Полный текст (16 465 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.
стр. 4061
فدل ذلك على صحة اختيار البخاري لإسناد ابن أبي مليكة، وإدخاله في صحيحه، وأن حديث: ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عروة بن الزبير، عن مروان بن الحكم، قال: قال لي زيد بن ثابت: ما لك تقرأ في المغرب بقصارٍ؟ وقد سمعتُ النبي ﷺ يقرأ بطُولِ الطُّولَيَين: حديث صحيح، أودعه البخاري كتابه الجامع الصحيح.
• قال ابن رجب في الفتح (٤/ ٤٢٩): "ولعل مسلمًا أعرض عن تخريج هذا الحديث لاضطراب إسناده؛ ولأن الصحيح عنده إدخال مروان في إسناده، وهو لا يخرج له استقلالًا، ولا يحتج بروايته، والله أعلم".
قلت: تقدم بيان نفي هذا الاضطراب، وأن المحفوظ فيه رواية ابن أبي مليكة التي أخرجها البخاري.
ومن اعترض على تصحيح الحديث لوجود مروان بن الحكم في إسناده، فيقال له: نعم صدرت من مروان موبقات، لعله كان متأولًا فيها، وأما في الحديث والرواية فإنه صدوق لا يُتَّهم، قال عروة بن الزبير: "كان مروان لا يُتَّهم في الحديث"، ولفظه في التاريخ الكبير: "فلا إخاله يُتَّهم علينا"، وقد قبل روايته واعتمدها، بناءً على صدقه في الحديث: صحابي مشهور، وهو سهل بن سعد الساعدي، وكذلك روى عنه جماعة من كبار فقهاء أهل المدينة وعلمائها، مثل: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ومالك -وهو الحجة في أهل المدينة- قد أخرج له موطئه من حديثه ورأيه، ومن أخرج له مالك في موطئه فهو ثقة عنده، وقد كان مالك من أشد الناس انتقادًا للرجال، فرواية مالك له في موطئه وهو مدني: توثيق له، فقد سأل بشر بن عمر الزهراني مالك بن أنس عن رجل، فقال: "هل رأيته في كتبي؟ " قال: لا، قال: "لو كان ثقة لرأيته في كتبي"، وفي رواية: "أترى في كتبي عنه شيئًا؟ لو كنتُ أرضاه رأيتَ في كتبي عنه"، وقد سبق تقرير هذا القول، ونقل كلام أهل العلم فيه تحت شواهد الحديث السابق برقم (٦٢٣)، ومنها قول ابن الملقن في البدر المنير: "فهذا تصريح من هذا الإمام بأن كل من روى عنه في موطئه يكون ثقةً"، وقال يعقوب بن سفيان الفسوي في المعرفة: "ومن كان من أهل العلم ونصح نفسه: علم أن كل من وضعه مالك في موطئه وأظهر اسمه: ثقة، تقوم به الحجة"، وقد احتج واستشهد البخاري به في مواضع من صحيحه، وصحح له الترمذي [مقدمة صحيح مسلم (١/ ٢٦)، ضعفاء العقيلي (١/ ١٤)، الجرح والتعديل (١/ ٢٤) و (٢/ ٢٢)، المعرفة والتاريخ (٣/ ١٤٤ و ١٦٨)، المحدث الفاصل (٤١٠)، الكامل (١/ ٩١)، التمهيد (١/ ٦٨)، ترتيب المدارك (١/ ٧٥)، بيان الوهم (٤/ ٣٤٩/ ١٩٣٥) و (٥/ ٢٢/ ٢٢٥٧)، شرح مسلم للنووي (١/ ١٢٠)، تهذيب الكمال (٢٧/ ١١٢)، سير أعلام النبلاء (٨/ ٧٢)، البدر المنير (٣/ ٥٤٦)] [التاريخ الكبير (٧/ ٣٦٨)، صحيح البخاري (٧٦٤ و ١٥٦٣ و ١٦٩٥ و ٢٣٠٧ و ٢٨٣٢ و ٣٧١٧ و ٥٣٢١ و ٦١٤٥)، جامع
стр. 4062
الترمذي (٣٠١٤ و ٣٠٣٣)، المراسيل (٧٢٨)، الجرح والتعديل (٨/ ٢٧١)، بيان الوهم (٥/ ٢٣١/ ٢٤٤١)، هدي الساري (٢/ ١١٨٩)، التهذيب (٤/ ٥٠)].
• ومما اعترض به أيضًا على تصحيح هذا الحديث:
معارضته لحديث رافع بن خديج وأنس بن مالك وغيرهما في سرعة انصراف النبي ﷺ من صلاة المغرب:
قال ابن حجر في الفتح (٢/ ٢٤٨): "حديث رافع الذي تقدم في المواقيت: أنهم كانوا ينتضلون بعد صلاة المغرب؛ يدل على تخفيف القراءة فيها، وطريق الجمع بين هذه الأحاديث: أنه ﷺ كان أحيانًا يطيل القراءة في المغرب، إما لبيان الجواز، وإما لعلمه بعدم المشقة على المأمومين".
وقال أيضًا في نتائج الأفكار (١/ ٤٥٨) في الرد على من احتج بحديث حماد، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، قال: كنا نصلي المغرب مع النبي ﷺ ، ثم نرمي فيرى أحدنا موضع نبله [وهو حديث صحيح مخرج في السنن برقم (٤١٦)]، وقد صح أيضًا عن جماعة من الصحابة، وهو مخرج في الصحيحين من حديث رافع بن خديج [البخاري (٥٥٩)، ومسلم (٦٣٧)، راجع تخريجها تحت الحديث رقم (٤١٧)]، قال الطحاوي بعد أن احتج بشيء من هذه الأحاديث في شرح المعاني (١/ ٢١٣): "فلما كان هذا وقتَ انصراف رسول الله ﷺ من صلاة المغرب؛ استحال أن يكون ذلك، وقد قرأ فيها الأعراف ولا نصفها"، فتعقبه ابن حجر بقوله: "الجمع ممكن؛ أي: وهو باختلاف الأحوال، ولا تُرَدُّ الأحاديث الصحيحة بمثل هذا الاعتراض".
قلت: يمكن حمل إنكار زيد بن ثابت على مروان على مداومته على القراءة في المغرب بقصار المفصل، ومجانبته ما عداه، مع أنه ثبت عنه ﷺ أنه قرأ فيها بطوال المفصل وأوساطه، مثل: الطور والمرسلات، بل ذهب زيد إلى أبعد من ذلك وهو أنه قرأ فيها مرةً بالأعراف، لا أنه داوم على ذلك، وهو ظاهر من قوله: رأيتُ وسمعتُ، ومن قال في الرواية: "كان رسول الله ﷺ " والتي تدل على الدوام أو الكثرة، فيمكن حمله على الرواية بالمعنى حتى تأتلف هذه الأحاديث التي في الباب، وحتى يمكن الجمع بينها وبين عمل الصحابة، ومن وجه آخر: أنه لو كان ﷺ يداوم على القراءة في المغرب بالأعراف لكان ذلك سُنَّة لا تخفى على الخلفاء الراشدين فمن بعدهم، ولنُقل ذلك إلينا نقلًا متواترًا عن عدد من الصحابة لكون ذلك مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله لمخالفته العادة، حيث إن الصلاة في هذه الحال سوف تستغرق وقت صلاة المغرب حتى يدخل وقت العشاء، أو يكاد، فلما لم ينقل هذا إلينا لا سيما مع وجود من يقول بأن وقت المغرب وقت مضيقٌ، وقتًا واحدًا، وأنها تصلَّى بمجرد غروب الشمس، من غير تطويل القراءة فيها، فإن هذا كله يجعل النفس تميل إلى أن النبي ﷺ فعل ذلك مرة واحدة، أو كان فعله لها نادرًا، بحسب ما اقتضته مصلحة حاضرة، والله أعلم.
стр. 4063
• ومما روي في هذا الباب أيضًا:
١ - حديث ابن عمر:
يرويه يحيى بن معين [ثقة حافظ، إمام حجة]، والحسين بن حريث أبو عمار المروزي [ثقة]:
عن أبي معاوية، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قرأ بهم في المغرب بـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٦٧].
أخرجه ابن حبان (٥/ ١٤٣/ ١٨٣٥)، ووكيع في أخبار القضاة (٣/ ١٩٧)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٣٧٢/ ١٣٣٨٠)، وفي الأوسط (٢/ ٥٧/ ١٢٣٩) و (٢/ ٢٠٦/ ١٧٤٢)، وفي الصغير (١١٧)، والدارقطني في الأفراد (١/ ٥٧٦/ ٣٣٤٤ - أطرافه).
قال وكيع: "قيل: إن أبا معاوية غلِط في رفعه".
وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن عبيد الله إلا أبو معاوية، تفرد به الحسين".
وقال الدارقطني: "غريب من حديث عبيد الله بن عمر عن نافع، لم يسنده غير أبي معاوية، وكذلك رواه يحيى بن معين عن أبي معاوية مرفوعًا".
وقال ابن حجر في نتائج الأفكار (١/ ٤٥١): "هذا حديث غريب، … ، ورجاله من رواة الصحيحين؛ لكنهما لم يخرجا لأبي معاوية عن عبيد الله بن عمر شيئًا، … ".
قلت: وهِم في رفعه أبو معاوية الضرير محمد بن خازم، وجعل القراءة في صلاة المغرب، وكان أبو معاوية ثبتًا في حديث الأعمش، يهم في حديث غيره، وقد يرفع الموقوف [التهذيب (٣/ ٥٥١)].
• وقد رواه موقوفًا على الصواب، وجعل القراءة في صلاة العشاء:
عبد الله بن نمير [ثقة]، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي [ثقة]، وأبو ضمرة أنس بن عياض [ثقة]، ومحمد بن عبيد الطنافسي [ثقة]، وشعيب بن إسحاق [ثقة]، وعبد الرحمن بن مغراء أبو زهير الكوفي [صدوق، تُكُلِّم في حديثه عن الأعمش]:
عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان يقرأ في عشاء الآخرة بالذين كفروا والفتح. موقوف.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣١٦/ ٣٦١٤)، وجعفر المستغفري في فضائل القرآن (٢/ ٦١٦/ ٩١٢)، وذكره الدارقطني في العلل (١٣/ ٢٦/ ٢٩١٦).
قال الدارقطني: "وقولهم أصح من قول أبي معاوية الضرير عن عبيد الله، فإنه وهم في رفعه، والله أعلم".
قلت: وهذا موقوف على ابن عمر، بإسناد صحيح على شرط الشيخين.
• وروى عبدة بن سليمان [ثقة ثبت]، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع: أن ابن عمر قرأ مرةً في المغرب بـ ﴿يس﴾.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣١٥/ ٣٥٩٩).
стр. 4064
وهذا موقوف على ابن عمر بإسناد صحيح.
وروى ابن علية، عن ليث، عن نافع، عن ابن عمر أنه قرأ في المغرب بـ ﴿يس﴾، ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣١٥/ ٣٦٠٠).
وهذه متابعة صالحة لرواية عبدة عن عبيد الله بن عمر العمري، دون زيادة ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾، وإسنادها ضعيف؛ لأجل ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف؛ لاختلاطه وعدم تميز حديثه.
• خالف إسماعيلَ ابن علية [وهو ثقة ثبت] في وقفِه؛ ورفعَه فوهِم:
عبدُ الله بن قبيصة، فرواه عن ليث، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان النبي ﷺ يقرأ في المغرب بياسين.
أخرجه العقيلي في الضعفاء (٢/ ٢٩٠)، وابن عدي في الكامل (٤/ ١٩٢).
قال العقيلي: "غير محفوظ"؛ يعني: مرفوعًا، وإنما يُعرف موقوفًا.
وقال ابن عدي: "هذا الحديث لم يتابَع عبد الله بن قبيصة على متنه".
قلت: هو حديث منكر؛ والمعروف موقوف على ابن عمر، وعبد الله بن قبيصة: كثير الوهم، حدَّث بما لا يتابع عليه [الجرح والتعديل (٥/ ١٤٢)، الضعفاء للعقيلي (٢/ ٢٩٠)، الكامل (٤/ ١٩٢)، اللسان (٤/ ٥٤٥)].
• وخالف الجماعة من أصحاب عبيد الله:
حفص بن غياث: ثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان النبي ﷺ يقرأ في المغرب ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
أخرجه ابن ماجه (٨٣٣)، ووكيع في أخبار القضاة (٣/ ١٩٧)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٢٨٨/ ١٣٣٩٥)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين (٤/ ١٥٣)، والدارقطني في الأفراد (١/ ٥٧٦/ ٣٣٤٥ - أطرافه)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/ ٣٢٠)، وجعفر المستغفري في فضائل القرآن (٢/ ٧٢٧/ ١٠٩١)، والحسن بن محمد الخلال في فضائل سورة الإخلاص (٣٥)، والخطيب في تاريخ بغداد (٤/ ٥٠)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٤/ ٣٥٠)، والمزي في التهذيب (١/ ٢٧٢).
قلت: حفص بن غياث: ثقة؛ لكنه ليس من حديثه، فقد تفرد به عنه: أحمد بن بديل، وهو لا بأس به؛ لكن أُنكرت عليه أحاديث رواها عن حفص بن غياث، وهذا منها، فهو حديث منكر [الكامل (١/ ١٨٦)، تاريخ بغداد (٤/ ٥٠)، التهذيب (١/ ١٧)].
قال النضر قاضي همذان: "ذكرت هذا الحديث لأبي زرعة الرازي، فقال: من حدثك به؟ قلت: ابن بديل، قال: شرٌّ له".
وقال وكيع في أخبار القضاة: "وهذا لا يُعرف، ولا تُعرف له علة، … ".
وقال الدارقطني في العلل (١٣/ ٢٧/ ٢٩١٦): "ولم يُتابع على ذلك"، ثم قال:
стр. 4065
"والمحفوظ عن ابن عمر: ما قاله عبد الوهاب ومن تابعه! يعني: الموقوف، وفي صلاة العشاء.
وقال في موضع آخر (١٣/ ١١٦/ ٢٩٩٤): "وليس هذا من الحديث بسبيل".
وقال البرقاني: "قال لنا الدارقطني: تفرد به حفص بن غياث عن عبيد الله"، وكذا قال في الأفراد.
وقال ابن حجر في الفتح (٢/ ٢٤٨): "ظاهر إسناده الصحة؛ إلا أنَّه معلول".
• وروى خالد بن حيان الرقي أبو يزيد الخراز [ليس به بأس]، عن عبيدة بن حسان، عن عبد الله بن كرز، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: صلى بنا النبي ﷺ صلاة المغرب فقرأ بالمعوِّذتين.
أخرجه حرب الكرماني في مسائله (١٣٦)، والعقيلي في الضعفاء (٢/ ٢٩٢)، وابن المقرئ في المعجم (٥٦٧)، وجعفر المستغفري في فضائل القرآن (٢/ ٧٤٩/ ١١٣٢)، وذكره الدارقطني في العلل (١٣/ ٢٧/ ٢٩١٦).
قال العقيلي بعد ما أخرجه في ترجمة عبد الله بن كرز: "ولا يتابع عليه".
وقال الدارقطني في العلل: "والمحفوظ عن ابن عمر: ما قاله عبد الوهاب ومن تابعه" يعني: الموقوف، وفي صلاة العشاء.
قلت: هو حديث باطل؛ عبد الله بن كرز: متروك [اللسان (٤/ ٥١٩ و ٥٤٩)، المغني (١/ ٣٤٦ و ٣٥١)]، وعَبِيدة بن حسان، هو: العنبري السنجاري: قال أبو حاتم: "منكر الحديث"، وقال ابن حبان: "كان ممن يروي الموضوعات عن الثقات"، وقال الدارقطني: "ضعيف" [التاريخ الكبير (٦/ ٨٦)، الجرح والتعديل (٦/ ٩٢)، المجروحين (٢/ ١٨٩)، سنن الدارقطني (٣/ ٤١) و (٤/ ١٣٨)، اللسان (٥/ ٣٦٤)].
• طريق أخرى:
روى وكيع بن الجراح، عن إسرائيل، عن جابر، عن عامر، عن عبد الله بن عمر ﵄؛ أن رسول الله ﷺ قرأ في المغرب بـ (التِّينِ وَالزَّيْتُونِ).
أخرجه الطحاوي (١/ ٢١٤).
كذا هو عند الطحاوي [وكذا هو في الإتحاف (٨/ ٤٨٤/ ٩٨١٧)] من مسند ابن عمر، لكن وقع بنفس الإسناد عند ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وغيرهما من مسند عبد الله بن يزيد الأنصاري الخطمي:
فقد رواه وكيع، وأبو نعيم الفضل بن دكين:
عن إسرائيل، عن جابر، عن عامر، عن عبد الله بن يزيد الأنصاري؛ أن النبي ﷺ قرأ في المغرب بـ (التِّينِ وَالزَّيْتُونِ).
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣١٤/ ٣٥٩٢) (٣/ ٢٣١/ ٣٦١٢ - ط عوامة)، وعبد بن حميد (٤٩٣)، وجعفر المستغفري في فضائل القرآن (٢/ ٦٧٥/ ١٠٠١)، وانظر: نتائج الأفكار (١/ ٤٥٨).
стр. 4066
وهذا إسناد واهٍ؛ لأجل جابر بن يزيد الجعفي، وهو: متروك، يكذب، وعامر هو: ابن شراحيل الشعبي، وإسرائيل هو: ابن يونس بن أبي إسحاق.
٢ - مرسل عبد الله بن عتبة بن مسعود:
يرويه محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ [ثقة]، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا حيوة [هو: ابن شريح المصري: ثقة ثبت]، وذكر آخر [قيل: هو ابن لهيعة]، قالا: حدثنا جعفر بن ربيعة، أن عبد الرحمن بن هرمز حدثه، أن معاوية بن عبد الله بن جعفر حدثه، أن عبد الله بن عتبة بن مسعود حدثه، أن رسول الله ﷺ قرأ في صلاة المغرب بـ ﴿حمَ﴾ الدخان.
