Полный текст (16 465 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.
стр. 4411
قلت: هي زيادة غير محفوظة، وقد أعلها البخاري نفسه بذكر رواية أبي أسامة عقبها؛ فإن ادعى مدَّعٍ أن البخاري أتبع ذلك برواية (٦٢٥٢) محمَّد بن بشار عن يحيى به بلفظة: "ثمَّ ارفع حتى تطمئن جالسًا" مقتصرًا عليها، ليدلل بذلك على أن يحيى قد تابع ابن نمير في ذكر الجلوس الثاني؛ فلا يستقيم له ذلك؛ فإن رواية ابن بشار عن يحيى هذه قد رواها البخاري في أول الكتاب (٧٥٧) تامة من غير اختصار، وموضع الشاهد منها: "ثمَّ اركع حتى تطمئن راكعًا، ثمَّ ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثمَّ اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، وافعل ذلك في صلاتك كلها"، فلم يذكر فيها السجدة الثانية فضلًا عن جلسة الاستراحة، والله أعلم.
• وأما لفظ أبي أسامة [وعنه إسحاق بن منصور، ويوسف بن موسى، وأبو قدامة عبيد الله بن سعيد، عند البخاري، والسراج، والبيهقيُّ]: أن رجلًا دخل المسجد فصلى، ورسول الله ﷺ في ناحية المسجد، فجاء فسلم عليه، فقال له: "ارجع فصلِّ، فإنك لم تصلِّ"، فرجع فصلى، ثمَّ سلم، فقال: "وعليك، ارجع فصلِّ، فإنك لم تصلِّ"، قال في الثالثة: فأعلمني، قال: "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثمَّ استقبل القبلة فكبر، واقرأ بما تيسر معك من القرآن، ثمَّ اركع حتى تطمئن راكعًا، ثمَّ ارفع رأسك حتى تعتدل قائمًا [وفي رواية يوسف بن موسى: حتى تطمئن قائمًا]، ثمَّ اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثمَّ ارفع حتى تستوي وتطمئن جالسًا، ثمَّ اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثمَّ ارفع حتى تستوي قائمًا، ثمَّ افعل ذلك في صلاتك كلها".
ورواه عنه ابن أبي شيبة على الشك، فقال: "ثمَّ اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثمَّ ارفع حتى تستوي قائمًا"، أو قال: "قاعدًا، ثمَّ افعل ذلك في صلاتك كلها" [عند ابن أبي شيبة].
ورواه عنه إسحاق بن راهويه، وخالف الجماعة فقال: "ثمَّ اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثمَّ ارفع حتى تطمئن قاعدًا، ثمَّ اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثمَّ اقعد حتى تطمئن قاعدًا، ثمَّ افعل كذلك في كل ركعة وسجدة" [عند البيهقي (٢/ ١٢٦)] [وقد نبه البيهقي على وهم هذه اللفظة، وهي القعود بعد الرفع من السجدة الثانية، وأن المحفوظ القيام، وقال في موضع آخر (٢/ ٣٧٢) عن رواية الجماعة عن أبي أسامة: "وتلك زيادة محفوظة في هذا الحديث من أوجهٍ عن أبي أسامة"].
قلت: وكلا الروايتين وهمٌ؛ رواية ابن أبي شيبة، ورواية ابن راهويه، والمحفوظ رواية الجماعة: "ثمَّ ارفع حتى تستوي قائمًا، ثمَّ افعل ذلك في صلاتك كلها".
• ولفظ عبد الأعلى [عند أبي الفضل الزهري]: أن رجلًا دخل المسجد فصلى، ثمَّ جاء إلى النبي ﷺ ، فسلم عليه، فقال: "وعليك السلام"، ثمَّ قال النبي ﷺ : "اذهب فصلِّ؛ فإنك لم تصلِّ"، فانطلق فصلى، ثمَّ رجع فسلم على النبي ﷺ ، فرد عليه، ثمَّ قال: "اذهب فصلِّ؛ فإنك لم تصلِّ"، فانطلق فصلى نحوًا مما صلى، ثمَّ رجع فسلم على النبي ﷺ ، فرد عليه، ثمَّ قال: "اذهب فصلِّ"، فقال: يا رسول الله! ما أعلم غير هذا، فعلمني، قال: "إذا
стр. 4412
توضأت فأكمل الوضوء، ثمَّ استقبل القبلة، ثمَّ كبر، ثمَّ اقرأ بما معك من القرآن"، أو: "بما تيسر، ثمَّ اركع حتى تطمئن راكعًا، ثمَّ ارفع رأسك فقم حتى تعتدل قائمًا، ثمَّ اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثمَّ اقعد حتى تطمئن قاعدًا، ثمَّ افعل ذلك في صلاتك كلها".
• قال الترمذي: "هذا حديث حسن، وروى يحيى بن سعيد القطان هذا عن عبيد الله بن عمر عن سعيد المقبري، فقال: عن أبيه عن أبي هريرة، ولم يذكر فيه: فسلم عليه، وقال: وعليك.
قال: وحديث يحيى بن سعيد: أصح".
وقال الدارقطني في العلل (١٠/ ٣٦١/ ٢٠٥٠) عن رواية الجماعة: "وهو المحفوظ".
هكذا قال فخالف نفسه حين قال في التتبع (٩): "ويحيى حافظ؛ ويشبه أن يكون عبيد الله حدث به على الوجهين، والله أعلم" [وهكذا نقله ابن حجر في هدي الساري (٣٥٢)].
وقال أبو نعيم: "ولم يقل: سعيد بن أبي سعيد عن أبيه غير يحيى بن سعيد، وقال ابن نمير: عن عبيد الله عن سعيد عن أبي هريرة".
قلت: من رجح رواية القطان نظر إلى حفظه وضبطه وإتقانه وإمامته، وأنه زاد في الإسناد رجلًا، والزيادة من الحافظ المثبت مقبولة، ومن رجح رواية الجماعة نظر إلى ترجيح رواية الأكثر؛ فإن الوهم عن الجماعة أبعد، وإلى الواحد أقرب.
والأقرب عندي - والله أعلم - أن كلا الروايتين محفوظ، وأن عبيد الله بن عمر حدث به على الوجهين، كما قال الدارقطني في التتبع؛ فإن سعيدًا سمع من أبي هريرة بلا واسطة، وسمع من أبيه عن أبي هريرة، والظاهر في هذا الحديث أنَّه سمعه من أبيه، ومن أبي هريرة، ولا تعارض بينهما؛ لذا اتفق الشيخان على إخراج الروايتين جميعًا.
قال النوويّ في شرح مسلم (٤/ ١٠٩): "قال الدارقطني: ويحيى حافظ؛ فيعتمد ما رواه، فحصل أن الحديث صحيح لا علة فيه، ولو كان الصحيح ما رواه الأكثرون لم يضر في صحة المتن".
وقال ابن حجر في الفتح (٢/ ٢٧٧): "لكل من الروايتين وجهٌ مرجِّحٌ: أما رواية يحيى: فللزيادة من الحافظ، وأما الرواية الأخرى: فللكثرة، ولأن سعيدًا لم يوصف بالتدليس، وقد ثبت سماعه من أبي هريرة، ومن ثمَّ أخرج الشيخان الطريقين".
• ورواه ابن وهب [ثقة حافظ]: عن عبد الله بن عمر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يصلي يومًا، وهو في المسجد، فلما فرغ الرجل جاء فسلم على رسول الله ﷺ فقال: "وعليكم السلام"، قال: "ارجع فصلِّ، فإنك لم تصلِّ"، فرجع فصلى، ثمَّ جاء، فسلم على النبي ﷺ ، فقال له مثل ما قال، فرجع فصلى مرتين، أو ثلاثًا، ثمَّ قال: يا رسول الله، ما أحسن غير ما ترى، فعلمني كيف أصلي، فقال له: "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثمَّ كبر، فإذا استويت قائمًا قرأت بأم القرآن، ثمَّ قرأت بما معك من القرآن، ثمَّ ركعت، حتى تطمئن راكعًا، ثمَّ ترفع رأسك حتى تعتدل قائمًا، وتقول:
стр. 4413
سمع الله لمن حمده، ثمَّ تسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثمَّ ترفع رأسك حتى تطمئن قاعدًا، ثمَّ تفعل مثل ذلك في صلاتك كلها".
أخرجه ابن وهب في الجامع (٣٨٤)، ومن طريقه: البيهقي في السنن (٢/ ٣٧٣)، وفي القراءة خلف الإمام (٥).
• ورواه أبو قرة موسى بن طارق، قال: سمعت عبد الله بن عمر العمري، يذكر عن سعيد بن أبي سعيد المقبري؛ عن أبي هريرة ﵁، أن رجلًا صلى في المسجد ثمَّ أتى النبي ﷺ ؛ فسلم عليه فرد عليه¬ السلامَ، ثمَّ قال: "ارجع فصلِّ، فإنك لم تصلِّ"، ففعل ذلك ثلاثًا، ثمَّ قال الرجل: والله يا رسول الله! لقد جهدت وحرصت فعلمني، فقال النبي ﷺ : "إذا أردت أن تصلي فتوضأ فأحسن وضوءك، ثمَّ كبر، واقرأ بما معك من القرآن، ثمَّ اركع حتى تطمئن راكعًا، ثمَّ ارفع رأسك حتى تطمئن قائمًا، ثمَّ اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثمَّ ارفع رأسك حتى تطمئن جالسًا، ثمَّ اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثمَّ افعل ذلك حتى تفرغ من صلاتك كلها".
أخرجه أبو بكر ابن المقرئ في الأربعين (٢٩)، بإسناد صحيح إلى أبي قرة.
قلت: وهذه متابعة جيدة لرواية الجماعة عن عبيد الله بن عمر العمري، فإن أخاه عبد الله بن عمر العمري: ليس بالقوي، ورواية أبي قرة موسى بن طارق عندي: أقرب إلى الصواب، لموافقتها لرواية الجماعة عن عبيد الله، وشذت رواية ابن وهب بذكر أم القرآن، وبذكر التحميد عند الرفع من الركوع، ولا يحفظ ذلك من حديث سعيد المقبري عن أبي هريرة، والله أعلم.
***
٨٥٧ - . . . حماد، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن عمه؛ أن رجلًا دخل المسجد، فذكر نحوه، قال فيه: فقال النبي ﷺ : "إنه لا تتمُّ صلاةٌ لأحدٍ من الناس حتى يتوضأَ، فيضعَ الوضوءَ -يعني: مواضعَه - ثمَّ يكبرَ، ويحمدَ الله ، ويثني عليه، ويقرأ بما شاء من القرآن، ثمَّ يقولَ: الله أكبر، ثمَّ يركعَ حتى تطمئنَّ مفاصلُه، ثمَّ يقول: سمع الله لمن حمده، حتى يستويَ قائمًا، ثمَّ يقولَ: الله أكبر، ثمَّ يسجدَ حتى تطمئنَّ مفاصلُه، ثمَّ يقولَ: الله أكبر، ويرفعَ رأسه حتى يستويَ قاعدًا، ثمَّ يقولَ: الله أكبر، ثمَّ يسجدَ حتى تطمئنَّ مفاصلُه، ثمَّ يرفعَ رأسه فيكبرَ، فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاتُه".
• حديث شاذ بإسقاط يحيى بن خلاد من الإسناد.
أخرجه الطبراني في الكبير (٥/ ٣٨/ ٤٥٢٦)، وأبو بكر الجصاص في أحكام القرآن (١/ ٢٢) [وفي سنده تحريف]، وابن منده في معرفة الصحابة (٢/ ٦٢٦ - ٦٢٧)، وابن بشران في الأمالي (٤٦٢).
стр. 4414
هكذا رواه موسى بن إسماعيل أبو سلمة التبوذكي، وحجاج بن منهال، وإبراهيم بن الحجاج السامي [وهم ثقات، وفيهم أصحاب حماد المكثرون عنه]:
عن حماد بن سلمة به.
وأوله في رواية حجاج [عند الطبراني]: أن رجلًا دخل المسجد ورسول الله جالسٌ، فصلى، فأمره رسول الله ﷺ فأعاد مرتين أو ثلاثًا، فقال: يا رسول الله! ما أَلَوْتُ بعدَ مرتين أو ثلاث أن أُتِمَّ صلاتي، فقال رسول الله ﷺ : "إنه لا تتمُّ صلاةٌ لأحدٍ من الناس حتى يتوضأَ فيضعَ الوضوء مواضعه،. . ." فذكر الحديث بنحوه.
• ورواه عفان بن مسلم [ثقة ثبت، من أصحاب حماد المكثرين عنه]، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه؛ أن رجلًا دخل المسجد،. . . فذكر الحديث، هكذا مرسلًا بذكر أبيه بدل عمه.
أخرجه الحاكم (١/ ٢٤٢)، بإسناد صحيح إلى عفان به.
ورواه ابن منده في معرفة الصحابة (٢/ ٦٢٦ - ٦٢٧) بإسناد صحيح إلى عفان بن مسلم، قال: حدثنا همام بن يحيى، وحماد بن سلمة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، قال: حدثني علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمه رفاعة بن رافع، أنَّه كان جالسًا عند النبي ﷺ ،. . . فذكر الحديث.
هكذا جمع عفان في الإسناد بين همام وحماد، وساق حديثهما سياقة واحدة، وهما متغايران، حيث حمل حديث حماد بن سلمة على حديث همام، فساقه بإسناد همام ومتنه، وأظن الوهم فيه من الراوي عن عفان، وهو جعفر بن محمَّد بن شاكر، وهو ثقة؛ إلا أني وجدت له وهمًا تقدم التنبيه عليه تحت الحديث رقم (٧٧٧)، والله أعلم.
• ورواه هدبة بن خالد [ثقة، من أصحاب حماد]: نا حماد بن سلمة، عن إسحاق بن عبد الله، عن علي بن يحيى بن خلاد - قال القاضي [هو: ابن أبي عاصم] ﵀: أراه عن أبيه -، عن عمه؛ أن رجلًا جاء فصلى، ثمَّ أمره رسول الله ﷺ أن يعيد، فأعاد، ثمَّ أمره أن يعيد، فأعاد،. . . ثمَّ ذكر نحوه.
أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٤/ ٣٤/ ١٩٧٧).
• والذي يظهر لي من هذا السياق أن زيادة: عن أبيه في إسناد هدبة إنما هي من المصنف القاضي أبي بكر بن أبي عاصم نفسه، شك فيها، وعليه فتكون رواية هدبة متابعة لرواية الجماعة عن حماد بدون ذكر يحيى بن خلاد في الإسناد، وعلى هذا يكون حماد بن سلمة قد روى هذا الحديث:
عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن عمه.
وقال مرة [في رواية عفان]: عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، مرسلًا.
стр. 4415
وتابعه على الوجه الأوّل: محمَّد بن عمرو بن علقمة [وهو صدوق]، فرواه عن علي بن يحيى بن خلاد، عن عمه رفاعة بن رافع [كما سيأتي برقم (٨٥٩)].
وخالفهما: همام بن يحيى [ثقة]، فرواه عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة [ثقة حجة]، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمه رفاعة بن رافع.
وتابعه: داود بن قيس، وابن عجلان، وشريك بن عبد الله بن أبي نمر، ومحمد بن إسحاق بن يسار، ويحيى بن علي بن يحيى بن خلاد بن رافع [وهم صدوقون]:
رواه خمستهم: عن علي بن يحيى بن خلاد، فقالوا: عن أبيه [يحيى بن خلاد بن رافع]، عن عمه رفاعة بن رافع [ويأتي ذكر هذه الأسانيد تباعًا].
وبهذا يظهر أن حماد بن سلمة قد أخطأ في إسناد هذا الحديث، فأسقط يحيى بن خلاد من الإسناد؛ فلم يُقِم إسناده، ووقع هذا الخطأ أيضًا من محمَّد بن عمرو، وهو خطأ ظاهر جلي، إذ كيف يقال بأن علي بن يحيى بن خلاد بن رافع يروي هذا الحديث عن عمه رفاعة بن رافع، وإنما هو عم أبيه، والصواب: رواية الجماعة، لكثرتهم، ولأن فيهم رجلًا من أهل بيت الراوي المختلف عليه، وهو ابنه يحيى، والله أعلم.
قال البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٣٢٠): "وعن حماد عن إسحاق: لم "يُقِمه".
وقال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٨٢/ ٢٢١): "سألت أبي عن حديث رواه حماد بن سلمة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن عمه - لم يذكر أباه - أن رجلًا دخل المسجد فصلى والنبي ﷺ قاعد، فذكر الحديث.
ورواه همام، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمه رفاعة بن رافع، عن النبي ﷺ ؟
قال أبي: ورواه شريك بن عبد الله بن أبي نمر، وداود بن قيس، وابن عجلان، عن علي بن يحيى بن خلاد، فقالوا: عن أبيه، عن رفاعة.
وحماد ومحمد بن عمرو لا يقولان: عن أبيه، والصحيح: عن أبيه عن عمه رفاعة".
وسأل ابن أبي حاتم أبا زرعة عن هذا الحديث، فقال أبو زرعة: "وهِمَ حمادٌ، والحديث: حديث همام، عن إسحاق، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمه، عن النبي ﷺ " [العلل (١/ ٨٢/ ٢٢٢)].
وقال الحاكم: "وقد أقام هذا الإسناد: داود بن قيس الفراء، ومحمد بن إسحاق بن يسار، وإسماعيل بن جعفر بن أبي كثير".
وقال البيهقي في السنن (٢/ ٣٧٣): "وكذلك رواه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى، من رواية همام بن يحيى عنه، وقصر به حماد بن سلمة، فقال: عن إسحاق، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن عمه".
***
стр. 4416
٨٥٨ - . . . همام: حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمه رفاعة بن رافع - بمعناه -، قال: فقال رسول الله ﷺ : "إنها لا تتمُّ صلاةُ أحدِكم حتى يسبغَ الوضوءَ كما أمر الله تعالى، فيغسلَ وجهه، ويديه إلى المِرفقين، ويمسحَ برأسه، ورجليه إلى الكعبين، ثمَّ يكبرَ الله ويحمدَه، ثمَّ يقرأَ من القرآن ما أُذِنَ له فيه وتيسَّرَ"، فذكر نحو حماد، قال: "ثمَّ يكبرَ فيسجدَ فيمكِّنَ وجهه - قال همام: وربما قال: جبهته - من الأرض حتى تطمئنَّ مفاصلُه وتسترخيَ، ثمَّ يكبرَ فيستويَ قاعدًا على مقعده، ويقيمَ صلبه"، فوصف الصلاة هكذا أربع ركعاتٍ، حتى فرغَ: "لا تتمُّ صلاةُ أحدِكم حتى يفعلَ ذلك".
