Полный текст (16 465 стр.). Показаны 5986–6025 · переход к 5991.
стр. 5986
* ولم ينفرد الزهري بهذا الحديث عن عروة:
١ - فقد رواه مالك بن أنس، وعبد اللَّه بن نمير، وعبدة بن سليمان، وعبد اللَّه بن المبارك، ومحمد بن بشر العبدي، وزائدة بن قدامة، وعيسى بن يونس، وسفيان الثوري [وعنه: أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي، ومؤمل بن إسماعيل]، ومحمد بن فضيل، وسفيان بن عيينة، ومعمر بن راشد، وحماد بن سلمة، وأبو معاوية محمد بن خازم الضرير، ومحمد بن إسحاق:
عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: خسفت الشمس في عهد رسول اللَّه ﷺ ، فقام رسول اللَّه ﷺ يصلي، فأطال القيام جدًا، ثم ركع، فأطال الركوع جدًا، ثم رفع رأسه، فأطال القيام جدًا، وهو دون القيام الأول، ثم ركع فأطال الركوع جدًا، وهو دون الركوع الأول، ثم سجد [قال ابن المبارك: ثم انحدر بالسجود فسجد]، ثم قام، فأطال القيام وهو دون القيام الأول، ثم ركع، فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول، ثم رفع رأسه، فقام فأطال القيام وهو دون القيام الأول، ثم ركع، فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول، ثم سجد [قال ابن المبارك: فانحدر بالسجود فسجد]، ثم انصرف رسول اللَّه ﷺ وقد تجلت الشمس، فخطب الناس، فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال: "إن الشمس والقمر من آيات اللَّه، وأنهما لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فكبروا، وادعوا اللَّه، وصلوا، وتصدَّقوا، يا أمة محمد! إنْ مِن أحدٍ أغيرَ من اللَّه أن يزني عبده، أو تزني أمته، يا أمة محمد! واللَّه لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرًا، ولضحكتم قليلًا، ألا هل بلغت؟ ". لفظ ابن نمير وابن المبارك، وقريب منه لفظ عبدة، وفي رواية مالك وابن المبارك وزائدة وعيسى: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات اللَّه".
وزاد أبو معاوية [عند مسلم]: "أما بعد، فإن الشمس والقمر من آيات اللَّه"، وزاد أيضًا: ثم رفع يديه، فقال: "اللَّهُمَّ هل بلغت".
ولفظ ابن فضيل [عند أحمد (٦/ ٣٢)] مختصر، وبدون الخطبة.
أخرجه البخاري (١٠٤٤ و ١٠٥٨ و ٥٢٢١ و ٦٦٣١)، ومسلم (٩٠١/ ١ و ٢)، وأبو عوانة (٢/ ٩٨/ ٢٤٤٦ و ٢٤٤٧) و (٢/ ١٠٥/ ٢٤٦٦)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ٤٨٦/ ٢٠٢٧ و ٢٠٢٨)، ومالك في الموطأ (١/ ٢٦٠/ ٥٠٧)، وأبو داود (١١٨٧ و ١١٩١)، والنسائي في المجتبى (٣/ ١٣٢/ ١٤٧٤) و (٣/ ١٥٢/ ١٥٠٠)، وفي الكبرى (٢/ ٣٣٩/ ١٨٧٢) و (٢/ ٣٥٣/ ١٩٠٠) و (٧/ ١٦٢/ ٧٧٠٦ - النعوت). وفي الرقاق من الكبرى (١١/ ٥٧٨/ ١٧١٦٧ - تحفة) (١١/ ٥٤٥/ ٢٦٩ - ط. التأصيل) (١٠/ ٣٧٨/ ١١٧٦٨ - ط. الرسالة). والدارمي (١/ ٤٣٢/ ١٥٢٩) (١٦٧٣ - ط. البشائر). وابن خزيمة (٢/ ٣١٤/ ١٣٧٨ م) و (٢/ ٣٢٢/ ١٣٩١) و (٢/ ٣٢٤/ ١٣٩٥)، وابن حبان (٧/ ٨٩/ ٢٨٤٥) و (٧/ ٩٠/ ٢٨٤٦)، وابن الجارود (٢٥٠)، والحاكم (١/ ٣٣٤) (٢/ ١٣٤/ ١٢٥٨ - ط. الميمان). وأحمد (٦/ ٣٢ و ١٦٤ و ١٦٨)، والشافعي في الأم (٧/ ١٦٩)، وفي السنن (٤٦ و ٥١)،
стр. 5987
وفي اختلاف الحديث (٢٠١)، وفي المسند (٧٨ و ١٧٧ و ٣٥١)، وإسحاق بن راهويه (٢/ ١٢٠/ ٥٩٥) و (٢/ ١٢١/ ٥٩٦) و (٢/ ١٤٩/ ٦٤١)، وعبد الرزاق (٣/ ٩٦/ ٤٩٢٢)، والحميدي (١٨٠)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢١٧/ ٨٣٠٢ و ٨٣٠٣)، وإسماعيل القاضي في الخامس من مسند حديث مالك (٢٢)، وأبو بكر ابن أبي داود في مسند عائشة (٦٩)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٣٥٧/ ٢٩١٢)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٣٢٧)، وفي المشكل (١٠/ ٤٤٠/ ٤٢٣٨)، والطبراني في الدعاء (٢٢٢٥ و ٢٢٤٤)، والجوهري في مسند الموطأ (٧٥٢)، وابن منده في التوحيد (٨٧٧)، وابن بشران في الأمالي (١١٩١)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/ ٢٨٦)، والبيهقي في السنن (٣/ ٣٢٢ و ٣٣٨ و ٣٤٥) و (١٠/ ٢٦)، وفي المعرفة (٣/ ٧٣/ ١٩٦٨)، وفي الدعوات (٥٥٢)، وفي الأسماء والصفات (٣/ ٤٥)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٤/ ٣٧٤/ ١١٤٢)، وقال: "هذا حديث متفق على صحته". وفي الشمائل (٦٥٢).
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بهذا اللفظ، فوهم في استدراكه.
وانظر فيمن وهم في إسناده على الثوري: علل الدارقطني (١٤/ ١٦٧/ ٣٥٠٩).
* وروى عمر بن حفص السدوسي [ثقة. الثقات (٨/ ٤٤٧)، وتاريخ بغداد (١١/ ٢١٦)، وتاريخ الإسلام (٢٢/ ٢١٤)، والثقات لابن قطلوبغا (٧/ ٢٧٩)]، وأحمد بن علي الخزاز [هو: أحمد بن علي بن الفضيل أبو جعفر الخزاز المقرئ البغدادي: ثقة. سؤالات الحاكم (١٣)، وتاريخ بغداد (٥/ ٤٩٦)، ومعرفة القراء الكبار (١٦٩)]:
ثنا عاصم بن علي: ثنا الليث بن سعد، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة، قالت: خسفت الشمس على عهد رسول اللَّه ﷺ . . . فذكر الحديث، وقال فيه: "فإذا رأيتم ذلك فادعوا اللَّه، وصلوا، وتصدَّقوا، وأعتقوا".
أخرجه الحاكم (١/ ٣٣٢) (٢/ ١٢٨/ ١٢٤٩ - ط. الميمان). والبيهقي (٣/ ٣٤٠).
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين".
وقال البيهقي: "ولفظ الإعتاق في رواية هشام عن أبيه عن عائشة: غريب، والمشهور: عن هشام عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر أن النبي ﷺ أمر بذلك".
قلت: وهو كما قال، وهو حديث منكر، تفرد به عاصم بن علي الواسطي عن الليث بن سعد، ولم يتابع عليه عن الليث على كثرة أصحابه، كما تفرد فيه بلفظة الإعتاق، دون جماعة الثقات الحفاظ الذين رووه عن هشام بن عروة بدونها، وقد تقدم ذكرهم، وإنما تُعرف هذه اللفظة من حديث هشام، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر ﵄، قالت: كان النبي ﷺ يأمر بالعَتَاقة في صلاة الكسوف [وهو حديث صحيح، أخرجه البخاري، ويأتي برقم (١١٩٢)]، وبقية الحديث إنما هو لهشام عن أبيه عن عائشة،
стр. 5988
ولا يحتمل مثل هذا من عاصم بن علي الواسطي؛ فهو صدوق، وقد تكلم فيه ابن معين، وأفحش فيه القول حتى اتهمه بالكذب، وأورده ابن عدي في ضعفائه، وذكر له ثلاثة أحاديث استنكرها عليه؛ أحدها: غريب، والثاني: وهم، والثالث: منكر، ثم قال: "لا أعرف له شيئًا منكرًا في رواياته إِلا هذه الأحاديث التي ذكرتها،. . . "، قلت: ويضاف إليها هذا الحديث، حيث وهم في إسناده ومتنه، وخالف جمعًا كبيرًا من الحفاظ [التهذيب (٢/ ٢٥٦)، والكامل (٨/ ٢٠٢ - ط. الرشد)].
٢ - وروى أبو داود السجستاني [ثقة حافظ، مصنف إمام]، والحسن بن أحمد بن الليث الرازي [شيخ للعقيلي وابن أبي حاتم، وقال الأخير: "كتبت عنه، وهو ثقة". الجرح والتعديل (٣/ ٢)، وتاريخ الإسلام (٢١/ ١٥٠)، والثقات لابن قطلوبغا (٣/ ٣٤٦)]:
قال الرازي: ثنا عبيد اللَّه بن سعد: ثنا عمي: ثنا أبي، عن ابن إسحاق، قال: حدثني هشام بن عروة، وعبد اللَّه بن أبي سلمة، عن سليمان بن يسار، كلًّا قد حدثني عن عروة، عن عائشة، قالت: كسفت الشمس على عهد رسول اللَّه ﷺ ، فخرج رسول اللَّه ﷺ فصلى بالناس، فحزرت قراءته فرأيت أنه قرأ سورة البقرة، [قال أبو داود: وساق الحديث]، ثم سجد سجدتين، ثم قام فأطال القراءة، فحزرت قراءته فرأيت أنه قرأ سورة آل عمران.
أخرجه أبو داود (١١٨٧) (٧٥/ أ - رواية اللؤلؤي بخط ابن حجر) (٥١/ ب - رواية ابن داسة). والحاكم (١/ ٣٣٣) (٢/ ١٣٢/ ١٢٥٤ - ط. الميمان) (١/ ١٥٨/ أ - رواق المغاربة). وعنه: البيهقيّ في السنن (٣/ ٣٣٥) (٧/ ٣٩/ ٦٤١٤ - ط. التركي). وفي المعرفة (٣/ ٨٨/ ١٩٨٩) (٥/ ١٥٢/ ٧١٣٩ - ط. قلعجي).
وانظر فيمن نقل هذا الإسناد عن أبي داود، ووقع له سقط في إسناده: معالم السنن (١/ ٢٢٢)، والتمهيد (٣/ ٣٠٨).
تنبيه: وقع في التحفة (١١/ ٣١٢/ ١٦٣٤٥) وفي طبعة المكنز (١١٨٧): "حدثني هشام بن عروة، وعبد اللَّه بن أبي سلمة، وسليمان بن يسار"، عطف الثلاثة في نسق واحد، وجعل الثلاثة شيوخًا لابن إسحاق، سمع منهم جميعًا هذا الحديث عن عروة عن عائشة.
ووقع عند البيهقيّ في المعرفة من طريق أبي داود: "حدثني هشام بن عروة، وعبد اللَّه بن أبي سلمة، وعن سليمان بن يسار".
وقد وجدت بالتتبع أن عبد اللَّه بن أبي سلمة الماجشون معروف بالرواية عن سليمان بن يسار، وأن محمد بن إسحاق إنما يروي عن سليمان بن يسار بواسطة، فتارة يدخل بينهما: عمران بن أبي أنس، وتارة: محمد بن عمرو بن عطاء، وتارة: يعقوب بن عتبة، وتارة: بكير بن عبد اللَّه بن الأشج، بل وتارة يدخل رجلين، فيروي عن يزيد بن أبي حبيب عن بكير بن عبد اللَّه بن الأشج عن سليمان بن يسار (ن ٤٩٣٥) [انظر على سبيل
стр. 5989
المثال لا الحصر: الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد (٦٤)، ومصنف ابن أبي شيبة (٢/ ٣٤٧/ ٩٧٧٣) و (٣/ ٥٢٦/ ١٦٧٦١) و (٦/ ٢٩٧/ ٣١٥٩٥)، ومسند ابن أبي شيبة (٦٢٧)، ومسند إسحاق (٤/ ٢٢١/ ٢٠٢٩)، ومسند أحمد (٣/ ٦٧) و (٤/ ٣٧) و (٥/ ٤٣٦) و (٦/ ٣٣٢)، ومسند عبد بن حميد (١٥٤٨)، ومسند الدارمي (٢/ ١٧٤/ ٢١٦٣) و (٢/ ٢١٧/ ٢٢٧٣)، وأخبار المدينة (١/ ٢٢٥/ ٧٦٣)، وسنن أبي داود (١٦٩٠ و ٢٢١٣)، وسنن ابن ماجه (١٩٣٠ و ٢٠٦٢ و ٢٠٦٤)، وجامع الترمذي (١١٩٨ و ٣٢٩٩)، وعلل الترمذي الكبير (٢٧٨ و ٣٠٦)، والآحاد والمثاني (٤/ ٢٠١/ ٢١٨٥)، وسنن النسائي (٤/ ١٨٦/ ٢٣٠٢) و (٨/ ٨١/ ٤٩٣٥)، ومسند أبي يعلى (٢/ ٣٧٧/ ١١٤٣) و (٢/ ٤٥٦/ ١٢٦٨)، ومنتقى ابن الجارود (٧٤٤)، وتهذيب الآثار (٣/ ٧٧/ ١٣٨ - مسند علي). صحيح ابن خزيمة (٣/ ٣١٢/ ٢١٥٣) و (٤/ ٧٣/ ٢٣٧٨)، وغيرها كثير].
قلت: وعلى هذا: فإن هذا الحديث إنما رواه ابن إسحاق عن هشام بن عروة.
وعن عبد اللَّه بن أبي سلمة الماجشون عن سليمان بن يسار.
كلاهما: هشام وسليمان، عن عروة، عن عائشة به.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، إنما اتفقا على حديث الزهري وهشام عن عروة بلفظ آخر".
قال البيهقي: "ورواه أبو داود عن عبيد اللَّه بن سعد في كتاب السنن، إِلا أنه قال: في الركعة الأولى، بعد قولها بسورة البقرة: وساق الحديث، ثم سجد سجدتين، وفي ذلك دليل على أنه قصد بهذا الحديث وصف القراءة دون وصف عدد الركوع والقيام".
قلت: هذا الحديث من فرائب ابن اسحاق، فلا يُعرف من حديث سليمان بن يسار، ولا من حديث عبد اللَّه بن أبي سلمة الماجشون، إِلا من طريق ابن إسحاق.
وسليمان بن يسار يروي عن عائشة وسمع منها، وروايته عنها في الصحيحين وغيرهما [راجع التحفة (١١/ ٢٢٠ - ٢٢٢)]، وعبد اللَّه بن أبي سلمة: روى عن عائشة ولم يسمع منها [تحفة التحصيل (١٧٧)]، وقد سمع منه ابن إسحاق [مسند أحمد (٥/ ٣٠٦)].
ثم هو غريب من حديث هشام بن عروة بهذا السياق، فقد رواه جماعة من الحفاظ عن هشام بن عروة به، فلم يذكروا فيه حزر القراءة في الأولى بسورة البقرة، وفي الثانية بسورة آل عمران، وقد وقع التصريح بالجهر بدون تعيين السور في رواية الزهري عن عروة، والحاصل: أنه حديث غريب، واللَّه أعلم.
* ولم ينفرد به عروة، بل تابعته عمرة بنت عبد الرحمن، وكذلك أبو حفصة مولى عائشة:
أ - فرواه مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وسليمان بن بلال، ويحيى بن سعيد القطان، وحماد بن زيد، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وعمرو بن الحارث، وأبو خالد الأحمر سليمان بن حيان، وأبو معاوية محمد بن خازم الضرير،
стр. 5990
وعبد الرحمن بن محمد المحاربي، وشعبة بن الحجاج [وعنه: محمد بن بكر البرساني، والعباس بن الوليد النرسي، وهما ثقتان، وأبو جابر محمد بن عبد الملك، وهو: ليس بقوي، له عن شعبة ما لا يتابع عليه]:
عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي ﷺ ؛ أن يهودية جاءت تسألها، فقالت: أعاذكِ اللَّه من عذاب القبر، فسألت عائشةُ رسولَ اللَّه ﷺ : أيُعذَّب الناسُ في قبورهم؛ فقال رسول اللَّه ﷺ : "عائذًا باللَّه من ذلك"، ثم ركب رسول اللَّه ﷺ ذات غداةٍ مركبًا، فخسفت الشمس، فرجع ضحًى، فمرَّ بين ظهراني الحُجَر [كذا قال مالك، وفي رواية سليمان: قالت عائشة: فخرجتُ في نسوة بين ظهري الحُجَر في المسجد، وبنحوه رواه الجماعة وألفاظهم متقاربة]، ثم قام يصلي، وقام الناس وراءه، فقام قيامًا طويلًا، ثم ركع ركوعًا طويلًا، ثم رفع فقام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا وهو دون الركوع الأول، ثم رفع فسجد، ثم قام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا وهو دون الركوع الأول، ثم رفع فقام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا وهو دون الركوع الأول، ثم رفع ثم سجد، ثم انصرف، فقال ما شاء اللَّه أن يقول، ثم أمرهم أن يتعوَّذوا من عذاب القبر. لفظ مالك، وسياقه في صفة الصلاة أتم.
وزاد في حديث سليمان بن بلال [عند مسلم]: "إني قد رأيتكم تُفتَنون في القبور كفتنة الدجال"، قالت عمرة: فسمعت عائشة، تقول: فكنت أسمع رسول اللَّه ﷺ بعد ذلك يتعوذ من عذاب النار وعذاب القبر.
ورواه بنحوه عمرو بن الحارث، ويحيى بن سعيد القطان، وحماد بن زيد، وسفيان بن عيينة، وعبد الوهاب الثقفي، وفي آخر رواية حماد وأبي خالد الأحمر: سمعته يقول: "اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من عذاب النار".
