Полный текст (16 465 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.
стр. 6126
أخرجه أبو بكر النيسابوري في الزيادات على المزني (٨٧)، وابن عدي في الكامل (٣/ ١٠٨)، والبيهقي (٣/ ١٤١).
وهذا حديث منكر؛ ودلهم بن صالح: ضعيف [راجع ترجمته فيما تقدم برقم (١٥٥)].
وقد خالف في ذلك ابن جريج [وهو أثبت الناس في عطاء، وراويته] حيث رواه عن عطاء عن عائشة من فعلها موقوفًا عليها، ويأتي.
ج- ورواه طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن عائشة، قالت: كل ذلك قد فعل رسول اللَّه ﷺ ، قد أتم وقصر، وصام وأفطر في السفر.
أخرجه الشافعي في الأم (٢/ ٣٥٦/ ٣٦٣)، وفي اختلاف الحديث (١٠/ ٥٢/ ٤٨ - أم). وفي المسند (٢٥)، والحارث بن أبي أسامة (١/ ٢٩٨/ ١٩٢ - بغية الباحث). وأبو بكر النيسابوري في الزيادات على المزني (٨٥ و ٨٦)، والدارقطني (٢/ ١٨٩)، والبيهقي في السنن (٣/ ١٤٢)، وفي المعرفة (٢/ ٤٢٤/ ١٥٩١)، وابن عبد البر في التمهيد (١١/ ١٧٣) و (١٦/ ٣٠٤)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٤/ ١٦٦/ ١٠٢٣).
قال الدارقطني: "طلحة: ضعيف".
قلت: هو حديث منكر؛ طلحة بن عمرو بن عثمان الحضرمي المكي: متروك، قال ابن عدي: "عامة ما يرويه لا يُتابع عليه" [التهذيب (٢/ ٢٤٢)].
وقد خالف في ذلك ابن جريج [وهو أثبت الناس في عطاء، وراويته] حيث رواه عن عطاء عن عائشة من فعلها موقوفًا عليها، ويأتي.
د- وروى سعيد بن محمد بن ثواب: ثنا أبو عاصم: ثنا عمر بن سعيد، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة ﵂؛ أن النبي ﷺ كان يقصر في السفر ويتم، ويفطر ويصوم.
أخرجه الدارقطني (٢/ ١٨٩)، ومن طريقه: البيهقي في السنن (٣/ ١٤١)، وفي المعرفة (٢/ ٤٢٥/ ١٥٩٢)، وابن الجوزي في التحقيق (٧٦٤).
قال الدارقطني: "هذا إسناد صحيح".
وقال البيهقي في السنن: "ولهذا شاهد من حديث دلهم بن صالح، والمغيرة بن زياد، وطلحة بن عمرو، وكلهم ضعيف"، وقال في المعرفة بأنه أصح إسناد فيه.
وقال ابن حجر في البلوغ (٤٣١): "رواته ثقات؛ إلا أنه معلول، والمحفوظ عن عائشة من فعلها".
قلت: وهذا حديث منكر؛ عمر بن سعيد، هو: ابن أبي حسين النوفلي، وهو ثقة، من رجال الشيخين، وأبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد: ثقة ثبت مكثر، روى له الجماعة؛ إلا أن سعيد بن محمد بن ثواب الحصري البصري؛ قال عنه ابن حبان: "مستقيم الحديث"، وأخرج له في صحيحه (٢٦٧٠ و ٢٦٧٢)، وصحح الدارقطني إسناد حديثه هذا، لكن له أوهام وغرائب وأفراد كثيرة، منها ما نص عليه الدارقطني في العلل (٣/ ١٥٥/
стр. 6127
٣٥٥)، حيث قلب اسم الشعبي، فقال: "عن محمد"، وإنما هو الشعبي، وقد أورد له الخطيب حديثًا في ترجمته، من طريق ابن صاعد عنه، ثم ذكر ابن صاعد أنه وهم في إسناده، فقال: "وغيره يخالفه في الإسناد"، ولم يوثقه الخطيب، ولم ينقل فيه جرحًا ولا تعديلًا سوى توهيم ابن صاعد له، وحديثه هذا في الأول من فوائد المخلص [الثقات (٨/ ٢٧٢)، وسنن الدارقطني (٢/ ١٨٩)، وعلل الدارقطني (٣/ ١٥٥/ ٣٢٥) و (١٠/ ٥٠/ ١٨٥٢)، وأطراف الغرائب والأفراد (٢/ ١٦٩/ ١٠٣٩) و (٣/ ٢٣ و ١٥٤/ ١٩٨٥ و ٢٢٩٠)، والمخلصيات (١/ ٢٠٢/ ٢٣٧)، وتاريخ بغداد (٩/ ٩٤)، وتاريخ الإسلام (١٩/ ١٥٥)، والبدر المنير (٢/ ٥٠٢)].
ومثل هذا في مثل هذه الطبقة المتأخرة، ممن لم ينص على توثيقه صراحة إمام معتبر، لا يحتمل تفرده بهذا عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، الثقة المشهور، كثير الأصحاب.
وقد خالف في ذلك ابن جريج [وهو أثبت الناس في عطاء، وراويته] حيث رواه عن عطاء عن عائشة من فعلها موقوفًا عليها، ويأتي.
° قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد ذكر عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل أن أباه سئل عن هذا الحديث؟ فقال: هذا حديث منكر، وهو كما قال الإمام أحمد، وإن كان طائفة من أصحابه قد احتجوا به موافقة لمن احتج به كالشافعي، ولا ريب أن هذا حديث مكذوب على النبي ﷺ " [مجموع الفتاوى (٢٤/ ١٤٥)].
وقال شيخ الإسلام: "وكل ما روي عن النبي ﷺ من أنه صلى أربعًا، أو أقر من صلى أربعًا: فإنه كذب" [المجموع (٢٤/ ٩٧)].
ثم حكم في موضع آخر (٢٤/ ١٥٣) بأنه أشد بطلانًا من الحديث السابق ذكره عن عائشة.
وقال ابن القيم في الزاد (١/ ٤٦٤): "وأما حديث عائشة: أن النبي ﷺ كان يقصر في السفر ويتم، وبفطر ويصوم؛ فلا يصح، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هو كذب على رسول اللَّه ﷺ ".
* قلت: والمحفوظ في هذا عن عائشة إنما هو من فعلها، موقوفًا عليها، والظاهر أنه كان بعد وفاة النبي ﷺ ، اجتهادًا منها:
أ- فقد روى ابن جريج [ثقة فقيه، أحد الأعلام، وهو أثبت الناس في عطاء، لزمه سبع عشرة سنة. التهذيب (٢/ ٦١٦)]، عن عطاء، قال: لا أعلم أحدًا من أصحاب النبي ﷺ كان يوفي في السفر إلا سعد بن أبي وقاص، قال: وكانت عائشة توفي الصلاة في السفر، وتصوم. . . الحديث.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٥٦٠/ ٤٤٥٩)، وابن جرير الطبري في تفسيره (٥/ ٢٤٥)، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ٣٣٥/ ٢٢٤٠)، والطحاوي (١/ ٤٢٤)، والعقيلي في الضعفاء (٤/ ١٧٦).