أخرجه النسائي في المجتبى (٢/ ١٦٩ / ٩٨٨)، وفي الكبرى (٢/ ١٦/ ١٠٦٢).
وهذا مرسل؛ رجاله ثقات؛ فإن عبد الله بن عتبة بن مسعود: ثقة، رفيع القدر، كثير الحديث والفتيا، فقيه، سمع عمر بن الخطاب، واستعمله عمر على سوق المدينة، وكان قد ولد في حياة النبي ﷺ ، وأتي به، فمسحه بيده ودعا له، ذكره البخاري في التابعين، وقال: "سمع عمر ﵁، كان بالكوفة … "، وذكره ابن البرقي فيمن أدرك النبي ﷺ ، ولم يثبت عنه رواية، فهو: تابعي من كبار التابعين، وغلط من عده في الصحابة، فقد توفي النبي ﷺ وله من العمر قرابة خمس سنين [التاريخ الكبير (٥/ ١٥٧)، معرفة الثقات (٩٣٠)، طبقات ابن سعد (٥/ ٥٨)، الاستيعاب (١٤٦٤)، الإصابة (٤٨٣١)، التهذيب (٢/ ٣٨١)، وغيرها].
ومعاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب: تابعي، وثقه العجلي، وذكره ابن حبان في الثقات، وروى عنه جماعة من الثقات [طبقات ابن سعد (٥/ ٣٢٩)، التهذيب (٤/ ١١٠)]، ومع ذلك فقد حسنه ابن حجر في نتائج الأفكار (١/ ٤٥٠).
• وقال ابن أبي عمر العدني [محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني: صدوق، في مسنده (٤/ ٧٢/ ٤٧٣ - مطالب) (٢/ ٣٥٢/ ١٨٥٤ - إتحاف الخيرة): حدثنا المقرئ: ثنا حيوة: ثنا جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، قال: إن معاوية بن عبد الله، حدَّث عن ابن مسعود ﷺ : أن رسول الله ﷺ قرأ في المغرب ﴿حَم﴾ التي يذكر فيها الدخان.
هكذا جعله من مسند ابن مسعود، وأظنه غلطًا؛ فإنني لم أجد أحدًا ممن ترجم لمعاوية ذكر له رواية عن ابن مسعود، ولا أظنه أدركه، فإن ابن مسعود قديم الوفاة.
• خالف هذين: عبيد الله بن عمر بن ميسرة القواريري [ثقة ثبت]، قال: نا عبد الله بن يزيد، قال: نا حيوة بن شريح، قال: أخبرني جعفر بن ربيعة القرشي، عن الأعرج، عن معاوية بن عبد الله، حدثه أن رسول الله ﷺ قرأ في صلاة المغرب حم التي فيها الدخان.
أخرجه أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة (٥/ ٣٩٣/ ٢٢١٤).
[انظر: شرح سنن ابن ماجة لمغلطاي (٥/ ٢٠٩)، الإصابة (٦/ ١٥٧)].
وهذا مرسل أيضًا، وأيًّا كان الصواب، رواية القواريري [لحفظه وضبطه]، أم رواية
стр. 4067
ابن أبي عبد الرحمن المقرئ [لكونه من أهل بيت الرجل، الذين أعلم به من الغرباء]، فالحديث مرسل في الحالين، والمرسل لا تقوم به الحجة، والله أعلم.
٣ - حديث البراء بن عازب:
يرويه إسماعيل ابن علية، وعبد الوارث بن سعيد، كلاهما: عن سعيد الجريري، عن أبي عائذ سيف السعدي، وأثنى عليه خيرًا، عن يزيد بن البراء بن عازب، وكان أميرًا بعُمان، وكان كخير الأمراء، قال: قال أبي: اجتمِعوا فلأُريكم كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ، وكيف كان يصلي، … فذكر الحديث في صفة الوضوء، إلى أن قال: فصلى بنا الظهر، فأحسب أني سمعت منه آيات من ﴿يس﴾ … الحديث.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ٠ ١٧)، وأحمد في المسند (٤/ ٢٨٨) واللفظ له، وفي العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٤٠٦/ ٢٨١٨)، والروياني (٣٣٣)، والدولابي في الكنى (٢/ ٧٠٦/ ١٢٤٠)، وابن المنذر في الأوسط (١/ ٤٠١/ ٣٩٣)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٢٢٥).
وهذا حديث ضعيف؛ سيف أبو عائذ السعدي: في عداد المجاهيل [التعجيل (٤٤٦)]، وكان الجريري قد اختلط، وإسماعيل ابن علية وعبد الوارث بن سعيد ممن سمع منه قبل الاختلاط [انظر: الكواكب النيرات (٢٤) وغيرها]، وقد اختلف على الجريري في إسناد هذا الحديث، وهذا الوجه هو المحفوظ عنه، واللّه أعلم [راجع تخريجه مفصلًا تحت الحديث رقم (١٠٨)].
وموضع الشاهد منه ليس صريحًا في الرفع؛ فقد تكون قراءته لسورة يس في الظهر اجتهادًا منه، لا أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقرأ بها، والله أعلم.
***
١٣٣ - باب من رأى التخفيف فيها
٨١٣ - قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل: حدثنا حماد: أخبرنا هشام بن عروة، أن أباه كان يقرأ في صلاة المغرب بنحو ما تقرؤون: ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾ ونحوها من السور.
قال أبو داود: هذا يدل على أن ذاك منسوخ.
[قال أبو داود: وهذا أصح].
• مقطوع صحيح.
أخرجه من طريق أبي داود: البيهقي (٢/ ٣٩٢).
وهذا مقطوع على عروة بن الزبير بإسناد صحيح.
ولا يُعارِض هذا ما رواه ثلاثة من الثقات: ابن أبي مليكة، وأبو الأسود، وهشام بن
стр. 4068
عروة، عن عروة في حديث زيد بن ثابت في القراءة بالأعراف في المغرب، على اختلافٍ بينهم
في إسناده، وتقدم كان أن المحفوظ: حديث ابن أبي مليكة، عن عروة، عن مروان، عن زيد.
ويؤيد أنَّه لا معارضة بينهما أن هشام بن عروة هو راوي الخبرين جميعًا.
فإذا كان الخبران ثابتان من جهة الرواية، فهل يقال حينئذ بأن أحدهما ناسخ للآخر؟
الجواب: لا؛ حتَّى يأتينا خبر في حياة النبي ﷺ يدل على هذا النسخ؛ وكيف يكون هذا؟ وقد روت أم الفضل بنت الحارث ما ينفي ذلك! فقد قالت: إنها لآخر ما سمعتُ رسولًا الله ﷺ يقرأ بها في المغرب، تعني: سورة المرسلات، وقالت: سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بـ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾، ثم ما صلى لنا بعدها حتَّى قبضه الله [راجع الحديث المتقدم برقم (٨١٠)].
قال ابن القيم في حاشيته على سنن أبي داود (٣/ ٧٧) بعد حديث أم الفضل هذا: "وهذا يدل على أن هذا الفعل غير منسوخ؛ لأنَّه كان في آخر حياته ﷺ " [وانظر: الإحكام لابن حزم (٢/ ٢٢٥)].
فإن قيل: الكلام هنا عن القراءة بالأعراف وهي من أطول سور القرآن، وما عارضتم به من سورة المرسلات إنما هي من أوساط المفصل؟
فيقال: يكفي هذا في نقض القول بأن السُّنَّة هي القراءة في المغرب بقصار المفصل على الدوام، إذ قد ثبت أن النبي ﷺ قد قرأ فيها بالطور والمرسلات، لا سيما بالمرسلات في آخر حياته ﷺ ، وأما حديث زيد في القراءة فيها بالأعراف؛ فقد سبق كان تأويله، بحمل إنكار زيد على مداومة مروان على القراءة في المغرب بقصار المفصل، ومجانبته ما عداه، وأنه ما أراد بذلك بيانَ مداومة رسول الله ﷺ على القراءة بالأعراف، وإنما يُحملُ هذا على أن النبي ﷺ إنما فعل ذلك مرة واحدة، أو كان فعلُه لها نادرًا، بحسب ما اقتضته مصلحةٌ حاضرةٌ، وراجع ما كتبته هناك، والله أعلم.
***
٨١٤ - . . . وهب بن جرير: حدثنا أبي، قال: سمعت محمد بن إسحاق، يحدث عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أنَّه قال: ما من المفصَّل سورةٌ صغيرةٌ ولا كبيرةٌ إلا وقد سمعتُ رسولَ الله ﷺ يؤمُّ الناسَ بها في الصلاة المكتوبة.
• حديث حسن.
أخرجه البيهقي (٢/ ٣٨٨).
وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو: سلسلة يحتج بها إذا لم تأت بمنكر، بعضها سماع، وبعضها وجادة صحيحة، وقد تقدم الكلام عليها مفصلًا عند الحديث رقم (١٣٥).
стр. 4069
ومحمد بن إسحاق بن يسار المدني: صدوق، حسن الحديث، وهو واسع الرواية جدًّا، وله أوهام عن الزهري وغيره، وخطؤه في الرواية لا يعني إلا ترك ما أخطأ فيه، وأن الأصل فيه أنَّه مقبول الرواية، حسن الحديث، يحتج به، وما رُوي عنه من الأباطيل فبسبب من يروي عنهم من الضعفاء والمجاهيل، قال يعقوب بن شيبة: "سمعت ابن نمير وذكر ابن إسحاق، فقال: إذا حدَّث عمن سمع منه من المعروفين فهو حسن الحديث صدوق، وإنما أُتي من أنَّه يحدث عن المجهولين أحاديث باطلة" [تاريخ بغداد (١/ ٢٢٧)، السير (٧/ ٤٣)].
• وأما خطأ ابن إسحاق في الأسانيد والمتون، فقد تقدم معنا في السنن من ذلك الشيء الكثير، إلا أن ذلك مما يغتفر في سعة حفظه وكثرة مروياته، إذ الغالب على ابن إسحاق موافقة الثقات فيما رووا، وأن صوابه يغلب خطأه.
قال يعقوب الفسوي: "قال علي: لم أجد لابن إسحاق إلا حديثين منكرين: نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ : "إذا نعس أحدكم يوم الجمعة"، والزهري عن عروة عن زيد بن خالد: "إذا مس أحدكم فرجه"، هذان لم يروهما عن أحد، والباقون [قال ابن حجر: يعني: المناكير في حديثه] يقول: ذكر فلان، ولكن هذا فيه حدثنا" [تاريخ بغداد (١/ ٢٢٩)، السير (٧/ ٤٥)، التهذيب (٣/ ٥٠٦)].
• وهو مشهور بالتدليس، حتَّى عدَّه الإمام أحمد من المكثرين منه، قال العقيلي: "حدثني الخضر بن داود: حدثنا أحمد بن محمد [ابن هانئ]: قلت لأبي عبد الله: ما تقول في ابن إسحاق؟ قال: هو كثير التدليس جدًّا، قلت: فإذا قال: أخبرني، وحدثني، فهو ثقة؟ قال: هو يقول: أخبرني، فيخالف" [الضعفاء الكبير (٢٨/ ٤)، السير (٧/ ٥٤)].
وقال الإمام أحمد مرة أخرى: "هو كثير التدليس جدًّا، فكان أحسن حديثه عندي ما قال: أخبرني، وسمعت" [الجرح والتعديل (٧/ ١٩٤)].
وابن إسحاق قد ثبت سماعه من عمرو بن شعيب [انظر مثلًا: خلق أفعال العباد (٣٠٢)، التاريخ الكبير (٢/ ٢٥)، سنن النسائي (٨/ ٨٣/ ٤٩٥٠)، منتقى ابن الجارود (١٠٨٠)، مسند أحمد (٢/ ٢١٦ و ٢١٨)، سيرة ابن هشام (٤/ ٣٢٨) و (٥/ ١٥٤ و ١٦٢ و ١٦٣)، الأموال لابن زنجويه (١/ ٤٠٢)، مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا (٣٨٣)، الكنى للدولابي (٢/ ٤٤٥/ ٨٠١)، مشكل الآثار (١١/ ٥١٨/ ٤٥٨٦)، سنن البيهقي (٤/ ١١٠) و (٦/ ٣٣٥) و (٩/ ٧٥)، دلائل النبوة (٥/ ٨٦)، وغيرها].
وروى أيضًا عن عمرو بن شعيب بواسطةٍ. مثل: حكيم بن حكيم، وعبد الرحمن بن الحارث [انظر: مسند أحمد (٢/ ٢١٦)، مصنف ابن أبي شيبة (٥/ ٣٦٤ / ٢٦٩٤٧)]، وهما صدوقان، وفي الثاني كلام، وقال أبو زرعة بأن ابن إسحاق لم يسمع من حكيم [المراسيل (٧٢٠)، تحفة التحصيل (٢٧٤)].
وابن إسحاق إذا لم يكن سمع الحديث من عمرو بن شعيب فإنه يقول فيه: قال
стр. 4070
عمرو، أو: ذكر عمرو [صحيح ابن خزيمة (١٣٧)، مسند أحمد (٢/ ٢١٦ و ٢١٧)، سنن الدارقطني (٣/ ٢١٤)].
وقد احتج بابن إسحاق أصحاب السنن الأربعة وغيرهم، وصحح له الترمذي (٢٣ و ١١٥ و ١٥٤ و ١٨٩ و ٣٩٨ و ٥٢٦ و ٥٤٣ و ١١٣٩ و ١٢٦٧ و ١٤٩٧ و ١٧٤٢ و ١٩٢٠ و ٣٠٤٥ و ٣٠٩٧ و ٣١٦٦)، وصحح له أيضًا: ابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود والحاكم، وقدَّم الدارقطني رواية ابن إسحاق على بعض الضعفاء في عمرو بن شعيب [العلل (١٥/ ١٦٢/ ٣٩٢٢)].
بل صرح الإمام علي بن المديني بصحة حديثه عنده، قال يعقوب بن شيبة: "سألت عليًّا: كيف حديث ابن إسحاق عندك، صحيح؟ فقال: نعم، حديثه عندي صحيح، … ، إن حديثه ليتبين فيه الصدق، يروي مرةً: حدثني أبو الزناد، ومرةً: ذكر أبو الزناد، وروى عن رجل عمن سمع منه، يقول: حدثني سفيان بن سعيد، عن سالم أبي النضر، عن عمر: صوم يوم عرفة، وهو من أروى الناس عن أبي النضر، ويقول: حدثني الحسن بن دينار، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، في: "سلف وبيع"، وهو من أروى الناس عن عمرو بن شعيب" [تاريخ بغداد (١/ ٢٢٩)، السير (٧/ ٤٤ و ٥١)، الميزان (٣/ ٤٧٥)].
قلت: فإذا كان ابن إسحاق عادته التدليس عن الضعفاء والمجاهيل، بحيث يسقطهم دائمًا من الإسناد فيما بينه وبين من سمع منه من شيوخه، فلماذا يُعلن باسمائهم، لا سيما شديدو الضعف منهم، مثل الحسن بن دينار، وهو متروك، كذبه غير واحد [اللسان (٣/ ٤٠)]، أفما كان الأحرى به أن يدلسه، ويجود إسناده، لا سيما وقد سمع كثيرًا من عمرو بن شعيب؟!
وهذه القرينة من كلام ابن المديني لتدلُّ على قلة تدليس ابن إسحاق في سعة روايته، وأنه لم يكن دائمًا يدلس أسماء الضعفاء، بل يصرح بأسمائهم أحيانًا دون أن يُسأل عن ذلك، فإن الغالب على المدلس أنَّه لا يبوح باسم من حدثه بالحديث من الضعفاء الذين دلس عنهم الحديث إلا إذا ألجؤوا إلى ذلك بالسؤال ونحوه، وهذا يؤكد قول ابن المديني: "إن حديثه ليتبين فيه الصدق".
قال محمد بن يحيى الذهلي: "سمعت علي بن المديني يقول: محمد بن إسحاق صدوق، والدليل على صدقه: أنَّه ما روى عن أحد من الجلة إلا وروى عن رجل عنه؛ فهذا يدل على صدقه" [الثقات لابن حبان (٧/ ٣٨٤)].
قال ابن حبان: "فلو كان ممن يستحل الكذب لم يحتج إلى الإنزال؛ بل كان يحدث عمن رآه ويقتصر عليه، فهذا مما يدل على صدقه، وشهرة عدالته في الروايات" [الثقات (٧/ ٣٨٤)].
قلت: المدلس إذا أسقط ضعيفًا فيما بينه وبين شيخه الَّذي سمع منه، ورواه بصيغة محتملة للسماع مثل: عن؛ لم يكن بذلك مستحلًا للكذب، بل الَّذي يقال في مثل هذا: أن
стр. 4071
ابن إسحاق وإن ثبت عنه التدليس إلا أنَّه لم يكن ديدنه وعادته، بدليل روايته عن رجل عن شيخه الَّذي سمع منه، وروايته عن رجلين عنه، بل إنه لم يكن يعمِّي تدليسه دائمًا بالعنعنة، بل يشير وينبه على عدم السماع بقوله: ذكر فلان، وقال فلان.
قال المرُّوذي: "قال أحمد بن حنبل: كان ابن إسحاق يدلس؛ إلا أن كتاب إبراهيم بن سعد يبيِّن إذا كان سماعًا قال: حدثني، وإذا لم يكن قال: قال" [العلل ومعرفة الرجال للمروذي (١)، تاريخ بغداد (١/ ٢٣٠)].