ووقع في رواية ابن عيينة في آخرها: فسجد سجودًا طويلًا، ثم رفع فسجد سجودًا طويلًا وهو دون السجود الأول، ثم فعل في الثانية مثل ذلك، فكانت صلاته أربع ركعاتٍ في أربع سجداتٍ. والشاهد منه: النص على إطالة السجود، واللَّه أعلم.
ولفظ الثوري مختصر [عند البخاري وعبد الرزاق].
أخرجه البخاري (١٠٤٩ و ١٠٥٠ و ١٠٥٥ و ١٠٥٦ و ١٠٦٤)، ومسلم (٩٠٣)، وأبو عوانة (١/ ١٣٢/ ٣٩٤) و (٢/ ٩٩ - ١٠١/ ٢٤٥١ - ٢٤٥٥)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ٤٨٩/ ٢٠٣٥)، ومالك في الموطأ (١/ ٢٦٢/ ٥٠٩)، والنسائي في المجتبى (٣/ ١٣٣/ ١٤٧٥) و (٣/ ١٣٤/ ١٤٧٦) و (٣/ ١٣٥/ ١٤٧٧) و (٣/ ١٥١/ ١٤٩٩) و (٤/ ١٠٥/ ٢٠٥٦) و (٨/ ٢٧٤/ ٥٥٠٤)، وفي الكبرى (١/ ٢٧٥/ ٥٠٧) و (٢/ ٣٣٩/ ١٨٧٣) و (٢/ ٣٤٠/ ١٨٧٤) و (٢/ ٣٤١/ ١٨٧٥) و (٢/ ٣٥٣/ ١٨٩٩) و (٢/ ٤٧٨/ ٢٢٠٣) و (٧/ ١٤٩/ ٧٦٧٤) و (٧/ ٢٢٩/ ٧٨٨٨)، والدارمي (١/ ٤٣٠/ ١٥٢٧) و (٤٣٢/ ١٥٣٠) (١٦٧١ و ١٦٧٤ - ط.
стр. 5991
البشائر). وابن خزيمة (٢/ ٣١/ ٨٥١) و (٢/ ٣١٣/ ١٣٧٨) و (٢/ ٣٢١/ ١٣٩٠)، وابن حبان (٧/ ٨١/ ٢٨٤٠)، وأحمد (٦/ ٥٣)، والشافعي في الأم (٧/ ١٦٨)، وفي السنن (٤٨ و ٥٠)، وفي اختلاف الحديث (٢٠٠)، وفي المسند (٧٨ و ١٧٨ و ٣٥١)، وعبد الرزاق (٣/ ٩٧/ ٤٩٢٣ و ٤٩٢٤)، والحميدي (١٧٩)، وإسماعيل القاضي في الخامس من مسند حديث مالك (٨٢)، والبزار (١٨/ ٢٤٣ و ٢٤٤/ ٢٧٠ - ٢٧٣)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٢/ ٥٩٠/ ٨٨٢ - مسند عمر) و (٢/ ٥٩١/ ٨٨٣ - مسند عمر). وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٣٠٠/ ٢٩٠٠) و (٥/ ٣٠٦/ ٢٩١٠)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١٧٦ و ٣٢٧)، وفي المشكل (١٣/ ١٩١/ ٥١٩٥ و ٥١٩٦)، وأبو بكر الدينوري في المجالسة وجواهر العلم (٣٤٩٥)، وأبو محمد الفاكهي في فوائده عن ابن أبي مسرة (١٥٦)، والآجري في الشريعة (٨٤٤)، والطبراني في الدعاء (٢٢٢٢)، والجوهري في مسند الموطأ (٧٩٢)، وابن أبي زمنين في أصول السُّنَّة (٨٢)، وتمام في الفوائد (١١٥٨)، والبيهقي في السنن (٣/ ٣٢٣)، وفي المعرفة (٣/ ٧٣ و ٧٤/ ١٩٦٩ - ١٩٧١)، وفي إثبات عذاب القبر (١٧٧ و ١٧٨)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٤/ ٣٧٢/ ١١٤١).
• تنبيه: لفظ ابن عيينة [عند النسائي (١٤٧٧) مختصرًا]: أن رسول اللَّه ﷺ صلى في كسوفٍ في صُفَّة زمزم، أربع ركعاتٍ في أربع سجدات. هكذا رواه عن ابن عيينة مختصرًا بذكر الصُّفُّة: عبدة بن عبد الرحيم، وهو: صدوق، فوهم في ذلك؛ وإنما يروى ذلك من فعل ابن عباس [كما سيأتي بيانه عند الحديث رقم (١١٨٣)]، وقد رواه ثقات أصحاب ابن عيينة: الحميدي، وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي، وعبد الرزاق، عن ابن عيينة مطولًا بنحو رواية الجماعة بدون ذكر الصفة، ورواه عنه ببعضه: قتيبة بن سعيد، بدونها أيضًا، فدل ذلك على نكارة هذه الزيادة التي استدل بها بعضهم على أن النبي ﷺ صلى الكسوف بمكة، وإنما كانت صلاة الكسوف بالمدينة عام توفي إبراهيم ابن رسول اللَّه ﷺ ، في السنة العاشرة، واللَّه أعلم.
ووقع لأبي معاوية فيه وهم آخر بسبب اختصار الحديث، كما [وهم اختصار المحاربي له معنى جديدًا؛ فإذا رُدَّ إلى أصله ظهر معناه [عند البزار (٢٧٠ و ٢٧٣)]، واللَّه أعلم.
• ورواه أبو يعلى (٨/ ٢٥٣/ ٤٨٤١)، من وجه آخر عن عمرة عن عائشة به، وفيه بعض الزيادات التي ليست من حديث عمرة، انفرد بها: ابن لهيعة، وهو: ضعيف.
* وروي نحو هذا أو قريب منه من حديث أم سفيان، ولا يثبت [أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٦/ ١٧٤/ ٣٤٠٢)، والطبراني في الكبير (٢٥/ ١٦١/ ٣٩١)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٦/ ٣٥١٥/ ٧٩٦١)] [وفي إسناده: موسى بن عبد الرحمن راويه عن أم سفيان، وهو في عداد المجاهيل، ذكره ابن حبان في أتباع التابعين، وقال: "يروي المقاطيع". الجرح والتعديل (٨/ ١٥٠)، والثقات (٧/ ٤٥٤)].
стр. 5992
ب - ورواه أبو معاوية شيبان بن عبد الرحمن النحوي، وعلي بن المبارك:
عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو حفصة مولى عائشة؛ أن عائشة أخبرته؛ أنه لما كسفت الشمس على عهد رسول اللَّه ﷺ توضأ، وأمر فنودي أنِ: الصلاةُ جامعةٌ، فقام فأطال القيام في صلاته، قالت عائشة: فحسبت قرأ سورة البقرة، ثم ركع فأطال الركوع، ثم قال: "سمع اللَّه لمن حمده"، ثم قام مثل ما قام، ولم يسجد، ثم ركع فسجد، ثم قام فصنع مثل ما صنع؛ ركعتين وسجدة، ثم جلس، وجُلِّي عن الشمس.
أخرجه النسائي في المجتبى (٣/ ١٣٧/ ١٤٨١)، وفي الكبرى (٢/ ٣٤٣/ ١٨٧٩) [(٣/ ٣٢٥/ ٢٠٥١) و (٣/ ٣٢٨/ ٢٠٥٧) ط. التأصيل]. وأحمد (٦/ ٩٨ و ١٥٨).
وهذا حديث صحيح، إسناده متصل، سمع بعضهم من بعض، ورجاله ثقات؛ غير أبي حفصة مولى عائشة، قال الدارقطني: "وأبو حفصة مولى عائشة: مجهول، لا أعلم حدث به عنه غير يحيى بن أبي كثير، فيُخرَّج حديث الكسوف إذا حسُن طريقه إلى يحيى"، قلت: قد ثبت الطريق إلى يحيى، ولم يات أبو حفصة في روايته بما يستنكر، بل تابعه عليها أصحاب عائشة: عروة بن الزبير، وعمرة بنت عبد الرحمن، والراوي عنه: يحيى بن أبي كثير: ثقة ثبت إمام، لا يروي عن ثقة، قال أبو حاتم: "يحيى بن أبي كثير: إمام، لا يحدث إِلا عن ثقة" [الجرح والتعديل (٩/ ١٤٢)] [انظر ترجمة أبي حفصة: الكنى للبخاري (٢٦)، والجرح والتعديل (٩/ ٣٦٣)، وسؤالات البرقاني (٦١٧)، وفتح الباب (٢٤١٦)، والتهذيب (٤/ ٥١٣)].
• فإن قيل قد اختلف على يحيى بن أبي كثير في إسناد هذا الحديث؛ وإنما هو حديث عبد اللَّه بن عمرو، كما أخرجه الشيخان؛
فيقال: قد كان عند يحيى فيه إسنادان:
• الأول: رواه أبو معاوية شيبان بن عبد الرحمن النحوي [ثقة، من أثبت أصحاب يحيى]، وعلي بن المبارك [ثقة، من أصحاب يحيى]:
عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو حفصة مولى عائشة؛ أن عائشة أخبرته؛ أنه لما كسفت الشمس،. . . فذكر الحديث.
• والثاني: رواه أيضًا أبو معاوية شيبان بن عبد الرحمن النحوي [وهو محفوظ عنه بالوجهين]، وعلي بن المبارك [وهو محفوظ عنه بالوجهين]، ومعاوية بن سلام [دمشقي، ثقة]، وحجاج بن أبي عثمان الصواف [ثقة حافظ]:
عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عبد اللَّه بن عمرو؛ أنه قال: لما كسفت الشمس على عهد رسول اللَّه ﷺ ، [فأمر فـ] نودي: إنَّ الصلاةَ جامعةٌ، فركع النبي ﷺ ركعتين في سجدة، ثم قام، فركع ركعتين في سجدة، ثم جلس، ثم جُلِّي عن الشمس، قال: وقالت عائشة ﵂: [ما ركعت ركوعًا قطُّ، و] ما سجدت سجودًا قطٌّ كان أطول منها.
стр. 5993
أخرجه البخاري (١٠٤٥ و ١٠٥١)، ومسلم (٩١٠)، وأبو عوانة (٢/ ٩٣/ ٢٤٣٣) و (٢/ ٩٤/ ٢٤٣٤ و ٢٤٣٥)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ٤٩٤/ ٢٠٤٤ و ٢٠٤٥)، والنسائي في المجتبى (٣/ ١٣٦/ ١٤٧٩)، وفي الكبرى (٢/ ٣٤٢/ ١٨٧٧) [(٣/ ٣٢٧/ ٢٠٥٥) و (٣/ ٣٢٩/ ٢٠٥٨) ط. التأصيل]. وابن خزيمة (٢/ ٣١١/ ١٣٧٥ و ١٣٧٦)، وأحمد (٢/ ١٧٥ و ٢٢٠)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢١٩/ ٨٣٢٣)، والبزار (٦/ ٣٤٧/ ٢٣٥٦)، وأبو بكر الشافعي في فوائده "الغيلانيات" (٨٢٣)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٣٨٢/ ١٤١٩٩)، وفي مسند الشاميين (٤/ ٩٧/ ٢٨٣٧)، والبيهقي في السنن (٣/ ٣٢٠ و ٣٢٣)، وفي المعرفة (٣/ ٧٥/ ١٩٧٢ و ١٩٧٣)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٤/ ٣٦٨/ ١١٣٩) و (٤/ ٣٦٩/ ١١٣٩ م)، وقال: "هذا حديث متفق على صحته". وفي الشمائل (٦٥١).
* وقد اختلف فيه على معاوية بن سلام:
• فرواه مروان بن محمد الطاطري [دمشقي ثقة، إمام]، ويحيى بن صالح الوحاظي [حمصي، ثقة]، ويحيى بن حسان التنيسي [ثقة]، وهشام بن سعيد الطالقاني [نزيل بغداد، صدوق]، ومحمد بن المبارك الصوري [نزيل دمشق، ثقة]، ومحمد بن حمير [بن أنيس الحمصي: لا بأس به]:
عن معاوية بن سلام، قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عبد اللَّه بن عمرو، قال: خسفت الشمس على عهد رسول اللَّه ﷺ ، فأمر فنودي: الصلاة جامعة، فصلى رسول اللَّه ﷺ بالناس ركعتين وسجدة، ثم قام فصلى ركعتين وسجدة، قالت عائشة: ما ركعت ركوعًا قطُّ، ولا سجدت سجودًا قطُّ كان أطول منه.
• ورواه أيضًا: محمد بن حمير [لا بأس به]، عن معاوية بن سلام، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي طعمة، عن عبد اللَّه بن عمرو، قال:. . . فذكر نحوه مرفوعًا.
أخرجه النسائي في المجتبى (٣/ ١٣٧/ ١٤٨٠)، وفي الكبرى (٢/ ٣٤٢/ ١٨٧٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٦/ ٣٤٩).
وهذه الرواية وهم؛ إما من محمد بن حمير، وإما من معاوية بن سلام نفسه؛ لأن ابن حمير قد رواه عنه بالوجهين، وتصرف النسائي يدل على تخطئة ابن حمير في روايته، فقد قال النسائي بعد أن ذكر رواية ابن حمير: "خالفه علي بن المبارك"، فأتبعه برواية أبي حفصة مولى عائشة، وعادة النسائي إذا ذكر الخلاف أن ينتهي بالصواب، واللَّه أعلم.
والحاصل: أن هذا الحديث لا يصح من حديث أبي طعمة عن عبد اللَّه بن عمرو، وإنما صح ليحيى بن أبي كثير فيه إسنادان:
أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن عبد اللَّه بن عمرو.
وأبو حفصة مولى عائشة، عن عائشة.
° ومن فقه هذا الحديث:
• قوله في رواية ابن المبارك من حديث الزهري عن عروة عن عائشة: ثم استفتح
стр. 5994
بسورة أخرى، قال ابن رجب في الفتح (٦/ ٤٠٢): "في هذا السياق: ما يستدل به على أنه لم يقرأ الفاتحة في قيامه الثاني من كل ركعة".
وذكر ابن دقيق العيد في الإحكام (٢/ ١٤٢) بان من قال: أربع ركعات في ركعتين، هو: "متمسك من قال من أصحاب مالك: أنه لا يقرأ الفاتحة في الركوع الثاني؛ من حيث أنه أطلق على الصلاة ركعتين، واللَّه أعلم".
وإن كان جمهور من قال بهذه الهيئة على قراءة الفاتحة في كل قيام قبل السورة، ولم يأت نص على ذلك فيما صح من أحاديث الكسوف [راجع: الإعلام (٤/ ٢٩٤ و ٣٠٩)].
• قال ابن الملقن في الإعلام (٤/ ٢٧٣): "يؤخذ من الحديث أنه لا يؤذن لها ولا يقام، وهو اتفاق، وأنه ينادى لها: الصلاة جامعة، وهو حجة لمن استحبه".
• ترجم ابن المنذر في الأوسط (٥/ ٣٠٨) لحديث هشام بن عروة بقوله: "ذكر الخطبة بعد صلاة الكسوف"، ثم قال: "وممن أثبت الخطبة بعد صلاة الخسوف من أصحابنا: الشافعي، وإسحاق، وعامة أصحابنا؛ إِلا مالكًا، فإنه قال: ليس للكسوف خطبة، وهذه غفلة منه؛ لأنه ممن روى حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة؛ أن النبي ﷺ صلى بالناس صلاة الخسوت ثم خطب، والأخبار إذا ثبتت لم يضرها تخلُّف من تخلَّف عن القول بها".
وقال ابن الملقن في الاعلام (٤/ ٢٩٨) عن شرعية الخطبة بعد صلاة الكسوف: "وهو ظاهر الدلالة في أن لصلاة الكسوف خطبة، وبه قال الشافعي وابن جرير، وفقهاء أصحاب الحديث،. . .، ولم ير ذلك مالك وأبو حنيفة وأحمد، ووافقنا أحمد في رواية".
وانظر: الفتح لابن حجر (٢/ ٥٣٤)، والمغني (٣/ ٣٢٨).
• ومن ذلك: أن صلاة الكسوف والخسوف للشمس والقمر من ذوات الأسباب، لا تعلق لها بأوقات النهي، لقوله ﷺ في الحديث: "إن الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحدٍ ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات اللَّه يريهما عباده، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة"، فأطلق الأمر بالصلاة، ولم يقيده بقيد، وإنما علقه بالرؤية، فلا وقت يحرُم فيه صلاةٌ أَمرَ بها رسول اللَّه ﷺ [قاله الشافعي في الأم (١/ ٢٧٨)].
• ومن ذلك: أن صلاة الكسوف تصلى في المسجد، لا في المصلى، فقد دلت الأحاديث على ذلك، ولأن إقامتها في المساجد فيه تحصيل لها بالاسراع في إقامتها، وعدم تفويتها قبل انجلاء الشمس، بخلاف الصحراء.
• ومن ذلك: مشروعية الجهر في صلاة الكسوف، كما دل عليه صريحًا حديث عائشة، وما عورض به فهو محتمل للتأويل، ويأتي بيان ذلك في موضعه.
• ومن ذلك: مشروعية شهود النساء لصلاة الكسوف.
• ومن ذلك: مشروعية الصلاة والصدقة والذكر والتكبير والدعاء والاستغفار والعتق، كما دل عليه مجموع ما صح من أحاديث الكسوف.
стр. 5995
• ومن ذلك: إبطال ما يعتقده أهل الجاهلية من تأثير النيرين والكواكب.
• ومن ذلك: أن الكسوف والخسوف يقعان تخويفًا للعباد، قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩]، وقد صح ذلك في عدد من الأحاديث في الصحيحين، منها: حديث أبي موسى مرفوعًا: "إن هذه الآيات التي يرسل اللَّه لا تكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن اللَّه يرسلها يخوِّف بها عباله، فإذا رأيتم منها شيئًا فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره"، ومنها: حديث أبي مسعود الأنصاري، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن الشمس والقمر آيتان من آيات اللَّه، يخوف اللَّه بهما عباده، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد من الناس، فإذا رأيتم منها شيئًا فصلوا، وادعوا اللَّه حتى يكشف ما بكم"، ومنها: حديث أبي بكرة: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات اللَّه، وإنهما لا يخسفان لموت أحد، [ولكن اللَّه تعالى يخوِّف بها عباده]، وإذا كان ذاك فصلوا وادعوا حتى يُكشف ما بكم"، ويأتي تخريجها تحت الحديث رقم (١١٩٥).
