Полный текст (16 465 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.
стр. 5111
يصح عن أبي هريرة"، قلت: رواه ابن وهب، عن عيسى بن يونس وعبد الله بن المبارك، عن الأوزاعي، عن قرة بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال: حذف السلام سُنَّة؟ فقال أبي: هو حديث منكر".
وقال ابن القطان في بيان الوهم (٥/ ١٤٢/ ٢٣٨٥): "وهو لا يصح لا موقوفًا هكذا، ولا مرفوعًا كما ذكره أبو داود، من أجل أنه في حاليه من رواية قرة بن عبد الرحمن بن حيوئيل، الذي يقال له: كاسر المد، وهو ضعيف، ولم يخرج له مسلم محتجًا به، بل مقرونًا بغيره"، وقال في موضع آخر (٥/ ٢٧٤٧/٥١٠): "صححه الترمذي، ولم ينبه أبو محمد على أنه من رواية قرة بن عبد الرحمن بن حيوئيل، وهو منكر الحديث"، وكذا في (٥/ ٦٩٥).
قلت: فهو حديث منكر؛ لتفرد قرة بن عبد الرحمن بن حيوئيل عن الزهري به دون أصحاب الزهري الثقات على كثرتهم، وتقدمهم في الحفظ والضبط والإتقان، وكثرة الرواية عن الزهري، وطول صحبته، واختصاصهم به، مثل: مالك ومعمر والزبيدي وشعيب وعقيل ويونس وابن عيينة، وهم خلق كثير، فكيف ينفرد عنهم قرة بهذا، وهو: ليس بقوي، روى أحاديث مناكير، وقال فيه أحمد: "منكر الحديث جدًّا" [انظر: التهذيب (٣/ ٤٣٨)، وقد تقدم معنا مرارًا].
وانظر: الآداب الشرعية (١/ ٣٦١).
* وقد احتج بعضهم في هذا المعنى:
بما روي مرفوعًا: "التكبير جزم، والسلام جزم"، قال ابن الملقن في البدر المنير (٣/ ٥١٦): "هذا الحديث لا أعلم من رواه هكذا مرفوعًا؛ وإنما أعرفه من قول إبراهيم النخعي: التكبير جزم، والسلام جزم"، وقال ابن حجر في التلخيص (١/ ٢٢٥): "لا أصل له بهذا اللفظ، … ".
قلت: قول إبراهيم النخعي هذا علقه الترمذي في جامعه (٢٩٧) بعد حديث: "حذف السلام سُنَّة"، بصيغة التمريض، كما تقدم ذكره.
ووصل أوله: عبد الرزاق في المصنف (٢/ ٢٥٥٣/٧٤)، عن يحيى بن العلاء، عن مغيرة، عن إبراهيم.
ويحيى بن العلاء البجلي الرازي: كذاب، يضع الحديث [التهذيب (٤/ ٣٨٠)، الميزان (٤/ ٣٩٧)].
فلا يثبت في هذا حديث ولا أثر [تقدم تحت الحديث رقم (٨٣٧)].
* ومما احتج به بعضهم أيضًا في هذا الباب:
ما رواه الثوري، عن نسير بن ذعلوق، عن خليد الثوري، قال: سمعت عمار بن ياسر، يقول: احذفوا هذه الصلاة قبل وسوسة الشيطان.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ١٩٨)، وعبد الرزاق (٢/ ٣٦٧/ ٣٧٢٨)،
стр. 5112
ومسدد في مسنده (٢/ ٤١٥/ ٢٠٠٤ - إتحاف الخيرة)، وابن أبي شيبة (١/ ٤٠٦/ ٤٦٦٧) (٣/ ٥٠٠/ ٤٧٠١ - ط. عوامة) [زيد في إسناده خطأ قيس بن الربيع، وانظر: الفتح لابن رجب (٤/ ٢١٥)].
وهذا موقوف بإسناد فيه جهالة؛ خليد الثوري: لا يُعرف، روى عنه اثنان، وذكره ابن حبان في الثقات [التاريخ الكبير (٣/ ١٩٨)، الجرح والتعديل (٣/ ٣٨٣)، الثقات (٤/ ٢١٠)]، وليس صريحًا في حذف السلام، والله أعلم.
* * *
١٩٣ - باب إذا أحدث في صلاته يستقبل
١٠٠٥ - . . . جرير بن عبد الحميد، عن عاصم الأحول، عن عيسى بن حِطان، عن مسلم بن سلام، عن علي بن طلق، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينصرف، فليتوضأ، وليُعِد صلاته".
* حديث ضعيف
تقدم برقم (٢٠٥) بنفس إسناده ومتنه، وهو حديث ضعيف، وفي الأمر بالانصراف من الصلاة لحدثٍ، ثم البناء عليها: أحاديث، لا يصح منها شيء، تقدم ذكرها في الموضع المشار إليه، وحديث علي بن طلق هذا أقوى منها من جهة الإسناد.
والعمدة في هذا الباب على ما ثبت في الصحيحين [البخاري (١٣٥ و ٦٩٥٤)، ومسلم (٢٢٥)]: من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ"، وقد تقدم برقم (٦٥)، وهو حجة الجمهور على إبطال صلاة من أحدث، وأنه لا يبني على صلاته إذا توضأ، وإنما يستأنفها من البداية.
وحديث أبي هريرة هذا قد أخرجه البخاري في باب الحيل في الصلاة، قال ابن بطال في شرحه عليه (٨/ ٣١١) مبينًا مناسبة الحديث للترجمة: "معنى هذا الباب الرد على أبي حنيفة في قوله: أن المحدث في صلاته يتوضأ ويبني على ما تقدم من صلاته، وهو قول ابن أبي ليلى.
وقال مالك والشافعي: يستأنف الوضوء والصلاة ولا يبني، وحجتهما قوله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ"، وقوله: "لا صلاة إلا بطهور".
قال ابن القصار: ولا يخلو في حال انصرافه من الصلاة وقد أحدث أن يكون مصليًا أو غيرَ مصلٍّ، فبطل أن يكون مصليًا؟ لقوله: "لا صلاة إلا بطهور"، وهذا غير متوضئ فلا يجوز له البناء، وكل حدث منع من ابتداء الصلاة منع من البناء عليها، يدل على ذلك أنه لو سبقه المني في الصلاة لاستأنف [اتفاقًا]؛ كذلك غيره من الأحداث، وقد اتفقنا على أنه ممنوع من المضي فيها من أجل الحدث فوجب أن يمنع من البناء عليها؛ فإن احتجوا
стр. 5113
بالراعف أنه يبني، قيل: الرعاف عندنا لا ينافي حكم الطهارة، والحدث ينافيها، ألا ترى أنه في غير الصلاة لو تعمد الرعاف لم تنتقض طهارته كما لو بدره، والحدث على الوجهين ينفي حكم الطهارة، ألا ترى أنكم لم تفرقوا بين عمد الحدث وسبقه في نقض الطهارة، وفرقتم بين تعمد المني والرعاف وغلبته في الصلاة، وفرقتم بين الأحداث في الصلاة، فقلتم: إذا غلبه المني اغتسل واستأنف، وإذا غلبه الحدث الأصغر بنى على صلاته، وفرقنا نحن بين الحدث وما ليس بحدث" [انظر: التوضيح لشرح الجامع الصحيح لابن الملقن (٣٢/ ٥٩)، فتح الباري لابن حجر (١٢/ ٣٢٩)].
وقال ابن حزم في المحلى (٤/ ١٥٣): "ولكنَّ البرهان على بطلان ما صلى؛ … [فذكر الحديث ثم قال:] فإذ صحَّ أن الصلاة ممن أحدث لا يقبلها الله حتى يتوضأ، وقد صحَّ بلا خلاف وبالنص أن الصلاة لا تجزئ إلا متصلةً، ولا يجوز أن يُفرَّق بين أجزائها بما ليس صلاةً؛ فنحن نسأل من يرى البناء للمحدث فنقول: أخبرونا عن المحدث الذي أمرتموه بالبناء مُذْ يحدث؛ فيخرج فيمشي فيأخذ الماء فيغسل حدثه أو يستنجي فيتوضأ فينصرف، إلى أن يأخذ من عمل الصلاة، أهو عندكم في صلاةٍ، أم هو في غير صلاةٍ؟ ولا سبيل لهم إلى قسم ثالث؛ فإن قالوا: هو في صلاةٍ أكذبهم قولُ رسول الله ﷺ : "إن الله لا يقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ".
ومن المحال الباطل أن يُعْتَدَّ له بصلاة قد أيقنَّا أن الله تعالى لا يقبلها؛ فصحَّ أن عمل صلاته الذي كان قبل قد انقطع، وأما أجره فباقٍ له بلا شكٍّ؛ إلا أنه الآن في غير صلاةٍ بلا شكٍّ؛ إذ هو في حالٍ لا يقبل الله تعالى معها صلاةً، وإن قالوا: بل هو في غير صلاةٍ، قلنا: صدقتم، فإذ هو في غير صلاةٍ؛ فعليه أن يأتي بالصلاة متصلةً لا يحول بين أجزائها وهو ذاكرٌ قاصدًا بما ليس من الصلاة وبوقت هو فيه في صلاةٍ، وهذا برهان لا مخلص منه، … ، إلى أن قال: وهو قول سفيان الثوري ومالك وابن شبرمة وآخر قولي الشافعي، وبه نأخذ".
قلت: وهو قول أحمد أيضًا، فقد قال في مسائل أبي داود (٢٦٤) لما سئل عن الرجل يحدث فيقدِّم رجلًا؟ قال: "يعجبني أن يعيد، قلت: من الدم؟ قال: الدم عندي أيسر من غيره، قيل: من الريح؟ قال: لا يبني، قلت لأحمد: أفأحبُّ إليك أن يستأنف الصلاة، ويستأنفون من الأحداث كلها؟ قال: نقض وضوءه فأحبُّ إليَّ أن يعيدوا" [وانظر أيضًا: مسائل الكوسج (٣٤٠ و ٣٤١)، وقال: "الذي أحدث يستقبل الصلاة"].
وقال في مسائل الكوسج (٨٩) لما سأله عن قول سفيان الثوري في مبطلات الصلاة، قال أحمد: "الأكلُ والشربُ والكلامُ: يستقبل، ويتوضأ من البول والريح والضحك، ويستقبل، والقيءُ والرعافُ والحِبْنُ السائل: يستقبل، وكلما أمرته بالوضوء أمرته يستقبل" [وانظر في معناه أيضًا: مسائل صالح (١٢٧٨)، وقال: "إذا أحدث وهو في الصلاة يستقبل الصلاة"].
стр. 5114
وفي مسائل ابنه عبد الله (٣٥٥)، قال: "قرأت على أبي: من صلى ركعة من التطوع ثم أحدث؟ قال: يعجبني أن يستقبل، لقوله ﷺ : "لا صلاة إلا بطهور".
وفي مسائل ابن هانئ (٣٧)، سئل عن الرجل يرعف في الصلاة؟ قال: "ينصرف فيتوضأ، ويستقبل الصلاة"، وقال ابن هانئ أيضًا (٢٢٩): "سألت أبا عبد الله عن الرجل يرعف في الصلاة، يبني أو يستأنف؟ قال: يستأنف أحبُّ إليَّ [وقال نحوه في مسائل صالح (٦٦)].
* * *
١٩٤ - باب في الرجل يتطوع في مكانه الذي صلى فيه المكتوبة
١٠٠٦ - قال أبو داود: حدثنا مسدد: حدثنا حماد وعبد الوارث، عن ليث، عن الحجاج بن عبيد، عن إبراهيم بن إسماعيل، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "أيعجِزُ أحدُكم - قال: عن عبد الوارث - أن يَتقدَّم، أو يتأخر، أو عن يمينه، أو عن شماله، - زاد في حديث حماد: - في الصلاة"؛ يعني: في السُّبْحة.
* حديث مضطرب
* أخرجه من طريق عبد الوارث:
البغوي في شرح السُّنَّة (٣/ ٢١٥ - ٢١٦/ ٧٠٦)، وعلقه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٣٤٠).
* وأخرجه من طريق حماد بن زيد:
البيهقي (٢/ ١٩٠)، وابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ٩٣)، وعلقه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٣٤٠).
رواه عن حماد: مسدد بن مسرهد، وأبو الربيع سليمان بن داود الزهراني، وعارم محمد بن الفضل أبو النعمان [وهم ثقات حفاظ].
ولفظ أبي الربيع [عند البيهقي بإسناد جيد عنه]: "إذا أراد أحدكم أن يتطوع بعد الفريضة: فليتقدَّم، أو ليتأخَّر، أو عن يمينه، أو عن شماله".
• وانظر فيمن وهم فيه على حماد [فقلب الحجاج بن عبيد إلى الحكم بن عتيبة] [أو: قلب الليث إلى أيوب السختياني]: علل الدارقطني (٩/ ٧٢/ ١٦٥١)، تاريخ أصبهان (١/ ٢٣٥)، الاستذكار (٢/ ٩٣).
* وقد اختلف في هذا الحديث على ليث بن أبي سليم:
أ - فرواه حماد بن زيد [ثقة ثبت]، وعبد الوارث بن سعيد [ثقة ثبت]:
عن ليث، عن الحجاج بن عبيد، عن إبراهيم بن إسماعيل، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : … الحديث.
стр. 5115
* تابعهما: إسماعيل بن علية [ثقة ثبت]، فرواه عن ليث، عن حجاج بن عبيد، عن إبراهيم بن إسماعيل، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "أيعجز أحدكم إذا صلى أن بمقدم، أو يتأخر، أو عن يمينه، أو عن شماله"؛ يعني: السبحة.
أخرجه ابن ماجه (١٤٢٧)، وأحمد (٢/ ٤٢٥)، وابن أبى شيبة (٢/ ٢٣/ ٦٠١١)، وابن حجر في التغليق (٢/ ٣٣٦).
ب - ورواه عبد الواحد بن زياد [ثقة]، عن ليث، عن الحجاج، عن إبراهيم بن إسماعيل، أو: إسماعيل بن إبراهيم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إذا صلى أحدكم فلا يتطوع مكانه، وليتقدم، أو يتأخر، أو عن يمينه، أو عن شماله"، وربما قال: "أيعجز أحدكم أن يتقدم".
أخرجه البزار (١٧/ ١٨٧/ ٩٨١٩).
قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلمه يُروى عن أبى هريرة إلا بهذا الإسناد، والحجاج هذا هو: حجاج بن عبيد".
ج - ورواه شيبان بن عبد الرحمن النحوي [ثقة]، عن ليث، عن حجاج بن أبي عبد الله، عن إبراهيم بن إسماعيل السلمي - وكان خلف على امرأة رافع بن خديج -، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، … فذكره.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٣٤٠).
واختلف فيه على شيبان، فقال مرة: إبراهيم بن إسماعيل، وقال أخرى: إسماعيل بن إبراهيم [انظر: علل الدارقطني (٩/ ٧٣/ ١٦٥١)].
د - ورواه معتمر بن سليمان [ثقة]، عن ليث، عن الحجاج، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "أيعجز أحدكم إذا صلى؛ فأراد أن يتطوع: أن يتقدم، أو يتأخر، أو يتحول عن يمينه، أو عن يساره".
أخرجه البيهقي (٢/ ١٩٠)، بإسناد جيد إلى معتمر.
هـ - ورواه همام بن يحيى [ثقة]، قال: حدثنا ليث، عن أبي حمزة: حدِّثت به عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ .
علقه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٣٤٠).
و - ورواه معمر بن راشد [ثقة]، عن ليث، عن عبد الرحمن بن سابط، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا صلى أحدكم المكتوبة فأراد أن يتطوع بشيء؛ فليتقدَّم قليلًا، أو يتأخَّر قليلًا، أو عن يمينه، أو عن يساره". هكذا مرسلًا.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٤١٧/ ٣٩١٨).
ز - ورواه أبو جعفر الرازي [ليس بالقوي]، عن ليث، عن حجاج بن يسار، عن إبراهيم بن إسماعيل السلمي، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، … فذكره.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٣٤١)، بإسناد لا بأس به إلى أبي جعفر.
стр. 5116
* قلت: هذا حديث ضعيف؛ ليث بن أبي سليم: ضعيف؛ لاختلاطه وعدم تميز حديثه، قال فيه أحمد وأبو حاتم وأبو زرعة والبزار: "مضطرب الحديث"، وهو هنا قد اضطرب في هذا الحديث اضطرابًا شديدًا في إسناده ومتنه، وحجاج بن عبيد؛ أو: ابن أبي عبد الله؛ أو: ابن يسار: مجهول [التهذيب (١/ ٣٥٩)]، وإبراهيم بن إسماعيل السلمي؛ أو: إسماعيل بن إبراهيم: مجهول أيضًا [التهذيب (١/ ٥٩)].
* وهذا الحديث علقه البخاري في الصحيح بعد أثر ابن عمر (٨٤٨) الآتي ذكره، بصيغة التمريض، وضعفه، فقال: "ويُذكر عن أبي هريرة رفعه: "لا يتطوع الإمام في مكانه"، ولم يصح".