وقال عبد الله بن أحمد: "قال أبي: إذا قال ابن إسحاق: وذكر فلان؛ فلم يسمعه" [المنار المنيف (٦)، تحفة التحصيل (٢٧٤)] [قلت: هو في المسند (٤/ ٢٧) بعد حديث رواه من طريق إبراهيم بن سعد عنه به، فقال: "إذا قال ابن إسحاق: وذكر؛ لم يسمعه، يدل على صدقه"].
وفي هذا إشارة من الإمام أحمد إلى تقديم إبراهيم بن سعد في ابن إسحاق، حيث كان يحرص على إبقاء صيغ التحمل من كلام ابن إسحاق كما هي، دون أن يتصرف فيها بالعنعنة، ونحوها.
• وبعد هذا البيان فما حكم هذا الحديث من رواية ابن إسحاق، وظاهره أنَّه لم يصرح فيه بالسماع:
قال أبو داود: "سمعت أحمد سئل عن الرجل يعرف بالتدليس: يحتج فيما لم يقل فيه: سمعت؟ قال: لا أدري، فقلت: الأعمش متى تصاد له الألفاظ؟ قال: يضيق هذا؛ أي: أنك تحتج به" [سؤالات أبي داود (١٣٨)].
ومفهوم كلام الإمام أحمد أن حديث المدلِّس لا يرد بمجرد العنعنة، وإلا لكان الجواب: لا؛ أي: لا يحتج به حتَّى يصرح بالسماع، ثم أشار إلى أن الأصل في حديث الأعمش الاحتجاج به؛ إلا أن تأتي قرينة دالة على تدليسه، وبهذا تأتلف الأقوال في هذا الباب، والله أعلم.
وقال يعقوب بن شيبة: "سألت يحيى بن معين عن التدليس؟ فكرهه وعابه، قلت له: أفيكون المدلِّس حجةً فيما روى، أو حتَّى يقول: حدثنا وأخبرنا؟ قال: لا يكون حجةً فيما دلَّس" [الكامل لابن عدي (١/ ٣٤)، الكفاية (٣٦٢)، النكت على مقدمة ابن الصلاح للزركشي (٢/ ٨٨)، النكت لابن حجر (٢/ ٦٣٣)].
وهذا ظاهر في أن الأصلَ في حديث المدلس الاحتجاجُ به، حتَّى يتبين لنا أنَّه دلسه، فعندئذ يسقط الاحتجاج بهذا الحديث المعين؛ فلو كان حديث المدلس المعنعن يُرَدُّ بمجرد العنعنة دون الحاجة إلى قرينة أخرى؛ لقال ابن معين: لا يكون حجة حتَّى يقول: حدثنا وأخبرنا، كذلك فإن ابن معين لم يقل: لا يكون حجة فيما عنعن، وإنما قال: فيما دلس؛ يعني: فيما ثبت وقوع التدليس فيه.
وقال عبد الله بن الزبير الحميدي: "وإن كان رجلٌ معروفًا بصحبة رجلٍ والسماع منه،
стр. 4072
مثل: ابن جريج عن عطاء، أو هشام بن عروة عن أبيه، وعمرو بن دينار عن عبيد بن عمير، ومن كان مثل هؤلاء في ثقتهم، ممن يكون الغالب عليه السماع ممن حدث عنه، فأُدرِك عليه أنَّه أدخل بينه وبين من حدَّث رجلًا غيرَ مسمى، أو أسقطه، تُرِك ذلك الحديث الَّذي أُدرِك عليه فيه أنَّه لم يسمعه، ولم يضره ذلك في غيره، حتَّى يُدرَك عليه فيه مثل ما أُدرِك عليه في هذا، فيكون مثل المقطوع" [الكفاية (٣٧٤)].
وهذا صريح في قبول المعنعن حتَّى يتبين لنا فيه عدم السماع، لكنه قيده بأن يكون الغالب عليه السماع من شيخه.
وقال يعقوب بن سفيان في المعرفة (٣/ ١٤): "وحديث سفيان وأبي إسحاق والأعمش ما لم يُعلَم أنَّه مدلس: يقوم مقام الحجة".
يعني: أنَّه يحتج بحديثهم سواء صرحوا فيه بالسماع أم لا؛ حتَّى يثبت أنهم دلسوا في حديثٍ بعينه، فعندئذ يُرَدُّ هذا الحديث الَّذي دلسوه عن ضعيف أو مجهول.
• ومعنى هذا: أنَّه لا بد من اعتبار حديث المدلِّس وجمع طرقه والنظر فيه، حتَّى يتبين لنا هل دلسه أم لا؟ وفي الغالب ما تجدُ الحديثَ المدلِّس يظهر عوارُه بجمع طرقه، فكما أن تجد المدلِّس قد أخذه عن غير ثقة، أو صرح بأخذه عن مجهول؛ بقوله: حُدِّثت، أو بذكر مبهمٍ في الإسناد، أو بروايته عمن لم يسمع منه، أو بذكر رجلٍ مجروح، أو يكون الحديث معروفًا من حديث مجروحٍ صرح الأئمة بأن المدلِّس غالبًا ما يروي عنه ثم يسقطه من الإسناد، أو مخالفة المدلِّس في الحديث من هو أوثق منه، أو وجود نكارة في المتن، ونحو ذلك، مما يبيِّن موضعَ العلة من الحديث المدلِّس، والعنعنة وعدم التصريح بالسماع
في هذا الحال إنما هو قرينة على الإعلال، لا أنهم كانوا يعلُّون الأحاديث بمجرد العنعنة، فإن لم نجد شيئًا من هذه القرائن التي تدل على وقوع التدليس، فعندئذ يبقى الحديث على السلامة من علة التدليس، حتَّى يتبين لنا أنَّه مدلس، والله أعلم.
• قال الحاكم: "وأخبار المدلِّسين كثيرة، وضَبَط الأئمة عنهم ما لم يدلسوا، والتمييز بين ما دلسوا وما لم يدلسوا ظاهر في الإخبار" [المدخل إلى كتاب الإكليل (٧٣)].
ولا يحمل هذا على مجرد ثبوت السماع في الأسانيد من عدمه، وإنما على أمور خارجية يُتوصل بها على وقوع التدليس.
وهذه المسألة وهي قبول حديث المدلِّس إذا لم يذكر سماعًا في حديث بعينه، ولم يتبين لنا أنَّه دلَّسه: مسألة خلافية، وممن ذكر الخلاف فيها: ابن القطان الفاسي، فقد قال في بيان الوهم (٢/ ٤٣٥): "ومعنعن الأعمش عرضة لتبيُّن الانقطاع، فإنه مدلِّس، وأبين ما يكون الانقطاع بزيادة واحد في حديث من عرف بالتدليس، فإنه إذا كان ثقة يختلف في قبول معنعنه ما لم يقل: حدثنا، أو أخبرنا، أو سمعت، فإنه إذا قال ذلك قبل إجماعًا لثقته، وإذا لم يقل ذلك قبله قوم ما لم يتبين في حديث بعينه أنَّه لم يسمعه، ورده آخرون ما لم يتبين أنَّه سمعه".
стр. 4073
وقال في موضع آخر (٥/ ٦٦): "وإنما يختلف العلماء في قبول حديث المدلِّس إذا كان عمَّن قد عُلِم لقاؤه له وسماعه منه، هاهنا يقول قوم: يقبل ما يعنعن عنهم حتَّى يتبين الانقطاع في حديثٍ حديثٍ فيُرَدُّ.
ويقول آخرون: بل يُرَدُّ ما يعنعن عنهم حتَّى يتبين الاتصال في حديثٍ حديثٍ فيقبل، أما ما يعنعنه المدلِّس عمن لم نعلم لقاءه له ولا سماعه منه، فلا أعلم الخلاف فيه بأنه لا يقبل" [وانظر أيضًا: بيان الوهم (٥/ ٤٩٣)، زاد المعاد (٢/ ٢٧٦)].
وممن أشار إلى وجود الخلاف فيها: العلائي، فقد قال في جامع التحصيل (٨٠): "فمن عرف منه أنَّه لا يدلس إلا عن ثقة كسفيان بن عيينة؛ قُبل ما قال فيه: عن، واحتج به، ومن عرف بالتدليس عن الضعفاء كابن إسحاق وبقية وأمثالهما؛ لم يحتج من حديثه إلا بما قال فيه: حدثنا، وسمعت، وهذا هو الراجح في البابين".
ثم جاء من المتأخرين من يجعل المسألة من مسائل الاتفاق، قال ابن الملقن في البدر المنير (٢/ ١٥): "ولا خلاف أن المدلِّس إذا لم يذكر سماعًا لا يحتج بروايته"، وقد قال بهذا: ابن عبد البر والنووي وغيرهما [انظر: النكت للزركشي (٢/ ٨٩ و ٩٢)، البحر المحيط (٣/ ٣٦٩)، النكت لابن حجر (٢/ ٦٢٤)، المدخل إلى كتاب الإكليل للحاكم (٦٩)، الكفاية (٣٦١)].
ومن أشهر من صرَّح بردِّ حديث المدلِّس بمجرد العنعنة، وعدم التصريح بالسماع في كل حديث حديث: الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، حيث يقول في الرسالة (١/ ١٧٤ - الأم): "ومن عرفناه دلس مرةً فقد أبان لنا عورته في روايته، وليس تلك العورة بالكذب فنردَّ بها حديثه، ولا النصيحة في الصدق فنقبل منه ما قبلنا من أهل النصيحة في الصدق، فقلنا: لا نقبل من مدلِّسٍ حديثًا حتَّى يقول فيه: حدثني، أو: سمعت".
ومع أن ابن جريج كان مشتهرًا بالتدليس عن المجروحين؛ إلا أن الشافعي روى له أحاديث كثيرة لم يقل فيها: حدثني، أو: سمعت، انظر على سبيل المثال: مسند الشافعي (١٤ و ١٧ و ٣٥ و ٣٧ و ٣٩ و ٤٣ و ٤٦ و ٦٩ و ٨٤ و ٥ ٨ و ٨٦ و ٩٢ و ١٠٠ و ١٠٨ و ١٠٩ و ١١٠ و ١١٤ و ١١٨ و ١١٩ و ١٢٠ و ١٢١ و ١٢٩ و ١٣٢ و ١٣٣ و ١٣٤ و ١٣٥ و ١٣٩ و ١٥٠ و ١٥١ و ١٥٢ و ١٦٨ و ١٧٤ و ١٨١ و ١٩٢ و ٢٠٦ و ٢١٣ و ٢٢٠ و ٢٢٧ و ٢٣١ و ٢٣٥ و ٢٤٨ و ٢٥٠ و ٢٥٨ و ٢٦٠ و ٢٦٤ و ٢٦٧ و ٢٧٥ و ٢٩٠ و ٢٩١ و ٢٩٨ و ٣٠٠ و ٣٠٢ و ٣٠٣ و ٣٤١ و ٣٤٨ و ٣٥٦ و ٣٥٧ و ٣٥٨ و ٣٦٠ و ٣٦٦ و ٣٦٨ و ٣٦٩ و ٣٧١ و ٣٧٣ و ٣٧٧) [أكثر من ستين موضعًا] فسلك الإمام الشافعي في تطبيقه العملي مسلكًا يخالف تنظيره، مما يدل على أن المحدثين إنما كانوا يردُّون من حديث المدلِّس ما ثبت أو ترجح لديهم أنَّه دلسه، وقبلوا بقية مروياته المعنعنة حملًا لها على الاتصال، هذا مع أني وجدت كثيرًا من هذه المواضع قد صرح فيها ابن جريج بالسماع من شيوخه خارج كتب الشافعي، لكن هل وقف الشافعي نفسه على هذا السماع؟، وقد وجدته روى لابن جريج في موضعين عن عمرو بن شعيب
стр. 4074
[المسند (١٥٠ و ٣٤٨)، الأم (٦/ ١١٥ و ٢٥٥)]، وقد روى عبد الرزاق في مصنفه عن ابن جريج في مواضع ذكر فيها سماعه من عمرو بن شعيب [منها مثلًا: (٦/ ١٢٦/ ١٠٢١٥) و (٦/ ٤١٨/ ١١٤٦٢) و (٧/ ٥٩/ ١٢١٨١) و (٧/ ١٦٥/ ١٢٦٣١) و (٨/ ٣٣٨/ ١٥٤٤٦) و (٨/ ٤٦٤/ ١٥٩١٥) وغيرها]، وفي مواضع بالعنعنة وغيرها، وفي سبعة مواضع بذكر واسطة بين ابن جريج وعمرو [(٣/ ٢٤٨/ ٥٥٢٨) عطاء بن أبي رباح، و (٦/ ٤٨/ ٩٩٧١) و (١٠/ ١٧٥ ١٨٧٢٣) و (١٠/ ٣١٩/ ١٩٢٣٠) خلاد، و (٦/ ٢٦٠/ ١٥٧٥٠) و (٩/ ٣٦٢/ ١٧٥٨٠) و (٩/ ٣٧٦/ ١٧٦٦٠) عبد الكريم]، وقد جزم البخاري وتبعه البيهقي بعدم سماع ابن جريج من عمرو بن شعيب [علل الترمدي الكبير (١٨٦)، سنن البيهقي (٦/ ٨)، مختصر الخلافيات (٣/ ٣٥٤)، تحفة التحصيل (٢١٢)]، هذا فضلًا عن كون الحديث الأول لابن جريج عن عمرو بن شعيب عند الشافعي في المسند (١٥٠) قد اختلف فيه على ابن جريج، وصوابه: ما رواه حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج: أخبرني جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي؛ أن رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد، قال العقيلي: "هذا أولى"؛ يعني: من روايته عن عمرو بن شعيب [وانظر: سنن ابن ماجة (٢٠٣٨)، ضعفاء العقيلي (٤/ ٢١٦)، الكامل (٦/ ٣٧٦)، سنن الدارقطني (٤/ ٦٤ و ١٦٦)، سنن البيهقي (١٠/ ١٧٢)، تاريخ بغداد (٢/ ٤٥)]، والله أعلم.
وممن ذهب مذهب الشافعي في هذه المسألة جماعةٌ، منهم: ابن حبان، والبيهقي، وابن عبد البر، والخطيب وغيرهم [صحيح ابن حبان (١/ ١٦١ - ترتيبه)، التمهيد (١/ ١٣)، الكفاية (٣٦١)].
قال ابن حبان: "وأما المدلِّسون الذين هم ثقات وعدول، فإنا لا نحتج بأخبارهم إلا ما بيَّنوا السماع فيما رووا، … ؛ لأنا متى قبلنا خبر مدلِّس لم يبيِّن السماع فيه وإن كان ثقة لزمنا قبول المقاطيع والمراسيل، … ، فإذا صح عندي خبر من رواية مدلس أنَّه بيَّن السماع فيه، لا أبالي أن أذكره من غير كان السماع في خبره بعد صحته عندي من طريق آخر".
وقال ابن عبد البر: "إلا أن يكون الرجل معروفًا بالتدليس؛ فلا يقبل حديثه حتَّى يقول: حدثنا، أو: سمعت، فهذا ما لا أعلم فيه أيضًا خلافًا" [التمهيد (١/ ١٣)].
قال هذا عند التنظير لعلم المصطلح، وإرساء القواعد المتبعة مع أحاديث المدلِّسين، ثم رجع فخالف نفسه عند التطبيق، فقال (١٩/ ٢٧٨): "وقال بعض من يقول بالتيمم إلى المرفقين: قتادة إذا لم يقل: سمعت، أو: حدثنا، فلا حجة في نقله؛ وهذا تعسف! " [انظر: الحديث المتقدم برقم (٣٢٧)، تخريج أحاديث الذكر والدعاء (١/ ٣٥٧)]؛ يعني: أنَّه قد احتج بعنعنة قتادة، حيث لم يحفظ له سماع في هذا الحديث المذكور.
