← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 261

فضل الرحيم الودود تخريج سنن أبي داود

ياسر فتحي

Полный текст (16 465 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

[انظر: التهذيب (٢/ ٥٩٢)]؛ لأن المتبادر إلى الذهن من هذا النهي عن التشبه في الكيفية: أن لا يقدِّم المصلي يديه على ركبتيه؛ لأن هذه هي الهيئة التي يبرك بها الجمل، ومن ثم فإن الأقرب عندي أن هذه اللفظة التي في حديث الدراوردي غير محفوظة، من قِبَله هو، هذا من وجه [وانظر: زاد المعاد (١/ ٢٢٣)، تهذيب السنن (٣/ ٥٢)]. ومن وجه آخر: فقد تفرد بهذا الحديث عن أبي الزناد: محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو عبد الله المدني، وهو وإن وثقه النسائي، وذكره ابن حبان في الثقات، إلا أن ابن سعد قال عنه في الطبقات: "كان قليل الحديث، وكان يلزم البادية، ويحب الخلوة" [التهذيب (٣/ ٦٠٤)]، فأين هذا -مع قلة حديثه، وعدم سكناه المدينة- من أصحاب أبي الزناد من المدنيين والغرباء على كثرتهم، وجمعهم لحديثه، وهذا الحديث من أحاديث الأحكام مما تنشط النفوس لحمله، فأين عنه مالك، وعبيد الله بن عمر العمري، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، وابن إسحاق، وابن عجلان، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، وسفيان بن عيينة، وشعيب بن أبي حمزة، والمغيرة بن عبد الرحمن الحزامي، وغيرهم ممن أكثر عن أبي الزناد؟! وهل خص أبو الزناد محمد بن عبد الله بهذا الحديث دون غيره؟ ألم يكن الأولى بهذا الاختصاص ابنه عبد الرحمن، أو مالك، أو الثوري، أو ابن عيينة، أو أمثال هؤلاء ممن عرفوا بالحرص على العلم ونقله؟ فكيف ينفرد محمد بن عبد الله بن حسن عن أبي الزناد بهذا الحديث، بل ولم يرو عنه غير هذا الحديث، بل ولا يُعرف له عنه سماع. فهو حديث غريب غريب. قال البخاري بعد أن أخرجه في ترجمة محمد بن عبد الله بن حسن: "ولا يتابع عليه، ولا أدري سمع من أبي الزناد، أم لا؟ ". وقيل لعبد الله الدارمي: ما تقول؟ قال: "كله طيب"، وقال: "أهل الكوفة يختارون الأول"؛ يعني: النزول بالركب على حديث وائل بن حجر. وقال الترمذي: "حديث أبي هريرة حديث غريب، لا نعرفه من حديث أبي الزناد إلا من هذا الوجه". وقال حمزة الكناني: "هو منكر" [الفتح لابن رجب (٥/ ٩٠)]. وقال الدارقطني في الأفراد: "تفرد به الدراوردي عن محمد بن عبد الله بن الحسن العلوي عن أبي الزناد. قال أبو بكر بن أبي داود: وهذه سُنَّة تفرد بها أهل المدينة، ولهم فيها إسنادان: هذا أحدهما، والآخر: عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ ، وهذا قول أصحاب الحديث: وضع اليدين قبل الركبتين". وقال أبو سليمان الخطابي في معالم السنن (١/ ١٨٠): "حديث وائل بن حجر أثبت من هذا، وزعم بعض العلماء أن هذا منسوخ، وروى فيه خبرًا عن سلمة بن كهيل، عن

стр. 4307

مصعب بن سعد [كذا، وإنما هو عن أبيه سعد، قال: كنا نضع اليدين قبل الركبتين، فأمرنا بالركبتين قبل اليدين". وقال البيهقي: "يتفرد به: محمد بن عبد الله بن الحسن، وعنه الدراوردي". وقال الحازمي: "هذا حديث غريب، لا يُعرف من حديث أبي الزناد إلا من هذا الوجه، وهو على شرط أبي داود والترمذي والنسائي، أخرجوه في كتبهم". وقال ابن العربي في العارضة (٢/ ٦١) عن حديث وائل: "حديث غريب"، وعن حديث أبي هريرة: "ضعيف"، ثم قال: "وهذان حديثان لم يصحا". وقال النووي في المجموع (٣/ ٣٨١)، وفي الخلاصة (١٢٨٤): "رواه أبو داود والنسائي بإسناد جيد، ولم يضعفه أبو داود". وقال ابن حجر في البلوغ (٣١٠): "وهو أقوى من حديث وائل". وقال المناوي في الفيض (١/ ٣٧٣): "وأعله البخاري والترمذي والدارقطني بمحمد بن عبد الله بن حسن وغيره". • قال الترمذي: "وقد روي هذا الحديث عن عبد الله بن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، وعبد الله بن سعيد المقبري: ضعفه يحيى بن سعيد القطان وغيره". قلت: رواه ابن فضيل، عن عبد الله بن سعيد، عن جده، عن أبي هريرة يرفعه؛ أنه قال: "إذا سجد أحدكم فليبتدئ بركبتيه قبل يديه، ولا يبرُك بُروك الفحل". وفي رواية: أن النبي ﷺ كان إذا سجد بدأ بركبتيه قبل يديه. أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٣٥/ ٢٧٠٢)، وأبو يعلى (١١/ ٤١٤/ ٦٥٤٠)، والطحاوي (١/ ٢٥٥)، والبيهقي في السنن (٢/ ١٠٠)، وفي المعرفة (٢/ ٨٣٧/٥). قال الطحاوي: "فهذا خلاف ما روى الأعرج عن أبي هريرة ﵁، ومعنى هذا: لا يبرُك على يديه كما يبرُك البعير على يديه". وقد فرح بعضهم بهذا الحديث لكونه يعارض رواية الدراوردي المقلوبة، وأن عبد الله بن سعيد المقبري قد رواه على الوجه الصحيح. لكن قال البيهقي في المعرفة: "هكذا رواه عبد الله بن سعيد المقبري؛ غير أنه ضعيف، لا يُفرح بما يتفرد به، والله أعلم". وقال في السنن: "إلا أن عبد الله بن سعيد المقبري: ضعيف، والذي يعارضه يتفرد به محمد بن عبد الله بن الحسن، وعنه الدراوردي، وقد رواه عبد الله بن نافع مختصرًا". قلت: إسناده واهٍ؛ عبد الله بن سعيد المقبري: متروك، منكر الحديث. • وإنما يُعرف هذا عن أبي هريرة موقوفًا عليه قوله: فقد روى محمد بن علي بن زيد المكي الصائغ [راوي سنن سعيد بن منصور، وهو: ثقة. الثقات (٩/ ١٥٢)، سؤالات السهمي (٥)، التقييد (٨٨)، السير (١٣/ ٤٢٨)]، قال:

стр. 4308

نا سعيد بن منصور، قال: نا عبد الله بن وهب، قال: نا عمرو بن الحارث؛ أن بغير بن عبد الله بن الأشج حدثه، عن أبي مرة مولى عقيل بن أبي طالب، عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: لا يبركَن أحدٌ بروك البعير الشارد، ولا يفترش ذراعيه افتراش السبع. أخرجه السرقسطي في الدلائل (٣/ ٩٩١/ ٥٣٨)، عن محمد بن علي به. وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، وأبو مرة مولى عقيل بن أبي طالب: سمع أبا هريرة [انظر: الموطأ (١/ ٦٣٢/ ١٤١٠) وغيره]، ومحمد بن علي هذا قد رواه عن سعيد بن منصور بالإسنادين جميعًا، بهذا الإسناد موقوفًا، وبإسناد الدراوردي مرفوعًا، فدل على أنه محفوظ عن سعيد بن منصور بالوجهين جميعًا. ووصف البعير بالشارد وصف زائد على مجرد البروك المعتاد من البعير، وفسر السرقسطي قول أبي هريرة بأن لا يرم بنفسه معًا كما يفعل البعير الشارد غير المطمئن المواتر، ولكن لينحط مطمئنًا، يضع يديه ثم ركبتيه، ثم احتج على ذلك بحديث الدراوردي، والله أعلم. • وقد روي نحو حديث أبي هريرة [من طريق الدراوردي] من حديث ابن عمر: قال المزي في التحفة (٥/ ٤٩٥/ ٨٠٣٠ - ط دار الغرب): " (د) حديث: أن ابن عمر كان يضع يديه قبل ركبتيه، زاد ابن يحيى في حديثه: وكان رسول الله ﷺ يفعل ذلك. (د) في الصلاة، عن إسحاق أبي يعقوب -شيخ ثقة-، وعن محمد بن يحيى، عن أصبغ، كلاهما عنه به"؛ يعني: عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر. قال المزي: "قال أبو داود: روى عبد العزيز عن عبيد الله أحاديث مناكير. (ز) إسحاق هذا هو ابن أبي إسرائيل. (كـ) وهذا الحديث في رواية ابن العبد، ولم يذكره أبو القاسم". قلت: وهذا الحديث ليس في المطبوع من سنن أبي داود، لكونه من رواية ابن العبد فقط، وقد رواه أيضًا من طريق أصبغ بن الفرج به مرفوعًا: ابن خزيمة (١/ ٣١٨ - ٣١٩/ ٦٢٧)، وابن حبان في وصف الصلاة بالسُّنَّة (٩/ ٢١٣/ ١٠٩١٨ - إتحاف المهرة)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٦٥/ ١٤٣٠)، والطحاوي (١/ ٢٥٤)، والدارقطني في السنن (١/ ٣٤٤)، وفي الأفراد (١/ ٥٧٨/ ٣٣٥٨ - أطرافه)، وابن الجوزي في التحقيق (٥٢٠). قال الدارقطني في الأفراد: "تفرد به أصبغ بن الفرج عن عبد العزيز الدراوردي عن عبيد الله". وقال في موضع آخر من الأفراد (٢/ ٢٩٧/ ٥٢٥٤ - أطرافه): "وهذا تفرد به الدراوردي عن عبيد الله بن عمر". قلت: نعم المتفرد به هو الدراوردي، ولم يتفرد به أصبغ عنه، فقد تابعه جماعة،

стр. 4309

تابعه إسحاق بن أبي إسرائيل عند أبي داود، كما في التحفة. وتابعهما: عبد الله بن وهب، ومحرز بن سلمة، قالا: حدثنا الدراوردي به. أخرجه الحاكم (١/ ٢٢٦)، وعنه: البيهقي في السنن (٢/ ١٠٠)، والحازمي في الاعتبار (١/ ٣٢٤ - ٣٢٥/ ٨٥). فهؤلاء أربعة من الثقات رووه عن الدراوردي به. وعلقه البخاري في الصحيح قبل الحديث رقم (٨٠٣)، بصيغة الجزم. وقال أبو داود: "روى عبد العزيز عن عبيد الله أحاديث مناكير". وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وله معارض من حديث أنس ووائل بن حجر"، ثم ذكر بأن القلب إلى حديث ابن عمر أميل. وقال الحازمي: "هذا حديث يُعدُّ في مفاريد عبد العزيز عن عبيد الله". وقال الدارقطني في العلل (١٣/ ٢٤/ ٢٩١٢): "يرويه الدراوردي، واختلف عنه: فرواه عبد اللّه بن وهب، وأصبغ بن الفرج، عن الدراوردي، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا. وقال أبو نعيم الحلبي: عن الدراوردي، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، فعله، موقوفًا، وهو الصواب". قلت: أبو نعيم الحلبي عبيد بن هشام: صدوق، لُقِّن في آخر عمره أحاديث ليس لها أصل [التهذيب (٣/ ٤١)]، والذين رفعوه أربعة من الثقات، ويغلب على ظني أن هذا الاختلاف إنما هو من الدراوردي نفسه. وقال البيهقي في السنن بعد ما رواه من طريق محرز: "وكذلك رواه ابن وهب وأصبغ بن الفرج عن عبد العزيز، والمشهور عن عبد الله بن عمر في هذا: … "، ثم ذكر حديث أيوب عن نافع. وقال في المعرفة (٢/ ٤): "والمحفوظ: عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: "أن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه، فإذا وضع أحدكم وجهه فليضع يديه، وإذا رفعه فليرفعهما"". قلت: أخرجه من طريق إسماعيل ابن علية، ووهيب بن خالد، عن أيوب به مرفوعًا: أبو داود (٨٩٢)، والنسائي في المجتبى (٢/ ٢٠٧/ ١٠٩٢)، وفي الكبرى (١/ ٣٤٥/ ٦٨٣)، وابن خزيمة (٦٣٠)، وابن حبان في وصف الصلاة بالسُّنَّة (٩/ ٣٣/ ١٠٣٤٥ - إتحاف المهرة)، وابن الجارود (٢٠١)، والحاكم (١/ ٢٢٦)، وأحمد (٢/ ٦)، والطوسي في مختصر الأحكام (٢/ ١٢٣/ ٢٥٢)، وأبو العباس السراج في مسنده (٣٣٨ و ٣٣٩)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٦٧/ ١٤٣٤)، والبيهقي (٢/ ١٠١). وقد اختلف في رفعه ووقفه، ويأتي تخريجه مستوفى -إن شاء الله تعالى- في موضعه من السنن.

стр. 4310

• وحاصل أقوال الأئمة في حديث ابن عمر هذا: أنه حديث منكر؛ لتفرد الدراوردي به عن عبيد الله بن عمر العمري، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي: صدوق، إلا أن حديثه عن عبيد الله بن عمر: منكر، وربما قلب حديث عبد الله بن عمر العمري [وهو: ضعيف] يرويه عن عبيد الله بن عمر. قال أبو داود: "روى عبد العزيز عن عبيد الله أحاديث مناكير"، وقال النسائي: "الدراوردي: ليس به بأس، حديثه عن عبيد الله بن عمر: منكر"، وقال أحمد: "أحاديثه عن عبيد الله بن عمر تشبه أحاديث عبد الله بن عمر" [شرح علل الترمذي (٢/ ٨١٠)، التهذيب (٢/ ٥٩٣)، وفيه قول أحمد: "وربما قلب حديث عبد الله بن عمر، يرويها عن عبيد الله بن عمر"]. وقد اختلف فيه على الدراوردي، فمنهم من رواه عنه مرفوعًا، وهم الأكثر، ورواه أبو نعيم الحلبي عنه موقوفًا، ولعل هذا الاختلاف من الدراوردي نفسه، فإن الدراوردي وإن كان أحد علماء المدينة وثقاتهم، صحيح الكتاب، إلا أنه كان سيئ الحفظ، يخطئ إذا حدث من حفظه، فربما حدث بهذا الحديث من حفظه فوهم، أو دخل له حديث في حديث، وهو كان كان صحيح الكتاب؛ إلا أنه كان يحدث من كتب الناس فيخطئ أيضًا [انظر: التهذيب (٢/ ٥٩٢) وغيره]. ولذلك فلا يستبعد أن يكون دخل له حديث في حديث، وإنما أراد حديث نافع، عن ابن عمر: "أن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه، فإذا وضع أحدكم وجهه فليضع يديه، وإذا رفعه فليرفعهما". أو يكون أصله موقوفًا مقلوبًا، فقد رواه يعقوب بن إبراهيم، عن ابن أبي ليلى، عن نافع، عن ابن عمر؛ أنه كان يضع ركبتيه إذا سجد قبل يديه، ويرفع يديه إذا رفع قبل ركبتيه. أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٣٦/ ٢٧٠٥). ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى: صدوق، سيئ الحفظ جدًّا، وشيخ ابن أبي شيبة هو: أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي: صدوق، كثير الخطأ [اللسان (٨/ ٥١٨)، الجرح والتعديل (٩/ ٢٠١)]. قال ابن المنذر (٣/ ١٦٦): "وقد تُكلِّم في حديث ابن عمر، قيل: إن الذي يصح من حديث ابن عمر موقوف، وحديث وائل بن حجر: ثابت، وبه نقول". • قلت: لا يصح في الباب حديث مرفوع. وقال ابن المنذر: "وقد زعم بعض أصحابنا أن وضع اليدين قبل الركبتين منسوخ". قلت: احتج ابن خزيمة على ذلك بالحديث الذي رواه: إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن سلمة، عن مصعب بن سعد، عن سعد، قال: كنا نضع اليدين قبل الركبتين، فأُمرنا بالركبتين قبل اليدين.