قال ابن حجر في الفتح (٢/ ٣٣٥) معلقًا على كلام البخاري: "وذلك لضعف إسناده، واضطرابه، تفرد به ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف، واختلف عليه فيه، وقد ذكر البخاري الاختلاف فيه في تاريخه، وقال: لم يثبت هذا الحديث" [وانظر: فتح الباري لابن رجب (٥/ ٢٦٢)].
وقال في التغليق: "وليث بن أبي سليم: ضعيف الحفظ، وقد اختلف عليه في هذا الحديث اختلافًا كثيرًا، وذكر البخاري بعض الاختلاف فيه، وعقَّبه بأن قال: لم يثبت هذا الحديث، والله أعلم، وقال في موضع آخر: إسماعيل بن إبراهيم أصح، وليث يضطرب فيه"، وقال في هدي الساري (١٩): "وليث بن أبي سليم: ضعيف، وشيخ شيخه: لا يعرف، وقد اختلف عليه فيه".
قلت: وحديث أبي هريرة هذا ليس فيه ذكر الإمام، كما قال ابن رجب في الفتح (٥/ ٢٦٢)، كما بيَّن علة الحديث بضعف الليث وجهالة رواته أيضًا.
وقال البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٣٤١): "ولم يثبت هذا الحديث".
وقال الدارقطني في العلل (٩/ ٧٤/ ١٦٥١): "ولا يصح الحديث، والاضطراب من ليث".
وقال البيهقي: "قال البخاري ﵀: إسماعيل بن إبراهيم أصح، والليث يضطرب فيه"، ثم قال البيهقي: "وهو ليث بن أبي سليم يتفرد به، والله تعالى أعلم".
وقال ابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ٩٣): "إبراهيم بن إسماعيل هذا: مجهول، وكذلك الحجاج بن عبيد، وإنما روى حديثه ليث؛ لا أيوب، وهو حديث لا يحتج بمثله.
ولكن قد روى ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: إذا صلى أحدكم المكتوبة ثم أراد أن يصلي بعدها فليتقدم ولا يتكلم".
قال ابن عبد البر: "هذا حديث صحيح"؛ يعني: موقوفًا على ابن عباس، ثم قال: "قد خالف ابنُ عمر ابنَ عباس في هذا القول، … ".
وقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (٢/ ١٣): "رواه الليث بن أبي سليم عن حجاج بن عبيد: ضعيف عن مجهول".
стр. 5117
فتعقبه ابن القطان الفاسي في بيان الوهم (٣/ ١٥٦/ ٨٦٦) بقوله: "وترك في الإسناد من هو أيضًا مجهول، وهو إبراهيم بن إسماعيل".
وقال المزي في التهذيب (٢/ ٥١): "وهو حديث مختلف في إسناده، رواه ليث بن أبي سليم عن حجاج فاختلف عليه فيه"، ثم ساق الاختلاف.
* * *
١٠٠٧ - . . . أشعث بن شعبة، عن المنهال بن خليفة، عن الأزرق بن قيس، قال: صلى بنا إمامٌ لنا يكنى أبا رِمْثة، فقال: صليتُ هذه الصلاةَ، أو مثلَ هذه الصلاة مع النبي ﷺ ، قال: وكان أبو بكر وعمر يقومان في الصف المقدَّم عن يمينه، وكان رجلٌ قد شهد التكبيرة الأولى من الصلاة، فصلى نبيُّ الله ﷺ ، ثم سلَّم عن يمينه وعن يساره حتى رأينا بياض خدَّيْه، ثم انفتل كانفتال أبي رمثة - يعني: نفسَه -، فقام الرجل الذي أدرك معه التكبيرة الأولى من الصلاة يشفع، فوثب إليه عمر، فأخذ بمنكِبه فهزَّه، ثم قال: اجلس فإنه لم يَهلِكْ أهلُ الكتاب إلا أنه لم يكن بين صلواتهم فصلٌ، فرفع النبي ﷺ بصره، فقال: "أصاب الله بك يا ابن الخطاب". قال أبو داود: وقد قيل: أبو أمية مكان أبي رمثة.
* حديث منكر بهذا السياق
تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٠٠٠)، وقد خولف فيه المنهال بن خليفة؛ وهو ضعيف، والصواب ما رواه:
* شعبة، عن الأزرق بن قيس، قال: سمعت عبد الله بن رباح الأنصاري، يحدث عن رجلٍ من أصحاب النبي ﷺ ؛ أن النبي ﷺ صلى العصر، فقام رجل يصلي بعدها، فأخذ عمر بثوبه، فقال: اجلس؛ فإنما هلك أهلُ الكتاب أنه لم يكن لصلاتهم فصلٌ؛ فقال النبي ﷺ :"صدق ابن الخطاب"، وفي رواية: "أحسن ابن الخطاب".
* قلت: هذا هو المحفوظ في هذا الحديث، وحديث المنهال بن خليفة: وهمٌ؛ وعليه: فإن حديث شعبة: رجاله ثقات، وإبهام الصحابي لا يضر؛ لكن عبد الله بن رباح لم يذكر سماعًا من الصحابي، فلعله لم يدركه، والله أعلم.
* والذي ثبت مرفوعًا في هذا الباب:
حديث معاوية: الذي يرويه ابن جريج، قال: أخبرني عمر بن عطاء بن أبي الخوار؛ أن نافع بن جبير أرسله إلى السائب - ابن أخت نمر - يسأله عن شيء رآه منه معاوية في الصلاة، فقال: نعم، صليتُ معه الجمعة في المقصورة، فلما سلَّم الإمام قمتُ في مقامي، فصليتُ، فلما دخل أرسل إليَّ، فقال: لا تعُدْ لما فعلتَ، إذا صليتَ الجمعة فلا تصلها
стр. 5118
بصلاة حتى تكلَّم أو تخرج، فإن رسول الله ﷺ أمرنا بذلك؛ "أن لا تُوصَلَ صلاةٌ بصلاةٍ حتى نتكلَّم أو نخرج".
أخرجه مسلم (٨٨٣)، ويأتي تخريجه في موضعه من السنن إن شاء الله تعالى برقم (١١٢٩)، ويشهد له حديث عبد الله بن رباح عن رجل من الصحابة؛ فإن ضعفه يسير.
قال البيهقي بأنه أصح من جميع ما ذكر في الباب [السُّنن (٢/ ١٩٠)].
وقال النووي في المجموع (٣/ ٤٥٥): "فهذا الحديث هو المعتمد في المسألة".
* وعليه: فإن من تشاغل بالذكر المأثور دبر الصلاة، فقد فعل المقصود [ذكره ابن حجر في الفتح (٢/ ٣٣٥)]، فلم يعُد بحاجة إلى التحول من مكانه الذي صلى فيه.
* وقد اختلفت أقوال الصحابة في هذه المسألة:
* فذهب ابن عمر إلى جواز التنفل في مكان الفريضة:
روى عبيد الله بن عمر العمري [ثقة ثبت]، وأخوه عبد الله بن عمر [ليس بالقوي]، وأيوب السختياني [ثقة حجة]:
عن نافع، قال: كان ابن عمر يصلي في مكانه الذي صلى فيه الفريضة [لفظ أيوب، عند البخاري].
وفي رواية لأيوب: كان يصلي سبحته مكانه [عند ابن أبي شيبة].
وقال معتمر بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر، قال: رأيت القاسم وسالمًا يصليان الفريضة، ثم يتطوعان في مكانهما، قال: وأنبأني نافع؛ أن ابن عمر كان لا يرى به بأسًا [عند ابن أبي شيبة].
ولفظ عبد الله بن عمر: أنه كان يؤمهم، ثم يتطوع في مكانه، قال: وكان إذا صلى المكتوبة سبَّح مكانه [عند عبد الرزاق، وليس بمحفوظ].
أخرجه البخاري (٨٤٨)، وعبد الرزاق (٢/ ٤١٨/ ٣٩٢٢ و ٣٩٢٣)، وابن أبى شيبة (٢/ ٢٣/ ٦٠١٦ و ٦٠١٧)، والبيهقي (٢/ ١٩١).
قال ابن قدامة في المغني (١/ ٣٢٨): "قال أحمد: لا يتطوع الإمام في مكانه الذي صلى فيه المكتوبة، كذا قال علي بن أبي طالب ﵁. قال أحمد: ومن صلى وراء الإمام فلا بأس أن يتطوع مكانه، فعل ذلك ابن عمر" [وانظر: مسائل الكوسج (٢٣١)].
وقد سبق تخريج هذا الأثر بطرقه تحت الحديث رقم (٦١٦).
هذا هو الثابت عن ابن عمر في جواز التنفل في موضع الفريضة، وروي عنه خلاف ذلك، ولا يصح عنه [انظر مثلًا: مصنف عبد الرزاق (٢/ ٤١٦/ ٣٩١٥) و (٢/ ٤١٨ / ٣٩١٩)، سنن البيهقي (٢/ ١٩١)]، وأقوى ما روي في ذلك:
• ما رواه ابن علية، عن أيوب، عن عطاء؛ أن ابن عباس، وابن الزبير، وأبا سعيد، وابن عمر، كانوا يقولون: لا يتطوع حتى يتحول من مكانه الذي صلى فيه الفريضة.
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٣/ ٦٠١٢).
стр. 5119
فيقال: تُقدَّم رواية نافع؛ إذ هو أعلم الناس بعلم ابن عمر من غيره، هذا من وجه، ومن وجه آخر؛ فإن عطاء بن أبي رباح رأى ابن عمر ولم يسمع منه، ورأى أبا سعيد الخدري يطوف بالبيت ولم يسمع منه، فصار أثر ابن عمر وأبي سعيد منقطعًا [انظر: المراسيل (٥٦٥ و ٥٦٧)، تحفة التحصيل (٢٢٨)]؛ فلا يصح عنهما.
وعليه: فهذا الأثر موقوف على ابن عباس وابن الزبير بإسناد صحيح.
* وروى ابن جريج، عن عطاء، قال: سمعت ابن عباس، يقول: من صلى المكتوبة ثم بدا له أن يتطوع فليتكلم، أو فليمش، وليصلِّ أمام ذلك. قال: وقال ابن عباس: إني لأقول للجارية: انظري كم ذهب من الليل؟ ما بي إلا أن أفصل بينهما.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٤١٦/ ٣٩١٤).
وهذا موقوف على ابن عباس بإسناد صحيح.
* وروى سفيان بن عيينة، عن عمرو [هو: ابن دينار]، عن عطاء، عن ابن عباس؛ أنه كان يأمر إذا صلى المكتوبة فأراد أن يتنفل بعدها أن لا يتنفل حتى يتكلم أو يتقدم. وربما حدثه فقال: إذا صلى أحدكم المكتوبة ثم أراد أن يصلي بعدها فلا يصلي حتى يتقدم أو يتكلم.
أخرجه الشافعي في السنن (٢٨٨)، ومن طريقه: البيهقي في المعرفة (٢/ ٥٢٢/ ١٧٩٨) [وانظر: الاستذكار (٢/ ٩٣)، الفتح لابن رجب (٥/ ٢٦٥)].
قال ابن عبد البر: هذا حديث صحيح؛ يعني: موقوفًا على ابن عباس، وهو كما قال.
* وبهذا يكون قد اختلف الصحابة في تحول المأموم عن مكانه الذي صلى فيه الفريضة، فصح عن ابن عمر أنه كان يصلي في مكانه الذي صلى فيه الفريضة، ويحمل هذا على الفصل بالذكر، وقال بالتحول فقط: ابن الزبير، وقال بمثل حديث معاوية: ابن عباس، فخيره بين الكلام والتحول.
[وقد روي عن ابن مسعود مثل قول ابن عمر، ولا يصح عنه] [رواه عبد الرزاق (٢/ ٤١٩/ ٣٩٢٤ و ٣٩٢٥)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢٣/ ٦٠١٥)، والبيهقي (٢/ ١٩٢)، والخطيب في تلخيص المتشابه (١/ ١٨٣)].
قلت: والأمر في ذلك واسع، والعمدة فيه على حديث معاوية الذي أخرجه مسلم، فإن اكتفى بالذكر الوارد دبر الصلاة، فقد حصل المقصود، ويغنيه عن التحول، وإن تحول فلا بأس بذلك، والله أعلم.
* * *
١٩٥ - باب السهو في السجدتين
١٠٠٨ - . . . حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي - الظهر أو العصر -، قال: فصلى بنا ركعتين، ثم سلَّم، ثم قام إلى خشبةٍ في مُقدَّم المسجد، فوضع يديه عليها، إحداهما
стр. 5120
على الأخرى، يُعرف في وجهه الغضبُ، ثم خرج سَرَعانُ الناسِ وهم يقولون: قُصِرَتِ الصلاة! قُصِرَتِ الصلاة! وفي الناس أبو بكر وعمر، فهاباه أن يكلِّماه، فقام رجل كان رسول الله ﷺ يسميه ذا اليدين، فقال: يا رسول الله! أنسيتَ أم قُصِرت الصلاة؟ قال: "لم أنْسَ، ولم تُقصَرِ الصلاةُ"، قال: بل نسيتَ يا رسول الله! فأقبل رسول الله ﷺ على القوم، فقال: "أصدق ذو اليدين؟ "، فأومؤوا؛ أي: نعم، فرجع رسولُ الله ﷺ إلى مقامه، فصلى الركعتين الباقيتين، ثم سلَّم، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع وكبر، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع وكبر.
قال: فقيل لمحمد: سلَّم في السهو؟ فقال: لم أحفظه عن أبي هريرة، ولكن نُبِّئتُ أنْ عمران بن حصين قال: ثم سلم.
* حديث صحيح
أخرجه مسلم (٥٧٣/ ٩٨)، وأبو عوانة (١/ ٥١٢/ ١٩١٥)، وأبو نعيم في المستخرج (٢/ ١٧٣/ ١٢٦٥)، وابن حبان (٦/ ٤٠٥/ ٢٦٨٨)، والطحاوي (١/ ٤٤٤)، والدارقطني (١/ ٣٦٦)، وابن حزم في المحلى (٤/ ١٦٩)، والبيهقي في السنن (٢/ ٣٥٧)، وفي المعرفة (٢/ ١٨٤/ ١١٥٦)، وابن عبد البر في التمهيد (١/ ٣٥٨)، وفي الاستذكار (١/ ٥٥٠).
رواه عن حماد بن زيد: محمد بن عبيد الطنافسي [وهذا لفظه]، وأبو الربيع سليمان بن داود الزهراني [ومن طريقه أخرجه مسلم، ولم يسق لفظه]، وسليمان بن حرب، وأسد بن موسى، وحجاج بن إبراهيم الأزرق [وهم جميعًا ثقات].
قال أبو الربيع [عند ابن حبان]: إحدى صلاتي العشي - إما قال: الظهر، وإما قال: العصر، قال: وأكبر ظني أنها العصر -، وقال أيضًا: قال [يعني: رسول الله ﷺ ]: "أكذلك؟ "، قالوا: نعم، قال: فرجع فصلى بنا ركعتين، هكذا قال، ولم يقل: فأومؤوا.
وقال أسد في روايته [عند الطحاوي]: إحدى صلاتي العشي - الظهر أو العصر، وأكثر ظني أنه ذكر الظهر -، وقال أيضًا: فقال: "أصدق ذو اليدين؟ "، فقالوا: نعم.
وعلى هذا فقد تفرد محمد بن عبيد الطنافسي عن حماد بلفظة: فأومؤوا، دون بقية أصحاب حماد الذين رووا هذا الحديث.
كما اختلفت الرواية عن حماد في تعيين الصلاة فيما يغلب على الظن.
* * *
١٠٠٩ - . . . مالك، عن أيوب، عن محمد، بإسناده، وحديث حماد أتم، قال: صلى رسول الله ﷺ ، لم يقل: بنا، ولم يقل: فأومؤوا، قال: فقال الناس: نعم، قال: ثم رفع، ولم يقل: وكبر، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع، وتم حديثه، ولم يذكر ما بعده.
стр. 5121
ولم يذكر: فأومؤوا إلا حمادُ بن زيد.
قال أبو داود: وكل من روى هذا الحديث لم يقل: فكبر، ولا ذكر: رجع.
* حديث صحيح
أخرجه مالك في الموطأ (١/ ١٤٧/ ٢٤٧)، ومن طريقه:
البخاري (٧١٤ و ١٢٢٨ و ٧٢٥٠)، وأبو داود (١٠٠٩)، والترمذي (٣٩٩)، وقال: "حسن صحيح"، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٢/ ٣٣٥/ ٣٨٢)، والنسائي في المجتبى (٣/ ٢٢/ ١٢٢٥)، وفي الكبرى (١/ ٣٠٣/ ٥٧٧) و (٢/ ٤٧/ ١١٤٩)، وأبو عوانة (١/ ٥١٢/ ١٩١٥)، وابن حبان (٦/ ٢٦/ ٢٢٤٩) و (٦/ ٤٠٣/ ٢٦٨٦)، والشافعي في الأم (٢/ ٢٨٠/ ٢٥٩ - ط. الوفاء)، وفي اختلاف الحديث (١٠/ ٢٢٥/ ٢٦٤ - الأم)، وفي المسند (١٨٤)، وإسماعيل بن إسحاق القاضي في الخامس من مسند حديث مالك (٦٤)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٢٣١/ ١٥٦٩)، والطحاوي (١/ ٤٤٤)، والجوهري في مسند الموطأ (٢٩٩)، والبيهقي في السنن (٢/ ٣٥٦)، وفي المعرفة (٢/ ١٨٣/ ١١٥٤).