• حديث صحح، إسناده علي شرط البخاري.
أخرجه البخاري في القراءة خلف الإمام (١١٧)، وفي التاريخ الكبير (٣/ ٣١٩)، والنسائيُّ في المجتبى (٢/ ٢٢٥/ ١١٣٦)، وفي الكبرى (١/ ٣٦٣/ ٧٢٦)، وابن ماجه (٤٦٠)، والدارميُّ (١/ ٣٥٠/ ١٣٢٩)، وابن الجارود (١٩٤)، والحاكم (١/ ٢٤١)، وأبو الحسن الطوسي في الأربعين (١٠)، والبزار (٩/ ١٧٨/ ٣٧٢٧)، وأبو علي الطوسي في مختصر الأحكام (٢/ ١٧٨/ ٢٨٤)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٣٥)، وفي أحكام القرآن (١/ ٨٢/ ٣٥)، والطبراني في الكبير (٥/ ٣٧/ ٤٥٢٥)، والدارقطني (١/ ٩٦)، وابن منده في معرفة الصحابة (٢/ ٦٢٧)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٥/ ٢٤٥٧/ ٥٩٩٨)، وابن حزم في المحلى (٣/ ٢٥٦)، والبيهقيُّ في السنن (٢/ ٤٤ و ١٠٢ و ٣٤٥)، وفي المعرفة (٢/ ٧/ ٨٤٢)، والخطيب في المتفق (٢/ ٩٣٥/ ٥٦٦)، وابن بشكوال في الغوامض (٢/ ٥٩١/ ٥٨٣).
رواه عن همام بن يحيى: هشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسي، والحجاج بن منهال، وهدبة بن خالد، وعبد الله بن يزيد المقرئ، وعفان بن مسلم.
ولفظ بتمامه عند النسائي [من رواية المقرئ]: بينما رسول الله ﷺ جالسٌ ونحن حوله إذ دخل رجلٌ فأتى القبلة فصلى، فلما قضى صلاته جاء فسلم على رسول الله ﷺ وعلى القوم، فقال له رسول الله ﷺ : "وعليك، اذهب فصلِّ، فإنك لم تُصَلِّ"، فذهب فصلى، فجعل رسول الله ﷺ يرمُقُ صلاته، فلا ندري ما يعيب منها، فلما قضى صلاته جاء فسلم على رسول الله ﷺ وعلى القوم، فقال له رسول الله ﷺ : "وعليك، اذهب فصلِّ، فإنك لم تُصَلِّ"، فأعادها مرتين أو ثلاثًا، فقال الرجل: يا رسول الله! ما عِبتَ من صلاتي؟
فقال رسول الله ﷺ : "إنها لم تتمَّ صلاةُ أحدِكم حتى يسبغَ الوضوء كما أمره الله ،
стр. 4417
فيغسلَ وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسحَ برأسه ورجليه إلى الكعبين، ثمَّ يكبرَ الله ويحمدَه ويمجِّدَه"، قال همام: وسمعته يقول: "ويحمدَ الله، ويمجدَه، ويكبرَه"، قال: فكلاهما قد سمعته يقول، قال: "ويقرأ ما تيسر من القرآن مما علمه الله، وأذِن له فيه، ثمَّ يكبرَ فيركعَ [زاد حجاج وهدبة: فيضع كفيه على ركبتيه] حتى تطمئنَّ مفاصلُه وتسترخيَ، ثمَّ يقولَ: سمع الله لمن حمده، ثمَّ يستويَ قائمًا حتى يقيمَ صلبه [قال حجاج: حتى يأخذ كلُّ عضو مأخذه، ويقيم صلبه]، ثمَّ يكبرَ فيسجدَ حتى يمكِّن وجهه"، وقد سمعته يقول: "جبهته، حتى تطمئنَّ مفاصلُه وتسترخيَ، ويكبرَ فيرفعَ حتى يستويَ قاعدًا على مقعدته ويقيمَ صلبه، ثمَّ يكبرَ فيسجدَ حتى يمكِّن وجهه ويسترخيَ [أو: يطمئنَّ] [وقال هدبة: ويسترخي مفاصله، ويطمئن، ثمَّ يكبر فيرفع]، فإذا لم يفعل هكذا لم تتم صلاته".
قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلم أحدًا رواه عن رسول الله ﷺ إلا رفاعة بن رافع وأبو هريرة، وحديث رفاعة أتم من حديث أبي هريرة، وإسناده حسن".
وقال أبو علي الطوسي: "حديث رفاعة حديث حسن، وقد روي هذا الحديث عن رفاعة من غير وجه".
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، بعد أن أقام همام بن يحيى إسناده فإنَّه حافظ ثقة، وكل من أفسد قوله فالقول قول همام، ولم يخرجاه بهذه السياقة، إنما اتفقا فيه على عبيد الله بن عمر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، وقد روى محمَّد بن إسماعيل هذا الحديث في التاريخ الكبير عن حجاج بن منهال، وحكم له بحفظه، ثمَّ قال: لم يُقِمه حماد بن سلمة".
قلت: هو حديث صحيح، حفظه همام، وضبط إسناده، كما تقدم بيانه في الحديث السابق، وإسناده على شرط البخاري، فقد أخرج في صحيحه حديثًا بهذا الإسناد (٧٩٩)، وراجع الحديث رقم (٧٧٠) من السنن.
***
٨٥٩ - . . . محمَّد -يعني: ابن عمرو-، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن رفاعة بن رافع - بهذه القصة -، قال: "إذا قمتَ فتوجَّهتَ إلى القبلة فكبر، ثمَّ اقرأْ بأمِّ القرآن، وبما شاء الله أن تقرأَ، وإذا ركعتَ فضعْ راحتَيك على ركبتَيك، وامدُدْ ظهرَك"، وقال: "إذا سجدتَّ فمكَّنْ لسجودك، فإذا رفعتَ فاقعُد على فخذِك اليسرى".
• حديث شاذ بإسقاط يحيى بن خلاد من الإسناد، وبزيادتين في المتن.
أخرجه أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة (٢/ ٣٣٠/ ٦٧٨)، والطبراني في الكبير (٥/ ٤٠/ ٤٥٢٩)، وأبو بكر الجصاص في أحكام القرآن (١/ ٢٢)، والبيهقيُّ في السنن (٢/ ٣٧٤)، وفي القراءة خلف الإمام (٧).
стр. 4418
• هكذا رواه عن محمَّد بن عمرو بن علقمة: خالد بن عبد الله الواسطي، وعباد بن عباد بن حبيب الأزدي، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي [وهم ثقات].
• ورواه عباد بن العوام [ثقة]، عن محمَّد بن عمرو، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن رفاعة بن رافع؛ أن خلادًا دخل المسجد، ورسول الله ﷺ أظنه قال: جالس - فصلى منه قريبًا،. . . ذكر الحديث بنحوه.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٢٠/ ٢٥٢٦) مختصرًا، وابن بشكوال في الغوامض (٢/ ٥٩٢/ ٥٨٤) بتمامه.
تفرد عباد بن العوام بتعيين المبهم في هذا الحديث، وشذ بذلك.
• ورواه يزيد بن هارون، قال: أخبرنا محمَّد بن عمرو، عن علي بن يحيى بن خلاد الزرقي، [كذا في رواية أحمد بن حنبل، وعيسى بن أحمد العسقلاني بدون ذكر أبيه، وفي رواية أحمد بن سنان القطان الواسطي، وهو ثقة حافظ ثبت: أحسبه عن أبيه، هكذا على الشك، ورواية من جزم أصح]، عن رفاعة بن رافع الزرقي - وكان من أصحاب النبي ﷺ ، قال: جاء رجلٌ ورسول الله ﷺ جالسٌ في المسجد، فصلى قريبًا منه، ثمَّ انصرف إلى رسول الله ﷺ ، فسلم عليه، فقال رسول الله ﷺ : "أعد صلاتك، فإنك لم تُصَلِّ"، قال: فرجع فصلى كنحوٍ مما صلى، ثمَّ انصرف إلى رسول الله ﷺ ، فقال له: "أعد صلاتك، فإنك لم تُصَلِّ"، فقال: يا رسول الله! علمني كيف أصنع، قال: "إذا استقبلت القبلة فكبر، ثمَّ اقرأ بأم القرآن، ثمَّ اقرأ بما شئت، فإذا ركعت فاجعل راحتيك على ركبتيك، وامدُد ظهرَك، ومكِّن لركوعك، فإذا رفعت رأسك فأقم صُلبَك حتى ترجعَ العظامُ إلى مفاصلها، وإذا سجدت فمكِّن لسجودك، فإذا رفعت رأسك فاجلس على فخذك اليسرى، ثمَّ اصنع ذلك في كل ركعة وسجدة".
أخرجه أحمد (٤/ ٣٤٠) (٨/ ٤٣٥٧/ ١٩٣٠٠ - ط المكنز)، وابن حبَّان (٥/ ٨٨/ ١٧٨٧)، والبغويُّ في شرح السُّنَّة (٣/ ٩ - ١٠/ ٥٥٤)، وابن الجوزي في التحقيق (٤٩٧).
قال البغوي: "هذا حديث حسن".
قلت: أخطأ محمَّد بن عمرو في إسناده ومتنه، أما الإسناد فقد أسقط منه يحيى بن خلاد، وزاد في متنه في موضعين، ولم يتابع عليهما، الأوّل: "ثمَّ اقرأ بأم القرأن"، والثاني: "وامدُد ظهرَك"، وأما ما ذكره من التمكين في الركوع والسجود فهو الطمأنينة المذكورة في رواية غيره.
• وقد خالفه فرواه بإثبات يحيى بن خلاد في الإسناد، ولم يأت بهاتين الزيادتين:
إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة [في المحفوظ عنه]، وداود بن قيس، وابن عجلان، وشريك بن عبد الله بن أبي نمر، ومحمد بن إسحاق بن يسار، ويحيى بن علي بن يحيى بن خلاد بن رافع:
رووه: عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمه رفاعة بن رافع.
ومحمد بن عمرو بن علقمة الليثي: صدوق له أوهام، لم يكن بذاك الحافظ [انظر بعض أوهامه في: الحديثين المتقدمين برقم (٢٨٦ و ٨١٠)].
стр. 4419
• فإن قيل: قد روي بهذا اللفظ من طريق أخرى:
رواه شريك بن عبد الله النخعي، عن عبد الله بن عون، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن رفاعة بن رافع - وكان بدريًّا - قال: جاء رجل. . . فذكره بنحو رواية محمَّد بن عمرو، ولم يذكر: عن أبيه، أيضًا.
أخرجه ابن جرير الطبري في المنتخب من ذيل المذيل (٧١)، والطبراني في الكبير (٥/ ٤٠/ ٤٥٣٠).
من طريق إبراهيم بن سعد، عن شريك به.
قلت: هو حديث غريب؛ تفرد به شريك الكوفي، عن ابن عون البصري، على كثرة أصحاب ابن عون ومن روى عنه من الثقات، وشريك كان قد ساء حفظه، ووقعت له أوهام كثيرة، وتفرد به عن شريك الكوفي: إبراهيم بن سعد المدني، وهو ثقة، لكن كان يحدث من حفظه فيخطئ [شرح علل الترمذي (٢/ ٧٦٣)]، ثمَّ هو إسناد مدني، ثمَّ بصري، ثمَّ كوفي، ثمَّ مدني، وقد قيل: إن المدنيين إذا رووا عن الكوفيين زلقوا، فلا أُراه يثبت من حديث ابن عون، فإن الأئمة النقاد مثل: أبي حاتم الرازي، وأبي نعيم، والحاكم، والبيهقيُّ، لما ذكروا طرق هذا الحديث، ومن رواه عن علي بن يحيى؛ لم يذكروا رواية ابن عون، ولو كانت عندهم لما أغفلوها، فإن ابن عون أثبت مَن روى هذا الحديث عن علي بن يحيى، عدا إسحاق ابن أبي طلحة، وقد تقدم نقل بعض كلامهم بعد حديث حماد، وسيأتي نقل البقية قريبًا، والله أعلم.
***
٨٦٠ - . . . إسماعيل، عن محمَّد بن إسحاق: حدثني علي بن يحيى بن خلاد بن رافع، عن أبيه، عن عمه رفاعة بن رافع، عن النبي ﷺ بهذه القصة - قال: "إذا أنت قمتَ في صلاتك، فكبرِ الله ، ثمَّ اقرأ ما تيسَّر عليك من القرآن" وقال فيه: "فإذا جلستَ في وسط الصلاة فاطمئنَّ، وافترِشْ فخِذك اليسرى، ثمَّ تشهَّدْ، ثمَّ إذا قمتَ فمثل ذلك، حتى تفرُغَ من صلاتك".
• حديث شاذ بذكر جلسة التشهد الأوسط، والتشهد أيضًا.
أخرجه ابن خزيمة (١/ ٣٠٢/ ٥٩٧) و (١/ ٣٢٢/ ٦٣٨) مختصرًا، وابن حبَّان في وصف الصلاة (٤/ ٥١٢/ ٤٥٨٣ - إتحاف المهرة) مختصرًا، والحاكم (١/ ٢٤٣) [وفي سنده تحريف وزيادة، وانظر: الإتحاف (٤/ ٥١٢/ ٤٥٨٢)]، والشافعيُّ في الأم (٧/ ١٨٥)، والطبراني في الكبير (٥/ ٣٩/ ٤٥٢٨)، والبيهقيُّ (٢/ ١٣٣).
رواه عن إسماعيل ابن علية: مؤمَّل بن هشام، وأحمد بن حنبل، والشافعيُّ، وعثمان بن أبي شيبة [وهم ثقات، والثلاثة الآخرون أئمة].
стр. 4420
ولفظه عند الطبراني: بينما نحن عند رسول الله ﷺ أقبل رجلٌ من الأنصار بعد أن فرغ رسول الله ﷺ من الصلاة فصلى، ثمَّ أقبل فسلم عليه، فقال: "وعليك السلام، ارجع فصلِّ، فإنك لم تصلِّ"، قال: يا رسول الله! قد جهدت فبيَّن لي، قال: "إذا أنت قمت في صلاتك فكبر الله، ثمَّ اقرأ ما تيسر عليك من القرآن، ثمَّ إذا أنت ركعت فأثبت يديك على ركبتيك حتى يطمئن كل عظم منك، ثمَّ إذا رفعت رأسك فاعتدل حتى يرجع كل عظم منك، ثمَّ إذا سجدت فاطمئن حتى يعتدل كل عظم منك [وفي رواية: فأثبت وجهك ويديك حتى يطمئن كل عظم منك]، ثمَّ إذا رفعت رأسك فأثبت حتى يرجع كل عظم إلى موضعه، ثمَّ مثل ذلك؛ فإذا جلست في وسط صلاتك فاطمئن، وافترش فخذك اليسرى، ثمَّ تشهد، ثمَّ إذا قمت فمثل ذلك حتى تفرغ من صلاتك".
قلت: تفرد ابن إسحاق بذكر جلسة التشهد الأوسط، والتشهد أيضًا، وقد تابعه محمَّد بن عمرو على هيئة الافتراش، لكن جعله في الجلسة بين السجدتين، فقال: "فإذا رفعت رأسك فاجلس على فخذك اليسرى"، ولم يذكر التشهد الأوسط ولا جلسته، ورواية محمَّد بن عمرو أقرب لرواية الجماعة حيث ذكروا الجلسة بين السجدتين دون جلسة التشهد الأوسط، كما لم ترِد أيضًا في حديث أبي هريرة.
وعلى ذلك: فإن رواية ابن إسحاق بهذه الزيادة: رواية شاذة، لتفرده عمن سبق ذكرهم ممن روى الحديث عن علي بن يحيى بن خلاد، وابن إسحاق: صدوق، ولا يحتمل منه التفرد بهذا، فإنَّه ليس بذاك الحافظ، والله أعلم.
فإن قيل: قد احتج بروايته ابن خزيمة وابن حبَّان والحاكم وصححوها؛ فيقال: لم يخرجوا منه موضع الشذوذ، وإنما احتجوا منه بما توبع عليه، فاحتج منه ابن خزيمة وتبعه ابن حبَّان على وضع اليدين على الركبتين، وبإثبات اليدين مع الوجه على الأرض حتى يطمئن كل عظم من المصلي إلى موضعه، وقد توبع عليها، ولا إشكال في ذلك.
***
٨٦١ - . . . إسماعيل -يعني: ابن جعفر-: أخبرني يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد بن رافع الزُّرَقي، عن أبيه، عن جده، عن رفاعة بن رافع؛ أن رسول الله ﷺ فقصَّ هذا الحديث - قال فيه: "فتوضَّأْ كما أمرك الله، ثمَّ تشهَّدْ، فأقِمْ، ثمَّ كبر، فإن كان معك قرآنٌ فاقرأ به، وإلا فاحمدِ اللهَ وكبِّرْه وهلِّلْه"، وقال فيه: "وإن انتقصتَ منه شيئًا انتقصتَ من صلاتك".
• حديث حسن.
هكذا رواه عن إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير: علي بن حجر السعدي، وعبَّاد بن موسى الخُتَّلي، وأبو داود الطيالسي، وقتيبة بن سعيد، وأبو عمر الدوري المقرئ، وعلي بن
стр. 4421
معبد بن نوح، ويحيى بن أيوب المقابري، وحجاج بن إبراهيم الأزرق، وهم ثقات.
ولفظه بتمامه: عن رفاعة بن رافع؛ أن رسول الله ﷺ بينما هو جالس في المسجد يومًا - قال رفاعة: ونحن معه -، إذ جاء رجلٌ كالبدوي فصلى فأخفَّ صلاته، ثمَّ انصرف فسلم على النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "وعليك، فارجع فصلِّ [وفي رواية الطيالسي: أعد صلاتك]، فإنك لم تُصَلِّ"، فرجع فصلى، ثمَّ جاء فسلم على النبي ﷺ ، فردَّ عليه، وقال: "وعليك، ارجع فصلِّ، فإنك لم تُصَلِّ"، ففعل ذلك مرتين، أو ثلاثًا، كل ذلك يأتي النبي ﷺ فيسلم عليه، ويقول: "وعليك، فأرجع فصلِّ، فإنك لم تُصَلِّ"، فخاف [وفي رواية: فعاف، وفي أخرى: فعاث] الناس، وكبُر عليهم أن يكون من أخفَّ صلاته لم يصلِّ، فقال له الرجل في آخر ذلك: فأرني، أو: علمني؛ فإنما أنا بشر أصيب وأخطئ.
