Полный текст (16 465 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.
стр. 3851
فاجاب البيهقي في المعرفة (١/ ٥١٨) عن هذا بقوله: "ليس يريد به أنه كان لا يقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وإنما يريد به أنه لا يسكت كما سكت في الركعة الأولى عقب التكبير بدعاء الافتتاح، بل يبدأ بقراءة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ يعني: بقراءة سورة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ كما يقال: قرأ: ﴿الم (١) ذَلِكَ﴾، و ﴿الم (١) اللَّهُ﴾، وإنما يراد تلك السورة، وذلك لأن أبا زرعة هو الراوي عنه عن النبي ﷺ في سكوته بين التكبير والقراءة؛ فأراد بهذا أنه كان لا يسكت ذلك السكوت إذا نهض في الركعة الثانية، والذي يؤكد هذا أن بعض رواته قال في متنه: استفتح القراءة ولم يسكت، فدل أن المراد بالحديث ما ذكرنا، والله أعلم".
قلت: السكوت المنفي في حديث أبي هريرة هذا، هو السكوت المثبت في الرواية الأخرى، والذي سأل عنه أبو هريرة رسولَ الله ﷺ في الركعة الأولى بعد تكبيرة الافتتاح؛ يعني: أنه لا يسكت سكوته في الركعة الأولى لدعاء الاستفتاح، ولا ينفي هذا قراءة البسملة سرًّا، لقصر زمنها إذا قيس بدعاء الاستفتاح الوارد في حديث أبي هريرة، وأما قول أبي هريرة: استفتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فهو على ظاهره، وسيأتي الرد على من قال بأن المراد بها السورة لا الآية، والله أعلم.
ب- وروى بشر بن رافع، عن أبي عبد الله ابن عم أبي هريرة، عن أبي هريرة؛ أن النبي ﷺ كان يفتتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
أخرجه ابن ماجه (٨١٤)، والبزار (١٥/ ٣٠٢/ ٨٨١٨)، وأبو يعلى (١١/ ٩٠/ ٦٢٢١)، وجعفر المستغفري في فضائل القرآن (١/ ٤٧٠/ ٦٣٥).
قال البزار بعد أن روى حديثين بهذا الإسناد هذا أحدهما: "وهذان الحديثان لا نعلمهما يرويان عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد، وبشر بن رافع: ليس بالقوي، وإن كان قد روى عنه جماعة من أهل العلم، وحدثوا عنه".
وقال ابن عبد البر في الإنصاف (١٠): "وبشر بن رافع عندهم: منكر الحديث، قد اتفقوا على إنكار حديثه، وطرح ما رواه، وترك الاحتجاج به، لا يختلف علماء الحديث في ذلك".
فهو حديث ضعيف؛ ابن عم أبي هريرة: مجهول الحال [التهذيب (٤/ ٥٤٧)]، وبشر بن رافع: ضعيف [انظر: التهذيب (١/ ٢٢٧) وغيره]، وضعف إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (٣٠٥).
ج- وروى أبو حفص عمرو بن علي الفلاس: ثنا أبو داود: ثنا شعبة، عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، قال: سمعت عبد الرحمن الأعرج، يحدث عن أبي هريرة؛ أن النبي ﷺ كان إذا استفتح الصلاة قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ثم سكت هنيهة.
أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ٢١٢/ ٧٣٠٢)، والدارقطني في السنن (١/ ٣١٣)، وفي العلل (١٠/ ٣٠٠/ ٢٠١٩).
стр. 3852
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن شعبة إلا أبو داود".
وقال الدارقطني في السنن: "لم يرفعه غير أبي داود عن شعبة، ووقفه غيره من فعل أبي هريرة".
وقال في العلل: "رفعه عمرو بن علي، عن أبي داود، عن شعبة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، ووقفه غيره، والموقوف هو المحفوظ".
• قلت: رواه غندر، وعبد الرحمن بن مهدي [وهما من أثبت الناس في شعبة]، قالا: حدثنا شعبة، عن محمد بن عبد الرحمن، قال: سمعت عبد الرحمن الأعرج، قال: صليت مع أبي هريرة، فلما كبر سكت ساعةً، ثم قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
هكذا موقوفًا على أبي هريرة فعله، وهو المحفوظ.
أخرجه البخاري في القراءة خلف الإمام (٢٨١)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٤٧/ ٢٨٤٣)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١١٨/ ١٣٤١).
قال البخاري بعد رواية غندر: "تابعه معاذ وأبو داود عن شعبة".
فهو موقوف على أبي هريرة، بإسناد صحيح، وفيه حجة قوية لمن تأول حديث نعيم المجمر عن أبي هريرة [الآتي في أحاديث الجهر]، بأنه قرأ البسملة سرًّا.
• وقد روي عن أبي هريرة خلاف ذلك، ويأتي ذكره في آخر الباب القادم في شواهد أحاديث من قال بالجهر بالبسملة.
• وخلاصة ما تقدم: أنه قد صح في باب عدم الجهر بالبسملة، أو افتتاح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: حديث أنس، وعائشة، وأبي هريرة، ويستشهد في الباب بحديث عبد الله بن مغفل، والله أعلم.
• فإن قيل: عورض حديث أنس وعبد الله بن مغفل في شأن عمر:
فقد روى عمر بن ذر، عن أبيه، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، أن عمر كان يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وفي رواية: صليت خلف عمر فجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٦٢/ ٤١٥٧)، وابن المنذر (٣/ ١٢٧/ ١٣٥٨)، والطحاوي (١/ ٢٠٠)، والسهمي في تاريخ جرجان (٦٠)، والبيهقي في السنن (٢/ ٤٨)، وفي المعرفة (١/ ٥١٧/ ٧١٢).
وقد اختلف فيه على عمر بن ذر، وبعضهم رواه عنه بدون ذكر أبيه في الإسناد، ورجح الأول الدارقطني في العلل (٢/ ١٧٥/ ٢٠٠).
وهذا إسناد صحيح إلى عمر موقوف عليه، وعبد الرحمن بن أبزى صحابي صغير، وقد سمع عمر [انظر: الحديث المتقدم برقم (٣٢٢)، التاريخ الكبير (٥/ ٢٤٥)، المراسيل (٤٦٠)، تحفة التحصيل (١٩٣)، التهذيب (٢/ ٤٨٥)].
стр. 3853
فيقال: هذا مخالف للصحيح الثابت عن عمر من وجوه عديدة أنه كان لا يجهر بالبسملة، أصحها حديث قتادة عن أنس [نصب الراية (١/ ٣٥٦)، نخب الأفكار في شرح معاني الآثار (٣/ ٥٤٨)].
وصح عنه أيضًا بما يوافق ما رواه عنه أنس من وجوه آخر بأسانيد قوية [انظر: مصنف عبد الرزاق (٢/ ٩٣/ ٢٦٢١)، مصنف ابن أبي شيبة (١/ ٣٦١/ ٤١٤٨)، الأوسط لابن المنذر (٣/ ١٢٨/ ١٣٦٠ و ١٣٦١)، شرح المعاني (١/ ٢٠٤)، الإنصاف لابن عبد البر (٤١)] [وانظر أيضًا: نصب الراية (١/ ٣٥٦)].
قال ابن عبد البر في الإنصاف (٨١): "وقد روي عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعمار بن ياسر رضي الله تعالى عنهم: أنهم كانوا يجهرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، والطرق عنهم ليست بالقوية".
• مسألة:
قال الترمذي بعد حديث قتادة عن أنس (٢٤٦): "والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، والتابعين ومن بعدهم: كانوا يستفتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
قال الشافعي: إنما معنى هذا الحديث: أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يفتتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، معناه: أنهم كانوا يبدؤون بقراءة فاتحة الكتاب قبل السورة، وليس معناه: أنهم كانوا لا يقرؤون: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وكان الشافعي يرى: أن يبدأ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وأن يجهر بها إذا جهر بالقراءة" [وانظر: الأم (٢/ ٢٤٤)، سنن البيهقي (٢/ ٥١)، الخلافيات (٢/ ٥٥ - مختصره)، الاعتبار في الناسخ والمنسوخ (١/ ٣٣٧)].
وما ذهب إليه الشافعي من كون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ اسم لسورة الفاتحة، وأن معنى حديث أنس: أنهم كانوا يبدؤون بقراءة فاتحة الكتاب قبل السورة، فقد خالفه فيه الأئمة، وسياق الحديث لا يدل عليه، قال ابن دقيق العيد [وهو شافعي المذهب، في إحكام الأحكام (١/ ٢٣٤) في أثناء شرح حديث عائشة الآتي: "واستدل به أصحاب مالك على ترك التسمية في ابتداء الفاتحة، وتأوله غيرهم على أن المراد: يفتتح بسورة الفاتحة قبل غيرها من السور، وليس بقوي؛ لأنه إن أُجريَ مجرى الحكاية فذلك يقتضي البداءة بهذا اللفظ بعينه، فلا يكون قبله غيره؛ لأن ذلك الغير يكون هو المفتتح به، وإن جعل اسمًا فسورة الفاتحة لا تسمى بهذا المجموع؛ أعني: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، بل تسمى بسورة الحمد، فلو كان لفظ الرواية: كان يفتتح بالحمد، لقوي هذا المعنى؛ فإنه يدل حينئذ على الافتتاح بالسورة التي البسملة بعضها عند هذا المتأول لهذا الحديث".
ولهذا المعنى فقد أنكر ابن العربي هذا التأويل على الشافعي إنكارًا شديدًا، حيث
стр. 3854
قال في الأحكام (١/ ٦): "وهذا يكون تأويلًا لا يليق بالشافعي؛ لعظيم فقهه، وأنس وابن مغفل إنما قالا هذا ردًّا على من يرى قراءة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
وقال الزيلعي في نصب الراية (١/ ٣٣١) بأن هذا التأويل: "مما تستبعده القريحة، وتمجه الأفهام الصحيحة؛ لأن هذا من العلم الظاهر الذي يعرفه الخاص والعام،. . . " [وانظر: نخب الأفكار (٣/ ٦٠٣)].
لكن تُعُقِّب قول ابن دقيق العيد هذا، بأن حديث أبي سعيد بن المعلى قد اشتمل على تسمية السورة بهذا المجموع، ففي حديث ابن المعلى: "ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد؟ "، ثم قال له ﷺ : " ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته" [أخرجه البخاري (٤٤٧٤ و ٤٦٤٧ و ٤٧٠٣ و ٥٠٠٦)، ويأتي عند أبي داود برقم (١٤٥٨)] [انظر: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٣/ ٣٦)، الفتح لابن حجر (٢/ ٢٢٧) و (٨/ ١٥٨)، النكت له (٢/ ٧٦٥)].
ويمكن أن يجاب عنه بأن البسملة ليست من الفاتحة على الصحيح، أو على عدِّ أهل المدينة، فهي ليست إذًا من السورة، وهذا الحديث من الأدلة على ذلك، أو يكون معنى كلام النبي ﷺ : السورة التي تبدأ بقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، هي السبع المثاني. . .، فلم يعُدّ البسملة آية منها، والله أعلم [وانظر: التنقيح (٢/ ١٨٥)].
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومن تأول حديث أنس على نفي قراءتها سرًّا، فهو مقابل لقول من قال: مراد أنس أنهم كانوا يفتتحون بفاتحة الكتاب قبل غيرها من السور، وهذا أيضًا ضعيف، فإن هذا من العلم العام الذي ما زال الناس يفعلونه، وقد كان الحجاج بن يوسف وغيره من الأمراء الذين صلى خلفهم أنس يقرؤون الفاتحة قبل السورة، ولم ينازع في ذلك أحد، ولا سئل عن ذلك أحد، لا أنس ولا غيره، ولا يحتاج أن يروي أنس هذا عن النبي ﷺ وصاحبيه، ومن روى عن أنس أنه شك: هل كان النبي ﷺ يقرأ البسملة أو لا يقرؤها، فروايته توافق الروايات الصحيحة؛ لأن أنسًا لم يكن يعلم هل قرأها سرًّا أم لا، وإنما نفى الجهر" [المجموع (٢٢/ ٢٧٩)].
وقال أيضًا: "وكلا الروايتين ينفي تأويل من تاول قوله: يفتتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أنه أراد السورة، فإن قوله: يفتتحون بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، لا يذكرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في أول قراءة ولا في آخرها: صريح أنه في قصد الافتتاح بالآية، لا بسورة الفاتحة التي أولها ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، إذ لو كان مقصوده ذلك لتناقض حديثاه.
وأيضًا فإن افتتاح الصلاة بالفاتحة قبل السورة هو من العلم الظاهر العام الذي يعرفه الخاص والعام، كما يعلمون أن الركوع قبل السجود، وجميع الأئمة غير النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان يفعلون هذا، ليس في نقل مثل هذا فائدة، ولا هذا مما يحتاج فيه إلى نقل أنس، ولا هم قد سألوه عن ذلك، وليس هذا مما يسأل عنه، وجميع الأئمة من أمراء
стр. 3855
الأمصار والجيوش وخلفاء بني أمية وبني الزبير وغيرهم ممن أدركه أنس كانوا يفتتحون بالفاتحة، ولم يشتبه هذا على أحد، ولا شك، فكيف يظن أن أنسًا قصد تعريفهم بهذا، وأنهم سألوه عنه، وإنما مثل ذلك مثل أن يقال: فكانوا يصلون الظهر أربعًا، والعصر أربعًا، والمغرب ثلاثًا، أو يقول: فكانوا يجهرون في العشاءين والفجر، ويخافتون في صلاتي الظهرين، أو يقول: فكانوا يجهرون في الأوليين دون الأخيرتين،. . ." [مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤١٢ - ٤١٣)].
وقال ابن رجب في الفتح (٤/ ٣٥٥): "وأيضًا؛ فأي فائدة في رواية أنس أو غيره: أن القراءة تفتتح بفاتحة الكتاب، فتقرأ الفاتحة قبل السورة، وهذا أمر معلوم من عمل الأمة، لم يخالف فيه منهم أحد، ولا اختلف فيه اثنان، لا يحتاج إلى الإخبار به، كما أن أحدًا من الصحابة لم يرو في أمور الصلاة ما كان مقررًا عند الأمة، لا يحتاج إلى الإخبار به، مثل عدد الركعات بعد استقرارها أربعًا، ومثل الجهر فيما يجهر به والإسرار فيما يسر، ونحو ذلك مما لا فائدة في الإخبار به.
فكذلك ابتداء القراءة بالفاتحة، لا يحتاج إلى الإخبار به، ولا إلى السؤال عنه، وقد كان أنس يُسأل عن هذا، كما قال قتادة: نحن سألناه عنه، وقد تقدم، وكان يقول أحيانًا: ما سألني عن هذا أحد، وروي عنه أنه قال: ما أحفظه، وهذا يدل على أنه مما يخفى على السائل والمسؤول، ولو كان السؤال عن الابتداء بقراءة الفاتحة لم يخف على سائل ولا مسؤول عنه،. . .".
***
٧٨٣ - . . . حسين المعلِّم، عن بُدَيل بن ميسرةَ، عن أبي الجَوزاء، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يفتتح الصلاةَ بالتكبير، والقراءةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وكان إذا ركع لم يُشخِصْ رأسَه، ولم يُصَوِّبْه، ولكن بين ذلك، وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستويَ قائمًا، وكان إذا رفع رأسه من السجود لم يسجد حتى يستويَ قاعدًا، وكان يقول في كل ركعتين: "التحيَّاتُ [لله] "، وكان إذا جلس يَفرْش رجله اليسرى وينصِب رجله اليمنى، وكان ينهى عن عَقِبِ الشيطان، وعن فِرشَة السَّبُع، وكان يختم الصلاة بالتسليم، ﵇.
• حديث صحيح.
أخرجه مسلم (٤٩٨)، وأبو عوانة (١/ ٤٢٦/ ١٥٨٥) و (١/ ٤٢٨/ ١٥٩٥) و (١/ ٤٨٥/ ١٨٠٢) و (١/ ٥٠٦/ ١٨٩١) و (١/ ٥٣٥/ ٢٠٠٤)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ١٠٧/ ١١٠٠ و ١١٠١)، وابن ماجه (٨١٢ و ٨٦٩ و ٨٩٣)، وابن خزيمة (٦٩٩) (١/ ٦٩٦/ ٦٩٩ - ط ماهر الفحل) [وانظر: الإتحاف (١٦/ ٢/ ١٠٥٤/ ٢١٦٠٥)]، وابن حبان (٥/ ٦٥/ ١٧٦٨)، وأحمد (٦/ ٣١ و ١٩٤)، وإسحاق بن راهويه (٣/ ٧٢٤/ ١٣٣١)، وابن وهب
стр. 3856
في الجامع (٣٥٧)، وعبد الرزاق (٢/ ٧٢/ ٢٥٤٠) و (٢/ ٨٩/ ٢٦٠٢) و (٢/ ١٥٤/ ٢٨٧٣) و (٢/ ١٧٣/ ٢٩٣٨) و (٢/ ١٨٨/ ٣٠١٤) و (٢/ ١٩٦/ ٣٠٥٠) و (٢/ ٢٠٦/ ٣٠٨١)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في غريب الحديث (٢/ ١٣١)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٠٨/ ٢٣٨٢) و (١/ ٢٢٦/ ٢٥٨٦) و (١/ ٢٣٢/ ٢٦٥٤) و (١/ ٢٥٤/ ٢٩٢٤) و (١/ ٢٥٥/ ٢٩٣٩) و (١/ ٢٥٨/ ٢٩٦٥) و (١/ ٣٦٠/ ٤١٣١)، وأبو يعلى (٨/ ١٢٧/ ٤٦٦٧)، وأبو العباس السراج في مسنده (٣٥٣)، وأبو أحمد الحاكم في شعار أصحاب الحديث (٦٠)، وجعفر المستغفري في فضائل القرآن (٦٣٣ و ٦٣٤)، والبيهقي في السنن (٢/ ١٥ و ٨٥ و ١١٣ و ١٢١ و ١٣٣ و ١٧٢)، وفي المعرفة (٢/ ٢٦/ ٨٧٦)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ٢٠٥ و ٢٠٦)، وفي الإنصاف (٨).