стр. 4311

أخرجه ابن خزيمة (٦٢٨)، وعنه: ابن حبان في الصلاة (٥/ ٩٥/ ٥٠٠١ - إتحاف المهرة)، وابن المنذر (٣/ ١٦٧/ ١٤٣٣)، والبيهقي في السنن (٢/ ١٠٠)، والحازمي في الاعتبار (١/ ٣٢٧ - ٣٢٨/ ٨٧). قال البيهقي في المعرفة (٢/ ٥): "هذا إن كان محفوظًا دل على النسخ؛ غير أن المحفوظ عن مصعب عن أبيه: حديث نسخ التطبيق، والله أعلم". وقال في السنن: "إسناده ضعيف"، ثم قال: "كذا قال، والمشهور عن مصعب عن أبيه: حديث نسخ التطبيق، والله أعلم". وقال الحازمي: "وأما حديث سعد: ففي إسناده مقال، ولو كان محفوظًا لدل على النسخ؛ غير أن المحفوظ عن مصعب عن أبيه: حديث نسخ التطبيق، والله أعلم". وقال النووي في الخلاصة (١٢٨٥)، وفي المجموع (٣/ ٣٨١): "رواه ابن خزيمة في صحيحه، وادّعى أنه ناسخ لتقديم اليدين، وكذا اعتمده أصحابنا، ولا حجة فيه؛ لأنه ضعيف، ظاهر الضعف، بيَّن البيهقي وغيره ضعفه، وهو من رواية يحيى بن سلمة، وهو ضعيف باتفاقهم، قال البخاري: في حديثه مناكير، وقال أبو حاتم: منكر الحديث". وقال ابن القيم في تهذيب السنن (٣/ ٥٢): "وهذا الحديث هو في الصحيحين عن مصعب بن سعد، قال: صليت إلى جنب أبي فجعلت يدي بين ركبتي، فنهاني عن ذلك، فعدت فقال: لا تصنع هذا؛ فإنا كنا نفعله فنهينا عن ذلك، وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب، فهذا هو المعروف عن سعد؛ أن المنسوخ هو قصة التطبيق ووضع الأيدي على الركب، ولعل بعض الرواة غلط فيه، من وضع اليدين على الركبتين، إلى وضع اليدين قبل الركبتين"، وقال: "أما حديث سعد: ففي إسناده مقال، ولو كان محفوظًا لدل على النسخ، غير أن المحفوظ عن مصعب عن أبيه حديث نسخ التطبيق" [وانظر: زاد المعاد (١/ ٢٢٧)]. وقال ابن حجر في الفتح (٢/ ٢٩١): "وهذا لو صح لكان قاطعًا للنزاع، لكنه من أفراد إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل عن أبيه، وهما ضعيفان". قلت: لا شك أنه معلول بحديث مصعب بن سعد عن أبيه في نسخ التطبيق، في الصحيحين وغيرهما، ويأتي تخريجه قريبًا -إن شاء الله تعالى- برقم (٨٦٧). فهو حديث منكر باطل؛ يحيى بن سلمة بن كهيل: متروك، منكر الحديث [التهذيب (٤/ ٣٦١)]، وابنه: إسماعيل: متروك [التهذيب (١/ ١٧٠)]، وحفيده: إبراهيم: ضعيف، اتهمه أبو زرعة [التهذيب (١/ ٥٩)]. • لكن ثبت عن عمر بن الخطاب النزول على الركبتين: رواه يعلى بن عبيد الطنافسي، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود؛ أن عمر كان يقع على ركبتيه. أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٣٦/ ٢٧٠٤)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٦٥/ ١٤٣١). ورواه حفص بن غياث، قال: ثنا الأعمش، قال: حدثني إبراهيم عن أصحاب

стр. 4312

عبد الله: علقمة والأسود، فقالا: حفظنا عن عمر في صلاته أنه خرَّ بعد ركوعه على ركبتيه، كما يخِرُّ البعير، ووضع ركبتيه قبل يديه. أخرجه الطحاوي (١/ ٢٥٦)، قال: حدثنا فهد بن سليمان [المصري: ثقة. الجرح والتعديل (٧/ ٨٩)، تاريخ دمشق (٤٨/ ٤٥٩)، تاريخ الإسلام (٢٠/ ٤١٦)]، قال: حدثنا عمر بن حفص [ثقة]، قال: حدثنا أبي به. • ورواه أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: كان أصحاب عبد الله إذا ذُكر القنوت -يعني: في الفجر-، قالوا: حفظنا من عمر ﵁ أنه كان إذا افتتح الصلاة، قال: سبحانك اللَّهُمَّ وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، وإذا ركع كبر، ووضع يديه على ركبته، وإذا انحط للسجود انحط بالتكبير، فيقع كما يقع البعير، تقع ركبتاه قبل يديه، ويكبر إذا سجد وإذا رفع وإذا نهض، لا نحفظ له أنه يقوم بعد القراءة يدعو. أخرجه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ٣٧١/ ٦٥٠ - مسند ابن عباس). • ورواه الثوري ووكيع ومعمر، عن الأعمش، عن إبراهيم؛ أن عمر كان إذا ركع يقع كما يقع البعير، ركبتاه قبل يديه، ويكبر ويهوي. لفظ وكيع مختصر. أخرجه عبد الرزاق (٢/ ١٧٦/ ٢٩٥٥)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢٣٦/ ٢٧٠٣). قلت: كل هؤلاء الذين رووه عن الأعمش من ثقات أصحابه عدا معمر، والذي يظهر لي من هذا الاختلاف على الأعمش، أنه كان بحسب نشاطه، فإذا نشط أسنده، وذكر من حدَّث به إبراهيم، وكان أحيانًا يبهم الواسطة، أو يرسله لعلم السامع أن إبراهيم لم يدرك عمر، وإنما يروي عن أصحاب ابن مسعود عنه، وعليه: فالذي حفظ الزيادة في الإسناد وأداها أولى من رواية من أسقطها، أو أبهمها، لا سيما وكان يحيى بن سعيد القطان يعدُّ حفص بن غياث من أوثق أصحاب الأعمش، ولم ينفرد بذلك حفص، فقد تابعه يعلى بن عبيد، وهو ثقة يحفظ، والله أعلم. وعليه: فهو موقوف على عمر بإسناد صحيح. وروي عن ابن مسعود، ولا يصح عنه [انظر: شرح معاني الآثار (١/ ٢٥٦)]. • قال النووي في المجموع (٣/ ٣٨٠) عن تقديم الركبتين على اليدين: "قال الترمذي والخطابي: وبهذا قال أكثر العلماء، وحكاه أيضًا القاضي أبو الطيب عن عامة الفقهاء، وحكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب ﵁، والنخعي، ومسلم بن يسار، وسفيان الثوري، [وفي الأوسط: والشافعي]، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، قال: وبه أقول، وقال الأوزاعي ومالك: يقدم يديه على ركبتيه، وهي رواية عن أحمد، وروي عن مالك أنه يقدم أيهما شاء ولا ترجيح، واحتُجَّ لمن قال بتقديم اليدين بأحاديث، ولمن قال بعكسه بأحاديث، ولا يظهر ترجيح أحد المذهبين من حيث السُّنَّة" [وانظر: الفتح لابن رجب (٥/ ٩١)]. قلت: إذا كانت الأحاديث المرفوعة لا تصلح للاحتجاج في الباب، وثبت في الباب

стр. 4313

شيء عن الخلفاء الراشدين لا سيما أبا بكر وعمر، لزم الأمة العمل به، فإن عمر بن الخطاب أحد الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباع سُنَّتهم، لقوله ﷺ : "عليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي"، وأمرنا بالاقتداء بهم لقوله ﷺ : "اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر"، وعلق حصول الرشد بطاعتهم، فقال: "إن يطعِ الناسُ أبا بكر وعمر يرشدوا" [تقدم برقم (٤٤١)]. وبها يترجح تقديم الركبتين على اليدين عند النزول للسجود، والله أعلم. *** ١٤٢ - باب النهوض في الفرد ٨٤٢ - . . . قال أبو داود: حدثنا مسدد: حدثنا إسماعيل -يعني: ابن إبراهيم-، عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: جاءنا أبو سليمان مالك بن الحويرث إلى مسجدنا هذا، فقال: والله إني لأصلي وما أريد الصلاة، ولكني أريد أن أريَكم كيف رأيتُ رسولَ الله ﷺ يصلي، قال: قلت لأبي قلابة: كيف صلى؟ قال: مثل صلاة شيخنا هذا -يعني: عمرو بن سَلِمة إمامَهم- وذكر أنه كان إذا رفع رأسه من السجدة الآخرة في الركعة الأولى قعد، ثم قام. • حديث صحيح. أخرجه من طريق أبي داود: ابن حزم في المحلى (٤/ ١٢٤)، وابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ٢٥٥). *** ٨٤٣ - قال أبو داود: حدثنا زياد بن أيوب: حدثنا إسماعيل، عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: جاءنا أبو سليمان مالك بن الحويرث إلى مسجدنا، فقال: واللّه إني لأصلي وما أريد الصلاة، ولكني أريد أن أريَكم كيف رأيتُ رسولَ الله ﷺ يصلي، قال: فقعد في الركعة الأولى حين رفع رأسه من السجدة الآخرة. • حديث صحيح. أخرجه من طريق أبي داود: ابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ٢٥٥). وأخرجه من طريق زياد بن أيوب [وهو ثقة حافظ]: النسائي في المجتبى (٢/ ٢٣٣/ ١١٥١)، وفي الكبرى (١/ ٣٧٠/ ٧٤١)، والدولابي في الكنى (١/ ١٠٨/ ٢٢٤)، وأبو العباس السراج في مسنده (١٢٩٩)، وفي حديثه بانتقاء

стр. 4314

الشحامي (١٢٦٢)، والدارقطني (١/ ٣٤٥)، وقال: "هذا إسناد صحيح ثابت". وانظر فيمن وهم في إسناده على النسائي: الكنى للدولابي (١/ ٢١٩/ ٤٠٠). • وممن رواه أيضًا عن إسماعيل ابن علية بمثل رواية زياد بن أيوب: أحمد بن حنبل، قال: حدثنا إسماعيل به، وزاد في آخره: ثم قام. أخرجه أحمد (٣/ ٤٣٦). • وقد رواه عن أيوب جماعة غير ابن علية [وهو ثقة ثبت، من أثبت أصحاب أيوب، قدمه بعضهم في أيوب على حماد بن زيد]: ١ - فرواه وهيب بن خالد [ثقة ثبت، من أصحاب أيوب]: رواه معلَّى بن أسد، وعفان بن مسلم، وإبراهيم بن الحجاج السامي، والعباس بن الوليد النرسي [وهم ثقات]: قالوا: حدثنا وهيب، عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: جاءنا مالك بن الحويرث، فصلى بنا في مسجدنا هذا، فقال: إني لأصلي بكم، وما أريد الصلاة، ولكن أريد أن أريكم كيف رأيت النبي ﷺ يصلي، قال أيوب: فقلت لأبي قلابة: وكيف كانت صلاته؟ قال: مثل صلاة شيخنا هذا -يعني: عمرو بن سلِمة-، قال أيوب: وكان ذلك الشيخ يتم التكبير، وإذا رفع رأسه عن السجدة الثانية جلس، واعتمد على الأرض، ثم قام. أخرجه البخاري (٨٢٤)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٢٨٧/ ٦٣٤)، والبيهقي في السنن (٢/ ١٢٣)، وفي المعرفة (٢/ ٢١/ ٨٦٩). • ورواه موسى بن إسماعيل [ثقة ثبت]، قال: حدثنا وهيب، قال: حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، قال: جاءنا مالك بن الحويرث في مسجدنا هذا، فقال: إني لأصلي بكم وما أريد الصلاة، أصلي كيف رأيت النبي ﷺ يصلي، فقلت لأبي قلابة: كيف كان يصلي؟ قال: مثل شيخنا هذا، قال: وكان شيخًا يجلس إذا رفع رأسه من السجود قبل أن ينهض في الركعة الأولى. أخرجه البخاري (٦٧٧). • وقد اختلف فيه على وهيب: أ- فرواه معلَّى بن أسد، وعفان بن مسلم، وموسى بن إسماعيل، وإبراهيم بن الحجاج السامي، والعباس بن الوليد النرسي: عن وهيب، عن أيوب، عن أبي قلابة به. ب - ورواه العلاء بن عبد الجبار البصري [ليس به بأس]: ثنا وهيب، قال: ثنا خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث ﵁ قال: جاءنا في مسجدنا فصلى بنا، فقال: أريد أن أريكم كيف كان رسول الله ﷺ يصلي، قال: إذا رفع رأسه من السجدة الثانية جلس، واعتمد على الأرض، ثم قام. أخرجه ابن الجارود (٢٠٤).

стр. 4315

وأرى هذه الرواية وهمًا من العلاء بن عبد الجبار العطار البصري، حيث قال: عن وهيب عن خالد، وإنما هو: وهيب عن أيوب، كما رواه جماعة من الثقات الأثبات. ٢ - ورواه حماد بن زيد [ثقة ثبت، أثبت أصحاب أيوب السختياني]، عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: كان مالك بن الحويرث يرينا كيف كان صلاة النبي ﷺ ، وذاك في غير وقت صلاة، فقام فأمكن القيام، ثم ركع فأمكن الركوع، ثم رفع رأسه فأنصب هنية، قال: فصلى بنا صلاة شيخنا هذا أبي بريد، وكان أبو بريد إذا رفع رأسه من السجدة الآخرة استوى قاعدًا، ثم نهض. وفي رواية: عن مالك بن الحويرث الليثي أنه قال لأصحابه يومًا: ألا أريكم كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ ؟ قال: وذلك في غير حين صلاةٍ، فقام فأمكن القيام، ثم ركع فأمكن الركوع، ثم رفع رأسه وانتصب قائمًا هُنيةً، ثم سجد، ثم رفع رأسه ويكبر في الجلوس [وفي رواية: فتمكن في الجلوس]، ثم انتظر هنيةً، ثم سجد، قال أبو قلابة: فصلى صلاةً كصلاة شيخنا هذا؛ يعني: عمرو بن سَلِمة الجرمي، وكان يؤمُّ على عهد النبي ﷺ ، قال أيوب: فرأيت عمرو بن سلمة يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه؛ كان إذا رفع رأسه من السجدتين استوى قاعدًا، ثم قام، من الركعة الأولى والثالثة، وفي رواية: كان إذا رفع رأسه من السجدة الأولى والثالثة التي لا يقعد فيها؛ استوى قاعدًا، ثم قام. أخرجه البخاري (٨٠٢ و ٨١٨)، وأحمد (٥/ ٥٣)، والطحاوي في شرح المعاني (٤/ ٣٥٤)، وفي المشكل (١٥/ ٣٥٠/ ٦٠٦٩)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٢٨٦/ ٦٣٣)، والبيهقي (٢/ ٩٧ و ١٢١). وانظر في كنية عمرو بن سلمة: التاريخ الكبير (٦/ ٣١٣)، كنى مسلم (٤٥٥)، الجرح والتعديل (٦/ ٢٣٥)، الثقات (٣/ ٢٧٨)، الاستيعاب (٣/ ١١٧٩)، تهذيب مستمر الأوهام (١١٩)، الإكمال (١/ ٢٢٨)، مشارق الأنوار (١/ ١١١)، تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٤٤)، السير (٣/ ٥٢٣)، التقريب (٤٦٤). ٣ - ورواه عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي [ثقة، من أصحاب أيوب]: ثنا أيوب، عن أبي قلابة، قال: جاء مالك بن الحويرث في مسجدنا فصلى، فقال: إنه لا أريد الصلاة، ولكن أريكم كيف رأيت رسول الله ﷺ يصلي، فذكر أنه قعد في الركعة الأولى إذا أراد أن ينهض. لفظ إسحاق، وقال الشافعي: يقوم، بدل: قعد. أخرجه الشافعي في الأم (١/ ١١٦)، وفي السنن (١٠)، وفي المسند (٤١)، وأبو العباس السراج في مسنده (١٢٩٨)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (١٢٦١)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٩٨/ ١٥٠٥)، والبيهقي في المعرفة (٢/ ٢١/ ٨٦٧). • واختلف فيه على الثقفي: أ- فرواه الشافعي، وإسحاق بن راهويه: كلاهما عن عبد الوهاب الثقفي: ثنا أيوب، عن أبي قلابة به هكذا.