• ومن ذلك: مشروعية الصلاة بنفس الهيئة والكيفية لخسوف القمر، لقوله ﷺ : "فأيهما خُسِف به أو بأحدهما فافزعوا إلى اللَّه بذكر الصلاة"، واللَّه أعلم.
قال ابن المنذر بعد حديث أبي مسعود الأنصاري الآتي ذكره تحت الحديث رقم (١١٩٥): "وفي هذا من البيان ما لا يشكل على من سمعه أن يصلي لكسوف القمر"، ثم أنكر على من لم يقل بالصلاة لخسوف القمر، فقال: "وهذه غفلة منه، والسنة دالة على القول الأول".
* * *
١١٨١ - . . . ابن شهاب، قال: كان كثيرُ بن عباس يحدث؛ أن عبد اللَّه بن عباس كان يحدث؛ أن رسولَ اللَّه ﷺ صلى في كسوفِ الشمس، مثل حديث عروة، عن عائشة، عن رسول اللَّه ﷺ ؛ أنه صلى ركعتين في كل ركعة ركعتين.
* حديث متفق على صحته
أخرجه البخاري (١٠٤٦)، ومسلم (٩٠٢)، وأبو عوانة (٢/ ١٠٢/ ٢٤٥٧)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ٤٨٧/ ٢٠٣١) و (٢/ ٤٨٨/ ٢٠٣٢)، والنسائي في المجتبى (٣/ ١٢٩/ ١٤٦٩)، وفي الكبرى (١/ ٢٧٧/ ٥١٢) و (٢/ ٣٣٥/ ١٨٦٥)، وابن حبان (٧/ ٧١/ ٢٨٣١) و (٧/ ٨١/ ٢٨٣٩)، وأحمد (٦/ ٨٧)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١/ ٣٩٧/ ٢٩٣)، والطحاوي (١/ ٣٣٢)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٢٧٤/ ١٠٦٤٥)، وفي مسند الشاميين (٤/ ١٢٧/ ٢٩٠٧)، والدارقطني (٢/ ٦٣)، والبيهقي في السنن (٣/ ٣٢٢)، وفي المعرفة (٣/ ٧١/ ١٩٦٥) و (٣/ ٧٢/ ١٩٦٦).
رواه عن الزهري: عقيل بن خالد، وشعيب بن أبي حمزة، ومحمد بن الوليد
стр. 5996
الزبيدي، ويونس بن يزيد، والأوزاعي، وعبد الرحمن بن نمر، وغيرهم.
وفي رواية عبد الرحمن بن نمر [عند مسلم والنسائي]، والأوزاعي [عند النسائي]: قال الزهري: وأخبرني كثير بن عباس، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ؛ أنه صلى [يوم كسفت الشمس] أربع ركعاتٍ في ركعتين، وأربع سجداتٍ.
• وانظر في الأوهام: ما أخرجه الشافعي في اختلاف الحديث (٢٠٢)، والطبراني في الأوسط (٩/ ٧٤/ ٩١٦٢)، والبيهقي في المعرفة (٣/ ٧١/ ١٩٦٤).
* تابع كثيرَ بن عباس عليه؛ عطاءُ بن يسار:
رواه مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد اللَّه بن عباس؛ أنه قال: خسفت الشمس، فصلى رسول اللَّه ﷺ ، والناس معه، فقام قيامًا طويلًا نحوًا من سورة البقرة، قال: ثم ركع ركوعًا طويلًا، ثم رفع فقام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم قام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا وهو دون الركوع الأول، ثم رفع فقام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم انصرف وقد تجلَّت الشمس، فقال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات اللَّه، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا اللَّه"، قالوا: يا رسول اللَّه! رأيناك تناولت شيئًا في مقامك هذا، ثم رأيناك تكعكعت، فقال: "إني رأيتُ الجنة، فتناولت منها عنقودًا، ولو أخذته [وفي رواية: ولو أصبته] لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيتُ النارَ فلم أر كاليوم منظرًا قطُّ [أفظع]، ورأيت أكثر أهلها النساء"، قالوا: لم يا رسول اللَّه؛ قال: "لكفرهن"، قيل: أيكفرن باللَّه؛ قال: "يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنتَ الى إحداهنَّ الدهرَ كله، ثم رأت منك شيئًا، قالت: ما رأيتُ منك خيرًا قطُّ".
أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٢٦١/ ٥٠٨)، ومن طريقه: البخاري (٢٩ و ٤٣١ و ٧٤٨ و ١٠٥٢ و ٣٢٠٢ و ٥١٩٧)، ومسلم (٩٠٧)، وأبو عوانة (٢/ ١٠٢/ ٢٤٥٨)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ٤٩٢/ ٢٠٤١)، وأبو داود (١١٨٩)، مختصرًا. والنسائي في المجتبى (٣/ ١٤٦/ ١٤٩٣)، وفي الكبرى (٢/ ٣٤٩/ ١٨٩١) [(٣/ ٣١٨/ ٢٠٤١) و (٣/ ٣٤٠/ ٢٠٧٦) ط. التأصيل]. والدارمي (١/ ٤٣١/ ١٥٢٨)، وا بن خزيمة (٢/ ٣١٢/ ١٣٧٧)، وابن حبان (٧/ ٧٢/ ٢٨٣٢) و (٧/ ٩٦/ ٢٨٥٣)، وابن الجارود (٢٤٨)، وأحمد (١/ ٢٩٨ و ٣٥٨)، والشافعي في الأم (١/ ٢٤٢) و (٧/ ١٦٩)، وفي السنن (٤٧)، وفي اختلاف الحديث (١٩٩)، وفي المسند (٧٧ و ١٧٧)، وعبد الرزاق (٣/ ٩٨/ ٤٩٢٥)، والبزار (١١/ ٤٢٩/ ٥٢٨٦)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٢٩٦/ ٢٨٩٢)، وفي الإقناع (٢٧)، والطحاوي (١/ ٣٢٧)، وأبو بكر النيسابوري في الزيادات على المزني (١٣١)، والطبراني في الدعاء (٢٢٢٦)، والجوهري في مسند الموطأ (٣٤٥)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٦/ ١١٩٣/ ٢٢٦٢)، والبيهقي في السنن (٣/ ٣٢١ و ٣٣٥) و (٧/ ٢٩٤)،
стр. 5997
وفي المعرفة (٢/ ١١٤/ ١٠٣٩) و (٣/ ٧٠/ ١٩٦٢) و (٣/ ٧١/ ١٩٦٣)، وإسماعيل الأصبهاني في الحجة (٢/ ٤٤٢/ ٤٢٥)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٤/ ٣٦٩/ ١١٤٠)، وقال: "هذا حديث متفق على صحته".
رواه عن مالك: عبد اللَّه بن مسلمة القعنبي (٣٥١)، وعبد اللَّه بن يوسف التنيسي، والشافعي، وأبو مصعب الزهري (٦٠٦)، وعبد الرحمن بن القاسم (١٧١ - تلخيص القابسي)، وعبد اللَّه بن وهب، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن يحيى الليثي، وروح بن عبادة، وإسحاق بن عيسى الطباع، وعبد الرزاق بن همام، وإسماعيل بن أبي أويس، ومطرف بن عبد اللَّه، وعبد اللَّه بن نافع الصائغ، وسويد بن سعيد الحدثاني (١٩٢).
قال ابن عبد البر في التمهيد (٣/ ٣٢٣) والاستذكار (٢/ ٤٢٠): المحفوظ فيه عن مالك من رواية ابن القاسم وابن وهب والقعنبي وعامة رواة الموطأ قال: "يكفرن العشير"، بغير واو، وهو الصحيح في المعنى".
وقال ابن حجر في الفتح (٢/ ٥٤٢): "ووقع في موطأ يحيى بن يحيى الأندلسي، قال: "ويكفرن العشير" بزيادة واو، واتفقوا على أن زيادة الواو غلط منه".
* تابع مالكًا عليه:
حفص بن ميسرة [وعنه: سويد بن سعيد]، قال: حدثني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس، قال: انكسفت الشمس. . .، فساق الحديث بطوله، وقال: رأيناك كففت، بدل: تكعكعت.
أخرجه مسلم (٩٠٧).
قلت: وحفص وسويد، وإن كان تكلم فيهما [انظر ترجمة حفص في فضل الرحيم (٥/ ٢٠٦/ ٤٢٤)، وترجمة سويد تحت الحديث رقم (١٠٩٦)]، إِلَّا أن روايتهما متابعة لرواية مالك، فدل ذلك على استقامة حديثهما هذا، وأنهما ضبطاه، ولم يخالفا فيه الثقات؛ لذا أخرجه مسلم.
* وروي من طريق آخر فيه ضعف:
رواه إسحاق بن يوسف، عن شريك، عن خصيف، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: كسفت الشمس، فقام رسول اللَّه ﷺ وأصحابه، فقرأ سورة طويلة ثم ركع، ثم رفع رأسه فقرأ ثم ركع، وسجد سجدتين، ثم قام فقرأ وركع، ثم سجد سجدتين، أربع ركعات وأربع سجدات في ركعتين.
أخرجه أحمد (١/ ٢١٦).
خصيف بن عبد الرحمن الجزري، وشريك بن عبد اللَّه النخعي: صدوقان، سيئا الحفظ، والمتن محفوظ.
° هكذا صح عن رسول اللَّه ﷺ في صلاة الكسوف، أنه صلاها ركعتين، في كل ركعة ركوعان فقط، من حديث جابر بن عبد اللَّه [تقدم برقم (١١٧٩)]، ومن حديث عائشة [تقدم
стр. 5998
برقم (١١٨٠)]، ومن حديث عبد اللَّه بن عمرو [تقدم تحت الحديث رقم (١١٨٥)]، ومن حديث ابن عباس [وهو هذا الحديث برقم (١١٨١)].
* وقد صح ذلك أيضًا من حديث أسماء بنت أبي بكر:
رواه نافع بن عمر الجمحي، قال: حدثني ابن أبي مليكة، عن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄؛ أن النبي ﷺ صلى صلاة الكسوف، فقام فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم قام فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع ثم سجد، فأطال السجود، ثم رفع ثم سجد، فأطال السجود، ثم قام فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع فسجد، فأطال السجود، ثم رفع ثم سجد، فأطال السجود، ثم انصرف، فقال: "قد دنت مني الجنة، حتى لو اجترأت عليها، لجئتكم بقِطاف من قِطافها، ودنت مني النار حتى قلت: أي ربِّ! وأنا معهم! فإذا امرأة -حسبت أنه قال:- تخدشها هرةٌ، قلت: ما شأن هذه؛ قالوا: حبستها حتى ماتت جوعًا، لا [هي] أطعمتها، ولا [هي] أرسلتها تأكل" -قال نافع: حسبت أنه قال: "من خُشَيش- أو: خَشاش الأرض".
أخرجه البخاري (٧٤٥ و ٢٣٦٤)، والنسائي في المجتبى (٣/ ١٥١/ ١٤٩٨)، وفي الكبرى (٢/ ٣٥٢/ ١٨٩٨) [(٣/ ٣٤٣/ ٢٠٨٢) و (٣/ ٣٤٦/ ٢٠٨٦) ط التأصيل]. وابن ماجه (١٢٦٥)، وأحمد (٦/ ٣٥٠ و ٣٥١) (١٢/ ٦٥١٨/ ٢٧٦٠٥ - ط. المكنز) و (١٢/ ٦٥١٩/ ٢٧٦٠٦ - ط. المكنز). والطبراني في الكبير (٢٤/ ٩٤/ ٢٥٢).
* ورواه يونس بن محمد المؤدب، وسريج بن النعمان، ويحيى بن صالح الوحاظي: ثنا فليح، عن محمد بن عباد بن عبد اللَّه بن الزبير، عن أسماء بنت أبي بكر؛ أنها قالت: خسفت الشمس زمان رسول اللَّه ﷺ ،. . . فذكر الحديث بطوله، وفيه: "فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة، وإلى ذكر اللَّه والصدقة". كذا في رواية يونس.
وأما رواية سريج عند أحمد فهي مطولة جدًا، وكذا رواية الوحاظي عند الطبراني وفي أولها اختصار، وقد اشتملت على زيادات منكرة، منها قوله: قالت: فصليت معهم، وقد كان رسول اللَّه ﷺ فرغ من سجدته الأولى،. . . [يعني: أنها فاتتها ركعة، ثم شرعت في وصف الركعة الثانية]، ومنها قوله: ثم رقى المنبر، كما ذكر في الخطبة ألفاظًا لم يروها الثقات من حديث أسماء، دمان كانت قد صحت من حديث غيرها في خطبة الكسوف، ومنها قوله في آخر الخطبة: ". . . قيل له: أجل، على الشكِّ عشتَ، وعليه متَّ، هذا مقعدك من النار، وإن قال: أشهد أن لا إله إِلَّا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه، قيل: على اليقين عشتَ، وعليه متَّ، هذا مقعدك من الجنة، وقد أريت خمسين أو سبعين ألفًا يدخلون الجنة في مثل صورة القمر ليلة البدر"، فقام إليه رجل، فقال: ادع اللَّه أن يجعلني منهم، قال: "اللهُمَّ اجعله منهم، أيها الناس! انكم لن تسألوني عن شيء حتى أَنزل إِلَّا أخبرتكم به"، فقام رجل، فقال: من أبي؛ قال: "أبوك فلان"، الذي كان ينسب إليه.
стр. 5999
أخرجه ابن خزيمة (٢/ ٣٢٨/ ١٤٠٠)، وأحمد (٦/ ٣٥٤) (١٢/ ٦٥٢٦/ ٢٧٦٣٤ - ط. مكنز). والطبراني في الكبير (٢٤/ ٩٠/ ٢٤٠).
قلت: هو حديث منكر بهذا السياق، وفليح بن سليمان: ليس به بأس، له أوهام وغرائب كثيرة، وهذا منها.
ويأتي ذكر بقية طرق أسماء قريبًا برقم (١١٩٢).
• وروي من حديث ابن عمر:
رواه مسلم بن خالد الزنجي [ليس بالقوي، كثير الغلط، قال البخاري وأبو حاتم: "منكر الحديث" التهذيب (٤/ ٦٨)]، ويحيى بن سليم [الطائفي: صدوق، سيئ الحفظ، كثير الغلط]، وداود بن عبد الرحمن العطار [ثقة]، وعدي بن الفضل [متروك]:
عن إسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن الشمس انكسفت لموت عظيم من العظماء [وفي رواية الزنجي: أن الشمس كسفت يوم مات إبراهيم ابن رسول اللَّه ﷺ ، فظن الناس أنها كسفت لموته]، فخرج النبي ﷺ فصلى بالناس، فأطال القيام حتى قيل: لا يركع؛ من طول القيام، ثم ركع، حتى قيل: لا يرفع؛ من طول الركوع، ثم رفع، فأطال القيام نحوًا من قيامه الأول، ثم ركع، فأطال الركوع كنحو ركوعه الأول، ثم رفع رأسه فسجد، ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك، فكانت أربع ركعات وأربع سجدات، ثم أقبل على الناس، فقال: "أيها الناس! إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات اللَّه، فإذا رأيتموهما فافزعوا الى الصلاة". لفظ عدي، وبنحوه لفظ يحيى بن سليم، وزاد الزنجي في آخره: "وإلى ذكر اللَّه، وادعو وتصدقوا"، وليس في روايته ذكر عدد الركوع ولا صفة الصلاة، واقتصر العطار على المرفوع القولي، وهو المحفوظ.
أخرجه ابن خزيمة (٢/ ٣٢٨/ ١٤٠٠)، والحاكم (١/ ٣٣١) (٢/ ١٢٧/ ١٢٤٦ - ط. الميمان). والبزار (١٢/ ٢١٣/ ٥٩١٠ و ٥٩١١)، والطحاوي (١/ ٣٢٧)، والطبراني في الدعاء (٢٢١٩).
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه".
وانظر فيمن وهم في إسناده وقلبه: ما أخرجه البيهقي في السنن (٣/ ٣٢٤)، وفي المعرفة (٣/ ٧٦/ ١٩٧٥)، والذهبي في السير (١٠/ ٦٠).
قلت: هو حديث غير محفوظ بهذا السياق، وقد اقتصر منه داود العطار ومسلم بن خالد الزنجي على آخره دون صفة الصلاة؛ فإنها لا تحفظ من حديث ابن عمر في الكسوف، وإنما المحفوظ عنه المرفوع القولي.
• فقد رواه ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن عبد الرحمن بن القاسم، حدثه عن أبيه، عن ابن عمر ﵄؛ أنه كان يخبر عن النبي ﷺ : "إن الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحدٍ ولا لحيانه، ولكنهما آيتان من آيات اللَّه، فإذا رأيتموها فصلوا".
стр. 6000
أخرجه البخاري (١٠٤٢ و ٣٢٠١)، ومسلم (٩١٤)، وأبو عوانة (٢/ ٩٢/ ٢٤٣١)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ٤٩٦/ ٢٠٤٩)، والنسائي في المجتبى (٣/ ١٢٥/ ١٤٦١)، وفي الكبرى (٢/ ٣٣٢/ ١٨٥٧)، وابن حبان (٧/ ٦٨/ ٢٨٢٨)، وأحمد (٢/ ١٠٩ و ١١٨)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٢٧٤/ ١٣٠٩٥)، والدارقطني (٢/ ٦٥)، والبيهقي في السنن (٣/ ٣٣٧)، وفي بيان من أخطأ على الشافعي (١٩٥).
• وروي من حديث أبي هريرة:
يرويه محمد بن عبيد اللَّه بن عبد العظيم [الكريزي، بصري، قاضي الديار المضرية، قال النسائي: "لا بأس به"، وذكره ابن حبان في الثقات. تسمية شيوخ النسائي (٢٢)، وتاريخ الرقة (٣٩٢)، والثقات (٩/ ١٤٥)، وتاريخ الإسلام (١٩/ ٣٠٢) (٦/ ١٨٣ - ط. الغرب). إكمال التهذيب لمغلطاي (١٠/ ٢٦٦)، والتهذيب (٣/ ٦٣٨)]، قال: حدثني إبراهيم سَبَلان [هو إبراهيم بن زياد البغدادي: ثقة، صاحب عباد بن عباد المهلبي]، قال: حدثنا عباد بن عباد المهلبي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: كسفت الشمس على عهد رسول اللَّه ﷺ ، فقام فصلى للناس فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم قام فأطال القيام وهو دون القيام الأول، ثم ركع فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول، ثم سجد فأطال السجود، ثم رفع، ثم سجد فأطال السجود وهو دون السجود الأول، ثم قام فصلى ركعتين وفعل فيهما مثل ذلك، ثم سجد سجدتين يفعل فيهما مثل ذلك، حتى فرغ من صلاته، ثم قال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات اللَّه، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر اللَّه وإلى الصلاة".