стр. 6128
ب- وروى عفر بن ذر المرهبي [كوفي، ثقة]، قال: أخبرنا عطاء بن أبي رباح؛ أن عائشة كانت تصلي في السفر المكتوبة أربعًا.
أخرجه البيهقى (٣/ ١٤٢).
قال ابن عبد الهادي في التنقيح (٢/ ٤٨): "والصحيح عن عائشة أنها كانت تتم: موقوفًا".
* وقد روي اتمامها في السفر من طرق أخرى:
أ- معمر بن راشد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قال: كانت تصوم في السفر، وتصلي أربعًا، وكانت تتم.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٥٦١/ ٤٤٦١) [راجع تخريجه تحت الحديث رقم (١١٩٨)].
وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، موقوف عليها من فعلها.
ب- وروى ابن عون، قال: قدمت المدينة فأدركت ركعة من العشاء، فصنعت شيئًا برأي، فسألت القاسم بن محمد؟ فقال: أكنت ترى أن اللَّه يعذبك لو صليت أربعًا؟ كانت أم المؤمنين عائشة ﵂ تصلى أربعًا، وتقول للمسلمون [كذا] يصلون أربعًا.
أخرجه الطحاوي (١/ ٤٢٤).
وإسناده صحيح، موقوف على عائشة.
ج- وروى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة؛ أنها كانت تصلي في السفر أربعًا، فقلت لها: لو صليتِ ركعتين؟ قالت: يا ابن أختي إنه لا يشق عليَّ.
تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١١٩٨)، وهو حديث غريب.
• والذي صح في ذلك: أن عائشة تأولت ما تأول عثمان، وأنه لم يكن عندها في ذلك سنة، وإنما كان اجتهادًا منها، أخبر بذلك أحد أثبت أصحابها وابن أختها:
فقد سأل الزهريُّ عروةَ بن الزبير، فقال: ما بال عائشة تتم في السفر [وقد علمت أن اللَّه إنما فرضها ركعتين]؟ قال: إنها تأولت ما تاول عثمان [من إتمام الصلاة بمنى].
روى ذلك عن الزهري جماعة من أصحابه، منهم: معمر بن راشد، وسفيان بن عيينة، وابن جريج، وتقدم ذكر طرقهم تحت الحديث رقم (١١٩٨).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه تعالى: "فهذه عائشة تخبر بأن صلاة السفر ركعتان، وابن أختها عروة أعلم الناس بها يذكر أنها أتمت بالتأويل، لم يكن عندها بذلك سنة" [مجموع الفتاوى (٢٤/ ٨)].
* ومن ذلك: ما حكته عائشة من أن ذلك كان لأجل الخوف:
فقد روى أبو عاصم عمران بن محمد الأنصاري: حدثنا عبد الكبير بن عبد المجيد: حدثنا عمر بن عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، قال: سمعت أبي يقول: سمعت عائشة، تقول في السفر: أتموا صلاتكم، فقالوا: إن رسول اللَّه ﷺ كان
стр. 6129
يصلي في السفر ركعتين، فقالت: إن رسول اللَّه ﷺ كان في حرب، وكان يخاف، هل تخافون أنتم؟
أخرجه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ٢٦٢/ ٤٣٧ - مسند عمر). وفي التفسير (٥/ ٢٤٥).
قلت: عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق المدني المعروف بابن أبي عتيق: ثقة، روايته عن عائشة في الصحيحين [البخاري (٥٦٨٧)، ومسلم (٥٦٠)]، وابنه عمر هذا: لم أجد من ترجم له، ويبدو أنه لا يُعرف حيث لم يذكره المزي فيمن روى عن أبيه، ولم أجد من روى عنه سوى: أبي بكر الحنفي عبد الكبير بن عبد المجيد [وهو: بصري ثقة]، ومحمد بن عمر الواقدي [وهو: متروك، روايته عنه في طبقات ابن سعد (٨/ ٦٤)]، مع قلة روايته جدًا، وشيخ الطبري: أبو عاصم عمران بن محمد الأنصاري: ذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٤٩٩)، وروى عنه جماعة سوى ابن جرير الطبري، وقال مسلمة: "بصري، لا بأس به" [الثقات لابن قطلوبغا (٧/ ٣٨٩)]، وانقلب اسمه عند ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٨/ ٤١)، فقال: "محمد بن عمران بن الحكم الأنصاري، أبو عاصم: بصري، روى عن أبي بكر الحنفي وسلم بن قتيبة وحماد بن مسعدة، سمع منه أبي بسامرا، وروى عنه،. . . سئل أبي عنه، فقال: صدوق"، فاللَّه أعلم.
ولا يحتمل من عمر هذا التفرد عن ابن أبي عتيق عن عائشة بهذا الحديث المنكر المخالف للمعهود من سنة النبي ﷺ من قصره الصلاة في السفر حال الأمن، وفي حجة الوداع آمن ما كان الناس وأكثره [كما في حديث حارثة بن وهب، المشار إليه في الشواهد برقم (٧)، وهو حديث متفق عليه، عند البخاري (١٠٨٣)، ومسلم (٦٩٦)، وأحد ألفاظه: صلى بنا النبي ﷺ أمن ما كان بمنى ركعتين]، والمخالف لما أجاب به النبي ﷺ عمر بن الخطاب أتقدم برقم (١٠٩٩ و ١٢٠٠)، وفيه: "صدقةٌ تصدَّق اللَّه بها عليكم، فاقبلوا صدقته"]، والمخالف لما أجاب به ابن عمر من سأله عن الصلاة في السفر حال الأمن [وهو حديث صحيح، تقدم تحت الحديث رقم (١٢٠٠)، وفيه أن السائل قال لعبد اللَّه بن عمر: إنا نجد صلاة الحضر وصلاة الخوف في القرآن، ولا نجد صلاة السفر في القرآن، فقال له ابن عمر: يا ابن أخي! إن اللَّه بعث إلينا محمدًا ﷺ ولا نعلم شيئًا، وإنما نفعل كما رأينا محمدًا ﷺ يفعل]، والمخالف لما رواه جمع غفير من الصحابة، من قصر النبي ﷺ الرباعية في السفر وهم آمنون، لا يخافون إلا اللَّه، وتواترت به الرواية، وانتشرت به السُّنَّة بين المسلمين علمًا وعملًا من القصر في السفر حال الأمن؛ حتى إنها لا تخفى على أحد من عامة المسلمين فضلًا عن علمائهم، فكيف تخفى بعد ذلك على عائشة، وهي التي روت حديث: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فأُقرَّت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر، وعلى هذا: فهذا الحديث من أبطل الباطل [وقد حكم ببطلانه في الضعيفة (٩/ ١٥٦/ ٤١٤١) العلامة الألباني رحمه اللَّه تعالى]، واللَّه أعلم.
стр. 6130
* ويلحق بدلك ما يشعر بإجماع الصحابة على عدم النكير على من أتم في السفر:
فقد روى عمران بن زيد التغلبي، عن زيد العمي، عن أنس بن مالك ﵁، قال: إنا معاشر أصحاب رسول اللَّه ﷺ كنا نسافر، فمنا الصائم ومنا المفطر، ومنا المتم ومنا المقصر، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، ولا المقصر على المتم، ولا المتم على المقصر.
