← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 261

فضل الرحيم الودود تخريج سنن أبي داود

ياسر فتحي

Полный текст (16 465 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

قلت: هذا صحيح، إذا عورضت رواية ابن أبي رواد برواية أبي عاصم النبيل مثلًا، فإن ابن أبي رواد يُقدَّم عليه [انظر فيما تقدم الحديث رقم (٥٤٥)]، وكذلك فإنه يُقدَّم على جماعةٍ ممن يروي عن ابن جريج، لكن ابن أبي رواد له مناكير عن ابن جريج، كما تقدم ذكره عن ابن عدي، وقد تقدم معنا أحاديث خالف فيها ابنُ أبي رواد بعضَ أصحاب ابن جريج، وفيهم عبد الرزاق، وكانت هذه الأحاديث من أوهام ابن أبي رواد على ابن جريج، أصاب فيها عبد الرزاق وغيره [انظر الحديثين المتقدمين برقمي (٤٦١ و ٦٤٦)]. وقبل أن نتكلم عن إسناد عبد الرزاق المحفوظ، ننبه على ما وقع في روايته من خطأ، يحتمل أن يكون من النساخ، أو من راوي المصنف نفسه، وهو: إسحاق بن إبراهيم الدبري، وقد تُكُلِّم في روايته عن عبد الرزاق، فإنه ممن سمع من عبد الرزاق بأخرة بعدما عمي وأضر، كما أن الدبري كان يصحف، ويحرف [شرح العلل لابن رجب (٢/ ٧٥٤)، اللسان (٢/ ٣٦)]، وهذا الخطأ هو ما وقع في النسخة المطبوعة من المصنف، وفي ثقات ابن حبان هكذا: "عبد الله بن أبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد"، بزيادة "بن" بين عبدِ الله وكنيتِه أبي بكر، إذ المعروف في هذه الطبقة هو: أبو بكر عبد الله بن حفص بن عمر بن سعد بن أبي وقاص الزهري، وهو مشهور بكنيته: أبو بكر بن حفص، وهو: ثقة، روى عن أنس بن مالك وابن عمر وغيرهما، وروى عنه: عبد الله بن عثمان بن خثيم، وابن جريج، وغيرهما، وهذا هو الموافق لما رواه ابن أبي رواد، كما أن جماعة ممن ذكر الاختلاف بين رواية ابن أبي رواد وعبد الرزاق، مثل: ابن عبد البر وابن رجب، لم يذكروا اختلافًا سوى إسقاط أنس من إسناد عبد الرزاق، والله أعلم [انظر: كنى البخاري (١٠)، التاريخ الكبير (٥/ ٧٦)، كنى مسلم (٢٧٨)، كنى الدولابي (١/ ٣٦٩)، الجرح والتعديل (٥/ ٣٦) و (٩/ ٣٣٨)، الثقات (٥/ ١٢ و ٥٠ و ٥٦٣ و ٥٧٦) و (٧/ ٦٥٦)، تهذيب الكمال (١٤/ ٤٢٣)]، وأبو بكر بن حفص هذا له ولدان: سعيد وعبد الملك، ولم أجد له ولدًا يقال له عبد الله، والله أعلم. وعليه: فإن إسناد عبد الرزاق بعد تصحيح الخطأ: إسناد ليس بمتصل، لعدم ثبوت سماع أبي بكر بن حفص من معاوية، ولكونه يحكي واقعة الأغلب أنه لم يدركها، فإنه لم يسمع من أبي هريرة ولا من عائشة [قاله أبو حاتم. المراسيل (٩٥٦ و ٩٥٧)]، ووفاة معاوية كانت بعد وفاتيهما بما يقرب من سنة إلى ثلاث سنين [سنة (٦٠)]، لذا قال ابن حبان: "يروي عن معاوية؛ إن كان سمع منه". ومما يزيد ذلك وضوحًا، وهو أنه لم يسمع من معاوية: تأخر وفاة من سمع منهم أبو بكر من الصحابة، مثل عبد الله بن عمر [توفي سنة (٧٣) أو (٧٤)]، وأنس بن مالك [توفي سنة (٩٢) أو (٩٣)]، وأن أكثر روايته عن التابعين، ولذا فإن البخاري ومسلمًا لم يخرجا له عن أحد من الصحابة، وإنما أخرجا له كلاهما أو أحدهما عن: عروة بن الزبير، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وسالم بن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن حنين، والله أعلم.

стр. 3922

وإذ ظهرت علة هذا الحديث، وانقطاعه، يظهر لك وجه العجب من قول الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، فقد احتج بعبد المجيد بن عبد العزيز، وسائر الرواة متفق على عدالتهم، وهو علة لحديث شعبة وغيره عن قتادة عن أنس قال: صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فلم يجهروا بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؛ فإن قتادة على علو قدره يدلس، ويأخذ عن كل أحد، وإن كان قد أُدخل في الصحيح حديث قتادة، فإن في ضده شواهد، أحدها ما ذكرناه، … " [مخطوط رواق المغاربة (١/ ١١٤/ أ)]. قلت: حديث قتادة عن أنس في غاية الصحة، ولا وجه لإعلاله، بل غيره يُعَلُّ به، إذ الصحيح يُعَلُّ به غيره، لا العكس، وقد ثبت سماع قتادة لهذا الحديث من جهتين، فإن شعبة لم يكن يحمل عن شيوخه إلا ما سمعوه من شيوخهم، لا سيما قتادة والأعمش وأبا إسحاق السبيعي، فقد قال فيهم: "كفيتكم تدليس ثلاثة"، ثم ذكرهم [معرفة السنن والآثار (١/ ٨٦)]، قال ابن حجر: "فهذه قاعدة جيدة في أحاديث هؤلاء الثلاثة: أنها إذا جاءت من طريق شعبة دلت على السماع، ولو كانت معنعنة" [طبقات المدلسين (٥٨)، النكت على كتاب ابن الصلاح (٢/ ٦٣٠ - ٦٣١)]. فكيف وقد جاء فيها التصريح بالسماع بما لا يدع مجالًا للشك؛ ففي رواية شعبة، قال: فقلت لقتادة: أسمعته من أنس؟ قال: نعم، ونحن سألناه عنه، وهذا نص صريح لا يحتمل التأويل، وسبق تقرير ذلك في موضعه، والله أعلم. وقال الدارقطني: "كلهم ثقات"، قلت: نعم؛ لكنه معلول. ب- ورواه أبو أيوب سليمان بن عبد الرحمن [هو: الدمشقي، ابن بنت شرحبيل، وهو: صدوق]: ثنا إسماعيل بن عياش [روايته عن أهل الحجاز ضعيفة، وهذه منها]: ثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن جده؛ أن معاوية بن أبي سفيان قدم المدينة حاجًّا أو معتمرًا، فصلى بالناس فلم يقرأ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ حين افتتح القرآن، وقرأ بأم الكتاب، فلما قضى الصلاة أتاه المهاجرون والأنصار من ناحية المسجد، فقالوا: أتركت صلاتك يا معاوية؟ أنسيتَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فلما صلى بهم الأخرى قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. أخرجه الدارقطني (١/ ٣١١). قلت: قد وهم ابن عياش في زيادة: "عن جده" في هذا الإسناد، وقصر في متنه؛ فلم يذكر ترك التكبير: • فقد رواه الفضل بن العلاء [ليس به بأس. التهذيب (٣/ ٣٩٤)]: ثنا ابن خثيم، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، أن معاوية قدم المدينة فصلَّى بالناس صلاةً فجهر فيها، ولم يقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ثم ركع فلم يكبر، ثم قام في الثانية فلم يكبِّر، فلما صلَّى وسلَّم، ناداه المهاجرون والأنصار من كلِّ ناحية: يا معاويةُ أسَرَقْتَ صلاتك أم نسيت؟ أين ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ حين افتتحت أُمَّ القرآن؟ وأين الله أكبر؟

стр. 3923

فعاد لهم فقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وكبَّر حين سجد وحين قام. أخرجه الخطيب في الجهر بالبسملة (٢٧ - مختصره للذهبي). • وتابعه على هذا الوجه: يحيى بن سليم الطائفي [صدوق، سيئ الحفظ، كانت عنده أحاديث ابن خثيم في كتاب، وكان قد قرأها عليه، وكن متقنًا لها. تاريخ الدوري (٣/ ٦٨ و ١١٠/ ٢٦٢ و ٤٥٧)، العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٤٨٠/ ٣١٥٠)]، وإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي [متروك، كذبه جماعة]: عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن معاوية بمعناه. أخرجه الشافعي في الأم (٢/ ٢١٣/٢٤٦ و ٢١٤)، وجعفر المستغفري في فضائل القرآن (١/ ٤٥٣/ ٥٩٢)، والبيهقي في السنن (٢/ ٤٩ و ٥٠)، وفي المعرفة (١/ ٥١٩/ ٧١٥ و ٧١٦)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٣/ ٥٦/ ٥٨٥). ذهب الشافعي إلى ترجيح قول من قال: إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه، وذهب البيهقي إلى ترجيح رواية ابن جريج لكونه ثقةً حافظًا، وأنه أثبت من الذين خالفوه، أو يكون ابن خثيم سمعه من الوجهين. قلت: هذا الحديث مداره على ابن خثيم، ولم يكن بالحافظ، حتى يحتمل منه التعدد في الأسانيد، وابن جريج وإن كان ثقة حافظًا، كما أنه بلدي لابن خثيم؛ إلا أن رواية هؤلاء مجتمعة تدل على أن ابن خثيم قد رواه على هذا الوجه، لا سيما وفيهم يحيى بن سليم الطائفي، وكان متقنًا لأحاديث ابن خثيم، وكانت عنده في كتاب، والأقرب عندي ألا يُوَهَّم ابنُ جريج، وإنما الحمل فيه على ابن خثيم نفسه، وأن هذا الاختلاف قد وقع بسبب سوء حفظه، فإنه وإن وثقه ابن معين والنسائي في رواية عنهما، فقد ليَّناه في أخرى، فقال ابن معين [في رواية الدورقي عنه]: "أحاديثه ليست بالقوية"، وقال النسائي في السنن (٥/ ٢٤٨/ ٢٩٩٣) في الخطبة قبل يوم التروية: "ابن خثيم: ليس بالقوي في الحديث، وإنما أخرجت هذا لئلا يُجعَلَ ابن جريج عن أبي الزبير، … ، ويحيى بن سعيد القطان لم يترك حديث ابن خثيم ولا عبد الرحمن، إلا أن علي بن المديني قال: ابن خثيم منكر الحديث، وكان علي بن المديني خُلِق للحديث"، هكذا قال النسائي، وهكذا نقل ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٥/ ١١٢) عن عمرو بن علي الفلاس قوله: "كان يحيى وعبد الرحمن يحدِّثان عن ابن خثيم"، وهكذا نقله أيضًا ابن عدي في الكامل (٤/ ١٦١)، ويؤيد هذا النقل ما قاله البزار في مسنده (١١/ ٢٩٤/ ٥٠٩٢): "وعبد الله بن عثمان بن خثيم: رجل من أهل مكة، مشهور، حسن الحديث، لا نعلم أحدًا ترك حديثه"، وفي هذه النقول ما يدل على خطأ ما نقله العقيلي، والذي بسببه أدخل العقيليُّ ابنَ خثيم في ضعفائه (٢/ ٢٨١)، وقال [ولم يبين من القائل، حتى ليشتبه على القارئ أنه قوله، وإنما هو قول الفلاس،: "وكان يحيى وعبد الرحمن لا يحدِّثان عن ابن خثيم" هكذا بالنفي، والنقول

стр. 3924

المتقدمة تدل على أنهما لم يتركا حديثه، وأن لفظة: "لا" مزيدة في سياق النص المنقول عن الفلاس، والله أعلم، لا سيما وقد أورده ابن عدي في كامله من نفس الوجه عن عمرو بن علي الفلاس بدون أداة النفي: "وكان يحيى وعبد الرحمن يحدِّثان عن ابن خثيم". وابن خثيم أيضًا ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: "كان يخطئ"، وقد وثقه العجلي، وقال أبو حاتم: "ما به بأس، صالح الحديث"، وقال ابن عدي: "ولابن خثيم هذا أحاديث، وهو عزيز الحديث، وأحاديثه أحاديث حسان مما يجب أن تكتب عنه"، وقد فضل الإمامُ أحمدُ ابنَ جريج واسماعيلَ بن أمية ونافعَ بن عمر على ابن خثيم، في سؤالات متفرقة، والبخاري إنما أخرج له تعليقًا في المتابعات، ولم يخرج له مسلم إلا في الشواهد من رواية يحيى بن سليم الطائفي عنه؛ فلم يحتج به الشيخان! [التهذيب (٢/ ٣٨٣)، سؤالات المروذي (١٦٩)، العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٤٨/ ١٥١٢)، المعرفة والتاريخ (٢/ ١٧٤)، الكامل (٤/ ١٦١) (٥/ ٢٦٨ - ط العلمية)]. • والحاصل: فإن هذا الحديث مضطرب؛ لسوء حفظ ابن خثيم، وعدم ضبطه لإسناده. • ورواه الإمام علي بن المديني، قال: حدثنا عبد الوهاب بن فليح [المكي المقرئ: صدوق. الجرح والتعديل (٦/ ٧٣)، الثقات (٨/ ٤١١)، معرفة القراء الكبار (١/ ١٨٠)]، عن عبد الله بن ميمون [هو القداح، وهو: متروك، منكر الحديث]، عن عبيد بن رفاعة؛ أن معاوية بن أبي سفيان قدم المدينة فصلى بالناس صلاة يجهر فيها، … فذكره. أخرجه أبو إسحاق الثعلبي في الكشف والبيان (١/ ١٠٤). وهذا سنده واهٍ؛ فالحديث حديث ابن خثيم، ولا يثبت لاضطرابه، والله أعلم. • قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فهذا الحديث يُعلم ضعفه من وجوه: أحدها: أنه يروى عن أنس أيضًا الروايةُ الصحيحة الصريحة المستفيضة الذي يردَّ هذا. الثاني: أن مدار ذلك الحديث على عبد الله بن عثمان بن خثيم، وقد ضعفه طائفة، وقد اضطربوا في روايته إسنادًا ومتنًا كما تقدم، وذلك يبين أنه غير محفوظ. الثالث: أنه ليس فيه إسناد متصل السماع بل فيه من الضعفة والاضطراب ما لا يؤمن معه الانقطاع أو سوء الحفظ. الرابع: أن أنسًا كان مقيمًا بالبصرة، ومعاوية لما قدم المدينة لم يذكر أحد علمناه أن أنسًا كان معه، بل الظاهر أنه لم يكن معه. الخامس: أن هذه القضية بتقدير وقوعها كانت بالمدينة، والراوي لها أنس وكان بالبصرة، وهي مما تتوافر الهمم والدواعي على نقلها، ومن المعلوم أن أصحاب أنس المعروفين بصحبته وأهل المدينة لم ينقل أحد منهم ذلك، بل المنقول عن أنس وأهل المدينة نقيض ذلك، والناقل ليس من هؤلاء ولا من هؤلاء.

стр. 3925

السادس: أن معاوية لو كان رجع إلى الجهر في أول الفاتحة والسورة لكان هذا أيضًا معروفًا من أمره عند أهل الشام الذين صحبوه، ولم ينقل هذا أحد عن معاوية، بل الشاميون كلهم خلفاؤهم وعلماؤهم كان مذهبهم ترك الجهر بها، بل الأوزاعي مذهبه فيها مذهب مالك؛ لا يقرؤها سرًّا ولا جهرًا. فهذه الوجوه وأمثالها إذا تدبرها العالم قطع بأن حديث معاوية إما باطل لا حقيقة له، وإما مغيَّر عن وجهه، وأن الذي حدث به بلغه من وجه ليس بصحيح، فحصلت الآفة من انقطاع إسناده. وقيل: هذا الحديث لو كان تقوم به الحجة لكان شاذًا؛ لأنه خلاف ما رواه الناس الثقات الأثبات عن أنس، وعن أهل المدينة، وأهل الشام، ومن شرط الحديث الثابت أن لا يكون شاذًا ولا معللًا، وهذا شاذ معلل إن لم يكن من سوء حفظ بعض رواته". وقد نقله ابن عبد الهادي في كتابه في الجهر، وزاد عليه وأفاض في البيان، مثل قوله: "أن مذهبَ أهل المدينة قديمًا وحديثًا تركُ الجهر بها، ومنهم من لا يرى قراءتها أصلًا"، ومثل قوله: "ومن المستبعد أن يكون هذا حال معاوية، ومعلوم أن معاوية قد صلى مع النبي ﷺ ، فلو سمع النبي ﷺ يجهر بالبسملة لما تركها حتى ينكر عليه رعيته أنه لا يحسن يصلي". وقال ابن رجب في فتح الباري (٤/ ٣٦٢): "فعلى طريقة الشافعي في ترجيح الإسناد الثاني على الحديث: ليس هذا الحديث من رواية أنس بن مالكٍ بالكلية، فلا يكون معارضًا لروايات أنسٍ الصحيحة الثابتة، وعلى التقدير الآخر: فليس هذا الحديث مرفوعًا، وإنما فيه إنكار من كان حاضرًا تلك الصلاة من المهاجرين، وإنما حضر ذلك قليل منهم؛ فإن أكابرهم توفوا قبل ذلك، فغاية هذا: أن يكون موقوفًا على جماعة من الصحابة، فكيف تُردُّ به الروايةُ المرفوعة، وليس فيه تصريحٌ بإنكار ترك الجهر بالبسملة، بل يحتمل أنهم إنما أنكروا قراءتها في الجملة، وذلك محتمل بأن يكون معاوية وصل تكبيرة الإحرام بقراءة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ من غير سكوت بينهما يتسع للبسملة، ثم وصل الفاتحة بقراءة سورةٍ من غير سكوت يتسع للبسملة، ورواية ابن جريج صريحةٌ في أن معاوية لم يقرأ البسملة مع الفاتحة أيضًا، فيدل هذا على اتفاقهم على أن البسملة ليست من الفاتحة، وإلا لأمروه بإعادة الصلاة، أو لأعادوا هم صلاتهم خلفه. وبكل حالٍ؛ المضطربُ إسنادُه وألفاظُه لا يجوز أن يكون معارضًا لأحاديث أنس الصحيحة الصريحة، وقد تفرد بهذا الحديث: عبد الله بن عثمان بن خثيم، وليس بالقوي؛ ترك حديثه يحيى القطان وابن مهدي [سبق بيان عدم صحة هذا النقل]، ومن العجب قول بعضهم: يكفي أن مسلمًا خرج له، مع طعنه في حديث الأوزاعي الذي خرجه مسلم في صحيحه من حديث أنس المصرح بنفي قراءة البسملة، وقوله: إنه معلول غير ثابت، بغير حجة ولا برهان، نعوذ بالله من اتباع الهوى".