فقال: "أجل، إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله، ثمَّ تشهد فأقم، ثمَّ كبر، فإن كان معك قرأنٌ فاقرأ به، وإلا فاحمدِ اللهَ وكبِّرْه وهلِّلْه، ثمَّ اركع فاطمئنَّ راكعًا، ثمَّ اعتدل قائمًا، ثمَّ اسجد فاعتدل ساجدًا، ثمَّ اجلس فاطمئنَّ جالسًا، ثمَّ قم، فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك، وإن انتقصت منها شيئًا انتُقص من صلاتك".
قال: فكانت هذه أهون عليهم من الأولى، أن من انتَقص من ذلك شيئًا انتُقص من صلاته، ولم تذهب كلها.
وأدرج بعضهم: "ولم تذهب كلها" في المرفوع.
قال الترمذي: "حديث رفاعة بن رافع: حديث حسن.
وقد روي عن رفاعة هذا الحديث من غير وجه".
وقد سبق تخريج حديث إسماعيل بن جعفر هذا ومتابعاته تحت الحديث رقم (٨٣٢)، وهو حديث حسن بهذه الزيادات: "فإن كان معك قرآنٌ فاقرأ به، وإلا فاحمدِ اللهَ وكبِّرْه وهلِّلْه"، وبزيادة: فإنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فقال: "أجل"، وبزيادة: "ثمَّ تشهد فأقم".
• فإن قيل: قَبِلتَ زيادات إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، ورددتَ زيادات محمَّد بن عمرو وابن إسحاق مع كونها غير منكرة، قد ثبتت من أحاديث آخر، ثمَّ قبلت زيادات من هو أدنى منهما في الشهرة والحفظ وهو يحيى بن علي بن يحيى؟
فيقال: أما ابن أبي طلحة فهو ثقة حجة، تُقبل زياداته لأجل حفظه وإتقانه، والزيادة إذا كانت من حافظ متقن فهي مقبولة، وأما محمَّد بن عمرو وابن إسحاق فقد تكلم فيهما النقاد بسبب أوهامهما، وكثرة أغلاطهما، فنحن بحاجة إلى قرينة قوية أو متابعة معتبرة حتى نقبل ما تفردا به في هذا الحديث، لا سيما والحديث قد رواه جماعة بدون هذه الزيادات، فإن قيل: يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد أولى بذلك؛ فيقال: لم يتكلم الحفاظ فيه بالجرح، بل ذكره ابن حبَّان في الثقات، وقال في مشاهير علماء الأمصار: "وكان متقنًا"، واحتج بحديثه أحمد وأبو داود والنسائيُّ، وصحح له ابن خزيمة وابن حبَّان والحاكم، ولم ينفرد بكل ما أتى به، بل تابعه على بعضه: شريك بن عبد الله بن أبي نَمِر [ليس به بأس]،
стр. 4422
إضافة إلى كونه هنا يروي عن أهل بيته، وهمة الرجل في حفظ رواية أبيه تكون أعلى، لا سيما وهي تتكرر على مسامعه أكثر من مرة، كما أن الإمام أحمد قد احتج بزيادته تلك، كما قد حررته تحت الحديث السابق برقم (٨٣٢)، والله أعلم.
• والآن فقد تقدم معنا ممن روى هذا الحديث عن علي بن يحيى بن خلاد:
إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة (٨٥٧ و ٨٥٨)، ومحمد بن عمرو (٨٥٩)، ومحمد بن إسحاق (٨٦٠)، ويحيى بن علي بن يحيى، وشريك بن عبد الله بن أبي نمر [تقدما تحت الحديث رقم (٨٣٢)].
وبقيت رواية محمَّد بن عجلان، وداود بن قيس الفراء.
١ - روى بكر بن مضر، والليث بن سعد، وحاتم بن إسماعيل، وسليمان بن بلال، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الله بن إدريس، وأبو خالد الأحمر سليمان بن حيان، وحيوة بن شريح التجيبي المصري [والراوي عنه: حجاج بن رشدين بن سعد؛ وفيه ضعف. اللسان (٢/ ٥٦٠)] [واللفظ لبكر فهو أتم، وإن كانوا متقاربين جدًّا، قالوا: عن عمه، وزاد بعضهم: وكان بدريًّا، ولم يسموه، غير روايةٍ لبكر بن مضر، ورواية عن يحيى القطان، قالا فيها: عن عمه رفاعة بن رافع، وهي صحيحة عنهما، رواية بكر عند النسائي، ورواية القطان عند البزار وابن حبَّان]:
عن ابن عجلان، عن [وفي رواية القطان: حدثني] علي بن يحيى الزرقي، عن أبيه، عن عمه رفاعة بن رافع - وكان بدريًّا -، قال: كنا مع رسول الله ﷺ إذ دخل رجلٌ المسجدَ فصلى [وفي رواية القطان: في ناحية المسجد]، ورسول الله ﷺ يرمُقُه ولا يشعر [وفي رواية الليث: ونحن لا نشعر]، ثمَّ انصرف، فأتى رسولَ الله ﷺ فسلم عليه، فردَّ عليه¬ السلام، ثمَّ قال: "ارجع فصلِّ، فإنك لم تُصَلِّ"، قال: لا أدري في الثانية أو في الثالثة قال: والذي أنزل عليك الكتاب! لقد جهدت فعلمني وأرني، قال: "إذا أردت الصلاة فتوضأ، فأحسن الوضوء، ثمَّ قم فاستقبل القبلة، ثمَّ كبر، ثمَّ اقرأ، ثمَّ اركع حتى تطمئنَّ راكعًا، ثمَّ ارفع حتى تعتدل قائمًا [وفي رواية القطان وأبي خالد الأحمر: حتى تطمئن قائمًا]، ثمَّ اسجد حتى تطمئنَّ ساجدًا، ثمَّ ارفع رأسك حتى تطمئنَّ قاعدًا، ثمَّ اسجد حتى تطمئنَّ ساجدًا، [زاد الليث: ثمَّ ارفع، وقال القطان وسليمان بن بلال: ثمَّ قم]، فإذا صنعت ذلك فقد قضيتَ صلاتك، وما انتقصتَ من ذلك فإنما تنقصه من صلاتك".
وفي رواية القطان: "فإذا أتممتَ صلاتك على هذا فقد أتممتَها، وما انتقصتَ من هذا من شيء فإنما تنقصه من صلاتك".
أخرجه البخاري في القراءة خلف الإمام (١٠٨ - ١١٠ و ١١٨ و ١١٩)، وفي التاريخ الكبير (٣/ ٣٢٠ و ٣٢١)، والنسائيُّ في المجتبى (٢/ ١٩٣/ ١٠٥٣) و (٣/ ٥٩/ ١٣١٣)، وفي الكبرى (١/ ٣٢٩/ ٦٤٤) و (٢/ ٨٥/ ١٢٣٧)، وابن حبَّان (٥/ ٨٨/ ١٧٨٧)، وأحمد (٤/ ٣٤٠)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٥٧/ ٢٩٥٨) و (٧/ ٣٠٣/ ٣٦٢٩٦)، وابن أبي عاصم في
стр. 4423
الآحاد والمثاني (٤/ ٣٣/ ١٩٧٦)، والبزار (٩/ ١٧٧/ ٣٧٢٦)، والحسن بن سفيان في الأربعين (٢٤)، وأبو يعلى (١١/ ٤٩٨/ ٦٦٢٣) [وعنده زيادة شاذة]، وأبو القاسم البغوي في معجم الصحابة (٢/ ٣٢٩/ ٦٧٧)، والطحاوي في المشكل (٦/ ٢٠/ ٢٢٤٥)، وأبو بكر الآجري في الأربعين (١٩)، والطبراني في الكبير (٥/ ٣٦ و ٣٧/ ٤٥٢١ - ٤٥٢٤)، وأبو أحمد الحاكم في شعار أصحاب الحديث (٤٦) [وفي سنده سقط]، والبيهقيُّ في السنن (٢/ ٣٧٢ و ٣٧٣)، وفي الشعب (٣/ ١٣٩/ ٣١٣١)، وابن عبد البر في التمهيد (٧/ ٨٦) و (٩/ ١٨٢ و ١٨٣).
وانظر: الحلية (٩/ ٧٨)، والمعرفة للبيهقي (١١٨٤).
قال البغوي: "وقد روى هذا الحديث محمَّد بن عمرو، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن رفاعة بن رافع".
تنبيهات:
• هكذا روى هذا الحديث عن سليمان بن بلال المدني: أبو بكر بن أبي أويس، وهو: عبد الحميد بن عبد الله الأصبحي، وهو: مدني ثقة، وأخوه إسماعيل بن أبي أويس، وهو مدني صدوق، وله أوهام، وخالفهما أحد الغرباء:
فرواه يحيى بن صالح الوحاظي الحمصي، قال: حدثنا سليمان بن بلال، قال: حدثني شريك بن أبي نمر، عن علي بن يحيى، عن عمه رفاعة بن رافع، أن النبي ﷺ كان جالسًا في المسجد،. . . فذكر الحديث مطولًا.
أخرجه الطحاوي في شرح المعاني (١/ ٢٣٢)، وفي المشكل (٦/ ١٩/ ٢٢٤٣).
فوهم فيه يحيى بن صالح مرتين، حيث جعله عن شريك بن أبي نمر، وإنما هو عن ابن عجلان، ولم يقل فيه: عن أبيه.
وأما قول أبي حاتم: "ورواه شريك بن عبد الله بن أبي نمر، وداود بن قيس، وابن عجلان، عن علي بن يحيى بن خلاد، فقالوا: عن أبيه، عن رفاعة" [علل الحديث (١/ ٨٢/ ٢٢١) (٢/ ٦٩/ ٢٢١ - ط سعد الحميد)]، فذكر أن رواية شريك كالجماعة بإثبات يحيى بن خلاد في الإسناد، فيدل على أنَّه ثابت عنده، ولعله من غير هذا الطريق، لا سيما ورواية ابن أبي نمر فيها زيادة ليست في رواية ابن عجلان وداود بن قيس، والله أعلم، وانظر كلامي عليه تحت الحديث رقم (٨٣٢).
• انفرد أبو خالد الأحمر بزيادة: فدخل رجلٌ فصلى صلاةً خفيفةً، لا يتم ركوعًا ولا سجودًا [عند ابن أبي شيبة]، ولم يأت بها جماعة الثقات، وأبو خالد لم يكن حافظًا، كان سيئ الحفظ، يغلط ويخطئ.
• وانظر أيضًا فيمن أخطأ في إسناده أو متنه على ابن عجلان: الأم (١/ ١٠٢)، مسند الشافعي (٣٤) و (٣٩ - ٤٠)، شرح مشكل الآثار (٤/ ٢٦٧/ ١٥٩٤) و (١٥/ ٣٥٧/ ٦٠٧٥)، المعرفة للبيهقي (٢/ ٢٠٤/ ١١٨٣).
стр. 4424
٢ - ورواه داود بن قيس الفراء، قال: حدثني علي بن يحيى بن خلاد بن رافع بن مالك الأنصاري، قال: حدثني أبي، عن عم له بدري [وفي رواية: قال داود: وبلغنا أنَّه رفاعة بن رافع ﵁]، قال: كنت مع رسول الله ﷺ جالسًا في المسجد، فدخل رجل فصلى ركعتين، ثمَّ جاء فسلم على النبي ﷺ ، وقد كان النبي ﷺ يرمقه في صلاته، فردَّ عليه¬ السلامَ، ثمَّ قال له: "ارجع فصلِّ، فإنك لم تُصَلِّ"، فرجع فصلى، ثمَّ جاء فسلم على النبي ﷺ ، فردَّ عليه¬ السلامَ، ثمَّ قال: "ارجع فصلِّ، فإنك لم تُصَلِّ"، حتى كان عند الثالثة أو الرابعة، فقال: والذي أنزل عليك الكتاب! لقد جهدت وحرصت فأرني وعلمني، قال: "إذا أردت أن تصلي فتوضأ، فأحسن وضوءك، ثمَّ استقبل القبلة فكبر، ثمَّ اقرأ، ثمَّ اركع حتى تطمئنَّ راكعًا، ثمَّ ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثمَّ اسجد حتى تطمئنَّ ساجدًا، ثمَّ ارفع حتى تطمئنَّ قاعدًا، ثمَّ اسجد حتى تطمئنَّ ساجدًا، ثمَّ ارفع، فإذا أتممتَ صلاتك على هذا فقد تمت، وما انتقصت من هذا فإنما تنتقصه من صلاتك".
أخرجه البخاري في القراءة خلف الإمام (١١٥ و ١١٦)، وفي التاريخ الكبير (٣/ ٣٢٠)، والنسائيُّ في المجتبى (٣/ ٦٠/ ١٣١٤)، وفي الكبرى (٢/ ٨٦/ ١٢٣٨)، والحاكم (١/ ٢٤٢)، وابن وهب في الجامع (٣٨٥)، وعبد الرزاق (٢/ ٣٧٠/ ٣٧٣٩)، والطبراني في الكبير (٥/ ٣٦/ ٤٥٢٠)، والبيهقيُّ في السنن (٢/ ٣٧٤)، وفي القراءة خلف الإمام (٤ و ٦).
• خالفهم جميعًا:
بكير بن عبد الله بن الأشج [ثقة ثبت]، فرواه عن علي بن يحيى، عن أبي السائب - رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: صلى رجلٌ والنبي ﷺ ينظر إليه، فلما قضى صلاته، قال: "ارجع فصلِّ، فإنك لم تُصَلِّ" ثلاثًا، فقام الرجل فلما قضى صلاته، قال النبي ﷺ : "ارجع فصلِّ" ثلاثًا، قال: فحلف له لقد اجتهدت، فقال له: "ابدأ فكبر، وتحمد الله، وتقرأ بأم القرآن، ثمَّ تركع حتى يطمئنَّ صُلبُك، ثمَّ ترفع رأسك حتى يستقيمَ صلبك، فما انتقصت من هذا فقد نقصت من صلاتك".
أخرجه البخاري في القراءة خلف الإمام (١٠٧)، وفي التاريخ الكبير (٣/ ٣٢٠)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٥/ ٢٩٢٤/ ٦٨٤٧).
من طريق يحيى بن بكير، قال: حدثنا عبد الله بن سويد بن حيان [مصري، صدوق]، عن عياش بن عباس [القتباني المصري: ثقة]، عن بكير به.
قال أبو نعيم: "وهذا الحديث وهمٌ من بعض النقلة؛ فإن يحيى بن علي بن يحيى، وداود بن قيس، وإسحاق بن أبي طلحة، وسعيد بن أبي هلال، وابن عجلان، ومحمد بن إسحاق، ومحمد بن عمرو؛ كلهم رووه: عن علي بن يحيى، عن أبيه يحيى بن خلاد بن رافع، عن عمه رفاعة بن رافع، وكان بدريًّا".
قلت: هذا حديث خطأ؛ لا أدري ممن الوهم فيه؛ فإن كان تفرد به يحيى بن عبد الله بن بكير فالحمل فيه عليه، فإنَّه وإن كان ثقة في الليث بن سعد؛ إلا أنَّه تُكُلِّم في
стр. 4425
روايته عن مالك، وضعفه النسائي، وليَّنه أبو حاتم، ووثقه آخرون [التهذيب (٤/ ٣٦٨)، الميزان (٤/ ٣٩١)، وراجع ترجمته تحت الحديث (٧١٥)]، وإن لم يتفرد به ابن بكير فالوهم ممن فوقه، والله أعلم.
• وانظر فيمن أخطأ فيه أيضًا على علي بن يحيى بن خلاد: مسند الشافعي (٣٤)، المعرفة للبيهقي (٢/ ٢٠٣/ ١١٨١).
• قال البيهقي في السنن (٢/ ٣٧٣) وقد أخرجه من طريق: "ابن عجلان، عن علي بن يحيى الزرقي، عن أبيه، عن عمه وكان بدريًّا؛ أنَّه قال: كنا مع رسول الله ﷺ إذ دخل رجل المسجد، فقام في ناحية منه يصلي، وذكر الحديث، وفيه من الزيادة: "ثمَّ قم، فاستقبل القبلة"، وقال في السجود الثاني: "ثمَّ اسجد حتى تطمئن ساجدًا، فإذا صنعت ذلك فقد قضيت صلاتك، وما انتقصت من ذلك فإنما تنقص من صلاتك".
رواه محمَّد بن إسحاق بن يسار، عن علي بن يحيى بن خلاد بن رافع، عن أبيه، عن عمه رفاعة بن رافع، وكذلك قاله داود بن قيس، عن علي بن يحيى بن خلاد، وكذلك رواه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى، من رواية همام بن يحيى عنه، وقصر به حماد بن سلمة، فقال: عن إسحاق، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن عمه، وقال محمَّد بن عمرو: عن علي بن يحيى بن خلاد، عن رفاعة بن رافع، والتصحيح: رواية من تقدَّم، وافقهم: إسماعيل بن جعفر، عن يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد بن رافع الزرقي، عن أبيه، عن جده، عن رفاعة بن رافع، وقصر بعض الرواة عن إسماعيل بنسب يحيى، وبعضهم بإسناده، فالقول قول من حفظ، والرواية التي ذكرناها بسياقها موافقة للحديث الثابت عن أبي هريرة ﵁ في ذلك، وإن كان بعض هؤلاء يزيد في ألفاظها وينقص، وليس في هذا الباب حديث أصح من حديث أبي هريرة ﵁، والله أعلم".
• وقد احتج الإمام أحمد بحديث رفاعة بن رافع هذا في عدم الجلوس للاستراحة عند القيام في الأولى والثالثة:
قال عبد الله بن أحمد في مسائله (٢٨٦ و ٢٨٧) عن جلسة الاستراحة: "سمعت أبي يقول: إن ذهب رجلٌ إلى حديث مالك بن الحويرث؛ فأرجو أن لا يكون به بأس، وذلك إذا أراد أن يقوم في أول ركعة وفي الثالثة، إذا أراد أن يقوم يقعد قعدة، إما أن يستوي على إليته جالسًا، أو يرفعها من الأرض قليلًا، يكون ذلك في فرد من الصلاة.
قال أبي: وكان حماد بن زيد يفعله، وأما حديث ابن عجلان حديث الزرقي: فهو خلافه، كأنه ينهض على صدور قدميه".