أخرجه النسائي في المجتبى (٣/ ١٣٩/ ١٤٨٣)، وفي الكبرى (٢/ ٣٤٤/ ١٨٨١).
قال النسائي: أخبرني محمد بن عبيد اللَّه بن عبد العظيم به.
قلت: وهذا حديث غريب؛ وإسناده من لدن محمد بن عمرو بن علقمة فمن فوقه: إسناد مدني جيد، ولا يُعلُّ بحديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عبد اللَّه بن عمرو [المتقدم ذكره في آخر الحديث السابق]، بدعوى سلوك الجادة، وذلك لاختلاف السياق بين الحديثين، ومحمد بن عمرو مختص بأبي سلمة، كثير الرواية عنه، لكنه غريب من حديثه، تفرد به عنه أحد الغرباء دون بقية أصحابه على كثرتهم.
فإن عباد بن عباد المهلبي: بصري، ثقة، إِلا أن له أوهامًا تُكُلِّم فيه بسببها [التهذيب (٢/ ٢٧٨)، والميزان (٢/ ٣٦٧)، وعلل ابن أبي حاتم (٣١٤)] [وانظر بعض أوهامه فيما تقدم تحت الحديث رقم (٩٣٧)، والحديث رقم (١٠٦٦)]، فلعل هذا الحديث من أوهامه، واللَّه أعلم.
* * *
١١٨٢ - قال أبو داود: حدثنا أحمد بن الفرات بن خالد أبو مسعود الرازي: أخبرنا محمد بن عبد اللَّه بن أبي جعفر الرازي، عن أبيه، عن أبي جعفر الرازي.
стр. 6001
قال أبو داود: وحُدِّثت عن عمر بن شقيق: حدثنا أبو جعفر الرازي، وهذا لفظه وهو أتم، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبي بن كعب، قال: انكسفت الشمس على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وإن النبي ﷺ صلى بهم، فقرأ بسورةٍ من الطُّوَل، وركع خمس ركعاتٍ، وسجد سجدتين، ثم قام الثانية، فقرأ سورةً من الطُّوَل، وركع خمس ركعاتٍ، وسجد سجدتين، ثم جلس كما هو مستقبل القبلة يدعو حتى انجلى كسوفها.
* حديث منكر
* هكذا أبهم أبو داود من حدثه بهذا الحديث عن عمر بن شقيق، وقد وصله جماعة عن روح بن عبد المؤمن [وهو: ثقة]، عن عمر بن شقيق به [وعمر: روى عنه جماعة، وذكره ابن حبان في الثقات، وأورده ابن عدي في الضعفاء، وقال: "قليل الحديث"، وقال الذهبي: "مقارب الحديث". التهذيب (٣/ ٢٣٣)، والمغني (٢/ ٤٦٩)، والميزان (٣/ ٢٠٥)، وقال: "فيه لين"].
أخرجه عبد اللَّه بن أحمد في زياداته على مسند أبيه (٥/ ١٣٤)، وأبو يعلى في المعجم (١٦٨)، والطبراني في الأوسط (٦/ ٩٩/ ٥٩١٩)، وفي الدعاء (٢٢٣٧)، وابن عدي في الكامل (٥/ ٤٤)، والبيهقي (٣/ ٣٢٩) (٧/ ٢٨/ ٦٣٩٨ - ط. التركي). والضياء في المختارة (٣/ ٣٤٨/ ١١٤١).
من طريق جماعةٍ، عن روح بن عبد المؤمن المقرئ: حدثنا عمر بن شقيق: حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبي بن كعب، قال: انكسفت الشمس. . . فذكره بمثله.
* ورواه أبو يعلى: ثنا الحسن بن عمر بن شقيق الجرمي [صدوق]، قال: وجدت في كتاب أبي بخطه: ثنا أبو جعفر الرازي، فذكر لإسناده نحوه.
أخرجه ابن عدي (٥/ ٤٤)، والضياء في المختارة (٣/ ٣٤٩/ ١١٤٢).
قال ابن عدي: "وهذا لا أعلم رواه عن أبي جعفر بهذا الإسناد غير عمر بن شقيق".
ثم ختم ابن عدي ترجمة عمر بقوله: "وعمر بن شقيق قليل الحديث".
فتعقبه الذهبي في الميزان (٣/ ٢٥٥) بقوله: "ما تفرد به عمر بن شقيق الجرمي، فقد رواه عبد اللَّه بن أبي جعفر الرازى عن أبيه أيضًا".
• والصواب أن المتفرد بهذا الحديث هو أبو جعفر الرازي:
قال الطبراني في الأوسط: "لم يرو هذا الحديث عن رسول اللَّه ﷺ أن في الكسوف عشر ركعات في أربع سجدات؛ إِلا أبي بن كعب، ولا يروى عن أبي بن كعب إِلا بهذا الإسناد، تفرد به: أبو جعفر الرازي".
стр. 6002
وقال الدارقطني في الأفراد (١/ ١٥٢/ ٦٢٣ - أطرافه): "تفرد به: الربيع بن أنس عنه، وتفرد به: أبو جعفر الرازي عن الربيع".
* وقد أخرجه من طريق أبي مسعود الرازي ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥/ ١٥١).
وأخرجه من طريق محمد بن عبد اللَّه بن أبي جعفر الرازي: الحاكم (١/ ٣٣٣) (٢/ ١٣٠/ ١٢٥٢ - ط. الميمان) (١/ ١٥٧/ أ - رواق المغاربة)؛ بإسناد صحيح إلى محمد.
فذكره بمثل لفظ أبي مسعود الرازي؛ إِلَّا أنه زاد بعد الثانية: ثم قام الثالثة، فقرأ من الطُّوَل، ثم ركع خمس ركعاتٍ، وسجد سجدتين، ثم جلس كما هو مسنقبل القبلة يدعو حتى تجلى كسوفها.
قال الحاكم: "الشيخان قد هجرا أبا جعفر الرازي، ولم يخرجا عنه، وحاله عند سائر الأئمة أحسن الحال، وهذا الحديث فيه ألفاظ، ورواته صادقون".
ولم يصب الحاكم فيما قال، فقد تعقبه الذهبي بقوله: "خبر منكر؛ وعبد اللَّه بن أبي جعفر: ليس بشيء، وأبوه فيه لين".
وقال البيهقي: "وروي خمس ركوعات في ركعة بإسناد لم يحتج بمثله صاحبا الصحيح، ولكن أخرجه أبو داود في السنن".
وقال النووي في الخلاصة (٣٠٣١): "رواه أبو داود بإسناد فيه ضعيف، ولم يضعفه".
قلت: محمد بن عبد اللَّه بن أبي جعفر الرازي: صدوق، وأبوه: صدوق، روى ما لا يتابع عليه [التهذيب (٢/ ٣١٦)، والكامل (٦/ ٥٨٤ - ط. الرشد)]، وقد توبع هنا على روايته، وإنما المتفرد بهذا الحديث هو: أبو جعفر الرازي، عيسى بن أبي عيسى، وهو: ليس بالقوي، روى مناكير [التهذيب (٤/ ٥٠٤)]، وهذا منها.
والربيع بن أنس البصري: ليس به بأس، ويتقى من حديثه ما كان من رواية أبي جعفر الرازي عنه [التهذيب (١/ ٥٩٠)]، فهو حديث منكر.
* وله شاهد مثله من حديث علي بن أبي طالب:
يرويه عبيد اللَّه بن موسى، قال: نا إسرائيل، عن عبد الأعلى، عن محمد بن علي [هو: ابن الحنفية]، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي، قال: انكسفت الشمس فقام علي فركع خمس ركعات وسجد سجدتين، ثم فعل في الركعة الثانية مثل ذلك، ثم قال: ما صلاها بعد رسول اللَّه ﷺ أحدٌ غيري.
أخرجه البزار (٢/ ٢٣٣/ ٦٢٨) و (٢/ ٢٤٠/ ٦٣٩)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٣٠٢/ ٢٩٠٧)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (٢/ ٢٣٣).
قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلم أحدًا رواه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى إِلا عبد الأعلى، ولا عن عبد الأعلى إِلا إسرائيل"، وقال أيضًا: "لا نعلم يروى عن علي إِلا من هذا الوجه بهذا الإسناد".
стр. 6003
وقال ابن المنذر: "في إسناده مقال".
قلت: هو حديث منكر؛ تفرد به: عبد الأعلى بن عامر الثعلبي، وهو: ليس بذاك القوي، قال ابن عدي: "يحدث عن سعيد بن جبير وابن الحنفية وأبي عبد الرحمن السلمي بأشياء لا يتابع عليها" [وانظر ترجمته تحت الحديث رقم (٦٢١ و ٦٩٤ و ١٠٧٣)].
* * *
١١٨٣ - . . . يحيى، عن سفيان: حدثنا حبيب بن أبي ثابت، عن طاوس، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ؛ أنه صلى في كسوف [الشمس]، فقرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم سجد، والأخرى مثلها.
* حديث خطأ
أخرجه مسلم (٩٠٩)، وأبو عوانة (٢/ ١٠٤/ ٢٤٥٩)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ٤٩٣/ ٢٠٤٣)، والترمذي (٥٦٠)، وقال: "حسن صحيح". وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه (٣/ ١٠٥/ ٥٢٧)، والنسائي في المجتبى (٣/ ١٢٩/ ١٤٦٨)، وفي الكبرى (٢/ ٣٣٥/ ١٨٦٤)، والدارمي (١/ ٤٣٥/ ١٥٢٦) (١٦٧٠ - ط. البشائر). وابن خزيمة (٢/ ٣١٧/ ١٣٨٥)، وأحمد (١/ ٣٤٦)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٣٠١/ ٢٩٥٤)، والطحاوي (١/ ٣٢٧ و ٣٢٨)، والطبراني في الكبير (١١/ ٤٤/ ١١٠١٩)، وفي الدعاء (٢٢٣٣)، والبيهقي في السنن (٣/ ٣٢٧)، وفي المعرفة (٣/ ٨٥/ ١٩٨٦)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٤/ ٣٧٨/ ١١٤٤)، وقال: "هذا حديث صحيح".
رواه عن يحيى بن سعيد القطان: مسدد بن مسرهد، وأحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وعمرو بن علي الفلاس، وأبو موسى محمد بن المثنى، وبندار محمد بن بشار، وأبو بكر بن خلاد، وزهير بن حرب، وعبد الرحمن بن بشر [وهم ثقات]، وغيرهم.
* تابعه: أبو أحمد محمد بن عبد اللَّه بن الزبير [ثقة ثبت؛ إِلَّا في الثوري فإنه يهم عليه]، قال: ثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن طاوس، عن ابن عباس ﵁، قال: صلى رسول اللَّه ﷺ صلاة الخسوف، فقام فافتتح، ثم قرأ ثم ركع، ثم رفع رأسه فقرأ ثم ركع، ثم رفع رأسه فقرأ ثم ركع، ثم رفع رأسه فقرأ ثم ركع، ثم سجد، ثم فعل مثل ذلك مرة أخرى.
أخرجه أبو عوانة (٢/ ١٥٤/ ٢٤٦٠) (٧/ ٢٥٨/ ٧٧٧٤ - إتحاف). والطحاوي (١/ ٣٢٧).
* ورواه إسماعيل بن علية [ثقة ثبت]، وعبد اللَّه بن نمير [ثقة]، وثابت بن محمد العابد [صدوق]، ومحمد بن إسحاق [صدوق]:
عن سفيان [الثوري]، عن حبيب [بن أبي ثابت]، عن طاوس، عن ابن عباس، قال:
стр. 6004
صلى رسول اللَّه ﷺ حين كسفت الشمس ثمان ركعاتٍ في أربع سجداتٍ. زاد ثابت: يقرأ في كل ركعة.
أخرجه مسلم (٩٠٨) (٣/ ٨١/ ٩١٥ - ط. التأصيل). وأبو عوانة (٢/ ١٠٤/ ٢٤٦١)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ٤٩٣/ ٢٠٤٢)، والنسائي في المجتبى (٣/ ١٢٩/ ١٤٦٧) (٣/ ٢٤٢/ ١٤٨٣ - ط. التأصيل). وفي الكبرى (١/ ٢٧٧/ ٥١١) و (٢/ ٣٣٤/ ١٨٦٣)، وأحمد (١/ ٢٢٥)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢١٧/ ٨٣٠٠)، والبزار (١١/ ١٣٨/ ٤٨٦٧)، وابن الأعرابي في المعجم (٥٣٠)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٤٠٧)، والدارقطني (٢/ ٦٤)، وابن حزم في المحلى (٥/ ٩٩)، والبيهقي (٣/ ٣٢٧).
تنبيه: وقع في رواية الدارقطني: صلى في كسوف الشمس والقمر، بزيادة القمر، ولا تثبت في الرواية من حديث ثابت الزاهد عن الثوري، فإن راويها عنه: سهل بن سليمان النيلي، ولا يُعرف، قال ابن القطان الفاسي في بيان الوهم (٥/ ٤٧/ ٢٢٨٦): "ولم أجد له ذكرًا، ولا أعرفه بغير هذاإ، وقال ابن حجر في التلخيص (٢/ ٩١): "وفي إسناده نظر، وهو في مسلم بدون ذكر القمر".
• هكذا اختلف أصحاب الثوري عليه في متن هذا الحديث، فمنهم من فصله، ومنهم من اختصره، وقد رواه جماعتهم عنه هكذا موصولًا:
• وخالفهم فأرسله: وكيع بن الجراح [ثقة حافظ]، قال: حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن طاوس، عن النبي ﷺ ، بمثله، ولم يذكر ابن عباس.
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢١٧/ ٨٣٠١).
قال أحمد بن حنبل: "كان وكيع يقول في حديث الكسوف؛ حديث سفيان عن حبيب عن طاوس؛ أن النبي ﷺ صلى في الكسوف ست ركعات في أربع سجدات، قلت له: إن إسماعيل بن علية ويحيى بن سعيد قالا: ثمان ركعات في أربع سجدات، فلما كان بعد ذلك رجع إلى ثمان" [العلل ومعرفة الرجال (٦٣٣)].
• هكذا رواه سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت:
وخالفه في إسناده: ابن أبي ليلى، فرواه عن حبيب بن أبي ثابت، عن صلة بن زفر، عن حذيفة؛ أن رسول اللَّه ﷺ صلى في كسوف الشمس بأربع ركعات في سجدتين،. . . الحديث.
أخرجه البزار (٧/ ٣٢٥/ ٢٩٢٤)، والطبراني في الدعاء (٢٢٣٤)، والبيهقي (٣/ ٣٢٩).
قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن حذيفة إِلا بهذا الإسناد، ولا نعلم روى حبيب عن صلة إِلا هذين الحديثين".
وقال ابن حجر في مختصر الزوائد (١/ ٣٠٦/ ٤٦٩): "المعروف: عن حبيب بن أبي ثابت عن طاوس عن ابن عباس، كذلك وراه مسلم من طريق سفيان عن حبيب".
стр. 6005
قلت: هذا حديث منكر؛ والحمل فيه على ابن أبي ليلى؛ فإنه: ليس بالقوي، كان سيئ الحفظ جدًا، كثير الوهم، غلب عليه الاشتغال بالفقه والقضاء؛ فلم يكن يحفظ الأسانيد والمتون [انظر: التهذيب (٣/ ٦٢٧)، والميزان (٣/ ٦١٣)]، وضعفه البيهقي، وإنما يُعرف هذا الحديث: عن حبيب، عن طاوس، عن ابن عباس.
° تنبيه: وقع في آخر رواية مسلم عن ابن أبي شيبة عن ابن علية: "وعن علي مثل ذلك"، ورويت أيضًا من بعض الطرق عن الحسن بن سفيان عن ابن أبي شيبة به، وخالفه يعقوب بن إبراهيم الدورقي، فرواه عن ابن علية [عند النسائي] فقال في آخره: "وعن عطاء مثل ذلك"، ورواه عن ابن علية بدون الزيادة: أحمد بن حنبل، وابن أبي شيبة في المصنف.
* والحاصل: فإن حديث حبيب عن طاوس عن ابن عباس: قد صححه مسلم، والترمذي، وأبو عوانة، وابن خزيمة، وغيرهم.
وقال النسائي في الكبرى في الموضع الأول: "هذا حديث جيد".
وقال البزار: هذا الحديث إنما ذكرناه؛ لأنا لا نعلم أسند حبيب بن أبي ثابت عن طاوس عن ابن عباس غير هذا الحديث، وإسناده صحيح، وثابت بن محمد: كوفي، وكان يقال له: الزاهد".
قلت: الأقرب أن حبيب بن أبي ثابت قد وقع له وهم في هذا الحديث؛ والدليل على صحة ذلك من ثلاثة أوجه:
* الأول: أن كثير بن عباس [وهو أخو عبد اللَّه بن عباس]، وعطاء بن يسار [وهو: ثقة فاضل، من كبار التابعين، وعلمائهم]، قد روياه عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ؛ أنه صلى يوم كسفت الشمس أربع ركعاتٍ في ركعتين، وأربع سجداتٍ [تقدم برقم (١١٨١)].
• الثاني: أن حبيب بن أبي ثابت قد خولف في رفعه وفي العدد:
* فقد روى سفيان بن عيينة، وابن جريج:
عن سليمان الأحول، عن طاوس، عن ابن عباس؛ أنه صلى في صُفَّة زمزم صلاة الكسوف ست ركعات، في أربع سجدات. لفظ سفيان.
وفي رواية ابن جريج: فصلى على ظهر صفة زمزم وكعتين، في كل ركعة أربع ركعات.
أخرجه الشافعي في اختلاف الحديث (٢٥٩)، وفي المسند (١٧٨)، وعبد الرزاق (٣/ ١٠٢/ ٤٩٣٤)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢١٧/ ٨٣٢)، والفاكهي في أخبار مكة (٢/ ٨٦/ ١١٧٦) و (٣/ ١١/ ١٧٠٨)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٣٠١/ ٢٩٥٠٢) و (٥/ ٣٠٢/ ٢٩٠٦)، وغيرهم.
