ٨٩٧) و (١٠/ ٨٩/ ١٨٨٤)، أطراف الغرائب والأفراد (٣/ ٣٤٦/ ٢٨٥٨) و (٥/ ١٠٦/ ٤٨٢٨)، تاريخ بغداد (١٤/ ١٤٦)، اللسان (١/ ٢٣٣) و (٨/ ٤٤٧)]، لكنه هنا وافق الثقات في روايته عن شعبة وحماد بن سلمة. • وانظر فيمن رواه عن قتادة من الضعفاء أو المجاهيل: وقد زاد بعضهم فيه علي بن أبي طالب، وهي زيادة منكرة، تفرد بها عن قتادة أحد الضعفاء [معجم ابن الأعرابي (٤٠١)] [وفي إسناده: طلحة بن عبد الرحمن أبو سليمان المعلم، وله مناكير، وقد روى عن قتادة ما لا يُتابع عليه. الكامل (٤/ ١١٣)، اللسان (٤/ ٣٥٦)]. [مسند عبد بن حميد (١١٩١)، حديث خيثمة الأطرابلسي (٧٢)] [وفي إسناده محمد بن عبيد الله العرزمي، وهو: متروك]. [المعجم الأوسط للطبراني (٢/ ١٦/ ١٠٨٠)] [وفي إسناده خليد بن دعلج: ضعيف، روى عن قتادة أحاديث منكرة. التهذيب (١/ ٥٥٠)]. [المعجم الأوسط للطبراني (٥/ ٣٣١/ ٥٤٦٢)] [وفي إسناده حجاج بن أرطأة: ليس بالقوي، يدلس عن الضعفاء والمتروكين. التهذيب (١/ ٣٥٦)]. [المعجم الأوسط للطبراني (٨/ ١٨/ ٧٨٢٤)] [وفي إسناده أبان بن بشير المعلم، قال ابن أبي حاتم: "مجهول"، وذكره ابن حبان في الثقات. اللسان (١/ ٢٢٠)]. [أطراف الغرائب والأفراد (١/ ١٧٨/ ٧٨١)] [زيد في إسناده الحسن بين قتادة وأنس، وهي زيادة باطلة، تفرد به عن قتادة: سعيد بن بشير، وهو: ضعيف، وتفرد به عن سعيد: عمار بن مطر الرُّهاوي: أحاديثه بواطيل، وكان يكذب. اللسان (٦/ ٥٢)]. [الكشف والبيان (١/ ١٠٧)] [وفي إسناده: سعيد بن بشير، وهو: ضعيف، يروي عن قتادة المنكرات، وقد زاد فيه لفظةً، فقال: كانوا لا يجهرون ويخفون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾].

стр. 3820

• وقلب بعضهم متنه: فقد رواه زيد بن الحسين بن عيسى بن زيد [لم أجد له ترجمة، ولا رواية]: حدثني عمر بن محمد بن عمر بن علي بن الحسين [له رواية، ولم أجد من تكلم فيه بجرح أو تعديل]، عن حاتم بن إسماعيل، عن شريك بن عبد الله، عن إسماعيل المكي، عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله ﷺ يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. أخرجه الدارقطني (١/ ٣٠٨). قال الدارقطني في العلل (١٢/ ٢٠٥/ ٢٦٢٣): "وهذا خلاف ما روى أصحاب قتادة". قلت: هو حديث منكر؛ إسماعيل بن مسلم المكي: ضعيف، عنده عجائب، ويروي عن الثقات المناكير [العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٣٥٢/ ٢٥٥٦)، ضعفاء العقيلي (١/ ٩٢)، الكامل (١/ ٢٨٣)، التهذيب (١/ ١٦٧)]، والإسناد إليه لا يصح. • وله طرق أخرى عن أنس، يرومها: ١ - الأوزاعي، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكلهم يفتتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، لا يقرؤون: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في أول السورة، ولا في آخرها. أخرجه مسلم (٣٩٩/ ٥٢)، ولم يسق لفظه، وتقدم تحت طرق حديث قتادة برقم (٥). ٢ - حماد بن سلمة، عن قتادة وثابت وحميد، عن أنس بن مالك؛ أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يستفتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وفي رواية عفان بن مسلم عن حماد: إلا أن حميدًا لم يذكر النبي ﷺ . تقدم ذكره في طرق حديث قتادة عن أنس، برقم (٩)، وهو صحيح. ٣ - معمر، عن قتادة وحميد وأبان، عن أنس؛ سمعت النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان يقرؤون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. تقدم ذكره في طرق حديث قتادة عن أنس، برقم (١١)، ويأتي الكلام عليه ضمن حديث حميد؛ إذ المحفوظ عنه الوقف. ٤ - سفيان بن عيينة [في رواية ابن المديني، وابن أبي عمر العدني، وابن وهب، وبعض الضعفاء عنه]، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، ومروان بن معاوية الفزاري، ومحمد بن إسحاق، ومحمد بن عجلان، وعبد الوارث بن سعيد، وأبو بكر بن عياش [وهم ثقات]، وعبد الله بن عمر العمري [ليس بالقوي]: عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك؛ أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يفتتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال ابن عيينة [في رواية العدني]: يخفي ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ويجهر بالحمد.

стр. 3821

أخرجه البخاري في القراءة خلف الإمام (١٣٤) [عن علي بن المديني عن ابن عيينة به مرفوعًا]، والشافعي في السنن (٤٢)، وابن أبي عمر العدني في مسنده (٢/ ٣٣٤/ ١٨١٧ - إتحاف الخيرة)، وابن وهب في الجامع (٣٥٦)، وابن عدي في الكامل (١/ ١٨٦) [واستنكر رفعه عن ابن عيينة]، وتمام في الفوائد (١٠٢٤)، وجعفر المستغفري في فضائل القرآن (١/ ٤٦٢ و ٤٦٤/ ٦٠٨ و ٦١١)، والخليلي في الإرشاد (١/ ٤٣٣)، والبيهقي في المعرفة (١/ ٥٢٢/ ٧٢٣)، وذكره الدارقطني في العلل (١٢/ ٥٥/ ٢٤٠٨). قال ابن عدي: "وهذا الحديث لا يُعرف عن مالك، ولا عن سفيان بن عيينة إلا موقوفًا من قول أنس". • ورواه عن حميد، عن أنس به موقوفًا على أبي بكر وعمر، وزاد بعضهم عثمان، ثم ذكر تردد حميد في ذكر النبي ﷺ : زهير بن معاوية [ثقة ثبت]، وهشيم بن بشير [ثقة ثبت]، قال زهير: ويرى حميد أنه قد ذكر النبي ﷺ ، وقال هشيم: قال حميد: وأحسبه ذكر النبي ﷺ . أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٦٠/ ٤١٢٩)، والطحاوي (١/ ٢٠٢)، وابن المقرئ في المعجم (٥٦٠). • خالفهم فأوقفه، ولم يذكر فيه النبي ﷺ : حماد بن سلمة [وهو أثبت الناس في حميد] في الرواية المتقدمة برقم (٢). وتابعه على وقفه عن حميد، فلم يذكر فيه النبي ﷺ : إسماعيل بن جعفر [ثقة]، ومالك بن أنس [إمام دار الهجرة، وهو رأس المتقنين، وكبير المتثبتين]، وابن أبي عدي [ثقة]، ومعاذ بن معاذ [ثقة متقن]، وسفيان بن عيينة [في رواية الشافعي عنه] [ثقة إمام]: عن حميد، عن أنس، أنه قال: صليت مع أبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يفتتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. لفظ إسماعيل، وبنحوه لفظ معاذ. ولفظ مالك: قمت وراء أبي بكر وعمر وعثمان، فكلهم كان لا يقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إذا افتتح الصلاة. أخرجه مالك في الموطأ (١/ ١٣١/ ٢١٤ - رواية يحيى الليثي) (١٢١ م - رواية القعنبي) (٢٢٧ - رواية أبي مصعب الزهري) (٨٦ م - رواية سويد بن سعيد الحدثاني)، والشافعي في السنن (٤٠)، وعلي بن حجر في حديثه عن إسماعيل بن جعفر (٩٨)، وأبو يعلى (٥/ ٣٤٦/ ٢٩٨٥)، والطحاوي (١/ ٢٠٢)، وابن المظفر في غرائب مالك (١٢٠)، وأبو طاهر المخلص في الأول من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (٩٠) (٩٠ - المخلصيات)، وجعفر المستغفري في فضائل القرآن (١/ ٤٦٢/ ٦٠٩) و (١/ ٤٦٩/ ٦٣١)، وأبو عمرو الداني في البيان في عد آي القرآن (٥٥)، والبيهقي في السنن (٢/ ٥١ - ٥٢ و ٥٢)، وفي المعرفة (١/ ٥٢٢/ ٧٢٣)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٣/ ٥٣/ ٥٨٣). وانظر أيضًا: مصنف ابن أبي شيبة (١/ ٣٦٠/ ٤١٤٠).

стр. 3822

• وانظر فيمن وهِم فيه على مالك فرفعه، أو قلب متنه [الكامل لابن عدي (١/ ١٨٦)، غرائب مالك لابن المظفر (١١٩)، معجم الشيوخ لابن جميع الصيداوي (٣٧٩)، الإرشاد (١/ ٤٣٣)، التمهيد (٢/ ٢٢٨ - ٢٣٠)، الطيوريات (٣٢)، مستدرك الحاكم (١/ ٢٣٤)، مع التلخيص للذهبي، وقد حكم عليه الذهبي بالوضع، وكذبه ابن رجب في الفتح (٤/ ٣٦٥)، وانظر: التنقيح (٢/ ١٩٦)، نصب الراية (١/ ٣٥١ و ٣٥٢)، نخب الأفكار (٣/ ٥٦٢)]. قال ابن عبد البر في التمهيد (٢/ ٢٢٨): "هكذا هو في الموطأ عند جماعة رواته فيما علمت موقوفًا"، وقال أيضًا: "هو موقوف في الموطأ، وأسندته طائفة عن مالك ليسوا في الحفظ هناك". وقال في الاستذكار (١/ ٤٣٦): "فهو في الموطأ عند جمهور رواته عن مالك: موقوف على فعل الخلفاء الثلاثة، ليس فيه للنبي ﵇ ذكر. ورواه الوليد بن مسلم، وموسى بن طارق أبو قرة، عن مالك، عن حميد الطويل، عن أنس، قال: صليت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكلهم لا يقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، هذا لفظ الوليد بن مسلم، ولفظ حديث أبي قرة: فكانوا لا يجهرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ورواه إسماعيل بن موسى السدي، عن مالك، عن حميد، عن أنس؛ أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يفتتحون بالقراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وفي بعض الروايات عن إسماعيل عن مالك بإسناده مرفوعًا: كانوا يستفتحون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ويرفعه أيضًا ابن أخي ابن وهب، قال: حدثني عمي، قال: حدثنا عبد الله بن عمر، ومالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، عن حميد، عن أنس؛ أن رسول الله ﷺ كان لا يجهر في القراءة بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، لم يروه عن ابن وهب عن مالك هكذا غيره". وانظر أيضًا: "كتاب الإنصاف فيما بين علماء المسلمين في قراءة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في فاتحة الكتاب من الاختلاف" لابن عبد البر، ص (١٤). • قال ابن الأعرابي في معجمه (٧٩٧): "قال الصاغاني [هو: محمد بن إسحاق بن جعفر أبو بكر الصاغاني: ثقة ثبت]: سمعت يحيى بن معين، قال: كان حميد إذا قال: عن قتادة عن أنس، رفعه، وإذا قال: عن أنس، لم يرفعه". وقال الدارقطني في الأفراد (٩٧٨ - أطرافه) عن رواية ابن أبي عدي المتقدمة برقم (١٢): "تفرد به ابن أبي عدي عن حميد عنه [يعني: عن قتادة]، ورواه يحيى بن معين وعمرو بن علي عن ابن أبي عدي، وقال يحيى: كان حميد إذا حدَّث به عن قتادة رفعه، وإذا حدَّث به عن أنس لم يرفعه، وكذلك قال العباس بن يزيد في حديثه". وقال ابن رجب في الفتح (٤/ ٣٥٣): "والصحيح عن مالك: ليس فيه ذكر النبي ﷺ ، وكذا الصحيح عن حميد، قال أحمد: حميد لم يرفعه"، ثم ذكر قول الدارقطني: "والمحفوظ: أن حميدًا رواه عن أنس، وشك في رفعه، وأخذه عن قتادة عن أنس مرفوعًا".

стр. 3823

قلت: الذي في علل الدارقطني (١٢/ ٥٦/ ٢٤٠٨) بعد ذكر الاختلاف فيه على حميد: "والمحفوظ من ذلك: أن حميدًا رواه عن أنس؛ أن أبا بكر وعمر، ليس فيه النبي ﷺ ، وأخذه [صحفت في المطبوع إلى: وآخره] عن قتادة عن أنس مرفوعًا، والله أعلم". وانظر أيضًا: النكت لابن حجر (٢/ ٧٥٨). قلت: الذي يظهر لي أن حميدًا كان يرويه موقوفًا، كذا رواه عنه جماعة الحفاظ، وفيهم أثبت الناس فيه، وهو حماد بن سلمة، وتابعه على ذلك من الحفاظ المتقنين: مالك ومعاذ بن معاذ وغيرهما، ثم تردد فيه حميد وشك في رفعه، كما رواه عنه: هشيم وزهير، ثم رواه بعد ذلك حميد مرفوعًا، كما رواه عنه جماعة من الثقات، واختلفت الرواية فيه عن ابن عيينة، والمحفوظ فيه عن حميد -كما قال أحمد وابن معين والدارقطني-: موقوف، ليس فيه ذكر النبي ﷺ ، والله أعلم. • وقد أعلَّ الشافعي لفظ مالك، لمخالفته أصحاب حميد فيه؛ قلت: ومالك مَن هو في الحفظ والإتقان، وضبط الألفاظ، مع فقهه وعلمه بما يحيل المعاني، لا سيما وهذه اللفظة ثابتة من حديث قتادة عن أنس، كما تقدم بيانه، والله أعلم [انظر: سنن البيهقي (٢/ ٥٢)]. ٥ - أشعث بن عبد الملك الحمراني [ثقة]، وسالم بن عبد الله الخياط [صدوق، سيئ الحفظ]، وعمران بن مسلم القصير [صدوق، لكن الراوي عنه: سويد بن عبد العزيز، وهو: ضعيف]: عن الحسن، عن أنس؛ قال: صليت خلف النبي ﷺ فكان يفتتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وكان أخف الناس صلاة في تمام. لفظ الحمراني، ولم يذكر سالم وعمران القصير آخره في التخفيف، وزادا ذكر أبي بكر وعمر، وقال القصير: كانوا يُسِرُّون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وفي رواية: أن رسول الله ﷺ كان يُسِرُّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في الصلاة، وأبو بكر وعمر، ورواية عمران هذه لا تصح؛ لأن راويها عنه: سويد بن عبد العزيز، وهو: ضعيف. أخرجه ابن خزيمة (٤٩٨)، والبزار (١٣/ ١٩٩/ ٦٦٦٢) و (١٣/ ٢١٤/ ٦٦٩٠)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٢١/ ١٣٤٩) معلقًا. والطحاوي (١/ ٢٠٣)، وأبو القاسم الحامض في المنتقى من الجزء الأول من حديثه (٢٩)، وفي المنتقى من الجزء الثالث من حديثه (١٧)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٤٢٧)، وأبو أحمد الحاكم في شعار أصحاب الحديث (٣٩)، وجعفر المستغفري في فضائل القرآن (١/ ٤٦٧/ ٦٢٥ و ٦٢٦)، وانظر: حديث الأنصاري (٥٠). قلت: هذا إسناد بصري صحيح، والحسن قد صح سماعه من أنس، لكن رواية عمران القصير غير محفوظة. قال ابن عدي: "وهذان الحديثان عن عمران القصير، وهو عمران بن سالم، وهو

