Полный текст (16 465 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.
стр. 4341
• وروى محمَّد بن عبيد الله [هو العرزمي: متروك]، عن عطاء، عن أبي هريرة، قال: نهاني خليلي عن ثلاث، وأمرني بثلاث: نهاني أن أنقر نقر الديك، وأن ألتفت التفات الثعلب، أو أقعي إقعاء السبع، وأمرني بالوتر قبل النوم، وصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى.
أخرجه أبو يعلى (٥/ ٣٠/ ٢٦١٩).
وشيخ أبي يعلى: بشر بن الوليد الكندي الفقيه [وهو صدوق، لكنه خرف، وصار لا يعقل ما يحدث به. تاريخ بغداد (٧/ ٨٠)، اللسان (٢/ ٣١٦)].
وهذا منكر بهذه الزيادة عن عطاء.
• وأولى من هذا ما رواه: أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا عبد الملك بن ميسرة [لم يرو عنه سوى الطيالسي، وذكره ابن حبَّان في الثقات. الثقات (٧/ ١٠٨)، التهذيب (٢/ ٦٢٧)]، عن عطاء، عن أبي هريرة، قال: أوصاني خليلي بثلاثٍ لا أدعُهنَّ إن شاء الله: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن لا أنام إلا على وتر.
رواه الخطيب في المتفق والمفترق (٣/ ١٥٢١/ ٩٤٦ و ٩٤٧).
• ورواه مؤمل بن إسماعيل: حدثنا حماد بن سلمة: حدثنا قيس بن سعد، عن عطاء، عن أبي هريرة، قال: أوصاني خليلي ﷺ بثلاثٍ: الوتر قبل النوم، وصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى.
أخرجه أبو يعلى في المسند (١١/ ٢٥٢/ ٦٣٦٩)، وفي المعجم (٥٥).
عن شيخه أبي جعفر محمَّد بن الخطّاب [ذكره ابن حبَّان في الثقات (٩/ ١٣٩)، وأخرج له في صحيحه، وذكر الدارقطني له وهمًا في علله (١٥/ ١٣٦/ ٣٨٩٤)]، قال: حدثنا مؤمل به.
وقد تكلم الحفاظ في رواية حماد عن قيس بن سعد، قال أحمد: "ضاع كتاب حماد بن سلمة عن قيس بن سعد؛ فكان يحدثهم من حفظه"؛ يعني: فيخطئ [العلل ومعرفة الرجال (٣/ ١٢٧/ ٤٥٤٤)، ضعفاء العقيلي (١/ ٢١)، الكامل (٢/ ٢٥٣ - ٢٥٤)، سؤالات أبي داود (٢١٧)، المعرفة والتاريخ (٢/ ٩٢)، ذكره عن ابن المديني. شرح علل الترمذي (٢/ ٧٨٢)]، وقال يحيى بن سعيد القطان: "حماد بن سلمة عن زياد الأعلم وقيس بن سعد: ليس بذاك" [الكامل (٢/ ٢٥٦)، شرح العلل (٢/ ٧٨٣)].
ومؤمَّل بن إسماعيل: صدوق، كثير الغلط، كان سيئ الحفظ.
• والمحفوظ في هذا عن عطاء بن أبي رباح ما رواه عنه أثبت أصحابه:
فقد روى ابن جريج، قال: أخبرني عطاء؛ أن أبا هريرة قال: ثلاث لا أدعُهنَّ حتى ألقى أبا القاسم: أن أبيت كل ليلة على وتر، وأن أصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وصلاة الضحى.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ١٥)، وعبد الرزاق (٣/ ٧٤/ ٤٨٤٩) و (٤/ ٣٠٠/ ٧٨٧٦).
стр. 4342
وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، فقد اتفقا على إخراج حديث أبي هريرة: في كل صلاة قراءة، فما أسمعنا رسول الله ﷺ أسمعناكم،. . . الحديث، بهذه الترجمة [انظر الحديث المتقدم برقم (٧٩٧)]، وانفرد كل منهما ببعض التراجم عن عطاء عن أبي هريرة. [انظر: تحفة الأشراف (١٠/ ٦٣ - ٧٣ - ط دار الغرب)].
ومع ذلك فإن البخاري لما أخرج هذا الحديث في التاريخ الكبير (٤/ ١٥) قال: "ولم يسمع منه"، فلعله أراد: أن عطاء لم يذكر في هذا الحديث سماعًا من أبي هريرة، أو أراد: أن عطاء لم يسمع هذا الحديث من أبي هريرة، فلعله اعتمد في ذلك على ما رواه الأثرم عن أحمد قوله: "ورواية عطاء عن عائشة لا يحتج بها؛ إلا أن يقول: سمعت" [التهذيب (٣/ ١٠٣)]، فالله أعلم.
• وقد روي بإسناد آخر عن عطاء، لكنه ساقط، مسلسل بالضعفاء والمتروكين [عند: تمام في الفوائد (١٢٨٠)].
• هذا ما وقفت عليه من طرق هذا الحديث في المنهيات الثلاث، وكما رأيت فإنَّه حديث منكر، ومما يؤكد نكارته أن جماعة من التابعين قد رووه عن أبي هريرة بحديث: أوصاني خليلي بثلاث، دون شقه الثاني في المنهيات، ومنها الإقعاء الذي هو موضع الشاهد.
• وحديث: أوصاني خليلي بثلاث: حديث صحيح متفق على صحته، مروي من طرق كثيرة جدًّا، منها:
أ - ما رواه عباس بن فروخ الجريري، وأبو التياح يزيد بن حميد، وأبو شمر الضبعي:
عن أبي عثمان النهدي، عن أبي هريرة، قال: أوصاني خليلي بثلاثٍ: بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أرقد [وفي رواية: أنام]، لفظ أبي التياح.
ولفظ الجريري والضبعي: أوصاني خليلي بثلاثٍ [وفي رواية: لا أدعُهنَّ حتى أموت]: النوم على وتر [وفي رواية: الوتر قبل النوم"، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى.
أخرجه البخاري في الصحيح (١١٧٨ و ١٩٨١)، وفي التاريخ الكبير (٤/ ١٥ - ١٦)، ومسلم (٧٢١)، وأبو عوانة (٢/ ٩/ ٢١٢٢ و ٢١٢٣) و (٢/ ٢٣٠/ ٢٩٥٤)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ٣١٦/ ١٦٢٨ - ١٦٣٠)، والنسائيُّ في المجتبى (٣/ ٢٢٩/ ١٦٧٧ و ١٦٧٨)، وفي الكبرى (١/ ٢٦٤/ ٤٧٨) و (٢/ ١٥١/ ١٣٩٠ و ١٣٩١)، وفي الرابع من الإغراب (١٩٤)، والدارميُّ (١/ ٤٠٢/ ١٤٥٤) و (٢/ ٣١/ ١٧٤٦)، وابن خزيمة (٣/ ٣٠٠/ ٢١٢٣)، وابن حبَّان (٦/ ٢٧٧/ ٢٥٣٦)، وأحمد (٢/ ٤٥٩)، وإسحاق بن راهويه (١/ ١٠٠/ ١١)، والطيالسي (٤/ ١٤٥/ ٢٥١٤)، والبزار (١٧/ ١٦ و ١٧/ ٩٥٢٣ و ٩٥٢٤)، وابن
стр. 4343
نصر المروزي في صلاة الوتر (٣٤ - مختصره)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٢٣٧/ ٢٧٧٣)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٢٠٠/ ٣٩٧٢)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٨٥)، وابن بشران في الأمالي (١٥٠٧)، والبيهقيُّ في السنن (٣/ ٣٦) و (٤/ ٢٩٣)، وفي الشعب (٣/ ٣٨٧/ ٣٨٤٣)، وفي فضائل الأوقات (٢٩٣)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٢/ ١٥٣)، والبغويُّ في شرح السُّنَّة (٤/ ٩٠/ ٩٦٨).
هكذا رواه شعبة عن عباس الجريري وأبي شمر الضبعي.
وهكذا رواه عن شعبة عن عباس الجريري: أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، وأبو داود الطيالسي، ومسلم بن إبراهيم الفراهيدي، وسليمان بن حرب، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وغندر محمَّد بن جعفر [وعنه: أحمد بن حنبل، ومحمد بن المثنى، وبندار محمَّد بن بشار].
ووقع عند النسائي في المجتبى (١٦٧٨) من رواية بندار عن غندر به؛ إلا أنَّه قال فيه: وركعتي الفجر، بدل: وركعتي الضحى، وهو خطأ؛ لا أدري ممن هو، والأغلب عندي أنَّه من النساخ، فقد وقعت نفس هذه الرواية بنفس الإسناد عند النسائي في الكبرى (١٣٩١) مثل رواية الناس، وهي بنفس هذا الإسناد عند مسلم، ولم ينبه على اختلاف فيه، بل قال: مثله.
وانظر في المناكير: مسند الحارث بن أبي أسامة (٢١١ - زوائده)، فوائد الخلدي (١٤).
ب - ورواه عبد العزيز بن المختار، قال: حدثنا عبد الله بن فيروز الداناج، عن أبي رافع [وفي رواية: حدثني أبو رافع الصائغ، قال: سمعت أبا هريرة]، عن أبي هريرة، قال: أوصاني خليلي [أبو القاسم] بثلاثٍ: صوم ثلاثة أيام من الشهر، والوتر قبل النوم، وركعتي الضحى.
أخرجه مسلم (٧٢١)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ٣١٦/ ١٦٣١)، وأحمد (٢/ ٣٩٢)، والطيالسي (٤/ ١٩٥/ ٢٥٦٩)، وأبو العباس السراج في حديثه بانتقاء الشحامي (٢٣٢٠)، والبيهقيُّ (٣/ ٤٧).
ج - ورواه سماك بن حرب، عن أبي الربيع، عن أبي هريرة، قال: أوصاني خليلي؛ أن لا أنام إلا على وتر، وصلاة الضحى، وصوم ثلاثة أيام من الشهر.
رواه عن سماك جماعة، وهذا لفظ أبي عوانة، ولفظ إسرائيل: عهد إليَّ رسولُ الله ﷺ في ثلاثٍ لا أدعُهنَّ أبدًا: أن لا أنام إلا على وترٍ، وصلاة الضحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ١٥)، والترمذي (٧٦٠)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٣/ ٤١٧/ ٧٠٦)، وأحمد (٢/ ٢٧٧)، والطيالسي (٤/ ١٤٩/ ٢٥١٨)، وعبد الرزاق (٣/ ٧٤/ ٤٨٥١)، والبزار (١٧/ ١١٧/ ٩٦٩٢).
стр. 4344
وهذا إسناد صحيح، أبو الربيع المدني، سمع أبا هريرة: قال أبو حاتم: "صالح الحديث"، وهو يقولها في جماعة من الثقات، وذكره ابن حبَّان في الثقات "التهذيب (٤/ ٥٢١)، كنى البخاري (٣٠)، الجرح والتعديل (٩/ ٣٧٠)، الثقات (٥/ ٥٨٢)].
د - ورواه عبد الواحد بن واصل أبو عبيدة الحداد، عن خلف بن مهران، قال: سمعت عبد الرحمن بن الأصم، قال: قال أبو هريرة: أوصاني خليلي بثلاثٍ: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، ولا أنام إلا على وتر.
أخرجه أحمد (٢/ ٢٥٨) (٣/ ١٥٨٠/ ٧٦٢٨ - ط المكنز).
وهذا إسناد رجاله ثقات؛ ولا يُعرف لعبد الرحمن بن الأصم سماع من أبي هريرة، وتصريحه بالسماع منه عند أحمد في المسند (٢/ ٣٦٣) لا يصح.
والحديث صحيح، لتعدد طرقه عن أبي هريرة.
هـ - ورواه عبد الله بن يزيد المقرئ، وعبد الله بن وهب:
ثنا حيوة بن شريح: حدثني أبو عَقيل زُهرة بن معبد، عن أبيه معبد بن عبد الله بن هشام، أنَّه سمع أبا هريرة يقول: أوصاني خليلي بثلاثٍ لا أدعُهنَّ حتى أموت: أوصاني بركعتي الضحى، وبصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن لا أنام إلا على وتر.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ١٥)، وأحمد (٢/ ٥٢٦)، وإسحاق بن راهويه (١/ ٤١٦/ ٤٦٩)، وأبو العباس السراج في حديثه بانتقاء الشحامي (٢٣١٧)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (٢/ ١٦٤).
وهذا إسناد متصل؛ رجاله ثقات رجال البخاري، عدا التابعي فإنَّه لم يرو عنه غير ابنه زهرة، وذكره ابن حبَّان في الثقات [التهذيب (٤/ ١١٥)]، ومثل هذا مما يحتمل في المتابعات، فقد روى هنا ما وافق الثقات، فصح حديثه.
و - ورواه محمَّد بن كثير، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: أوصاني خليلي بثلاث: بصوم ثلاثة أيام من كل شهر، ولا أنام إلا على الوتر، وركعتي الضحى.
أخرجه ابن خزيمة (٢/ ٢٢٧/ ١٢٢٢)، والبزار (١٥/ ١٩٨/ ٨٥٩٠).
وهذا إسناد حسن غريب؛ فإن محمَّد بن كثير بن أبي عطاء الثقفي الصنعاني: صاحب الأوزاعي إلا أنَّه لم يكن يفهم الحديث، وهو صدوق كثير الغلط، وهو ضعيف في معمر خاصة [تقدمت ترجمته تحت الحديث رقم (٢٣٦)]، فلا أدري حفظه أم لا؟ والإسناد من لدن الأوزاعي فمن فوقه على شرط الشيخين.
وانظر فيمن وهم فيه على يحيى بن أبي كثير: حديث أبي الفضل الزهري (٥١١).
ز - ورواه الحسين بن مهدي: نا محمَّد بن يوسف [هو: الفريابي]: نا يحيى بن أيوب، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، قال: أوصاني خليلي بثلاث:. . . فذكره.
أخرجه البزار (١٧/ ١٧٠/ ٩٧٩١).
стр. 4345
وهذا إسناد لا بأس به، ويحيى بن أيوب هو: حفيد أبي زرعة البجلي.
وانظر: المعجم الأوسط للطبراني (٣/ ١٣٣/ ٢٧٠٨)، شعب الإيمان للبيهقي (٣/ ١٢٢/ ٣٠٦٩).
ح - ورواه عبيد الله بن موسى: نا إسرائيل، عن عبد الله بن المختار، عن الحسن ومحمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: أوصاني خليلي بثلاث لا أَدَعُهنَّ: الوتر قبل النوم، والغسل يوم الجمعة، وصيام ثلاثة أيام من الشهر.
أخرجه البزار (١٧/ ٢٨٠/ ٩٩٨٧)، والدارقطني في الأفراد (٢/ ٢٦٨/ ٥٠٦٠ - أطرافه).
قال البزار بعد روى ثلاثة أحاديث بهذا الإسناد: "ولا نعلم روى هذه الأحاديث عن عبد الله بن المختار عن محمَّد عن أبي هريرة؛ إلا إسرائيل".
وقال الدارقطني: "تفرد به إسرائيل عن عبد الله بن المختار عن الحسن".
قلت: إسناده حسن غريب؛ وهو شاذ بذكر غسل الجمعة، بدل: ركعتي الضحى، والحسن البصري: لم يسمع من أبي هريرة، ويأتي تخريج طريقه في موضعه من السنن برقم (١٤٣٢) إن شاء الله تعالى.
• ورواه عزرة بن ثابت [ثقة]، عن مطر الوراق [صدوق كثير الخطأ]، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: أوصاني خليلي ﷺ بثلاثٍ: الوتر قبل النوم، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، والغسل يوم الجمعة.
أخرجه ابن جميع الصيداوي في معجمه (٢٦٧)، ومن طريقه: ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٢/ ٧)، والذهبي في السير (١٥/ ٣٧٠)، وفي التذكرة (٣/ ٩١٨ - ٩١٩).
بإسناد لا بأس به إلى بشر بن عقار عن عزرة، ورسم: بشر بن عباد، ورسم: بشر بن عفان؛ فإن كان هو بشر بن عباد الراوي عن حاتم بن إسماعيل، فهو: مجهول [اللسان (٢/ ٢٩٧)]، وإن كان بشر بن عقار أو بشر بن عفان؛ فلم أقف لهما على ترجمة، وإن كان بشر بن عمار القهستاني، فهو: صدوق [التقريب (٩٨)]، ولا أظنه هو.
قال ابن عساكر: "ولا أُراه محفوظًا".
وقال الذهبي: "هذا حديث غريب".
وقال الدارقطني في العلل بعد ذكره لطريق عزرة (١٠/ ٧٢/ ١٨٧٦): "وله أصل عن ابن سيرين، رواه عنه عبد الله بن المختار وعبد الله بن عون وعوف الأعرابي وهشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، ويشبه أن يكون محفوظًا، والله أعلم".
• قلت: أما رواية ابن عون عن ابن سيرين: فإنها لا تصح؛ لأنها من رواية بكار بن محمَّد بن عبد الله بن محمَّد بن سيرين، وهو ذاهب الحديث، يروي عن ابن عون ما ليس من حديثه [اللسان (٢/ ٣٣٢)].