стр. 4316

ب- ورواه الشافعي، وإسحاق بن راهويه أيضًا، ومحمد بن بشار بندار، وأبو موسى محمَّد بن المثنى، وأبو بكر بن أبي شيبة، وعثمان بن أبي شيبة: عن عبد الوهاب الثقفي، قال: حدثنا خالد الحذاء، عن أبي قلابة، قال: كان مالك بن الحويرث يأتينا، فيقول: ألا أحدثكم عن صلاة رسول الله ﷺ ؟ فصلى في غير وقت صلاة، فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية في أول ركعة استوى قاعدًا، ثمَّ قام، واعتمد على الأرض. وفي رواية: دخل علينا مسجدنا، قال: إني لأصلي وما أريد الصلاة، ولكني أريد أن أعلمكم كيف كان رسول الله ﷺ يصلي، قال: فذكر الله حيث رفع رأسه من السجود في الركعة الأولى، استوى قاعدًا، ثمَّ قام فاعتمد على الأرض. لفظ عثمان. أخرجه النسائي في المجتبى (٢/ ٢٣٤/ ١١٥٣)، وفي الكبرى (١/ ٣٧١/ ٧٤٣)، وابن خزيمة (١/ ٣٤٢/ ٦٨٧)، وابن حبَّان (٥/ ٢٦٢/ ١٩٣٥)، والشافعيُّ في الأم (١/ ١١٦)، وفي السنن (١١)، وفي المسند (٤١)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٤٨/ ٤٠٠١)، وحرب الكرماني في مسائله (٢٠٣)، وأبو العباس السراج في مسنده (١٣٠٠)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (١٢٦٣)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٩٨/ ١٥٠٦)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٢٨٩/ ٦٤٢)، والبيهقيُّ في السنن (٢/ ١٢٤ و ١٣٥)، وفي المعرفة (٢/ ٢١/ ٨٦٧)، وابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ٢٥٦). والوجهان محفوظان عن الثقفي؛ حيث رواه إمامان حافظان عنه بالوجهين، كما أنَّه ضبط الحديثين، وميز هذا من هذا. ٤ - ورواه حماد بن سلمة [ثقة]، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث؛ أن رسول الله ﷺ قال: "يؤُمُّ القومَ أكبرُهم سنًّا"، وكان مالك بن الحويرث إذا رفع رأسه من السجدة الثانية قعد ثمَّ نهض. أخرجه الطبراني في الكبير (١٩/ ٢٨٨/ ٦٣٦)، بإسناد صحيح إلى حماد. *** ٨٤٤ - . . . هشيم، عن خالد، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث، أنَّه رأى النبي ﷺ إذا كان في وِترٍ من صلاته، لم ينهض حتى يستويَ قاعدًا. • حديث صحيح. أخرجه البخاري (٨٢٣)، والترمذي (٢٨٧)، وقال: "حسن صحيح"، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٢/ ١٥٨/ ٢٧٣)، والنسائيُّ في المجتبى (٢/ ٢٣٤/ ١١٥٢)، وفي الكبرى (١/ ٣٧٠/ ٧٤٢)، وابن خزيمة (١/ ٣٤١/ ٦٨٦)، وابن حبَّان (٥/ ٢٦١/ ١٩٣٤)، وحرب الكرماني في مسائله (٢٠٣)، والطحاوي في شرح المعاني (٤/ ٣٥٤)، وفي المشكل (١٥/ ٣٥١/ ٦٠٧٠)، والدارقطني (١/ ٣٤٦)، وقال:

стр. 4317

"هذا إسناد صحيح ثابت"، ثمَّ قال: "هذا صحيح"، وابن حزم في المحلى (٤/ ١٢٤)، والبيهقيُّ في المعرفة (٢/ ٢١/ ٨٦٨)، وابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ٢٥٦)، والبغويُّ في شرح السُّنَّة (٣/ ١٦٥/ ٦٦٨)، وقال: "هذا حديث صحيح"، وابن الجوزي في التحقيق (٥٣٥). وتقدم ذكر من رواه عن خالد الحذاء غير هشيم. وهذا الحديث قد احتج به البخاري في بابه، حيث ترجم له بقوله: "باب من استوى قاعدًا في وتر من صلاته ثمَّ نهض"، وعليه فهو يصحح رواية خالد الحذاء هذه وما فيها من تصريح بالرفع لم يَرِد في حديث أيوب، حيث صرح خالد في روايته برفع جلسة الاستراحة إلى النبي ﷺ ، وأن مالك بن الحويرث رآه يجلسها، دون أن يحيل ذلك على صلاة أحد، وحديثه هذا قد صححه البخاري والترمذي والدارقطني، إذ قد يحسب بعض الناس أن رواية أيوب ليس فيها سوى الإحالة على صفة صلاة عمرو بن سلمة، دون أن يقصد رفعه إلى النبي ﷺ ، وهذا الحسبان باطل، بدليل رواية خالد الحذاء هذه، وإنما أراد الراوي أن هذا الوصف المذكور في صلاة عمرو بن سلمة بذكر جلسة الاستراحة، إنما هو من فعل النبي ﷺ ؛ إذ الحديث قد سيق أصالة من أجل بيان كيفية صلاة النبي ﷺ ، كما قال مالك بن الحويرث، ومن هذه الكيفية: جلسة الاستراحة، واعتماده بيديه على الأرض عند القيام، لذلك فإن البخاري قد أتبع هذا الباب بباب آخر ترجمه بقوله: "باب كيف يعتمد على الأرض إذا قام من الركعة"، ثمَّ أسند الحديث عن معلى بن أسد عن وهيب عن أيوب (٨٢٤)، وفيه: قال أيوب: فقلت لأبي قلابة: وكيف كانت صلاته [يعني: صلاة مالك بن الحويرث]؟ قال: مثل صلاة شيخنا هذا -يعني: عمرو بن سلِمة-، قال أيوب: وكان ذلك الشيخ يتم التكبير، وإذا رفع رأسه عن السجدة الثانية جلس، واعتمد على الأرض، ثمَّ قام. وهذا ظاهر في نسبة هذه الكيفية في الجلوس وفي النهوض إلى عمرو بن سلمة، والتي تشبه صلاته صلاة مالك بن الحويرث، والتي ما صلاها مالك إلا ليريهم كيف كان النبي ﷺ يصلي، فظهر بذلك أن مراد أيوب السختياني بيان الوصف المرفوع إلى النبي ﷺ ، لا أنَّه أراد وقفه على عمرو بن سلمة. فإن قيل: رواية حماد بن زيد، وهو أثبت الناس في أيوب، فصلت المرفوع من الموقوف، فيقال: لا يستقيم له ذلك، ويرده قول أبي قلابة: فصلى صلاةً كصلاة شيخنا هذا؛ يعني: عمرو بن سَلِمة الجرمي، ثمَّ ذكر أيوب عن عمرو أنَّه كان يجلس للاستراحة، ويعتمد على يديه، فعاد فعله واصفًا لصلاة النبي ﷺ ، والله أعلم. وقد قال أحمد في حديث مالك بن الحويرث: "هو صحيح، إسناده صحيح" [الفتح لابن رجب (٥/ ١٣٩)]، فيكون بذلك قد ثبت تصحيحه عن أربعة من الأئمة النقاد. • ومن حجة من قال بجلسة الاستراحة مع حديث مالك بن الحويرث: حديث أبي حميد الساعدي في عشرة من الصحابة:

стр. 4318

رواه عبد الحميد بن جعفر: أخبرني محمَّد بن عمرو بن عطاء، قال: سمعت أبا حُميد الساعدي، في عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ ، منهم: أبو قتادة. قال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ ، قالوا: فلِمَ؟ فوالله ما كنتَ بأكثرِنا له تَبِعةً، ولا أقدمِنا له صحبةً، قال: بلى، قالوا: فاعرِض،. . . فذكر الحديث بطوله. وفيه: ثمَّ يهوي إلى الأرض، فيجافي يديه عن جنبيه، ثمَّ يرفع رأسه ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها، ويفتِخُ أصابعَ رجليه إذا سجد، ثمَّ يسجد، ثمَّ يقول: "الله أكبر"، ويرفع رأسه، ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها، حتى يرجع كل عظم إلى موضعه. وفي رواية: ثمَّ ثنى رجله اليسرى وقعد عليها، واعتدل حتى رجع كلُّ عظمٍ في موضعه معتدلًا، ثمَّ أهوى ساجدًا، وقال: "الله أكبر"، ثمَّ ثنى رجله وقعد عليها واعتدل حتى يرجع كلُّ عضوٍ إلى موضعه، ثمَّ نهض فصنع في الركعة الثانية مثل ذلك. تقدم تخريجه في السنن برقم (٧٣٠)، وهو حديث صحيح. وذكر جلسة الاستراحة فيه محفوظ من حديث عبد الحميد بن جعفر، ثمَّ من حديث أبي حميد الساعدي. • ورويت هذه الجلسة من حديث أبي هريرة في قصة المسيء صلاته، عند البخاري برقم (٦٢٥١)، بلفظ: "ثمَّ ارفع حتى تطمئن جالسًا"، وقد أشار البخاري إلى إعلال هذه الزيادة في آخر الحديث، فقال: وقال أبو أسامة في الأخير: "حتى تستوي قائمًا"، ويأتي الكلام عليه مفصلًا في موضعه من السنن قريبًا بإذن الله تعالى، برقم (٨٥٦). • ورويت أيضًا من حديث علي بن أبي طالب، وهو حديث باطل، بل موضوع؛ مسلسل بالمتروكين والمتهمين [عند: العقيلي في الضعفاء (٣/ ٢٢٧)]. • وفي حديث مالك بن الحويرث ما يدل على اعتماده ﷺ على يديه عند قيامه، لقوله في رواية الثقفي: استوى قاعدًا، ثمَّ قام، واعتمد على الأرض، وفي رواية وهيب: جلس، واعتمد على الأرض، ثمَّ قام. قال ابن حجر في الفتح (٢/ ٣٠٣): "وقيل: يستفاد من الاعتماد أنَّه يكون باليد؛ لأنه افتعال من العماد، والمراد به الاتكاء، وهو باليد". • وروي ذلك أيضًا من غير حديث مالك بن الحويرث؛ لكن بزيادة صفة العجن: قال أبو إسحاق الحربي في غريب الحديث (٢/ ٥٢٥): حدثنا عبيد الله بن عمر [هو القواريري: ثقة ثبت]: حدثنا يونس بن بكير، عن الهيثم، عن عطية بن قيس، عن الأزرق بن قيس، قال: رأيت ابن عمر يعجن في الصلاة، يعتمد على يديه إذا قام، فقلت له؟ فقال: رأيت رسول الله ﷺ يفعله. وقال الطبراني في الأوسط (٤/ ٢١٣/ ٤٠٠٧): حدثنا علي بن سعيد الرازي، قال: نا عبد الله بن عمر بن أبان [مُشكُدانة: صدوق]، قال: نا يونس بن بكير، قال: نا الهيثم بن علقمة بن قيس بن ثعلبة، عن الأزرق بن قيس، قال: رأيت عبد الله بن عمر وهو يعجن في

стр. 4319

الصلاة، يعتمد على يديه إذا قام، فقلت: ما هذا يا أبا عبد الرحمن؟ قال: رأيت رسول الله ﷺ يعجن في الصلاة؛ يعني: يعتمد. قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن الأزرق إلا الهيثم، تفرد به يونس بن بكير". قلت: حديث القواريري هو الصواب، وحديث عليَّك الرازي وهمٌ، فإن علي بن سعيد بن بشير الرازي: حافظ، رحال، جوال؛ إلا أنهم تكلموا في حفظه، وتفرد بأشياء لم يتابع عليها [اللسان (٥/ ٥٤٢)، وقد تكلمت عليه في مواضع، منها ما تحت الحديث رقم (٤٩٦)]، والأزرق بن قيس، وعطية بن قيس الكلابي: من ثقات التابعين. قال ابن رجب في الفتح (٥/ ١٤٨): "والهيثم هذا غير معروف". قلت: الهيثم هذا هو: الهيثم بن عمران الدمشقي: رأى عطية بن قيس، ولا يعرف له سماع منه، روى عنه جماعة من الثقات، وذكره ابن حبَّان في الثقات [المعرفة والتاريخ (٢/ ٢٣١)، الجرح والتعديل (٩/ ٨٢)، الثقات (٧/ ٥٧٧)]، وروايته هذه وهمٌ. والراوي عنه: يونس بن بكير: صدوق، تكلم الناس فيه، صاحب غرائب [التهذيب (٤/ ٤٦٦)، الكامل (٧/ ١٧٨)، الميزان (٤/ ٤٧٧)، التقريب (٦٨٦)]. • وقد روي من وجه آخر: قال الطبراني في الأوسط (٣/ ٣٤٢/ ٣٣٤٧): حدثنا جعفر [هو الحافظ المتقن: جعفر بن محمَّد الفريابي]، قال: نا الحسن بن سهل الحفاظ [أو: الخياط؛ روى عنه أبو بكر الفريابي ومطين وموسى بن هارون ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة، وذكره ابن حبَّان في الثقات (٨/ ١٨١)، وله غرائب وأوهام]، قال: نا عبد الحميد الحماني [كوفي، صدوق يخطئ]، قال: نا الهيثم ابن علية البصري، عن الأزرق بن قيس، قال: رأيت ابن عمر في الصلاة يعتمد إذا قام، فقلت: ما هذا؟ قال: رأيت رسول الله ﷺ يفعله. قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن الأزرق إلا الهيثم، تفرد به: الحماني". قلت: ولا أستبعد أن يكون الهيثم ابن علية البصري هذا لا وجود له، وإنما تحرف الإسناد على أحد الرواة، فقال: أخبرنا الهيثم ابن علية، بدلًا من: أخبرنا الهيثم عن عطية، فعاد الحديث إلى حديث الهيثم بن عمران، والله أعلم. • والحاصل: فإن رفع هذا الأثر من طريق الأزرق بن قيس عن ابن عمر وهمٌ، كما أن ذكر العجن فيه منكر؛ وإنما يُعرف هذا عن الأزرق بن قيس عن ابن عمر موقوفًا عليه، بدون ذكر العجن فيه، كذا رواه الثقات: فقد روى وكيع بن الجراح، وكامل بن طلحة: عن حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس، قال: رأيت ابن عمر ينهض في الصلاة، ويعتمد على يديه. لفظ وكيع. ولفظ كامل: رأيت ابن عمر إذا قام من الركعتين اعتمد على الأرض بيديه، فقلت لولده ولجلسائه: لعله يفعل هذا من الكبر؟ قالوا: لا، ولكن هكذا يكون.

стр. 4320

أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٤٧/ ٣٩٩٦)، ومن طريقه: ابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٩٩/ ١٥٠٨)، والبيهقي (٢/ ١٣٥) (٢/ ٥٨١ - تهذيبه). هذا هو المحفوظ عن الأزرق بن قيس، وهو موقوف على ابن عمر بإسناد بصري صحيح، ورجاله ثقات مشهورون. خالفه: حُبَيِّب بن حُجْر أبو يحيى القيسي، فرواه عن الأزرق بن قيس؛ رأى ابن عمر ينهض على صدور قدميه حين ينهض من السجود. أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ١٢٦). كذا رواه موسى بن إسماعيل [أبو سلمة التبوذكي: ثقة ثبت]، وحرب بن ميمون [الأصغر العبدي، صاحب الأغمية: ضعيف]: كلاهما عن حبيب به. ورواه يزيد بن هارون [ثقة متقن]: ثنا حبيب بن حجر القيسي، قال: قال أزرق بن قيس: رأيت ابن عمر معتمدًا على يديه حيث ينهض من سجوده. أخرجه أبو نعيم في تاريخ أصبهان (٢/ ٣١٤)، بإسناد لا يصح إلى يزيد بن هارون. وهذه الرواية أشبه بالصواب، إلا أن الإسناد إلى يزيد لا يصح. وحُبيِّب بن حجر هذا: شيخ، روى عنه جماعة من الثقات، وقال عنه ابن معين: "ليس به بأس"، وذكره ابن حبَّان في الثقات، وقال الذهبي: "ما علمت به بأسًا بعد" [سؤالات ابن طهمان الدقاق لابن معين (٢٣٣)، التاريخ الكبير (٣/ ١٢٦)، الجرح والتعديل (٣/ ٣٠٨)، الثقات (٦/ ٢٤٩)، تاريخ أسماء الثقات (٢٣٥)، تاريخ الإِسلام (١٠/ ١١٣)، تعجيل المنفعة (١٨٢)]، ورواية حماد بن سلمة هي الصواب، والله أعلم. • وروي ذلك أيضًا عن نافع عن ابن عمر: فقد روى وكيع بن الجراح، وعبد الرزاق، والوليد بن مسلم [وهم ثقات حفاظ]: عن عبد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر؛ أنَّه كان يعتمد على يديه. لفظ وكيع، ولفظ عبد الرزاق: أنَّه كان يقوم إذا رفع رأسه من السجدة معتمدًا على يديه قبل أن يرفعهما. ولفظ الوليد: أنَّه كان يعتمد على يديه في صلاته إذا نهض من سجوده وتشهده. أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٤٧/ ٣٩٩٧)، وعبد الرزاق (٢/ ١٧٨ و ١٧٩/ ٢٩٦٤ و ٢٩٦٩)، وحرب الكرماني في مسائله (٢٠٥). وعبد الله بن عمر العمري: ليس بالقوي. • ورواه ابن لهيعة [ضعيف]، قال: وأخبرني بكير [هو: ابن عبد الله الأشج: ثقة]، عن نافع، عن ابن عمر؛ أنَّه كان إذا قام من السجدة الآخرة من الركعة الأولى ومن الثانية من الأربع، يعتمد على يديه من قبل أن يستوي قاعدًا [كذا، ولعله تصحف على الناسخ]. أخرجه حرب الكرماني في مسائله (٢٠٥). وهذان الطريقان وإن كان فيهما ضعف؛ إلا أنَّه يسير ينجبر بالمتابعة، ويشهد لثبوته

