← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 261

فضل الرحيم الودود تخريج سنن أبي داود

ياسر فتحي

Полный текст (16 465 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

ومنها: أن ابن خزيمة وأبا عوانة أخرجا في صحيحيهما لعلي بن سهل عن الوليد بن مسلم، بينما لم يخرجا شيئًا لابن عتبة عن الوليد. • هكذا رواه الوليد بن مسلم [وهو: ثقة ثبت] [على الوجه المحفوظ عنه]، عن ابن جابر، وسعيد بن عبد العزيز، وعبد الله بن العلاء، عن مكحول، عن عبادة به. • وروى الطبراني في مسند الشاميين (١/ ١٧١/ ٢٩١) و (٣/ ٢٦٩/ ٢٢٣٤)، قال: حدثنا حويت بن أحمد بن حكيم الدمشقي: ثنا سليمان بن عبد الرحمن: ثنا أبو خليد عتبة بن حماد: ثنا سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول، عن عبادة بن نسي، عن عبادة بن الصامت؛ أن رسول الله ﷺ قال: "من صلى خلف الإمام فليقرأ بفاتحة الكتاب". وهذا حديث منكر سندًا ومتنًا؛ أبو خليد عتبة بن حماد بن خليد الدمشقي، قال أبو حاتم: "شيخ"، ووثقه أبو علي النيسابوري والخطيب، وذكره ابن حبان في الثقات [التهذيب (٣/ ٥٠)]، فلا تُعارض بمثله رواية الوليد بن مسلم، عالم الشام ومحدثها. ثم إن الراوي عن أبي خليد: سليمان بن عبد الرحمن التميمي الدمشقي، ابن بنت شرحبيل، وهو: صدوق يخطئ، مكثر من الرواية عن الضعفاء والمجهولين. وحويت بن أحمد بن حكيم الدمشقي: في عداد المجاهيل، ترجم له ابن عساكر في تاريخ دمشق، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، ويظهر لي أنَّه قليل الرواية، والله أعلم [تاريخ دمشق (١٥/ ٣٦٤)، تكملة الإكمال (٢/ ٢٤٥/ ١٥١٠)، تاريخ الإسلام (٢٢/ ١٤١)]. • ورواه محمد بن مصفى [بن بهلول الحمصي: صدوق، مدلس، يسوي حديث بقية]، وأحمد بن الفرج الحمصي [ضعفه أهل بلده، واغتر به الغرباء، قال محمد بن عوف: جليس له في حديث بقية أصل، هو فيها أكذب الخلق"، التهذيب (١/ ٤٠)، اللسان (١/ ٥٧٥)]، وكثير بن عبيد [المذحجي الحمصي: ثقة، والإسناد إليه صحيح، وبه تثبت الرواية عن بقية]: ثنا بقية: عن [وفي رواية ابن الفرج: ثنا، الزبيدي، عن مكحول، عن عبادة بن الصامت، قال: سألنا رسولُ الله ﷺ : "هل تقرؤون القرآن معي وأنا في الصلاة؟ " قالوا: نعم، يا رسول الله، نهذُّه هذًّا، - أو قال: ندرُسه درسًا -[وفي رواية ابن المصفى وابن الفرج: وندرسه درسًا، بغير شك]، قال: "فلا تفعلوا إلا بأُم القرآن سرًّا في أنفسكم". أخرجه محمد بن الحسين الآبري في مناقب الشافعي (٦)، والدارقطني (١/ ٣١٩)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (١٢٨). قال الدارقطني: "هذا مرسل". • تابعهم على إرساله عن مكحول: النعمان بن المنذر الغساني الدمشقي [صدوق]، فرواه عن مكحول؛ أن عبادة بن الصامت قام في الناس، فقال: إن رسول الله ﷺ صلى بنا فجهر بالقرآن، فلبست عليه القراءة، فلما انصرف، قال: "هل تقرؤون خلف الإمام إذا جهر؟ " قالوا: نعم نهذُّ القرآن

стр. 4167

هذا، قال: "عجبت أنازع القرآن"، وقال: "لا تقرؤوا إذا جهر الإمام إلا بأُم القرآن؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بأُم القرآن". أخرجه البيهقي في القراءة خلف الإمام (١٢٦)، بإسناد صحيح إلى النعمان. • وحاصل الاختلاف في هذا الحديث على مكحول باستثناء الروايات الشاذة والمنكرة: أ - رواه محمد بن إسحاق [مدني، صدوق]، قال: حدثني مكحول، عن محمود بن الربيع الأنصاري، عن عبادة بن الصامت. ب - ورواه زيد بن واقد [دمشقي، ثقة، من كبار أصحاب مكحول]، عن مكحول وحرام بن حكيم، عن نافع بن محمود بن الربيع الأنصاري، عن عبادة بن الصامت. ج - ورواه عبد الرحمن بن يزيد بن جابر [دمشقي ثقة، قال دحيم: "هو بعد زيد بن واقد في مكحول"]، وسعيد بن عبد العزيز [التنوخي الدمشقي: ثقة ثبت، إمام فقيه، من أصحاب مكحول، قدَّمه بعضهم على الأوزاعي]، وعبد الله بن العلاء بن زبر [دمشقي ثقة]، ومحمد بن الوليد الزبيدي [حمصي، ثقة ثبت]، والنعمان بن المنذر الغساني [دمشقي صدوق]: رواه خمستهم: عن مكحول، عن عبادة به هكذا، بلا واسطة، وفي رواية النعمان: أن عبادة بن الصامت قام في الناس، هكذا بصورة المرسل. قال أبو علي الحافظ: "مكحول سمع هذا الحديث من محمود بن الربيع، ومن ابنه نافع بن محمود بن الربيع، ونافع بن محمود وأبوه محمود بن الربيع سمعاه من عبادة بن الصامت ﵁ " [القراءة خلف الإمام للبيهقي (١٢٣)]. وقال البيهقي في القراءة (١٣٣): "فهذا حديث سمعه مكحول الشامي -وهو أحد أئمة أهل الشام- من محمود بن الربيع ونافع بن محمود، كلاهما عن عبادة بن الصامت، وسمعه حرام بن حكيم من نافع بن محمود عن عبادة". قلت: مكحول لم يذكر سماعًا في هذا الحديث لا من محمود، ولا من نافع، وهو مشهور بالإرسال، وقال ابن حبان: "ربما دلس". وأما رواية ابن إسحاق فهي شاذة، حيث خالف أصحابَ مكحول، وأهلَ بلده، وأهلُ بلد الرجل وأصحابُه أعلم بحديثه من الغرباء. وأما رواية زيد بن واقد نهي عندي محفوظة؛ لثقته وتقدَّمه في مكحول حيث كان من كبار أصحابه، كما أنَّه حملها عن مكحول وعن حرام بن حكيم، وكلاهما رواه عن نافع بن محمود، عن عبادة بن الصامت، والقصة التي ساقها ابن واقد تشهد على حفظه للحديث، وضبطه له. وأما رواية الجماعة والتي ختم بها أبو داود ذكر الاختلاف على مكحول، فهي محفوظة أيضًا، فإن الوهم عن العدد أبعد، وبهذا يظهر أن مكحولًا كان ينشط أحيانًا فيذكر

стр. 4168

نافعًا، وفي غالب أمره كان يحدث به مرسلًا، بلا واسطة بينه وبين عبادة، ومكحول لم يدرك عبادة بن الصامت، ولم يره، قال أبو داود: "لم ير عبادة بن الصامت"، وقال البزار: "ولم يسمع منه" [تحفة التحصيل (٣١٤)، التهذيب (٤/ ١٤٨)]. وبناءً على ما تقدم: فإن الرواية الثالثة ظاهرة الضعف لانقطاعها البين بين مكحول وعبادة، وأما الثانية فمدارها على نافع بن محمود بن الربيع، أو: ابن ربيعة، ولم يترجم له البخاري ولا ابن أبي حاتم، وقال ابن حبان في ثقاته (٥/ ٤٧٠): "نافع بن محمود بن ربيعة: من أهل إيلياء، يروي عن عبادة بن الصامت، روى عنه حرام بن حكيم ومكحول، متن خبره في القراءة خلف الإمام يخالف متن خبر محمود بن الربيع عن عبادة، كأنهما حديثان، أحدهما أتم من الآخر، وعند مكحول الخبران جميعًا عن محمود بن الربيع ونافع بن محمود بن ربيعة، وعند الزهري الخبر عن محمود بن الربيع مختصر غير مستقصى"، لذا قال الذهبي في الميزان (٤/ ٢٤٢): "لا يُعرف بغير هذا الحديث، … ، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: حديثه معلل". ونافع هذا لا يُعرف إلا في هذا الحديث [وأما حديثه الآخر في التفريق بين الأم وولدها، فلا يصح عنه، في سنده: عبد الله بن عمرو بن حسان الواقعي، وهو كذاب، يضع الحديث. انظر: سنن الدارقطني (٣/ ٦٨)، مستدرك الحاكم (٢/ ٥٥)، سنن البيهقي (٩/ ١٢٨)، البدر المنير (٦/ ٥٢٠)، اللسان (٤/ ٥٣٣)]، فهو مجهول؛ كما قال الطحاوي والجصاص وابن عبد البر وابن قدامة [وتقدم نقل كلامهم بعد حديث زيد بن واقد]، والذين وثقوه كالدارقطني والبيهقي اعتمدا في ذلك على كون خبره عندهما صحيح، تصحيحًا للمذهب، وهو حكم غير مقبول، فإن الذين قالوا بجهالته واحتجوا بذلك على تضعيف حديثه: قولهم أقرب للصواب، وهو الموافق لقواعد الأئمة المعتبرين، حيث إن حديث المجهول إذا خالف أحاديث الثقات فإنه يُرد ولا يُقبل، كما هي الحالة هنا، وإذا وافق حديثه أحاديث الثقات، يصحح حديثه ويمبل، كما سبق أن أشرت إلى ذلك مرارًا. ونافع بن محمود هذا مع جهالته قد خالف في حديثه الَّذي انفرد به ما رواه الزهري الإمام الفقيه الحافظ المتقن، والذي اتفق على حديثه الشيخان، وأعرضا عن حديث نافع هذا عمدًا، لذا قال الترمذي في الجامع (٣١١) عن حديث الزهري: "وهذا أصح"، بعدما حكم على حديث مكحول بأنه حسن، مشيرًا بذلك إلى ضعفه، ثم أكد ذلك بترجيح حديث الزهري عليه، والله أعلم. قال ابن عبد البر في التمهيد (١١/ ٤٦): "ونافع هذا مجهول؛ ومثل هذا الاضطراب لا يثبت فيه عند أهل العلم بالحديث شيء، وليس في هذا الباب ما لا مطعن فيه من جهة الإسناد غير حديث: الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة، وهو محتمل للتأويل". قلت: نافع مجهول، كما قال، لكن الحديث عندي ليس مضطربًا؛ حيث أمكن بيان الوجه الراجح، وأن مكحولًا حدَّث به على الوجهين: الثاني والثالث، ولا يصحان؛ أما

стр. 4169

أحدهما: فلجهالة نافع، ومخالفته الزهري فيما روى، وأما الآخر فلانقطاعه الظاهر، كما تقدم بيانه، والله أعلم. • والحاصل فإن حديث مكحول هذا حديث ضعيف؛ والله أعلم. • وروى معاوية بن يحيى، عن إسحاق بن عبد الله ابن أبي فروة، عن عبد الله بن عمرو بن الحارث، عن محمود بن الربيع الأنصاري، قال: قام إلى جنبي عبادة بن الصامت، فقرأ مع الإمام وهو يقرأ، فلما انصرف قلت له: أبا الوليد تقرأ، وتسمع وهو يجهر بالقراءة؟ قال: نعم، إنا قرأنا مع رسول الله ﷺ ، فغلط رسول الله ﷺ ، ثم سبَّح، فقال لنا حين انصرف: "هل قرأ معي أحدٌ؟! قلنا: نعم، قال: "قد عجبت، قلت: من هذا الَّذي ينازعني القرآن، إذا قرأ الإمام فلا تقرؤوا معه إلا بأُم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها". أخرجه الدارقطني (١/ ٣٢٠)، والحاكم (١/ ٢٣٩)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (١١٨). قال الدارقطني: "معاوية وإسحاق بن أبي فروة: ضعيفان". وقال الحاكم: "هذا متابع لمكحول في روايته عن محمود بن الربيع، وهو عزيز وإن كان من رواية إسحاق بن أبي فروة؛ فإني ذكرته شاهدًا". قلت: هو حديث منكر؛ إسحاق بن عبد الله ابن أبي فروة: متروك، منكر الحديث، واتُّهم، وشيخه لم أعرفه، ومعاوية بن يحيى الصدفي: ضعيف؛ روى عنه إسحاق بن سليمان الرازي أحاديث مناكير، وهذا منها [التهذيب (٤/ ١١٣)]. • وقال البيهقي في القراءة (١١٦): أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان [ثقة حافظ. تاريخ بغداد (١١/ ٢٢٩)، المنتخب من السياق (١٢٤٧)، السير (١٧/ ٣٩٧)]: أنا أحمد بن عبيد الصفار [ثقة ثبت. السير (١٥/ ٤٣٩)]: نا الحسن بن علي المعمري [ثقة حافظ؛ إلا أنَّه رفع أحاديث وهي موقوفة، وزاد في المتون أشياء ليست فيها. انظر: الكامل (٢/ ٣٣٨)، تاريخ بغداد (٧/ ٣٦٩)، اللسان (٣/ ٧١)]: نا عمرو بن عثمان [هو: ابن سعيد بن كثير الحمصي: صدوق]: نا محمد بن حمير [حمصي صدوق]: نا شعيب بن أبي حمزة، عن عبد الله بن عمرو بن الحارث، عن محمود بن الربيع، عن عبادة؛ أن محمودًا صلى إلى جانبه فسمعه يقرأ وراء الإمام، فسأله حين انصرف عن ذلك، فقال: إن رسول الله ﷺ أَمَّنا يومًا فانصرف إلينا، وقد غلط في بعض القرآن، فقال: "هل قرأ معي منكم أحد؟ " قلنا: نعم، قال: "قد عجبت من هذا الذي ينازعني القرآن، إذا قرأ الإمام فلا يقرأ معه أحد منكم؛ إلا بأُم القرآن". قال البيهقي: "هكذا رواه جماعة عن عمرو بن عثمان الحمصي، ورواه أيضًا يحيى بن يحيى عن محمد بن حمير، ورواه بشر بن شعيب بن أبي حمزة عن أبيه". قلت: هذا الحديث قد أخذ، شعيب بن أبي حمزة عن إسحاق بن أبي فروة؛ فعاد الحديث إليه:

стр. 4170

فقد رواه محمد بن خالد بن خلي الحمصي [صدوق]: نا بشر بن شعيب [ثقة]، عن أبيه، عن إسحاق بن عبد الله ابن أبي فروة: أخبرني عبد الله بن عمرو بن الحارث، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت؛ أن محمودًا صلى إلى جنبه يومًا … فذكره. أخرجه البيهقي في القراءة خلف الإمام (١١٧)، بإسناد صحيح إلى ابن خلي. • وتابع ابن أبي فروة عليه: يزيد بن عياض، عن عبد الله بن عمرو بن الحارث، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله ﷺ قال: "من صلى وراء الإمام فلا يقرأ إلا بأُم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأها". أخرجه ابن الأعرابي في المعجم (٢٧٨). وهي متابعة واهية، يزيد بن عياض، هو ابن جعدبة: متروك، كذبه مالك وابن معين والنسائي [التهذيب (٤/ ٤٢٥)]. • وروى أبو إسحاق الفزاري [إبراهيم بن محمد بن الحارث: ثقة حافظ، إمام]، عن الأوزاعي: حدثني عمرو بن سعد [هو الفدكي، ويقال: اليمامي، وهو ثقة]: حدثني رجاء بن حيوة، عن عبادة، قال: قال رسول الله ﷺ : "هل تقرؤون القرآن إذا كنتم معي في الصلاة؟! قال: قلنا: نعم يا رسول الله، قال: "فلا تفعلوا إلا بأُم القرآن". أخرجه أبو نعيم في الحلية (٩/ ٣٢٢)، قال: حدثنا محمد [يعني: ابن إبراهيم، الحافظ الإمام أبو بكر محمد بن إبراهيم بن علي بن عاصم الأصبهاني، ابن المقرئ، صاحب المعجم: ثقة حافظ. تاريخ أصبهان (٢/ ٢٦٧)، تاريخ دمشق (٥١/ ٢٢٠)، التقييد (٢٧)، السير (١٦/ ٣٩٨)]: ثنا محمد [يعني: ابن بركة الحلبي، وهو: أبو بكر محمد بن بركة بن الحكم بن إبراهيم بن القرداح، أبو بكر الحافظ الحميري، اليحصبي القنِّسْريني، سكن حلب، ولقبه: بَرْداعِس، شيخ حافظ، قال عنه الدارقطني: "ضعيف"، وانظر في أوهامه: علل الدارقطني (٩/ ٢٤١ / ١٧٣٤)، انظر: سؤالات السهمي (٩٥)، الإكمال (١/ ٢٣٣)، تاريخ دمشق (٥٢/ ١٤٥)، معجم البلدان (٤/ ٤٠٤)، السير (١٥/ ٨١)، تذكرة الحفاظ (٣/ ٨٢٧)، اللسان (٧/ ٩)]: وأخرجه البيهقي في القراءة خلف الإمام (١٢٩)، بإسناد صحيح إلى: أحمد بن عبيد الله بن يحيى بن صاحب، الدارمي الأنطاكي [روى عنه جماعة من الحفاظ، مثل: ابن حبان، وأبي علي الحافظ، وأبي بكر ابن المقرئ، وغيرهم. معجم ابن المقرئ (٤٤٦)، تاريخ بغداد (٤/ ٢٥٢)]: كلاهما محمد بن بركة: الحلبي، وأحمد الأنطاكي: عن علي بن بكار المصيصي [هو علي بن بكار بن هارون المصيصي: لم يترجم له البخاري ولا ابن أبي حاتم، ويغرب على أبي إسحاق الفزاري، وكان آخر من روى عنه، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: "مستقيم الحديث"، الثقات (٨/ ٤٧٤)، الحلية (٨/ ٢٥٧)