أخرجه يعقوب بن سفيان في مشيخته (٦١)، والبزار (١٧/ ٢٤٨/ ٩٩٢٩)، والطبراني
стр. 4346
في الأوسط (٣/ ٨٦/ ٢٥٧٣)، وابن عديّ في الكامل (٢/ ٤٦)، وتمام في الفوائد (١٢٣)، وابن بشران في الأمالي (٧٨٤)، وابن عبد البر في التمهيد (٨/ ١٤١).
قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلم رواه عن ابن عون إلا بكار، وقد حدث بأحاديث عن ابن عون ولم يتابع عليها".
وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن ابن عون إلا بكار بن محمَّد".
وقال ابن عديّ: "وهذا الحديث لا يرويه عن ابن عون بهذا الإسناد غير بكار هذا، مع أحاديث أخرى بهذا الإسناد مقدار خمسة"، ثمَّ قال: "ولبكار هذا عن ابن عون عن ابن سيرين عن أبي هريرة غير ما ذكرت؛ أحاديث لا يتابعه عليها أحد".
• وأما رواية هشام بن حسان عن ابن سيرين:
فقد أخرجها الدارقطني في الأفراد (٢/ ٣٢٥/ ٥٤٤٠ - أطرافه).
من طريق سعيد بن محمَّد بن ثواب، عن أبي سهل، عن هشام بن حسان به.
وقال: "تفرد به: سعيد بن محمَّد بن ثواب، عن أبي سهل، عن هشام بن حسان عنه".
قلت: ولا يثبت هذا عن هشام بن حسان؛ فإن سعيد بن محمَّد بن ثواب الحصري البصري؛ قال عنه ابن حبَّان: "مستقيم الحديث"، وأخرج له في صحيحه (٢٦٧٠ و ٢٦٧٢)، وصحح الدارقطني إسناد حديث هو فيه، لكن له أوهام وغرائب وأفراد كثيرة، وقد أورد له الخطيب حديثًا في ترجمته، من طريق ابن صاعد عنه، ثمَّ ذكر ابن صاعد أنَّه وهم في إسناده، ولم يوثقه الخطيب، ولم ينقل فيه جرحًا ولا تعديلًا سوى توهيم ابن صاعد له، وحديثه هذا في الأوّل من فوائد المخلص [الثقات (٨/ ٢٧٢)، سنن الدارقطني (٢/ ١٨٩)، علل الدارقطني (٣/ ١٥٥/ ٣٢٥) و (١٠/ ٥٠/ ١٨٥٢)، أطراف الغرائب والأفراد (٢/ ١٦٩) و (٣/ ٢٣ و ١٥٤)، المخلصيات (١/ ٢٠٢/ ٢٣٧)، تاريخ بغداد (٩/ ٩٤)، تاريخ الإِسلام (١٩/ ١٥٥)، البدر المنير (٢/ ٥٠٢)].
وشيخه أبو سهل: قال فيه ابن منده في فتح الباب (٣٥٤٤): "بصري، حدث عن هشام بن حسان بنسخة تفرد بها، روى عنه سعيد بن محمَّد الحصري وغيره".
وإنما يعرف هذا من حديث: الحسين بن علي الجعفي، عن زائدة، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "صيام الدهر وإفطاره: ثلاثة أيام من كل شهر".
أخرجه محمَّد بن عاصم الثقفي في جزئه (١)، ومن طريقه: ابن المقرئ في المعجم (٣٤٤).
وإسناده صحيح غريب.
• وله طريق أخرى، ولا تصح أيضًا [عند: ابن عديّ في الكامل (٦/ ٢٢٥)].
ومع كون الدارقطني قد صرح في العلل يكون الحديث مرويًا من طرقٍ عن ابن سيرين؛ إلا أنَّه في الأفراد جعله من أفراد عبد الله بن المختار:
стр. 4347
فقد أخرجه في الأفراد (٢/ ٣٢٠/ ٥٤٠٧ - أطرافه).
وقال: "تفرد به عبد الله بن المختار عنه، وتفرد به عنه: إسرائيل"، والله أعلم.
ط - ورواه يحيى بن حمزة، والهيثم بن حميد:
عن زيد بن واقد؛ أن أبا المنيب الجرشي حدثه، قال: حدثني أبو هريرة، قال: أوصاني خليلي أبو القاسم ﷺ بثلاثٍ أحافظ عليهن: سبحة الضحى لا أدعها في حضر ولا سفر، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، ولا أنام إلا على وتر، أستكملُ بذلك الدهر.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ١٥) [وفي سند المطبوعة تحريف]، وأبو زرعة الدمشقي في الفوائد المعللة (١٤٧)، والطبراني في الأوسط (٣/ ٣٠١/ ٣٢٢٥)، وفي مسند الشاميين (٢/ ٢١٧/ ١٢١٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٧/ ٢٥٨).
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن أبي المنيب إلا زيد، ولا رواه عن زيد إلا يحيى وصدقة بن خالد".
وهذا إسناد شامي صحيح.
ي - ورواه عبد الرحمن بن مهدي: ثنا معاوية بن صالح، عن أبي مريم، قال: سمعت أبا هريرة، يقول: أوصاني خليلي أبو القاسم ﷺ بسبحة الضحى، وصوم ثلاثة أيام من كل شهر، والنوم على وتر.
أخرجه البزار (١٦/ ٢٣٦/ ٩٤٠١)، والطبراني في مسند الشاميين (٣/ ١٢٠/ ١٩١١).
وإسناده جيد.
ك - ورواه يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن إسرائيل، عن عيسى بن أبي عزة، عن الشعبي، عن أبي ثور الأزدي، عن أبي هريرة، قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أوتر قبل أن أنام.
وفي رواية: أوصاني خليلي ﷺ بثلاثٍ لا أدعُهنَّ في حضر ولا سفر؛ أوصاني أن لا أنام إلا على وتر، وصلاة الضحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر.
أخرجه الترمذي (٤٥٥)، وأبو يعلى (١١/ ٢٩٢/ ٦٤٠٨) [سقط من إسناده الشعبي]، وأبو بكر الأبهري في فوائده (٣٧)، والدارقطني في الثالث من الأفراد (٤٦) (٢/ ٣٣٨/ ٥٥١٥ - أطرافه)، والمزي في التهذيب (٣٣/ ١٧٨).
قال الترمذي: "حديث أبي هريرة: حديث حسن غريب من هذا الوجه، وأبو ثور الأزدي اسمه: حبيب بن أبي مليكة".
وقال الدارقطني: "هذا حديث غريب من حديث الشعبي عن أبي ثور الأزدي عن أبي هريرة، تفرد به عيسى بن أبي عزة عنه، وتفرد به: إسرائيل بن يونس عن عيسى، وتفرد به: يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن إسرائيل".
قلت: رجاله كوفيون ثقات؛ غير أبي ثور الأزدي فإنَّه غير حبيب بن أبي مليكة النهدي الحدإي، وحَدَأ بطن من قبيلة مراد، والأزد ليست من مراد، هم بنو عمومتهم،
стр. 4348
وأما حُدَّان فهم من الأزد، ومن قال في حبيب: الحُدَّاني فقط أخطأ، إنما هو الحدإي، وعلى هذا فهما اثنان: حبيب بن أبي مليكة أبو ثور النهدي الحدإي، وأبو ثور الأزدي، ومن جعلهما ثلاثة فلم يصب؛ فإن أكثر النقاد على أن حبيب بن أبي مليكة هو أبو ثور الحدإي، وإن كان بعضهم يقول فيه الحُدَّاني، وهو تصحيف.
قال أحمد: "حبيب بن أبي مليكة: يكنى أبا ثور، روى عنه كليب بن وائل والشعبي وأبو البختري، وهو الذي يقال له: الحَدائي" [العلل ومعرفة الرجال (١/ ٢٩٨/ ٤٨٥) و (٢/ ٥٥/ ١٥٣٤) و (٢/ ٥٣١/ ٣٥١٢)، كنى الدولابي (١/ ٤١١)].
وقال البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٣٢٤) في ترجمة حبيب: "ويقال: هو أبو ثور الحُدَّاني، روى عنه أبو البختري والشعبي"، وبنحوه قال ابن حبَّان في الثقات (٤/ ١٤١).
وفرَّق البخاري وأبو حاتم بين حبيب وبين أبي ثور الراوي عن أبي هريرة، وترجموا أيضًا لأبي ثور الحداني أيضًا [كنى البخاري (١٧)، الجرح والتعديل (٩/ ٣٥١)، الثقات (٥/ ٥٧٢)].
وقال الطبراني في الأوسط (٨/ ٢٣٣): "وحبيب بن أبي مليكة يكنى أبا ثور الحداني، حي من مراد".
وقد ذهب الخطيب إلى أن حبيب بن أبي مليكة هو أبو ثور الحداني، وذكر الخلاف فيه، هل هو الحُدَّاني، أم الحَدَإي، وصوَّب الأخير [الموضح (٢/ ٥)].
وفرق مسلم والحاكم أبو أحمد وغير واحد بين حبيب وأبي ثور الأزدي، وذكروا الأزدي فيمن لا يعرف اسمه [كنى مسلم (٤٨٧ و ٤٩٠)، الأسامي والكنى لأبي أحمد الحاكم (٣/ ١٤ و ١٦/ ٩٧٧ و ٩٨١ و ٩٨٢)].
وجعلهم ابن منده وابن القطان ثلاثة: حبيب بن أبي مليكة، وأبو ثور الأزدي، وأبو ثور الحداني [فتح الباب (١٤٠٧ و ١٤١٢ و ١٤١٥)]، وقال ابن القطان في الآخرين: "مجهولان" [بيان الوهم (٥/ ٤٢/ ٢٢٨١)].
[وانظر: المؤتلف والمختلف للدارقطني (٢/ ٨١٢)، الإكمال لابن ماكولا (٢/ ٤٠٧)، الأنساب (٢/ ١٨٤ و ١٨٥)، توضيح المشتبه (٣/ ١٤٦)].
والمقصود أن أبا ثور الأزدي ليس هو حبيب بن أبي مليكة، وعليه: فإنَّه لم يرو عنه غير عامر بن شراحيل الشعبي، ورواية الشعبي عنه تعديل له، فقد قال ابن معين: "إذا حدَّث الشعبي عن رجل فسماه؛ فهو ثقة، يحتج بحديثه" [الجرح والتعديل (٦/ ٣٢٣)، التهذيب (٢/ ٢٦٤)].
وعليه: فالإسناد حسن غريب، والله أعلم.
• قال البزار بعد أن روى الحديث من طريق أبي عثمان النهدي (١٧/ ١٧): "وقد رُوي هذا الكلام عن أبي هريرة من طرقٍ: فرواه سعيد بن المسيّب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعكرمة، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والشعبي، وعطاء بن أبي رباح، وأبو
стр. 4349
زرعة، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، ومحمد بن زياد، وغيرهم، وقد روي عن أبي الدرداء وأبي ذر بنحو منه بغير لفظه".
• قلت: له طرق أخرى كثيرة جدًّا عن أبي هريرة، وفي أسانيدها اختلاف أو جهالة أو ضعف أو وهنٌ شديد، وفي بعضها زيادات ألفاظ وأوهام، مثل جعل: الغسل يوم الجمعة، أو: ركعتي الفجر، بدل: ركعتي الضحى، ومثل زيادة: صلاة الأوابين، في وصف صلاة الضحى، ويأتي تفصيل القول فيه في موضعه من السنن برقم (١٤٣٢) إن شاء الله تعالى.
أخرج هذه الطرق على سبيل الإجمال:
البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٤٢٦) و (٤/ ١٥ و ١٦ و ١٣١)، وأبو داود (١٤٣٢)، والنسائيُّ في المجتبى (٤/ ٢٠٤/ ٢٣٦٩) و (٤/ ٢١٨/ ٢٤٠٥ - ٢٤٠٧)، وفي الكبرى (٣/ ١٨٠/ ٢٦٩٠) و (٣/ ١٩٥/ ٢٧٢٦ - ٢٧٢٨)، والدارميُّ (٢/ ٣١/ ١٧٤٥)، وابن خزيمة (٢/ ٢٢٧/ ١٢٢٣)، وأحمد (٢/ ٢٢٩ و ٢٣٣ و ٢٥٤ و ٢٦٠ و ٢٧١ و ٣٢٩ و ٤٧٢ و ٤٨٤ و ٤٨٩) و (٢/ ٢٦٥ و ٥٠٥) و (٢/ ٣٣١) و (٢/ ٣٤٧) و (٢/ ٤٠٢)، وإسحاق بن راهويه (١/ ٤١٦/ ٤٧٠)، والطيالسي (٤/ ٢١٦/ ٢٥٩٣)، وعبد الرزاق (٣/ ١٥/ ٤٦١٨) و (٣/ ٧٤/ ٤٨٥٠) و (٤/ ٢٩٩/ ٧٨٧٥)، وابن أبي شيبة (١/ ٤٣٣/ ٤٩٩٥) و (٢/ ٨٠/ ٦٧٠٤) و (٢/ ١٧٤/ ٧٨٠٠)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (١/ ٣٣٦/ ١٢٣٦)، والبزار (١٤/ ١٢٣/ ٧٦٢٣) و (١٤/ ٢٥٦/ ٧٨٣٨) و (٥/ ٢٩٢/ ٨٧٩٤) و (١٦/ ٢٥٠/ ٩٤٢٩ و ٩٤٣٠) و (١٧/ ٨٧/ ٩٦٢٦) و (١٧/ ١٢٧/ ٩٧١٠)، وأبو يعلى في المسند (١١/ ٩٦/ ٦٢٢٦) و (١١/ ١١٠/ ٦٢٣٦) و (١١/ ٢٥٢/ ٦٣٦٩)، وفي المعجم (٥٥)، والدولابي في الكنى (١/ ٣٧٢/ ٦٦٥)، وابن أبي حاتم في المراسيل (١١١)، وفي العلل (١/ ١٠٩/ ٢٩٧) و (١/ ٢٣٦/ ٦٨٥) و (١/ ٢٤٣/ ٧٠٩)، وأبو جعفر ابن البختري في الحادي عشر من حديثه (٤٢) (٥٣٨ - مجموع مصنفاته)، وابن الأعرابي في المعجم (٢٧٦)، وابن حبَّان في الثقات (٦/ ٤٩٠)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٢١٣/ ١٧٦٩) و (٢/ ٢٨٥/ ١٩٩٩) و (٢/ ٣٥٩/ ٢٢٢٥) و (٣/ ١٣٣/ ٢٧٠٨) و (٤/ ٢٠/ ٣٥٠٧) و (٤/ ٨٢/ ٣٦٦٩) و (٤/ ١٥١/ ٣٨٤٥) و (٥/ ٢١/ ٤٥٦١) و (٥/ ٦٨/ ٤٦٩١) و (٥/ ١٣٢/ ٤٨٧١) و (٥/ ١٥٤/ ٤٩٢٦) و (٥/ ١٦٥/ ٤٩٥٧) و (٧/ ١٠١/ ٦٩٧٦) و (٧/ ١٥٦/ ٧١٤٤)، وفي الصغير (٤٩٨)، وفي مسند الشاميين (٤/ ٣٣١/ ٣٤٦٨)، وفي حديثه لأهل البصرة فيما انتقاه عليه ابن مردويه (٥٠)، وابن عديّ في الكامل (٢/ ٢٠٦) و (٣/ ١٨٧) و (٣/ ٣٦١) و (٥/ ٩٢ و ٢٢٣ و ٣٣٤) و (٦/ ٨١ و ٢٢٥ و ٢٥٩)، وأبو بكر القطيعي في جزء الألف دينار (٢٣٠)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين (٢/ ٤٠٩) و (٣/ ٥١٩) و (٤/ ٢٠٨ و ٢٦٦)، وابن المظفر في غرائب حديث شعبة (١٠)، والدارقطني في العلل (٩/ ٢٠٨/ ١٧٢٦) و (١١/ ١٨/ ٢٠٩٤)، وفي الأفراد (٢/ ٢٦٨/ ٥٠٦٥ - أطرافه) و (٢/ ٢٨٣/ ٥١٦٠ - أطرافه) و (٢/ ٣٠٤/ ٥٣٠٥ - أطرافه) و (٢/ ٣٢٥/ ٥٤٤٠ - أطرافه)
стр. 4350
و (٢/ ٣٣١/ ٥٤٨٢ - أطرافه) و (٢/ ٣٣٨/ ٥٥١٥ - أطرافه) و (٢/ ٣٤٠/ ٥٥٣٠ - أطرافه) و (٢/ ٣٤٧/ ٥٥٧٣ - أطرافه) و (٢/ ٣٨٣/ ٥٨٢٣ - أطرافه) و (٢/ ٣٨٤/ ٥٨٣٠ - أطرافه)، وفي الثالث من الأفراد (٤٦)، وابن شاهين في الخامس من الأفراد (٦٤)، وتمام في الفوائد (٥٨٥ و ٦٥٨)، وهلال الحفار في جزئه عن الحسين بن يحيى القطان (٤٦)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٠٠) و (٨/ ٢١٣ و ٣٨٩) و (٩/ ٥١) و (١٠/ ٢٧)، وفي تاريخ أصبهان (١/ ١٢٦ و ٣٨٥) و (٢/ ٤٢ و ٧٢)، والخطيب في تاريخ بغداد (٥/ ٣٤٣) و (٧/ ٤٢٩)، وفي السابق واللاحق (٦٩)، وفي تلخيص المتشابه في الرسم (١/ ٢٣)، وفي المتفق والمفترق (٣/ ٢١١٢/ ١٨٠٩)، والشجري في الأمالي الخميسية (١/ ٣٧١) و (٢/ ٤٢ و ٤٥ و ٥٣ و ١٥٣ و ١٥٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٨/ ٤٤٢) و (١١/ ٤٧١) و (٢٢/ ١٣) و (٤١/ ٥٠٣) و (٥٥/ ١٥٥)، وفي المعجم (٣٧٧)، والذهبي في السير (١٤/ ١٧٢)، وغيرهم كثير.