أخرجه البيهقي (٣/ ١٤٥).
قال الأثرم في الناسخ (٢٣٦) بعد أن ذكر أحاديث القصر عن عائشة وعمر وابن عباس، ثم أعقبها بحديث الإتمام من حديث المغيرة عن عطاء عن عائشة، ومن حديث زيد العمي عن أنس، قال: "وتلك الأحاديث الأولى هي أثبت، وليس هذان بشيء".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "هو كذب بلا ريب" [مجموع الفتاوى (٢٤/ ١٥٤)].
قلت: هذا حديث منكر؛ زيد بن الحواري العمي: ضعيف، وروايته عن أنس مرسلة [التهذيب (١/ ٦٦٤)، وتحفة التحصيل (١١٨)]، وعمران بن زيد: ليس بالقوي.
والحديث رواه جماعة من الثقات من أصحاب حميد بن أبي حميد الطويل، عنه، عن أنس بن مالك، قال: كنا نسافر مع النبي ﷺ [وفي رواية: أن أصحاب رسول اللَّه ﷺ كانوا يسافرون]، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم.
أخرجه البخاري (١٩٤٧)، ومسلم (١١١٨)، وأبو داود (٢٤٠٥) [ويأتي تخريجه في موضعه من السنن إن شاء اللَّه تعالى].
قال ابن الجوزي في حديث زيد العمي: "لا يصح، تفرد به زيد العمي، وليس بشيء، وإنما الحديث المعروف: فمنا الصائم ومنا المفطر" [التحقيق (١/ ٤٩٤)، والتنقيح (٢/ ٤٩)].
* وممن روي عنه الإتمام في السفر: عائشة [وقد صح عنها، ونص عروة على أنها تأولت في ذلك ما تأول عثمان]، وعثمان بن عفان [وقد صح عنه في إتمامه بمنى، وقد تأوله الأئمة، ونص عروة على أنه كان متأولًا]، وسعد بن أبي وقاص [وقد اختلف النقل عنه، قال ابن عبد البر في التمهيد (١٦/ ٣٠٩): "كأنه كان يتم مرة، ويقصر أخرى"]، وحذيفة بن اليمان [وقد اختلف النقل عنه أيضًا].
قلت: وقد اختلف الأئمة في وجه تأول عثمان وعائشة اختلافًا كثيرًا، ومن أقوى ما نسب إلى عثمان في ذلك أنه تأهَّل بمكة، واحتجاجه في ذلك بقول النبي ﷺ : "إذا تأهل الرجل في بلد فليُصلِّ به صلاة المقيم" [أخرجه أحمد (١/ ٦٢ و ٧٥)، والحميدي (٣٦)، والطحاوي في أحكام القرآن (٢/ ١٤٠/ ١٣٩٨ و ١٣٩٩)، وفي المشكل (١٠/ ٤١٦/ ٤٢٢١) و (١٠/ ٤١٧/ ٤٢٢٢)، وابن عبد البر في التمهيد (١٦/ ٣٠٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٩/ ٢٥٦)، والضياء في المختارة (١/ ٥٠٤ و ٥٠٥/ ٣٧٢ - ٣٧٤)]، ولا يثبت هذا؛ فإن مداره على عكرمة بن إبراهيم الأزدي الموصلي، وليس هو بشيء، منكر الحديث [اللسان
стр. 6131
(٥/ ٤٦٠)] [قال أبو حاتم في الجرح (٥/ ٩٤): "مرسل"، وقال البيهقي في المعرفة (٢/ ٤٢٩): "فهذا منقطع، وعكرمة بن إبراهيم: ضعيف"، وقال ابن حجر في الفتح (٢/ ٥٧٠): "فهذا الحديث لا يصح؛ لأنه منقطع، وفي رواته من لا يحتج به"].
وسيأتي بعض وجوه تأول عثمان عند أبي داود برقم (١٩٦١ - ١٩٦٤)، وكلها ضعيفة.
قال ابن القيم في الزاد (١/ ٤٧٣): "وكلاهما تأول تاويلًا، والحجة في روايتهم، لا في تأويل الواحد منهم مع مخالفة غيره له، واللَّه أعلم".
* وقد سبق أن نبهت على أن النبي ﷺ لم يصلِّ رباعية بمكة، لما نزل جبريل فعلمه المواقيت، وجمل ما جاء فيه ذكر عدد الركعات فهو شاذ مردود أو منكر [راجع: فضل الرحيم الودود (٤/ ٣٨٢/ ٣٩٤) و (٤/ ٣٩٣ و ٣٩٤)].
° قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه تعالى: "فهذه عائشة تخبر بأن صلاة السفر ركعتان، وابن أختها عروة أعلم الناس بها يذكر أنها أتمت بالتأويل، لم يكن عندها بذلك سنة" [مجموع الفتاوي (٢٤/ ٨)].
ثم قال: "وأيضًا فإن المسلمين قد نقلوا بالتواتر أن النبي ﷺ لم يصلِّ في السفر إلا ركعتين، ولم ينقل عنه أحد أنه صلى أربعًا قط".
وقال أيضًا (٢٤/ ١٩): "وذلك أن النبي ﷺ في جميع أسفاره كان يصلي الرباعية ركعتين، ولم ينقل أحد أنه صلى في سفره الرباعية أربعًا، بل وكذلك أصحابه معه، والحديث الذى يروى عن عائشة أنها أتمت معه وأفطرت: حديث ضعيف، بل قد ثبت عنها في الصحيح: أن الصلاة أول ما فرضت كانت ركعتين ركعتين ثم زيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر، وثبت في الصحيح عن عمر بن الخطاب أنه قال: صلاة السفر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان؛ تمام غير قصر على لسان نبيكم".
وقال ابن القيم في الزاد (١/ ٤٦٤): "وكان يقصر الرباعية، فيصليها ركعتين من حين يخرج مسافرًا إلى أن يرجع إلى المدينة، ولم يثبت عنه أنه أتم الرباعية في سفره البتة، وأما حديث عائشة: أن النبي ﷺ كان يقصر في السفر ويتم، ويفطر ويصوم؛ فلا يصح، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هو كذب على رسول اللَّه ﷺ ".
* والحاصل: فإنه لا يصح شيء في أن النبي ﷺ أتم رباعية في سفر، أو أقر من صلى أربعًا، ولما كان ثابتًا عن عدد من الصحابة أنهم أتموا في السفر متأولين بعد وفاة النبي ﷺ ، وكان من المعلوم أنهم ما كانوا ليزيدوا في فرضهم -ما ليس منه عامدين- ما يفسد عليهم صلاتهم.
وكذلك فإن المسافر إذا ائتم بمقيم كان عليه أن يتم، وفرض الصلاة لا يزيد بالائتمام.
стр. 6132
دل ذلك على أن المسافر إذا أتم صلاته في السفر لم تبطل، ولم يؤمر بالإعادة.
لكن يكره له الإتمام لما ثبت عن عدد من الصحابة مرفوعًا أن فرض الصلاة في السفر ركعتان، كما في حديث عائشة [تقدم برقم (١١٩٨)]، وحديث ابن عباس، وحديث السائب بن يزيد [تقدما تحت الحديث رقم (١١٩٨)].