стр. 3824

بصري، وهو عزيز الحديث، لا يحدثهما عنه غير سويد"، ثم قال في آخر ترجمة سويد: "ولسويد أحاديث صالحة غير ما ذكرت، وعامة حديثه مما لا يتابعه الثقات عليه، وهو ضعيف كما وصفوه". قال ابن حجر في الإتحاف (١/ ٥٨٧/ ٨١٦): "سويد ليس من شرط ابن خزيمة؛ لأنه ضعيف جدًّا". قال ابن خزيمة بعد خبر سويد: "هذا الخبر يصرح بخلاف ما توهم من لم يتبحر العلم، وادعى أن أنس بن مالك أراد بقوله: كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر يستفتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وبقوله: لم أسمع أحدًا منهم يقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، أنهم لم يكونوا يقرؤون: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ جهرًا ولا خفيًّا، وهذا الخبر يصرح أنه أراد: أنهم كانوا يُسِرُّون به، ولا يجهرون به عند أنس". ونقله ابن المنذر بتصرف في الأوسط (٣/ ١٢١). • ورواه هشام بن حسان، عن ابن سيرين والحسن، عن أنس بن مالك، قال: كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان يستفتحون بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أخرجه الطحاوي (١/ ٢٠٣)، والدارقطني في الأفراد (١/ ٢٤٤/ ١٢٥٠ - أطرافه). قال الدارقطني: "تفرد به سليمان بن عبيد الله الرقي عن مخلد بن الحسين عن هشام عن ابن سيرين والحسن عن أنس". وإسناده ضعيف إلى هشام، فيه: سليمان بن عبيد الله الرقي، وهو ضعيف [تقدمت ترجمته تحت الحديث رقم (٥٦٢)]، وقد سلك فبه الجادة، والطريق السهل، والمعروف في هذا: عن هشام بن حسان، عن قتادة، عن أنس [تقدم في طرق قتادة برقم (١٠)]. وقد روي أيضًا من حديث يونس بن عبيد عن الحسن عن أنس، ولا يصح من حديثه، والله أعلم. ٦ - جرير بن حازم، عن أيوب، عن أنس بن مالك، قال: كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄ يفتتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ويسلموا تسليمة. تقدم ذكره تحت الطريق الرابعة من طرق حديث قتادة عن أنس، وهو حديث منكر، كما قال الأثرم. ٧ - أبو حمزة السكري، عن منصور بن زاذان، عن أنس بن مالك، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ، فلم يُسمعنا قراءة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وصلى بنا أبو بكر وعمر فلم نسمعها منهما. أخرجه النسائي في المجتبى (٢/ ١٣٥/ ٩٠٦)، وفي الكبرى (١/ ٤٦٩/ ٩٨٠)، ومن طريقه: ابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ٢٠٨)، وفي الإنصاف (٣٢). قال النسائي: أخبرنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، قال: سمعت أبي، يقول:

стр. 3825

أنبأنا أبو حمزة [محمد بن ميمون المروزي: ثقة، وابن شقيق من أصح الناس حديثًا عنه] به. قلت: هذا إسناد رجاله ثقات، ومنصور بن زاذان: ثقة ثبت، كبير الشأن، من أصحاب الحسن، وهو يُدخل بينه وبين أنس: قتادة والحسن، فقد روى هشيم عن منصور عن قتادة عن أنس [انظر: مستخرج أبي عوانة (٢/ ٢٧٦٣/ ١٨١)، شرح معاني الآثار (١/ ١٧٧)، المعجم الكبير (٥/ ١١٦/ ٤٧٩٣)، الحلية لأبي نعيم (٣/ ٦١)، وكذا معرفة الصحابة (٣/ ١١٥٧/ ٢٩١٨)، وانظر هذا الحديث فيما تقدم برقم (٤٢٤)، حديث زيد بن ثابت في أحاديث التغليس]، وهشيم أروى الناس عن منصور، وأعلمهم بحديثه [انظر: العلل ومعرفة الرجال (١/ ٥٤٢/ ١٢٨٧)، الجرح والتعديل (٩/ ١١٥)، ذخيرة الحفاظ (١/ ٥٢٨)]، وروى منصور أيضًا عن الحسن عن أنس [راجع ما تحت الحديث (٤٩٢)، آخره]، وقد وجدت لمنصور سماعًا من أنس [عند: بحشل في تاريخ واسط (٦٢)، وأبي نعيم في الحلية (٣/ ٥٩)]؛ إلا أنه لا يصح، وقال العلائي: "ووجدت بخط الحافظ الضياء: قيل: لم يسمع من أنس بن مالك شيئًا" [جامع التحصيل (٨٠١)، تحفة التحصيل (٣١٧)] [وانظر أيضًا: تحفة الأشراف (١/ ٦٨٨/ ١٦٠٥ - ط دار الغرب)]. ويؤكد عدم سماع منصور من أنس أن البخاري في تاريخه الكبير (٧/ ٣٤٦) لم يذكر له رواية عن أنس، فضلًا عن ذكر السماع، وإنما قال: "سمع الحسن وابن سيرين وقتادة، وروى عنه: شعبة وهشيم". وعليه ففي السند انقطاع؛ وهو صالح في المتابعات. ٨ - يحيى بن آدم [ثقة حافظ]: حدثنا سفيان [الثوري]، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس؛ أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا لا يجهرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. أخرجه ابن حبان (٥/ ١٠٥/ ١٨٠٢)، والبزار (١٣/ ٢٦١/ ٦٧٨٩)، والدارقطني في العلل (١٢/ ٢٤٧/ ٢٦٧٤)، وفي الأفراد (١/ ٢٦٠/ ١٣٥٧ - أطرافه). قال البزار: "وهذا الحديث هكذا رواه يحيى بن آدم عن الثوري، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أنس، ورواه غير يحيى بن آدم، عن الثوري، عن خالد، عن أبي نعامة، عن أنس" [وانظر: علل الدارقطني (١٢/ ٢٤٧/ ٢٦٧٤)]. وقال الدارقطني في الأفراد: "هكذا قال يحيى بن آدم في هذا الحديث، وقيل ذلك عن أبي حذيفة، والمحفوظ: عن خالد عن أبي نعامة عن أنس". قلت: تابع يحيى بن آدم على قوله في الإسناد: "عن أبي قلابة": أبو حذيفة، قال: حدثنا سفيان به؛ إلا أنه قال: عن النبي ﷺ أنه كان يفتتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أخرجه الدارقطني في العلل (١٢/ ٢٤٧/ ٢٦٧٤).

стр. 3826

وأبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي: صدوق، كثير الوهم، سيئ الحفظ، ليس بذاك في الثوري، وضعفه جماعة فيه [التقريب (٦١٩)، شرح علل الترمذي (٢/ ٧٢٦)، التهذيب (٤/ ١٨٨)]. قلت: خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس: طريق مسلوكة، وقد سلك فيه يحيى بن آدم وأبو حذيفة الجادة والطريق السهل، ووهما في ذكر أبي قلابة في الإسناد: • خالفهما فأصاب وحفظ الإسناد: عبيد الله بن عبيد الرحمن الأشجعي [ثقة مأمون، أثبت الناس كتابًا في الثوري، وهو من أصحابه المقدمين فيه؛ وهو أثبت فيه من الفريابي وقبيصة وأصحابهما. التهذيب (٣/ ٢٠)، التقريب (٤٠٦)، شرح العلل (٢/ ٧٢٢)]، ومحمد بن يوسف الفريابي [ثقة، من الطبقة الثانية من أصحاب الثوري، من المكثرين عنه، وهو مقدَّم فيه على عبد الرزاق، وقبيصة، وأبي حذيفة النهدي. انظر: التهذيب (٣/ ٧٤٠)، شرح العلل (٢/ ٧٢٢)]، وعبد الله بن الوليد [وهو: ابن ميمون، المكي العدني: صدوق، صحيح السماع من الثوري، أملى عليه إملاءً، وروى عنه جامعه، وله عنه غرائب. انظر: التهذيب (٢/ ٤٥٢)، سؤالات أبي داود (٢٣٩)، المعرفة والتاريخ (١/ ٧١٨)، الميزان (٢/ ٥٢٠)]، وأبو داود الحفري عمر بن سعد بن عبيد [ثقة عابد، من أصحاب الثوري، مقدم فيه على قبيصة وطبقته]، وعلي بن قادم [صدوق، ضعفه ابن معين، روى عن الثوري أحاديث غير محفوظة. التهذيب (٣/ ١٨٨)، الميزان (٣/ ١٥٠)]: رووه عن سفيان الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي نعامة قيس بن عباية الحنفي، عن أنس بن مالك، قال: كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر لا يقرؤون -يعني: لا يجهرون- ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٨/ ٤٤٢)، وأحمد (٣/ ٢١٦)، والبزار (١٣/ ٢٦١/ ٦٧٩٠)، وأبو يعلى (٧/ ٢١١/ ٤٢٠٥)، وأبو بكر الدينوري في المجالسة وجواهر العلم (٣٥٦٩)، والبيهقي (٢/ ٥٢). [وانظر: علل الدارقطني (١٢/ ٢٤٧/ ٢٦٧٤)]. وهذا هو الصواب عن الثوري في هذا الحديث. وقد ذهب أحمد [في رواية مهنا بن يحيى] وابن المديني إلى أن رواية يحيى بن آدم، عن سفيان، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس: وهمٌ، وأن الصواب: عن أبي نعامة، عن أنس، كما رواه جماعة الثقات من أصحاب الثوري [النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر (٢/ ٧٥١)]، وهو نفس ما ذهب إليه البزار والدارقطني، وقد سبق نقل قولهما. وبذا تعلم خطأ ما ذهب إليه ابن عبد البر حيث قال في الإنصاف (٣١): "يمكن أن يكون هذا الحديث عن خالد الحذاء عن أبي نعامة الحنفي، وعن أبي قلابة، فيكون عنده بإسنادين، ولا يكون اختلافًا على خالد الحذاء".

стр. 3827

• وقد اختلف فيه أيضًا على أبي نعامة قيس بن عبابة الحنفي البصري [وهو: ثقة]: أ- فرواه خالد بن مهران الحذاء [وهو: بصري ثقة]، عن أبي نعامة قيس بن عباية الحنفي، عن أنس بن مالك، قال:. . . فذكره. ب- وخالفه: سعيد بن إياس الجريري [وهو: بصري ثقة، وقد رواه عنه جماعة من الثقات ممن روى عنه قبل الاختلاط، مثل: إسماعيل ابن علية، ووهيب بن خالد، وبشر بن المفضل، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي]، وعثمان بن غياث [بصري: ثقة]، وراشد بن نجيح الحماني أبو محمد [بصري: صالح الحديث. التهذيب (١/ ٥٨٤)، الميزان (٢/ ٣٦)]: عن أبي نعامة قيس بن عباية، قال: حدثني ابن عبد الله بن المغفل، عن أبيه، وفيه قصة. ويأتي تخريجه مفصلًا قريبًا في الشواهد. قال البخاري في التاريخ الكبير (٨/ ٤٤٢): "والأول أصح"؛ يعني: حديث الجماعة هذا، وأنه من حديث ابن مغفل، لا من حديث أنس. وقال الدارقطني في العلل (١٢/ ٢٤٧/ ٢٦٧٤) عن هذا الوجه الأخير: "وهو أشبه بالصواب؛ لأنهم ثلاثة، وقد خالفوا خالدًا في الإسناد". قال ابن حجر في النكت (٢/ ٧٥٢): "ولا يمتنع أن يكون لأبي نعامة فيه شيخان". قلت: نعم؛ لو كان أبو نعامة حافظًا مكثرًا، ولو كان خالد من الأثبات المتفق على توثيقهم، لكن لا هذا ولا ذاك، فأبو نعامة مُقلٌّ إذا قيس بالمكثرين، وخالد فقد تُكُلِّم فيه؛ إلا أن العمل على توثيقه، لكنه لم يكن في مثل مرتبة الثوري ومالك وأضرابهما، فالقول: قول البخاري والدارقطني. كذلك فإن راشد بن نجيح -وهو ممن رواه عن أبي نعامة بالإسناد الثاني- ممن يروي عن أنس، فلو كان عنده عن أنس، لما ترك الإسناد العالي، ليرويه بنزولٍ برواية مبهمٍ عن عبد الله بن مغفل، والله أعلم. فإن قيل: ألم يرجح أربعة من الأئمة رواية أصحاب الثوري على رواية يحيى بن أيوب عنه؟ مما يدل على كونها محفوظة؟ فيقال: نعم، هي محفوظة؛ لكن من حديث الثوري حسب، لكن وهِم في إسناده: خالد الحذاء حين جعله من مسند أنس، أو حدَّثه به شيخه أبو نعامة على الوهم، وإنما هو من مسند عبد الله بن المغفل، كما رواه ثلاثة من ثقات البصريين عن أبي نعامة، والله أعلم. ٩ - أبو إسحاق خازم بن حسين الحُمَيسي، عن مالك بن دينار، عن أنس بن مالك، قال: صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، فكانوا يفتتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ويقرؤون: (مَلك يوم الدين). أخرجه البخاري في القراءة خلف الإمام (١٣٦)، وأبو يعلى (٧/ ١٨٠/ ٤١٥٩)،

стр. 3828

والطحاوي في المشكل (١٤/ ١١/ ٥٤١٠)، وأبو إسحاق الهاشمي إبراهيم بن عبد الصمد في الأول من أماليه (٦٤)، وأبو بكر الدينوري في المجالسة وجواهر العلم (٣٥٠١)، وابن الأعرابي في المعجم (٣٦٠)، والطبراني في الأوسط (٥/ ١٨٤/ ٥٠١٨)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٧٣)، وأبو أحمد العسكري في تصحيفات المحدثين (٢/ ٥٤٩)، وتمام في الفوائد (١٦٩١)، وجعفر المستغفري في فضائل القرآن (٦٢٨ - ٦٣٠)، والخطيب في التاريخ (١٠/ ١٠٦)، وفي الموضح (١/ ٣٠٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٦/ ٣٩٣ و ٣٩٤). قال أبو العباس المستغفري: "أبو إسحاق الحميسي اسمه خازم بن الحسين: ليس بقوي في الحديث". قلت: الحميسي: ضعيف، له غرائب كثيرة، حتى قال فيه ابن عدي: "وعامة حديثه عن من يروي عنهم لا يتابعه أحد عليه، وأحاديثه شبه الغرائب، وهو ضعيف يكتب حديثه" [التهذيب (١/ ٥١٣)]، وهذا الحديث من غرائبه عن مالك بن دينار، وقد زاد فيه ذكر علي بن أبي طالب، وذكره في هذا الحديث غير محفوظ، وقد رواه عن الحميسي جماعة من الثقات والضعفاء والمتروكين، فيهم: جبارة بن المغلس وغيره. ١٠ - عبد الله بن وهب، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب؛ أن محمد بن نوح أخا بني سعد بن بكر حدثه، عن أنس بن مالك به. أخرجه الطحاوي (١/ ٢٠٣). وانظر فيمن وهم فيه على ابن وهب: علل الدارقطني (١٢/ ١٦٤/ ٢٥٧٧)، أطراف الغرائب والأفراد (١/ ١٨٩/ ٨٥٢). وهذا إسناد ضعيف؛ لجهالة محمد بن نوح هذا، ولم أقف على من ترجم له [انظر: التاريخ الكبير (١/ ٢٤٩)، الجرح والتعديل (٨/ ١٠٩)، غنية الملتمس (٥٢٩ - ٥٣٥)]، وابن لهيعة: ضعيف، وإن كان من رواية العبادلة عنه. ١١ - روى أبو همام الوليد بن شجاع، وخلف بن هشام البزار المقرئ، وأحمد بن يونس [وهم ثقات مشهورون]، وسحيم واسمه محمد بن القاسم [الحراني: صدوق. الجرح والتعديل (٤/ ٣٠٤) و (٨/ ٦٦)، الثقات (٩/ ٨٣)، صحيح ابن حبان (٢٥٦٠)]: ثنا أبو الأحوص: حدثني يوسف بن أسباط، عن عائذ بن شريح، عن أنس بن مالك، قال: صليت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم، كانوا يفتتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال أبو همام: فلقيت يوسف بن أسباط، فحدثنيه عن عائذ، عن أنس مثله. وهذا لفظه، وقال خلف بن هشام وأحمد بن يونس: فلم أسمع أحدًا منهم يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ولم يذكر أحمد بن يونس عليًّا. أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٨/ ٣٨٥)، وابن عدي في الكامل (٧/ ١٥٨)،