رواه عن مالك: الشافعي، وعبد الله بن مسلمة القعنبي (٢٥٦)، ومعن بن عيسى، وعبد الله بن يوسف التنيسي، وأبو مصعب الزهري (٤٧٠)، وعبد الله بن وهب، وعبد الرحمن بن القاسم (١٢٨ - تلخيص القابسي)، ويحيى بن يحيى الليثي (٢٤٧)، ومطرف بن عبد الله اليساري، ويحيى بن عبد الله بن بكير، وإسماعيل بن أبي أويس، وسويد بن سعيد الحدثاني (١٤٩) [وهم ثقات في الجملة، عدا الأخير].
ولفظه بتمامه: مالك بن أنس، عن أيوب بن أبي تميمة السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ انصرف من اثنتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة، أم نسيت يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : "أصدق ذو اليدين؟ "، فقال الناس: نعم، فقام رسول الله ﷺ ، فصلى اثنتين أخريين، ثم سلم، ثم كبر، فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع، ثم كبر، فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع.
* هكذا ذكر مالك التكبير في سجود السهو، فلم يذكر التكبير مع الرفع، وإنما ذكره مع السجود فقط، هكذا عند أكثر الرواة عنه، إلا رواية موهمة عند الترمذي من طريق معن، وذلك لا يقدح في ثبوته، فقد أثبت التكبير مع الرفع: حماد بن زيد [وهو أثبت الناس في أيوب]، وتابعه عليه: ابن عيينة، وعبد الوهاب الثقفي، كما سيأتي.
* ورواه أيضًا عن أيوب:
١ - سفيان بن عيينة: حدثنا أيوب، قال: سمعت محمد بن سيرين، يقول: سمعت أبا هريرة، يقول: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي؛ إما الظهر، وإما العصر [وفي رواية أحمد والحميدي وابن المقرئ: وأكثر ظني أنها العصر]، فسلم في ركعتين، ثم
стр. 5122
أتى جِذعًا في قبلة المسجد، فاستند إليها مغضبًا [وفي رواية أحمد: ثم أتى جذعًا في القبلة كان يسند إليه ظهره، فأسند إليه ظهره، وقال مرة: ثم أتى جذعًا كان يصلي إليه]، وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يتكلما، وخرج سَرَعانُ الناس: قصرت الصلاة! فقام ذو اليدين، فقال: يا رسول الله! أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فنظر النبي ﷺ يمينًا وشمالًا، فقال: "ما يقول ذو اليدين؟ "، قالوا: صدق، لم تصل إلا ركعتين، فصلى ركعتين وسلم، ثم كبر، ثم سجد [وفي رواية الحميدي: كسجوده أو أطول]، ثم كبر فرفع، ثم كبر وسجد، ثم كبر ورفع، قال: وأُخبِرتُ عن عمران بن حصين أنه قال: وسلم.
أخرجه مسلم في الصحيح (٥٧٣/ ٩٧)، وفي التمييز (٤٦)، وأبو عوانة (١/ ٥١١/ ١٩١٣)، وأبو نعيم في المستخرج (٢/ ١٧٣/ ١٢٦٤)، وابن خزيمة (٢/ ١١٧/ ١٠٣٥)، وا بن حبان (٦/ ٣٠/ ٢٢٥٥)، وابن الجارود (٢٤٣)، وأحمد (٢/ ٢٤٧ و ٢٤٨)، والحميدي (٩٨٣) (١٠١٣ - ط. المأمون)، والبزار (١٧/ ١٩١/ ٩٨٢٥)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٢٩٢/ ١٦٧٩)، وقال: "هذا خبر ثابت، والقول به يجب"، وأبو طاهر المخلص في السادس من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (٣٠٥) (١٣٢٤ - المخلصيات)، والبيهقي في السنن (٢/ ٣٥٤)، وفي المعرفة (٢/ ١٨٣/ ١١٥٥).
رواه عن ابن عيينة: أحمد بن حنبل، والحميدي، وزهير بن حرب، وعمرو بن محمد الناقد، وابن المقرئ محمد بن عبد الله بن يزيد، وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي، وإبراهيم بن بشار الرمادي [وهم ثقات، وأثبتهم فيه: أحمد والحميدي]، وغيرهم.
٢ - عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي [ثقة، من أصحاب أيوب]، قال: حدثنا أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي - وأظن أنها الظهر - ركعتين، ثم قام إلى خشبة في قبلة المسجد، فوضع يديه عليها، إحداهما على الأخرى، وخرج سرعان الناس، وقالوا: قصرت الصلاة، وفي القوم أبو بكر وعمر رضوان الله عليهما، فهابا أن يكلماه، قال: وفي القوم رجل إما قصير اليدين، وإما طويلهما، يقال له: ذو اليدين، فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله، أم نسيت؟ فقال ﷺ : "لم تقصر الصلاة، ولم أنس"، فقال: بل نسيت، فقال: "أصدق ذو اليدين؟ "، فقالوا: نعم، فصلى بنا ركعتين، ثم سلم، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، قال: ونبئت عن عمران بن حصين أنه قال: ثم سلم.
أخرجه ابن خزيمة (٢/ ٣٦/ ٨٦٠)، وابن حبان (٦/ ٣٩٦/ ٢٦٧٥)، والبزار (١٧/ ١٩٠/ ٩٨٢٤).
وهو حديث صحيح.
٣ - معمر بن راشد [ثقة، وحديثه عن أهل البصرة فيه ضعف]، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: صلى رسول الله ﷺ الظهر أو العصر، فسلم في الركعتين،
стр. 5123
ثم انصرف، فخرج سرعان الناس، فقالوا: خففت الصلاة، فقال ذو الشمالين: أخففت الصلاة أم نسيت؟ فقال النبي ﷺ : "ما يقول ذو اليدين؟ "، قالوا: صدق، فصلى بهم الركعتين اللتين ترك، ثم سجد سجدتين وهو جالس، بعدما سلم.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٢٩٩/ ٣٤٤٧)، ومن طريقه: أحمد (٢/ ٢٨٤)، واللفظ له.
وهذا الحديث لم يضبط معمر لفظه عن أيوب، كما رواه حماد ومالك وابن عيينة والثقفي من أصحاب أيوب الثقات عنه، وقد وهم فيه معمر في قوله: فقال ذو الشمالين.
* وروي أيضًا: من حديث عبد الله بن عمر العمري [ليس بالقوي]، عن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة؛ "أن النبي ﷺ سجد سجدتي السهو بعد التسليم". هكذا مختصرًا.
أخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ٧٨/ ٤٧٢٣)، وتمام في الفوائد (٣٨١).
بإسناد فيه جهالة إلى العمري.
° ورواه مختصرًا بآخره من مرسل عمران:
عبد الرزاق: أخبرنا معمر وابن عيينة، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عمران بن الحصين، عن النبي ﷺ قال: "التسليم بعد سجدتي السهو".
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٣٠١/ ٣٤٥٣).
وهذه الرواية وهم، ولعلها من قبل راوي المصنف، إسحاق بن إبراهيم الدبري، فقد استصغر في عبد الرزاق، وسمع منه بأخرة بعدما أضر وعمي، والمعروف في هذا: ما رواه الثقات عن أيوب فيما تقدم، وفيه قول ابن سيرين: وأُخبِرتُ عن عمران بن حصين أنه قال: وسلم، يعني: من فعله ﷺ ، لا من قوله، وأن ابن سيرين لم يسمعه من عمران، فهو منقطع [انظر: صحيح مسلم (٢١٨/ ٣٧١) و (٥٧/ ١٦٦٨) و (١٦٧٣/ ٢١)، التتبع للدارقطني (٤٧ - ٤٩)، بيان الوهم (٢/ ٥٥٣/ ٥٥٦)، تحفة التحصيل (٢٧٨)].
وانظر أيضًا في الأوهام على أيوب: علل الدارقطني (١٠/ ١٠/ ١٨١٩).
* قال أبو داود: "ولم يذكر: فأومؤوا إلا حمادُ بن زيد".
قال البيهقي معقبًا: "ولم يبلغنا إلا من جهة أبي داود عن محمد بن عبيد عن حماد بن زيد، وهم ثقات أئمة".
وقال الدارقطني في العلل (١٠/ ١١/ ١٨١٩): "كل من رواه عن أيوب، وعن غير أيوب، عن ابن سيرين، قال: إن النبي ﷺ قال لأصحابه: "أصدق ذو اليدين؟ "، قالوا: نعم؛ إلا حماد بن زيد؛ فإنه رواه عن أيوب، وقال فيه: فأومؤوا [أي:] نعم، واختلف عن حماد".
قلت: هي لفظة شاذة، انفرد بها الطنافسي عن حماد بن زيد، دون بقية أصحاب حماد، كما تقدم بيانه في الحديث السابق، وقد رواه بلفظ: "قالوا: نعم"، جماعة الرواة عن أيوب السختياني: مالك، وابن عيينة، وعبد الوهاب الثقفي، ومعمر بن
стр. 5124
راشد، ومما يؤكد شذوذ هذه اللفظة، رواية ابن عيينة، حيث قال: "قالوا: صدق، لم تصلِّ إلا ركعتين"، فهي لا تحتمل التأويل من جهة تصرف الرواة فيها، حتى يقال: عبروا عن الإيماء بالقول؛ لأن قوله: لم تصل إلا ركعتين، ليس تعبيرًا عن إشارتهم برؤوسهم بموافقة ذي اليدين، وإنما يعبَّر عن إشارة الموافقة بنعم وصدق، ولكن هذه العبارة الزائدة تؤكد أن الصحابة ﵃ أجابوا النبي ﷺ بألسنتهم، لا بمجرد الإشارة، لا سيَّما مع مجيء الأدلة الدالة على وجوب إجابة النبي ﷺ ، مثل قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، وكما جاء في حديث أبي سعيد بن المعلى، قال: كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسول الله ﷺ ، فلم أجبه، [ثم أتيت، فقال: "ما منعك أن تأتيني"]، فقلت: يا رسول الله! إني كنت أصلي، فقال: "ألم يقل الله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ " … الحديث [أخرجه البخاري (٤٤٧٤ و ٤٦٤٧ و ٤٧٠٣ و ٥٠٠٦)، ويأتي عند أبي داود برقم (١٤٥٨)]، والله أعلم.
• وبهذا البيان يتبين ضعف قول القائل: أما كلام القوم للنبي ﷺ بعد أن سمعوه يقول: "لم تقصر الصلاة، ولم أنس"، فمختلف فيه، ولا حجة لمن نزع به؛ لأن حماد بن زيد، وهو أثبت الناس في أيوب، روى حديث ذي اليدين عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة، قال فيه: فقال رسول الله ﷺ : "أحق ما يقول ذو اليدين؟ "، فأومؤوا؛ أي: نعم، فبان بهذا أنهم لم يتكلموا بعد أن سمعوا النبي ﷺ يقول: "لم تقصر الصلاة، ولم أنس"، ولكنهم أومؤوا؛ أي: نعم، فعبر المحدث عن الإيماء بالقول [معالم السنن (١/ ٢٠٣)، الاستذكار (١/ ٥٤٢)، المجموع (٤/ ٩٩)، الفتح لابن حجر (٣/ ١٠٢)].
* كذلك فإن الرواة اختلفوا على حماد بن زيد في تعيين الصلاة، وأما رواية ابن عيينة عن أيوب فوقع فيها: وأكثر ظني أنها العصر، بينما وقع في رواية الثقفي: وأظن أنها الظهر، ووقع في رواية معمر على الشك، دون ظن غالب، وأما مالك فلم يذكر في روايته كونها من صلاة العشي أصلًا، وهذه الروايات لا تجعل النفس تميل إلى ترجيح شيء من هذه الظنون؛ إلا أن اتفاق أكثر الرواة عن أيوب على أنها إحدى صلاتي العشي، الظهر أو العصر، مما لا شك فيه، والله أعلم.
* * *
١٠١٠ - . . . بشر - يعني: ابن المفضل -: حدثنا سلمة - يعني: ابن علقمة -، عن محمد، عن أبي هريرة، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ، بمعنى حماد كلِّه إلى آخر قوله: نُبِّئتُ أن عمران بن حصين قال: ثم سلم.
قال: قلت: فالتشهد؟ قال: لم أسمع في التشهد، وأحبُّ إليَّ أن يتشهد، ولم
стр. 5125
يذكر: كان يسميه ذا اليدين، ولا ذكر: فأومؤوا، ولا ذكر الغضب، وحديث [حماد عن] أيوب أتم.
* حديث صحيح
أخرجه ابن خزيمة (٢/ ١١٧/ ١٠٣٥)، وعنه: ابن حبان (٦/ ٣٠/ ٢٢٥٤).
وقد رواه ابن خزيمة من طريق بشر بن المفضل عن سلمة بن علقمة به، مقرونًا بعدة أسانيد عن ابن سيرين، ثم ساق لفظ بشر بن المفضل عن ابن عون عن ابن سيرين عن أبي هريرة، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي، صلى ركعتين ثم سلم، فأتى خشبة معروضة في المسجد، فقال بيديه عليها كأنه غضبان، قال: وخرجت السرعان من أبواب المسجد، فقالوا: قصرت الصلاة، وفي القوم أبو بكر وعمر، فهاباه أن يكلماه، وفي القوم رجل في يديه طولٌ، فكان يسمى ذا اليدين، فقال: يا رسول الله! أنسيت، أم قصرت الصلاة؟ فقال: "لم أنس، ولم تقصر الصلاة"، فقال: "أكما يقول ذو اليدين؟ "، قالوا: نعم، قال: فجاء فصلى ما كان ترك، ثم سلم، ثم كبر، فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر.
قال: فكان ربما قالوا له: ثم سلم؟ فيقول: نبئت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم.
وعلى هذا فإن لفظ سلمة قريب جدًّا من لفظ ابن عون، وسيأتي لسلمة بن علقمة طريق أخرى في ذكر من جمع الأسانيد عن ابن سيرين يؤكد ذلك، وذلك في رواية: وهيب بن خالد، عن أيوب، وابن عون، وسلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، والله أعلم.
° وعليه: فإنه يغلب على الظن أن رواية سلمة بن علقمة [وهو: ثقة حافظ، من أثبت أصحاب ابن سيرين، شرح علل الترمذي (٢/ ٦٨٩)]، توافق رواية حماد عن أيوب، في إثبات رجوع النبي ﷺ إلى مقامه الذي صلى فيه، وكذلك في إثبات التكبير عند رفع الرأس من السجود، وهي رواية الجماعة من أصحاب أيوب، وهي أيضًا تؤكد شذوذ رواية الإيماء، والله أعلم.
* ورواه سليمان بن حرب: حدثنا حماد [هو: ابن زيد]، عن سلمة بن علقمة، قال: قلت لمحمد: في سجدتي السهو تشهد؟ قال: ليس في حديث أبي هريرة [وقال في رواية: ليس في حديث أبي هريرة تشهد، وأحبُّ إليَّ أن يتشهد].
أخرجه البخاري (١٢٢٨ م)، والبيهقي (٢/ ٣٥٥)، وأبو نعيم الحداد في جامع الصحيحين (١/ ٤٧٢/ ٧٨٢ و ٧٨٣).
* ورواه ابن علية، عن سلمة بن علقمة، قال: سُئلَ محمد بن سيرين عن سجدتي الوهم: فيهما تشهُّد؟ قال: أحبُّ إليَّ أن يتشهد فيهما.
стр. 5126
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٨٨/ ٤٤٦١).
وهو حديث صحيح.
* * *
١٠١١ - قال أبو داود: حدثنا علي بن نصر: حدثنا سليمان بن حرب: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، وهشام، ويحيى بن عتيق، وابن عون، عن محمد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في قصة ذي اليدين؛ أنه كبر وسجد، وقال هشام - يعني: ابن حسان -: كبر، ثم كبر وسجد.
قال أبو داود: روى هذا الحديث أيضًا حبيب بن الشهيد، وحميد، ويونس، وعاصم الأحول، عن محمد، عن أبي هريرة، لم يذكر أحدٌ منهم ما ذكر حماد بن زيد، عن هشام؛ أنه كبر، ثم كبر [وسجد].
وروى حماد بن سلمة، وأبو بكر بن عياش، هذا الحديث عن هشام؛ لم يذكرا عنه هذا الذي ذكره حماد بن زيد؛ أنه كبر، ثم كبر.