стр. 4321

عن ابن عمر: أثر حماد بن سلمة، فهو موقوف بإسناد مدني صالح، والله أعلم. • ورواه أيضًا: وكيع، عن أسامة والعمري، عن نافع، عن ابن عمر؛ أنَّه كان ينهض في الصلاة على صدور قدميه. أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٤٦/ ٣٩٨٥). وأسامة بن زيد الليثي مولاهم: صدوق، صحيح الكتاب، يخطئ إذا حدث من حفظه، وقد أنكروا عليه أحاديث [تقدمت ترجمته مفصلة عند الحديث رقم (٣٩٤ و ٦٠٠ و ٦١٩)]. • لكن قد ثبت عن ابن عمر من وجه آخر النهوض على صدور القدمين: فقد روى أبو معاوية، وعبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن خيثمة بن عبد الرحمن، عن ابن عمر، قال: ينهض في الصلاة على صدور قدميه. لفظ أبي معاوية. ولفظ عبد الواحد: رأيت عبد الله بن عمر يقوم على صدور قدميه. أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٤٦/ ٣٩٨٠)، وابن المنذر (٣/ ١٩٦/ ١٤٩٩)، والبيهقيُّ (٢/ ١٢٥). وهذا موقوف على ابن عمر بإسناد كوفي صحيح. • فيمكن أن يقال: قد صح عن ابن عمر فعل الأمرين، بحسب ما اقتضته حاجته، فكان ينهض معتمدًا على يديه أحيانًا وهو الأكثر، كما رواه عنه المدنيون والبصريون، وأحيانًا ينهض على صدور القدمين وهو الأقل، كما رواه عنه الكوفيون. ويمكن الجمع بينهما، بأن ابن عمر كانت عادته الاعتماد على اليدين، وإنما نهض على صدور قدميه لأجل علة كانت به: فقد روى أبو مصعب الزهري، ويحيى بن بكير، قالا: ثنا مالك، عن صدقة بن يسار، عن المغيرة بن حكيم؛ أنَّه رأى ابن عمر يرجع من سجدتين من الصلاة على صدور قدميه، فلما انصرف ذكر ذلك له؟ فقال: إنها ليست بسُنَّة الصلاة، وإنما أفعل ذلك من أجل أني أشتكي. أخرجه مالك في الموطأ (٤٩٨ - رواية أبي مصعب الزهري)، ومن طريقه: البيهقي (٢/ ١٢٤). لكن رواه يحيى بن يحيى الليثي، وعبد الرزاق بن همام، ومحمد بن الحسن الشيباني [ضعيف]: عن مالك، عن صدقة بن يسار، عن المغيرة بن حكيم؛ أنَّه رأى عبد الله بن عمر يرجع في سجدتين في الصلاة على صدور قدميه، فلما انصرف ذكر ذلك له؟ فقال: إنها ليست بسُنَّة الصلاة، وإنما أفعل ذلك من أجل أني أشتكي. لفظ الليثي. وفي رواية الشيباني: رأيت ابن عمر يجلس على عقبيه بين السجدتين في الصلاة، فذكرت ذلك له؟ فقال: إنما فعلته منذ اشتكيت.

стр. 4322

أخرجه مالك في الموطأ (٢٣٧ - رواية يحيى الليثي) (١٥٣ - رواية الشيباني)، وعنه: عبد الرزاق (٢/ ١٩٤/ ٣٠٤٤) [وتصحفت عنده: يرجع إلى: تربع]. وهذا موقوف بإسناد صحيح. فالذي يظهر لي أن هذا الأثر إنما هو في الإقعاء بين السجدتين، وليس في النهوض من السجود في الأولى والثالثة، لذا فقد أخرجه مالك نفسه في الجلوس في الصلاة، وعبد الرزاق في باب الإقعاء في الصلاة، وتكلم عليه ابن عبد البر في بابه في الجلوس بين السجدتين، كما في التمهيد (١٦/ ٢٧١) والاستذكار (١/ ٤٨٠)، وقال القاضي عياض في المشارق (٢/ ٤٠): "هو الإقعاء"، والله أعلم. • والحاصل: أنَّه قد صح عن ابن عمر الفعلان جميعًا، وإن كان الاعتماد على اليدين هو الأكثر شهرة عن ابن عمر، والله أعلم. • فإن قيل: قد روي عن ابن عمر مرفوعًا النهي عن ذلك: فقد روى محمَّد بن عبد الملك الغزال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن إسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر، قال: نهى رسول الله ﷺ أن يعتمد الرجل على يديه إذا نهض في الصلاة. أخرجه أبو داود (٩٩٢)، والبيهقيُّ (٢/ ١٣٥)، والبغويُّ في شرح السُّنَّة (٣/ ١٦٩/ ٦٧١). قال البيهقي في المعرفة (٢/ ٢٣): "وذلك خطأ؛ لمخالفته سائر الرواة". وقال في السنن: "ورواية ابن عبد الملك: وهم". وقال ابن القطان في بيان الوهم (٥/ ٣٩/ ٢٢٧٩) عن الغزال: "وهو رجل مجهول الحال، لم أجد له ذكرًا، وقد خالفه الثلاثة المذكورون، وهم الثقات الحفاظ، ورواياتهم المذكورة وإن اختلفت ألفاظها، تجتمع على معنى واحد، وهو المفسر في رواية ابن حنبل منهم، وهو النهي عن الاعتماد على اليد في حال الجلوس، فأما رواية محمَّد بن عبد الملك هذا فمقتضاها: النهي عن الاستعانة باليدين في حين النهوض، وذلك شيء لا يحتمل من مثله، فإن حاله لا تعرف ولو لم يخالفه غيره،. . ."، إلى أن قال: "ولعلنا نعثر بعدُ من أمر محمَّد بن عبد الملك هذا على مزيد إن شاء الله تعالى". وقال النوويّ في الخلاصة (١٣٦٨): "رواه أبو داود من رواية مجهول، وهذا أيضًا شاذ". وقال في المجموع (٣/ ٤٠٨): "وأما حديث ابن عمر؛ فضعيف من وجهين أحدهما: أنَّه من رواية محمَّد بن عبد الملك الغزالي، وهو مجهول، والثاني: أنَّه مخالف لرواية الثقات؛ لأنَّ أحمد بن حنبل رفيق الغزالي في الرواية لهذا الحديث عن عبد الرزاق، وقال فيه: نهى أن يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمد على يديه، ورواه آخران عن عبد الرزاق خلاف ما رواه الغزالي، وقد ذكر أبو داود ذلك كله، وقد علم من قاعدة المحدثين وغيرهم: أن ما خالف الثقات كان حديثه شاذًا مردودًا".

стр. 4323

قلت: محمَّد بن عبد الملك بن زنجويه البغدادي الغزال: قال النسائي: "ثقة"، وقال ابن أبي حاتم: "سمع منه أبي، وهو صدوق"، وذكره ابن حبَّان في الثقات، وقال مسلمة بن قاسم: "ثقة، كثير الخطأ"، وقد روى عنه جماعة من الأئمة منهم أصحاب السنن الأربعة، وتعجب الحافظ أبو الفضل العراقي من صنيع أبي الحسن ابن القطان، فأطال في ترجمته وقال: "فمَن هذه ترجمته كيف تكون حاله مجهولة!؟ " [التهذيب (٣/ ٦٣٤)، السير (١٢/ ٣٤٦)، تذكرة الحفاظ (٢/ ٥٥٤)، ذيل الميزان (٦٥٢)]. • وحديثه هذا شاذ بهذا اللفظ، والمحفوظ فيه: ما رواه أحمد بن حنبل عن عبد الرزاق به، ولفظه: نهى رسول الله ﷺ أن يجلس الرجل في الصلاة وهو يعتمد على يديه. وفي رواية الحاكم وليست في مطبوعة المسند: نهى رسول الله ﷺ إذا جلس الرجل في الصلاة أن يعتمد على يده اليسرى. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ١٤٧)، ومن طريقه: أبو داود (٩٩٢)، والحاكم (١/ ٢٣٠)، والبيهقيُّ في السنن (٢/ ١٣٥)، وفي المعرفة (٢/ ٢٢/ ٨٧٠ و ٨٧١)، والبغويُّ في شرح السُّنَّة (٣/ ١٦٩/ ٦٧١). وأحمد بن حنبل: إمام فقيه، ثقة ثبت، حافظ حجة، وهو من قدماء أصحاب عبد الرزاق ممن سمع منه قبل ذهاب بصره [شرح العلل لابن رجب (٢/ ٧٥٣)]. • وبلفظ أحمد رواه: محمَّد بن سهل بن عسكر [ثقة]، وإسحاق بن إبراهيم الدبري [متأخر السماع جدًّا من عبد الرزاق]: كلاهما عن عبد الرزاق به. أخرجه ابن خزيمة (١/ ٣٤٣/ ٦٩٢)، والحاكم (١/ ٢٣٠)، وعبد الرزاق (٢/ ١٩٧/ ٣٠٥٤)، وابن المنذر (٣/ ٢٠٠/ ١٥١٠). قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه". • تابعهم: أحمد بن يوسف السلمي النيسابوري، وأحمد بن محمَّد بن ثابت ابن شبويه، والحسين بن مهدي، وزهير بن محمَّد بن قمير البغدادي، ومحمد بن رافع [وهم ثقات]. ولفظ أحمد بن يوسف، وابن شبويه، والحسين بن مهدي، وزهير: نهى أن يعتمد الرجل على يده [أو: يديه] في الصلاة، وقال محمَّد بن رافع: نهى أن يصلي الرجل وهو معتمد على يده. أخرجه أبو داود (٩٩٢)، وابن خزيمة (١/ ٣٤٣/ ٦٩٢)، والبزار (١٢/ ١٩١/ ٥٨٥٤)، والبيهقيُّ (٢/ ١٣٥). قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلم رواه عن إسماعيل بن أمية إلا معمر". قلت: هكذا خالف الغزال في لفظه ثمانية من الثقات، بعضهم حفاظ، مما لا يدع مجالًا للشك في نكارة هذه الرواية التي تفرد بها الغزال، والله أعلم. • ومما يؤكد هذا أيضًا: ما رواه هشام بن يوسف الصنعاني [ثقة]، عن معمر، عن

стр. 4324

إسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن النبي ﷺ نهى رجلًا وهو جالس معتمدًا على يده اليسرى في الصلاة، وقال: "إنها صلاة اليهود". أخرجه الحاكم (١/ ٢٧٢)، وعنه: البيهقي (٢/ ١٣٦). قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه". وقال الذهبي في تهذيب سنن البيهقي (٢/ ٥٨٢): "هذا إسناد قوي". ويأتي تخريجه مفصلًا في موضعه من السنن إن شاء الله تعالى. • وروي أيضًا من حديث ابن عباس: قال النوويّ في المجموع (٣/ ٤٠٤): "وأما الحديث المذكور في الوسيط وغيره، عن ابن عباس؛ أن النبي ﷺ كان إذا قام في صلاته وضع يديه على الأرض كما يضع العاجن، فهو حديث ضعيف، أو باطل لا أصل له"، وكذا في الخلاصة (١٣٧١). وقال قبله ابن الصلاح في شرح مشكل الوسيط (٢/ ١٤١): "هذا حديث لا يُعرف، ولا يصح، ولا يجوز أن يحتج به"، إلى أن قال: "وهو إثبات شرعية هيئة في الصلاة لا عهد بها، بحديث لم يثبت". وقال ابن الملقن في البدر المنير (٣/ ٦٧٨): "هذا الحديث ذكره الرافعي تبعًا للغزالي فإنَّه أورده كذلك في وسيطه، والغزالي تبع إمامه [يعني: الجويني] فإنَّه أورده كذلك في نهايته [يعني: نهاية المطلب في دراية المذهب]، ولا يحضرني من خرَّجه من المحدثين من هذا الوجه بعد البحث عنها". • وقد عورض ما تقدم في النهوض على اليدين بأحاديث وآثار؛ فمنها: ١ - حديث وائل بن حجر: يرويه يزيد بن هارون: أخبرنا شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر، قال: رأيت النبي ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه. تقدم برقم (٨٣٨)، وقد تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (٧٢٨)، وهو حديث منكر. • وله طريق أخرى، يرويها حجاج بن منهال: حدثنا همام: حدثنا محمَّد بن جُحادة، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، أن النبي ﷺ ، فذكر حديث الصلاة، قال: فلما سجد وقعتا ركبتاه إلى الأرض قبل أن تقعا كفَّاه. قال همام: وحدثنا شقيق: حدثني عاصم بن كليب، عن أبيه، عن النبي ﷺ بمثل هذا، وفي حديث أحدهما، وأكبر علمي أنَّه في حديث محمَّد بن جحادة: وإذا نهض نهض على ركبَتَيه، واعتمد على فخِذِه. تقدم برقم (٨٣٩)، وقد تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (٧٢٣)، وهو حديث شاذ. ٢ - حديث أبي هريرة: يرويه أبو معاوية محمَّد بن خازم الضرير [ثقة]: حدثنا خالد بن إلياس، عن صالح

стр. 4325

مولى التوأمة، عن أبي هريرة، قال: كان النبي ﷺ ينهض في الصلاة على صدور قدميه. أخرجه الترمذي (٢٨٨)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٢/ ١٦٠/ ٢٧٤)، وحرب الكرماني في مسائله (٢٠٦)، والطبراني في الأوسط (٣/ ٣٢٠/ ٣٢٨١)، وابن عديّ في الكامل (٣/ ٦)، والدارقطني في الأفراد (٢/ ٢٩٤/ ٥٢٣٧ - أطرافه)، والبغويُّ في شرح السُّنَّة (٣/ ١٦٦/ ٦٦٩)، وابن الجوزي في التحقيق (٥٣٤)، وعلقه البيهقي في السنن (٢/ ١٢٤). وخالفه: عيسى بن يونس [ثقة مأمون]، فرواه عن خالد بن إلياس، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة؛ كان رسول الله ﷺ إذا نهض من الركعتين وضع يديه على فخذيه. وفي رواية: كان النبي ﷺ إذا قام من ركعتين يعتمد بيديه على ركبتيه. أخرجه ابن عديّ (٣/ ٦). قال الترمذي: "حديث أبي هريرة عليه العمل عند أهل العلم، يختارون أن ينهض الرجل في الصلاة على صدور قدميه، وخالد بن إلياس: هو ضعيف عند أهل الحديث"، قال: "ويقال: خالد بن إياس أيضًا، وصالح مولى التوأمة هو: صالح بن أبي صالح، وأبو صالح اسمه نبهان، وهو مدني". وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن صالح إلا خالد بن إلياس، تفرد به: أبو معاوية". وقال ابن عديّ بعد حديث عيسى بن يونس: "وهذا الحديث وحديث صالح مولى التوأمة: يرويهما خالد بن إلياس"؛ يعني: أنَّه تفرد بهما، والعهدة فيهما عليه. وقال الدارقطني: "تفرد به خالد بن إلياس عنه"؛ يعني: عن صالح مولى التوأمة. وقال البيهقي في السنن بعد ما ضعف خالد بن إلياس: "وحديث مالك بن الحويرث: أصح". وقال في الخلافيات (٢/ ٩٥ - مختصره): "حديث ضعيف؛ خالد: متروك، وصالح: غير محتج به". قلت: صالح بن أبي صالح مولى التوأمة: ثقة، كان قد اختلط، فمن سمع منه قبل الاختلاط فهو صحيح، وإلا فلا [انظر: التهذيب (٢/ ٢٠١)، الكواكب النيرات (٣٣)، شرح علل الترمذي (٢/ ٧٤٩)]، وقال ابن القطان في بيان الوهم (٣/ ١٠٠/ ٧٩٤): "وخالد لا يعرف متى أخذ عنه، فاعلم ذلك". قلت: هو حديث منكر؛ خالد بن إلياس أبو الهيثم العدوي المدني: متروك، منكر الحديث [التهذيب (١/ ٥١٤)، الميزان (١/ ٦٢٧)]، وقد تلون فيه، فرواه مرة عن صالح مولى التوأمة، ومرة عن سعيد المقبري. ٣ - حديث علي بن أبي طالب: يرويه أبو معاوية [ثقة]، عن أبي شيبة عبد الرحمن بن إسحاق، عن زياد بن زيد