• والحاصل: فإن مذهب أكثر الأئمة النقاد في تطبيقاتهم العملية في إعلال الأحاديث وردَّها: أنهم لم يكونوا يردون حديثًا لمجرد عنعنة المدلِّس، وعدم تصريحه بالسماع، فلم يكن من ألفاظ إعلالهم للأحاديث المعلَّة: هذا حديث ضعيف؛ لأنَّه من رواية فلانٍ، وهو
стр. 4075
مشهور بالتدليس، وقد عنعنه، ولم يصرح بالسماع، وإنما كانوا يردونه لأمر آخر، يعودون به على المدلِّس بأنه قد دلس هذا الحديث بعينه، حيث لم يذكر فيه سماعًا، بل قد يعِلُّون الحديث بالتدليس مع وجود التصريح بالسماع، ومرجع ذلك عندهم إلى مقارنة الروايات بعضها ببعض، وجمع طرق الحديث الواحد حتَّى يتبين موضع الخلل فيه، ومعرفتهم بأحوال الرواة، وشيوخهم وتلاميذهم، وغير ذلك [انظر مثلًا: تاريخ الدوري (٣/ ٤٥٢/ ٢٢٢٢) و (٤/ ٢٠٤/ ٣٩٦٥) و (٤/ ٣٨٩/ ٤٩٢٦)، العلل ومعرفة الرجال (١/ ١٩١/ ١٧٦) و (١/ ٣٤٧/ ٦٤٤) و (١/ ٣٧٦/ ٧٢٣) و (٢/ ٢٥٢/ ٢١٥٥)، التاريخ الكبير (١/ ٧٤)، سنن أبي داود (٤٣٩١)، جامع الترمذي (١٠٩٦ و ١٢٨٦ و ١٤٢٥ و ٣٤٧٥ و ٣٦٦٢)، علل الترمذي الكبير (١٧١ و ٢٢٨ و ٣٣٧ و ٣٣٨ و ٥٢٩)، السنن الصغرى للنسائي (٨/ ٣٢١ / ٥٦٨٦)، السنن الكبرى للنسائي (٣/ ٦٣٠/ ٣١٣٣)، صحيح ابن خزيمة (٣٧ و ١٣٧ و ١٠٩٥ و ١٠٩٦)، صحيح أبي عوانة (٣/ ٤٠٥/ ٥٤٩٣ - ٥٤٩٦)، الأوسط لابن المنذر (٢٧٣٩)، الجرح والتعديل (٦/ ١٢٤)، علل الحديث لابن أبي حاتم (٩ و ١٠٩ و ٦٤٥ و ٧٣١ و ٧٩٤ و ٩٦٨ و ١١٠٤ و ١٢١٩ و ١٢٥٩ و ١٨٠٣ و ١٨٧٠ و ١٨٧١ و ١٨٧٩ و ١٩٥٧ و ٢٠٧٨ و ٢٠٨٧ و ٢١١٩ و ٢٢٥٥ و ٢٢٧٥ و ٢٣٩٤ و ٢٤٦٣ و ٢٥٧٩)، الكامل لابن عدي (٢/ ١٤١ و ٣١٩) و (٧/ ٥)، علل الدارقطني (٢/ ١٦٩/ ١٩٥) و (٦/ ٢٨/ ٩٥٨) و (٨/ ٢٠٤/ ١٥١٣) و (١٠/ ٩٥/ ١٨٨٨) و (١٥/ ١٠٧/ ٣٨٦٧)، سنن الدارقطني (١/ ١٥٨) و (٣/ ٢٠١ و ٢٥١)، سنن البيهقي (٣/ ٣٢٧) و (٥/ ٢٣٠) و (٦/ ١٣٦) و (٧/ ١٥٧)، مختصر الخلافيات (٣/ ٣٥٤)، معرفة علوم الحديث (١٠٣)، الكفاية (٣٥٨ و ٣٦٥)، تاريخ بغداد (١٣/ ٨٠)، الفتح لابن حجر (٨/ ٤٦٢)، وغيرها كثير جدًّا] [وانظر أيضًا: حديث كفارة المجلس في تخريج أحاديث الذكر والدعاء (٣٠٠)، تخريج سنن أبي داود هذا (١١ و ٢٣ و ٤٤ و ٦٧ و ٨٣ و ١٣٣ و ١٧٣ و ١٨٠ و ٢٠١ و ٢٠٤ و ٢٣٦ و ٣٥٦ و ٣٧٢ و ٣٨٦ و ٤٢٤ و ٤٢٩ و ٤٦١ و ٤٨٩ و ٤٩٢ و ٤٩٩ و ٥١٨ و ٥٥٩ و ٥٦٧ و ٥٨٤ و ٦٣٠ و ٦٥٣ و ٦٦٨ و ٦٨٤ و ٧٠٣ و ٧١٧) وغيرها].
بل لقد أخرج الشيخان في صحيحيهما وغيرُهما من أرباب الصحاح أحاديثَ بعض المدلِّسين معنعنةً، ولم يُعثر لها على طرقٍ صَرَّحُوا فيها بالسماع، مما يدل على أنهم قبلوها معنعنة لعدم وقوع التدليس فيها، وأنهم كانوا يرونها محمولة على الاتصال حتَّى يظهر فيها الانقطاع، وهذه من المسائل التي كثُر فيها الأخذ والرد من غير طائل، قال ابن حجر: "بل في الصحيحين وغيرهما جملة كثيرة من أحاديث المدلِّسين بالعنعنة" [انظر: النكت للزركشي (٢/ ٩٢ - ٩٧)، الشذا الفياح (١/ ١٧٧)، النكت لابن حجر (٢/ ٦٣٤ - ٦٤٤)، فتح المغيث (١/ ١٨٣)].
• فإن قيل: ابن إسحاق مشهور بكثرة التدليس، كما صرح بذلك الإمام أحمد، وعليه فيلزمكم عدم قبول حديثه حتَّى يصرح بالسماع في كل حديث حديث، وذلك لقول ابن المديني، فيما نقله عنه يعقوب:
стр. 4076
قال يعقوب: "وسألت علي بن المديني عن الرجل يدلس: أيكون حجة فيما لم يقل: حدثنا؟ فقال: إذا كان الغالب عليه التدليس فلا؛ حتَّى يقول: حدثنا" [التمهيد (١/ ١٨)، الكفاية (٣٦٢)].
فالجواب: قد سبق التدليل على قلة تدليس ابن إسحاق في سعة روايته، وأن الكثرة والقلة هي مسألة نسبية، تختلف بحسب آراء الأئمة، كما أن التطبيق العملي لابن المديني في شأن ابن إسحاق يدل على أنَّه يقبل حديثه المعنعن، ويراه من صحيح حديثه حتَّى يثبت عنده أنَّه دلسه، قال الحاكم في المعرفة (١٠٧): "قال علي بن المديني: حدثنا يعلى بن عبيد [يعني: الطنافسي، وهو: ثقة]، عن محمد بن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي: أن النبي ﷺ أهدى مائة بدنة، فيها جمل لأبي جهل، قال ابن المديني: فكنت أرى أن هذا من صحيح حديث ابن إسحاق؛ فإذا هو قد دلسه، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني من لا أتهم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، فإذا الحديث مضطرب".
ووصله البيهقي (٥/ ٢٢٩ و ٢٣٠)، وانظر أيضًا: صحيح ابن خزيمة (٢٨٩٧ و ٢٨٩٨)، مستدرك الحاكم (١/ ٤٦٧)، مسند أحمد (١/ ٢٦١ و ٢٧٣)، مشكل الآثار (٤/ ٢٦ و ٢٧)، معجم الطبراني الكبير (١١/ ٩٢/ ١١١٤٨)، سنن البيهقي (٥/ ٢٢٩)، دلائل النبوة (٤/ ١٥٢).
قلت: فلو كانت العنعنةُ وحدها علةً كافيةً لرد حديث ابن إسحاق؛ لما تردد إمام علم العلل في ردِّ هذا الحديث، وجعله من مردود حديث ابن إسحاق، حتَّى يصرح فيه بالسماع، أو على الأقل لكان توقف فيه، حتَّى يتبين له وجه الحديث، والله أعلم.
وقول جرير بن حازم هنا: سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن عمرو، صيغة تستعمل كثيرًا في موضع السماع، مثل ما تقدم معنا قريبًا: قال سفيان بن عيينة: فأما أنا فإنما سمعت الزهري يحدث عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه: سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور [تقدم برقم (٨١١)، وهو متفق عليه من حديث الزهري، وهذا لفظ البخاري]، ومثل قول شعبة: سمعت قتادة يحدث عن أَنس [عند مسلم برقم (٤٣ و ٤٤ و ٤٥ و ٤٢٥ و ٤٣٣ و ٥٥١ و ٧٩٩ و ١٠٤٧ و ١٠٥٩ و ١٧٠٦ و ٢٠٩٢ و ٢١٦٣)]، وقول المعتمر بن سليمان: سمعت منصورًا يحدث عن الحكم [عند مسلم (١١٩٤)]، وقول ابن عيينة: سمعت الزهري يحدث عن عروة بن الزبير [عند مسلم (١٢٧٧)]، وقول شعبة: سمعت أبا إسحاق يحدث عن عمرو بن ميمون [عند مسلم (١٧٩٤)]، وقول شعبة: سمعت أبا إسحاق يحدث عن صلة بن زفر [عند مسلم (٢٤٢٠)]، وقول شعبة: سمعت أبا إسحاق يحدث عن أبي الأحوص [عند مسلم (٢٦٠٦)]، وغير هذا كثير جدًّا في الصحيحين وغيرهما.
وأما جرير بن حازم فإنه بصري ثقة، من السادسة، وقد يهم على ابن إسحاق قليلًا
стр. 4077
[انظر: علل الترمذي الكبير (٢٧٥)]، وأما ابنه وهب، فإنه ثقة أيضًا، وقد يهم على أبيه [انظر: الحديث المتقدم برقم (٣٣٤)، سؤالات الآجري (١٣٣٥)]، وأما في هذا الحديث فليس عندنا قرينة تدل على خطأ أيٍّ منهم، فهو حديث حسن، والله أعلم.
كما أن لحديث ابن عمرو هذا شاهد صحيح بمعناه من حديث أبي هريرة، وآخر بلفظه من حديث ابن عمر ولا يصح، وقريبًا من معناه من حديث عثمان بن أبي العاص، ولا يصح أيضًا:
• أما حديث ابن عمر:
فيرويه يحيى بن عثمان بن صالح: ثنا أبو صالح عبد الله بن صالح: ثنا إسماعيل بن عياش، عن صالح بن كيسان، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، أنَّه قال: ما من سورة في المفصَّل صغيرة ولا كبيرة إلا قد سمعت رسول الله ﷺ يقرؤها في الصلاة كلِّها.
أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ٣٦٥/ ١٣٣٥٩)، قال: حدثنا يحيى به.
قلت: هو غريب جدًّا من حديث نافع، ثم من حديث صالح بن كيسان، فإن الشيخين قد أخرجا أحاديث بهذه الترجمة: صالح عن نافع عن ابن عمر [انظر: التحفة (٧٦٨٠ - ٧٦٨٧)]، وهي مشهورة مبثوثة عند أهل المدينة وغيرهم من الثقات، ولصالح تلاميذ كثر من أهل المدينة ومن غيرهم من الغرباء؛ فأين هم عن هذا الحديث الَّذي يتفرد به رجل من أهل الشام دونهم، لا سيما وحديثه عن أهل المدينة مضطرب ضعيف؛ يروي عنهم غرائب ومناكير، وليس لإسماعيل بن عياش عن صالحٍ كبيرُ حديث، بل إنه أحيانًا يروي عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن صالح، وقد تقدم قريبًا شاهدٌ على تخليط إسماعيل بن عياش فيما يرويه عن صالح بن كيسان، انظر ما تحت الحديث المتقدم برقم (٧٣٨).
ثم الراوي عن إسماعيل بن عياش الحمصي: أبو صالح عبد الله بن صالح المصري، كاتب الليث بن سعد: صدوق كثير الغلط، كانت فيه غفلة، وعنه: يحيى بن عثمان بن صالح القرشي السهمي مولاهم، أبو زكريا المصري، وهو: حافظ أخباري، صدوق، له ما يُنكَر، ويحدث من غير كتبه [التهذيب (٤/ ٣٧٧)، الميزان (٤/ ٣٩٦)، السير (١٣/ ٣٥٤)، إكمال مغلطاي (١٢/ ٣٤٧)]، فهو إسناد مدني، ثم حمصي، ثم مصري؛ فما أغربه، وأبعده عن الصحة والصلاحية في الشواهد والمتابعات!.
• وأما حديث عثمان بن أبي العاص:
فيرويه عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن داود بن أبي عاصم، عن عثمان بن أبي العاص: أن آخر ما فارقه رسول الله ﷺ قال: "إذا صليت بقوم فخفف بهم" حتَّى وَقَّتَ في: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾.
وفي رواية: آخر كلام كلمني رسول الله ﷺ إذ استعملني على الطائف، قال: "خفف الصلاة على الناس" حتَّى وَقَّتَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، وأشباهها من القرآن.
تقدم تخريجه تحت الحديث السابق برقم (٥٣١)، وهو حديث ضعيف.
стр. 4078
• وأما حديث أبي هريرة:
فيرويه الضحاك بن عثمان، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة، قال: ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله ﷺ من فلانٍ [لأمير كان بالمدينة]، فصلينا وراء ذلك الإنسان، وكان يطيل الأوليين من الظهر، ويخفف في الأخريين، ويخفف في العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصَّل، ويقرأ في العشاء بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ وأشباهها، ويقرأ في الصبح بسورتين طويلتين.
وفي رواية: ويقرأ في المغرب بقصار المفصَّل، ويقرأ في العشاء بوسط المفصَّل، ويقرأ في الصبح بطوال المفصَّل.
وهذه الرواية الثانية هي معنى حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهو حديث صحيح، سيأتي الكلام عليه في أول شواهد الباب، تحت الحديث الآتي (٨١٥).
• قال ابن رجب في الفتح (٤/ ٤٣٣) عن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: • فهذا يدل على إكثار النبي ﷺ من قراءة سور المفصَّل في الصلوات الجهريات الثلاث: قصارها، وطوالها، ومتوسطها، فإن كان يقرأ في الصبح بطول المفصَّل، وفي المغرب بقصاره، وفي العشاء بأوساطه؛ فهو موافق لحديث أبي هريرة وأنس، وهذا هو الظاهر، وإن كان يقرأ بقصار سور المفصَّل في العشاء أو في الصبح، فقراءتها في المغرب أولى".
***
٨١٥ - قال أبو داود: حدثنا عبيد الله بن معاذ: حدثنا أبي: حدثنا قُرَّة، عن النزَّال بن عمَّار، عن أبي عثمان النهدي، أنَّه صلى خلف ابن مسعود المغرب، فقرأ بـ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾.
• موقوف على ابن مسعود بإسناد لا بأس به.
أخرجه من طريق أبي داود: البيهقي (٢/ ٣٩١).
ورواه عبد الرحمن بن مهدي، ووهب بن جرير بن حازم:
عن قُرَّةَ بن خالد، عن النَّزَّال بن عمَّار، عن أبي عثمان النهدي، قال: صلى بنا عبد الله بن مسعود المغرب، فقرأ في إحدى الركعتين: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾، فلوددت أنَّه قرأ بسورة البقرة من حسن صوته وترتيله. لفظ ابن مهدي، ولم يذكر وهب: المغرب.
أخرجه البلاذري في أنساب الأشراف (٤/ ١٩) [وفي سنده تصحيف]، والمزي في التهذيب (٢٩/ ٣٣٨).
ورواه أبو داود الطيالسي، عن قُرَّةَ، عن النزال بن عمَّار، قال: حدثني أبو عثمان النهدي، قال: صلى بنا أبو مسعود المغرب فقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾، فودِدْت أنَّه كان قرأ سورة البقرة من حسن صوته.
стр. 4079
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣١٤/ ٣٥٩٥) (٣/ ٢٣٢/ ٣٦١٥ - ط عوامة) [ولم أعثر عليه في مسند الطيالسي].
هكذا قال: أبو مسعود، وهو البدري عقبة بن عمرو، وهو وهم، أو تصحيف، والصواب: ابن مسعود، فإن أبا عثمان النهدي عبد الرحمن بن مَلٍّ مشهور بالرواية عنه، وروايته عنه في الصحيحين وغيرهما، وقد تتابع على هذا القول: ثلاثة من الثقات الحفاظ: عبد الرحمن بن مهدي، ومعاذ بن معاذ العنبري، ووهب بن جرير بن حازم.
وأثر ابن مسعود هذا رجاله ثقات مشهورون، رجال الشيخين؛ غير النزال بن عمار: وهو بصري، روى عنه اثنان من الثقات، وذكره ابن حبان في الثقات [التهذيب (٤/ ٢١٦)].
فهو موقوف على ابن مسعود بسند لا بأس به.
• ومما جاء في القراءة في المغرب بقصار المفصَّل:
١ - حديث أبي هريرة، وأنس:
يرويه الضحاك بن عثمان، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة، قال: ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله ﷺ من فلانٍ [لأمير كان بالمدينة]، فصلينا وراء ذلك الإنسان، وكان يطيل الأوليين من الظهر، ويخفف في الأخريين، ويخفف في العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصَّل، ويقرأ في العشاء بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ وأشباهها، ويقرأ في الصبح بسورتين طويلتين.
وفي رواية: ويقرأ في المغرب بقصار المفصَّل، ويقرأ في العشاء بوسط المفصَّل، ويقرأ في الصبح بطوال المفصَّل.
وفي رواية: ويقرأ في الأوليين من المغرب بقصار المفصَّل، وفي الأوليين من العشاء بوسط المفصَّل، وفي الصبح بطوال المفصَّل.
أخرجه النسائي في المجتبى (٢/ ١٦٧/ ٩٨٢ و ٩٨٣)، وفي الكبرى (٢/ ١٤/ ١٠٥٦ و ١٠٥٧)، وابن ماجة (٨٢٧)، وابن خزيمة (١/ ٢٦١/ ٥٢٠)، وابن حبان (٥/ ١٤٥/ ١٨٣٧)، وأحمد (٢/ ٣٠٠ و ٣٢٩ و ٥٣٢)، والطحاوي (١/ ٢١٤)، وأبو طاهر المخلص في السادس من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (٢٤٦) (١٢٦٥ - المخلصيات)، وابن حزم في المحلى (٤/ ١٥٢)، والبيهقي (٢/ ٣٨٨ و ٣٩١).
• تنبيه: وقع هذا الحديث في روايةٍ عند الطحاوي مختصرًا اختصارًا مخلًا بمعنى الحديث من قبل أحد رواته حيث رواه مرفوعًا بلفظ صريح، فقال: كان رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بقصار المفصَّل، وهو وهم ظاهر.
قال ابن حجر في نتائج الأفكار (١/ ٤٥٩): "وهذا لو ثبت بهذا اللفظ لأغنى عما سواه، لكنه مختصر من الحديث"، ثم أسنده.
ثم قال: "وأخرجه الطحاوي أيضًا من رواية زيد بن الحباب عن الضحاك باللفظ الَّذي قدمته، فلم يُصِب من اختصره؛ فإن أبا هريرة لم يتلفظ بقوله: كان رسول الله ﷺ
стр. 4080
يقرأ في المغرب بقصار المفصَّل، وإنما تلفظ بالتشبيه، وهو لا يستلزم المساواة في جميع صفات الصلاة، والله أعلم".