стр. 4171

و (٩/ ٣١٧)، الإرشاد للخليلي (١/ ٤٤٤)، تاريخ الإسلام (١٨/ ٣٥٤)، التهذيب (٣/ ١٤٥)]: ثنا أبو إسحاق به. فهو غريب من حديث أبي إسحاق الفزاري الإمام. • خالفه: أبو المغيرة [عبد القدوس بن الحجاج الخولاني: ثقة، من أصحاب الأوزاعي]، قال: نا الأوزاعي: حدثني عمرو بن سعد، عن عمرو بن شعيب، عن عبادة بن الصامت، قال: سأل رسول الله ﷺ أصحابه: … فذكر الحديث. أخرجه البيهقي في القراءة خلف الإمام (١٣٠)، بإسناد صحيح إلى أبي المغيرة. قال البيهقي: "والروايتان صحيحتان؛ فقد رواه الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن عمرو بن سعد عنهما". • ثم رواه البيهقي (١٣١) بإسناد صحيح إلى: يزيد بن عبد الله بن رزيق [روى عنه جماعة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب (١٠٧٨): "مقبول"]: نا الوليد: نا أبو عمرو -يعني: الأوزاعي-: حدثني عمرو بن سعد: نا رجاء بن حيوة، وعمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن عبادة بن الصامت، قال: سأل رسول الله ﷺ أصحابه: … فذكر الحديث. قلت: هو غريب من حديث الوليد بن مسلم، حيث تفرد به عنه: ابن رزيق هذا، وهو ممن يخطئ على الوليد [راجع ما تحت الحديث رقم (١٨٠)، الطريق الرابعة]، والمحفوظ: عن رجاء بن حيوة، عن محمود بن الربيع، قال: صليت صلاةً، وإلى جنبي عبادة بن الصامت، … موقوفًا عليه، كما سيأتي قريبًا. • وعليه: فالمحفوظ من حديث الأوزاعي: ما رواه أبو المغيرة، قال: نا الأوزاعي: حدثني عمرو بن سعد، عن عمرو بن شعيب، عن عبادة بن الصامت، قال: سأل رسول الله ﷺ أصحابه: … فذكر الحديث. قلت: وهذا مرسل؛ عمرو بن شعيب لم يدرك عبادة بن الصامت، وقيل: لم يسمع من الصحابة إلا من الربيع بنت معوذ، وزينب بنت أبي سلمة [انظر: تحفة التحصيل (٢٤٣)]، هذا مع ما في عمرو بن شعيب من مقال، قال أحمد: "له أشياء مناكير"، وقال أيضًا: "ربما احتججنا به، وربما وجس في القلب منه شيء" [الجرح والتعديل (٦/ ٢٣٨)، ضعفاء العقيلي (٣/ ٢٧٤)، التهذيب (٣/ ٢٧٨)]، فلا يثبت مثله، والله أعلم. • خالف أبا المغيرة عن الأوزاعي فسلك فيه الجادة: أ - رواه عتبة بن سعيد [حمصي، ثقة]، عن إسماعيل، عن الأوزاعي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبادة بن الصامت ﵁، قال: قال النبي ﷺ لأصحابه: "تقرؤون القرآن إذا كنتم معي في الصلاة؟ " قالوا: نعم يا رسول الله! نهذُّ هذًّا، قال: "فلا تفعلوا إلا بأُم القرآن". أخرجه البخاري في القراءة خلف الإمام (٧٢).

стр. 4172

فأسقط عمرو بن سعد من الإسناد، وزاد فيه: عن أبيه، بعد عمرو بن شعيب. وإسماعيل هذا هو ابن عياش الحمصي، وروايته عن أهل الشام مستقيمة؛ إلا أنَّه هنا خالف أبا المغيرة، وهو ثبت من أصحاب الأوزاعي، وروايته أولى بالصواب، ورواية ابن عياش: شاذة [وانظر للفائدة في تقديم أبي المغيرة في الأوزاعي، أو موافقته في رواياته أصحاب الأوزاعي: علل الدارقطني (٧/ ٢٧٥/ ١٣٤٨) و (٩/ ٢٤٦/ ١٧٣٦) و (٩/ ٢٥٦/ ١٧٤٤) و (١٢/ ٩/ ٢٣٤٢) و (١٢/ ٣٦١ / ٢٧٨٥) و (١٣/ ٤/ ٢٨٩٥) و (١٤/ ٢٤٦/ ٣٥٩٧)]، والله أعلم. ب - ورواه منبه بن عثمان [صدوق. الجرح والتعديل (٨/ ٤١٩)، الثقات (٩/ ١٩٨)، تاريخ دمشق (٦٠/ ٢٧٣)، السير (١٠/ ١٥٩)]، عن الأوزاعي، عن عمرو بن سعد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن عبادة بن الصامت، قال: نهى رسول الله ﷺ أصحابه، فقال: … فذكر الحديث. أخرجه البيهقي في القراءة خلف الإمام (١٣٢)، بإسناد صحيح إلى أحمد بن عمير بن يوسف الدمشقي [المعروف بابن جوصا، الحافظ المشهور]: نا الحسن بن علي بن عياش الحمصي: ثنا منبه بن عثمان به. والحسن بن علي بن عياش: ترجم له ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٣/ ٣١١)، فقال: "حدث عن منبه بن عثمان الدمشقي، روى عنه أبو الحسن ابن جوصا"، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، فهو مجهول الحال. ج - ورواه مسلمة بن علي [الخشني، وهو: متروك، منكر الحديث]، قال: حدثني الأوزاعي، عن مكحول، عن رجاء بن حيوة، عن عبد الله بن عمرو [وقع في كتاب البيهقي: عن عبد الله بن عمر]، قال: صلينا مع رسول الله ﷺ . . . فذكر الحديث. أخرجه البزار (١/ ٢٣٩/ ٤٨٩ - كشف الأستار)، والبيهقي في القراءة (٤٠٦ و ٤٠٧). قال البزار: "لا نعلمه [يُروى] عن عبد الله بن عمرو إلا بهذا الإسناد، ومسلمة ليِّن الحديث". فهو حديث منكر بهذا الإسناد. وقال البيهقي: "وقيل: عن الأوزاعي عن حسان بن عطية عن رجاء بن حيوة عن عبادة، وقيل: عنه عن جسر بن الحسن عن رجاء، وقيل: عنه عن مكحول عن رجاء عن عبد الله بن عمرو، والمحفوظ ما ذكرنا إسناده، وقيل: عن رجاء بن حيوة عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت موقوفًا". • قلت: المحفوظ في حديث رجاء بن حيوة: ما رواه عبد الله بن عون، عن رجاء بن حيوة، عن محمود بن ربيع، قال: صليت صلاةً، وإلى جنبي عبادة بن الصامت، قال: فقرأ بفاتحة الكتاب، قال: فقلت له: يا أبا الوليد! ألم أسمعك تقرأ بفاتحة الكتاب؟ " قال: أجل؛ إنه لا صلاة إلا بها.

стр. 4173

وفي رواية: فقال عبادة: لا صلاة إلا بقراءة. أخرجه عبد الرزاق (٢/ ١٣٠/ ٢٧٧١) [وسقط من إسناده: محمود بن الربيع]، وابن أبي شيبة (١/ ٣٢٩/ ٣٧٧٠)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١١٠/ ١٣٢٧)، والطحاوي في أحكام القرآن (١/ ٢٥٢/ ٥٠٩)، والبيهقي في السنن (٢/ ١٦٨)، وفي القراءة (١٣٣ و ٢٠١ و ٢٠٢)، وعلقه ابن عبد البر في التمهيد (١١/ ٣٩). من طرق عن ابن عون به. قلت: وهذا موقوف على عبادة بن الصامت بإسناد صحيح، رجاله ثقات مشهورون، سمع بعضهم من بعض، قال البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٣١٢) عن رجاء: "سمع محمود بن الربيع". • وهذا هو الَّذي صح عن عبادة بن الصامت في هذا الحديث: • ما رواه الزهري، قال: سمعت محمود بن الربيع، يحدث عن عبادة بن الصامت، أن النبي ﷺ قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" [متفق عليه]. • وما رواه عبد الله بن عون، عن رجاء بن حيوة، عن محمود بن الربيع، قال: صليت صلاةً، وإلى جنبي عبادة بن الصامت، قال: فقرأ بفاتحة الكتاب، قال: فقلت له: يا أبا الوليد! ألم أسمعك تقرأ بفاتحة الكتاب؟ قال: أجل؛ إنه لا صلاة إلا بها. موقوف. وما عدا ذلك مما سبق ذكره في الباب فلا يصح منه شيء. وهذه الرواية الثانية الموقوفة هي عندي أصل ما وقع من أوهام في رفع هذه القصة، والجمع بينها وبين حديث الزهري، كما وقع في حديث مكحول وغيره، والله أعلم. فإن قيل: فلماذا لا يقال: اختلف رجاء بن حيوة والزهري على محمود بن الربيع، فرواه رجاء موقوفًا، ورفعه الزهري؟ فيقال: لا مخالفة بينهما، وإنما روى كل واحد منهما حديثًا مستقلًا: أما الزهري فروى عنه حديثًا مرفوعًا، وأما رجاء فروى عنه حادثةً، وواقعة حالٍ جرت له مع عبادة، وكلاهما ثقةٌ حفِظَ ما روى، وضبطه، وأداه كما سمعه. • ففي سؤالات ابن طهمان لابن معين (٣٣٦): "قيل له: روى الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ : "من لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، وروى ابن عون، عن رجاء بن حيوة، عن محمود بن الربيع، عن عبادة؛ موقوف؟ قال: قد روى، والزهري صحيح الحديث، ثقة". يعني: أن رواية رجاء الموقوفة لا تعارض رواية الزهري المرفوعة، ولا تُعلُّها ما هو ظاهر، وذلك بخلاف ما رواه مكحول وغيره. • وقال البخاري في القراءة خلف الإمام (١٥٤): "والذي زاد مكحول، وحرام بن معاوية [يعني: حرام بن حكيم]، ورجاء بن حيوة، عن محمود بن الربيع، عن عبادة، فهو

стр. 4174

تبع لما روى الزهري؛ لأنَّ الزهري قال: حدثنا محمود أن عبادة ﵁ أخبره عن النبي ﷺ ، وهؤلاء لم يذكروا أنهم سمعوا من محمود". قلت: هذا القول من البخاري لا يعني أنَّه احتج بحديث مكحول، بل على العكس من ذلك؛ ففيه الدلالة على إعلال حديث مكحول بعدم سماعه من محمود بن الربيع، وقد تقدم بيان شذوذ رواية ابن إسحاق عن مكحول عن محمود بن الربيع عن عبادة، وكذلك بينتُ ضعفَ رواية مكحول وحرام بن حكيم عن نافع بن محمود؛ لجهالة نافع، ومخالفته رواية الزهري، وأما رواية رجاء فإنها لا تخالف رواية الزهري، ثم إنها ثابتة صحيحة، وقد أثبت له البخاري نفسه السماع من محمود بن الربيع. وأخيرًا: فإن البخاري يرى صحة حديث الزهري، وأنه الأصل في هذا الباب، دون غيره؛ لذا أخرجه في صحيحه دون بقية الروايات المذكورة في هذا البحث. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية عن حديث مكحول: "وهذا الحديث معلل عند أئمة الحديث بأمور كثيرة، ضعفه أحمد وغيره من الأئمة، وقد بسط الكلام على ضعفه في غير هذا الموضع، وبيَّن أن الحديث الصحيح قول النبي ﷺ : "لا صلاة إلا بأُم القرآن"، فهذا هو الَّذي أخرجاه في الصحيحين، ورواه الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة، وأما هذا الحديث فغلِطَ فيه بعض الشاميين، وأصله: أن عبادة كان يؤم ببيت المقدس فقال هذا، فاشتبه عليهم المرفوع بالموقوف على عبادة" [مجموع الفتاوى (٢٣/ ٢٨٦)]. قال البيهقي في القراءة (١٣٣): "فهذا حديث سمعه مكحول الشامي -وهو أحد أئمة أهل الشام- من محمود بن الربيع ونافع بن محمود، كلاهما عن عبادة بن الصامت، وسمعه حرام بن حكيم من نافع بن محمود عن عبادة، وسمعه رجاء بن حيوة -وهو أحد أئمة أهل الشام- من محمود بن الربيع عن عبادة؛ إلا أن من شأن أهل العلم في الرواية أن يروي الحديث مرة فيوصله، ويرويه أخرى فيرسله، حتَّى إذا سئل عن إسناده فحينئذ يذكره، ويكون الحديث عنده مسندًا وموقوفًا، فيذكره مرة مسندًا، ومرة موقوفًا، والحجة قائمة بموصوله وموقوفه، وفي وصل من وصله دلالة على صحة مخرج حديث من أرسله، وإرسال من أرسله شاهد لصحة حديث من وصله، وفي كل ذلك دلالة على انتشار هذا الحديث عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ مسندًا، ثم من فتواه به موقوفًا، وإنما تعجب من تعجب من قراءته خلف الإمام فيما يجهر الإمام فيه بالقراءة؛ لذهاب من ذهب إلى ترك القراءة خلف الإمام فيما يجهر الإمام فيه بالقراءة، حين قال النبي ﷺ : "ما لي أنازع القرآن"، ولم يسمع استثناء النبي ﷺ قراءة فاتحة الكتاب سرًّا، وقوله ﷺ : "فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها"، وسمعه عبادة بن الصامت، وأتقنه وأدَّاه وأظهره، فوجب الرجوع إليه في ذل. قلت: هما حديثان مستقلان، أحدهما مرفوع إلى النبي ﷺ ، وهو حديث الزهري، والآخر يروي حادثة تبين رأي عبادة الفقهي في هذه المسألة، فهو يروي هنا قول صاحب،

стр. 4175

وأن هذا الَّذي فعله عبادة وقاله هو ما استنبطه من الحديث المرفوع الَّذي رواه، وليس الأمر كما قال البيهقي؛ فإن حديث الزهري لا يعطي هذا المعنى الَّذي ذهب إليه عبادة، وسيأتي كان ذلك قريبًا إن شاء الله تعالى. • ومن شواهد حديث عبادة: [سواء من طريق الزهري، أو من طريق مكحول]: ١ - حديث رفاعة بن رافع: في قصة المسيء صلاته، والشاهد منه قوله ﷺ : "ثم اقرأ بأُمِّ القرآن، ثم اقرأ بما شئتَ"، إلى قوله ﷺ "ثم اصنع ذلك في كلِّ ركعةٍ". وهي رواية شاذة بهذه الزيادة، وسوف يأتي تخريجه قريبًا مطولًا - إن شاء الله تعالى - في موضعه من السنن برقم (٨٥٧ - ٨٦١). ٢ - حديث أَنس بن مالك: روى يحيى بن يوسف الزمي [ثقة]، وأبو توبة الربيع بن نافع [ثقة حجة]، ومخلد بن الحسن بن أبي زميل [لا بأس به]، وعبد الله بن جعفر الرقي [ثقة]، وفرح بن رواحة [ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: "مستقيم الحديث جدًّا"، الثقات (٩/ ١٣)، الإكمال (٧/ ٤٣)]، وعبد السلام بن عبد الحميد [مشاه بعضهم، وله مناكير، تكلم فيه أهل بلده. اللسان (٥/ ١٧٣)، مترجم له في تحت الحديث رقم (٤٠٧) في الشواهد]: عن عبيد الله بن عمرو [ثقة]، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أَنس ﵁؛ أن النبي ﷺ صلى بأصحابه، فلما قضى صلاته أقبل عليهم بوجهه، فقال: "أتقرؤون في صلاتكم [خلف الإمام، والإمام يقرأ؟ " فسكتوا، فقالها ثلاث مرات، فقال قائل أو قائلون: إنا لنفعل، قال: "فلا تفعلوا، وليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه". أخرجه البخاري في القراءة خلف الإمام (٢٤٩)، وفي التاريخ الكبير (١/ ٢٠٧) تعليقًا، وابن حبان (٥/ ١٥٢/ ١٨٤٤) و (٥/ ١٦٢/ ١٨٥٢)، والضياء في المختارة (٦/ ٢٣١ و ٢٣٢/ ٢٢٤٨ و ٢٢٤٩)، وأبو زرعة الدمشقي في الفوائد المعللة (١٠٢)، وأبو يعلى في المسند (٥/ ١٨٧/ ٢٨٠٥)، وفي المعجم (٣٠٣)، والطحاوي (١/ ٢١٨)، والطبراني في الأوسط (٣/ ١٢٤/ ٢٦٨٠)، والدارقطني (١/ ٣٤٠)، والبيهقي في السنن (٢/ ١٦٦)، وفي القراءة (١٣٩ - ١٤٥ و ٣٨٦ و ٣٨٧)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٣/ ١٧٥ - ١٧٦). ورواه يوسف بن عدي [ثقة]، عن عبيد الله بن عمرو به، وقصر في متنه، ولم يقل في آخره: "وليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه". أخرجه الطحاوي في أحكام القرآن (١/ ٢٥٢/ ٥١٠)، والدارقطني (١/ ٣٤٠)، والبيهقي في القراءة (١٤٦ و ٣٨٥). قال ابن حبان: "سمع هذا الخبر أبو قلابة عن محمد بن أبي عائشة عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ ، وسمعه من أَنس بن مالك، فالطريقان جميعًا محفوظان". وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن أيوب إلا عبيد الله".