стр. 4326

السوائي، عن أبي جحيفة، عن علي؛ قال: إن من السُّنَّة في الصلاة المكتوبة إذا نهض الرجل في الركعتين الأوليين أن لا يعتمد بيديه على الأرض؛ إلا أن يكون شيخًا كبيرًا لا يستطيع. أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٤٧/ ٣٩٩٨)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٢٠٠/ ١٥٠٩)، والبيهقيُّ (٢/ ١٣٦). خالفه: ابن فضيل [صدوق]، فرواه عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن علي، قال: من السُّنَّة أن لا تعتمد على يديك حين تريد أن تقوم بعد القعود في الركعتين. أخرجه ابن عديّ في الكامل (٤/ ٣٠٥)، والبيهقيُّ (٢/ ١٣٦). قال البيهقي في المعرفة (٢/ ٢٣): "لم يثبت إسناده، تفرد به: أبو شيبة عبد الرحمن بن إسحاق، واختلف عليه في إسناده، ولكن صحيح عن ابن مسعود أنَّه قام على صدور قدميه". وذكره النوويّ في فصل الضعيف من الخلاصة (١٣٦٥). قلت: هو حديث منكر؛ تفرد به عبد الرحمن بن إسحاق أبو شيبة الواسطي به، وأبو شيبة هذا: ضعيف، منكر الحديث، يروي ما لا يتابع عليه، ويحدث عن النعمان بن سعد أحاديث مناكير، وزياد بن زيد السوائي الأعسم، والنعمان بن سعد: مجهولان [التهذيب (١/ ٦٤٧) و (٤/ ٢٣١)، راجع الحديث المتقدم برقم (٧٥٦)]. وقد سبق لأبي شيبة الواسطي معنا في سنن أبي داود (٧٥٦) بنفس هذا الإسناد حديث: السُّنَّةُ وضعُ الكفِّ على الكفِّ في الصلاة تحت السُّرَّة، وقد رواه بنفس هذين الإسنادين أيضًا مع إسناد ثالث، وهو حديث منكر. ٤ - حديث معاذ بن جبل: رواه محبوب بن الحسن القرشي، عن الخصيب بن جحدر، عن النعمان بن نعيم، عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ بن جبل، قال: كان النبي ﷺ إذا كان في صلاته رفع يديه قبالة أذنيه،. . . فذكر الحديث بطوله، وفيه: ثمَّ يقوم كأنه السهم لا يعتمد على يديه،. . . . أخرجه الطبراني في الكبير (٢٠/ ٧٤/ ١٣٩)، بإسناد صحيح إلى محبوب. وهذا حديث موضوع؛ تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (٧٤٦)، الشاهد السابع، وتحت الحديث رقم (٧٥٩)، الشاهد رقم (١٣). • هذا ما وقفت عليه من المرفوع في هذا الباب، ولا يصح منه سوى حديث مالك بن الحويرث عند البخاري. • وأما الآثار عن الصحابة في هذا الباب فكثيرة، نذكر منها [غير ما تقدم] ما صح إسناده، وذلك لاحتجاج بعض الأئمة - كأحمد - بها، وتقديمها في العمل على حديث مالك لكثرتها:

стр. 4327

أ - روى أبو خالد الأحمر سليمان بن حيان، عن محمَّد بن عجلان، عن النعمان بن أبي عياش، قال: أدركت غير واحد من أصحاب النبي ﷺ ، فكان إذا رفع رأسه من السجدة في أول ركعة والثالثة قام كما هو ولم يجلس. أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٤٧/ ٣٩٨٩)، ومن طريقه: ابن المنذر (٣/ ١٩٥/ ١٤٩٧). وهذا موقوف على بعض الصحابة بإسناده جيد. ب - وروى زائدة بن قدامة، وأبو عوانة، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وأبو معاوية، وأبو خالد الأحمر [وهم ثقات]: عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: كان عبد الله ينهض في الصلاة على صدور قدميه [زاد ابن أبي زائدة: في السجدة التي لا يجلس فيها]. زاد أبو عوانة في آخره قول الأعمش: فذكرت ذلك لأبراهيم، فقال: حدثني عبد الرحمن بن يزيد؛ أن ابن مسعود كان يفعله. أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٤٦/ ٣٩٧٩)، وحرب الكرماني في مسائله (٢٠٧)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٦٦/ ٩٣٢٨) و (٩/ ٢٦٧/ ٩٣٢٩)، وأبو طاهر المخلص في الأوّل من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (١٧٦) [ووقع في إسناده: عن إبراهيم عن عمارة، وإنما هو: عن إبراهيم وعمارة]. عبد الرحمن هو: ابن يزيد بن قيس النخعي الكوفي: ثقة، من كبار الطبقة الثالثة، وعمارة بن عمير التيمي الكوفي: ثقة ثبت، من الطبقة الرابعة، وإبراهيم هو: ابن يزيد بن قيس النخعي الكوفي: ثقة، من الخامسة، فهو موقوف على ابن مسعود بإسناد كوفي صحيح، على شرط الشيخين. ج - وروى سفيان الثوري، وحفص بن غياث، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وعبد الله بن نمير، وأبو عوانة: عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: كان [وفي رواية ابن نمير: أنَّه رأى] عبد الله [بن مسعود] ينهض على صدور قدميه من السجدة الآخرة في الركعة الأولى والثالثة. أخرجه عبد الرزاق (٢/ ١٧٩/ ٢٩٦٧)، وابن المنذر (٣/ ١٩٥ - ١٩٦/ ١٤٩٨)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٦٧/ ٩٣٢٩)، والدارقطني في العلل (١٢/ ٤٢٢/ ٢٨٥٤)، وأبو طاهر المخلص في الأوّل من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (١٧٦) [ووقع في إسناده: عن إبراهيم عن عمارة، وإنما هو: عن إبراهيم وعمارة]. وهذا موقوف على ابن مسعود بإسناده كوفي صحيح، على شرط الشيخين. وانظر فيمن وهم فيه على الثوري: علل الدارقطني (١٢/ ٤٢٢/ ٢٨٥٤). د - وروى عبد الواحد بن زياد [ثقة، وقد توبع]، قال: ثنا سليمان الأعمش، قال: رأيت عمارة بن عمير يصلي من قبل أبواب كندة، فرأيته ركع ثمَّ سجد، فلما قام من

стр. 4328

السجدة الأخيرة قام كما هو، فلما انصرف ذكرت ذلك له، فقال: حدثني عبد الرحمن بن يزيد أنَّه رأى عبد الله بن مسعود يقوم على صدور قدميه. قال الأعمش: فحدثت بهذا الحديث إبراهيم النخعي، فقال إبراهيم: حدثني عبد الرحمن بن يزيد أنَّه رأى عبد الله بن مسعود يفعل ذلك. فحدثت به خيثمة بن عبد الرحمن، فقال: رأيت عبد الله بن عمر يقوم على صدور قدميه. فحدثت به محمَّد بن عبد الله الثقفي، فقال: رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى يقوم على صدور قدميه. فحدثت به عطية العوفي، فقال: رأيت ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وأبا سعيد الخدري ﵃ يقومون على صدور أقدامهم. أخرجه ابن المنذر (٣/ ١٩٦/ ١٤٩٩)، والبيهقيُّ (٢/ ١٢٥). • وممن رواه عن الأعمش عن خيثمة به: أبو معاوية. أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٤٦/ ٣٩٨٠). • وممن رواه عن الأعمش عن الثقفي به: حفص بن غياث. أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٤٦/ ٣٩٨١)، والدولابي في الكنى (٢/ ٧٩٥/ ١٣٨٠). • وممن رواه عن الأعمش عن عطية به دون ذكر بعضهم: سفيان الثوري، وحفص بن غياث، وشريك بن عبد الله النخعي. أخرجه عبد الرزاق (٢/ ١٧٩/ ٢٩٦٨)، وحرب الكرماني في مسائله (٢٠٧)، وابن المنذر (٣/ ١٩٥/ ١٤٩٥). قلت: فهذه آثار صحيحة؛ عدا أثر عطية العوفي، فإن عطية بن سعد العوفي: ضعيف الحفظ [انظر: التهذيب (٣/ ١١٤)، الميزان (٣/ ٧٩)]. قال النوويّ في المجموع (٣/ ٤٠٨): "وأما حكاية عطية فمردودة لأنَّ عطية ضعيف". هـ - وروى ابن عيينة، عن عبدة بن أبي لبابة، قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد، يقول: رمقت عبد الله بن مسعود في الصلاة فرأيته ينهض ولا يجلس، قال: ينهض على صدور قدميه في الركعة الأولى والثالثة. أخرجه سفيان بن عيينة في جزء من حديثه (٢١ - رواية زكريا بن يحيى المروزي)، ومن طريقه: عبد الرزاق (٢/ ١٧٨/ ٢٩٦٦) [وقد تحرف عنده: ابن أبي لبابة؛ إلى: ابن أبي ليلى]، وابن المنذر (٣/ ١٩٥/ ١٤٩٤)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٦٦/ ٩٣٢٧)، والبيهقيُّ (٢/ ١٢٥). موقوف بإسناد صحيح، ورجاله رجال الشيخين. قال البيهقي في السنن (٢/ ١٢٦): "هو عن ابن مسعود صحيح، ومتابعة السُّنَّة أولى، وابن عمر قد بيَّن في رواية المغيرة بن حكيم عنه أنَّه ليس من سُنَّة الصلاة، وإنما فعل ذلك من أجل أنَّه يشتكي، وعطية العوفي: لا يحتج به".

стр. 4329

وقال في الخلافيات (٢/ ٩٥ - مختصره): "فأما أثر ابن مسعود: فصحيح، وأما ابن عمر: فقد روي عنه أنَّه قال في ذلك أنها ليست بسنة الصلاة، وإنما أفعل ذلك من أجل أني أشتكي، وأما ابن الزبير وابن عباس فراويه عنهما عطية العوفي، وعطية: غير محتج به، ومتابعة فعل رسول الله ﷺ وقوله أولى من متابعة غيره، وبالله التوفيق". و - وروى حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، ووكيع: عن هشام بن عروة، عن وهب بن كيسان، قال: رأيت ابن الزبير إذا سجد السجدة الثانية قام كما هو على صدور قدميه. أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٤٦/ ٣٩٨٣ و ٣٩٨٤)، وابن المنذر (٣/ ١٩٧/ ١٥٠٣). وهذا موقوف على ابن الزبير بإسناد صحيح. هذا ما صح عندي من الآثار عن الصحابة في هذا الباب: عن النعمان بن أبي عياش عن غير واحد من الصحابة، وعن ابن مسعود وابن عمر وابن الزبير، وما روي عن عمر وعلي وغيرهما فلا يصح فيه شيء، والله أعلم. • قال إسحاق بن منصور الكوسج في مسائله لأحمد وإسحاق (٢٢٣): "قلت: إذا قام من القعدة الأولى يضع يديه على الأرض أو ينهض على صدور قدميه؟ قال: بل ينهض على صدور قدميه ويعتمد على ركبتيه، قال: وفي الركعة الأولى والثالثة ينهض على صدور قدميه. قال إسحاق: ينهض على صدور قدميه ويعتمد بيديه على الأرض، فإن لم يقدر أن يعتمد على يديه وصدور قدميه جلس ثمَّ اعتمد على يديه وقام". وقال عبد الله بن أحمد في مسائله لأبيه (٢٨٦ - ٢٨٨): "سمعت أبي يقول: إن ذهب رجل إلى حديث مالك بن الحويرث فأرجو أن لا يكون به بأس. . ."، إلى أن قال: "وأما حديث ابن عجلان حديث الزرقي فهو خلافه، كأنه ينهض على صدور قدميه"، ثمَّ ذكر حديث رفاعة، ثمَّ ذكر ما روي عن ابن مسعود وغيره من أصحاب النبي ﷺ أنهم كانوا ينهضون على صدور أقدامهم، فقال: "أذهب إلى هذا"، ثمَّ قال عبد الله: "سألت أبي عن رجل إذا قام من الركعة الثالثة والأولى، يستعين بيديه على ركبتيه أم لا؟ فقال: ينهض على صدور قدميه، ولا يعتمد على ركبتيه". وقال حرب الكرماني في مسائله (٢٠٢): "قلت لأحمد: فالرجل ينهض من السجود للقيام، أيضع يديه على ركبتيه؟ قال: نعم،. . .". وقال أيضًا: "وسألت إسحاق بن إبراهيم، قلت: كيف ينهض الرجل من السجود للقيام إذا رفع رأسه من السجدة الثانية؟ قال: إن أمكنه أن يعتمد على يديه وينهض على صدور قدميه فعل، وإن لم يمكنه النهوض على صدور قدميه؛ فإذا رفع رأسه من السجود جلس جلسة خفيفة، ثمَّ اعتمد على الأرض بيديه ثمَّ يقوم. وسمعت إسحاق مرة أخرى، يقول: قد مضت السُّنَّة من النبي ﷺ إذا رفع رأسه في

стр. 4330

الركعة الأولى من السجدة الثانية أن يستوي ثمَّ يعتمد على يديه ويقوم، شيخًا كان أو شابًا، هذه سُنَّة الصلاة، الاعتماد على اليدين إذا قام. قال إسحاق: وربما كان الرجل ناهضًا على صدور قدميه ومعتمدًا على يديه، إذا رفع رأسه من السجدة رجع إلى الجلسة كأنه في أرجوحة، ثمَّ يعتمد على الأرض بيده ثمَّ يقوم، وقد استوى على الأرض بصدور قدميه". وقد ذكر حرب في مسائله (٢٠٣ - ٢٠٦) القول بالاعتماد على اليدين عند النهوض من السجود عن جماعة من التابعين، ونقله بإسناد شامي رجاله ثقات عن أبي ريحانة صاحب رسول الله ﷺ ، لكنه منقطع [انظر: التاريخ الكبير (٢/ ٣٥٥)، العلل المتناهية (٢/ ٧٧٦/ ١٢٩٥)]. وقال ابن قدامة في المغني (١/ ٣١١): "والرواية الثانية [يعني: عن أحمد] أنَّه يجلس، اختارها الخلال، وهو أحد قولي الشافعي، قال الخلال: رجع أبو عبد الله إلى هذا؛ يعني: ترَكَ قوله: يترك الجلوس". وقال ابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٩٤): "اختلف أهل العلم فيما يفعله المرء عند رفع الرأس من السجدة الآخرة من الركعة الأولى، والركعة الثالثة من الصلاة، فقالت طائفة: ينهض على صدور قدميه ولا يجلس. روي ذلك عن عبد الله بن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وقال النعمان بن أبي عياش: أدركت غير واحد من أصحاب النبي ﷺ فكان إذا رفع رأسه من السجدة في أول ركعة والثالثة، قام كما هو ولم يجلس،. . .". إلى أن قال: "وهذا قول سفيان الثوري، ومالك، وأصحاب الرأي، وممن روينا عنه أنَّه كان ينهض على صدور قدميه: عمر، وعلي، وابن الزبير، وأبو سعيد الخدري، وبه قال أحمد وإسحاق، وفعل ذلك أحمد، واحتج بحديث يحيى القطان عن ابن عجلان، وبما روي عن أصحاب النبي ﷺ أنهم كانوا ينهضون على صدور أقدامهم، وقال: عامة الأحاديث على ذلك، وذكر عمر، وعليًّا، وعبد الله، وحديث ابن عجلان، فذُكر له حديث مالك بن الحويرث، فقال: قد عرفته، ذاك أكثر". قال ابن المنذر: "حديث ابن عجلان الذي احتج به رواه يحيى القطان، عن ابن عجلان، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمه، عن النبي ﷺ قال: "ثمَّ اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثمَّ قم". وقالت طائفة: يقعد، فإذا استوى قاعدًا قام فاعتمد على الأرض، هذا قول الشافعي، واحتج بحديث مالك بن الحويرث". وقال ابن بطال في شرح البخاري (٢/ ٤٣٧): "ذهب جمهور العلماء إلى ترك الأخذ بهذا الحديث، وقالوا: إذا رفع رأسه من السجدة الآخرة من الركعة الأولى والركعة الثالثة ينهض على صدور قدميه، ولا يجلس".