ثمَّ قال: "سمعت أبي يقول: مالك بن الحويرث عن النبي ﷺ أنَّه كان إذا صلى فكان في وتر من الصلاة في أول ركعة رفع رأسه من السجدتين، فكان إذا رفع رأسه من السجدة الأخرى من الركعة الأولى والثالثة جلس قبل أن يقوم، ثمَّ قام ولم ينهض على صدور قدميه.
стр. 4426
وحديث علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمه، كذا قال ابن عجلان، وقال ابن إسحاق: عن عمه رفاعة بن رافع، قال يحيى عن ابن عجلان: "ثمَّ ارفع حتى تطمئن قائمًا، ثمَّ اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثمَّ ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثمَّ اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثمَّ قم"، وكذا قال داود بن قيس، وافق ابن عجلان.
قال أبي: وأذهب أنا إلى حديث رفاعة بن رافع".
وصحح حديث رفاعة أيضًا غير من تقدم ذكرهم: ابن عبد البر في الاستذكار (١/ ٤١١)، والنووي في المجموع (٣/ ٣٩٣)، وذكره في فصل الصحيح من الخلاصة (١١٩٦)، وحسنه الترمذي.
• والحاصل: فإن حديث رفاعة بن رافع: حديث صحيح، مروي بإسنادٍ على شرط البخاري، واحتج به أحمد، وصححه جماعة، وهو حديث محفوظ بما فيه من زيادات على حديث أبي هريرة؛ ما عدا الروايات الشاذة التي سبق التنبيه عليها من رواية حماد بن سلمة، ورواية محمَّد بن عمرو بن علقمة، ورواية محمَّد بن إسحاق، والله أعلم.
• وفي الباب مما لا يصح:
• عن جابر بن عبد الله [عند: ابن حبَّان في المجروحين (١/ ١٤١)، وقال بأنّه حديث باطل].
• وعن ابن عمر [عند: ابن حبَّان (٥/ ٢٠٦/ ١٨٨٧)، وعبد الرزاق (٥/ ١٥/ ٨٨٣٠)، والفاكهي في أخبار مكة (١/ ٤٢٣/ ٩١٨)، والبزار (١٢/ ٣١٧/ ٦١٧٧)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٤٢٥/ ١٣٥٦٦)، والبيهقيُّ في الدلائل (٦/ ٢٩٣ و ٢٩٤)، والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (١/ ٣٠٣/ ٦٥٤)] [وهو حديث طويل في مسائل شتى من الوضوء والصلاة والصيام والحج، وفيه من دلائل النبوة، وله إسنادان: أحدهما: إسناد غريب جدًّا، تُكُلِّم في رجاله، وفي أحدهم جهالة، وهو سنان بن الحارث، ويروي أحدهم عن شيخه الغرائب، وهو يحيى بن عبد الرحمن الأرحبي، وهذا منها، والإسناد الآخر: فيه عبد الوهاب بن مجاهد بن جبر، وهو: متروك، كذبه الثوري، ولم يسمع من أبيه. التهذيب (٢/ ٦٤٠)].
• وعن أنس بن مالك [عند: مسدد (٢/ ٢٦٣/ ٨٠ - المطالب) و (٦/ ٢٦٢/ ١١٣١ - المطالب)، والأزرقي في أخبار مكة (٢/ ٥)، والفاكهي في أخبار مكة (١/ ٤٢٤/ ٩١٩)، والبيهقيُّ في الدلائل (٦/ ٢٩٥)] [وهو حديث طويل بنحو حديث ابن عمر السابق، وفيه: إسماعيل بن رافع، وهو: الأنصاري المدني؛ متروك، منكر الحديث. التهذيب (١/ ١٥٠)، الميزان (١/ ٢٢٧)، رواه عنه: عطاف بن خالد، وهو: ليس به بأس، أعرض عنه صاحبا الصحيح، وقد حدث بأحاديث لم يتابع عليها. التهذيب (٣/ ١١٢)، الميزان (٣/ ٦٩)، وانظر في أوهامه: الحديث المتقدم برقم (٥٨١ و ٦٥٦)، وتابعه عليه: هشام بن سليمان، وهو: ابن عكرمة بن خالد المخزومي المكي: قال أبو حاتم: "مضطرب الحديث، ومحله
стр. 4427
الصدق، ما أرى به بأسًا"، وقال العقيلي: "في حديثه عن غير ابن جريج وهم"، لم يخرج له مسلم إلا من روايته عن ابن جريج، وعلق له البخاري موضعًا عن ابن جريج، وله أيضًا ما استنكر عن ابن جريج، كما في علل ابن أبي حاتم (١/ ٢٨٩/ ٨٦٢). انظر: التاريخ الكبير (٨/ ٢٠٠)، الجرح والتعديل (٩/ ٦٢)، ضعفاء العقيلي (٤/ ٣٣٨)، شرح علل الترمذي (٢/ ٨٠٧)، التهذيب (٤/ ٢٧٢)، الميزان (٤/ ٢٩٩)، وغيرها].
• مسألة:
جعل بعض الفقهاء حديث المسيء صلاته حجةً على عدم وجوب كثير من أفعال الصلاة بدعوى عدم ورودها في هذا الحديث، وقالوا بأنّه ﷺ علَّمه فرائض الصلاة دون سننها، فلم يأمره برفع اليدين، ولا من التكبير إلا بتكبيرة الإحرام، ولم يأمره بالتشهد والصلاة على النبي ﷺ والتسليم، وغير ذلك من الواجبات، سواء المجمع عليها، أو المختلف فيها، وإنما اقتصر على تعليمه الفرائض حسب.
وقال بعضهم: قام الدليل من غير هذا الحديث بوجوب التشهد ووجوب التسليم وغير ذلك بما علَّمهم ﷺ ، وأعلمهم أن ذلك من صلاتهم، فيقال: قد نقض القائل بذلك أصله، إذ لو كان هذا الحديث قد سيق أصالة لبيان الواجبات واستيعابها، وأنه لم يذكر فيه شيئًا من سنن الصلاة؛ لصار كل ما لم يذكر فيه من السنن.
وإن قال قائل: إن هذه الواجبات - سواء المجمع عليها أو المختلف فيها - كانت معلومةً عند السائل فلم يحتج إلى بيانها، فيقال: قد اتفقنا - والحال هكذا - على أن النبي ﷺ إنما أنكر عليه تركه بعض الواجبات دون بعض، فذكر له ما يحتاج هو إليه مما قصر فيه في صلاته تلك، ومن ثمَّ فلم يعد الحديث حجةً على استيعاب الواجب والفرض دون السنن، هذا من وجه، ومن وجه آخر؛ فإن النبي ﷺ إنما ذكر فيه القيام والركوع والرفع منه والسجود والرفع منه لا من أجل بيانها، أو أن الأعرابي لم يأت بها، فإن في قول الصحابي: فلا ندري ما يعيب منها؛ دليل على إتيانه بهذه الأركان، وإنما قصر في ركن متعلق بها ولا تنفك هي عنه، وهو الطمأنينة، ومن ثمَّ فكان لا بد من ذكر الأركان مصحوبة بهذه الصفة التي يجب أن تلازمها، وهي الطمأنينة، وعلى هذا فذكر الأركان كان تبعًا لذكر الطمأنينة، ولم يكن مقصودًا لذاته، وذلك لكون الأعرابي قد أتى بأصل الركن، كما يتبين من قول الصحابي، والله أعلم.
وهكذا فإن الناظر في هذا الحديث وفي سبب وروده ليتبين له بجلاء أن ذلك الرجل إنما ترك الطمأنينة من الصلاة حسب، دليل ذلك قول الصحابي: فجعل رسول الله ﷺ يرمُقُ صلاته، فلا ندري ما يعيب منها [كما في رواية همام (٨٥٨)]، فلو كان تاركًا لأركانها الفعلية الظاهرة لأنكر ذلك الصحابة، وعرفوا السبب الذي لأجله أمره النبي ﷺ بالإعادة.
ولذلك فإن حديث أبي هريرة وحديث رفاعة قد اتفقا على ذكر الطمأنينة في الأركان، وزاد له في حديث رفاعة ما قد يحتاج إليه مما قصَّر فيه، أو جهله، أو كان بحاجة إلى
стр. 4428
تعليمه إياه، فإنَّه لما جهل ركنية الطمأنينة كان بحاجة إلى ذكر ما يحتاج إليه مما رآه النبي ﷺ صالحًا له ولمثله، فذكر له شيئًا مما لم يظهر تقصيره فيه أو ظهر، مثل ذكر الوضوء وفروضه وإسباغه، والإقامة للصلاة، واستقبال القبلة، ودعاء الاستفتاح، وتكبيرات الانتقال، ووضع الكفين على الركبتين، وهيئة الجلوس بين السجدتين، وبعض هذه المذكورات هي عند بعضهم من السنن، وليست من الواجبات، فدلّ على أن النبي ﷺ لم يكتفِ بأن يعلمه أدنى الكمال في الواجبات، وترك ما عدا ذلك، والله أعلم.
قال الخطابي في المعالم (١/ ٤٤): "فابتدأ فعلَّمه الطهارة ثمَّ علَّمه الصلاة؛ وذلك - والله أعلم - لأنَّ الصلاة شيء ظاهر تشتهره الأبصار، والطهارة أمر يستخلي به الناس في ستر وخفاء، فلما رآه ﷺ جاهلًا بالصلاة؛ حمل أمره على الجهل بأمر الطهارة، فعلمه إياها".
وقال إسحاق بن منصور الكوسج في مسائله (١٨٨): "قال إسحاق: وأما مَن ترك التكبيرات عمدًا سوى تكبيرة افتتاح الصلاة فعليه إعادة الصلاة، لا تتم الصلاة إلا بالتكبيرات والتسبيح والتشهد والقراءة، فإذا تركها تاركٌ عمدًا كان تاركًا لما أمر به فعليه إعادتها، ألا ترى أن رسول الله ﷺ حين رأى رجلًا لا يتمُّ ركوعًا ولا سجودًا فقال له: "أعد صلاتك فإنك لم تصلِّ"، فأعاد ثمَّ قال له: "أعد فإنك لم تصلِّ"، فقال: لقد حرصت وجهدت فعلمني، ومن يشك أن صلاة المرّة الثانية حين حذره النبي ﷺ وأنذره أن يكون ركوعه واضعًا يديه على ركبتيه، ولكنه إذا لم يستوِ في ركوعه حتى يطمئنَّ راكعًا ولا في قيامه حتى يستوي معتدلًا من غير علة تمنعه من ذلك؛ أن لا صلاة له، وكذلك قال رسول الله ﷺ لهذا المصلي: "سوِّ صلبك حتى تعتدلَ قائمًا، واركع حتى تطمئنَّ راكعًا"".
ثمَّ قال الكوسج (١٨٩): "سئل إسحاق: عن الواجب في الصلاة عندكم، وعن ما لا بد منه؟ فقال: وأما ما سألت عن الواجب في الصلاة أيها هي؟ فإن الصلاة كلَّها من أولها إلى آخرها واجبة، والذين يقولون للناس: في الصلاة سُنَّة، وفيها فريضة؛ خطأ من المتكلم، لكن رسول الله ﷺ حين بيَّن لهم إقامة الصلوات بيَّن فيها سننًا نتكلم فيها على ما بيَّن القوم؛ كنحو التسبيح في الركوع ثلاثًا فأعلى، ولا يجوز أن يقول: إن مَن سبح واحدةً أو ثنتين إن صلاتَه فاسدةٌ؛ لأنه قد سبح في الركوع، وكذلك لو ترك تكبيرةً ناسيًا سوى الافتتاح إن صلاته فاسدة وما أشبه ذلك؛ لأنا وجدنا عن النبي ﷺ من الأشياء التي بيَّنها على المصلين أن يقيموها فتركها تاركٌ سهوًا أن لا يعيد، وفعل النبي ﷺ بعض ما وصفنا في الصلاة مثل التشهد في الأوليين وشِبْهه ناسيًا فلم يُعِدْ الصلاة، ولكن لا يجوز لأحد أن يجعل الصلاة أجزاء مجزَّأةً فيقول: فريضته كذا وسُنَّته كذا، فإن ذلك بدعة".
والمقصود من ذلك أن على العالم أن يبين لعموم الناس صفة صلاة النبي ﷺ كاملة، ويلزمهم بها، لقول النبي ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي"، فأما أن يعلِّمهم أن من الصلاة ما هو سُنَّة لا تبطل الصلاة بتركها؛ فإن ذلك يجعل الناس يتسارعون إلى تركها بدعوى
стр. 4429
التخفِّف من التكاليف، والاقتصار على القدر المجزئ من العبادة، كما هو حال كثير من الناس اليوم، لكن العالم يفرق بين ما يبطل الصلاة، وما لا يبطلها، حتى إذا سئل عن الوقائع وأحوال الناس في الصلاة أفتاهم بما يبرئ ذمتهم في العبادة، هل أجزأتهم؟ أم تجب عليهم الإعادة؟، وهذا أيضًا مما ينبغي أن يهتم بتعلمه طالب العلم، حتى يكون على بصيرة بمرتبة وحكم كل فعل وقول في العبادة، وتحرير القول فيه، هل هو مما تبطل العبادة بتركه عمدًا أو سهوًا، أو هو فقط مما يُنقِص الأجرَ والثواب.
ومن أظهر العبادات التي يسأل السائلون عن سننها ليتخففوا بتركها، أو ليعلموا أن لا عقوبة عليهم بتركها أو تأخيرها عن وقتها هي مناسك فريضة الحج، وحال الناس فيها بيَّن لا خفاء فيه؛ ومن بلايا هذا الزمان أن وُجِد من يستغل قوله ﷺ في مناسك معلومة محددة، ولا يقاس عليها غيرها: "افعل ولا حرج"، فذهب ليقيس عليها بقية مناسك الحج، حتى أفقدوا الحجَّ في أعينِ الناس تعظيمَ شعائره، وأصبح همُّ الواحد منهم كيف يهرب من الفدية والدم والكفارة، وكان لا همَّ له في إيقاع العبادة على أحسن وجه، حتى يرضى بها الرب عن عبده، فيسبغ عليه مغفرته ورضوانه، فكان الناس في وادٍ، وما بُعِث له النبي ﷺ في واهٍ آخر، فعلى أهل العلم أن يبينوا للناس العاقبة الحميدة لمن اتبع السُّنَّة ولزمها، ومغبة التقصير فيها، حتى ينالوا محبة الله لهم باتباع سُنَّة نبيهم ﷺ ، فنحن بحاجة ماسة إلى ترغيب الناس في عبادة ربهم، وعدم تساهلهم فيها، وتعظيم شعائر الله، وما شرعه لهم من العبادات، والله أعلم.
• مسألة:
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية [مجموع الفتاوى (٢٣/ ٣٧)]: "وكذلك كل من ترك واجبًا لم يعلم وجوبه؛ فإذا علم وجوبه فعله، ولا تلزمه الإعادة فيما مضى في أصح القولين في مذهب أحمد وغيره.
وكذلك من فعل محظورًا في الصلاة لم يعلم أنَّه محظور ثمَّ علم، كمن كان يصلي في أعطان الإبل أو لا يتوضأ الوضوء الواجب الذي لم يعلم وجوبه كالوضوء من لحوم الإبل.
وهذا بخلاف الناسي، فإن العالم بالوجوب إذا نسي صلى متى ذكر، كما قال ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها".
وأما من لم يعلم الوجوب فإذا علمه صلى صلاة الوقت وما بعدها، ولا إعادة عليه، كما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال للأعرابي المسيء في صلاته: "ارجع فصل فإنك لم تصل"، قال: والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا فعلمني ما يجزيني في صلاتي فعلمه، وقد أمره بإعادة صلاة الوقت، ولم يأمره بإعادة ما مضى من الصلاة، مع قوله: لا أحسن غير هذا، وكذلك لم يأمر عمر وعمارًا بقضاء الصلاة، وعمر لما أجنب لم يصل، وعمار تمرغ كما تتمرغ الدابة، ولم يأمر أبا ذر بما تركه من الصلاة وهو جنب، ولم يأمر المستحاضة أن تقضي ما تركت، مع قولها: إني أستحاض حيضة شديدة منعتني الصوم
стр. 4430
والصلاة، ولم يأمر الذين أكلوا في رمضان حتى تبيّن لهم الحبال البيض من السود بالإعادة، والصلاة أول ما فرضت كانت ركعتين ركعتين، ثمَّ لما هاجر زِيد في صلاة الحضر ففرضت أربعًا، وكان بمكة وأرض الحبشة والبوادي كثير من المسلمين لم يعلموا بذلك إلا بعد مدة، وكانوا يصلون ركعتين، فلم يأمرهم بإعادة ما صلوا، كما لم يأمر الذين كانوا يصلون إلى القبلة المنسوخة بالإعادة مدة صلاتهم إليها قبل أن يبلغهم الناسخ، فعُلِم أنَّه لا فرق بين الخطاب المبتدأ والخطاب الناسخ" [وانظر أيضًا: المجموع (٢١/ ٤٢٩)].
وقال ابن القيم في بدائع الفوائد (٤/ ٩٧٤): "وقد رأيت لأبي القاسم السهيلي في الكلام على هذه الآيات فصلًا أذكره بلفظه، قال: في قول النبي ﷺ للبراء بن معرور: "قد كنتَ على قبلةٍ لو صبرتَ عليها"؛ يعني: لما صلى إلى الكعبة المشرفة قبل الأمر بالتوجه إليها، ولم يأمره بالإعادة؛ لأنه كان متأولًا.
قلت: ونظير هذا: أنَّه لم يأمر من أكل في نهار رمضان بالإعادة، لما ربط الخيطين في رجليه وأكل، حتى يتبينا له؛ لأجل التأويل.
ونظيره: أنَّه لم يأمر أبا ذر بإعادة ما ترك من الصلاة مع الجنابة، إذ لم يعرف شرع التيمم للجنب، فقال: يا رسول الله إني تصيبني الجنابة فأمكث الشهر والشهرين لا أصلي؛ يعني: في البادية؟ فقال: "أين أنت عن التيمم؟ ".
ونظيره أيضًا: أنَّه لم يأمر المستحاضة بالإعادة، وقد قالت: إني أستحاض حيضة شديدة، وقد منعني الصوم والصلاة، فأمرها أن تجلس أيام الحيض ثمَّ تصلي، ولم يأمرها بإعادة ما تركت.