стр. 3829

وابن المقرئ في المعجم (١٣١٦)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٢٤٥)، وجعفر المستغفري في فضائل القرآن (١/ ٤٦٨/ ٦٢٧)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ٢٠٤)، ومسعود بن الحسن الثقفي في عروس الأجزاء (٥٠). قال البخاري بعد أن ذكره في ترجمة يوسف: "قال صدقة: دفن يوسف كتبه، فكان بعدُ يُقلب عليه، فلا يجيء به كما ينبغي". وقال ابن عدي في آخر ترجمة يوسف بن أسباط بعد أن ذكر هذا الحديث في ترجمته: "ويوسف هذا هو عندي من أهل الصدق؛ إلا أنه لما عَدِم كتبه كان يحمل على حفظه فيغلط ويشتبه عليه، ولا يتعمد الكذب" [قلت: وحاله كما قال ابن عدي. اللسان (٨/ ٥٤٨)، الجرح والتعديل (٩/ ٢١٨)]. وقال ابن عبد البر: "ذِكرُ عليٍّ في هذا الحديث غيرُ محفوظ، ولا يصح، والله أعلم"، وكان قال قبلُ: "وقد روى هذا الحديث عائذ بن شريح عن أنس، فزاد فيه ذكر علي، ولم يقله غيره". وذكر الدارقطني في العلل (١٢/ ١٦٢/ ٢٥٧٣) أن يوسف بن أسباط قد خولف فيه، فرواه العلاء بن الحصين، عن عائذ، عن ثمامة، عن أنس. والعلاء بن الحصين أبو الحصين الكوفي قاضي الري: قال أبو حاتم: "صالح الحديث"، وذكره ابن حبان في الثقات [الجرح والتعديل (٦/ ٣٥٤)، الثقات (٨/ ٥٠٣)، تاريخ الإسلام (١٣/ ٣٢٩)]، وعليه: فروايته -إذا صح الإسناد إليه- أولى من رواية يوسف بن أسباط، وثمامة بن عبد الله بن أنس: ثقة، وروايته عن جده في الصحيحين؛ لكن الشأن في عائذ بن شريح، فقد قال فيه أبو حاتم: "في حديثه صنعة"، وفي نسخةٍ: "في حديثه ضعف"، وكذا نقله في الميزان، لكن الأول عندي أقرب، فقد جعله أبو حاتم ميزانًا يزن به أحوال المتروكين، فقد قال أبو حاتم في سعيد بن ميسرة البكري [وهو متروك، منكر الحديث، كذبه يحيى القطان، واتهمه بالوضع ابن حبان والحاكم. اللسان (٤/ ٧٨)]: "هو منكر الحديث، ضعيف الحديث، يروي عن أنس المناكير، بابة عائذ بن شريح"، وقال ابن حبان في عائذ: "كان قليل الحديث، ممن يخطئ على قلته، حتى خرج عن حد الاحتجاج به إذا انفرد، وفيما وافق الثقات فإن اعتبر به معتبر لم أر بذلك بأسًا"، وقال ابن طاهر: "ليس بشيء" [الجرح والتعديل (٤/ ٦٣) و (٧/ ١٦)، المجروحين (٢/ ١٩٤)، الميزان (٢/ ٣٦٣)، تاريخ الإسلام (٩/ ٤٤٨)، اللسان (٤/ ٣٨٣)]. وعليه فهذا الحديث من مناكير عائذ بن شريح، ولا يصح فيه ذكر علي بن أبي طالب، والله أعلم. • هذا ما وقفت عليه من طرق حديث أنس، بقي أن نتبعها بما يأتي: • أولًا: فقد خالف هؤلاء الثقات من أصحاب أنس: سعيد بن يزيد: روى غسان بن مضر، وشعبة، وابن علية:

стр. 3830

عن أبي مسلمة سعيد بن يزيد الأزدي، قال: سألت أنس بن مالك: كان رسول الله ﷺ يستفتح [القراءة] بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، أو بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؟ فقال: إنك تسألني عن شيء ما أحفظه، وما سألني عنه أحد قبلك، قلت: أكان رسول الله ﷺ يصلي في النعلين؟ قال: نعم. أخرجه أحمد (٣/ ١٦٦ و ١٩٠)، والدارقطني (١/ ٣١٦)، والبيهقي في المعرفة (١/ ٥٢٤/ ٧٢٧)، والخطيب في الجهر بالبسملة (٣٣ و ٣٤ - مختصره للذهبي)، والحازمي في الاعتبار (١/ ٣٣٩ - ٣٤٠/ ٩٥)، وابن الجوزي في التحقيق (٤٥٨). قال الدارقطني: "هذا إسناد صحيح". وذهب في العلل (١٢/ ٢٠٦/ ٢٦٢٣) إلى إعلال حديث قتادة عن أنس بحديث أبي مسلمة هذا، فقد أورد الاختلاف على قتادة في لفظ الحديث، ثم أتبعه بذكر لفظ الحسن وحميد عن أنس، ثم ذكر رواية أبي مسلمة، ثم قال: "فقد اضطرب حديث أنس، يشك فيه". قلت: قول الثقات الذين نقلوا عن أنس ما حفظه عن رسول الله ﷺ ، وعن أبي بكر وعمر وعثمان، أولى من قول من روى عن أنس بعد نسيانه، والحجة في قول من حفظ، لا في قول من نسي، لا سيما وقتادة أحفظ من أبي مسلمة بلا نزاع، فكيف ولم ينفرد بذلك قتادة، بل تابعه: ثابت البناني، وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، والحسن البصري، ومنصور بن زاذان، ولم يسمع منه، والله أعلم. قال ابن عبد البر في الإنصاف (٣٣): "الذي عندي أنه من حفظه عنه حجة على من سأله في حين نسيانه". • وحديث أبي مسلمة هذا: قد أخرجه الشيخان بطرفه الثاني فقط دون أوله، وكذا الترمذي والنسائي [البخاري (٣٨٦ و ٥٨٥٠)، ومسلم (٥٥٥)، والترمذي (٤٠٠)، وقال: "حسن صحيح"، والنسائي في المجتبى (٢/ ٧٤/ ٧٧٥)، وفي الكبرى (١/ ٤١٧/ ٨٥٣)، والدارمي (١/ ٣٧٠/ ١٣٧٧)، وقد سبق تخريجه تحت الحديث رقم (٦٥٣)]، وقد صححوا في المقابل حديث قتادة عن أنس، مما يدل على تعمد إعراضهم عن هذه الرواية مع صحة سندها، ومع كونها طرفًا للحديث الذي صرحوا بصحته، وصنيعهم هذا يؤيد صحة ما ذهب إليه ابن عبد البر، والله أعلم. وسيأتي في الجواب عنه مزيد بيان من كلام الأئمة، وانظر: التنقيح (٢/ ١٨٣)، نصب الراية (١/ ٣٦١). • ثانيًا: وقد رواه بعضهم عن أنس مقلوبًا: أ- روى أصبغ بن الفرج [مصري، ثقة]: ثنا حاتم بن إسماعيل، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله ﷺ يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.

стр. 3831

أخرجه الحاكم (١/ ٢٣٣) (١/ ١١٤/ أ- ب) (رواق المغاربة) [وانظر: الإتحاف (٢/ ٤٩/ ١١٩٦)]، قال: حدثنا أبو علي الحسين بن علي الحافظ [هو: الحسين بن علي بن يزيد بن داود، أبو علي النيسابوري: إمام ناقد، حافظ ثبت. تاريخ نيسابور (٢٤٦)، الإرشاد (٣/ ٨٤٢)، تاريخ بغداد (٨/ ٧١)، تاريخ دمشق (١٤/ ٢٧١)، السير (١٦/ ٥١)]: ثنا علي بن أحمد بن سليمان [هو: علي بن أحمد بن سليمان بن ربيعة بن الصيقل، علانٌ المصري: ثقة مكثر. الأنساب (٣/ ٥٧٦) و (٤/ ٢٦٥)، السير (١٤/ ٤٩٦)، تاريخ الإسلام (٢٣/ ٥٤٣)]: ثنا سليمان بن داود المهري [مصري، ثقة]: ثنا أصبغ به. قال الحاكم: "رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات". قلت: لكنه إسناد غريب؛ فهو إسناد بصري، ثم مدني، ثم مصري، ثم نيسابوري. وقد أخرجه الدارقطني (١/ ٣٠٨) من طريق: زيد بن الحسين بن عيسى بن زيد: حدثني عمر بن محمد بن عمر بن علي بن الحسين، عن حاتم بن إسماعيل، عن شريك بن عبد الله، عن إسماعيل المكي، عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله ﷺ يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وهذا مع أنه في إسناده مجهولان؛ إلا أنه أولى من إسناد الحاكم، وقد سبق الكلام عليه في آخر طرق حديث قتادة عن أنس، وهو حديث منكر، والله أعلم. تنبيه شريك المذكور في رواية الحاكم هو ابن أبي نمر المدني، وأما المذكور في رواية الدارقطني فهو النخعي الكوفي، وكلاهما متكلَّم في حفظه. قال ابن رجب في الفتح (٤/ ٣٦٣) عن رواية الحاكم: "هذا لا يثبت"، ثم ذكر رواية الدارقطني ثم قال: "فتبين بهذه الرواية أنه سقط من رواية الحاكم من إسناده رجلان: أحدهما إسماعيل المكي، وهو: ابن مسلم: متروك الحديث، لا يجوز الاحتجاج به". ب- وروى محمد بن المتوكل بن أبي السري، قال: صليت خلف المعتمر بن سليمان من الصلوات ما لا أحصيها، الصبح والمغرب، فكان يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قبل فاتحة الكتاب وبعدها، وسمعت المعتمر يقول: ما آلو أن أقتدي بصلاة أبي، وقال أبي: ما آلو أن أقتدي بصلاة أنس بن مالك، وقال أنس: ما آلو أن أقتدي بصلاة رسول الله ﷺ . أخرجه الحاكم (١/ ٢٣٣ - ٢٣٤)، والدارقطني (١/ ٣٠٨)، والبيهقي في المعرفة (١/ ٧٢٨/ ٥٢٥). هذا هو المحفوظ عن ابن أبي السري، وانظر فيمن وهم فيه عليه، فرواه عنه، عن أبيه، عن الحسن، عن أنس: المعجم الكبير للطبراني (١/ ٢٥٥/ ٧٣٩)، مستخرج العراقي على المستدرك (٤٧). قال الحاكم: "رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات". وتابع ابن أبي السري على ذلك: إبراهيم بن محمد القاضي التيمي [قال الدارقطني:

стр. 3832

بصري، ثقة. تاريخ بغداد (٦/ ١٥٠)]: ثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ يجهر بالقراءة بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. أخرجه الدارقطني (١/ ٣٥٩)، قال: حدثني سهل بن إسماعيل القاضي [هو: سهل بن إسماعيل بن سهل، أبو صالح الجوهري الطرسوسي، نزل بغداد وحدث بها، قال الخطيب: "وكان ثقة"، تاريخ بغداد (٩/ ١٢١)]: ثنا أحمد بن محمد القاضي السحيمي [هو: أحمد بن محمد بن الحسين، أبو بكر السحيمي، قاضي همذان: صدوق. تاريخ بغداد (٤/ ٤٣٤)، تاريخ دمشق (٥/ ٢٤٧)، تاريخ الإسلام (٢٣/ ٦٢٠)]: ثنا عبد الله بن محمد بن إبراهيم الطائي [لم أجد له ترجمة]: ثنا إبراهيم بن محمد به. قال الدارقطني: "هذا إسناد صالح" [ساقط من المطبوع، وهو في تخريج الأحاديث الضعاف للغساني (٢٥٢)]. لكن قال ابن رجب في الفتح (٤/ ٣٦٣): "وفي إسناده مجاهيل، لا يُعرفون". قلت: إنما هو مجهول واحد، والبقية معروفون، فالمتابعة لا تثبت، وإنما يُعرف هذا الحديث بابن أبي السري، والله أعلم. قال الدارقطني في العلل (١٢/ ٢٠٥/ ٢٦٢٣) بعد أن ذكر رواية ابن أبي السري وإبراهيم القاضي: "وهذا بخلاف رواية أصحاب أنس عنه". • وقد خولف ابن أبي السري في موضع الشاهد منه: فقد روى ابن الأعرابي في المعجم (٣/ ٩٤١/ ١٩٩٧): نا أبو رفاعة العدوي، قال: سمعت عبد الله بن حرب الليثي [ثقة. الجرح والتعديل (٥/ ٤١)، تاريخ الإسلام (١٧/ ٢١٤)]، قال: سمعت معتمر بن سليمان، يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أنسًا، يقول: ما آليت ما اقتديت بكم به من صلاة رسول الله ﷺ ، قال أبي: ما آليت ما اقتديت بكم من صلاة أنس، قال المعتمر: ما آليت ما اقتديت بكم من صلاة أبي، قال عبد الله بن حرب: وصلى لنا المعتمر، فكان إذا كبر رفع يديه في كل خفض ورفع، وبين الركعتين. وأبو رفاعة العدوي هو: عبد الله بن محمد بن عمر بن حبيب البصري، وثقه الخطيب البغدادي، وله أوهام في رفع الموقوفات [علل الدارقطني (١٠/ ٣٢٥/ ٢٠٣٦)، تاريخ بغداد (١٠/ ٨٣)، المنتظم (١٢/ ٢٤٧)، تاريخ الإسلام (٢٠/ ٣٧٨)]، لكنه هنا لم يرفع ما وقفه ابن أبي السري في روايته، وإنما خالفه في موضع الشاهد من صفة الصلاة [وانظر: نصب الراية (١/ ٣٥٢)]. فهذا الاختلاف مما يضعف الاعتماد على رواية ابن أبي السري، ويقوي القول بوهمه فيها، وأخيرًا: يبقى الحديث قريبًا من حديث معتمر بن سليمان التيمي. • بل هو معلول بما رواه: يحيى بن معين، وإسحاق بن راهويه، ومسدد بن مسرهد [وهم: ثقات حفاظ أئمة]، وأحمد بن عبدة الضبي، ومحمد بن عبد الله بن محمد الرقاشي، وأبو الأشعث أحمد بن المقدام [وهم ثقات]:

стр. 3833

عن المعتمر بن سليمان، قال: حدثني إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان، عن أبي خالد الوالبي، عن ابن عباس، قال: كان النبي ﷺ يفتتح صلاته بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. ويأتي تخريجه تحت الحديث رقم (٧٨٨). وعلى هذا فيكون من قال فيه: عن المعتمر عن أبيه عن أنس؛ قد سلك فيه الجادة والطريق السهل، وهذا الإسناد الأخير لا يضبطه إلا حافظ، ورواية جماعة الحفاظ المتقنين أولى من رواية الواحد والاثنين، فكيف وقد تُكُلِّم في ابن أبي السري، فإنه وإن وثقه ابن معين، فقد قال أبو حاتم: "لين الحديث"، وقال ابن عدي وجماعة: "كثير الغلط"، وهو كثير الوهم والخطأ [التهذيب (٣/ ٦٨٦)، الميزان (٤/ ٢٣)، وقال: "ولمحمد هذا أحاديث تستنكر"]، فهذا الحديث من مناكيره، والله أعلم. فإن قيل: في طريق ابن أبي السري قصة تدل على أنه قد حفظ الإسناد والحديث، فيقال: ولو سلمنا جدلًا بذلك فليس فيه دليل على الجهر بالبسملة، ولا يصلح متمسكًا على أن النبي ﷺ كان يجهر في صلاته بالبسملة، بل غايته أن المعتمر كان يجهر بها، في جملة صفة صلاته، قال ابن رجب في الفتح (٤/ ٣٦٤): "ليس فيه تصريح برواية معتمر للجهر بالبسملة بهذا الإسناد، وإنما فيه اقتداء كليٌّ في الصلاة، ومثل هذا لا يثبت به نقل تفاصيل أحكام الصلاة الخاصة". وقد أطال شيخ الإسلام ابن تيمية في ردِّ حديث المعتمر هذا من عدة أوجه؛ حيث قال: "وأما حديث المعتمر بن سليمان عن أبيه، فيُعلم أولًا: أن تصحيح الحاكم وحده وتوثيقه وحده لا يوثَق به فيما دون هذا، فكيف في مثل هذا الموضع الذي يعارَض فيه بتوثيق الحاكم، وقد اتفق أهل العلم في الصحيح على خلافه، ومن له أدنى خبرة في الحديث وأهله لا يعارض بتوثيق الحاكم، وقد ثبت في الصحيح خلافه، فإن أهل العلم متفقون على أن الحاكم فيه من التساهل والتسامح في باب التصحيح، حتى أن تصحيحه دون تصحيح الترمذي والدارقطني وأمثالهما بلا نزاع، فكيف بتصحيح البخاري ومسلم، بل تصحيحه دون تصحيح أبي بكر بن خزيمة وأبي حاتم بن حبان البستي وأمثالهما، بل تصحيح الحافظ أبي عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي في مختاره خير من تصحيح الحاكم، فكتابه في هذا الباب خير من كتاب الحاكم بلا ريب عند من يعرف الحديث، وتحسين الترمذي أحيانًا يكون مثل تصحيحه أو أرجح، وكثيرًا ما يصحح الحاكم أحاديث يُجزم بأنها موضوعة لا أصل لها، فهذا هذا. والمعروف عن سليمان التيمي وابنه معتمر أنهما كانا يجهران بالبسملة، لكن نقْلُه عن أنس هو المنكر، كيف وأصحاب أنس الثقات الأثبات يروون عنه خلاف ذلك، حتى أن شعبة سأل قتادة عن هذا، قال: أنت سمعث أنسًا يذكر ذلك؟ قال: نعم، وأخبره باللفظ الصريح المنافي للجهر، ونقل شعبة عن قتادة ما سمعه من أنس في غاية الصحة، وأرفع

стр. 3834

درجات الصحيح عند أهله، إذ قتادة أحفظ أهل زمانه أو من أحفظهم، وكذلك إتقان شعبة وضبطه هو الغاية عندهم، وهذا مما يرَدُّ به قول من زعم: أن بعض الناس روى حديث أنس بالمعنى الذي فهمه، وأنه لم يكن في لفظه إلا قوله: يستفتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ففهم بعض الرواة من ذلك نفي قراءتها فرواه من عنده، فإن هذا القول لا يقوله إلا من هو أبعد الناس علمًا برواة الحديث وألفاظ روايتهم الصريحة التي لا تقبل التأويل، وبأنهم من العدالة والضبط في الغاية التي لا تحتمل المجازفة، أو أنه مكابر صاحب هوى يتبع هواه، ويدع موجب العلم والدليل. ثم يقال: هب أن المعتمر أخذ صلاته عن أبيه، وأبوه عن أنس، وأنس عن النبي ﷺ ، فهذا مجمل ومحتمل، إذ ليس يمكن أن يثبت كل حكم جزئي من أحكام الصلاة بمثل هذا الإسناد المجمل؛ لأنه من المعلوم أن مع طول الزمان وتعدد الإسناد لا تضبط الجزئيات في أفعال كثيرة متفرقة حق الضبط إلا بنقل مفصل لا مجمل، والا فمن المعلوم أن مثل منصور بن المعتمر وحماد بن أبي سليمان والأعمش وغيرهم أخذوا صلاتهم عن إبراهيم النخعي وذويه، وإبراهيم أخذها عن علقمة والأسود ونحوهما، وهم أخذوها عن ابن مسعود، وابن مسعود عن النبي ﷺ ، وهذا الإسناد أجل رجالًا من ذلك الإسناد، وهؤلاء أخذ الصلاة عنهم أبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى وأمثالهم من فقهاء الكوفة، فهل يجوز أن يجعل نفس صلاة هؤلاء هي صلاة رسول الله ﷺ بهذا الإسناد حتى في موارد النزاع، فإن جاز هذا: كان هؤلاء لا يجهرون، ولا يرفعون أيديهم إلا في تكبيرة الافتتاح، ويسفرون بالفجر، وأنواع ذلك مما عليه الكوفيون. . . . لكن مثل هذه الأسانيد المجملة لا يثبت بها أحكام مفصلة تنازع الناس فيها، ولئن جاز ذلك ليكونن مالك أرجح من هؤلاء؛ فإنه لا يستريب عاقل أن الصحابة والتابعين وتابعيهم الذين كانوا بالمدينة أجلُّ قدرًا وأعلم بالسُّنَّة وأتبع لها ممن كان بالكوفة ومكة والبصرة، وقد احتج أصحاب مالك على ترك الجهر بالعمل المستمر بالمدينة، فقالوا: هذا المحراب الذي كان يصلي فيه رسول الله ﷺ ثم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم الأئمة وهلم جرا، ونقلهم لصلاة رسول الله ﷺ نقل متواتر، كلهم شهدوا صلاة رسول الله ﷺ ثم صلاة خلفائه، وكانوا أشدَّ محافظةً على السُّنَّة، وأشد إنكارًا على من خالفها من غيرهم، فيمتنع أن يغيروا صلاة رسول الله ﷺ ، وهذا العمل يقترن به عمل الخلفاء كلهم من بني أمية وبني العباس، فإنهم كلهم لم يكونوا يجهرون، وليس لجميع هؤلاء غرض بالإطباق على تغيير السُّنَّة في مثل هذا، ولا يمكن أن الأئمة كلهم أقرتهم على خلاف السُّنَّة، بل نحن نعلم ضرورةً أن خلفاء المسلمين وملوكهم لا يبدلون سُنَّة لا تتعلق بأمر ملكهم، وما يتعلق بذلك من الأهواء، وليست هذه المسألة مما للملوك فيها غرض. وهذه الحجة إذا احتج بها المحتج لم تكن دون تلك، بل نحن نعلم أنها أقوى منها، فإنه لا يشك مسلم أن الجزم بكون صلاة التابعين بالمدينة أشبه بصلاة الصحابة بها،

стр. 3835

والصحابة بها أشبه صلاة بصلاة رسول الله ﷺ ، أقرب من الجزم بكون صلاة شخص أو شخصين أشبه بصلاة آخر حتى ينتهي ذلك إلى النبي ﷺ ، ولهذا لم يذهب ذاهب قط إلى أن عمل غير أهل المدينة أو إجماعهم حجة، وإنما تنوزع في عمل أهل المدينة وإجماعهم، هل هو حجة أم لا؟ نزاعًا لا يقصر عن عمل غيرهم واجماع غيرهم إن لم يزد عليه. فتبين دفع ذلك العمل عن سليمان التيمي وابن جريج وأمثالهما بعمل أهل المدينة، لو لم يكن المنقول نقلًا صحيحًا صريحًا عن أنس يخالف ذلك، فكيف والأمر في رواية أنس أظهر وأشهر وأصح وأثبت من أن يعارض بهذا الحديث المجمل الذي لم يثبت، وإنما صححه مثل الحاكم وأمثاله" [المجموع (٢٢/ ٤٢٦)]. • وانظر طرقًا أخرى عن أنس لا تخلو من مقال: [مصنف عبد الرزاق (٢/ ٨٨/ ٢٥٩٨ و ٢٥٩٩)]. [المعجم الأوسط (٧/ ١٨٧/ ٧٢٣٤)] [وهو منكر من حديث إبراهيم التيمي عن أنس؛ تفرد به عبد الله بن خراش، وهو: متروك، منكر الحديث، عن الثقة الثبت العوام بن حوشب، وقد أكثر الرواية عن عمه العوام بن حوشب بما لا يتابع عليه؛ حتى قال ابن عدي: "ولا أعلم أنه يروي عن غير العوام أحاديث، وعامة ما يرويه غير محفوظ"، الكامل (٤/ ٢١٠)، التهذيب (٢/ ٣٢٦)، الميزان (٢/ ٤١٣)]. [مسند ابن أبي عمر العدني (٢/ ٣٣٤/ ١٨١٨ - إتحاف الخيرة)] [وراويه عن أنس: أبان بن أبي عياش، وهو: متروك]. [أطراف الغرائب والأفراد (١/ ١٨٦/ ٨٣٤)، مسألة التسمية لابن طاهر المقدسي (٤٤)] [وفي إسناده علي بن ظبيان، وهو: متروك، منكر الحديث، وداود بن أبي هند: لم يسمع من أنس]. [أطراف الغرائب والأفراد (١/ ٢١٧/ ١٠٤٣)] [وقال: "غريب من حديث مسعر عن قتادة عن أنس،. . . "]. [علل الدارقطني (١٢/ ٢٠٤/ ٢٦٢٣)] [من حديث الزهري عن أنس، ولا يصح عنه]. [فضائل القرآن لجعفر المستغفري (١/ ٤٦٦/ ٦٢١)] [وفي إسناده: محمد بن القاسم الأسدي: متروك، منكر الحديث، كذبه أحمد والدارقطني. التهذيب (٣/ ٦٧٨)، الميزان (٤/ ١١)]. [تاريخ بغداد (٣/ ١٦٥)] [وإسناده واهٍ بمرة]. • وأما ما ذهب إليه الدارقطني، وتبعه عليه البيهقي والخطيب وغيرهما من الشافعية [انظر: الخلافيات (٢/ ٥٨ - مختصره)، مختصر ذكر الجهر بالبسملة للخطيب ص (٥٤)، الاعتبار في الناسخ والمنسوخ (١/ ٣٣٦)، الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٣/ ٢٣٣)] من كون حديث شعبة بلفظ: يفتتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هو

стр. 3836

المحفوظ عن شعبة، وعن قتادة، وأما قول من قال: فلم يجهروا بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وما كان في معناه من عدم الجهر بالبسملة، فهو غير محفوظ من حديث قتادة عن أنس؛ هذا الذي ذهبوا إليه: قول ضعيف. فإن الذين رووا الحديث عن شعبة بلفظ عدم الجهر بالبسملة هم من ثقات أصحاب شعبة، لا سيما وفيهم غندر، والذي كان كتابه حَكَمًا بين أصحاب شعبة إذا اختلفوا عليه، وكان قد لزمه عشرين سنة، وتابعه عليه: حجاج بن محمد، ومعاذ بن معاذ، وبشر بن عمر، ومحمد بن بكر البرساني، وآدم بن أبي إياس، ووكيع بن الجراح، وشاذان الأسود بن عامر، وأبو النضر هاشم بن القاسم، وعلي بن الجعد، وعبد الرحمن بن غزوان، وبدل بن المحبر، وعقبة بن خالد، وعبيد الله بن موسى، وزيد بن الحباب، وعبد الرحمن بن زياد الرصاصي، فهؤلاء ستة عشر رجلًا من ثقات أصحاب شعبة -فيما وقفت عليه-، وهم جمهور من روى هذا الحديث عن شعبة. ولم ينفرد بها شعبة [وهو الثقة الحافظ الحجة، الثبت المتقن] عن قتادة، بل تابعه عليها: ابن أبي عروبة [في رواية عنه]، والأوزاعي، وشيبان النحوي، وحجاج الباهلي. ولم ينفرد بها قتادة، فقد روى الأوزاعي، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكلهم يفتتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، لا يقرؤون: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في أول السورة، ولا في آخرها. وروى أبو حمزة السكري، عن منصور بن زاذان، عن أنس بن مالك، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ، فلم يُسمعنا قراءة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وصلى بنا أبو بكر وعمر فلم نسمعها منهما. وهذا وإن كان منقطعًا؛ إلا أنه صالح في المتابعات. وقد اعترض الشافعية على هذه الرواية والتي جاء فيها التصريح بعدم الجهر بالبسملة، فقالوا: إنما رواها من رواها بالمعنى، خلافًا للفظ المحفوظ. قال البيهقي في الخلافيات (٢/ ٥٨ - مختصره): "فالأشبه والله أعلم: أن من رواه على اللفظ الذي اتفق البخاري ومسلم على صحته أدَّاه على اللفظ الذي سمعه، ومن رواه على اللفظ الذي تفرد به سلم بإخراجه أدَّاه على المعنى الذي وقع له، فقد روينا عن أنس بن مالك ﵁ بأسانيد عدة في القراءة بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، يشهد القلب أن القول قول من رواه على اللفظة الأولى، وفي ذلك جمع بين الأخبار وقبولها دون إسقاط بعضها"، ثم احتج أيضًا برواية أبي مسلمة عن أنس. وقال النووي في المجموع (٣/ ٢٩٨): "وأما الرواية التي في مسلم: فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فقال أصحابنا: هي رواية للفظ الأول بالمعنى الذي فهمه الراوي، عبر عنه على قدر فهمه فأخطأ، ولو بلَّغ الحديث بلفظه الأول لأصاب، فإن

стр. 3837

اللفظ الأول هو الذي اتفق عليه الحفاظ، ولم يخرج البخاري والترمذي وأبو داود غيره، والمراد به اسم السورة كما سبق، وثبت في سنن الدارقطني عن أنس قال: كنا نصلي خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃ فكانوا يفتتحون بأم القرآن فيما يجهر به، قال الدارقطني: هذا صحيح، وهو دليل صريح لتأويلنا، فقد ثبت الجهر بالبسملة عن أنس وغيره كما سبق، فلا بد من تأويل ما ظهر خلاف ذلك". قلت: الرد على ما احتجوا به من أوجه: • أما قولهم عن رواية شعبة ومن تابعه في التصريح بعدم الجهر بالبسملة بأنها رواية بالمعنى، فهو قول ضعيف؛ سبق ردُّه قريبًا، ببيان أن هذه الرواية محفوظة من حديث أنس، وفي هذا المعنى يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "ونقل شعبة عن قتادة ما سمعه من أنس في غاية الصحة، وأرفع درجات الصحيح عند أهله، إذ قتادة أحفظ أهل زمانه أو من أحفظهم، وكذلك إتقان شعبة وضبطه هو الغاية عندهم، وهذا مما يرَدُّ به قول من زعم: أن بعض الناس روى حديث أنس بالمعنى الذي فهمه، وأنه لم يكن في لفظه إلا قوله: يستفتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ففهم بعض الرواة من ذلك نفي قراءتها فرواه من عنده، فإن هذا القول لا يقوله إلا من هو أبعد الناس علمًا برواة الحديث وألفاظ روايتهم الصريحة التي لا تقبل التأويل، وبأنهم من العدالة والضبط في الغاية التي لا تحتمل المجازفة، أو أنه مكابر صاحب هوى يتبع هواه، ويدع موجب العلم والدليل" [وقد سبق نقله قريبًا]. كذلك فإن رواية الأوزاعي في الجمع بين اللفظين: فكانوا يستفتحون بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، لا يذكرون: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في أول القراءة، ولا في آخرها، هذه الرواية الثابتة [والتي أخرجها مسلم] دالة على أن قتادة كان يروي الحديث باللفظين مرة هكذا، ومرة هكذا، فلما كتب به إلى الأوزاعي جمع بينهما، وهذا يدل على أن قتادة قد سمعه من أنس على الوجهين، وقتادة هو أحفظ من روى هذا الحديث عن أنس؛ فلا تُعَلُّ روايته برواية غيره، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، وهو أحفظ وأكثر رواية عن أنس من سعيد بن يزيد أبي مسلمة، فرواية من روى الإثبات مقدمة على رواية من روى النفي، والله أعلم. قال الذهبي في السير (٧/ ٢١٨) بعد حديث علي بن الجعد عن شعبة وشيبان بلفظ: فلم أسمع أحدًا منهم يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قال: "هذا حديث ثابت ما عليه غبار، وقتادة فحافظ يؤدي الحديث بحروفه". وقال في تعقب كلام الخطيب في مصنفه في الجهر بالبسملة ص (٥٧ - مختصره) بعد رواية الأوزاعي عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة عن أنس الصريحة بذكر البسملة، قال: "ما أدري عذر الخطيب في رده لمثل هذا، فإنا لو تنازلنا وسلمنا أن حديث قتادة على زعمه معلولًا، يرد عليه هذا الحديث؛ فإنه لا علة له".