هكذا رواه مختصرًا فوهم: زيد بن الحباب، وهو: صدوق، ورواه تامًّا على الصواب باللفظ المتقدم: عبد الله بن الحارث بن عبد الملك المخزومي [ثقة]، وأبو بكر عبد الكبير بن عبد المجيد الحنفي [ثقة]، ومحمد بن إسماعيل بن أبي فديك [صدوق]، والمغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله المخزومي [لا بأس به]، وعثمان بن مكتل [ثقة. الجرح والتعديل (٦/ ١٦٩)، الثقات (٨/ ٤٥٢)، صحيح ابن خزيمة (١٢٩٣)، صحيح أبي عوانة (١/ ٣٢٦/ ١١٥٥)، علل الدارقطني (١١/ ٢٣/ ٢٠٩٧)، إكمال ابن ماكولا (٧/ ٢٢١)].
وحديث أبي هريرة: حديث صحيح؛ إسناده صحيح على شرط مسلم [انظر: صحيح مسلم (١٥٢٨)]، وصححه ابن خزيمة وابن حبان، واحتج به النسائي.
وقد ترجم له النسائي بقوله: "باب القراءة في المغرب بقصار المفصَّل".
• وفي روايةٍ لأبي بكر الحنفي عن الضحاك: قال الضحاك: وحدثني من سمع أَنس بن مالك، يقول: ما رأيت أحدًا أشبهَ صلاةً بصلاة رسول الله ﷺ من هذا الفتى؛ يعني: عمر بن عبد العزيز، قال الضحاك: فصليت خلف عمر بن عبد العزيز، وكان يصنع مثل ما قال سليمان بن يسار.
أخرجه أحمد (٢/ ٣٢٩)، والبيهقي (٢/ ٣٨٨).
ووصله ابن أبي فديك، فرواه عن الضحاك بن عثمان، عن يحيى بن سعيد، أو: عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أَنس بن مالك، قال: ما صليت وراء أحدٍ أشبهَ صلاةً برسول الله ﷺ من هذا الفتى؛ يعني: عمر بن عبد العزيز، قال الضحاك: فكنت أصلي وراءه، فيطيل الأوليين من الظهر، ويخفُّ الأخريين، ويخفُّ العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصَّل، ويقرأ في العشاء بوسط المفصَّل، ويقرأ في الصبح بطوال المفصَّل.
أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٥/ ٣٣٢)، وأبو طاهر المخلص في السادس من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (٢٤٥) (١٢٦٤ - المخلصيات)، والذهبي في السير (١٠/ ٦٦٦).
لكن روى إسماعيل بن داود بن مخراق [منكر الحديث، يروي عن مالك بن أَنس وأهل المدينة، قال ابن حبان: "يسرق الحديث ويسويه"، اللسان (٢/ ١١٩)، المجروحين (١/ ١٢٩)]، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن أَنس بن مالك، قال: ما صليت خلف أحد أشبه برسول الله ﷺ من هذا الفتى، يعني: عمر بن عبد العزيز.
أخرجه ابن حبان في المجروحين (١/ ١٢٩)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٢/ ٢٢٥).
قال ابن حبان: "وهذا خبر باطل؛ ليس من حديث مالك، ولا من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري، إنما رواه شريك بن أبي نمر عن أَنس فقط".
стр. 4081
فاستفدنا من كلام ابن حبان كون الحديث معروفًا عن شريك، وأنه ليس من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري.
وعليه: فإن حديث ابن أبي فديك إسناده حسن، والله أعلم.
• وحديث أَنس هذا روي من وجوه أخر [يأتي أحدها عند أبي داود برقم (٨٨٨)]، نذكر منها ما تناول القراءة في الصلاة:
فقد روى فليح بن سليمان، عن محمد بن مُساحِقٍ، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أَنس، قال: ما رأيت إمامًا أشبهَ صلاةً برسول الله ﷺ من إمامكم، لعمر بن عبد العزيز، قال: وكان عمر لا يطيل القراءة.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٢٣٥)، وأحمد (٣/ ١٤٤ و ٢٢١ و ٢٥٩).
وهذا إسناد صالح في المتابعات، محمد بن مساحق، لا يُعرف له غير هذا الحديث، ولا روى عنه سوى فليح، وذكره ابن حبان في الثقات [الجرح والتعديل (٨/ ١٥١)، الثقات (٧/ ٤٢٠)، التعجيل (٩٧٢)]، وفليح بن سليمان: صدوق، كثير الخطأ.
• والحاصل: فقد صح بذلك هذا الخبر من حديث أبي هريرة، ومن حديث أَنس.
وقد حسن إسناد حديث أبي هريرة النووي في الخلاصة (١٢١٥)، وصححه في المجموع (٣/ ٣٣٥).
وقال ابن القيم بأنه على شرط مسلم [حاشيته على سنن أبي داود (٣/ ٧٨)].
وقال ابن رجب في الفتح (٤/ ٤٣٣): "فهذا حديث صحيح عن أبي هريرة وأنس، ويدل على أن النبي ﷺ كان يقرأ في المغرب بقصار المفصَّل".
وقال ابن حجر في نتائج الأفكار (١/ ٤٥٩): "هذا حديث صحيح من حديث أبي هريرة، والمرفوع منه تشبيه أبي هريرة صلاة الأمير المذكور بصلاة رسول الله ﷺ ، وما عدا ذلك موقوف إن كان الأمير المذكور صحابيًّا، أو مقطوع إن لم يكن.
وأما حديث أنس ففي سنده مبهم يمنع من الحكم بصحته، والمرفوع منه أيضًا التشبيه، وما عداه مقطوع"، [سبق كان اتصال حديث أَنس].
وكان قال قبل ذلك (١/ ٤٤٥): "وأما القراءة في المغرب بقصار المفصَّل، فلم أر في ذلك حديثًا صحيحًا صريحًا، بل الوارد في الأحاديث الصحيحة أنَّه قرأ فيها بطوال المفصَّل؛ كالطور والمرسلات، وبأطول منها كالدخان، وبأطول من ذلك أضعافًا كالأعراف.
وأقوى ما رأيته في ذلك حديث أبي هريرة، لكن سياقه ليس نصًّا في رفعه" [وانظر: الفتح لابن حجر (٢/ ٢٤٨)].
٢ - حديث معاذ بن جبل:
روى محارب بن دثار، عن جابر بن عبد الله: أن رجلًا من الأنصار مرَّ بناضحين له، ومعاذ يصلي المغرب، فافتتح سورة البقرة، فصلى الرجل ثم ذهب، فبلغ ذلك النبي ﷺ
стр. 4082
فقال: "أفتان يا معاذ" أفتان يا معاذ" أولا قرأت بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾؟، ونحوهما". لفظ سفيان الثوري، وقد رواه عن محارب جماعة من الثقات، وقد تقدم تخريجه بطرقه تحت الحديث رقم (٦٠٠).
وقلت هناك: هكذا قال محارب بن دثار في هذا الحديث عن جابر: المغرب، وخالفه جماعة ممن رووه عن جابر فقالوا: العشاء، وممن قال ذلك عن جابر: عمرو بن دينار، وأبو الزبير، وعبيد الله بن مقسم، وأبو صالح، وقولهم أقرب إلى الصواب، وقد نبه البخاري على ذلك في صحيحه، حيث حذف لفظة المغرب من حديث شعبة عن محارب، ثم قال: "وتابعه سعيد بن مسروق ومسعر والشيباني [يعني: على أنها المغرب]، قال عمرو وعبيد الله بن مقسم وأبو الزبير عن جابر: قرأ معاذ في العشاء بالبقرة، وتابعه الأعمش عن محارب"؛ يعني: على أنها العشاء، والله أعلم.
وقال البيهقي (٣/ ١١٦): "كذا قال محارب بن دثار عن جابر: المغرب، وقال عمرو بن دينار، وأبو الزبير، وعبيد الله بن مقسم، عن جابر: العشاء".
٣ - حديث جابر بن سمرة:
يرويه أبو قلابة عبد الملك بن محمد بن عبد الله الرقاشي، قال: حدثني أبي، قال: حدثني سعيد بن سماك بن حرب، قال: حدثني أبي، ولا أعلمه إلا عن جابر بن سمرة، قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ في صلاة المغرب ليلة الجمعة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وكان يقرأ في صلاة العشاء الآخرة ليلة الجمعة: سورة الجمعة والمنافقين.
أخرجه ابن حبان في صحيحه (٥/ ١٤٩/ ١٨٤١)، وفي الثقات (٦/ ٣٦٧)، وابن مخلد البزاز في حديثه عن ابن السماك والخلدي (٤٥)، وجعفر المستغفري في فضائل القرآن (٢/ ٧٢٨/ ١٠٩٢)، والبيهقي (٢/ ١/ ٣٩) و (٣/ ٢٠١).
قال ابن حبان في الثقات: "والمحفوظ عن سماك: أن النبي ﷺ "؛ يعني: مرسلًا، بدون ذكر جابر.
قلت: سعيد بن سماك بن حرب: متروك الحديث [اللسان (٤/ ٥٨)]، وأبو قلابة عبد الملك بن محمد بن عبد الله الرقاشي البصري: صدوق، كثير الخطأ في الأسانيد والمتون، كان يحدث من حفظه فكثرت الأوهام في روايته، ومن روى عنه بالبصرة فسماعه أصح ممن سمع منه ببغداد، وهذا الحديث رواه عنه جماعة من البغداديين والغرباء، وممن نُصَّ على أنهم ممن سمع منه بأخرة بعد اختلاطه، مثل: أبي عمرو عثمان بن أحمد بن السماك، وأبي سهل أحمد بن محمد بن عبد الله بن زياد القطان، وأبي العباس محمد بن يعقوب الأصم، وأبي بكر أحمد بن سلمان النجاد الفقيه، وغيرهم [التهذيب (٢/ ٦٢٤)، الكواكب النيرات (٣٧)، شرح علل الترمذي (٢/ ٧٥١)].
стр. 4083
٤ - حديث عبد الله بن يزيد الأنصاري:
رواه إسرائيل، عن جابر، عن عامر، عن عبد الله بن يزيد الأنصاري؛ أن النبي ﷺ قرأ في المغرب بـ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾.
وهذا إسناد واهٍ، تقدم ذكره في شواهد الباب السابق.
• وانظر فيما لا يصح أيضًا:
مسند أبي يعلى (٦/ ١٥٠/ ٣٤٢٩) [من حديث أَنس، وفي إسناده: عباد بن كثير الثقفي البصري، وهو: متروك، قال أحمد: "روى أحاديث كذب، لم يسمعها]، التهذيب (٢/ ٢٨٠)]. مسند البزار (٦/ ١٢٧/ ٢١٧٤)، المعجم الكبير للطبراني (٣/ ٦٢٤٧/٦٨١ - جامع المسانيد والسنن" [من حديث عبد الله بن الحارث بن عبد المطلب، وهو حديث منكر؛ تفرد به عن ابن أخي الزهري، عن الزهري، عن الأعرج: حجاج بن نصير، وهو: ضعيف؛ وكان يقبل التلقين. انظر: التهذيب (١/ ٣٦٢)، نتائج الأفكار (١/ ٤٥٢)، مجمع الزوائد (٢/ ١١٨)].
• ومما روي من الآثار في القراءة في المغرب:
١ - روى مالك، عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك؛ أن عبادة بن نسي أخبره؛ أنَّه سمع قيس بن الحارث، يقول: أخبرني أبو عبد الله الصنابحي؛ أنَّه قدم المدينة في خلافة أبي بكر الصديق ﵁، فصلى وراء أبي بكر المغرب، فقرأ أبو بكر في الركعتين الأوليين بأم القرآن، وسورةٍ سورةٍ من قصار المفصَّل، ثم قام في الركعة الثالثة، فدنوتُ منه حتَّى إن ثيابي لتكادُ تمسُّ ثيابه، فسمعته قرأ بأم القرآن وهذه الآية: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨].
أخرجه مالك في الموطأ (١/ ١٢٩/ ٢٠٩ - رواية يحيى الليثي) (١/ ٨٤/ ٢١٨ - رواية أبي مصعب الزهري) (١١٦ - رواية القعنبي).
ومن طريقه: البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٢٥٨) و (٥/ ٣٢٢)، وفي التاريخ الأوسط (١/ ١٦٦)، وأبو داود [في رواية أبي الطيب ابن الأشناني. عزاه إليه المزي في التحفة (٥/ ٢٠/ ٦٦٠٧ - ط دار الغرب)، وفي التهذيب (٢٤/ ٩)، عن القعنبي عن مالك به، وكذا السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٥٥)، والمتقي الهندي في كنز العمال (٨/ ١٣٢ / ٢٢٩١٧)، ولم أجده في النسخ المطبوعة من سنن أبي داود، ولم يعزه ابن الأثير في جامع الأصول (٥/ ٣٤٧/ ٣٤٦٢)، ولا النووي في الخلاصة (١٢١٦)، ولا في المجموع (٣/ ٣٣٥)؛ إلا للموطأ]، والشافعي في الأم (٧/ ٢٠٧ و ٢٢٨)، وفي المسند (٢١٥)، وعبد الرزاق (٢/ ١٠٩/ ٢٦٩٨)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة (٢/ ١٣٠)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١١٢/ ١٣٢٩) و (٣/ ٣٠٠/ ١٦٨٣)، والطحاوي في المشكل (١٢/ ٥٤ و ٥٥)، والبيهقي في السنن (٢/ ٦٤ و ٣٩١)، وفي المعرفة (١/ ٥٣٤/ ٧٤٤)، والخطيب في الموضح (١/ ٢٧٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٦/ ٢١١ و ٢١٢)، والمزي في التهذيب (٩/ ٢٤).
стр. 4084
وهذا موقوف على أبي بكر الصديق بإسناد صحيح.
وصحح إسناده النووي في الخلاصة (١٢١٦)، وفي المجموع (٣/ ٣٣٥).
وله طرق أخرى عند: البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٢٥٨)، وعبد الرزاق (٢/ ١١٠/ ٢٦٩٩)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٢٦/ ٣٧٢٧)، والطحاوي في المشكل (١٢/ ٥٥)، والدارقطني في العلل (١/ ٢٥٩/ ٥٢)، والبيهقي في الشعب (١/ ٥٠٧/ ٨٦٠)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٦/ ٢١٢).
٢ - وروى الثوري، عن علي بن زيد بن جدعان، عن الحسن وغيره، قال: كتب عمر إلى أبي موسى: أن اقرأ في المغرب بقصار المفصَّل، وفي العشاء بوسط المفصَّل، وفي الصبح بطوال المفصَّل.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ١٠٤/ ٢٦٧٢).
هكذا رواه عبد الرزاق عن الثوري، وخالفه: أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي، فقال: حدثنا سفيان، عن علي بن علي الرفاعي، عن الحسن، قال: كتب عمر ﵁ إلى أبي موسى الأشعري: أن اقرأ في المغرب بقصار المفصَّل، وفي العشاء بوسط المفصَّل، وفي الفجر بطوال المفصَّل.
أخرجه ابن أبي داود في المصاحف (٥٠٨).
قلت: رواية عبد الرزاق أولى؛ فإن أبا حذيفة: صدوق، كثير الوهم، سيئ الحفظ، ليس بذاك في الثوري، وضعفه جماعة في سفيان [التقريب (٦١٩)، شرح علل الترمذي (٢/ ٧٢٦)، التهذيب (٤/ ١٨٨)].
خالفه: شريك بن عبد الله النخعي، فرواه عن علي بن زيد بن جدعان، عن زرارة بن أوفى، قال: أقرأني أبو موسى كتاب عمر بن الخطاب إليه: أن اقرَأ بالناس في الفجر بأول المفصَّل، وفي العشاء بوسط المفصَّل، في المغرب بآخر المفصَّل.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣١٤ و ٣١٦/ ٣٥٩٤ و ٣٦١١)، وحرب الكرماني في مسائله (١٣٨).
قلت: ورواية الثوري أولى بالصواب، شريك بن عبد الله النخعي كان سيئ الحفظ، كثير الغلط، وعليه فلا يثبت هذا الأثر عن عمر بن الخطاب من هذا الوجه؛ فإن علي بن زيد بن جدعان: ضعيف؛ والحسن البصري لم يدرك عمر.
٣ - وروى سفيان الثوري، وأبو الأحوص، وزهير بن معاوية، وزكريا بن أبي زائدة: عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: صلى بنا عمر صلاة المغرب فقرأ في الركعة الأُولى: بـ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾، وفي الركعة الثانية: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾، و ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾. لفظ أبي الأحوص، ولفظ الثوري بنحوه.
زاد ابن أبي زائدة أن ذلك كان بمكة، وأنه رفع صوته فقال: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: ٣]، وختم القصة بقوله: جميعًا من أجل أن فيهن ذكر البلد.
стр. 4085
وفي رواية زهير: حججت مع عمر بن الخطاب ﵁، فقرأ في الركعة الآخرة من المغرب: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ و ﴿لِإِيلَافِ﴾.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ١٠٩/ ٢٦٩٧)، وابن أبي شيبة (١/ ٣١٤/ ٣٥٩٣)، وابن جرير الطبري في تفسيره (٣٠/ ٢٤٠)، والطحاوي (١/ ٣٤٨)، وجعفر المستغفري في فضائل القرآن (٢/ ٦٧٦ و ٦٨٣/ ١٠٠٣/ ١٠١٣).
وهذا موقوف على عمر بن الخطاب بإسناد صحيح على شرط البخاري [انظر: صحيح البخاري (١٦٨٤ و ٣٨٣٨)].
وأما ما رواه شعبة، وسفيان الثوري، وإسرائيل، وأبو الأحوص، وزهير بن معاوية، وزكريا بن أبي زائدة [مطولًا ومختصرًا]:
عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: لما طُعِن عمر [وهاج الناس] كادت الشمس أن تطلع، فقدَّموا عبد الرحمن بن عوف فأَمَّهم بأقصر سورتين في القرآن: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، و ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾.
أخرجه ابن سعد في الطبقات (٣/ ٣٤٩)، وابن أبي شيبة (١/ ٤٠٦/ ٤٦٧١) و (٧/ ٤٣٧/ ٣٧٠٦٤)، والحارث بن أبي أسامة (٢/ ٦٢٢/ ٥٩٤ - زوائده)، وابن أبي داود في المصاحف (٥٠٩)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٥١)، والبيهقي (٣/ ١١٣).