قال ابن رجب في الفتح (٦/ ٢٢٧): "وله طرق كثيرة جدًّا عن أبي هريرة، قد ذكرت كثيرًا منها في كتاب شرح الترمذي، وذكر الحافظ أبو موسى المديني أنَّه رواه عن أبي هريرة قريب من سبعين رجلًا.
وفي متنه أيضًا اختلاف، إلا أن المحفوظ منه: ذكر هذه الخصال الثلاث المذكورة في رواية أبي عثمان".
• وإنما أردت من إيراد بعض طرق حديث أبي هريرة: أوصاني خليلي بثلاث، بيان أن هذه الزيادة في الحديث بذكر المنهيات الثلاث، ومنها الإقعاء الذي هو موضع الشاهد، لم ترد في طرق هذا الحديث على كثرتها؛ مما يدلّ على نكارتها، حيث لم يأت بها إلا ثلاثة من الضعفاء، وقد اضطربوا في إسناده ومتنه ولم يضبطوه، والله أعلم.
• وقد روي في هذا شيء من فعل أبي هريرة وقوله:
فقد روى يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، قال: صليت إلى جنب أبي هريرة فانتصبتُ على صدور قدمي، فجذبني حتى اطمأنَنت.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٥٥/ ٢٩٣٥)، ومسدد (٤/ ١٢٧/ ٤٩٨ - المطالب) (٢/ ٤٠٢/ ١٩٨٣ - إتحاف الخيرة).
وهذا إسناد حسن؛ ويمكن حمله على التشهد، والله أعلم.
• وروى عبد الرزاق، عن معمر وابن جريج، عن ابن خثيم، عن ابن لبيبة؛ أن أبا هريرة قال له: إياك والحبوة الكلب، والإقعاء، وتحفظ من السهو حتى تفرغ من المكتوبة.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ١٩٠/ ٣٠٢٦)، ومن طريقه: ابن المنذر (٣/ ١٩٣/ ١٤٩١).
ابن لبيبة هو: عبد الرحمن بن نافع بن لبيبة الطائفي، سمع أبا هريرة، قال العجلي: تابعي ثقة، وذكره ابن حبَّان في ثقات التابعين [التاريخ الكبير (٥/ ٣٥٧)، ثقات العجلي (١٠٧١)، الجرح والتعديل (٥/ ٢٩٤)، مغاني الأخيار (٢/ ٦٢٢)، عمدة القاري (٦/ ٤٣)]، وابن خثيم هو: عبد الله بن عثمان بن خثيم، وهو: مكي صدوق.
стр. 4351
وهذا موقوف بإسناد لا بأس به، ويمكن حمله على التشهد أيضًا.
٣ - حديث علي بن أبي طالب:
يرويه أبو إسحاق السبيعي، عن الحارث، عن علي، قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا علي! أُحبُّ لك ما أُحبُّ لنفسي، وأكره لك ما أكره لنفسي؛ لا تُقْعِ بين السجدتين".
وهو حديث طويل، تقدم تخريجه مفصلًا تحت الحديث رقم (٦٤٧)، وهو حديث ضعيف، لأجل الحارث الأعور، ولم يسمعه أبو إسحاق من الحارث، ووقفه أصح، ولفظ الموقوف: الإقعاء عقبة الشيطان، ولا يصح أيضًا للعلة السابقة.
قال أبو داود: "أبو إسحاق لم يسمع من الحارث إلا أربعة أحاديث، ليس هذا منها".
وقال الترمذي: "هذا حديث لا نعرفه من حديث علي إلا من حديث أبي إسحاق عن الحارث عن علي، وقد ضعَّف بعض أهل العلم الحارث الأعور، والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم يكرهون الإقعاء".
وقال البيهقي: "الحارث الأعور لا يحتج به، وكذلك ليث بن أبي سليم، وحديث ابن عباس وابن عمر صحيح".
وقال ابن عبد البر في الاستذكار (١/ ٤٨١): "وهذا غير صحيح؛ لأنَّ الحارث لم يسمع منه أبو إسحاق غير أربعة أحاديث، وليس هذا منها، وقد تَكلَّم في الحارثِ الشعبيُّ وغيره، ووثقه آخرون".
وقال الدارقطني: "والموقوف أصح".
٤ - حديث سمرة بن جندب:
روى أبو معمر صالح بن حرب [ذكره ابن حبَّان في الثقات، وقال: "يعتبر حديثه إذا روى عن الثقات"، وقال الذهبي: "صدوق"، الثقات (٨/ ٣١٨)، تاريخ بغداد (٩/ ٣١٦)، تاريخ الإِسلام (١٨/ ٢٩٤)، اللسان (٤/ ٢٨٣)]، قال: نا سلام بن أبي خبزة، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن سمرة، قال: نهى رسول الله ﷺ عن الإقعاء في الصلاة.
أخرجه الطبراني في الأوسط (٤/ ٣٧٣/ ٤٤٦٨)، وعنه: أبو نعيم في المنتخب من حديث يونس بن عبيد (٧).
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن يونس إلا سلام بن أبي خبزة، تفرد به: صالح بن حرب".
كذا وقع عند الطبراني وأبي نعيم تبعًا له: عن يونس بن عبيد، لكن رواه ابن عديّ في الكامل (٣/ ٣٠٤) عن شيخ الطبراني به، لكن جعله عن إسماعيل بن مسلم، بدل: يونس بن عبيد، وشيخ الطبراني: ثقة، فلا أدري ممن الوهم فيه.
• والأشبه بالصواب: أنَّه من حديث إسماعيل بن مسلم، وليس من حديث يونس بن عبيد؛ فقد رواه مرة أخرى:
стр. 4352
أبو معمر صالح بن حرب، قال: ثنا سلام بن أبي خبزة، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، قال: نهى رسول الله ﷺ عن الإقعاء في الصلاة.
أخرجه الطبراني في الكبير (٧/ ٢٢٩/ ٦٩٥٧)، قال: حدثنا عبد الله بن العباس الطيالسي [ثقة. معجم شيوخ الإسماعيلي (٣١٩)، تاريخ بغداد (١٠/ ٣٦)، تاريخ الإِسلام (٢٣/ ٢٣٧)]: ثنا أبو معمر به.
قلت: وهذا إسناد واهٍ جدًّا؛ إسماعيل بن مسلم المكي: ضعيف، عنده عجائب، ويروي عن الثقات المناكير [العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٣٥٢/ ٢٥٥٦)، ضعفاء العقيلي (١/ ٩٢)، الكامل (١/ ٢٨٣)، التهذيب (١/ ١٦٧)]، وسلام بن أبي خبزة العطار البصري: متروك، منكر الحديث، قال ابن المديني: "يضع الحديث" [اللسان (٤/ ٩٧)].
• وقد رواه عبد الوهاب بن عطاء، ومحمد بن عبد الله الأنصاري:
ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، قال: نهى رسول الله ﷺ عن الإقعاء في الصلاة. وفي روايةٍ أخرى للأنصاري: نهى رسول الله ﷺ أن يستوفز الرجل في صلاته.
أخرجه الحاكم (١/ ٢٧١ و ٢٧٢)، وعنه: البيهقي (٢/ ١٢٠ و ٢٨١).
قلت: والاستيفاز هنا هو الإقعاء، قال ابن شميل: "الإقعاء أن يجلس على وركيه، وهو الاحتفاز، وهو الاستيفاز" [تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي (٢٦٩)].
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه، وله رواية في إباحة الإقعاء صحيح على شرط مسلم".
قلت: لا يثبت أن ابن أبي عروبة حدَّث بهذا الحديث في حال صحته قبل اختلاطه، فإن عبد الوهاب بن عطاء الخفاف: صدوق، كان عالمًا بسعيد بن أبي عروبة؛ إلا أنَّه سمع منه قبل الاختلاط وبعده، فلم يميز بين هذا وهذا، والراوي عنه: يحيى بن أبي طالب جعفر بن عبد الله بن الزبرقان، وإن كان وثقه الدارقطني وغيره، فقد تكلم فيه جماعة، مثل: أبي داود [فقد خطَّ على حديثه]، وموسى بن هارون [فقد كذبه]، وأبي أحمد الحاكم [حيث قال: "ليس بالمتين"] [انظر: اللسان (٨/ ٤٢٣ و ٤٥٢)، الجرح والتعديل (٩/ ١٣٤)، الثقات (٩/ ٢٧٠)، سؤالات الحاكم (٢٣٩)، تاريخ بغداد (١٤/ ٢٢٠)، السير (١٢/ ٦١٩)].
ومحمد بن عبد الله الأنصاري: ثقة، لكنه أيضًا ممن روى عن ابن أبي عروبة بعد الاختلاط، والراوي عنه: محمَّد بن سليمان بن الحارث أبو بكر الواسطي، المعروف بالباغندي، كذبه ابنه محمَّد أبو بكر الباغندي، وقال أبو الفتح ابن أبي الفوارس: "ضعيف الحديث"، وقال الدارقطني مرة: "لا بأس به"، وقال أخرى: "ضعيف"، وقال الخطيب: "والباغندي مذكور بالضعف، ولا أعلم لأية علة ضُعِّف، فإن رواياته كلها مستقيمة، ولا أعلم في حديثه منكرًا"، وذكره ابن حبَّان في الثقات، وقال الذهبي: "لا بأس به" [الثقات (٩/ ١٤٩)، سؤالات الحاكم (١٧٩)، تاريخ بغداد (٥/ ٢٩٨)، الأنساب (١/ ٢٦٢)،
стр. 4353
المنتظم (١٢/ ٣٦٩)، السير (١٣/ ٣٨٦)، تاريخ الإِسلام (٢١/ ٢٦٢)، اللسان (٧/ ١٧٣)]، وقد تابعه على اللفظ الثاني دون الأوّل: أبو حاتم الرازي.
• ورواه سعيد بن بشير، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة ﵁؛ أن النبي ﷺ نهى عن التورُّك، والإقعاء، وألا نستوفز في صلاتنا، وأن لا يصلي المهاجر خلف الأعرابي.
وفي رواية: أمرنا رسول الله ﷺ أن نعتدل في الجلوس [وفي رواية: في السجود]، وأن لا نستوفز.
أخرجه أحمد (٥/ ١٠)، والبزار (١٠/ ٤٣٣ و ٤٣٤/ ٤٥٨٦ و ٤٥٨٧)، والطبراني في الكبير (٧/ ٢١٢ و ٢١٣/ ٦٨٨٣ و ٦٨٨٤)، وفي مسند الشاميين (٤/ ٣١/ ٢٦٤٩).
قال البزار: "ولا نعلم روى هذا الحديث إلا سعيد بن بشير عن قتادة، تفرد سمرة في هذا الحديث بقوله: لا نستوفز في صلاتنا".
قلت: سعيد بن بشير: ضعيف، يروي عن قتادة المنكرات [تقدم ذكره تحت الأحاديث المتقدمة برقم (٢٧ و ٧٣ و ١٨٠ و ٣٠٦ و ٤٩٠ و ٥٧٠ و ٦٧١ و ٦٧٥) وغيرها]، والنهي عن التورُّك منكر؛ فقد ثبت التورك في الجلسة التي يكون فيها التسليم من الثلاثية والرباعية من حديث أبي حميد الساعدي، وهو حديث صحيح، تقدم برقم (٧٣٠).
وعليه: فإن حديث سعيد بن بشير هذا حديث منكر.
• ورواه الحسين بن مصعب الأشناني البغدادي: ثنا عوف بن عبد الرحيم: ثنا مخلد بن يزيد: ثنا مسعر بن كدام، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، قال: أمرنا النبي ﷺ أن نعتدل في السجود، ولا نستوفز.
أخرجه أبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٦١).
قال أبو نعيم: "تفرد به مخلد عن مسعر".
مخلد بن يزيد الحراني: لا بأس به، وكان يهِم، وعوف بن عبد الرحيم: لم أقف له على ترجمة، والحسين بن محمَّد بن الحسين بن مصعب الأشناني، وقيل: البجلي، وسماه بعضهم الحسن مكبرًا: روى عنه وكيع القاضي، وابن الأعرابي، والطبراني، وأبو بكر الإسماعيلي، وقال الهيثمي: "لم أعرفه"، قلت: ترجم له الإسماعيلي في معجم شيوخه، وسكت عنه، وقد شرط على نفسه في أول الكتاب بيان حال من ذم طريقه في الحديث [أخبار القضاة (٣/ ١١٥ و ١٨٧)، معجم ابن الأعرابي (١٥١٣)، المعجم الصغير للطبراني (٣٦٣)، معجم شيوخ أبي بكر الإسماعيلي (٢/ ٦٢١)، مجمع الزوائد (٥/ ٢٤٩)].
فهو غريب جدًّا من حديث مسعر، ولا يثبت عنه.
• ورواه أبو عبد الله محمَّد بن عبد السلام بن سعدان: أنا أبو عمر محمَّد بن موسى بن فضالة بن إبراهيم القرشي: أخبرني أبي: نا عمرو بن عثمان: نا إسماعيل بن عياش، عن الهذلي، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، أنَّه قال: أمرنا النبي ﷺ أن نطمئن في الصلاة، ولا نستوفز.
стр. 4354
أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦١/ ١٩٥).
وهذا إسناد واهٍ بمرة؛ أبو بكر الهذلي: متروك الحديث، عامة ما يرويه لا يتابع عليه، وهو بصري، وحديث إسماعيل بن عياش عن أهل العراق والحجاز فيه ضعف، وهذا منه، وعمرو بن عثمان هو: ابن سعيد بن كثير الحمصي، وهو: صدوق، وموسى بن فضالة بن إبراهيم القرشي الدمشقي: مجهول، لم يرو عنه غير ابنه أبي عمر [تاريخ دمشق (٦١/ ١٩٥)، تاريخ الإِسلام (٢١/ ٣١٢)]، وابنه أبو عمر محمَّد بن موسى: شيخ مسند، قال عبد العزيز الكتاني: "تكلموا فيه" [ذيل تاريخ مولد العلماء (٤٢)، تاريخ دمشق (٥٦/ ٧٨)، السير (١٦/ ١٥٧)، تاريخ الإِسلام (٢٦/ ٢٩٩)، المغني (٢/ ٦٣٨)، اللسان (٧/ ٥٣٩)]، وأبو عبد الله محمَّد بن عبد السلام بن عبد الرحمن بن عبيد بن سعدان الجذامي: ترجم له ابن عساكر، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، ونعته الذهبي بقوله: "الشيخ الجليل الصدوق مسند دمشق" [تاريخ دمشق (٥٤/ ١٢٠)، السير (١٧/ ٦٣٥)، تاريخ الإِسلام (٣٠/ ٨٢)].
• ورواه سليمان بن موسى الكوفي [خراساني الأصل، نزل دمشق، وهو: صدوق، مستقيم الحديث، تقدم الكلام عليه تحت الحديث رقم (٤٥٦)]: ثنا جعفر بن سعد بن سمرة: حدثني خبيب بن سليمان، عن أبيه سليمان، عن سمرة، قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا في الصلاة ورفعنا من رؤوسنا من السجود أن نطمئن على الأرض جلوسًا، ولا نستوفز على أطراف الأقدام.
أخرجه الطبراني في الكبير (٧/ ٢٥٠/ ٧٠٢٠)، بإسناد صحيح إلى سليمان.
وقد تقدم الكلام على هذا الإسناد بالتفصيل تحت الحديث رقم (٤٥٦)، وخلصت هناك إلى القول بأن الذي يترجح عندي في هذا الإسناد - والله أعلم -: أنَّه إسناد صالح في الشواهد والمتابعات، لا ينهض على انفراده بإثبات حكم، أو تثبت به سُنَّة، فإن جاء بمخالفة ما صح فهو منكر.
والإقعاء على أطراف الأقدام بين السجدتين قد ثبت من حديث ابن عباس مرفوعًا، ولم يثبت حديث في النهي عن الإقعاء غير حديث عائشة في النهي عن عقبة الشيطان، وهو محتمل للتأويل، إما بحمله على جلسة التشهد، أو على ذم من ترك غسل العقبين في الوضوء، فيبقى حديث سمرة هذا بانفراده بالنهي عن عموم الاستيفاز.