وفي رواية مسلم: وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السَّبُع، وهي تفسر رواية أبي داود: وعن فِرشَة السَّبُع.
• تنبيه: رويت في الحديث لفظة: وكان يفرش رجله اليسرى تحت اليمنى، عند ابن خزيمة، وهي غير محفوظة، فقد أثبتها ابن حجر في إتحاف المهرة بلفظ: وكان يفرش رجله اليسرى ويحبس اليمنى، وهي موافقة للرواية المحفوظة، فقد روى الحديث عن حسين المعلم باللفظ المحفوظ جماعة من الثقات، مثل: يحيى بن سعيد القطان، وإسحاق بن يوسف الأزرق، ويزيد بن هارون، وعبد الوارث بن سعيد، ومحمد بن جعفر غندر، وعيسى بن يونس، وأبو خالد الأحمر سليمان بن حيان، وأبو أسامة حماد بن أسامة، وغيرهم، قالوا: يَفرُش رجله اليسرى، وينصِب رجله اليمنى.
• تابع حسينًا المعلم عليه:
١ - سعيد بن أبي عروبة، عن بُدَيل، عن أبي الجَوزاء، عِن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يفتتح الصلاةَ بالتكبير، ويفتتح القراءةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، ويختمها بالتسليم.
أخرجه الدارمي (١/ ٣٠٨/ ١٢٣٦)، وأحمد (٦/ ١٧١)، والطحاوي (١/ ٢٠٣)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ١٠٧/ ١١٠١)، وفي الحلية (٣/ ٨٢) و (٩/ ٢٥٢)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ٢٠٥)، وفي الإنصاف (٩).
قال أبو نعيم: "صحيح ثابت من حديث أبي الجوزاء".
رواه عن ابن أبي عروبة: أسباط بن محمد [ثقة، قدمه أحمد على الخفاف في ابن أبي عروبة، وقال: "لأنه سمع بالكوفة"] [لكن الراوي عنه عند الطحاوي: محمد بن عمرو بن يونس السوسي، وهو محدِّث مكثر، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال عنه العقيلي: "كوفي كان بمصر، وكان يذهب إلى الرفض، وحدث بمناكير"، ثم أنكر عليه حديثًا متنه محفوظ. تاريخ دمشق (٥٥/ ٣٤)، اللسان (٧/ ٤١٨)]، وسعيد بن عامر الضبعي [ثقة]، وجعفر بن عون [كوفي: ثقة]، وإسرائيل بن أبي إسحاق [كوفي، ثقة]، وغندر محمد بن جعفر [ثقة، سمع من ابن أبي عروبة بعد اختلاطه].
стр. 3857
٢ - ورواه أسود بن عامر [شاذان: ثقة]: ثنا أبان [هو: ابن يزيد العطار: ثقة]، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء، عن عائشة؛ أن نبي الله ﷺ كان يستفتح القراءةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
أخرجه أحمد (٦/ ١١٠).
٣ - ورواه أسباط بن محمد [ثقة، كوفي]، قال: حدثنا شعبة، عن بُدَيل، عن أبي الجَوزاء، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يفتتح الصلاةَ بالتكبير، ويفتتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾.
أخرجه أحمد (٦/ ٢٨١).
وهذا غريب من حديث شعبة.
٤ - ورواه عبد الرحمن بن بديل بن ميسرة [لا بأس به]، عن أبيه، عن أبي الجوزاء، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاةَ بالتكبير، والقراءةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فإذا ركع لم يشخص رأسه، ولم يخفضه، ولكن بين ذلك، فإذا رفع رأسه لم يسجد حتى يستوي قائمًا، فإذا سجد فرفع رأسه لم يسجد حتى يستوي قاعدًا، وكان يفرُش قدمه اليسرى، وينصِب قدمه اليمنى، وكان يقول في كل ركعتين التحيات، وكان ينهى عن عَقِب الشيطان، وعن افتراشٍ كافتراش السبُع والكلب، وكان يختم الصلاةَ بالتسليم.
أخرجه الطيالسي (٣/ ١٣٣/ ١٦٥١)، ومن طريقه: الطبراني في الأوسط (٧/ ٣٢٠/ ٧٦١٧)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٦٣ و ٨٢).
قال أبو داود الطيالسي: حدثنا عبد الرحمن بن بديل العقيلي، بصري ثقة صدوق، عن أبيه به.
وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن عبد الرحمن بن بديل إلا أبو داود الطيالسي".
وقال أبو نعيم: "وهو صحيح، أخرجه مسلم في صحيحه".
٥ - ورواه عبد السلام بن حرب [ثقة]، عن بديل، عن أبي الجوزاء، عن عائشة؛ أن النبي ﷺ كان يقول في الركعتين التحيات.
وفي رواية: كان لا يزيد في الركعتين على التشهد.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٦٣/ ٣٠٢٣)، وأبو يعلى (٧/ ٣٣٧/ ٤٣٧٣).
• خالفهم في إسناده:
حماد بن زيد [ثقة ثبت]: ثنا بديل، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ أن رسول الله ﷺ كان يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وفي رواية: قال حماد: حفظي عن ابن شقيق.
أخرجه أبو نعيم في تاريخ أصبهان (٢/ ١١٩)، والبيهقي (٢/ ١٥).
قلت: كان حمادًا روجع في إسناده، وقيل له: إن بديلًا إنما يرويه عن أبي الجوزاء،
стр. 3858
لا عن ابن شقيق، فقال حماد عندئذ: حفظي عن ابن شقيق، ولم يجزم بخطأ من قال فيه: عن أبي الجوزاء، وعلى هذا فرواية الجماعة أولى بالصواب.
ولا عبرة بما رواه أحد المتروكين، وهو الصلت بن دينار، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة به مختصرًا.
أخرجه جعفر المستغفري في فضائل القرآن (١/ ٤٧٠/ ٦٣٢).
وقد ذكر الدارقطني في العلل (١٤/ ٣٩٧/ ٣٧٥٢) الاختلاف في إسناد هذا الحديث، وزاد على الذين رووه عن بديل عن أبي الجوزاء: عبد الأعلى بن حسين بن ذكوان المعلم [ذكره ابن حبان في الثقات، وقال العقيلي: "منكر الحديث"، اللسان (٥/ ٤٥)]، وإبراهيم بن طهمان [ثقة]، ليصل عدد من روى هذا الحديث عن بديل عن أبي الجوزاء إلى ثمانية رجال خالفوا حمادًا في إسناده، قال الدارقطني: "والقول: قول من قال: عن أبي الجوزاء، واسمه: أوس بن عبد الله الربعي".
• وخالفهم في متنه:
طَلْق بن غَنَّام: حدثنا عبد السلام بن حرب المُلائي، عن بُدَيل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا استفتح الصلاة، قال: "سبحانك اللَّهُمَّ وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدُّك، ولا إله غيرُك".
وهو حديث شاذ، تقدم برقم (٧٧٦)، وقد سبق تخريجه في الذكر والدعاء (١/ ١٥٢)، تحت الحديث رقم (٧٨).
• قال ابن عبد البر في التمهيد: "اسم أبي الجوزاء أوس بن عبد الله الربعي: لم يسمع من عائشة، وحديثه عنها مرسل".
وقال في الإنصاف: "رجال إسناد هذا الحديث ثقات كلهم، لا يختلف في ذلك، إلا أنهم يقولون أن أبا الجوزاء لا يعرف له سماع من عائشة، وحديثه عنها إرسال".
قال الحافظ رشيد الدين العطار في غرر الفوائد (٦٨): "وإدراك أبي الجوزاء هذا لعائشة ﵂ معلومٌ لا يختلف فيه، وسماعه منها جائز ممكن؛ لكونهما جميعًا كانا في عصر واحد، وهذا ومثله محمول على السماع عند مسلم ﵀، كما نص عليه في مقدمة كتابه الصحيح؛ إلا أن تقوم دلالة بينة على أن ذلك الراوي لم يلق من روى عنه، أو لم يسمع منه شيئا، فحينئذ يكون الحديث مرسلًا، والله أعلم.
وقد روى البخاري في تاريخه [(٢/ ١٦)] عن مسدد، عن جعفر بن سليمان، عن عمرو بن مالك النُّكْري، عن أبي الجوزاء، قال: أقمت مع ابن عباس وعائشة اثنتي عشرة سنة، ليس من القرآن آية إلا سألتهم عنها، قال البخاري: في إسناده نظر، قلت: ومما يؤيد قول البخاري ﵁ ما رواه محمد بن سعد كاتب الواقدي، وكان ثقة، عن عارم، عن حماد بن زيد، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، قال: جاورت ابن عباس في داره اثنتي عشرة سنة، فذكره ولم يذكر عائشة، وهذا أولى بالصواب، والله أعلم.
стр. 3859
وقد روى أبو الجوزاء هذا عن ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة، وقتل في الجماجم سنة ثلاث وثمانين من الهجرة، ولم يخرج البخاري له عن عائشة شيئًا، وبالله التوفيق.
وقد روى هذا الحديث أعني حديث أبي الجوزاء: إبراهيم بن طهمان الهروي، وهو من الثقات الذين اتفق البخاري ومسلم على إخراج حديثهم في الصحيحين، عن بديل العقيلي، عن أبي الجوزاء، قال: أرسلتُ رسولًا إلى عائشة ﵂، أسألها عن صلاة رسول الله ﷺ ، فقالت: كان يفتتح الصلاة بالتكبير، الحديث"، ثم أسنده إلى ابن طهمان، ثم قال: "وهذا الحديث مخرج في كتاب الصلاة لأبي بكر جعفر بن محمد بن الحسين الفريابي، وهو إمام من أئمة أهل النقل، ثقة مشهور، وإسناده إسناد جيد، لا أعلم في أحد من رجاله طعنًا، وقول أبي الجوزاء فيه: أرسلت إلى عائشة يؤيد ما ذكر ابن عبد البر، والله أعلم".
قلت: رواه جعفر الفريابي، قال: حدثنا مزاحم بن سعيد: أخبرنا عبد الله بن المبارك: حدثنا إبراهيم به.
وهذا إسناد رجاله ثقات؛ غير أبي الحسن مزاحم بن سعيد المروزي: شيخ لجعفر الفريابي، وقد أكثر عنه في مصنفاته، يروي عن عبد الله بن المبارك المروزي وغيره، ولم أر من تكلم فيه بجرح أو تعديل، سوى قول العطار: وإسناده إسناد جيد، لا أعلم في أحد من رجاله طعنًا"، وهو مذكور في مشيخة أبي بكر الفريابي التي رتبها المزي على المعجم [كما في سير أعلام النبلاء (١٤/ ١٠٤)].
وقد روي عن ابن طهمان من وجه آخر، لكن بدون ذكر قصة الرسول، أعني بإسقاط الواسطة بين أبي الجوزاء وعائشة.
أخرجه ابن بشران في جزء فيه سبعة مجالس من أماليه (٣١)، وأبو علي بن شاذان في الأول من حديثه (٤٣)، بطرف من الحديث.
لكنه لا يصح عن ابن طهمان؛ ففي الإسناد إليه: محمد بن عيسى بن حيان المدائني: وهو ضعيف، كان مغفلًا، لم يكن يدري ما الحديث، حدث عن مشايخه بما لا يتابع عليه، وقال الدارقطني والحاكم: "متروك"، ومشاه بعضهم [اللسان (٧/ ٤٢٨)].
وأما قول البخاري: "في إسناده نظر"، فقد حمله العقيلي في ضعفائه على تضعيف أبي الجوزاء نفسه، حيث ترجم له في ضعفائه (١/ ١٢٤)، ثم أورد قول البخاري، ثم حمَّل أبا الجوزاء تبعة حديثه عن عبد الله بن عمرو في صلاة التسابيح، ثم قال: "ليس في صلاة التسابيح حديث يثبت"، وقد أخطأ العقيلي في هذا من وجوه، حيث حمَّل كلام البخاري ما لا يحتمله، وأبو الجوزاء برئ من تبعة الحديث، ففي الإسناد إليه: يحيى بن سليم الطائفي [ويقال له أحيانًا: يحيى بن سليمان]، وهو: صدوق، سيئ الحفظ، له أحاديث غلِط فيها [انظر: التهذيب (٤/ ٣٦٢) وغيره]، والراوي عنه: نعيم بن حماد، وهو: ضعيف، وأحسن أحواله أن يقال فيه: صدوق، كثير الوهم والخطأ، له مناكير كثيرة تفرد بها عن الثقات المشاهير [انظر: التهذيب (٤/ ٢٣٤)، الميزان (٤/ ٢٦٧)].
стр. 3860
وإنما التبعة فيما قاله البخاري إنما هي على جعفر بن سليمان الضبعي، أو على شيخه عمرو بن مالك النُّكْري، والأرجح أنها على الأول؛ فقد رواه عارم محمد بن الفضل، ويونس بن محمد المؤدب، وسليمان بن حرب [وهم ثقات حفاظ]:
قالوا: حدثنا حماد بن زيد، عن عمرو بن مالك، قال: سمعت أبا الجوزاء يقول: جاورت ابن عباس ثنتي عشرة سنة [في داره]، وما من القرآن آية إلا وقد سألته عنها.
زاد سليمان بن حرب: وكان رسولي يختلف إلى أم المؤمنين غدوة وعشية، فما سمعت من أحد من العلماء ولا سمعت أن الله تعالى يقول لذنب: إني لا أغفره؛ إلا بالشرك به.
أخرجه ابن سعد في الطبقات (٧/ ٢٢٤)، وعبد الله بن أحمد في العلل ومعرفة الرجال (١/ ٤٣/ ١١٨١) و (٢/ ٣٠٥/ ٢٣٥٦)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٧٩).
فالمقصود إذًا من قول البخاري: "في إسناده نظر": عدم إثبات سماع أبي الجوزاء من عائشة، قال ابن عدي في الكامل (١/ ٤١١) (٢/ ١٠٨ - ط العلمية) بعد أن نقل قول البخاري: "وأوس بن عبد الله أبو الجوزاء هذا يحدث عنه عمرو بن مالك النكري، يحدث عن أبي الجوزاء هذا أيضًا عن ابن عباس قدر عشرة أحاديث غير محفوظة، وأبو الجوزاء روى عن الصحابة: ابن عباس، وعائشة، وابن مسعود، وغيرهم، وأرجو أنه لا بأس به، ولا يصحَّح روايته عنهم أنه سمع منهم، وقول البخاري: في إسناده نظر؛ [يريد] أنه لم يسمع من مثل ابن مسعود وعائشة وغيرهما، لا أنه ضعيف عنده، وأحاديثه مستقيمة مستغنية عن أن أذكر منها شيئًا في هذا الموضع".
وما ذهب إليه ابن عدي من عدم ثبوت سماع أبي الجوزاء من عائشة: صحيح؛ إذ تؤيده رواية سليمان بن حرب؛ فإن أبا الجوزاء وإن كان معاصرًا لعائشة، مدركًا لها، إلا أنه كان يتحمل عنها بواسطة رسوله الذي كان يبعثه إليها، ورواية ابن طهمان التي ساقها رشيد الدين العطار في غرر الفوائد من طريق جعفر الفريابي على نفس هذا النسق، تؤكده وتدلل عليه في خصوص هذا الحديث، وبناءً على ذلك؛ يمكن أن يقال: إن مسلمًا حمل هذه الرواية على مطلق الاتصال من جهة ثبوت الواسطة بينه وبين عائشة مع كونها مبهمة، وأنه اعتمد على توثيق أبي الجوزاء لرسوله؛ إذ يبعد أن يتخذ رسولًا غير أمين في النقل، أو أن هذه الرواية خفيت على مسلم، فأعمل في الرواية مطلق الاتصال وإن لم يثبت السماع؛ اكتفاء بالمعاصرة وإمكان اللقاء، والله أعلم.
وفي كلام ابن عدي هذا أيضًا تفسير قول البخاري، وأنه إنما عنى به عدم سماع أبي الجوزاء من عائشة، وأن البخاري لم يقصد بهذا القول تضعيف أبي الجوزاء، ثم ذهب ابن عدي إلى أن أبا الجوزاء وإن كان لم يسمع من عائشة وغيرها؛ إلا أن أحاديثه مستقيمة، بخلاف ما رواه عنه الضعفاء، أو من تكلم فيهم مثل: عمرو بن مالك النكري، وقد عاد ابنُ عدي على عمرو بن مالك النكري بالتضعيف، مبينًا كون البخاري لم يرِد تضعيف أبي
стр. 3861
الجوزاء؛ إذ كيف يضعِّفه مع استقامة أحاديثه، وإخراج البخاري نفسه له في الصحيح.