стр. 4176

وقال البيهقي في القراءة: "وفي إجماع هؤلاء الرواة الثقات عن عبيد الله بن عمرو على رواية هذا الحديث بتمامه دليل على تقصير يوسف بن عدي في روايته حيث انتهى بالرواية إلى قوله: "فلا تفعلوا"، ولم يذكر ما بعده من الأمر بقراءة فاتحة الكتاب في نفسه"، إلى أن قال: "فذكر بنقصان هذا الاستثناء، وهو تقصير منه، وسهو سها فيه، وليس هذا من النقصان الَّذي يتجوزه في الخبر بعض الرواة، فإنه يغير الحكم الَّذي هو مقصود صاحب الشريعة ﷺ بالنهي عن القراءة خلف الإمام، واستثناء قراءة الفاتحة سرًّا في نفسه، ومثل هذا النقصان لا يجوز بحال، وبالله التوفيق". وقال أيضًا: "تفرد بروايته عن أَنس: عبيد الله بن عمرو الرقي، وهو ثقة؛ إلا أن هذا إنما يعرف عن أبي قلابة عن محمد بن أبي عائشة". • هكذا قالوا، وقد تفرد به عبيد الله بن عمرو الرقي دون أصحاب أيوب الثقات؛ وقد وهم فيه عبيد الله على أيوب السختياني، فقد رواه عنه أثبت أصحابه مرسلًا، وهو الصواب: رواه حماد بن زيد، وإسماعيل ابن علية [من رواية أحمد بن حنبل ومؤمل بن هشام عنه] [وحماد وابن علية: أثبت الناس في أيوب]، وعبد الوارث بن سعيد، وحماد بن سلمة، وسفيان بن عيينة، ومعمر بن راشد [وهم ثقات]: عن أيوب، عن أبي قلابة، عن النبي ﷺ به، هكذا مرسلًا. أخرجه البخاري في القراءة خلف الإمام (٢٥٠)، وفي التاريخ الكبير (١/ ٢٠٧)، وأحمد في العلل لابنه عبد الله (٢/ ٤٠٨/ ٢٢٨٠)، وعبد الرزاق (٢/ ١٢٧/ ٢٧٦٥)، والبيهقي في السنن (٢/ ١٦٦)، وفي المعرفة (٢/ ٥٤/ ٩٢٢)، وفي القراءة خلف الإمام (١٤٨ - ١٥١ و ١٥٨). قال إسماعيل ابن علية، عن خالد الحذاء: "قلت لأبي قلابة: من حدثك هذا؟ قال: محمد بن أبي عائشة، مولى لبني أمية". • خالف فوصله، وسلك فيه الجادة فوهم: سليمان بن عمر بن خالد الأقطع الرقي [قال ابن أبي حاتم: "كتب عنه أبي بالرقة"، وذكره ابن حبان في الثقات. الجرح والتعديل (٤/ ١٣١)، الثقات (٨/ ٢٨٠)]: نا إسماعيل ابن علية، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أَنس؛ أن رسول الله ﷺ صلى بأصحابه، … فذكر الحديث. أخرجه البيهقي في القراءة خلف الإمام (١٤٧)، قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ [هو الحافظ الكبير أبو عبد الله الحاكم المعروف بابن البيِّع، صاحب المستدرك]: أنا أبو علي الحافظ [هو: الحسين بن علي بن يزيد بن داود، أبو علي النيسابوري: إمام ناقد، حافظ ثبت. تاريخ نيسابور (٢٤٦)، الإرشاد (٣/ ٨٤٢)، تاريخ بغداد (٨/ ٧١)، تاريخ دمشق (١٤/ ٢٧١)، السير (١٦/ ٥١)]: نا محمد بن الحسن بن حرب الرقي بالأردن من كتابه: نا سليمان بن عمر به.

стр. 4177

قال أبو علي: "لم أكتبه إلا عن هذا الشيخ من كتابه". قلت: هو محمد بن علي بن الحسن بن علي بن حرب، أبو الفضل القاضي من أهل الرقة: وثقه الدارقطني، وخفي ذلك على ابن القطان فقال: "لا تُعرف حاله" [تاريخ الرقة (١٢٠)، سؤالات السهمي (١٧)، تاريخ بغداد (٣/ ٧٢)، تاريخ دمشق (٥٤/ ٢٦١)، كان الوهم (٥/ ٨٥/ ٢٣٢٩)، تاريخ الإسلام (١٨/ ٢٨٩)]، ولا أظن الوهم منه، لا سيما وقد حمله أبو علي الحافظ عنه من كتابه، والوهم فيه عندي من شيخه، فإنه ليس بذاك المشهور بالرواية عن ابن علية، وقد خالف من هو أعلم بحديث ابن علية منه، وهما: الإمام أحمد بن حنبل، وهو ثقة ثبت، إمام حجة، ومؤمل بن هشام اليشكري، وهو ثقة بصري، مكثر عن ابن علية، بل هو ختن إسماعيل ابن علية، وأهل بيت الرجل أعلم بحديثه من الغرباء، والله أعلم. • قال البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٢٠٧) بعد حديث عبيد الله بن عمرو هذا: "ولا يصح أَنس"؛ يعني: أن الصحيح هو المرسل؛ ولا يصح وصله بذكر أَنس، والله أعلم. وقال أبو حاتم: "وهِم فيه عبيد الله بن عمرو، والحديث ما رواه: خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، عن النبي ﷺ " [العلل (١/ ١٧٥/ ٥٠٢)]. وقال ابن عدي في الكامل (٣/ ١٢٩): "ورواه عبيد الله بن عمرو عن أيوب عن أبي قلابة عن أَنس، وهذا أيضًا خطأ عن أيوب، أخطأ عليه عبيد الله بن عمرو، … ". وقال الدارقطني في العلل (١٢/ ٢٣٧/ ٢٦٦٤): "وخالفهم ابن علية، وابن عيينة، وحماد بن زيد؛ رووه عن أيوب، عن أبي قلابة مرسلًا عن النبي ﷺ ". وهو [الـ]ـصحيح من رواية أيوب". وقال البيهقي في السنن (٢/ ١٦٦): "وقد قيل: عن أبي قلابة عن أَنس بن مالك، وليس بمحفوظ". • ووجه آخر من الاختلاف في هذا الحديث على أيوب، وليس بشيء: فقد روي من طرقٍ في بعضها ضعف: عن الربيع بن بدر [متروك، لقبه عُلَيلة]، عن أيوب السختياني، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: صلى لنا رسول الله ﷺ ، … فذكر نحوه. أخرجه ابن عدي في الكامل (٣/ ١٢٨ - ١٢٩)، وأبو بكر ابن المقرئ في الأربعين (٣٥)، والدارقطني (١/ ٣٤٠)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (١٥٢ - ١٥٤ و ٤٤٠). قال ابن عدي: "وهذا أخطأ فيه عليلة على أيوب، فقال: عن الأعرج عن أبي هريرة، ورواه عبيد الله بن عمرو عن أيوب عن أبي قلابة عن أَنس، وهذا أيضًا خطأ عن أيوب، أخطأ عليه عبيد الله بن عمرو، والصواب: ما رواه جماعة عن أيوب عن أبي قلابة عن رجل من أصحاب النبي ﷺ .

стр. 4178

قلت: أصاب ابن عدي فيما قال؛ إلا في حكمه الأخير إذا كان هكذا في أصله، ولم يسقط منه شيء، فإن جماعة الحفاظ من أصحاب أيوب قد رووه عنه عن أبي قلابة مرسلًا، والذي ذكره هو إنما يُعرف من رواية خالد الحذاء عن أبي قلابة عن محمد بن أبي عائشة عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، وسيأتي ذكره. وقال الدارقطني في السنن: "الربيع بن بدر: ضعيف؛ كذا رواه الربيع بن بدر عن أبي هريرة، وخالفه سلام أبو المنذر، رواه عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي هريرة، ولا يثبت. وخالفهما عبيد الله بن عمرو الرقي، ورواه عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أَنس، عن النبي ﷺ . ورواه ابن علية وغيره، عن أيوب، عن أبي قلابة مرسلًا. ورواه خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة، عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ ، عن النبي ﷺ ". وسئل الدارقطني في العلل (٩/ ٦٤/ ١٦٤٥) عن حديث أبي قلابة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "إن كان أحدكم قارئًا خلف الإمام فليقرأ بفاتحة الكتاب"؟ فقال: "يرويه أيوب السختياني، واختلف عنه: فرواه سلام أبو المنذر، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي هريرة. وخالفه الربيع بن بدر، رواه عن أيوب، عن الأعرج، عن أبي هريرة. وخالفهم عبيد الله بن عمرو الرقي، فرواه عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أَنس بن مالك. وخالفهم ابن علية، رواه عن أيوب، عن أبي قلابة، مرسلًا. ورواه خالد، عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ . والمرسل الصحيح"، وذكر نحوه أيضًا في موضع آخر من العلل (١٢/ ٢٣٧/ ٢٦٦٤). وقال البيهقي: "قال أبو علي وأبو أحمد: أخطأ فيه عليلة -وهو الربيع بن بدر- على أيوب، إنما هو عن أيوب عن أبي قلابة". وقال الخطيب بنحو كلام الدارقطني، كأنه نقله عنه [تاريخ بغداد (١٣/ ١٧٦)]. قلت: هو باطل من حديث الأعرج عن أبي هريرة، والصحيح: المرسل؛ كما تقدم. • وقد اختلف في هذا الحديث على أبي قلابة: أ - فرواه جماعة الحفاظ من أصحاب أيوب، عن أيوب، عن أبي قلابة مرسلًا [وهذا هو المحفوظ عن أيوب]. ب - ورواه خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة، عن رجل من من أصحاب رسول الله ﷺ ، عن النبي ﷺ . واختلف فيه على خالد، كما سيأتي بيانه.

стр. 4179

٣ - حديث من شهد النبي ﷺ : فقد رواه يزيد بن زريع، وسفيان الثوري، وبشر بن المفصَّل، وشعبة بن الحجاج، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي [وهم ثقات أثبات]: عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة [وفي رواية شعبة: سمعت أبا قلابة]، عن محمد بن أبي عائشة، عن من شهد ذلك [وفي رواية الثوري وشعبة: عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ]، قال: صلى النبي ﷺ فلما قضى صلاته، قال: "أتقرؤون [وفي رواية شعبة بالشك في هذه الزيادة: خلف الإمام] والإمام يقرأ؟ "، قالوا: إنا لنفعل، قال: "فلا تفعلوا؛ إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه". لفظ يزيد. أخرجه البخاري في القراءة خلف الإمام (٧٣)، وأحمد (٤/ ٢٣٦) و (٥/ ٦٠ و ٨١ و ٤١٠)، وعبد الرزاق (٢/ ١٢٧/ ٢٧٦٦)، ومسدد في مسنده (٢/ ٢٢٢/ ١٥٥٤ - إتحاف الخيرة) و (٢/ ٣٤٢/ ١٨٢٩ - إتحاف الخيرة)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٢٨/ ٣٧٥٨)، وابن أبي عمر العدني في مسنده (٢/ ٢٢٢/ ١٥٥٥ - إتحاف الخيرة) و (٢/ ٣٤٢/ ١٨٣٠ - إتحاف الخيرة)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٦/ ٣١٦٦ / ٧٢٨٧)، والبيهقي في السنن (٢/ ١٦٦)، وفي المعرفة (٢/ ٥٣ و ٥٤/ ٩٢٠ و ٩٢١)، وفي القراءة خلف الإمام (١٥٥ - ١٥٧)، وابن عبد البر في التمهيد (١١/ ٤٥)، وعلقه الدارقطني في العلل (١٢/ ٢٣٨ / ٢٦٦٤). قال البيهقي في السنن: "هذا إسناد جيد، وقد قيل: عن أبي قلابة عن أَنس بن مالك، وليس بمحفوظ". وقال في المعرفة: "وهذا إسناد صحيح، وأصحاب النبي ﷺ كلهم ثقة، فترك ذكر أسمائهم في الإسناد لا يضر إذا لم يعارضه ما هو أصح منه، ورواه أيوب عن أبي قلابة فأرسله، والذي وصله حجة، … ". وقال في القراءة: "وهذا حديث صحيح، احتج به ابن خزيمة". وقال الدارقطني في العلل (١٢/ ٢٣٨/ ٢٦٦٤): "فأما خالد الحذاء: فرواه عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ . قال ذلك: سفيان الثوري، ويزيد بن زريع، وبشر بن المفصَّل، عن خالد. ورواه ابن علية، وخالد بن عبد الله، وشعبة، وعلي بن عاصم، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة مرسلًا عن النبي ﷺ . ورواه هشيم، عن خالد، عن أبي قلابة مرسلًا، لم يجاوز به أبا قلابة. والمرسل أصح". وقال ابن عبد البر في الاستذكار (١/ ٤٦٨): "حديث محمد بن أبي عائشة: منقطع مرسل؛ وحديث عبادة من رواية مكحول وغيره: متصل مسند من رواية الثقات". • قلت: خالفهم: إسماعيل ابن علية، وهشيم بن بشير [وهما ثقتان ثبتان]، قالا: أنا خالد، عن أبي

стр. 4180

قلابة؛ أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه: "هل تقرؤون خلف إمامكم؟ "، قال بعضٌ: نعم، وقال بعضٌ: لا، فقال: "إن كنتم لا بد فاعلين؛ فليقرأ أحدكم فاتحة الكتاب في نفسه". هكذا مرسلًا. قال ابن علية: قال خالد: فقلت لأبي قلابة: من حدثك هذا الحديث؟ قال: محمد بن أبي عائشة، مولى لبني أمية، كان خرج مع آل مروان حيث أخرجوا من المدينة. أخرجه أحمد في العلل لابنه عبد الله (٢/ ٤٠٨ / ٢٨٢٦)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٢٨/ ٣٧٥٧). قلت: الأشبه بالصواب صحة الوجهين عن خالد الحذاء، وأنه حدَّث به على الوجهين، فإن الذين اختلفوا عليه كلهم ثقات أثبات حفاظ، وقد رأى الدارقطني نفسه الوجه الأول محفوظًا، حيث لم يذكر غيره في السنن، وقال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ١٧٥/ ٥٠٢): "سألت أبي عن الحديث الَّذي رواه عبيد الله بن عمرو، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أَنس بن مالك، عن النبي ﷺ ، في القراءة خلف الإمام؟ قال أبي: وهِم فيه عبيد الله بن عمرو، والحديث ما رواه: خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، عن النبي ﷺ . فأعلَّ أبو حاتم رواية عبيد الله بن عمرو برواية الجماعة عن خالد الحذاء، مما يدل على أنها محفوظة عنده. • وبناءً على ما تقدم فإن كلا الوجهين عن الحذاء: لا يصح، أما أحدهما فظاهر الإرسال، وأما الآخر؛ فإن ابن أبي عائشة لم يذكر سماعه من الصحابي، فقد يكون مرسلًا أيضًا، وابن أبي عائشة يروي عن الصحابة والتابعين، ومن المحتمل أن يكون رواه عن صحابي لم يدركه، والإرسال كان معروفًا في كثير من التابعين، والله أعلم. • وأما الاختلاف على أبي قلابة؛ فأيوب أحفظ الرجلين، وروايته مرسلة، لكن قول خالد الحذاء: فقلت لأبي قلابة: من حدثك هذا الحديث؟ قال: محمد بن أبي عائشة، يجعل النفس تميل إلى القول بأن كلا الوجهين محفوظ عن أبي قلابة، وكلٌّ قد حدث عنه بما سمع، ولا يصح الحديث من هذه الوجوه، ولا يصلح مثله شاهدًا لحديث مكحول عن نافع بن محمود عن عبادة؛ لوجود المانع، وهو حديث الزهري، والله أعلم. ٤ - حديث أبي قتادة: يرويه يزيد بن هارون: أنبأ سليمان التيمي، قال: حُدِّثت عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه؛ أن رسول الله ﷺ قال: "أتقرؤون خلفي؟! قالوا: نعم، قال: "فلا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب". أخرجه أحمد (٥/ ٣٠٨)، وابن أبي شيبة في مسنده (٢/ ٢٢٢/ ١٥٥٦ - إتحاف الخيرة) [وفي سنده سقط]، وابن منيع في مسنده (٢/ ٢٢٣/ ١٥٥٧ - إتحاف الخيرة) [وفي سنده سقط]، وعبد بن حميد (٢/ ٢٢٣/ ١٥٥٨ - إتحاف الخيرة)، وأبو يعلى (٢/ ٢٢٣ / ١٥٥٩ - إتحاف الخيرة)، والبيهقي في السنن (٢/ ١٦٦)، وفي القراءة (١٦٤ و ١٦٥).