стр. 3926

وانظر تضعيف شيخ الإسلام ابن تيمية وابن عبد الهادي وابن رجب لهذا الحديث: مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤٣٠)، نصب الراية (١/ ٣٥٣)، فتح الباري (٤/ ٣٦١)، نخب الأفكار (٣/ ٥٦٣). ٤ - عن أم سلمة: أ- روى عمر بن هارون البلخي، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة؛ أن النبي ﷺ كان يقرأ [في الصلاة]: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ فقطَّعها آيةً آيةً، وعدَّها عدَّ الأعراب، وعدَّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آيةً، ولم يَعُدَّ ﴿عَلَيْهِمْ﴾. وفي رواية: حتى عدَّ سبع آيات، عدد الأعراب. أخرجه ابن خزيمة (٤٩٣)، والحاكم (١/ ٢٣٢)، وابن المنذر (٣/ ١١٩/ ١٣٤٥) معلقًا، والطحاوي في المشكل (١٤/ ٨/ ٥٤٠٧)، والسهمي في تاريخ جرجان (١٠٤)، وأبو أحمد الحاكم في شعار أصحاب الحديث (٣٧)، والدارقطني (١/ ٣٠٧)، وأبو إسحاق الثعلبي في الكشف والبيان (١/ ١٠٣)، وجعفر المستغفري في فضائل القرآن (١/ ٤٣٩/ ٥٦٢)، وأبو عمرو الداني في البيان في عد آي القرآن (٥٤ و ٦٢ و ٦٣ و ٦٦)، والبيهقي في السنن (٢/ ٤٤)، وفي المعرفة (١/ ٥١١ و ٥١٢/ ٧٠١ - ٧٥٣)، وفى الشعب (٢/ ٤٣٤ و ٤٣٥/ ٢٣١٨ و ٢٣٢٠)، والواحدي في الوسيط (١/ ٦٠). قال الحاكم: "عمر بن هارون أصل في السُّنَّة، ولم يخرجاه، وإنما أخرجته شاهدًا". فتعقبه الذهبي بقوله: "أجمعوا على ضعفه، وقال النسائي: متروك". وقال البيهقي في المعرفة مقويًا روايته مستشهدًا بها: "هذا التفسير يوافق جملة ما رواه أصحاب ابن جريج عن ابن جريج، والاحتجاج وقع بروايتهم"، وقال عن عمر بن هارون في السنن: "وليس بالقوي". قلت: هو حديث منكر بهذا السياق، وعمر بن هارون البلخي: متروك، واتهم، روى عن ابن جريج مناكير، وله عنه ما لا يُتابع عليه [التهذيب (٢٥٣/ ٣)]، وقد أطال ابن عبد الهادي في ردِّ روايته تلك من وجوه كثيرة [انظر: نصب الراية (١/ ٣٥٠)، نخب الأفكار (٣/ ٥٨٠)]. وقال الذهبي في تهذيب سنن البيهقي (١/ ٤٩٦): "هذا خبر منكر، شذ به عمر، وقد قال ابن معين وغيره: كذاب، وقال النسائي وغيره: متروك، وأيضًا فإن كان عدَّها بلسانه في الصلاة فذلك منافٍ للصلاة، وإن كان بأصابعه فلا يدل على أنها آية، ولا بد من الفاتحة". وقال ابن رجب في الفتح (٤/ ٣٦٠): "وعمر بن هارون لا يلتفت إلى ما تفرد به، وقد يكون ابن جريج عدَّها آية، أو ابن أبي مليكة، ومن زعم أنه صحيح؛ لتخريج ابن

стр. 3927

خزيمة له؛ فقد وهم، ومن زعم من متقدمي الفقهاء [يعني: البويطي] أن حفص بن غياث رواه عن ابن جريج كذلك وأنه أخبره به عنه غير واحد، فقد وهم، ورواه بالمعنى الذي فهمه هو، وهو وأمثاله من الفقهاء يروون بالمعنى الذي يفهمونه، فيغيرون معنى الحديث". ب- ورواه يحيى بن المبارك العدوي اليزيدي [المقرئ المشهور، وكان ثقة. تاريخ بغداد (١٤/ ١٤٦)]، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة، قالت: كان رسول الله ﷺ يقرأ: (ملك يوم الدين) بغير ألف حتى مات. أخرجه الذهبي في السير (١٥/ ٣٦٢)، وفي التذكرة (٣/ ٨٥٠). قال الذهبي: "هذا حديث غريب منكر، ويحيى فما علمت أحدًا تعرض إليه بلين، وهو في القراءة حجة، فالله أعلم". ج- ورواه حفص بن غياث، قال: ثنا ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة زوج النبي ﷺ ، قالت: كان النبي ﷺ يقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾، [يقطعها] حرفًا حرفًا. أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٥٦/ ٨٧٢٩) و (٦/ ١٤٠/ ٣٠١٥١) عن حفص به. ومن طريقه: أبو يعلى (١٢/ ٣٥١/ ٦٩٢٠)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٣٩٢/ ٩٣٧)، والحاكم (١/ ٢٣٢)، والبيهقي في المعرفة (١/ ٥١١/ ٧٠٠)، وابن عبد البر في الإنصاف (٥٩)، وفي الاستذكار (١/ ٤٥٧). قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه". وقد اختلف على حفص في لفظ هذا الحديث؛ فرواه ابن أبي شيبة [وهو: ثقة حافظ]، عنه به هكذا. • ورواه عمر بن حفص بن غياث النخعي [ثقة]: حدثنا أبي: حدثنا ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة؛ أن رسول الله ﷺ كان يصلي في بيتها، فيقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ آمين. أخرجه الطحاوي في شرح المعاني (١/ ١٩٩)، وفي المشكل (١٤/ ٦/ ٥٤٠٤). • ورواه هشام بن يونس [التميمي النهشلي الكوفي، وهو: ثقة يغرب]: حدثنا حفص -يعني: ابن غياث-، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة، قالت: قام رسول الله ﷺ من الليل فقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فقطَّعها، وقرأ: (ملك يوم الدين). أخرجه ابن أبي داود في المصاحف (٢٨١). • وقال أبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطي [المصري الفقيه، صاحب الشافعي، ثقة. الجرح والتعديل (٩/ ٢٣٥)، تاريخ بغداد (١٤/ ٢٩٩)، تاريخ الإسلام (١٧/ ٤٢٢)، التقريب (١٠٩٦)]: أخبرني غير واحد عن حفص به، أن رسول الله ﷺ كان إذا قرأ بأم

стр. 3928

القرآن بدأ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يعُدُّها آيةً، ثم قرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يعُدُّها ست آيات. ذكره البيهقي في المعرفة (١/ ٥١٠). وقد أشار ابن رجب إلى أن البويطي قد رواه بالمعنى الذي فهمه هو، فغير معنى الحديث، وتقدم نقل كلامه قريبًا. • ورواه يحيى بن آدم [كوفي، ثقة ثبت]: حدثنا حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن بعض أزواجِ النبي ﷺ -نظنها أم سلمة-، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا قرأ قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ يقطع قراءته، قال: قلت لحفص: قرأ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾؟ فقال: هكذا قال. أخرجه ابن أبي داود في المصاحف (٢٨٢). قال ابن أبي داود: "سمعت أبي يقول في هذا الحديث: إنما هو الحديث في تقطيع القراءة والترسل فيها، وأما قوله: ﴿مَلكِ﴾ فيقال: إنها قراءة ابن جريج، لا أنه رواها عن ابن أبي مليكة". ثم قال ابن أبي داود: حدثنا شعيب بن أيوب [صدوق]: حدثنا يحيى أيعني: ابن آدم، المتقدم ذكره]، قال: قال الكسائي: "قراءتهم -يعني أهل مكة- ﴿مَالِكِ﴾، وإنما روي هذا الحديث لتقطيع القراءة، ولا أدري ما قولهم: ﴿مَالِكِ﴾ ". قال ابن أبي داود: "ومما يدل على أنه كما قال أبي، وكما قال الكسائي؛ أن نافع بن عمر روى هذا الحديث عن ابن أبي مليكة فقال: ﴿مَالِكِ﴾ ". وقال الطحاوي: "وقد يجوز أن يكون نعت أم سلمة قراءة النبي ﷺ كان يقرأ بها ما سمعته يقرؤها بغيره من القرآن، فثبت بتصحيح ما رويناه منها في هذا الباب أنه لا دليل فيما رويناه عنها فيه مما كان رسول الله ﷺ يقرأ به ذلك الحرف، هل هو ملك، أو مالك؟ هذا يحاج به من روى هذا الحديث كما رواه حفص ويحيى بن سعيد الأموي، لا من رواه كما رواه عمر بن هارون". وقال ابن رجب في الفتح (٤/ ٣٥٩) (٦/ ٣٩٩): "وقراءة هذه الآيات على هذا الوجه إنما هو من حكاية ابن جريج لحديث أم سلمة، وقولها: كان النبي ﷺ يقطع قراءته آية آية، كذلك قاله الكسائي وأبو داود السجستاني، حكاه عنهما أبو بكر بن أبي داود في كتابه المصاحف، وكذا قال الإمام أحمد في رواية ابن القاسم، وقالوا: ابن جريج هو الذي قرأ ﴿مَالِكِ﴾، وليس ذلك في حديث أم سلمة". قلت: حفص بن غياث: ثقة، ثبت إذا حدَّث من كتابه، يغلط إذا حدَّث من حفظه، وكان ساء حفظه بعدما استُقضي، وهذا الاختلاف في لفظ هذا الحديث إنما هو من حفص نفسه، اضطرب فيه، والله أعلم. د- ورواه همام بن يحيى [ثقة]، قال: أخبرنا ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم

стр. 3929

سلمة، قالت: كانت قراءة رسول الله ﷺ ، قال: فوصفت: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾، قال: فوصفت حرفًا حرفًا. أخرجه أحمد (٦/ ٣٢٣)، وابن سعد في الطبقات (١/ ٢٨٣ و ٣٧٦)، وأبو عمر الدوري في قراءات النبي ﷺ (٩)، والبيهقي (٢/ ٤٤ و ٥٣). هكذا رواه همام بن يحيى فلم يذكر فيه الصلاة، وظاهر سياقه أن أم سلمة هي التي وصفت قراءة رسول الله ﷺ ، وأن قراءته ﷺ كانت مترسلة حرفًا حرفًا، ولا بد لتحقيق هذا الوصف للسامع تقريبًا له أن تضرب له مثالًا، فذكرت الفاتحة كمثالٍ تبين به كيفية قراءته ﷺ ، وذلك لكون الفاتحة أكثر ما يتلى في الصلاة، والله أعلم. هـ- ورواه يحيى بن سعيد الأموي [ليس به بأس]: ثنا ابن جريج، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن أم سلمة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا قرأ يُقطِّع قراءته آيةً آيةً: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾. هكذا رواه عن يحيى بن سعيد جماعة، منهم: ابنه سعيد، وأحمد بن حنبل، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وأبو خيثمة زهير بن حرب، ومحمود بن خداش، وغيرهم. وفي رواية علي بن حجر وأبي عمر حفص بن عمر الدوري عن يحيى بن سعيد الأموي [عند الترمذي والحاكم والدوري]: كان رسول الله ﷺ يُقطِّع قراءته يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ثم يقف، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ثم يقف، وكان يقرؤها: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. هكذا فلم يذكرا فيها البسملة. أخرجه أَبو داود (٤٠٠١)، والترمذي في الجامع (٢٩٢٧)، وفي الشمائل (٣١٧)، والحاكم (٢/ ٢٣١ و ٢٣٢)، وأحمد (٦/ ٣٠٢)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في فضائل القرآن (١٥٦ - ١٥٧)، وأبو عمر الدوري في قراءات النبي ﷺ (٩)، وأبو يعلى (١٢/ ٤٥٢/ ٧٠٢٢)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١١٩/ ١٣٤٤) و (٥/ ١٥٥/ ٢٥٧٩)، والطحاوي في مشكل الآثار (١٤/ ٨/ ٥٤٠٦)، وأبو جعفر النحاس في القطع والائتناف (٨٦)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٢٧٨/ ٦٠٣)، والدارقطني (١/ ٣١٢)، وأبو إسحاق الثعلبي في الكشف والبيان (١/ ١١٤)، وجعفر المستغفري في فضائل القرآن (١/ ٤٣٩/ ٥٦٣)، وأبو الفضل الرازي في فضائل القرآن (١٨ و ١٩)، والبيهقي في السنن (٢/ ٤٤)، وفي الشعب (٢/ ٤٣٥/ ٢٣١٩) و (٢/ ٥٢٠/ ٢٥٨٧)، وابن عبد البر في الإنصاف (٥٨)، وفي الاستذكار (١/ ٤٥٧)، والخطيب في الجهر بالبسملة (١٩ - مختصره للذهبي)، وفي التاريخ (٩/ ٣٧٢). قال أبو داود: "سمعت أحمد يقول: القراءة القديمة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ". قال الدارقطني: "إسناده صحيح، وكلهم ثقات". وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه". قلت: هكذا قال، مشيًا على ظاهر السند، وقد أعله الإمام الترمذي؛ حيث قال:

стр. 3930

"هذا حديث غريب، وبه يقرأ أبو عبيد ويختاره، وهكذا روى يحيى بن سعيد الأموي وغيره عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة. وليس إسناده بمتصل؛ لأن الليث بن سعد روى هذا الحديث عن ابن أبي مليكة عن يعلى بن مملك عن أم سلمة؛ أنها وصفت قراءة النبي ﷺ حرفًا حرفًا. وحديث الليث: أصح، وليس في حديث الليث: كان يقرأ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. وأعله الطحاوي أيضًا بالانقطاع، فقال في كتابه "الرد على الكرابيسي": "لم يسمع ابن أبي مليكة هذا الحديث من أم سلمة"، واستدل عليه برواية الليث الآتية [البدر المنير (٣/ ٥٥٧)، نخب الأفكار (٣/ ٥٧٩)]. قلت: وما ذهب إليه الترمذي والطحاوي هو الصواب، فإن ابن أبي مليكة لم يسمع هذا الحديث من أم سلمه، وإنما سمعه من يعلى بن مملك، والليث بن سعد: أثبت من ابن جريج: • رواه الليث بن سعد، عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، عن يعلى بن مملك؛ أنه سأل أم سلمة عن قراءة رسول الله ﷺ ، وصلاته؟ فقالت: وما لكم وصلاته! كان يصلي ثم ينام قدر ما صلى، ثم يصلي قدر ما نام، ثم ينام قدر ما صلى حتى يصبح، ثم نعتت قراءته؛ فإذا هي تنعت قراءته حرفًا حرفًا. وفي رواية: فنعنت قراءة رسول الله ﷺ مفسرة حرفًا حرفًا. أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد (٢٣)، وأبو داود (١٤٦٦)، والترمذي في الجامع (٢٩٢٣)، وفي الشمائل (٣١٥)، والنسائي في المجتبى (٢/ ١٨١/ ١٠٢٢) و (٣/ ٢١٤/ ١٦٢٩)، وفي الكبرى (٢/ ٢٨/ ١٠٩٦) و (٢/ ١٤٧/ ١٣٧٩) و (٧/ ٢٧٢ - ٢٧٣/ ٨٠٠٣)، وابن خزيمة (٢/ ١٨٨/ ١١٥٨)، والحاكم (١/ ٣٠٩)، وأحمد (٦/ ٢٩٤ و ٣٥٠)، وابن المبارك في الزهد (١١٩٥)، وفي المسند (٥٦)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في فضائل القرآن (١٥٦)، وابن نصر في قيام الليل (١٧٩ - مختصره)، وجعفر الفريابي في فضائل القرآن (١١٠)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٢٠١)، وفي المشكل (١٤/ ٩/ ٥٤٠٨)، وأبو جحفر النحاس في القطع والائتناف (٨٦)، وأبو الشيخ في أخلاق النبي ﷺ (٣/ ١٤١/ ٥٥٤)، وأبو الفضل الرازي في فضائل القرآن (٢٠)، والبيهقي في السنن (٣/ ١٣)، وفي الشعب (٢/ ٣٩١/ ٢١٥٦)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٤/ ٤٨٢/ ١٢١٦)، وعلقه ابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٥٥/ ٢٥٨٠). قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث ليث بن سعد عن ابن أبي مليكة عن يعلى بن مملك عن أم سلمة. وقد روى ابن جريج هذا الحديث عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة؛ أن النبي ﷺ كان يقطع قراءته، وحديث ليث أصح". وقال النسائي: "يعلى بن مملك: ليس بذاك المشهور".