* حديث صحيح، ما عدا زيادة التكبير في رواية هشام بن حسان؛ فإنها شاذة أخرجه من طريق أبي داود: البيهقي (٢/ ٣٥٤).
قال البيهقي: "تفرد به حماد بن زيد عن هشام، وسائر الرواة عن ابن سيرين ثم سائر الرواة عن هشام بن حسان لم يحفظوا التكبيرة الأولى، وحفظها حماد بن زيد ﵀".
* ورواه الإمام أحمد، قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد، قال: حدثنا هشام، عن محمد، عن أبي هريرة، في حديث ذي اليدين؛ أنه قال في سجدتي الوهم: كبر، ثم كبر، ثم كبر، قال: سمعت أيوب، قال: كبر تكبيرة واحدة، ويسمعت يحيى بن عتيق وابن عون، قال: كبر تكبيرة واحدة.
أخرجه أحمد في العلل ومعرفة الرجال (٢/ ١٧٤/ ١٩١٠).
* ورواه البزار (١٧/ ٢٨٢/ ٩٩٩١)، قال: حدثنا روح بن حاتم أبو غسان [ثقة مشهور، من شيوخ البزار، الجرح والتعديل (٣/ ٥٠٠)، وقال: "روى عنه أبي، وسئل عنه؟ فقال: صدوق". مسند البزار (١٥/ ٢٥٣/ ٨٧١٥)، وقال: "وكان من الفهماء الثقات"، الثقات (٨/ ٢٤٤)، وقال: "مستقيم الحديث"، وصحح له (٦٥٣٣)]: نا سليمان بن حرب: نا حماد بن زيد، عن يحيى بن عتيق، عن محمد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في قصة ذي اليدين؛ أنه صلى بهم، ثم ذكر نحو حديث أيوب.
قال البزار بأنه لم يروه إلا حماد، ولا عنه إلا سليمان بن حرب.
وقال الدارقطني في الأفراد (٢/ ٣٢٣/ ٥٤٢٩ - أطرافه): "غريب من حديث يحيى بن
стр. 5127
عتيق عن محمد، تفرد به حماد بن زيد عن يحيى، ورواه حماد بن زيد عن جماعة فيهم يحيى".
* ثم وجدت له متابعًا:
فقد رواه معلَّى بن مهدي الموصلي: حدثنا حماد بن زبد، عن أيوب وابن عون وهشام وسلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة؛ "أن النبي ﷺ تكلم في الصلا ناسيًا، فبنى على ما صلى".
أخرجه الطبراني في الأوسط (٢/ ١٦٢/ ١٥٨٢)، قال: حدثنا أحمد [يعني: ابن حمدون الموصلي، أبو نصر الخفاف، وهو: صدوق. تاريخ الإسلام (٢١/ ٥٥)]، قال: نا معلى به.
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن حماد إلا معلى".
قال ابن رجب في الفتح (٦/ ٤٦٦): "وهذا مروي بالمعنى، مختصرًا من قصة ذي اليدين".
قلت: وهي متابعة ساقطة؛ لجزم الحفاظ بتفرد سليمان بن حرب به عن حماد، ومعلى بن مهدي الموصلي، قال عنه أبو حاتم: "يحدث أحيانًا بالحديث المنكر" [الجرح والتعديل (٨/ ٣٣٥)، اللسان (٨/ ١١٣)]، وهذا من مناكيره.
وعلى هذا فقد تفرد سليمان بن حرب بهذا الحديث عن حماد بن زيد، ولا يضره تفرده، فهو ثقة حافظ، لزم حماد بن زيد تسع عشرة سنة [التهذيب (٢/ ٨٨)].
* وأما بالنسبة لزيادة التكبير بعد السلام من الصلاب والفراغ منها، وقبل التكبير لسجود السهو؛ كالتحريم له:
* أما حديث أيوب السختياني [ثقة ثبت إمام، وهو أثبت أصحاب ابن سيرين]، فقد تقدم معنا، ولفظه في موضع الشاهد بعد أن فرغ ﷺ من الركعتين: "ثم سلَّم، ثم كبر وسجد"، هكذا رواه عن أيوب: حماد بن زيد، ومالك، وابن عيينة، وعبد الوهاب الثقفي، بألفاظ متقاربة، والحاصل: أنهم قد اتفقوا على تكبيرة واحدة للسجود، ولا تحريم قبلها.
* وأما حديث عبد الله بن عون:
فقد رواه النضر بن شميل، ويزيد بن زريع، وأبو أسامة حماد بن أسامة، وبشر بن المفضل، ومعاذ بن معاذ، ويزيد بن هارون، وابن أبي عدي، والحسين بن الحسن بن يسار [وهم ثقات، أكثرهم حفاظ أثبات]، وعبد الرحمن بن حماد الشعيثي [لا بأس به]، وعبد الوهاب بن عطاء الخفاف [صدوق]:
عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي - قال ابن سيرين: سماها أبو هريرة ولكن نسيت أنا [وفي رواية ابن أبي عدي: ذكرها أبو هريرة، ونسيها محمد] [وفي رواية يزيد بن زريع: قال أبو هريرة: ولكني
стр. 5128
نسيت]- قال: فصلى بنا ركعتين، ثم سلم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد، فاتكأ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبَّك بين أصابعه، ووضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى، وخرجت السَرَعانُ من أبواب المسجد [وفي رواية للنضر: وخرج سرعان الناس، قال النضر: يعني: أوائل الناس]، فقالوا: قَصُرت الصلاة! وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه، وفي القوم رجلٌ في يديه طولٌ، يقال له: ذو اليدين، قال: يا رسول الله، أنسيت أم قصرت الصلاة؟ قال:"لم أنْسَ، ولم تُقصَر"، فقال: "أكما يقول ذو اليدين؟ "، فقالوا: نعم، فتقدم فصلى ما ترك، ثم سلم، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، فربما سألوه [وفي رواية للنضر: فربما سألوا محمدًا]: ثم سلم؟ فيقول: نُبِّئتُ أن عمران بن حصين قال: ثم سلم. لفظ النضر [عند البخاري].
أخرجه البخاري (٤٨٢)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ١٧٣/ ١٢٦٤)، والنسائي في المجتبى (٣/ ٢٠/ ١٢٢٤)، وفي الكبرى (١/ ٣٠٣/ ٥٧٨) و (٢/ ٤٦/ ١١٤٨)، وابن ماجه (١٢١٤)، والدارمي (١/ ٤١٩/ ١٤٩٦) (٢/ ٩٣٨/ ١٥٣٧ - ط. المغني)، وابن خزيمة (٢/ ١١٧/ ١٠٣٥)، وابن حبان (٦/ ٢٩/ ٢٢٥٣) و (٦/ ٣١/ ٢٢٥٦)، وأحمد (٢/ ٣٧) مقرونًا بهشام، و (٢/ ٢٣٤)، والبزار (١٧/ ٢٣٧/ ٩٩١٠)، وإسماعيل الصفار في الفوائد المنتقاة من حديثه (٢٤ - رواية ابن رزقويه)، والطبراني في الأوسط (٣/ ٧٦/ ٢٥٣٨)، وأبو طاهر المخلص في الأول من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (٢٣٠)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٢/ ١٠٣٠/ ٢٦١٢)، والبيهقي في المعرفة (٢/ ١٨٤/ ١١٥٧)، وابن عبد البر في التمهيد (١/ ٣٥٨)، وابن البطر في فوائده بانتقاء أبي الحسن بن فنون (٣)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٣/ ٢٩٢/ ٧٦٠).
وراجع الحديث المتقدم برقم (٥٦٢)، في جواز تشبيك الأصابع في المسجد، وكونه محفوظًا في هذا الحديث.
• تنبيهان:
الأول: قد يقال بأن تفسير صفة الاتكاء والتشبيك مدرج في الحديث، وأنه ليس من كلام أبي هريرة، وإنما من كلام ابن عون، فقد قال يزيد بن هارون في روايته: وأرانا ابن عون، ووضع كفيه إحداهما على ظهر الأخرى، [وفي رواية: وأرانا يزيد] وأدخل أصابعه العليا في السفلى واضعًا [وفي رواية: وأصغى]، ورواه معاذ بن معاذ بنحوه، فيقال: الأقرب أن ابن عون أراد زيادة إيضاح في بيان الصفة، فبينها بفعله، مع نقلها في متن الحديث، وقد رواها جماعة الحفاظ من قول أبي هريرة، كما هو مبين في الروايات عن ابن سيرين، ولذا فقد أخرجها من هذا الوجه البخاريُّ في صحيحه.
الثاني: أدرج بعضهم قوله في آخر الحديث: ثم سلم، في حديث أبي هريرة، وإنما هو من حديث عمران، كما جاء في رواية الجماعة [انظر: سنن ابن ماجه]، وقال يزيد بن
стр. 5129
هارون في آخر روايته: ثم رفع رأسه وانصرف، ولم يذكر حديث عمران، وأظنه مدرجًا أيضًا، والله أعلم.
• ورواه أهل الشام عن شعبة عن ابن عون مختصرًا:
رواه بقية بن الوليد، قال: حدثنا شعبة، قال: وحدثني ابن عون، وخالد الحذاء، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، "أن النبي ﷺ سجد في وهمه بعد التسليم".
أخرجه النسائي في المجتبى (٣/ ٢٦/ ١٢٣٥)، وفي الكبرى (٢/ ٥٠/ ١١٥٩)، وأبو عوانة (١/ ٥١٥/ ١٩٢٥)، وابن أخي ميمي الدقاق في فوائده (٥٠٣)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (٢/ ٩٧).
وهذا إسناد حسن غريب.
• والحاصل: فإن رواية ابن عون قد اشتملت على أمور، منها:
أن نسيان تعيين الصلاة وقع من ابن سيرين، أو من أبي هريرة.
وفيها ذكر الهيئة التي قام عليها النبي ﷺ مغضبًا، بعدما سلم من الركعتين.
وفيها التصريح بتكليم الصحابة للنبي ﷺ ، حيث قال: فقالوا: نعم.
وفيها إثبات رجوع النبي ﷺ إلى مقامه الذي صلى فيه، حيث قال: "فتقدم فصلى ما ترك"، والتقدم هنا لا ينافي الرجوع، فإنه ﷺ كان مواجهًا للقوم مستدبرًا للقبلة، فتقدم ومشى أمامه حتى وصل إلى مقامه، فصلى بهم، وتؤيدها رواية يزيد بن زريع وبشر بن المفضل وابن أبي عدي: فجاء فصلى، بل أصرح منها رواية معاذ بن معاذ [عند البزار]: فرجع فصلى الذي كان ترك.
وفيها إثبات تكبيرة واحدة للسجود، حيث قال: "ثم سلم، ثم كبر وسجد".
وفيها إثبات التكبير عند الرفع من السجود.
وكل هذا ثابت صحيح من حديث ابن سيرين عن أبي هريرة، وابن عون: ثقة ثبت، من أثبت أصحاب ابن سيرين [شرح علل الترمذي (٢/ ٦٨٩)].
* وأما حديث بن عتيق:
فقد رواه البزار كما تقدم، وذكر بأنه نحو حديث أيوب.
* وأما حديث هشام بن حسان:
فقد رواه أبو أسامة حماد بن أسامة، وهشيم بن بشير، ووهب بن جرير، وأبو خالد الأحمر سليمان بن حيان، وعبد الله بن بكر السهمي، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، وحماد بن سلمة، وأبو بكر بن عياش [وهم ثمانية من الثقات]:
عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة؛ "أن النبي ﷺ سجدهما بعد السلام". لفظ هشيم [عند الترمذي]، وفي رواية لأبي خالد: "بعد ما سلَّم وكلَّم"، وقد فرَّقه أحاديث.
ورواه عبد الله بن بكر وعبد الأعلى، عن هشام به مطولًا، ولفظ عبد الأعلى [عند
стр. 5130
البزار]: أن النبي ﷺ صلى بهم إحدى صلاتي العشاء، وأكبر ظني أنها الظهر، ثم انصرف إلى خشبة في مقدَّم المسجد فوضع يديه عليها، إحداهما على الأخرى، قال: وفي الناس أبو بكر وعمر، فهاباه أن يكلماه، قال: وخرج سرعان الناس، فقالوا: قصرت الصلاة، قصرت الصلاة، قال: فقام رجل طويل اليدين، كان رسول الله ﷺ يسميه ذا اليدين، فقال: يا رسول الله! أقصرت الصلاة أم نسيت؟ قال: "لم أنس، ولم تقصر الصلاة"، قال: بلى يا رسول الله! قال: "أصدق ذو اليدين؟ "، قالوا: نعم، فرجع فصلى بنا الركعتين الباقيتين ثم سلم، ثم كبر وهو جالس، وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، ثم سجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر.
أخرجه الترمذي (٣٩٤)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ١٧٣/ ١٢٦٥)، وأحمد (٢/ ٣٧) مقرونًا بابن عون، وابن أبي شيبة (١/ ٣٨٦/ ٤٤٣٩) و (١/ ٣٨٨/ ٤٤٦٧) و (٧/ ٢٨٩/ ٣٦١٦٣)، والبزار (١٧/ ٣٠٣/ ١٠٠٥٠)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٣١١/ ١٧٠٦) و (٣/ ٣١٦/ ١١٧١)، والطحاوي (١/ ٤٤٤)، وهلال الحفار في جزئه عن الحسين بن يحيى القطان (٧٨)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٧٣)، وابن عبد البر في التمهيد (٩/ ٣٥١).
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، قلت: وهو كما قال.
هكذا وقعت رواية الجماعة عن هشام بن حسان، متابعة لرواية الجماعة من أصحاب ابن سيرين؛ مثل: أيوب، وابن عون، وسلمة بن علقمة، ويزيد بن إبراهيم التستري، وعاصم بن سليمان الأحول، وغيرهم؛ إلا أنه قال: وأكبر ظني أنها الظهر.
* وعلى هذا؛ فإن رواية سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن هشام بن حسان، والتي زاد فيها التكبير بعد السلام من الركعتين، وقبل التكبير لسجود السهو، والذي وقع في الرواية كالتحريم للسجود، فإنها رواية شاذة، والله أعلم.
* وممن جمع أصحاب ابن سيرين في إسناد واحد:
١ - وهيب بن خالد [ثقة ثبت]، رواه عن أيوب، وابن عون، وسلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي الظهر أو العصر، قال: وأكبر ظني أنه قد ذكر الظهر، فصلى ركعتين، ثم قام إلى خشبة في مقدَّم المسجد، فوضع يديه عليها إحداهما على الأخرى، يُعرَف في وجهه الغضب، قال: وخرج سرعان الناس، فقالوا: قصرت الصلاة، وفي الناس أبو بكر وعمر، فهاباه أن يكلماه، فقام رجل طويل اليدين، كان رسول الله ﷺ يسميه ذا اليدين، فقال: يا رسول الله! أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال: "لم أنس، ولم تقصر الصلاة"، فقال: بل نسيت يا رسول الله! فأقبل على القوم، فقال: "صدق ذو اليدين؟ "، قالوا: نعم، فجاء فصلى بنا الركعتين الباقيتين، ثم سلم، ثم كبر، ثم سجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر.
стр. 5131
أخرجه الطحاوي في شرح المعاني (١/ ٤٤٤)، وفي أحكام القرآن (١/ ٢١٥/ ٤٠٥)، بإسناد لا بأس به إلى وهيب.
وهذا حديث صحيح.
وفي هذه الرواية تغليب الظن أنها الظهر، فوافق بذلك رواية هشام بن حسان، ورواية الثقفي عن أيوب، ولم يشذ وهيب بن خالد في روايته عن بقية أصحاب أيوب وابن عون وسلمة بن علقمة [فيما تقدم من الطرق السالفة]، وهو متابع لرواية هشام بن حسان ويزيد بن إبراهيم وعاصم الأحول.
٢ - حماد بن سلمة [وعنه: موسى بن إسماعيل أبو سلمة التبوذكي، وهو: ثقة ثبت، من أروى الناس عن حماد]، عن يونس وهشام وأيوب [وفي رواية بإسناد صحيح: عن أيوب وهشام ويونس، أحسبه قال: وحميد وغيرهم]، عن محمد، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ صلى إحدى صلاتي العشي فسلم في الركعتين، ثم خرج إلى خشبة معترضة في المسجد، وخرج سرعان الناس، فقام إليه رجل يقال له: ذو اليدين، فقال: يا رسول الله! أقصرت الصلاة أم نسيت؟ قال: "لم تقصر، ولم أنس،، قال: إنك سلمت في الركعتين، فقال رسول الله ﷺ : "أكما يقول ذو اليدين؟ "، قالوا: نعم، فرجع فصلى ركعتين، ثم تشهد ثم سلم، وسجد سجدتين.
أخرجه البزار (١٧/ ٢٢٥ و ٢٢٦/ ٩٨٩١ و ٩٨٩٢).