стр. 4331

وقال ابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ٢٥٦): "قال أصحاب الشافعي: فحديث ابن الحويرث أولى ما قيل به في هذه المسألة؛ لأنَّ فيه زيادة سكت عنها غيره، فوجب قبولها، واختلف الفقهاء في الاعتماد على اليدين عند النهوض إلى القيام، فقال مالك والشافعيُّ وأبو حنيفة وأصحابهم: يعتمد على يديه إذا أراد القيام، وروي عن ابن عمر أنَّه كان يعتمد على يديه إذا أراد القيام، وكذلك روي عن مكحول وعمر بن عبد العزيز وجماعة من التابعين،. . .، وقال الثوري: لا يعتمد على يديه إلا أن يكون شيخًا كبيرًا، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب، وهو قول إبراهيم النخعي، وقال الأثرم: رأيت أحمد بن حنبل إذا نهض يعتمد على فخذيه". قال النوويّ في المجموع (٣/ ٤٠٧): "والجواب عن أحاديثهم: أنها كلها ليس فيها شيء صحيح؛ إلا الأثر الموقوف على ابن مسعود، ولا تترك السُّنَّة الثابتة عن رسول الله ﷺ بقول غيره". وقال ابن عثيمين: "الذي يظهر من حال النبي ﷺ أنَّه كان يجلس لأنه كبر وأخذه اللحم، فكان لا يستطيع النهوض من السجود إلى القيام مرة واحدة، فكان يجلس ثمَّ إذا أراد أن ينهض ويقوم اعتمد على يديه؛ ليكون ذلك أسهل له، هذا هو الظاهر من حال النبي ﷺ ، ولهذا كان القول الراجح في هذه الجلسة - أعني: الجلسة التي يسميها العلماء جلسة الاستراحة - أنَّه إن احتاج إليها لكبر، أو ثقل، أو مرض، أو ألم في ركبتيه أو ما أشبه ذلك فليجلس، ثمَّ إذا احتاج أن يعتمد عند القيام على يديه فليعتمد على أي صفة كانت، سواء اعتمد على ظهور الأصابع؛ أي: جميع أصابعه، أو على راحته، أو غير ذلك، المهم أنَّه إذا احتاج إلى الاعتماد فليعتمد، وإن لم يحتج فلا يعتمد" [مجموع الفتاوى والرسائل (١٣/ ١٨٢)، وانظر: الشرح الممتع (٣/ ١٣٤)]. قلت: مالك بن الحويرث هو راوي حديث: "صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي"، وفي أوله قال: أتينا رسول الله ﷺ ونحن شَبَبَةٌ متقاربون [تقدم تخريجه برقم (٥٨٩)]، فلو كانوا غير مأمورين بالتأسي به في هذه الجلسة، وفي كيفية النهوض، لكونهم كانوا شبابًا؛ لما آخر النبي ﷺ البيان عن وقت الحاجة، ولما قال لهم قولًا عامًا: "صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي"، ولأخبرهم بأنّه إنما فعل ذلك لكبر سنه ﷺ ، كما فعل ذلك في موضع آخر، كما في حديث معاوية بن أبي سفيان، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تبادروني بركوع، ولا بسجود، فإنَّه مهما أسبقْكم به إذا ركعتُ تدركوني به إذا رفعتُ، إني قد بدَّنْت" [تقدم برقم (٦١٩)، وهو حديث صحيح]، فلما لم يقع ذلك من النبي ﷺ تأسى به مالك في هاتين الصفتين من صفات الصلاة، والله أعلم. وبهذا المعنى قال ابن حجر في الدراية (١/ ١٤٧): "قوله: وهو محمول على حال الكبر؛ تأويل يحتاج إلى دليل، فقد قال النبي ﷺ لمالك بن الحويرث لما أراد أن يفارقه: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ولم يفصِّل له، فالحديث حجة في الاقتداء به في ذلك".

стр. 4332

وقال في الفتح (٢/ ٣٠٢): "بأن الأصل عدم العلة، وبأن مالك بن الحويرث هو راوي حديث: "صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي"، فحكايته لصفات صلاة رسول الله ﷺ داخلة تحت هذا الأمر". وقال في تعقُّب من قال بأنها لو كانت مقصودة لشرع لها ذكر مخصوص: "فإنها جلسة خفيفة جدًّا استغني فيها بالتكبير المشروع للقيام، فإنها من جملة النهوض إلى القيام". وممن قال بعدم سُنِّيتها أيضًا: ابن القيم حيث قال في الزاد (١/ ٢٤١): "ولو كان هديه ﷺ فعلها دائمًا لذكرها كل من وصف صلاته ﷺ ، ومجرد فعله ﷺ لها لا يدلّ على أنها من سنن الصلاة". فتعقبه ابن حجر في الفتح (٢/ ٣٠٢) بقوله: "فيه نظر؛ فإن السنن المتفق عليها لم يستوعبها كل واحد ممن وصف، وإنما أخذ مجموعها عن مجموعهم". وانظر: البيان للعمراني (٢/ ٢٢٦)، إحكام الأحكام لابن دقيق العيد (١/ ٢٤٩)، زاد المعاد (١/ ٢٤٠)، الفتح لابن رجب (٥/ ١٣٨ - ١٤٨)، وغيرها. *** ١٤٣ - باب الإقعاء بين السجدتين ٨٤٥ - . . . ابن جريج: أخبرني أبو الزبير، أنَّه سمع طاوسًا، يقول: قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين في السجود، فقال: هي السُّنَّة، قال: قلنا: إنا لنراه جفاء بالرَّجُل، فقال ابن عباس: هي سُنَّة نبيك ﷺ . • حديث صحيح. أخرجه مسلم (٥٣٦)، وأبو عوانة (١/ ٥٠٦/ ١٨٩٢ و ١٨٩٣)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ١٣٧/ ١١٨٢)، والترمذي (٢٨٣)، وقال: "حسن صحيح"، وابن خزيمة (١/ ٣٣٨ - ٣٣٩/ ٦٨٠)، وابن حبَّان في الصلاة (٧/ ٢٥١/ ٧٧٦٤ - إتحاف المهرة)، والحاكم (١/ ٢٧٢)، وقال: "على شرط مسلم"، وهو فيه، وأحمد (١/ ٣١٣)، وإسحاق (٨١٣)، وعبد الرزاق (٢/ ١٩٢/ ٣٠٣٥)، والبزار (١١/ ١١٩/ ٤٨٤١)، وأبو العباس السراج في حديثه بانتقاء الشحامي (٩٣٨)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٩١/ ١٤٨٥)، والطبراني في الكبير (١١/ ٤٧/ ١٠٩٩٨)، وأبو الشيخ في أحاديث أبي الزبير عن غير جابر (١٠٩ - ١١١)، والبيهقيُّ في السنن (٢/ ١١٩)، وفي المعرفة (٢/ ١٨/ ٨٦٢)، وابن عبد البر في التمهيد (١٦/ ٢٧٦). هكذا رواه عن ابن جريج جماعة من الثقات فيهم أثبت أصحابه: حجاج بن محمَّد المصيصي، وعبد الرزاق بن همام، ومحمد بن بكر البرساني، ومخلد بن يزيد القرشي، وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد.

стр. 4333

قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا الحديث من أصحاب النبي ﷺ ، لا يرون بالإقعاء بأسًا، وهو قول بعض أهل مكة من أهل الفقه والعلم. قال: وأكثر أهل العلم يكرهون الإقعاء بين السجدتين". • تابع ابن جريج عليه: ابن لهيعة [ضعيف]، عن أبي الزبير، عن طاوس، قال: رأيت ابن عباس يجثو على صدور قدميه، فقلت: هذا يزعم الناس أنَّه من الجفاء، قال: هو سُنَّة نبيِّك ﷺ . ولفظ عبد الله بن يزيد المقرئ عن ابن لهيعة: رأيت عبد الله بن عباس يستوي على أطراف أصابعه في الصلاة بين كل سجدتين من كل ركعة، فسألته عن ذلك؟ فقال: هي السُّنَّة، فقلت: يا أبا عباس قد كنا نقول: إن ذلك من الجفاء، قال: بل هي السُّنَّة. أخرجه أحمد (١/ ٣١٣)، والدولابي في الكنى (١/ ٢٥٣/ ٤٤٩). • ورواه زكريا بن إسحاق، عن عبد الكريم؛ أنَّه سمع طاوسًا يقول: كان ابن عباس يقول: إن من السُّنَّة أن يضع أليتيه على عقبيه بين السجدتين؛ يعني: الإقعاء. أخرجه البزار (١١/ ١٢٠/ ٤٨٤٢). قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلم أحدًا يحدث به عن عبد الكريم إلا زكريا بن إسحاق، وهو ثقة مكي". قلت: عبد الكريم هذا الأقرب عندي أنَّه ابن أبي المخارق، كما وقع في الموضح (٢/ ٢٧١) رواية زكريا بن إسحاق عنه، وابن أبي المخارق أشهر بالرواية عن طاوس من عبد الكريم بن مالك الجزري. وعبد الكريم بن أبي المخارق، أبو أمية البصري: مجمع على ضعفه، وقال النسائي والدارقطني: متروك، وقال أحمد في رواية ابنه عبد الله: "ضعيف"، وفي رواية أبي طالب: "ليس هو بشيء، شبه المتروك" [التهذيب (٢/ ٦٠٣)، الميزان (٢/ ٦٤٦)، الجرح والتعديل (٦/ ٦٠)]. • وروى معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه؛ أنَّه رأى ابن عمر وابن الزبير وابن عباس يقعون بين السجدتين. أخرجه عبد الرزاق (٢/ ١٩١/ ٣٠٢٩)، ومن طريقه: ابن المنذر (٣/ ١٩٢/ ١٤٨٦). وهذا موقوف على العبادلة الثلاثة بإسناد صحيح. • وروى ابن عيينة، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، قال: سمعت ابن عباس يقول: من السُّنَّة أن يمس عقبك أليتيك، قال: قال طاووس: ورأيت العبادلة يقعون؛ ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير. أخرجه عبد الرزاق (٢/ ١٩١/ ٣٠٣٣)، ومن طريقه: ابن المنذر (٣/ ١٩٢/ ١٤٨٧).

стр. 4334

وهذا إسناد صحيح، على شرط الشيخين. • ورواه ليث بن أبي سليم [ضعيف؛ لاختلاطه وعدم تميز حديثه]، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: من السُّنَّة أن يمس عقبك أليتيك في الصلاة بين السجدتين. أخرجه عبد الرزاق (٢/ ١٩١/ ٣٠٣٠)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٥٥/ ٢٩٤٠)، والبيهقيُّ في السنن (٢/ ١١٩). • ورواه عمرو بن حوشب [هو عمر بن حوشب الصنعاني: ليس بالمشهور. التاريخ الكبير (٦/ ١٥١)، الجرح والتعديل (٦/ ١٠٥)، الثقات (٨/ ٤٣٩)، بيان الوهم (٥/ ١٠٤/ ٢٣٥٥)، التنقيح (٣/ ٥٥٦/ ٢٢٢٧)، الميزان (٣/ ١٩٢)، التهذيب (٣/ ٢٢٠)]، قال: أخبرني عكرمة؛ أنَّه سمع ابن عباس، يقول: الإقعاء في الصلاة هو السُّنَّة. أخرجه عبد الرزاق (٢/ ١٩١/ ٣٠٣٢). • ورواه ابن إسحاق، قال: حدثني عن انتصاب رسول الله ﷺ على عقبيه وصدور قدميه بين السجدتين إذا صلى؛ عبد الله بن أبي نجيح المكي، عن مجاهد بن جبر أبي الحجاج، قال: سمعت عبد الله بن عباس يذكره، قال: فقلت له: يا أبا العباس والله إن كنا لنعد هذا جفاء ممن صنعه، قال: فقال: إنها لسُنَّة. أخرجه البيهقي (٢/ ١١٩)، بإسناد جيد إلى ابن إسحاق. وهذا إسناد حسن غريب. • وروى الحميدي: ثنا سفيان: ثنا أبو زهير معاوية بن حديج، قال: رأيت طاوسًا يقعي، فقلت: رأيتك تقعي؟ فقال: ما رأيتني أقعي، ولكنها الصلاة، رأيت العبادلة الثلاثة يفعلون ذلك: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير يفعلونه. أخرجه عبد الله بن أحمد في العلل ومعرفة الرجال (٣/ ٤٧٠/ ٦٠١٠) بأوله فقط. ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (٣/ ١٩٨)، والبيهقيُّ (٢/ ١١٩). ورجاله ثقات مشاهير، غير أبي زهير معاوية بن حديج الجعفي، فهو: مجهول الحال [تاريخ ابن معين للدوري (٣/ ٤٤٢/ ٢١٦٨)، الجرح والتعديل (٨/ ٣٨٧)]. • ورواه محمَّد بن أيوب: ثنا مسلم: ثنا هشام: ثنا أبو الزبير، عن مجاهد؛ أن عبد الله بن عمر وابن عباس كانا يقعيان، قال أبو الزبير: وكان طاوس يقعي. أخرجه البيهقي (٢/ ١١٩)، بإسناد صحيح إلى ابن أيوب. وهذا موقوف بإسناد صحيح غريب؛ هشام هو: الدستوائي، ومسلم هو: ابن إبراهيم الفراهيدي، وهما: ثقتان ثبتان، ومحمد هو: ابن أيوب بن يحيى بن الضريس، وهو: ثقة [الجرح والتعديل (٧/ ١٩٨)، الإرشاد (٢/ ٦٨٤)]. • وروي أيضًا عن ابن عباس موقوفًا عليه من طرق أخرى فيها ضعف [عند: ابن أبي شيبة (١/ ٢٥٥/ ٢٩٤٣/ و ٢٩٤٤)، والطحاوي في المشكل (١٥/ ٤٨٣)، والبيهقيُّ (٢/ ١١٩ - ١٢٠)].

стр. 4335

• وقد ثبت الإقعاء عن ابن عمر أيضًا بأسانيد أخرى غير ما تقدم: • فقد روى ابن جريج، قال: أخبرني عطاء؛ أنَّه رأى ابن عمر يفعل في السجدة الأولى من الشفع والوتر خصلتين؛ قال: رأيته يقعي مرةً إقعاءً جاثيًا على أطراف قدميه جميعًا، ومرةً يثني رجله اليسرى فيبسطها جالسًا عليها، واليمنى يقوم عليها يحدبها على أطراف قدميه جميعًا، قال: رأيته يصنع ذلك في السجدة الأولى بين السجدتين، وفي السجدة الثالثة من الوتر، ثمَّ يثبت فيقوم. أخرجه عبد الرزاق (٢/ ١٩٢/ ٣٠٣٤)، ومن طريقه: ابن المنذر (٣/ ١٩٢/ ١٤٨٨). وهذا موقوف بإسناده مكي صحيح، وعطاء هو: ابن أبي رباح. • وروى الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن محمَّد بن عجلان؛ أن أبا الزبير أخبره؛ أنَّه رأى عبد الله بن عمر إذا سجد حين يرفع رأسه من السجدة الأولى يقعد على أطراف أصابعه، ويقول: إنه من السُّنَّة. أخرجه أبو العباس السراج في مسنده (٣٣٧)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٣٢٠/ ٨٧٥٢)، والبيهقيُّ (٢/ ١١٩). قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن أبي الزبير إلا ابن عجلان، ولا رواه عن ابن عجلان إلا سعيد بن أبي هلال، ولا رواه عن سعيد إلا خالد بن يزيد، تفرد به الليث". قلت: فعل ابن عمر ثابت عنه بأسانيد، وأما قوله: إنه من السُّنَّة؛ لم يأت عن ابن عمر إلا بهذا الإسناد؛ وهو غريب جدًّا، وإن كان رجاله كلهم ثقات، وفي النفس منه شيء، لا سيما وقد قال ابن رجب في الفتح (٤/ ٣٦٧): "وسعيد وخالد وإن كانا ثقتين، لكن قال أبو عثمان البرذعي في علله عن أبي زرعة الرازي، أنَّه قال فيهما: ربما وقع في قلبي من حسن حديثهما، قال: وقال أبو حاتم: أخاف أن يكون بعضها مراسيل، عن ابن أبي فروة وابن سمعان؛ يعني: مدلَّسة عنهما" [سؤالات البرذعي (٣٦١)، شرح علل الترمذي (٢/ ٨٦٧)]. • وروى محمَّد بن إسحاق أسباط [كذا]، قال: ثنا بكر، عن عيسى، عن محمَّد، عن نافع، عن ابن عمر؛ أنَّه كان يقعي في الصلاة، وقال لبنيه: لا تقتدوا بي في الإقعاء؛ فإني إنما فعلت هذا حين كبرت. أخرجه ابن المنذر (٣/ ١٩٣/ ١٤٩٠) (٣/ ٣٦٠/ ١٤٨٤ - ط دار الفلاح)، قال: حدثنا محمَّد بن إسحاق أسباط به. قلت: محمَّد الراوي عن نافع: إما أن يكون ابن إسحاق [وهو صدوق]، وإما أن يكون ابن أبي ليلى [وهو سيئ الحفظ جدًّا]، وعيسى هو: ابن يونس، وبكر: فلم أعرفه، إلا أن يكون أبا بكر بن أبي شيبة، وسقط من الإسناد أداة الكنية، وشيخ ابن المنذر قد روى عنه بهذا الإسناد أثرًا آخر (٤/ ٢٢٧/ ٢٠٧٧)، فقال: حدثنا أبو جعفر بن أسباط،