стр. 4181

إسناده ضعيف؛ لأجل المبهم، والحفاظ أمثال سليمان التيمي [وهو أحد حفاظ البصرة] لو شاؤوا لصرحوا بمن حدثهم، فإنهم في الغالب لا يُبهمون إلا من لا يرضونه، فالإبهام نوع من الجرح في مثل هذا الحال، والله أعلم. ٥ - حديث جابر بن عبد الله: رواه الحميدي: ثنا موسى بن شيبة [من ولد كعب بن مالك]، عن محمد بن كليب - هو: ابن جابر بن عبد الله -، عن جابر -وهو: ابن عبد الله-، قال: قال رسول الله ﷺ : "الإمام ضامن؛ فما صنع فاصنعوا". وهو حديث ضعيف؛ تقدم تخريجه في شواهد الحديث رقم (٥١٨). قال الدارقطني وقد أخرجه من طريق أبي حاتم الرازي: "قال أبو حاتم: هذا تصحيح لمن قال بالقراءة خلف الإمام". وقد رد ابن القطان في بيان الوهم (٢/ ٥٥٢/ ٥٥٥) على من استدل بكلام أبي حاتم هذا على تصحيح الحديث، فقال: "وهو في الحقيقة ليس بتصحيح له من أبي حاتم، إنما هو بمثابة من يروي حديثًا صحيحًا أو سقيمًا، ثم يقول: هذا فيه الحجة لمن ذهب إلى كذا؛ يعني: أنَّه من متعلقاته إن صح، أو حتَّى يدفع بما يوجب دفعه به". ٦ - حديث عمران بن حصين: يرويه الربيع بن بدر [يقال له: عليلة، وهو: متروك]، عن سعيد الجريري، عن أبي العلاء، عن أخيه مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عمران بن حصين، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، وآيتين فصاعدًا". أخرجه ابن عدي في الكامل (٣/ ١٣٠)، والخطيب في الموضح (٢/ ٨٣). قال ابن عدي: "وهذا طريق غريب عن عمران بن حصين، يرويه عليلة بن بدر". • قلت: هذا حديث منكر؛ صوابه موقوف، وبغير هذا الإسناد: فقد رواه إسماعيل ابن علية [ثقة ثبت، ممن سمع من الجريري قبل الاختلاط]، وبشر بن المفصَّل [ثقة ثبت، روى له الشيخان عن الجريري]: عن الجريري، عن عبد الله بن بريدة، عن عمران بن حصين، قال: لا تجوز صلاةٌ لا يُقرَأ فيها بفاتحة الكتاب، وآيتين فصاعدًا. أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣١٧/ ٣٦٢٢)، وابن المقرئ في المعجم (٢٢١)، والبيهقي في القراءة (٢٣٤). وهذا موقوف على عمران بن حصين بإسناد صحيح [انظر: صحيح البخاري (١١١٥)]. هذا هو المحفوظ عن الجريري، وخالفهما: حماد بن سلمة [ثقة، ممن سمع من الجريري قبل الاختلاط]، فرواه عن الجريري، عن عبد الله بن بريدة، عن عمران بن حصين، أن عثمان بن أبي العاص، قال: لا تتم صلاةٌ إلا بفاتحة الكتاب، وثلاث آيات فصاعدًا.

стр. 4182

أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٠١ / ١٣٠٥). ورواية ابن علية وبشر أولى، والله أعلم. ٧ - حديث أبي مسعود: يرويه إبراهيم بن أيوب الفرساني، عن أبي مسلم، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي معمر، عن أبي مسعود الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وشيء معها". أخرجه أبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/ ٢١٣) و (٢/ ٣٠٥). هذا الإسناد من لدن الأعمش فمن فوقه على شرط مسلم (٤٣٢)، وهذا حديث منكر باطل؛ حيث تفرد به عن الأعمش: قائده أبو مسلم عبيد الله بن سعيد بن مسلم الجعفي الكوني: ضعيف جدًّا، عنده أحاديث موضوعة، قال البخاري: "في حديثه نظر" [ضعفاء العقيلي (٣/ ١٢١)، المجروحين (١/ ٢٣٩)، التهذيب (٣/ ١١)]. وإبراهيم بن أيوب الفرساني: قال أبو حاتم: "لا أعرفه" [الجرح والتعديل (٢/ ٨٩)، طبقات المحدثين بأصبهان (٢/ ٦٧)، اللسان (١/ ٢٤٦)]. • وإنما يُعرف بهذا الإسناد: ما رواه شعبة، والثوري، وأبو معاوية، والفضيل بن عياض، وعيسى بن يونس، ووكيع بن الجراح، وعبد الله بن نمير، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، ويعلى بن عبيد الطنافسي، وعبد الله بن داود الخريبي، وعبيد الله بن موسى، وجرير بن عبد الحميد، وزائدة بن قدامة، وأبو عوانة، وابن عيينة، ومحمد بن فضيل، وغيرهم [(١٦) فأكثر]: عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي معمر، عن أبي مسعود البدري، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجزئ صلاة الرجل حتَّى يقيم ظهره في الركوع والسجود". أخرجه أبو داود (٨٥٥)، ويأتي تخريجه في موضعه من السنن إن شاء الله تعالى. وقد سئل أبو حاتم عن حديث إبراهيم بن أيوب الفرساني هذا، فقال: "هذا باطل؛ إنما الحديث: "لا تجزئ صلاة رجل لا يقيم صلبه في الركوع والسجود" [العلل (١/ ١٤١/ ٣٩٣)] [وانظر أيضًا: العلل (١٩٢٨)]. • وفي الباب أيضًا: • عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى صلاة مكتوبة مع الإمام فليقرأ بفاتحة الكتاب في سكتاته، ومن انتهى إلى أم القرآن فقد أجزأه". وهو حديث منكر؛ والمعروف وقفه على أبي هريرة، وتقدم تخريجه تحت الحديث رقم (٨٢١). • وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى صلاةً مكتوبةً أو تطوعًا فليقرأ فيها بأُم الكتاب وسورة معها؛ فإن انتهى إلى أم الكتاب فقد

стр. 4183

أجزى، ومن صلى صلاة مع إمام يجهر فليقرأ بفاتحة الكتاب في بعض سكتاته، فإن لم يفعل فصلاته خداج غير تمام". وهو حديث منكر؛ وتقدم تخريجه تحت الحديث رقم (٨٢١). • وأما الآثار في الباب فهي كثيرة. *** ١٣٧ - باب من كره القراءة بفاتحة الكتاب إذا جهر الإمام ٨٢٦ - . . . مالك، عن ابن شهاب، عن ابن أُكَيمة الليثي، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاةٍ جهر فيها بالقراءة، فقال: "هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفًا؟ "، فقال رجل: نعم، يا رسول الله، قال: "إني أقول ما لي أنازعُ القرآنَ؟ ". قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه النبي ﷺ بالقراءة من الصلوات حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ . قال أبو داود: روى حديث ابن أكيمة هذا: معمر، ويونس، وأسامة بن زيد، عن الزهري، على معنى مالك. • حديث صحيح، وآخره مدرج من كلام الزهري. أخرجه مالك في الموطأ (١/ ١٣٩/ ٢٣٠). ومن طريقه: البخاري في القراءة خلف الإمام (١٠١ و ٢٥٦)، وأبو داود (٨٢٦)، والترمذي (٣١٢)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٢/ ١٩٨/ ٢٩٥)، والنسائي في المجتبى (٢/ ١٤٠ / ٩١٩)، وفي الكبرى (١/ ٤٧٥ / ٩٩٣)، وابن حبان (٥/ ١٥٧/ ١٨٤٩)، وأحمد (٢/ ٣٠١)، والشافعي في السنن (٣٣)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (١/ ٢٠١)، والبزار (١٥/ ٢٨٦/ ٨٧٨١)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٢١٧)، وفي أحكام القرآن (١/ ٢٤٩/ ٤٩٥)، والجوهري في مسند الموطأ (٢٢٠)، والبيهقي في السنن (٢/ ١٥٧)، وفي القراءة (٣١٧)، وفي المعرفة (٢/ ٤٧/ ٩١١ و ٩١٢)، وابن عبد البر في التمهيد (١١/ ٢٣)، والخطيب في المدرج (١/ ٣٢٢)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٣/ ٨٣/ ٦٠٧). قال الترمذي: "هذا حديث حسن". وانظر فيمن وهم فيه على مالك: التمهيد (١١/ ٢٣ و ٢٤). • ووصله من طريق معمر بن راشد بمثل رواية مالك: ابن ماجة (٨٤٩)، وأحمد (٢/ ٢٨٤)، وعبد الرزاق (٢/ ١٣٥/ ٢٧٩٥)، ويعقوب بن

стр. 4184

سفيان في المعرفة والتاريخ (١/ ٣٨٢)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٣٠٨/ ٥٣٩٧)، والخطيب في التاريخ (٧/ ٨٥)، وفي تلخيص المتشابه في الرسم (١/ ٢٢٩). وانظر: ذكر الأقران لأبي الشيخ (١٥٩)، وقد وقع فيه تحريف وسقط، وإنما هو هذا الحديث؛ إذ ليس لابن أكيمة غيره، ومن نفس الطريق رواه الطبراني في الأوسط (٥٣٩٧)، والله أعلم. • ووصله من طريق يونس بن يزيد: البخاري في القراءة خلف الإمام (١٠٢)، وفي الكنى (٣٨)، وفي التاريخ الأوسط (١/ ١٧٧/ ٨٢٥). من طريق: الليث بن سعد، قال: حدثني يونس، عن ابن شهاب: سمعت ابن أكيمة الليثي، يحدث سعيدَ بن المسيب، يقول: سمعت أبا هريرة ركامه يقول: صلى لنا رسول الله ﷺ صلاةً جهر فيها بالقراءة، ولا أعلم إلا أنَّه قال: صلاة الفجر، فلما فرغ رسول الله ﷺ أقبل على الناس، فقال: "هل قرأ معي أحد منكم؟ " قلنا: نعم، قال: "ألا إني أقول ما لي أنازع القرآن؟ ". قال: فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه الإمام، وقرؤوا في أنفسهم سرًّا فيما لا يجهر فيه الإمام. قال البخاري: "وقوله: "فانتهى الناس" من كلام الزهري، وقد بيَّنه لي الحسن بن صباح، قال: حدثنا مبشر، عن الأوزاعي، قال الزهري: فاتعظ المسلمون بذلك، فلم يكونوا يقرؤون فيما جهر، وقال مالك: قال ربيعة للزهري: إذا حدّثت فبيِّن كلامَك من كلام النبي ﷺ . • وقد اختلف فيه على الليث بن سعد: أ - فرواه عبد الله بن يوسف التنيسي [ثقة متقن]، وأبو صالح عبد الله بن صالح [صدوق، فيه غفلة]: قالا: حدثنا الليث، قال: حدثني يونس، عن ابن شهاب: سمعت ابن أكيمة الليثي، يحدث سعيد بن المسيب، يقول: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: … فذكره. ب - ورواه يزيد بن هارون، وأبو الوليد هشام بن عبد الملك، ويحيى بن عبد الله بن بكير، ويحيى بن يحيى النيسابوري [وهم ثقات]: عن الليث، عن ابن شهاب، عن ابن أكيمة، عن أبي هريرة، أنَّه قال: صلى لنا رسول الله ﷺ صلاةً فجهر فيها، فلما انصرف استقبل الناس، فقال: "هل قرأ آنفًا منكم أحدٌ؟ "، قالوا: نعم يا رسول الله! فقال: " [إني] لأقول ما لي أنازع القرآن". هكذا بدون الزيادة في رواية الثلاثة الأول. وزاد يحيى بن يحيى في آخره: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه رسول الله ﷺ بالقراءة من الصلوات حين سمعوا ذلك منه.

стр. 4185

أخرجه البخاري في القراءة خلف الإمام (١٠٤)، وابن حبان (٥/ ١٨٤٣/١٥١)، والبيهقي في القراءة (٣١٨ و ٣١٩)، والخطيب في المدرج (١/ ٣٢٣ و ٣٢٤). قلت: وكلا القولين محفوظ عن الليث بن سعد، فإنه يروي عن الزهري بلا واسطة، ويدخل أحيانًا بينه وبين الزهري: يونس بن يزيد. ولم أقف على من وصله من طريق أسامة بن زيد. • ورواه بنحوه بهذه الزيادة: أبو أويس [عبد الله بن عبد الله بن أويس الأصبحي: ليس به بأس]، عن الزهري، عن ابن أكيمة الكناني ثم الليثي، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ صلى صلاة جهر فيها بالقراءة، ثم أقبل على الناس بعد ما سلم، فقال: "هل قرأ أحد منكم معي آنفًا؟ "، قالوا: نعم يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : "إني أقول ما لي أنازع القرآن؟ "، فانتهى الناس عن قراءة القرآن مع رسول الله ﷺ فيما جهر به من القراءة في الصلاة حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ . أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (١١/ ٢٦ - ٢٧). قال ابن عبد البر: "يقولون: إن سماع أبي أويس ومالك بن أَنس من الزهري كان واحدًا، بعرض واحد، كذلك قال محمد بن يحيى النيسابوري وغيره، والله أعلم". قلت: وحكى نحوه أيضًا: أحمد بن حنبل والبزار [سؤالات أبي داود (٢٠٣)، تاريخ بغداد (١٠/ ٧)، ترتيب المدارك (١/ ٢١٣)، التهذيب (٢/ ٣٦٦)]. • هكذا روى الحديث عن الزهري بهذه الزيادة مدرجة من قول أبي هريرة: مالك بن أَنس، ومعمر بن راشد، ويونس بن يزيد الأيلي، والليث بن سعد، وأبو أويس، وأسامة بن زيد. *** ٨٢٧ - قال أبو داود: حدثنا مسدد، وأحمد بن محمد المروزي، ومحمد بن أحمد بن أبي خلف، وعبد الله بن محمد الزهري، وابن السرح، قالوا: حدثنا سفيان، عن الزهري: سمعتُ ابنَ أكيمة يحدِّث سعيدَ بن المسيب، قال: سمعت أبا هريرة، يقول: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاةً نظن أنها الصبح، بمعناه إلى قوله: "ما لي أنازع القرآن". قال مسدد في حديثه: قال معمر: فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر به رسول الله ﷺ . وقال ابن السرح في حديثه: قال معمر عن الزهري: قال أبو هريرة: فانتهى الناس.