قال البزار: "وهذا الحديث لا نحفظه من حديث يونس إلا عن حماد بن سلمة؛ إلا شيخًا كان عندنا بالبصرة يكنى أبا محمد كان صاحب حديث حدث به، عن أبيه، عن مبارك بن فضالة، عن يونس، عن محمد، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ بنحوه".
هكذا جمع حماد بن سلمة في هذا الحديث بين أيوب وهشام ويونس وحميد، وحديث أيوب وهشام مشهور، قد رواه عنهما جمع من أصحابهما، وتفرد حماد هنا بحديث يونس بن عبيد [وهو ثقة ثبت، من أثبت أصحاب ابن سيرين. شرح علل الترمذي (٢/ ٦٨٩)]، وبحديث حميد الطويل [ثقة، وحماد بن سلمة أثبت الناس فيه، شرح علل الترمذي (٢/ ٧٨٢)]، وكان حماد بن سلمة إذا جمع الشيوخ حمل ألفاظهم على لفظ واحد منهم، ولم يميز بينها [شرح علل الترمذي (٢/ ٨١٥)]، لكنه هنا لم يأت بما ينكر، فهو حديث صحيح، والله أعلم.
والحاصل: فإننا لا نستطيع أن ننسب إلى يونس بن عبيد أو إلى حميد الطويل قولًا بهذه الرواية؛ كأن نقول بأن أحدهما ذكر تكليم الصحابة للنبي ﷺ ، أو رجوع النبي ﷺ إلى مقامه، أو زاد ذكر التشهد، ونحو ذلك، وذلك لأن هذه الألفاظ منسوبة بمجموعها إلى مجموع رواتها عن ابن سيرين، فلم نعد نميز لفظ أيِّ منهم، لكن يمكن الجزم بما جزم به أبو داود؛ بأن حميدًا ويونس بن عبيد لم يذكرا التكبير الزائد قبل تكبير سجود السهو، المذكور في رواية حماد بن زيد عن هشام بن حسان، وهي رواية شاذة، كما سبق تقريره، والله أعلم.
стр. 5132
• ولم أقف على رواية حبيب بن الشهيد عن ابن سيرين مسندة، ويكفي في ثبوتها استشهاد أبي داود بها معلقة، وذكرها أيضًا الدارقطني في العلل (٧/ ١٠/ ١٨١٩) في سياق ذكر من روى هذا الحديث عن ابن سيرين.
* وممن رواه أيضًا عن ابن سيرين غير من تقدم ذكرهم:
١ - رواه يزيد بن إبراهيم التستري [ثقة ثبت، من أثبت أصحاب ابن سيرين]، عن محمد، عن أبي هريرة ﵁، قال: صلى النبي ﷺ إحدى صلاتي العشي - قال محمد: وأكثر ظني العصر - ركعتين، ثم سلم، ثم قام إلى خشبة في مقدَّم المسجد، فوضع يده عليها، وفيهم أبو بكر وعمر ﵄، فهابا أن يكلماه، وخرج سرعان الناس، فقالوا: أقصرت الصلاة؟ ورجل يدعوه النبي ﷺ ذو اليدين، فقال: أنسيت أم قصرت؟ فقال: "لم أنس، ولم تقصر"، قال: بلى؛ قد نسيت، فصلى ركعتين، ثم سلم، ثم كبر، فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر، ثم وضع رأسه فكبر، فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر.
أخرجه البخاري (١٢٢٩ و ٦٠٥١)، وأبو عوانة (١/ ٥١٢/ ١٩١٤)، والطحاوي (١/ ٤٤٥)، والبيهقي (٢/ ٣٤٦ و ٣٥٣)، وأبو نعيم الحداد في جامع الصحيحين (١/ ٧٧٨/٤٧٠).
أخرجه البخاري في الموضعين بإسناد واحد، قال: حدثنا حفص بن عمر: حدثنا يزيد بن إبراهيم به، وهذا لفظه في الموضع الأول، وهو في الموضع الثاني بتصرف يسير في ألفاظه، لكنه قال: صلى بنا النبي ﷺ الظهر ركعتين، فجزم بكونها الظهر بعدما كان أكثر ظنه أنها العصر، وزاد قوله ﷺ : "صدق ذو اليدين؟ "، ولم يأت بها في الموضع الأول؛ فهل هذا التصرف من البخاري نفسه، أم أنه تحمله عن شيخه مرتين، مرة هكذا، ومرة هكذا، أم هذا من رواة الصحيح؟ والأخير مستبعد لكون هذين الموضعين وضع عليهما علامة التصحيح: (صح) [(٢/ ٦٨ - اليونينية ط. المنهاج) و (٨/ ١٦ - اليونينية ط. المنهاج)]، إشارة للوقوف على هذا الاختلاف الواقع في الصحيح، وهو صحيح ثابت من جهة الرواية في صحيح البخاري، فبقي الاحتمالان الأولان، ولم أجد لابن حجر كلامًا على هذا الموضع، والله أعلم.
هكذا وقع الاختلاف في رواية أبي عمر الحوضي حفص بن عمر عند البخاري، ومن طريق حفص بن عمر هذا أخرجه أيضًا أبو عوانة؛ إلا أنه لم يسق متنه، ورواه الطحاوي من طريق الحجاج بن المنهال عن يزيد به، ولم يسق متنه أيضًا، ورواه البيهقي في الموضع الأول من طريق سليمان بن حرب والحجاج مقرونين، قالا: ثنا يزيد بن إبراهيم به، وقال: صلى إحدى صلاتي العشي - الظهر أو العصر، وأكبر ظني أنه قال: الظهر -، وزاد أيضًا: "صدق ذو اليدين؟ "، وبمثله رواه أبو نعيم الحداد، ورواه البيهقي بمثل ذلك في الموضع الثاني من طريق سليمان بن حرب وحده.
فلعل الراجح في طريق يزيد بن إبراهيم، أنه قال: وأكبر ظني أنه قال: الظهر، وأيًا
стр. 5133
كانت تلك الصلاة؛ فإن المقصود أنها كانت إحدى صلاتي النهار الرباعية الظهر أو العصر، ومثل هذا الاختلاف لا يؤثر، وقد قضى الله تعالى على رواة هذا الحديث نسيان تعيين هذه الصلاة، حيث إنه لا فائدة ترجع على المكلف من تعيين هذا الإبهام، كما وقع كثيرًا في القرآن والسُّنَّة من إبهام أشخاص أو أزمان أو أماكن أو أوصاف لا ينتفع المكلف بتعيينها، وأن العبرة في مثل ذلك بعموم المعنى المراد، والله أعلم.
٢ - ورواه عاصم بن سليمان الأحول [ثقة]، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁، قال: صلى رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي ركعتين، ثم سلم، فانطلق سرعان الناس، فقالوا: قصرت الصلاة، فقام رسول الله ﷺ إلى عمود فوضع يده عليه، فعرف الغضب في وجهه، وفي القوم أبو بكر وعمر فهاباه أن يكلماه، فقال ذو اليدين: يا رسول الله! أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال: "ما قصرت، وما علمت أني نسيت"، فقال: بلى يا رسول الله! فقال للقوم، فقالوا: صدق، قال: فرجع رسول الله ﷺ إلى مقامه، فصلى ركعتين، ثم سلم عن يمينه وعن يساره، وسجد سجدتين، وجلس قليلًا، قال عاصم: قال أبو قلابة: ثم سلم.
أخرجه البزار (١٧/ ٢٥٦/ ٩٩٤١)، قال: وحدثنا عبد الله بن سعيد الأشج [ثقة، مذكور بالحفظ]: حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي [لا بأس به، كان يدلس]: حدثنا عاصم به.
قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلم رواه عن عاصم إلا المحاربي".
وقال الدارقطني في العلل (١٠/ ١١/ ١٨١٩): "وأما عاصم الأحول؛ فرواه عنه جماعة، واتفقوا على لفظ متقارب، وزاد عليهم المحاربي في روايته عن عاصم الأحول: أن النبي ﷺ سلم عن يمينه وعن يساره، ولم يُذكر هذا عن ابن سيرين".
قلت: فهي زيادة شاذة، تفرد بها المحاربي، والمحفوظ من حديث عاصم الأحول بدونها.
٣ - ورواه أهل الشام عن شعبة عن خالد الحذاء مختصرًا:
رواه بقية بن الوليد، قال: حدثنا شعبة، قال: وحدثني ابن عون، وخالد الحذاء، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، "أن النبي ﷺ سجد في وهمه بعد التسليم".
أخرجه النسائي في المجتبى (٣/ ٢٦/ ١٢٣٥)، وفي الكبرى (٢/ ٥٠/ ١١٥٩)، وأبو عوانة (١/ ٥١٥/ ١٩٢٥)، وابن أخي ميمي الدقاق في فوائده (٥٠٣)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (٢/ ٩٧).
وهذا إسناد حسن غريب.
٤ - ورواه ابن وهب، قال: أنبأنا عمرو بن الحارث، قال: حدثنا قتادة، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ ، بمثله.
يعني: بمثل حديث عراك بن مالك عن أبي هريرة؛ "أن رسول الله ﷺ سجد يوم ذي اليدين سجدتين بعد السلام".
стр. 5134
أخرجه النسائي في المجتبى (٣/ ٢٦/ ١٢٣٤)، وفي الكبرى (١/ ٣٠٢/ ٥٧٦) و (٢/ ٥٠/ ١١٥٨)، وابن خزيمة (٢/ ١١٨/ ١٠٣٦)، والبزار (١٧/ ٢٧٤/ ٩٩٧٤)، والدارقطني (١/ ٣٧١).
• تابع ابن وهب عليه:
يحيى بن أيوب [الغافقي المصري: لا بأس به، يخطئ إذا حدث من حفظه]، عن عمرو بن الحارث، عن قتادة، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، بنحوه.
أخرجه البزار (١٧/ ٢٧٨/ ٩٩٨٢)، بإسناد جيد إلى يحيى بن أيوب.
قلت: هذا إسناد بصري، ثم مصري، رجاله ثقات مشهورون، لكن نقل الأثرم عن أحمد، قال: "عمرو بن الحارث روى عن قتادة مناكير" [شرح علل الترمذي (٢/ ٦٩٩)]، وقال أيضًا: "يروي عن قتادة أشياء يضطرب فيها ويخطئ" [التهذيب (٣/ ٢٦٢)].
فإن قيل: هو حديث منكر؛ لتفرد عمرو بن الحارث به عن قتادة، دون أصحاب قتادة المكثرين عنه، فيقال: عمرو بن الحارث: إمام فقيه، ثقة حافظ، قال فيه أبو حاتم على تعنته في الرجال: "كان أحفظ الناس في زمانه، ولم يكن له نظير في الحفظ في زمانه" [الجرح والتعديل (٦/ ٢٢٥)، التهذيب (٣/ ٢٦٢)]، وقد أخرج له البخاري ومسلم عن قتادة ما توبع عليه [انظر: صحيح البخاري (١٧٥٦ و ١٧٦٤ و ٥٦٠٠)، صحيح مسلم (١٢٦٩ و ١٩٨١)]، وحديثه هنا قد توبع عليه، فهو حديث محفوظ، والله أعلم.
• قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلم رواه عن قتادة إلا عمرو بن الحارث، ورواه سعيد بن أبي عروبة عن محمد بن سيرين نفسه".
٥ - ثم قال البزار (١٧/ ٢٧٤/ ٩٩٧٥): ونا به محمد بن الأسود العمي: نا إبراهيم بن صدقة: نا سعيد بن أبي عروبة، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قصة ذي اليدين.
قلت: ابن أبي عروبة إنما يروي عن ابن سيرين بواسطة قتادة، وإبراهيم بن صدقة: بصري صدوق، معروف بالرواية عن يونس بن عبيد وسفيان بن حسين، ولا يُعرف في أصحاب ابن أبي عروبة، لا سيما من روى عنه قبل اختلاطه، وإن كان قيل بأن عنده كتاب الطلاق عن ابن أبي عروبة [انظر: العلل ومعرفة الرجال (١/ ٣١٩/ ٥٥٥)]، ومحمد بن الأسود العمي: شيخ للبزار، مقل من الحديث، لم أقف له على ترجمة.
فهو إسناد غريب جدًّا.
* وقد وهم فيه سعيد بن بشير [ضعيف، يروي عن قتادة المنكرات، والإسناد إليه لا يصح، فيه: عبد الله بن الحسين بن جابر المصيصي: اتهمه ابن حبان بسرقة الحديث وقلب الأسانيد، اللسان (٤/ ٤٥٦)]، فرواه عن قتادة، عن محمد بن سيرين، عن خرباق السلمي، … فساق الحديث بنحوه.
стр. 5135
أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (٤/ ٤٣/ ٢٦٨٣). وعنه: أبو نعيم في معرفة الصحابة (٢/ ١٠٠٥/ ٢٥٦٤).
قال ابن عبد البر في الاستيعاب (٢/ ٤٥٨): (ورواه أيوب السختياني وهشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، ولم يذكروا خرباقًا، وإنما أحفظ ذكر الخرباق من حديث عمران بن الحصين في قصة ذي اليدين، قال: فقام رجل يقال له: الخرباق، طويل اليدين".
قلت: هو حديث باطل.
٦ - وروى ابن وهب [ثقة حافظ]، عن سعيد بن عبد الرحمن [الجمحي: ليس به بأس، يروي أحاديث لا يتابع عليها. التهذيب (٢/ ٣٠)]، عن عبد الله بن محمد بن سيرين [فيه جهالة، ذكره ابن حبان في الثقات، وليس له غير هذا الحديث، الجرح والتعديل (٥/ ١٥٧)، الثقات (٧/ ٤١)، الثقات ممن لم يقع في الكتب الستة (٦/ ١١١)]، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بذلك؛ "أنه سجد سجدتي السهو يوم جاءه ذو البدين بعد السلام".
أخرجه ابن حبان في الثقات (٧/ ٤١ - ٤٢) [وفي إسناد المطبوعة خطأ]، والدارقطني في السنن (١/ ٣٧٠)، وفي الأفراد (٢/ ٣٢٣/ ٥٤٢٩ - أطرافه)، وأبو محمد الخلال في ذكر من لم يكن عنده إلا حديث واحد (٣٣).
قال الدارقطني: "غريب من حديث عبد الله بن محمد بن سيرين عن أبيه، وتفرد به سعيد بن عبد الرحمن الجمحي عنه، ولا نعلم حدث به عنه غير عبد الله بن وهب".
وقال الخلال: "لم يرو عبد الله بن محمد بن سيرين عن أبيه إلا هذا الحديث".
قلت: هو حديث غريب.
٧ - ورواه طلحة بن النضر الحداني [قال أحمد: "ما أرى به بأسًا"، وقال أبو داود: "ثقة"، وذكره ابن حبان في الثقات، العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٥٢٩/ ٣٤٩٣)، سؤالات الآجري (٥٨٢)، الجرح والتعديل (٤/ ٤٧٩)، الثقات (٦/ ٤٨٩)، تاريخ أسماء الثقات (٦٠٧)، تاريخ الإسلام (١٠/ ٢٨٣)، الثقات ممن لم يقع في الكتب الستة (٥/ ٣٩٢)]، قال: سمعت محمد بن سيرين، سأله رجل عن الوهم، فقال: حدثنا أبو هريرة؛ أنه صلى مع رسول الله ﷺ صلاة من صلاة النهار، وأنه صلى ركعتين ثم سلم، فخرج سرعان الناس، فقالوا: يا رسول الله! أقصرت الصلاة؟ وفي القوم أبو بكر وعمر، فهاباه أن يكلماه، فقال رجل من المسلمين: يا رسول الله! أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال: "لم تقصر، ولم أنس"، فقال رجل: بأبي وأمي نسيت، إنما صليت ركعتين، فقال رسول الله ﷺ : "أحق ما يقول ذو اليدبن؟ "، فقالوا: صدق يا رسول الله، فقام فركع ركعتين إلى ركعتيه الأوليين، ثم سلم، ثم سجد سجدتين نحوًا من سجوده في صلاته، أو أطول.
أخرجه الطبراني في الأوسط (٦/ ١١٧/ ٥٩٧٢)، قال: حدثنا محمد بن علي الأحمر
стр. 5136
الناقد [غلام طالوت: روى عنه جماعة من الأئمة المصنفين، منهم ابن حبان في صحيحه، ولم يذكره أحد بجرح، وسكت عليه أبو بكر الإسماعيلي في معجم شيوخه، وقال الدارقطني: "ما علمت إلا خيرًا". سؤالات حمزة السهمي (٨١)، معجم الإسماعيلي (٧٧)]، قال: نا نصر بن علي [الجهضمي: ثقة ثبت]، قال: أخبرني أبي [علي بن نصر بن علي الجهضمي: ثقة]، عن طلحة به.
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن طلحة بن نضر الحداني إلا علي بن نصر، ويحيى بن أبي بكير الكرماني".