والقول بكراهة التربيع في السفر هو الراجح من أقوال الأئمة في ذلك، واللَّه أعلم، قال شيخ الإسلام: "وهذا القول -وهو القول بكراهة التربيع في السفر-: أعدل الأقوال" [مجموع الفتاوى (٢٤/ ٩٣)].
وانظر في فقه هذه المسألة: الأم (٢/ ٣٥٥)، واختلاف الحديث (١٠/ ٥٠)، والأوسط (٤/ ٣٣١)، وشرح المعاني (١/ ٤١٦)، والمحلى (م ٥١٢)، والاستذكار (٢/ ٢٢٣)، والتمهيد (١١/ ١٧٣) و (١٦/ ٣٠٣)، والمغني (٢/ ٥٤)، ومجموع الفتاوى (٢٤/ ٧ و ٨٥)، وزاد المعاد (١/ ٤٦٤).
* * *
стр. 6133
٢٧١ - باب متى يقصر المسافر
١٢٠١ - . . . شعبة، عن يحيى بن يزيد الهنائي، قال: سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة؟ فقال أنس: كان رسول اللَّه ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ -شعبة شك- يصلي ركعتين.
* حديث صحيح
أخرجه مسلم (٦٩١)، وأبو عوانة (٢/ ٧٤/ ٢٣٦٨)، وابن حبان (٦/ ٤٥٣/ ٢٧٤٥)، وأحمد (٣/ ١٢٩)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢٠١/ ٨١٢٣)، وأبو يعلى (٧/ ٢٠٦/ ٤١٩٨)، وابن حزم في المحلى (٥/ ٨)، والبيهقي (٣/ ١٤٦)، وأبو نعيم الحداد في جامع الصحيحين (٢/ ٦٣/ ٩١٩).
رواه عن شعبة: غندر محمد بن جعفر [واللفظ له]، وأبو داود الطيالسي [عند أبي عوانة، بمثل لفظ غندر].
ولفظ غندر [عند أحمد]: عن يحيى بن يزيد الهنائي، قال: سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة؟ قال: كنت أخرج إلى الكوفة فأصلي ركعتين حتى أرجع، وقال أنس: كان رسول ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ -شعبة الشاك- صلى ركعتين.
° ترجم له ابن حبان بقوله: "ذكر الخبر الدال على أن الناوي سفرًا يكون نهاية قصده ما وصفنا [يعني: ثمانية وأربعين ميلًا بالهاشمية]، له قصرُ الصلاة إذا خلَّف دور البلدة وراءه".
لكن حمله الخطابي على ظاهره، فقال في المعالم (١/ ٢٦١): "إن ثبت هذا الحديث كانت الثلاثة الفراسخ حدًا فيما يقصر اليه الصلاة؛ إلا أني لا أعرف أحدًا من الفقهاء يقول به".
قلت: لكن يمكن أن يقال: إن في النص قرينة تدل على أنه جعله حدًا لما تقصر إليه الصلاة، حيث قال أنس: كنت أخرج إلى الكوفة فأصلي ركعتين حتى أرجع؛ يعني: إذا سافر من البصرة إلى الكوفة صلى ركعتين، وكذلك فإن النبي ﷺ كان يقصر إذا سافر مسيرة ثلاثة فراسخ.
لا سيما وقد كان الأوزاعي يقول: كان أنس بن مالك يقصر الصلاة فيما بينه وبين خمسة فراسخ، وذلك خمسة عشر ميلًا [هكذا علقه ابن المنذر في الأوسط (٤/ ٣٥١) بغير إسناد، وكذلك الخطابي في المعالم (١/ ٢٦٢)، وابن بطال في شرحه على البخاري (٣/ ٧٨)، وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية كما في المجموع (٢٤/ ١٣١)، وجماعة غيرهم]، ولكن ذلك لا يثبت عندي؛ لأني لم أقف له على إسناد ثابت متصل، فقد علقه ابن حزم في المحلى (٣/ ٤) و (٥/ ٧)، عن وكيع عن حماد بن زيد عن أنس بن سيرين عن أنس، ولم
стр. 6134
يسنده، وقد رواه ابن أبي شيبة (٢/ ٦٨/ ٦٥٦١)، والطبراني في الكبير (١/ ٢٤٣/ ٦٨١)، من طرق صحيحة عن حماد بن زيد، ويونس بن عبيد، وحماد بن سلمة، عن أنس بن سيرين، أنه خرج مع أنس بن مالك إلى أرض بني سيرين في سفينة، فصلى بهم فيها جلوسًا، وفي بعض طرقه: خرجت مع أنس إلى بني سيرين في سفينة عظيمة، قال: فأمنا فصلى بنا فيها جلوسًا ركعتين، ثم صلى بنا ركعتين أخراوين؛ فهو ثابت عن أنس بدون تقدير المسافة.
• نرجع مرة أخرى إلى حديث أنس والاحتجاج به على أقل مسافة القصر، قال ابن حجر في الفتح (٢/ ٥٦٧): "وهو أصح حديث ورد في بيان ذلك وأصرحه [يعني: أقل مسافة القصر]، وقد حمله من خالفه على أن المراد به المسافة التي يبتدأ منها القصر، لا غاية السفر، ولا يخفى بُعد هذا الحمل"، ثم أورد القرينة السابق إيرادها في النص، ثم قال: "فظهر أنه سأله عن جواز القصر في السفر، لا عن الموضع الذي يبتدأ القصر منه".
وفي شرح الزرقاني (١/ ٤٢٥) [نقلًا عن الفتح]: "ورده القرطبي [ذكره في تفسيره (٥/ ٣٥٤)] بأنه مشكوك فيه، فلا يحتج به؛ فإن أراد لا يحتج به في التحديد بثلاثة أميال فمسلَّم، لكن لا يمتنع أن يحتج به في التحديد بثلاثة فراسخ، فإن الثلاثة أميال مندرجة فيها؛ فيؤخذ بالأكثر احتياطًا.
قلت: الرد على الاحتجاج بحديث أنس هذا على أقل مسافة القصر من وجوه:
الأول: القرينة المذكورة في النص لا تساعد على صحة الدعوى؛ وذلك لأن المسافة بين البصرة والكوفة تقرب من (٤٤٥) كيلو مترًا؛ يعني: أنها تزيد على المسافة فيما بين مكة والمدينة (٤٣٦) بما يقرب من عشر كيلو مترات، وهذه المسافة اتفق العلماء على قصر الصلاة فيها، قال ابن المنذر في الأوسط (٤/ ٣٤٦): "أجمع أهل العلم على أن لمن سافر سفرًا تكون مسافته مثل ما بين المدينة إلى مكة أن يقصر الصلاة؛ إذا كان خروجه فيما تقدم وصفنا له"؛ يعني: لمن كان سفره في حج أو عمرة أو جهاد، والجمهور على إباحة القصر فيمن خرج إلى ما أبيح له، كتجارة ونحوها.