فقد أخرج البخاري في صحيحه، في (٦٥) كتاب التفسير، من سورة النجم، باب: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩)﴾ [النجم: ١٩]، (٤٨٥٩)، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم: حدثنا أبو الأشهب: حدثنا أبو الجوزاء، عن ابن عباس ﵄، في قوله: ﴿اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾: كان اللاتُ رجلًا يَلُتُّ سَوِيقَ الْحَاجِّ.
وهذه الرواية تبين أن البخاري إنما أنكر من الرواية التي أوردها في تاريخه سماع أبي الجوزاء من عائشة وحدها، لا من ابن عباس، حيث أخرج لأبي الجوزاء عن ابن عباس في صحيحه، والله أعلم.
وقد تكلمت حول هذه المسألة [وذلك تحت الحديث السابق برقم (٧٥٧)، في آخر البحث]، وحققت القول في عمرو بن مالك النكري، وأنه كما قال ابن حجر: "صدوق، له أوهام"، والله أعلم.
وأما ما جاء عند عبد الرزاق (٢/ ٧٢/ ٢٥٤٠) من تصريح أبي الجوزاء بالسماع من عائشة، فلا يصح؛ إذ راويه عن حسين المعلم: عثمان بن مطر، وقد ضعفوه، ومنهم من تركه، وعدَّه منكر الحديث [التهذيب (٣/ ٧٩)، الميزان (٣/ ٥٣)].
قال الزيلعي في نصب الراية (١/ ٣٣٤): "يكفينا أنه حديث أودعه مسلم صحيحه، وأبو الجوزاء اسمه أوس بن عبد الله الربعي: ثقة كبير، لا يُنكَر سماعه من عائشة، وقد احتج به الجماعة، وبديل بن ميسرة: تابعي صغير، مجمع على عدالته وثقته، وقد حدث بهذا الحديث عنه الأئمة الكبار، وتلقاه العلماء بالقبول، ولم يتكلم فيه أحد منهم".
وقال ابن الملقن في البدر المنير (٣/ ٤٥٥): "قلت: إدراكه لها ممكن؛ بل ورد مشافهته لها بالسؤال، لكن قال البخاري: في إسناده نظر".
قلت: سبق بيان عدم ثبوت هذه المشافهة، بل لم يسمع منها، كما قال ابن عدي وابن عبد البر.
وقال ابن حجر في التهذيب (١/ ١٩٤) بعد رواية ابن طهمان: "فهذا ظاهره أنه لم يشافهها، لكن لا مانع من جواز كونه توجه إليها بعد ذلك فشافهها على مذهب مسلم في إمكان اللقاء، والله أعلم"، قلت: وهذا احتمال عقلي محض، يعارضه ما ثبت عن أبي الجوزاء أنه إنما كان يحمل عن عائشة ما يأتيه به رسوله من عندها، وقد ثبتت الواسطة في هذا الحديث بعينه، ولم يثبت عندنا السماع ولو مرة واحدة، والله أعلم.
• يبقى أن يقال: إن حديث أبي الجوزاء عن عائشة وإن لم يسمعه منها؛ حديث مستقيم، بحكم ابن عدي على مطلق أحاديث أبي الجوزاء بالاستقامة، وبتوثيق أبي حاتم وأبي زرعة والعجلي وابن حبان والسمعاني لأبي الجوزاء [التهذيب (١/ ١٩٤)، الجرح والتعديل (٢/ ٣٠٤)، الأنساب (٥/ ٢٥٣)]، مما يقتضي استقامة حديثه عندهم، مع ما علم من تشدد أبي حاتم في الرجال، وبتصحيح مسلم لحديثه هذا عن عائشة، وقد وافق مسلمًا
стр. 3862
على تصحيحه: أبو عوانة وأبو نعيم وابن خزيمة وابن حبان، ولكون الحديث له شواهد كثيرة تؤكد صحته وثبوته.
فمنها مما تقدم: حديث أنس وأبي هريرة وابن مغفل في مسألة افتتاح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
ومنها: حديث علي بن أبي طالب وما كان في معناه: في افتتاح الصلاة بالتكبير، واختتامها بالتسليم [تقدم عند أبي داود برقم (٦١)، وهو حديث صحيح].
• وأما جملة: وكان إذا ركع لم يُشخِصْ رأسَه، ولم يُصَوِّبْه، ولكن بين ذلك، فهي ثابتة صحيحة من حديث أبي حميد الساعدي، ولفظه: ثم عدل صلبه، ولم يُصوِّب رأسه، ولم يُقنِعه [تقدم برقم (٧٣٠)، وهو حديث صحيح].
• وأما جملة: وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستويَ قائمًا، وكان إذا رفع رأسه من السجود لم يسجد حتى يستويَ قاعدًا، فيشهد لها حديث أبي حميد الساعدي، ولفظه: ثم يقول: "سمع الله لمن حمده"، ويرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه معتدلًا، حتى يقر كل عظم في موضعه معتدلًا، ثم يكبر ويسجد فيجافي جنبيه، ثم يرفع رأسه، فيثني رجله اليسرى، فيقعد عليها، ويفتخ أصابع رجله اليمنى، [وفي رواية أبي أسامة: حتى رجع كل عظم إلى موضعه].
وفي رواية: واعتدل حتى رجع كلُّ عظمٍ في موضعه معتدلًا، ثم هوى ساجدًا. . . ثم ثنى رجله اليسرى وقعد عليها، واعتدل حتى رجع كلُّ عظم في موضعه [معتدلًا].
• وأما جملة: وكان يقول في كل ركعتين: "التَّحيَّاتُ [للَّه] "، فهي ثابتة من عموم أحاديث صفة الصلاة، وأحاديث سجود السهو، وأحاديث التشهد، وغير ذلك، مما فيه إثبات جلسة التشهد الأوسط، وجلسة التشهد الأخير، وذكر التشهد فيهما.
• وأما جملة: وكان إذا جلس يَفرْش رجله اليسرى وينصِب رجله اليمنى، فهي ثابتة من حديث وائل بن حجر، ولفظ رواية ابن عيينة: ورأيته إذا جلس في الصلاة أضجع رجله اليسرى، ونصب اليمنى [تقدم تحت الحديث السابق برقم (٧٢٨)، وهو حديث صحيح].
ومن حديث أبي حميد الساعدي، بلفظ: فيثني رجله اليسرى، فيقعد عليها، ويفتخ أصابع رجله اليمنى [تقدم برقم (٧٣٠)، وهو حديث صحيح]، وفي رواية: فإذا جلس في الركعتين جلس على رجلِه اليسرى، ونصب اليمنى [تقدم برقم (٧٣٢)، وهو حديث صحيح، أخرجه البخاري].
ومن حديث ابن عمر؛ الذي رواه عبد الرحمن بن القاسم، عن عبد الله بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر، أنه قال: إنما سُنَّة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى، وتثني اليسرى.
أخرجه البخاري (٨٢٧)، ويأتي تخريجه في سنن أبي داود برقم (٩٥٨) إن شاء الله تعالى.
ومن حديث ميمونة، الذي رواه مروان بن معاوية الفزاري، قال: حدثنا عبيد الله بن
стр. 3863
عبد الله بن الأصم، عن يزيد بن الأصم أنه أخبره، عن ميمونة زوج النبي ﷺ ، قالت: كان النبي ﷺ إذا سجد خوَّى بيديه -يعني: جنَّح- حتى يُرى وَضَحُ إبطيه من ورائه، وإذا قعد اطمأن على فخذه اليسرى.
أخرجه مسلم (٤٩٧)، ويأتي تخريجه في سنن أبي داود برقم (٨٩٨) إن شاء الله تعالى.
• وأما جملة: وكان ينهى عن عَقِبِ الشيطان، أو: عن عقبة الشيطان: وفسِّر بالإقعاء المكروه، وهو إقعاء الكلب، وفيه أحاديث كثيرة لا تخلو من مقال، ويأتي الكلام عليها عند الكلام عن الإقعاء المسنون عند أبي داود برقم (٨٤٥) إن شاء الله تعالى.
وفسِّر أيضًا بترك العقبين غير مغسولين في الوضوء، كما قاله ابن الأثير في النهاية (٣/ ٢٦٨)، وفي الوعيد على عدم غسل العقبين أحاديث صحيحة كثيرة، راجع الحديث رقم (٩٧).
• وأما جملة النهي: عن فِرشَة السَّبُع، وفي رواية مسلم: وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السَّبُع، فهي ثابتة من حديث أنس:
الذي رواه قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: "اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب".
وهو حديث متفق عليه [البخاري (٥٣٢ و ٨٢٢)، ومسلم (٤٩٣)]، ويأتي تخريجه في موضعه من سنن أبي داود برقم (٨٩٧) إن شاء الله تعالى.
• ولحديث عائشة هذا طرق أخرى لا تصح، وقفت منها على ما رواه:
١ - خلف بن القاسم، قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن كامل: حدثنا أبو أحمد إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم البغدادي: حدثنا الحارث بن محمد: حدثنا أبو مصعب: حدثنا مالك، عن ابن شهاب، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يفتتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وسمعت أبا بكر الصديق يفتتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وسمعت عمر بن الخطاب يفتتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وسمعت عثمان بن عفان يفتتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ٢٠٤)، قال: حدثنا خلف به.
قال ابن عبد البر: "وهذا حديث موضوع بهذا الإسناد، لا أصل له في حديث مالك، ولا في حديث ابن شهاب، وهو منكر كذب عن هؤلاء، وعن القاسم بن محمد أيضًا، ولا يصح عن أحد منهم، والمعروف فيه عن عائشة ما أخبرناه. . ."، ثم أسند حديث بديل عن أبي الجوزاء عن عائشة.
قلت: الحارث بن محمد الأقرب عندي أنه: ابن أبي أسامة صاحب المسند، فإنه يروي عن طبقة أبي مصعب الزهري.
стр. 3864
وأما أبو أحمد إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم البغدادي: فإني لم أجده في تاريخ بغداد، وقال عنه ابن حجر في اللسان (١/ ٢٣٨): "رجاله معروفون إلا هذا، إن كان الحارث بن محمد هو: ابن أبي أسامة؛ وإلا فهو مجهول أيضًا".
٢ - حارثة بن أبي الرِّجال، عن عمرة، قالت: سألت عائشة: كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ ؟ قالت: كان النبي ﷺ إذا توضأ فوضع يديه في الإناء سمى الله، ويسبغ الوضوء، ثم يقوم مستقبل القبلة، فيكبر، ويرفع يديه حذاء منكبيه، ثم يركع فيضع يديه على ركبتيه، ويجافي بعضديه، ثم يرفع رأسه فيقيم صلبه، ويقوم قيامًا هو أطول من قيامكم قليلًا، ثم يسجد فيضع يديه تجاه القبلة، ويجافي بعضديه ما استطاع فيما رأيت، ثم يرفع رأسه فيجلس على قدمه اليسرى، وينصب اليمنى، ويكره [وفي رواية: كراهية، أن يسقط على شقِّه الأيسر.
أخرجه بتمامه أو طرفًا منه: ابن ماجه (٨٧٤ و ١٠٦٢)، واللفظ له في الموضع الثاني.
وإسحاق بن راهويه (٢/ ٤٣٣/ ٩٩٩) و (٢/ ٤٤١/ ١٠٠٨ و ١٠٠٩) و (٢/ ٤٤٥/ ١٠١٣)، وابن أبي شيبة (١/ ١٢/ ١٦) و (١/ ٢٢٠/ ٢٥٢٧) و (١/ ٢٣٦/ ٢٧١٢)، والبزار (١٨/ ٢٦٠/ ٣٠٧) (٢٦١ - كشف)، والقاسم بن زكريا المطرز في فوائده (١١١)، وأبو يعلى (٨/ ١٤٣/ ٤٦٨٧) و (٨/ ٢٢٧/ ٤٧٩٦) و (٨/ ٢٧٨/ ٤٨٦٤)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٦٩/ ١٤٤٠)، وأبو جعفر ابن البختري في الرابع من حديثه (١١٥) (٣٥٩ - مجموع مصنفاته) مطولًا، والطبراني في الدعاء (٣٨٣ و ٣٨٤)، وابن عدي في الكامل (٢/ ١٩٨ و ١٩٩)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين (٢/ ٢٦٠) و (٣/ ٥٨١)، وأبو الفضل الزهري في حديثه (١٨٠)، والدارقطني في السنن (١/ ٧٢ و ٣٤٤)، وفي الأفراد (٢/ ٥٠٣/ ٦٤٨٣ - أطرافه).
قال ابن عدي: "وبلغني عن أحمد بن حنبل ﵀ أنه نظر في جامع إسحاق بن راهويه؛ فإذا أول حديث قد أخرج في جامعه هذا الحديث، فأنكره جدًّا، وقال: أول حديث في الجامع يكون عن حارثة".
وقال ابن حجر في التلخيص (١/ ٧٥): "وروى الحربي عن أحمد أنه قال: هذا يزعم [يعني: ابن راهويه] أنه اختار أصح شيء في الباب، وهذا أضعف حديث فيه".
وقال ابن عدي بعد أن أورد له هذا الحديث مقطعًا في جملة من حديثه: "ولحارثة هذا غير ما ذكرت من الحديث، وبعض ما يرويه منكر، لا يتابع عليه".
قلت: هو حديث منكر؛ فإن حارثة بن أبي الرجال: متروك، منكر الحديث [التهذيب (١/ ٣٤١)، الميزان (١/ ٤٤٥)].
وانظر أيضًا في المناكير: حلية الأولياء (١٠/ ٣٢٠).
• قال أبو عبيد في غريب الحديث (٢/ ١٣١): ""إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوِّبه"، وبعضهم يرويه: "لم يصوِّب رأسه، ولم يقنعه"، يقول: لم يرفعه حتى يكون أعلى من جسده، ولكن بين ذلك"، ثم قال: "فالإقناع: رفع الرأس وإشخاصه".
стр. 3865
وقال الخطابي في المعالم (١/ ١٧٢): ""لم يصوِّبه" أي: لم يخفضه".
وأما قولها: وكان ينهى عن عَقِبِ الشيطان، فقيل: هو أن يقعد على عقبيه في الصلاة، لا يفترش رجله ولا يتورك، وقيل: هو أن يلصق الرجل إليتيه بالأرض، ناصبًا ساقيه، واضعًا يديه بالأرض، مثل إقعاء الكلب والسبع، والثاني هو الأقرب، وذهب إليه أبو عبيدة معمر بن المثنى، وأبو عبيد القاسم بن سلام [غريب الحديث لأبي عبيد (١/ ٢٦٥)، مسائل الكوسج (٢٢٧)، الأوسط لابن المنذر (٣/ ١٩١)، معالم السنن (١/ ١٧٢)، مشارق الأنوار (٢/ ٩٩)، شرح مسلم للنووي (٤/ ٢١٤)، إحكام الأحكام (١/ ٢٣٦)، الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٣/ ٤٨)].
• ومما يحتج به أيضا على ترك الجهر بالبسملة في الصلاة:
حديث أبي هريرة: عن النبي ﷺ قال: "من صلى صلاةً لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج" ثلاثًا، "غير تمام"، فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام، فقال: اقرأ بها في نفسك، فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال: مجدني عبدي، -وقال مرة: فوَّض إليَّ عبدي-، فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾، قال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل".
أخرجه مسلم (٣٩٥)، وسيأتي تخريجه مفصلًا في موضعه من السنن برقم (٨٢١)، إن شاء الله تعالى.
وقد احتج النسائي بهذا الحديث على ترك قراءة البسملة، حيث بوب لهذا الحديث في سننه (٢/ ١٣٥/ ٩٠٩) بقوله: "ترك قراءة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في فاتحة الكتاب"، وكذا قال في السنن الكبرى (١/ ٤٧٠/ ٩٨٣).
وقال أبو عمرو الداني في البيان في عد آي القرآن (٥٧): "وحديث مالك وغيره، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : يُؤذِن أن الآية السادسة أيضًا ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، ويدلُّ دلالة قطعية على أن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ليست من أم القرآن، ولا من غيرها من السور، وكل من لم ير قراءتها في الصلاة الفريضة فليست عنده آية".
وقال ابن عبد البر في الإنصاف (١٠): "وهو أصح حديث روي في سقوط ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ من أول فاتحة الكتاب، وأبينه وأبعده من احتمال التأويل"، وقال في موضع آخر (١٢): "لا أعلم حديثًا في سقوط ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ من أول فاتحة الكتاب أبين من حديث العلاء هذا"، ثم أطال في تقرير ذلك وبيانه.
стр. 3866
وقال في الاستذكار (١/ ٤٣٧): "وهو أقطع حديث وأثبته في ترك قراءة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في أول فاتحة الكتاب؛ لأن غيره من الأحاديث قد تأولوا فيها فأكثروا التشغيب والتنازع" [وانظر أيضًا: نصب الراية (١/ ٣٣٩)].
وقال ابن قدامة في المغني (١/ ٢٨٥): "وهذا يدل على أنه لم يذكر ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ولم يجهر بها".
ثم استدل بهذا الحديث على أنها ليست آية من الفاتحة، ثم قال: "فلو كانت ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آية لعدها وبدأ بها، ولم يتحقق التنصيف؛ لأن آيات الثناء تكون أربعًا ونصفًا، وآيات الدعاء اثنتين ونصفًا، وعلى ما ذكرنا يتحقق التنصيف".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فهذا الحديث صحيح صريح في أنها ليست من الفاتحة، ولم يعارضه حديث صحيح صريح" [المجموع (٢٢/ ٢٧٧)، [وانظر أيضًا: "٢٢/ ٣٥٠ و ٤٢٢)].