ونظيره أيضًا: أنَّه لم يأمر المسيء في صلاته بإعادة ما تقدم له من الصلوات التي لم تكن صحيحة، وإنما بالإعادة في الوقت؛ لأنه لم يؤد فرض وقته مع بقائه، بخلاف ما تقدم له.
ونظيره أيضًا: أنَّه لم يأمر المتمعك في التراب كما تتمعك الدابة لأجل التيمم بالإعادة، مع أنَّه لم يصب فرض التيمم.
ونظيره أيضًا: أنَّه لم يأمر معاوية بن الحكم السلمي بإعادة الصلاة وقد تكلم فيها بكلام أجنبي ليس من مصلحتها.
ونظيره أيضًا: أنَّه لم يضمن أسامة قتيله بعد إسلامه، بقصاص ولا دية ولا كفارة.
ولا تجد هذه النظائر مجموعة في موضع، فالتأويل والاجتهاد في إصابة الحق منع في هذه المواضع من الإعادة والتضمين.
• وقاعدة هذه الباب: أن الأحكام إنما تثبت في حق العبد بعد بلوغه هو، وبلوغها إليه، فكما لا يترتب في حقه قبل بلوغه، وهو كذلك لا يترتب في حقه قبل بلوغها إليه، وهذا مجمع عليه في الحدود؛ أنها لا تقام إلا على من بلغه تحريم أسبابها، وما ذكرناه من النظائر يدلّ على ثبوت ذلك في العبادات والحدود.
стр. 4431
ويدل عليه أيضًا في المعاملات: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] فأمرهم تعالى أن يتركوا ما بقي من الربا، وهو ما لم يقبض، ولم يأمرهم برد المقبوض؛ لأنهم قبضوه قبل التحريم، فأقرهم عليه، بل أهل قباء صلوا إلى القبلة المنسوخة بعد بطلانها، ولم يعيدوا ما صلوا، بل استداروا في صلاتهم، وأتموها؛ لأنَّ الحكم لم يثبت في حقهم إلا بعد بلوغه إليهم.
وفي هذا الأصل ثلاثة أقوال للفقهاء، وهي لأصحاب أحمد:
هذا أحدها، وهو أصحها، وهو اختيار شيخنا ﵁.
الثاني: أن الخطاب إذا بلغ طائفة ترتب في حق غيرهم ولزمهم، كما لزم من بلغه، وهذا اختيار كثير من أصحاب الشافعي وغيرهم.
الثالث: الفرق بين الخطاب الابتدائي، والخطاب الناسخ، فالخطاب الابتدائي يعم ثبوته من بلغه وغيره، والخطاب الناسخ لا يترتب في حق المخاطب إلا بعد بلوغه، والفرق بين الخطابين: أنَّه في الناسخ مستصحب لحكم مشروع مأمور به، بخلاف الخطاب الابتدائي، ذكره القاضي أبو يعلي في بعض كتبه، ونصوص القرآن والسُّنَّة تشهد للقول الأوّل، وليس هذا موضع استقصاء هذه المسألة، وإنما أشرنا إليها إشارة".
• وانظر بعض فوائد هذا الحديث في: شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٤٠٩)، التمهيد (٧/ ٨٥) و (٩/ ١٨٢)، إكمال المعلم (٢/ ٢٨١)، كشف المشكل (٣/ ٤١٥)، إحكام الأحكام لابن دقيق العيد (١/ ٢٥٧ - ٢٦٣)، الفتح لابن رجب (٥/ ٥٦)، الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٣/ ١٦١ - ١٨٢)، الفتح لابن حجر (٢/ ٢٧٧ - ٢٨١)، الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي (١٩٧).
***
٨٦٢ - قال أبو داود: حدثنا أبو الوليد الطيالسي: حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن جعفر بن الحكم، (ح) وحدثنا قتيبة: حدثنا الليث، عن جعفر بن عبد الله الأنصاري، عن تميم بن محمود، عن عبد الرحمن بن شبل، قال: نهى رسول الله ﷺ عن نَقْرة الغراب، وافتراشِ السبُع، وأن يُوْطِنَ الرجلُ المكانَ في المسجد كما يُوْطِنُ البعيرُ. هذا لفظ قتيبة.
• حديث ضعيف.
اختلف في هذا الحديث على الليث بن سعد:
أ - فرواه أبو الوليد الطيالسي، والحجاج بن محمَّد، وأبو النضر هاشم بن القاسم، وأبو صالح عبد الله بن صالح، ويحيى بن عبد الله بن بكير [وهم ثقات، بعضهم من الغرباء، وبعضهم مصريون من أصحاب الليث]:
стр. 4432
حدثنا الليث، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، أن جعفر بن عبد الله بن الحكم حدثه، عن تميم بن محمود الليثي، عن عبد الرحمن بن شبل الأنصاري؛ أنَّه قال: أن رسول الله ﷺ نهى في الصلاة عن ثلاثٍ: نَقْرِ الغراب، وافتراشِ السَّبُع، وأن يُوطِنَ الرجلُ المقام الواحد كإيطان البعير. لفظ حجاج.
أخرجه أبو داود (٨٦٢)، وأحمد (٣/ ٤٢٨)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٧٣/ ١٤٥٠)، وابن قانع في المعجم (٢/ ١٧٤)، والبيهقيُّ (٢/ ١١٨) و (٣/ ٢٣٩)، وابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ٥).
ب - ورواه قتيبة بن سعيد [ثقة ثبت، وله وهم في حديث الليث]: حدثنا الليث، عن جعفر بن عبد الله الأنصاري، عن تميم بن محمود، عن عبد الرحمن بن شبل، قال: نهى رسول الله ﷺ عن نَقْرة الغراب، وافتراشِ السبُع، وأن يُوْطِنَ الرجلُ المكانَ في المسجد كما يُوْطِنُ البعيرُ.
أخرجه أبو داود (٨٦٢).
ج - ورواه شعيب بن الليث بن سعد، وأبو صالح عبد الله بن صالح [ثقتان من أصحاب الليث، وإن كان الثاني -وهو كاتبه - فيه غفلة]:
عن الليث، قال: حدثنا خالد [يعني: ابن يزيد]، عن ابن أبي هلال [هو سعيد]، عن جعفر بن عبد الله؛ أن تميم بن محمود أخبره؛ أن عبد الرحمن بن شبل أخبره؛ أن رسول الله ﷺ نهى عن ثلاث: عن نقرة الغراب، وافتراش السبع، وأن يوطن الرجل المقام للصلاة كما يوطن البعير.
أخرجه النسائي في المجتبى (٢/ ٢١٤/ ١١١٢)، وفي الكبرى (١/ ٣٥٢/ ٧٠٠)، وأبو القاسم البغوي في معجم الصحابة (٤/ ٤٤٠/ ١٩٠٤) [وفي سند المطبوعة سقط].
• والذي يظهر لي من هذا الاختلاف على الليث بن سعد: أن الوجه الأوّل والثالث محفوظان عن الليث، الأوّل: لكونه رواية الأكثر والأحفظ، وفيه اشتهار الرواية في البلد وخارجها، والثالث: لكونه من رواية أهل بيته وخاصته، بينما انفرد قتيبة بإسقاط الواسطة، والمحفوظ إثباتها، وعليه: فكلا الإسنادين: إسناد مصري صحيح إلى جعفر بن عبد الله بن الحكم، والليث إمام حافظ مكثر، يحتمل منه التعدد في الأسانيد، وقد رواه عنه كاتبه أبو صالح بالوجهين، والله أعلم.
• ورواه يحيى بن سعيد القطان، ووكيع بن الجراح، وأبو عاصم الضحاك بن مخلد، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وعيسى بن يونس، وعثمان بن عمر بن فارس، ومحمد بن بكر البرساني [وهم ثقات]، وبكر بن بكار [ضعيف]:
عن عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم [لا بأس به]، قال: حدثني أبي [ثقة]، عن تميم بن محمود، عن عبد الرحمن بن شبل، قال: سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن ثلاثٍ. . . فذكره مثله.
стр. 4433
أخرجه ابن ماجه (١٤٢٩)، والدارميُّ (١/ ٣٤٨/ ١٣٢٣)، وابن خزيمة (١/ ٣٣١/ ٦٦٢) و (٢/ ٢٨٠/ ١٣١٩)، وابن حبَّان في الصحيح (٦/ ٥٣/ ٢٢٧٧)، وفي الثقات (٩/ ٢٢٩)، والحاكم (١/ ٢٢٩)، وأحمد (٣/ ٤٢٨ و ٤٤٤)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٣١/ ٢٦٥٢) و (١/ ٤٣٢/ ٤٩٧٨)، وأبو القاسم البغوي في معجم الصحابة (٤/ ٤٤١/ ١٩٠٥)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٣٠/ ٢٥٢٥)، والطحاوي في المشكل (١٥/ ٤٨٢/ ٦١٧٩)، والعقيلي في الضعفاء (١/ ١٧٠)، وابن قانع في المعجم (٢/ ١٧٤)، وابن عديّ في الكامل (٢/ ٨٥)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٤/ ١٨٢٥/ ٤٦٠٨)، وفي تاريخ أصبهان (١/ ٢٦٨)، والبيهقيُّ (٢/ ١١٨) و (٣/ ٢٣٨)، والبغويُّ في شرح السُّنَّة (٣/ ١٦١/ ٦٦٦).
• خالفهم: عبد الله [وقع في بعض المصادر: عبيد الله مصغرًا، وهو خطأ] بن عبد الله الأموي، فرواه عن عبد الحميد بن جعفر، عن عمر بن الحكم بن ثوبان، عن عمه، عن أبيه ثوبان، أن النبي ﷺ نهى. . . فذكره.
أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٤/ ٢١٦/ ٢٢٠١)، ومن طريقه: أبو نعيم في معرفة الصحابة (١/ ٥٠٦/ ١٤١٩).
من طريق: يعقوب بن حميد بن كاسب: ثنا عبد الله به.
أخرجه أبو نعيم في ترجمة ثوبان بن سعد أبي الحكم، ثمَّ قال: "يُذكر في التابعين، وأخرجه أبو بكر بن أبي عاصم في الصحابة"، هكذا نقله عن ابن منده في المعرفة (١/ ٣٦١)، وقال ابن منده: "وخالفه أصحاب عبد الحميد، فقالوا: عنه عن عمر بن الحكم عن ثوبان، عن عبد الرحمن مرسلًا".
فتعقبه في الإصابة (١/ ٤١٤) بقوله: "قلت: عمر بن الحكم: معدود في التابعين، روى عن سعد بن أبي وقاص وغيره من الكبار، فكيف لا يكون جده صحابيًّا، وهو من الأنصار".
قلت: هو حديث منكر؛ والمعروف: ما رواه جماعة الحفاظ عن عبد الحميد بن جعفر، قال: حدثني أبي، عن تميم بن محمود، عن عبد الرحمن بن شبل مرفوعًا.
وعبد الله بن عبد الله من ولد يزيد بن معاوية الأموي القرشي: روى عن جماعة، وروى عنه يعقوب بن حميد بن كاسب؛ ذكره ابن حبَّان في الثقات، وقال: "يخالف في حديثه"، وذكره العقيلي في الضعفاء، وقال: "لا يتابع على حديثه، ولا يعرف إلا به"، وذكر له حديثًا منكرًا غير هذا [التاريخ الكبير (٥/ ١٢٧)، الضعفاء الكبير (٢/ ٢٧١)، الجرح والتعديل (٥/ ٩٣)، الثقات (٨/ ٣٣٦)، الميزان (٢/ ٤٥١)، التهذيب (٢/ ٣٧٠)].
ويعقوب بن حميد بن كاسب: حافظ، له مناكير وغرائب [انظر: التهذيب (٤/ ٤٤٠)، الميزان (٤/ ٤٥٠)].
• والحديث قال فيه ابن رجب في الفتح (٢/ ٦٤٧): "وفي إسناده اختلاف كثير، وتميم بن محمود، قال البخاري: في حديثه نظر".
стр. 4434
قلت: قال البخاري عن تميم بن محمود هذا: "في حديثه نظر"، ولم يذكر له سماعًا من عبد الرحمن بن شبل، ولم يذكروا له راويًا غير جعفر بن عبد الله بن الحكم، وليس له من الحديث إلا هذا الحديث الواحد، بل لا يُعرف هذا الحديث إلا به، وقد ذكره في الضعفاء تبعًا للبخاري: العقيلي والدولابي وابن الجارود وابن عديّ وأبو العرب القيرواني، وخالف ابن حبَّان فذكره في الثقات، وأخرج حديثه في صحيحه فأخطأ، وصحح حديثه هذا أيضًا: ابن خزيمة والحاكم، ومن قال بأنّه روى عنه عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي؛ فقد اختلطت عليه ترجمته بترجمة تميم بن خرشف عند ابن عديّ في الكامل (٢/ ٨٥)، والله أعلم [التاريخ الكبير (٢/ ١٥٤)، الجرح والتعديل (٢/ ٤٤٢)، الثقات (٤/ ٨٧)، تهذيب الكمال (٤/ ٣٣٣)، إكمال مغلطاي (٣/ ٥٩)، الميزان (١/ ٣٦٠)، تهذيب التهذيب (١/ ٢٦٠)].
وقد قال العقيلي عن حديثه هذا: "ولا يتابع عليه".
وقال ابن عديّ: "وهذا الذي ذكره البخاري هو أيضًا حديث واحد، وليس له من الحديث إلا عن عبد الرحمن بن شبل، وعبد الرحمن: له صحبة من النبي ﷺ ، وله حديثان أو ثلاثة"؛ يعني: عبد الرحمن بن شبل.
وأخطأ الحاكم حين قال: "هذا حديث صحيح، ولم يخرجاه لما قدمت ذكره من التفرد عن الصحابة بالرواية"، وذلك لأنَّ تميم بن محمود مع جهالته متكلَّم فيه لأجل تفرده بهذا الحديث، فلم يتابع عليه.
فإن قيل: قد توبع عليه:
• فقد رُوي أيضًا من حديث: يزيد بن سلمة الضمري:
يرويه إسماعيل ابن علية، ويزيد بن زريع، وعبد الوارث بن سعيد، وهشيم بن بشير [وهم ثقات حفاظ]، وغيرهم:
عن عثمان البتي، عن عبد الحميد بن سلمة، عن أبيه [يزيد بن سلمة الضمري]؛ أن رسول الله ﷺ نهى عن نقرة الغراب، وعن فِرشة السبع، وأن يوطن الرجل مقامه في الصلاة كما يوطن البعير. ولم يذكر بعضهم الخصلة الثالثة.
أخرجه أحمد (٥/ ٤٤٦)، ومسدد بن مسرهد (٢/ ٢٦٧/ ١٦٦٦ - إتحاف الخيرة)، وأبو القاسم البغوي في معجم الصحابة (٣/ ١٤٢/ ١٠٥١)، وابن قانع في المعجم (٣/ ٢٣١)، وأبو الشيخ في الأمثال (٢٨٩)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٣/ ١٣٥٠/ ٣٤٠٧).
قلت: قد وهم عثمان بن مسلم البتي [وهو: صدوق] في إسناد هذا الحديث؛ إنما هو عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن تميم بن محمود، عن عبد الرحمن بن شبل مرفوعًا.
وكان عثمان البتي يسمي عبد الحميد بن جعفر: عبد الحميد بن سلمة، ويروي أحاديثه عن أبيه، أو: عن أبيه عن جده.
قال البخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٥١) في ترجمة عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن
стр. 4435
الحكم بن رافع بن سنان: "وقال بعضهم: عبد الحميد بن سلمة، وهو وهم"؛ يعني: وهم في اسمه عثمان البتي، وغيره يقول: عبد الحميد بن جعفر.
برهان ذلك: أن أبا حفص عمرو بن علي الفلاس قال: سمعت أبا عاصم يقول: سمعت عبد الحميد بن جعفر يقول: "أنا حدَّثت البتي بحديث التخيير بالأهواز"، وفي رواية: "لقيني عثمان البتي بالأهواز، فحدثته هذا الحديث"، قال ابن منده: "يعني: عن أبيه؛ أن جده رافع بن سنان أسلم" [شرح مشكل الآثار (٨/ ١٠٥)، معرفة الصحابة لابن منده (٢/ ٧٠١)، إيضاح الإشكال (٢٣)]؛ يعني: فذهب يقول بعد ذلك: أخبرني عبد الحميد بن سلمة، يهم فيه.
قال الطحاوي في المشكل (٨/ ١٠٥): "فبان بذلك أن عبد الحميد هذا المذكور في هذه الآثار هو: عبد الحميد بن جعفر، كما قال عيسى بن يونس".
وقال ابن منده: "والصواب: عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن تميم بن محمود".
• والذي يبين ذلك بجلاء: تتبع طرق حديث تخيير الابن بين أبويه إذا أسلم أحدهما [عند: أبي داود (٢٢٤٤)، والنسائيُّ في المجتبى (٦/ ١٨٥/ ٣٤٩٥)، وفي الكبرى (٥/ ٢٩٢/ ٥٦٥٩) و (٦/ ١٢٥ و ١٢٦/ ٦٣٥٢ - ٦٣٥٥)، وابن ماجه (٢٣٥٢)، والحاكم (٢/ ٢٠٦)، وأحمد (٥/ ٤٤٦ و ٤٤٧)، وعبد الرزاق (٧/ ١٦٠/ ١٢٦١٦)، وسعيد بن منصور (٢٢٧٦)، وابن سعد (٧/ ٨١)، وابن أبي شيبة (٦/ ٩/ ٢٩٠٦٢) و (٦/ ٢٨٥/ ٣١٤٦٠)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (١/ ٢٦١/ ٩٠٠ - السفر الثاني)، وحرب الكرماني في مسائله لأحمد (٢/ ٦٥٩)، والروياني (١٥٠٩)، والدولابي في الكنى (١/ ٢٠٣/ ٣٧٧)، والطحاوي في مشكل الآثار (٨/ ١٠٠ - ١٠٤/ ٣٠٨٩ - ٣٠٩٣)، والدارقطني (٤/ ٤٣)، وابن منده في معرفة الصحابة (٢/ ٧٠١)، وأبي طاهر المخلص في الثالث عشر من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (٢٢) (٢٨٥١ - المخلصيات)، وأبي نعيم في معرفة الصحابة (٢/ ١٠٠٦/ ٢٥٦٦) و (٢/ ١٠٥١) و (٣/ ١٣٥٠/ ٣٤٠٦) و (٥/ ٢٩٠٥) و (٦/ ٣٣٩٧/ ٧٧٦٤)، والبيهقيُّ (٨/ ٣)، الخطيب في المبهمات (٢٤٤ و ٢٤٥)] [وانظر: مسائل الكوسج (١٠٦٦)، المحلى (١٠/ ٣٢٧)، بيان الوهم (٣/ ٥١٥/ ١٢٨٧)، المغني لابن قدامة (٨/ ١٩٠)، التحفة (٣/ ٩٦/ ٣٥٩٤) و (١٠/ ٥٦٤/ ١٥٥٨٦)، جامع التحصيل (١٥٥)، تحفة التحصيل (٥٢)].