لكن يمكن أن يقال: أليس الاستيفاز هو في معنى الإقعاء كما قال ابن شميل، وهو معنى ما جاء في حديث عائشة في النهي عن عقب الشيطان، ثمَّ إن هذا الطريق من نسخة ولد سمرة، يعتضد بطريق سعيد بن أبي عروبة، وإن كان مما رواه بعد اختلاطه، فإن رواية المختلط إذا وجدنا ما يشهد لها، ويدل على أنَّه حفظها، ورواها على الصواب، تصبح صالحة للاستشهاد بها.
وعلى هذا؛ فإن حديث سمرة يمكن أن يحسن بمجموع الطريقين: طريق بني سمرة، وطريق الحسن عن سمرة، وقد سبق الكلام عن سماع الحسن من سمرة، وأن الحسن لم
стр. 4355
يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة، والباقي كتاب غير مسموع إلا أنَّه وجادة صحيحة معمول بها عند الأئمة [راجع الحديث رقم (٣٥٤)].
ونقول في حديث سمرة مثلما قلنا في حديث عائشة بحمله على جلسة التشهد؛ جمعًا بينهما وبين حديث ابن عباس في جواز الإقعاء بين السجدتين، والله أعلم.
• نعود بعد ذلك مرة أخرى إلى حديث قتادة عن الحسن عن سمرة:
فنقول: قد اختلف في هذا الحديث على قتادة:
أ - فرواه سعيد بن أبي عروبة [على التفصيل المتقدم]، وسعيد بن بشير:
عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، قال: نهى رسول الله ﷺ عن الإقعاء في الصلاة.
ب - خالفهما حماد بن سلمة.
٥ - حديث أنس:
فقد روى يحيى بن إسحاق السيلحيني، قال: أخبرني حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أنس بن مالك؛ أن رسول الله ﷺ نهى عن الإقعاء والتَّورُّك في الصلاة.
أخرجه أحمد (٣/ ٢٣٣)، والبزار (١٠/ ٤٣٤/ ٤٥٨٨) و (١٣/ ٤٧٠/ ٧٢٦١)، وأبو العباس السراج في حديثه بانتقاء الشحامي (٩٤١)، والطحاوي في المشكل (١٥/ ٤٧٨/ ٦١٧٤)، والبيهقيُّ (٢/ ١٢٠)، وابن عبد البر في التمهيد (١٦/ ٢٧٤).
قال عبد الله: "كان أبي قد ترك هذا الحديث".
وقال البزار: "وهذا الحديث أظن أن يحيى بن إسحاق أخطأ فيه، وسعيد بن بشير فلا يحتج بحديث له إذا تفرد به، والحديث المحفوظ: رواه حماد بن سلمة وغيره، عن قتادة، عن أنس؛ أن النبي ﷺ قال: "إذا صلى أحدكم فلا يفترش ذراعيه افتراش الكلب"، أو "السبع"، هذا هو الحديث عندنا، والله أعلم".
وقال في الموضع الثاني: "وهذا الحديث لا نعلم رواه عن حماد بن سلمة إلا يحيى بن إسحاق، ولا يروى عن أنس إلا من هذا الوجه".
وقال البيهقي: "تفرد به: يحيى بن إسحاق السيلحيني عن حماد بن سلمة، وقد قيل: عنه عن حماد وبحر بن كنيز عن قتادة عن أنس، والرواية الأولى أصح"؛ يعني: حديث ابن أبي عروبة.
قلت: أراد البزار إعلال الحديث بالسيلحيني، وأنه هو الذي أخطأ فيه على حماد بن سلمة، وأن غيره مثل: كامل بن طلحة الجحدري، وعبد الله بن رجاء، يروونه عن حماد، عن قتادة، عن أنس، ورواه أيضًا: شعبة، وابن أبي عروبة، وهشام الدستوائي، ويزيد بن إبراهيم، وهمام، وسَليم بن حيان، وعمران بن خالد، وغيرهم: عن قتادة، عن أنس؛ أن النبي ﷺ قال: "اعتدلوا في السجود، ولا يفترش أحدكم ذراعيه افتراش الكلب".
стр. 4356
وهو حديث متفق عليه، ويأتي تخريجه مفصلًا في موضعه من السنن برقم (٨٩٧)، إن شاء الله تعالى.
فهذا وجه من الإعلال، ووجه آخر: وهو أن حماد بن سلمة وهم فيه، أو وقع الوهم من الراوي عنه: يحيى بن إسحاق السيلحيني، وهو: صدوق، له أوهام وغرائب، فلعل هذا منها، حيث سلك فيه الجادة والطريق السهل، وقال فيه: قتادة عن أنس، وإنما هو: قتادة عن الحسن عن سمرة، كما تقدم في الشاهد السابق، وقد رجح هذا الوجه البيهقي، وأما الإمام أحمد فإنَّ ترْكه لهذا الحديث ليعطي دلالة قوية على أنَّه تيقن من وقوع الوهم فيه، وأنه حديث خطأ، أيًا كان منه الوهم، والله أعلم.
• ولحديث أنس طرق أخرى كثيرة لا يصح منها شيء، فمنها مثلًا:
أ - ما رواه محمَّد بن الحسن بن أبي يزيد الصدائي: حدثنا عباد المنقري، عن علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيّب، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : "يا بني وإذا سجدت فأمكن كفيك وجبهتك من الأرض، ولا تنقر نقر الديك، ولا تقع إقعاء الكلب، ولا تلتفت التفات الثعلب" في حديث طويل جدًّا.
أخرجه أبو يعلى (٦/ ٣٠٨/ ٣٦٢٤)، وأبو الشيخ في أخلاق النبي ﷺ (٤٣)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (١/ ٢٣٣/ ٧٩٩)، وفي دلائل النبوة (١٢٤)، وابن عبد البر في التمهيد (١٦/ ٢٧٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٩/ ٣٤٢).
• وقد أخرج الترمذي بعض أطرافه مفرقًا على الأبواب برقم (٥٨٩ و ٢٦٧٨ و ٢٦٩٨)، بدون موضع الشاهد.
من طريق محمَّد بن عبد الله الأنصاري، عن أبيه، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيّب، قال: قال أنس بن مالك: قال لي رسول الله ﷺ :. . . .
قال الترمذي في الموضع الأوّل: "حسن غريب"، وقال في الموضع الثاني: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، ومحمد بن عبد الله الأنصاري ثقة، وأبوه ثقة، وعلي بن زيد صدوق؛ إلا أنَّه ربما يرفع الشيء الذي يوقفه غيره، وسمعت محمَّد بن بشار يقول: قال أبو الوليد: قال شعبة: حدثنا علي بن زيد، وكان رفَّاعًا.
ولا نعرف لسعيد بن المسيّب عن أنس رواية إلا هذا الحديث بطوله.
وقد روى عباد بن ميسرة المنقري هذا الحديث عن علي بن زيد عن أنس، ولم يذكر فيه: عن سعيد بن المسيّب.
وذاكرت به محمَّد بن إسماعيل فلم يعرفه، ولم يعرف لسعيد بن المسيّب عن أنس هذا الحديث ولا غيره، ومات أنس بن مالك سنة ثلاث وتسعين، ومات سعيد بن المسيّب بعده بسنتين، مات سنة خمس وتسعين".
وقال في الموضع الثالث: "هذا حديث حسن صحيح غريب".
• وقد روي من هذا الوجه بتمامه، وفيه موضع الشاهد: "يا بني! إذا سجدت فلا
стр. 4357
تنقر كما ينقر الديك، ولا تقع كما يقعي الكلب، ولا تفرش ذراعيك الأرض افتراش السبع، وافرش ظهر قدميك بالأرض، وضع إليتيك على عقبيك، فإن ذلك أيسر عليك يوم القيامة في حسابك".
أخرجه الطبراني في الأوسط (٦/ ١٢٣ - ١٢٥/ ٥٩٩١)، وفي الصغير (٨٥٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٩/ ٣٤٢).
وهذا حديث غريب جدًّا؛ إذ لا يُعرف لسعيد بن المسيّب رواية عن أنس غير هذا الحديث، تفرد به علي بن زيد بن جدعان، وهو: ضعيف، وقد كان رفاعًا، وكان يقلب الأحاديث [انظر: التهذيب (٣/ ١٦٢)، الميزان (٣/ ١٢٧)].
وبقية رجال الإسناد متكلم فيهم، وعباد بن ميسرة المنقري: ليس بالقوي، ومحمد بن الحسن بن أبي يزيد الصدائي: متروك، كذبه ابن معين وأبو داود [التهذيب (٣/ ٥٤٣)، الميزان (٣/ ٥١٤)].
ب - ورواه بشر بن إبراهيم: نا عباد بن كثير، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيّب، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة وأنا ابن ثماني سنين،. . . فذكر الحديث بطوله، وفيه: "يا بني إذا قعدت بين السجدتين فابسط ظهور قدمك على الأرض، وضع أليتيك على عقبيك، فإن ذلك من سُنَّتي، ومن أحيا سُنَّتي فقد أحبني، ومن أحبني كان معي في الجنة، ولا تُقْعِ كما يقعي الكلب، ولا تنقر كما ينقر الديك".
أخرجه أبو بكر الإسماعيلي في معجم شيوخه (٢/ ٦٠١)، والخطيب في تلخيص المتشابه في الرسم (١/ ٥٤٢)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (١/ ١٨٨/ ٢٥٤)، وابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ١٨٧ - ١٨٨).
وهذا حديث موضوع؛ آفته بشر بن إبراهيم الأنصاري البصري، أبو عمرو المفلوج: مشهور بالوضع، كان يضع الحديث على الثقات [اللسان (٢/ ٢٨٧)].
قال ابن الجوزي: "هذا حديث موضوع"، ثمَّ ذكر من ضعَّف عبد الرحمن بن حرملة وعباد بن كثير وبشر بن إبراهيم.
وقال ابن حجر في اللسان (٢/ ٢٩٠): "وهو باطل بهذا الإسناد، وله طرق متعددة عن أنس، قال العقيلي: لا يثبت منها شيء".
ج - ورواه العلاء بن زيد أبو محمَّد، عن أنس، قال: قال لي رسول الله ﷺ : "إذا رفعت رأسك من السجود فلا تُقْعِ كما يقعي الكلب، ضع أليتيك بين قدميك، وألزق ظاهر قدميك بالأرض".
أخرجه ابن ماجه (٨٩٦).
ورواه بدون موضع الشاهد: البخاري تعليقًا في التاريخ الكبير (٦/ ٥٢٠)، وفي الأوسط (٢/ ١٧٧)، وابن سعد في الطبقات (٧/ ١٢)، وأحمد بن منيع في مسنده (٨٥
стр. 4358
و ٢٧٠٠ و ٣١٢٧ - مطالب)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٣/ ٢٧٩/ ٤٢٩ - مسند علي)، ووهَّى إسناده. والطبراني في الكبير (١/ ٢٤٩/ ٧١٣)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (١/ ٢٣٤/ ٨٠٣).
وهذا حديث منكر؛ العلاء بن زيد، أو ابن زيدل: متروك، منكر الحديث، اتهمه بالوضع: ابن المديني، وابن حبَّان، والحاكم [راجع ترجمته مع هذا الحديث: تخريج الذكر والدعاء (١/ ١٢٤/ ٦٣)].
د - ورواه كثير بن عبد الله الأبلي أبو هاشم، قال: رأيت أنس بن مالك يحدث معاوية بن قرة؛ أن رسول الله ﷺ قال له: "يا بني إذا تقدّمت إلى الصلاة فاستقبل القبلة،. . ."، فذكر حديثًا طويلًا، وفيه: "وإذا سجدت فضع عقبيك تحت أليتك، وأقم صلبك حتى يقع كل عضو مكانه، ولا تنقر كنقر الديك، ولا تقعى كإقعاء الكلب، ولا تبسط ذراعيك كبسط الثعلب،. . .".
أخرجه ابن أبي شيبة في المسند (٢١٧ - المطالب)، والعقيلي (٤/ ٨)، وابن حبَّان في المجروحين (٢/ ٢٢٣)، وابن عديّ في الكامل (٦/ ٦٥)، وتمام في الفوائد (١٧٦٠)، وابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ١٨٧)، وفي العلل المتناهية (٥٧٩).
وهذا حديث منكر، أبو هاشم الأبلي كثير بن عبد الله: متروك، منكر الحديث [التهذيب (٣/ ٤٦٠)، الميزان (٣/ ٤٠٦)].
ولحديث أنس هذا طرق كثيرة جدًّا جمعت أكثرها في تخريج الذكر والدعاء (١/ ١٢٠ - ١٢٧/ ٦٣)، أغلبها مناكير، لا يقوي بعضها بعضًا.
• قال النوويّ في الخلاصة (١/ ٤١٧): "قال الحفاظ: ليس في النهي عن الإقعاء حديث صحيح؛ إلا حديث عائشة".
وقال في المجموع (٣/ ٣٩٧): "ليس في النهي عن الإقعاء حديث صحيح"، ولم يعن بذلك حديث عائشة.
• قلت: حديث عائشة في الباب صحيح، وحديث سمرة حسن لغيره، ويحمل الحديثان على النهي عن الإقعاء في جلوس التشهد، والله أعلم.
• وأما افتراش اليسرى ونصب اليمنى في الجلسة بين السجدتين، وفي التشهد؛ فقد جاء في أحاديث كثيرة، منها:
١ - حديث وائل بن حجر:
وله طرق كثيرة، راجعها في الأحاديث المتقدمة برقم (٧٢٦ - ٧٢٨).
ومن ألفاظه: رأيت رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه، وإذا ركع، وبعدما يرفع رأسه من الركوع، ورأيته إذا جلس في الصلاة أضجع رجله اليسرى، ونصب اليمنى،. . . الحديث.
وهو حديث صحيح.
стр. 4359
٢ - حديث أبي حميد الساعدي:
وله طرق، منها:
أ - ما رواه محمَّد بن عمرو بن حلحلة، عن محمَّد بن عمرو بن عطاء، أنَّه كان جالسًا مع نفر من أصحاب النبي ﷺ ، فذكرنا صلاة النبي ﷺ ، فقال أبو حميد الساعدي: أنا كنت أحفظَكم لصلاة رسول الله ﷺ ، رأيته إذا كبر جعل يديه حذاء منكبيه، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثمَّ هَصَر ظهره، فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فَقَارٍ مكانَه، فإذا سجد وضع يديه غيرَ مُفترِشٍ ولا قابِضِهما، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة، فإذا جلس في الركعتين جلس على رجلِه اليسرى، ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الآخرة قدَّم رجلَه اليسرى، ونصب الأخرى، وقعد على مقعدته.
أخرجه البخاري (٨٢٨)، وتقدم عند أبي داود برقم (٧٣٢).
ب - ورواه عبد الحميد بن جعفر: أخبرني محمَّد بن عمرو بن عطاء، قال: سمعت أبا حُميد الساعدي، في عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ ، منهم: أبو قتادة.
قال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ ، قالوا: فلِمَ؟ فوالله ما كنتَ بأكثرِنا له تَبِعةً [وفي رواية ابن داسة: تَبَعًا]، ولا أقدمِنا له صحبةً، قال: بلى، قالوا: فاعرِض.
قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذيَ بهما مَنكِبَيه،. . . إلى أن قال: ثمَّ يهوي إلى الأرض، فيجافي يديه عن جنبيه، ثمَّ يرفع رأسه ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها، ويفتِخُ أصابعَ رجليه إذا سجد، ثمَّ يسجد، ثمَّ يقول: "الله أكبر"، ويرفع رأسه، ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها، حتى يرجع كل عظم إلى موضعه،. . . إلى أن قال: حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخَّر رجله اليسرى وقعد مُتورِّكًا على شقِّه الأيسر.
وفي رواية ثمَّ ثنى رجله اليسرى وقعد عليها، واعتدل حتى رجع كلُّ عظمٍ في موضعه، ثمَّ هوى ساجدًا، وقال: "الله أكبر"، ثمَّ ثنى رجله وقعد عليها حتى يرجع كلُّ عضوٍ إلى موضعه.
أخرجه أبو داود (٧٣٠ و ٩٦٣)، وهو حديث صحيح.
ج - ورواه فُلَيح: حدثني عباس بن سهل، قال: اجتمع أبو حُميد، وأبو أسيد، وسهل بن سعد، ومحمد بن مسلمة، فذكروا صلاة رسول الله ﷺ ، فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ ،. . . فذكر الحديث إلى أن قال: ثمَّ جلس فافترش رجله اليسرى، وأقبل بصَدْر اليمنى على قِبلته، ووضع كفَّه اليمنى على ركبته اليمنى، وكفَّه اليسرى على ركبته اليسرى، وأشار بإصبَعِه.
أخرجه أبو داود (٧٣٤)، وهو حديث صحيح.
٣ - حديث عائشة:
رواه بُدَيل بن ميسرةَ، عن أبي الجَوزاء، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يفتتح الصلاةَ بالتكبير،. . . فذكر الحديث بطوله، وفيه: وكان إذا جلس يَفرْش رجله اليسرى
стр. 4360
وينصِب رجله اليمنى، وكان ينهى عن عَقِبِ الشيطان، وعن فِرشَة السَّبُع، وكان يختم الصلاة بالتسليم، ﵇.
أخرجه مسلم (٤٩٨)، وتقدم عند أبي داود برقم (٧٨٣).
٤ - حديث ابن عمر:
رواه عبد الرحمن بن القاسم، عن عبد الله بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر، أنَّه قال: إنما سُنَّة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى، وتثني اليسرى.