والشاهد أن أنسًا بيَّن للسائل مراده في مسافة القصر، وهو أنه يقصر في مثل ما بين مكة والمدينة، مثل فعل النبي ﷺ في قصره الصلاة في حجة الوداع منذ أن خرج من المدينة إلى أن رجع إليها، ثم زاده على ذلك مسألة أخرى: وهي أن له أن يقصر الصلاة بمجرد خروجه وبروزه من البنيان، مثلما كان يفعل النبي ﷺ ، فقد كان يقصر إذا خرج من المدينة قاصدًا مكة، فيبتدئ قصره من ذي الحليفة، وهذه المسافة المذكورة في حديث أنس هذا [الثلاثة الفراسخ] تقرب من المسافة فيما بين مسجد النبي ﷺ وبين ذي الحليفة، والتي قصر بها النبي ﷺ صلاة العصر، فصلاها ركعتين.
الثاني: أن رواية يحيى بن يزيد الهنائي عن أنس إنما هي تفسير لما رواه ثلاثة من أصحاب أنس:
стр. 6135
فقد روى محمد بن المنكدر، وإبراهيم بن ميسرة، وأبو قلابة عبد اللَّه بن زيد الجرير، عن أنس بن مالك؛ أن رسول اللَّه ﷺ صلى الظهر بالمدينة أربعًا، وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين.
وهو حديث متفق عليه، وهو الحديث الآتي عند أبي داود، والمقصود: أن روايتهم لم تحدد فيها المسافة بالأميال أو الفراسخ، بل حددت بالأماكن المعروفة، ثم جاءت رواية الهنائي لكي تفسرها بتحديد المسافات؛ يعني: أن النبي ﷺ أتم الصلاة بالمدينة، فلما خرج وسار قرابة ثلاثة فراسخ، وبلغ ذا الحليفة، صلى بها العصر ركعتين.
قال ابن قدامة في المغني (٢/ ٤٨): "يحتمل أنه أراد به: إذا سافر سفرًا طويلًا قصر إذا بلغ ثلاثة أميال؛ كما قال في لفظه الآخر: إن النبي ﷺ بالمدينة أربعًا وبذي الحليفة ركعتين".
وقال النووي في المجموع (٤/ ٢٧٧): "وأما حديث أنس: فليس معناه أن غاية سفره كانت ثلاثة أميال، بل معناه أنه كان إذا سافر سفرًا طويلًا فتباعد ثلاثة أميال قصر، وليس التقييد بالثلاثة لكونه لا يجوز القصر عند مفارقة البلد، بل لأنه ما كان يحتاج إلى القصر إلا إذا تباعد هذا القدر؛ لأن: الظاهر أنه ﷺ كان لا يسافر عند دخول وقت الصلاة إلا بعد أن يصليها، فلا تدركه الصلاة الأخرى إلا وقد تباعد عن المدينة، وأما حديث شرحبيل وقوله: إن عمر ﵁ صلى بذي الحليفة ركعتين؛ فمحمول على ما ذكرناه في حديث أنس، وهو أنه كان مسافرًا إلى مكة أو غيرها فمر بذي الحليفة، وأدركته الصلاة فصلى ركعتين، لا أن ذا الحليفة غاية سفره".
الثالث: أن مسلمًا لما أخرج رواية الثلاثة المذكورين عن أنس، أعقبها برواية الهنائي، كالمفسرة لها، في بيان المسافة التي يبتدئ المسافر القصر منها، ثم أتبعها بحديث عمر [تقدم في شواهد الحديث السابق برقم (١٢٠٠)] وهو بنفس المعنى، وفيه: عن جبير بن نفير، قال: خرجت مع شرحبيل بن السمط إلى قرية على رأس سبعة عشر أو ثمانية عشر ميلًا، فصلى ركعتين، فقلت له، فقال: رأيت عمر صلى بذي الحليفة ركعتين، فقلت له، فقال: إنما أفعل كما رأيت رسول اللَّه ﷺ يفعل، وفي زيادة صحيحة عند ابن أبي شيبة: كأنه يريد مكة، يعني: أن عمر إنما ابتدأ قصر الصلاة لما بلغ تلك المسافة، وهي قريبة من ثلاثة فراسخ.
وتصرف أبي داود في هذا الباب يدل على نفس المعنى، حيث ترجم للباب بقوله: "باب متى يقصر المسافر"، يعني: متى يبتدئ المسافر في قصر الصلاة بعد خروجه من بلده، ثم بدأ بحديث الهنائي هذا، ثم أتبعه بحديث ابن المنكدر وابن ميسرة عن أنس في أن النبي ﷺ بدأ قصره من ذي الحليفة، وهي تبعد من مسجده قرابة ثلاثة فراسخ، فاتفق الحديثان في معناهما، وكذلك فعل البيهقي، واللَّه أعلم.
الرابع: ثبت أن النبي ﷺ كان يذهب إلى قباء وإلى العوالي، ولا يقصر، كما ينزل
стр. 6136
سكان العوالي وقباء إلى رسول اللَّه ﷺ ، ولا يقصرون، ولم يكن ذلك يسمى في عرفهم سفرًا [والشواهد على ذلك كثيرة، انظر منها مثلًا: حديث سهل بن سعد الساعدي المتفق عليه، والمتقدم برقم (٩٤١)، وفي بعض ألفاظه: كان قتالٌ بين بني عمرو بن عوف، فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ ، فأتاهم ليُصلِحَ بينهم بعد الظهر، وفي بعضها: بلغ رسولَ اللَّه ﷺ أن بني عمرو بن عوف بقُباء كان بينهم شيء، فخرج يصلح بينهم في أناس من أصحابه، وفي رواية: فذهب رسول اللَّه ﷺ ليصلح بينهم، وفي رواية: فانطلق النبي ﷺ إليهم ليصلح بينهم، وفي رواية: "اذهبوا بنا نصلح بينهم"، وليس في شيء منها أنه سافر اليهم، ولا أنه قصر عندهم صلاة العصر]، واللَّه أعلم.
الخامس: نقل ابنُ جرير الطبري في تهذيب الآثار (٢/ ٨٩٧ و ٩١١ - مسند عمر) الإجماعَ على أن قصر الصلاة غير جائز في مثل هذه المسافة بين المدينة وذي الحليفة، وكان مما قال: "مسافةُ ما بين المدينة وذي الحليفة أقل من أربعة فراسخ،. . .، ولا أحد ممن روي عنه قصر الصلاة في قدر ما ذكرتُ يرى جواز قصرها فيما بين المدينة وذي الحليفة، أو في قدر ذلك من المسافة".
وقال الخطابي في المعالم (١/ ٢٦١): "إن ثبت هذا الحديث كانت الثلاثة الفراسخ حدًا فيما يقصر إليه الصلاة؛ إلا أني لا أعرف أحدًا من الفقهاء يقول به".
قلت: قد ثبت الحديث؛ لكنه محمول على أن الناوي سفرًا تقصر في مثله الصلاة؛ له قصرُ الصلاة إذا خلَّف دور البلدة وراءه، واللَّه أعلم.
• وأما قول ابن عبد البر في يحيى الهنائي: "ليس هو ممن يوثق به في ضبط مثل هذا الأصل" [الاستذكار (٢/ ٢٤٠)، المحرر في الحديث (٤٠١)]، فلا يسلم له لأمور:
أولًا: أن الهنائي روى عنه جماعة من أئمة الحديث مثل: شعبة، وابن علية، وهما بصريان بلديان للهنائي، وأعلم به وبحاله، وفي هذا تقوية له.