стр. 4336

قال: ثنا بكر، قال: ثنا عيسى، عن محمَّد، عن عطاء، عن عائشة، فاستفدنا منه كنية شيخه، ولم أهتد إليه أيضًا. ولا أظن هذا إسنادًا يثبت. • وروى عمرو بن حوشب [هو عمر بن حوشب الصنعاني: ليس بالمشهور، تقدم ذكره قريبًا]، قال: أخبرني عبد الله بن أبي يزيد؛ أنَّه رأي عمر وابن عمر يقعيان بين السجدتين. أخرجه عبد الرزاق (٢/ ١٩١/ ٣٠٣١). عبد الله بن أبي يزيد المذكور هو: عبيد الله بن أبي يزيد المكي، وهو تابعي ثقة، معروف بالرواية عن ابن عباس وابن عمر، وذكر عمر في هذا الأثر ليس له معنى، فإنَّه لا يُعرف في الإقعاء شيء عن عمر، وسن عبيد الله لا يحتمل إدراك عمر ولا رؤيته، فإنَّه ولد بعد وفاته بأكثر من خمسة عشر عامًا، ويبدو أن الوهم فيه من عمر بن حوشب، حيث قلبه وجعله عن عمر بدل ابن عباس، والله أعلم. • وروي أيضًا عن ابن عمر موقوفًا عليه من طرق أخرى فيها ضعف [عند: ابن أبي شيبة (١/ ٢٥٥/ ٢٩٤٢ - ٢٩٤٤)، والطحاوي في المشكل (١٥/ ٤٨٣)، والبيهقيُّ (٢/ ١١٩ - ١٢٠)]. • وروي الإقعاء بين السجدتين أيضًا من طرق فيها ضعف، من فعل جماعة من الصحابة، مثل: جابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري، وعبد الله بن الزبير [عند: ابن أبي شيبة (١/ ٢٥٥)، والطحاوي في المشكل (١٥/ ٤٨٣)]. • والحاصل: فإن الإقعاء على القدمين بين السجدتين قد ثبت أنَّه من السُّنَّة من حديث ابن عباس، وصح موقوفًا من فعل ابن عباس وابن عمر وابن الزبير، والله أعلم. • فإن قيل: قول ابن عباس في وصف هذا الإقعاء بأنّه سُنَّة، معارض بما ثبت عن ابن عمر بأنّه ليس من سُنَّة الصلاة: فقد روى مالك، عن صدقة بن يسار، عن المغيرة بن حكيم؛ أنَّه رأى عبد الله بن عمر يرجع في سجدتين في الصلاة على صدور قدميه، فلما انصرف ذكر ذلك له؟ فقال: إنها ليست بسُنَّة الصلاة، وإنما أفعل ذلك من أجل أني أشتكي. وهو موقوف بإسناد صحيح، تقدم تخريجه تحت الحديث السابق (٨٤٤). فيقال: المثبت أولى من النافي، لما معه من زيادة علم، وابن عباس لن يخبر بأن هذا الإقعاء هو سُنَّة نبينا ﷺ إلا وقد شاهده يفعله، فكلٌّ قد أخبر بما علم، ومن علم حجة على من لم يعلم. وقد يقال: إنما أراد ابن عمر أن الجلوس بين السجدتين على هذه الهيئة لم تكن عادته ﷺ ، فإن أكثر الأحاديث قد ذكرت أن النبي ﷺ كان يفترش رجله اليسرى وينصِب رجله اليمنى، كما سيأتي بيانه.

стр. 4337

وهكذا كان النبي ﷺ له أحوال في العبادة، فيفعل هذا مرة، وهذا مرة، لبيان الرخصة، ثمَّ يواظب على ما هو الأفضل، قال النوويّ في المجموع (٣/ ٤٠١): "وكان يفعل العبادة على نوعين أو أنواع ليبين الرخصة والجواز بمرة أو مرات قليلة، ويواظب على الأفضل بينهما على أنَّه المختار والأولى". • هذا ما ثبت في الإقعاء المسنون، وأما الإقعاء المنهي عنه، ففيه أحاديث، منها: ١ - حديث عائشة: رواه بُدَيل بن ميسرةَ، عن أبي الجَوزاء، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يفتتح الصلاةَ بالتكبير،. . . فذكر الحديث بطوله، وفيه: وكان إذا جلس يَفرْش رجله اليسرى وينصِب رجله اليمنى، وكان ينهى عن عَقِبِ الشيطان، وعن فِرشَة السَّبُع، وكان يختم الصلاة بالتسليم، ﵇. أخرجه مسلم (٤٩٨)، وتقدم عند أبي داود برقم (٧٨٣). وقد تأوله البيهقي بأنّه محمول على جلسة التشهد، فقال في السنن (٢/ ١٢٠) بعد حكاية كلام أبي عبيد في الإقعاء: "وهذا النوع من الإقعاء غير ما روينا عن ابن عباس وابن عمر، وهذا منهي عنه، وما روينا عن ابن عباس وابن عمر مسنون، وأما حديث أبي الجوزاء عن عائشة عن النبي ﷺ ؛ أنَّه كان ينهى عن عقب الشيطان، وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى، فيحتمل أن يكون واردًا في الجلوس للتشهد الأخير، فلا يكون منافيًا لما روينا عن ابن عباس وابن عمر في الجلوس بين السجدتين، والله أعلم". وتأوله بعضهم أيضًا بذم من لا يغسل عقبيه في الوضوء، كما قاله ابن الأثير في النهاية (٣/ ٢٦٨)، قال: "وقيل: هو أن يترك عقبيه غير مغسولين في الوضوء"، وفي الوعيد على عدم غسل العقبين أحاديث صحيحة كثيرة، راجع الحديث رقم (٩٧). ٢ - حديث أبي هريرة: يرويه ليث بن أبي سليم، ويزيد بن أبي زياد [وهما ضعيفان]: عن مجاهد، عن أبي هريرة، قال: نهاني خليلي أن أُقْعِيَ كإقعاء القرد. لفظ ليث. وفي رواية عن ليث، وعن يزيد بنحوه: أمرني رسول الله ﷺ بثلاث، ونهاني عن ثلاث: أمرني بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن لا أنام إلا على وتر، وركعتي الضحى، ونهاني عن الالتفات في الصلاة التفات الثعلب، وأقعي إقعاء القرد [وفي رواية يزيد: كإقعاء الكلب]، وأنقر نقر الديك [وفي رواية يزيد: عن نقرة كنقرة الديك]. وفي لفظ ليزيد: نهاني رسول الله ﷺ أن أقعي في صلاتي إقعاء الذئب على العقبين. أخرجه أحمد (٢/ ٣١١ و ٤٩٩)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٥٥/ ٢٩٣٢) و (٢/ ١٧٥/ ٧٨١٧)، والطحاوي في المشكل (١٥/ ٤٨٠/ ٦١٧٧)، والدارقطني في العلل (١٠/ ٧٢/ ١٨٧٦)، وفي الأفراد (٢/ ٣٢٩/ ٥٤٦٧ - أطرافه)، والبيهقيُّ (٢/ ١٢٠)، والشجري في الأمالي الخميسية (١/ ٣٤٤).

стр. 4338

• وقد اختلف في هذا الحديث على ليث بن أبي سليم: أ - فرواه جرير بن عبد الحميد، وعلي بن مسهر، وحفص بن غياث [وهم ثقات]، وعلي بن عاصم الواسطي، ويحيى بن محمَّد بن قيس أبو زكير [وهما كثيرا الغلط والوهم، حتى ضعِّفا لذلك]: عن ليث، عن مجاهد، عن أبي هريرة مرفوعًا. ب - ورواه معتمر بن سليمان [ثقة]، والحسن بن صالح [ثقة حافظ]، وغيرهما: عن ليث، عن مجاهد وشهر بن حوشب، عن أبي هريرة، قال: أوصاني خليلي [وصفيي أبو القاسم ﷺ ] بثلاثٍ: أن لا أنام إلا على وتر، وأن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وأن لا أدع ركعتي الضحى. هكذا بدون موضع الشاهد من المنهيات الثلاث. أخرجه أحمد (٢/ ٤٩٧)، والسهمي في تاريخ جرجان (٣٢٣)، والدارقطني في العلل (١٠/ ٧٢/ ١٨٧٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦/ ٣٥٥). ج - ورواه موسى بن أعين [جزري ثقة]، عن ليث بن أبي سليم، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن أبي هريرة، قال: أوصاني خليلي وصفيي ﷺ بثلاثٍ، ونهاني عن ثلاثٍ: أمرني بركعتي الضحى، وأن لا أنام إلا على وتر، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، ونهاني إذا سجدت أن أقعي إقعاء القرد، أو أنقر نقر الغراب، أو ألتفت التفات الثعلب. أخرجه البزار (١٧/ ٨٧/ ٩٦٢٤)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٢٦٦/ ٥٢٧٥). من طريقين عن المعافى بن سليمان قال: حدثنا موسى به. قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن سعيد بن جبير عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه، وقد روي عن أبي هريرة من طرق كثيرة". وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن سعيد بن جبير إلا حبيب بن أبي ثابت، ولا عن حبيب إلا ليث، ولا عن ليث إلا موسى بن أعين، تفرد به: المعافى بن سليمان". • قلت: المعافى بن سليمان الجزري: ثقة، وقد خالفه فيه أحد الغرباء فجعله عن الليث بن سعد، بدل: ابن أبي سليم: فرواه يحيى بن صالح الوحاظي [حمصي صدوق]، قال: حدثنا موسى بن أعين: ثنا الليث بن سعد، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن أبي هريرة، قال: أوصاني خليلي ﷺ بثلاثٍ: ركعتي الضحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وألا أنام إلا على وتر. أخرجه أبو زرعة الدمشقي في الفوائد المعللة (٨٥). قلت: رواية المعافى أولى؛ فإن أهل بلد الرجل أعلم به من الغرباء، والوحاظي قد جوَّد الإسناد فجعله عن ثقة إمام، ولا يُعرف من حديثه.

стр. 4339

• والحاصل: فإن الليث بن أبي سليم قد اضطرب في إسناد هذا الحديث ومتنه، فمرة يجعله عن مجاهد، ومرة يقرن به شهرًا، ومرة يرويه عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير، ومرة يرويه بشقيه، ومرة يسقط ذكر المنهيات، ومرة يقول: نقر الديك، ومرة يقول: نقر الغراب. وليث: موصوف بالاضطراب في الحديث والتخليط فيه، وصفه بذلك جماعة من الأئمة، مثل: جرير، وأحمد، وأبي حاتم، وأبي زرعة، والبزار، وغيرهم [التهذيب (٣/ ٤٨٤) وغيره]. واضطرابه في هذا الحديث وتخليطه فيه دليل على عدم ضبطه له، وأنه لم يكن يقيم إسناده، ولم يتابعه عليه إلا من هو مثله أو دونه. • وقد اختلف فيه أيضًا على يزيد بن أبي زياد: أ - فرواه شريك بن عبد الله النخعي [صدوق، سيئ الحفظ]، وهدبة بن المنهال [شيخ أهوازي. الجرح والتعديل (٩/ ١١٤)، الثقات (٧/ ٥٨٨)، صحيح ابن حبَّان (٩/ ٤٧١/ ٤١٦٣)، وفي الإسناد إليه: زيد بن الحريش الأهوازي نزيل البصرة: فيه جهالة، ذكره ابن حبَّان في الثقات، وقال: "ربما أخطأ"، وقال ابن القطان الفاسي: "مجهول الحال"، الجرح والتعديل (٣/ ٥٦١)، الثقات (٨/ ٢٥١)، بيان الوهم (٣/ ٣٨٣)، تاريخ الإِسلام (١٨/ ٢٧٨)، ذيل الميزان (٣٩٨)، اللسان (٣/ ٥٥٠)، مجمع الزوائد (١٠/ ٢٨١)]: عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن أبي هريرة. ب - ورواه أبو عوانة [ثقة ثبت]، ومحمد بن فضيل [صدوق]: عن يزيد بن أبي زياد، عمن سمع أبا هريرة، يقول: أمرني خليلي ﷺ بثلاث، ونهاني عن ثلاث: أمرني بركعتي الضحى، وصوم ثلاثة أيام من الشهر، والوتر قبل النوم، ونهاني عن ثلاث: عن الالتفات في الصلاة كالتفات الثعلب، وإقعاء كإقعاء القرد، ونقر كنقر الديك. أخرجه الطيالسي (٤/ ٣٢٠/ ٢٧١٦)، وأحمد (٢/ ٢٦٥). ج - ورواه جرير بن عبد الحميد [ثقة]، عن يزيد بن أبي زياد، عن أبي الزبير، عن أبي هريرة، قال: عهد إليَّ رسول الله ﷺ في ثلاثٍ لا أدعهن أبدًا: أن لا أنام إلا على وتر، وفي صلاة الضحى، وفي صيام ثلاثة أيام من كل شهر. أخرجه أبو الشيخ في أحاديث أبي الزبير عن غير جابر (٢٢)، قال: حدثنا إبراهيم بن محمَّد بن علي الرازي: حدثنا أبو سهل موسى بن نصر: حدثنا جرير به. قلت: وهذا غريب من حديث جرير بن عبد الحميد، تفرد به عنه: أبو سهل موسى بن نصر بن دينار الرازي، صاحب جرير، قال ابن حبَّان: "من أهل الري، وكان من عقلائهم، صدوق في الحديث، يروى عن جرير بن عبد الحميد" [الثقات (٩/ ١٦٣)، تاريخ الإِسلام (٢٠/ ١٩٣)، طبقات الحنفية (٢/ ١٨٨)، اللسان (٨/ ٢٢٧)]، ولا رواه عنه سوى إبراهيم بن

стр. 4340

محمَّد بن علي الرازي، وهو شيخ لأبي محمَّد عبد الله بن محمَّد بن جعفر بن حيان المعروف بأبي الشيخ، لم أقف له على ترجمة، ولا أظنه: إبراهيم بن محمَّد بن علي بن بطحاء بن علي التميمي أبا إسحاق المحتسب البغدادي [ثقة. سنن الدارقطني (٢/ ١٧٥)، تاريخ بغداد (٦/ ١٦٤)، المنتظم (١٣/ ٣٠٧)، تاريخ الإِسلام (٢٥/ ٧٣)]، الذي روى عنه الدارقطني وطبقته، فإنَّه بغدادي، لم يذكروا أنَّه من أهل الري، أو أنَّه انتقل إليها، ولم يشترك مع شيخ أبي الشيخ في شيوخه، كما أن المحتسب هذا ولد سنة (٢٥٠)، وكانت وفاة موسى بن نصر سنة (٢٦٣)، فلم يدرك من حياته سوى (١٣) عامًا، وعليه فإن سماعه منه مستبعد، والله أعلم. ولو كان هذا الطريق محفوظًا من حديث جرير لكان دليلًا أقوى على اضطراب يزيد بن أبي زياد في إسناده، لكن يغلب على ظني أن يزيد بن أبي زياد كان مرة يرويه عمن سمع أبا هريرة هكذا مبهمًا، وهو الأرجح؛ لأنها رواية الأحفظ، وأحيانًا يصرح بأنّه مجاهد، وأخشى ألا يكون محفوظًا عن يزيد لسوء حفظ راويها، ولأنها الجادة، وإن كان لا يستبعد وقوع ذلك من يزيد نفسه، فإن يزيد بن أبي زياد الهاشمي مولاهم، الكوفي: ضعيف، كان يقبل التلقين، قال البرديجي: "روى عن مجاهد، وفي سماعه منه نظر، وليس هو بالقوي" [انظر: التهذيب (٤/ ٤١٣)، الميزان (٤/ ٤٢٣)، وغيرهما]. فهل يقال بعد ذلك بأن ابن أبي زياد تابع ليثًا عليه، وقد اضطربا في إسناده ومتنه. • وأما حديث شهر، فقد رواه أعلم الناس به بأوله فقط دون آخره موضع الشاهد: رواه عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة ﵁[وفي رواية: قال: سمعت أبا هريرة]، قال: أوصاني خليلي بثلاث: الوتر قبل النوم، وركعتي الضحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر. أخرجه إسحاق بن راهويه (١/ ١٩٦/ ١٤٩)، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول (٥/ ٤٧٣/ ١٢٩٦)، والبزار (١٧/ ١٧٠/ ٩٧٩٢)، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (٣٤٢٢). قال البزار: "وحديث شهر عن أبي هريرة: رواه غير واحد عن شهر". قلت: تكفينا رواية عبد الحميد بن بهرام عنه، فإنَّه أثبت الناس فيه، وله طرق أخرى فيها ضعف عند: الطبراني في الأوسط (٣/ ١٨٢/ ٢٨٦٣)، وأبي الشيخ في طبقات المحدثين (٣/ ٣٤٢)، وأبي نعيم في مسند أبي حنيفة (٢٣٠). وهذا إسناد حسن؛ وهو حديث صحيح، مروي من طرق كثيرة جدًّا عن أبي هريرة بدون ذكر المنهيات الثلاث، والتي فيها موضع الشاهد. • وعليه: فإن الحديث بهذه الزيادة في المنهيات الثلاث: لا يثبت عن مجاهد عن أبي هريرة، بل هو حديث منكر مضطرب، وقد رواه عن أبي هريرة جماعة من التابعين بدون هذه الزيادة فيه، والله أعلم.