فإنَّه لم يروه بهذا الإسناد غير عثمان البتي، حيث قال فيه: عن عبد الحميد بن سلمة، عن أبيه، عن جده، وغيره يرويه عن عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن جده رافع بن سنان [وانظر أيضًا: الجرح والتعديل (٤/ ١٧٧)، المغني (١/ ٣٦٩)، الميزان (٢/ ٥٤١)].
ومما يؤكد وهم البتي في إسناد هذا الحديث، وأنه قلب اسم الراوي؛ أن هذه السلسلة لا تُعرف إلا من قِبَله هو، قال الدارقطني وابن القطان الفاسي: "عبد الحميد بن سلمة وأبوه وجده: لا يعرفون"، وقال ابن حزم: "كل هؤلاء مجهولون" [المحلى (١٠/ ٣٢٧)، بيان الوهم (٣/ ٥١٥)، مصباح الزجاجة (٣/ ٥١)، التهذيب (٢/ ٤٧٦)].
стр. 4436
• فعاد بذلك حديث عثمان البتي إلى حديث عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن تميم بن محمود، عن عبد الرحمن بن شبل، وبان بذلك أنهما حديث واحد، قلب إسناده البتي، فالحدبث ضعيف؛ لتفرد تميم بن محمود به، وأنه لم يتابع عليه، وهو مجهول، وقد ضعفوه لأجل تفرده بهذا الحديث، لا سيما الخصلة الثالثة، والله أعلم.
أما الخصلة الأولى، وهي نقر الغراب؛ فرويت من حديث أبي هريرة، وأنس:
١ - أما حديث أبي هريرة:
ففي رواية عن أبي هريرة، قال: أوصاني خليلي وصفيي ﷺ بثلاثٍ، ونهاني عن ثلاثٍ: أمرني بركعتي الضحى، وأن لا أنام إلا على وتر، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، ونهاني إذا سجدت أن أقعي إقعاء القرد، أو أنقر نقر الغراب، أو ألتفت التفات الثعلب.
وفي أخرى: أمرني رسول الله ﷺ بثلاث، ونهاني عن ثلاث: أمرني بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن لا أنام إلا على وتر، وركعتي الضحى، ونهاني عن الالتفات في الصلاة التفات الثعلب، وأقعي إقعاء القرد [وفي رواية: كإقعاء الكلب]، وأنقر نقر الديك.
وهو حديث منكر مضطرب، بذكر المنهيات الثلاث، ومما يؤكد نكارته أن جماعة من التابعين قد رووه عن أبي هريرة بحديث: أوصاني خليلي بثلاث، دون شقه الثاني في المنهيات، وقد تقدم تخريجه مطولًا تحت الحديث رقم (٨٤٥).
٢ - وأما حديث أنس:
ففي أحد ألفاظه: عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : "يا بني! وإذا سجدت فأمكن كفيك وجبهتك من الأرض، ولا تنقر نقر الديك، ولا تقع إقعاء الكلب، ولا تلتفت التفات الثعلب" في حديث طويل جدًّا.
وفي لفظ آخر: وفيه: "وإذا سجدت فضع عقبيك تحت أليتك، وأقم صلبك حتى يقع كل عضو مكانه، ولا تنقر كنقر الديك، ولا تقعى كإقعاء الكلب، ولا تبسط ذراعيك كبسط الثعلب،. . .".
ولحديث أنس هذا طرق كثيرة جدًّا جمعت أكثرها في تخريج الذكر والدعاء (١/ ١٢٠ - ١٢٧/ ٦٣)، أغلبها مناكير، لا يقوي بعضها بعضًا.
وقد تقدم ذكر بعض ألفاظه بأسانيدها تحت الحديث رقم (٨٤٥)، وهي أحاديث غرائب ومناكير، ومنها ما هو موضوع.
• وأما فرشة السبع، فجاءت من حديث عائشة، وأنس:
١ - أما حديث عائشة:
فرواه بُدَيل بن ميسرةَ، عن أبي الجَوزاء، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يفتتح الصلاةَ بالتكبير،. . . فذكر الحديث بطوله، وفيه: وكان إذا جلس يَفرْش رجله اليسرى وينصِب رجله اليمنى، وكان ينهى عن عَقِبِ الشيطان، وعن فِرشَة السَّبُع، وكان يختم الصلاة بالتسليم، ﵇.
стр. 4437
أخرجه مسلم (٤٩٨)، وتقدم عند أبي داود برقم (٧٨٣).
٢ - وأما حديث أنس:
يرويه قتادة، عن أنس؛ أن النبي ﷺ قال: "اعتدلوا في السجود، ولا يفترش أحدكم ذراعيه افتراش الكلب".
وهو حديث متفق عليه، ويأتي تخريجه مفصلًا في موضعه من السنن برقم (٨٩٧)، إن شاء الله تعالى.
• وأما النهي عن الإيطان في المسجد: فقد تفرد به تميم بن محمود من حديث عبد الرحمن بن شبل؛ ولم يتابع عليه، على جهالته وضعفه؛ بل قد ثبت خلافه من حديث:
١ - حديث سلمة بن الأكوع:
فقد روى يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع؛ أنَّه كان يتحرى موضع مكان المصحف يسبِّح فيه، وذكر: أن رسول الله ﷺ كان يتحرى ذلك المكان، وكان بين المنبر والقبلة [وفي رواية: وبين الحائط] قدر ممر الشاة.
وفي لفظ له: كان سلمة يتحرى الصلاة عند الأسطوانة التي عند المصحف، فقلت له: يا أبا مسلم أراك تتحرى الصلاة عند هذه الأسطوانة، قال: رأيت النبي ﷺ يتحرى الصلاة عندها.
أخرجه البخاري (٤٩٧ و ٥٠٢)، ومسلم (٥٠٩/ ٢٦٣ و ٢٦٤)، وتقدم تخريجه تحت الحديث رقم (٦٩٦).
قال ابن رجب في الفتح (٢/ ٦٤٥): "وفي الحديث: دليل على أنَّه لا بأس أن يلزم المصلي مكانًا معينًا من المسجد يصلي فيه تطوعًا".
٢ - حديث أبي هريرة:
يرويه عثمان بن عمر بن فارس، ومحمد بن إسماعيل بن أبي فديك، وعبد الله بن وهب، وأبو داود الطيالسي، وأبو النضر هاشم بن القاسم، وحجاج بن محمَّد، وشبابة بن سوار، وآدم بن أبي إياس، وحسين بن محمَّد المروذي [وهم ثقات]، ويحيى بن أبي بكير [ثقة، ورواه عنه بهذا الوجه: أحمد بن حنبل، ومحمد بن إسحاق الصغاني، وأحمد بن محمَّد بن يزيد بن أبي الخناجر، وهم ثقات، والأخير ترجمته في السير (١٣/ ٢٤٠) وغيره]:
قالوا: حدثنا ابن أبي ذئب، عن سعيد بن أبي سعيد، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "لا يُوطِنُ رجلٌ مسلمٌ المساجدَ للصلاة والذِّكر؛ إلا تَبَشْبَشَ الله به -يعني: حين يخرج من بيته-، كما يَتَبَشْبَشُ أهلُ الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم". لفظ حجاج.
أخرجه ابن ماجه (٨٠٠)، وابن خزيمة (٢/ ٣٧٩/ ١٥٠٣)، وابن حبَّان (٤/ ٤٨٤/ ١٦٠٧) و (٦/ ٥٥/ ٢٢٧٨)، والحاكم (١/ ٢١٣)، وأحمد (٢/ ٣٢٨ و ٤٥٣) (٤/ ١٧٥٣/ ٨٤٦٥) و (٤/ ٢٠٥٤/ ٩٩٧٦ - ط المكنز)، والطيالسي (٤/ ٩٥/ ٢٤٥٥)، وأبو الشيخ في
стр. 4438
الأمثال (٢٩٠)، وابن بطة في الإبانة (٧/ ٣٣٥/ ٢٦٥)، وابن منده في التوحيد (٣/ ٢٣٦/ ٧٥٠).
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقد خالف الليث بن سعد بن أبي ذئب. . ."، فذكر حديث الليث.
وانظر فيمن وهم فيه على ابن وهب: غريب الحديث لابن قتيبة (١/ ٤١٤).
• خالفهم: يعقوب بن الوليد المدني [هالك، منكر الحديث، كذبه أحمد وابن معين وأبو حاتم. التهذيب (٤/ ٤٤٧)]، ويحيى بن أبي بكير [وعنه: يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وهو ثقة حافظ]:
فروياه عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة به مرفوعًا.
أخرجه أحمد بن منيع في مسنده (٢/ ١٨٥/ ١٤٧٧ - إتحاف الخيرة)، وعنه: حفيده أبو القاسم البغوي في الجعديات (٢٨٣٨).
وهذه الرواية وهمٌ، وإنما يرويه ابن أبي ذئب، عن سعيد بن أبي سعيد، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة مرفوعًا، كما رواه الجماعة، والله أعلم.
• تابع ابن أبي ذئب عليه:
محمَّد بن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ما من رجلٍ كان يوطن المساجد، فشغله أمرٌ أو علةٌ، ثمَّ عاد إلى ما كان؛ إلا تبشبش الله إليه، كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم".
أخرجه ابن خزيمة (١/ ١٨٦/ ٣٥٩).
هكذا رواه عن ابن عجلان مرفوعًا: يحيى بن سعيد القطان، وقد اختلف عليه:
أ - فرواه بندار محمَّد بن بشار [ثقةي: نا يحيى به هكذا مرفوعًا.
ب - وخالفه: مسدد بن مسرهد [ثقة ثبت]، فقال: حدثنا يحيى به نحوه، ولم يرفعه.
أخرجه مسدد (٣/ ٥٥١/ ٣٧٠ - مطالب) (٢/ ١٨٥/ ١٤٧٦ - إتحاف الخيرة).
قال ابن حجر في المطالب: "صحيح موقوف، ورواه ابن أبي ذئب عن سعيد مرفوعًا، أخصر منه".
وتابعه على الوجه الموقوف: أبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد [ثقة ثبت]، قال: حدثنا ابن عجلان، عن المقبري، عن سعيد بن يسار أبي الحباب، عن أبي هريرة موقوفًا.
أخرجه أبو بكر الأنباري (٤٤ - منتقى من حديثه).
وذكر الدارقطني في العلل (١١/ ٩/ ٢٠٨٦) (٥/ ٢٦٨/ ٢٠٨٦ - ط الريان) الاختلاف على ابن عجلان في رفعه ووقفه، فقال: "رواه يحيى بن سعيد القطان، وأبو عاصم النبيل، عن ابن عجلان، عن المقبري، عن أبي الحباب سعيد بن يسار، عن أبي هريرة موقوفًا.
وخالفهما: سليمان بن بلال، ومحمد بن الزبرقان أبو همام، روياه عن ابن عجلان بهذا الإسناد مرفوعًا".
стр. 4439
قلت: يحتمل أن يكون هذا الاختلاف في الرفع والوقف من ابن عجلان نفسه، فقد تُكُلِّم في روايته عن سعيد المقبري، لكن الرفع هو المحفوظ لمجيئه عن اثنين من الحفاظ وهما أثبت الناس في سعيد المقبري: ابن أبي ذئب والليث بن سعد، وعليه فيكون ابن عجلان قد قصر به حين أوقفه، وتردد في رفعه ووقفه، فرواه مرة هكذا، ومرة هكذا، لكن ذلك لا يضر حديثه هذا في شيء، لا سيما وابن عجلان لم يسلك فيه الجادة والطريق السهل؛ فإن أمارة الوهم من ابن عجلان في أحاديثه عن شيخه سعيد، فيما اختلط عليه ولم يضبطه: أن يقول: عن سعيد عن أبي هريرة [راجع في ذلك الحديث رقم (٧٩٦)]، حيث يحتمل أن يكون أسقط الواسطة بين شيخه سعيد وبين أبي هريرة، أو يكون سمعه هكذا، فالذي يختلط إسنادُه على ابن عجلان ولم يضبطه يجعله: عن سعيد عن أبي هريرة، وابن عجلان في حديثنا هذا لم يسلك الجادة، وإنما حفظ الواسطة بين شيخه سعيد المقبري وبين أبي هريرة، بدليل متابعة ابن أبي ذئب له، وابن أبي ذئب من أثبت الناس في سعيد المقبري، والله أعلم.
• خالفهما:
الليث بن سعد [وعنه: هاشم بن القاسم، ويونس بن عبد الأعلى، وحجاج بن محمَّد، وعبد الله بن صالح، وشعيب بن الليث، ويحيى بن عبد الله بن بكير]، فقال: حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي عبيدة [أو: ابن عبيدة]، عن سعيد بن يسار؛ أنَّه سمع أبا هريرة، يقول: قال رسول الله ﷺ : "لا يتوضأ أحدٌ فيحسن وضوءه ويسبغه، ثمَّ يأتي المسجد لا يريد إلا الصلاة فيه، إلا تبشبش الله به، كما يتبشبش أهل الغائب بطلعته".
أخرجه ابن خزيمة (٢/ ٣٧٤/ ١٤٩١)، والحاكم (١/ ٢١٣) (١/ ١٥٠/ ب - رواق المغاربة) (١٥/ ١٠/ ١٨٧٦٥ - إتحاف المهرة)، وأحمد (٢/ ٣٠٧ و ٣٤٠ و ٤٥٣) (٤/ ١٦٩٥/ ٨١٨٠) و (٤/ ١٧٨٣/ ٨٦٠٣) و (٤/ ٢٠٥٤/ ٩٩٧٦ - ط المكنز)، وعثمان بن سعيد الدارمي في نقضه على المريسي (٢/ ٨٨٧ - ٨٨٨)، والحارث بن أبي أسامة (١٢٨ - زوائده) (٢/ ١٨٥/ ١٤٧٨ - إتحاف الخيرة) [وسقط من إسناده أبو عبيدة]، وابن منده في التوحيد (٣/ ٢٣٧/ ٧٥١) [وسقط من إسناده أبو عبيدة]، وابن بشران في الأمالي (٧٨ م)، والبيهقيُّ في الأسماء والصفات (٣/ ٤٣) (١١٠٣)، وأبو موسى المديني في اللطائف (٣٢٣ و ٦١٤).
قال أبو موسى في الموضع الأوّل: "هذا حديث مشهور، رواه الأئمة والحفاظ، وتلقوه بالقبول، مسلمين له، غير منكرين عليه، ولا متكلمين فيه"، ثمَّ ذكر الاختلاف فيه على المقبري.
وقال في الموضع الثاني بعد أن أخرجه من طريق الحارث بن أبي أسامة بإسقاط أبي عبيدة من الإسناد، قال: "هذا إسناد صحيح، أخرج مسلم في صحيحه بهذا الإسناد حديثًا، وهذا الحديث وأمثاله يروى من غير إنكار ولا تأويل؛ اقتداءً بالسلف الصالح فيه".
قلت: نعم؛ أخرج مسلم (١٠١٤/ ٦٣) بهذا الإسناد حديث: "ما تصدق أحدٌ
стр. 4440
بصدقة. . ."، لكن المحفوظ عن الليث في هذا إثبات أبي عبيدة أو ابن عبيدة [وهو: مجهول] بين المقبري وبين سعيد بن يسار، قال الدارقطني في العلل (١١/ ٩/ ٢٠٨٦): "ورواه الليث بن سعد، عن المقبري، عن ابن عبيدة، أو: أبي عبيدة، عن أبي الحباب، عن أبي هريرة، وزاد في الإسناد رجلًا مجهولًا"؛ يعني: أبا عبيدة، أو ابن عبيدة.
وقد ذكر الدارقطني الاختلاف فيه بأوسع من هذا، ثمَّ قال: "ويشبه أن يكون الليث قد حفظه من المقبري".
• قلت: قد اتفق ابن أبي ذئب وابن عجلان، فروياه عن سعيد بن أبي سعيد، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، واختلف على ابن عجلان في رفعه ووقفه.
وخالفهما: فزاد في الإسناد رجلًا مجهولًا: الليث بن سعد، فرواه عن سعيد بن أبي سعيد، عن ابن عبيدة، أو: أبي عبيدة، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ .
• وقد يقال هنا بأن القولَ قولُ الليث بن سعد؛ وذلك لوجوه:
الأوّل: أن الليث من أثبت الناس في سعيد المقبري، قال أحمد بن حنبل: "أصح الناس حديثًا عن سعيد المقبري: ليث بن سعد"، وقال ابن المديني: "الليث، وابن أبي ذئب: ثبتان في حديث سعيد المقبري" [العلل ومعرفة الرجال (١/ ٣٣٤/ ٦٠٢) و (١/ ٣٥٠/ ٦٥٩)، التهذيب (٣/ ٦٢٩)، شرح علل الترمذي (٢/ ٦٧٠)].
الثاني: أن الليث قد زاد في الإسناد رجلًا، والحكم لمن زاد إذا كان حافظًا.
الثالث: قول الدارقطني في العلل: "ويشبه أن يكون الليث قد حفظه من المقبري"، والذي يقتضي ترجيح رواية الليث.
• وأقول: وقول ابن أبي ذئب وابن عجلان محفوظ أيضًا لأمور:
الأوّل: أن ابن أبي ذئب من أثبت الناس في المقبري [كما قال ابن المديني، وتقدم نقل قوله، وقال ابن معين: "أثبت الناس في سعيد: ابن أبي ذئب"، التهذيب (٢/ ٢٣)]، ولم ينفرد عنه بهذا الإسناد، فقد تابعه عليه ابن عجلان.
الثاني: أن هذا الإسناد قد تتابع عليه مدنيان، بلديان للمقبري، وهما من أصحابه المكثرين عنه، وأهل بلد الرجل أعلم بحديثه من الغرباء، لا سيما أصحابه والمكثرين عنه.
الثالث: أن إسناد الليث لم يعرف إلا خارج المدينة، فلم يتابعه عليه أحد من أهل المدينة عن المقبري، بخلاف إسناد ابن أبي ذئب وابن عجلان فإنَّه مدني، والإسناد الذي اشتهر في بلده أولى من الإسناد الذي لم يُعرف إلا خارج بلده.