أخرجه البخاري (٨٢٧)، ويأتي تخريجه في سنن أبي داود برقم (٩٥٨) إن شاء الله تعالى.
٥ - حديث ميمونة:
رواه مروان بن معاوية الفزاري، قال: حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن الأصم، عن يزيد بن الأصم أنَّه أخبره، عن ميمونة زوج النبي ﷺ ، قالت: كان النبي ﷺ إذا سجد خوَّى بيديه -يعني: جنَّح- حتى يُرى وَضَحُ إبطيه من ورائه، وإذا قعد اطمأن على فخذه اليسرى.
أخرجه مسلم (٤٩٧)، ويأتي تخريجه في سنن أبي داود برقم (٨٩٨) إن شاء الله تعالى.
• وحاصل ما تقدم:
أن السُّنَّة في الجلوس في الصلاة أن يثني رجله اليسرى فيقعد عليها، وينصب اليمنى مستقبلًا بأصابعها القبلة، فإذا كان في الركعة الثالثة أو الرابعة التي فيها التسليم أخَّر رجله اليسرى وقعد مُتورِّكًا على شقِّه الأيسر على مقعدته، ونصب اليمنى، أكثر الأحاديث على ذلك، وهو غالب فعله ﷺ .
فإن جلس بين السجدتين جاعلًا أليتيه على عقبيه، فلا بأس بذلك، لثبوته من حديث ابن عباس، أنَّه من سُنَّة نبينا ﷺ .
فإن كان في الركعة الأخيرة من الثلاثية أو الرباعية فجلس متوركًا، جاعلًا قدمه اليسرى بين فخذه وساقه، وفرش قدمه اليمنى؛ فلا حرج في ذلك؛ لوروده في حديث عبد الله بن الزبير:
فقد روى عبد الواحد بن زياد، قال: حدثنا عثمان بن حكيم: حدثني عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قعد في الصلاة، جعل قدمه اليسرى تحت فخذه وساقه، وفرش قدمه اليمنى،. . . الحديث.
أخرجه مسلم (٥٧٩)، ويأتي تخريجه مفصلًا في موضعه من السنن برقم (٩٨٨).
ويحمل النهي عن الإقعاء وعن عقبة الشيطان الوارد في حديث عائشة وسمرة على الجلوس للتشهد الأوسط أو الأخير، أو على المعنى اللغوي لإقعاء السباع، والله أعلم.
стр. 4361
• ومن أقوال العلماء في الإقعاء:
قال مالك: "ما أدركت أحدًا من أهل العلم إلا وهو ينهي عن الإقعاء ويكرهه" [المدونة (١/ ٧٣)].
قلت: ويحمل هذا على الإقعاء المكروه، سواء قلنا فيه بجعل الأليتين على العقبين في جلسة التشهد، أو قلنا بقول اللغويين في إقعاء الكلب أو السبع، وهذا لا رخصة فيه، لكن ليس لدينا في هذا الأخير دليل صحيح من السُّنَّة، إذ كل ما ورد في تقييد الإقعاء بإقعاء الكلب أو القرد أو الذئب لا يصح منه شيء؛ إلا إذا نظرنا إلى نفس الإطلاق في اللغة من حيث هو إقعاء، فإن الإقعاء لا يستعمل في وصف الإنسان، وإنما يستعمل مع السباع، والله أعلم.
قال أبو عبيد القاسم بن سلام في غريب الحديث (١/ ٢٦٦): "قال أبو عبيدة [يعني: معمر بن المثنى]: الإقعاء جلوس الرجل على أليتيه ناصبًا فخذيه، مثل إقعاء الكلب والسبع.
قال أبو عبيد: وأما تفسير أصحاب الحديث فإنهم يجعلون الإقعاء: أن يضع أليتيه على عقبيه بين السجدتين، وهذا عندي هو الحديث الذي فيه: عقب الشيطان، الذي جاء فيه النهي عن النبي ﷺ ، أو عن عمر، أنَّه نهى عن عقب الشيطان.
قال أبو عبيد: وتفسير أبي عبيدة في الإقعاء أشبه بالمعنى؛ لأنَّ الكلب إنما يقعي كما قال، وقد روي عن النبي ﷺ أنَّه أكل مقعيًا، فهذا يبين لك أن الإقعاء هو هذا، وعليه تأويل كلام العرب" [ونقله ابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٩٢)].
وقال في موضع آخر (٤/ ٦٢): "وأما الإقعاء فهو الذي جاء فيه النهي عن النبي ﵇ أن يُفعل في الصلاة؛ فقد اختلف الناس فيه:
فقال أبو عبيدة: وهو أن يلصق أليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويضع يديه بالأرض.
وأما تفسير الفقهاء: فهو أن يضع أليتيه على عقبيه بين السجدتين، شبيه بما يروى عن العبادلة: عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير ﵃.
قال أبو عبيد: وقول أبي عبيدة أشبه بكلام العرب، وهو معروف عند العرب، وذلك بين في بعض الحديث؛ أنَّه نهى أن يقعي الرجل كما يقعي السبع، ويقال: كما يقعي الكلب، فليس الإقعاء في السباع إلا كما قال أبو عبيدة.
قال أبو عبيد: وقد روي عن النبي ﵇ أنَّه أكل مرةً مقعيًا، فكيف يمكن أن يكون فعل هذا وهو واضعٌ أليتيه على عقبيه، وأما الحديث الآخر أنَّه نهى عن عقب الشيطان في الصلاة؛ فإنَّه أن يضع الرجل أليتيه على عقبيه في الصلاة بين السجدتين، وهو الذي يجعله بعض الناس الإقعاء" [نقل بعضه الأزهري في تهذيب اللغة (٣/ ٢٢)].
وقال إسحاق بن منصور في مسائله لأحمد وإسحاق (٢٢٧): "قلت: ما الإقعاء؟ قال: أن يضع أليتيه على عقبيه، وأهل مكة يفعلون ذلك، وبعضهم يقول: أن يقوم على
стр. 4362
رجليه ويضع أليتيه على عقبيه كأنه قاعد عليهما، كما يقعي الكلب. قال إسحاق: كما قال" [ونقله ابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٩٣)].
وقال أبو إسحاق الحربي في غريب الحديث (١/ ٦٠): "قوله: نهى عن الإقعاء، في حديث أبي هريرة: وهو أن يكون في جلوسه كأنه متساند إلى ظهره، والكلب والذئب يقعيان، وهو وضع الألية على الأرض، ونصب الساقين، ووضع الراحتين على الأرض، وهذا لا رخصة فيه، وأما الإقعاء في حديث ابن عمر وابن عباس بين السجدتين ففيه رخصة؛ أن ينصب قدميه بين السجدتين ويجلس عليهما".
وقال ابن خزيمة: "باب إباحة الإقعاء على القدمين بين السجدتين، وهذا من جنس اختلاف المباح، فجائز أن يقعي المصلي على القدمين بين السجدتين، وجائز أن يفترش اليسرى وينصب اليمنى".
وقال البيهقي في المعرفة (٢/ ١٩): "ويحتمل أن يكون حديث عائشة في القعود للتشهد، وحديث سمرة وغيره في الإقعاء الذي فسره أبو عبيد حكاية عن أبي عبيدة، وهو جلوس الإنسان على أليتيه ناصبًا فخذيه، مثل إقعاء الكلب والسبع، والمراد بما روينا عن ابن عباس: أن يضع أطراف أصابع رجليه على الأرض، ويضع أليتيه على عقبيه، ويضع ركبتيه بالأرض، وفي هذا جمع بين الأخبار".
وقال في السنن (٢/ ١٢٠) بعد حكاية كلام أبي عبيد في الإقعاء: "وهذا النوع من الإقعاء غير ما روينا عن ابن عباس وابن عمر، وهذا منهي عنه، وما روينا عن ابن عباس وابن عمر مسنون، وأما حديث أبي الجوزاء عن عائشة عن النبي ﷺ ؛ أنَّه كان ينهى عن عقب الشيطان، وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمني، فيحتمل أن يكون واردًا في الجلوس للتشهد الأخير، فلا يكون منافيًا لما روينا عن ابن عباس وابن عمر في الجلوس بين السجدتين، والله أعلم".
وقال ابن عبد البر في الاستذكار (١/ ٤٨٢): "فالذي فسر به الإقعاء معمر بن المثنى أولى عندي، والله أعلم.
يقال: أقعى الكلب، ولا يقال: قعد، وقعوده إقعاؤه،. . .، فمن انصرف بين السجدتين على هذا الحال، وقعد في صلاته على هذه السبيل، فهو الإقعاء المنهي عنه، المجتمع عليه، وذلك أن يقعد على أليته، وينصب رجليه من الجانبين، فمن فعل هذا فقد فعل ما لا يجوز عند أحد من العلماء".
وقال في التمهيد (١٦/ ٢٧٣): "واختلف العلماء في هذه المسألة؛ أعني: الانصراف على صدور القدمين في الصلاة بين السجدتين، فكره ذلك منهم جماعة، ورأوه من الفعل المكروه المنهي عنه، ورخص فيه آخرون، ولم يروه من الإقعاء، بل جعلوه سُنَّة،. . .، فأما مالك وأبو حنيفة والشافعيُّ وأصحابهم فإنهم يكرهون الإقعاء في الصلاة، وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق وأبو عبيد".
стр. 4363
ثمَّ قال (١٦/ ٢٧٧): "من حمل الإقعاء على ما قاله أبو عبيدة معمر بن المثنى خرج من الاختلاف، وهو أولى ما حمل عليه الحديث من المعنى، والله أعلم؛ لأنهم لم يختلفوا أن الذي فسر عليه أبو عبيدة الإقعاء لا يجوز لأحد مثله في الصلاة من غير عذر، وفي قول ابن عمر في حديثه المذكور في هذا الباب: إنما أفعل ذلك من أجل أني أشتكي، وأخبر أن ذلك ليس من سُنَّة الصلاة؛ دليل على أنَّه كان يكره ذلك لو لم يشتك، ومعلوم أن ما كان عنده من سُنَّة الصلاة لا يجوز خلافه عنده لغير عذر، فكذلك ما لم يكن من سُنَّة الصلاة لا يجوز عمله فيها من غير عذر، فدلّ على أن ابن عمر كان ممن يكره الإقعاء، فهو معدود فيمن كرهه، كما روي عن علي وأبي هريرة وأنس، إلا أن الإقعاء عن هؤلاء غير مفسر، وهو مفسر عن ابن عمر؛ أنَّه الانصراف على العقبين وصدور القدمين بين السجدتين، وهذا هو الذي يستحسنه ابن عباس، ويقول: إنه سُنَّة، فصار ابن عمر مخالفًا لابن عباس في ذلك".
إلى أن قال: "ومن جهة النظر أيضًا: قول ابن عباس: إن كذا وكذا سُنَّة إثبات، وقول ابن عمر: ليس بسُنَّة نفي، وقول المثبت في هذا الباب وما كان مثله أولى من النافي؛ لأنه قد علم ما جهله النافي، وعلى أن الإقعاء قد فسره أهل اللغة على غير المعنى الذي تنازع فيه هؤلاء، وهذا كله يشهد لقول ابن عباس".
قلت: سبق بيان عدم صحة هذا الحديث عن ابن عمر، وسبق بيان الجمع بين الآثار.
وقال البغوي في شرح السُّنَّة (٣/ ١٥٥): "وليس هذا معنى الحديث من الإقعاء، وتفسير أصحاب الحديث في عقبة الشيطان وفي الإقعاء واحد، وهو أن يضع أليتيه على عقبيه، ويقعد مستوفزًا غير مطمئن إلى الأرض".
وقال ابن الأثير في النهاية (٣/ ٢٦٨): "وفيه: أنَّه نهى عن عقب الشيطان في الصلاة، وفي رواية: عن عقبة الشيطان، هو أن يضع أليتيه على عقبيه بين السجدتين، وهو الذي يجعله بعض الناس الإقعاء، وقيل: هو أن يترك عقبيه غير مغسولين في الوضوء".
وقال في موضع آخر (٤/ ٨٩): "فيه: أنَّه نهى عن الإقعاء في الصلاة، وفي رواية: نهى أن يقعي الرجل في الصلاة، الإقعاء: أن يلصق الرجل أليتيه بالأرض، وينصب ساقيه وفخذيه، ويضع يديه على الأرض، كما يقعي الكلب، وقيل: هو أن يضع أليتيه على عقبيه بين السجدتين، والقول: الأوّل".
وقال النوويّ في شرح مسلم (٥/ ١٩): "والصواب الذي لا معدل عنه: أن الإقعاء نوعان: أحدهما: أن يلصق أليتيه بالأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه على الأرض؛ كإقعاء الكلب، هكذا فسره أبو عبيدة معمر بن المثنى وصاحبه أبو عبيد القاسم بن سلام وآخرون من أهل اللغة، وهذا النوع هو المكروه الذي ورد فيه النهي، والنوع الثاني: أن يجعل أليتيه على عقبيه بين السجدتين، وهذا هو مراد ابن عباس بقوله: سُنَّة نبيكم ﷺ ".
стр. 4364
وقال في الخلاصة (١/ ٤١٩) عن الإقعاء المسنون: "فهو سُنَّة، والافتراش سُنَّة؛ لكن الصحيح: أن الافتراش أفضل لكثرة الرواة له، ولأنه أعون للمصلي، وأحسن في هيئة المصلي".
وقال في المجموع (٣/ ٤٠١): "وكلاهما سُنَّة، لكن إحدى السُّنَّتين أكثر وأشهر، وهي رواية أبي حميد؛ لأنه رواها وصدقه عشرة من الصحابة كما سبق، ورواها وائل بن حجر وغيره، وهذا يدلّ على مواظبته ﷺ عليها وشهرتها عندهم، فهي أفضل وأرجح، مع أن الإقعاء سُنَّة أيضًا" [وانظر: المجموع شرح المهذب (٣/ ٣٩٧ - ٤٠١)، فقد أطال في بيان هذه المسألة، ونقل كلام أهل العلم فيها، والله الموفق للصواب].
***
١٤٤ - باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع
٨٤٦ - قال أبو داود: حدثنا محمَّد بن عيسى: حدثنا عبد الله بن نمير، وأبو معاوية، ووكيع، ومحمد بن عبيد.
كلهم: عن الأعمش، عن عبيد بن الحسن، قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى، يقول: كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع يقول: "سمع الله لمن حمده، اللَّهُمَّ ربنا لك الحمد، مِلءَ السماوات ومِلءَ الأرض، ومِلءَ ما شئت من شيءٍ بعدُ".
قال أبو داود: قال سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، عن عبيدٍ أبي الحسن: هذا الحديث ليس فيه: بعد الركوع، قال سفيان: لَقِينا الشيخ عبيدًا أبا الحسن بعدُ، فلم يقل فيه: بعد الركوع.
قال أبو داود: ورواه شعبة، عن أبي عصمة، عن الأعمش، عن عبيد، قال: بعد الركوع.
• حديث صحيح.
أخرجه من طريق الأعمش:
مسلم (٤٧٦/ ٢٠٢)، وأبو عوانة (١/ ٤٩٦/ ١٨٤٨)، وأبو نعيم في المستخرج (٢/ ٩١/ ١٠٥١)، وابن ماجه (٨٧٨)، وأحمد (٤/ ٣٥٣ و ٣٨١)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٢٢/ ٢٥٤٦)، وعبد بن حميد (٥٢٢)، والبزار (٨/ ٢٩١/ ٣٣٦١)، وأبو العباس السراج في مسنده (٢٨٤ و ٢٨٦ و ٢٨٧)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (١٤ و ١٦ و ١٧) و (٦١١ و ٦١٣ و ٦٩١)، والطبراني في الدعاء (٥٦٤)، والدارقطني في الأفراد (٢/ ٦٦/ ٤٠٦٥ - أطرافه)،
стр. 4365
وأبو طاهر المخلص في التاسع من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (١٥٠) (٢٠٣٧ - المخلصيات)، وابن حزم في المحلى (٤/ ١١٩ و ١٢٠)، والبيهقيُّ في السنن (٢/ ٩٤)، وفي الدعوات الكبير (٨٩)، والخطيب في الموضح (٢/ ٢٦٨).
هكذا رواه عن الأعمش: أبو معاوية، ووكيع بن الجراح، وعبد الله بن نمير، ومحمد بن عبيد الطنافسي، وحفص بن غياث، وعبد العزيز بن مسلم القسملي، ومنصور بن أبي الأسود، والحسين بن واقد [وهم ثقات].
• ورواه شعبة، قال: وحدثني أبو عصمة، عن سليمان الأعمش، عن عبيد، عن عبد الله بن أبي أوفى، قال: إن النبي ﷺ كان يدعو إذا رفع رأسه من الركوع. . . .
أخرجه أبو عوانة (١/ ٤٩٦/ ١٨٤٧)، وأحمد (٤/ ٣٥٤)، والمحاملي في الأمالي (١٦)، وابن عديّ في الكامل (٧/ ٤٣)، وأبو موسى المديني في اللطائف (٦٦٧ و ٦٦٨).