стр. 4341

• وروى محمَّد بن عبيد الله [هو العرزمي: متروك]، عن عطاء، عن أبي هريرة، قال: نهاني خليلي عن ثلاث، وأمرني بثلاث: نهاني أن أنقر نقر الديك، وأن ألتفت التفات الثعلب، أو أقعي إقعاء السبع، وأمرني بالوتر قبل النوم، وصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى. أخرجه أبو يعلى (٥/ ٣٠/ ٢٦١٩). وشيخ أبي يعلى: بشر بن الوليد الكندي الفقيه [وهو صدوق، لكنه خرف، وصار لا يعقل ما يحدث به. تاريخ بغداد (٧/ ٨٠)، اللسان (٢/ ٣١٦)]. وهذا منكر بهذه الزيادة عن عطاء. • وأولى من هذا ما رواه: أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا عبد الملك بن ميسرة [لم يرو عنه سوى الطيالسي، وذكره ابن حبَّان في الثقات. الثقات (٧/ ١٠٨)، التهذيب (٢/ ٦٢٧)]، عن عطاء، عن أبي هريرة، قال: أوصاني خليلي بثلاثٍ لا أدعُهنَّ إن شاء الله: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن لا أنام إلا على وتر. رواه الخطيب في المتفق والمفترق (٣/ ١٥٢١/ ٩٤٦ و ٩٤٧). • ورواه مؤمل بن إسماعيل: حدثنا حماد بن سلمة: حدثنا قيس بن سعد، عن عطاء، عن أبي هريرة، قال: أوصاني خليلي ﷺ بثلاثٍ: الوتر قبل النوم، وصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى. أخرجه أبو يعلى في المسند (١١/ ٢٥٢/ ٦٣٦٩)، وفي المعجم (٥٥). عن شيخه أبي جعفر محمَّد بن الخطّاب [ذكره ابن حبَّان في الثقات (٩/ ١٣٩)، وأخرج له في صحيحه، وذكر الدارقطني له وهمًا في علله (١٥/ ١٣٦/ ٣٨٩٤)]، قال: حدثنا مؤمل به. وقد تكلم الحفاظ في رواية حماد عن قيس بن سعد، قال أحمد: "ضاع كتاب حماد بن سلمة عن قيس بن سعد؛ فكان يحدثهم من حفظه"؛ يعني: فيخطئ [العلل ومعرفة الرجال (٣/ ١٢٧/ ٤٥٤٤)، ضعفاء العقيلي (١/ ٢١)، الكامل (٢/ ٢٥٣ - ٢٥٤)، سؤالات أبي داود (٢١٧)، المعرفة والتاريخ (٢/ ٩٢)، ذكره عن ابن المديني. شرح علل الترمذي (٢/ ٧٨٢)]، وقال يحيى بن سعيد القطان: "حماد بن سلمة عن زياد الأعلم وقيس بن سعد: ليس بذاك" [الكامل (٢/ ٢٥٦)، شرح العلل (٢/ ٧٨٣)]. ومؤمَّل بن إسماعيل: صدوق، كثير الغلط، كان سيئ الحفظ. • والمحفوظ في هذا عن عطاء بن أبي رباح ما رواه عنه أثبت أصحابه: فقد روى ابن جريج، قال: أخبرني عطاء؛ أن أبا هريرة قال: ثلاث لا أدعُهنَّ حتى ألقى أبا القاسم: أن أبيت كل ليلة على وتر، وأن أصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وصلاة الضحى. أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ١٥)، وعبد الرزاق (٣/ ٧٤/ ٤٨٤٩) و (٤/ ٣٠٠/ ٧٨٧٦).

стр. 4342

وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، فقد اتفقا على إخراج حديث أبي هريرة: في كل صلاة قراءة، فما أسمعنا رسول الله ﷺ أسمعناكم،. . . الحديث، بهذه الترجمة [انظر الحديث المتقدم برقم (٧٩٧)]، وانفرد كل منهما ببعض التراجم عن عطاء عن أبي هريرة. [انظر: تحفة الأشراف (١٠/ ٦٣ - ٧٣ - ط دار الغرب)]. ومع ذلك فإن البخاري لما أخرج هذا الحديث في التاريخ الكبير (٤/ ١٥) قال: "ولم يسمع منه"، فلعله أراد: أن عطاء لم يذكر في هذا الحديث سماعًا من أبي هريرة، أو أراد: أن عطاء لم يسمع هذا الحديث من أبي هريرة، فلعله اعتمد في ذلك على ما رواه الأثرم عن أحمد قوله: "ورواية عطاء عن عائشة لا يحتج بها؛ إلا أن يقول: سمعت" [التهذيب (٣/ ١٠٣)]، فالله أعلم. • وقد روي بإسناد آخر عن عطاء، لكنه ساقط، مسلسل بالضعفاء والمتروكين [عند: تمام في الفوائد (١٢٨٠)]. • هذا ما وقفت عليه من طرق هذا الحديث في المنهيات الثلاث، وكما رأيت فإنَّه حديث منكر، ومما يؤكد نكارته أن جماعة من التابعين قد رووه عن أبي هريرة بحديث: أوصاني خليلي بثلاث، دون شقه الثاني في المنهيات، ومنها الإقعاء الذي هو موضع الشاهد. • وحديث: أوصاني خليلي بثلاث: حديث صحيح متفق على صحته، مروي من طرق كثيرة جدًّا، منها: أ - ما رواه عباس بن فروخ الجريري، وأبو التياح يزيد بن حميد، وأبو شمر الضبعي: عن أبي عثمان النهدي، عن أبي هريرة، قال: أوصاني خليلي بثلاثٍ: بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أرقد [وفي رواية: أنام]، لفظ أبي التياح. ولفظ الجريري والضبعي: أوصاني خليلي بثلاثٍ [وفي رواية: لا أدعُهنَّ حتى أموت]: النوم على وتر [وفي رواية: الوتر قبل النوم"، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى. أخرجه البخاري في الصحيح (١١٧٨ و ١٩٨١)، وفي التاريخ الكبير (٤/ ١٥ - ١٦)، ومسلم (٧٢١)، وأبو عوانة (٢/ ٩/ ٢١٢٢ و ٢١٢٣) و (٢/ ٢٣٠/ ٢٩٥٤)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ٣١٦/ ١٦٢٨ - ١٦٣٠)، والنسائيُّ في المجتبى (٣/ ٢٢٩/ ١٦٧٧ و ١٦٧٨)، وفي الكبرى (١/ ٢٦٤/ ٤٧٨) و (٢/ ١٥١/ ١٣٩٠ و ١٣٩١)، وفي الرابع من الإغراب (١٩٤)، والدارميُّ (١/ ٤٠٢/ ١٤٥٤) و (٢/ ٣١/ ١٧٤٦)، وابن خزيمة (٣/ ٣٠٠/ ٢١٢٣)، وابن حبَّان (٦/ ٢٧٧/ ٢٥٣٦)، وأحمد (٢/ ٤٥٩)، وإسحاق بن راهويه (١/ ١٠٠/ ١١)، والطيالسي (٤/ ١٤٥/ ٢٥١٤)، والبزار (١٧/ ١٦ و ١٧/ ٩٥٢٣ و ٩٥٢٤)، وابن

стр. 4343

نصر المروزي في صلاة الوتر (٣٤ - مختصره)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٢٣٧/ ٢٧٧٣)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٢٠٠/ ٣٩٧٢)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٨٥)، وابن بشران في الأمالي (١٥٠٧)، والبيهقيُّ في السنن (٣/ ٣٦) و (٤/ ٢٩٣)، وفي الشعب (٣/ ٣٨٧/ ٣٨٤٣)، وفي فضائل الأوقات (٢٩٣)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٢/ ١٥٣)، والبغويُّ في شرح السُّنَّة (٤/ ٩٠/ ٩٦٨). هكذا رواه شعبة عن عباس الجريري وأبي شمر الضبعي. وهكذا رواه عن شعبة عن عباس الجريري: أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، وأبو داود الطيالسي، ومسلم بن إبراهيم الفراهيدي، وسليمان بن حرب، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وغندر محمَّد بن جعفر [وعنه: أحمد بن حنبل، ومحمد بن المثنى، وبندار محمَّد بن بشار]. ووقع عند النسائي في المجتبى (١٦٧٨) من رواية بندار عن غندر به؛ إلا أنَّه قال فيه: وركعتي الفجر، بدل: وركعتي الضحى، وهو خطأ؛ لا أدري ممن هو، والأغلب عندي أنَّه من النساخ، فقد وقعت نفس هذه الرواية بنفس الإسناد عند النسائي في الكبرى (١٣٩١) مثل رواية الناس، وهي بنفس هذا الإسناد عند مسلم، ولم ينبه على اختلاف فيه، بل قال: مثله. وانظر في المناكير: مسند الحارث بن أبي أسامة (٢١١ - زوائده)، فوائد الخلدي (١٤). ب - ورواه عبد العزيز بن المختار، قال: حدثنا عبد الله بن فيروز الداناج، عن أبي رافع [وفي رواية: حدثني أبو رافع الصائغ، قال: سمعت أبا هريرة]، عن أبي هريرة، قال: أوصاني خليلي [أبو القاسم] بثلاثٍ: صوم ثلاثة أيام من الشهر، والوتر قبل النوم، وركعتي الضحى. أخرجه مسلم (٧٢١)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ٣١٦/ ١٦٣١)، وأحمد (٢/ ٣٩٢)، والطيالسي (٤/ ١٩٥/ ٢٥٦٩)، وأبو العباس السراج في حديثه بانتقاء الشحامي (٢٣٢٠)، والبيهقيُّ (٣/ ٤٧). ج - ورواه سماك بن حرب، عن أبي الربيع، عن أبي هريرة، قال: أوصاني خليلي؛ أن لا أنام إلا على وتر، وصلاة الضحى، وصوم ثلاثة أيام من الشهر. رواه عن سماك جماعة، وهذا لفظ أبي عوانة، ولفظ إسرائيل: عهد إليَّ رسولُ الله ﷺ في ثلاثٍ لا أدعُهنَّ أبدًا: أن لا أنام إلا على وترٍ، وصلاة الضحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر. أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ١٥)، والترمذي (٧٦٠)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٣/ ٤١٧/ ٧٠٦)، وأحمد (٢/ ٢٧٧)، والطيالسي (٤/ ١٤٩/ ٢٥١٨)، وعبد الرزاق (٣/ ٧٤/ ٤٨٥١)، والبزار (١٧/ ١١٧/ ٩٦٩٢).

стр. 4344

وهذا إسناد صحيح، أبو الربيع المدني، سمع أبا هريرة: قال أبو حاتم: "صالح الحديث"، وهو يقولها في جماعة من الثقات، وذكره ابن حبَّان في الثقات "التهذيب (٤/ ٥٢١)، كنى البخاري (٣٠)، الجرح والتعديل (٩/ ٣٧٠)، الثقات (٥/ ٥٨٢)]. د - ورواه عبد الواحد بن واصل أبو عبيدة الحداد، عن خلف بن مهران، قال: سمعت عبد الرحمن بن الأصم، قال: قال أبو هريرة: أوصاني خليلي بثلاثٍ: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، ولا أنام إلا على وتر. أخرجه أحمد (٢/ ٢٥٨) (٣/ ١٥٨٠/ ٧٦٢٨ - ط المكنز). وهذا إسناد رجاله ثقات؛ ولا يُعرف لعبد الرحمن بن الأصم سماع من أبي هريرة، وتصريحه بالسماع منه عند أحمد في المسند (٢/ ٣٦٣) لا يصح. والحديث صحيح، لتعدد طرقه عن أبي هريرة. هـ - ورواه عبد الله بن يزيد المقرئ، وعبد الله بن وهب: ثنا حيوة بن شريح: حدثني أبو عَقيل زُهرة بن معبد، عن أبيه معبد بن عبد الله بن هشام، أنَّه سمع أبا هريرة يقول: أوصاني خليلي بثلاثٍ لا أدعُهنَّ حتى أموت: أوصاني بركعتي الضحى، وبصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن لا أنام إلا على وتر. أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ١٥)، وأحمد (٢/ ٥٢٦)، وإسحاق بن راهويه (١/ ٤١٦/ ٤٦٩)، وأبو العباس السراج في حديثه بانتقاء الشحامي (٢٣١٧)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (٢/ ١٦٤). وهذا إسناد متصل؛ رجاله ثقات رجال البخاري، عدا التابعي فإنَّه لم يرو عنه غير ابنه زهرة، وذكره ابن حبَّان في الثقات [التهذيب (٤/ ١١٥)]، ومثل هذا مما يحتمل في المتابعات، فقد روى هنا ما وافق الثقات، فصح حديثه. و - ورواه محمَّد بن كثير، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: أوصاني خليلي بثلاث: بصوم ثلاثة أيام من كل شهر، ولا أنام إلا على الوتر، وركعتي الضحى. أخرجه ابن خزيمة (٢/ ٢٢٧/ ١٢٢٢)، والبزار (١٥/ ١٩٨/ ٨٥٩٠). وهذا إسناد حسن غريب؛ فإن محمَّد بن كثير بن أبي عطاء الثقفي الصنعاني: صاحب الأوزاعي إلا أنَّه لم يكن يفهم الحديث، وهو صدوق كثير الغلط، وهو ضعيف في معمر خاصة [تقدمت ترجمته تحت الحديث رقم (٢٣٦)]، فلا أدري حفظه أم لا؟ والإسناد من لدن الأوزاعي فمن فوقه على شرط الشيخين. وانظر فيمن وهم فيه على يحيى بن أبي كثير: حديث أبي الفضل الزهري (٥١١). ز - ورواه الحسين بن مهدي: نا محمَّد بن يوسف [هو: الفريابي]: نا يحيى بن أيوب، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، قال: أوصاني خليلي بثلاث:. . . فذكره. أخرجه البزار (١٧/ ١٧٠/ ٩٧٩١).

стр. 4345

وهذا إسناد لا بأس به، ويحيى بن أيوب هو: حفيد أبي زرعة البجلي. وانظر: المعجم الأوسط للطبراني (٣/ ١٣٣/ ٢٧٠٨)، شعب الإيمان للبيهقي (٣/ ١٢٢/ ٣٠٦٩). ح - ورواه عبيد الله بن موسى: نا إسرائيل، عن عبد الله بن المختار، عن الحسن ومحمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: أوصاني خليلي بثلاث لا أَدَعُهنَّ: الوتر قبل النوم، والغسل يوم الجمعة، وصيام ثلاثة أيام من الشهر. أخرجه البزار (١٧/ ٢٨٠/ ٩٩٨٧)، والدارقطني في الأفراد (٢/ ٢٦٨/ ٥٠٦٠ - أطرافه). قال البزار بعد روى ثلاثة أحاديث بهذا الإسناد: "ولا نعلم روى هذه الأحاديث عن عبد الله بن المختار عن محمَّد عن أبي هريرة؛ إلا إسرائيل". وقال الدارقطني: "تفرد به إسرائيل عن عبد الله بن المختار عن الحسن". قلت: إسناده حسن غريب؛ وهو شاذ بذكر غسل الجمعة، بدل: ركعتي الضحى، والحسن البصري: لم يسمع من أبي هريرة، ويأتي تخريج طريقه في موضعه من السنن برقم (١٤٣٢) إن شاء الله تعالى. • ورواه عزرة بن ثابت [ثقة]، عن مطر الوراق [صدوق كثير الخطأ]، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: أوصاني خليلي ﷺ بثلاثٍ: الوتر قبل النوم، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، والغسل يوم الجمعة. أخرجه ابن جميع الصيداوي في معجمه (٢٦٧)، ومن طريقه: ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٢/ ٧)، والذهبي في السير (١٥/ ٣٧٠)، وفي التذكرة (٣/ ٩١٨ - ٩١٩). بإسناد لا بأس به إلى بشر بن عقار عن عزرة، ورسم: بشر بن عباد، ورسم: بشر بن عفان؛ فإن كان هو بشر بن عباد الراوي عن حاتم بن إسماعيل، فهو: مجهول [اللسان (٢/ ٢٩٧)]، وإن كان بشر بن عقار أو بشر بن عفان؛ فلم أقف لهما على ترجمة، وإن كان بشر بن عمار القهستاني، فهو: صدوق [التقريب (٩٨)]، ولا أظنه هو. قال ابن عساكر: "ولا أُراه محفوظًا". وقال الذهبي: "هذا حديث غريب". وقال الدارقطني في العلل بعد ذكره لطريق عزرة (١٠/ ٧٢/ ١٨٧٦): "وله أصل عن ابن سيرين، رواه عنه عبد الله بن المختار وعبد الله بن عون وعوف الأعرابي وهشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، ويشبه أن يكون محفوظًا، والله أعلم". • قلت: أما رواية ابن عون عن ابن سيرين: فإنها لا تصح؛ لأنها من رواية بكار بن محمَّد بن عبد الله بن محمَّد بن سيرين، وهو ذاهب الحديث، يروي عن ابن عون ما ليس من حديثه [اللسان (٢/ ٣٣٢)]. أخرجه يعقوب بن سفيان في مشيخته (٦١)، والبزار (١٧/ ٢٤٨/ ٩٩٢٩)، والطبراني
следующие страницы →