• قال البيهقي في المعرفة (١/ ٥٠٧): "هذا الحديث يرويه عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة: شعبة بن الحجاج، وسفيان بن عيينة، وروح بن القاسم، وأبو غسان محمد بن مطرف، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، وإسماعيل بن جعفر، ومحمد بن يزيد البصري، وجهضم بن عبد الله.
ورواه مالك بن أنس، وابن جريج، ومحمد بن إسحاق بن يسار، والوليد بن كثير، ومحمد بن عجلان، عن العلاء عن أبي السائب عن أبي هريرة.
وكأنه سمعه منهما جميعًا، فقد رواه أبو أويس المدني عن العلاء بن عبد الرحمن قال: سمعت من أبي وأبي السائب جميعًا، وكانا جليسين لأبي هريرة، قالا: قال أبو هريرة".
ثم قال: "وقد حكم مسلم بن الحجاج بصحة الإسنادين جميعًا".
وقال ابن عبد البر في الإنصاف (١١): "والقول عندي في ذلك: مثل هذا الاختلاف لا يضر؛ لأن أبا السائب ثقة، وعبد الرحمن أبا العلاء ثقة أيضًا، فعن أيهما كان فهو من أخبار العدول التي يجب الحكم بها".
• قلت: خالف هؤلاء جميعًا؛ فأتى فيه بزيادة منكرة:
ابن سمعان، فرواه عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج، غير تمام"، قال: فقلت: يا أبا هريرة! إني ربما كنت مع الإمام، قال: فغمز ذراعي، ثم قال: اقرأ بها في نفسك، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله : إني قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها له، يقول عبدي إذا افتتح الصلاة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فيذكرني عبدي، ثم يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فأقول: حمدني عبدي، ثم يقول: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فأقول: أثنى عليَّ عبدي، ثم يقول: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فأقول: مجدني عبدي، ثم يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فهذه الآية بيني وبين عبدي نصفين، وآخر السورة لعبدي، ولعبدي ما سأل".
стр. 3867
أخرجه الدارقطني (١/ ٣١٢)، وأبو إسحاق الثعلبي في الكشف والبيان (١/ ١٠٣ - ١٠٤)، والبيهقي في السنن (٢/ ٣٩ و ٤٠)، وفي المعرفة (١/ ٥٠٨/ ٦٩٦)، وفي القراءة خلف الإمام (٧٥)، والواحدي في الوسيط (١/ ٥٣).
قال الدارقطني: "ابن سمعان هو: عبد الله بن زياد بن سمعان: متروك الحديث، وروى هذا الحديث جماعة من الثقات عن العلاء بن عبد الرحمن، منهم: مالك بن أنس، وابن جريج، وروح بن القاسم، وابن عيينة، وابن عجلان، والحسن بن الحر، وأبو أويس، وغيرهم، على اختلاف منهم في الإسناد، واتفاق منهم على المتن، فلم يذكر أحد منهم في حديثه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، واتفاقهم على خلاف ما رواه ابن سمعان أولى بالصواب" [وانظر: علل الدارقطني (٩/ ٢٣/ ١٦١٧)].
وقال البيهقي في المعرفة: "وعبد الله بن زياد بن سمعان: ضعيف؛ لا يفرح بما ينفرد به".
وقال في القراءة: "وهذه الزيادة مما تفرد به ابن سمعان، وليس بالقوي، والله أعلم، وهذا الحديث دون زيادة ابن سمعان محفوظ صحيح. . .".
وقال ابن عبد الهادي في كتابه الجهر بالبسملة: "وهذه الرواية انفرد بها عنه ابن سمعان، وهو: كذاب، ولم يخرجها أحد من أصحاب الكتب الستة، ولا في المصنفات المشهورة، ولا المسانيد المعروفة، وإنما رواه الدارقطني في سننه التي يروى فيها غرائب الحديث، وقال عقيبه: وعبد الله بن زياد بن سمعان: متروك الحديث،. . ."، إلى أن قال: "وزيادة البسملة في حديث العلاء: باطلة قطعًا، زادها ابن سمعان خطأ أو عمدًا؛ فإنه متهم بالكذب، مجمع على ضعفه" [نصب الراية (١/ ٣٤٠)].
وقال ابن كثير في الأحكام الكبير (٣/ ١١): "فلم يذكر البسملة في ذلك، ولم يأت ذكرُها في هذا الحديث من وجهٍ يُرضى، وإنما رواه عبد الله بن سمعان، وقد كذبه مالك، وتركه الأئمة،. . .، وهذا الإسناد لا يُفرح به، فدل الحديث على أنها ليست منها".
قلت: هي زيادة باطلة، تفرد بها: ابن سمعان، وهو: عبد الله بن زياد بن سليمان بن سمعان المخزومي المدني: متروك؛ كذبه مالك وأبو داود وغيرهما [التهذيب (٢/ ٣٣٦)].
***
٧٨٤ - . . . ابن فضيل، عن المختار بن فُلفُل، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "أُنزِلتْ عليَّ آنفًا سورةٌ"، فقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ حتى ختمها، قال: "هل تدرون ما الكوثر؟ "، قالوا: اللَّه ورسوله أعلم، قال: "فإنه نهرٌ وعَدَنِيه ربي في الجنة".
• حديث صحيح.
أعاده أبو داود بأتم منه، في (٣٩) كتاب السُّنَّة، باب في الحوض، برقم (٤٧٤٧).
стр. 3868
ومن طريق ابن فضيل: أخرجه مسلم (٤٠٠) و (٢٣٠٤)، وأبو نعيم في المستخرج (٢/ ٢٣/ ٨٨٨)، وأحمد (٣/ ١٠٢)، وهناد بن السري في الزهد (١٣٣)، وبقي بن مخلد في الحوض والكوثر (٣٤)، وأبو يعلى (٧/ ٤٢/ ٣٩٥٣)، وأبو العباس السراج في حديثه بانتقاء الشحامي (٢٥٤٧)، والآجري في الشريعة (١٠٨٨)، والبيهقي في الشعب (٢/ ٤٣٤/ ٢٣١٧)، وفي البعث والنشور (١٢٣)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ٢١٠)، وفي الإنصاف (٦٤)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٣/ ٥٠/ ٥٧٩).
ولفظه مطولًا عند أحمد، وبنحوه عند أبي داود: أغفى النبي ﷺ إغفاءةً، فرفع رأسه متبسمًا، إما قال لهم، وإما قالوا له: لم ضحكت؟ فقال رسول الله ﷺ : "إنه أُنزلت عليَّ آنفًا سورةٌ"، فقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ حتى ختمها، قال: "هل تدرون ما الكوثر؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "هو نهر أعطانيه ربي في الجنة، عليه خيرٌ كثيرٌ، [وفي رواية مسلم: عليه حوض] تَرِدُ عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد الكواكب، يختلج العبدُ منهم فأقول: يا رب، إنه من أمتي! فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك".
• ورواه أيضًا: علي بن مسهر، وعبد الواحد بن زياد، وعبد الرحيم بن سليمان، والقاسم بن مالك المزني [وهم ثقات]، وسفيان الثوري [وعنه: يحيى بن يمان: محله الصدق، لكنه كان يحدِّث من حفظه بالتوهم، وكان يخطئ كثيرًا في حديث الثوري، ويأتي عنه بعجائب، وكان فُلِج فساء حفظه. التهذيب (٤/ ٤٠١)، الميزان (٤/ ٤١٦)؛ فهو غريب من حديث الثوري]:
كلهم: عن المختار بن فلفل به، قال علي بن مسهر في أوله: بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا في المسجد؛ إذ أغفي إغفاءةً، ثم رفع رأسه متبسمًا، فقلنا له: ما أضحكك يا رسول الله؟! قال:. . . فذكره، وفي رواية له: "عدد نجوم السماء"، بدل: "عدد الكواكب"، وفيه: "هو حوض تَرِدُ عليه أمتي يوم القيامة"، وفي رواية القاسم: "له حوض يرِدُ على أمتي يوم القيامة".
أخرجه مسلم (٤٠٠) و (٢٣٠٤)، وأبو عوانة (١/ ٤٤٧ و ٤٤٨/ ١٦٥٤ و ١٦٥٥)، وأبو نعيم في المستخرج (٢/ ٢٣/ ٨٨٨)، والنسائي في المجتبى (٢/ ١٣٣ - ١٣٤/ ٩٠٤)، وفي الكبرى (١/ ٤٦٩/ ٩٧٩) و (١٠/ ٣٤٥/ ١١٦٣٨)، وابن أبي شيبة (٦/ ٣٠٥/ ٣١٦٥٥) و (٧/ ٤٥/ ٣٤٠٩٧) و (٧/ ٤٥٥/ ٣٧١٧٨)، وبقي بن مخلد في الحوض والكوثر (٣٥)، وابن أبي عاصم في السُّنَّة (٧٦٤)، وأبو يعلى (٧/ ٤٠/ ٣٩٥١)، وأبو العباس السراج في حديثه بانتقاء الشحامي (٢٥٤٦)، وأبو بكر بن أبي داود في البعث (٤٠)، وأبو أحمد الحاكم في شعار أصحاب الحديث (٣٦)، وابن جميع الصيداوي في المعجم (٢٠٧)، وأبو إسحاق الثعلبي في الكشف والبيان (١٠/ ٣٠٨)، وابن بشران في الأمالي (٢٢١ و ١٠٦٣)، وأبو نعيم في صفة الجنة (٣٢٥)، والبيهقي في السنن (٢/ ٤٣)، وفي البعث والنشور (١٢٢)، وابن عبد البر في الإنصاف (٦٥).
стр. 3869
• وحديث أنس هذا لا يصلح دليلًا على الجهر بالبسملة في الفاتحة من وجوه:
الأول: أن ذكر البسملة هنا اقترن بتلاوة سورة الكوثر، وليس بالفاتحة.
الثاني: أن هذه الواقعة لم تكن في الصلاة، والخلاف بين من أثبت البسملة آيةً من الفاتحة إنما هو في الجهر والإسرار بها في الصلاة، لا خارجها.
الثالث: معلوم أن البسملة ليست من سورة الكوثر، حيث انعقد إجماع أهل العدِّ على أن عدد آيات سورة الكوثر: ثلاث آيات فقط، ليس منها البسملة، قال أبو عمرو الداني في البيان في عدِّ آي القرآن (٢٩٢): "وهي ثلاث آيات في جميع العدد، ليس فيها اختلاف، ورؤوس الآي: الكوثر، وانحر، الأبتر"، وقال الكاساني في بدائع الصنائع (١/ ٢٠٤): "انعقد الإجماع من الفقهاء والقرَّاء أن سورة الكوثر ثلاث آيات"، وقال ابن قدامة في المغني (١/ ٢٨٦): "وأجمع الناس على أن سورة الكوثر ثلاث آيات بدون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ".
كما أن أهل العدد مجمعون على ترك عدِّ البسملة آيةً من غير الفاتحة، واختلفوا في عدِّها في الفاتحة [المجموع شرح المهذب (٣/ ٢٠٣)].
فإن قيل: فلماذا قرأها النبي ﷺ في أول السورة، كما صح هنا في حديث أنس؟ وقد أُثبتت في المصاحف في أوائل السور جميعًا عدا براءة بخط المصحف، مما يدل على أنها من السور، إما أن تكون آيةً كاملةً من أول كل سورة، وإما بعض آية من أولها؟
فيقال: نحن لا ننكر كونها آيةً من كتاب الله تعالى، إلا أنها آية مستقلة نزلت للفصل بين السور، ولذا فقد كتبت في سطر مستقل بين كل سورتين، ولو كانت ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آية في كل سورة لعُدَّت في آي السور، فقد كتب الناس المصاحف، وكتبوا عدد آي كل سورة؛ فلم يعدوها في عدد آي السور، فمن ذلك أنهم كتبوا: سورة الكوثر ثلاث آيات، ولو عدوا ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ منها لكتبوا عددها أربع آيات، وكذلك جميع السور، لا اختلاف بينهم في شيء منها إلا في فاتحة الكتاب.
قال الزركشي في البحر المحيط (١/ ٣٨١): "فإن إثباتها في المصحف بين السور منتهض في كونها من القرآن، ولم يقُمْ دليل على كونها آيةً من أول كل سورة".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الأقوال في كونها من القرآن ثلاثة: طرفان ووسط.
الطرف الأول: قول من يقول أنها ليست من القرآن إلا في سورة النمل، كما قال مالك، وطائفة من الحنفية، وكما قاله بعض أصحاب أحمد مدعيًا أنه مذهبه، أو ناقلًا لذلك رواية عنه.
والطرف المقابل له: قول من يقول أنها من كل سورة آية، أو بعض آية، كما هو المشهور من مذهب الشافعي ومن وافقه، وقد نقل عن الشافعي أنها ليست من أوائل السور غير الفاتحة، وإنما يستفتح بها في السور تبركًا بها، وأما كونها من الفاتحة فلم يثبت عنه فيه دليل.
стр. 3870
والقول الوسط: أنها من القرآن حيث كُتبت، وأنها مع ذلك ليست من السور؛ بل كتبت آية في أول كل سورة، وكذلك تتلى آية منفردة في أول كل سورة، كما تلاها النبي ﷺ حين أنزلت عليه سورة: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، كما ثبت ذلك في صحيح مسلم، وكما في قوله ﷺ : "إن سورة من القرآن هي ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له، وهي سورة: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، رواه أهل السنن وحسنه الترمذي، وهذا القول: قول عبد الله بن المبارك، وهو المنصوص الصريح عن أحمد بن حنبل، وذكر أبو بكر الرازي أن هذا مقتضى مذهب أبي حنيفة عنده، وهو قول سائر من حقق القول في هذه المسألة وتوسط فيها ممن جمَع بين مقتضى الأدلة، وكتابتها سطرًا مفصولًا عن السورة، ويؤيد ذلك قول ابن عباس: كان رسول الله ﷺ لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، رواه أبو داود" [مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤٣٤)، بتصرف يسير يقتضيه السياق].
[انظر: الأوسط لابن المنذر (٣/ ١٢١)، أحكام القرآن للجصاص (١/ ١٤)، المغني (١/ ٢٨٦)، المجموع شرح المهذب (٣/ ٢٠٢)، البحر المحيط في أصول الفقة للزركشي (١/ ٣٨١)، عمدة القاري (٥/ ٢٨٤)، التحبير شرح التحرير (٣/ ١٣٧١)].
***
٧٨٥ - قال أبو داود: حدثنا قَطَن بن نُسَير: حدثنا جعفر: حدثنا حميدٌ الأعرج المكي، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، وذكر الإفك، قالت: جلس رسول الله ﷺ وكشف عن وجهه، وقال: "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ الآية.
قال أبو داود: وهذا حديث منكر، قد روى هذا الحديثَ جماعةٌ عن الزهري، لم يذكروا هذا الكلام على هذا الشرح، وأخاف أن يكون أمرُ الاستعاذة منه كلامَ حميد.
• حديث منكر.
أخرجه من طريق أبي داود: البيهقي (٢/ ٤٣).
وروى طرفًا منه من طريق قطن بن نسير به، بدون موضع الشاهد: أبو بكر الإسماعيلي في معجم شيوخه (١/ ٣٤٢).
وهو حديث منكر؛ كما قال أبو داود، وقد خاف أبو داود أن تكون الاستعاذة والتسمية من كلام حميد بن قيس الأعرج المكي القارئ، وهو وإن كان وثقه الجمهور، والعمل على توثيقه، إلا أن هناك من جرحه، أو أنزله عن رتبة الثقات، فقد قال عنه الإمام أحمد [في رواية ابنه عبد الله عنه]: "ليس هو بقوي في الحديث"، وقد سأل أبو داود الإمامَ أحمد عنه فقال: "حميد بن قيس أخو عمر: هو ثقة؟ "، فقال الإمام أحمد: "هو
стр. 3871
صالح"، ولا شك أن عدوله عن قوله: هو ثقة، إلى قوله: هو صالح؛ ليدل دلالة بينة على ما يقع في حديثه من أوهام، ولعله لأجل هذا المعنى خاف أبو داود أن تكون هذه الزيادة في هذا الحديث من كلام حميد الأعرج، وكذلك أنزله أبو حاتم عن مرتبة المتثبتين المتقنين، فقال [كما في العلل عنه]: "ليس بالحافظ"، مشيرًا إلى وقوع الوهم منه، لكن ابن عدي ذهب إلى أن ما يقع في حديث حميد من المناكير إنما الحمل فيها على من يروي عنه من الضعفاء وغيرهم، قال ابن عدي: "وحميد بن قيس هذا له أحاديث غير ما ذكرت صالحة، وهو عندي لا بأس بحديثه، وإنما يؤتى ما يقع في حديثه من الإنكار من جهة من يروي عنه"، وعليه يُحمل توثيق من وثقه بإطلاق، مثل: مالك بن أنس، وأحمد [في رواية عنه]، وابن معين، والبخاري، والعجلي، وابن سعد، وأبي زرعة الرازي، ويعقوب بن سفيان، وأبي زرعة الدمشقي، وأبي داود، وابن خراش، وابن حبان، وتوسط فيه أبو حاتم والنسائي، فقالا: "ليس به بأس"، والله أعلم [انظر: العلل ومعرفة الرجال (١/ ٣٩٨/ ٨٠٨)، سؤالات أبي داود (٢١٥)، علل الحديث لابن أبي حاتم (١/ ٤٧٣/ ١٤١٩)، الكامل (٢/ ٢٧١)، التهذيب (١/ ٤٩٨)، منهج النسائي في الجرح والتعديل (٢/ ٧٠٦)].