стр. 3931

وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه". وقال البغوي: "هذا حديث حسن غريب". • وقد اختلف فيه على الليث بن سعد، فرواه عنه جماعة كما تقدم، منهم: عبد الله بن المبارك، وقتيبة بن سعيد، وشعيب بن الليث، ويحيى بن إسحاق السَّيْلَحيني، ويزيد بن خالد بن موهب الرملي، ويحيى بن عبد الله بن بكير، وعيسى بن حماد زغبة، وموسى بن داود الضبي، وعبد الله بن صالح [في رواية البخاري عنه]. وخالفهم: عبد الله بن صالح كاتب الليث، قال: حدثني الليث، عن ابن لهيعة [وهو: ضعيف]، عن ابن أبي مليكة، عن يعلى بن مملك؛ عن أم سلمة أنها نعتت قراءة رسول الله ﷺ ؛ فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفًا حرفًا. أخرجه الطبراني في الكبير (٢٣/ ٦٤٦/٢٩٢). وهي رواية منكرة عن اليث، والمعروف عنه روايته عن ابن أبي مليكة بلا واسطة، وعبد الله بن صالح: صدوق، كثير الغلط، ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة، وشيخ الطبراني: مطلب بن شعيب الأزدي، وهو: صدوق، له عن أبي صالح حديث منكر، ولا أستبعد أن يكون هذا أيضًا من مناكيره [اللسان (٨/ ٨٦)]، فإن البخاري قد رواه عن ابن صالح كالجماعة، والله أعلم. • وقد روى ابن جريج شطره الأول في صلاة الليل بنفس إسناد الليث، ونحو معناه: قال ابن جريج: حدثني أبي، قال: حدثنا عبد الله بن أبي مليكة: أخبرني يعلى بن مملك؛ أنه سأل أم سلمة زوج النبي ﷺ عن صلاة النبي ﷺ بالليل؟ قالت: كان يصلي العشاء الآخرة ثم يسبح، ثم يصلي بعدها ما شاء الله من الليل، ثم ينصرف فيرقد مثل ما صلى، ثم يستيقظ من نومته تلك فيصلي مثل ما نام، وصلاته الآخرة تكون إلى الصبح. أخرجه النسائي في المجتبى (٣/ ٢١٤/ ١٦٢٨)، وفي الكبرى (٢/ ١٢٦/ ١٣٢٦)، وابن أبي الدنيا في التهجد وقيام الليل (٤٠٣)، وجعفر الفريابي في فضائل القرآن (١١١)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٤٠٧/ ٩٧٧)، والمزي في التهذيب (١٨/ ١٢٠). هكذا رواه عن ابن جريج: حجاج بن محمد المصيصي الأعور، وأبو عاصم النبيل. وخالفهما: عبد الرزاق، ومحمد بن بكر البرساني، فروياه عن ابن جريج بدون ذكر أبيه في الإسناد، وبإثبات السماع بين ابن جريج وابن أبي مليكة في رواية البرساني، وهي وهم منه، وفي رواية عبد الرزاق: قال: قال ابن أبي مليكة، وفي أكثر الروايات عنه بالعنعنة. أخرجه ابن حبان (٦/ ٣٦٦/ ٢٦٣٩)، وأحمد (٦/ ٢٩٧ و ٣٠٨)، وإسحاق بن راهويه (٤/ ١٥٦/ ١٩٣٥)، وعبد الرزاق (٣/ ٣٨/ ٤٧٠٩)، وابن نصر المروزي في قيام الليل (١٦٣ - مختصره)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٢٩٢/ ٦٤٥). قلت: الذين رووه عن ابن جريج كلهم ثقات، وأثبتهم فيه: حجاج الأعور، والأقرب

стр. 3932

أن ابن جريج رواه مرة موصولًا بذكر أبيه في الإسناد، ودلسه مرة فأسقط أباه، وابن جريج مشهور بالتدليس، والمحفوظ إسناد حجاج وأبي عاصم. وعبد العزيز بن جريج المكي: قال البخاري: "لا يتابع في حديثه"، وتقدم الكلام عليه عند الكلام عن طرق حديث ابن عباس (٧٨٨)، وروايته هناك منكرة، والله أعلم. • وعلى هذا فيكون ابن جريج فصلهما حديثين؛ إلا أنه وهم في حديث نعت القراءة مرتين، مرة في الإسناد حيث أسقط ذكر يعلى بن مملك، ومرة في المتن حيث مثل للقراءة بسورة الفاتحة، وعدِّ البسملة آية منها، وأدرج ذلك في الحديث، ولا يُستبعد أن يكون ابن جريج أدرج التفسير من كلام ابن أبي مليكة، كما يدل على ذلك رواية نافع، والله أعلم. ولا يستبعد أيضًا: أن يكون ابن جريج تحمل الحديثين جميعًا عن أبيه عن ابن أبي مليكة، ثم دلس أحدهما، ولم يذكر أباه في الإسناد، وأما الآخر فكان مرة يدلسه، ومرة يصرح بذكر أبيه، والله أعلم. • وهذا الحديث قد رواه نافع بن عمر الجمحي، عن ابن أبي مليكة، عن بعض أزواج النبي ﷺ قال نافع: أُراها حفصة-، أنها سئلت عن قراءة النبي ﷺ ؟ فقالت: إنكم لا تستطيعونها، فقيل: أخبرينا بها، فقرأت قراءة ترسلت فيها، قال نافع: فحكى لنا ابن أبي مليكة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ثم قطع: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ثم قطع: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. أخرجه أحمد (٦/ ٢٨٨)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢٥٦/ ٨٧٣٤)، وابن أبي داود في المصاحف (٢٨٥). قلت: نافع بن عمر الجمحي: مكي، ثقة ثبت، لكن هذه الرواية مرسلة، لم يسمعها ابن أبي مليكة من أم سلمة [ولم يحفظ نافع اسمها، وظنها حفصة]، بدليل قول ابن أبي مليكة: أنها سئلت عن قراءة النبي ﷺ ؟ فقالت: إنكم لا تستطيعونها، فقيل: أخبرينا بها، وفي رواية ثابتة [عند ابن عبد البر في الإنصاف (٦١)] عن نافع بن عمر الجمحي، قال: سمعت ابن أبي مليكة يحدث عن أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها أنها سئلت … ، فلم يذكر ابن أبي مليكة أنه سمع ذلك منها، وإنما كان يحكي ذلك عنها، وقد بيَّنت رواية الليث بن سعد وعبد العزيز بن جريج أن السائل هو يعلى بن مملك، وأنه هو الذي أخبر ابن أبي مليكة بذلك، فعاد الحديث مرة أخرى إلى يعلى بن مملك، وأن مدار الحديث عليه، وأن هذا الحديث إنما هو في بيان الترسل في القراءة والتاني فيها، وأما ذكر الفاتحة والبسملة وحرف ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ سواء بإثبات الألف أو بحذفها فإنما هو مدرج من كلام ابن أبي مليكة، كما أن ذكر تقطيع القراءة آية آية للوقف على رؤوس الآي: فلا يثبت أيضًا؛ لكونه من رواية ابن جريج، وقد دلسه عن أبيه عبد العزيز، ولا يتابع عليه، كما أن إسناده ليس بمتصل، كما قال الترمذي، وضعفه أيضًا باستغرابه إياه، والله أعلم. وانظر في المناكير: فضائل القرآن للمستغفري (١/ ٤٤١/ ٥٦٦).

стр. 3933

قال ابن رجب في الفتح (٤/ ٣٦٠): "ففي هذه الرواية: تصريح ابن جريج [كذا، وإنما هو نافع، بأن هذه القراءة إنما هي حكاية ما قرأ لهم ابن أبي مليكة. وفي لفظ الحديث اختلاف في ذكر البسملة وإسقاطها، وفي إسناده أيضًا اختلاف؛ فقد أدخل الليث بن سعد في روايته عن ابن أبي مليكة بينه وبين أم سلمة: يعلى بن مملك، وصحح روايته الترمذي وغيره، وقال النسائي في يعلى هذا: ليس بمشهور، وقال بعضهم: عن يعلى عن عائشة، وقد ذكر الاختلاف فيه الدارقطني في علله، وذكر أن عمر بن هارون زاد فيه عن ابن جريج: وعدَّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آية، وعمر بن هارون لا يلتفت إلى ما تفرد به، وقد يكون ابن جريج عدَّها آية، أو ابن أبي مليكة. ومن زعم أنه صحيح؛ لتخريج ابن خزيمة له، فقد وهم. ومن زعم من متقدمي الفقهاء أن حفص بن غياث رواه عن ابن جريج كذلك، وأنه أخبره به عنه غير واحد، فقد وهم، ورواه بالمعنى الذي فهمه هو، وهو وأمثاله من الفقهاء يروون بالمعنى الذي يفهمونه، فيغيرون معنى الحديث. وحديث حفص مشهور، مخرج في المسانيد والسنن باللفظ المشهور". • قلت: والحاصل: فإن حديث أم سلمة [من رواية الليث بن سعد] حديث حسن؛ رجاله ثقات؛ غير يعلى بن مملك، ومدار الحديث عليه: وهو لم يرو عنه سوى ابن أبي مليكة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال النسائي: "يعلى بن مملك: ليس بذاك المشهور"، وفي هذا إشارة إلى جهالة حاله، إذ لم يرو عنه سوى ابن أبي مليكة، وليس له من الحديث إلا الشيء اليسير، وقد سبق أن تكلمت عن قبول حديث المجهول إذا لم يرو منكرًا تحت الحديث رقم (٧٥٩)، عند حديث هُلْب الطائي، ومما قلت هناك: الحكم على الراوي بالجهالة لا يمنع من تصحيح حديثه، فكم من راوٍ حكم أبو حاتم عليه بالجهالة ونحوها ثم صحح حديثه، ثم نقلت بعض النقول في ذلك، ثم قلت: فدل ذلك على أن استقامة حديث الراوي تكفي في قبول حديثه، حتى لو لم يكن مشهورًا بالطلب، لا سيما من كان في طبقة التابعين، والمقصود من هذه النقول بيانُ أن المجهولَ لا يُردُّ حديثه لمجرد جهالته؛ إذ الجهالة وصف لا يلزم منه الجرح، بل يقترن كثيرًا في كلام الأئمة الوصفُ بالجهالة مع التوثيق أو التجريح، ولكن ينظر في حديث المجهول؛ فإن كان حديثه مستقيمًا موافقًا لرواية الثقات صُخح حديثه واغتُفرت جهالته، حيث لم يرو منكرًا، ولم ينفرد عن الثقات بما ليس من حديثهم، لا سيما لو كان من التابعين، وهذا مثل حالتنا هذه، ويعلى بن مملك: صحح له الترمذي هذا الحديث، وصححه أيضًا ابن خزيمة والحاكم، وصحح له الترمذي (٢٠٠٢ و ٢٠١٣)، وابن حبان (٥٦٩٣ و ٥٦٩٥)، وحسن له البزار (١٠/ ٩٨/ ٤٠٣٧)، في الرفق وحسن الخلق، وفي هذا توثيق ضمني من هؤلاء الأئمة ليعلى بن مملك، وأنه لم يرو منكرًا، والله أعلم [انظر: التاريخ الكبير (٨/ ٤١٥)، علل ابن أبي حاتم (٢٢٣٢ و ٢٣٢٣)، الثقات (٥/ ٥٥٦) و (٧/ ٦٥٢)، علل الدارقطني (٦/ ٢٢١/ ١٠٨٧)، التهذيب (٤/ ٤٥١)].

стр. 3934

وموضع الشاهد من حديث يعلى عن أم سلمة: فنعتت قراءة رسول الله ﷺ مفسَّرة حرفًا حرفًا؛ له شاهد في معناه من حديث قتادة، قال: سئل أنس بن مالك: كيف كانت قراءة رسول الله ﷺ ؟ قال: كانت مدًّا، وفي رواية عن قتادة، قال: سألت أنس بن مالك عن قراءة النبي ﷺ ؟ فقال: كان يمدُّ [صوته بالقرآن] مدًّا، وهو حديث صحيح أخرجه البخاري، وتقدم ذكره في الشاهد الأول من حديث أنس، وما الصوت بالقرآن يقتضي الترسُّلَ في القراءة والتأني فيها، والله أعلم. وانظر في الأباطيل: الكشف والبيان (١/ ١٠٤). ٥ - عن ابن عمر: أ- قال الدارقطني: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد [هو ابن عقدة الحافظ]: ثنا أحمد بن رشد بن خثيم الهلالي: ثنا عمي سعيد بن خثيم: نا حنظلة بن أبي سفيان، عن سالم، عن ابن عمر؛ أنه كان يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وذكر أن رسول الله ﷺ كان يجهر بها. أخرجه الدارقطني (١/ ٣٠٤ - ٣٠٥). قلت: وهذا منكر؛ بل باطل من حديث سالم بن عبد الله، ثم من حديث حنظلة بن أبي سفيان الجمحي المكي [وهو: ثقة ثبت، كثير الأصحاب، روى عنه جماعة من الثقات الحفاظ]. والحمل فيه على أحمد بن رشد بن خثيم؛ فإنه متهم، كما قال ابن عبد الهادي، وقد اتهم بحديث أبي الخلفاء، وهو: حديث موضوع، وقد خرجته في كتابي: بحوث حديثية في كتاب الحج، في آخر مبحث: التصدق بوزن شعر المولود فضة، ص (٣٤٤)، وسبق الكلام عن هذا الإسناد عند الكلام عن طرق حديث ابن عباس. ب- وروى عتيق بن يعقوب: ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، وعمه عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن النبي ﷺ كان إذا افتتح الصلاة يبدأ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. أخرجه الطبراني في الأوسط (٨٠٠ و ٨٤١)، وأبو أحمد الحاكم في شعار أصحاب الحديث (٤٠)، والدارقطني (١/ ٣٠٥)، وجعفر المستغفري في فضائل القرآن (١/ ٤٤٢/ ٥٧٠)، والبيهقي (٢/ ٤٨)، والخطيب في الجهر بالبسملة (١٥ - مختصره للذهبي). وانظر: تاريخ بغداد (٣/ ٨٤). قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن عبيد الله إلا ابن أخيه عبد الرحمن، تفرد به: عتيق بن يعقوب". قال البيهقي: "والصواب: موقوف". وكلام الدارقطني في العلل (١٢/ ٣٠٧/ ٢٧٤٠) يشير إلى تصحيح الموقوف. قلت: رفعه منكر؛ عتيق بن يعقوب هو: ابن صديق بن موسى بن عبد الله بن الزبير بن

стр. 3935

العوام أبو يعقوب الزبيري المدني: وهو صدوق، وله أوهام [انظر: سؤالات البرقاني (٣٩٥)، تاريخ الإسلام (١٦/ ٢٧٦)، اللسان (٥/ ٣٧٢)]. وعبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم العمري: متروك، منكر الحديث، يروي عن عمه عبيد الله بن عمر ما ليس من حديثه [التقريب (٣٦٩)، التهذيب (٢/ ٥٢٥)]، وقد رواه أصحاب عبيد الله وأخيه عبد الله عنهما عن نافع به موقوفًا. [وانظر في الأوهام: جزء بيبي (١١٥)]. ج- وقال الدارقطني: حدثنا عمر بن الحسن بن علي الشيباني: أنا جعفر بن محمد بن مروان: ثنا أبو الطاهر أحمد بن عيسى: ثنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄، فكانوا يجهرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. أخرجه الدارقطني في السنن (١/ ٣٠٥)، وفي العلل (١٢/ ٣٠٩/ ٢٧٤٠). قال ابن عبد الهادي: "وهذا باطل من هذا الوجه، لم يحدث به ابن أبي فديك قط، والمتهم به: أحمد بن عيسى بن عبد الله بن محمد أبو طاهر الهاشمي، وقد كذبه الدارقطني، وهو كما قال، فإن من روى مثل هذا الحديث عن مثل محمد بن إسماعيل بن أبي فديك الثقة المشهور المخرج له في الصحيحين، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب الإمام المشهور، عن نافع، عن ابن عمر؛ فإنه يكون كاذبًا في روايته، وعمر بن الحسن الشيباني شيخ الدارقطني: تكلم فيه الدارقطني أيضًا، وقال: هو ضعيف، وقال الخطيب: سألت الحسن بن محمد الخلال عنه؟ فقال: ضعيف، وأما جعفر بن محمد بن مروان من أهل الكوفة: فليس مشهورًا بالعدالة، وقد تكلم فيه الدارقطني أيضًا، وقال: لا يحتج به، وقد روى الحافظ أبو محمد الرامهرمزي في أول كتاب المحدث الفاصل حديثًا موضوعًا لأحمد بن عيسى هو المتهم به، فقال: حدثنا أبو حصين الوادعي: ثنا أبو طاهر أحمد بن عيسى العلوي: ثنا ابن أبي فديك: ثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء، عن ابن عباس، عن علي، قال: قال رسول الله صلى: "اللَّهُمَّ ارحم خلفائي"، قلنا: من خلفاؤك؟ قال: "الذين يروون أحاديثي، ويعلمونها الناس" انتهى، وأبو عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب: وضاع أيضًا، وقد تقدم ذكره في حديث علي بن أبي طالب" [نصب الراية (١/ ٣٤٨)، نخب الأفكار (٣/ ٥٥٩)] [وانظر: البدر المنير (٣/ ٥٦٤)]. وقال ابن حجر في التلخيص (١/ ٤٢٣/ ٣٥١): "وفيه أبو الطاهر أحمد بن عيسى العلوي: وقد كذبه أبو حاتم وغيره، ومن دونه أيضًا: ضعيف، ومجهول". قلت: كما قالا، وهو حديث باطل، وقول ابن حجر: "كذبه أبو حاتم" لعله سبق قلم، وإنما كذبه الدارقطني [وانظر تراجمهم في: اللسان (١/ ٥٦٩) و (٢/ ٤٧١) و (٦/ ٧٨)].