قلت: وسليمان بن أبي مسلم المكي الأحول: متفق على توثيقه، حتى قال فيه أحمد: "هو ثقة ثقة" [التهذيب (٢/ ١٥٧)]، وروايته أولى من رواية حبيب، فإنه بلدي لطاوس، وروايته عنه في الصحيحين.
стр. 6006
• الثالث: يغلب على الظن أن يكون حبيب بن أبي ثابت قد أُتي في هذا الحديث من قِبل التدليس؛ فإنه ديان كان قد سمع شيئًا من طاوس؛ إِلا أنه لم يبين سماعه في هذا الحديث، وحبيب: معدود في المدلسين، فقد روى أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، قال: قال لي حبيب بن أبي ثابت: "لو أن رجلًا حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك"، وقد وصفه بالتدليس: ابن خزيمة، وقال بعد أن روى قول حبيب هذا في التوحيد: "يريد: لم أبال أن أدلسه"، وظاهر كلامه في صحيحه يدل على أنه لا يحتج بحديث حبيب حتى يصرح بالسماع في كل حديث حديث، ووصفه بالتدليس أيضًا: ابن حبان، والدارقطني، والبيهقي، وقد سبق أن فصلت الكلام عن تدليس حبيب عند الحديث رقم (٥٦٧)، وقد تقدم معنا أيضًا لحبيب حديث القبلة [برقم (١٨٥)]، وحديث المستحاضة [برقم (٢٩٨)]، واللذان لم يسمعهما حبيب من عروة بن الزبير، بل وأخطأ فيهما أيضًا على عروة، واللَّه أعلم.
• وأما بخصوص هذا الحديث:
فقد قال ابن حبان (٧/ ٩٨): "خبر حبيب بن أبي ثابت عن طاوس عن ابن عباس؛ أن النبي ﷺ صلى في كسوف الشمس ثماني ركعات وأربع سجدات: ليس بصحيح؛ لأن حبيبًا لم يسمع من طاوس هذا الخبر".
وقال البيهقي في السنن (٣/ ٣٢٧): "وأما محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ فإنه أعرض عن هذه الروايات التي فيها خلاف رواية الجماعة، وقد روينا عن عطاء بن يسار وكثير بن عباس عن ابن عباس عن النبي ﷺ ؛ أنه صلاها ركعتين في كل ركعة ركوعان، وحبيب بن أبي ثابت ليان كان من الثقات فقد كان يدلس، ولم أجده ذكر سماعه في هذا الحديث عن طاوس، ويحتمل أن يكون حمله عن غير موثوق به عن طاوس، وقد روى سليمان الأحول عن طاوس عن ابن عباس من فعله؛ أنه صلاها ست ركعات في أربع سجدات، فخالفه في الرفع والعدد جميعًا"، ثم ذكر مناظرة للشافعي تثبت هذا المعنى.
وقال ابن عبد البر في التمهيد (٣/ ٣٠٢) في حديث عطاء بن يسار عن ابن عباس: "هذا من أصح حديث يروى عن النبي ﷺ في صلاة الكسوف، وهي ركعتان في كل ركعة ركوعان، فحصلت أربع ركعات وأربع سجدات، وكذلك روى ابن شهاب عن كثير بن عباس عن عبد اللَّه بن عباس عن النبي ﷺ ،. . . "، ثم ذكر كلامًا طويلًا إلى أن قال: "وحديث طاوس هذا: مضطرب ضعيف، رواه وكيع عن الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن طاوس عن النبي ﷺ مرسلًا، ورواه غير الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن ابن عباس لم يذكر طاوسًا، ووقفه ابن عيينة عن سليمان الأحول عن طاوس عن ابن عباس فعله، ولم يرفعه، وهذا الاضطراب يوجب طرحه، واختلف أيضًا في متنه فقوم يقولون: أربع ركعات في ركعة، وقوم يقولون: ثلاث ركعات في ركعة، ولا يقوم بهذا الاختلاف حجة،. . . "، ثم كرَّ بالتضعيف على حديث عطاء عن جابر، وحديث أُبي، وحديث عبيد بن عمير عن
стр. 6007
عائشة، ثم قال: "وليس مثل هذه الأسانيد يعارض بها حديث عروة وعمرة عن عائشة، ولا حديث عطاء بن يسار عن ابن عباس؛ لأنها من الآثار التي لا مطعن لأحد فيها".
• قلت: ومما يؤيد أن رواية سليمان الأحول هي المحفوظة، وأن هذا الحديث موقوف على ابن عباس فعله:
أ - ما رواه عبد اللَّه بن الحارث [الأنصاري البصري، نسيب ابن سيرين: ثقة]، عن ابن عباس؛ أنه صلى في الزلزلة بالبصرة، ست ركعات وأربع سجدات.
أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١٠١/ ٤٩٢٩) و (٣/ ١٠٢/ ٤٩٣١)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢٢٠/ ٨٣٣٣)، وابن المنذر (٥/ ٣١٤/ ٢٩١٧ و ٢٩١٨) و (٥/ ٣١٥/ ٢٩٢٢)، والبيهقي (٣/ ٣٤٣).
ب - وروى إسحاق بن عثمان الكلابي [ثقة]، عن أبي أيوب الهجري، قال: انكسفت الشمس بالبصرة وابن عباس أمير عليها، فقام يصلي بالناس، فقرأ فأطال القراءة، ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع رأسه، ثم سجد، فعل مثل ذلك في الثانية، فلما فرغ قال: هكذا صلاة الآيات،. . .
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢١٩/ ٨٣٢٢).
قال أحمد بن حنبل في حديث وكيع عن إسحاق بن عثمان الكلابي عن أبي أيوب الهجري: كسفت الشمس بالبصرة وابن عباس أمير، قال: "إنما هو أبو أيوب مولى عثمان، روى عنه حماد بن سلمة والخزرج، والهجري: -يعني: أبا أيوب الذي روى عنه قتادة-: اسمه يحيى بن مالك" [العلل ومعرفة الرجال (٥٩١)].
وعلى هذا فإن أبا أيوب مولى عثمان هو: عبد اللَّه بن أبي سليمان الأموي، وهو: صدوق [التهذيب (٢/ ٣٥٠)، والعلل ومعرفة الرجال (٢٦٥ و ٣٦٥)، والأسامي والكنى لأحمد (١١٣)، والتاريخ الكبير (٥/ ١٠٨)، والكنى لمسلم (١١٧)، وفتح الباب (٣٤٩)]، والإسناد جيد؛ ان ثبت سماع أبي أيوب من ابن عباس.
ج - وروى ابن إسحاق [صدوق]، قال: حدثني عمرو بن حبيب؛ أن عبد الرحمن بن أبي إسحاق البصري حدثه، عن الحسن حدثه؛ أن ابن عباس صلى بهم هذه الصلاة في زمان علي بن أبي طالب -وكان أمير البصرة- عند كسوف القمر ركعتين في كل سجدة. . . الحديث.
أخرجه ابن المنذر (٥/ ٣١١/ ٢٩١٥) (٥/ ٣٢٥/ ٢٨٩٢ - ط. الفلاح)، قال: حدثونا عن عبيد اللَّه بن سعد بن إبراهيم، قال: حدثنا عمي، قال: أخبرنا أبي، عن ابن إسحاق، قال:. . . فذكره.
قلت: ولا يثبت هذا عن الحسن البصري؛ ولم أقف على ترجمة لعبد الرحمن بن أبي إسحاق البصري، وشيخ ابن إسحاق أظنه تحرف عن عمر بن حسين الجمحي المكي؛ فإن كان هو، فهو: ثقة، وإلا فلا أدري من هو، وقد أبهم ابن المنذر من حدثه بهذا الحديث، والحسن البصري: لم يسمع من ابن عباس [المراسيل (٩٧ - ١٠١)، وتحفة التحصيل (٦٩)]، واللَّه أعلم.
стр. 6008
• وروي أيضًا من وجه آخر لا يصح [أخرجه الشافعي في اختلاف الحديث (٢١٠)، والبيهقي (٣/ ٣٣٨)] [وفي إسناده: إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، وهو: متروك، كذبه جماعة].
• وحديث علي المشار إليه في رواية مسلم، وجدته مسندًا من طريقين:
الأول: رواه سفيان الثوري وعبد الواحد بن زياد، عن أبي إسحاق سليمان بن أبي سليمان الشيباني.
ورواه زهير بن معاوية، عن الحسن بن الحر:
كلاهما [الشيباني والحسن، وهما ثقتان]، عن الحكم بن عتيبة، عن حنش [كذا في رواية الثوري غير منسوب، ونسبه عبد الواحد، فقال: عن حنش بن ربيعة] [وفي رواية الحسن بن حر: عن رجل يُدعى حنشًا]، عن علي؛ أنه أمَّ الناس في المسجد لكسوف الشمس، قال: فجهر بالقراءة، فقام فقرأ ثم ركع، ثم قام فدعا ثم ركع أربع ركعات في سجدة، يدعو فيهن بعد الركوع، ثم فعل في الثانية مثل ذلك. لفظ الثوري عن الشيباني موقوفًا.
ولفظ عبد الواحد [عند البيهقي]: عن حنش بن ربيعة، قال: انكسفت الشمس على عهد علي ﵁، قال: فخرج فصلى بمن عنده، فقرأ سورة الحج ويس، لا أدري بأيهما بدأ، وجهر بالقراءة، ثم ركع نحوًا من قيامه، ثم رفع رأسه، فقام نحوًا من قيامه، ثم ركع نحوًا من قيامه، ثم رفع رأسه، فقام نحوًا من قيامه، ثم ركع نحوًا من قيامه، أربع ركعات، ثم سجد في الرابعة، ثم قام فقرأ بسورة الحج ويس، ثم قام فصنع كما صنع في الركعة الأولى، ثمان ركعات وأربع سجدات، ثم قعد فدعا، ثم انصرف، فوافق انصرافه وقد انجلى عن الشمس.
ورواه الحسن بن حر بمعناه، وفيه: فقرأ يس أو نحوها، وزاد فيه الرفع، فقال في آخره: ثم حدثهم أن رسول اللَّه ﷺ كان كذلك يفعل.
أخرجه ابن خزيمة (٢/ ٣٢٠/ ١٣٨٨) و (٢/ ٣٢٤/ ١٣٩٤)، وأحمد (١/ ١٤٣)، وعبد الرزاق (٣/ ١٠٣/ ٤٩٣٦)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢٢٠/ ٨٣٣٠)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٢٩٧/ ٢٨٩٤) و (٥/ ٣٠٢/ ٢٩٠٥) و (٥/ ٣٠٧/ ٢٩١١)، والطحاوي (١/ ٣٢٨ و ٣٣٤)، والطبراني في الدعاء (٢٢٣٥)، والبيهقي (٣/ ٣٣٠)، وابن حجر في نتائج الأفكار (٥/ ٨٢).
قال الدارقطني في العلل (٣/ ١٩٠/ ٣٥٣) بعد أن ذكر بعض الاختلاف فيه: "ورواه منصور بن المعتمر، عن الحكم بن عتيبة، عن حنش، عن علي، في كسوف الشمس موقوفًا، والموقوف أصح، وكذلك رواه أبان بن تغلب، عن أبي إسحاق، عن حنش، عن علي موقوفًا".
وقال البيهقي: "لم يرفعه سليمان الشيباني، ورواه الحسن بن الحر عن الحكم فرفعه".
стр. 6009
وعليه: فهو موقوف عن عليٍّ بإسناد ليِّن.
قال ابن المديني في العلل (١٨٩): "الشيباني عن الحكم عن حنش بن ربيعة: لا يُعرف حنشٌ، قال الحسن بن الحر عن الحكم: عن رجلٍ يُدعى حنشًا، وهذا يُقوِّي ما قال الشيباني: حنش بن ربيعة، ولا نَعرف حنش بن ربيعة في شيء من الحديث".
وقال ابن أبي حاتم في الجرح (٣/ ٢٩١): "حنش بن المعتمر الكناني أبو المعتمر، ويقال: حنش بن ربيعة، روى عن علي ﵁، روى عنه أبو إسحاق الهمداني والحكم بن عتيبة وسماك وإسماعيل بن أبي خالد، سمعت أبي يقول ذلك،. . . "، ثم نقل قول ابن المديني، ثم نقل عن أبيه قوله: "حنش بن المعتمر: هو عندي صالح، قلت: يحتج بحديثه؛ قال: ليس أراهم يحتجون بحديثه".
وقال البخاري: "يتكلمون في حديثه"، وقال النسائي: "ليس بالقوي"، وذكره جماعة في الضعفاء، ومشاه ابن عدي، وقال: "لا بأس به؛ لأن من يروي عنه إنما هو سماك بن حرب والحكم بن عتيبة، وليس بهما بأس"، وقال أحمد: "ما أعلم إِلَّا خيرًا، روى عنه أبو إسحاق"، وقال يعقوب بن سفيان: "لا بأس به"، وقال الآجري عن أبي داود، والعجلي: "ثقة" [التاريخ الكبير (٣/ ٩٩)، والتاريخ الأوسط (١/ ٢٠٥/ ٩٦٩)، وضعفاء البخاري (٩٧)، وسؤالات أبي داود لأحمد (٣٣٤)، ومعرفة الثقات (٣٧٣)، وسؤالات الآجري (١٣٠)، والمعرفة والتاريخ (٣/ ١٥٣)، وضعفاء النسائي (١٦٦)، وضعفاء العقيلي (١/ ٢٨٨)، والكامل (٢/ ٤٣٨) (٤/ ١٨٣ - ط. الرشد). الميزان (١/ ٦١٩)، والتهذيب (١/ ٥٠٣)].
وقال ابن حبان في المجروحين (١/ ٢٦٩): "حنش بن المعتمر الصنعاني، الذي يقال له: حنش بن ربيعة الكناني، والمعتمر كان جده، كنية حنش أبو المعتمر، يروي عن علي بن أبي طالب، روى عنه الحكم وسماك، كان كثير الوهم في الأخبار، ينفرد عن علي ﵇ بأشياء لا تشبه حديث الثقات، حتى صار ممن لا يحتج به".
وقال في الصحيح (٧/ ٩٩): "خبر حبيب بن أبي ثابت عن طاوس عن ابن عباس؛ أن النبي ﷺ صلى في كسوف الشمس ثماني ركعات وأربع سجدات: ليس بصحيح؛ لأن حبيبًا لم يسمع من طاوس هذا الخبر، وكذلك خبر علي رضوان اللَّه عليه؛ أنه ﷺ صلى في صلاة الكسوف هذا النحو؛ لأنا لا نحتج بحنش وأمثاله من أهل العلم، وكذلك أغضينا عن إملائه".
قلت: حنش بن المعتمر، ويقال له: حنش بن ربيعة: ليس بالقوي، وحديثه هذا لا يثبت.
• الثاني: روي عن علي من وجه آخر مع اختلاف في العدد:
رواه عبيد اللَّه بن موسى، قال: نا إسرائيل، عن عبد الأعلى، عن محمد بن علي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي، قال: انكسفت الشمس، فقام علي فركع خمس
стр. 6010
ركعات، وسجد سجدتين، ثم فعل في الركعة الثانية مثل ذلك، ثم قال: ما صلاها بعد رسول اللَّه ﷺ أحد غيري.
وهو حديث منكر؛ تقدم الكلام عليه تحت الحديث السابق.
• وحاصل ما تقدم:
فقد صحح مسلم، وإسحاق بن راهويه، والنسائي، والترمذي، وأبو عوانة، وابن خزيمة، وابن المنذر، والخطابي، وابن حزم، هذه الوجوه المروية في عدد الركوع في كل ركعة من ركعتي الكسوف.
فقد أخرجها مسلم في صحيحه، مصححًا لها.
وقال الترمذي: "حديث ابن عباس حديث حسن صحيح.
وقد روي عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ؛ أنه صلى في كسوف أربع ركعات في أربع سجدات. وبه يقول الشافعي، وأحمد، وإسحاق.
. . . وقد صح عن النبي ﷺ كلتا الروايتين؛ صح عنه: أنه صلى أربع ركعات في أربع سجدات، وصح عنه: أنه صلى ست ركعات في أربع سجدات، وهذا عند أهل العلم جائز على قدر الكسوف، إن تطاول الكسوف فصلى ست ركعات في أربع سجدات، فهو جائز، وإن صلى أربع ركعات في أربع سجدات وأطال القراءة فهو جائز، ويرى أصحابنا أن تصلى صلاة الكسوف في جماعة، في كسوف الشمس والقمر".
وقال ابن خزيمة: "فجائز للمرء أن يصلي في الكسوف كيف أحب وشاء مما فعل النبي ﷺ من عدد الركوع، إن أحب ركع في كل ركعة ركوعين، وإن أحب ركع في كل ركعة ثلاث ركعات، وان أحب ركع في كل ركعة أربع ركعات؛ لأن جميع هذه الأخبار صحاح عن النبي ﷺ ، وهذه الأخبار دالة على أن النبي ﷺ صلى في كسوف الشمس مراتٍ لا مرةً واحدةً".
وقال ابن المنذر في الأوسط (٥/ ٣٠٠): "وممن قال بأن صلاة الكسوف ركعتين في كل ركعة ركعتين: مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وأبو ثور".
ثم قال (٥/ ٣٠٣): "وكان إسحاق بن راهويه يقول بعد أن ذكر صلاة الكسوف أربع ركعات في ركعتين، وست ركعات في ركعتين، وثمان ركعات في ركعتين: كل ذلك مؤتلف يصدِّق بعضُه بعضًا؛ لأنه إنما كان يزيد من الركوع إذا لم ير الشمس قد انجلت، واذا انجلت الشمس سجد، فمن هنا صار زيادة الركعات، ولا يجاوز بذلك أربع ركعات في كل ركعة؛ لأنه لم يأتنا مثبتًا عن النبي ﷺ أكثر من ذلك.
وقال آخر من أصحابنا: الأخبار في صلاة الكسوف أخبار ثابتة، فإن أحب المصلي ركع في كل ركوعه ركوعين، وإن أحب ركع في كل ركعة ثلاث ركعات، وان أحب ركع في كل ركعة أربع ركعات؛ لأن هذه الأخبار ثابتة، وتدل على أن النبي ﷺ صلى في كسوف الشمس مرات".
стр. 6011
قال أبو بكر ابن المنذر: "ولا أعلم في شيء من الأخبار التي ذكرناها في عدد صلاة الخسوف علةً؛ إِلَّا خبر علي فإن في إسناده مقال، فأما سائر الأخبار فالعمل بها كلها جائز".