الرابع: أن الليث قد زاد في روايته الوضوء وإسباغه، ولم يذكر توطين المساجد للصلاة والذكر، واختلاف الروايتين في اللفظ قرينة على القول بأن سعيدًا المقبري أخذه أولًا عن أبي عبيدة المذكور، ثمَّ اسثبته بعدُ من سعيد بن يسار، وهو من أقرانه، وبين وفاتيهما بضع سنين، ثمَّ حدث مرة بما سمع من أبي عبيدة، ومرات بما سمع من سعيد بن يسار، والله أعلم.
стр. 4441
الخامس: أن قول الدارقطني لا يقتضي الترجيح، بقدر ما يقتضي أن الليث قد حفظ ما سمع من المقبري، مثلما حفظ ابن أبي ذئب وابن عجلان، فلا يمنع ذلك كونَ المقبري عنده فيه شيخان، سمعه من أحدهما ثمَّ أراد العلو، فسمعه من شيخ شيخه، ولو أراد الدارقطني مطلق الترجيح لاستعمل عباراته المعهودة في ذلك، مثل أن يقول: والمحفوظ أو الصحيح أو الصواب: قول الليث، ونحو ذلك، والله أعلم.
وعلى هذا فالقولان عندي محفوظان.
أحدهما: إسناد مدني صحيح.
والثاني: إسناد ضعيف؛ لأجل جهالة أبي عبيدة، والله أعلم.
والحديث قد صححه ابن خزيمة وابن حبَّان والحاكم، وصحح إسناده أبو موسى المديني، ونقل عن الأئمة والحفاظ تلقي هذا الحديث بالقبول والتسليم وعدم الإنكار، وهو حجة في إثبات صفة البشاشة للمولى جل وعلا على الوجه الذي يليق به، من غير تعطيل ولا تأويل، ولا تشبيه ولا تمثيل.
• قال أبو بكر بن المنذر: "من سبق إلى مكان من المسجد فهو أحق به ما دام ثابتًا فيه، فإذا زال عنه زال حقه، إذ ليس أحدٌ أحقُّ به من أحدٍ، قال الله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ الآية [الجن: ١٨]، وقال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨] ".
وقال البغوي في شرح السُّنَّة (٣/ ١٦٢): "قوله: نقرة الغراب، هي أن لا يتمكن من السجود، ولا يطمئن فيه، بل يمس بأنفه وجبهته الأرض، ثمَّ يرفعه كنقرة الطائر.
وافتراش السبع: أن يمد ذراعيه على الأرض، فلا يرفعهما.
وأما إيطان البعير، فقال أبو سليمان الخطابي: فيه وجهان:
أحدهما: أن يألف الرجل مكانًا معلومًا من المسجد لا يصلي إلا فيه، كالبعير لا يأوي من عطنه إلا إلى مبرك دمث قد أوطنه.
والوجه الآخر: أن يبرك على ركبتيه إذا أراد السجود بروك البعير على المكان الذي أوطنه، ولا يهوي فيثني ركبتيه حتى يضعهما بالأرض على سكون ومهل".
وانظر: النهاية لابن الأثير (٥/ ١٠٣ و ٢٠٣)، وقد تقدم أن بيَّنت ضعف حديث الإيطان، وأنه قد صح ما جاء بخلافه، والله أعلم.
***
٨٦٣ - . . . جرير، عن عطاء بن السائب، عن سالم البرَّاد، قال: أتينا عقبة بن عمرو الأنصاري أبا مسعود، فقلنا له: حدثنا عن صلاة رسول الله ﷺ ، فقام بين أيدينا في المسجد، فكبر، فلما ركع وضع يديه على ركبتيه، وجعل أصابعه أسفلَ من ذلك، وجافى بين مِرفَقيه، حتى استقرَّ كلُّ شيء منه، ثمَّ قال: سمع الله لمن حمده، فقام حتى استقرَّ كلُّ شيء منه، ثمَّ كبر وسجد، ووضع كفَّيه على الأرض، ثمَّ
стр. 4442
جافى بين مِرفَقيه حتى استقرَّ كلُّ شيء منه، ثمَّ رفع رأسه فجلس حتى استقرَّ كلُّ شيء منه، ففعل مثل ذلك أيضًا، ثمَّ صلى أربعَ ركَعاتٍ مثل هذه الركعة، فصلى صلاته، ثمَّ قال: هكذا رأينا رسول الله ﷺ يصلي.
• حديث صحيح.
أخرجه ابن خزيمة (١/ ٣٠٢ - ٣٠٣/ ٥٩٨)، وابن حبَّان في الصلاة (١١/ ٢٥٦/ ١٣٩٨٩ - إتحاف المهرة)، والحاكم (١/ ٢٢٤)، وأبو يعلى الموصلي في مسنده الكبير (٢/ ٣٧٠/ ١٩٠٩ - إتحاف الخيرة)، والطبراني في الكبير (١٧/ ٢٤٢/ ٦٧٢)، والبيهقيُّ (٢/ ١٢٧).
هكذا رواه عن جرير بن عبد الحميد: زهير بن حرب، ويوسف بن موسى بن راشد القطان، ويحيى بن المغيرة، وقتيبة بن سعيد، وعثمان بن أبي شيبة، وهم ثقات.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، وفيه ألفاظ عزيزة، ولم يخرجاه لإعراضهما عن عطاء بن السائب،. . .".
قلت: أنى له الصحة، وعطاء بن السائب كان قد اختلط، وقد نصوا على أن جرير بن عبد الحميد ممن سمع منه بعد الاختلاط، لكن جريرًا لم ينفرد به:
٢ - فقد رواه أبو الأحوص سلام بن سليم [ثقة ثبت]، عن عطاء بن السائب، عن سالم البراد، قال: أتينا أبا مسعود الأنصاري في بيته، فقلنا له: حدثنا عن صلاة رسول الله ﷺ ، فقام يصلي بين أيدينا، [وكبر]، فلما ركع وضع كفيه [وفي رواية: راحتيه] على ركبتيه، وجعل أصابعه أسفل من ذلك، وجافى مرفقيه حتى استوى كل شيء منه، ثمَّ رفع رأسه، ثمَّ قال: "سمع الله لمن حمده"، فقام حتى استوى كل شيء منه، ثمَّ سجد، ففعل مثل ذلك، فصلى ركعتين، فلما قضاهما، قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يصلي.
أخرجه النسائي في المجتبى (٢/ ١٨٦/ ١٠٣٦)، وفي الكبرى (١/ ٣٢٢/ ٦٢٨)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٢٠/ ٢٥٢٤) و (١/ ٢٥٧/ ٢٩٦٢)، والطبراني في الكبير (١٧/ ٢٤٢/ ٦٧٢).
٣ - ورواه زائدة بن قدامة [ثقة متقن]، عن عطاء، عن سالم أبي عبد الله، عن عقبة بن عمرو، قال: ألا أصلي لكم كما رأيت رسول الله ﷺ يصلي؟ فقلنا: بلى، فقام فلما ركع وضع راحتيه على ركبتيه، وجعل أصابعه من وراء ركبتيه [وفي رواية: وفرج بين أصابعه من وراء ركبتيه]، وجافى إبطيه حتى استقر كل شيء منه، ثمَّ رفع رأسه فقام حتى استوى كل شيء منه، ثمَّ سجد فجافى إبطيه حتى استقر كل شيء منه، ثمَّ قعد حتى استقر كل شيء منه، ثمَّ سجد حتى استقر كل شيء منه، ثمَّ صنع كذلك أربع ركعات، ثمَّ قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يصلي، وهكذا كان يصلي بنا.
أخرجه النسائي في المجتبى (٢/ ١٨٦/ ١٠٣٧)، وفي الكبرى (١/ ٣٢٣/ ٦٢٩)،
стр. 4443
وأحمد (٤/ ١٢٠)، والطبراني في الكبير (١٧/ ٢٤١/ ٦٧٠)، والبيهقيُّ (٢/ ١٢١)، وابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ٣٠٧).
٤ - ورواه ابن علية [ثقة ثبت]، عن عطاء بن السائب، عن سالم البراد، قال: قال أبو مسعود: ألا أريكم كيف كان رسول الله ﷺ يصلي؟ قلنا: بلى، فقام فكبر، فلما ركع جافى بين إبطيه، حتى لما استقر كل شيء منه رفع رأسه، فصلى أربع ركعات هكذا، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يصلي.
أخرجه النسائي في المجتبى (٢/ ١٨٧/ ١٠٣٨)، وفي الكبرى (١/ ٣٢٣/ ٦٣٠).
٥ - ورواه همام بن يحيى [ثقة]: حدثنا عطاء بن السائب، قال: حدثنا سالم البراد - قال: وكان عندي أوثق من نفسي -، قال: قال لنا أبو مسعود البدري: ألا أصلي لكم صلاة رسول الله ﷺ ؟ قال: [فصلى بنا أربع ركعات؛ الظهر أو العصر]، فكبر، فركع، فوضع كفيه على ركبتيه، وفُصِلَتْ أصابعُه على ساقيه [وفي رواية: وفرَّج بين أصابعه]، وجافى عن إبطيه حتى استقر كل شيء منه، ثمَّ قال: "سمع الله لمن حمده"، فاستوى قائمًا حتى استقر كل شيء منه، ثمَّ كبر، وسجد، وجافى عن إبطيه حتى استقر كل شيء منه، ثمَّ رفع رأسه، فاستوى جالسًا حتى استقر كل شيء منه، ثمَّ سجد الثانية، فصلى بنا أربع ركعات هكذا، ثمَّ قال: هكذا كانت صلاة رسول الله ﷺ ، أو قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ صلى.
وفي رواية مختصرة: قال أبو مسعود البدري: ألا أصلي لكم صلاة رسول الله ﷺ ؟ فصلى بنا أربع ركعات، يكبر فيهن كلما خفض ورفع، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ .
[عند الطحاوي (١/ ٢٢١)].
أخرجه الدارمي (١/ ٣٤٠/ ١٣٠٤)، وأحمد (٤/ ١١٩)، والطيالسي (٢/ ١٥/ ٦٥٤)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٥١/ ١٣٩٣) و (٣/ ١٦٣/ ١٤٢٤)، والطحاوي (١/ ٢٢١ و ٢٢٩)، والطبراني في الكبير (١٧/ ٢٤٠/ ٦٦٨).
٦ - ورواه أبو عوانة [ثقة ثبت]، عن عطاء بن السائب: حدثنا سالم البراد، قال: دخلنا على أبي مسعود الأنصاري، فسألناه عن الصلاة؟ فقال: ألا أصلي بكم كما كان رسول الله ﷺ يصلي؟ قال: فقام فكبر ورفع يديه، ثمَّ ركع فوضع كفيه على ركبتيه، وجافى بين إبطيه، قال: ثمَّ قام حتى استقر كل شيء منه، ثمَّ سجد فوضع كفيه وجافى بين إبطيه، ثمَّ رفع رأسه حتى استقر كل شيء منه، ثمَّ صلى أربع ركعات هكذا.
أخرجه أحمد (٥/ ٢٧٤).
٧ - ١٠ - ورواه مفضل بن مهلهل [ثقة ثبت]، وخالد بن عبد الله الواسطي [ثقة ثبت]، وأبو الأشهب جعفر بن الحارث [صدوق، كثير الخطأ]، وحماد بن شعيب [ضعفوه، وقال البخاري: "فيه نظر"، اللسان (٣/ ٢٧٠)]، وغيرهم:
عن عطاء بن السائب، عن سالم البراد، قال: سألت عقبة بن عمرو عن صلاة
стр. 4444
رسول الله ﷺ ؟ فقام إلى المسجد، فكبر ثمَّ ركع، ووضع يديه على ركبتيه، وأصابعه أسفل من ذلك، وجافى بإبطيه، فركع حتى استقر كل شيء منه، ثمَّ قام حتى استقر كل شيء منه، ثمَّ سجد فوضع يديه على الأرض، وجافى بإبطيه، وسجد حتى استقر كل شيء منه، ثمَّ جلس حتى استقر كل شيء منه، ثمَّ سجد، حتى صلى أربع ركعات، ثمَّ قال: هكذا رأيت النبي ﷺ يصلي. واللفظ لمفضل.
أخرجه الطبراني في الكبير (١٧/ ٢٤١ و ٢٤٢/ ٦٦٩ و ٦٧١ و ٦٧٣)، وفي الأوسط (٣/ ١٢٦/ ٢٦٨٧)، وأبو طاهر السلفي فيما انتخبه على شيخه أبي الحسين الطيوري "الطيوريات" (٣٨٩).
• هكذا روى هذا الحديث عن عطاء بن السائب: زائدة بن قدامة، ومفضل بن مهلهل، وأبو عوانة، وأبو الأحوص، وهمام، وجرير، وخالد الطحان، وابن علية، وأبو الأشهب، وغيرهم.
ومن هؤلاء من روى عن عطاء بعد الاختلاط، مثل: جرير، وخالد الطحان، وابن علية، ومنهم من روى عنه في الحالين، ولم يفصل هذا من هذا، مثل: أبي عوانة، ومنهم من روى عنه قبل الاختلاط، مثل: زائدة، ويقرب منه مفضل بن مهلهل؛ فإنَّه توفي سنة (١٦٧) قبل زهير بن معاوية وحماد بن زيد ممن سمع من عطاء قبل الاختلاط.
وأولى منه: همام بن يحيى فإنَّه توفي سنة (١٦٣) وقيل: بعدها، فهو قريب من سفيان وشعبة وزائدة.
وأما أبو الأحوص سلام بن سليم، فهو كوفي، توفي هو وحماد بن زيد سنة (١٧٩)، وحماد: ممن نص الأئمة على أنَّه سمع من عطاء قبل الاختلاط، لكن يعكِّر عليه أن أبا عوانة توفي سنة (١٧٦) أو قبلها، وهو ممن سمع في حال الصحة والاختلاط فلم يفصل هذا من هذا، ولم أر من نص من الأئمة على أن أبا الأحوص سمع من عطاء قبل الاختلاط أو بعده، لكني وجدت له عن عطاء ما يدلّ على أنَّه روى عنه بعد الاختلاط [انظر في هذا: ما تقدم تحت الحديث (٢٤٩)].
وحديث عطاء بن السائب قبل اختلاطه صحيح، وأما بعد اختلاطه فليس بشيء.
قال يحيى بن سعيد القطان: "من سمع من عطاء بن السائب قديمًا فسماعه صحيح" [جامع الترمذي (٢٨١٦)، شرح العلل (٢/ ٧٣٤)].
وقال أيضًا: "ما سمعت أحدًا من الناس يقول في عطاء بن السائب شيئًا في حديثه القديم" [التاريخ الكبير (٦/ ٤٦٥)، الجرح والتعديل (٦/ ٣٣٣)، الضعفاء الكبير (٣/ ٣٩٩)].
وقال أحمد بن حنبل: "من سمع منه قديمًا كان صحيحًا، ومن سمع منه حديثًا لم يكن بشيء" [الجرح والتعديل (٦/ ٣٣٣)، التهذيب (٣/ ١٠٤)].
وكذا قال ابن معين، وأبو حاتم، والعجلي، والنسائيُّ، والساجي، ويعقوب بن سفيان، وغيرهم [انظر: التهذيب (٣/ ١٠٤) وغيره].
стр. 4445
وممن سمع منه قديمًا: شعبة، وسفيان الثوري، وحماد بن زيد، وأيوب السختياني، وسفيان بن عيينة، وهشام الدستوائي، وزهير، وزائدة.
وسمع منه في الحالين في الصحة والاختلاط، فلم يفصل هذا من هذا، ولم يميز بينهما: أبو عوانة، قال: "كتبت عن عطاء قبلُ وبعدُ فاختلط عليَّ"، وكذلك حماد بن سلمة.
وسمع منه بأخرة بعد الاختلاط: جرير بن عبد الحميد، وإسماعيل ابن علية، وخالد بن عبد الله الواسطي، وجماعة آخرون.
فإن قيل: لم ينص أحد من الأئمة المتقدمين على أن زائدة ممن روى عن عطاء قبل الاختلاط؛ فيقال: كلامهم يدلّ على قبول رواية من كان في طبقة سفيان وشعبة من الكبار، وتقدم نقل كلام يحيى بن سعيد القطان، وأحمد بن حنبل، وقال الدارقطني في العلل (١١/ ١٤٣/ ٢١٧٩): "وعطاء اختلط، ولم يخرجوا عن عطاء، ولا يحتج من حديثه إلا بما رواه الأكابر: شعبة، والثوري، ووهيب، ونظراؤهم، وأما ابن علية والمتأخرون ففي حديثهم عنه نظر".
ففي هذا دليل على أنهم يقبلون رواية من كان في طبقة سفيان وشعبة، والله أعلم.
بل قد نص عليه الطبراني، فقال عن عطاء: "ثقة، اختلط في آخر عمره، فما رواه عنه المتقدمون فهو صحيح، مثل: سفيان وشعبة وزهير وزائدة" [التهذيب (٣/ ١٠٥)].
لذا فقد ختم ابن حجر ترجمته في التهذيب (٣/ ١٠٥)، بقوله: "فيحصل لنا من مجموع كلامهم: أن سفيان الثوري، وشعبة، وزهيرًا، وزائدة، وحماد بن زيد، وأيوب، عنه صحيح، ومن عداهم يتوقف فيه إلا حماد بن سلمة، فاختلف قولهم، والظاهر: أنَّه سمع منه مرتين، مرة مع أيوب، كما يوميء إليه كلام الدارقطني، ومرة بعد ذلك لما دخل إليهم البصرة، وسمع منه مع جرير وذويه، والله أعلم".
وقال أيضًا في هدي الساري (٤٢٥): "وتحصل لي من مجموع كلام الأئمة: أن رواية شعبة وسفيان الثوري وزهير بن معاوية وزائدة وأيوب وحماد بن زيد عنه قبل الاختلاط، وأن جميع من روى عنه غير هؤلاء فحديثه ضعيف؛ لأنه بعد اختلاطه؛ إلا حماد بن سلمة فاختلف قولهم فيه".
[انظر: تاريخ ابن معين للدوري (٢/ ٤٠٣)، الجرح والتعديل (٦/ ٣٣٤)، المعرفة والتاريخ (٣/ ٨٤)، الكواكب النيرات (٣٩)، مسائل أحمد لأبي داود (١٨٤٧ - ١٨٥٣)، الضعفاء الكبير (٣/ ٣٩٩)، الكامل (٥/ ٣٦١)، التقييد والإيضاح (٤٢٣)، التاريخ الكبير (٣/ ١٦٠)، شرح علل الترمذي (٧٣٥)، التهذيب (٣/ ١٠٤)، هدي الساري (٤٤٦)] [راجع الحديث المتقدم برقم (٢٤٩)].