وهذا إسناد ساقط، لا يسوي شيئًا؛ أبو عصمة نوح بن أبي مريم: متروك، ذاهب الحديث، متهم، كذبه غير واحد [التهذيب (٤/ ٢٤٧)].
• ورواه سفيان الثوري عن الأعمش كالجماعة، ثمَّ سمعه من أبي الحسن عبيد بن الحسن بدون هذا القيد: إذا رفع رأسه من الركوع:
يرويه يحيى بن آدم [ثقة حافظ]: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن عبيد بن الحسن، عن ابن أبي أوفى، قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: "اللَّهُمَّ لك الحمد، ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد".
قال سفيان: فلقيت الشيخ عبيدًا فلم يقل: بعد الركوع.
أخرجه أبو داود [رواية أبي الحسن بن العبد. تحفة الأشراف (٤/ ١٦١/ ٥١٧٣ - ط الغرب]، وأبو العباس السراج في مسنده (٢٨٥)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (١٥) و (٦١٢)، والطبراني في الدعاء (٥٦٥).
• ورواه شعبة، عن عبيد بن الحسن، قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى، قال: كان رسول الله ﷺ يدعو بهذا الدعاء: "اللَّهُمَّ ربنا لك الحمد، مِلءَ السماوات ومِلءَ الأرض، ومِلءَ ما شئت من شيءٍ بعدُ".
أخرجه مسلم (٤٧٦/ ٢٠٣)، وأبو عوانة (١/ ٤٩٦/ ١٨٤٧)، وأبو نعيم في المستخرج (٢/ ٩١/ ١٠٥٢)، وأحمد (٤/ ٣٥٤)، والطيالسي (٢/ ١٦٠/ ٨٥٥) و (٢/ ١٦٤/ ٨٦٣)، والبزار (٨/ ٢٩١/ ٣٣٦٢)، والطحاوي (١/ ٢٣٩)، والمحاملي في الأمالي (١٥)، وابن عديّ في الكامل (٧/ ٤٣)، وأبو طاهر المخلص في التاسع من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (١٥٢) (٢٠٣٩ - المخلصيات)، وأبو القاسم المهرواني في فوائده "المهروانيات" (١٣٤)، وأبو موسى المديني في اللطائف (٦٦٦ و ٦٦٨).
هكذا رواه عن شعبة به هكذا بدون ذكر الرفع من الركوع: غندر محمَّد بن جعفر،
стр. 4366
وحجاج بن محمَّد، وأبو داود الطيالسي، ويزيد بن هارون [وهم أربعة من ثقات أصحاب شعبة، لا سيما وفيهم غندر؛ أكثر الناس لزومًا لشعبة].
• خالفهم فأثبت الزيادة: عفان بن مسلم [ثقة ثبت، من أصحاب شعبة]، وأبو الوليد الطيالسي هشام بن عبد الملك [ثقة ثبت، من أصحاب شعبة]، وقراد أبو نوح عبد الرحمن بن غزوان [ثقة، مكثر عن شعبة، وكان شعبة ينزل عليه، وله حديث تفرد به عن الليث، وأخطأ فيه. التهذيب (٢/ ٥٤٢)]:
قالوا: حدثنا شعبة: أخبرني أبو الحسن [عبيد بن حسن]: سمعت ابن أبي أوفى، قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: "ربنا لك الحمد، ملء السماء وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد".
أخرجه أبو إسحاق الحربي في غريب الحديث (١/ ٣٣٣)، والطبراني في الدعاء (٥٦١)، وأبو طاهر المخلص في التاسع من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (١٥١) (٢٠٣٨ - المخلصيات)، وأبو موسى المديني في اللطائف (٦٦٦).
• وخالفهم في إسناده: حفص بن عمر الحوضي [ثقة ثبت]، فرواه عن شعبة، عن أبي إسحاق الشيباني، عن ابن أبي أوفى، أن النبي ﷺ كان يدعو بهذا الدعاء: "اللَّهُمَّ لك الحمد، مِلءَ السماوات ومِلءَ الأرض، ومِلءَ ما شئت من شيءٍ بعدُ".
أخرجه البزار (٨/ ٢٩١/ ٣٣٥٩)، والدارقطني في الأفراد (٢/ ٦٤/ ٤٠٥٤ - أطرافه).
قال الدارقطني: "غريب من حديث شعبة عن أبي إسحاق، لم يروه عنه غير سليمان بن حرب وأبي عمر الحوضي".
وهذه الرواية الأخيرة وهمٌ؛ فإن الحديث لا يُعرف من حديث أبي إسحاق الشيباني إلا من هذا الوجه، وهو مشهور من حديث عبيد بن حسن ومجزأة بن زاهر عن ابن أبي أوفى، والله أعلم.
• قال أبو بكر النيسابوري بعد رواية قراد أبي نوح: "والذي عندي أن قرادًا وهم في قوله: إذا رفع رأسه من الركوع؛ لأنَّ الثقات مثل حجاج ويزيد وأبي داود لم يذكروه، وإنما ذكره شعبة عن أبي عصمة عن الأعمش عن عبيد" [المخلصيات (٢٠٣٨)].
وقال أبو موسى المديني بعد رواية أبي الوليد: "وليس في رواية الآخرين [يعني: يزيد بن هارون، وأبا داود الطيالسي] ذكر الرفع من الركوع، وهو الصواب".
قلت: قد أتى بالزيادة عن شعبة ثلاثة من أصحابه الثقات، اثنان منهم من الحفاظ المتقنين، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ.
• ورواه عن عبيد بن حسن أيضًا بإثبات كون هذا الذكر في الصلاة، أو بعد رفع الرأس من الركوع:
أ - بكر بن وائل [التيمي الكوفي: صدوق]، عن عبيد بن حسن، عن ابن أبي أوفى؛
стр. 4367
أن رسول الله ﷺ كان يقول في صلاته: "ربنا لك الحمد، ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد".
أخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ٣٨٢/ ٥٦٢٤)، وفي الدعاء (٥٦٣).
قال: حدثنا محمَّد بن عبد الله الحضرمي [مطين: ثقة حافظ]، قال: حدثنا أبو كريب [محمد بن العلاء بن كريب الكوفي: ثقة حافظ]، قال: حدثنا يحيى بن يعلى بن الحارث المحاربي [كوفي ثقة]، قال: حدثني أبي [كوفي ثقة]، عن بكر به.
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن بكر بن وائل إلا يعلى بن الحارث، ولا عن يعلى إلا ابنه، تفرد به أبو كريب".
قلت: فهو إسناد كوفي جيد غريب.
ب وج - قيس بن الربيع [صدوق، تغير لما كبر، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به. التقريب (٥١١)]، والعلاء بن صالح الأسدي [لا بأس به. التهذيب (٣/ ٣٤٤)، الميزان (٣/ ١٠١)]:
عن عبيد بن الحسن أبي الحسن، عن عبد الله بن أبي أوفى، قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال:. . . فذكراه.
أخرجه الطيالسي (٢/ ١٦٠/ ٨٥٥)، والطبراني في الدعاء (٥٦٢ و ٥٦٦)، وأبو طاهر المخلص في التاسع من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (١٥٢) (٢٠٣٩ - المخلصيات)، وأبو موسى المديني في اللطائف (٦٦٦).
• هكذا لم ينفرد الأعمش بهذه الزيادة في هذا الحديث، فقد تابعه شعبة والعلاء بن صالح وقيس بن الربيع، وكذلك بكر بن وائل.
وسليمان بن مهران الأعمش: من كبار حفاظ الإِسلام في زمانه، بل مدار حديث الكوفة على الأعمش وأبي إسحاق السبيعي، وقد بلغ الأعمش الغاية في الحفظ والإتقان حتى لقِّب بالمصحف [التهذيب (٢/ ١١٠)]، فهل مثل هذا يحتاج إلى متابع!؟
وكون عبيد بن الحسن حدث الثوري وغيره من الثقات بدون هذه الزيادة؛ فلا يقدح ذلك في ثبوتها؛ فإن القول لمن زاد إذا كان ثقة حافظًا، لا سيما وسماع الأعمش أقدم بكثير من سماع الثوري، فيحتمل أن يكون عبيد نسيها حين حدَّث الثوري، والله أعلم.
ولذا فإن مسلمًا قد افتتح برواية الأعمش هذه أحاديث الباب محتجًا به على جعل هذا الذكر بعد الرفع من الركوع، فليس هو بمعلول، بل هو حديث صحيح، والله أعلم.
• وقد رواه بدونها أيضًا: مسعر بن كدام [ثقة ثبت]، قال: حدثنا عبيد بن حسن، عن ابن أبي أوفى؛ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: "اللَّهُمَّ ربنا لك الحمد، مِلءَ السماوات ومِلءَ الأرض، ومِلءَ ما شئت من شيءٍ بعدُ".
أخرجه أحمد (٤/ ٣٥٣ و ٣٥٥ - ٣٥٦ و ٣٥٦)، وأبو العباس السراج في مسنده
стр. 4368
٢٨٨ - ، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (١٨) و (٦١٤)، والطبراني في الدعاء (٥٦٠)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٤٦).
وهذا إسناد صحيح.
تنبيه: وقع في رواية الطبراني: إذا رفع رأسه من الركوع، وهي زيادة شاذة من حديث مسعر، فلا تثبت من حديثه.
• ورواه شعبة، عن مجزأة بن زاهر، قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى، يحدث عن النبي ﷺ ، أنَّه كان يقول: "اللَّهُمَّ لك الحمد، مِلءَ السماء ومِلءَ الأرض، ومِلءَ ما شئت من شيءٍ بعدُ، اللَّهُمَّ طهِّرني بالثلج والبرَد والماء البارد، اللَّهُمَّ طهِّرني من الذنوب والخطايا [ونقِّني منها] كما ينقَّى الثوبُ الأبيضُ من الوسَخ"، وفي رواية: "من الدرَن"، وفي أخرى: "من الدنَس".
أخرجه مسلم (٤٧٦/ ٢٠٤)، والبخاري في الأدب المفرد (٦٨٤)، وأبو عوانة (١/ ٤٩٦/ ١٨٤٩)، وأبو نعيم في المستخرج (٢/ ٩١/ ١٠٥٣)، والنسائيُّ في المجتبى (١/ ١٩٨/ ٤٠٢)، وابن حبَّان (٣/ ٢٣٧/ ٩٥٦)، وأحمد (٤/ ٣٥٤)، والطيالسي (٢/ ١٦٤/ ٨٦٣)، وابن أبي شيبة (٦/ ٢٦/ ٢٩٢٠٦)، والبزار (٨/ ٢٨٨/ ٣٣٥٦)، وبحشل في تاريخ واسط (٤٤)، وأبو العباس السراج في مسنده (٢٨٩)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (١٩) و (٦١١)، والبيهقيُّ في السنن (١/ ٥)، وفي الدعوات الكبير (٩١).
• ورواه رقبة بن مصقلة، عن مجزأة الأسلمي، عن ابن أبي أوفى، قال: كان النبي ﷺ يقول: "اللَّهُمَّ طهِّرني بالثلج والبرَد والماء البارد، اللَّهُمَّ طهِّرني من الذنوب كما يطهَّر الثوبُ الأبيضُ من الدنَس".
أخرجه النسائي في المجتبى (١/ ١٩٩/ ٤٠٣)، وابن حبَّان (٣/ ٢٣٦/ ٩٥٥)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٤/ ٣٣١/ ٢٣٦٦)، والبزار (٨/ ٢٨٨/ ٣٣٥٧)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٣٤٤/ ٢١٧٩)، وفي الدعاء (١٤٤١)، والدارقطني في الأفراد (٢/ ٦٧/ ٤٠٦٩ - أطرافه)، وأبو طاهر المخلص في السادس من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (٦٩) (١٠٨٨ - المخلصيات)، والخطيب في المتفق والمفترق (١/ ٢١١/ ٧٠).
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن رقبة إلا إبراهيم بن يزيد".
وقال الدارقطني: "تفرد به إبراهيم بن يزيد بن مَردانْبَه عن رقبة بن مصقلة عنه".
قلت: رقبة بن مصقلة: ثقة مأمون، وإبراهيم بن يزيد بن مردانبه: قال أبو حاتم: "شيخ يكتب حديثه، ولا يحتج به"، وروى له النسائي على تشدده في الرجال، وذكره ابن حبَّان في الثقات [التهذيب (١/ ٩٣)، التقريب (٦٦)، وقال: "صدوق"]، وهو مكثر عن رقبة جدًّا كأنه راويته، فيحتمل تفرد مثله، وإسناده جيد، والله أعلم.
• ورواه إسرائيل، عن مجزأة، عن عبد الله بن أبي أوفى؛ أن النبي ﷺ كان يقول: "اللَّهُمَّ طهرني بالثلج والبرد والماء البارد كما يطهَّر الثوب الدنِس من الوسخ، اللَّهُمَّ ربنا
стр. 4369
لك الحمد ملء السماء وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد".
أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٦٧٦)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٤/ ٣٣٢/ ٢٣٦٧).
وهذا حديث صحيح.
قلت: وعبيد بن الحسن ومجزأة بن زاهر: ثقتان؛ ولا يقدح حديث مجزأة في حديث عبيد بن الحسن، فكلٌّ قد حدث بما سمع، وكلٌّ حفظ ما لم يحفظه الآخر، فوجب قبول زيادة كل منهما، من غير أن تقدح في حديث الآخر، فكلا الحديثين صحيح، وقد أخرجهما مسلم، مع الأخذ في الاعتبار أن حديث مجزأة بن زاهر ليس في أدعية الصلاة، وإنما هو دعاء مطلق غير مقيد، والله أعلم.
• ومن الغرائب: ما رواه إبراهيم بن عبد الله بن محمَّد الكوفي [هو إبراهيم بن أبي بكر بن أبي شيبة، وهو: صدوق]، وأحمد بن إبراهيم الدورقي [ثقة حافظ]:
عن عمر بن حفص بن غياث، عن أبيه، عن الحسن بن عبيد الله، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁؛ أن رسول الله ﷺ كان يقول: "اللَّهُمَّ طهِّرني [وفي رواية: برِّد قلبي] بالثلج والبرد والماء البارد، اللَّهُمَّ نقِّني [وفي رواية: نقِّ قلبي] من الذنوب والخطايا كما ينقَّى الثوبُ الأبيضُ من الدنَس".
أخرجه الترمذي (٣٥٤٧)، والبزار (٨/ ٢٩٢/ ٣٣٦٣)، وتمام في الفوائد (٤٧٢).
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب".
وقال البزار: "ولا نعلم أسند عطاء بن السائب عن ابن أبي أوفى إلا هذا الحديث، ولا روى هذا الحديث عن الحسن بن عبيد الله عن عطاء إلا حفص بن غياث".
قلت: إسناده صحيح غريب؛ والحسن بن عبيد الله: كوفي ثقة، توفي سنة (١٣٩ هـ)، وقيل: (١٤٢ هـ)، فهو أقدم وفاة بكثير من الثوري وشعبة ممن سمع من عطاء قبل الاختلاط، فهو قديم السماع من عطاء، وبين وفاتيهما ما بين ثلاث إلى ست سنين، وبقية رجاله ثقات، والله أعلم.
• وله أسانيد أخرى لا تصح [عند: أحمد (٤/ ٣٨١)، وابن صاعد في مسند ابن أبي أوفى (١٩)، وابن عديّ في الكامل (٣/ ٥٦)].
• قال ابن رجب في الفتح (٥/ ٧٨) عن حديث الأعمش: "ورجح الإمام أحمد رواية شعبة، وقال: أظن الأعمش غلط فيه؛ يعني: في ذكره أنَّه كان يقوله بعد رفع رأسه من الركوع، وقد بيَّن ذلك أبو داود في سننه، وبسط القول فيه".
قلت: وهذا مقابَل بما رواه أبو داود في مسائله لأحمد (٢٣٩)، قال: "قلت لأحمد مرة أخرى: أدعو بدعاء ابن أبي أوفى إذا رفعت رأسي من الركوع؟ قال: إذا كنت تصلي وحدك تقوله، أو يكون الإمام يقوله، قلت: في الفريضة؟ قال: نعم" [وانظر أيضًا: مسائل أبي داود (٢٣٧ و ٢٣٨)، مسائل عبد الله (٢٦٣ و ٢٦٤)، مسائل صالح (٣٦٧)، مسائل الكوسج (٢٣٠)].
стр. 4370
فهذا احتجاج من الإمام أحمد بحديث ابن أبي أوفى في الذكر بعد الركوع، وقد سبق أن بينت أن رواية الأعمش محفوظة، لم يغلط فيها، وقد توبع عليها، وقد صححها مسلم وغيره، والله أعلم.
***
٨٤٧ - قال أبو داود: حدثنا مؤمَّل بن الفضل الحراني: حدثنا الوليد:
(ح) وحدثنا محمود بن خالد: حدثنا أبو مسهر،
(ح) وحدثنا ابن السرح: حدثنا بشر بن بكر،
(ح) وحدثنا محمَّد بن مصعب: حدثنا عبد الله بن يوسف، كلهم، عن سعيد بن عبد العزيز، عن عطية بن قيس، عن قَزَعة بن يحيى، عن أبي سعيد الخدري؛ أن رسول الله ﷺ كان يقول حين يقول: "سمع الله لمن حمده": "اللَّهُمَّ ربنا لك الحمد ملء السماء"،- قال مؤمل: "ملء السماوات" - "وملء الأرض، وملء ما شئت من شيءٍ بعدُ، أهلَ الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبدُ، وكلنا لك عبدٌ، لا مانعَ لما أعطيتَ"، زاد محمود: "ولا معطيَ لما منعتَ"، ثمَّ اتفقوا: "ولا ينفعُ ذا الجدِّ منك الجدُّ".