وقال الخطابي في المعالم (١/ ٢٢٢): "ويشبه أن يكون المعنى في ذلك: أنه صلاها مرات وكرات، فكانت إذا طالت مدة الكسوف مدَّ في صلاته وزاد في عدد الركوع، وإذا قصرت نقص من ذلك، وحذا بالصلاة حذوها، وكل ذلك جائز، يصلي على حسب الحال ومقدار الحاجة فيه".
قلت: مما يرد القول بأنه إذا طالت مدة الكسوف مدَّ في صلاته وزاد في عدد الركوع: أنه يلزم منه أن لا تكون هيئة الصلاة منوية من أولها، وهذا خلاف ما شرعت به الصلاة، وهي النية في أولها المتضمنة لكونها فرضًا أم نفلًا، ولعدد ركعاتها، وهيئتها، فلما اتفقت جميع الروايات في الكسوف على استواء عدد الركوع في الركعتين دل على بطلان هذا القول؛ لأن انجلاء الشمس لا يتبين في أول الصلاة، وإنما في آخرها، فيستلزم أن تكون الزيادة في عدد الركوع في الركعة الثانية دون الأولى، واللَّه أعلم [وانظر: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٤/ ٢٧٨)].
° وتوسط في ذلك ابن حبان، فصحح في صحيحه أحاديث من قال بركوعين في ركعة، مثل: حديث عروة وعمرة عن عائشة، وحديث عطاء بن يسار وكثير بن عباس عن ابن عباس، وصحح كذلك أحاديث من قال بثلاث ركوعات في ركعة، مثل: حديث عبيد بن عمير عن عائشة، وحديث عبد الملك عن عطاء عن جابر، ثم ضعف أحاديث من قال بأربع ركوعات في ركعة، مثل: حديث طاوس عن ابن عباس، وحديث حنش عن علي.
قال ابن حبان (٧/ ٩٨ و ٩٩): "خبر حبيب بن أبي ثابت عن طاوس عن ابن عباس؛ أن النبي ﷺ صلى في كسوف الشمس ثماني ركعات وأربع سجدات: ليس بصحيح؛ لأن حبيبًا لم يسمع من طاوس هذا الخبر، وكذلك خبر علي رضوان اللَّه عليه؛ أنه ﷺ صلى في صلاة الكسوف هذا النحو؛ لأنا لا نحتج بحنش وأمثاله من أهل العلم، وكذلك أغضينا عن إملائه".
• وخالفهم في ذلك آخرون، منهم: الشافعي، وأحمد، والبخاري، والبيهقي، وابن عبد البر:
قال الشافعي في اختلاف الحديث (١٨٠): "إذا كسفت الشمس والقمر صلى الإمام بالناس ركعتين في كسوف كل واحد منهما، في كل ركعة ركوعان".
واحتج الشافعي في هذا بحديث عطاء بن يسار عن ابن عباس، وحديث عمرة وعروة عن عائشة، ثم ذكر بأن حديث أبي بكرة وما كان في معناه مما ظاهره التعارض، بأنه لا يعارض تلك الأحاديث؛ وذلك لأن: "الحديث إذا جاء من وجهين فاختلفا، وكان في
стр. 6012
الحديث زيادة؛ كان الجائي بالزيادة أولى أن يقبل قوله؛ لأنه أثبت ما لم يُثبِت الذي نقص الحديثَ".
ثم ذكر المعارضة بأحاديث من زاد عن ركوعين في كل ركعة، مثل حديث طاوس عن ابن عباس، وأنه لا يلزمه القول بما فيه من الزيادة؛ لأنه لا يُثبِته، وقال في بعض أحاديث الزيادة: "هو من وجه منقطع، ونحن لا نثبت المنقطع على وجه الانفراد، ووجه نراه -واللَّه أعلم- غلطًا".
وقال أبو داود في مسائله لأحمد (٥١٠): "كيف يصلي؟ قال: أربع ركعات في أربع سجدات، فقلت: يركع ركعتين ثم يسجد سجدتين، ثم يقوم فيركع ركعتين ثم يسجد سجدتين؟ قال: نعم، هذا أختار".
ثم قال (٥١١): "قيل له: يجهر بقراءته -يعني: في صلاة الكسوف-؟، قال: نعم" [وانظر أيضًا: مسائل الكوسج (٤٠٨)].
وقال البخاري: "أصح الروايات عندي في صلاة الكسوف: أربع ركعات في أربع سجدات" [علل الترمذي الكبير (١٦٢ م)]، وأعرض عن أحاديث الزيادة فلم يخرج منها شيئًا في صحيحه، وإنما اقتصر على أحاديث من قال بركوعين في ركعة.
وقال البيهقي في السنن (٣/ ٣٢٧): "وأما محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ فإنه أعرض عن هذه الروايات التي فيها خلاف رواية الجماعة، وقد روينا عن عطاء بن يسار وكثير بن عباس عن ابن عباس عن النبي ﷺ ؛ أنه صلاها ركعتين في كل ركعة ركوعان، وحبيب بن أبي ثابت وإن كان من الثقات فقد كان يدلس، ولم أجده ذكر سماعه في هذا الحديث عن طاوس، ويحتمل أن يكون حمله عن غير موثوق به عن طاوس، وقد روى سليمان الأحول عن طاوس عن ابن عباس من فعله؛ أنه صلاها ست ركعات في أربع سجدات، فخالفه في الرفع والعدد جميعًا"، ثم ذكر مناظرة للشافعي تثبت هذا المعنى.
وقال ابن عبد البر في التمهيد (٣/ ٣٠٢) في حديث عطاء بن يسار عن ابن عباس: "هذا من أصح حديث يروى عن النبي ﷺ في صلاة الكسوف، وهي ركعتان في كل ركعة ركوعان، فحصلت أربع ركعات وأربع سجدات، وكذلك روى ابن شهاب عن كثير بن عباس عن عبد اللَّه بن عباس عن النبي ﷺ ، وكذلك روت عائشة عن النبي ﷺ ، وحديثها أيضًا في ذلك أثبت حديث وأصحه، رواه مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وعن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة، بمعنى واحد عن النبي ﷺ في صلاة الكسوف، ركعتان في كل ركعة ركوعان، وكذلك رواه ابن شهاب عن عروة عن عائشة، وبه يقول: مالك، والشافعي، وأصحابهما، وهو قول أهل الحجاز، وقول الليث بن سعد، وبه قال أحمد بن حنبل، وأبو ثور".
ولما ذكر الأحاديث التي ظاهرها يؤيد قول الكوفيين، بأن صلاة الكسوف ركعتان مثل صلاة الصبح، قال (٣/ ٣٠٥): "والمصير إلى حديث ابن عباس وعائشة من رواية مالك
стр. 6013
أولى؛ لأنهما أصح ما روي في هذا الباب من جهة الإسناد، ولأن فيها زيادة في كيفية الصلاة يجب قبولها واستعمال فائدتها، ولأنهما قد وصفا صلاة الكسوف وصفًا يرتفع معه الإشكال والوهم؛ فإن قيل: أن طاوسًا روى عن ابن عباس أنه صلى في صلاة الكسوف ركعتين، في كل ركعة ثلاث ركعات ثم سجد، وإن عبيد بن عمير روى عن عائشة مثل ذلك، وإن عطاء روى عن جابر عن النبي ﷺ في صلاة الكسوف ست ركعات في أربع سجدات، وإن أبا العالية روى عن أُبي بن كعب عن النبي ﷺ عشر ركعات في ركعتي الكسوف وأربع سجدات، فلم يكن المصير عندك إلى زيادة هؤلاء أولى؟
قيل له: إنما تقبل الزيادة من الحافظ إذا ثبتت عنه، وكان أحفظ وأتقن ممن قصر، أو مثله في الحفظ؛ لأنه كأنه حديث آخر مستأنف، وأما إذا كانت الزيادة من غير حافظ ولا متقن؛ فإنها لا يلتفت إليها، وحديث طاوس هذا: مضطرب ضعيف، رواه وكيع عن الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن طاوس عن النبي ﷺ مرسلًا، ورواه غير الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن ابن عباس لم يذكر طاوسًا، ووقفه ابن عيينة عن سليمان الأحول عن طاوس عن ابن عباس فعله، ولم يرفعه، وهذا الاضطراب يوجب طرحه، واختلف أيضًا في متنه فقوم يقولون: أربع ركعات في ركعة، وقوم يقولون: ثلاث ركعات في ركعة، ولا يقوم بهذا الاختلاف حجة،. . . "، ثم كرَّ بالتضعيف على حديث عطاء عن جابر، وحديث أبي، وحديث عبيد بن عمير عن عائشة، ثم قال: "وليس مثل هذه الأسانيد يعارض بها حديث عروة وعمرة عن عائشة، ولا حديث عطاء بن يسار عن ابن عباس؛ لأنها من الآثار التي لا مطعن لأحد فيها".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في التوسل والوسيلة (٨٦)، وفي مجموع الفتاوى (١/ ٢٥٦): ". . .، ولهذا كان جمهور ما أنكر على البخاري مما صححه يكون قوله فيه راجحًا على قول من نازعه؛ بخلاف مسلم بن الحجاج، فإنه نوزع في عدة أحاديث مما يخرجها، وكان الصواب فيها مع من نازعه، كما روى في حديث الكسوف أن النبي ﷺ صلى بثلاث ركوعات، وبأربع ركوعات، كما روى أنه صلى بركوعين، والصواب: أنه لم يصلِّ إِلا بركوعين، وأنه لم يصل الكسوف إِلا مرة واحدة، يوم مات إبراهيم، وقد بين ذلك الشافعي، وهو قول البخاري، وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه، والأحاديث التي فيها الثلاث والأربع فيها أنه صلاها يوم مات إبراهيم، ومعلوم أنه لم يمت في يومي كسوف، ولا كان له إبراهيمان، ومن نقل أنه مات عاشر الشهر فقد كذب".
وقال في موضع آخر من المجموع (١٨/ ١٧): "ومثل ما روى مسلم أن النبي ﷺ صلى الكسوف ثلاث ركوعات وأربع ركوعات، انفرد بذلك عن البخارى، فإن هذا ضعَّفه حُذَّاق أهل العلم، وقالوا: إن النبي ﷺ لم يصلِّ الكسوف إِلا مرة واحدة، يوم مات ابنه إبراهيم، وفي نفس هذه الأحاديث التي فيها الصلاة بثلاث ركوعات وأربع ركوعات؛ أنه إنما صلى ذلك يوم مات إبراهيم، ومعلوم أن إبراهيم لم يمت مرتين، ولا كان له
стр. 6014
إبراهيمان، وقد تواتر عنه أنه صلى الكسوف يومئذ ركوعين في كل ركعة، كما روى ذلك عنه عائشة وابن عباس وابن عمرو وغيرهم، فلهذا لم يرو البخارى إلا هذه الأحاديث، وهو أحذق من مسلم، ولهذا ضغف الشافعي وغيره أحاديث الثلاثة والأربعة، ولم يستحبوا ذلك، وهذا أصح الروايتين عن أحمد، وروي عنه أنه كان يجوِّز ذلك قبل أن يتبين له ضعف هذه الأحاديث"، وانظر أيضًا المجموع (١٨/ ٧٣).
وقال ابن القيم في الزاد (١/ ٤٥٣) بعد أن ذكر بعض المتون الصحيحة: "فهذا الذي صح عنه ﷺ من صفة صلاة الكسوف وخطبتها، وقد روي عنه أنه صلاها على صفات أخر، منها: كل ركعة بثلاث ركوعات، ومنها: كل ركعة باربع ركوعات، ومنها: أنها كإحدى صلاة صُلِّيَت كلُّ ركعة بركوع واحد، ولكن كبار الأئمة لا يصححون ذلك، كالإمام أحمد والبخاري والشافعي، ويرونه غلطًا".
وقال ابن حجر في الفتح (٢/ ٥٣٢) عن أحاديث الزيادة عن ركوعين في الركعة: "ولا يخلو إسناد منها عن علة، وقد أوضح ذلك البيهقي وابن عبد البر".
قلت: وهذا القول الأخير هو الصواب جزمًا، وهو أن النبي ﷺ لم يصلِّ الكسوف إلا مرة واحدة فقط، يوم مات ابنه إبراهيم، وأنه صلاها ركعتين، في كل ركعة ركوعان، وهذا هو ما يتفق مع الحسابات الفلكية، فإنه بتتبع الكسوفات الواقعة على الأرض في العهد المدني، ولمدة عشر سنوات بعد الهجرة النبوية، وباستثناء الكسوفات التي لا يمكن مشاهدتها لكونها واقعة ليلًا في الجهة الأخرى من الأرض، فلا يبقى عندنا إلا ثلاثة كسوفات، الأول وقع في الحادي والعشرين من أبريل سنة (٦٢٧) من ميلاد المسيح ﵇، وهذا الكسوف تقع فيه المدينة في آخر نطاق الرؤية فلكيًا، بحيث لو تعدينا خط العرض الذي تقع عليه المدينة النبوية، وهو (٤٧، ٢٤) تقريبًا، لو تجاوزناه بقرابة ثلاثة خطوط عرض عندئذ تنعدم رؤية الكسوف تمامًا، كما أن نسبة الجزء المعتم من الشمس قرابة (١.٧%)، وهو مقدار ضئيل جدًا لا يرى بالعين المجردة، لاسيما ووقت هذا الكسوف بتوقيت المدينة يقع في وقت الظهيرة مما تقل معه فرص ملاحظته بالعين المجردة لتوهج أشعة الشمس في هذا الوقت، مما يدل على عدم إمكانية مشاهدة هذا الكسوف بالمدينة بالعين المجردة، وأما الكسوف الثاني: فقد وقع في الثالث من أكتوبر سنة (٦٢٨) ميلادية، وكان أيضًا في آخر نطاق الرؤية، وبدأ قبل شروق الشمس على المدينة، بحيث تشرق وهي مكسوفة جزئيًا بمقدار ضئيل جدًا من ظل القمر عليها، بحيث يقرب الجزء المعتم من (٤.٧%) من دائرة الشمس، وينتهي في الساعة السابعة صباحًا؛ يعني: بعد شروق الشمس بالمدينة بقرابة ساعة إلا ربع، مما تصعب معه مشاهدته، وأما الكسوف الثالث: فقد وقع في السابع والعشرين من يناير سنة (٦٣٢)؛ يعني: قبل وفاة النبي ﷺ بقرابة خمسة أشهر، وهو الموافق للتاسع والعشرين من شوال من السنة العاشرة للهجرة النبوية، وكان كسوفًا حلقيًا للشمس مركزه شمال غرب الهند، ويمر خط رؤيته حلقيًا باليمن؛ يعني: جنوب
стр. 6015
المدينة، وقد وقع بالمدينة ضحًى، وكان وقت ابتدائه قريبًا من الساعة السابعة والربع صباحًا؛ أي: بعد إشراق الشمس بقرابة عشر دقائق، ووصل إلى وقت الذروة قريبًا من الساعة الثامنة والنصف، وانتهى قبل الساعة العاشرة ظهرًا؛ يعني: أنه استغرق قرابة ثلاث ساعات، وكانت نسبة الجزء المعتم من الشمس تزيد على (٧٦%)؛ يعني: ما يزيد على ثلاثة أرباع قرص الشمس، مع وقوعه بعد وقت الإشراق مما يعطي قدرة بصرية عالية على رؤيته بوضوح، حيث لم تتوهج الشمس بعد، وما زال قرص الشمس قريبًا من الأرض وكبيرًا نسبيًا [وقد استقيت هذه المعلومات من موقع ناسا للكسوف والخسوف على الشبكة العنكبوتية، بمساعدة بعض أساتذة الفلك بجامعة الملك سعود بالرياض، وأخص منهم بالذكر د. حسين الطرابلسي وفقه اللَّه].
وهذا هو الكسوف الوحيد الذي وقع في العهد المدني مما يمكن مشاهدته بالعين المجردة بوضوح، وهو الموافق لما يقوله الفلكيون من أن الكسوف لا يقع إلا في آخر الشهر القمري، وما نُقل من أخبار من أن وفاة إبراهيم ﵇ كانت في العاشر من شهر ربيع الأول، أو لأربع خلون منه، فإن مدارها على الواقدي، وهو: متروك، أو: على محمد بن الحسن بن زبالة، وهو: متروك، كذبه جماعة، وكان يسرق الحديث [انظر: طبقات ابن سعد (١/ ١٤٣)، والمعجم الكبير للطبراني (٢٤/ ٣٠٦/ ٧٧٥ و ٧٧٦)، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (٦/ ٣٣٦٧/ ٧٧٠٠)، وسنن البيهقي (٣/ ٣٣٦ و ٣٣٧)، ودلائل النبوة للبيهقي (٥/ ٤٢٩)، وتاريخ ابن عساكر (٣/ ١٤٥) و (٣٤/ ٢٩٠)، والإصابة (١/ ٣١٨)، وغيرها]، واللَّه أعلم.
وعلى ما تقدم بيانه؛ فإنه لا يمكن اجتماع العيد مع الكسوف في يوم واحد، وما روي من آثار في ذلك فإنها لا تصح، واللَّه أعلم.
* فإن قيل: ألم يقع خسوف قمري في العهد المدني؟
° فالجواب: نعم؛ وقع خسوف قمري يمكن مشاهدته بالمدينة النبوية، وكانت الخسوفات الداخلة في مجال الرؤية، صمان كان الخسوف جزئيًا: كان ذلك في (٣٠/ ١١/ ٦٢٤)، وفي (٢٠/ ١١/ ٦٢٥)، وفي (١٥/ ٣/ ٦٢٩)، أعني: أنها كانت ثلاثة خسوفات، لكن أحدها وإن كان داخلآ في مجال الرؤية إلا أنه كان ضئيلًا جدًا بحيث لا يلتفت إليه الناس، ويصعب مشاهدته، وهو الخسوف الأول، وأما الثاني والثالث فيمكن مشاهدتهما، وقد وقع الأخير منهما قبل الكسوف الشمسي الذي صلى فيه النبي ﷺ بقرابة ثلاث سنين، ولما لم يُنقل إلينا أن النبي ﷺ صلى في خسوف القمر ولا مرة واحدة، حيث إن كل الأحاديث الصحيحة قد أجمعت على أن الصلاة كانت في كسوف الشمس، وما روي من أنه ﷺ صلى في خسوف القمر فلا يصح منه شيء؛ دعانا ذلك إلى التساؤل: لماذا لم يُنقل أن النبي ﷺ صلى لخسوف القمر؟
وهناك على ذلك أجوبة؛ فإذا استبعدنا الأجوبة الاحتمالية والافتراضية والبعيدة،
стр. 6016
فيبقى أقوى الأجوبة: أن صلاة الكسوف لم تكن قد شرعت في هذا الوقت، وأن أول صلاة صليت هي التي كانت مع موت إبراهيم ﵇، وكان كسوف الشمس واضحًا تمامًا ملفتًا للانتباه، وكان آية كونية في غاية الظهور، ومن هنا شرعت صلاة الكسوف، وأعلمهم عندها النبي ﷺ أنه إذا كسفت الشمس أو خسف القمر فليفزعوا إلى الصلاة والذكر والدعاء والصدقة والعتاقة، واللَّه أعلم.