فهو حديث آخر في واقعة مختلفة.
٤ - وروى وكيع، عن سفيان، عن خالد، عن عبد الله بن الحارث: أن ابن عباس قرأ الدخان في المغرب.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣١٥/ ٣٥٩٦) (٣/ ٢٣٢ - ٢٣٣/ ٣٦١٦ - ط عوامة).
وهذا موقوف على ابن عباس بإسناد صحيح، رجاله رجال الشيخين، عبد الله بن الحارث هو: الأنصاري أبو الوليد البصري، وروايته عن ابن عباس في الصحيحين [البخاري (٦١٦)، مسلم (٦٩٩)]، وخالد هو: ابن مهران الحذاء، وسفيان هو: الثوري.
٥ - وروى وكيع، ومحمد بن جعفر:
عن شعبة، عن أبي نوفل بن أبي عقرب، قال: سمعت ابن عباس يقرأ في المغرب: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾.
أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في فضائل القرآن (٢/ ١٣٠)، وابن أبي شيبة (١/ ٣١٥/ ٣٥٩٧)، وابن أبي داود في المصاحف (٢١٧).
وهذا موقوف على ابن عباس بإسناد صحيح، رجاله رجال الشيخين، غير أبي نوفل بن أبي عقرب فمن رجال مسلم.
٦ - وروى ابن عيينة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت ابن عمر يقرأ بـ ﴿ق﴾ في المغرب.
стр. 4086
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣١٥/ ٣٥٩٨).
هكذا رواه ابن أبي شيبة عن ابن عيينة، وخالفه:
عبد الرزاق، فرواه عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن رجل سمع ابن عمر يقرأ في المغرب ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ١٠٨/ ٢٦٩٥)، ومن طريقه: جعفر المستغفري في فضائل القرآن (٢/ ٦٢١/ ٩٢٦).
هكذا اختلف حافظان كبيران على ابن عيينة، فكما أن يكون مضطربًا، اضطرب فيه ابن عيينة، وإلا فابن عيينة المكي أحفظ لحديث عمرو بن دينار المكي وأعلم به من حديث عمرو بن مرة الكوفي، فهو أثر ضعيف؛ إما لاضطرابه، وإما لأجل المبهم في رواية عمرو بن دينار، والله أعلم.
٧ - وروى عبدة بن سليمان [ثقة ثبت]، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع: أن ابن عمر قرأ مرةً في المغرب بـ ﴿يس﴾.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣١٥/ ٣٥٩٩).
وهذا موقوف على ابن عمر بإسناد صحيح.
٨ - وروى ابن علية، عن ليث، عن نافع، عن ابن عمر أنَّه قرأ في المغرب بـ ﴿يس﴾، و ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣١٥/ ٣٦٠٥).
وهله متابعة صالحة لرواية عبدة عن عبيد الله بن عمر العمري، دون زيادة ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾، وإسنادها ضعيف؛ لأجل ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف؛ لاختلاطه وعدم تميز حديثه.
٩ - وروى محمد بن مسلم، عن إبراهيم بن ميسرة، قال: أخبرني صالح بن كيسان، أنَّه سمع ابن عمر قرأ في المغرب: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ١٠٨/ ٢٦٩٦)، ومن طريقه: جعفر المستغفري في فضائل القرآن (٢/ ٦١٨/ ٩١٨).
"صالح بن كيسان" كذا هو في إسناد الدبري عن عبد الرزاق، ولعله تحرف عن طاوس بن كيسان، إذ هو المعروف بالرواية عن ابن عمر، وعنه: إبراهيم بن ميسرة، ورجاله رجال مسلم، ومحمد بن مسلم الطائفي: صدوق، يخطئ إذا حدث من حفظه، وكتابه أصح، وله غرائب، وقد ضعفه أحمد على كل حال، من كتاب وغير كتاب [انظر: التهذيب (٣/ ٦٩٦)، الميزان (٤/ ٤٠)، التقريب (٥٦٤)].
وعليه: فهذا موقوف على ابن عمر بإسناد حسن غريب.
١٠ - حسين بن علي، عن زائدة، عن هشام، عن الحسن، قال: كان عمران بن حصين يقرأ في المغرب: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾.
стр. 4087
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣١٥/ ٣٦٠١) (٣/ ٢٣٣/ ٣٦٢١ - ط عوامة).
وهذا منقطع؛ الحسن لم يسمع من عمران بن حصين [المراسيل (١١٩ - ١٢٦)، وفي رواية هشام بن حسان عن الحسن البصري مقال، وروايته عنه في الصحيحين.
• قلت: حاصل ما صح في باب القراءة في المغرب مرفوعًا وموقوفًا: يدل على أنَّه لا توقيت فيها، ولا في غيرها من الصلوات، وإن كان حديث عبد الله بن عمرو وحديث أبي هريرة وأنس تدل على أن الأكثر القراءة فيها بسور المفصَّل لا سيما قصارها، وهو الأقرب للأحاديث الواردة في حث الأئمة على التخفيف، والله أعلم.
• قال الترمذي بعد حديث أم الفضل في القراءة بالمرسلات: "وقد رُوي عن النبي ﷺ أنَّه قرأ في المغرب بالأعراف في الركعتين كلتيهما، ورُوي عن النبي ﷺ أنَّه قرأ في المغرب بالطور، ورُوي عن عمر أنَّه كتب إلى أبي موسى: أن اقرأ في المغرب بقصار المفصَّل، ورُوي عن أبي بكر الصديق: أنَّه قرأ في المغرب بقصار المفصَّل.
قال: وعلى هذا العمل عند أهل العلم، وبه يقول ابن المبارك وأحمد وإسحاق، وقال الشافعي وذكر عن مالك أنَّه كره أن يُقْرَأَ في صلاة المغرب بالسور الطوال نحو الطور والمرسلات، قال الشافعي: لا أكره ذلك، بل أستحب أن يُقْرَأَ بهذه السور في صلاة المغرب".
وقال ابن خزيمة (١/ ٢٦١): "هذا الاختلاف في القراءة من جهة المباح، جائزٌ للمصلي أن يقرأ في المغرب وفي الصلوات كلها التي يزاد على فاتحة الكتاب فيها بما أحبَّ، وشيئًا من سور القرآن، ليس بمحظور عليه أن يقرأ بما شاء من سور القرآن؛ غير أنَّه إذا كان إمامًا فالاختيار له أن يخفف في القراءة، ولا يطوِّل بالناس في القراءة فيفتنهم؛ كما قال المصطفى ﷺ معاذ بن جبل: "أتريد أن تكون فتانًا"، وكما أمر النبي ﷺ الأئمة أن يخففوا الصلاة، فقال: "من أم منكم الناس فليخفف".
وقال ابن عبد البر في الاستذكار (١/ ٤٢٦): "فكل ذلك من المباح الجائز أن يقول المرء بما شاء مع أم القرآن؛ ما لم يكن إمامًا يطوِّل على من خلفه، وبنحو ذلك تواترت الآثار في القراءة عن النبي ﷺ في الصلاة، مرة يخفف، وربما طوَّل، صنع ذلك في كل صلاة، وهذا كلُّه يدل على أن لا توقيت في القراءة عند العلماء بعد فاتحة الكتاب، وهذا إجماع من علماء المسلمين، ويشهد لذلك قوله ﷺ : "من أمَّ الناس فليخفِّف"، ولم يحد شيئًا".
وقال النووي في شرح مسلم (٤/ ١٧٤): "قال العلماء: كانت صلاة رسول الله ﷺ تختلف في الإطالة والتخفيف باختلاف الأحوال، فإذا كان المأمومون يؤثرون التطويل؛ ولا شغل هناك له ولا لهم طوَّل، وإذا لم يكن كذلك خفَّف، وقد يريد الإطالة ثم يعرض ما
стр. 4088
يقتضي التخفيف كبكاء الصبي ونحوه، وينضم إلى هذا أنَّه قد يدخل في الصلاة في أثناء الوقت فيخفف، وقيل: إنما طوَّل في بعض الأوقات وهو الأقل، وخفَّف في معظمها، فالإطالة لبيان جوازها، والتخفيف لأنَّه الأفضل، وقد أمر ﷺ بالتخفيف، وقال: "إن منكم منفِّرين؛ فأيكم صلى بالناس فليخفف؛ فإن فيهم السقيم والضعيف وذا الحاجة"، وقيل: طوَّل في وقتٍ، وخفَّف في وقتٍ، ليبيِّن أن القراءة فيما زاد على الفاتحة لا تقدير فيها من حيث الاشتراط، بل يجوز قليلها وكثيرها، وإنما المشترط الفاتحة، ولهذا اتفقت الروايات عليها، واختلف فيما زاد، وعلى الجملة: السُّنَّة التخفيف؛ كلما أمر به النبي ﷺ للعلة التي بيَّنها، وإنما طوَّل في بعض الأوقات لتحقُّقِه انتفاءَ العلة، فإن تحقَّق أحدٌ انتفاء العلة طوَّل [وانظر: المجموع شرح المهذب (٣/ ٣٣٧)].
وقال ابن دقيق العيد في الإحكام (١/ ٢٦٧): "والصحيح عندنا: أن ما صح في ذلك عن النبي ﷺ مما لم يكثر مواظبته عليه فهو جائز من غير كراهة، كحديث جبير بن مطعم في قراءة الطور في المغرب، وكحديث قراءة الأعراف فيها، وما صحت المواظبة عليه فهو في درجة الرجحان في الاستحباب؛ إلا أن غيره مما قرأه النبي ﷺ غير مكروه".
وانظر أيضًا: شرح السُّنَّة (٣/ ٨٠)، عارضة الأحوذي (٢/ ١٠٤)، فتح الباري لابن رجب (٤/ ٤١٨)، الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٣/ ٢٠٤)، الفتح لابن حجر (٢/ ٢٤٨)، وغيرها.
• قال ابن القيم في حاشيته على سنن أبي داود (٣/ ٧٧) بعد حديث أم الفضل في القراءة في المغرب بالمرسلات: "وهذا يدل على أن هذا الفعل غير منسوخ لأنَّه كان في آخر حياته ﷺ " [وانظر: الإحكام لابن حزم (٢/ ٢٢٥)، [وانظر: كتاب الصلاة وحكم تاركها (١٩٣)].
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فهذه الأحاديث من أصح الأحاديث، وقد ثبت فيها أنَّه كان يقرأ في المغرب تارة بالأعراف، وتارة بالطور، وتارة بالمرسلات، مع اتفاق الفقهاء على أن القراءة في المغرب سُنَّتُها أن تكون أقصر من القراءة في الفجر، فكيف تكون القراءة في الفجر وغيرها؟! [المجموع (٢٢/ ٥٩٩)].
قلت: قد ظهر من مجموع أحاديث الباب أن الأمر واسع، والأخذ بالتخفيف على المأمومين هو الأقرب لما سبق بيانه، ولا يمنع هذا من كون الإمام يقرأ أحيانًا بشيء من طوال المفصَّل وأوساطه، كالطور والمرسلات ونحوهما، اقتداءً بسُنته الفعلية"، ولا يتخذه عادةً فيُمِلَّ الناسَ، والله أعلم.
***
стр. 4089
باب تكميلي
باب القراءة في صلاة العشاء
١ - حديث جابر في قصة معاذ بن جبل:
رواه سفيان، عن عمرو بن دينار: سمع جابر بن عبد الله، يقول: كان معاذ يصلي مع النبي ﷺ ، ثم يأتي فيؤلم قومه، فصلى ليلةً مع النبي ﷺ العشاء، ثم أتى قومه فأفهم، فافتتح بسورة البقرة، فانحرف رجلٌ فسلَّم، ثم صلى وحده وانصرف، فقالوا له: أنافقتَ يا فلان؛ قال: لا والله، ولآتِيَنَّ رسول الله ﷺ فلأُخبرنَّه، فأتى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إنا أصحاب نواضح، نعمل بالنهار، وإن معاذًا صلى معك العشاء، ثم أتى فافتتح بسورة البقرة، فأقبل رسول الله ﷺ على معاذ، فقال: "يا معاذ أفتان أنت، اقرأ بكذا، واقرأ بكذا".
قال سفيان: فقلت لعمرو: إن أبا الزبير حدثنا عن جابر أنَّه قال: "اقرأ: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، ﴿وَالضُّحَى﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ "، فقال عمرو: نحو هذا. لفظ مسلم.
• ولفظ الشافعي عن ابن عيينة: كان معاذ بن جبل يصلي مع النبي ﷺ العشاء - أو: العتمة -، ثم يرجع فيصليها بقومه في بني سلمة، قال: فأخَّر النبي ﷺ العشاء ذات ليلة، فصلى معه معاذ، قال: فرجع فأمَّ قومه فقرأ بسورة البقرة، فتنحى رجل من خلفه فصلى وحده، فقالوا له: أنافقت؟ قال: لا، ولكني آتي رسول الله ﷺ ، فأتاه، فقال: يا رسول الله! إنك أخرت العشاء، وإن معاذًا صلى معك، ثم رجع فأمَّنا، فافتتح بسورة البقرة، فلما رأيت ذلك تأخرت وصليت، وإنما نحن أصحاب نواضح نعمل بأيدينا، فأقبل النبي ﷺ على معاذ، فقال: "أفتان أنت يا معاذ؟ أفتان أنت يا معاذ؟ اقرأ بسورة كذا وسورة كذا".
قال الشافعي: أخبرنا سفيان بن عشة، قال: حدثنا أبو الزبير، عن جابر، مثله، وزاد فيه: أن النبي ﷺ قال: اقرأ: بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ ونحوها".
قال سفيان: فقلت لعمرو: إن أبا الزبير يقول: قال له: "اقرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾، فقال عمرو: هو هذا أو نحوه.
وزاد سفيان في رواية أخرى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾.
أخرجه مسلم (٤٦٥/ ١٧٨)، وتقدم تخريجه برقم (٦٠٠).
وهذا الحديث قد رواه عن عمرو بن دينار جماعة مطولًا ومختصرًا.
• وفي رواية شعبة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله: أن معاذًا كان يصلي
стр. 4090
مع رسول الله ﷺ ، ثم يأتي قومه فيصلي بهم، فجاء ذات ليلة فصلى العتمة، وقرأ البقرة، فجاء رجل من الأنصار فصلى ثم ذهب، فبلغه أن معاذًا ينال منه، فشكى ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ لمعاذ: "فاتِنًا، فاتِنًا، فاتِنًا أو: "فتَّانًا، فتَّانًا، فتَّانًا"، ثم أمره بسورتين من وسط المُفصَّل.
أخرجه البخاري (٧٠٠ و ٧٠١)، وانظر أيضًا: صحيح البخاري (٧١١ و ٦١٠٦)، وتقدم تخريجه برقم (٦٠٠).
• ورواه الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر أنَّه قال: صلى معاذ بن جبل الأنصاري لأصحابه العشاء، فطوَّل عليهم، فانصرف رجل منا، فصلى، فأخبِر معاذٌ عنه، فقال: إنه منافق، فلما بلغ ذلك الرجلَ، دخل على رسول الله ﷺ ، فأخبره ما قال معاذ، فقال له النبي ﷺ : "أتريد أن تكون فتَّانًا يا معاذ؟ إذا أَمَمْتَ الناس فاقرأ: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ ".
أخرجه مسلم (٤٦٥/ ١٧٩)، وتقدم تخريجه تحت الحديث رقم (٦٠٠).
• ورواه شعبة، قال: حدثنا محارب بن دثار، قال: سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: أقبل رجل بناضحين، وقد جنح الليل، فوافق معاذًا يصلي، فترك ناضحه، وأقبل إلى معاذ، فقرأ بسورة البقرة أو النساء [محارب الَّذي يشك]، فانطلق الرجل، وبلغه أن معاذًا نال منه، فأتى [الرجلُ، النبيَّ ﷺ فشكا إليه معاذًا، فقال النبي ﷺ : "يا معاذ أفتَّان أنت؟ - أو: فاتن -" ثلاث مرار، "فلولا صلَّيتَ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، ﴿وَالضُّحَى﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، فإنه يصلي وراءَك الكبيرُ والضعيفُ وذو الحاجة".
أخرجه البخاري (٧٠٥)، وتقدم تخريجه تحت الحديث رقم (٦٠٠)، وانظر هناك بقية طرقه وألفاظه.
٢ - حديث أَنس بن مالك:
رواه جماعة من الحفاظ، عن إسماعيل ابن علية: ثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أَنس، قال: كان معاذ بن جبل يؤم قومه، فدخل حرام وهو يريد أن يسقي نخله، فدخل المسجد ليصلي مع القوم فلما رأى معاذًا طوَّل تجوَّز في صلاته، ولحق بنخله يسقيه، فلما قضى معاذ الصلاة قيل له: إن حرامًا دخل المسجد فلما رآك طوَّلت تجوَّز في صلاته ولحق بنخله يسقيه، فقال: إنه منافق، أيتعجل الصلاة من أجل سقي نخله!، فجاء حرام إلى النبي ﷺ ومعاذ عنده فقال: يا نبي الله! إني أردت أن أسقي نخلًا لي، فدخلت المسجد لأصلي مع القوم، فلما طوَّل تجوَّزت في صلاتي ولحقت بنخلي أسقيه، فزعم أني منافق؟، فأقبل النبي ﷺ على معاذ، فقال: "أفتان أنت؟ أفتان أنت؟ لا تطوِّل بهم، اقرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، ونحوهما".
أخرجه النسائي في الكبرى (١٠/ ٣٣٥/ ١١٦١٠)، وهو حديث صحيح، إسناده صحيح على شرط الشيخين. وتقدم تخريجه تحت الحديث رقم (٦٠٠).