وأما الراوي عن حميد فهو: جعفر بن سليمان الضبعي، وهو: صدوق، وله أوهام [انظر: التهذيب (١/ ٣٠٦)، الميزان (١/ ٤٠٨)].
وأما قطن بن نسير الذارع فهو متكلَّم فيه بأشد مما تُكُلِّم في صاحبيه، قال ابن أبي حاتم: "سئل أبو زرعة عنه، فرأيته يحمل عليه، ثم ذكر أنه روى أحاديث عن جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس، مما أنكر عليه"، وقال فيه أبو زرعة أيضًا: "وصل أحاديث عن ثابت، جعلها عن أنس"، وقال ابن عدي: "يسرق الحديث، ويوصله"، ومسلم لم يخرج له إلا متابعة، وقد أنكر عليه أبو زرعة إدخاله في الصحيح [صحيح مسلم (١١٩ و ٢٧٥٠)] [سؤالات البرذعي (٥٣٧ و ٦٧٥ و ٦٧٦)، الجرح والتعديل (٧/ ١٣٨)، الكامل (٦/ ٥٢)، تاريخ بغداد (٤/ ٢٧٢)، التهذيب (٣/ ٤٤٢)].
وعليه فإن إلحاق الوهم بقطن بن نسير هو الأليق، إن كان هو المتفرد به، ولما ذكر عبد الحق الإشبيلي هذا الحديث في أحكامه الوسطى (١/ ٣٧٣)، وأتبعه بكلام أبي داود السابق؛ تعقبه ابن القطان الفاسي في بيان الوهم (٣/ ٣٦٨/ ١١١١) بقوله: "هذا ما أتبعه، وليس فيه بيان علته؛ فإن حميد بن قيس: أحد الثقات، ولا يضره الانفراد، وإنما علته أنه من رواية قطن بن نسير، عن جعفر بن سليمان، عن حميد، كذا رواه أبو داود عن قطن، وقطن وإن كان مسلم يروي عنه فقد كان أبو زرعة يحمل عليه، ويقول: إنه روى عن جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس أحاديث مما أنكر عليه، وجعفر أيضًا مختلف فيه، فليس ينبغي أن يحمل على حميد، وهو ثقة بلا خلاف، في شيء جاء به عنه من يختلف فيه".
قلت: ثم بان لي أن قطن بن نسير لم يتفرد به عن جعفر بن سليمان، تابعه جماعة،
стр. 3872
منهم: يحيى بن يحيى النيسابوري [ثقة ثبت]، وفضيل بن عبد الوهاب الغطفاني القناد [ثقة]، وبشار بن موسى الخفاف [ضعيف].
أخرجه من طريقهم مطولًا: أبو عوانة في صحيحه [الإتحاف (١٧/ ٢٣١/ ٢٢١٦٣)].
• قلت: وجه حكم أبي داود على هذا الحديث بالنكارة: هو مخالفة جماعة الثقات من أصحاب الزهري المكثرين عنه، وممن هم من الطبقة الأولى من أصحاب الزهري:
فقد رواه صالح بن كيسان، ويونس بن يزيد، ومعمر بن راشد، وعقيل بن خالد [وهم من الطبقة الأولى من ثقات أصحاب الزهري]، وسفيان بن عيينة [ثقة حافظ، من أصحاب الزهري، لكنه لم يسمع هذا الحديث من الزهري، فقد رواه الحميدي وإبراهيم بن بشار وحامد بن يحيى البلخي عنه، عن وائل بن داود، عن ابنه بكر بن وائل، عن الزهري] [وانظر: الإتحاف (١٧/ ٢٣١/ ٢٢١٦٣)]، ومحمد بن إسحاق، وفليح بن سليمان [صدوقان، من أصحاب الزهري، من الطبقة الثالثة]، ومحمد بن عبد الله بن أبي عتيق [حسن الحديث عن الزهري. التهذيب (٣/ ٦١٦)]، ومحمد بن علي بن شافع [روى عنه جماعة، ووثقه الشافعي]، وبكر بن وائل بن داود التيمي الكوفي [صدوق]، وابن جريج [ولم يسمع ابن جريج هذا الحديث من الزهري، فقد قال في رواية حجاج الأعور عنه: حدِّثت عن ابن شهاب. الإتحاف (١٧/ ٢٣٠/ ٢٢١٦٣)]، وإسحاق بن راشد [ثقة، ليس بذاك في الزهري]، وصالح بن أبي الأخضر [ضعيف، وجعل أبا سلمة بن عبد الرحمن مكان سعيد بن المسيب؛ فوهم]، وعطاء بن أبي مسلم الخراساني [صدوق تكلم في حفظه، والجمهور على توثيقه. الميزان (٣/ ٧٤)، المغني (٢/ ٥٩) وقال: "صدوق مشهور"، التهذيب (٣/ ١٠٨)]، والوليد بن محمد الموقري [متروك]:
عن ابن شهاب الزهري، قال: حدثني عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عائشة زوج النبي ﷺ ، حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله [منه]، قال [الزهري]: وكلهم حدثني طائفةً من حديثها، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض، وأثبت له اقتصاصًا، وقد وعيت عن كل رجل منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة، وبعض حديثهم يصدق بعضًا، وإن كان بعضهم أوعى له من بعض، قالوا: قالت عائشة: كان النبي ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين أزواجه،. . . فاقتص الحديث بطوله، وموضع الشاهد منه: فسُرِّيَ عن رسول الله ﷺ وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: "يا عائشة! [احمدي الله]، أما الله فقد برَّأَكِ"، فقالت لي أمي: قومي إليه، فقلت: والله لا أقوم إليه، وإني لا أحمد إلا الله، قالت: وأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾ [النور: ١١] العشر الآيات كلها.
وهذا لفظ صالح بن كيسان، والزيادة لفليح.
وقال فيه معمر: "أبشري يا عائشة! أما الله فقد برَّأك"، فقالت لي أمي: قومي
стр. 3873
إليه، فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله ، هو الذي أنزل براءتي، فأنزل الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ عشر آيات، فأنزل الله هذه الآيات [في] براءتي. هكذا وليس فيه الاستعاذة ولا التسمية.
أخرجه بطوله أو طرفًا منه: البخاري في الصحيح (٢٥٩٣ و ٢٦٣٧ و ٢٦٦١ و ٢٦٨٨ و ٢٨٧٩ و ٤٠٢٥ و ٤١٤١ و ٤٦٩٠ و ٤٧٤٩ و ٤٧٥٠ و ٦٦٦٢ و ٦٦٧٩ و ٧٣٦٩ و ٧٥٠٠ و ٧٥٤٥)، وفي خلق أفعال العباد (٢٦٣ و ٢٦٤)، وفي التاريخ الأوسط (١/ ٤٣/ ١٤٨)، ومسلم (٥٦/ ٢٧٧٠ و ٥٧)، وأبو عوانة (٣/ ١٣٦/ ٤٤٧٩ و ٤٤٨٠) و (١٦/ ١١٠٥/ ٢١٧٠٨ - الإتحاف) و (١٧/ ٢٢٩/ ٢٢١٦٣ - الإتحاف)، وأبو داود (٢١٣٨ و ٤٧٣٥)، والنسائي في الكبرى (٥/ ٤٤٥/ ٥٩٩٠) و (٨/ ١٦٤/ ٨٨٧٤) و (٨/ ١٦٧ و ١٦٨/ ٨٨٨٥ - ٨٨٨٢) و (١٠/ ١٣٢/ ١١١٨٧) و (١٠/ ١٩٨/ ١١٢٩٦)، وابن ماجه (١٩٧٠ و ٢٣٤٧)، والدارمي (٢/ ١٩٤/ ٢٢٠٨)، وابن حبان (٢/ ٣٩١/ ٦٢٤) و (١٠/ ١٣/ ٤٢١٢) و (١٦/ ١٣/ ٧٠٩٩)، وابن الجارود (٧٢٣ و ٧٢٥)، وأحمد (٦/ ١١٧ و ١٩٤ و ١٩٧ و ١٩٨ و ٢٦٤)، والشافعي في الأم (٥/ ١١١ و ١٤٢ و ١٩٣)، وفي المسند (٢٦١)، وإسحاق بن راهويه (٢/ ٢٢٠ و ٢٢/ ٧٢٩ و ٧٣٠) و (٢/ ٥١٦/ ١١٠٣ و ١١٠٤)، والحميدي (١/ ١٣٦/ ٢٨٤)، وعبد الرزاق (٥/ ٤١٠/ ٩٧٤٨)، وابن هشام في السيرة (٤/ ٢٦٠)، وابن سعد في الطبقات (٨/ ١٦٩)، وابن أبي شيبة (٥/ ٢٧/ ٢٣٣٨٥)، وابن شبة في أخبار المدينة (٦٧٨ و ٦٨١ - ٦٨٣ و ٦٨٦ و ٦٩١)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (٢/ ١٢/ ١٥٠٤)، وأبو إسحاق الحربي في غريب الحديث (١/ ٣١٩)، وأبو يعلى (٧/ ٣٦٢/ ٤٣٩٧) و (٨/ ٣٢٢/ ٤٩٢٧) و (٨/ ٣٣٩/ ٤٩٣٣) و (٨/ ٣٤٨/ ٤٩٣٤ و ٤٩٣٥)، وابن جرير الطبري في التفسير (١٨/ ٨٩ و ٩٠ و ٩٢ و ١٠٢)، والطحاوي في شرح المعاني (٤/ ٣٨٣)، وفي المشكل (٢/ ٢١٥ و ٢١٦)، وابن أبي حاتم في التفسير (٨/ ٢٥٣٩/ ١٤٢٠٦)، والآجري في الشريعة (١٩٠٥ - ١٩٠٧)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٥٠ - ١٠٥/ ١٣٣ - ١٣٥ و ١٣٨ - ١٤١ و ١٤٣ و ١٤٤ و ١٤٧) و (٢٣/ ١٣٧/ ١٨٠)، وفي مسند الشاميين (٣/ ٣٣٢/ ٢٤٢٥)، وعبد الجبار الخولاني في تاريخ داريا (١٦٣ و ١٦٤)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٧٢)، وابن أخي ميمي الدقاق في فوائده (٢٣٢)، والعسكري في الأوائل (١٢٤)، وتمام في الفوائد (٣)، واللالكائي في اعتقاد أهل السُّنَّة (٦/ ١٠٥٠/ ١٩٤٦) و (٨/ ١٤٢٩/ ٢٧٥٧)، وأبو إسحاق الثعلبي في الكشف والبيان (٧/ ٧٢)، والبيهقي في السنن (٧/ ٧٤ و ٢٩٦ و ٣٠٢) و (١٠/ ٣٦ و ٤١ و ١٥٣ و ٢٨٧)، وفي المعرفة (٥/ ٤٣٢/ ٤٣٨٥)، وفي الشعب (٥/ ٣٨١/ ٧٠٢٧)، وفي الدلائل (٤/ ٦٤ و ٧٢)، وفي الأسماء والصفات (١/ ٢٣٤) و (٢/ ٤٥)، والخطيب في الكفاية (٤١)، وفي تاريخ بغداد (١٤/ ١٢٠)، وفي تلخيص المتشابه (١/ ٢٧٦) [وفي سنده سقط]، والواحدي في أسباب النزول (٣١٧)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٩/ ١٥٣/ ٢٣٢٥)، وفي التفسير (١/ ٤٨٨) و (٣/ ٣٢٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥/ ١٢٤) و (٢٩/ ٣٣٢)، وأبو موسى المديني في اللطائف (٢٩).
стр. 3874
وانظر فيما لا يصح عمن رواه عن ابن شهاب: بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث (٩٩٨)، المعجم الكبير للطبراني (٢٣/ ٨٣/ ١٤٢) و (٢٣/ ٩٧ و ١٠٢/ ١٤٥ و ١٤٦) و (٢٣/ ١٠٦/ ١٤٨)، الكامل لابن عدي (١/ ٤٠٥) و (٣/ ٤٤١) و (٧/ ١٨٨)، أطراف الغرائب والأفراد (١/ ٢٤١/ ١٢٣٣) و (٢/ ٤٥٣/ ٦١٩١)، فوائد ابن أخي ميمي الدقاق (٤٨٠)، فوائد الصوري (٤٤)، شعب الإيمان للبيهقي (٥/ ٣٨٢/ ٧٠٢٨)، دلائل النبوة (٤/ ٧٣)، اللطائف لأبي موسى المديني (١٨٣)، إتحاف المهرة (١٧/ ٢٣٠/ ٢٢١٦٣)، التهذيب (١/ ١٢٧).
• تنبيه: كان سفيان بن عيينة يروي قطعة من هذا الحديث مقتصرًا عليها، ويهِم فيها أحيانًا، فيرويها مرة على الصواب بنحو حديث الجماعة، فيقول: "يا عائشة إن كنتِ ألممتِ بذنب؛ فاستغفري الله، فإن العبد إذا ألم بذنب ثم تاب، واستغفر الله غفر الله له"، وكان ربما يهم فيه، ويرويه بالمعنى، فيقول: "إن كنتِ ألممتِ بذنب، فاستغفري الله؛ فإن التوبةَ من الدنب: النَّدمُ والاستغفار" [انظر: صحيح ابن حبان (٢/ ٣٩١/ ٦٢٤)، مسند الحميدي (٢٨٤)، مسند أحمد (٦/ ٢٦٤)، غريب الحديث للحربي (١/ ٣١٩)].
ولفظ الجماعة فيه: "أما بعد يا عائشة! فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا؛ فإن كنتِ بريئةً فسيُبرِّئُكِ الله، وإن كنتِ ألممتِ بذنبٍ فاستغفري الله، وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بدنبٍ ثم تاب، تاب الله عليه".
• ولحديث عائشة في قصة الإفك أسانيد أخرى، وليس فيها ذكر التسمية أيضًا:
أ- فقد روى أبو أسامة حماد بن أسامة، وزهير بن معاوية، وحماد بن سلمة [وهم ثقات]، وفليح بن سليمان، وابن أبي الزناد [وهما صدوقان، ولهما أوهام]، ويحيى بن أبي زكريا الغساني [ضعيف]، وأبو أويس عبد الله بن عبد الله بن أويس [صدوق يهم] [وفي روايته ما يستنكر]:
عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة [زاد فليح: وعبد الله بن الزبير]، بحديث الإفك، وموضع الشاهد منه: وأُنزل على رسول الله ﷺ من ساعته، فسكتنا، فرُفع عنه وإني لأتبين السرور في وجهه، وهو يمسح جبينه، ويقول: "أبشري يا عائشة! فقد أنزل الله براءتك"، قالت: وكنت أشد ما كنت غضبًا، فقال لي أبواي: قومي إليه،. . . وهذا لفظ أبي أسامة، فذكر الحديث، ولم يذكر الآيات العشر موضع الشاهد.
ولفظ حماد بن سلمة: ونزل الوحي على رسول الله ﷺ ، فما سري عنه حتى رأيت السرور بين عينيه، ثم قال: "يا عائشة أبشري؛ فإن الله قد أنزل عذرك"، وقرأ عليها القرآن: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ حتى أتى على هذه الآيات، فقال أبواي: قومي فقبلي رأس رسول الله ﷺ ،. . . الحديث، وتابعه أبو أويس على تقبيل الرأس [عند الطبراني (١٥١)].
أخرجه البخاري (٢٦٦١ و ٥٢١٢ و ٧٣٧٠) موصولًا، و (٤٧٥٧) معلقًا، ومسلم (٢٧٧٠/ ٥٨)، وأبو داود (٥٢١٩)، والترمذي (٣١٨٠)، وقال: "هذا حديث حسن
стр. 3875
صحيح، غريب من حديث هشام بن عروة"، وأحمد (٦/ ٥٩)، وإسحاق بن راهويه (٢/ ٦٠٣/ ١١٧٧)، وابن شبة في أخبار المدينة (١/ ١٨٩/ ٦٧٩) و (١/ ١٩٣/ ٦٨٥)، والسرقسطي في الدلائل (٣/ ١١١٢/ ٦١٢)، وأبو يعلى (٨/ ٣٣٤/ ٤٩٢٩) و (٨/ ٣٣٥ و ٣٣٩/ ٤٩٣١ و ٤٩٣٢)، وابن جرير الطبري في التفسير (١٨/ ٨٩ و ٩٣)، وابن أبي حاتم في التفسير (٨/ ٢٥٤٤/ ١٤٢١٣)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٦٦/ ١٣٦) و (٢٣/ ١٠٦ - ١١/ ١٤٩١ - ١٥١) و (٢٣/ ١٢٩/ ١٦٦)، وأبو إسحاق الثعلبي في الكشف والبيان (٧/ ٧٦)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٦/ ٣٣٦٦/ ٧٦٩٩)، والبيهقي (١٠/ ٣٦)، وابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ٢٦٧).
وانظر في الأوهام: تاريخ بغداد (١٠/ ١٢).
ب- ورواه فليح بن سليمان، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، ويحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر، عن عائشة.
أخرجه البخاري (٢٦٦١)، وابن شبة في أخبار المدينة (١/ ١٩٠/ ٦٨٠)، وأبو يعلى (٨/ ٣٣٤/ ٤٩٢٨)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٦٦/ ١٣٧).