* * *
١١٨٤ - قال أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس: حدثنا زهير: حدثنا الأسود بن قيس: حدثني ثعلبة بن عِبَاد العبدي -من أهل البصرة-؛ أنه شهد خطبةً يومًا لسمرة بن جندب، قال: قال سمرة: بينما أنا وغلامٌ من الأنصار نرمي غرضينِ لنا، حتى إذا كانت الشمس قِيد رمحين أو ثلاثة في عين الناظر من الأفُق اسودَّت، حتى آضت كأنها تَنُّومة، فقال أحدُنا لصاحبه: انطلق بنا إلى المسجد، فواللَّه ليُحدِثَنَّ شأنُ هذه الشمسِ لرسول اللَّه ﷺ في أمته حدثًا، قال: فدفعنا فإذا هو بارزٌ، فاستقدم، فصلى، فقام بنا كأطولِ ما قام بنا في صلاةٍ قطُّ، لا نسمع له صوتًا، قال: ثم ركع بنا كأطولِ ما ركع بنا في صلاةٍ قطُّ، لا نسمع له صوتًا، ثم سجد بنا كأطول ما سجد بنا في صلاةٍ قطُّ، لا نسمع له صوتًا، ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك، قال: فوافق تجلي الشمسِ جلوسَه في الركعة الثانية، قال: ثم سلم، ثم قام فحمد اللَّه وأثنى عليه، وشهد أن لا إله إلا اللَّه، وشهد أنه عبده ورسوله، ثم ساق أحمد بن يونس خطبة النبي ﷺ .
* حديث ضعيف
أخرجه من طريق زهير بن معاوية: البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ١٧٤)، وفي خلق أفعال العباد (٤١٠)، والنسائي في المجتبى (٣/ ١٤٠/ ١٤٨٤)، وفي الكبرى (٢/ ٣٤٥/ ١٨٨٢)، وابن خزيمة (٢/ ٣٢٥/ ١٣٩٧) (٢/ ٥٢٣/ ١٣٩٧ - ط. الميمان) (٦/ ٢٥/ ٦٠٧٢ - إتحاف المهرة) [وقد سقط من إسناد المطبوع: زهير، واستدركته من الإتحاف، وقد صحح في طبعة ماهر الفحل]. وابن حبان (٧/ ٩٥/ ٢٨٥٢)، والحاكم (١/ ٣٣٠) (٢/ ١٢٤/ ١٢٤٥ - ط. الميمان). وأحمد (٥/ ١٦)، والشافعي في السنن (٥٢)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢١٨/ ٨٣١٣) و (٧/ ٤٩٦/ ٣٧٥١٣) (٢١/ ٢٢٤/ ٣٨٦٦٨ - ط. عوامة). وأبو إسحاق الحربي في غريب الحديث (٣/ ٩٧٩)، والروياني (٨٤٧)، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (٢٦٥٨)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٣٢٩ و ٣٣٢)، وفي المشكل (٧/ ٣٩٩/ ٢٩٥٦)، وابن أبي حاتم في العلل (٢/ ٤٠٦/ ٢٧٢٥)، والسهمي في تاريخ جرجان
стр. 6017
٢٣٩ - ، والطبراني في الكبير (٧/ ١٩٢/ ٦٧٩٩)، والخطابي في غريب الحديث (١/ ١٧١)، والبيهقي في السنن (٣/ ٣٣٩)، وفي المعرفة (٣/ ٧٩/ ١٩٨١)، وابن عبد البر في التمهيد (٣/ ٣٠٩).
رواه عن زهير: أحمد بن عبد اللَّه بن يونس، والحسين بن عياش، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وأبو كامل مظفر بن مدرك، والحسن بن موسى الأشيب، وأبو النضر هاشم بن القاسم، وعلي بن الجعد، وأبو غسان مالك بن إسماعيل، وعمرو بن خالد الحراني، ويحيى بن أبي بكير، وأبو جعفر عبد اللَّه بن محمد بن علي النفيلي، وعبد الكريم بن محمد الجرجاني.
ولفظ أبي كامل [عند أحمد بتمامه]، وأبي نعيم [عند ابن خزيمة]: شهدت يومًا خطبةً لسمرة بن جندب، فذكر في خطبته حديثًا عن رسول اللَّه ﷺ ، فقال: بينا أنا وغلام من الأنصار نرمي في غرضين لنا على عهد رسول اللَّه ﷺ ، حتى إذا كانت الشمس قِيدَ رمحين، أو ثلاثة في عين الناظر، اسودَّت حتى آضت كأنها تنُّومة، قال: فقال أحدنا لصاحبه: انطلق بنا إلى المسجد، فواللَّه ليُحدِثنَّ شأنُ هذه الشمس لرسول اللَّه ﷺ في أمته حدثًا، قال: فدفعنا إلى المسجد، فإذا هو بِأَزَزِ [أي: ممتلئ بالناس. النهاية (١/ ١٠٧)، وتهذيب اللغة (١٣/ ٢٨١)، والمعالم (١/ ٢٢٣)، وزعم أن ما في السنن تصحيف] [وفي رواية أبي نعيم: بارز]، قال: ووافقْنا رسولَ اللَّه ﷺ حين خرج إلى الناس، فاستقدم فقام بنا كأطول ما قام بنا في صلاة قط، لا نسمع له صوتًا، ثم ركع كأطول ما ركع بنا في صلاة قط، لا نسمع له صوتًا، ثم سجد بنا كأطول ما سجد بنا في صلاة قط، لا نسمع له صوتًا، ثم فعل في الركعة الثانية مثل ذلك، فوافق تجلي الشمس جلوسُه في الركعة الثانية، قال زهير: حسبته قال: فسلم، فحمد اللَّه، وأثنى عليه، [وفي رواية أبي نعيم: وشهد أنه لا إله إلا اللَّه]، وشهد أنه عبد اللَّه ورسوله، ثم قال: "أيها الناس [في رواية أبي نعيم: إنما أنا بشرٌ، رسول اللَّه]، أنشدكم باللَّه إن كنتم تعلمون أني قصرت عن شيء من تبليغ رسالاتِ ربي لما أخبرتموني ذاك، فبلغت رسالاتِ ربي كما ينبغي لها أن تبلَّغ، وإن كنتم تعلمون أني بلغت رسالاتِ ربي لما أخبرتموني ذاك"، قال: فقام رجال، فقالوا: نشهد أنك قد بلغتَ رسالاتِ ربك، ونصحتَ لأمتك، وقضيتَ الذي عليك، ثم سكتوا، ثم قال: "أما بعد، فإن رجالًا يزعمون أن كسوف هذه الشمس، وكسوف هذا القمر، وزوال [وفي رواية أحمد بن يونس عند الروياني: وزؤول] هذه النجوم عن مطالعها لموت رجال عظماء من أهل الأرض، وإنهم قد كذبوا، ولكنها آيات من آيات اللَّه، يعتبر [في رواية أبي نعيم: يفتن] بها عباده، فينظر مَن يُحدِث له منهم توبةً، وايمُ اللَّه، لقد رأيت منذ قمت أصلي ما أنتم لاقون في أمر دنياكم وآخرتكم، وإنه واللَّه لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابًا آخرهم الأعور الدجال، ممسوح العين اليسرى كأنها عين أبي تِحْيَى -لشيخ حينئذ من الأنصار بينه وبين حجرة عائشة-، وإنه متى يخرج، أو قال: متى ما يخرج، فإنه سوف يزعم أنه اللَّه،
стр. 6018
فمن أمن به وصدقه واتبعه، لم ينفعه صالحٌ من عمله سلف، ومن كفر به وكذبه لم يعاقب بشيء من عمله، وقال حسن الأشيب: بسيئ من عمله سلف، وإنه سيظهر، أو قال: سوف يظهر على الأرض كلها، إلا الحرم وبيت المقدس، وانه يحصُر المؤمنين في بيت المقدس، فيزلزلون زلزالًا شديدًا، ثم يهلكه اللَّه وجنوده، حتى إن جِذْمَ الحائط، أو قال: أصل الحائط، وقال حسن الأشيب: وأصل الشجرة لينادي، أو قال: يقول: يا مؤمن، أو قال: يا مسلم، هذا يهودي، أو قال: هذا كافر [في رواية أبي نعيم: يستتر بي]، تعال فاقتله"، قال: "ولن يكون ذلك كذلك حتى تروا أمورًا يتفاقم شأنها في أنفسكم، وتساءلون بينكم هل كان نبيكم ذكر لكم منها ذكرًا، وحتى تزول جبالٌ عن مراتبها، ثم على أثر ذلك القبض"، قال: ثم شهدت خطبةً لسمرة ذكر فيها هذا الحديث، فما قدَّم كلمة، ولا أخَّرها عن موضعها.
فائدة: ذكر النفيلي أن أحمد بن يونس صحف في هذا الحديث، وقال: شيء، وإنما هو: بسيء عمله [علل ابن أبي حاتم (٦/ ٤٠٢/ ٢٧٢٥)].
• وقد رواه الخطابي من طريق أحمد بن يونس، وفيه: فإذا هو بِأزَز، وفيه: "فيُؤزَلون أزلًا شديدًا".
قال الخطابي: "قوله: بأزز؛ يريد: بجمع كثير ضاق عنهم المسجد، يقال: الفضاء منهم أزز، والبيت منهم أزز؛ إذا غصَّ بهم، وقال أبو النجم: واجتمع الأقدام في ضيق أزز، وفي غير هذه الرواية: فإذا المسجد يتأزَّز، وهو يتفعل من الأزيز، تمثيلًا له بأزيز المرجل، وهو صوت الغليان، وما أُراه محفوظًا، وقوله: يُؤزَلون، معناه: يقحطون، قال الأصمعي: الأزل الشدة".
وقال أيضًا في إصلاح غلط المحدثين (٢٠): "ومما يكثر فيه تصحيف الرواة: حديث سمرة بن جندب في قصة كسوف الشمس والصلاة لها، قال: فدُفعنا إلى المسجد، فإذا هو بأززٍ، أي: بجمعٍ كثيرٍ غصَّ بهم المسجد، رواه غير واحد من المشهورين بالرواية: فإذا هو بارزٌ، من البروز، وهو خطأ، ورواه بعضهم: فإذا هو يتأزَّزُ".
وانظر: غريب الحديث لأبي عبيد (٢/ ٤٥٩).
* ورواه أبو عوانة، عن الأسود بن قيس، عن ثعلبة بن عِبَاد، عن سمرة بن جندب، قال: قام يومًا خطيبًا، فذكر في خطبته حديثًا عن رسول اللَّه ﷺ ، فقال سمرة: بينا أنا وغلام من الأنصار نرمي غرضًا لنا على عهد رسول اللَّه ﷺ ، حتى إذا طلعت الشمس فكانت في عين الناظر قِيد رمح أو رمحين اسودَّت [حتى آضت]،. . . فذكر الحديث بطوله بنحو حديث زهير، وفيه: كأنها عين أبي تحيى شيخ من الأنصار، بينه وبين حجرة عائشة خشبة، وفيه: "وإنه يسوق المسلمين الى بيت المقدس، فيحاصرون حصارًا شديدًا"، قال الأسود [يعني: ابن قيس]: وظني أنه قد حدثني: "أن عيسى ابن مريم يصيح فيه، فيهزمه اللَّه وجنوده، حتى إن أصل الحائط"، أو: "جِذْم الشجرة لينادي: با مؤمن هذا كافر، مستتر بي،
стр. 6019
تعال فاقتله. . ."، وفي آخره: "ثم على إثر ذلك القبض"، ثم قبض أطراف أصابعه.
أخرجه ابن حبان (٧/ ١٠١/ ٢٨٥٦)، وأحمد (٥/ ١٧)، وابنه عبد اللَّه في زيادات المسند (٥/ ١٧)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٣٢٩ و ٣٣٢)، وفي المشكل (٧/ ٣٩٨/ ٢٩٥٥)، والطبراني في الكبير (٧/ ١٩٠/ ٦٧٩٨)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٥/ ٢٨٤٤/ ٦٧١٠).
* ورواه وكيع بن الجراح، وأبو نعيم الفضل بن دكين، ومحمد بن يوسف الفريابي، وأبو أحمد الزبيري، وغيرهم:
عن سفيان الثوري، عن الأسود بن قيس، عن ثعلبة بن عباد، عن سمرة بن جندب، قال: صلى بنا النبي ﷺ في كسوفٍ لا نسمع له صوتًا.
أخرجه الترمذي (٥٦٢) (٢/ ٤٧/ ٥٦٨ - ط. التأصيل) (٤٥/ ب - الكروخي). وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٣/ ١١١/ ٥٢٩)، والنسائي في المجتبى (٣/ ١٤٨/ ١٤٩٥)، وفي الكبرى (٢/ ٣٥٠/ ١٨٩٥)، وابن ماجه (١٢٦٤)، وابن حبان (٧/ ٩٤/ ٢٨٥١)، والحاكم (١/ ٣٣٤) (٢/ ١٣٣/ ١٢٥٧ - ط. الميمان). وأحمد (٥/ ١٤ و ١٩)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢٢٠/ ٨٣٢٩)، وأبو بكر ابن أبي مريم فيما رواه من حديث الفريابي عن الثوري (٢٣٩)، والروياني (٨٤٣)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٢٩٧ - ٢٩٨/ ٢٨٩٥)، والطحاوي (١/ ٣٣٣)، وأبو جعفر ابن البختري في الرابع من حديثه (٢٠٩) (٤٥٣ - مجموع مصنفاته). والطبراني في الكبير (٧/ ١٨٨/ ٦٧٩٦)، وابن عبد البر في التمهيد (٩/ ٣٠٣)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٤/ ٣٨١/ ١١٤٥).
• ورواه أبو داود عمر بن سعد الحفري [ثقة عابد، من أصحاب الثوري، مقدَّم فيه على قبيصة وطبقته]، عن سفيان، عن الأسود بن قيس، عن ثعلبة بن عباد، عن سمرة، أن النبي ﷺ خطب حين انكسفت الشمس، فقال: "أما بعد".
أخرجه النسائي في المجتبى (٣/ ١٥٢/ ١٥٠١)، وفي الكبرى (٢/ ٣٥٤/ ١٩٠١)، وأحمد (٥/ ١٦)، وابن أبي شيبة (٥/ ٢٥٨/ ٢٥٨٥٣)، وتمام في الفوائد (١٣٧)، وأبو نعيم فى الحلية (٧/ ١١٧)، والبيهقي (٣/ ٣٣٩).
• تابعه على هذا اللفظ المختصر: قبيصة بن عقبة [ثقة، يخطئ في حديث الثوري]، قال: حدثنا سفيان به نحوه.
أخرجه أبو حامد ابن الشرقي في مسنده الصحيح (١٧ - منتقى منه)، قال: حدثنا أحمد بن يوسف [السلمي: ثقة حافظ]: حدثنا قبيصة به.
• وقد رواه بتمامه عن الثوري:
عبد اللَّه بن المبارك [ثقة ثبت حجة، إمام فقيه]، عن سفيان، عن الأسود بن قيس، عن ثعلبة بن عباد العبدي، قال: صمعت سمرة بن جندب في خطبته، يقول:. . . فذكر الحديث بطوله بنحو رواية الجماعة عن الأسود، وفيه: فإذا المسجد ملآن يتأزز، وفيه:
стр. 6020
"أيها الناس! إنما أنا بشر رسول"، وفيه: وإنه سيُحصَر المؤمنون في بيت المقدس حصرًا شديدًا، ويُؤزَلون أزلًا شديدًا"، وفيه: قال الأسود بن قيس: وحسبت أنه قال: "يصبح فيهم عيسى ابن مريم، فيهزمه اللَّه وجنوده، حتى إن جِذم الحائط، وغصن الشجر"، وفي آخره فسر ابن المبارك القبض بالموت.
أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد (٤١١) مختصرًا. والطبراني في الكبير (٧/ ١٨٩/ ٦٧٩٧) مطولًا.
* ورواه سلام بن أبي مطيع [ثقة]، عن الأسود بن قيس، عن ثعلبة بن عباد، عن سمرة بن جندب، قال: صلى بنا رسول اللَّه ﷺ في كسوف الشمس ركعتين، لا نسمع له فيهما صوتًا.
أخرجه أحمد (٥/ ٢٣).
• وانظر فيمن أغرب به على شعبة، وليس من حديثه: ما أخرجه أبو إسحاق إبراهيم بن محمد المزكي في الأول من فوائده "المزكيات" بانتقاء الدارقطني (٣١).
° قال الترمذي [بعد رواية وكيع عن الثوري]: "حديث سمرة حديث حسن صحيح، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا، وهو قول الشافعي" [وفي بعض نسخ الكروخي (١/ ١٢٦ - قديمي كتب خانة): "حسن صحيح غريب"، وفي مختصر الطوسي اختلاف بين النسخ، ففي بعضها: "حسن"، وفي بعضها: "حسن غريب"، وفي بعضها: "حسن صحيح"، وهو في الأصل ناقل عن الترمذي أحكامه، وكذلك البغوي، وقد قال: "حديث حسن"، وقد نقل تصحيحه جماعة، منهم: ابن قدامة في المغني (٢/ ١٤٣)، والنووي في الخلاصة (٣٠٣٩)، وفي المجموع (٥/ ٥٢)، والمزي في التحفة (٤٥٧٣)، وابن عبد الهادي في التنقيح (٢/ ١١٠)، والزيلعي في نصب الراية (٢/ ٢٣٤)، وابن الملقن في البدر المنير (٥/ ١٢٩)، والهيثمي في المجمع (٢/ ٢١٠)، وابن حجر في التلخيص (٢/ ٩٢)، وغيرهم].
وقد صححه ابن خزيمة، وابن حبان.