стр. 4091
٣ - حديث بريدة بن الحصيب:
يرويه زيد بن الحباب، وعلي بن الحسن بن شقيق:
حدثنا الحسين بن واقد، قال: حدثنا عبد الله بن بريدة [الأسلمي]، قال: سمعت أبي بريدة يقول: إن معاذ بن جبل صلى بأصحابه صلاة العشاء فقرأ فيها ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾، فقام رجل من قبل أن يفرغ، فصلى وذهب، فقال له معاذ قولًا شديدًا، فأتى الرجلُ النبيَّ ﷺ فاعتذر إليه، فقال: إني كنت أعمل في نخل فخفت على الماء، فقال رسول الله ﷺ : " [يا معاذ] صلِّ بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، ونحوها من السور.
وروى أيضًا زيد بن الحباب، وعلي بن الحسن بن شقيق:
عن حسين بن واقد: حدثني عبد الله بن بريدة، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة العشاء بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، ونحوها من السور.
وقد اختلف في هذا الحديث على زيد بن الحباب اختلافًا شديدًا، حيث اضطرب فيه: فمرة يقول: كان رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب والعشاء: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، ﴿وَالضُّحَى﴾، وكان يقرأ في الظهر والعصر: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.
ومرة يقول: أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر بـ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ ونحوها.
وهذا اضطراب من زيد بن الحباب؛ فقد كان كثير الخطأ [انظر: التهذيب (١/ ٦٦١)]، ولم يختلف فيه على علي بن الحسن بن شقيق، وقد كان ثقة حافظًا، فحديثه أولى بالصواب، والأقرب كون الروايتين محفوظتين، أعني: قصة معاذ، وفعل النبي ﷺ .
وحديث بريدة في القراءة في صلاة العشاء: حديث حسن، وتقدم تخريجه تحت الحديث رقم (٦٠٠).
٤ - حديث البراء بن عازب:
يرويه شعبة، عن عدي بن ثابت، قال: سمعت البراء بن عازب، يقول: كان رسول الله ﷺ في سفر، فصلى العشاء الآخرة، فقرأ في إحدى الركعتين بـ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾.
أخرجه البخاري (٧٦٧ و ٤٩٥٢)، ومسلم (١٧٥/ ٤٦٤)، وتقدم تخريجه تحت الحديث رقم (٧٨٩)، ويأتي عند أبي داود - إن شاء الله تعالى - برقم (١٢٢١).
وانظر: معجم الصحابة لابن قانع (١/ ٧)، إتحاف الخيرة (٢/ ٣٥٤/ ١٨٥٨).
٥ - حديث أبي هريرة:
يرويه سليمان التيمي، عن بكر بن عبد الله المزني، عن أبي رافع، قال: صليتُ مع أبي هريرة صلاة العتمة، فقرأ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، فسجد فيها، فقلت: ما هذه السجدة؟ فقال: سجدت بها خلف أبي القاسم ﷺ ، فلا أزال أسجد بها حتَّى ألقاه.
وفي رواية سليم بن أخضر عن التيمي: سجد بها أبو القاسم ﷺ وأنا خلفه [عند النسائي].
стр. 4092
وفي رواية أبي الأشعث أحمد بن المقدام عن المعتمر عن أبيه: صليت خلف أبي القاسم فسجد بها [عند ابن خزيمة].
وفي رواية يزيد بن هارون عن التيمي: صليت مع أبي القاسم ﷺ فسجد بها [عند أبي عوانة وابن المنذر].
أخرجه البخاري (٧٦٦ و ٧٦٨ و ١٠٧٨)، ومسلم (٥٧٨/ ١١٠)، وأبو عوانة (١/ ٩٥٣/ ١٥٢٣)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ١٧٨/ ١٢٨٠ و ١٢٨١)، وأبو داود (١٤٠٨)، والنسائي في المجتبى (٢/ ١٦٢/ ٩٦٨)، وفي الكبرى (٢/ ٨/ ١٠٤٢)، وابن خزيمة (١/ ٢٨٢/ ٥٦١)، وأحمد (٢/ ٢٢٩)، وإسحاق بن راهويه (١/ ١٠٤ / ١٤)، وأبو يعلى (١١/ ٣٦٤/ ٦٤٧٦)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٢٧١/ ٢٨٦٠)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٩٨/ ١٣٧٥)، والدارقطني في العلل (٩/ ٦٠/ ١٦٤١)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ١٧٧)، والبيهقي (٢/ ٣١٥ و ٣٢٢)، وابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ١٢٢)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٣/ ٣٠٨/ ٧٦٧).
وروي بلفظ أصرح من هذا:
رواه علي بن زيد بن جدعان [ضعيف]، عن أبي رافع، قال: صليت خلف أبي هريرة بالمدينة العشاء الآخرة، قال: فقرأ فيها ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، فسجد فيها، فقلت: تسجد فيها؟ فقال: رأيت خليلي أبا القاسم سجد فيها، فلا أَدَعُ ذلك.
وفي رواية: صلى بنا رسول الله ﷺ فسجد فيها، فلا أزال أسجد فيها.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٦٩/ ٤٢٣٦)، وأبو يعلى (١١/ ٣١٨/ ٦٤٣٤)، والطحاوى (١/ ٣٥٧).
ولحديث أبي هريرة هذا طرق كثيرة في الصحيح وغيره ليس فيها تعيين هذه الصلاة، والأقرب أن تعيين الصلاة بكونها العشاء موقوف على أبي هريرة من فعله، والمرفوع منه: سجود النبي ﷺ في الفريضة في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، من غير تعيين الصلاة، وقد بوب له النسائي وابن المنذر: باب السجود في الفريضة [ويأتي تخريجه مفصلًا بطرقه في موضعه من السنن إن شاء الله تعالى].
قال ابن رجب في الفتح (٤/ ٤٤٠): "أما حديث أبي هريرة: فغايته أن يدل على أن أبا هريرة جهر في قراءة صلاة العشاء وسجد، وأخبر أنَّه سجد بهذه السجدة خلف النبي ﷺ ، ولم يقل: في صلاة العشاء، فيحتمل أنَّه سجد بها خلفه في صلاة جهر فيها بالقراءة غير صلاة العشاء، ويحتمل أنَّه سجد بها في غير صلاة؛ فإن القارئ إذا قرأ وسجد سجد من سمعه، ويكون مؤتمًا به عند كثير من العلماء، وهو مذهب أحمد وغيره".
وقال في موضع آخر (٤/ ٤٤٢): "قد ذكرنا أن هذا الحديث إنما فيه التصريح بالسجود في صلاة العشاء عن أبي هريرة، وليس فيه تصريح برفع ذلك إلى النبي ﷺ ".
قلت: تقدم ذكر الروايات التي فيها التصريح بأن سجود أبي هريرة خلف النبي ﷺ
стр. 4093
كان في الصلاة، والله أعلم [وانظر: الفتح لابن حجر (٢/ ٢٥٠)].
٦ - حديث أبي هريرة، وأنس:
يرويه الضحاك بن عثمان، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة، قال: ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله ﷺ من فلانٍ [لأمير كان بالمدينة]، فصلينا وراء ذلك الإنسان، وكان يطيل الأوليين من الظهر، ويخفف في الأخريين، ويخفف في العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصَّل، ويقرأ في العشاء بـ (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا) وأشباهها، ويقرأ في الصبح بسورتين طويلتين.
وفي رواية: ويقرأ في المغرب بقصار المفصَّل، ويقرأ في العشاء بوسط المفصَّل، ويقرأ في الصبح بطوال المفصَّل.
وفي رواية: ويقرأ في الأوليين من المغرب بقصار المفصَّل، وفي الأوليين من العشاء بوسط المفصَّل، وفي الصبح بطوال المفصَّل.
وهو حديث صحيح، وحديث أَنس بنحوه، وتقدما في شواهد القراءة في المغرب.
٧ - حديث عبد الله بن عمرو:
يرويه وهب بن جرير: حدثنا أبي، قال: سمعت محمد بن إسحاق، يحدث عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أنَّه قال: ما من المفصَّل سور صغيرةٌ ولا كبيرةٌ إلا وقد سمعتُ رسولَ الله ﷺ يؤمُّ الناسَ بها في الصلاة المكتوبة.
وهو حديث حسن، تقدم برقم (٨١٤).
٨ - حديث أبي هريرة:
يرويه عبد الصمد: ثنا رُزَيق -يعني: بن أبي سُلْمَى-: ثنا أبو المُهَزِّم، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في العشاء الآخرة بالسماء -يعني: ذات البروج-، ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾.
أخرجه أحمد (٢/ ٣٢٦ - ٣٢٧)، وعلقه الدارقطني في المؤتلف (٢/ ١٠١٣).
ورواه أبو سعيد مولى بني هاشم: ثنا حماد بن عَبَّاد السدوسي، قال: سمعت أبا المُهَزِّم، يحدث عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ أَمَرَ أن يُقرَأَ بالسموات في العشاء.
أخرجه أحمد (٢/ ٣٢٧ و ٥٣١).
قلت: هو حديث منكر؛ أبو المهزم: متروك، روى أحاديث مناكير عن أبي هريرة، قال ابن عدي: "وعامة ما يرويه ليس بمحفوظ" [التهذيب (٤/ ٥٩٤)، الكامل (٧/ ٢٦٦)، ضعفاء أبي نعيم (٢٦٩)]، ورزيق وحماد بن عباد: فيهما جهالة [الجرح والتعديل (٣/ ٥٠٥)، سؤالات البرقاني (١٥٩)، التعجيل (٢٢٨)].
٩ - حديث أم سلمة:
يرويه عيسى بن إبراهيم الغافقي [المثرودي، وهو: ثقة]: نا ابن وهب، عن مالك وابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة
стр. 4094
زوج النبي ﷺ ، قالت: شكوت - أو: اشتكيت -، فذكرت لرسول الله ﷺ ، فقال: "طوفي من وراء الناس، وأنت راكبة"، قالت: فطفتُ على جملٍ، ورسول الله ﷺ يصلي إلى صِقع البيت، فسمعته يقرأ في العشاء الآخرة، وهو يصلي بالناس: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾.
قال ابن لهيعة: وقال أبو الأسود: يقرأ ويرتل إذا قرأ، إلا أن مالكًا قال: يصلي إلى جنب البيت.
أخرجه ابن خزيمة (١/ ٢٦٣ / ٥٢٣).
هكذا وقع خلط بين رواية مالك وابن لهيعة، حيث ركَّب أحدُهم إسناد هذا على إسناد هذا، ومتن هذا على متن هذا، فدخل له حديث في حديث، ولم يفصل بين حديث مالك وحديث ابن لهيعة.
فقد رواه أسد بن موسى [صدوق]، قال: حدثنا ابن لهيعة، قال: حدثنا أبو الأسود، عن عروة، عن أم سلمة، قالت: اشتكيت، فأمرني رسول الله - صل ى الله عليه وسلم - أن أطوف على جمل وراء الناس، وهم يصلون العشاء.
أخرجه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ٦٤/ ٦٩ - مسند ابن عباس).
فظهر بهذا أن إسناد ابن لهيعة بدون ذكر زينب بنت أبي سلمة، وأن ابن لهيعة هو الَّذي عيَّن هذه الصلاة بأنها العشاء، وابن لهيعة: ضعيف.
• وهذا الحديث قد رواه عن الإمام مالك جُلُّ أصحابه وبدون تعيين الصلاة:
رواه الإمام الشافعي، وعبد الله بن يوسف التنيسي، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، ويحيى بن يحيى النيسابوري، وأبو مصعب الزهري، ويحيى بن يحيى الليثي، وعبد الرحمن بن مهدي، وبشر بن عمر الزهراني، ومعن بن عيسى، وعبد الرحمن بن القاسم، وعبد الله بن نافع الصائغ، وإسماعيل بن أبي أويس، ويحيى بن عبد الله بن بكير، ومعلى بن منصور، ومطرف بن عبد الله اليساري، ومصعب بن عبد الله الزبيري، وعبد الرزاق بن همام، والمغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله المخزومي [وهم (١٨) رجلًا، [وهم ثقات في الجملة، وفيهم أثبت الناس في مالك]، وسويد بن سعيد الحدثاني، ومحمد بن الحسن الشيباني [وهما ضعيفان]:
رووه كلهم: عن مالك، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة بن الزبير، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة زوج النبي ﷺ ، قالت: شكوت إلى رسول الله ﷺ أني أشتكي، فقال: "طوفي من وراء الناس، وأنت راكبة"، قالت: فطفتُ راكبةً بعيري، ورسول الله ﷺ حينئذ يصلي إلى جنب البيت، وهو يقرأ بـ ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾.
أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٤٩٨/ ١٠٨٤ - رواية يحيى الليثي) (١٣٠٢ - رواية أبي مصعب الزهري) (٦٧٩ - رواية القعنبي) (٩١ - رواية ابن القاسم بتلخيص القابسي) (٥٥٢ - رواية الحدثاني) (٤٧٦ - رواية الشيباني).
стр. 4095
ومن طريقه: البخاري في الصحيح (٤٦٤ و ١٦١٩ و ١٦٢٦ و ١٦٣٣ و ٤٨٥٣)، وفي خلق أفعال العباد (١٣٠)، ومسلم (١٢٧٦)، وأبو عوانة (٢/ ٣٥٨/ ٣٤٢٢)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٣/ ٣٦٠/ ٢٩٣٩)، وأبو داود (١٨٨٢)، والنسائي في المجتبى (٥/ ٢٢٣/ ٢٩٢٥) و (٥/ ٢٢٤/ ٢٩٢٧)، وفي الكبرى (٤/ ١١٨/ ٣٨٨٩) و (٤/ ١٣٢/ ٣٩٢٩) و (١٠/ ٢٧٢/ ١١٤٦٤)، وابن ماجة (٢٩٦١)، وابن خزيمة (٤/ ٢٣٨/ ٢٧٧٦)، وابن حبان (٩/ ١٣٩/ ٣٨٣٠) و (٩/ ١٤١/ ٣٨٣٣)، وابن الجارود (٤٦٢)، وأحمد (٦/ ٢٩٠ و ٣١٩)، والشافعي في السنن (٥٠٦)، وإسحاق بن راهويه (٤/ ١٥٥/ ١٩٣٣) و (٤/ ١٨٢/ ١٩٧٥)، وعبد الرزاق (٥/ ٦٨/ ٩٠٢١)، والفاكهي في أخبار مكة (١/ ٢٤٥/ ٤٦٣)، وأبو يعلى (١٢/ ٤١٠/ ٦٩٧٦)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ٦٣/ ٦٨ - مسند ابن عباس)، وأبو القاسم البغوي في حديث مصعب الزبيري (١٥٦)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٣٤٥/ ٨٠٤)، والجوهري في مسند الموطأ (٢٥١)، وابن حزم في حجة الوداع (١٧٧)، والبيهقي في السنن (٥/ ٧٨ و ١٠١)، وفي المعرفة (٤/ ٨٩/ ٢٩٩١)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٧/ ١١٩/ ١٩١١).
ووقع عند الفاكهي: في المغرب، وهي زيادة منكرة، تفرد بها يعقوب بن حميد بن كاسب، وهو: حافظ، له مناكير وغرائب [انظر: التهذيب (٤/ ٤٤٠)، الميزان (٤/ ٤٥٠)].
• تابع مالكًا عليه: بكير بن عبد الله بن الأشج [ثقة]، فقال: سمعت محمد بن عبد الرحمن، يقول: سمعت عروة بن الزبير، قال: سمعت زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة، قالت: حججتُ مع رسول الله ﷺ ، فاشتكيتُ قبل أن أطوف بالبيت، فقال رسول اللهِ ﷺ : "اركبي؛ فطوفي راكبةً وراء الناس"، وهو يصلي حينئذ إلى حاشية البيت.
أخرجه الطبراني في الكبير (٢٣/ ٣٤٥ / ٨٠٥) بإسناد لا بأس به إلى بكير.
• ورواه هشام بن عروة، عن عروة، عن أم سلمة ﵂ زوج النبي ﷺ ، أن رسول الله ﷺ قال وهو بمكة، وأراد الخروج، ولم تكن أم سلمة طافت بالبيت، وأرادت الخروج، فقال لها رسول الله ﷺ : "إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك، والناس يصلون"، ففعَلَتْ، فلم تصَلِّ حتَّى خرجَتْ. لفظ الغساني، وتابعه عليه بتقييد الصلاة بالصبح، وبأنها لم تصَلِّ حتَّى خرجت: حسان بن إبراهيم، وتابعهما على قيد الصلاة فقط: أبو قبيصة الفزاري.
أخرجه البخاري (١٦٢٦) واللفظ له، والنسائي في المجتبى (٥/ ٢٢٣/ ٢٩٢٦)، وفي الكبرى (٤/ ١١٨/ ٣٨٩٠)، وابن أبي شيبة (٣/ ١٧٠/ ١٣١٣٨)، والأزرقي في أخبار مكة (٢/ ١٥)، والفاكهي في أخبار مكة (١/ ٢٤٨/ ٤٧٤)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ٦٢ و ٦٦/ ٦٣ و ٦٧ - مسند ابن عباس)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٥٧١/ ٢٦٩) و (٢٣/ ٤٠٨/ ٩٨١)، والإسماعيلي [عزاه إليه ابن حجر في الفتح (٢/ ٢٥٣) و (٣/ ٤٨٧)].