وهذا إسناد جيد؛ وقد أخطأ في قوله: فخرج سرعان الناس، فقالوا: يا رسول الله! أقصرت الصلاة؟، وإنما رواه ثقات أصحاب ابن سيرين، فقالوا فيه: وخرج سرعان الناس، فقالوا: قصرت الصلاة!، يعني: أنهم لم يواجهوا النبي ﷺ بالسؤال، وإنما خرجوا من المسجد، وهم يقولون ذلك ظانين وقوع النسخ، والله أعلم.
(٨ - ١٢) وممن رواه أيضًا عن ابن سيرين عن أبي هريرة بنحوه مرفوعًا:
قرة بن خالد السدوسي [ثقة ثبت]، وسعيد بن عبد الرحمن [أخو أبي حرة: ثقة. الجرح والتعديل (٤/ ٤٠)، اللسان (٤/ ٦٢)،، وهارون بن إبراهيم الأهوازي [ثقة] [روي عن الثلاثة مقرونين بإسناد حسن غريب، وروي عن أبي حرة وحده بإسناد صحيح غريب]، ومعاوية بن عبد الكريم الضال [صدوق، ولا يصح عنه]، وأشعث بن سوار [ضعيف، وهو منكر من حديث أبي إسحاق السبيعي عنه].
أخرجه الطبراني في المعجم الصغير (٢٩٣ و ٣١٠)، وفي الأوسط (٣/ ٢٤٢/ ٣٠٤٠) و (٣/ ٣٢٩/ ٣٣١٠)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٤٣١)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين (٣/ ٥٩٠) و (٤/ ٣٢ و ٢٦٦)، وأبو بكر الإسماعيلي في معجم شيوخه (١/ ٣٣١)، والخطيب في الموضح (١/ ٤٧٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢١/ ١٨٤).
وانظر أيضًا: علل الدارقطني (١٠/ ٧/ ١٨١٩).
* هكذا روى هذا الحديث عن ابن سيرين جماعة من الثقات، وفيهم أثبت أصحابه: أيوب السختياني، وعبد الله بن عون، وسلمة بن علقمة، ويزيد بن إبراهيم التستري، وحبيب بن الشهيد، وهشام بن حسان، ويحيى بن عتيق، ويونس بن عبيد، وعاصم بن سليمان الأحول، وحميد الطويل، وقتادة، وخالد الحذاء، وطلحة بن النضر الحداني، وسعيد بن عبد الرحمن أخو أبي حرة، وقرة بن خالد السدوسي، وهارون بن إبراهيم الأهوازي، وجماعة آخرون سبق ذكرهم.
* وخالفهم فوهم في إسناده:
أبو خلدة [خالد بن دينار: ثقة]، قال: سألت ابن سيرين، قلت: أصلي وما أدري ركعتين صليت أو أربعًا؟ قال: حدثني أبو العريان؛ أن النبي ﷺ صلى يومًا ودخل البيت، وكان في القوم رجل طويل اليدين، وكان رسول الله ﷺ يسميه ذو اليدين، … ،
стр. 5137
وذكر الحديث بنحوه، وقال في آخره: ولم يحفظ لي أحد سلم أم لا.
أخرجه العقيلي (١/ ٣٦٠ - التمهيد)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٧١/ ٩٣٠)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٥/ ٢٩٧٨/ ٦٩٣٤).
هكذا رواه عن أبي خلدة: أبو نعيم الفضل بن دكين [وهو: ثقة ثبت].
قال الدارقطني في العلل (١٠/ ١٣/ ١٨١٩): "وخالفه عبد الصمد بن عبد الوارث، رواه عن أبي خلدة، عن أبي العريان، عن عمر بن الخطاب ﵁، عن النبي ﷺ ، ولم يذكر ابنَ سيرين، وقولُ عبد الصمد: أشبه بالصواب".
وقال ابن عبد البر في الاستيعاب (٤/ ١٧١٣) عن أبي العريان: "روى عنه محمد بن سيرين مثل حديثه عن أبي هريرة في يوم ذي اليدين، وقيل: إنه أبو هريرة، وأبو العريان غلط، لم يقله إلا خالد وحده" [وانظر أيضًا: التمهيد (١/ ٣٦٠)].
والحاصل: فإن حديث أبى العريان هذا حديث شاذ.
* وانظر بقية الأوهام على ابن سيرين: علل الدارقطني (١٠/ ١٢ و ١٣/ ١٨١٩).
قال الشافعي في الأم (٢/ ٢٨٢ - ط. الوفاء)، وفي اختلاف الحديث (١٠/ ٢٢٧ - الأم): "حديث ذي اليدين: حديث ثابت عن رسول الله ﷺ ".
* * *
١٠١٢ - قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس: حدثنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة، وعبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة، بهذه القصة، قال: ولم يسجد سجدتي السهو حتى يقَّنه الله ذلك.
* حديث وهمٌ، غير محفوظ
أخرجه من طريق محمد بن يحيى بن فارس [الحافظ الذهلي: إمام ثقة]:
ابن خزيمة (٢/ ١٢٤/ ١٠٤٠).
ولفظه عند ابن خزيمة: سلم رسول الله ﷺ عن ركعتين، فقال له ذو الشمالين، من خزاعة حليف لبني زهرة: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ قال: "كل لم يكن"، فأقبل رسول الله ﷺ على الناس، فقال: "أصدق ذو اليدين؟ "، قالوا: نعم، فأتم ما بقي من صلاته، ولم يسجد سجدتي السهو حين يقَّنه الناس.
* ورواه أبو جعفر بن البختري في الحادي عشر من حديثه (١٢) (٥٠٨ - مجموع مصنفاته)، قال: حدثنا محمد بن الهيثم بن حماد [وهو إمام حافظ ثبت. التقريب (٩٠٤)، السير (١٣/ ١٥٦)]، قال: حدثنا محمد بن كثير به، وقال فيه: فقام عبد بن عمرو بن نضلة من خزاعة حليف لبني زهرة، وغاير في بعض ألفاظه.
стр. 5138
ثم رواه ابن البختري بعده بعدة أحاديث مرتين (١٩ و ٢٠) بنفس إسناده، فقال في إسناده مرة: عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وقال في متنه مرة: فقام ذو الشمالين عمرو بن نضلة، وقال مرة: "كلا لم يكن"، وقال أخرى: "كل ذاك لم يكن"، وقال في المواضع الثلاثة: "أصدق ذو الشمالين؟ "، ومرة يذكر: فلما يقَّنه الناس، ومرة لا يذكرها، وكل هذا الاختلاف إنما هو من محمد بن كثير، كما أشار إلى ذلك شيخ ابن البختري: محمد بن الهيثم بن حماد، وقد رواه من طريقه أيضًا بأحد الوجوه المتقدم ذكرها؛ إلا أنه قال: ابن عبد عمرو بن نضلة من خزاعة:
ابن عبد البر في التمهيد (١١/ ٢٠٢).
وهذا مما يدل على أن ابن كثير هذا لم يكن يضبط هذا الحديث، وأنه كان يضطرب فيه، والله أعلم.
ومحمد بن كثير بن أبي عطاء الثقفي مولاهم، أبو يوسف الصنعاني، نزيل المصيصة، صاحب الأوزاعي؛ إلا أنه لم يكن يفهم الحديث، وهو صدوق كثير الغلط، وهو ضعيف الحديث في معمر خاصة [تقدمت ترجمته تحت الحديث رقم (٢٣٦)، وفي الحديث (٣٨٦)]:
وقد ترجم ابن خزيمة لهذا الحديث بقوله: "باب ذكر خبر روي في قصة ذي اليدين، أدرج لفظه الزهري في متن الحديث، فتوهم من لم يتبحر العلم ولم يكتب من الحديث إلا نتفًا أن أبا هريرة قال تلك اللفظة التي قالها الزهري في آخر الخبر، وتوهم أيضًا أن هذا الخبر الذي زاد فيه الزهري هذه اللفظة خلاف الأخبار الثابتة؛ أن النبي ﷺ سجد يوم ذي اليدين بعدما أتم صلاته".
ثم قال في موضع آخر (٢/ ١٢٧): "فقوله في خبر محمد بن كثير عن الأوزاعي في آخر الخبر: ولم يسجد سجدتي السهو حين لقنه الناس؛ إنما هو من كلام الزهري، لا من قول أخبرنا هريرة".
* قلت: تابع ابن كثير على وصله:
١ - الوليد بن مسلم: نا عبد الرحمن بن عمرو، قال: سألت الزهري عن رجل سها في صلاته فتكلم، فقال: أخبرني سعيد بن المسيب، وأبو سلمة، وعبيد الله بن عبد الله؛ أن أبا هريرة قال: ثم ذكر نحو حديثهم في قصة ذي اليدين.
أخرجه ابن خزيمة (٢/ ١٢٥ - ١٢٦/ ١٠٤٤)، قال: حدثنا محمد [يعني: ابن يحيى الذهلي: ثقة حافظ إمام]: نا سليمان بن عبد الرحمن: نا الوليد به.
قلت: هو حديث غريب من حديث الوليد بن مسلم، إن كان تفرد به سليمان بن عبد الرحمن ابن بنت شرحبيل، وهو دمشقي صدوق، إلا أن له مناكير، وقد أنكر عليه بعض الحفاظ حديثه عن الوليد في الدعاء لحفظ القرآن [انظر: جامع الترمذي (٣٥٧٠)، تذكرة الحفاظ (٢/ ٤٣٨)، السير (١١/ ١٣٦)، الميزان (٢/ ٢١٣)، التهذيب (٢/ ١٠١)]،
стр. 5139
لا سيما ولم يذكر الدارقطني في العلل (٩/ ٣٧٥/ ١٨١٠) طريق الوليد بن مسلم هذه أثناء سرده الاختلاف على الأوزاعي في هذا الحديث.
ب - مبشر بن إسماعيل الحلبي [ثقة]، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ سلم في الركعتين، فقال له ذو الشمالين بن عبد عمرو بن نضلة - وهو رجل من خزاعة حليف لبني زهرة -: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ قال: "لم تقصر، ولم أنس"، قال ذو الشمالين: قد كان بعض ذلك يا رسول الله، فأقبل رسول الله ﷺ على من صلى معه، فقال: "أصدق ذو اليدين؟ "، قالوا: نعم، فقام رسول الله ﷺ فأتم الصلاة، ولم يسجد السجدتين اللتين تسجدان في وهم الصلاة حين لقنه الناس.
أخرجه أبو يعلى (١٠/ ٢٤٤/ ٥٨٦٠)، قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي [ثقة حافظ]: حدثنا مبشر به.
* خالفهم فأرسله:
محمد بن يوسف الفريابي [ثقة، مكثر عن الأوزاعي]، وعمر بن عبد الواحد [السلمي، أبو حفص الدمشقي: ثقة، من أثبت أصحاب الأوزاعي، قال مروان بن محمد الطاطري: "نظرنا في كتب أصحاب الأوزاعي فما رأينا أحدًا أصح حديثًا عن الأوزاعي من عمر بن عبد الواحد". التهذيب (٣/ ٢٤٢)]، وعبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين [كاتب الأوزاعي، صدوق، لينه جماعة، وكان يخالف في حديثه، ويخطئ في حديث الأوزاعي، لكن ذهب هشام بن عمار إلى القول بأنه أثبت أصحاب الأوزاعي. تاريخ دمشق (٣٤/ ٥٧)، شرح علل الترمذي (٢/ ٧٣٠)، التهذيب (٢/ ٤٧٤)، التقريب (٥٦٤)]:
قال الفريابي: نا الأوزاعي: حدثني الزهري: حدثني سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، بهذه القصة، ولم يذكروا أبا هريرة، وانتهى حديث الفريابي عند قوله: فأتم ما بقي من صلاته.
وقال فيه ابن أبي العشرين: فأتم ما بقي من الصلاة، لم يسجد السجدتين اللتين يسجدان في وهم الصلاة حين ثبته الناس.
أخرجه ابن خزيمة (٢/ ١٢٤/ ١٠٤١)، وابن عبد البر في التمهيد (١١/ ٢٠٣).
قال الدارقطني في العلل (٩/ ٣٧٥/ ١٨١٠): "وخالفه [يعني: محمد بن كثير]: عمر بن عبد الواحد، والفريابي، وابن أبي العشرين، فرووه عن الأوزاعي، عن الزهري، عن الثلاثة مرسلًا".
قلت: وهذا هو الأشبه عن الأوزاعي مرسلًا، وإن كان يحتمل أن الأوزاعي حدث به الآخرين موصولًا أيضًا.
والأوزاعي: قال فيه الجوزجاني: "ربما يهم عن الزهري"، وقال ابن معين: "الأوزاعي في الزهري: ليس بذاك أخذ كتاب الزهري من الزبيدي"، وقال يعقوب بن
стр. 5140
شيبة: "الأوزاعي: ثقة ثبت، إلا روايته عن الزهري خاصة فإن فيها شيئًا"، وقال عمر بن عبد الواحد عن الأوزاعي: "ودفع إليَّ الزهري صحيفة، وقال: اروها عني" [شرح علل الترمذي (٢/ ٦٧٤)، التهذيب (٢/ ٥٣٨)].
* * *
١٠١٣ - . . . يعقوب - يعني: ابن إبراهيم -، حدثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، أن أبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة أخبره؛ أنه بلغه أن رسول الله ﷺ بهذا الخبر، قال: ولم يسجد السجدتين اللتين تسجدان إذا شكَّ حين لقَّاه الناس.
قال ابن شهاب: وأخبرني بهذا الخبر سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة.
قال: وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو بكر بن الحارث بن هشام، وعبيد الله بن عبد الله.
قال أبو داود: رواه يحيى بن أبي كثير، وعمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، [والعلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، جميعًا]، عن أبي هريرة، بهذه القصة، ولم يذكر أنه سجد السجدتين.
قال أبو داود: ورواه الزبيدي، عن الزهري، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، عن النبي ﷺ ، قال فيه: ولم يسجد سجدتي السهو.
* حديث وهمٌ، غير محفوظ
أخرجه مسلم في التمييز (٤٤ و ٤٥)، والنسائي في المجتبى (٣/ ٢٥/ ١٢٣١)، وفي الكبرى (١/ ٣٠١/ ٥٧١) و (٢/ ٤٩/ ١١٥٥)، وابن خزيمة (٢/ ١٢٦/ ١٠٤٨) و (٢/ ١٢٧/ ١٠٥١)، والبيهقي (٢/ ٣٥٨).
رواه عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري [وهو: ثقة]: حجاج بن أبي يعقوب [واللفظ له]، وأبو داود سليمان بن سيف الحراني، ومحمد بن يحيى الذهلي، والحسن بن علي بن محمد الحلواني، والعباس بن محمد الدوري [وهم ثقات حفاظ، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، نسبه حجاج إلى جده].
ولفظ الدوري والحسن الحلواني [عند مسلم والبيهقي]: عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب الزهري؛ أن أبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة أخبره؛ أنه بلغه أن رسول الله ﷺ صلى الركعتين ثم سلم، فقال ذو الشمالين ابن عبد [عمرو]: يا رسول الله! أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال رسول الله ﷺ : "لم تقصر الصلاة، ولم أنس"، فقال ذو الشمالين: قد كان بعض ذلك يا رسول الله! فأقبل رسول الله ﷺ على القوم، فقال: "أصدق ذو الشمالين؟ " [وفي رواية الحلواني: ذو اليدين]، فقالوا: نعم، فقام رسول الله ﷺ فأتم ما بقي من
стр. 5141
الصلاة، ولم يسجد السجدتين اللتين تسجدان إذا شك الرجل في صلاته، حين لقَّاه الناس.
قال ابن شهاب: أخبرني هذا الخبر سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁.
قال ابن شهاب: وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وعبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ مثله.
° قلت: اختلف على الزهري في هذا الحديث:
١ - فرواه الأوزاعي: حدثني الزهري: حدثني سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، بهذا الحديث، ولم يذكر أبا هريرة، وروي عنه موصولًا أيضًا، والمرسل أشبه.
٢ - ورواه صالح بن كيسان، عن الزهري، عن ابن أبي حثمة مرسلًا، وعن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وعبيد الله بن عبد الله، موصولًا.
٣ - ورواه مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، قال: بلغني أن رسول الله ﷺ ركع ركعتين من إحدى صلاتي النهار: الظهر أو العصر، فسلم من اثنتين، فقال له ذو الشمالين - رجلٌ من بني زهرة بن كلاب -: أقصرت الصلاة يا رسول الله! أم نسيت؟ فقال له رسول الله ﷺ : "ما قصرت الصلاة، وما نسيت"، فقال ذو الشمالين: قد كان بعض ذلك يا رسول الله! فأقبل رسول الله ﷺ على الناس فقال: "أصدق ذو اليدين؟ " [وفي رواية: "ذو الشمالين"]، فقالوا: نعم يا رسول الله! فأتم رسول الله ﷺ ما بقي من الصلاة، ثم سلم.
ثم رواه مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن، مثل ذلك.