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه".
وتعقبه الذهبي بقوله: "ثعلبة مجهول، وما أخرجا له شيئًا".
وقال ابن حزم في المحلى (٥/ ١٠٢): "هذا لا يصح؛ لأنه لم يروه إلا ثعلبة بن عباد العبدي، وهو مجهول".
وقال ابن القطان في بيان الوهم (٤/ ١٩٦/ ١٦٨٤): "وما مثله صُحِّح، فإنه حديث يرويه ثعلبة بن عباد، عن سمرة، وهو رجل من البصرة، عبدي النسب، لا يعرف بغير هذا، رواه عنه الأسود بن قيس، وهو وإن كان ثقة، فإنه قد عُهِد يروي عن مجاهيل، قاله ابن المديني، وثعلبة هذا منهم".
وكان ابن حجر تبع الترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم في تصحيح الحديث،
стр. 6021
حين جزم بذلك، فقال في الإصابة (٧/ ٤٥): "حديث صحيح"، وصحح إسناده أيضًا: النووي في المجموع (٥/ ٥٢).
وثعلبة بن عِبَاد العبدي البصري: ذكره ابن حبان في الثقات، وقال العجلي وابن حزم وابن القطان: "مجهول"، له حديثان هذا أشهرهما، وقد تفرد بالرواية عنه: الأسود بن قيس، وقد قال علي بن المديني: "الأسود بن قيس: روى عن عشرة مجهولين، لا يعرفون" [التاريخ الكبير (٢/ ١٧٤)، ومعرفة الثقات (١٩٥)، والوحدان لمسلم (٧٥٧)، والجرح والتعديل (٢/ ٢٩٢ و ٤٦٣)، والثقات (٤/ ٩٨)، والبدر المنير (٥/ ١٢٩)، والتهذيب (١/ ٢٧٢)].
قال ابن الملقن: "وتصحيح الأئمة الماضين لحديثه يرفع عنه الجهالة".
قلت: لا مفرَّ من القول بجهالة ثعلبة بن عباد، لكن الشأن في تصحيح حديثه وقبوله، أو ردِّه بناءً على ما تقتضيه الصنعة الحديثية، وقد سبق الكلام في ذلك مرارًا، وهو أن حديث المجهول لا يقبل ولا يردُّ لمجرد كون راويه مجهولًا، وإنما العبرة في ذلك بالقرائن الدالة على كون المجهول حفظ الحديث، ووافق فيه الثقات، أم أنه خالفهم، وأتى فيه بما ينكر عليه، ومما سبق تقريره أن حديث المجهول إذا كان مستقيمًا فإنه يكون مقبولًا صحيحًا؛ وذلك تحت الحديث رقم (٧٥٩)، عند حديث هُلْب الطائي [وانظر أيضًا فيما قبلته أو رددته من حديث المجهول: ما تحت الحديث رقم (٧٨٨)، الشاهد الرابع، حديث أم سلمة، وما تحت الحديث رقم (٧٩٥)، وما تحت الحديث رقم (٨٢٥)، والأحاديث الماضية برقم (٩٩١ و ١٠٧٠ و ١١٠٠ و ١١٠٦)]، ومما قلت هناك:
الحكم على الراوي بالجهالة لا يمنع من تصحيح حديثه، فكم من راوٍ حكم أبو حاتم عليه بالجهالة ونحوها ثم صحح حديثه، ثم نقلت بعض النقول في ذلك، ثم قلت: فدل ذلك على أن استقامة حديث الراوي تكفي في قبول حديثه، حتى لو لم يكن مشهورًا بالطلب، لاسيما من كان في طبقة التابعين، والمقصود من هذه النقول بيانُ أن المجهولَ لا يُردُّ حديثه لمجرد جهالته؛ إذ الجهالة وصف لا يلزم منه الجرح، بل يقترن كثيرًا في كلام الأئمة الوصفُ بالجهالة مع التوثيق أو التجريح، ولكن ينظر في حديث المجهول؛ فإن كان حديثه مستقيمًا موافقًا لرواية الثقات صُحِّح حديثه واغتُفرت جهالته، وإن كان حديثه منكرًا رُدَّ ولم يقبل.
• وهذا الحديث الطويل قد اشتمل على معانٍ كثيرة، منها ما هو صحيح، له شواهد تعضده، ومنها ما انفرد به ثعلبة بن عباد، ولم يتابع عليه.
• فمن القسم الأول مما توبع عليه: قيام النبي ﷺ بما أوجب اللَّه عليه من تبليغ الرسالة وأداء الأمانة.
ومنه: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات اللَّه، لا يخسفان لموت أحدٍ، ولا لحياته" [وقد تقدم معنا برقم (١١٨٠)].
стр. 6022
ومنه: أن الساعة لا تقوم حتى يخرج ثلاثون كذابًا [انظر مثلًا: صحيح البخاري (٣٦٠٩)، وصحيح مسلم (١٥٧/ ٨٤) بعد الحديث رقم (٢٩٢٣)].
ومنه: قتال المسلمين لليهود في آخر الزمان، واختباء اليهودي خلف الحجر والشجر، وإخبارهما عنه [انظر مثلًا: صحيح البخاري (٢٩٢٥ و ٢٩٢٦)، وصحيح مسلم (٢٩٢١ و ٢٩٢٢)].
ومنه: ما جاء في شأن الدجال الأعور، وبعض ما يجري في آخر الزمان.
* وأما القسم الثاني الذي انفرد به ثعلبة هذا، ولم يتابع عليه:
فمنه: قوله: وانه سيظهر على الأرض كلها، إلا الحرم وبيت المقدس، وإنه يحصُر المؤمنين في بيت المقدس.
فإنه معارض بما رواه إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة: حدثني أنس بن مالك، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال، إلا مكة والمدينة، وليس نقب من أنقابها إلا عليه الملائكة صافين تحرسها، فينزل بالسبخة، فترجف المدينة ثلاث رجفات، يخرج اليه منها كل كافر ومنافق" [أخرجه البخاري (١٨٨١) وأطرافه. ومسلم (٢٩٤٣)].
ومنه: أن أبا تِحْيَى الأنصاري المشبه عينه بعين الدجال: لا يُعرف إلا في هذا الحديث، قال أبو نعيم في معرفة الصحابة (٥/ ٢٨٤٣): "له ذكر في حديث سمرة بن جندب"، وكذا قال ابن حجر في الإصابة (٧/ ٤٤).
وفي المقابل فقد صح في وصف الدجال: ما أخرجه مسلم (٢١٣٧) من حديث النواس بن سمعان، قال: ذكر رسول اللَّه ﷺ الدجال ذات غداة،. . . فذكر الحديث، وفيه: "إنه شاب قططٌ، عينه طافئة، كأني أشبهه بعبد العزى بن قَطَن".
وما أخرجه البخاري (٣٤٤٠)، ومسلم (١٦٩ و ١٧١)، من حديث ابن عمر، في ذكر الدجال، وفيه: "كأشبه من رأيت من الناس بابن قَطَن"، قال الزهري: "رجل من خزاعة، هلك في الجاهلية"، أي: إنه رجل معروف، مذكور في الأنساب، وله نسل.
ومنه: أن بعض ما ذكره في خطبة الكسوف لم يتابع عليه، وإن كان صحيحًا في نفسه، وله شواهد تعضده، إلا أن من حكى خطبة النبي ﷺ في الكسوف، وهم جمع كبير من الصحابة، لم يذكروا فيه وصف المسيح الدجال، ولا أن الساعة لا تقوم حتى يخرج ثلاثون كذابًا، ولا قتال المسلمين لليهود.
ومنه: زيادة: "وزوال هذه النجوم عن مطالعها" على الشمس والقمر؛ وإنما المحفوظ ما رواه جماعة من الصحابة: "إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته. . . "، بدون زيادة النجوم.
ومنه: ما هو موضع الشاهد في هذا الحديث في صفة صلاة الكسوف، حيث لم يذكر الصفة التي اتفق عليها جماعة من الصحابة [فيما سبق ذكره من حديث: عائشة، وابن
стр. 6023
عباس، وعبد اللَّه بن عمرو، وأسماء، وجابر] في وصف صلاة الكسوف بأنها ركعتان، في كل ركعة ركوعان.
ومنه: النص على عدم سماع الصوت في القيام، وفي الركوع، وفي السجود؛ مما يعني أنه أسر في هذه المواضع الثلاث، أما الإسرار في القيام، فلأنه موضع الجهر بالقراءة، فكأنه يقول: إنه لم يجهر في صلاة الكسوف كما يجهر في الجمعة والعيدين والاستسقاء والمغرب والعشاء والفجر، وأما موضع الاشكال: ففي ذكر الإسرار في الركوع والسجود، إذ الأصل فيهما الإسرار، فإقران الركوع والسجود بالقيام دليل على وقوع الوهم، فضلًا عن مخالفته الأحاديث الصحيحة الصريحة الدالة على جهر النبي ﷺ بالقراءة في صلاة الكسوف، مثل حديث عائشة، وحديث كثير بن عباس عن ابن عباس؛ لأنه مروي بمعناه، وقد تقدما برقم (١١٨٠ و ١١٨١).
هذا من وجه، ومن وجه آخر: فإن هذا الحديث ليس نصًا في الإسرار، ولا يعدو كونه إخبارًا عن حال سمرة، وهو أنه لم يسمع صوت النبي ﷺ ، فإذا أخذنا في الاعتبار نفيه لعدم سماع الصوت في الركوع والسجود، بمعنى عدم سماع تكبيره للركوع والسجود، فمن باب أولى عدم سماع جهره بالقراءة لبعده عن النبي ﷺ ، وفي حديثه ما يدل على ذلك؛ فقد أخبر أنه أتى المسجد وقد غصَّ بالناس وامتلأ؛ فأنى له سماع الصوت!!!، وإلى هذا جنح ابن حبان في صحيحه (٧/ ٩٤) حيث ترجم لحديث سمرة (٢٨٥٢) بقوله: "ذكر الخبر الدالِّ على أن سمرة لم يسمع قراءة المصطفى ﷺ في صلاة الكسوف؛ لأنه كان في أخريات الناس، بحيث لا يسمع صوته".
ويبدو أن البخاري نظر إلى المعنى الأول، حيث أتى فيه ثعلبة بما يخالف رواية الثقات المصرحة بالجهر في القراءة، وهي حديث عائشة، وحديث كثير بن العباس عن ابن عباس [تقدما برقمي (١١٨٠ و ١١٨١)]:
قال البخاري: "حديث عائشة ﵂ في الجهر: أصح من حديث سمرة" [كذا وقع في خلافيات البيهقي (٢/ ٣٨٥ - مختصره). والمعرفة (٥/ ١٥٣/ ٧١٤١ - ط. قلعجي). وهو أصح مما وقع في ترتيب علل الترمذي الكبير (١٦٤): "حديث كثير بن عباس في صلاة الكسوف: أصح من حديث سمرة؛ أن النبي ﷺ أسر القراءة فيها"].
لكنه في المقابل أخرج منه في خلق أفعال العباد الطرف المتعلق بقيام النبي ﷺ بما أوجب اللَّه عليه من تبليغ الرسالة وأداء الأمانة، وهو مما توبع عليه.
وفي هذا إشارة إلى عدم الحكم على الحديث بالنكارة مطلقًا؛ إذ المنكر أبدًا منكر.
° والحاصل: فإن حديث سمرة هذا قد يستشهد به في بعض ما توبع عليه، أعني: في أصله بدون تقييده بخطبة الكسوف، ويبقى ضعيفًا فيما لم يتابع عليه ثعلبة فيه، واللَّه أعلم.
فهو حديث ضعيف.
* وقد روي من وجه آخر مختصرًا بإسناد واهٍ [أخرجه البزار (١٠/ ٤٦٠/ ٤٦٣٨)]
стр. 6024
[تقدم الكلام على إسناده مرارًا. راجع الأحاديث السابقة برقم (٤٥٦ و ٦٧٥ و ٨٤٥ و ٩٧٥ و ١٠٠١ و ١٠٥٧ و ١١١٩)].
* ومما روي في الإسرار بالقراءة في صلاة الكسوف:
ما رواه عمرو بن خالد الحراني، وعبد اللَّه بن المبارك، وحسن بن موسى الأشيب، وزيد بن الحباب [وهم ثقات]:
عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، قال: صليت خلف النبي ﷺ صلاة الخسوف فلم أسمع منه فيها حرفًا واحدًا [من القرآن]. وفي رواية زيد: أن رسول اللَّه ﷺ قرأ في كسوف الشمس، فلم نسمع منه حرفًا.
أخرجه أحمد (١/ ٢٩٣ و ٣٥٠)، وأبو يعلى (٥/ ١٣٠/ ٢٧٤٥)، والطحاوي (١/ ٣٣٢)، والبيهقي في السنن (٣/ ٣٣٥)، وفي المعرفة (٣/ ٨٩/ ١٩٩١).
وهذا حديث ضعيف؛ لضعف ابن لهيعة، وقد صرح بالسماع في رواية الأشيب وابن الحباب.
• ورواه محمد بن عمر الواقدي [وهو: متروك]، قال: حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: صليت خلف رسول اللَّه ﷺ في الكسوف فما سمعت منه حرفًا واحدًا.
أخرجه أبو جعفر ابن البختري في الرابع من حديثه (٢١٠) (٤٥٤ - مجموع مصنفاته). ومكرَم البزاز في فوائده (٩٧)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٣٤٤)، والبيهقي في المعرفة (٣/ ٨٩/ ١٩٩٠).
قال أبو نعيم: "هذا حديث غريب من حديث عكرمة ويزيد، تفرد به الواقدي عن عبد الحميد".
وقال البيهقي: "وبمعناه رواه الحكم بن أبان عن عكرمة".
قلت: الحكم بن أبان: لا بأس به؛ إذا روى عنه ثقة، والبلاء ممن يروي عنه من المتروكين، والضعفاء، مثل: ابنه إبراهيم، والحسين بن عيسى الحنفي، فنتوقف عن قبول الرواية حتى نقف على الإسناد إلى الحكم.
• ثم وجدته بإسناد لا يثبت مثله:
فقد رواه الطبراني في معجمه الكبير (١١/ ٢٤٠/ ١١٦١٢)، ومن طريقه: الضياء في المختارة (١١/ ٣٣٩/ ٣٤٤).
قال الطبراني: حدثنا علي بن المبارك [هو: علي بن محمد بن عبد اللَّه بن المبارك الصنعاني: فيه جهالة. تاريخ الإسلام (٢١/ ٢٣٠)، وله ترجمة تحت الحديث رقم (٦٧٦) (٧/ ٤٢٦ - فضل الرحيم)]: ثنا زيد بن المبارك [الصنعاني: صدوق]: ثنا موسى بن عبد العزيز: ثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: صليت إلى جنب رسول اللَّه ﷺ يوم كسفت الشمس، فلم أسمع له قراءة.
стр. 6025
قلت: موسى بن عبد العزيز العدني القِنباري، وهو صاحب حديث صلاة التسبيح: قال ابن معين: "ما أرى به بأسًا"، وقال مرة: "ثقة"، وقال النسائي: "ليس به بأس"، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: "ربما أخطأ"، وقال ابن المديني: "ضعيف"، وفي رواية محمد بن أحمد البراء عن علي بن المديني: "منكر الحديث"، وضعَّفه، وقال ابن حجر في الإتحاف (٧/ ٤٨٦/ ٨٢٨١) بعد حديث صلاة التسبيح: "ذكره ابن المديني في العلل، فقال: هو حديث منكر، وقال: رأيته في أصل كتاب إبراهيم بن الحكم بن أبان عن أبيه موقوفًا على عكرمة، وموسى بن عبد العزيز راويه: منكر الحديث، وضعَّفه"، وقال السليماني: "منكر الحديث"، وقال البيهقي وابن الجوزي: "مجهول"، وقال الذهبي: لم يذكره أحد في كتب الضعفاء أبدًا، ولكن ما هو بالحجة"، ثم قال: "حديثه من المنكرات، لاسيما والحكم بن أبان ليس أيضًا بالثبت"، قلت: فهو ينفرد عن الحكم بن أبان بما لا يتابع عليه، ويروي عنه مناكير، وقد ضعف جماعة من الأئمة حديث صلاة التسبيح، وقالوا: "ليس فيها حديث يثبت"، منهم الإمام أحمد والترمذي والعقيلي [العلل ومعرفة الرجال (٣/ ١٠/ ٣٩١٩)، ومسائل عبد اللَّه بن أحمد (٣١٥)، ومسائل الكوسج (٣٣٠٩)، والجرح والتعديل (٨/ ١٥١)، وضعفاء العقيلي (١/ ١٢٤)، والثقات (٩/ ١٥٩)، وثقات ابن شاهين (١٣٥٦)، والإرشاد (١/ ٣٢٥)، والميزان (٤/ ٢١٢)، وإكمال مغلطاي (١٢/ ٢٦)، والتكميل في الجرح والتعديل (١/ ٢٥٧)، والتهذيب (٤/ ١٨١)].
وعليه: فإن هذا الحديث لا يثبت من حديث عكرمة عن ابن عباس، واللَّه أعلم.
° وعليه: فلا يثبت في الاسرار بالقراءة شيء صريح، يُعارض به حديث عائشة الصحيح الصريح، وأما حديث عطاء بن يسار عن ابن عباس في ذلك فإنه متأول، واللَّه أعلم.
* * *
١١٨٥ - . . . وهيب: حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن قبيصة الهلالي، قال: كسفت الشمس على عهد رسول اللَّه ﷺ ، فخرج فزِعًا يجرُّ ثوبه، وأنا معه يومئذ بالمدينة، فصلى ركعتين، فأطال فيهما القيام، ثم انصرف وانجلت، فقال: "إنما هذه الآيات يخوِّفُ اللَّهُ بها، فإذا رأيتموها فصلوا كأحدث صلاةٍ صليتموها من المكتوبة".
* حديث منكر
أخرجه الحاكم (١/ ٣٣٣) (٢/ ١٣١/ ١٢٥٣ - ط. الميمان). وأحمد (٥/ ٦١)، وأبو القاسم الحرفي في فوائده بتخريج أبي القاسم الطبري (٢٧)، والبيهقي (٣/ ٣٣٤).
رواه عن وهيب بن خالد [وهو: ثقة ثبت]: موسى بن إسماعيل [واللفظ له]، وأبو سعيد مولى بني هاشم [وهما ثقتان].
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، والذي عندي
следующие страницы →