стр. 3936

د- وروى داود بن عطاء، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رسول الله ﷺ قال: "كان جبرائيل ﵇ إذا جاءني بالوحي أول ما يلقي عليَّ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ". أخرجه العقيلي في الضعفاء (٢/ ٣٤)، والطبراني في الأوسط (٤/ ١٠ - ١١/ ٣٤٨٠)، والدارقطني (١/ ٣٠٥). قال العقيلي: "الرواية في هذا الباب فيها لين وضعف". وقال الطبراني: "لم يروه عن موسى بن عقبة إلا داود بن عطاء". قلت: هو حديث منكر؛ تفرد به عن موسى بن عقبة: داود بن عطاء المدني، وهو: منكر الحديث [التهذيب (١/ ٥٦٧)]. هـ- وقال ابن عبد البر في الإنصاف (٦٦): أخبرنا قاسم بن محمد [هو: قاسم بن محمد بن قاسم بن عباس، أبو محمد، يعرف بابن عسلون. جذوة المقتبس (١١٨)، الصلة لابن بشكوال (٢/ ٦٨٤)، تاريخ الإسلام (٢٧/ ٣٣٦)]: حدثنا خالد بن سعد [كان إمامًا في الحديث، حافظًا له، بصيرًا بعلله، عالمًا بطرقه. تاريخ العلماء بالأندلس (٣٩٨)، السير (١٦/ ١٨)، تاريخ الإسلام (٢٦/ ٧٢)،: حدثنا محمد بن إبراهيم [هو: ابن حيُّون الأندلسي الحجاري: ثقة حافظ. الأنساب (٢/ ١٧٥)، السير (١٤/ ٤١٢)، تاريخ الإسلام (٢٣/ ١٧٠)]: حدثني محمد بن أحمد بن عبد الله بن أبي عون النسائي [ثقة حافظ. تاريخ بغداد (١/ ٣١١)، الأنساب (٣/ ٥٦)، السير (١٤/ ٤٣٣)، تاريخ الإسلام (٢٣/ ٤٥٨)]، قدم علينا بغداد حاجًّا سنة سبع وثمانين ومائتين: حدثنا علي بن حجر: حدثنا عبيد الله بن عمرو الرقي، عن عبد الكريم الجزري، عن أبي الزبير، عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ أنه كان إذا قام في الصلاة فأراد أن يقرأ قال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. قال ابن عبد البر: "قد رفعه غيره أيضًا عن ابن عمر، ولا يثبت فيه إلا أنه موقوف على ابن عمر من فعله، والله أعلم، كذلك رواه سالم ونافع ويزيد الفقير عن ابن عمر". وذكر الدارقطني في العلل (١٢/ ٣٠٨/ ٢٧٤٠) أن أبا الزبير يرويه فيمن يرويه عن ابن عمر موقوفًا. قلت: لعل الواهم في رفعه هو شيخ ابن عبد البر؛ فإنه: مجهول الحال، وقد رواه موقوفًا من هذا الوجه: جعفر المستغفري في فضائل القرآن (١/ ٤٤٢ - ٤٤٣/ ٥٧١)، قال: أخبرنا ابن أبي توبة [كذا، وهو: أبو أحمد محمد بن أحمد بن أبي توبة، أو: محمد بن أحمد بن توبة المروزي البزاز، ولم أعثر له على ترجمة. وانظر: شرح السُّنَّة للبغوي (٩/ ٢٧١)، تاريخ دمشق (١٤/ ٣٩٩)، صفوة التصوف (٧٥٤)]: أخبرنا يحيى بن ساسويه [يحيى بن ساسويه بن عبد الكريم الذهلي، وقيل: الرقاشي: محدث مروزي مشهور، قال الدارقطني في غرائب مالك عن إسنادٍ هو أحد رجاله: "ورجاله كلهم معروفون بالثقة"، وقال الحاكم عن إسناد أثر عن ابن المبارك: "رواة هذا الحديث عن ابن المبارك كلهم

стр. 3937

ثقات أثبات"، وفيهم يحيى بن ساسويه. اللسان (١/ ٦٠٠)، المستدرك (١/ ٣٢٠)]: حدثنا علي بن حجر: حدثنا عبيد الله -هو: ابن عمرو-، عن عبد الكريم، عن أبي الزبير، عن ابن عمر، أنه كان إذا قام في الصلاة فأراد أن يقرأ قال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فإذا فرغ من فاتحة الكتاب قال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، يجهر بها في فاتحة الكتاب وفي السورة. وهذا موقوف بإسناد صحيح من لدن علي بن حجر فمن فوقه. وانظر أيضًا لابن عمر طرقًا أخرى باطلة، أو موضوعة: نصب الراية (١/ ٣٤٩)، الميزان (٢/ ٣٣٤)، اللسان (٤/ ٣٤٦) و (٧/ ٤٦٦)، التلخيص (١/ ٤٢٣)، نخب الأفكار في شرح معاني الآثار (٣/ ٥٥٩). • قلت: المعروف في هذا عن ابن عمر موقوفًا عليه فعله: رواه أبو أسامة حماد بن أسامة، قال: حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر؛ أنه كان إذا افتتح الصلاة قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فإذا فرغ من الحمد قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٦٢/ ٤١٥٥)، وإسناده صحيح. ورواه ابن جريج، وعبد العزيز بن أبي رواد، وأيوب السختياني، وأسماء بن عبيد الضبعي، وأسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر العمري: كلهم عن نافع عن ابن عمر به موقوفًا عليه. قال ابن جريج: أخبرني نافع؛ أن ابن عمر كان لا يدع ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، يفتتح القراءة بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وفي رواية له: كان لا يدع ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قبل السورة وبعدها، إذا قرأ بسورة أخرى في الصلاة. أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٩٠/ ٢٦٠٨)، والشافعي في الأم (٢/ ٢٤٧/ ٢١٥)، وفي المسند (٣٧)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في فضائل القرآن (٢١٨)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٢٦/ ١٣٥٥)، والطحاوي (١/ ٢٠٠)، وجعفر المستغفري في فضائل القرآن (١/ ٤٤٣/ ٥٧٢ و ٥٧٣)، وأبو عمرو الداني في البيان في عد آي القرآن (٥١ و ٥٢)، والبيهقي في السنن (٢/ ٤٣ - ٤٤ و ٤٨ و ٤٩)، وفي المعرفة (١/ ٥٢٠/ ٧١٧)، وفي الشعب (٢/ ٤٣٩/ ٢٣٣٥ و ٢٣٣٦)، والخطيب في الجهر بالبسملة (١٦ و ٢٠ - مختصره للذهبي). قال البيهقي: "هذا هو الصحيح: موقوف". وقال الذهبي: "هذا صحيح عن ابن عمر"، وقال أيضًا: "وهذا الصحيح وقفه". وقال ابن حجر في الدراية (١/ ١٣١): "والصواب عن ابن عمر: موقوف"، وكذا في التلخيص (١/ ٤٢٣). وانظر في الأوهام: مصنف عبد الرزاق (٢/ ٩٢/ ٢٦٢٠)، فضائل القرآن للمستغفري (١/ ٤٥٦/ ٥٩٨)، مختصر الجهر بالبسملة للخطيب (٢٣).

стр. 3938

• وروى أبو بكر النهشلي [صدوق]، ومسعر بن كدام [ثقة ثبت]: عن يزيد الفقير، عن ابن عمر ﵄؛ أنه كان يفتتح القراءة بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. أخرجه الطحاوي (١/ ٢٠٠)، وجعفر المستغفري في فضائل القرآن (٥٧٤ و ٥٧٥)، والبيهقي في المعرفة (١/ ٧١٨/٥٢٠). وإسناده صحيح. ٦ - عن علي بن أبي طالب: أ- روى سليمان بن عبد العزيز بن أبي ثابت: ثنا عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن، عن أبيه [وثقه ابن معين، وقال البخاري: "فيه نظر"، العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٥٠٦/ ٣٣٣٤)، تاريخ ابن معين للدوري (٣/ ٢٤٥/ ١١٥٢)، ضعفاء العقيلي (٤/ ١٥٩)، الجرح والتعديل (٨/ ١٥٠)، الكامل (٦/ ٣٤٦)، تاريخ بغداد (١٣/ ٢٥)، تاريخ دمشق (٦٠/ ٤٤٣)، اللسان (٨/ ٢٠٨)]، عن جده عبد الله بن الحسن بن الحسن [ثقة]، عن أبيه [صدوق]، عن الحسن بن علي، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كان النبي ﷺ يقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في صلاته. أخرجه الدارقطني (١/ ٣٠٢)، ومن طريقه: الخطيب في تاريخ بغداد (٢/ ٢٧٢)، وابن الجوزي في التحقيق (٤٤٧). قال الدارقطني: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن حماد بن إسحاق [ثقة. سنن الدارقطني (٢/ ١٦١)، سؤالات السهمي (١٧٩)، تاريخ بغداد (٦/ ٦١)، تاريخ الإسلام (٢٤/ ١٢٤)]: حدثني أخي محمد بن حماد بن إسحاق: ثنا سليمان به. قال الدارقطني: "هذا إسناد علوي لا بأس به" [المجموع (٣/ ٢٩٧)، نصب الراية (١/ ٣٢٥)]. وقال المزي: "هذا إسناد لا يقوم به حجة، وسليمان هذا لا أعرفه" [نصب الراية (١/ ٣٢٥)، التنقيح (١/ ٣٤٧)]. قلت: هو سليمان بن عبد العزيز بن عمران بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف الزهري: روى عنه جماعة، وهو مجهول الحال، ويبدو أنه المترجم له في اللسان، فإنه من نفس الطبقة، وقد جهَّله ابن القطان الفاسي [تاريخ الطبري (٤/ ١٩٠)، معجم الصحابة لابن قانع (٢/ ٢٨٢)، الشريعة للآجري (٤/ ١٩٢٤/ ١٣٩٩)، معرفة الصحابة لأبي نعيم (١/ ٤٤/ ١٦٠)، بيان الوهم (٣/ ١٢٠/ ٨١٤)، اللسان (٤/ ١٦٢)]. وشيخه عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن: لم أقف له على ترجمة، وهو: مجهول الحال، قليل الرواية جدًّا، بل له ما يُنكَر؛ فلا تغتر بحكم الدارقطني؛ فإنه تساهل منه لنصرة المذهب. ومحمد بن حماد بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد بن درهم الأزدي

стр. 3939

القاضي: حدث عن سليمان بن عبد العزيز بن أبي ثابت المديني، روى عنه أخوه إبراهيم بن حماد، قاله الخطيب البغدادي، وقال محمد بن خلف وكيع: "استقضي محمد بن حماد بن إسحاق على البصرة قبل يوسف بن يعقوب القاضي والد أبي عمر"، قال: "وكان محمد بن حماد: شابًا عفيفًا سريًا، قد كتب علمًا كثيرًا، وفهم" [أخبار القضاة (٢/ ١٨١)، تاريخ بغداد (٢/ ٢٧٢)، ترتيب المدارك (١/ ٤٧٣)، المنتظم (١٤/ ٣٢٠)]. فهو إسناد لا تقوم به حجة؛ كما قال المزي، والله أعلم. ب- وروى عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، قال: حدثني أبي [قليل الحديث، قال ابن المديني: "هو وسط"، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: "يخطئ ويخالف"، وقال الدارقطني عن إسناد هو فيه عن آبائه: "كلهم ثقات"، وقال عنه في موضع آخر: "صالح"، وقال ابن القطان: "لا تُعرف حاله"، الثقات (٧/ ٢)، سؤالات البرقاني (٨٥)، ضعفاء الدارقطني (٥٣)، بيان الوهم (٤/ ٢٦٩/ ١٨٠٨)، المغني (١/ ٣٥٤)، التهذيب (٢/ ٤٢٧)]، عن أبيه [صدوق]، عن جده [ثقة]، عن علي، قال: كان رسول الله ﷺ يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في السورتين جميعًا. أخرجه الدارقطني (١/ ٣٠٢). قلت: هو حديث منكر؛ وهو من أباطيل عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب الهاشمي، وكنيته أبو بكر، قال أبو حاتم: "لم يكن بقوي الحديث"، وقال ابن حبان: "في حديثه بعض المناكير"، وقال أيضًا: "يروي عن أبيه عن آبائه أشياء موضوعة، لا يحل الاحتجاج به، كأنه كان يهِم ويخطئ؛ حتى كان يجيء بالأشياء الموضوعة عن أسلافه، فبطل الاحتجاج بما يرويه لما وصفت"، وذكر له ابن عدي مناكير وأباطيل كثيرة، ثم قال: "ولعيسى بن عبد الله هذا غير ما ذكرت، وعامة ما يرويه لا يتابَع عليه"، وقد أخرج الدارقطني نفسه لعيسى هذا بهذا الإسناد حديثًا آخر في السنن (٢/ ٢٦٣)، ثم قال: "عيسى بن عبد الله يقال له: مبارك، وهو متروك الحديث"، وقال أبو نعيم الأصبهاني: "روى عن أبيه عن آبائه أحاديث مناكير، لا يكتب حديثه، لا شيء"، وفي تخريج الغساني للأحاديث الضعاف من سنن الدارقطني (٢٢٧): "عيسى بن عبد الله: ضعيف الحديث" [الجرح والتعديل (٦/ ٢٨٠)، الثقات (٨/ ٤٩٢)، المجروحين (٢/ ١٢١)، الكامل (٥/ ٢٤٢)، الضعفاء لأبي نعيم (١٧٦)، بيان الوهم (٣/ ٤٥٢/ ١٢١٢)، اللسان (٦/ ٢٦٩)]. ج- وروى أحمد بن الحسن المقري: ثنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد: حدثني عم أبي الحسين بن موسى: حدثني أبي موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين، عن أبيه علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "كيف تقرأ إذا قمت إلى الصلاة؟ " قلت: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فقال: "قل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ".

стр. 3940

أخرجه الدارقطني (١/ ٣٠٢)، قال: ثنا أبو الحسن علي بن دُليل الأخباري [هو: علي بن الحسن بن دُليل بن إسماعيل، أبو الحسن الدلال البغدادي؛ قال الخطيب: "كان ثقة"، تاريخ بغداد (١١/ ٣٨٣)]: ثنا أحمد بن الحسن المقري به. وهذا حديث باطل بهذا الإسناد؛ فالإسناد من لدن موسى بن جعفر الكاظم عن آبائه إسناد صحيح، والحسين بن موسى بن جعفر: لم أقف له على ترجمة، والراوي عنه: ترجم له الخطيب في تاريخه (٢/ ٣٧)، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، فهما مجهولان، وأحمد بن الحسن بن علي بن الحسين، أبو علي المقرئ، المعروف بدبيس الخياط: قال الدارقطني: "ليس بثقة"، وقال الخطيب: "منكر الحديث" [تاريخ بغداد (٤/ ٨٨)، اللسان (١/ ٤٣١)]. د- وروى محمد بن القاسم بن زكريا [كذاب، يحدث بما لم يسمع، يؤمن بالرجعة. سؤالات حمزة السهمي (٣٨ و ٦٩)، المغني (٢/ ٦٢٥)، السير (١٥/ ٧٣)، اللسان (٧/ ٤٤٩)]: ثنا عبد الأعلى بن واصل [ثقة]: ثنا خلاد بن خالد المقري [صدوق. الجرح والتعديل (٣٦٨/ ٣)]: ثنا أسباط بن نصر [ليس بالقوي. التهذيب (١/ ١٠٩)]، عن السدي [إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة: ليس به بأس، وقد ضُعِّف. التهذيب (١/ ١٥٨)]، عن عبد خير، قال: سُئِل عليٌّ ﵁ عن السبع المثاني؛ فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فقيل له: إنما هي ست آيات، فقال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آية. أخرجه الدارقطني (١/ ٣١٣)، ومن طريقه: البيهقي (٢/ ٤٥). قلت: هو حديث باطل. قال ابن عبد البر في الإنصاف (٨١): "وقد روي عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعمار بن ياسر رضي الله تعالى عنهم: أنهم كانوا يجهرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، والطرق عنهم ليست بالقوية". • وقد روي عن علي خلاف ما تقدم: فقد روى إسرائيل بن أبي إسحاق، عن ثوير بن أبي فاختة، عن أبيه، أن عليًّا كان لا يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، كان يجهر بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٨٨/ ٢٦٠١)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٦١/ ٤١٤٦). وهذا موقوف بإسناد ضعيف جدًّا؛ ثوير بن أبي فاختة: ضعفوه، وتركه بعضهم [التهذيب (١/ ٢٧٨)]، وبقية رجاله ثقات. • وروى أبو بكر بن عياش، وهشيم: عن أبي سعد البقال سعيد بن المَرزُبان، عن أبي وائل، قال: وكان عمر وعلي ﵄ لا يجهران بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ولا بالتعوذ، ولا بالتأمين. وفي رواية: كان عليٌّ وابن مسعود، بدل: عمر، وفي رواية هشيم: عن ابن مسعود وحده، لم يقرن به أحدًا.