• والحاصل: فإن هذا الحديث من صحيح حديث عطاء بن السائب، والذين رووا عنه هذا الحديث لم يختلفوا عليه فيه اختلافًا مؤثرًا، فإن موضوعه صفة صلاة النبي ﷺ ،
стр. 4446
وقد ذكروا فيه: التكبير، والركوع، ووضع الكفين على الركبتين، وجعل الأصابع مفرقة، خلف الركبتين، أسفل من ذلك، وقول: "سمع الله لمن حمده" عند الرفع من الركوع، والمجافاة بين اليدين والجنبين حال الركوع والسجود، والطمأنينة في الركوع وفي الرفع منه، وفي السجود وفي الرفع منه، ووضع اليدين على الأرض حال السجود، وكل هذه الصفات قد وردت في الأحاديث الصحيحة [راجع: حديث وائل بن حجر برقم (٧٢٦ و ٧٢٨)، وحديث أبي حميد الساعدي برقم (٧٣٠)، بالإضافة إلى أحاديث الباب]، وأما جعل الأصابع مفرقةً خلف الركبتين، أسفل من ذلك، فلا يظهر لي فيه نكارة، وقد جاء معناه في حديث أبي حميد الساعدي [راجع: الأحاديث رقم (٧٣٠ و ٧٣١ و ٧٣٢ و ٧٣٤)] وعلى فرض القول بانفراد عطاء بن السائب به؛ فلا يضر، طالما ثبت ذلك من حديثه قبل الاختلاط، فإن حديثه عندئذ يكون حجة، والله أعلم.
وعليه: فهو حديث صحيح؛ مروي بإسناد صحيح متصل، وسالم أبو عبد الله البراد: سمع أبا مسعود البدري، وسمع منه عطاء بن السائب [قاله البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ١٠٨)]، وسالم: ثقة، والله أعلم.
• وفي الباب أيضًا:
ما رواه هارون بن معروف، وغيره:
حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن عبد الله بن شوذب، عن عبد الله بن القاسم، قال: جلسنا إلى عبد الرحمن بن أبزى، فقال: ألا أريكم صلاة رسول الله ﷺ ؟ قال: فقلنا: بلى، قال: فقام فكبر، ثمَّ قرأ، ثمَّ ركع فوضع يديه على ركبتيه، حتى أخذ كل عضو مأخذه، ثمَّ رفع حتى أخذ كل عضو مأخذه، ثمَّ سجد حتى أخذ كل عضو مأخذه، ثمَّ رفع حتى أخذ كل عظم مأخذه، ثمَّ سجد حتى أخذ كل عظم مأخذه، ثمَّ رفع، فصنع في الركعة الثانية كما صنع في الركعة الأولى، ثمَّ قال: هكذا صلاة رسول الله ﷺ .
أخرجه أحمد (٣/ ٤٠٧)، والطبراني في مسند الشاميين (٢/ ٢٤٦/ ١٢٧٥).
وهذا إسناد شامي حسن غريب.
• فائدة، وتتميم:
• روى علي بن الجعد: ثنا عبد الملك بن الحسين أبو مالك النخعي، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي عبد الله البراد، عن عقبة بن عمرو، قال: كان النبي ﷺ إذا ركع عدل ظهره؛ حتى لو صُبَّ على ظهره ماءٌ رَكَد.
أخرجه الطبراني في الكبير (١٧/ ٢٤٢/ ٦٧٤)، وفي الأوسط (٥/ ٢٤٢/ ٥٢٠٥).
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن عبد الملك بن عمير إلا عبد الملك بن حسين".
قلت: هذا حديث منكر؛ وأبو مالك النخعي عبد الملك بن الحسين هذا: متروك، منكر الحديث [التقريب (١١٩٩)، التهذيب (٤/ ٥٨٠)]، والحديث قد رواه جماعة عن
стр. 4447
عطاء بن السائب، عن سالم أبي عبد الله البراد، عن عقبة مرفوعًا بصفة صلاة النبي ﷺ ، وليس فيه هذه الجملة في صفة الركوع.
• وقد روي ذلك عن عدد من الصحابة؛ منهم:
١ - وابصة بن معبد:
رواه إبراهيم بن محمَّد بن يوسف بن سرج الفريابي: حدثنا عبد الله بن عثمان بن عطاء الخراساني: حدثنا طلحة بن زيد، عن راشد بن أبي راشد، قال: سمعت وابصة بن معبد، يقول: رأيت رسول الله ﷺ يصلي، فكان إذا ركع سوَّى ظهره؛ حتى لو صُبَّ عليه الماءُ لاستقرَّ.
أخرجه ابن ماجه (٨٧٢)، وابن قانع في المعجم (٣/ ١٨٥)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ١٤٧/ ٤٠٠).
وهذا حديث موضوع؛ طلحة بن زيد الرقي: منكر الحديث، قال أحمد وابن المديني وأبو داود: "يضع الحديث" [التهذيب (٢/ ٢٣٨)].
وعبد الله بن عثمان بن عطاء بن أبي مسلم الخراساني: سئل عنه أبو حاتم فقال: "صالح"، وقال ابن أبي حاتم: "سمعت موسى بن سهل الرملي يقول: هذا أصلح من أبي طاهر المقدسي موسى بن محمَّد قليلًا، وكان أبو طاهر يكذب"، وقال ابن حبَّان: "يعتبر حديثه إذا روى عنه غير الضعفاء" [الجرح والتعديل (٥/ ١١٣)، الثقات (٨/ ٣٤٧)، التهذيب (٢/ ٣٨٤)].
وإبراهيم بن محمَّد بن يوسف بن سرج الفريابي، نزيل بيت المقدس، وليس بابن صاحب الثوري، قال أبو حاتم: "صدوق"، وذكره ابن حبَّان في الثقات، وقال الساجي: "يحدث بالمناكير والكذب"، قلت: يعني: لروايته بهذا الإسناد جملة أحاديث [التهذيب (١/ ٨٥)، الميزان (١/ ٦١)].
وراشد بن أبي راشد: لا يُعرف، قال الذهبي في الميزان (٢/ ٣٧): "ما حدث عنه سوى طلحة بن زيد الرقي الواهي".
٢ - البراء بن عازب:
رواه أبو يحيى الحماني عبد الحميد بن عبد الرحمن [صدوق يخطئ]، عن الثوري، عن مسلم أبي فروة الجهني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب، قال: كان رسول الله ﷺ ركوعه، وسجوده، ورفع رأسه من الركوع: متقارب، وكان إذا ركع لو صُبَّ على ظهره ماءٌ استقرَّ، وكان لا يخفض رأسه ولا يرفعه.
علقه ابن أبي حاتم في العلل (٣٩٧).
قال أبو حاتم: "ليس ذكره عن البراء بمحفوظ".
قلت: يعني: من حديث الثوري؛ فقد رواه عبد الرحمن بن مهدي [ثقة ثبت إمام، من أثبت أصحاب الثوري]، والحسين بن حفص الأصبهاني [صدوق، من أصحاب الثوري]:
стр. 4448
عن الثوري، عن مسلم أبي فروة الجهني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: كان رسول الله ﷺ إذا ركع لو صُبَّ على ظهره ماءٌ لاستقرَّ.
أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في غريب الحديث (٢/ ١٣٢)، وعلقه ابن أبي حاتم في العلل (٣٩٧).
• ورواه شعبة، وعبد الله بن إدريس:
عن أبي فروة مسلم الجهني، عن ابن أبي ليلى، قال: كان رسول الله ﷺ إذا ركع لو صُبَّ كوز من ماءٍ على ظهره لاستنقع عليه. لفظ شعبة.
وقال ابن إدريس: لو صببْتَ على كتفيه ماءً لاستقرَّ.
أخرجه أبو داود في المراسيل (٤٣)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٢٦/ ٢٥٩٢).
قلت: وهذا هو المحفوظ؛ مرسل بإسناد حسن، ومسلم بن سالم النهدي، أبو فروة الجهني: صالح الحديث، ليس به بأس، من رجال الشيخين.
• فإن قيل: قد روي من وجه آخر موصولًا:
روى عبد الله بن أحمد في المسند لأبيه (١/ ١٢٣)، وعنه: أبو بكر القطيعي في جزء الألف دينار (٥٣).
قال عبد الله: وجدْتُ في كتاب أبي، قال: أُخبِرت عن سنان بن هارون: ثنا بيان، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي بن أبي طالب ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ إذا ركع لو وُضِع قدحٌ من ماءٍ على ظهره لم يُهراق.
هكذا أُبهم الراوي فيه عن سنان.
• خالفه: سلم بن سلام أبو المسيّب الواسطي، فرواه عن سنان بن هارون، عن بيان بن بشر، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب، أن النبي ﷺ كان إذا ركع عدل ظهره؛ حتى لو صُبَّ عليه ماءْ لاستقرَّ.
وفي رواية: كان إذا ركع يماهد ظهره، حتى لو وضعت عليه قدحًا من ماء ما هراق منه شيء.
أخرجه بحشل في تاريخ واسط (٢٤٧)، والدارقطني في العلل (٣/ ٢٧٥/ ٤٠٢)، وفي المؤتلف (٣/ ١٢٩٧)، وأبو طاهر المخلص في العاشر من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (١٨٦) (٢٣٤١ - المخلصيات) [وفي سنده سقط].
من طريق مصعب بن عبد الله بن مصعب الواسطي، ولقبه شيخان: حدثنا سلم به.
قال الدارقطني: "وهو أشبه بالصواب".
قلت: يعني: من حديث أحمد؛ فإنَّه عن مبهم، لا يدرى من هو؛ بخلاف هذا فإنَّه عن سلم بن سلام أبي المسيّب الواسطي، شيخ معروف، روى عنه جماعة من الواسطيين وغيرهم [الجرح والتعديل (٤/ ٢٦٨)، تالي تلخيص المتشابه (١٣٦)، تهذيب الكمال (١١/ ٢٢٦)، تاريخ الإِسلام (١٤/ ١٧٦)، تهذيب التهذيب (٢/ ٦٥)، وقال في التقريب:
стр. 4449
"مقبول"، وفي الخلاصة: "مقل"]، ولم أقف فيه على جرح أو تعديل.
والراوي عنه: مصعب بن عبد الله بن مصعب الواسطي، ولقبه شيخان: ذكره ابن حبَّان في الثقات [الثقات (٩/ ١٧٥)، فتح الباب (١٠١٧)، إكمال ابن ماكولا (٤/ ٣٨٥)، الأنساب (٣/ ٤٩٠)، توضيح المشتبه (٥/ ٣٨٨)].
لكن سنان بن هارون المتفرد به عن بيان بن بشر: هو علة هذا الطريق؛ فإنَّه وإن نُقِل عن الذهلي توثيقه [كما في: إكمال مغلطاي (٦/ ١٢٣)، وعنه: ابن حجر في التهذيب (٢/ ١١٩)]، وقال العجلي: "كوفي، لا بأس به"، وقال البزار: "رجل من أهل الكوفة، ليس به بأس"، وقال أبو حاتم: "شيخ"، فقد تكلم فيه آخرون بين مليِّن ومضعِّف:
فأما قول ابن عديّ بعد أن أنكر عليه حديثًا: "ولسنان بن هارون أحاديث، وليس بالمنكر عامتُها، وأرجو أنَّه لا بأس به"، ففيه دليل على أنَّه أنكر عليه عدة أحاديث منها الحديث المذكور، إلا أن عامة حديثه ليس منكرًا، هو فيها ليس به بأس، والشاهد من كلام ابن عديّ أن له مناكير.
وأما تقديم ابن معين لسنان على أخيه سيف فلا يعني توثيقه، فكلاهما عنده ضعيف؛ إلا أن سيفًا أشد ضعفًا، يدلّ على ذلك أنَّه قال فيهما جميعًا: "سنان بن هارون وسيف بن هارون: ضعيفان، وسنان أعجبهما إليَّ" [كما في ضعفاء العقيلي (٢/ ١٧١ و ١٧٤)]، وقال أيضًا: "سيف وسنان أبناء هارون البرجمي: ضعيفًا الحديث، وسنان أمثلهما قليلًا" [كما في رواية ابن طهمان (٣١٢)]، ولما سئل عن سنان وحده، قال: "ضعيف" [كما في سؤالات ابن محرز (١/ ٧٠/ ١٦٦)]، وقال في رواية ابن أبي خيثمة عنه: "سنان بن هارون البرجمي: ليس حديثه بشيء" [كما في المجروحين (١/ ٣٥٤)]، بل إنه في روايةٍ عند عباس الدوري (٣/ ٣٣٦/ ١٦٢٧) قدَّم سيفًا على سنان، فقال: "سيف بن هارون البرجمي أحب إليَّ من سنان"، فإن قيل: قد روى عنه إسحاق بن منصور أنَّه قال فيه: "صالح" [كما في الجرح (٤/ ٢٥٣)]، فيقال: تُقدم رواية الجرح لكون رواتها أكثر عددًا وأطول صحبة لابن معين من الكوسج، فقد روى عنه التضعيف: عباس الدوري وابن أبي خيثمة وابن محرز وابن طهمان.
وقال أبو داود: "ليس بشيء"، وقال النسائي: "سنان: ضعيف"، وقال الساجي: "ضعيف الحديث، منكر الأحاديث"، وقال ابن حبَّان لما أورده في المجروحين: "منكر الحديث جدًّا، يروي المناكير عن المشاهير"، وقال الدارقطني: "يُعتبر به".
وقد أدخله العقيلي في ضعفائه، وقال: "حديثه غير محفوظ"، ثمَّ أورد له حديث أنس عن أم حبيبة في تخيير المرأة في الآخرة بين زوجيها في الدنيا، ثمَّ قال: "ولا يحفظ إلا من حديث سنان"، وهو معنى ما قال البزار في نفس الحديث [المسند (٦٦٣١)]، لكن حَكَم أبو حاتم على حديث أم حبيبة هذا بأنّه: موضوع، لا أصل له، ثمَّ قال: "سنان عندنا: مستور" [العلل (١٢٥٢)]، وذلك لأنَّ المتفرد به عن سنان هو: عبيد بن إسحاق
стр. 4450
العطار، وهو: منكر الحديث [اللسان (٥/ ٣٤٩)، كنى مسلم (٦٩)، أسامي الضعفاء (١٩٥)]، فألزق التهمة به، وصرح بذلك أبو زرعة الرازي لما سئل عن حديث سنان هذا، فقال: "ذاك ليس منه -يعني: ليس من سنان-، ذاك من عبيد بن إسحاق" [سؤالات البرذعي (٢/ ٤٥٩)]، ولذلك فقد أصاب ابن عديّ حيث لم ينكر هذا الحديث على سنان، وإنما أنكره على عبيد بن إسحاق [الكامل (٥/ ٣٤٨)]، وذلك لأنَّ سنانًا لا يصل أمره إلى حدّ اتهامه بالوضع، وإنما التبعة فيه على عبيد بن إسحاق.
وليس لسنان في الكتب الستة غير موضع واحد عند الترمذي، ولما أخرج له الترمذي حديثه هذا عن ابن عمر؛ أن عثمان يُقتل مظلومًا: استغربه من هذا الوجه، كما أن لسنان غرائب ومناكير قد تفرد بها غير هذين الحديثين [كما عند: البزار (١٧/ ١٢٦/ ٩٧٠٨)، والطبراني في المعجم الأوسط (٤/ ٣٢١/ ٤٣٢٤) و (٥/ ٣٥٤/ ٥٥٣٥) و (٦/ ٦٤/ ٥٨٠٥) و (٨/ ٨/ ٧٧٨٩) و (٨/ ١٨/ ٧٨٢٥)، وابن عديّ في الكامل (٣/ ٤٣٩)، والدارقطني في العلل (١٣/ ٣٤٧/ ٣٢٢٨)].
[انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى (٦/ ٣٨٧)، تاريخ ابن معين للدوري (٣/ ٢٧٨/ ١٣٣٠) و (٣/ ٤٢٢/ ٢٠٦٤ و ٢٠٦٥)، سؤالات ابن طهمان (٣١٢)، العلل ومعرفة الرجال (٣/ ١٦/ ٣٩٤٨)، التاريخ الكبير (٤/ ١٦٦)، سؤالات البرذعي (٢/ ٤٥٩)، سؤالات الآجري (٥/ ق ٣٥)، ثقات العجلي (٥٤٧)، جامع الترمذي (٣٧٠٨)، مسند البزار (١٣/ ١٨٣/ ٦٦٣١)، ضعفاء العقيلي (٢/ ١٧١ و ١٧٤)، الجرح والتعديل (٤/ ٢٥٣)، المجروحين (١/ ٣٥٤)، الكامل (٣/ ٤٢٩ و ٤٣٩)، ضعفاء الدارقطني (٢٨٢)، سؤالات البرقاني (٢١٤)، تاريخ أسماء الثقات (٤٨٩)، الأنساب (١/ ٣٠٩)، الميزان (٢/ ٢٣٥)، تاريخ الإِسلام (١١/ ١٥١) و (١٢/ ١٧٩)، إكمال مغلطاي (٦/ ١٢٣)، التهذيب (٢/ ١١٩)].
• والحاصل من هذه النقول في سنان بن هارون البُرجُمي يتبين أنَّه: ضعيف الحديث، وفي تفرده بهذا عن أبي بشر بيان بن بشر الأحمسي البجلي الكوفي: نكارة ظاهرة، فضلًا عن غرابة الإسناد إليه، وبذلك يبقى المحفوظ فيه:
ما رواه سفيان الثوري، وشعبة، وعبد الله بن إدريس: عن أبي فروة مسلم بن سالم الجهني، عن ابن أبي ليلى مرسلًا؛ ليس فيه ذكر البراء ولا علي.
وهذا هو ما ذهب إليه ابن رجب في الفتح (٥/ ٥٤) حيث عقب الحديث بقوله: "وسنان: ضعيف"، ثمَّ عقبه برواية أحمد، ثمَّ برواية أبي داود في مراسيله من طريق شعبة مرسلًا، ثمَّ قال: "وهو أصح".
• كما أن هذا الحديث قد رواه الحكم بن عتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء، قال: كان ركوع النبي ﷺ وسجوده، وإذا رفع رأسه من الركوع، وبين السجدتين: قريبًا من السواء.
следующие страницы →