أخرجه مالك في الموطأ (١/ ١٤٨ و ١٤٩/ ٢٤٩ و ٢٥٠ - رواية يحيى بن يحيى الليثي)، (٢٥٨ - رواية القعنبي)، ومن طريقه: ابن خزيمة (٢/ ١١٢٦ / ١٠٤٧ و ١٠٥٠)، والبيهقي في المعرفة (٢/ ١٨٥/ ١١٥٩).
قلت: هكذا رواه مالك عن الزهري عن شيوخه الثلاثة مرسلًا، ووهم بعض الضعفاء فوصله عن مالك به.
قال ابن عبد البر في التمهيد (٧/ ٥٥): "ولم يسند هذا الحديث فيما علمت أحدٌ من الرواة عن مالك؛ إلا عبد الحميد بن سليمان أخو فليح بن سليمان، فإنه رواه عن مالك عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ".
ثم أسنده ابن عبد البر من طريق عبد الحميد هذا، وهو: ضعيف.
قال الدارقطني: "تفرد به عبد الحميد بن سليمان عن مالك مسندًا، ورواه أصحاب الموطأ عن مالك عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة وأبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة عن النبي ﷺ ، لم يذكروا أبا هريرة".
стр. 5142
٤ - ورواه شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري: أخبرني أبو بكر بن سليمان بن أبي حثمة؛ "أن النبي ﷺ سها في صلاته". هكذا مرسلًا مختصرًا.
أخرجه ابن خزيمة (٢/ ١٢٦/ ١٠٤٩).
٥ - ورواه معمر بن راشد، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، عن أبي هريرة، قال: صلى رسول الله ﷺ الظهر أو العصر، فسلم [وفي المصنف: فسها] في ركعتين وانصرف، فقال له ذو الشمالين ابن عمرو [وفي المصنف: ابن عبد عمرو، وكان حليفًا لبني زهرة]: أنقصت [وفي المصنف: أخُفِّفت] الصلاة أم نسيت؟ قال النبي ﷺ : "ما يقول ذو اليدين؟ "، فقالوا: صدق يا نبي الله، فأتم بهم الركعتين اللتين نقص [ثم سلم]. [وفي المصنف: قال الزهري: وكان ذلك قبل بدر، ثم استحكمت الأمور بعدُ]، وانتهت رواية أحمد وابن رافع إلى قوله: نقص، وهما أثبت من رواه عن عبد الرزاق، وأقدمهم منه سماعًا.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٢٩٦/ ٣٤٤١)، ومن طريقه: النسائي في المجتبى (٣/ ٢٤/ ١٢٣٠)، وفي الكبرى (١/ ٣٠١/ ٥٧٠) و (٢/ ٤٩/ ١١٥٤)، وابن خزيمة (٢/ ١٢٦/ ١٠٤٦)، وابن حبان (٦/ ٤٠٢/ ٢٦٨٥)، وأحمد (٢/ ٢٧١)، والبزار (١٤/ ٢٨٨/ ٧٨٩٣)، والبيهقي (٢/ ٣٤١ و ٣٥٨).
رواه عبد الرزاق عن معمر به، ورواه عن عبد الرزاق: أحمد بن حنبل، ومحمد بن يحيى الذهلي [وهما ثقتان حافظان]، ومحمد بن رافع [ثقة مأمون، مكثر عن عبد الرزاق، رحل مع أحمد]، وإسحاق بن إبراهيم الدبري [راوي مصنف عبد الرزاق، وهو: صدوق؛ إلا أن سماعه من عبد الرزاق متأخر جدًّا، وقد سمع منه بعد ما عمي، وروى عن عبد الرزاق أحاديث منكرة. انظر: اللسان (٢/ ٣٦)].
هكذا رواه الجماعة عن عبد الرزاق، وفيهم الإمام أحمد، وهو ممن سمع من عبد الرزاق قبل ذهاب بصره، وقد صحبه ابن رافع في الرحلة، وأما الذهلي، فقال فيه أحمد: "قدم على عبد الرزاق مرتين، إحداهما بعدما عمي"، وأما الدبري فإنه ممن تأخر سماعه.
• وشذ أحمد بن منصور الرمادي [وهو ثقة حافظ] [وروايته عند البزار والبيهقي]، فزاد فيه قول الزهري السابق ذكره عند عبد الرزاق في مصنفه، وزاد أيضًا: قال الزهري: ثم سجد سجدتين بعدما فرغ.
وهذه الزيادة الأخيرة لا تصح من حديث الزهري؛ فإن أصحاب الزهري قد رووا عنه أنه كان ينفي وقوع سجود السهو في هذه الصلاة، معللًا ذلك بأن النبي ﷺ ترك السجود حين استيقن، كما سبق بيان ذلك في رواية صالح بن كيسان.
وأخاف أن يكون هذا بسبب تأخر سماع الرمادي من عبد الرزاق، فإنه متأخر الوفاة عن طبقة الذين سمعوا من عبد الرزاق قبل ذهاب بصره، والله أعلم.
стр. 5143
٦ - ورواه يونس بن يزيد الأيلي، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة، عن أبى هريرة، قال: نسي رسول الله ﷺ ، فسلم في سجدتين، فقال له ذو الشمالين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ قال رسول الله ﷺ : "أصدق ذو اليدين؟ " قالوا: نعم، فقام رسول الله ﷺ فأتم الصلاة.
أخرجه النسائي في المجتبى (٣/ ١٢٢٩/٢٤)، وفي الكبرى (١/ ٥٦٩/٣٠١) و (٢/ ٤٨/ ١١٥٣).
هكذا رواه أبو ضمرة [أنس بن عياض، وهو: ثقة]، عن يونس به مختصرًا.
° ورواه بتمامه: الليث بن سعد: حدثني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني ابن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة؛ أن أبا هريرة، قال: صلى رسول الله ﷺ الظهر أو العصر، فسلم في ركعتين من إحداهما، فقال له ذو الشمالين ابن عبد عمرو بن نضلة الخزاعي، وهو حليف بني زهرة: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ قال رسول الله ﷺ : "لم أنس، ولم تقصر"، قال ذو الشمالين: قوإن بعض ذلك، فاقبل رسول الله ﷺ على الناس، فقال: "أصدق ذو اليدين؟ "، قالوا: نعم، يا رسول الله! فقام رسول الله ﷺ فأتم الصلاة، ولم يحدثني أحد منهم أن رسول الله ﷺ سجد سجدتين وهو جالس في تلك الصلاة، وذلك فيما نرى - والله أعلم - من أجل أن الناس يقنوا رسول الله ﷺ حتى استيقن.
أخرجه الدارمي (١/ ٤٢٠/ ١٤٩٧) (٢/ ٩٣٩/ ١٥٣٨ - ط. المغني)، وابن خزيمة (٢/ ١٢٥/ ١٠٤٢)، وأبو القاسم البغوي في معجم الصحابة (٢/ ٣٥١/ ٩٥١)، والخطيب في تلخيص المتشابه في الرسم (١/ ٣٥).
قال البغوي: "ولا أعلم أسنده عن أبى هريرة غير ليث عن يونس عن الزهري".
قلت: تابعه على وصله معمر وعقيل بن خالد وعبد الرحمن بن نمر اليحصبي، ووصله صالح بن كيسان عن الأربعة وأرسله عن ابن أبى حثمة، واختلفت الرواية على الأوزاعي والمرسل أشبه.
° هكذا رواه أبو صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث عن الليث به، وتابعه عليه:
ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب: حدثني سعيد بن المسيب، وعبيد الله بن عبد الله، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو بكر بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة قال: صلى بنا رسول الله ﷺ الظهر أو العصر،. . . بمثل حديث أبى صالح، إلى قوله: فقام رسول الله ﷺ فأتم الصلاة؛ فلم يذكر كلام الزهري في آخر الحديث.
أخرجه ابن خزيمة (٢/ ١٢٥/ ١٠٤٣)، وابن حبان (٦/ ٢٨ - ٢٩/ ٢٢٥٢) و (٦/ ٤٠١ - ٤٠٢/ ٢٦٨٤)، والبيهقي (٢/ ٣٦٢ - ٣٦٣).
قلت: ورواية أبى ضمرة أنس بن عياض، وعبد الله بن وهب أولى بالصواب، من
стр. 5144
رواية عبد الله بن صالح كاتب الليث؛ وأظن الوهم منه في هذه الزيادة؛ فإنه كان كثير الغلط، وكانت فيه غفلة، وله رواية أخرى عن الليث يأتي ذكرها تدل على عدم ضبطه لهذا الحديث.
° ورواه عن يونس فخلط فيه وأدرج:
أيوبُ بن سويد الرملي [وهو: ضعيف، صاحب مناكير. انظر: التهذيب (١/ ٢٠٤). الميزان (١/ ٢٨٧)]، قال: حدّثنا يونس بن يزيد به؛ إلا أنه زاد في آخره: فقام رسول الله ﷺ فأتم الصلاة، وسجد سجدتين وهو جالس.
أخرجه البزار (١٤/ ١٣٦/ ٧٦٥٣) و (١٤/ ٣٥٦/ ٨٠٥٦)، قال: حدثنا أحمد بن الفرج، قال: نا أيوب به.
وأحمد بن الفرج، أبو عتبة الحجازي الحمصي: ضعفه أهل بلده: محمد بن عوف، وابن جوصاء، وغيرهما، وخفي أمره على الغرباء؛ فحسنوا الرأي فيه، وأهل بلد الرجل أعلم بحاله من غيرهم [انظر: اللسان (١/ ٥٧٥) وغيره].
هكذا أُدرج بعض كلام الزهري في المرفوع، على عكس ما قال الزهري؛ فإن الزهري نفى وقوع سجود السهو، وهذا أدرجه مثبتًا.
• ثم وجدت الدارقطني أخرجه في العلل (٩/ ٣٧٩/ ١٨١٠)، قال: ثنا المحاملي: ثنا أحمد بن الفرج به، بمثل حديث أبى صالح عن الليث بن سعد؛ فالله أعلم.
٧ - ورواه ابن جريج، قال: أخبرني ابن شهاب، عن أبى بكر بن سليمان بن أبى حثمة، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عمن يقنعان بحديثه؛ أن النبي ﷺ صلى ركعتين في صلاة العصر أو صلاة الظهر، ثم سلم، فقال له ذو الشمالين ابن عبد عمرو: يا نبي الله! أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال النبي ﷺ : "لم تقصر، ولم أنس"، فقال له ذو الشمالين: بلى، بأبي يا نبي الله، قد كان بعض ذلك، فالتفت النبي ﷺ إلى الناس فقال: "أصدق ذو اليدين؟ "، قالوا: نعم يا نبي الله، فقام إلى الصلاة حين استيقن رسول الله ﷺ .
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٢٩٧/ ٣٤٤٢). وعلقه ابن عبد البر في التمهيد (١/ ٣٦٦).
هكذا أدرج ابن جريج آخره في الحديث، وإنما هو من قول الزهري.
٨ - ورواه عقيل بن خالد، قال: حدثني ابن شهاب، عن سعيد، وأبي سلمة، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وابن أبى حثمة، عن أبى هريرة؛ أنه قال: "لم يسجد رسول الله ﷺ يومئذٍ قبل السلام ولا بعده".
أخرجه النسائي في المجتبى (٣/ ٢٥/ ١٢٣٢)، وفي الكبرى (١/ ٣٠١ - ٣٠٢/ ٥٧٢) و (٢/ ٤٩/ ١١٥٦).
من طريق شعيب بن الليث [ثقة نبيل فقيه، من أثبت الناس في أبيه. التقريب (٤٣٨)، سؤالات ابن بكير (٥٣)]، عن أبيه الليث بن سعد، عن عقيل به.
هكذا رواه الليث بن سعد عن يونس بن يزيد مطولًا، وعن عقيل بن خالد مختصرًا،
стр. 5145
ويحتمل من الليث مثل ذلك، لسعة مروياته وحفظه وإتقانه، لا سيما مع اختلاف المتن، وشعيب وأبو صالح من خاصة أصحابه، ومن المكثرين عنه، والله أعلم.
٩ - ورواه الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن أبى سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن المسيب، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وابن أبى حثمة، عن أبى هريرة؛ أن رسول الله ﷺ لم يسجد يوم ذي اليدين.
أخرجه ابن خزيمة (٢/ ١٢٦/ ١٠٤٥)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٢٩٥/ ٨٦٨١).
من طريق أبى صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث، وقد سبق الكلام عليه، وهذا عندي من تخليط أبى صالح في إسناد هذا الحديث ومتنه، وهو هنا اختصر الحديث، وأدرج قول الزهري، فجعله من كلام أبى هريرة، وأسقط من إسناده يونس بن يزيد بين الليث وابن شهاب.
قال ابن خزيمة (٢/ ١٢٧) عن أبى صالح: (فإنه سها في الخبر وأوهم الخطأ في روايته، فذكر آخر الكلام الذي هو من قول الزهري مجردًا عن أبى هريرة؛ أن رسول الله ﷺ لم يسجد يوم ذي اليدين، ولم يحفظ القصة بتمامها، والليث في خبره عن يونس قد ذكر القصة بتمامها، وأعلم أن الزهري إنما قال: لم يسجد النبي ﷺ يومئذ، أنه لم يحدثه أحد منهم أن النبي ﷺ سجد يومئذٍ، لا أنهم حدثوه عن أبى هريرة؛ أن النبي ﷺ لم يسجد يومئذٍ".
١٠ - ورواه ابن أبى ذئب، عن الزهري، قال: سألت أهل العلم بالمدينة، فما أخبرني أحد منهم أنه صلاهما؛ يعني: سجدة السهو يوم ذي اليدين.
أخرجه أبو القاسم البغوي في الجعديات (٢٨٥١)، والطحاوي (١/ ٤٥٣).
١١ - ورواه عبد الرحمن بن نمر اليحصبي، قال: وسألت الزهري عن رجل سهى في صلاته؟ فقال: أخبرني سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود؛ أن أبا هريرة قال: سلم رسول الله ﷺ من ثنتين، فقال ذو الشمالين بن عبد بن عمرو بن نضلة: قصرت الصلاة أم نسيت؟. . .، فساق الحديث بنحوه؛ إلى أن قال: فقام رسول الله ﷺ فأتم ما بقي من صلاته.
أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (٤/ ١٢٠/ ٢٨٨٦)، وشيخ الطبراني: أبو عامر محمد بن إبراهيم بن أبى عامر النحوي الصوري: فيه جهالة.
١٢ - قال أبو داود: "ورواه الزبيدي، عن الزهري، عن أبى بكر بن سليمان بن أبى حثمة، عن النبي ﷺ ، قال فيه: ولم يسجد سجدتي السهو".
وقال الدارقطني في العلل (٩/ ٣٧٨/ ١٨١٠): "ورواه الزبيدي وعبد العزيز بن الماجشون، عن الزهري، عن أبى بكر بن سليمان بن أبى حثمة مرسلًا".
* قلت: وحاصل الاختلاف على الزهري في إسناد هذا الحديث أنه قد:
• رواه مالك، والزبيدي، وشعيب بن أبى حمزة، عن الزهري به مرسلًا.
стр. 5146
• ورواه معمر بن راشد، وعقيل بن خالد، ويونس بن يزيد، وعبد الرحمن بن نمر اليحصبي، والليث بن سعد أولا يصح عنه،، عن الزهري به موصولًا.
ورواه صالح بن كيسان موصولًا عن الأربعة، وأرسله عن ابن أبى حثمة.
واختلفت الرواية على الأوزاعي والمرسل أشبه.
ورواه ابن جريج، قال: أخبرني ابن شهاب، عن أبى بكر بن سليمان بن أبى حثمة، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عمن يقنعان بحديثه؛ أن النبي ﷺ .
هكذا اختلف أصحاب الزهري عليه اختلافًا شديدًا، والأقرب أن هذا الاختلاف إنما هو من الزهري نفسه، كما جزم بذلك الحفاظ، وأنه قد اضطرب في إسناده، وغلط في متنه، والله أعلم.
* فحديث الزهري هذا قد تكلم فيه الأئمة من أوجه، وأنه قد غلط فيه في مواضع منه:
° قال الشافعي في الأم (٢/ ٢٨٣ - ط. الوفاء)، وفي اختلاف الحديث (١٠/ ٢٢٩ - الأم): "قال [يعني: المخالف]: أفذو اليدين الذي رويتم عنه؛ المقتول ببدر؟ قلت: لا؛ عمران يسميه الخرباق، ويقول: قصير اليدين، أو مديد اليدين، والمقتول ببدر ذو الشمالين، ولو كان كلاهما ذو اليدين؛ كان اسمًا يشبه أن يكون وافق اسمًا كما تتفق الأسماء".
وأنكر أحمد أن يكون ذو اليدين قتل ببدر [قاله ابن رجب في الفتح (٦/ ٤٦٦)].