стр. 3941

أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٦٠/ ٤١٣٧)، والطحاوي (١/ ٢٠٤)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٦٢/ ٩٣٠٤)، وأبو طاهر المخلص في العاشر من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (١٧٦) (٢٣٣١ - المخلصيات). وهذا أيضًا ضعيف؛ أبو سعد البقال سعيد بن المرزبان: ضعيف، مدلس، وقد اضطرب في إسناد هذا الأثر ومتنه [انظر: معجم ابن الأعرابي (٦٢٨)]. • وروى شريك، عن أبي إسحاق، عن أبي وائل؛ أن عليًّا وعمارًا كانا لا يجهران بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٦١/ ٤١٤٩)، ومن طريقه: ابن المنذر (٣/ ١٢٨/ ١٣٦٢). وهذا موقوف بسند قوي. ٧ - عن علي وعمار: أ- روى عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي الطفيل، عن علي وعمار ﵄؛ أنهما سمعا رسول الله ﷺ يجهر في المكتوبات بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في فاتحة القرآن، ويقنت في صلاة الفجر والوتر، ويكبر في دبر الصلوات المكتوبات، من قبل صلاة الفجر غداة عرفة إلى صلاة العصر آخر أيام التشريق يوم دفعة الناس العظمى. أخرجه الدارقطني (١/ ٣٠٢) و (٢/ ٤٠ و ٤٩)، والبيهقي في الشعب (٢/ ٤٣٦/ ٢٣٢٢)، والخطيب في الجهر بالبسملة (١٠ - مختصره للذهبي)، والرافعي في التدوين (٤/ ١٦٥). من طرقٍ عن عمرو بن شمر به، وأحد أسانيده إلى عمرو لا بأس به، والبقية لا تخلو من مقال، وفي بعضها من اتُّهم. قال الذهبي: "وعمرو: متروك، ليس بثقة، وجابر هو الجعفي: ضعيف" [وانظر: بيان الوهم (٣/ ١٠٣/ ٧٩٦)]. وقال ابن حجر في التلخيص (١/ ٤٢٤): "وفيه عمرو بن شمر، وهو: متروك، وجابر: اتهموه بالكذب أيضًا". قلت: فهو حديث باطل؛ وعمرو بن شمر الجعفي: متروك، منكر الحديث، كُذِّب، ورُمِي بالوضع [انظر: اللسان (٦/ ٢١٠)]. ب- ورواه محمد بن حسان السلمي العبدي، عن جابر، عن أبي الطفيل، قال: سمعت علي بن أبي طالب وعمارًا يقولان: إن رسول الله ﷺ كان يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. أخرجه ابن الأعرابي في المعجم (٤٨٩)، والدارقطني (١/ ٣٠٣). محمد بن حسان السلمي: قال أبو حاتم: "مجهول" [الجرح والتعديل (٧/ ٢٣٨)]، والراوي عنه: إبراهيم بن الحكم بن ظهير، وهو: شيعي جلد، قال أبو حاتم: "كذاب"، وضعفه الدارقطني [اللسان (١/ ٢٦٧)].

стр. 3942

فهو مثل سابقه. قال ابن عبد البر في الإنصاف (٨١): "وقد روي عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعمار بن ياسر رضي الله تعالى عنهم: أنهم كانوا يجهرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، والطرق عنهم ليست بالقوية". ج- ورواه الحاكم في مستدركه (١/ ٢٩٩)، وعنه: البيهقي في فضائل الأوقات (٢٢٦)، وفي المعرفة (٣/ ٦١/ ١٩٤٨). قال الحاكم: أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن عقبة الشيباني بالكوفة: ثنا إبراهيم بن أبي العنبس القاضي: ثنا سعيد بن عثمان الخراز: ثنا عبد الرحمن بن سعد المؤذن: ثنا فطر بن خليفة، عن أبي الطفيل، عن علي وعمار؛ أن النبي ﷺ كان يجهر في المكتوبات بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وكان يقنت في صلاة الفجر، وكان يكبر من يوم عرفة صلاة الغداة، ويقطعها صلاة العصر آخر أيام التشريق [انظر: الإتحاف (١١/ ٤٥٩/ ١٤٤٢٦)]. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولا أعلم في رواته منسوبًا إلى الجرح". وقال البيهقي في المعرفة: "وهذا الحديث مشهور بعمرو بن شمر عن جابر الجعفي عن أبي الطفيل، وكلا الإسنادين ضعيف، وهذا أمثلهما" [انظر: نصب الراية (١/ ٣٤٤)]. قال النووي في المجموع (٥/ ٤١): "هذا كلام البيهقي، وهو أتقن من شيخه الحاكم وأشد تحريًا". وتعقَّب الذهبيُّ الحاكمَ في التلخيص بقوله: "هذا خبر واهٍ، كأنه موضوع؛ لأن عبد الرحمن صاحب مناكير، ضعفه ابن معين، وسعيد إن كان الكريزي فهو: ضعيف، وإلا فهو: مجهول" [نصب الراية (١/ ٣٤٤) و (٢/ ٢٢٣)، الأحكام الكبير لابن كثير (٣/ ٤٤)]. وقال ابن عبد الهادي في الجهر بالبسملة: "هذا حديث باطل، ولعله أُدخل عليه" [نصب الراية (١/ ٣٤٤)]. وقال في التنقيح (٢/ ١٩٧): "وهو خبر منكر؛ لأن عبد الرحمن صاحب مناكير، وقد ضعفه يحيى بن معين، وأما سعيد فقال بعضهم: إن كان الكريزي فهو: ضعيف، وإلا فهو: مجهول". وقال الزيلعي: "وتصحيح الحاكم لا يعتدُّ به، سيما في هذا الموضع، فقد عرف تساهله في ذلك". قلت: وهو كما قالوا، وعبد الرحمن بن سعد المؤذن: ضعيف، تقدمت ترجمته في آخر الحديث رقم (٥٠٥)، قبل الحديث رقم (٥٠٦). • والمعروف عن علي وعمار في هذا بخلافه: فقد روى شريك، عن أبي إسحاق، عن أبي وائل؛ أن عليًّا وعمارًا كانا لا يجهران بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.

стр. 3943

أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٦١/ ٤١٤٩)، ومن طريقه: ابن المنذر (٣/ ١٢٨/ ١٣٦٢). وهذا موقوف بسند قوي. ٨ - عن جابر بن عبد الله: رواه الجهم بن عثمان [مجهول، ضعفه الأزدي، وأحاديثه مناكير. اللسان (٢/ ٥٠١)، المغني (١/ ١٣٨)]، وعبد الله بن ميمون القداح [متروك، منكر الحديث]: عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : "كيف تقرأ إذا قمت في الصلاة؟ " قلت: أقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قال: "قل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. أخرجه السهمي في تاريخ جرجان (٤٩١) [ووقع عنده: عن أبيه عن جده، بدل: عن أبيه عن جابر]، والدارقطني (١/ ٣٠٨)، وأبو إسحاق الثعلبي في الكشف والبيان (١/ ١٠٣)، وجعفر المستغفري في فضائل القرآن (١/ ٥٦٧/٤٤١)، والبيهقي في الشعب (٢/ ٤٣٦/ ٢٣٢٣)، والخطيب في الجهر بالبسملة (١٧ - مختصره للذهبي). قال الذهبي: "هذا حديث ضعيف، لا يحتج به". وقال أبو حاتم عن حديثٍ رواه الجهم بن عثمان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده: "هذا حديث منكر، وجهم: مجهول" [العلل (٢/ ٣٠٨/ ٢٤٣٨)]، وأنكر له حديثًا آخر رواه عن عبد الله بن الحسن [العلل (٢/ ٣٠٩/ ٢٤٤٠)]. قلت: وهذا حديث منكر؛ لا يُعرف من حديث جعفر الصادق إلا من رواية المجاهيل والمتروكين. ٩ - عن النعمان بن بشير: روى أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد [ابن عقدة الحافظ الكوفي]: ثنا يعقوب بن يوسف بن زياد الضبي: ثنا أحمد بن حماد الهمداني [ضعفه الدارقطني. اللسان (١/ ٤٤٨)، تخريج الأحاديث الضعاف للغساني (٢٤٠)]، عن فطر بن خليفة [وقع عند المستغفري: عن قطن]، عن أبي الضحى [مسلم بن صبيح]، عن [وعند المستغفري: سمعت، النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله ﷺ : "أمني جبرائيل ﵇ عند الكعبة فجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ". أخرجه الدارقطني (١/ ٣٠٩)، وجعفر المستغفري في فضائل القرآن (٥٧٧). قال الدارقطني: "لا يثبت هذا؛ أحمد بن حماد: ضعيف" [تخريج الأحاديث الضعاف للغساني (٢٤٠)، من تكلم فيه الدارقطني في كتاب السنن لابن زريق (١٧)]. قال المستغفري: "هذا حديث غريب جدًّا، لا أعرفه إلا من حديث ابن عقدة". وقال ابن عبد الهادي: "وهذا حديث منكر؛ بل موضوع، ويعقوب بن يوسف الضبي: ليس بمشهور، وقد فتشت عليه في عدة كتب من الجرح والتعديل فلم أر له ذكرًا أصلًا، ويحتمل أن يكون هذا الحديث مما عملته يداه، وأحمد بن حماد ضعفه الدارقطني،

стр. 3944

وسكوت الدارقطني والخطيب وغيرهما من الحفاظ عن مثل هذا الحديث بعد روايتهم له قبيح جدًّا، ولم يتعلق ابن الجوزي في هذا الحديث إلا على فطر بن خليفة، وهو تقصير منه؛ إذ لو نسب إليه لكان حديثًا حسنًا، وكأنه اعتمد على قول السعدي فيه: هو زائغ غير ثقة، وليس هذا بطائل؛ فإن فطر بن خليفة روى له البخاري في صحيحه، ووثقه أحمد بن حنبل ويحيى القطان وابن معين" [نصب الراية (١/ ٣٤٩)، نخب الأفكار (٣/ ٥٦٠)]. قلت: يعقوب بن يوسف بن زياد أبو إسحاق الضبي الكوفي، شيخ لأبي العباس ابن عقدة، مجهول الحال [فتح الباب (١٦٨)]، ولا يُحتمل من مثله التفرد بهذا، وأبو العباس ابن عقدة، الحافظ المكثر: شيعي، اختلف الناس فيه، ضعفه غير واحد، وقواه آخرون [السير (١٥/ ٣٤٠)، اللسان (١/ ٦٠٣)]؛ فهو حديث منكر باطل. ١٠ - عن سمرة بن جندب: يرويه جعفر بن محمد بن شاكر: حدثنا عفان: حدثنا حماد بن سلمة، عن حُميد، عن الحسن، عن سمرة، قال: كان لرسول الله ﷺ سكتتان: سكتة إذا قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وسكتة إذا فرغ من القراءة، فانكر ذلك عمران بن حصين، فكتبوا إلى أُبيِّ بن كعب، فكتب أن: صدق سمرة. وهو حديث شاذ، والمحفوظ فيه: إذا دخل في الصلاة، بدون ذكر البسملة، وقد تقدم تخريجه والكلام عليه تحت الحديث رقم (٧٧٧). ١١ - عن بريدة بن الحصيب: أ- روى سلمة بن صالح الأحمر، عن يزيد أبي خالد، عن عبد الكريم أبي أمية، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا أخرج من المسجد حتى أخبرك بآية - أو قال: بسورة - لم تنزل على نبي بعد سليمان غيري"، قال: فمشى وتبعته حتى انتهى إلى باب المسجد، فأخرج رجله من أسكُفَّة المسجد، وبقيت الأخرى في المسجد، فقلت بيني وبين نفسي: أنسي؟ قال: فأقبل عليَّ بوجهه، وقال: "بأي شيء تفتح القراءة، إذا افتتحت الصلاة؟ " قال: قلت: بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قال: "هي، هي"، ثم خرج. أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (٩/ ٢٨٧٣/ ١٦٣٠٦) [وفي سنده سقط]، وابن الأعرابي في المعجم (٢/ ٦١٩/ ١٢٢٥)، والطبراني في الأوسط (٦٢٥)، وأبو أحمد الحاكم في شعار أصحاب الحديث (٤١)، والدارقطني في السنن (١/ ٣١٠)، وفي الأفراد (١/ ٢٩١/ ١٥٣٥ - أطرافه)، وهلال الحفار في جزئه عن الحسين بن يحيى القطان (٩٦)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (٢/ ١٥٧) [وفي سنده سقط]، وجعفر المستغفري في فضائل القرآن (١/ ٤٤٠/ ٥٦٥)، والبيهقي (١٠/ ٦٢)، والخطيب في الكفاية (٢٦١). قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن ابن بريدة إلا عبد الكريم، ولا عن عبد الكريم إلا يزيد أبو خالد، تفرد به: سلمة بن صالح".

стр. 3945

وقال الدارقطني: "تفرد به سلمة بن صالح، عن أبي خالد الدالاني، عن عبد الكريم أبي أمية، عن ابن بريدة". وقال البيهقي: "إسناده ضعيف". قلت: تفرد به سلمة بن صالح الأحمر الواسطي: ضعفوه، وتركه بعضهم، وقد روى عن حماد بن أبي سليمان ومحمد بن المنكدر مناكير، فيترك فيهما، ويكتب حديثه في غيرهما [الكامل (٣/ ٣٣٠)، تاريخ بغداد (٩/ ١٣٠)، اللسان (٤/ ١١٨)] [راجع ترجمته تحت الحديث رقم (٦٢٢ و ٧٤٦)]، وشيخه: يزيد بن عبد الرحمن أبو خالد الدالاني: لا بأس به، وشيخه: أبو أمية عبد الكريم بن أبي المخارق: مجمع على ضعفه، وقال النسائي والدارقطني: متروك، وقال أحمد في رواية ابنه عبد الله: "ضعيف"، وفي رواية أبي طالب: "ليس هو بشيء، شبه المتروك" [التهذيب (٢/ ٦٠٣)، الميزان (٢/ ٦٤٦)، الجرح والتعديل (٦/ ٦٠) ". فهو حديث منكر. ب- ورواه سعيد بن عثمان الخراز: حدثنا عمرو بن شمر، عن جابر، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه بريدة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قال عبد الله: وكان عبد الله بن عمر يجهر بها، وعبد الله بن العباس، وابن الحنفية. أخرجه الدارقطني (١/ ٣١٠)، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد: ثنا عبد الله بن أحمد بن المستورد: ثنا سعيد به. وهذا حديث باطل؛ وتقدم الكلام عن جابر بن يزيد الجعفي، وعمرو بن شمر، وسعيد بن عثمان الخراز، وأبي العباس بن عقدة شيخ الدارقطني، وأما عبد الله بن أحمد بن المستورد أبو محمد الأشجعي، فهو شيخ لابن الأعرابي وأبي العباس الأصم وابن عقدة؛ وذكره ابن حبان في الثقات [معجم ابن الأعرابي (١٩١٩)، الثقات (٨/ ٣٦٨)]. ١٢ - عن الحكم بن عمير: روى إبراهيم بن حبيب [في مسجد بني حمان سنة خمس وعشرين ومائتين]: ثنا موسى بن أبي حبيب الطائفي، عن الحكم بن عمير -وكان بدريًّا-، قال: صليت خلف النبي ﷺ فجهر في الصلاة بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في صلاة الليل، وفي صلاة الغداة، وصلاة الجمعة. أخرجه الدارقطني (١/ ٣١٠)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٢/ ٧٢١/ ١٩٢٧)، وجعفر المستغفري في فضائل القرآن (١/ ٥٧٦/٤٤٤). من ثلاث طرق يعتبر بها [وفيهم من يُجهل حاله]، عن إبراهيم بن حبيب به. قال الدارقطني: "موسى بن أبي حبيب: ضعيف" [تخريج الأحاديث الضعاف للغساني (٢٤٢)، من تكلم فيه الدارقطني في كتاب السنن لابن زريق (٤٣٣)].