ثانيًا: لو كان ما رواه عن أنس منكرًا، لما قال فيه أبو حاتم: "شيخ"، ولما قال فيه ابن معين: "صويلح"، ولما ذكره ابن حبان في ثقاته [التهذيب (٤/ ٤٠٠)، ضعفاء العقيلي (٤/ ٤٣٦)، ولم يورد له العقيلي حديثًا واحدًا انتقده عليه].
ثالثًا: قد صحح حديثه هذا: مسلم، وأبو عوانة، وابن حبان.
رابعًا: هو إسناد بصري، سأل فيه الهنائي أنسًا فأجابه عن سؤاله، ومثل هذا أدعى لضبط الرواية، حيث إنه سأل عما يحتاج اليه، ولم تكن مجرد رواية وقعت له فتحملها، كأن سمع أنسًا يتحدث بذلك، وإنما جاءه الهنائي سائلًا مسترشدًا طالبًا بيان ما أشكل عليه في قصر الصلاة.
خامسًا: أن حديث الهنائي كالمفسر لحديث الثلاثة عن أنس في بيان مقدار المسافة التي يبتدئ المسافر منها قصر الصلاة، واللَّه أعلم.
стр. 6137
* وقد روي خلاف ذلك مرفوعًا، ولا يصح:
رواه هشيم بن بشير [ثقة ثبت]، وعلي بن عاصم [الواسطي: صدوق، كثير الغلط]:
عن أبي هارون، عن أبي سعيد؛ أن النبي ﷺ كان إذا سافر فرسخًا قصر الصلاة. وفي رواية: إذا سار فرسخًا نزل يقصر الصلاة. وفي رواية علي بن عاصم: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ فكان إذا سار فرسخًا تجوَّز في الصلاة.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٥٢٩/ ٤٣١٨)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢٠٠/ ٨١١٣)، وعبد بن حميد (٩٤٧)، وابن عدي في الكامل (٥/ ٧٩)، وابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ٢٣٨).
وإسناده واهٍ بمرة؛ أبو هارون عمارة بن جوين العبدي البصري: متروك، كذبه جماعة [التهذيب (٣/ ٢٠٧)].
* وأقل ما احتج به البخاري في باب أقل مسافة القصر: مسيرة يوم وليلة، وهو اليوم التام، وذلك مسافة أربعة برد بالسير القوي، ولا يثبت ما روي بلفظ البريد.
° قال البخاري في صحيحه:
"وسمى النبي ﷺ يومًا وليلةً سفرًا.
وكان ابن عمر وابن عباس ﵃ يَقصُران ويُفطِران في أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخًا".
وهي أقصى مسافة يمكن قطعها في اليوم والليلة بالسير القوي، ولو كان اسم السفر يطلق على ما هو أقل من مسيرة يوم وليلة لأطلقه النبي ﷺ ؛ وذلك لأنه أراد منع المرأة من السفر بغير محرم، فاستعمل أقل مدة زمنية يمكن أن يطلق عليها اسم السفر:
• فقد روى سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر، تسافر مسيرة يوم [وليلة] إلا مع ذي محرم".
أخرجه البخاري (١٠٨٨)، ومسلم (١٣٣٩)، ويأتي تخريجه في موضعه من السنن إن شاء اللَّه تعالى، برقم (١٧٢٣).
وما روي في ذلك بلفظ اليوم فقط، أو بلفظ الليلة فقط، فهو محمول على إطلاق الجزء على الكل، والعرب قد تطلق جزء الشيء وتريده كله، أعني هنا: اليوم التام، يوم بليلته، قال البيهقي في السنن (٣/ ١٣٩): "وهذه الروايات عن أبي هريرة كلها متفقة في متن الحديث؛ لأن من قال: يومًا أراد به بليلته، ومن قال: ليلة أراد بيومها"، وأما البريد فلا تثبت الرواية فيه، وهي لفظة شاذة تفرد بها سهيل بن أبي صالح، دون ثلاثة من الحفاظ من أصحاب المقبري، وهم: مالك بن أنس، والليث بن سعد، وابن أبي ذئب [ويأتي تخريجه في موضعه من السنن إن شاء اللَّه تعالى، برقم (١٧٢٥)]، واللَّه أعلم.
• قال الأوزاعي: "وعامة العلماء يقولون: مسيرة يوم تام"، قال ابن المنذر: "وبهذا نأخذ" [الأوسط (٤/ ٣٥١)، الصيام لجعفر الفريابي (١١٨)، الاستذكار (٢/ ٢٤٢)].
* وأما ما رواه إسماعيل بن عياش، عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه،
стр. 6138
وعطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس؛ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "يا أهل مكة لا تقصروا الصلاة في أدنى من أربعة برد؛ من مكة إلى عسفان".
أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ٩٦/ ١١١٦٢)، والدارقطني (١/ ٣٨٧)، والبيهقي في السنن (٣/ ١٣٧)، وفي المعرفة (٢/ ٤٢١/ ١٥٨٦)، وعزاه بعضهم لابن خزيمة [ولم أجده فيه، ولم يعزه إليه ابن حجر في الإتحاف (٧/ ٤١٣/ ٨٠٨٨)، ولا السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٦٥٨)].
قال البيهقي: "وهذا حديث ضعيف؛ إسماعيل بن عياش: لا يحتج به، وعبد الوهاب بن مجاهد: ضعيف بمرة، والصحيح أن ذلك من قول ابن عباس".
وقال النووي في المجموع (٤/ ٢٧٧): "هو حديث ضعيف جدًا؛ لأن عبد الوهاب مجمع على شدة ضعفه، وإسماعيل أيضًا ضعيف، لا سيما في روايته عن غير الشاميين".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "باطل بلا شك عند أئمة أهل الحديث" [المجموع (٢٤/ ٣٩)].
وقال في موضع آخر (٢٤/ ١٢٧): "وهذا ما يعلم أهل المعرفة بالحديث أنه كذب على النبي ﷺ ، ولكن هو من كلام ابن عباس".
قلت: هو حديث باطل، عبد الوهاب بن مجاهد بن جبر: متروك، كذبه الثوري، ولم يسمع من أبيه [التهذيب (٢/ ٦٤٠)]، ورواية إسماعيل بن عياش عن الحجازيين ضعيفة، وهذه منها.
* وإنما يُعرف هذا موقوفًا على ابن عباس بإسناد صحيح:
فقد روى سفيان بن عيينة، وأيوب السختياني، وشعبة:
عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس؛ أنه سئل: أنقصر إلى عرفة؟ فقال: لا، ولكن إلى عسفان، وإلى جدة، وإلى الطائف [فإن قدمت على أهلِ لك أو ماشيةٍ فأتم الصلاة]. واللفظ لابن عيينة.