стр. 4186

وقال عبد الله بن محمد الزهري من بينهم، قال سفيان: وتكلم الزهري بكلمة لم أسمعها، فقال معمر: إنه قال: فانتهى الناس. قال أبو داود: ورواه عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، وانتهى حديثه إلى قوله: "ما لي أنازع القرآن". ورواه الأوزاعي، عن الزهري، قال فيه: قال الزهري: فاتَّعظ المسلمون بذلك، فلم يكونوا يقرؤون معه فيما يجهر به ﷺ . قال أبو داود: سمعت محمد بن يحيى بن فارس، قال: قوله: فانتهى الناس، من كلام الزهري. • حديث صحيح، وآخره مدرج من كلام الزهري. وأخرجه من طريق ابن عيينة به: ابن ماجة (٨٤٨)، وأحمد (٢/ ٢٤٠)، والحميدي (٢/ ١٨٧/ ٩٨٣)، ومسدد في مسنده (٢/ ٢٢٥/ ١٥٦٥ - إتحاف الخيرة)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٣٠/ ٣٧٧٦)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (١/ ٣٨٢)، والبزار (١٥/ ٢٨٦/ ٨٧٨٠)، والطحاوي في أحكام القرآن (١/ ٢٤٩/ ٤٩٦)، والبيهقي في السنن (٢/ ١٥٧)، وفي القراءة (٣٢١)، وابن عبد البر في التمهيد (١١/ ٢٤ و ٢٥)، والخطيب في المدرج (١/ ٣٢٤ - ٣٢٦)، والحازمي في الاعتبار (١/ ٣٨٣ / ٣٨٣). رواه عن ابن عيينة هكذا بدون الزيادة: أبو بكر بن أبي شيبة، وهشام بن عمار، وأحمد بن محمد بن ثابت المروزي بن شبُّويه، ومحمد بن أحمد بن أبي خلف السلمي، وحامد بن يحيى بن هانئ البلخي [وهم: ثقات، من أصحاب ابن عيينة]. ورواه بالزيادة مبينًا أنها من حديث معمر عن الزهري: عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري [وهو: ثقة]. وقال أحمد بن حنبل في روايته عن سفيان: "قال معمر عن الزهري: فانتهى الناس عن القراءة فيما يجهر به رسول الله ﷺ . قال سفيان: خفيت عليَّ هذه الكلمة" [وانظر: مسائل صالح (٦٨٧)]. وقال الحميدي في روايته: "قال سفيان: ثم قال الزهري شيئًا لم أفهمه، فقال في معمر بعدُ أنَّه قال: فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر به رسول الله ﷺ ". قال الحميدي: "وكان سفيان يقول في هذا الحديث: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاةً أظنها صلاة الصبح، زمانًا من دهره، ثم قال لنا سفيان: نظرت في كتابي فإذا فيه عندي: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح". وقال علي بن المديني: "قال سفيان: ثم قال الزهري شيئًا لم أحفظه، انتهى حفظي إلى هذا، وقال معمر عن الزهري: فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه رسول الله ﷺ ،

стр. 4187

قال علي: قال لي سفيان يومًا: فنظرت في شيء عندي؛ فإذا هو: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح، بلا شك" [سنن البيهقي (٢/ ١٥٧)]. هكذا بيَّن أثبت أصحاب ابن عيينة أن هذه الجملة لم يحفظها ابن عيينة من الزهري، وإنما حفظها من معمر عن الزهري، فعادت إلى حديث معمر، إلا أنَّه قال: وقال معمر عن الزهري: فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه رسول الله ﷺ ، فكأنه جعله من كلام الزهري، وبه احتج أحمد على أنَّه من قول الزهري، لا من قول أبي هريرة [مسائل صالح (٦٨٧)]. وممن نقل ذلك عن ابن عيينة أيضًا: قتيبة بن سعيد، ومسدد بن مسرهد، والحارث بن مسكين [وهم ثقات]. ورواه بالزيادة مدرجة من غير بيان: حوثرة بن محمد [ثقة]، وخالد بن يوسف [السمتي، وهو: ضعيف] [عند البزار]، وأبو غسان مالك بن إسماعيل [ثقة متقن] [عند الحازمي، ولفظه: فانتهى الناس عن القراءة فيما يجهر فيه]. ورواه عبد المغني بن أبي عقيل [هو: عبد المغني بن رفاعة: ثقة فقيه] [عند الطحاوي، ولم يميز لفظه]. خالف هؤلاء جميعًا: أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح، فصرح بكونه من كلام أبي هريرة، وهو: ثقة؛ إلا أنَّه وهم في ذكر أبي هريرة، ورواية الجماعة عن ابن عيينة هي الصواب، لا سيما وفيهم أثبت أصحابه، مثل: أحمد والحميدي وابن المديني. • ووصله من طريق عبد الرحمن بن إسحاق المدني [صدوق]: أحمد (٢/ ٤٨٧)، ومسدد في مسنده (٢/ ٢٢٥/ ١٥٦٦ - إتحاف الخيرة). عن إسماعيل ابن علية، قال: أنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، عن ابن أكيمة الجندعي، عن أبي هريرة، قال: صلى رسول الله ﷺ صلاةً فجهر فيها بالقراءة، فلما فرغ قال: "هل قرأ أحدٌ منكم معي آنفًا؟ " قال رجل من القوم: أنا، قال: "إني أقول ما لي أنازع القرآن". • وتابعه عليه بدون الزيادة: ابن جريج، قال: أخبرني ابن شهاب، قال: سمعت ابن أكيمة، يقول: قال أبو هريرة: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاةً يجهر فيها، ثم سلم، فاقبل على الناس، فقال: "هل قرأ معي أحدٌ آنفًا؟ " قالوا: نعم يا رسول الله، قال: "إني أقول ما لي أنازع القرآن". أخرجه أحمد (٢/ ٢٨٥)، وعبد الرزاق (٢/ ١٣٥/ ٢٧٩٦)، والبيهقي في القراءة (٣٢٠). • وأما حديث الأوزاعي، فقد رواه عن الزهري، ففصل كلامه، ولم يدرجه في الحديث، إلا أنَّه وهم في إسناده، وجعله عن ابن المسيب بدل ابن أكيمة: روى الوليد بن مزيد، ومحمد بن يوسف الفريابي، وأبو المغيرة عبد القدوس بن

стр. 4188

الحجاج، والمفضل بن يونس، ومبشر بن إسماعيل الحلبي، وبشر بن بكر التنيسي، وأبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن الحارث الفزاري، وعبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين [وهم ثقات في الجملة]، ويحيى بن عبد الله البابلتي [ضعيف]: عن الأوزاعي، قال: حدثني الزهري، عن سعيد بن المسيب، أنَّه سمع أبا هريرة، يقول: قرأ ناس مع رسول الله ﷺ في صلاة يجهر فيها بالقراءة، فلما قضى رسول الله ﷺ أقبل عليهم، فقال: "هل قرأ معي منكم أحد آنفًا؟ "، قالوا: نعم يا رسول الله، قال رسول الله ﷺ : [إني لأقول] ما لي أنازع القرآن؟ ". قال الزهري: فاتعظ المسلمون [بذلك]، فلم يكونوا يقرؤون معه فيما جهر به. أدرجه المفصَّل، وفصله الآخرون. وانفرد عنهم ابن أبي العشرين بقوله: فلم يكونوا يقرؤون إلا بأُم القرآن، فوهم في هذا الاستثناء. أخرجه البخاري في التاريخ الأوسط (١/ ١٧٧/ ٨٢٦)، وابن حبان (٥/ ١٦٠/ ١٨٥٠)، والبزار (١٤/ ٢٠٣/ ٧٧٥٩)، وأبو يعلى (١٠/ ٢٥٣/ ٥٨٦١)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٢١٧)، وفي أحكام القرآن (١/ ٢٤٩/ ٤٩٧)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٣٢٠)، والبيهقي في السنن (٢/ ١٥٨)، وفي القراءة (٣٢٢)، والخطيب في المدرج (١/ ٣٢٨ - ٣٣٠). • ورواه الوليد بن مسلم، فعلم أن الأوزاعي قد وهم فيه، فأبهم الواسطة تنبيلًا للأوزاعي عن هذا الوهم: قال الوليد: حدثنا الأوزاعي، عن الزهري، عن من سمع أبا هريرة، يقول: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاةً، فجهر فيها بالقراءة، فلما سلم قال: "هل قرأ معي منكم أحد آنفًا؟ " قالوا: نعم يا رسول الله، قال: "إني أقول ما لي أنازع القرآن؟ ". قال الزهري: فانتهى المسلمون، فلم يكونوا يقرؤون معه. أخرجه ابن حبان (٥/ ١٦١/ ١٨٥١). قال ابن حبان: "هذا خبر مشهور للزهري - من رواية أصحابه - عن ابن أكيمة عن أبي هريرة، ووهم فيه الأوزاعي - إذ الجواد يعثر - فقال: عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، فعلم الوليد بن مسلم أنَّه وهم، فقال: عن من سمع أبا هريرة، ولم يذكر سعيدًا، وأما قول الزهري: فانتهى الناس عن القراءة، أراد به رفع الصوت خلف رسول الله ﷺ ، اتباعًا منهم لزجره ﷺ عن رفع الصوت والإمام يجهر بالقراءة، في قوله: "ما لي أنازع القرآن". قلت: في رواية الأوزاعي هذه تكلم الأئمة النقاد على مسألتين: • الأُولى: كون الأوزاعي فصل آخر الحديث فجعله من قول الزهري، لا من قول أبي هريرة، وقد تتابع الأئمة على القول بذلك، وإن كان عامة أصحاب الزهري قد رووه عنه مدرجًا، وهاك أقوالهم:

стр. 4189

قال أبو داود: "سمعت محمد بن يحيى بن فارس، قال: قوله: فانتهى الناس، من كلام الزهري". وفي مسائل صالح بن أحمد (٦٨٧)، سئل الإمام أحمد عن هذا الحديث، فذكر بعض الاختلاف على الزهري، ثم قال: "فالذي نرى أن قوله: فانتهى الناس عن القراءة: أنَّه قول الزهري"، واعتمد في ذلك على رواية ابن عيينة عن معمر، وعلى كون عبد الرحمن بن إسحاق رواه عن الزهري فانتهى إلى قوله: "ما لي أنازع القرآن"، ولم يزد عليه. وقال البخاري: "وهو من كلام الزهري، … ، وأدرجوه في حديث النبي ﷺ ، وليس هو من حديث أبي هريرة، والمعروف عن أبي هريرة أنَّه كان يأمر بالقراءة، قال أبو السائب: قال لي أبو هريرة: اقرأ بها في نفسك يا فارسي". وقال في الكنى (٣٨): "وقال بعضهم: هذا قول الزهري، وقال بعضهم: هذا قول ابن أكيمة، والصحيح: قول الزهري". وقال ابن حبان (٥/ ١٦١): "هذا الكلام الأخير: فانتهى الناس عن القراءة واتعظ المسلمون بذلك، إنما هو قول الزهري، لا من كلام أبي هريرة". وقال البيهقي: "رواية ابن عيينة عن معمر دالة على كونه من قول الزهري، وكذلك انتهاء الليث بن سعد -وهو من الحفاظ الأثبات الفقهاء- مع ابن جريج برواية الحديث عن الزهري إلى قوله: "ما لي أنازع القرآن؟ " ودليل على أن ما بعده ليس في الحديث، وأنه من قول الزهري، وقد رواه الأوزاعي عن الزهري ففصل كلام الزهري من الحديث بفصل ظاهر؛ غير أنَّه غلط في إسناد الحديث". وقال في السنن: "حفظ الأوزاعي كون هذا الكلام من قول الزهري ففصله عن الحديث؛ إلا أنَّه لم يحفظ إسناده، الصواب: ما رواه ابن عيينة عن الزهري، قال: سمعت ابن أكيمة يحدث سعيد بن المسيب، وكذلك قاله يونس بن يزيد الأيلي". وقال ابن عبد البر في الاستذكار (١/ ٤٦٤): "وأما قوله في هذا الحديث: فانتهى الناس عن القراءة، إلى آخر الحديث، فأكثر رواة ابن شهاب عنه لهذا الحديث يجعلونه كلام ابن شهاب، ومنهم من يجعله كلام أبي هريرة". وقال الخطيب في المدرج (١/ ٣٢٣): "والصحيح أنَّه كلام ابن شهاب الزهري". وقال الخطابي في المعالم (١/ ١٧٨): "قوله: فانتهى الناس عن القراءة: من كلام الزهري، لا من كلام أبي هريرة". • الثانية: أن الأوزاعي قد وهم في إسناد هذا الحديث حيث جعله عن سعيد بن المسيب؛ وإنما الحديث لابن أكيمة، وهذا أيضًا مما أجمع عليه النقاد: قال البخاري: "وقال بعضهم: الزهري عن سعيد عن أبي هريرة، ولا يصح عن سعيد".

стр. 4190

وقال في الكنى (٣٨): "وقال الأوزاعي: عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، ولم يثبت" [وتصرفت في النص بما تقتضيه صحة السياق]. وقال البزار (٨٧٨١): "وهذا الحديث رواه عن الزهري: مالك وابن عيينة ومعمر وعبد الرحمن بن إسحاق وغيرهم، عن الزهري، عن ابن أكيمة، عن أبي هريرة. ورواه الأوزاعي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، فغلط في إسناده، وإنما ذكر الزهري قال: سمعت ابن أكيمة يحدث سعيد بن المسيب، وهذا غلظ بيِّن. وقد رواه ابن أخي الزهري، عن الزهري، عن عبد الرحمن الأعرج، عن ابن بحينة. وابن أكيمة لا نعلم روى عنه إلا الزهري وحده". وقال أيضًا (٧٧٥٩): "وهذا الحديث رواه ابن عيينة ومعمر وجماعة من أصحاب الزهري، عن الزهري، عن ابن أكيمة، عن أبي هريرة، وهو الصواب. وقال بعض أصحاب الزهري: عن الزهري، قال: سمعت ابن أكيمة يحدث سعيد بن المسيب، وأخطأ في إسناده الأوزاعي، فقال: عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة. ورواه ابن أخي الزهري، عن الزهري، عن الأعرج، عن ابن بحينة، عن النبي ﷺ ، وأخطأ في إسناده". وقال أبو علي صالح بن محمد جزرة: "غلِط فيه الأوزاعي، وإنما هو عن ابن أكيمة". وقال أبو حاتم: "هذا خطأ، خالف الأوزاعي أصحاب الزهري في هذا الحديث، إنما رواه الناس عن الزهري، قال: سمعت ابن أكيمة، يحدث سعيدَ بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ " [علل ابن أبي حاتم (١/ ١٧٢/ ٤٩٣)]. وقال الدارقطني في العلل (٩/ ٥٥/ ١٦٤٠) بعد رواية الأوزاعي: "ووهم فيه، وإنما هو: عن الزهري، قال: سمعت ابنَ أكيمة، يحدث سعيدَ بن المسيب، عن أبي هريرة، كذلك قال يونس وابن عيينة عن الزهري في حديثهما". وقال البيهقي: "غلط في إسناد الحديث". وقال في القراءة: "وكذلك رواه كافة أصحاب الأوزاعي عن الأوزاعي، وإنما جاء الوهم للأوزاعي في إسناده: أن الزهري قال: سمعت ابن أكيمة يحدث سعيد بن المسيب، فنسي الأوزاعي ﵀ قول الزهري: سمعت ابن أكيمة، وحسب أنَّه عن سعيد بن المسيب؛ لأنَّ الزهري ذكر ابن المسيب في حديث ابن أكيمة". وقال في السنن: " … لم يحفظ إسناده، الصواب: ما رواه ابن عيينة عن الزهري، قال: سمعت ابن أكيمة يحدث سعيد بن المسيب، وكذلك قاله يونس بن يزيد الأيلي". وقال ابن عبد البر في التمهيد (١١/ ٢٤): "وذلك وهم وغلط عند جميع أهل العلم بالحديث، والحديث محفوظ لابن أكيمة، وإنما دخل الوهم فيه عليه لأنَّ ابن شهاب كان