стр. 3838

والحاصل: فإن لفظ: كانوا لا يجهرون، أو: فلم أسمع أحدًا منهم يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثابت صحيح من حديث أنس. قال الطحاوي (١/ ٢٠٣): "ففي ذلك دليل أنهم كانوا يقولونها من غير طريق الجهر، ولولا ذلك لما كان لذكرهم نفي الجهر معنى، فثبت بتصحيح هذه الآثار ترك الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وذكرها سرًّا". وقال ابن رجب في الفتح (٤/ ٣٥٤): "ما ذكروه من اختلاف ألفاظ الرواية يدل على أنهم كانوا يروون الحديث بالمعنى، ولا يراعون اللفظ، فإذا كان أحد الألفاظ محتملًا، والآخر صريحًا لا احتمال فيه، علم أنهم أرادوا باللفظ المحتمل هو ما دل عليها اللفظ الصريح الذي لا احتمال فيه، وأن معناهما عندهم واحد، وإلا لكان الرواة قد رووا الحديث الواحد بألفاظ مختلفة متناقضة، ولا يُظَنُّ ذلك بهم مع علمهم وفقههم وعدالتهم وورعهم. لا سيما وبعضهم قد زاد في الحديث زيادة تنفي كل احتمال وشك، وهي عدم ذكر قراءة البسملة في القراءة، وهذه زيادة من ثقات عدول حفاظ، تقضي على كل لفظ محتمل، فكيف لا تقبل؟ لا سيما وممن زاد هذه الزيادة الأوزاعي فقيه أهل الشام وإمامهم وعالمهم، مع ما اشتهر من بلاغته وفصاحته وبلوغه الذروة العليا من ذلك. والذي روى نفي قراءة البسملة من أصحاب حميد هو مالك، ومالكٌ مالكٌ في فقهه وعلمه وورعه وتحريه في الرواية، فكيف ترد روايته المصرحة بهذا المعنى برواية شيوخ ليسوا فقهاء لحديث حميد بلفظ محتمل؟ فالواجب في هذا ونحوه: أن تجعل الرواية الصريحة مفسرة للرواية المحتملة؛ فإن هذا من باب عرض المتشابه على المحكم، فأما ردُّ الروايات الصريحة للرواية المحتملة فغير جائز، كما لا يجوز رد المحكم للمتشابه. ومن زعم: أن ألفاظ الحديث متناقضة فلا يجوز الاحتجاج به فقد أبطل، وخالف ما عليه أئمة الإسلام قديمًا وحديثًا في الاحتجاج بهذا الحديث والعمل به". وقال ابن حجر في النكت (٢/ ٧٦٦) في الرد على الدارقطني ومن تبعه في تعليل رواية عدم الجهر بالبسملة: "وفي ذلك نظر؛ لأنه يستلزم ترجيح إحدى الروايتين على الأخرى مع إمكان الجمع بينهما، وكيف يحكم على رواية عدم الجهر بالشذوذ وفي رواتها عن قتادة مثل شعبة؟ "، ثم ذكر بأنه قد تابع شعبة عليها: سعيد بن أبي عروبة، وشيبان، إلى أن قال: "فيظهر أن قتادة كان يرويه على الوجهين، وكذلك شعبة". وقال أيضًا (٢/ ٧٥٣): "والجمع بين هذه الألفاظ ممكن بالحمل على عدم الجهر"، وهو ما ذهب إليه في مؤلفاته أمثل: الفتح (٢/ ٢٢٨ و ٢٦٧)، والدراية (١/ ١٣٣)، وغيرها]: أن محصل روايات حديث أنس: نفي الجهر بالبسملة، إلا أنه يُثبت حديث نعيم المجمر بدلالته على الجهر، والله أعلم.

стр. 3839

وقال الزيلعي في نصب الراية (١/ ٣٣٠): "وكل ألفاظه ترجع إلى معنى واحد، يصدق بعضها بعضًا". • وأما قولهم بأن المراد بحديث أنس هذا اسم السورة؛ فسيأتي رده مفصلًا بعد استيفاء ذكر شواهد حديث أنس. • وأما استدلالهم بالرواية التي رواها الدارقطني وغيره: عن أنس قال: كنا نصلي خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃ فكانوا يفتتحون بأم القرآن فيما يجهر به، فقد تقدم بيان حكمها، وأنها رواية شاذة [راجع ما كتب تحت الطريق الخامسة من طرق حديث قتادة عن أنس]. • وأما استدلالهم بأنه قد ثبت الجهر بالبسملة عن أنس وغيره، فهو استدلال ساقط، إذ لا يصح عن أنس في هذا الباب خلاف ما رواه عنه أصحابه الثقات [كما تقدم بيانه]، وما هي إلا روايات شاذة أو منكرة لا تقوم بها حجة؛ فضلًا عن أن يُعارض بها ما صححه الشيخان، وسيأتي الكلام عن بقية أحاديث الجهر مفصلًا قريبًا إن شاء الله تعالى. • وأما قول ابن عبد البر في التمهيد (٢/ ٢٣٠) بعد أن ذكر الاختلاف في لفظ حديث أنس: "وهذا اضطراب لا يقوم معه حجة لأحد من الفقهاء"، فليس بمقبول منه؛ إذ يكفينا تصحيح الشيخين البخاري ومسلم لهذا الحديث، فهما إماما هذا الفن، مع عدم قيام المعارض الدال على تضعيفه، إذ ليس مع الخصم حجة قوية في تضعيف هذا الحديث وردِّه، ولا يُعَدُّ مثل هذا اختلافًا قادحًا، فإن قول أنس: كانوا يستفتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، هو معنى قوله: فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ [أو قال: يجهر بـ]: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فأي اضطراب في هذا؟!، كما أن ابن عبد البر جمع إلى الألفاظ المحفوظة ما ليس بمحفوظ من حديث أنس، مثل رواية من قال فيه: كانوا لا يتركون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وهي غير محفوظة من حديث أنس، فلا يُعلُّ الصحيح الثابت المحفوظ بالمنكر أو الشاذ، وكذا فعل الخطيب في مصنفه في الجهر، حيث جمع من طرق أنس ما فيه التصريح بالجهر بالبسملة، وكلها طرق واهية ساقطة، لا يُعارض بمثلها الثابت الصحيح، والله أعلم [انظر: النكت لابن حجر (٢/ ٧٥٣)]. كما أن ابن عبد البر قد ناقض نفسه حيث حكم عليه بالاضطراب في هذا الموضع، ثم هو في موضع آخر من التمهيد (٢٠/ ٢٠٢) يقول: "فقد ثبت عن النبي ﷺ وعن أبي بكر وعمر وعثمان أنهم كانوا يفتتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ "، وكذا في الاستذكار (١/ ٤٥٤). ومثله تصرف الخطيب البغدادي في كتابه الجهر بالبسملة ص (٥٤ - مختصره) حيث قال: "وقد اختلف في لفظ هذا الحديث أصحابُ شعبة: عليه اختلافًا شديدًا، وإنما اعتبرنا هذه الألفاظ المختلفة، فوجدنا ذكر التسمية غير ثابت"، ثم احتج على ذلك برواية أبي

стр. 3840

مسلمة، ولما جعل الخطيب اختلاف أصحاب شعبة عليه علةً لأصل الحديث؛ قال الذهبي متعقبًا إياه: "هذا هوى وغلو منه". ولما احتج الخطيب برواية أبي مسلمة على رد حديث قتادة، قال الذهبي: "سأله عن افتتاح الصلاة بالبسملة، وفي اللفظ الآخر عن قراءتها، وما في ذلك ما يدل على أنه سأله عن الجهر بها، فيحتمل أنه سأله عن الجهر، فقال له: تسألني عن شيء ما سألني عنه أحد، على سبيل التعجب والإنكار، كما إذا سأل الشخص عن أمر واضح فيقال له ذلك، ويحتمل أنه سأله عن قراءتها سرًّا قبل الحمد، ولم يكن عند أنس علمٌ من أن النبي ﷺ يقرؤها سرًّا أم لا، فلذلك قال: لتسألني عن شيء لا أحفظه، ويحتمل أنه سأله عن الجهر بها، فقال له: لا أحفظ الجهر بها؛ أي: ما حفظت عن رسول الله ﷺ الجهر بها، فيكون الضمير في: لا أحفظه، عائدًا إلى المسؤول عنه، وقد صح عن شعبة أنه قال في روايته عن قتادة عن أنس: قلت لقتادة: أسمعته من أنس؟ قال: نحن سألناه عنه، فعلم أن الذي سألوا عنه أنسًا فرواه لهم هو الاستفتاح بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وأن الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ لم يحفظه عن النبي ﷺ ". وقال في السير (٢١/ ١٧١) في حديث أبي مسلمة: "هذا حديث حسن غريب، وهو ظاهر في أن أبا مسلمة سعيد بن يزيد سأل أنسًا عن الصلوات الخمس: أكان النبي ﷺ يستفتح، -يعني: أول ما يحرم بالصلاة- بدعاء الاستفتاح، أم بالاستعاذة، أم بالحمد لله رب العالمين؟ فأجابه أنه لا يحفظ في ذلك شيئًا. فأما الجهر وعدمه بالبسملة فقد صح عنه من حديث قتادة وغيره عن أنس؛ أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا لا يجهرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ". ويؤيد كلام الذهبي رواية حجاج بن محمد: قال شعبة: قال قتادة: سألت أنس بن مالك: بأي شيء كان رسول الله ﷺ يستفتح القراءة؟ فقال: إنك لتسألني عن شيء ما سألني عنه أحد [عند أحمد (٣/ ١٧٦)]. وقال ابن حجر في النكت (٢/ ٧٦٠) بعد أن ساق رواية الطيالسي عن شعبة في إثبات السماع وسؤال قتادة، قال: "فهذا اللفظ صريح في أن السؤال كان عن عدم سماع القراءة [يعني: بالبسملة] لا عن سماع الاستفتاح بأي سورة"، وقال نحوه في الفتح (٢/ ٢٢٨). وقال أيضًا (٢/ ٧٦٢) في الجمع بين حديث قتادة عن أنس، وحديث أبي مسلمة عن أنس: "فوضح بذلك أن سؤال قتادة ليس مخالفًا لسؤال أبي مسلمة، فطريق الجمع بينهما أن يقال: إن سؤال أبي مسلمة كان متقدمًا على سؤال قتادة، بدليل قوله في روايته: لم يسألني عنه أحد قبلك، فكأنه كان إذ ذاك غير ذاكر لذلك، فأجاب بأنه لا يحفظه، ثم سأله قتادة عنه فتذكر ذلك، وحدثه بما عنده فيه". • وله شواهد من حديث: ١ - عائشة: يرويه بُدَيل بن ميسرةَ، عن أبي الجَوزاء، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ

стр. 3841

يفتتح الصلاةَ بالتكبير، والقراءةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾،. . . الحديث. أخرجه مسلم (٤٩٨)، ويأتي في السنن بعد حديث أنس برقم (٧٨٣). ٢ - عبد الله بن مغفل: يرويه إسماعيل ابن علية، ووهيب بن خالد، وبشر بن المفضل، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي [وهؤلاء ثقات أثبات، وسماعهم من الجريري قديم، قبل اختلاطه]، ويزيد بن هارون [ثقة متقن، سمع من الجريري بعد اختلاطه] [الكواكب النيرات (٢٤)، شرح علل الترمذي (٢/ ٧٤٢)]: عن الجريري، عن قيس بن عباية، قال: حدثني ابن عبد الله بن المغفل [وفي رواية إسماعيل ابن علية عند أحمد (٤/ ٨٥) (٢٧/ ٣٤٢ - ط الرسالة) (٧/ ٣٧٠١/ ١٧٠٦٠ - ط المكنز) زيادة: يزيد بن عبد الله]، عن أبيه، قال: وقلما رأيت رجلًا أشد عليه في الإسلام حدثًا منه، فسمعني وأنا أقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فقال: أي بني إياك والحدث، فإني صليت مع رسول اللَّه ﷺ ، ومع أبي بكر، ومع عمر، ومع عثمان، فلم أسمع رجلًا منهم يقول ذلك [وفي رواية وهيب: فكانوا لا يستفتحون القراءة بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾]، فإذا قرأت فقل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أخرجه البخاري في القراءة خلف الإمام (١٢٣ و ١٣٨)، والترمذي (٢٤٤)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٢/ ٨٥/ ٢٢٧)، وابن ماجه (٨١٥)، وأحمد (٤/ ٨٥) و (٥/ ٥٥)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٥٩/ ٤١٢٨)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٢٣/ ١٣٥٠)، والطحاوي (١/ ٢٠٢)، والبيهقي في المعرفة (١/ ٥٢٦/ ٧٢٩)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ٢٠٦)، وفي الإنصاف (٥)، والخطيب في الموضح (٢/ ٣٧٢)، وابن الجوزي في التحقيق (٤٥٧). وقد وهم فيه معمر على الجريري [انظر: مصنف عبد الرزاق (٢/ ٨٨/ ٢٦٠٠)، فضائل القرآن للمستغفري (٦٣٦)]. • تابع الجريري عليه [وهو: بصري ثقة]: أ- راشد بن نجيح أبو محمد [بصري، صالح الحديث. التهذيب (١/ ٥٨٤)، الميزان (٢/ ٣٦)]، قال: حدثني قيس بن عباية به، وفي آخره: فكانوا يفتتحون بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أخرجه الدولابي في الكنى (٣/ ٩٥٣/ ١٦٦٤). ب- ورواه عثمان بن غياث [بصري، ثقة]، قال: أخبرني أبو نعامة الحنفي، قال: حدثنا ابن عبد الله بن مغفل، قال: كان عبد الله بن مغفل إذا سمع أحدَنا يقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، يقول: صليتُ خلف رسول اللَّه ﷺ ، وخلف أبي بكر، وخلف عمر ﵄، فما سمعت أحدًا منهم قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٨/ ٤٤١)، والنسائي في المجتبى (٢/ ١٣٥/ ٩٠٨)،