أخرجه الشافعي في الأم (١/ ١٨٣) و (٧/ ١٨٧)، وفي المسند (٢٥ و ٣٨٨)، وعبد الرزاق (٢/ ٥٢٤/ ٤٢٩٧)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢٠٢/ ٨١٤٠)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٢/ ٩٠٥/ ١٢٧١ - مسند عمر) و (٢/ ٩٠٦/ ١٢٧٣ - مسند عمر)، والبيهقي في السنن (٣/ ١٣٧)، وفي المعرفة (٢/ ٤١٨/ ١٥٧٩).
وهذا موقوف على ابن عباس بإسناد صحيح على شرط الشيخين.
وله أسانيد أخرى عن ابن عباس، تركتها اختصار، وإنما أردت بيان بطلان المرفوع.
قال الشافعي: "وأقرب هذا من مكة ستة وأربعون ميلًا بالأميال الهاشمية، وهي مسيرة ليلتين قاصدتين، دبيب الأقدام وسير الثَّقَل".
قلت: وأما بالسير القوي فيعادل مسيرة يوم وليلة.
قلت: وقد قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق: تقصر الصلاة في مسيرة أربعة برد،
стр. 6139
محتجين في ذلك بما ثبت عن ابن عمر وابن عباس موقوفًا عليهما [انظر مثلًا: المدونة (١/ ١١٩ و ١٢٠)، الموطأ (٣٩٢ - ٣٩٩)، الأم (١/ ١٨٢) و (٧/ ١٨٧)، مسائل عبد اللَّه (٤٢٠ و ٤٢٥ و ٤٢٨ و ٧٨١ و ٨٥٨ و ٨٦١ و ٩٣٧)، مسائل صالح (٢٦ و ١١٧٦)، مسائل أبي داود (٥١٤)، مسائل الكوسج (٣٠٩ - ٣١١ و ٤٣١)، مصنف عبد الرزاق (٤٣٠٠ و ٤٣٠١)، تهذيب الآثار للطبري (٢/ ٨٩٩/ ١٢٥٥ - مسند عمر)، الأوسط لابن المنذر (٤/ ٣٤٦)، سنن البيهقي (٣/ ١٣٦)].
وقال أحمد: "مسيرة اليوم التام، مسيرة البغل أربعة برد"، وقال أيضًا: "مسيرة أربعة برد، ستة عشر فرسخًا، في مسيرة اليوم التام" [مسائل ابن هانئ (٤٠٢ و ٤٠٤)].
قلت: فوافق بذلك حديث أبي هريرة المتفق عليه في أقل مسافة سميت في السُّنَّة الصحيحة سفرًا، وهي اليوم التام، يُقطع فيه أربعة برد بالسير القوي، وهي: ثمانية وأربعون ميلًا بالهاشمية، وهي تزيد في زماننا هذا على ثمانين كيلو مترًا، واللَّه أعلم.
* * *
١٢٠٢ - . . . ابن عيينة، عن محمد بن المنكدر، وإبراهيم بن ميسرة، سمعا أنس بن مالك، يقول: صليتُ مع رسول اللَّه ﷺ الظهرَ بالمدينةِ أربعًا، والعصرَ بذي الحليفة ركعتين.
* حديث متفق على صحته
أخرجه مسلم (٦٩٠/ ١١)، وأبو عوانة (٢/ ٧٦/ ٢٣٧٦)، والترمذي (٥٤٦)، وقال: "هذا حديث صحيح"، والنسائي في المجتبى (١/ ٢٣٥/ ٤٦٩)، وفي الكبرى (١/ ٢١٧/ ٣٥١)، والدارمي (١/ ٤٢٤/ ١٥٠٨)، وابن الجارود (١٤٥)، وأحمد (٣/ ١١٠ و ١١١ - ١١٢)، والشافعي في الأم (١/ ١٨٠)، وفي المسند (٢٥)، وعبد الرزاق (٢/ ٥٢٩/ ٤٣١٧)، والحميدي (١١٩١ و ١١٩٣)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢٠٠/ ٨١١٥)، وسعدان بن نصر في جزئه (٥١)، وعلي بن حرب الطائي في الأول من حديث ابن عيينة (٧٣ و ٩٥)، وأبو يعلى (٦/ ٣١٥/ ٣٦٣٣) و (٦/ ٣٣٨/ ٣٦٦٥)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٢/ ٩١٢/ ١٢٨٦ - مسند عمر)، وأبو العباس السراج في مسنده (١٤١٣)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (١٦٦٨)، والبيهقي في السنن (٣/ ١٤٥)، وفي المعرفة (٢/ ٤٣٠/ ١٥٩٨ و ١٥٩٩)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٢/ ٢٨٧).
رواه عن سفيان بن عيينة: أحمد بن حنبل، والشافعي، والحميدي، وسعيد بن منصور، وأبو بكر ابن أبي شيبة، وأبو خيثمة زهير بن حرب، وقتيبة بن سعيد، وعلي بن خشرم، وعبد الرزاق بن همام، وسعدان بن نصر، وعلي بن حرب الطائي، وعثمان بن محمد بن أبي شيبة، ومحمد بن الصباح، وصالح بن مسمار المروزي [وهم ثقات]، وغيرهم.
стр. 6140
وفي رواية أحمد لم يعين الصلاتين: صليت مع النبي ﷺ بالمدينة أربعًا، وبذي الحليفة ركعتين.
* تابع ابن عيينة عليه:
أ - سفيان الثوري [وعنه: عبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان، وأبو نعيم الفضل بن دكين، ووكيع بن الجراح، ومحمد بن يوسف الفريابي، وعبد الرزاق بن همام، ومؤمل بن إسماعيل، وعلي بن قادم]، عن محمد بن المنكدر، وإبراهيم بن ميسرة، عن أنس بن مالك؛ أن رسول اللَّه ﷺ صلى الظهر بالمدينة أربعًا، وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين.
أخرجه البخاري (١٠٨٩)، والدارمي (١/ ٤٢٤/ ١٥٠٧)، وأبو عوانة (٢/ ٧٦/ ٢٣٧٤ و ٢٣٧٥)، وابن حبان (٦/ ٤٥٥/ ٢٧٤٨)، وأحمد (٣/ ١٧٧)، وعبد الرزاق (٢/ ٥٢٩/ ٤٣١٦)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢٠٠/ ٨١١٦)، والبزار (١٢/ ٣٤٨/ ٦٢٣٩)، وأبو يعلى (٦/ ٣١٦/ ٣٦٣٥)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ٢٢٢/ ٣٤٥ - ٣٤٧ - مسند عمر)، وأبو العباس السراج في مسنده (١٤١٥)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (١٦٧٠ و ١٦٧١)، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ٣٤١/ ٢٢٤٨)، والطحاوي (١/ ٤١٨)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ١٠٧)، وفي تاريخ أصبهان (٢/ ٢٣٨)، وابن عبد البر في التمهيد (١٦/ ٣٠١).
ب - ابن جريج: حدثنا محمد بن المنكدر، عن أنس بن مالك ﵁، قال: صلى النبي ﷺ [الظهر] بالمدينة أربعًا، و [صلى العصر] بذي الحليفة ركعتين، ثم بات حتى أصبح بذي الحليفة، فلما ركب راحلته واستوت به أهلَّ.