стр. 3946

وقال ابن عبد البر في الاستيعاب (١/ ٣١٩): "الحكم بن عمرو الثمالى، … ، شهد بدرًا، رُويت عنه أحاديث مناكير من حديث أهل الشام، لا تصح" [انظر: الإصابة (٢/ ١٠٨ و ٢١٤)]. وقال أبو نعيم: "تفرد بالرواية عنه [يعني: عن الحكم، موسى بن أبي حبيب]. وقال ابن عبد الهادي: "وهذا من الأحاديث الغريبة المنكرة؛ بل هو حديث باطل لوجوه: أحدها: أن الحكم بن عمير: ليس بدريًّا، ولا في البدريين أحد اسمه الحكم بن عمير؛ بل لا يعرف له صحبة؛ فإن موسى بن أبي حبيب الراوي عنه: لم يلق صحابيًّا، بل هو مجهول، لا يحتج بحديثه، قال ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل [(٣/ ١٢٥)، وفيه تقديم وتأخير وسقط]: الحكم بن عمير: روى عن النبي ﷺ أحاديث منكرة، لا يذكر سماعًا ولا لقاءًا، روى عنه ابن أخيه موسى بن أبي حبيب، وهو: ضعيف الحديث، سمعت أبي يذكر ذلك، وقال الدارقطني: موسى بن أبي حبيب: شيخ ضعيف الحديث، وقد ذكر الطبراني في معجمه الكبيرِ الحكمَ بن عمير، وقال في نسبته: الثمالي، ثم روى له بضعة عشر حديثًا منكرًا، وكلها من رواية موسى بن أبي حبيب عنه، وروى له ابن عدي في الكامل قريبًا من عشرين حديثًا، ولم يذكر فيها هذا الحديث، والراوي عن موسى هو: إبراهيم بن إسحاق الصيني الكوفي، قال الدارقطني: متروك الحديث، وقال الأزدي: يتكلمون فيه، ويحتمل أن يكون هذا الحديث صنعته، فإن الذين رووا نسخة موسى عن الحكم لم يذكروا هذا الحديث فيها، كبقي بن مخلد وابن عدي والطبراني، وإنما رواه فيما علمنا الدارقطني ثم الخطيب، ووهم الدارقطني فقال: إبراهيم بن حبيب، وإنما هو إبراهيم بن إسحاق، وتبعه الخطيب، وزاد وهمًا ثانيًا فقال: الضبي بالضاد والباء، وإنما هو الصيني بصاد مهملة ونون" [نصب الراية (١/ ٣٤٩ - ٣٥٠)، نخب الأفكار (٣/ ٥٦٠)]. وقال الذهبي في الميزان (٤/ ٢٠٢) في ترجمة موسى بن أبي حبيب: "ضعفه أبو حاتم، وخبره ساقط، وله عن الحكم بن عمير -رجل قيل له صحبة-، والذي أرى أنه لم يلقه، وموسى مع ضعفه متأخر عن لقي صحابي كبير، … "، ثم قال: "قال أحمد بن موسى الحمار -كوفي صويلح-: حدثنا إبراهيم بن إسحاق: حدثنا موسى بن أبي حبيب الطائفي، عن الحكم بن عمير -وكان بدريًّا- قال: صليت خلف النبي ﷺ فجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في صلاة الليل، والغداة والجمعة". قال الذهبي: "هذا حديث منكر، ولا يصح إسناده" [وانظر: آخر المخطوط ق (١٣٧/ ب) مما اختصره الذهبي من كتاب الجهر بالبسملة للخطيب البغدادي وأبي شامة]. وقال ابن حجر في الدراية (١/ ١٣٤): "أخرجه الدارقطني، وإسناده ضعيف، فيه إبراهيم بن إسحاق الضبي، وهو: متروك، ووقع عند الدارقطني: إبراهيم بن حبيب، وهو تغيير". قلت: هذا إسناد تالف؛ وحديث باطل، لا يثبت للحكم بن عمير صحبة [الجرح

стр. 3947

والتعديل (٣/ ١٢٥)، المغني (١/ ١٨٥)، الميزان (١/ ٥٧٨)، اللسان (٣/ ٢٥١)]، وموسى بن أبي حبيب: ذاهب الحديث [اللسان (٨/ ١٩٣)] [انظر ما تحت الحديث السابق برقم (٦١١)، تخريج أحاديث الذكر والدعاء (١/ ١٥٦)]. وأما قول ابن الهادي وقد تبعه على ذلك ابن حجر: "ووهم الدارقطني، فقال: إبراهيم بن حبيب، وإنما هو إبراهيم بن إسحاق … "، فلا يُسلَّم؛ فإنه يستبعد وقوع ذلك؛ وقد تتابع ثلاثة من المصنفين على إخراج هذا الحديث من ثلاثة أوجه مختلفة المخارج، وجاء اسمه في كل منها: إبراهيم بن حبيب، فإن قيل: يعكر على ذلك أن الذهبي ذكره في الميزان من نفس طريق الدارقطني، وقال فيه: إبراهيم بن إسحاق، بدل: إبراهيم بن حبيب، فيقال: يُعارضه -وهو الأصح- أن الدارقطني وابن ماكولا قد ترجما لإبراهيم بن حبيب بهذا الحديث، وذكرا فيمن يروي عنه: أحمد بن موسى الحمار، والله أعلم. ويؤكد أن إبراهيم بن حبيب هذا هو راوي هذا الحديث عن موسى، وليس إبراهيم بن إسحاق الصيني؛ أن ابن ماكولا قد ترجم له في الإكمال (٧/ ٢٢٨) بقوله: "وأما ميِّتة: بعد الميم ياء مشددة معجمة باثنتين من تحتها وبعدها تاء معجمة باثنتين من فوقها، فهو إبراهيم بن حبيب الرواجِني الكوفي، يعرف بابن الميتة، روى عن عبد الله بن مسلم الملائي، وعن موسى بن أبي حبيب عن الحكم بن عمير الثمالي؛ أنه سمع النبي ﷺ يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، روى عنه موسى بن هارون، وأحمد بن موسى الحمار"، وهو نفس ما قال الدارقطني في المؤتلف (٤/ ٢١٢١)، وقال: "روى عنه غير واحد من الكوفيين"، قلت: فهو مجهول الحال، والله أعلم [وانظر: المعجم الأوسط للطبراني (٨/ ١١١/ ٨١٢٧)، الأنساب (٣/ ٩٥) و (٥/ ٤٢٩)، التوضيح (٨/ ٢٧٦)، تبصير المنتبه (٤/ ١٣٢١)]. ١٣ - عن عائشة: رواه يحيى بن حمزة [ثقة]، عن الحكم بن عبد الله بن سعد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة؛ أن رسول الله ﷺ كان يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. أخرجه ابن عدي في الكامل (٢/ ٢٠٣)، والدارقطني (١/ ٣١١)، وجعفر المستغفري في فضائل القرآن (١/ ٥٦٩/٤٤٢)، والخطيب في الجهر بالبسملة (١٨ - مختصره للذهبي). قال ابن عدي بعد أن ذكر في ترجمة الحكم جملة من حديثه: "وما أمليت للحكم عن القاسم بن محمد والزهري وغيرهم كلها من الروايات، [و] غير ما ذكرته هاهنا، فكلها مما لا يتابعه الثقات عليه، وضعْفُه بيِّنٌ على حديثه لما [وصححت بعضه من مختصر الكامل للمقريزي (٣٨٩)]. وقال الذهبي: "هذا ضعيف؛ الحكم واهٍ بمرة". قلت: هو حديث موضوع؛ الحكم بن عبد الله بن سعد الأيلي: متروك، منكر الحديث، كذبه جماعة، وقال فيه أحمد: "الحكم بن عبد الله الأيلي: أحاديثه موضوعة" [اللسان (٣/ ٢٤٤)، تاريخ أبي زرعة الدمشقي (١/ ٤٥٣/ ١١٤)، المجروحين (١/ ٢٤٨)].

стр. 3948

١٤ - عن مجالد بن ثور وبشر بن معاوية بن ثور: يرويه إبراهيم بن أحمد بن مروان الواسطي [قال الدارقطني: ليس بالقوي. سؤالات الحاكم (٤٦)، تاريخ بغداد (٦/ ٥)، اللسان (١/ ٢٣٢)]: حدثنا أبو الهيثم البكاء صاعد بن طالب بن نواس بن رياط بن واصل بن كاهل بن مجالد بن ثور بن معاوية بن عبادة بن البكاء: حدثنا أبي طالب، عن أبيه نواس، عن أبيه رياط، عن أبيه واصل، عن أبيه كاهل، عن أبيه مجالد بن ثور، وعن بشر بن معاوية بن ثور -وهو جد صاعد لأمه-، أنهما وفدا على النبي ﷺ ، فعلمهما ياسين، وقراءة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، والمعوذات الثلاث: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، وعلمهم الابتداء بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، والجهر بها في الصلاة، وأنه علمهم ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، … وذكر الحديث بطوله في القراءات. أخرجه ابن المقرئ في المعجم (٥٢)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (١/ ٣٩٣/ ١١٨٢) و (٥/ ٢٦٠٥/ ٦٢٧٥). قال ابن الجوزي في التحقيق (١/ ٣٥٦): "يرويه صاعد بن طالب بن نواس، يرفعه كل واحد عن أبٍ إلى أبٍ إلى رسول الله ﷺ ، وكلهم مجاهيل". وقال ابن حجر في الإصابة (١/ ٣٠٦): "وإسناده مجهول من صاعدٍ فصاعدًا". ١٥ - عن طلحة بن عبيد الله: يرويه سليم بن مسلم المكي، عن نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة، عن طلحة بن عبيد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "من ترك ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فقد ترك آية من كتاب الله ، وقد عدَّها عليَّ فيما عدَّ من أم الكتاب". أخرجه ابن الأعرابي في المعجم (١/ ٤٠٣/ ٧٧٥)، وأبو إسحاق الثعلبي في الكشف والبيان (١/ ١٠٤)، وابن بشران في الأمالي (١٥١). وهو حديث باطل؛ سَليم بن مسلم الحساب: متروك، منكر الحديث [اللسان (٤/ ١٨٩)]، وإنما يُعرف هذا عن نافع بن عمر الجمحي، عن ابن أبي مليكة، عن بعض أزواج النبي ﷺ قال نافع: أُراها حفصة-، أنها سئلت عن قراءة النبي ﷺ ؟ … ، وتقدم ذكره تحت حديث أم سلمة. وانظر أيضًا: الموضوعات لابن الجوزي (٢/ ٥٥ و ١٢٣). • وحاصل ما تقدم: أنه لا يصح للقائلين بالجهر بالبسملة حديث؛ وأصح ما احتجوا به حديث نعيم المجمر عن أبي هريرة، وتقدم الكلام عليه في موضعه. قال العقيلي: "لا يصح في الجهر بالبسملة حديث مسند" [الفتح لابن رجب (٤/ ٣٧٢)]. وقال الدارقطني: "كل ما روي عن النبي ﷺ من الجهر فليس بصحيح" [التحقيق (١/ ٣٥٦)].

стр. 3949

• والخلاصة: أنه قد صح في باب عدم الجهر بالبسملة، أو افتتاح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: حديث أنس، وعائشة، وأبي هريرة، ويستشهد في الباب بحديث عبد الله بن مغفل، ولا حجة للمخالف، والله أعلم. • قال الترمذي بعد حديث قتادة عن أنس (٢٤٦): "والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، والتابعين ومن بعدهم: كانوا يستفتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال الشافعي: إنما معنى هذا الحديث: أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يفتتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، معناه: أنهم كانوا يبدؤون بقراءة فاتحة الكتاب قبل السورة، وليس معناه: أنهم كانوا لا يقرؤون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وكان الشافعي يرى: أن يبدأ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وأن يجهر بها إذا جهر بالقراءة" [وانظر: الأم (٢/ ٢٤٤)، سنن البيهقي (٢/ ٥١)، الخلافيات (٢/ ٥٥ - مختصره)، الاعتبار في الناسخ والمنسوخ (١/ ٣٣٧)، [وقد قال الشافعي أيضًا: " ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الآية السابعة فإن تركها أو بعضها لم تُجْزِه الركعة التي تركها فيها"]. وقال الترمذي بعد حديث ابن مغفل (٢٤٤): "والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، منهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم، ومن بعدهم من التابعين، وبه يقول: سفيان الثوري، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق: لا يرون أن يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قالوا: ويقولها في نفسه". وانظر: مسائل أحمد لابنه عبد الله (٢٧٢ - ٢٧٤)، ولابنه صالح (٤١٥)، ومسائل الكوسج (١٩٩)، ومسائل ابن هانئ (٢٤٧ و ٢٥٢ و ٢٦٤)، ومسائل أبي داود (٢١٤ - ٢١٨)، ومسائل مهنا (١/ ١٥٣ - ١٥٦)، والانتصار (٢/ ٢٣٩)، وغيرها. وقال ابن عبد البر في الإنصاف (٣): "فذهب مالك رضي الله تعالى عنه وأصحابه إلى أنها لا تقرأ في أول فاتحة الكتاب في شيء من الصلوات، لا سرًّا ولا جهرًا، وليست عندهم آية من أم القرآن، ولا من غيرها من سور القرآن؛ إلا في سورة النمل في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠)﴾ [النمل: ٣٠]، وإن الله لم ينزلها في كتابه في غير هذا الموضع من سورة النمل، وروي مثل قول مالك في ذلك كله عن الأوزاعي، وبذلك قال أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري، وأجاز مالك وأصحابه قراءة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في صلاة النافلة في أول فاتحة الكتاب، وفي سائر سور القرآن للمتهجدين، ولمن يعرض القرآن عرضًا على المقرئين، وأم القرآن عندهم سبع آيات يعاون ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ آية، وهو عدُّ أهل المدينة من القراء وأهل الشام وأهل البصرة. وقال أهل العراق والمشرق، وسفيان الثوري، وابن أبي ليلى، والحسن بن حي، وأبو حنيفة وأصحابه، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد القاسم بن سلام: يقرأ الإمام في أول فاتحة الكتاب: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ويخفيها عمن خلفه، وروي

стр. 3950

ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي ﵃، على اختلاف في ذلك عن عمر وعلي، ولم يختلف عن ابن مسعود في أنه كان يخفيها، وهو قول إبراهيم النخعي، والحكم بن عتيبة، وحماد بن أبي سليمان، وغيرهم، وهي آية من أول فاتحة الكتاب عند جماعة قراء الكوفيين، وجمهور فقهائهم، إلا أن السُّنَّة عندهم فيها إخفاؤها في صلاة الجهر تسليمًا، واتباعًا للآثار المرفوعة في ذلك. وقال الكرخي وغيره من أصحاب أبي حنيفة: إنه لا يحفظ عنه هل هي آية من فاتحة الكتاب أم لا؟ قالوا: ومذهبه يقتضي أنها ليست آية من فاتحة الكتاب؛ لأنه يسر بها في صلاة الجهر وذهب الشافعي، وأصحابه إلى قراءة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في أول فاتحة الكتاب، جهرًا في صلاة الجهر، وسرًّا في صلاة السر، وقال: هي آية من فاتحة الكتاب، أول آياتها، ولا تتم سبع آيات إلا بها، ولا تجزئ صلاة لمن لم يقرأها؛ لقول رسول الله ﷺ ، … ، ومن لم يقرأها كلها فلم يقرأها، وقول أبي ثور في ذلك كله كقول الشافعي، وروي الجهر بها عن عمر وعلي ﵄ على اختلاف عنهما-، وروي ذلك عن عمار، وأبي هريرة، وابن عباس، وابن الزبير، ولم يختلف في الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ عن ابن عمر، وهو الصحيح عن ابن عباس أيضًا، وعليه جماعة أصحابه: سعيد بن جبير، وعطاء، ومجاهد، وطاوس، وهو مذهب ابن شهاب الزهري، وعمرو بن دينار، وابن جريج، ومسلم بن خالد، وسائر أهل مكة. واختلف قول الشافعي وكذلك اختلف أصحابه في ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في غير فاتحة الكتاب: هل هي من أوائل السور آية مضافة إلى كل سورة أم لا؟ وتحصيل مذهبه أنها آية من أول كل سورة، على قول ابن عباس: ما كنا نعلم انقضاء السورة إلا بنزول ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في أول غيرها، وهو قول ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وعطاء، وطاوس، ومكحول، وإليه ذهب ابن المبارك، وطائفة، … " [وانظر أيضًا في بيان مذاهب أهل العلم في هذه المسألة: نصب الراية (١/ ٣٢٧)]. وقال ابن العربي في العارضة (٢/ ٤١): "ثبت بالنقل المتواتر من أهل المدينة إلى زمان مالك أن مسجد رسول الله ﷺ عري عن الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فلا يلتفت بعد التواتر إلى أخبار آحاد شذت عن علماء الصحيح المتقدمين، فجاء هؤلاء وهم المتأخرون"؛ يعني: فأثبتوها وعملوا بها، وقال نحوه في أحكام القرآن (١/ ٧) [ونقله القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١/ ١٣٢)]. وقال ابن الجوزي في التحقيق (١/ ٣٥٦): "وهذه الأحاديث في الجملة لا يحسن بمن له علمٌ بالنَّقل أن يعارض بها الأحاديث الصحاح، ولولا أن يعرِض للمتفقه شبهةٌ عند سماعها فيظنها صحيحة لكان الإضراب عن ذكرها أولى، ويكفي في هجرانها إعراض المصنفين للمسانيد والسنن عن جمهورها، وقد ذكر الدارقطني منها طرفًا في سننه فبيَّن