هكذا رواه عن هشام بن عروة: أبو مروان يحيى بن أبي زكريا الغساني [ضعفه أبو داود وابن حبان، وقال البزار: "ليس به بأس، قد روى عنه الناس"، وقد خرَّج له البخاري
стр. 4096
في صحيحه غير هذا في أربعة مواضع عن هشام كلها في المتابعات، وقد توبع في هذا الحديث أيضًا، ولم ينفرد به عن هشام انظر: التهذيب (٤/ ٣٥٥)، مسند البزار (٦/ ٣٢٦/ ٢٣٣٦)، صحيح البخاري (١٣٨٩ و ٢٥٨١ و ٦٨٨٣ و ٧٣٧٠)]، وعبدة بن سليمان الكلابي [ثقة ثبت]، وسفيان بن عيينة [ثقة حافظ]، وسليمان بن بلال [ثقة، ويونس بن بكير [صدوق]، وحسان بن إبراهيم الكرماني [صدوق يخطئ]، وأسامة بن حفص المدني [صدوق]، ومحاضر بن المورِّع [صدوق، له أوهام]، وعلي بن هاشم بن البريد [صدوق]، وأبو قبيصة الفزاري [عبد الله بن قبيصة: كثير الوهم، حدَّث بما لا يتابع عليه. الجرح والتعديل (٥/ ١٤٢)، الضعفاء للعقيلي (٢/ ٢٩٠)، الكامل (٤/ ١٩٢)، اللسان (٤/ ٥٤٥)]، وغيرهم.
قال النسائي: "عروة لم يسمعه من أم سلمة".
وقال الطحاوي في المشكل (٩/ ١٤١/ ٣٥٢٠) بعد حديث صلاة أم سلمة الفجر بمكة يوم النحر: "وهذا منقطع؛ لأنَّ عروة لم نعلم له سماعًا من أم سلمة"، وقاله أيضًا في اختلاف العلماء (٢/ ١٥٠ - مختصره).
وقال الدارقطني في التتبع (١٠٧): "هو مرسل؛ رواه حفص بن غياث عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة، وكذلك رواه مالك في الموطأ عن أبي الأسود عن عروة" قلت: هكذا كلام الدارقطني فيما نقله عنه العلائي وأبو زرعة العراقي، وبنحوه ذكره ابن حجر، لكن في التتبع بين هاتين الجملتين: "وقال ابن سعيد، عن محمد بن عبد الله بن نوفل، عن أبيه، عنه" كذا قال [انظر: جامع التحصيل (٥١٥)، هدي الساري (٣٥٨)، تحفة التحصيل (٢٢٦)].
قال ابن حجر في هدي الساري متعقبًا الدارقطني (٣٥٨): "قلت: حديث مالك عند البخاري في هذا المكان مقرون بحديث أبي مروان، وقد وقع في بعض النسخ وهي رواية الأصيلي في هذا: عن هشام عن أبيه عن زينب عن أم سلمة موصولًا، وعلى هذا اعتمد المزي في الأطراف، ولكن معظم الروايات على إسقاط زينب، قال أبو علي الجياني: وهو الصحيح، ثم ساقه من طريق: أبي علي بن السكن، عن علي بن عبد الله بن مبشر، عن محمد بن حرب شيخ البخاري فيه، على الموافقة، وليس فيه زينب، وكذا أخرجه الإسماعيلي من حديث عبدة بن سليمان ومحاضر وحسان بن إبراهيم، كلهم عن هشام؛ ليس فيه زينب، وهو المحفوظ من حديث هشام، وإنما اعتمد البخاري فيه رواية مالك التي أثبت فيها ذكر زينب، ثم ساق معها رواية هشام التي سقطت منها، حاكيًا للخلاف فيه على عروة كعادته، مع أن سماع عروة من أم سلمة ليس بمستبعد، والله أعلم".
وذكر بعض ذلك في الفتح (٣/ ٤٨٧) وختمه بقوله عن رواية الجماعة عن هشام: "وهذا هو المحفوظ، وسماع عروة من أم سلمة ممكن؛ فإنه أدرك من حياتها نيفًا وثلاثين سنة، وهو معها في بلد واحد"، وزاد عليه احتمال أن تكون رواية حفص بن غياث عن
стр. 4097
هشام بن عروة - التي ذكرها الدارقطني - هي لحديث آخر غير هذا الحديث [وهو حديث أمر أم سلمة أن توافي صلاة الصبح بمكة يوم النحر. انظر من أهم مصادره: التمييز لمسلم (١٨٦)، مسند أحمد (٦/ ٢٩١)، العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٣٦٨/ ٢٦٣٧)، مسند الشافعي (٣٦٩ و ٣٧٠)، شرح المعاني (٢/ ٢١٨ - ٢٢١)، مشكل الآثار (٩/ ١٣٧ - ١٤٥)، مختصر اختلاف العلماء (٢/ ١٥٠)، علل الدارقطني (١٥/ ٢٤٥/ ٣٩٩٢)، وقال: "والمرسل هو المحفوظ"، الاستذكار (٤/ ٢٩١)، وقد ضعفه أحمد ومسلم]، أراد بذلك ابن حجر أن حفصًا أخطأ فيه على هشام، وهو عندي احتمال بعيد؛ فإن مثل ذلك لا يخفى على الدارقطني، وابن حجر لم يورد دليلًا قويًّا على دعواه، كأن يكون حفص بن غياث ممن روى عن هشام قصة صلاة الصبح بمكة يوم النحر، والله أعلم.
ولقد عثرت على روايةٍ لحفص تؤكد ما ذهب إليه الدارقطني:
فقد روى إسحاق بن راهويه (٤/ ١٥٥/ ١٩٣٤)، قال: أخبرنا حفص بن غياث: نا هشام بن عروة، عن أبيه؛ أن رسول الله ﷺ أمر أم سلمة أن تطوف في خدرها، وهي راكبة، وراء المصلين.
هكذا رواه حفص بن غياث مرسلًا، وخالف الجماعة، فمن المحتمل أن يكون الدارقطني وقف على طريق آخر لحفص عن هشام عن أبيه عن زينب عن أم سلمة بهذا الحديث، وأخطأ فيه حفص، والله أعلم.
والحاصل: أن المحفوظ عن هشام بن عروة: هو ما رواه عنه جماعة أصحابه، بدون ذكر زينب في الإسناد، والله أعلم.
وغالب رواية عروة عن أم سلمة إنما هي بواسطة أخته من الرضاع زينب بنت أم سلمة، قال ابن سعد في الطبقات (٨/ ٤٦١): "وقد كانت أسماء بنت أبي بكر الصديق أرضعت زينب بنت أبي سلمة، … ، وروت زينب عن أمها، وروى عروة بن الزبير عن زينب، وهي أخته من الرضاعة".
ولم أقف على رواية لعروة عن أم سلمة صرح فيها بالسماع منها، أو أنَّه دخل عليها، أو غير ذلك من العبارات الدالة على السماع، وهذا مع قلة ما روى عروة عن أم سلمة بغير واسطة؛ فهو كما قال الطحاوي: لا يُعلم له سماع من أم سلمة.
• وأما ما روي في بعض الطرق من سماع عروة من أم سلمة؛ فلا يصح:
رواه هارون بن عمران [الموصلي: ذكره ابن حبان في الثقات. الثقات (٩/ ٢٣٨)، الجرح والتعديل (٩/ ٩٣)]: ثنا سليمان بن أبي داود، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: حدثتني أم سلمة، قالت: قدَّمني رسول اللّه ﷺ فيمن قدَّم من ضَعَفَة أهله ليلة المزدلفة، قالت: فرميتُ الجمرة بليلٍ، ثم مضيتُ إلى مكة، فصليتُ بها الصبح، ثم رجعتُ إلى منى.
أخرجه الطبراني في الكبير (٢٣/ ٢٦٨/ ٥٧٠).
قلت: سليمان بن أبي داود هذا هو الحراني، وهو: منكر الحديث [اللسان (٤/ ١٥٠)]،
стр. 4098
وشيخ الطبراني فيه جهالة، ومن ثم فإن مثل هذا السماع لا يثبت بهذه الطريق الواهية.
وكذلك ما ذكره الكلاباذي من سماع عروة من أم سلمة في كتابه عن رجال صحيح البخاري، المسمى: الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد (٢/ ٥٨١/ ٩٢٠) بقوله في ترجمة عروة: "سمع أباه الزبير، وأخاه عبد الله بن الزبير، وأمه أسماء، وخالته عائشة بنتي أبي بكر الصديق، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن زمعة، وأبا حميد، وأبا هريرة، وابن عباس، وأبا أيوب الأنصاري، وعمر بن أبي سلمة، وزينب بنت أبي سلمة، وأمها أم سلمة"، وحكاه عنه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٠/ ٢٤٢).
ويجاب عن هذا بأن هذه كانت عادة أبي نصر الكلاباذي في الترجمة لمن روي لهم البخاري فيبدأ بذكر اسمه ونسبه، ثم يقول: سمع فلانًا وفلانًا، بدلًا من القول بأنه روى عن فلان وفلان، ممن أخرج لهم البخاري من روايته عنهم، وعليه: فهذه العبارة لا يعتمد عليها في إثبات السماع، بقدر ما تعني أن صاحب الترجمة روى عن هؤلاء عند البخاري في صحيحه، والله أعلم.
• والخلاصة: فإن حديث هشام بن عروة هذا الَّذي أخرجه البخاري ظاهره الانقطاع، كما صرح بذلك النسائي والطحاوي والدارقطني.
فكيف يجاب إذًا عن إخراج البخاري له في صحيحه وقد اشترط فيه اتصال السند؟
فالجواب: أن البخاري لما كان محتاجًا لحديث هشام هذا لم يخرجه على انفراده، وإنما مهد له بحديث مالك عن أبي الأسود والذي فيه كان الإسناد المتصل إلى أم سلمة ولم يسق متنه، ثم أتبعه بحديث هشام هذا وساقه بتمامه لما فيه من موضع الشاهد، فدل ذلك على أن البخاري إنما أخرجه متابعة، وإلا لما كان هناك حاجة لإخراج حديث مالك في هذا الموضع لخلوه من موضع الشاهد، فيحتمل أن البخاري أراد بذلك بيان أن عروة إنما يروي عن أم سلمة بواسطة زينب، فهي ثبته فيما يرويه عن أم سلمة، وإن أسقطها هشام من الإسناد، فهو في معنى المتصل من هذا الوجه، مثل ما أخرج البخاري كثيرًا لحميد الطويل عن أَنس، وهو لم يسمع من أَنس إلا شيئًا يسيرًا اختلف في عدده، وإنما ثبته فيها ثابت، وعلى هذا فإن الواسطة إذا كانت معلومة، وكان ثقة، فلا يقدح مثل هذا في اتصال الإسناد، والله أعلم.
وأخيرًا: فإن حديث هشام بن عروة هذا صالح للاحتجاج من هذا الوجه، وكون هشام أسقط الواسطة بين عروة وبين أم سلمة، فصار ظاهره الانقطاع، فلا يقدح ذلك في صحته؛ إذ الواسطة معلومة في هذا الحديث من وجه آخر، وهو حديث مالك عن أبي الأسود عن عروة عن زينب عن أم سلمة، فصح بذلك الحديث واتصل، والله أعلم.
• وبناءً على ما تقدم: فإن مالكًا لم يعيِّن في حديثه الصلاةَ التي قرأ فيها النبي ﷺ بالطور، وعينها هشام بكونها الصبح؛ فتبين بذلك نكارة رواية ابن خزيمة، بتعيين الصلاة بأنها العشاء، وأن راويها حمل لفظ مالك على لفظ ابن لهيعة، قال ابن حجر في الفتح
стр. 4099
(٢/ ٢٥٣): "وأما ما أخرجه ابن خزيمة من طريق ابن وهب، عن مالك وابن لهيعة جميعًا، عن أبي الأسود في هذا الحديث، قال فيه: قالت: وهو يقرأ في العشاء الآخرة؛ فشاذ، وأظن سياقه لفظ ابن لهيعة؛ لأنَّ ابن وهب رواه في الموطأ عن مالك، فلم يعين الصلاة كما رواه أصحاب مالك كلهم، أخرجه الدارقطني في الموطآت له من طرق كثيرة عن مالك، منها رواية ابن وهب المذكورة، وإذا تقرر ذلك: فابن لهيعة لا يحتج به إذا انفرد، فكيف إذا خالف".
١٠ - حديث رفاعة الأنصاري:
قال الطبراني في الكبير (٥/ ٤٣/ ٤٥٣٨): حدثنا المقدام بن داود: ثنا أسد بن موسى [صدوق]: ثنا ابن لهيعة: ثنا عبيد الله بن أبي جعفر، عن بكير بن عبد الله بن الأشجِّ، عن خلاد بن السائب، عن رفاعة الأنصاري؛ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يُقرَأ في الصبح بدون عشرين آيةً، ولا يُقرَأُ في العشاء بدون عَشْرِ آياتٍ".
ثم رواه مقدام مرة أخرى، فقال: نا عبد الغفار بن داود أبو صالح الحراني [ثقة فقيه]: ثنا ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن سالم بن خلاد، عن رفاعة بن رافع الأنصاري، قال: كان رسول الله ﷺ لا يقرأ في صلاة الصبح بأقل من عشرين آية، ولا يقرأ في صلاة العشاء دون عشر آيات.
أخرجه الطبراني في الأوسط (٨/ ٣٦٧/ ٨٨٩٥).
قال الطبراني: "لا يروى هذا الحديث عن رفاعة بن رافع إلا بهذا الإسناد، تفرد به: ابن لهيعة".
وقال ابن رجب في الفتح (٤/ ٤٤٨): "وروى ابن لهيعة، عن ابن أبي جعفر، عن خلاد بن السائب، عن أبي قتادة، عن النبي ﷺ قال: "لا يُقرَأُ في الصبح دون عشرين آية، ولا في العشاء دون عَشْرِ آياتٍ"، خرجه أبو الشيخ الأصبهاني، وهو غريب".
وقال ابن كثير في الأحكام الكبير (٣/ ١٦١): "غريب جدًّا".
قلت: هو إسناد غريب جدًّا، وهو مضطرب سندًا ومتنًا، ولا أدري هل التخليط فيه من قِبَل ابن لهيعة؛ فإنه ضعيف؛ أو من المقدام بن داود الرعيني؛ فإنه: ضعيف؛ واتّهم [راجع ترجمته تحت الحديث المتقدم برقم (٢٣٦)، وبرقم (٧٢٨)، طريق رقم (١٤)]، وهو حديث منكر، والله أعلم.
• وحاصل ما صح من أحاديث القراءة في العشاء: أن يُقرأ فيها بأواسط المفصَّل، نحو: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ﴿وَالسَّمَاءُ وَالطَّارِقِ﴾، ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾، ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، فإن قرأ فيها بقصار المفصَّل، نحو: ﴿وَالضُّحَى﴾، فلا حرج، وأما في السفر: فيُقرأ فيها بقصار المفصَّل، نحو: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾، والله أعلم.
قال الترمذي بعد حديث بريدة: "وقد رُوي عن النبي ﷺ أَنس قرأ في العشاء الآخرة بـ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾، ورُوي عن عثمان بن عفان أنَّه كان يقرأ في العشاء بسور من أوساط
стр. 4100
المُفصَّل، نحو سورة المنافقين وأشباهها، ورُوي عن أصحاب النبي ﷺ والتابعين أنهم قرؤوا بأكثرَ من هذا وأقلَّ، فكان الأمر عندهم واسعٌ في هذا، وأحسن شيء في ذلك ما رُوي عن النبي ﷺ أنَّه قرأ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾.
• ***
١٣٤ - باب الرجل يعيد سورة واحدة في الركعتين
٨١٦ - قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح: حدثنا ابن وهب: أخبرني عمرو، عن ابن أبي هلال، عن معاذ بن عبد الله الجهني؛ أن رجلًا من جهينة أخبره؛ أنَّه سمع النبي ﷺ يقرأ في الصبح: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ في الركعتين كلتيهما، فلا أدري أنسي رسول الله ﷺ ، أم قرأ ذلك عمدًا؟.
***
• حديث ضعيف.
أخرجه من طريق أبي داود: البيهقي (٢/ ٣٩٠).
قال النووي في الخلاصة (١٢٢٦)، وفي المجموع (٣/ ٣٣٧): "رواه أبو داود بإسناد صحيح".
وقال ابن حجر في نتائج الأفكار (١/ ٤٣٥): "رواته موثقون".
وقال الشوكاني في النيل (٢/ ٢٥٤): "الحديث سكت عنه أبو داود والمنذري، وقد قدمنا أن جماعة من أئمة الحديث صرحوا بصلاحية ما سكت عنه أبو داود للاحتجاج، وليس في إسناده مطعن؛ بل رجاله رجال الصحيح، وجهالة الصحابي لا تضرُّ عند الجمهور، وهو الحق".
وقال أيضًا: "تردَّدَ الصحابيُّ في أن إعادةَ النبي ﷺ للسورة هل كان نسيانًا؛ لكون المعتاد من قراءته أن يقرأ في الركعة الثانية غير ما قرأ به في الأُولى؟ فلا يكون مشروعًا لأمته، أو فعله عمدًا لبيان الجواز؛ فتكون الإعادة متردِّدةً بين المشروعية وعدمها، إذا دار الأمر بين أن يكون مشروعًا أو غيرَ مشروع؛ فَحَملُ فعلِه ﷺ على المشروعية أولى؛ لأنَّ الأصل في أفعاله التشريع، والنسيان على خلاف الأصل".
قلت: تحقيقه الأخير هو حق ظاهر؛ إذ حملُ أفعاله التعبدية المحضة في الصلاة وغيرها على التشريع أولى من حملها على النسيان الَّذي هو خلاف الأصل من جهة، ومن جهة أخرى: أن النبي ﷺ لم يُسأل عن ذلك من قِبَل الصحابة، ولا ابتدأهم النبي ﷺ ببيان سبب التكرار لسورة الزلزلة في الركعتين، مما يدل على أن فعله كان للتشريع، وأنه لم يكن نسيانًا، مثل ما وقع في أحاديث سجود السهو، لكن هذا الكلام مبني على صحة المقدمة التي اعتمد عليها، وهي صحة الحديث وثبوت الخبر.
следующие страницы →