стр. 3842

وفي الكبرى (١/ ٤٧٠/ ٩٨٢)، وأحمد (٥/ ٥٤)، والروياني (٨٨٤)، والبيهقي (٢/ ٥٢)، وابن عبد البر في الإنصاف (٦)، والخطيب في الموضح (٢/ ٣٧٢). وقد تقدم ذكر الاختلاف في هذا الإسناد على أبي نعامة، وأن المحفوظ فيه: أنه عن أبي نعامة، عن ابن عبد الله بن مغفل، عن أبيه [انظر: الطريق الثامنة من طرق حديث أنس]. وانظر فيمن وهم فيه على أبي نعامة، فأسقط ذكر ابن عبد الله بن مغفل من الإسناد: التاريخ الكبير (٨/ ٤٤٢)، طبقات المحدثين بأصبهان (٣/ ٧). قال الترمذي: "حديث عبد الله بن مغفل: حديث حسن". وقال البيهقي في السنن: "وأبو نعامة قيس بن عباية: لم يحتج به الشيخان، والله أعلم". وقال في الخلافيات (٢/ ٦١ - مختصره): "ابن مغفل لا نعرفه بما يثبت به حديثه"، وأعله أيضًا بالاختلاف على أبي نعامة. وقال في المعرفة (١/ ٥٢٦): "وابن عبد الله بن مغفل وأبو نعامة: لم يحتج بهما صاحبا الصحيح". وقال ابن عبد البر في الاستذكار (١/ ٤٥٥): "حديث ضعيف؛ لأنه لم يُعرف ابن عبد الله بن مغفل". وقال في التمهيد: "قيس بن عباية هذا هو أبو نعامة الحنفي، وهو ثقة، لكن ابن عبد الله بن مغفل غير معروف بحمل العلم، مجهول، لم يرو عنه أحد غير أبي نعامة هذا". وقال في الإنصاف (٣) بعد أن وثَّق أبا نعامة والجريري: "وأما ابن عبد الله بن مغفل فلم يرو عنه أحد إلا أبو نعامة قيس بن عباية فيما علمت، ومن لم يرو عنه إلا رجل واحد فهو مجهول عندهم، والمجهول لا تقوم به حجة". وقال النووي في المجموع (٣/ ٣٠٠): "فقال أصحابنا والحفاظ: هو حديث ضعيف؛ لأن ابن عبد الله بن مغفل مجهول، قال ابن خزيمة: هذا الحديث غير صحيح من جهة النقل؛ لأن ابن عبد الله مجهول"، ثم نقل ذلك أيضًا عن ابن عبد البر والخطيب البغدادي. وقال النووي في الخلاصة (١١٣٩): "رواه النسائي والترمذي، وقال: حديث حسن، ولكن أنكره عليه الحفاظ، وقالوا: هو حديث ضعيف؛ لأن مداره على ابن عبد الله بن مغفل، وهو مجهول، وممن صرح بهذا: ابن خزيمة، وابن عبد البر، والخطيب البغدادي، وآخرون، ونُسِب الترمذي فيه إلى التساهل" [وانظر: نصب الراية (١/ ٣٣٢)]. قلت: تحسين الترمذي للحديث إنما هو على شرطه، وإنه من قسم الضعيف عنده، وقد سبق أن ذكرت ذلك مرارًا، فإن تحسين الترمذي للحديث ليس دليلًا على ثبوت الحديث عنده، وإنما الأصل فيه أنه داخل في قسم الضعيف حتى يأتي دليل على تقويته، وهو كما قال الذهبي في الميزان (٤/ ٤١٦): "فلا يغتر بتحسين الترمذي، فعند المحاققة

стр. 3843

غالبها ضعاف"، ولو كان ثابتًا صحيحًا عند الترمذي لقال: "حديث حسن صحيح"، أو قال: "حديث صحيح". فهذا الحديث قد استوفى شروط الترمذي الثلاثة في الحديث الحسن، فالحديث قد رُوي من غير وجه [كما تقدم من حديث أنس، ومن حديث عائشة، وكما سيأتي من حديث أبي هريرة]، وليس في إسناده متهم، وليس هو بالشاذ، فهذا وجه تحسين الترمذي، فكيف يقال إذًا بأنه متساهل، والله أعلم. ثم وقفت على كلام جيد لأبي الفتح اليعمري في النفح الشذي (٤/ ٣٠٤)، حيث قال: "والحديث عندي ليس معللًا بغير الجهالة في ابن مغفل، وهي جهالة حالية لا عينية؛ للعلم بوجوده، فقد كان لعبد الله بن مغفل سبعة أولاد، سمي هذا منهم: يزيد، وما رُمي بأكثر من أنه لم يرو عنه إلا أبو نعامة، فحكمه حكم المستور، وأما الترمذي، فإنه لما عرَّف بالحسن عنده قال: هو الذي لا يتهم راويه بكذب، وليس في رواة هذا الخبر من يُتهم بكذب، فهو جارٍ على رسم الحسن عنده، وأما تعليله بجهالة ابن عبد الله بن مغفل، فما أراه يخرجه عن رسم الحسن عند الترمذي ولا غيره، إذ الجهالة كما ذكرنا،. . .". وعليه: فهذا الإسناد رجاله ثقات؛ غير ابن عبد الله بن مغفل، وهو مجهول الحال، كما قال أبو الفتح اليعمري، والله أعلم. قال الزيلعي في نصب الراية (١/ ٣٣٣): "وبالجملة فهذا حديث صريح في عدم الجهر بالتسمية، وهو وإن لم يكن من أقسام الصحيح؛ فلا ينزل عن درجة الحسن، وقد حسنه الترمذي، والحديث الحسن يحتج به، لا سيما إذا تعددت شواهده وكثرت متابعاته، والذين تكلموا فيه وتركوا الاحتجاج به لجهالة ابن عبد الله بن مغفل قد احتجوا في هذه المسألة بما هو أضعف منه، بل احتج الخطيب بما يعلم هو أنه موضوع، ولم يُحسِن البيهقي في تضعيف هذا الحديث،. . .". قلت: الحديث بهذا الإسناد لا يحسَّن لذاته، لكن إن كان له متابعات وشواهد فعندئذ يحسن لغيره، والله أعلم. • قال الزيلعي في نصب الراية (١/ ٣٣٢): "ورواه الطبراني في معجمه، عن عبد الله بن بريدة، عن ابن عبد الله بن مغفل، عن أبيه مثله". قلت: لم أقف على إسناده، فإن كان يصح إلى ابن بريدة، فيكون قد انضاف راوٍ آخر ممن يروي هذا الحديث عن ابن عبد الله بن مغفل، غير أبي نعامة، وإلا فلا. • وقد ذكر ابن رجب أن أبا حنيفة وحمزة الزيات روياه عن أبي سفيان، عن يزيد بن عبد الله بن مغفل، عن أبيه نحوه [الفتح لابن رجب (٤/ ٣٧٣)]. وقد وقفت من ذلك على ما رواه ابن بشران في الأمالي (١٢٣٧)، وجعفر المستغفري في فضائل القرآن (١/ ٤٧٢/ ٦٣٨). من طريق: محمد بن غالب بن حرب [هو الحافظ الإمام الملقب تمتام، وهو: ثقة

стр. 3844

مأمون]: ثنا عبد الصمد بن النعمان: ثنا حمزة الزيات، عن أبي سفيان، عن يزيد بن عبد الله بن مغفل، قال: صلى بنا إمامٌ فجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فلما فرغ قال له أبي: ما هذا الذي تجهر به؟ فإني قد صليت مع النبي ﷺ وأبي بكر وعمر -فقال له رجل: وعثمان، فسكت- فلم يجهروا بها. وبهذه السلسلة تُروى أحاديث عن حمزة بن حبيب الزيات، وعبد الصمد بن النعمان البغدادي البزاز: صدوق مكثر، ولم يخرج له أصحاب الكتب الستة شيئًا، وحديثه في صحيح أبي عوانة وابن خزيمة وابن حبان، وفي مستدرك الحاكم، وفي مسند البزار، وفي الغيلانيات لأبي بكر الشافعي، وفي معاجم الطبراني، وفي سنن الدارقطني، وفي مصنفات البيهقي، وغيرها، وله أوهام [كما في علل الدارقطني]، ولعله لأجلها قال النسائي والدارقطني: "ليس بالقوي"، لكن قد وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم [وهو المعروف بتشدده في الرجال]: "صالح الحديث، صدوق"، وقال العجلي: "ثقة"، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي في العبر: "وكان أحد الثقات"، وقال في المغني: "صدوق مشهور، قال النسائي: ليس بالقوي" [تاريخ ابن معين للدوري (٢/ ٣٦٤)، سؤالات ابن الجنيد (٧٠٩)، الجرح والتعديل (٦/ ٥١)، معرفة الثقات (١١٠٢)، ثقات ابن حبان (٨/ ٤١٥)، سنن الدارقطني (٢/ ٢٠٤)، تخريج الأحاديث الضعاف للغساني (٦٠١)، إتحاف المهرة (١١/ ٦٦٢/ ١٤٨٣١)، من تكلم فيه الدارقطني في كتاب السنن لابن زريق (٢٠٩)، تاريخ بغداد (١١/ ٣٩)، السير (٩/ ٥١٨)، العبر (١/ ٢٩١)، تاريخ الإسلام (١٥/ ٢٦٦)، المغني (٢/ ٣٩٦)، اللسان (٥/ ١٩٠)]. وقد عزاه ابن رجب لأبي بكر عبد العزيز بن جعفر في كتاب الشافي. ثم وجدت ابن كثير في جامع المسانيد (٤/ ١٩٤ - ط الدهيش) ذكر أن الطبراني روى هذا الحديث، عن الحسين بن إسحاق [هو التستري: ثقة حافظ]، عن زياد بن يحيى [هو الحساني النكري: ثقة]، عن حمزة الزيات، عن أبي سفيان، عن يزيد بن عبد الله بن مغفل، عن أبيه، فذكره. فالحديث محفوظ عن حمزة الزيات، وهو حمزة بن حبيب الزيات المقرئ: صدوق. ولم ينفرد به، فقد تابعه عليه: أبو حنيفة [النعمان بن ثابت، الإمام الفقيه، وهو: ضعيف في الحديث]، عن أبي سفيان، عن يزيد بن عبد الله بن مغفل، عن أبيه ﵁؛ أنه صلى خلف إمام جهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فقال له: اغنَ عني كلماتك، فإني قد صليت خلف النبي ﷺ ، وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃، فلم أسمعها من أحد منهم. أخرجه أبو يوسف في الآثار (١٠٧)، ومحمد بن الحسن في الآثار (١/ ١٠٦/ ٨١)، وأبو نعيم في مسند أبي حنيفة (١٣٢)، وجعفر المستغفري في فضائل القرآن (٦٣٧ و ٦٤٣)، وغيرهم. قلت: أبو سفيان السعدي، طريف بن شهاب: متروك، ليس بشيء [التهذيب (٢/ ٢٣٦)، الميزان (٢/ ٣٣٦)].

стр. 3845

وعلى هذا فقد جاء اسم هذا الراوي -يزيد بن عبد الله بن مغفل- مصرحًا به في رواية أبي سفيان هذا، وروايته هذه ليست بشيء، وهي لا تصلح في المتابعات، كما جاء مصرحًا به أيضًا في رواية ابن علية عن الجريري، كما وقع في مسند أحمد، لكن الأقرب عندي أن التصريح باسمه ليس محفوظًا من رواية ابن علية؛ فإن ابن حجر لم يذكر التصريح باسمه في أطراف المسند (٤/ ٢٤٣/ ٥٨٠٩)، ولا في أطراف العشرة (١٠/ ٥٦١/ ١٣٤٢٢ - إتحاف المهرة)، ولم يذكر ابن الجوزي هذه الرواية في جامع المسانيد (٥/ ١٥٨ - ١٦٦/ ٤٢٣٧ - ٤٢٥٧)، وابن كثير لما أوردها في جامع المسانيد والسنن (٤/ ١٩٤/ ٦٧٨٨ - ط الدهيش) لم يذكر هذه الزيادة أيضًا، وإنما قال: "عن ابن عبد الله بن مغفل، قال: سمعني أبي"، هكذا مبهمًا، فلم يذكر زيادة: "يزيد بن عبد الله"، والذي يظهر لي أنها مقحمة في المسند، وكأنها وضعت تفسيرًا للإبهام الوارد في الإسناد على الهامش، ثم ألحقها بعض النساخ بعد ذلك بالأصل بعد قول ابن علية: "عن ابن عبد الله بن مغفل" فألحق بها تفسيرًا: "يزيد بن عبد الله"، والله أعلم. وهذا الحديث قد رواه عن ابن علية بالإبهام: أبو بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن منيع، وهما إمامان حافظان كبيران، من كبار الحفاظ في زمانهما، وتابعهما أيضًا: مؤمل بن هشام اليشكري، وهو ثقة بصري، مكثر عن ابن علية، بل هو ختن إسماعيل ابن علية، وأهل بيت الرجل أعلم بحديثه من الغرباء. وقد رواه عن الجريري أيضًا بالإبهام: وهيب بن خالد، وبشر بن المفضل، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي [وهؤلاء ثقات أثبات، وسماعهم من الجريري قديم، قبل اختلاطه]، ويزيد بن هارون [ثقة متقن، سمع من الجريري بعد اختلاطه]. • والحاصل: فإن المحفوظ في هذا الحديث أنه عن ابن عبد الله بن مغفل، هكذا مبهمًا، ولم يصح في التصريح باسمه شيء، بل إن البخاري وابن أبي حاتم لما ترجما له قالا: "ابن عبد الله بن مغفل"، فلم يسمياه، ولم يترجما له بغير هذا الإسناد [التاريخ الكبير (٨/ ٤٤١)، الجرح والتعديل (٩/ ٣٢٤)]. قال ابن رجب في الفتح (٤/ ٣٧٣): "ويزيد هذا: لم نعلم فيه جرحًا، وقد حسن حديثه الترمذي، وما قاله طائفة من المتأخرين: إنه مجهول، كابن خزيمة وابن عبد البر، فقد علله ابن عبد البر، بأنه لم يرو عنه إلا واحد فيكون مجهولًا؛ يجاب عنه: بأنه قد روى عنه اثنان، فخرج بذلك عن الجهالة عند كثير من أهل الحديث". قلت: تقدم بيان نكارة الرواية التي جاء فيها التصريح باسمه، فهو مبهم، لكنه أحد أولاد ابن مغفل، بغير تعيين، فهو مجهول الحال، ولم يثبت عندنا رواية من رواه عن عبد الله بن بريدة، عن ابن عبد الله بن مغفل به، فيبقى أبو نعامة على تفرده بهذا الحديث، وأنه قد تفرد بروايته وحده عن ابن عبد اللَّه بن مغفل، واللَّه أعلم. قال ابن حجر في النكت (٢/ ٧٦٩): "وهو حديث حسن؛ لأن رواته ثقات، ولم يصب من ضعفه بأن ابن عبد الله بن مغفل مجهول لم يُسمَّ".