стр. 3951

ضعف بعضها وسكت عن بعضها، وقد حكى لنا مشايخنا أن الدارقطني لما ورد مصر سأله بعض أهلها تصنيف شيء في الجهر، فصنف فيه جزءًا، فأتاه بعض المالكية فأقسم عليه أن يخبره بالصحيح من ذلك، فقال: كل ما روي عن النبي ﷺ من الجهر فليس بصحيح، فأما عن الصحابة فمنه صحيح، ومنه ضعيف، ثم تجرَّد أبو بكر الخطيب لجمع أحاديث الجهر، فأزرى على علمه بتغطية ما ظن أنه لا ينكشف، وقد حصرنا ما ذكره وبينا وهنه ووهيه على قدر ما يحتمله التعليق، ولم نر أحدًا ممن صنف تعاليق الخلاف ذكر في تعاليقه ما ذكرنا، ولعل أكثرهم لا يهتدي إلى ما فعلنا، وإنما بسطنا الكلام بعض البسط لأن هذه المسألة من أعلام المسائل، وهي شعار المذهب من الجانبين، ومبناها على النقل، ثم إنا بعد هذا نحمل جميع أحاديثهم على أحد أمرين: إما أن يكون جهر بها للتعليم، أو كما يتفق، كما روي أنه كان يصلي بهم الظهر فيسمعهم الآية والآيتين بعد الفاتحة أحيانًا، والثاني: أن يكون ذلك قبل الأمر بترك الجهر"، ثم ذكر مرسل سعيد بن جبير الذي أخرجه أبو داود في المراسيل، وتقدم. وقال ابن دقيق العيد في إحكام الأحكام (١/ ٢٧٠) في شرح حديث أنس: "والمتيقَّن من هذا الحديث عدم الجهر، وأما الترك أصلًا فمحتمل، مع ظهور ذلك في بعض الألفاظ، وهو قوله: لا يذكرون، وقد جمع جماعة من الحفاظ باب الجهر، وهو أحد الأبواب التي يجمعها أهل الحديث، وكثير منها أو الأكثر معتل، وبعضها جيد الإسناد؛ إلا أنه غير مصرَّح فيه بالقراءة في الفرض أو في الصلاة، وبعضها فيه ما يدل على القراءة في الصلاة؛ إلا أنه ليس بصريح الدلالة على خصوص التسمية، ومن صحيحها: حديث نعيم بن عبد الله المجمر، … [ثم ذكره، ثم قال:] وقريب من هذا في الدلالة والصحة: صلاة المعتمر بن سليمان وكان يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قبل فاتحة الكتاب وبعدها، … [ثم ذكره، ثم قال:] وإذا ثبت شيء من ذلك فطريق أصحاب الجهر أنهم يقدمون الإثبات على النفي، ويحملون حديث أنس على عدم السماع، وفي ذلك بُعدٌ مع طول مدة صحبته". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "لكن لم يثبت عن النبي ﷺ أنه كان يجهر بها، وليس في الصحاح ولا السنن حديث صحيح صريح بالجهر، والأحاديث الصريحة بالجهر كلها ضعيفة؛ بل موضوعة، ولهذا لما صنف الدارقطني مصنفًا في ذلك، قيل له: هل في ذلك شيء صحيح؟ فقال: أما عن النبي ﷺ فلا، وأما عن الصحابة فمنه صحيح ومنه ضعيف. ولو كان النبي ﷺ يجهر بها دائمًا لكان الصحابة ينقلون ذلك، ولكان الخلفاء يعلمون ذلك، ولما كان الناس يحتاجون أن يسألوا أنس بن مالك بعد انقضاء عصر الخلفاء، ولما كان الخلفاء الراشدون ثم خلفاء بني أمية وبني العباس كلهم متفقين على ترك الجهر، ولما كان أهل المدينة -وهم أعلم أهل المدائن بسُنَّته- ينكرون قراءتها بالكلية سرًّا وجهرًا،

стр. 3952

والأحاديث الصحيحة تدل على أنها آية من كتاب الله، وليست من الفاتحة ولا غيرها. وقد تنازع العلماء هل هي آية، أو بعض آية من كل سورة، أو ليست من القرآن إلا في سورة النمل، أو هي آية من كتاب الله حيث كتبت في المصاحف وليست من السور، على ثلاثة أقوال. والقول الثالث هو أوسط الأقوال، وبه تجتمع الأدلة؛ فإن كتابة الصحابة لها في المصاحف دليل على أنها من كتاب الله، وكونهم فصلوها عن السورة التي بعدها دليل على أنها ليست منها. وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: "نزلت عليَّ آنفًا سورة" فقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ إلى آخرها. وثبت في الصحيح: أنه أول ما جاء الملك بالوحي قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ١ - ٥] فهذا أول ما نزل، ولم ينزل قبل ذلك: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وثبت عنه في السنن أنه قال: "سورة من القرآن ثلاثون آية، شفعت لرجل حتى غفر له، وهي: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، وهي ثلاثون آية بدون البسملة. وثبت عنه في الصحيح أنه قال: "يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، نصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ " … وذكر الحديث بتمامه، ثم قال: "فهذا الحديث صحيح صريح في أنها ليست من الفاتحة، ولم يعارضه حديث صحيح صريح، وأجود ما يروى في هذا الباب من الحديث إنما يدل على أنه يقرأ بها في أول الفاتحة لا يدل على أنها منها، ولهذا كان القراء منهم من يقرأ بها في أول السورة، ومنهم من لا يقرأ بها، فدل على أن كلا الأمرين سائغ، لكن من قرأ بها كان قد أتى بالأفضل، وكذلك من كرر قراءتها في أول كل سورة كان أحسن ممن ترك قراءتها؛ لأنه قرأ ما كتبته الصحابة في المصاحف، فلو قُدِّر أنهم كتبوها على وجه التبرك لكان ينبغي أن تقرأ على وجه التبرك، وإلا فكيف يكتبون في المصحف ما لا يشرع قراءته؟ وهم قد جرَّدوا المصحف عما ليس من القرآن، حتى أنهم لم يكتبوا التأمين، ولا أسماء السور، ولا التخميس والتعشير، ولا غير ذلك، مع أن السُّنَّة للمصلي أن يقول عقب الفاتحة: آمين، فكيف يكتبون ما لا يشرع أن يقوله؟ وهم لم يكتبوا ما يشرع أن يقوله المصلي من غير القرآن، فإذا جمع بين الأدلة الشرعية دلت على أنها من كتاب الله وليست من السورة. والحديث الصحيح عن أنس ليس فيه نفى قراءة النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان: فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، أو: فلم يكونوا يجهرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ورواية من روى: فلم يكونوا يذكرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في أول قراءة ولا آخرها، إنما تدل على نفي الجهر؛ لأن أنسًا لم ينف إلا ما علم، وهو لا

стр. 3953

يعلم ما كان يقوله النبي ﷺ سرًّا، ولا يمكن أن يقال: إن النبي ﷺ لم يكن يسكت، بل يصل التكبير بالقراءة، فإنه قد ثبت في الصحيحين: أن أبا هريرة قال له: أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة، ماذا تقول؟ ومن تأول حديث أنس على نفي قراءتها سرًّا، فهو مقابل لقول من قال: مراد أنس أنهم كانوا يفتتحون بفاتحة الكتاب قبل غيرها من السور، وهذا أيضًا ضعيف، فإن هذا من العلم العام الذي ما زال الناس يفعلونه، وقد كان الحجاج بن يوسف وغيره من الأمراء الذين صلى خلفهم أنس يقرؤون الفاتحة قبل السورة، ولم ينازع في ذلك أحد، ولا سئل عن ذلك أحد، لا أنس ولا غيره، ولا يحتاج أن يروي أنس هذا عن النبي ﷺ وصاحبيه، ومن روى عن أنس أنه شك: هل كان النبي ﷺ يقرأ البسملة أو لا يقرؤها، فروايته توافق الروايات الصحيحة؛ لأن أنسًا لم يكن يعلم هل قرأها سرًّا أم لا، وإنما نفى الجهر" [المجموع (٢٢/ ٢٧٦)]. وقد سئل أيضًا عن حديث نعيم المجمر عن أبي هريرة، وحديث المعتمر بن سليمان؛ فأجاب: "الحمد لله رب العالمين، أما حديث أنس في نفي الجهر، فهو صريح لا يحتمل هذا التأويل، فإنه قد رواه مسلم في صحيحه فقال فيه: صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، لا يذكرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في أول قراءة ولا في آخرها، وهذا النفي لا يجوز إلا مع العلم بذلك، لا يجوز بمجرد كونه لم يسمع مع إمكان الجهر بلا سماع، واللفظ الآخر الذي في صحيح مسلم: صليت خلف النبي وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدًا منهم يجهر -أو قال: يصلي- بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فهذا نفي فيه السماع، ولو لم يرو إلا هذا اللفظ لم يجز تأويله بأن النبي ﷺ كان يقرأ جهرًا ولا يسمع أنس لوجوه: أحدها: أن أنسًا إنما روى هذا ليبين لهم ما كان النبي ﷺ يفعله، إذ لا غرض للناس في معرفة كون أنس سمع أو لم يسمع إلا ليستدلوا بعدم سماعه على عدم المسموع، فلو لم يكن ما ذكره دليلًا على نفي ذلك لم يكن أنس ليروي شيئًا لا فائدة لهم فيه، ولا كانوا يروون مثل هذا الذي لا يفيدهم. الثاني: أن مثل هذا اللفظ صار دالًا في العرف على عدم ما لم يدرك، فإذا قال: ما سمعنا، أو ما رأينا، لما شأنه أن يسمعه ويراه، كان مقصوده بذلك نفي وجوده، وذكر نفي الإدراك دليل على ذلك، ومعلوم أنه دليل فيما جرت العادة بإدراكه. وهذا يظهر بالوجه الثالث: وهو أن أنسًا كان يخدم النبي ﷺ من حين قدم النبي ﷺ المدينة إلى أن مات، وكان يدخل على نسائه قبل الحجاب، ويصحبه حضرًا وسفرًا، وكان حين حج النبي ﷺ تحت ناقته يسيل عليه لعابها، أفيمكن مع هذا القرب الخاص والصحبة الطويلة أن لا يسمع النبي ﷺ يجهر بها مع كونه يجهر بها، هذا مما يعلم بالضرورة بطلانه في العادة، ثم إنه صحب أبا بكر وعمر وعثمان، وتولى لأبي بكر وعمر ولايات، ولا كان

стр. 3954

يمكن مع طول مدتهم أنهم كانوا يجهرون وهو لا يسمع ذلك، فتبين أن هذا تحريف لا تأويل، لو لم يرو إلا هذا اللفظ، فكيف والآخر صريح في نفي الذكر بها، وهو يفضل هذه الرواية الأخرى، وكلا الروايتين ينفي تأويل من تاول قوله: يفتتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أنه أراد السورة، فإن قوله: يفتتحون بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، لا يذكرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في أول قراءة ولا في آخرها: صريح أنه في قصد الافتتاح بالآية، لا بسورة الفاتحة التي أولها ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، إذ لو كان مقصوده ذلك لتناقض حديثاه. وأيضًا فإن افتتاح الصلاة بالفاتحة قبل السورة هو من العلم الظاهر العام الذي يعرفه الخاص والعام، كما يعلمون أن الركوع قبل السجود، وجميع الأئمة غير النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان يفعلون هذا، ليس في نقل مثل هذا فائدة، ولا هذا مما يحتاج فيه إلى نقل أنس، ولا هم قد سألوه عن ذلك، وليس هذا مما يسأل عنه، وجميع الأئمة من أمراء الأمصار والجيوش وخلفاء بني أمية وبني الزبير وغيرهم ممن أدركه أنس كانوا يفتتحون بالفاتحة، ولم يشتبه هذا على أحد، ولا شك، فكيف يظن أن أنسًا قصد تعريفهم بهذا، وأنهم سألوه عنه، وإنما مثل ذلك مثل أن يقال: فكانوا يصلون الظهر أربعًا، والعصر أربعًا، والمغرب ثلاثًا، أو يقول: فكانوا يجهرون في العشاءين والفجر، ويخافتون في صلاتي الظهرين، أو يقول: فكانوا يجهرون في الأوليين دون الأخيرتين، … "، إلى أن قال: "وأيضًا فمن المعلوم أن الجهر بها مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله، فلو كان النبي ﷺ يجهر بها كالجهر بسائر الفاتحة لم يكن في العادة ولا في الشرع ترك نقل ذلك، بل لو انفرد بنقل مثل هذا الواحد والاثنان لقُطِع بكذبهما؛ إذ التواطؤ فيما تمنع العادة والشرع كتمانه، كالتواطؤ على الكذب فيه، ويمثَّل هذا بكذب دعوى الرافضة في النص على علي في الخلافة وأمثال ذلك. وقد اتفق أهل المعرفة بالحديث على أنه ليس في الجهر بها حديث صريح، … "، إلى أن قال: "فإذا كان أهل المعرفة بالحديث متفقين على أنه ليس في الجهر حديث صحيح ولا صريح؛ فضلًا أن يكون فيها أخبار مستفيضة أو متواترة امتنع أن النبي ﷺ كان يجهر بها، كما يمتنع أن يكون كان يجهر بالاستفتاح والتعوذ ثم لا ينقل. فإن قيل: هذا معارَض بترك الجهر بها، فإنه مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله، ثم هو مع ذلك ليس منقولًا بالتواتر، بل قد تنازع فيه العلماء، كما أن ترك الجهر بتقدير ثبوته كان يداوِم عليه، ثم لم ينقَل نقلًا قاطعًا، بل وقع فيه النزاع". فأجاب عن ذلك بكلام طويل خلاصته: أن الذي تتوافر الهمم والدواعي على نقله في العادة ويجب نقله شرعًا هو الأمور الوجودية بخلاف الأمور العدمية، والتي لا تنقل إلا إذا احتيج إلى نقلها، أو ظُنَّ وجودها.

стр. 3955

ثم جمع بين حديث نعيم المجمر عن أبي هريرة، وبين حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة: "قسمت الصلاة"، بأن الأخير ينفي وجوب قراءتها عند أبي هريرة، ويكون أبو هريرة قرأ بها استحبابًا لا وجوبًا، وأنه إنما قرأ بها ليعرِّفهم استحباب قراءتها، وأن قراءتها مشروعة، كما جهر عمر بالاستفتاح، وكما جهر ابن عباس بقراءة فاتحة الكتاب على الجنازة، ونحو ذلك، فلا يكون هذا مخالفًا لحديث أنس الذي في الصحيح، إلى أن قال: "هذا إن كان الحديث دالًا على أنه جهر بها؛ فإن لفظه ليس صريحًا بذلك من وجهين: أحدهما: أنه قال قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ثم قرأ أم القرآن، ولفظ القراءة محتمل أن يكون قرأها سرًّا، ويكون نعيم علم ذلك بقربه منه، فإن قراءة السر إذا قويت يسمعها من يلي القارئ، ويمكن أن أبا هريرة أخبره بقراءتها، وقد أخبر أبو قتادة بأن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخيرتين بفاتحة الكتاب، وهي قراءة سر، كيف وقد بيَّن في الحديث أنها ليست من الفاتحة، فأراد بذلك وجوب قراءتها! فضلًا عن كون الجهر بها سُنَّة!؟ فإن النزاع في الثاني أضعف. الثاني: أنه لم يخبر عن النبي ﷺ أنه قرأها قبل أم الكتاب، وإنما قال في آخر الصلاة: إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ ، وفي الحديث أنه أمَّن، وكبر في الخفض والرفع، وهذا ونحوه مما كان يتركه الأئمة، فيكون أشبههم برسول الله ﷺ من هذه الوجوه التي فيها ما فعله رسول الله ﷺ وتركوه هم، ولا يلزم إذا كان أشبههم بصلاة رسول الله ﷺ أن تكون صلاته مثل صلاته من كل وجه، ولعل قراءتها مع الجهر أمثل من ترك قراءتها بالكلية عند أبي هريرة، وكان أولئك لا يقرؤونها أصلًا، فيكون قراءتها مع الجهر أشبه عنده بصلاة رسول الله ﷺ ، وإن كان غيره ينازع في ذلك". ثم قال: "وأما حديث المعتمر بن سليمان عن أبيه، فيُعلم أولًا: أن تصحيح الحاكم وحده وتوثيقه وحده لا يوثَق به فيما دون هذا، فكيف في مثل هذا الموضع الذي يعارَض فيه بتوثيق الحاكم، وقد اتفق أهل العلم في الصحيح على خلافه، ومن له أدنى خبرة في الحديث وأهله لا يعارض بتوثيق الحاكم، وقد ثبت في الصحيح خلافه، فإن أهل العلم متفقون على أن الحاكم فيه من التساهل والتسامح في باب التصحيح، حتى أن تصحيحه دون تصحيح الترمذي والدارقطني وأمثالهما بلا نزاع، فكيف بتصحيح البخاري ومسلم، بل تصحيحه دون تصحيح أبي بكر بن خزيمة وأبي حاتم ابن حبان البستي وأمثالهما، بل تصحيح الحافظ أبي عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي في مختاره خير من تصحيح الحاكم، فكتابه في هذا الباب خير من كتاب الحاكم بلا ريب عند من يعرف الحديث، وتحسين الترمذي أحيانًا يكون مثل تصحيحه أو أرجح، وكثيرًا ما يصحح الحاكم أحاديث يُجزم بأنها موضوعة لا أصل لها، فهذا هذا. والمعروف عن سليمان التيمي وابنه معتمر أنهما كانا يجهران بالبسملة، لكن نقله عن أنس هو المنكر، كيف وأصحاب أنس الثقات الأثبات يروون عنه خلاف ذلك، حتى أن

стр. 3956

شعبة سأل قتادة عن هذا، قال: أنت سمعت أنسًا يذكر ذلك؟ قال: نعم، وأخبره باللفظ الصريح المنافي للجهر، ونقل شعبة عن قتادة ما سمعه من أنس في غاية الصحة، وأرفع درجات الصحيح عند أهله، إذ قتادة أحفظ أهل زمانه أو من أحفظهم، وكذلك إتقان شعبة وضبطه هو الغاية عندهم، وهذا مما يرَدُّ به قول من زعم: أن بعض الناس روى حديث أنس بالمعنى الذي فهمه، وأنه لم يكن في لفظه إلا قوله: يستفتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ففهم بعض الرواة من ذلك نفي قراءتها فرواه من عنده، فإن هذا القول لا يقوله إلا من هو أبعد الناس علمًا برواة الحديث وألفاظ روايتهم الصريحة التي لا تقبل التأويل، وبأنهم من العدالة والضبط في الغاية التي لا تحتمل المجازفة، أو أنه مكابر صاحب هوى يتبع هواه، ويدع موجب العلم والدليل. ثم يقال: هب أن المعتمر أخذ صلاته عن أبيه، وأبوه عن أنس، وأنس عن النبي ﷺ ، فهذا مجمل ومحتمل، إذ ليس يمكن أن يثبت كل حكم جزئي من أحكام الصلاة بمثل هذا الإسناد المجمل؛ لأنه من المعلوم أن مع طول الزمان وتعدد الإسناد لا تضبط الجزئيات في أفعال كثيرة متفرقة حق الضبط إلا بنقل مفصل لا مجمل، وإلا فمن المعلوم أن مثل منصور بن المعتمر وحماد بن أبي سليمان والأعمش وغيرهم أخذوا صلاتهم عن إبراهيم النخعي وذويه، وإبراهيم أخذها عن علقمة والأسود ونحوهما، وهم أخذوها عن ابن مسعود، وابن مسعود عن النبي ﷺ ، وهذا الإسناد أجلُّ رجالًا من ذلك الإسناد، وهؤلاء أخذ الصلاة عنهم أبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى وأمثالهم من فقهاء الكوفة، فهل يجوز أن يجعل نفس صلاة هؤلاء هي صلاة رسول الله ﷺ بهذا الإسناد حتى في موارد النزاع، فإن جاز هذا كان هؤلاء لا يجهرون، ولا يرفعون أيديهم إلا في تكبيرة الافتتاح، ويسفرون بالفجر، وأنواع ذلك مما عليه الكوفيون. … لكن مثل هذه الأسانيد المجملة لا يثبت بها أحكام مفصلة تنازع الناس فيها، ولئن جاز ذلك ليكونن مالك أرجح من هؤلاء؛ فإنه لا يستريب عاقل أن الصحابة والتابعين وتابعيهم الذين كانوا بالمدينة أجلُّ قدرًا وأعلم بالسُّنَّة وأتبع لها ممن كان بالكوفة ومكة والبصرة، وقد احتج أصحاب مالك على ترك الجهر بالعمل المستمر بالمدينة، فقالوا: هذا المحراب الذي كان يصلي فيه رسول الله ﷺ ثم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم الأئمة وهلم جرا، ونقلهم لصلاة رسول الله ﷺ نقل متواتر، كلهم شهدوا صلاة رسول الله ﷺ ثم صلاة خلفائه، وكانوا أشدَّ محافظةً على السُّنَّة، وأشد إنكارًا على من خالفها من غيرهم، فيمتنع أن يغيروا صلاة رسول الله ﷺ ، وهذا العمل يقترن به عمل الخلفاء كلهم من بني أمية وبني العباس، فإنهم كلهم لم يكونوا يجهرون، وليس لجميع هؤلاء غرض بالأطباق على تغيير السُّنَّة في مثل هذا، ولا يمكن أن الأئمة كلهم أقرتهم على خلاف السُّنَّة، بل نحن نعلم ضرورةً أن خلفاء المسلمين وملوكهم لا يبدلون سُنَّة لا تتعلق بأمر ملكهم، وما يتعلق بذلك من الأهواء، وليست هذه المسألة مما للملوك فيها غرض.