ج- ورواه محمد بن عمرو بن علقمة: نا يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن علقمة بن وقاص، وغيره أيضًا، حدثني أن عائشة خرجت تريد المذهب ومعها أم مسطح،. . . فاقتص حديث الإفك، وموضع الشاهد منه: قالت: فوالله الذي هو أكرمه وأنزل عليه الكتاب! ما زال يضحك حتى إني لأنظر إلى نواجذه سرورًا، فمحا عن عائشة وجهه، وقال: "يا عائشة! أبشري، فإن الله قد أنزل عذرك"، قالت: فقلت: بحمد الله، لا بحمدك وحمد أصحابك، قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور: ١] فقرأه إلى قوله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢].
أخرجه إسحاق بن راهويه (٢/ ٥٥٦ - ٥٦٠/ ١١٣١ - ١١٣٣) و (٣/ ٩٧٧/ ١٦٩٧)، وابن جرير الطبري في التفسير (١٨/ ٨٩ و ٩٤).
من طريق محمد بن بشر العبدي [ثقة حافظ]، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة [ثقة متقن]، كلاهما عن محمد بن عمرو به.
وهذا إسناد حسن، والحديث صحيح.
ورواه ابن الأعرابي في المعجم (٢/ ٧٥٥/ ١٥٣٠)، من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري: نا محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبيه، وعن يحيى بن عبد الرحمن، عن علقمة بن وقاص، قال: لما قال المنافقون لعائشة. . . فذكر حديث الإفك.
قلت: والأول أولى وأشبه بالصواب، ومحمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري: ثقة، وقد تكلم فيه، وليس في رتبة ابن أبي زائدة ومحمد بن بشر.
стр. 3876
• خالفهم فوهم وسلك فيه الجادة:
عمرو بن خليفة البكراوي، قال: نا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه،. . . فذكر حديث الإفك.
أخرجه البزار (١٤/ ٣٣٤/ ٨٠١١)، وأبو يعلى (١٠/ ٥٠٨/ ٦١٢٥)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ١٢٩/ ١٦٥)، والدارقطني في الأفراد (٢/ ٣٥٤/ ٥٦٢٣ - أطرافه).
قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد".
وقال الدارقطني: "تفرد به: عمرو بن خليفة البكراوي عن محمد بن عمرو، وهو أخو هوذة بن خليفة".
وانظر: المطالب العالية (٨/ ١٣٢/ ١٥٨٠)، وقد ذهب بعض محققي الكتب إلى أن راوي هذا الحديث عن محمد بن عمرو هو عمر بن أبي خليفة العبدي، وهو خطأ محض، فإن الثابت في مخطوط مسند أبي يعلى: "عمرو بن خليفة"، وقد جاء مصرحًا باسمه ونسبه بكراويًا في مسند البزار ومعجم الطبراني وأفراد الدارقطني، وزاد الدارقطني كونه أخا هوذة بن خليفة، وهذا مما يزيل اللبس والإشكال، والله أعلم.
قلت: وهو حديث منكر؛ وهم فيه عمرو بن خليفة البكراوي، وقد ذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٢٢٩)، وقال: "ربما كان في روايته بعض المناكير"، قلت: وهذا منها [انظر: اللسان (٦/ ٢٠٥)].
د- ورواه محمد بن إسحاق، قال: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة ﵂.
وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن حزم الأنصاري، عن عمرة، عن عائشة ﵂، فكل قد اجتمع حديثه في قصة خبر عائشة ﵂ عن نفسها حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفر، أقرع بين نسائه،. . . فاقتص الحديث بنحو حديث الجماعة، وموضع الشاهد منه: ثم سُرِّي عن رسول الله ﷺ فجلس، وإنه ليتحدر منه مثل الجمان في يوم شاتٍ، فجعل يمسح العرق عن جبينه، ويقول: "أبشري يا عائشة! فقد أنزل الله براءتك"، قالت: فقلت: بحمد الله دونكم، ثم خرج إلى الناس فخطبهم، وتلا عليهم ما أنزل الله في القرآن،. . . .
أخرجه مطولًا أو طرفًا منه: أبو داود (٤٤٧٤ و ٤٤٧٥)، والترمذي (٣١٨١)، والنسائي في الكبرى (٦/ ٤٩٠/ ٧٣١١)، وابن ماجه (٢٥٦٧)، وأبو عوانة [الإتحاف (١٧/ ٢٣١/ ٢٢١٦٣) و (١٧/ ٧٦٠/ ٢٣١٨٥)]، وأحمد (٦/ ٣٥ و ٦١)، وابن هشام في السيرة (٤/ ٢٦١)، ابن شبة في أخبار المدينة (١/ ١٩٤/ ٦٨٧) و (١/ ١٩٨/ ٦٩٢)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (٢/ ١٢/ ١٥٠٤) و (٢/ ٩٢١/ ٣٩٢٦ - السفر الثاني)، وأبو يعلى في المعجم (٨٥)، وابن جرير الطبري في التفسير (١٨/ ٩٣ و ١٠٢)، وفي التاريخ (٢/ ١١٢)،
стр. 3877
والطحاوي في شرح المعاني (٤/ ٣٨٣)، وفي المشكل (٧/ ٤٠٩)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ١٢١ و ١٢٢/ ١٥٩ و ١٦٠) و (٢٣/ ١٦٣/ ٢٦٣)، وابن أخي ميمي الدقاق في فوائده (٢٣٢ و ٢٣٣) [وفي إسناده وهم].
واختلف فيه على ابن إسحاق:
أ- فرواه ابن أبي عدي، وعبد الله بن إدريس، وإسماعيل ابن علية [وهم ثقات أثبات]، وسلمة بن الفضل الأبرش [صدوق، كثير الخطأ، وهو ثبت في ابن إسحاق]، وزياد بن عبد الله البكائي [وهو وإن كان فيه لين؛ إلا أنه ثقة ثبت في مغازي ابن إسحاق] [وتقدم الكلام عليه تحت الحديث رقم (٣٩٣)]، وإبراهيم بن سعد [ثقة حجة] [في رواية أحمد بن أيوب عنه، وأحمد هذا: روى عنه عبد الله بن أحمد، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: "ربما أغرب"، التهذيب (١/ ١٦)]:
عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن حزم الأنصاري، عن عمرة، عن عائشة.
ب- ورواه إبراهيم بن سعد [في رواية ابنه يعقوب عنه، وهو أثبت فيه من أحمد بن أيوب]، عن ابن إسحاق، قال: حدثني يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي ﷺ ، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فأيَّتُهنَّ ما خرج سهمُها خرج بها.
أخرجه أحمد (٦/ ٢٦٩)، وابن الأعرابي في المعجم (٩٤٥).
فكما يكون لابن إسحاق فيه إسنادان عن عبد الله بن أبي بكر، أو تكون رواية الجماعة هي المحفوظة، وهو الأقرب، والله أعلم.
وهو حديث صحيح.
وثمة اختلاف آخر يأتي ذكره في تخريجه في موضعه من السنن إن شاء الله تعالى.
• تابع ابن إسحاق على الوجه الأول: أبو أويس، فرواه عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، عن عمرة، عن عائشة به، لكن في روايته ما يستنكر.
أخرجه الطبراني في الكبير (٢٣/ ١١١/ ١٥١)، وأبو إسحاق الثعلبي في الكشف والبيان (٧/ ٧٦)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٦/ ٣٣٦٦/ ٧٦٩٩).
وانظر أيضًا: شرح المعاني (٤/ ٣٨٣)، مشكل الآثار (٢/ ٢١٦ - ٢١٧).
• ولحديث عائشة في قصة الإفك أسانيد أخرى فيها مقال، لعلي آتي على ذكرها إذا حان موعده من السنن إن شاء الله تعالى.
وانظر منها على سبيل المثال: ما أخرجه ابن شبة في أخبار المدينة (٦٨٤)، والسرقسطي في الدلائل (٣/ ٦١٦/ ١١١٧)، وابن جرير الطبري في التفسير (١٨/ ١٠٣)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ١١٧ - ١٢١/ ١٥٢ - ١٥٨)، وفي الأوسط (٦/ ٢٧٠/ ٦٣٨٩).
***
стр. 3878
١٢٥ - باب ما جاء في من جهر بها
٧٨٦ - قال أبو داود: أخبرنا عمرو بن عون: أخبرنا هشيم، عن عوف، عن يزيدَ الفارسي، قال: سمعت ابن عباس، قال: قلت لعثمان بن عفان: ما حملكم أن عَمَدتم إلى براءة وهي من المئين، وإلى الأنفال وهي من المثاني، فجعلتموهما في السبع الطُّوَل، ولم تكتبوا بينهما سطرًا: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؟، قال عثمان: كان النبي ﷺ مما يُنزَلُ عليه الآياتُ فيدعو بعضَ مَن كان يكتب له، ويقول له: "ضع هذه الآيةَ في السورة التي يُذكر فيها كذا وكذا"، وتُنزَل عليه الآيةُ والآيتان فيقول مثل ذلك، وكانت الأنفال من أول ما أنزل عليه بالمدينة، وكانت براءة من آخر ما نزل من القرآن، وكانت قصتُها شبيهةً بقصتِها، فظننتُ أنها منها، فمِن هناك وضعتُهما في السبع الطُّوَل، ولم أكتب بينهما سطرًا: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
• حديث حسن.
أخرجه من طريق أبي داود: أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن (١/ ١٠).
***
٧٨٧ - . . . مروان -يعني: ابنَ معاوية-: أخبرنا عوفٌ الأعرابي، عن يزيدَ الفارسي: حدثني ابن عباس، بمعناه، قال فيه: فقُبِضَ رسولُ الله ﷺ ولم يبيِّن لنا أنها منها.
قال أبو داود: قال الشعبي، وأبو مالك، وقتادة، وثابت بن عُمارة: إن النبي ﷺ لم يكتب ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ حتى نزلت سورة النمل، هذا معناه.
• حديث حسن.
أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (٢٨٠ و ٢٨٥ - ٢٨٦ و ٣٦٩)، وفي الأموال (٤٨)، وابن أبي داود في المصاحف (٩٩)، وابن حذلم في مشيخته (٥٠).
ولفظه عند أبي عبيد في الفضائل، قال: حدثنا مروان بن معاوية، عن عوف بن أبي جميلة، عن يزيد الفارسي، عن ابن عباس، قال: قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال -وهي من المثاني-، وإلى براءة -وهي من المئين-، فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا سطر: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ووضعتموها في السبع الطُّوَل، ما حملكم على ذلك؟ فقال عثمان: إن رسول الله ﷺ كان مما يأتي عليه الزمان، وهو ينزل عليه من السور ذوات العدد، فكان إذا نزلت عليه سورة يدعو بعض من يكتب فيقول: "ضعوا هذه السورة
стр. 3879
في الموضع الذي يُذكَر فيه كذا وكذا"، وكانت براءة من آخر القرآن نزولًا، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت قصتُها شبيهةَ بقصتها، فظننتها منها، وقُبِض رسولُ الله ﷺ ، ولم يبيِّن لنا أمرها، قال: فلذلك قرنت بينهما، ولم أجعل بينهما سطر: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ووضعتها في السبع الطُّوَل.
• ورواه أيضًا عن عوف بن أبي جميلة:
يحيى بن سعيد القطان، وإسماعيل ابن علية، ويزيد بن زريع، ومحمد بن جعفر غندر، وابن أبي عدي، وأبو أسامة حماد بن أسامة، وسهل بن يوسف، والنضر بن شميل، وهوذة بن خليفة، وإسحاق بن يوسف الأزرق، وعثمان بن الهيثم، وروح بن عبادة، وعبد اللَّه بن حمران، وأشعث بن عبد الله الخراساني [وهم ثقات]:
قالوا: حدثنا عوف بن أبي جميلة: حدثنا يزيد الفارسي: ثنا ابن عباس ﵄، قال: قلت لعثمان ﵁: ما حملكم على أن عمدتم إلى سورة الأنفال -وهي من المثاني-، وإلى سورة براءة -وهي من المئين-، فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطرًا [فيه]: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فوضعتموها في السبع الطوال، فما حملكم على ذلك؟ فقال [عثمان ﵁]: كان رسول اللَّه ﷺ مما يأتي عليه الزمانُ، وهو يُنزَل عليه من السور ذوات العدد، فكان إذا أُنزِل عليه الشيء دعا بعضَ من يكتبُ له، فيقول: "ضعوا هذه في السورة التي يُذكَرُ فيها كذا وكذا"، وإذا أنزلت عليه الآياتُ قال: "ضعوا هذه الآيات في السورة التي يُذكَرُ فيها كذا وكذا"، وإذا أنزلت عليه الآية قال: "ضعوا هذه الآية في السورة التي يُذكَرُ فيها كذا وكذا"، وكانت سورة الأنفال من أوائل ما نزل [عليه] بالمدينة، وكانت سورة براءة من أواخر ما أنزل من القرآن، قال: فكانت قصتُها شبيهًا بقصتِها، فظننا أنها منها، وقُبِض رسولُ الله ﷺ ولم يبيِّن لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قَرنتُ بينهما، ولم أكتب بينهما سطرًا [فيه]: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ووضعتها في السبع الطوال. ألفاظهم متقاربة.
زاد أبو أسامة: وكانتا تدعيان في زمان رسول الله ﷺ القرينتين، فلذلك جعلتهما في السبع الطوال [الناسخ والمنسوخ (٥٥٣)].
أخرجه الترمذي (٣٠٨٦) (٥/ ٣١٩/ ٣٣٤٠ - ط الرسالة) (٦/ ٥٥١/ ٩٨١٩ - تحفة الأشراف)، والنسائي في الكبرى (٧/ ٢٥٣/ ٧٩٥٣)، وابن حبان (١/ ٢٣٠/ ٤٣)، والحاكم (٢/ ٢٢١ و ٣٣٠)، والضياء في المختارة (١/ ٤٩٤ و ٤٩٥/ ٣٦٥ و ٣٦٦)، وأحمد (١/ ٥٧ و ٦٩)، وأبو بكر بن أبي شيبة في المسند (٨/ ٨٢/ ٧٦٩٠ - إتحاف الخيرة)، وفي المصنف (٧/ ٢٦٧/ ٣٥٩٥٣)، وابن زنجويه في الأموال (٨٦)، وابن شبة في أخبار المدينة (٢/ ١٣٠/ ١٧٦٩)، والبزار (٢/ ٨/ ٣٤٤)، وابن أبي داود في المصاحف (٩٧ و ٩٨ و ١٠٠)، وابن جرير الطبري في تفسيره (١/ ٤٥)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٢٠١)، وفي المشكل (١/ ١٢٠ - ١٢١) و (٣/ ٤٠٣)، وأبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ (٢/ ٣٩٦
стр. 3880
و ٣٩٨/ ٥٥٢ و ٥٥٣)، وابن حذلم في مشيخته (٥٠)، والطبراني في الأوسط (٧/ ٣٢٨/ ٧٦٣٨)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (١/ ٧٢/ ٢٨٢)، وجعفر المستغفري في فضائل القرآن (١/ ٤٧٥/ ٦٤٥)، وأبو عمرو الداني في البيان في عد آي القرآن (٢٣)، والبيهقي في السنن (٢/ ٤٢)، وفي المعرفة (١/ ٥١٢/ ٧٠٤)، وفي الدلائل (٧/ ١٥٢)، والخطيب في الموضح (١/ ٣٣٦)، والبغوي في التفسير (٢/ ٢٦٥)، وعلقه البخاري في التاريخ الكبير (٨/ ٣٦٨).
قال الترمذي: "هذا حديث حسن، لا نعرفه إلا من حديث عوف عن يزيد الفارسي عن ابن عباس.
ويزيد الفارسي: قد روى عن ابن عباس غير حديث، ويُقال: هو يزيد بن هُرْمُز، ويزيد الرقاشي هو: يزيد بن أبان الرقاشي، ولم يدرك ابن عباس، إنما روى عن أنس بن مالك، وكلاهما من أهل البصرة، ويزيد الفارسي: أقدم من يزيد الرقاشي" [الأحكام الكبرى لعبد الحق (٤/ ١١٣)، الأحاديث المختارة (١/ ٤٩٦)، الجامع لأحكام القرآن (٨/ ٦٢)، تهذيب الكمال (٣٢/ ٢٨٩)، الدر المنثور (٤/ ١١٩)].
وقال البزار: "وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن رسول الله ﷺ إلا من هذا الوجه، ولا نعلم رواه عن رسول الله ﷺ إلا عثمان، ولا روى ابن عباس عن عثمان إلا هذا الحديث".
وقال الحاكم في الموضع الأول: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه".
وقال في الموضع الثاني: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه".
وقال أبو نعيم: "هذا حديث غريب، تفرد به عوف عن يزيد، رواه عنه الكبار: يحيى بن سعيد القطان، ومحمد بن جعفر غندر، وإسماعيل ابن علية، وأبو أسامة".
وانظر فيمن وهم فيه على عوف الأعرابي: علل الدارقطني (٣/ ٤٣/ ٢٧٦)، أفراد الدارقطني (١/ ٧٣/ ٢٠٧).