وقال مسلم في التمييز ص (١٨٣): "وخبر ابن شهاب هذا في قصة ذي اليدين: وهمٌ، غير محفوظ؛ لتظاهر الأخبار الصحاح عن رسول الله ﷺ في هذا. [ثم ذكر حديث ابن سيرين عن أبى هريرة، وحديث ابن عمر، وحديث عمران بن حصين، ثم قال:] كل هؤلاء ذكروا في حديثهم أن رسول الله ﷺ حين سها في صلاته يوم ذي اليدين سجد سجدتين بعد أن أتم الصلاة"، ثم قال: "فقد صح بهذه الروايات المشهورة المستفيضة في سجود رسول الله ﷺ يوم ذي اليدين: أن الزهري واهمٌ في روايته؛ إذ نفى ذلك في خبره من فعل رسول الله ﷺ ".
وقد نقل بعضهم في ذلك عن مسلم قوله: "قول ابن شهاب: إنه [ ﷺ ]، لم يسجد يوم ذي اليدين: خطأ وغلط، وقد ثبت سجوده من رواية الثقات ابن سيرين وغيره" [شرح البخاري لابن بطال (٣/ ٢٢٢)، الفتح لابن رجب (٦/ ٤٥٨)، البدر المنير (٤/ ٢١٧)].
وقال محمد بن يحيى الذهلي: "وهذه الأسانيد عندنا محفوظة عن أبى هريرة؛ إلا حديث أبى بكر بن سليمان بن أبى حثمة؛ فإنه يتخالج في النفس منه أن يكون مرسلًا؛ لرواية مالك، وشعيب، وصالح بن كيسان، وقد عارضهم معمر، فذكر في الحديث أبا هريرة، والله أعلم" [عند ابن خزيمة (٢/ ١٢٧)].
وقال ابن خزيمة: "فقوله في خبر محمد بن كثير عن الأوزاعي في آخر الخبر: ولم
стр. 5147
يسجد سجدتي السهو حين لقنه الناس، إنما هو من كلام الزهري، لا من قول أبى هريرة، ألا ترى محمد بن يوسف لم يذكر هذه اللفظة في قصته، ولا ذكره ابن وهب عن يونس، ولا الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن بن عمرو، ولا أحد ممن ذكرت حديثهم، خلا أبى صالح عن الليث عن ابن شهاب؛ فإنه سها في الخبر وأوهم الخطأ في روايته، فذكر آخر الكلام الذي هو من قول الزهري مجردًا عن أبى هريرة؛ أن رسول الله ﷺ لم يسجد يوم ذي اليدين، ولم يحفظ القصة بتمامها، والليث في خبره عن يونس قد ذكر القصة بتمامها، وأعلم أن الزهري إنما قال: لم يسجد النبي ﷺ يومئذ، أنه لم يحدثه أحد منهم أن النبي ﷺ سجد يومئذ، لا أنهم حدثوه عن أبى هريرة؛ أن النبي ﷺ لم يسجد يومئذ، وقد تواترت الأخبار عن أبى هريرة من الطرق التي لا يدفعها عالم بالأخبار أن النبي ﷺ سجد سجدتي السهو يوم ذي اليدين"، ثم قال ابن خزيمة: "قد أمليت خبر شعبة عن سعد بن إبراهيم عن أبى سلمة عن أبى هريرة، وطرق أخبار يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة عن أبى هريرة، وطرق أخبار محمد بن سيرين عن أبى هريرة، وخبر داود بن الحصين عن أبى سفيان مولى ابن أبى أحمد عن أبى هريرة؛ أن النبي ﷺ سجد يوم ذي اليدين سجدتي السهو".
وقال أبو عوانة (١/ ٥١٣): "قال بعض الناس: ذو اليدين وذو الشمالين واحد، ويحتجون بحديث رواه الزهري، فقال فيه: فقام ذو الشمالين، فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله؟ ويطعنون في هذا الحديث بأن ذا الشمالين قتل يوم بدر، وأن أبا هريرة لم يدركه؛ لأنه أسلم قبل وفاة النبي ﷺ بثلاث سنين أو أربع، وليس كما يقولون؛ وذلك: أن ذا اليدين ليس هو ذو الشمالين؛ لأن ذا اليدين رجل قد سماه بعضهم الخرباق، عاش بعد النبي ﷺ ، ومات بذي خشب على عهد عمر، وذو الشمال هو ابن عمرو حليف لبني زهرة، وقد صح في هذه الأحاديث أنه صلى مع النبي ﷺ تلك الصلاة".
وقال ابن بطال في شرح البخاري (٣/ ٢٢٢): "وقد اضطرب الزهري في رواية حديث ذي اليدين، فجعله ذا الشمالين المقتول ببدر، وترك العلماء حديثه".
وقال البيهقي في السنن (٢/ ٣٥٨): "وهذا حديث مختلف فيه على الزهري، فرواه صالح بن كيسان هكذا، وهو أصح الروايات فيما نرى، حديثه عن ابن أبى حثمة مرسل، وحديثه عن الباقين موصول، وأرسله مالك بن أنس عنه عن ابن أبى حثمة وابن المسيب وأبي سلمة، وأسنده يونس بن يزيد عنه عن جماعتهم دون روايته عن ابن أبى حثمة، وأسنده معمر عنه عن أبى سلمة وأبي بكر بن سليمان بن أبى حثمة"، قلت: بل هو اضطراب من الزهري نفسه.
ثم قال بعد ذلك: "قال الزهري: ثم اسجد سجدتين بعد ما تفرغ، وهذا يدل على أنه لم يسمعهم ذكروا له سجدتيه وقد سجدهما، حتى أخبر به عن نفسه، واختلف على ابن أبى ذئب عن سعيد المقبري عن أبى هريرة ﵁ في هذه القصة، وقد ثبت عن محمد بن
стр. 5148
سيرين عن أبى هريرة ﵁، ثم عن سعد بن إبراهيم عن أبى سلمة عن أبى هريرة ﵁؛ أن النبي ﷺ سجدهما".
وقال في المعرفة (٢/ ١٨٦): "وهذا حديث مختلف فيه على الزهري، فرواه عنه مالك هكذا مرسلًا عن هؤلاء الثلاثة، وأسنده معمر بن راشد عنه عن أبى سلمة وأبي بكر بن سليمان عن أبى هريرة، وأسنده يونس بن يزيد عنه عن سعيد وأبي سلمة وأبي بكر بن عبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله أن أبا هريرة قال: صلى لنا رسول الله ﷺ ، ورواه صالح بن كيسان فأرسل حديثه عن أبى بكر بن أبى حثمة وأسند إليه حديثه عن الباقين، وكان محمد بن يحيى الذهلي يميل إلى تصحيح هذه الرواية.
وفي متن هذا الحديث تقصير من وجهين: إحداهما: في ذكر ذي الشمالين، وإنما هو ذو اليدين، ذو الشمالين تقدم موته فيمن قتل ببدر، وذو اليدين بقي بعد النبي ﷺ فيما يقال. والآخر: في ترك ذكر سجدتي السهو فيه، وكان الزهري لا يحفظهما في حديثهم، وكان قد بلغه ذلك من وجه آخر، روى عنه معمر هذا الحديث ثم قال في آخره: قال الزهري: ثم اسجد سجدتين بعدما تفرغ، ورواه سعد بن إبراهيم وهو من الأثبات عن أبى سلمة عن أبى هريرة، قال: صلى لنا رسول الله ﷺ الظهر أو العصر فذكره، وقال فيه: ذو اليدين، وقال في آخره: ثم سجد سجدتي السهو، وأخرجه البخاري في الصحيح، ورواه يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة عن أبى هريرة، قال: بينما أنا أصلي مع رسول الله ﷺ صلاة الظهر فذكره، وقال فيه: ذو اليدين رجل من بني سليم، ثم لم يحفظ يحيى السجود فيه عن أبى سلمة، فقال: وحدثني ضمضم أنه سمع أبا هريرة يقول: ثم سجد رسول الله ﷺ سجدتين، والحديث مخرج في كتاب مسلم دون سياق تمام متنه، وفي هذا كل دلالة على شهود أبى هريرة القصة، وأن قول من قال: قوله: صلى بنا، يعني: صلى بالمسلمين؛ إن جاز ذلك فيه مع ترك الظاهر لم يجز في قوله: بينما أنا أصلي مع رسول الله ﷺ ، وفيما ذكرنا دلالة على أن النبي ﷺ سجد سجدتي السهو في قصة ذي اليدين، ولا يفعلان إلا بعد تحريم الكلام، والسلام بمنزلة الكلام إذا وقع في غير موضعه، وفيه دلالة على أن الذي أخبره إنما هو ذو اليدين، ومن قال فيه: ذو الشمالين، فقد وهم، والله أعلم".
وقال ابن عبد البر في التمهيد (١/ ٣٤٣): "وليس في حديث مالك هذا السلام من سجدتي السهو، وذلك محفوظ في غيره،. . .، وقد كان ابن شهاب ينكر أن يكون رسول الله ﷺ سجد يوم ذي اليدين، ولا وجه لقوله ذلك؛ لأنه قد ثبت عن النبي ﷺ في هذا الحديث وغيره؛ أنه سجد يومئذ بعد السلام".
وقال في التمهيد أيضًا (١/ ٣٦٣)، وفي الاستذكار (١/ ٥٥١): "وممكن أن يكون رجلان أو ثلاثة يقال لكل واحد منهم: ذو اليدين وذو الشمالين، ولكن المقتول يوم بدر غير الذي تكلم في حديث أبى هريرة إلى النبي ﷺ حين سها فسلم من اثنتين، وهذا قول أهل الحذق والفهم من أهل الحديث والفقه"، ثم أسند إلى مسدد بن مسرهد قوله: "الذي
стр. 5149
قتل يوم بدر إنما هو ذو الشمالين ابن عبد عمرو، حليف لبني زهرة، وهذا ذو اليدين رجل من العرب كان يكون بالبادية فيجيء فيصلي مع النبي ﷺ ".
وقال أيضًا (١/ ٣٦٤): "وأما قول الزهري في هذا الحديث أنه ذو الشمالين؛ فلم يتابع عليه، وحمله الزهري على أنه المقتول يوم بدر، وقد اضطرب على الزهري في حديث ذي اليدين اضطرابًا أوجب عند أهل العلم بالنقل تركه من روايته خاصة"، ثم ذكر الاختلاف عليه فيه، ثم قال: وهذا اضطراب عظيم من ابن شهاب في حديث ذي اليدين، وقال مسلم بن الحجاج في كتاب التمييز له: قول ابن شهاب؛ أن رسول الله ﷺ لم يسجد يوم ذي اليدين سجدتي السهو خطأ وغلط، وقد ثبت عن النبي ﵇ أنه سجد سجدتي السهو ذلك اليوم من أحاديث الثقات ابن سيرين وغيره.
قال أبو عمر: لا أعلم أحدًا من أهل العلم والحديث المنصفين فيه عوَّل على حديث ابن شهاب في قصة ذي اليدين لاضطرابه فيه، وأنه لم يقم له إسنادًا ولا متنًا، وإن كان إمامًا عظيمًا في هذا الشأن، فالغلط لا يسلم منه أحد، والكمال ليس لمخلوق، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي ﷺ ، فليس قول ابن شهاب أنه المقتول يوم بدر حجة؛ لأنه قد تبين غلطه في ذلك،. . .
قال أبو عمر: ذو الشمالين المقتول يوم بدر: خزاعي، وذو اليدين الذي شهد سهو النبي ﵇: سلمي" [وقال نحوه في الاستذكار (١/ ٥٥٢)، وانظر أيضًا: الاستيعاب (٢/ ٤٧٦)].
وقال القاضي عياض في إكمال المعلم (٢/ ٥١٥): "وفي رواية ابن شهاب: ذو الشمالين رجل من بني زهرة، وبسبب هذه الكلمة ذهب الحنفيون إلى أن حديث ذي اليدين منسوخ بحديث ابن مسعود، قالوا: لأن ذا الشمالين قتل يوم بدر فيما ذكره أهل السير، وهو من بني سليم، فهو ذو اليدين المذكور في الحديث، وهذا لا يصح لهم، وإن كان قُتلَ ذو الشمالين يوم بدر فليس هو بالخرباق، هو رجل آخر حليف لبني زهرة، اسمه: عمير بن عبد عمرو من خزاعة؛ بدليل رواية أبى هريرة حديث ذي اليدين ومشاهدته خبره، ولقوله: صلى بنا رسول الله ﷺ ، وذكر الحديث، واسلام أبى هريرة بخيبر بعد يوم بدر بسنين، فهو غير ذي الشمالين المستشهد يوم بدر، وقد عدوا قول ابن شهاب فيه هذا من وهمه".
وقال ابن رجب في الفتح (٦/ ٤٥٨): "الذي يظهر - والله أعلم -: أن الزهري روى هذا الحديث عن سعيد وأبي سلمة وغيرهما، من غير ذكر سجود السهو بنفي ولا إثبات، وأن الزهري أتبع ذلك بقوله من عنده: لم يسجد النبي ﷺ يومئذٍ للسهو، فهذا مما أرسله الزهري وأدرجه في الحديث، فمن اقتصر على هذا القدر من حديث الزهري ووصله فقد وهم؛ لأنه أسند المدرج بانفراده، وقد ذكر الزهري أنه لم يخبره بالسجود أحدٌ من أهل العلم بالمدينة، فكان ينفي السجود لهذا، وهذا بمجرده لا يبطل رواية الحفاظ الأثبات للسجود".
стр. 5150
ثم قال: "وقد روي عن الزهري أنه حمل ترك السجود للسهو في هذه القصة على أحد وجهين: أحدهما: أنه قال: كان هذا قبل أن يشرع سجود السهو، فروى عنه معمر أنه قال: كان هذا قبل بدر ثم استحكمت الأمور، والثاني: أنه كان يرى أنه لم يسجد يومئذٍ للسهو؛ لأن الناس يقَّنوا النبي ﷺ حتى استيقن، وكلا الوجهين ضعيف، أما الأول؛ فلأن أبا هريرة شهد هذه القصة، وكان إسلامه بعد بدر بكثير،. . .، وأما الثاني؛ فمضمونه أنه إنما يسجد للسهو إذا استدام الشك، فأما إذا تيقن الأمر، وعمل عليه، فإنه لا يسجد، وإن كان قد زاد في الصلاة، وهذا مذهب غريب".
[وانظر أيضًا: الجرح والتعديل (٣/ ٤٤٧)، خلاصة الأحكام للنووي (٢١٩٣ - ٢١٩٥)، رياض الأفهام للفاكهاني (٢/ ٣٥٧)، الفتح لابن حجر (٣/ ٩٦)].
° وحديث يحيى بن أبى كثير:
رواه علي بن المبارك، وشيبان بن عبد الرحمن النحوي، وأبان بن يزيد العطار، وحرب بن شداد [وهم ثقات]:
عن يحيى بن أبى كثير، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة، قال: بينما أنا أصلي مع رسول الله ﷺ صلاة الظهر؛ فسلم رسول الله ﷺ من ركعتين، فقام رجل من بني سليم [وفي رواية أبان: يقال له ذو اليدين، وكان طويل اليدين]، فقال: يا رسول الله! أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال رسول الله ﷺ : "لم تقصر، ولم أنس" [وفي رواية أحمد: ولم أنسه، بهاء السكت]، فقال: يا رسول الله! إنما صليت ركعتين، فقال رسول الله ﷺ : "أحقٌّ ما يقول ذو اليدين؟ "، قالوا: نعم، فقام فصلى بهم ركعتين [آخرتين]، وهذا لفظ شيبان.
أخرجه مسلم (٥٧٣/ ٩٩ و ١٠٠)، وأبو عوانة (١/ ٥١٣/ ١٩١٩ و ١٩٢٠)، وأبو نعيم في المستخرج (٢/ ٢٦٨/ ١١٧٤)، والنسائي في الكبرى (١/ ٣٠٠/ ٥٦٧ و ٥٦٨)، واللفظ له، وابن خزيمة (٢/ ١١٩/ ١٠٣٨)، وأحمد (٢/ ٤٢٣)، وأبو بكر النيسابوري في الزيادات على المزني (٥٩)، والطحاوي (١/ ٤٤٥)، وابن حزم في المحلى (٤/ ٥)، والبيهقي (٢/ ٣٥٧)، وابن عبد البر في التمهيد (١/ ٣٥٧).
قلت: جاء في حديث يحيى بن أبى كثير هذا تعيين هذه الصلاة بأنها الظهر، جزمًا بغير شك، وقد سبق بيان أنه لم يترجح عندي شيء في حديث ابن سيرين عن أبى هريرة، وأن المحفوظ فيه: إحدى صلاتي العشي، بغير تعيين، وإن كان جاء في بعض الطرق الثابتة عن ابن سيرين تغليب الظن بأنها الظهر، فيعتضد غلبة الظن هذا بجزم يحيى بن أبى كثير بأنها الظهر، وكذلك بروايتي سعد بن إبراهيم ومحمد بن عمرو بن علقمة الآتيتين، والله أعلم.
° وحديث عمران بن أبى أنس:
رواه جماعة من الثقات، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبى حبيب، عن عمران بن
следующие страницы →