стр. 3957

وهذه الحجة إذا احتج بها المحتج لم تكن دون تلك، بل نحن نعلم أنها أقوى منها، فإنه لا يشك مسلم أن الجزم بكون صلاة التابعين بالمدينة أشبه بصلاة الصحابة بها، والصحابة بها أشبه صلاة بصلاة رسول الله ﷺ ، أقرب من الجزم بكون صلاة شخص أو شخصين أشبه بصلاة آخر حتى ينتهي ذلك إلى النبي ﷺ ، ولهذا لم يذهب ذاهب قط إلى أن عمل غير أهل المدينة أو إجماعهم حجة، وإنما تنوزع في عمل أهل المدينة وإجماعهم، هل هو حجة أم لا؟ نزاعًا لا يقصر عن عمل غيرهم وإجماع غيرهم إن لم يزد عليه. فتبين دفع ذلك العمل عن سليمان التيمي وابن جريج وأمثالهما بعمل أهل المدينة، لو لم يكن المنقول نقلًا صحيحًا صريحًا عن أنس يخالف ذلك، فكيف والأمر في رواية أنس أظهر وأشهر وأصح وأثبت من أن يعارض بهذا الحديث المجمل الذي لم يثبت، وإنما صححه مثل الحاكم وأمثاله". ثم ذكر حديث معاوية، وأطال أيضًا في رده سندًا ومتنًا من ستة أوجه تقدم ذكرها في موضعه، إلى أن قال: "فهذه الوجوه وأمثالها إذا تدبرها العالم قطع بأن حديث معاوية إما باطل لا حقيقة له، وإما مغيَّر عن وجهه، وإن الذي حدث به بلغه من وجه ليس بصحيح، فحصلت الآفة من انقطاع إسناده. وقيل: هذا الحديث لو كان تقوم به الحجة لكان شاذًا؛ لأنه خلاف ما رواه الناس الثقات الأثبات عن أنس، وعن أهل المدينة وأهل الشام، ومن شرط الحديث الثابت أن لا يكون شاذًا ولا معللًا، وهذا شاذ معلل؛ إن لم يكن من سوء حفظ بعض رواته". ثم ختم بحثه الماتع في هذه المسألة بقوله: "ومع هذا فالصواب: أن ما لا يجهر به قد يشرع الجهر به لمصلحة راجحة، فيشرع للإمام أحيانًا لمثل تعليم المأمومين، ويسوغ للمصلين أن يجهروا بالكلمات اليسيرة أحيانًا، ويسوغ أيضًا أن يترك الإنسان الأفضل لتأليف القلوب واجتماع الكلمة خوفًا من التنفير عما يصلح، كما ترك النبي ﷺ بناء البيت على قواعد إبراهيم لكون قريش كانوا حديثي عهد بالجاهلية، وخشي تنفيرهم بذلك، ورأى أن مصلحة الاجتماع والائتلاف مقدَّمة على مصلحة البناء على قواعد إبراهيم، وقال ابن مسعود لما أكمل الصلاة خلف عثمان، وأنكر عليه، فقيل له في ذلك، فقال: الخلاف شر، ولهذا نص الأئمة كأحمد وغيره على ذلك بالبسملة، وفي وصل الوتر، وغير ذلك مما فيه العدول عن الأفضل إلى الجائز المفضول، مراعاة ائتلاف المأمومين، أو لتعريفهم السُّنَّة، وأمثال ذلك، والله أعلم" [مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤١٠ - ٤٣٧)]. وقال ابن رجب في الفتح (٤/ ٣٦٦): "فمن اتقى وأنصف علم أن حديث أنس الصحيح الثابت لا يدفع بمثل هذه المناكير والغرائب والشواذ التي لم يرض بتخريجها أصحاب الصحاح، ولا أهل السنن مع تساهل بعضهم فيما يخرجه، ولا أهل المسانيد المشهورة مع تساهلهم فيما يخرجونه.

стр. 3958

وإنما جمعت هذه الطرق الكثيرة الغريبة والمنكرة لما اعتنى بهذه المسألة من اعتنى بهما، ودخل في ذلك نوع من الهوى والتعصب، فإن أئمة الإسلام المجتمع عليهم إنما قصدوا اتباع ما ظهر لهم من الحق وسُنَّة رسول الله ﷺ ، لم يكن لهم قصد في غير ذلك ﵃، ثم حدث بعدهم من كان قصده أن تكون كلمة فلان وفلان هي العليا، ولم يكن ذلك قصد أولئك المتقدمين، فجمعوا وكثروا الطرق والروايات الضعيفة والشاذة والمنكرة والغريبة، وعامتها موقوفات رفعها من ليس بحافظ، أو من هو ضعيف لا يحتج به، أو مرسلات وصلها من لا يحتج به، مثلما وصل بعضهم مرسل الزهري في هذا، فجعله عنه، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، ووصلُه باطلٌ قطعًا. والعجب ممن يعلِّل الأحاديث الصحيحة المخرجة في الصحيح بعلل لا تساوي شيئًا، إنما هي تعنت محض، ثم يحتج بمثل هذه الغرائب الشاذة المنكرة، ويزعم أنها صحيحة لا علة لها. وقد اعتنى بهذه المسألة وأفردها بالتصنيف كثير من المحدثين، منهم: محمد بن نصر وابن خزيمة وابن حبان والدارقطني وأبو بكر الخطيب والبيهقي وابن عبد البر وغيرهم من المتأخرين. ولولا خشية الإطالة لذكرنا كل حديث احتجوا به، وبيان أنه لا حجة فيه على الجهر؛ فإنها دائرة بين أمرين: إما حديث صحيح غير صريح، أو حديث صريح غير صحيح". وانظر كلام ابن عبد الهادي في هذا المعنى باستفاضة في نصب الراية (١/ ٣٥٥) [ونقله عنه: العيني في نخب الأفكار في شرح معاني الآثار (٣/ ٥٦٥)]، وكأن ابن رجب اختصر منه المراد، والله أعلم. وقال العيني في نخب الأفكار (٣/ ٥٨٨)، وفي عمدة القاري (٥/ ٢٨٤): "والحديث يدل على أن ترك الجهر عندهم كان ميراثًا عن نبيهم ﷺ يتوارثونه خلَفُهم عن سلَفِهم، وهذا وجهٌ كافٍ في المسألة، ولو كان ﷺ يجهر بها دائمًا لما وقع فيه اختلاف ولا اشتباه، ولكان معلومًا بالاضطرار، ولما قال أنس: لم يجهر بها ﷺ ، ولا خلفاؤه الراشدون، ولا قال عبد الله بن مغفل ذلك أيضًا، وسماه حدثًا، ولما استمر أهل المدينة في محراب النبي ﷺ على ترك الجهر، … ، ولا يظن عاقل أن أكابر الصحابة والتابعين وأكثر أهل العلم، كانوا يواظبون على خلاف ما كان رسول الله ﷺ يفعله". • والعجب بعدما رأيتَ من هذا السرد، وما فيه من بيان الحجج الباهرة، والبراهين الساطعة، على عدم ثبوت حديث واحد صريح في الجهر بالبسملة في الصلاة، في مقابل حديث أنس المتفق على صحته، وهو نص في المسألة، وقد ثبت فيه لفظ عدم الجهر بالبسملة، العجب بعد ذلك أن تقرأ لأبي شامة المقدسي قوله في كتابه المصنف في الجهر بالبسملة: "اعلم أن الأحاديث الواردة في الجهر كثيرة متعددة عن جماعةٍ من الصحابة

стр. 3959

يرتقي عددهم إلى أحد وعشرين صحابيًّا، رووا ذلك عن رسول الله ﷺ ، منهم من صرح بذلك، ومنهم من فُهِم من عبارته، ولم يَرِدْ تصريحُ الإسرار بها عن النبي ﷺ ؛ إلا روايتان: إحداهما: عن ابن مغفل، وهي ضعيفة، والثانية: عن أنس، وهي معللة بما أوجب سقوط الاحتجاج بها. ومنهم من استدل بحديث: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين"، ولا دليل فيه للإسرار. وأما أحاديث الجهر فالحجة قائمة بما شهد له بالصحة منها؛ وهو ما روي عن ستة من الصحابة: أبي هريرة، وأم سلمة، وابن عباس، وأنس، وعلي بن أبي طالب، وسمرة بن جندب ﵃ " [البدر المنير (٣/ ٥٦٩)]. وممن صنف في هذه المسألة تصنيفًا مستقلًا مفردًا: محمد بن نصر المروزي، وابن خزيمة، وابن حبان، والدارقطني، والبيهقي، وابن عبد البر، والخطيب، وأبو شامة، وابن عبد الهادي، وغيرهم، وقد تباينت أقوال الأئمة في هذه المسألة تباينًا شديدًا. قال ابن خزيمة في الصحيح بعد الحديث رقم (٤٩٤): "قد خرجت طرق هذا الخبر وألفاظها في كتاب الصلاة كتاب الكبير، وفي معاني القرآن، وأمليت مسالةً قدر جزئين في الاحتجاج في هذه المسألة أن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آية من كتاب الله في أوائل سور القرآن". وقد ذهب ابن خزيمة إلى الجمع بين الأخبار، ولم يرُدَّ حديث أنس، بل قال بظاهره، حيث قال: "باب ذكر الدليل على أن أنسًا إنما أراد بقوله: لم أسمع أحدًا منهم يقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؛ أي: لم أسمع أحدًا منهم يقرأ جهرًا ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وأنهم كانوا يسِرُّون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في الصلاة، لا كما توهم من لم يشتغل بطلب العلم من مظانه، وطلب الرئاسة قبل تعلم العلم". ومنهم من ذهب إلى تخيير الإمام بين الجهر والإخفات، مثل: ابن خزيمة وابن المنذر [الأوسط (٣/ ١٢٩)]. ومنهم من ذهب إلى أن الاختلاف في هذا كالاختلاف في وجوه القراءات المتواترة، وأن كلَّه حقٌّ، وأنه من الاختلاف في الأحرف السبعة، مثل: ابن حزم، حيث قال في المحلى (٣/ ٢٥٣) بعد أن ذكر بعض ألفاظ حديث أنس: "فهذا يوجب أنهم كانوا يقرؤونها ويُسِرُّون بها، وهذا أيضًا الإيجاب فيه لقراءتها، وكذلك سائر الأخبار"، ثم قال: "والحقُّ من هذا أن النص قد صح بوجوب قراءة أم القرآن فرضًا، ولا يختلف اثنان من أهل الإسلام في أن هذه القراءات حقٌّ كلُّها، مقطوعٌ به، مُبَلَّغة كلُّها إلى رسول الله ﷺ ، عن جبريل ﵇، عن الله ، بنقل المَلَوَان، فقد وجب إذ كلُّها حقٌّ أن يفعل الإنسان في قراءته أيَّ ذلك شاء، وصارت ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في قراءةٍ صحيحةٍ آيةً من أم القرآن، وفي قراءة صحيحة ليست آية من أم القرآن، مثل لفظة: ﴿هُوَ﴾ في قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤)﴾ [الحديد: ٢٤] ".

стр. 3960

ومنهم من ذهب إلى أن الأمر في مثل هذا واسع، وأن القول بالحصر فيه ممتنع، اعتمادًا على تجويز خفاء ذلك، إما لعدم سماع البعيد، أو ضعف سمعه ولو كان قريبًا، أو لكون النبي ﷺ كان يقرأ بها بين الجهر والإخفات، أو لكونه كان يبتدئ القراءة بصوت خفيض ثم يرفعه ويشتد صوته بعد ذلك، أو نحو ذلك من التأويلات، وبني على ذلك أن كل من ذهب فيه إلى رواية فهو مصيب، متمسك بالسُّنَّة، وبنحو ذلك قال الحازمي وغيره [الاعتبار (١/ ٣٤٠)، المعتمد (٢/ ٧٩ و ١٦٧)]. ومنهم من وهَّم أنسًا في نقله عدم الجهر بالبسملة، لكونه كان صغيرًا يصلي وراء الصفوف، فلم يكن يسمع جهره بها، فردَّ ذلك جماعة، منهم: ابن القيم، فقال في كتاب الصلاة وحكم تاركها (١٩٦): "وقدِم رسولُ الله ﷺ المدينةَ ولأنسٍ عشرُ سنين، فخدمه واختص به، وكان يُعدُّ من أهل بيته، وكان غلامًا كيِّسًا فطِنًا، وتوفي رسول الله ﷺ وهو رجل كامل له عشرون سنة، ومع هذا كله فيغلط على رسول الله ﷺ في قراءته وقدر صلاته وكيفية إحرامه، ويستمر غلطه على خلفائه الراشدين من بعده، ويستمر على صلاته في مؤخَّر المسجد حيث لا يسمع قراءة أحد منهم". وقال ابن عبد الهادي في كتابه في الجهر: "وأما جمعهم بين الأحاديث بأنه [يعني: أنسًا، لم يسمعه لبُعده، وأنه كان صبيًّا يومئذ: فمردود؛ لأن رسول الله ﷺ هاجر إلى المدينة ولأنس يومئذٍ عشر سنين، ومات وله عشرون سنة، فكيف يُتصوَّر أن يصلي خلفه عشر سنين فلا يسمعه يومًا من الدهر يجهر، هذا بعيد بل مستحيل، ثم قد روى هذا في زمان رسول الله ﷺ ، فكيف وهو رجل في زمن أبي بكر وعمر، وكهل في زمان عثمان، مع تقدِّمه في زمانهم، وروايته للحديث، وقد روى أنس قال: كان رسول الله ﷺ يحب أن يليه المهاجرون والأنصار ليأخذوا عنه" [نصب الراية (١/ ٣٦١)، نخب الأفكار (٣/ ٥٦٩)، عمدة القاري (٥/ ٢٩١)، الأحكام الكبير لابن كثير (٣/ ٨٢)]. وقاله ابن الجوزي أيضًا في التحقيق (١/ ٣٥٤) ردًّا على من قال بأن حديث أنس شهادة على النفي، فقال: "هذا هو في معنى الإثبات"، ثم ساق هذه الحجة. وانظر: فضائل القرآن لأبي عبيد (٢١٩)، الأوسط لابن المنذر (٣/ ١٢٥)، المسالك في شرح موطأ مالك (٢/ ٣٦١)، عارضة الأحوذي (٢/ ٤٥)، أحكام القرآن (١/ ٦)، القبس في شرح الموطأ (١/ ٢٣٠)، الجامع لأحكام القرآن (١/ ١٢٩)، المغني (١/ ٢٨٥)، المجموع شرح المهذب (٣/ ٢٧٨ - ٣٠٢)، شرح مسلم للنووي (٤/ ١١١)، الشافي في شرح مسند الشافعي لابن الأثير (١/ ٥٤١)، النفح الشذي (٤/ ٣٠١ - ٣٣٨)، الأحكام الكبير لابن كثير (٣/ ٢٤ - ٩٣)، التقييد والإيضاح (١١٦)، النكت لابن حجر (٢/ ٧٤٨ - ٧٧١)، نخب الأفكار في شرح معاني الآثار (٣/ ٥٦٩)، وغيرها كثير. ***
следующие страницы →