قلت: يزيد بن هرمز المدني، مولى بني ليث: ثقة، وقد ذهب جماعة من الأئمة إلى أن يزيد الفارسي -الذي يروي عن ابن عباس، ويروي عنه عوف الأعرابي وغيره- هو يزيد بن هرمز، وممن قال ذلك: عبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، وأبو موسى محمد بن المثنى، والترمذي، وابن حبان، وهو ظاهر صنيع البخاري، وابن سعد، وقال علي بن المديني: "زعموا أن يزيد الفارسي هو يزيد بن هرمز"، وممن فرَّق بينهما وجعلهما اثنين: يحيى بن سعيد القطان، وابن معين، وأبو حاتم الرازي، وعمرو بن علي الفلاس [مسائل صالح (١١٥٦)، الأسامي والكنى (٣٦٤)، العلل ومعرفة الرجال (٣/ ١٨٩/ ٤٨١٤) و (٣/ ٣١٩/ ٥٤٢٢)، سؤالات ابن الجنيد (٦٦٠)، العلل لابن المديني (١٠٧)، التاريخ الكبير (٨/ ٣٦٧)، الجرح والتعديل (٩/ ٢٩٣)، طبقات ابن سعد (٥/ ٢٨٤) و (٧/ ٢٢٠)،
стр. 3881
المعرفة والتاريخ (٣/ ١٦٨)، شمائل الترمذي (٤١٢)، الثقات (٥/ ٥٣١) و (٧/ ١٢)، مشاهير علماء الأمصار (٥٤٢)، موضح أوهام الجمع والتفريق (١/ ٣٣٧)، الأنساب (٥/ ١٥١)، الأحكام الشرعية الكبرى (٤/ ٣١٤)، تهذيب الكمال (٣٢/ ٢٧٠ و ٢٨٧)، تهذيب التهذيب (٤/ ٤٣٣ و ٤٣٥)].
وعلى هذا فإن قلنا بأنهما واحد، فهو: ثقة، وإن قلنا: هما اثنان؟ فيزيد الفارسي -على قلة ما روى- قال فيه أبو حاتم -على تشدده في الرجال-: "لا بأس به"، مما يقتضي تعديله وقبول روايته تلك، ولو كان أبو حاتم يرى في هذا الحديث نكارة لما تردد في وصف يزيد بما يقتضي جرحه ورد حديثه، والله أعلم.
لكن الذي يظهر لي -والله أعلم- أنهما واحد، فهو أولًا: قول الجمهور، وثانيًا: جاء في رواية عون بن ربيعة عن يزيد الفارسي أنه كان كاتبًا لابن عباس، وكذا قال محمد بن المثنى، وفي رواية: عوف بن أبي جميلة عن يزيد الفارسي أنه كان يكتب المصاحف [شمائل الترمذي (٤١٢)، مسند أحمد (١/ ٣٦١)، المعرفة والتاريخ (٣/ ١٦٨)، المصاحف لابن أبي داود (٣٤٧)، الموضح (١/ ٣٣٨)]، وقد صح أن يزيد بن هرمز قد كتب لابن عباس، فقال فيما رواه عنه الزهري ومحمد بن علي: "أنا كتبت كتاب ابن عباس بيدي إلى نجدة"، وفي رواية لمسلم: قال ابن عباس ليزيد: "اكتب إليه" [صحيح مسلم (١٨١٢)، سنن أبي داود (٢٧٢٨)، سنن النسائي (٧/ ١٢٩/ ٤١٣٤)، مسند أحمد (١/ ٣٥٢)، الأموال لأبي عبيد (٨٥١ - ٨٥٣)، مصنف ابن أبي شيبة (٦/ ٤٨٤/ ٣٣١٢٨) و (٦/ ٤٩٢/ ٣٣٢١٧) و (٦/ ٥٣٧/ ٣٣٦٥٢)، أخبار المدينة لابن شبة (١/ ٣٤٢/ ١٠٥٩)، وغيرها].
وعليه: فإن يزيد الفارسي ويزيد بن هرمز: كلاهما فارسي، وكلاهما كاتب لابن عباس، وكلاهما يروي عن ابن عباس، وبذلك تسقط حجة من فرق بينهما بكون الأول بصري يروي عن ابن عباس، والثاني مدني يروي عن أبي هريرة، والله أعلم.
• والحاصل فإن هذا الحديث حديث حسن؛ وإنما حسنته ولم أصححه؛ مع صحة سنده -فإن رجاله ثقات، سمع بعضهم من بعض-؛ لأجل هذا الاختلاف الواقع في يزيد الفارسي، ولكون الترمذي لم يصححه، وإنما اكتفى بتحسينه، وكذلك لأجل حكم أبي نعيم عليه بالغرابة، وقد صححه كما ترى: ابن حبان والحاكم والضياء، والله أعلم.
وانظر فقه هذا الحديث في: الناسخ والمنسوخ لأبي جعفر النحاس (٢/ ٣٩٩)، أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٤٤٦)، فضائل القرآن لابن كثير (٣٥)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٨/ ٦٣)، الفتح لابن حجر (٩/ ٤٢)، أضواء البيان (٢/ ١١٢)، وغيرها كثير.
• وروى بعضه: هارون بن عمير، قال: حدثنا ضمرة بن ربيعة، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، قال: حدثنا حبان بن يحيى البهرائي، عن أبي محمد القرشي، قال:
стр. 3882
أمرهم عثمان ﵁ أن يتابعوا الطوَلَ، فجُعِلَتْ سورة الأنفال وسورة التوبة في السبع، ولم يَفصِل بينهما ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
أخرجه ابن شبة في أخبار المدينة (٢/ ١٣١/ ١٧٧٠)، قال: حدثنا هارون بن عمير به.
قلت: هارون بن عمير تصحف اسم أبيه، وإنما هو: هارون بن عمر المخزومي الدمشقي، وقد أكثر عنه ابن شبة وابن أبي الدنيا في مصنفاته، وروى عنه أيضًا: إبراهيم بن إسحاق الحربي وجماعة آخرون، وقد روى له ابن شبة أثرًا آخر بنفس هذا الإسناد (٢/ ١٢٠/ ١٧٢٢)، فقال: حدثنا هارون بن عمر، وساق الإسناد بمثله، وهو: هارون بن عمر بن يزيد بن زياد بن أبي زياد أبو عمر المخزومي الدمشقي، قال ابن أبي حاتم: "سألت أبي عنه، فقال: شيخ دمشقي أدركته، كان يرى رأي أبي حنيفة، وعلى العمد لم نكتب عنه، محله الصدق" [الجرح والتعديل (٩/ ٩٣)، تاريخ بغداد (١٤/ ١٣)، تاريخ دمشق (٦٤/ ١٤)، تاريخ الإسلام (١٦/ ٤٣٤)].
وأبو محمد القرشي، وحبان بن يحيى البهرائي: لم أجد لهما ترجمة.
وإسماعيل بن عياش روايته عن أهل الشام مستقيمة، والبهرائي شامي [انظر: الأنساب (١/ ٤٢٠)]، لكني لم أقف له على ترجمة، فالإسناد ضعيف.
• وأما ما قيل بأن يوسف بن مهران روى هذا الحديث عن ابن عباس به؛ وتابع يزيد الفارسي عليه، فلم أجد له في ذلك إلا ما رواه:
شعبة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، عن أُبي بن كعب، قال: آخر آية نزلت على النبي ﷺ : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية [التوبة: ١٢٨].
وفي رواية: آخر ما نزل من القرآن: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾.
أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده (١٤/ ٦٨١/ ٣٦١٧ - المطالب)، وعبد الله بن أحمد في زيادات المسند (٥/ ١١٧)، وابن جرير الطبري في تفسيره (١١/ ٧٨)، والمحاملي في الأمالي (٤٥٥)، والهيثم بن كليب الشاشي في مسنده (٣/ ٣١٠ - ٣١٢/ ١٤١٤ و ١٤١٦)، وابن السماك في التاسع من فوائده "جزء حنبل" (٢٨)، والطبراني في الكبير (١/ ١٩٩/ ٥٣٣)، والحاكم (٢/ ٣٣٨)، والبيهقي في الدلائل (٧/ ١٣٩)، والخطيب في الموضح (١/ ٣٤٥)، والواحدي في أسباب النزول (١٦ و ١٧) [وفي السند الثاني قلب].
قال الحاكم: "حديث شعبة عن يونس بن عبيد صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه".
وقال ابن حجر في المطالب: "هذا إسناد حسن"، وفي نسخة: "ضعيف".
قلت: رواه عن شعبة: وكيع بن الجراح، وآدم بن أبي إياس، وعبد الصمد بن
стр. 3883
عبد الوارث، ومسلم بن إبراهيم، وأبو عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، وبشر بن عمر الزهراني، وعثمان بن عمر بن فارس.
زاد أحدهم في إسناده عن أبي عامر العقدي: يونس بن عبيد، وقرنه بابن جدعان، وهي رواية منكرة بهذه الزيادة، وقد رواه إسحاق بن راهويه عن أبي عامر بدونها.
وعليه فإن هذا إسناد ضعيف؛ لأجل علي بن زيد بن جدعان، فإنه ضعيف، وشيخه وهو المتفرد بالرواية عنه: وثقه أبو زرعة وابن سعد [التهذيب (٤/ ٤٦١)].
وليس فيه ما يشهد لحديث يزيد الفارسي عن ابن عباس، والله أعلم.
• قال ابن العربي في أحكام القرآن (٢/ ٤٤٥): "وروي عن أُبي بن كعب: آخر ما نزل براءة، وكان رسول الله ﷺ يأمرنا في أول كل سورة بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ولم يأمرنا في سورة براءة بشيء، فلذلك ضمت إلى الأنفال، وكانت شبيهةً بها".
قلت: لم أجده مسندًا، ولعله يرجع إلى حديث ابن مهران السابق ذكره، والله أعلم.
• وأما ما ذكره أبو داود معلقًا بقوله:
قال الشعبي، وأبو مالك، وقتادة، وثابت بن عُمارة: إن النبي ﷺ لم يكتب ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ حتى نزلت سورة النمل، هذا معناه.
فهي مراسيل، لا تقوم بها حجة، وقد وصلها إلى أحد المذكورين، أو إلى غيرهم من التابعين: أبو داود في المراسيل (٣٥)، وعبد الرزاق في المصنف (٢/ ٩١/ ٢٦١٦)، وفي التفسير (٣/ ٨١)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في فضائل القرآن (٢١٦)، وابن سعد في الطبقات (١/ ٢٦٣)، وأبو بكر الصولي في أدب الكتاب (١/ ٢٠)، وابن أبي حاتم في التفسير (٩/ ٢٨٧٣/ ١٦٣٠٣ و ١٦٣٠٤)، وأبو هلال العسكري في الأوائل (٢٤)، وابن أبي زمنين في تفسيره (١/ ١١٧)، وجعفر المستغفري في فضائل القرآن (٥٩٩ و ٦٠٣ و ٦٠٤ و ٦٠٥).
***
٧٨٨ - قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد، وأحمد بن محمد المروزي، وابن السرح، قالوا: حدثنا سفيان، عن عمرو، عن سعيد بن جبير، -قال قتيبة فيه: عن ابن عباس-، قال: كان النبي ﷺ لا يعرف فصلَ السورة حتى تنزِلَ عليه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وهذا لفظ ابن السرح.
• حديث ضعيف، صوبه مرسل.
أخرجه من طريق أبي داود: أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن (١/ ١٥) [وفي سنده سقط]، والبيهقي في السنن (٢/ ٤٢)، وفي الشعب (٢/ ٤٣٨/ ٢٣٢٩)، وابن عبد البر في الإنصاف (٦٣)، والضياء في المختارة (١٠/ ٣١٥/ ٣٣٦).
стр. 3884
• وقد اختلف فيه على عمرو بن دينار:
١ - فرواه ابن عيينة عنه، واختلف عليه:
أ- فرواه قتيبة بن سعيد، ومعلي بن منصور، والحسن بن الصباح البزار، وأبو كريب محمد بن العلاء [وهم ثقات]:
عن سفيان، عن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان النبي ﷺ لا يعلم ختم السورة حتى تنزل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
أخرجه أبو داود (٧٨٨)، والحاكم (١/ ٢٣١)، والبزار (١١/ ٢١٧/ ٤٩٧٨)، والبيهقي في السنن (٢/ ٤٢)، وفي المعرفة (١/ ٥١٣ و ٥١٤/ ٧٠٥ و ٧٠٦)، وفي الشعب (٢/ ٤٣٨/ ٢٣٢٩)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ٢١٠)، وفي الإنصاف (٦٣)، والواحدي في أسباب النزول (٢١)، وفي الوسيط (١/ ٦١)، والضياء في المختارة (١٠/ ٣١٥/ ٣٣٦).
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه".
وقال البيهقي في الخلافيات (٢/ ٤٢ - مختصره): "هذا حديث صحيح".
وقال ابن الملقن في البدر المنير (٣/ ٥٦٠): "هذا الحديث صحيح".
ب- ورواه أحمد بن عبدة [الضبي: ثقة، من أصحاب ابن عيينة]، قال: أنا سفيان، عن عمرو، عن سعيد بن جبير -قال البزار: أشك في حديث ابن عبدة، قال: عن ابن عباس، أو قال: عن سعيد، ولم يقل: عن ابن عباس-، كان النبي ﷺ لا يعرف خاتمة السورة حتى ينزل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فإذا نزل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ علم أن السورة قد ختمت، واستقبلت -أو: ابتدئت- سورة أخرى.
أخرجه البزار (١١/ ٢١٨/ ٤٩٧٩)، قال: حدثنا أحمد بن عبدة به.
• ورواه محمد بن يحيى بن عيسى بن سليمان البصري: ثنا أحمد بن عبدة، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان النبي ﷺ لا يعلم ختم السورة حتى ينزل ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
أخرجه أبو الشيخ في طبقات المحدثين (٤/ ٨)، وعنه: أبو نعيم في تاريخ أصبهان (٢/ ٢٢٦).
وهذه رواية منكرة، فالحديث مشهور من حديث ابن عيينة عن عمرو بن دينار، لا عن موسى بن أبي عائشة، ومحمد بن يحيى بن عيسى بن سليمان البصري: قال عنه الذهبي في الميزان (٤/ ٦٤): "أتى بخبر موضوع، اتُّهم به" [وانظر: اللسان (٧/ ٥٧٩)].
ج- ورواه عبد الله بن الزبير الحميدي [ثقة ثبت، حافظ إمام، من أثبت الناس في ابن عيينة، وهو راويته]، وسعيد بن منصور [ثقة ثبت حافظ، من أصحاب ابن عيينة، ذكر روايته ابن حجر في الفتح (٨/ ٦٨١)]، وأحمد بن محمد المروزي [هو أحمد بن محمد بن ثابت الخزاعي، أبو الحسن بن شبُّويه المروزي: ثقة]، وابن السرح [هو أحمد بن عمرو بن السرح، أبو الطاهر المصري: ثقة]، ويونس بن عبد الأعلى [الصدفي المصري: ثقة]:
стр. 3885
عن سفيان، عن عمرو، عن سعيد بن جبير، قال: كان النبي ﷺ لا يعرف فصلَ [وفي رواية المروزي: ختم] السورة حتى تنزِلَ عليه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
أخرجه أبو داود هنا في السنن (٧٨٨)، وفي المراسيل (٣٦)، والحميدي (١/ ٤٥٨/ ٥٣٨)، والطحاوي في المشكل (٣/ ٤٠٧)، والبيهقي في السنن (٢/ ٤٢)، وفي الشعب (٢/ ٤٣٨/ ٢٣٢٩)، وابن عبد البر في الإنصاف (٦٣)، والضياء في المختارة (١٠/ ٣١٥/ ٣٣٦).
قال الحميدي في روايته بعد سعيد بن جبير: "ولم يذكر فيه ابن عباس".
وقال أبو داود في المراسيل: "قد أسند هذا الحديث، وهذا أصح".
وقال البزار بعد رواية أحمد بن عبدة: "وهذا الحديث يرويه عن عمرو من حديث ابن عيينة: جماعة مرسلًا".
قلت: وهو كما قالوا؛ فالمرسل هو المحفوظ من حديث ابن عيينة، لا سيما وفيمن أرسله عن ابن عيينة أثبت أصحابه والمقدَّمون فيه.
٢ - ورواه ابن جريج عن عمرو، واختلف عليه:
أ- فرواه حجاج بن محمد المصيصي الأعور [ثقة ثبت، أثبت الناس في ابن جريج]، وعبد الرزاق بن همام [ثقة حافظ، من أثبت الناس في ابن جريج، ومن المكثرين عنه]:
عن ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار؛ أن سعيد بن جبير أخبره؛ أن المؤمنين في عهد رسول الله ﷺ كانوا لا يعلمون انقضاء السورة حتى ينزل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فإذا نزل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ علموا أن قد نزلت السورة، وانقضت الأخرى. هكذا مرسلًا.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٩٢/ ٢٦١٧)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في فضائل القرآن (٢١٧).
ب- ورواه الوليد بن مسلم [الدمشقي: ثقة]: ثنا ابن جريج: ثنا عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، قال: كان المسلمون لا يعلمون انقضاء السورة حتى تنزل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فإذا نزلت: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ علموا أن السورة قد انقضت. ورواه بعضهم عن الوليد، فلم يذكر فيه: سعيد بن جبير.
أخرجه ابن حبان في الصلاة (٧/ ٧٤/ ٧٣٦٥ - الإتحاف)، والحاكم (١/ ٢٣٢)، والبيهقي (٢/ ٤٣).
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه".
قال ابن الملقن في البدر المنير (٣/ ٥٦١): "وهو كما قال".
ووجدت للوليد فيه عن ابن جريج بنفس هذا الإسناد موقوفًا على ابن عباس بلفظ آخر، ولا أراه محفوظًا عنه، والله أعلم [انظر: المختارة للضياء (١٠/ ٣١٨/ ٣٤٠)].