قال بشر: "ربنا لك الحمد"، لم يقل: "اللَّهُمَّ"، لم يقل محمود: "اللَّهُمَّ"، قال: "ربنا ولك الحمد".
• حديث صحيح.
أخرجه مسلم (٤٧٧)، وهو مخرج في الذكر والدعاء برقم (٩٠).
وانظر فيمن وهم في إسناده عند: ابن أبي شيبة (١/ ٢٢٢/ ٢٥٤٩)، وابن المقرئ في المعجم (١٣٣٨).
• وقد ورد هذا الذكر من حديث ابن عباس، وعلي بن أبي طالب، ورفاعة بن رافع، وغيرهم:
١ - حديث ابن عباس:
يرويه عطاء بن أبي رباح، وسعيد بن جبير:
عن ابن عباس؛ أن النبي ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركوع [وفي رواية: كان إذا قال: "سمع الله لمن حمده"]، قال: "اللَّهُمَّ ربنا لك الحمد، ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعدُ، أهل الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطيَ لما منعت، ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجدُّ". لفظ عطاء مطول.
ولفظ سعيد: كان رسول الله ﷺ إذا قال: "سمع الله لمن حمده"، قال: "اللَّهُمَّ ربنا
стр. 4371
لك الحمد، ملء السماء وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعدُ".
وفي رواية: أن النبي ﷺ كان إذا أراد السجود بعد الركعة يقول: "اللَّهُمَّ لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد".
أخرجه مسلم (٤٧٨)، وهو مخرج في الذكر والدعاء تحت الحديث رقم (٩٠).
وانظر فيمن وهم في إسناده عند: أحمد (١/ ٢٧٠)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٦٩/ ١٢٥٠٣).
٢ - حديث علي بن أبي طالب:
يرويه عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب ﵁، أن رسول الله ﷺ كان إذا ابتدأ الصلاة المكتوبة، قال:. . . فذكر الحديث بطوله، وفيه: وكان إذا رفع رأسه من الركوع في الصلاة المكتوبة، قال: "اللَّهُمَّ ربنا لك الحمد، ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد".
وفي رواية: وإذا رفع، قال: "اللَّهُمَّ ربنا لك الحمد، مِلءَ السماوات ومِلءَ الأرض، ومِلءَ ما بينهما، ومِلءَ ما شئتَ من شيء بعد".
وفي رواية: وإذا رفع، قال: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، مِلءَ السماوات والأرض، ومِلءَ ما بينهما، ومِلءَ ما شئتَ من شيء بعد".
أخرجه مسلم (٧٧١)، وقد تقدم عند أبي داود برقم (٧٦٠) بتمامه، وقد سبق تخريجه في الذكر والدعاء برقم (٧٩ و ٨٦ و ٩٤ و ١٠٩) وتحت الحديث رقم (٩٠)، فانظره.
٣ - حديث رفاعة بن رافع الزرقي:
يرويه مالك، عن نُعيم بن عبد الله المُجْمِر، عن علي بن يحيى الزُّرَقي، عن أبيه، عن رفاعة بن رافع الزُّرَقي، قال: كنا يومًا نصلِّي وراء رسول الله ﷺ ، فلما رفعَ رسولُ الله ﷺ رأسَه من الركوع، قال: "سمع الله لمن حمده"، قال رجلٌ وراءَ رسولِ الله ﷺ : اللَّهُمَّ ربنا ولك الحمد، حمدًا كثيرًا طيِّبًا مباركًا فيه، فلما انصرفَ رسولُ الله ﷺ ، قال: "مَن المتكلِّم بها آنفًا؟ "، فقال الرجلُ: أنا يا رسولَ الله، فقال رسولُ الله ﷺ : "لقد رأيتُ بضعةً وثلاثين ملكًا يبتدِرونها أيُّهم يكتبُها أوَّلُ".
أخرجه البخاري (٧٩٩)، وقد سبق تخريجه في الذكر والدعاء (١/ ١٧٤) برقم (٨٩)، وتقدم في السنن برقم (٧٧٠).
• وروي أيضًا عن جماعة من الصحابة، ولا يصح عن أحد منهم؛ فقد روي:
• من حديث أبي جحيفة، وفيه قصة ذكر الجدود، وهو حديث ضعيف [أخرجه ابن ماجه (٨٧٩)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٢٢/ ٢٥٥٠)، وابن منيع في مسنده (٢/ ٣٨٢/ ١٩٣٩ - إتحاف الخيرة)، والبزار (١٠/ ١٦١/ ٤٢٣٤)، وجعفر الفريابي في القدر (١٨٢)، وأبو يعلى (٢/ ١٨٥/ ٨٨٢)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٢٣٩)، وفي المشكل (١٣/ ١٦٣/ ٥١٦٨)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ١٣٣/ ٣٥٥)، وفي الدعاء (٥٦٧)، وابن عبد البر في
стр. 4372
التمهيد (٢٣/ ٨٥)] [وفي إسناده: شريك بن عبد الله النخعي، وهو: سيئ الحفظ، عن شيخه أبي عمر المنبهي، وهو: مجهول].
• ومن حديث ابن مسعود [أخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ٢٠١/ ٨٩٨٥) و (١٠/ ١٦٨/ ١٠٣٤٨) و (١٠/ ٢٢٦/ ١٠٥٥١)، وفي الدعاء (٥٥٣ - ٥٥٥)، وأبو طاهر المخلص في الثالث من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (١٦٧) (٥٣٣ - المخلصيات)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٧٧)، والخطيب في تاريخ بغداد (٧/ ٢٢٥)] [بأسانيد ضعيفة].
• ومن حديث عائشة [أخرجه الطبراني في الدعاء (٥٦٩)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٨١)] [وإسناده واهٍ، فيه أبان بن أبي عياش، وهو: متروك، منكر الحديث، رماه شعبة بالكذب].
• ومن حديث بريدة بن الحصيب [أخرجه البزار (١٠/ ٣٣٢/ ٤٤٦٢)، والدارقطني (١/ ٣٣٩)، وابن الجوزي في التحقيق (٥٠٨)] [وهو حديث باطل، مروي بإسنادين، أحدهما فيه: جابر بن يزيد الجعفي، وهو: متروك، يكذب، وعمرو بن شمر الجعفي: متروك، منكر الحديث، كُذِّب، ورُمِي بالوضع. اللسان (٦/ ٢١٠)، والراوي عنه: مجهول، والإسناد الآخر واهٍ جدًّا، مسلسل بالمتروكين من العرازمة، وفيه جابر الجعفي أيضًا].
• ومن حديث محمَّد بن مسلمة [وهو حديث منكر؛ تكلمت عليه في الذكر والدعاء تحت الحديث رقم (٧٩)، وقد خرجته مفصلًا تحت الحديث رقم (٧٦٢) من السنن].
• ومن حديث المغيرة بن شعبة [أخرجه أبو طاهر المخلص في الثالث من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (١٦٨) (٥٣٤ - المخلصيات).] [وهو حديث منكر؛ الحمل فيه على جابر بن يزيد الجعفي، وقد سبق ذكره].
***
٨٤٨ - . . . مالك، عن سمي، عن أبي صالح السَّمَّان؛ عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللَّهُمَّ ربنا لك الحمد، فإنَّه من وافق قولُه قولَ الملائكة غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه".
• حديث متفق على صحته.
أخرجه البخاري (٧٩٦ و ٣٢٢٨)، ومسلم (٤٠٩)، وهو مخرج في الذكر والدعاء (١/ ١٧٢) برقم (٨٨).
• وانظر طرق حديث أبي هريرة هذا، وطرق حديث أبي هريرة الآخر: "وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللَّهُمَّ ربنا ولك الحمد"، وما جاء في ذلك عن عدد من الصحابة، غير ما تقدم ذكره في الباب: انظر الأحاديث المتقدمة برقم (٦٠١ و ٦٠٣ و ٨٣٦) وما تحت الأحاديث رقم (٦٠٤ و ٦٠٧ و ٦١٩ و ٦٣٠ و ٧٢٢)، وتخريج الذكر والدعاء (١/ ١٧٢/ ٨٨).
стр. 4373
• ومما فاتني ذكره:
ما رواه سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إذا قال القارئ: سمع الله لمن حمده؛ فقال من خلفه: اللَّهُمَّ ربنا ولك الحمد، فوافق قولُه ذلك قولَ أهل السماء: اللَّهُمَّ ربنا لك الحمد، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه".
أخرجه مسلم (٤٠٩)، وأبو عوانة (١/ ٤٥٦/ ١٦٨٩ و ١٦٩٠)، وأبو نعيم في المستخرج (٢/ ٣٢/ ٩٠٧)، والنسائيُّ في الكبرى (٩/ ٢٠٤/ ١٢٧٧١ - تحفة الأشراف)، وابن حبَّان (٥/ ٢٣٥/ ١٩٠٩)، وأحمد (٢/ ٤١٧)، والطبراني في الدعاء (٥٧٧).
• وأما حديث حذيفة:
الذي يرويه شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي حمزة رجل من الأنصار [هو: طلحة بن يزيد]، عن رجل من بني عبس [شعبة يرى أنَّه صلة بن زفر]، عن حذيفة بن اليمان ﵁؛ أنَّه صلى مع رسول الله ﷺ من الليل،. . . والشاهد منه قوله: ثمَّ رفع رأسه، فكان قيامه نحوًا من ركوعه، وكان يقول: "لربي الحمد، لربي الحمد".
فهو حديث حسن؛ سبق تخريجه في الذكر والدعاء تحت الحديث رقم (٨٢)، ويأتي في السنن برقم (٨٧٤)، ويأتي ذكره أيضًا في الباب الآتي.
وهذه الرواية يمكن تفسيرها بما رواه جرير بن عبد الحميد، وحفص بن غياث، عن الأعمش، عن سعد بن عُبَيدة، عن المستورد بن الأحنف، عن صلة بن زُفَر، عن حذيفة، قال: صليتُ مع رسول الله ﷺ ذات ليلة فاستفتح سورة البقرة،. . . فذكر الحديث بطوله، وفيه: ثمَّ رفع رأسه، فقال: "سمع الله لمن حمده، اللَّهُمَّ ربنا لك الحمد"، فأطال القيام،. . .
أخرجه مسلم (٧٧٢)، وأبو نعيم في مستخرجه عليه (٢/ ٣٦٩/ ١٧٦٤)، والنسائيُّ (٢/ ٢٢٤/ ١١٣٣)، وابن خزيمة (٦٨٤)، وابن حبَّان (٦/ ٣٤٤/ ٢٦٠٩)، وابن نصر في تعظيم قدر الصلاة (٣١٢).
وراجع تخريجه في الذكر والدعاء برقم (٨٣) [ويصحح إسناده هناك]، ويأتي في السنن برقم (٨٧١).
وبالجمع بين الروايتين يتبين أن قوله ﷺ : "لربي الحمد، لربي الحمد"، إنما كان بعد الذكر المعهود: "سمع الله لمن حمده، اللَّهُمَّ ربنا لك الحمد"، والله أعلم.
***
٨٤٩ - قال أبو داود: حدثنا بشر بن عمار: حدثنا أسباطٌ، عن مُطرِّف، عن عامر، قال: لا يقول القوم خلف الإمام: سمع الله لمن حمده، ولكن يقولون: ربنا لك الحمد.
• مقطوع على عامر الشعبي بإسناد صحيح.
أخرجه من طريق أبي داود: الخطيب في تالي تلخيص المتشابه (٢/ ٥٢٠).
стр. 4374
• ورواه محمَّد بن فضيل، عن مطرف، عن عامر؛ قال: لا يقول القوم خلف الإمام: سمع الله لمن حمده، ولكن ليقولوا: اللَّهُمَّ ربنا لك الحمد.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٢٧/ ٢٥٩٨).
وهذا إسناد كوفي صحيح إلى عامر بن شراحيل الشعبي قوله، ومطرف هو: ابن طريف الكوفي، وأسباط هو: ابن محمَّد القرشي، ورجاله جميعًا ثقات مشهورون، غير بشر بن عمار القُهُستاني، روى عنه أبو داود هذا الأثر فقط، وشيوخ أبي داود ثقات، وروى عنه أيضًا جماعة من الثقات، وذكره ابن حبَّان في الثقات [التهذيب (١/ ٢٣٠)، تالي تلخيص المتشابه (٢/ ٥١٩)، تهذيب الكمال (٤/ ١٣٦)، التقريب (٩٨)، وقال: "صدوق"]، وقد توبع في روايته كما ترى.
• وصح ذلك أيضًا من قول ابن مسعود، وأبي هريرة، ومن فعل ابن عمر:
فقد روى سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الأحوص، عن عبد الله؛ قال: إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، قال من خلفه: اللَّهُمَّ ربنا لك الحمد.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ١٦٦ - ١٦٧/ ٢٩١٥) [وفي سنده سقط]، وابن أبي شيبة (١/ ٢٢٧/ ٢٥٩٧)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٦١/ ١٤١٩).
وهذا موقوف على ابن مسعود بإسناد صحيح.
• وروى ابن عيينة، عن أيوب السختياني، قال: سمعت عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، يقول: سمعت أبا هريرة يقول: إذا رفع الإمام رأسه من الركوع، فقال: سمع الله لمن حمده، فقل: ربنا لك الحمد.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ١٦٧/ ٢٩١٦)، ومن طريقه: ابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٦٢/ ١٤٢١).
وهذا موقوف على أبي هريرة بإسناد صحيح.
• وروى ابن جريج، قال: أخبرني نافع، أن ابن عمر كان يقول إذا كان مأمومًا، فقال الإمام: سمع الله لمن حمده، قال ابن عمر: اللَّهُمَّ ربنا لك الحمد.
أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٦٢/ ١٤٢٠).
وهذا موقوف على ابن عمر بإسناد صحيح.
ولم يصح عن أحد من الصحابة خلاف ذلك؛ وإنما صح عن ابن سيرين وعطاء [عند: عبد الرزاق (٢/ ١٦٨/ ٢٩١٩)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٢٧/ ٢٦٠٠)، والبيهقيُّ (٢/ ٩٦)].
• قال الترمذي بعد حديث مالك السابق (٢٦٧): "والعمل عليه عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم: أن يقول الإمام: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ويقول من خلف الإمام: ربنا ولك الحمد، وبه يقول أحمد.
وقال ابن سيرين وغيره: يقول من خلف الإمام: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، مثل ما يقول الإمام، وبه يقول الشافعي وإسحاق".
стр. 4375
وقال ابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٦٢): "ثابت عن النبي ﷺ أنَّه قال: "وإذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد"، فالاختصار على ما علَّم النبيُّ ﷺ المأمومَ أن يقوله أحب إليَّ".
وقال البيهقي في السنن (٢/ ٩٦) بعدما نقل قول ابن سيرين وعطاء في جمع المأموم بينهما، قال: "وروي فيه حديثان ضعيفان قد خرجتهما في الخلاف"، ثمَّ علقه من حديث أبي موسى الأشعري وضعفه، وهي رواية منكرة، وأصله في مسلم (٤٠٤) بدون الزيادة التي أوردها، ويأتي عند أبي داود برقم (٩٧٢)، وسبق تخريج المحفوظ منه وبعض رواياته المنكرة تحت الحديث رقم (٦٠٧).
وقال ابن رجب في الفتح (٥/ ٧٤): "واستدل بهذا من قال: إن المأموم لا يقول: سمع الله لمن حمده كالإمام، وهو قول مالك والثوري والأوزاعي وأبي حنيفة وأحمد، وروي عن ابن مسعود وأبي هريرة والشعبي.
وقالت طائفة: يجمع المأموم بين الأمرين أيضًا، فيسمع ويحمد، وهو قول عطاء وأبي بردة وابن سيرين والشافعيُّ وإسحاق؛ لعموم قوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وفيه حديثان صريحان في المأموم أنَّه يجمع بينهما، ولكنهما ضعيفان، قاله البيهقي وغيره، وروي أيضًا عن أبي موسى، وضعفه البيهقي أيضًا.
ومعنى قوله: "سمع الله لمن حمده": استجاب الله لحامده؛ كما استعاذ من دعاءٍ لا يُسمَع؛ أي: لا يستجاب".
قلت: يبينه حديث أبي موسى الأشعري، والشاهد منه قوله ﷺ : "وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللَّهُمَّ ربنا لك الحمد، يسمع اللهُ لكم، فإن الله ﵎ قال على لسان نبيه ﷺ : سمع الله لمن حمده" [تقدم تخريجه تحت الحديث السابق برقم (٦٠٧)].
***
١٤٥ - باب الدعاء بين السجدتين
٨٥٠ - . . . كامل أبو العلاء: حدثني حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: كان النبي ﷺ يقول بين السجدتين: "اللَّهُمَّ اغفر لي، وارحمني، وعافني، واهدني، وارزقني".