стр. 3846

وقال العيني في نخب الأفكار (٣/ ٥٨٩): "حديث حسن". قلت: أما حسن لذاته فلا؛ وأما حسن لغيره، لمجيئه من حديث أنس، وعائشة، وأبي هريرة، فنعم؛ فإنه مع ضعف إسناده، لكون تابعيه مجهول الحال، إلا أن مثله صالح في الشواهد، ولقد أجاد العيني في عمدة القاري (٥/ ٢٨٤)، وفي نخب الأفكار (٣/ ٥٩٠) حين قال: "والذين تكلموا فيه وتركوا الاحتجاج به لجهالة ابن عبد الله بن مغفل قد احتجوا في هذه المسألة بما هو أضعف منه؛ بل احتج الخطيب بما يعلم أنه موضوع، فذلك جرأة عظيمة لأجل تعصبه، وحميته بما لا ينفعه في الدنيا ولا في الآخرة". • وحاصل ما تقدم: فإن حديث عبد الله بن مغفل: حسن لشواهده، والله أعلم. ٣ - ابن عمر: أ- يرويه يحيى بن المتوكل الباهلي، عن إبراهيم بن يزيد المكي: حدثنا سالم، عن أبيه؛ أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر قالوا: "لا تُقطعُ صلاةُ المسلم بشيء، وادرؤوا ما استطعتم"، وكانوا يقرؤونها: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وكانوا يستفتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أخرجه ابن عدي في الكامل (٧/ ٢٠٧)، والدارقطني في السنن (١/ ٣٦٧)، وفي الأفراد (١/ ٥٢٦ و ٥٢٧/ ٣٠٠٧ و ٣٠١١ - أطرافه)، والخطيب في الموضح (١/ ٣٨٣)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ٤٤٥/ ٧٦١). قال ابن عدي: "وهذا عن سالم يرويه: إبراهيم بن يزيد المكي، وعن إبراهيم بن يزيد: أبو عقيل". وقال الدارقطني: "تفرد به إبراهيم عن سالم، وتفرد به يحيى بن المتوكل عنه، ولا نعلم حدث به غير إسحاق بن بهلول، ورواه الزهري عن سالم عن أبيه، من قوله". وقال في العلل (١٢/ ٣٠٨/ ٢٧٤٠): "ولا يصح هذا، وإبراهيم متروك". قلت: هو حديث منكر، وتقدم تخريجه موسعًا تحت الحديث رقم (٧٢٠). ب- ورواه عبد الرحيم بن محمد بن زيد السكري: ثنا عبد الله بن إدريس، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: صليت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فلم يقنتوا ولم يجهروا. قال ابن رجب في الفتح (٤/ ٣٧٥): "وهذا الإسناد كلهم ثقات مشهورون،. . . ذكر الدارقطني في العلل أنه تفرد به السكري، عن ابن إدريس مرفوعًا، قال: ورواه زائدة والقطان ومحمد بن بشر وابن نمير، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا. قال: وكذلك رواه مالك في الموطأ عن نافع عن ابن عمر موقوفًا. قال: وهو الصواب" [وكذا هو في علل الدارقطني (١٢/ ٣١١/ ٢٧٤٢)]. وعلقه الحازمي في الاعتبار (١/ ٣٧٤/ ١١٩)، من طريق عبد الرحمن بن محمد الدَّيبُلي، عن ابن إدريس به، ولم أعثر للديبلي هذا على ترجمة، ولعله تحرف عن

стр. 3847

عبد الرحيم بن محمد السكري، وعبد الرحيم هذا: بغدادي، وثقه الدارقطني [تاريخ بغداد (١١/ ٨٦)، تاريخ الإسلام (١٦/ ٢٦٠)]. وقد روي عن ابن عمر خلاف ذلك مرفوعًا وموقوفًا، وإنما يصح عنه موقوفًا، ويأتي ذكره في آخر الباب القادم في شواهد أحاديث من قال بالجهر بالبسملة. ٤ - ابن مسعود: قال أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن (١/ ١٧): حدثنا أبو الحسن عبيد الله بن الحسين الكرخي ﵀، قال: حدثنا الحضرمي، قال: حدثنا محمد بن العلاء: حدثنا معاوية بن هشام، عن محمد بن جابر، عن حماد، عن إبراهيم، عن عبد الله، قال: ما جهر رسول الله ﷺ في صلاة مكتوبة بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ولا أبو بكر، ولا عمر ﵄. وهذا إسناد حسن غريب إلى محمد بن جابر اليمامي، والحضرمي هو: الحافظ مطين، محمد بن عبد الله بن سليمان، وشيخ الجصاص: فقيه معتزلي رأس في الاعتزال، وإليه انتهت رياسة أصحاب أبي حنيفة في وقته، والجصاص من كبار تلامذته [تاريخ بغداد (١٠/ ٣٥٣)، السير (١٥/ ٤٢٦)، الجواهر المضية في طبقات الحنفية (١/ ٣٣٧)، اللسان (٥/ ٣٢١)]. قال النووي في المجموع (٣/ ٣٠١): "ضعيف؛ لأنه من رواية محمد بن جابر اليمامي عن حماد عن إبراهيم عن ابن مسعود، ومحمد بن جابر: ضعيف باتفاق الحفاظ، مضطرب الحديث، لا سيما في روايته عن حماد بن أبي سليمان، هذا وفيه ضعف آخر: وهو أن إبراهيم النخعي لم يدرك ابن مسعود بالاتفاق، فهو منقطع ضعيف، وإذا ثبت ضعفه من هذين الوجهين لم يكن فيه حجة،. . .". وقال الزيلعي في نصب الراية (١/ ٣٣٥): "وهذا حديث لا تقوم به حجة، لكنه شاهد لغيره من الأحاديث، فإن محمد بن جابر تكلم فيه غير واحد من الأئمة، وإبراهيم لم يلق عبد الله بن مسعود، فهو ضعيف ومنقطع، والحضرمي هو: محمد بن عبد الله الحافظ المعروف بمطين، وشيخه ابن العلاء هو: أبو غريب الحافظ، روى عنه الأئمة الستة بلا واسطة، والله أعلم". قلت: هو حديث منكر بهذا الإسناد؛ ومحمد بن جابر بن سيار السحيمي اليمامي: ضعيف؛ وكان قد ذهبت كتبه في آخر عمره، وعمِي، وساء حفظه، وكان يُلقَّن، ويُلحَق في كتابه [انظر: التهذيب (٣/ ٥٢٧)، الميزان (٣/ ٤٩٦)]، قال الإمام أحمد: "محمد يروي أحاديث مناكير، وهو معروف بالسماع، يقولون: رأوا في كتبه لحقًا، حديثه عن حماد فيه اضطراب" [الجامع في العلل ومعرفة الرجال (٣/ ٦١/ ٤١٧٦)]، وقد سبق أن تكلمت على هذا الإسناد تحت الحديث رقم (٧٤٩).

стр. 3848

• والمعروف في هذا عن ابن مسعود فعله موقوف عليه: فقد روى يحيى بن سعيد القطان، قال: حدثنا سعيد [يعني: ابن أبي عروبة]، قال: حدثنا عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن عبد الله؛ أنه كان يستفتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أخرجه العقيلي في الضعفاء (٢/ ١١٤). وهذا موقوف على ابن مسعود بإسناد حسن. وانظر فيمن وهم فيه على ابن أبي عروبة: المعجم الكبير للطبراني (٩/ ٢٦٣/ ٩٣٠٥). ٥ - أم الحصين: يرويه هارون بن موسى النَّحْوي: ثنا إسماعيل بن مسلم، عن أبي إسحاق، عن ابن أم الحصين، عن جدته أم الحصين [وفي رواية ابن راهويه: عن أمِّه]؛ أنها كانت تصلي خلف النبي ﷺ في صفٍّ من النساء، فسمعته يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ حتى إذا بلغ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: "آمين"، حتى سمعتُه وأنا في صفِّ النساء، وكان يكبر إذا سجد، وإذا رفع. أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٨/ ٢٢٦) [وفي سنده تحريف وسقط]، وإسحاق بن راهويه في مسنده (٥/ ٢٤٤ - ٢٤٥/ ٢٣٩٦) مختصرًا، وأبو يعلى في المعجم (٣١٣) مختصرًا، والطبراني في الكبير (٢٥/ ١٥٨/ ٣٨٣)، واللفظ له، والدارقطني في الثاني من الأفراد (١) (٢/ ٤٠٣/ ٥٩١٦ - أطرافه) مختصرًا، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٦/ ٣٤٨٧ - ٣٤٨٨/ ٧٩١٠) مختصرًا. قال الدارقطني: "هذا حديث غريب من حديث أبي إسحاق السبيعي، عن يحيى بن الحصين، عن جدته أم الحصين، تفرد به: إسماعيل بن مسلم المكي عنه، ولم يروه عنه غير هارون بن موسى النحوي". قلت: ابن أم الحصين هو: يحيى بن الحصين الأحمسي البجلي، وهو ثقة، والراوي عنه: أبو إسحاق السبيعي عمرو بن عبد الله، وهو من أئمة التابعين بالكوفة، وهذا حديث منكر؛ حيث تفرد به عن أبي إسحاق: إسماعيل بن مسلم المكي، وهو: ضعيف، عنده عجائب، ويروي عن الثقات المناكير [العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٣٥٢/ ٢٥٥٦)، ضعفاء العقيلي (١/ ٩٢)، الكامل (١/ ٢٨٣)، التهذيب (١/ ١٦٧)]، وأما الراوي عنه: هارون بن موسى أبو إسحاق النحوي البصري الأعور، فهو: ثقة. ٦ - جبير بن مطعم: وروى عبيد الله بن عمرو الرقي، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه، أن النبي ﷺ لم يجهر في صلائه بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. ذكره الدارقطني في علله.

стр. 3849

عزاه ابن حجر في النكت (٢/ ٧٦٩) للإسماعيلي في مسند زيد بن أبي أنيسة، قال ابن حجر: "بسنده الصحيح إليه، عن عمرو بن مرة، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: صلينا مع رسول الله ﷺ صلاة يجهر فيها بالقراءة، فلما صفَّ الناسُ، كبر رسول الله ﷺ ، ثم قال: "اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه"، ثم قرأ بفاتحة الكتاب، ولم يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ". ويبدو أن هذه الرواية هي التي ذكرها الدارقطني في العلل (١٣/ ٤٢٦) عن زيد، فيدل على ثبوتها عنه، والله أعلم. وهذه الزيادة في آخره [وهي موضع الشاهد] تفرد بها عن عمرو: زيد بن أبي أنيسة [وهو: ثقة]، وقد رواه عن عمرو بدونها: شعبة، ومسعر، وحصين، وهم ثقات أثبات؛ إلا أنهم اختلفوا فيه على عمرو: فرواه شعبة بن الحجاج [ثقة متقن، حافظ حجة، إمام]، عن عمرو بن مرة، عن عاصم العنزي، عن ابن جبير بن مطعم، عن أبيه. ورواه مسعر بن كدام [ثقة ثبت]، عن عمرو بن مرة، عن رجل، عن نافع بن جبير، عن أبيه. ورواه حصين بن عبد الرحمن السلمي [ثقة، ساء حفظه في آخر عمره]، عن عمرو، واختلف عليه فيه، والأشبه من روايته من قال فيها: عن حصين، عن عمرو بن مرة، عن عبَّاد بن عاصم العنزي، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه. وهو حديث ضعيف؛ لأجل جهالة شيخ عمرو بن مرة، سواء أكان عاصمًا العنزي، أو عباد بن عاصم، وقد خرجته في الذكر الدعاء تحت الحديث رقم (٨١) (١/ ١٦١)، وتقدم في السنن برقم (٧٦٤ و ٧٦٥)، والله أعلم. قال ابن رجب في الفتح (٤/ ٣٧٤): "وهذا الإسناد رجاله كلهم ثقات مشهورون، ولكن له علة، وهي: أن هذا الحديث قطعة من حديث جبير بن مطعم في صفة تكبير النبي ﷺ وتعوذه في الصلاة، وقد رواه الثقات عن عمرو بن مرة، عن عاصم العنزي، عن نافع بن جبير، عن أبيه بدون هذه الزيادة؛ فإنه تفرد بها الرقي عن زيد". وانظر: مسند أبي يعلى (١٣/ ٤١٤/ ٧٤١٩)، المطالب العالية (١٥/ ٤٤٩/ ٣٧٨٤)، مجمع الزوائد (١٠/ ١٣٤)، الدر المنثور (٨/ ٦٥٨). ٧ - عصمة بن مالك الخطمي: قال الطبراني في الكبير (١٧/ ١٧٨ و ١٨٢/ ٤٦٨ و ٤٨٤): حدثنا أحمد بن رشدين المصري: ثنا خالد بن عبد السلام الصدفي: ثنا الفضل بن المختار، عن عبيد الله بن موهب، عن عصمة بن مالك الخطمي، قال:. . . ثم ساق أحاديث، إلى أن قال: وبإسناده عن عصمة؛ أن رسول الله ﷺ كان يستفتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وأبو بكر وعمر وعثمان ﵃.

стр. 3850

وهذا حديث باطل؛ الفضل بن المختار: أحاديثه منكرة، يحدث بالأباطيل، عامة ما يرويه لا يتابع عليه [اللسان (٦/ ٣٥٢)]، وخالد بن عبد السلام الصدفي المصري: قال فيه أبو حاتم: "صالح الحديث"، وقال ابن يونس: "ثقة" [الجرح والتعديل (٣/ ٣٤٢)، الإكمال لابن ماكولا (١/ ٦٢)، تاريخ الإسلام (١٨/ ٢٥٤)]، وشيخ الطبراني: أحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدين بن سعد: ضعيف، واتهم [انظر: اللسان (١/ ٥٩٤)]. وأحاديث عصمة بن مالك هذا أخرجها الطبراني، والدارقطني، وغيرهما، ومدارها على الفضل بن المختار، فلا يثبت له حديث [انظر: معجم الصحابة لابن قانع (٢/ ٢٩٤)، المعجم الكبير (١٧/ ١٧٨ - ١٨٧)، الكامل (٦/ ١٤)، معرفة الصحابة (٤/ ٢١٤٥)، الإصابة (٤/ ٥٠٤)، وغيرها]. قال الهيثمي في المجمع (٢/ ٤٦): "ولا يصح عن عصمة حديث". ٨ - أزهر بن منقر: يرويه علي بن قرين: ثنا عيسى بن الصلت الكناني، قال: سمعت عبثر [وفي رواية: غثير] بن جابر، سمعته يحدث عن أزهر بن منقر، قال: رأيت النبي ﷺ ، وصليت خلفه، فسمعته يفتتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ويسلم تسليمتين. أخرجه الأزدي في المخزون (٧)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (١/ ٣٤٤/ ١٠٦٦). قال ابن منده: "غريب؛ لا يعرف إلا من هذا الوجه" [الإصابة (١/ ٤٧)]. قلت: هو حديث موضوع؛ وضعه علي بن قرين، فإنه كذاب خبيث، يضع الحديث [اللسان (٦/ ٩)، ضعفاء العقيلي (٣/ ٢٤٩)]، ومن فوقه لا يُعرفون إلا من طريقه؛ ولا ذكر لهم إلا في هذه الرواية حسب، فهو إسناد مختلق مصنوع، ولم يُعلُّه ابن حجر في الإصابة بغير عليَّ هذا، حيث قال: "وفي إسناده علي بن قرين، وقد كذبه ابن معين وموسى بن هارون وغيرهما" [انظر: الاستيعاب (١/ ٧٤)، أسد الغابة (١/ ١٠٠)، الإصابة (١/ ٤٧)]. ٩ - أبي هريرة: أ- روى عبد الواحد بن زياد: ثنا عمارة بن القعقاع: ثنا أبو زرعة بن عمرو بن جرير: ثنا أبو هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا نهض في الركعة الثانية استفتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ولم يسكت، وفي رواية: إذا قام للركعة الثانية. وهو حديث صحيح، تقدم تحت الحديث رقم (٧٨١). قال الطحاوي بعده (١/ ٢٠٠): "ففي هذا دليل أن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ليست من فاتحة الكتاب، ولو كانت من فاتحة الكتاب لقرأ بها في الثانية، كما قرأ فاتحة الكتاب، والذين استحبوا الجهر بها في الركعة الأولى لأنها عندهم من فاتحة الكتاب استحبوا ذلك أيضًا في الثانية، فلما انتفى بحديث أبي هريرة هذا أن يكون رسول الله ﷺ قرأ بها في الثانية، انتفى به أيضًا أن يكون قرأ بها في الأولى، فعارض هذا الحديثُ حديثَ نعيم المجمر، وكان هذا أولى منه، لاستقامة طريقه، وفضل صحة مجيئه على مجيء حديث نعيم".