стр. 4191

يقول في هذا الحديث: سمعت ابنَ أكيمة يحدث سعيدَ بن المسيب عن أبي هريرة، فتوهم أنَّه لابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، ولا يختلف أهل العلم بالحديث أن هذا الحديث لابن شهاب عن ابن أكيمة عن أبي هريرة، وأن ذكر سعيد بن المسيب في إسناد هذا الحديث خطأ، لا شك عندهم فيه، وإنما ذلك عندهم لأنَّه كان في مجلس سعيد بن المسيب، فهذا وجه ذكر سعيد بن المسيب لا أنَّه في الإسناد". وقال بذلك أيضًا: الخطيب في المدرج (١/ ٣٢٨). • ورواه بعضهم عن الأوزاعي فوهم فيه وهمًا قبيحًا، وأتى فيه بلفظ منكر: رواه زكريا بن يحيى الوقار: ثنا بشر بن بكر: ثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: صلى رسول الله ﷺ صلاة، فلما قضاها قال: "هل قرأ أحد منكم معي بشيء من القرآن؟ "، فقال رجل من القوم: أنا يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : "إني أقول ما لي أنازع في القرآن، إذا أسررت بقراءتي فاقرؤوا معي، وإذا جهرت بقراءتي فلا يقرأنَّ معي أحد". أخرجه العقيلي في الضعفاء (٢/ ٨٧)، والدارقطني (١/ ٣٣٣)، والبيهقي في القراءة (٣٢٣). قال أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح لما ذُكر له هذا الحديث: "هذا باطل"، ثم قام يجرُّ إزاره حتَّى دخل إلى بيته، فأخرج كتاب بشر بن بكر، فإذا فيه: حدثنا بشر بن بكر، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير؛ أن رسول الله ﷺ ، أو: عن الأوزاعي؛ أن رسول الله ﷺ [شك الراوي]، فقال: "انظروا كيف وصله! فجعله عن أبي سلمة عن أبي هريرة"، واغتاظ من ذلك [الضعفاء الكبير (٢/ ٨٧)]. وقال العقيلي: "يُروى بغير هذا الإسناد عن أبي هريرة وعمران بن حصين، وليس فيه الكلام الأخير: إذا أسررتُ بقراءتي فاقرؤوا معي، وإذا جهرتُ فلا يقرأنُّ معي أحد". وقال الدارقطني: "تفرد به زكريا الوقار، وهو منكر الحديث، متروك". وقال أبو علي الحافظ: "أخطأ فيه زكريا، وإنما أراد حديث الأوزاعي عن الزهري، كما رواه الناس، وليس لحديث يحيى بن أبي كثير فيه أصل، ووهم الأوزاعي في إسناد هذا الحديث حين قال: عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، وإنما هو عن الزهري سمع ابن أكيمة يحدث سعيد بن المسيب". قلت: هو حديث باطل؛ تفرد به زكريا بن يحيى الوقار، وكان ممن يضع الحديث، وكذبه صالح جزرة [اللسان (٣/ ٥١٧)]، وقد رواه الثقات عن بشر بن بكر عن الأوزاعي، عن الزهري به، فذكره كما ذكره سائر الناس عن الأوزاعي [عند: البزار (١٤/ ٢٠٣ ٧٧٥٩)، والبيهقي في القراءة (٣٢٤)]، كما تقدم. • وممن وهم فيه أيضًا على الزهري: أ - ابن أخي الزهري، رواه عن عمه: أخبرني الأعرج [وفي رواية: أخبرني

стр. 4192

عبد الرحمن بن هرمز]، عن عبد الله بن بحينة - وكان من أصحاب النبي ﷺ ، أن رسول الله [صلى صلاةً يُجهر فيها، فلما انصرف] قال: "هل قرأ أحد منكم آنفًا في الصلاة؟ "، قالوا: نعم يا رسول الله، قال: " [لا تفعلوا] أما إني أقول: ما لي أنازع القرآن؟ "، فانتهى الناس عن القراءة حين قال ذلك [وفي رواية: عن القراءة فيما جهر فيه رسول الله ﷺ ]. أخرجه أحمد (٥/ ٣٤٥)، وعباس الدوري في تاريخ ابن معين (٣/ ٦٤٨/ ١٥٤)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (٢/ ١٢٧)، والبزار (٦/ ٢٩٢/ ٢٣١٣)، والمحاملي في الأمالي (٣٤٢)، والطبراني في الأوسط (٧/ ١٩٤/ ٧٢٥١)، والبيهقي في السنن (٢/ ١٥٨)، وفي القراءة (٣٢٥ و ٣٢٦). قال ابن معين: "هذا يخالفه الناس فيه". وقال يعقوب بن سفيان: "وهذا خطأ لا شك فيه ولا ارتياب؛ رواه مالك ومعمر وابن عيينة والليث بن سعد ويونس بن يزيد والزبيدي كلهم عن الزهري عن ابن أكيمة، … " [ونقله البيهقي في السنن]. وقال البزار: "وهذا الحديث لا نعلم أحدًا قال فيه: عن الزهري عن الأعرج؛ إلا ابن أخي الزهري، وأخطأ فيه، وإنما هو عن الزهري عن ابن أكيمة، هكذا رواه ابن عيينة ومعمر، عن الزهري، عن ابن أكيمة، عن أبي هريرة، ولكن ذكرنا حديث ابن بحينة ليعرف من سمع ذلك أنَّه خطأ". وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن الزهري عن الأعرج عن ابن بحينة إلا ابن أخي الزهري، تفرد به: يعقوب، ورواه الناس عن الزهري عن ابن أكيمة عن أبي هريرة". قلت: يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري: ثقة مأمون، وإنما الوهم فيه من ابن أخي ابن شهاب، محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبيد الله، فإنه كان سيئ الحفظ، تفرد عن عمه بأحاديث لم يتابع عليها [التهذيب (٦/ ٦١٣)، شرح علل الترمذي (٢/ ٦٧٦)]. وساق البيهقي كلام يعقوب بن سفيان، ثم قال: "روى محمد بن إسحاق بن خزيمة هذا الحديث عن محمد بن يحيى الذهلي عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن ابن أخي الزهري، ثم قال: قال لنا محمد بن يحيى: أراد ابن أخي ابن شهاب حديث السهو في قيام النبي ﷺ من الركعتين، فأخطأ". ب - ورواه عمر بن صُهبان [متروك، منكر الحديث]، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ . أخرجه البيهقي في القراءة (٣٢٧). قال الدارقطني في العلل (٩/ ٥٥/ ١٦٤٠): "ورواه عمر بن محمد بن صهبان عن الزهري، ووهم فيه وهمًا قبيحًا، فقال: عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، وعمر: متروك".

стр. 4193

• وقال البيهقي في القراءة: "وهذا خطأ؛ وعمر بن صهبان: ضعيف بمرة، والحديث حديث الجماعة عن الزهري عن ابن أكيمة عن أبي هريرة، وابن أكيمة يقال له: عمار، ويقال: عمارة، وهو مجهول؛ لم يرو عنه غير الزهري". ونقل كلام الحميدي وابن خزيمة الآتي، ثم قال: "ولا يُترَك الثابتُ عن أبي هريرة في الأمر بقراءة فاتحة الكتاب وراء الإمام [برواية] رجل مجهول؛ مع احتمال روايته أن يكون المراد بها ما بعد الفاتحة من القرآن، دون الفاتحة التي أمر أبو هريرة بقراءتها وراء الإمام وإن كان يجهر الإمام بالقراءة، كما سبق ذكرنا له". وقال في المعرفة (٢/ ٤٧): "هذا حديث تفرد به ابن أكيمة، وهو مجهول؛ ولم يكن عند الزهري من معرفته أكثر من أن رآه يحدث سعيد بن المسيب، واختلفوا في اسمه، فقيل: عمارة، وقيل: عمار، قاله البخاري". وقال في السنن (٢/ ١٥٨): "في صحة هذا الحديث عن النبي ﷺ نظر، وذلك لأنَّ راويه ابن أكيمة الليثي، وهو رجل مجهول؛ لم يحدث إلا بهذا الحديث وحده، ولم يحدث عنه غير الزهري، ولم يكن عند الزهري من معرفته أكثر من أن رآه يحدث سعيد بن المسيب". وقال أيضًا: "في الحديث الثابت عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبي السائب عن أبي هريرة، … : دليل على ضعف رواية ابن أكيمة، أو أراد بما لي حديث ابن أكيمة المنع عن الجهر بالقراءة خلف الإمام، أو المنع عن قراءة السورة فيما يجهر فيه بالقراءة، وهو مثل حديث عمران بن حصين … ". وقال الحميدي: إ هذا حديث رواه رجل مجهول؛ لم يُروَ عنه غيره قط" [القراءة خلف الإمام للبيهقي (١٤٤)، سنن البيهقي (٢/ ١٥٩)، الاعتبار للحازمي (١/ ٣٨٧/ ١٢٦)]. وقال ابن سعد في الطبقات (٥/ ٢٤٩): "عمارة بن أكيمة الليثي، من كنانة من أنفسهم، ويكنى أبا الوليد، توفي سنة إحدى ومائة، وهو ابن تسع وسبعين سنة، روى عن أبي هريرة، وروى عنه الزهري حديثًا واحدًا، ومنهم من لا يحتج به، يقول: هو شيخ مجهول". وقال ابن خزيمة: "ابن أكيمة: رجل مجهول؛ لم نسمع له رواية [عن] غير الزهري، ولا سمعنا له في الإسلام خبرًا غير هذا الخبر الواحد؛ إلا … " ثم ذكر خبر أبي رهم، وأن ذكر ابن أكيمة فيه وهمٌ، فلم يبق له سوى هذا الخبر الواحد [القراءة خلف الإمام للبيهقي (١٤٤)]. وقال الحازمي: "هذا حديث لا يُعرف إلا من هذا الوجه، وابن أكيمة غير مشهور". وقال النووي في المجموع (٣/ ٣١٧): "الحديث ضعيف؛ لأنَّ ابن أكيمة مجهول". وقال في الخلاصة (١١٧٧): "قال الترمذي: حسن، وأنكره عليه الأئمة، واتفقوا على ضعف هذا الحديث؛ لأنَّ ابن أكيمة مجهول.

стр. 4194

وعلى أن قوله: فانتهى الناس عن القراءة إلى آخره: ليست من الحديث، بل هي من كلام الزهري مدرجة فيه، هذا متفق عليه عند الحفاظ المتقدمين والمتأخرين، منهم: الأوزاعي، ومحمد بن يحيى الذهلي، والبخاري، وأبو داود، والأخطابي، والبيهقي، وغيرهم". • قلت: لم يقع الاتفاق على تضعيف هذا الحديث: فقد قال الترمذي: "هذا حديث حسن، وابن أكيمة الليثي اسمه عمارة، ويقال: عمرو بن أكيمة". وقال أبو حاتم في ابن أكيمة: "هو صحيح الحديث، حديثه مقبول" [الجرح والتعديل (٦/ ٣٦٢)]. وإذا كان لا يصح له غير هذا الحديث، فإن هذا الحكم إنما ينسحب على حديثه هذا، فكان أبا حاتم قال عن هذا الحديث: هو حديث صحيح، وذلك تبعًا لتصحيح حديث راويه الَّذي ليس له غير هذا الحديث، وحديث آخر مختلف فيه على الزهري، والصواب فيه إسقاط ذكر ابن أكيمة منه، والله أعلم. وعليه: فإن هذا الحديث قد صححه أبو حاتم الرازي، وابن حبان، وحسنه الترمذي، واحتج به مالك وأبو داود والنسائي، فكيف يقال بعد ذلك بأن الأئمة اتفقوا على ضعف هذا الحديث؟! • وإن كان حجة الذين ضعفوه لا تخرج عن أحد أمرين: الأول: جهالة ابن أكيمة، والثاني: مخالفته لحديث أبي السائب عن أبي هريرة. فيقال: هي حجة داحضة: أما الأُولى: فإن الذين جهَّلوا ابن أكيمة هم الشافعية، نصرة لمذهبهم، والذين ضعفوا حديثه، وهو الحميدي، وفي المقابل: فقد وثقه ابن معين، لكنه جعل عمارة بن أكيمة، وحفيده: عمرو بن مسلم بن عمارة بن أكيمة، جعلهما رجلًا واحدًا [انظر: تاريخ ابن معين للدوري (٣/ ١٣٢/ ٥٥٠) و (٣/ ١٧٦/ ٧٨٢) و (٣/ ٢٤٩/ ١١٦٩)]. والصواب: التفريق بينهما، فقد فرق بينهما: البخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٣٦٩ و ٤٩٨)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٦/ ٢٥٩ و ٣٦٢)، وابن حبان في الثقات (٥/ ١٦٩ و ٢٤٢)، وفي الصحيح (٥/ ١٥٨) و (١٣/ ٢٣٨)، وفي مشاهير علماء الأمصار (٥٠٤)، وغيرهم. وقال العجلي، وابن حبان: "ثقة" [معرفة الثقات (٢٠٨٣ و ٢٢٩٢)، صحيح ابن حبان (٥/ ١٥٨)]. وقد ذكره ابن البرقي فيمن لم تشتهر عنه الرواية، لكن احتُملت روايته لرواية الثقات عنه، ولم يُغمز، ثم نقل عن ابن معين قوله: "كفى قول الزهري: سمعت ابن أكيمة يحدث

стр. 4195

سعيد بن المسيب"، مما يدل على جلالته حيث يستمع إليه ابن المسيب وتلميذه ابن شهاب الزهري، وهما أئمة أهل المدينة في زمانهما، ثم هما يقولان بمقتضى هذا الحديث الَّذي رواه لهما ابن أكيمة، وفي هذا توثيق ضمني له من ابن المسيب ومن الزهري حيث لم ينكرا عليه ما رواه عن أبي هريرة، ثم هما بعد ذلك يذهبان إلى العمل بحديثه هذا، والله أعلم. ولأجل هذا المعنى؛ قال يعقوب بن سفيان: "هو من مشاهير التابعين بالمدينة" [التهذيب (٣/ ٢٠٧)]. وقال ابن عبد البر في الاستذكار (١/ ٤٦٤): "قال ابن شهاب: كان ابن أكيمة يحدث في مجلس سعيد بن المسيب، فيصغي إلى حديثه، وحسبك بهذا فخرًا وثناءً". وقال في التمهيد (١١/ ٢٢): "الدليل على جلالته: أنَّه كان يحدث في مجلس سعيد بن المسيب، وسعيد يصغي إلى حديثه عن أبي هريرة، وسعيدٌ أجلٌ أصحاب أبي هريرة، وذلك موجود في حديثه هذا من رواية ابن عيينة وغيره، وإلى حديثه ذهب سعيد بن المسيب في القراءة خلف الإمام فيما يجهر فيه، وبه قال ابن شهاب، وذلك كلُّه دليل واضح على جلالته عندهم وثقته، وبالله التوفيق". وعلى هذا فإن الذين حكموا عليه بالجهالة؛ فإنما ذهبوا إلى ذلك لقلة روايته حيث لا يصح له غير هذا الحديث الواحد، كما أنَّه لم يرو عنه غير الزهري، ومن المعلوم أن الراوي إذا لم يروِ منكرًا، وكان المتفرد عنه من كبار الأئمة الحفاظ: فإن هذا مما يرفع من حاله، فالزهري أحد سادات زمانه في العلم والعمل، وهو تابعي أيضًا، فرواية مثله عن تابعي غير مشهور، وقد صرح باسمه، وأسند له، مما يرفع حاله، لا سيما ولم يرو منكرًا. فكيف إذا انضاف إلى ذلك رواية مالك له في موطئه، وهو الحجة في أهل المدينة، وكان من أشد الناس انتقادًا للرجال، فرواية مالك له في موطئه وهو مدني: توثيق له، فقد سأل بشرُ بنُ عمر الزهراني مالكَ بنَ أَنس عن رجل، فقال: "هل رأيته في كتبي؟ " قال: لا، قال: "لو كان ثقةً لرأيته في كتبي"، وفي رواية: "أترى في كتبي عنه شيئًا؟ لو كُنْتُ أرضاه رأيتَ في كتبي عنه"، قال النووي في شرح مسلم: "هذا تصريح من مالك ﵀ بأن من أدخله في كتابه فهو ثقة، فمن وجدناه في كتابه حكمنا بأنه ثقة عند مالك، وقد لا يكون ثقة عند غيرها، وقال الذهبي في السير: "فهذا القول يعطيك بأنه لا يروي إلا عمن هو عنده ثقة، "ولا يلزم من ذلك أنَّه يروي عن كل الثقات، ثم لا يلزم مما قال أن كل من روى عنه وهو عنده ثقة أن يكون ثقة عند باقي الحفاظ؛ فقد يخفى عليه من حال شيخه ما يظهر لغيره؛ إلا أنَّه بكل حال كثير التحري في نقد الرجال ﵀، وقال ابن الملقن في البدر المنير: "فهذا تصريح من هذا الإمام بأن كل من روى عنه في موطئه يكون ثقة"، وقال يعقوب بن سفيان الفسوي في المعرفة: "ومن كان من أهل العلم ونصح نفسه: علم أن كل من وضعه مالك في موطئه وأظهر اسمه: ثقة، تقوم به الحجة" [مقدمة صحيح مسلم