• حديث منكر.
خرجته في الذكر والدعاء برقم (٩٩)، وهو حديث منكر، وراجع في ذلك أيضًا ما تقدم معنا في السنن برقم (١٣٣ و ٦١٠ و ٦١١)، وما تحت الحديث رقم (٩٦)، وذلك فيمن رواه من الثقات عن ابن عباس بدون هذه الزيادة التي تفرد بها أبو العلاء كامل بن العلاء، وقد أنكروا عليه أحاديث.
стр. 4376
• ويغني عنه ما ثبت من حديث حذيفة بن اليمان:
الذي يرويه شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي حمزة رجل من الأنصار [هو: طلحة بن يزيد]، عن رجل من بني عبس [شعبة يرى أنَّه صلة بن زفر]، عن حذيفة بن اليمان ﵁؛ أنَّه صلى مع رسول الله ﷺ من الليل،. . . والشاهد منه قوله: ثمَّ رفع رأسه من السجود، وكان يقعد فيما بين السجدتين نحوًا من سجوده، وكان يقول: "رب اغفر لي، رب اغفر لي". لفظه عند أبي داود (٨٧٤).
ولفظ أحمد (٥/ ٣٩٨): ثمَّ رفع رأسه، فكان ما بين السجدتين نحوًا من السجود، وكان يقول: "رب اغفر لي، رب اغفر لي".
ولفظه عند البزار (٧/ ٣٣٥/ ٢٩٣٤): أن النبي ﷺ كان يقول بين السجدتين: "اللَّهُمَّ اغفر لي"، يرددها مرارًا. وإسناده إلى شعبة صحيح كالشمس.
وهو حديث حسن؛ سبق تخريجه في الذكر والدعاء تحت الحديث رقم (٨٢)، ويأتي في السنن برقم (٨٧٤).
والرجل العبسي هو صلة بن زفر، إذ هو راوي هذا الحديث عن حذيفة، فقد رواه الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد بن الأحنف، عن صلة بن زفر، عن حذيفة، لكن رواه بسياق آخر، وليس فيه موضع الشاهد من الدعاء بين السجدتين [أخرجه مسلم (٧٧٢)، وهو مخرج في الذكر والدعاء برقم (٨٣)، ويأتي في السنن برقم (٨٧١)].
وممن قال بأن الرجل العبسي هذا هو صلة بن زفر: شعبة بن الحجاج راوي الحديث، والنسائيُّ، والبزار، وابن صاعد، وابن القطان الفاسي.
قال النسائي في الكبرى (٢/ ١٤٩/ ١٣٨٣): "أبو حمزة عندنا - والله أعلم - طلحة بن يزيد، وهذا الرجل يشبه أن يكون صلة بن زفر".
وقال البزار بعد أن أخرجه فيما رواه الشيوخ عن صلة عن حذيفة، من طريق شعبة عن عمرو به، ثمَّ من طريق العلاء بن المسيّب عن عمرو بن مرة به مرسلًا، قال: "ولم يقل العلاء بن المسيّب في حديثه: عن رجل من بني عبس، إنما أرسله، والرجل من بني عبس يرونه صلة".
وقال ابن القطان في بيان الوهم (٥/ ٦١٤/ ٢٨٣٢): "والرجل المذكور في إسناده هو: صلة بن زفر، فلا يصد عنه".
وقد احتج به أحمد وأبو داود والنسائيُّ.
قال إسحاق بن منصور الكوسج في مسائله (٢٢٩): "قلت: ما يقول بين السجدتين؟ قال: "رب اغفر لي، رب اغفر لي" حديث حذيفة.
قال إسحاق: إن شاء قال ذلك ثلاثًا، وإن شاء قال: "اللَّهُمَّ اغفر لي وارحمني وعافني واهدني وارزقني" لأنَّ كليهما يُذكران عن النبي ﷺ بين السجدتين" [وانظر: مسائل أبي داود (٢٤٠)].
стр. 4377
قلت: شتان ما بينهما، فحديث حذيفة ثابت، وحديث ابن عباس منكر.
وقال ابن قدامة في المغني (١/ ٣٠٩): "المستحب عند أبي عبد الله أن يقول بين السجدتين: "رب اغفر لي، رب اغفر لي"، يكرر ذلك مرارًا، والواجب منه مرة وأدنى الكمال ثلاث"، إلى أن قال عن حديث حذيفة: "احتج به أحمد".
• تنبيه: روى حفص بن غياث، قال: حدثنا العلاء بن المسيّب، عن عمرو بن مرة، عن طلحة بن يزيد، عن حذيفة، وعن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد بن الأحنف، عن صلة بن زفر، عن حذيفة، قال: قام رسول الله ﷺ من الليل يصلي، فجئت فقمت إلى جنبه، فافتتح البقرة. . . فذكر الحديث بنحو رواية الجماعة عن الأعمش؛ إلا أنَّه أدرج فيه من حديث العلاء بن المسيّب الدعاء بين السجدتين، فقال: ثمَّ رفع فقال: "رب اغفر لي" نحوًا مما سجد.
واقتصر ابن ماجه منه على هذه الجملة: أن النبي ﷺ كان يقول بين السجدتين: "رب اغفر لي، رب اغفر لي".
أخرجه ابن ماجه (٨٩٧)، وابن خزيمة (٦٨٤).
قلت: هكذا وهم فيه حفص بن غياث، فأدخل حديثًا في حديث، وأدرج هذه الزيادة في حديث الأعمش، ذلك أن هذا الدعاء بين السجدتين إنما جاء من حديث طلحة بن يزيد عن رجل من بني عبس -وهو: صلة بن زفر-، عن حذيفة، ولم يأت من حديث المستورد بن الأحنف عن صلة بن زفر عن حذيفة.
فقد رواه جماعة من أصحاب الأعمش، مثل: أبي معاوية، وشعبة، وعبد الله بن نمير، وجرير بن عبد الحميد، وزائدة بن قدامة، وسفيان الثوري، وأبي عوانة، ومحمد بن فضيل [وهم ثقات، وفيهم أثبت أصحاب الأعمش]؛ فلم يذكروا هذا الدعاء بين السجدتين في حديث الأعمش [راجع تخريجه في الذكر والدعاء برقم (٨٣)، ويصحح إسناده هناك، ويأتي في السنن برقم (٨٧١)].
• تنبيه آخر:
قد يفهم البعض من رواية: "رب اغفر لي، رب اغفر لي" الاقتصار على ذلك، بأن يقولها مرتين فقط، وهذا غلط؛ قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: "والتثنية يراد بها جنس التعديد من غير اقتصار على اثنين فقط، كما في قوله تعالى: ﴿ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤] يراد به مطلق العدد، كما تقول: قلت له مرة بعد مرة، تريد جنس العدد،. . .، كقول حذيفة بن اليمان ﵄ عن النبي ﷺ أنَّه جعل يقول بين السجدتين: "رب اغفر لي، رب اغفر لي" لم يرد أن هذا قاله مرتين فقط كما يظنه بعض الناس الغالطين؛ بل يريد أنَّه جعل يثني هذا القول ويردده ويكرره، كما كان يثني لفظ التسبيح،. . ." ثمَّ ذكر حديث حذيفة، ثمَّ قال: "وقد صرح في الحديث الصحيح أنَّه أطال الركوع والسجود بقدر البقرة والنساء وآل عمران، فإنَّه قام بهذه السور كلها، وذكر أنَّه كان يقول: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي
стр. 4378
العظيم، سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى، فعلم أنَّه أراد بتثنية اللفظ جنس التعداد والتكرار، لا الاقتصار على مرتين؛ فإن الاثنين أول العدد الكثير، فذِكرُ أول الأعداد؛ يعني: أنَّه عدد هذا اللفظ، لم يقتصر على مرة واحدة، فالتثنية التعديد، والتعديد يكون للأقسام المختلفة" [مجموع الفتاوى (١٤/ ٤٠٧)].
***
١٤٦ - باب رفع النساء إذا كنَّ مع الرجال [وفي نسخة: مع الإمام] رؤوسهنَّ من السجدة
٨٥١ - . . . عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن عبد الله بن مسلم أخي الزهري، عن مولىً لأسماء ابنة أبي بكر، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من كان منكنَّ يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ترفع رأسها حتى يرفع الرجالُ رؤوسَهم"، كراهة أن يرَيْنَ من عوْرات الرجال.
• إسناده ضعيف، وهو حديث حسن لغيره.
تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (٦٣٠).
***
١٤٧ - باب طول القيام من الركوع وبين السجدتين
٨٥٢ - . . . شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن البراء؛ أن رسول الله ﷺ كان سجوده، وركوعه، وما بين السجدتين: قريبًا من السواء.
• حديث متفق على صحته.
أخرجه البخاري (٧٩٢ و ٨٠١)، ومسلم (٤٧١/ ١٩٤)، وأبو عوانة (١/ ٤٥٨ و ٤٥٩/ ١٧٠١ و ١٧٠٢)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ٨٨/ ١٠٤٣)، والترمذي (٢٧٩ و ٢٨٠)، وقال: "حسن صحيح"، والنسائيُّ في المجتبى (٢/ ١٩٧/ ١٠٦٥) و (٢/ ٢٣٢ - ٢٣٣/ ١١٤٨)، وفي الكبرى (١/ ٣٣٥/ ٦٥٦) و (١/ ٣٦٩/ ٧٣٨)، وفي الرابع من الإغراب (٨٤)، والدارميُّ (١/ ٣٥٢/ ١٣٣٣)، وابن خزيمة (١/ ٣٠٩/ ٦١٠) و (١/ ٣٣٠/ ٦٥٩)، وابن حبَّان (٥/ ٢٠٢/ ١٨٨٤)، وأحمد (٤/ ٢٨٠ و ٢٨٥)، والطيالسي (٢/ ١٠١/ ٧٧٢)، وأبو يعلى (٣/ ٢٤١/ ١٦٨٠) و (٣/ ٢٤٢/ ١٦٨١)، والروياني (٣٤٠ و ٣٤٥)، وأبو العباس السراج في مسنده (٢٥٣)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (٦٥٨ و ٦٥٩)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٦٤/ ١٤٢٦)، والطحاوي في المشكل (١٣/ ٤٤/ ٥٠٤١)، والبيهقيُّ (٢/ ٩٨
стр. 4379
و ١٢٢)، والخطيب في التاريخ (١٠/ ١٢٥)، والبغويُّ في شرح السُّنَّة (٣/ ١١٠/ ٦٢٨).
رواه عن شعبة: حفص بن عمر الحوضي [وهذا لفظه عند أبي داود، وزاد كالجماعة عند ابن المنذر: وإذا رفع رأسه من الركوع]، وغندر محمَّد بن جعفر، ويحيى بن سعيد القطان، وأبو الوليد الطيالسي، وبدل بن المحبر، ومعاذ بن معاذ العنبري، ووهب بن جرير، وعبد الله بن المبارك، وصفان بن مسلم، ووكيع بن الجراح، وشبابة بن سوار، ويزيد بن زريع، وابن علية، وبهز بن أسد، وسليمان بن حرب، وأبو النضر هاشم بن القاسم، وسعيد بن الربيع، وألفاظهم متقاربة؛ وزاد فيه غندر ومعاذ وعفان وابن علية وأبو داود الطيالسي وشبابة ووهب بن جرير: قصة.
ولفظ أبي الوليد، وبنحوه بدل بن المحبر ويحيى بن سعيد القطان [عند البخاري وغيره]: كان ركوع النبي ﷺ وسجوده، وإذا رفع رأسه من الركوع، وبين السجدتين [زاد ابن المحبر: ما خلا القيام والقعود]: قريبًا من السواء.
ولفظ ابن المبارك، وغندر، وأبي داود الطيالسي [عند الترمذي وأحمد والطيالسي]: كانت صلاة رسول الله ﷺ إذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وإذا سجد، وإذا رفع رأسه من السجود: قريبًا من السواء.
ولفظ معاذ وبنحوه لفظ غندر وعفان وابن علية وأبي داود الطيالسي وشبابة ووهب [عند مسلم وأحمد والطيالسي وأبي عوانة والطحاوي وأبي نعيم والبيهقيُّ]: عن الحكم، قال: غلب على الكوفة رجل - قد سماه - زمنَ ابن الأشعث [وفي رواية: أن مطر بن ناجية لما ظهر على الكوفة]، فأمر أبا عبيدة بن عبد الله أن يصلي بالناس، فكان يصلي، فإذا رفع رأسه من الركوع قام [وفي رواية: أطال القيام] قدر ما أقول: اللَّهُمَّ ربنا لك الحمد، ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد [وفي رواية: فكان أبو عبيدة يطيل الركوع، وإذا رفع أطال القيام قدر ما يقول هذا الكلام].
قال الحكم: فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن أبي ليلى، فقال: سمعت البراء بن عازب يقول: كانت صلاةُ رسول الله ﷺ : وركوعُه، وإذا رفع رأسه من الركوع، وسجودُه، وما بين السجدتين، قريبًا من السواء.
قال شعبة: فذكرته لعمرو بن مرة، فقال: قد رأيت ابن أبي ليلى، فلم تكن صلاته هكذا.
تنبيه: وقع في رواية معاذ [عند مسلم والبيهقيُّ]: كانت صلاةُ رسول الله ﷺ : وركوعُه،. . .، ولم يأت أحد ممن رواه عن شعبة بهذه الواو التي تشعر بالمغايرة، وإنما سياقهم جميعًا لا يدل على دخول قيام القراءة في هذه الأركان المتقاربة في التساوي، فدل على كون هذه الواو في رواية معاذ للابتداء والاستئناف، وليست للعطف، والله أعلم [انظر: مغني اللبيب (٤٧٠)، حروف الهجاء لأبي الحسن علي بن الفضل المزني (٢/ ٢٧٦)].
стр. 4380
• ورواه مسعر، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء، قال: كان سجود النبي ﷺ ، وركوعه، وقعوده بين السجدتين، قريبًا من السواء.
وفي رواية أحمد: كان ركوع رسول الله ﷺ ، وقيامه بعد الركوع، وجلوسه بين السجدتين: لا ندري أيَّهُ أفضل. قال ابن خزيمة: "يريد أفضل: أطول".
أخرجه البخاري (٨٢٠)، وابن خزيمة (١/ ٣٣١/ ٦٦١) و (١/ ٣٤٠/ ٦٨٣)، وأحمد (٤/ ٢٩٨)، والروياني (٣٣٨)، وأبو العباس السراج في مسنده (٢٥٦)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (٦٦٢) [وفيه زيادة شاذة]، والبيهقيُّ (٢/ ١٢٢).
• ورواه محمَّد بن عبيد الطنافسي [ثقة حافظ]، وأبو داود الطيالسي [ثقة حافظ]:
عن المسعودي، عن الحكم بن عتيبة، قال: أتيت عبد الرحمن بن أبي ليلى، فقلت: ما رأيت أحدًا أطول قيامًا بعد الركوع من أبي عبيدة بن عبد الله، فقال عبد الرحمن: سمعت البراء يقول: كان ركوع رسول الله ﷺ ، ورفعه رأسه بعد الركوع، وسجوده، وجلوسه بين السجدتين: قريبًا من السواء. لفظ الطنافسي.
أخرجه أبو العباس السراج في مسنده (٢٥٤)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (٦٦٠)، والطحاوي في المشكل (١٣/ ٤٢ - ٤٣/ ٥٠٣٩).
والمسعودي عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة: صدوق، اختلط قبل موته، وأبو داود الطيالسي ممن روى عن المسعودي بعد الاختلاط، ومحمد بن عبيد الطنافسي لم أجد من ذكره فيمن روى عنه قبل الاختلاط، لكن المسعودي لم يخالف فيه الحفاظ.
***
٨٥٣ - . . . حماد: أخبرنا ثابت، وحميد، عن أنس بن مالك، قال: ما صليتُ خلفَ رجلٍ أوجزَ صلاةً من رسول الله ﷺ في تمامٍ.
وكان رسول الله ﷺ إذا قال: "سمع الله لمن حمده"، قام حتى نقولَ: قد أوْهَمَ، ثمَّ يكبر، ويسجد، وكان يقعد بين السجدتين حتى نقول: قد أوهم.
• حديث صحيح، وهو متفق عليه من حديث أنس.
أخرجه مسلم (٤٧٣)، وتقدم تخريجه تحت الحديث رقم (٧٩٥).
هكذا رواه عن حماد بن سلمة: أبو سلمة موسى بن إسماعيل التبوذكي، وبهز بن أسد، وعلي بن الجعد، وعفان بن مسلم، وهدبة بن خالد، وأبو داود الطيالسي، ويزيد بن هارون، وحبان بن هلال، وحجاج بن منهال، وغيرهم.
ولفظه عند مسلم بتمامه: ما صليت خلف أحدٍ أوجز صلاةً من صلاةِ رسول الله ﷺ في تمامٍ، كانت صلاةُ رسول الله ﷺ متقاربةً، وكانت صلاة أبي بكر متقاربة، فلما كان عمر بن الخطاب مدَّ في صلاة الفجر، وكان رسول الله ﷺ إذا قال: "سمع الله لمن حمده"
следующие страницы →