стр. 3851

فاجاب البيهقي في المعرفة (١/ ٥١٨) عن هذا بقوله: "ليس يريد به أنه كان لا يقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وإنما يريد به أنه لا يسكت كما سكت في الركعة الأولى عقب التكبير بدعاء الافتتاح، بل يبدأ بقراءة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ يعني: بقراءة سورة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ كما يقال: قرأ: ﴿الم (١) ذَلِكَ﴾، و ﴿الم (١) اللَّهُ﴾، وإنما يراد تلك السورة، وذلك لأن أبا زرعة هو الراوي عنه عن النبي ﷺ في سكوته بين التكبير والقراءة؛ فأراد بهذا أنه كان لا يسكت ذلك السكوت إذا نهض في الركعة الثانية، والذي يؤكد هذا أن بعض رواته قال في متنه: استفتح القراءة ولم يسكت، فدل أن المراد بالحديث ما ذكرنا، والله أعلم". قلت: السكوت المنفي في حديث أبي هريرة هذا، هو السكوت المثبت في الرواية الأخرى، والذي سأل عنه أبو هريرة رسولَ الله ﷺ في الركعة الأولى بعد تكبيرة الافتتاح؛ يعني: أنه لا يسكت سكوته في الركعة الأولى لدعاء الاستفتاح، ولا ينفي هذا قراءة البسملة سرًّا، لقصر زمنها إذا قيس بدعاء الاستفتاح الوارد في حديث أبي هريرة، وأما قول أبي هريرة: استفتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فهو على ظاهره، وسيأتي الرد على من قال بأن المراد بها السورة لا الآية، والله أعلم. ب- وروى بشر بن رافع، عن أبي عبد الله ابن عم أبي هريرة، عن أبي هريرة؛ أن النبي ﷺ كان يفتتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أخرجه ابن ماجه (٨١٤)، والبزار (١٥/ ٣٠٢/ ٨٨١٨)، وأبو يعلى (١١/ ٩٠/ ٦٢٢١)، وجعفر المستغفري في فضائل القرآن (١/ ٤٧٠/ ٦٣٥). قال البزار بعد أن روى حديثين بهذا الإسناد هذا أحدهما: "وهذان الحديثان لا نعلمهما يرويان عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد، وبشر بن رافع: ليس بالقوي، وإن كان قد روى عنه جماعة من أهل العلم، وحدثوا عنه". وقال ابن عبد البر في الإنصاف (١٠): "وبشر بن رافع عندهم: منكر الحديث، قد اتفقوا على إنكار حديثه، وطرح ما رواه، وترك الاحتجاج به، لا يختلف علماء الحديث في ذلك". فهو حديث ضعيف؛ ابن عم أبي هريرة: مجهول الحال [التهذيب (٤/ ٥٤٧)]، وبشر بن رافع: ضعيف [انظر: التهذيب (١/ ٢٢٧) وغيره]، وضعف إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (٣٠٥). ج- وروى أبو حفص عمرو بن علي الفلاس: ثنا أبو داود: ثنا شعبة، عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، قال: سمعت عبد الرحمن الأعرج، يحدث عن أبي هريرة؛ أن النبي ﷺ كان إذا استفتح الصلاة قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ثم سكت هنيهة. أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ٢١٢/ ٧٣٠٢)، والدارقطني في السنن (١/ ٣١٣)، وفي العلل (١٠/ ٣٠٠/ ٢٠١٩).

стр. 3852

قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن شعبة إلا أبو داود". وقال الدارقطني في السنن: "لم يرفعه غير أبي داود عن شعبة، ووقفه غيره من فعل أبي هريرة". وقال في العلل: "رفعه عمرو بن علي، عن أبي داود، عن شعبة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، ووقفه غيره، والموقوف هو المحفوظ". • قلت: رواه غندر، وعبد الرحمن بن مهدي [وهما من أثبت الناس في شعبة]، قالا: حدثنا شعبة، عن محمد بن عبد الرحمن، قال: سمعت عبد الرحمن الأعرج، قال: صليت مع أبي هريرة، فلما كبر سكت ساعةً، ثم قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. هكذا موقوفًا على أبي هريرة فعله، وهو المحفوظ. أخرجه البخاري في القراءة خلف الإمام (٢٨١)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٤٧/ ٢٨٤٣)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١١٨/ ١٣٤١). قال البخاري بعد رواية غندر: "تابعه معاذ وأبو داود عن شعبة". فهو موقوف على أبي هريرة، بإسناد صحيح، وفيه حجة قوية لمن تأول حديث نعيم المجمر عن أبي هريرة [الآتي في أحاديث الجهر]، بأنه قرأ البسملة سرًّا. • وقد روي عن أبي هريرة خلاف ذلك، ويأتي ذكره في آخر الباب القادم في شواهد أحاديث من قال بالجهر بالبسملة. • وخلاصة ما تقدم: أنه قد صح في باب عدم الجهر بالبسملة، أو افتتاح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: حديث أنس، وعائشة، وأبي هريرة، ويستشهد في الباب بحديث عبد الله بن مغفل، والله أعلم. • فإن قيل: عورض حديث أنس وعبد الله بن مغفل في شأن عمر: فقد روى عمر بن ذر، عن أبيه، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، أن عمر كان يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وفي رواية: صليت خلف عمر فجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٦٢/ ٤١٥٧)، وابن المنذر (٣/ ١٢٧/ ١٣٥٨)، والطحاوي (١/ ٢٠٠)، والسهمي في تاريخ جرجان (٦٠)، والبيهقي في السنن (٢/ ٤٨)، وفي المعرفة (١/ ٥١٧/ ٧١٢). وقد اختلف فيه على عمر بن ذر، وبعضهم رواه عنه بدون ذكر أبيه في الإسناد، ورجح الأول الدارقطني في العلل (٢/ ١٧٥/ ٢٠٠). وهذا إسناد صحيح إلى عمر موقوف عليه، وعبد الرحمن بن أبزى صحابي صغير، وقد سمع عمر [انظر: الحديث المتقدم برقم (٣٢٢)، التاريخ الكبير (٥/ ٢٤٥)، المراسيل (٤٦٠)، تحفة التحصيل (١٩٣)، التهذيب (٢/ ٤٨٥)].

стр. 3853

فيقال: هذا مخالف للصحيح الثابت عن عمر من وجوه عديدة أنه كان لا يجهر بالبسملة، أصحها حديث قتادة عن أنس [نصب الراية (١/ ٣٥٦)، نخب الأفكار في شرح معاني الآثار (٣/ ٥٤٨)]. وصح عنه أيضًا بما يوافق ما رواه عنه أنس من وجوه آخر بأسانيد قوية [انظر: مصنف عبد الرزاق (٢/ ٩٣/ ٢٦٢١)، مصنف ابن أبي شيبة (١/ ٣٦١/ ٤١٤٨)، الأوسط لابن المنذر (٣/ ١٢٨/ ١٣٦٠ و ١٣٦١)، شرح المعاني (١/ ٢٠٤)، الإنصاف لابن عبد البر (٤١)] [وانظر أيضًا: نصب الراية (١/ ٣٥٦)]. قال ابن عبد البر في الإنصاف (٨١): "وقد روي عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعمار بن ياسر رضي الله تعالى عنهم: أنهم كانوا يجهرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، والطرق عنهم ليست بالقوية". • مسألة: قال الترمذي بعد حديث قتادة عن أنس (٢٤٦): "والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، والتابعين ومن بعدهم: كانوا يستفتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال الشافعي: إنما معنى هذا الحديث: أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يفتتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، معناه: أنهم كانوا يبدؤون بقراءة فاتحة الكتاب قبل السورة، وليس معناه: أنهم كانوا لا يقرؤون: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وكان الشافعي يرى: أن يبدأ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وأن يجهر بها إذا جهر بالقراءة" [وانظر: الأم (٢/ ٢٤٤)، سنن البيهقي (٢/ ٥١)، الخلافيات (٢/ ٥٥ - مختصره)، الاعتبار في الناسخ والمنسوخ (١/ ٣٣٧)]. وما ذهب إليه الشافعي من كون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ اسم لسورة الفاتحة، وأن معنى حديث أنس: أنهم كانوا يبدؤون بقراءة فاتحة الكتاب قبل السورة، فقد خالفه فيه الأئمة، وسياق الحديث لا يدل عليه، قال ابن دقيق العيد [وهو شافعي المذهب، في إحكام الأحكام (١/ ٢٣٤) في أثناء شرح حديث عائشة الآتي: "واستدل به أصحاب مالك على ترك التسمية في ابتداء الفاتحة، وتأوله غيرهم على أن المراد: يفتتح بسورة الفاتحة قبل غيرها من السور، وليس بقوي؛ لأنه إن أُجريَ مجرى الحكاية فذلك يقتضي البداءة بهذا اللفظ بعينه، فلا يكون قبله غيره؛ لأن ذلك الغير يكون هو المفتتح به، وإن جعل اسمًا فسورة الفاتحة لا تسمى بهذا المجموع؛ أعني: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، بل تسمى بسورة الحمد، فلو كان لفظ الرواية: كان يفتتح بالحمد، لقوي هذا المعنى؛ فإنه يدل حينئذ على الافتتاح بالسورة التي البسملة بعضها عند هذا المتأول لهذا الحديث". ولهذا المعنى فقد أنكر ابن العربي هذا التأويل على الشافعي إنكارًا شديدًا، حيث

стр. 3854

قال في الأحكام (١/ ٦): "وهذا يكون تأويلًا لا يليق بالشافعي؛ لعظيم فقهه، وأنس وابن مغفل إنما قالا هذا ردًّا على من يرى قراءة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وقال الزيلعي في نصب الراية (١/ ٣٣١) بأن هذا التأويل: "مما تستبعده القريحة، وتمجه الأفهام الصحيحة؛ لأن هذا من العلم الظاهر الذي يعرفه الخاص والعام،. . . " [وانظر: نخب الأفكار (٣/ ٦٠٣)]. لكن تُعُقِّب قول ابن دقيق العيد هذا، بأن حديث أبي سعيد بن المعلى قد اشتمل على تسمية السورة بهذا المجموع، ففي حديث ابن المعلى: "ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد؟ "، ثم قال له ﷺ : " ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته" [أخرجه البخاري (٤٤٧٤ و ٤٦٤٧ و ٤٧٠٣ و ٥٠٠٦)، ويأتي عند أبي داود برقم (١٤٥٨)] [انظر: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٣/ ٣٦)، الفتح لابن حجر (٢/ ٢٢٧) و (٨/ ١٥٨)، النكت له (٢/ ٧٦٥)]. ويمكن أن يجاب عنه بأن البسملة ليست من الفاتحة على الصحيح، أو على عدِّ أهل المدينة، فهي ليست إذًا من السورة، وهذا الحديث من الأدلة على ذلك، أو يكون معنى كلام النبي ﷺ : السورة التي تبدأ بقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، هي السبع المثاني. . .، فلم يعُدّ البسملة آية منها، والله أعلم [وانظر: التنقيح (٢/ ١٨٥)]. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومن تأول حديث أنس على نفي قراءتها سرًّا، فهو مقابل لقول من قال: مراد أنس أنهم كانوا يفتتحون بفاتحة الكتاب قبل غيرها من السور، وهذا أيضًا ضعيف، فإن هذا من العلم العام الذي ما زال الناس يفعلونه، وقد كان الحجاج بن يوسف وغيره من الأمراء الذين صلى خلفهم أنس يقرؤون الفاتحة قبل السورة، ولم ينازع في ذلك أحد، ولا سئل عن ذلك أحد، لا أنس ولا غيره، ولا يحتاج أن يروي أنس هذا عن النبي ﷺ وصاحبيه، ومن روى عن أنس أنه شك: هل كان النبي ﷺ يقرأ البسملة أو لا يقرؤها، فروايته توافق الروايات الصحيحة؛ لأن أنسًا لم يكن يعلم هل قرأها سرًّا أم لا، وإنما نفى الجهر" [المجموع (٢٢/ ٢٧٩)]. وقال أيضًا: "وكلا الروايتين ينفي تأويل من تاول قوله: يفتتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أنه أراد السورة، فإن قوله: يفتتحون بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، لا يذكرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في أول قراءة ولا في آخرها: صريح أنه في قصد الافتتاح بالآية، لا بسورة الفاتحة التي أولها ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، إذ لو كان مقصوده ذلك لتناقض حديثاه. وأيضًا فإن افتتاح الصلاة بالفاتحة قبل السورة هو من العلم الظاهر العام الذي يعرفه الخاص والعام، كما يعلمون أن الركوع قبل السجود، وجميع الأئمة غير النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان يفعلون هذا، ليس في نقل مثل هذا فائدة، ولا هذا مما يحتاج فيه إلى نقل أنس، ولا هم قد سألوه عن ذلك، وليس هذا مما يسأل عنه، وجميع الأئمة من أمراء

стр. 3855

الأمصار والجيوش وخلفاء بني أمية وبني الزبير وغيرهم ممن أدركه أنس كانوا يفتتحون بالفاتحة، ولم يشتبه هذا على أحد، ولا شك، فكيف يظن أن أنسًا قصد تعريفهم بهذا، وأنهم سألوه عنه، وإنما مثل ذلك مثل أن يقال: فكانوا يصلون الظهر أربعًا، والعصر أربعًا، والمغرب ثلاثًا، أو يقول: فكانوا يجهرون في العشاءين والفجر، ويخافتون في صلاتي الظهرين، أو يقول: فكانوا يجهرون في الأوليين دون الأخيرتين،. . ." [مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤١٢ - ٤١٣)]. وقال ابن رجب في الفتح (٤/ ٣٥٥): "وأيضًا؛ فأي فائدة في رواية أنس أو غيره: أن القراءة تفتتح بفاتحة الكتاب، فتقرأ الفاتحة قبل السورة، وهذا أمر معلوم من عمل الأمة، لم يخالف فيه منهم أحد، ولا اختلف فيه اثنان، لا يحتاج إلى الإخبار به، كما أن أحدًا من الصحابة لم يرو في أمور الصلاة ما كان مقررًا عند الأمة، لا يحتاج إلى الإخبار به، مثل عدد الركعات بعد استقرارها أربعًا، ومثل الجهر فيما يجهر به والإسرار فيما يسر، ونحو ذلك مما لا فائدة في الإخبار به. فكذلك ابتداء القراءة بالفاتحة، لا يحتاج إلى الإخبار به، ولا إلى السؤال عنه، وقد كان أنس يُسأل عن هذا، كما قال قتادة: نحن سألناه عنه، وقد تقدم، وكان يقول أحيانًا: ما سألني عن هذا أحد، وروي عنه أنه قال: ما أحفظه، وهذا يدل على أنه مما يخفى على السائل والمسؤول، ولو كان السؤال عن الابتداء بقراءة الفاتحة لم يخف على سائل ولا مسؤول عنه،. . .". *** ٧٨٣ - . . . حسين المعلِّم، عن بُدَيل بن ميسرةَ، عن أبي الجَوزاء، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يفتتح الصلاةَ بالتكبير، والقراءةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وكان إذا ركع لم يُشخِصْ رأسَه، ولم يُصَوِّبْه، ولكن بين ذلك، وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستويَ قائمًا، وكان إذا رفع رأسه من السجود لم يسجد حتى يستويَ قاعدًا، وكان يقول في كل ركعتين: "التحيَّاتُ [لله] "، وكان إذا جلس يَفرْش رجله اليسرى وينصِب رجله اليمنى، وكان ينهى عن عَقِبِ الشيطان، وعن فِرشَة السَّبُع، وكان يختم الصلاة بالتسليم، ﵇. • حديث صحيح. أخرجه مسلم (٤٩٨)، وأبو عوانة (١/ ٤٢٦/ ١٥٨٥) و (١/ ٤٢٨/ ١٥٩٥) و (١/ ٤٨٥/ ١٨٠٢) و (١/ ٥٠٦/ ١٨٩١) و (١/ ٥٣٥/ ٢٠٠٤)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ١٠٧/ ١١٠٠ و ١١٠١)، وابن ماجه (٨١٢ و ٨٦٩ و ٨٩٣)، وابن خزيمة (٦٩٩) (١/ ٦٩٦/ ٦٩٩ - ط ماهر الفحل) [وانظر: الإتحاف (١٦/ ٢/ ١٠٥٤/ ٢١٦٠٥)]، وابن حبان (٥/ ٦٥/ ١٧٦٨)، وأحمد (٦/ ٣١ و ١٩٤)، وإسحاق بن راهويه (٣/ ٧٢٤/ ١٣٣١)، وابن وهب
следующие страницы →