ورواه سعيد بن زنبور [هو سعد بن زنبور: ثقة. تاريخ بغداد (٩/ ١٢٧)، اللسان (٤/ ٢٨)]: حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، عن ابن جريج، عن عمرو بن
стр. 3886
دينار، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عباس، قال: كان جبريل ﵇ إذا جاء إلى رسول الله ﷺ بالقرآن أول مما يلقي عليه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فإذا قال جبريل ﵇: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الثانية علِمَ رسولُ الله ﷺ أنه قد ختم السورة، وافتتح الأخرى.
أخرجه الطبراني في الأوائل (٤٣)، ومن طريقه: الضياء في المختارة (١٠/ ٣١٧/ ٣٣٩).
هكذا رواه سعد بن زنبور من حديث عبد المجيد، فهو غريب من حديثه، والمشهور عنه: ما رواه عن ابن جريج، قال: أخبرني أبي؛ أن سعيد بن جبير أخبره؛ أن ابن عباس قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي. . .﴾ [الحجر: ٨٧] ويأتي ذكره قريبًا إن شاء الله تعالى.
ثم رواه سعد بن زنبور مرة أخرى، فقال: حدثنا سَليم بن مسلم، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به مثله.
أخرجه الطبراني في الأوسط (٣/ ١٨٤/ ٢٨٦٩).
وسَليم بن مسلم الحساب: متروك، منكر الحديث [اللسان (٤/ ١٨٩)].
وأخاف أن يكون دخل لسعد بن زنبور أو من هو دونه حديث في حديث، فقلب حديث سليم بن مسلم، وجعله من حديث ابن أبي رواد، وابن زنبور لم يكن بذاك المشهور، حتى قال فيه أبو حاتم: "مجهول"، والله أعلم.
ج- ورواه قتيبة بن سعيد: ثنا عبد العزيز بن محمد، عن ابن جريج، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ما كنا نعلم بانقضاء السورة إلا بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
أخرجه الضياء في المختارة (١٠/ ٢٣٠/ ٢٤٢).
وقد روي هذا الحديث عن قتيبة بن سعيد، عن الدراوردي، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس.
أخرجه الدارقطني في الأفراد (١/ ٤٧٨/ ٢٦٤٩ - أطرافه).
قال الدارقطني: "وفيه قال قتيبة بن سعيد: لم يسمع الدراوردي هذا الحديث من ابن جريج، قال: غريب من حديث ابن جريج، تفرد به قتيبة عن عبد العزيز الدراوردي عن ابن جريج عنه"؛ يعني: عن عطاء بن أبي رباح.
وعليه: فهو معلول من هذا الوجه عن ابن جريج.
والمحفوظ عن ابن جريج: هو المرسل، كما رواه عنه أثبت أصحابه، والله أعلم.
• وإلى هنا: فقد رواه سفيان بن عيينة، وابن جريج [في المحفوظ عنهما] [وهما أعلم الناس بحديث عمرو بن دينار. شرح العلل (٢/ ٦٨٤)]، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير مرسلًا، ليس فيه ذكر ابن عباس، والله أعلم.
٣ - ورواه المثنى بن الصباح، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ كان إذا جاءه جبرئيل فقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، علم أنها سورة.
أخرجه الحاكم (١/ ٢٣١) و (٢/ ٦١١)، والبيهقي في الشعب (٢/ ٤٣٩/ ٢٣٣٢).
стр. 3887
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه".
فتعقبه الذهبي بقوله: "مثنى، قال النسائي: متروك".
وتعقبه ابن الملقن في البدر المنير (٣/ ٥٦١)، فقال: "فيه نظر؛ فإن فيه المثنى بن الصباح، وهو ضعيف،. . .".
قلت: هو حديث منكر؛ أخطأ فيه المثنى بن الصباح اليماني المكي، وهو: ضعيف، وكان اختلط بآخره، قال النسائي وابن الجنيد: "متروك الحديث" [التهذيب (٤/ ٢٢)].
٤ - وروى جعفر المستغفري في فضائل القرآن (١/ ٤٤٦/ ٥٨١) بسندٍ فيه من يُجهَل حاله، إلى ابن لهيعة [وهو: ضعيف]، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، قال: كنا نعرف انقضاء السورة خلف رسول الله ﷺ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فلا تتركوها.
٥ - ورواه إبراهيم بن يزيد أبو إسماعيل [الخوزي، وهو: متروك، منكر الحديث. التهذيب (١/ ٩٤)]، وأبو مريم عبد الغفار بن القاسم [رافضي، متروك الحديث، بل كان يضع الحديث. اللسان (٥/ ٢٢٦)]، وعمر بن قيس [هو المكي المعروف بسندل، وهو: متروك، منكر الحديث. التهذيب (٣/ ٢٤٧)].
عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان جبريل ﵇ إذا أتى رسول الله ﷺ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، عرف رسول الله ﷺ أنها سورة ختمت، واستقبل السورة الأخرى. لفظ الخوزي، والآخران بمعناه.
أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ٨١ و ٨٢/ ١٢٥٤٤ - ١٢٥٤٦)، وابن عدي في الكامل (٣/ ١٧٨) و (٦/ ١٣)، وأبو إسحاق الثعلبي في الكشف والبيان (١/ ١٠٢)، وجعفر المستغفري في فضائل القرآن (١/ ٤٤٢/ ٥٦٨)، والبيهقي في الشعب (٢/ ٤٣٨/ ٢٣٣٥ و ٢٣٣١)، والضياء في المختارة (١٠/ ٣١٦/ ٣٣٧ و ٣٣٨).
٦ - وروى عبد العزيز بن الحصين، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، قال: سرق الشيطان من أئمة المسلمين آية من كتاب اللَّه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قال ابن عباس: نسيها الناس كما نسوا التكبير في الصلاة، والله ما كنا نقضي السورة حتى تنزل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ٢١١).
قلت: وهذا منكر؛ عبد العزيز بن الحصين بن الترجمان: متروك، منكر الحديث [اللسان (٥/ ٢٠٢)].
• وحاصل ما تقدم من الاختلاف في هذا الحديث على عمرو بن دينار: أن المحفوظ فيه مرسل، ليس فيه ذكر ابن عباس، هكذا رواه عن عمرو أعلم الناس بحديثه: ابن عيينة وابن جريج [في المحفوظ عنهما]، والله أعلم.
• ورواه مُبَشِّر بن عبد الله، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان جبريل إذا نزل على رسول الله ﷺ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، علم أن السورة قد انْقَضَتْ.
стр. 3888
أخرجه الطحاوي في المشكل (٣/ ٤٠٦)، قال: حدثنا محمد بن سنان الشيزري، قال: حدثنا عيسى بن سليمان، قال: حدثنا مبشر به.
قلت: ولا يثبت هذا عن سالم بن عجلان الأفطس [وهو ثقة]، فإن الراوي عنه لو كان هو أبو بكر النيسابوري الثقة، فإن بين وفاتيهما قرابة سبع وخمسين سنة، فهو ظاهر الانقطاع، لا سيما مع ما عُرف عن مبشر بن عبد الله بن رزين أبي بكر النيسابوري من أنه لم يرحل في الحديث قط، وإنما سمع بنيسابور [التهذيب (٤/ ٢٠) وغيره]، وسالم الأفطس: جزري حراني، وإن لم يكن مبشر هذا هو أبو بكر النيسابوري فلم أقف له على ترجمة، والراوي عنه: عيسى بن سليمان الشيزري: أصله من الحجاز، سكن حمص، قال أبو حاتم: "هذا شيخ حمصي، يدل حديثه على الصدق"، وذكره ابن حبان في الثقات، وله أفراد [الجرح والتعديل (٦/ ٢٧٨)، الثقات (٨/ ٤٩٤)، أطراف الغرائب والأفراد (٢/ ٤١٩/ ١٧٩٩)، غاية النهاية (٢٧٥)]، والراوي عنه: محمد بن سنان بن سرج بن إبراهيم أبو جعفر التنوخي الشيزري القاضي، قال الذهبي في معرفة القراء: "كان صدوقًا، أضر بأخرة"، قلت: وله إفرادات، وهذا منها [المؤتلف للدارقطني (٣/ ١٢١٤)، أطراف الغرائب والأفراد (٥/ ٥٠٩/ ٦٢٢٩)، إكمال ابن ماكولا (٤/ ٢٨٨)، تاريخ دمشق (٥٣/ ١٥٠)، تاريخ الإسلام (٢٢/ ٢٧٠)، معرفة القراء الكبار (٢/ ٥١٧)، غاية النهاية (٣٤٣)]، وستأتي له طرق أخرى عن سالم بلفظ مغاير.
• وله شاهد من حديث ابن مسعود [عند: البيهقي في الشعب (٢/ ٤٣٩/ ٢٣٣٣)، وفي الخلافيات (٢/ ٤٣ - مختصره)، والواحدي في أسباب النزول (٢٢)، وفي الوسيط (١/ ٦٢)، [ولا يصح].
وروي من قول ابن عمر [عند: الواحدي في أسباب النزول (٢٣)] [وهو منكر].
• ولابن عباس في هذا حديث آخر:
رواه ابن المبارك، وحجاج بن محمد الأعور، وعبد الرزاق بن همام، وسفيان الثوري، وأبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، وحفص بن غياث، وعبد المجيد بن عبد العزيز، ومحمد بن بكر البرساني، وعثمان بن عمر، وابن وهب، وجعفر بن حيان:
عن ابن جريج، قال: أخبرني أبي؛ أن سعيد بن جبير أخبره؛ أن ابن عباس قال: ﴿ولقد آتينك سبعًا من المثاني﴾: أم القرآن، قال: وقرأ عليَّ سعيد كما قرأتها عليك، ثم قال [ابن عباس]: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الآية السابعة، قال ابن عباس: قد أخرجها [وفي رواية: ذخرها] الله لكم، فما أخرجها لأحد قبلكم.
وفي رواية ابن المبارك: قال ابن جريج: فقلت لأبي: أخبرك سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آية من كتاب الله؟ قال: نعم، ثم قال: قرأها ابن عباس: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في الركعتين جميعًا.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٩٠/ ٢٦٠٩)، والشافعي في الأم (٢/ ٢٤٥/ ٢١٠)، وفي
стр. 3889
المسند (٣٦)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في فضائل القرآن (٢١٨)، وابن جرير الطبري في تفسيره (١٤/ ٥٥ و ٥٧)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٢٤/ ١٣٥١)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٢٠٠)، وفي المشكل (٣/ ٢٤٤ و ٢٤٥)، وابن الضريس في فضائل القرآن (٢٨)، والحاكم (١/ ٥٥٠ - ٥٥٢) و (٢/ ٢٥٧)، وأبو إسحاق الثعلبي في الكشف والبيان (١/ ١٠٣)، وابن بشران في الأمالي (١٢١٠)، وجعفر المستغفري في فضائل القرآن (٥٨٧ و ٥٩٥)، وأبو عمرو الداني في البيان في عد آي القرآن (٥٠)، والبيهقي في السنن (٢/ ٤٤ و ٤٥ و ٤٧)، وفي المعرفة (١/ ٥١٠/ ٦٩٩)، وفي الشعب (٢/ ٤٣٥/ ٢٣٢١)، وابن عبد البر في الإنصاف (٨٥)، والواحدي في تفسيره الوسيط (١/ ٥٩)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٣/ ٥٠/ ٥٨٠)، وفي التفسير (١/ ٣٩)، والضياء في المختارة (١٠/ ٢٢٥ - ٢٢٧/ ٢٣٨ - ٢٤٠).
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه".
وقال البيهقي في الخلافيات (٢/ ٥٢ - مختصره): "هذا حديث مشهور، ورواته ثقات".
وقال العيني في نخب الأفكار (٣/ ٥٥٤): "والجواب عنه: أن في إسناده عبد العزيز بن جريج والد عبد الملك، وقد قال البخاري: حديثه لا يتابع عليه، ولئن سلمنا أن حديثه يتابع عليه سيعارضه ما يدل على خلافه، وهو حديث أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا نهض في الثانية استفتح بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ولم يسكت،. . .، وهذا دليل صريح على أن البسملة ليست من الفاتحة؛ إذ لو كانت منها لقرأها في الثانية مع الفاتحة".
قلت: عبد العزيز بن جريج المكي: قال البخاري: "لا يتابع في حديثه"، وقال البرقاني في سؤالاته للدارقطني: "قلت له: عبد العزيز بن جريج عن عائشة؟ قال: مجهول، وقيل: هو والد ابن جريج، فإن كان هو فلم يسمع من عائشة، يترك هذا الحديث" [التاريخ الكبير (٦/ ٢٣)، ضعفاء العقيلي (٣/ ١٢)، الجرح والتعديل (٥/ ٣٧٩)، الثقات (٧/ ١١٤)، الكامل (٥/ ٢٨٩)، سؤالات البرقاني (٢٩٧)، التهذيب (٢/ ٥٨٣)، التقريب (٣٨٦)، وقال: "ليِّن"].
• وقد خولف فيما رواه عن سعيد بن جبير في ذلك:
أ- فقد روى جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن مسلم بن عمران البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أوتي رسول الله ﷺ سبعًا من المثاني الطُّوَل، وأوتي موسى ﵇ ستًّا، فلما ألقى الألواح رُفعت اثنتان وبقي أربع.
أخرجه أبو داود (١٤٥٩)، والنسائي في المجتبى (٢/ ١٤٠/ ٩١٥)، وفي الكبرى (١/ ٤٧٣/ ٩٨٩)، والحاكم (٢/ ٣٥٤ - ٣٥٥)، والضياء في المختارة (١٠/ ٣٥٧/ ٣٨٢ و ٣٨٣)، وابن جرير الطبري في جامع البيان (١٤/ ٥٢)، والطحاوي في المشكل (٣/ ٢٤٦)، وابن أبي حاتم في التفسير (٨/ ٢٦٩٣/ ١٥١٥٠) و (٩/ ٦٩٢٧/ ١٢٩٨١)، والبيهقي في الشعب (٢/ ٤٦٦/ ٢٤١٦).
стр. 3890
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه".
قلت: وهو كما قال، على شرط الشيخين [انظر: التحفة (٤/ ٣٦٥ - ٣٦٩/ ٥٦١٢ - ٥٦١٦ - ط الغرب)].
• ورواه أيضًا: إسرائيل بن أبي إسحاق، وشريك بن عبد الله النخعي:
عن أبي إسحاق السبيعي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله : ﴿ولقد آتينك سبعًا من المثاني والقرآن العظيم﴾، قال: البقرة، وآل عمران، والنساء، والأعراف، والأنعام، والمائدة. وفي رواية شريك: قال: السبع الطُّوَل.
أخرجه النسائي في المجتبى (٢/ ١٤٠/ ٩١٦)، وفي الكبرى (١/ ٤٧٤/ ٩٩٠) و (١٠/ ١٤٤/ ١١٢١٢)، والحاكم (٢/ ٣٥٥) [وانظر: الإتحاف (٧/ ١٥١/ ٧٥٠٣)]، وابن جرير الطبري في جامع البيان (١٤/ ٥٢)، والطحاوي في المشكل (٣/ ٢٤٧)، والبيهقي في الشعب (٢/ ٤٦٦/ ٢٤١٧).
وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري [انظر: صحيح البخاري (٦٢٩٩ و ٦٣٠٠)]، وصحح ابن حجر إسناده في الفتح (٨/ ١٥٨).
تنبيه: وقعت زيادة: "مسلم البطين" بين أبي إسحاق السبيعي وسعيد بن جبير في إسناد ابن جرير والحاكم وعنه البيهقي، وهي وهم من رواتها [سفيان بن وكيع عند ابن جرير، وأحمد بن محمد بن يحيى بن مهران السوطي، وهو: مجهول الحال، عند الحاكم والبيهقي]، والمحفوظ بدونها، كما رواه النسائي بإسناد صحيح إلى إسرائيل عن أبي إسحاق عن سعيد به بدون الزيادة.
• ورواه هشيم، عن الحجاج، عن الوليد بن العيزار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: هن السبع الطُّوَل، ولم يعطهن أحد إلا النبي ﷺ ، وأعطي موسى منهن اثنتين.
أخرجه ابن جرير الطبري في جامع البيان (١٤/ ٥٢)، والبيهقي في الشعب (٢/ ٤٤٤/ ٢٣٥٧) و (٢/ ٤٦٨/ ٢٤٢٣).
وهذا إسناد صالح في المتابعات، حجاج هو: ابن أرطأة، وهو: ليس بالقوي، يدلس عن الضعفاء والمتروكين.
• ورواه سفيان الثوري، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله: ﴿ولقد ءاتينك سبعا من المثاني﴾، قال: السبع الطوال.
أخرجه ابن جرير الطبري في جامع البيان (١٤/ ٥٢)، والطحاوي في المشكل (٣/ ٢٤٦)، والطبراني في الكبير (١١/ ٥٩/ ١١٠٣٨).
وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري [انظر: صحيح البخاري (٢١٦ و ٦٠٥٥)].
ولسفيان الثوري فيه أسانيد أخرى، والأقرب عندي أنها أوهام، انظر: جامع البيان (١٤/ ٥٣)، شعب الإيمان للبيهقي (٢/ ٤٦٧/ ٢٤٢٢)، المختارة للضياء المقدسي (١٠/ ٢٢٣ و ٢٢٤/ ٢٣٦ و ٢٣٧) و (١٠/ ٣٦٤/ ٣٨٩ و ٣٩٠).
следующие страницы →