стр. 4196

(١/ ٢٦)، ضعفاء العقيلي (١/ ١٤)، الجرح والتعديل (١/ ٢٤) و (٢/ ٢٢)، المعرفة والتاريخ (٣/ ١٤٤ و ١٦٨)، المحدث الفاصل (٤١٠)، الكامل (١/ ٩١)، التمهيد (١/ ٦٨)، ترتيب المدارك (١/ ٧٥)، بيان الوهم (٤/ ٣٤٩/ ١٩٣٥) و (٥/ ٢٢/ ٢٢٥٧)، شرح مسلم للنووي (١/ ١٢٠)، تهذيب الكمال (٢٧/ ١١٢)، سير أعلام البلاء (٨/ ٧٢)، البدر المنير (٣/ ٥٤٦)]. وقد احتج مالك في موطئه بهذا الحديث، قال ابن حبان عن الإمام مالك في الثقات (٧/ ٤٥٩): "ولم يكن يروي إلا ما صح، ولا يحدث إلا عن ثقة"، وبوَّب له الإمام مالك [في الموطأ (١/ ١٣٨)] بقوله: "ترك القراءة خلف الإمام فيما جهر فيه"، ثم أسند عن نافع؛ أن عبد الله بن عمر كان إذا سئل: هل يقرأ أحدٌ خلف الإمام؟ قال: إذا صلى أحدكم خلف الإمام فحسبه قراءة الإمام، وإذا صلى وحده فليقرأ. قال: وكان عبد الله لا يقرأ خلف الإمام [الموطأ (١/ ١٣٨/ ٢٢٨)، وسيأتي تخريجه في الشواهد بعد الحديث رقم (٨٢٩)]. ثم قال مالك: "الأمر عندنا أن يقرأ الرجل وراء الإمام، فيما لا يجهر فيه الإمام بالقراءة، ويترك القراءة فيما يجهر فيه الإمام بالقراءة"، ثم أسند حديث ابن أكيمة هذا، فهو محتج به في بابه، مصحح له، وبذا يتضح جليًّا توثيق مالك لابن أكيمة، وتصحيحه لحديثه، ولا أستبعد أن يكون أبو حاتم الرازي قد استقى حكمه على ابن أكيمة مما تقدم بيانه، حيث صحح حديثه هذا، قال ابن أبي حاتم في ترجمة ابن أكيمة من الجرح والتعديل (٦/ ٣٦٢): "عمارة بن أكيمة الليثي: روى عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "ما لي أنازع القرآن؟ "، وروى عن ابن أخي أبي رهم الغفاري، سمع منه الزهري، سمعت أبي يقول ذلك، وسألته عنه؟ فقال: هو صحيح الحديث، حديثه مقبول". وعلى هذا فابن أكيمة وإن كان غير مشهور بالرواية، ولا يصح له في الرواية غير هذا الحديث؛ إلا أن هذا لا يمنع من تصحيح حديثه لأجل هذه القرائن السابق ذكرها. فإن قيل: قد ذكر له أبو حاتم حديثين، هذا أحدهما؟ قلت: الصواب في حديث أبي رهم عدم ذكر ابن أكيمة فيه، فقد رواه جماعة من ثقات أصحاب الزهري منهم: يونس بن يزيد وصالح بن كيسان وشعيب بن أبي حمزة، فرووه عن الزهري، عن ابن أخي أبي رهم، ولم يذكروا فيه ابن أكيمة، وهو الصحيح؛ قاله الدارقطني في العلل (٧/ ٣٦/ ١١٩٠)، وابن خزيمة - فيما نقله عنه البيهقي في القراءة خلف الإمام (٣٢٨) -. وعليه: فلم يبق لابن أكيمة غير هذا الحديث الواحد، كما قال الحميدي وابن خزيمة، والله أعلم. فكيف يقال بعد ذلك: هو رجل مجهول؛ ليتوصل بذلك إلى تضعيف حديثه، وقد وثقه الأئمة المعتبرون، وهم أئمة هذا الشأن، وصححوا حديثه واحتجوا به كما ترى.

стр. 4197

وأما حجتهم الأخرى؛ فإن مالكًا هو الَّذي أخرج في موطئه أيضًا: حديث أبي السائب عن أبي هريرة [المتقدم برقم (٨٢١)]، وصححه واحتج به في باب: "القراءة خلف الإمام فيما لا يجهر فيه بالقراءة"، وبذا يظهر أن الإمام مالكًا قد احتج بالحديثين جميعًا، وأنه لم ير بينهما تعارضًا، فأين المعارضة بينهما؟ وهذا له وجه، وهذا له وجه، فإن قول أبي هريرة لأبي السائب: "اقرأ بها في نفسك"، لا يعني: أن يقرأ بها خلف الإمام حال جهره بالقراءة، وإنما فيما خافت فيه، فللَّه درُّ إمام أهل المدينة، الَّذي ينقل لنا عملًا أهل المدينة، الَّذي أدركهم عليه، من ترك القراءة خلف الإمام إذا جهر، والقراءة خلفه إذا لم يجهر، وساق الدليل على المسألتين، فاتفقت بذلك الأدلة، ولم تتعارض، ولم نحتج إلى التكلف في ردِّها نصرة للمذهب، كما فعل البيهقي، ومن نحا نحوه، والله أعلم. • ومما يؤيد هذا التأويل لحديث أبي السائب جمعًا بين الحديثين: ما رواه وكيع بن الجراح، ومحمد بن يوسف الفريابي: عن سفيان الثوري، عن عاصم بن بهدلة، عن ذكوان أبي صالح، عن أبي هريرة، وعائشة، قالا: اقرأ خلف الإمام فيما يخافت به، وفي رواية الفريابي: أنهما كانا يأمران بالقراءة وراء الإمام إذا لم يجهر. أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٠٣/ ١٣١٣) (٣/ ١٣٠٨/ ٢٥٦ - ط الفلاح)، والبيهقي (٢/ ١٧١). وهذا إسناد جيد، وفيه دلالة ظاهرة على أن أبا هريرة كان لا يقول بالقراءة خلف الإمام حال جهره، وإنما فيما خافت فيه. ورواه عكرمة، عن زهير: ثنا عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة وعائشة؛ أنهما كانا يأمران بالقراءة خلف الإمام في الظهر والعصر، وفي الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وشيء من القرآن، وكانت عائشة ﵂ تقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب. أخرجه البيهقي (٢/ ١٧١). زهير هو: ابن معاوية، وعكرمة هذا هو: ابن إبراهيم الأزدي الموصلي، وهو: ليس بشيء، منكر الحديث [اللسان (٥/ ٤٦٠)]. • وقد ذهب بعضهم إلى القول بنسخ أحد الحديثين للآخر، قال الحميدي: "لأنا وجدناهما عن أبي هريرة، ولم يتبين لنا أيهما بعد الآخر، حتَّى أبان ذلك العلاء في حديثه حين قال: قال لي أبو هريرة: يا فارسي اقرأها في نفسك، فعلمنا أنما أمر بذلك أبو هريرة أبا العلاء بعد النبي ﷺ ، ولا يحتمل أن يكون حديث ابن أكيمة الناسخ ثم يأمر أبو هريرة أن يعمل بالمنسوخ، وهو رواهما معًا. وفي قول عبادة بن الصامت أنَّه: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، وهو رواه عن النبي ﷺ ، وفي قول أبي هريرة هذا: ما دل على أنَّه إنما عنى النبي ﷺ بالقراءة في الجهر

стр. 4198

وغيره؛ لأنَّ من روى الحديثين عن رسول الله ﷺ هو أعلم بمعناهما، وما أراد النبي ﷺ من غيره، مع استعمالهما ذلك بعده. ومع أن حديث ابن أكيمة الَّذي ليس بثابت هو المنسوخ، وإنما قال فيه: قال النبي ﷺ : "ما لي أنازع القرآن؟ "، فاحتمل أن يكون عنى [كذا، ولعلها: نهى، النبي ﷺ أن يقرأ قرآنًا خلفه سوى فاتحة الكتاب؛ لأنا وجدنا عمران بن حصين قال: قال النبي ﷺ لرجل قرأ خلفه بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾: "هل قرأ أحد بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾؟ " فقال رجل: نعم، أنا، فقال النبي ﷺ : "صدقت، قد علمتُ أن بعضكم خالجنيها". وقوله ﷺ : "أنازع، مثل أخالج، فلا يحتمل أن يكون عنى في حديث ابن أكيمة أن يقول: "ما لي أنازع القرآن؟! يعني: فاتحة الكتاب، وهو يقول: لا صلاة إلا بها" هذا آخر كلام الحميدي [كذا في الاعتبار للحازمي (١/ ٣٩٠)]. قلت: سبق كان كيفية الجمع بين الحديثين، وعليه فلا يصار عندئذ إلى النسخ أو الترجيح طالما أمكن إعمال الدليلين معًا، والله أعلم. • وقد روي نحو حديث ابن أكيمة عن أبي هريرة من حديث ابن مسعود؛ لكنه باطل، وفيه زيادات باطلة، ويأتي تخريجه تحت الحديث الآتي برقم (٨٢٩). • قال أحمد: "كل صلاة لا يقرأ فيها فاتحة الكتاب لا يجزيه؛ إلا وراء الإمام"، وقال أيضًا: "اقرأ في نفسك في كل ما لم يجهر به الإمام، فإذا جهر فأنصت واستمع لما يقرأ" [مسائل ابن هانئ (٢٧٦ - ٢٨٠)]. وقال عبد الله: "قيل له: كيف نأخذ في القراءة خلف الإمام؟ قال: اقرأ فيما خافت، وأنصت فيما جهر" [مسائل عبد الله (٢٦٣)]. [وانظر: مسائل عبد الله (٢٤٤ - ٢٤٦ و ٢٤٨ - ٢٥١ و ٢٥٣ و ٢٥٥ و ٢٥٧ و ٢٥٨ و ٢٦٥)]. وفي مسائل إسحاق الكوسج (١٩٢): "قلت: من قال لا تجزئ صلاة إلا بفاتحة الكتاب؟ قال: إذا كان خلف الإمام أجزأته على حديث جابر: إلا وراء الإمام، قال: وإذا جهر الإمام فلا يقرأ". وقال أيضًا (١٩٣): "قلت: إذا لم يقرأ في الأخيرتين؟ قال: لا تجزئه، كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب في كل ركعة لا تجزئه؛ إلا وراء الإمام". وقال الترمذي: [هذا حديث حسن، وابن أكيمة الليثي اسمه عمارة، ويقال: عمرو بن أكيمة، وروى بعض أصحاب الزهري هذا الحديث، وذكروا هذا الحرف، قال: قال الزهري: فانتهى الناس عن القراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ ، وليس في هذا الحديث ما يدخل على من رأى القراءة خلف الإمام؛ لأنَّ أبا هريرة هو الَّذي روى عن النبي ﷺ هذا الحديث، وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنَّه قال: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأُم القرآن فهي خداج، فهي خداج، غير تمام"، فقال له حامل الحديث: إني أكون

стр. 4199

أحيانًا وراء الإمام؟ قال: اقرأ بها في نفسك، وروى أبو عثمان النهدي، عن أبي هريرة، قال: أمرني النبي ﷺ أن أنادي أن "لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب"، واختار أكثر أصحاب الحديث أن لا يقرأ الرجل إذا جهر الإمام بالقراءة، وقالوا: يتتبع سكتات الإمام، وقد اختلف أهل العلم في القراءة خلف الإمام، فرأى أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم: القراءة خلف الإمام، وبه يقول مالك بن أَنس، وعبد الله بن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وروي عن عبد الله بن المبارك أنَّه قال: أنا أقرأ خلف الإمام والناس يقرؤون إلا قومًا من الكوفيين، وأرى أن من لم يقرأ صلاته جائزة، وشدَّد قوم من أهل العلم في ترك قراءة فاتحة الكتاب وإن كان خلف الإمام، فقالوا: لا تجزئ صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب، وحده كان أو خلف الإمام، وذهبوا إلى ما روى عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ ، وقرأ عبادة بن الصامت بعد النبي ﷺ خلف الإمام، وتأوَّل قول النبي ﷺ : "لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب"، وبه يقول الشافعي، وإسحاق، وغيرهما، وأما أحمد بن حنبل فقال: معنى قول النبي ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" إذا كان وحده، واحتج بحديث جابر بن عبد الله حيث قال: من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأُم القرآن فلم يصلِّ إلا أن يكون وراء الإمام، قال أحمد: فهذا رجل من أصحاب النبي ﷺ تأوَّل قول النبي ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" أن هذا إذا كان وحده، واختار أحمد مع هذا القراءة خلف الإمام، وأن لا يترك الرجل فاتحة الكتاب وإن كان خلف الإمام". وقال بعد حديث عبادة (٢٤٧): "حديث عبادة: حديث حسن صحيح. والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، منهم: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله، وعمران بن حصين، وغيرهم، قالوا: لا تجزئ صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب، وقال علي بن أبي طالب: كل صلاة لم يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج غير تمام، وبه يقول ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق". وقال ابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٠١): "وكان مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ومن تبعهم من أهل العلم؛ يوجبون قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة. وقد اختلف أهل العلم في معنى قوله: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، فقالت طائفة: إنما خوطب به من صلى وحده، فأما من صلى وراء إمام فليس عليه أن يقرأ؛ لأنَّ قراءة الإمام له قراءة، واحتجوا بأخبار لا تثبت". ثم ذكر ما روي عن الصحابة في ذلك، وبعضه لا يثبت، وبعضه صحيح لا غبار عليه، ويمكن حمل الصحيح منه على ترك القراءة فيما جهر فيه الإمام، والقراءة إذا لم يجهر، ثم قال (٣/ ١٠٣): "وهذا قول سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وكان سفيان بن عيينة يقول: تفسير الحديث الَّذي قال: "لا صلاة إن لم يقرأ بفاتحة الكتاب": إذا كان

стр. 4200

وحده، فإذا كان مع الإمام فقراءة الإمام له قراءة" [(٣/ ٢٥٧ - ط الفلاح)]. ثم قال: "وقالت طائفة: قول النبي ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب" على العموم إلا أن يصلي خلف إمام فيما يجهر فيه الإمام بالقراءة، وسمع قراءته، فإن هذا موضع مستثنى بالكتاب والسُّنَّة، فأما الكتاب فقوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وأما السُّنَّة فقول النبي ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا" [وقد سبق أن بينت شذوذ هذه الزيادة]، وقد ثبت أن عبد الله بن مسعود سأله رجل، فقال: أقرأ خلف الإمام؟، قال: أنصت للقرآن، وروي عنه أنَّه قرأ في العصر خلف الإمام في الركعتين بفاتحة الكتاب وسورة". ثم حمل هذا على حال، وهذا على حال لتأتلف النصوص، وعضد ذلك بما روي عن الصحابة في القراءة خلف الإمام في السرية، والإنصات له فيما جهر. ثم قال: [وقد روينا عن ابن عباس، وأبي هريرة، والحسن البصري، وسعيد بن المسيب، ومجاهد، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وجماعة غيرهم؛ أنهم قالوا في قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾: إنها في الصلاة المفروضة". إلى أن قال (٣/ ١٠٥): "فقال بعض من يقول بهذا القول: لولا أنهم اتفقوا على أن الآية إنما أنزلت في الصلاة أو في الصلاة والخطبة؛ لوجب بظاهر الكتاب على كل من سمع قارئًا يقرأ أن يستمع لقراءته؛ لقوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾، فلما أجمعوا على إسقاط وجوب الاستماع عن كل سامعٍ قارئًا يقرأ؛ إلا عن السامع لقراءة الإمام وهو خلفه، والسامع لخطبة الإمام، خرج ذلك عن عموم الكتاب وظاهره بالاتفاق، ووجب استعمال الآية على المأموم السامع لقراءة الإمام، واحتجوا مع ظاهر الكتاب بالخبر الَّذي روي عن النبي ﷺ أنَّه قال: "وَإِذَا قرأَ فَأَنْصِتُوا"". ثم قال (٣/ ١٠٦): "وممن مذهبه أن لا يقرأ خلف الإمام فيما يجهر به الإمام، سمع المأموم قراءة الإمام أو لم يسمع، ويقرأ خلفه فيما لا يجهر به الإمام سرًّا في نفس المأموم: الزهري، ومالك بن أَنس، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق. وقد كان الشافعي إذ هو بالعراق يقول: ومن كان خلف الإمام فيما يجهر فيه الإمام بالقراءة فإن الله ﷺ قول: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾، فهذا عندنا على القراءة التي يسمع خاصة، فكيف ينصت لما لا يسمع؟، ثم قال بمصر: فيها قولان: أحدهما: لا يجزئ من صلى معه إذا أمكنه أن يقرأ إلا أن يقرأ بأُم القرآن، والثاني: يجزيه أن لا يقرأ ويكتفي بقراءة الإمام". ثم قال (٣/ ١٠٧): "وقالت طائفة: قوله: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" على العموم، يجب على المرء في كل ركعة قراءة فاتحة الكتاب صلاها منفردًا، أو كان إمامًا، أو كان مأمومًا خلف الإمام، فيما يجهر فيه الإمام بالقراءة وفيما لا يجهر به؛ لظاهر حديث عبادة، وقال بعضهم: وقوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ

стр. 4201

تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾، خاص واقع على ما سوى فاتحة الكتاب، وكذلك تأويل قوله: "وإذا قرأ فأنصتوا" بعد قراءة فاتحة الكتاب، واحتج بعضهم بحديث عبادة، وبأخبار رويت عن الصحابة، … ، وممن مذهبه هذا المذهب: ابن عون، والأوزاعي، وأبو ثور، وغيره من أصحاب الشافعي". ثم ختم ذلك بما اختاره لنفسه، فقال (٣/ ١١٠): "والذي به أقول: أن يقرأ المأموم في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة في كل ركعة، وفي الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب في كل ركعة، ويقرأ في الركعة الثالثة من المغرب، وفي الركعتين الأخريين من صلاة العشاء بفاتحة الكتاب في كل ركعة، فإن كان بحيث لا يسمع قراءة الإمام قرأ في الصبح وفي الركعتين الأوليين من صلاة المغرب، وفي الركعتين الأوليين من صلاة العشاء الأخيرة بفاتحة الكتاب وسورة في كل ركعة، وإن كان بحيث يسمع قراءة الإمام قرأ في الصبح، وفي الركعتين الأوليين من صلاة المغرب، والركعتين الأوليين من صلاة العشاء الآخرة بفاتحة الكتاب في حل ركعة من سكتات الإمام إن كانت للإمام سكتات يمكنه أن يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، فإن بقيت عليه منها بقية قرأ بها عند وقفات الإمام، فإن بقيت منها قرأها إذا ركع الإمام، ولا أرى له أن يقرأ وهو يسمع قراءة الإمام، والذي يجب علينا إذا جاءنا خبران يمكن استعمالهما جميعًا أن نقول بهما ونستعملهما، وذلك أن نقول: لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، إلا صلاةً أمر النبيُّ ﷺ المأمومَ إذا جهر الإمام بقراءته أن يستمع لقراءته، فيكون فاعل ذلك مستعملًا للحديثين جميعًا، ولا يعدل عن هذا القول أحدٌ إلا عطَّل أحد الحديثين، والله أعلم". قلت: وهذا القول هو الصواب، جمعًا بين الأدلة: من الكتاب، ومن السُّنَّة الصحيحة، ومن أقوال الصحابة، مع العلم بشذوذ هذه الزيادة في الحديث: "وإذا قرأ فأنصتوا"، وإنما العمدة على نص الكتاب في الأمر بالإنصات، وأما القراءة في السكتات، فإنما هما سكتتان، أولاهما لاستفتاح الصلاة، فليست موضعًا لقراءة الفاتحة، ومن فعل ذلك فقد خالف السنَّة، وأما الثانية فهي سكتة يسيرة جدًّا للفصل بين القراءة والركوع، أو للاستراحة، فلا تكفي لقراءة الفاتحة، فإن كان بعض الأئمة يسكت سكتة طويلة بعد الفاتحة مثلًا، فعندئذ لا بأس للمأموم أن يقرأ فيها بالفاتحة، وليس يصح حديث في القراءة في سكتات الإمام، والله أعلم. • فإن قيل: قالوا: حديث أبي السائب عن أبي هريرة، وحديث عبادة بن الصامت يخصصان الآية: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾، فيقال: قال أبو داود في مسائله (٢٢٣): "سمعت أحمد، قيل له: إن فلانًا قال: قراءة فاتحة الكتاب -يعني: خلف الإمام- مخصوصٌ من قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾، فقال: عمَّن يقول هذا؟! أجمع الناس أن هذه الآية في الصلاة" [وانظر في رد ذلك: كلام شيخ الإسلام ابن تيمية من مجموع الفتاوى (٢٣/ ٢٩٠ و ٣١٢)، وسيأتي نقل كلامه في آخر أحاديث الباب (٨٢٩)].

стр. 4202

وقال ابن عبد البر في التمهيد (١١/ ٢٧): "وفقه هذا الحديث الَّذي من أجله نُقِلَ، وجاء الناسُ به: تركُ القراءة مع الإمام في كل صلاة يجهر فيها الإمام بالقراءة، ففي هذا الحديث دليل واضح على أنَّه لا يجوز للمأموم فيما جهر فيه إمامه بالقراءة من الصلوات أن يقرأ معه، لا بأُم القرآن، ولا بغيرها؛ لأنَّ رسول الله ﷺ لم يستثن فيه شيئًا من القرآن". يعني: قوله ﷺ : "ما لي أنازع القرآن". وقال في الاستذكار (١/ ٤٦٤): "وفقه هذا الحديث الَّذي من أجله جيء به: هو ترك القراءة مع الإمام فيما جهر فيه الإمام بالقراءة، فلا يجوز أن يقرأ معه إذا جهر لا بأُم القرآن ولا بغيرها على ظاهر هذا الحديث وعمومه". وقال في التمهيد (١١/ ٥٣): "في قول رسول الله ﷺ في حديث ابن شهاب عن ابن أكيمة عن أبي هريرة: "ما لي أنازع القرآن": دليل على أن القراءة خلف الإمام إذا أسر الإمام في صلاته بالقراءة: جائزة؛ لأنَّ المنازعة في القرآن إنما تكون مع الجهر لا مع السر". قلت: إذا جهر المأموم ورفع صوته، فقد شوش على المصلين ونازع الإمام قراءته جهرًا كان أو سرًّا. وقال في الاستذكار (١/ ٤٦٤): "وفي إجماع أهل العلم على أن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ لم يُرِد كل موضع يسمع فيه القرآن، وإنما أراد الصلاة؛ أوضح الدلائل على أنَّه لا يقرأ مع الإمام فيما جهر فيه". وقال في التمهيد (١١/ ٣٠): "في قول الله : ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ مع إجماع أهل العلم أن مراد الله من ذلك في الصلوات المكتوبة؛ أوضح الدلائل على أن المأموم إذا جهر إمامه في الصلاة أنَّه لا يقرأ معه بشيء، وأن يستمع له وينصت، وفي ذلك دليل على أن قول رسول الله ﷺ "لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب" مخصوص في هذا الموضع وحده؛ إذا جهر الإمام بالقراءة، لقول الله ﷺ : ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾، وما عدا هذا الموضع وحده فعلى عموم الحديث، وتقديره: لا صلاة؛ يعني: لا ركعة، لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب؛ إلا لمن صلى خلف إمام يجهر بالقراءة، فإنه يستمع وينصت". وقال في التمهيد (١١/ ٢٨): "وقال آخرون: يقرأ مع الإمام فيما أسر فيه، ولا يقرأ فيما جهر فيه، وهو قول: سعيد بن المسيب، وعبيد الله بن عبد الله، وسالم بن عبد الله بن عمر، وابن شهاب، وقتادة، وبه قال مالك وأصحابه، وعبد الله بن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وداود بن علي، والطبري؛ إلا أن أحمد بن حنبل قال: إن سمع لم يقرأ، وإن لم يسمع قرأ، … ، وأوجبوا كلهم القراءة فيما إذا أسر الإمام، وروي عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، على اختلاف عنهم في القراءة في ما أسر الإمام دون ما جهر، وعن عثمان بن عفان، وأبي بن كعب، وعبد الله بن عمر مثل ذلك،

стр. 4203

وهو أحد قولي الشافعي، كان يقوله بالعراق، وهذا هو القول المختار عندنا". وقال أيضًا (١١/ ٣٤): "وقال مالك: الأمر عندنا أنَّه لا يقرأ مع الإمام فيما جهر فيه الإمام بالقراءة، فهذا يدلك على أن هذا عمل موروث بالمدينة". وقال (١١/ ٣٨): "لا يجوز لأحد أن يتشاغل عن الاستماع لقراءة إمامه والإنصات لا بأم القرآن ولا بغيرها، ولو جاز للمأموم أن يقرأ مع الإمام إذا جهر لم يكن لجهر الإمام بالقراءة معنى؛ لأنَّه إنما يجهر ليستمع له وينصت، وأم القرآن وغيرها في ذلك سواء، والله أعلم". • وهناك معنى آخر، وهو أن الإنكار كان متوجهًا إلى رفع الصوت بالقرآن والجهر به من المأمومين [كما قال بذلك ابن حبان وغيره من الشافعية]، مما يترتب عليه التشويش على الإمام والمأموم على حدٍّ سواء، سواء أكان ذلك في الجهرية - كما في حديث ابن أكيمة عن أبي هريرة -، أو كان في السرية - كما في حديث عمران بن حصين -. فيقال: يرد هذا التأويل قول الزهري بعده: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه النبي ﷺ بالقراءة من الصلوات حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ ، وفي رواية: فاتعظ المسلمون بذلك، فلم يكونوا يقرؤون معه فيما جهر به، وفي رواية يونس بن يزيد عن الزهري: فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه الإمام، وقرؤوا في أنفسهم سرًّا فيما لا يجهر فيه الإمام. واستمع إلى قول شيخ الإسلام في توجيه كلام الزهري في هذا الحديث، إذ يقول أبو العباس بن تيمية: "وهذا إذا كان من كلام الزهري فهو من أدل الدلائل على أن الصحابة لم يكونوا يقرؤون في الجهر مع النبي ﷺ ، فإن الزهري من أعلم أهل زمانه أو أعلم أهل زمانه بالسُّنَّة، وقراءة الصحابة خلف النبي ﷺ إذا كانت مشروعة واجبة أو مستحبة تكون من الأحكام العامة التي يعرفها عامة الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فيكون الزهري من أعلم الناس بها فلو لم يبينها لاستدل بذلك على انتفائها، فكيف إذا قطع الزهري بأن الصحابة لم يكونوا يقرؤون خلف النبي ﷺ الجهر" [مجموع الفتاوى (٢٣/ ٢٧٤)، وانظر أيضًا: (٢٣/ ٢٨٣ و ٢٨٤)]. • فإن قيل: يعارض هذا ما تقدم من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا: "لا تفعلوا إلا بأُم القرآن؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها". فيقال: قد تقدم كان ضعف هذا الحديث وعدم ثبوته، فلا يصلح مثله لمعارضة الصحيح، وإنما الَّذي صح من حديث عبادة هو العموم بغير استثناء: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، وقد سبق كان أن هذا العموم مخصوص بالآية في الأمر بالإنصات لقراءة الإمام في الصلاة، وبحديث ابن أكيمة عن أبي هريرة: "ما لي أنازع القرآن"، فلم يستثن رسول الله ﷺ فيه شيئًا من القرآن، وبتفسيره من كلام الزهري نقلًا عن عموم الصحابة، في انتهاء الناس عن القراءة فيما جهر فيه الإمام، والقراءة في أنفسهم سرًّا فيما لا يجهر فيه الإمام، والله أعلم.

стр. 4204

وعلى فرض صحته عند من يقول به، فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية في كان معناه: "ثم إنه لما علم أنهم يقرؤون نهاهم عن القراءة بغير أم الكتاب، وما ذكر من التباس القراءة عليه تكون بالقراءة معه حال الجهر؛ سواء كان بالفاتحة أو غيرها، فالعلة متنأولة للأمرين، فإن ما يوجب ثقل القراءة والتباسها على الإمام منهي عنه، وهذا يفعله كثير من المؤتمين الذين يرون قراءة الفاتحة حال جهر الإمام واجبة أو مستحبة، فيثقلون القراءة على الإمام، ويلبسونها عليه، ويلبسون على من يقاربهم الإصغاء والاستماع الَّذي أمروا به، فيفوِّتون مقصود جهر الإمام، ومقصود استماع المأموم، ومعلوم أن مثل هذا يكون مكروهًا. ثم إذا فرض أن جميع المأمومين يقرؤون خلفه فنفس جهره لا لمن يستمع؛ فلا يكون فيه فائدة، لقوله ﷺ : "إذا أمن فأمنوا"، ويكونون قد أمنوا على قرآن لم يستمعوه، ولا استمعه أحد منهم، إلا أن يقال: إن السكوت يجب على الإمام بقدر ما يقرؤون، وهم لا يوجبون السكوت الَّذي يسع قدر القراءة، وإنما يستحبونه، فعلم أن استحباب السكوت يناسب استحباب القراءة فيه، ولو كانت القراءة على المأموم واجبة لوجب على الإمام أن يسكت بقدرها سكوتًا فيه ذكر، أو سكوتًا محضًا، ولا أعلم أحدًا أوجب السكوت لأجل قراءة المأموم" [مجموع الفتاوى (٢٣/ ٣١٥)]. وقال ابن عبد البر في الاستذكار (١/ ٤٦٨)، وبنحوه في التمهيد (١١/ ٤٢): "فذهب الحسن وقتادة وجماعة إلى: أن الإمام يسكت سكتات على ما لي هذه الآثار المذكورة، ويتحين المأموم تلك السكتات من إمامه، فيقرأ فيها بأُم القرآن، ويسكت فيها في سائر صلاة الجهر، فيكون مستعملًا للسُّنَّة والآية في ذلك. وقال الأوزاعي والشافعي وأبو ثور: حقٌّ على الإمام أن يسكت سكتةً بعد التكبيرة الأُولى، وسكتةً بعد فراغه بقراءة فاتحة الكتاب، وبعد الفراغ بالقراءة، ليقرأ من خلفه بفاتحة الكتاب، قالوا فإن لم يفعل الإمام فاقرأ معه بفاتحة الكتاب على كل حال. وأما مالك فأنكر السكتات، ولم يعرفها، قال: لا يقرأ أحد مع الإمام إذا جهر، لا قبل القراءة ولا بعدها. وقال أبو حنيفة وأصحابه: ليس على الإمام أن يسكت إذا أكبر، ولا إذا فرغ من قراءة أم القرآن، ولا إذا فرغ من القراءة، ولا يقرأ أحد خلف إمامه، لا فيما أسر، ولا فيما جهر. وهو قول زيد بن ثابت، وجابر بن عبد الله، وروي ذلك عن علي وابن مسعود، وبه قال الثوري وابن عيينة وابن أبي ليلى والحسن بن حي، وهو قول جماعة من التابعين بالعراق". قلت: تقدم بيان المشروع في سكتات الإمام عند حديث سمرة برقم (٧٧٧)، وفيه: أنهما سكتتان، الأُولى: بعد تكبيرة الإحرام، وإنما هي لذكر الاستفتاح، والثانية: بعد الفراغ من القراءة، وإنما هي فصل بين القراءة وبين تكبير الركوع؛ لئلا يظن من لا يعلم أن

стр. 4205

التكبير من القراءة إذا كان موصولًا بها، أو للاستراحة، والفصل بينها وبين الركوع، ومن قال: بعد الفاتحة؛ فقد وهِم، وإن ثبتت جدلًا فلا دلالة فيها على أنها بمقدار ما يقرأ فاتحة الكتاب، ولو كانت السكتتان كل واحدة منهما بمقدار قراءة فاتحة الكتاب لكان ذلك مستفيضًا، ونقلُه شائعًا ظاهرًا، كما قال الجصاص، وفي الجملة: فإن هاتين السكتتين: أولاهما لاستفتاح الصلاة، فلا يُقرأ فيها بالفاتحة، وأما الثانية فيسيرة جدًّا لا تكفي لقراءة الفاتحة، فإن تحين المأموم سكتة طويلة للإمام غير هاتين السكتتين فقرأ فيها بفاتحة الكتاب، وأنصت حال الجهر، فهو حسن، والله الموفق للصواب، والهادي إلى سواء السبيل. *** ١٣٨ - باب من رأى القراءة إذا لم يجهر الإمام بقراءته ٨٢٨ - قال أبو داود: حدثنا أبو الوليد الطيالسي: حدثنا شعبة. (ح)، وحدثنا محمد بن كثير العبدي: أخبرنا شعبة - المعنى -، عن قتادة، عن زرارة، عن عمران بن حصين، أن النبي ﷺ صلى الظهر، فجاء رجل فقرأ خلفه بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، فلما فرغ، قال: "أيكم قرأ؟ "، قالوا: رجل، قال: "قد عرفتُ أن بعضَكم خالجنيها". قال أبو داود: قال أبو الوليد في حديثه: قال شعبة: فقلت لقتادة: أليس قول سعيد: أنصِتْ للقرآن؟ قال: ذاك إذا جهر به. قال ابن كثير في حديثه: قال: قلت لقتادة: كأنه كرهه؟، قال: لو كرهه نهى عنه. *** • حديث صحيح. أخرجه من طريق أبي داود: البيهقي في السنن (٢/ ١٦٢)، وفي القراءة (٣٦٣)، وابن عبد البر في التمهيد (١١/ ٥٢). وأخرجه من طريق أبي الوليد الطيالسي: البخاري في القراءة خلف الإمام (٩٨)، وابن قانع في المعجم (٢/ ٢٥٣)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٢١١ / ٥٢٠)، والبيهقي (٢/ ١٦٢). ولم أقف على من أخرجه من طريق محمد بن كثير العبدي غير ما تقدم. • ورواه أيضًا عن شعبة بنحوه: محمد بن جعفر غندر، وأبو داود الطيالسي [وصرح قتادة في روايتهما بالسماع]، ويحيى بن سعيد القطان، وسليمان بن حرب، وبهز بن أسد، وعمرو بن مرزوق، وشبابة بن سوار [وهم ثقات]:
следующие страницы →