أخرجه البخاري (١٥٤٦)، وأبو داود (١٧٧٣)، وأحمد (٣/ ٣٧٨)، وعبد الرزاق (٢/ ٥٢٩ - ٥٣٠/ ٤٣٢٠)، والبزار (١٢/ ٣٤٩/ ٦٢٤٢)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ٢٢١/ ٣٤٣ - مسند عمر)، وأبو العباس السراج في مسنده (١٤١٦)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (١٦٧٢)، والطحاوي (١/ ٤١٧ - ٤١٨) و (٢/ ١٢٢)، والبيهقي (٥/ ٣٨)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٢/ ٢٨٨)، وفي الاستذكار (٤/ ٤٨).
هكذا رواه عن ابن جريج جماعة من ثقات أصحابه: هشام بن يوسف الصنعاني [عند البخاري، وفيه إثبات سماع ابن جريج من ابن المنكدر]، ومحمد بن بكر البرساني [عند أبي داود وأحمد والبزار والسراج]، وعبد الرزاق [وفيه إثبات سماع ابن جريج من ابن المنكدر]، وابن وهب [عند الطبري، وفيه إثبات السماع]، ومكي بن إبراهيم [عند الطحاوي، وصرح بالسماع].
• خالفهم: أبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد [ثقة ثبت، من أصحاب ابن جريج]، فرواه عن ابن جريج، قال: أخبرت عن محمد بن المنكدر أو حُدِّثت، عن أنس، قال:. . . فذكره.
أخرجه البزار (١٢/ ٣٤٩/ ٦٢٤١)، قال: وناه محمد بن معمر [هو: ابن ربعي القيسي البحراني، وهو: صدوق]: نا أبو عاصم به.
стр. 6141
وهذا الإسناد لم أجده إلا عند البزار، فإن كان تفرد به؛ فلا يثبت، كيف! وقد ثبت السماع من طرق صحيحة ثابتة! لاسيما في صحيح البخاري!؟ فقد يكون الوهم فيه من البزار نفسه، فإن البزار أحمد بن عمرو بن عبد الخالق: قال فيه الدارقطني: "ثقة، يخطئ كثيرًا، ويتكل على حفظه"، وقال أيضًا: "يخطئ في الإسناد والمتن، حدث بالمسند بمصر حفظًا، ينظر في كتب الناس ويحدث من حفظه، ولم تكن معه كتب، فأخطأ في أحاديث كثيرة، يتكلمون فيه، جرحه أبو عبد الرحمن النسائي" [سؤالات السهمي (١١٦)، سؤالات الحاكم (٢٣)]، وقد أثنى عليه جماعة [انظر: اللسان (١/ ٢٥٧)].
* وخالفهم جميعًا فسلك فيه الجادة والطريق السهل:
عيسى بن يونس [كوفي، ثقة مأمون]، فرواه عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس، قال: صليت مع رسول اللَّه ﷺ بالمدينة أربعًا، وبذي الحليفة ركعتين، ثم بات بها، فلما استوت به راحلته لبي. وفي رواية: ثم بات بذي الحليفة حتى أصبح، فلما ركب راحلته واستوت به أهلَّ.
أخرجه الطحاوي (٢/ ١٢٢)، والطبراني في الأوسط (٨/ ١٣٦/ ٨٢٠٠).
قال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٢٩٧/ ٨٩٣): "سمعت أبي يقول: لا أعلم روى هذا الحديث غير عيسى بن يونس وشعيب بن إسحاق، ولا أدري ابن جريج من أين جاء به؟ والناس يروونه عن إبراهيم بن ميسرة عن أنس".
قلت: بل الناس يروونه عن ابن جريج، عن ابن المنكدر، عن أنس، وهو المحفوظ عن ابن جريج، حيث رواه عنه به ثقات أصحابه، وأكثر الناس عنه رواية.
وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن الزهري إلا ابن جريج، تفرد به: عيسى بن يونس، ورواه غير عيسى عن ابن جريج عن محمد بن المنكدر وإبراهيم بن ميسرة عن أنس".
وقال الدارقطني في العلل (١٢/ ٢١٣/ ٢٦٣١): "ووهم في ذكر الزهري، وإنما رواه ابن جريج عن ابن المنكدر".
وقال ابن حجر في الفتح (٣/ ٤٠٧): "كذا رواه الحفاظ من أصحاب ابن جريج عنه، وخالفهم عيسى بن يونس، فقال: عن ابن جريج عن الزهري عن أنس، وهي رواية شاذة".
(ج - و) - ورواه عمرو بن الحارث [ثقة حافظ]، وعبد العزيز بن عبد اللَّه بن أبي سلمة الماجشون [ثقة فقيه، وعنه: صالح بن مالك الخوارزمي، وهو: ثقة. الجرح والتعديل (٤/ ٤١٦)، الثقات (٨/ ٣١٨)، تاريخ بغداد (٩/ ٣١٦)]، وأبو بكر مرزوق مولى طلحة بن عبد الرحمن الباهلي [صدوق]، وأسامة بن زيد:
عن محمد بن المنكدر، عن أنس بن مالك، قال: صليت مع رسول اللَّه ﷺ الظهر بالمدينة أربع ركعات، ثم خرج إلى بعض أسفاره فصلى لنا عند الشجرة ركعتين. لفظ عمرو [عند ابن حبان]، ولفظ أسامة بنحو لفظ الجماعة.
стр. 6142
ولفظ الماجشون [عند أبي يعلى]: صلى رسول اللَّه ﷺ الظهر بالمدينة أربعًا، وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين، وهو مسافر إلى مكة.
أخرجه ابن حبان (٦/ ٤٥٤/ ٢٧٤٦)، والبزار (١٢/ ٣٤٩/ ٦٢٤٠)، وأبو يعلى (٦/ ٣١٥/ ٣٦٣٤)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ٢٢١/ ٣٤٢ - ٣٤٤ - مسند عمر) و (١٣/ ٩٢/ ١٢٨٧)، وأبو العباس السراج في مسنده (١٤١٤ و ١٤١٧)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (١٦٦٩ و ١٦٧٣)، والطحاوي (١/ ٤١٧ - ٤١٨)، والطبراني في الأوسط (٦/ ٢٦٧/ ٦٣٧٥).
تنبيه: وقع في رواية لأسامة عند البزار: وصلى العصر بالعقيق ركعتين، وهي شاذة، وقد رواه أصحاب أسامة عنه كالجماعة، وفي آخر رواية مولى طلحة: وهي ستة أميال، ولعلها من تفسير الراوي.
• ويبدو أن أسامة بن زيد كان يهم في إسناده، فكان مرة يرويه عن ابن المنكدر وحده، ومرة يرويه عن الزهري وحده، ومرة يجمعهما في الإسناد، وهكذا سلك فيه الجادة ولزم الطريق السهل؛ حيث رواه عن الزهري عن أنس؛ ولا يُعرف من حديث الزهري، إنما هو حديث ابن المنكدر عن أنس.
• أخرجه من طريق أسامة عن الزهري عن أنس: ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ٢٢٢/ ٣٤٨ - مسند عمر)، وأبو العباس السراج في مسنده (١٤٢١)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (١٦٧٩)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ١٥٨).
قال أبو نعيم: "صحيح ثابت متفق عليه من حديث ابن المنكدر عن أنس، ورواه الثوري وابن جريج عنه وعن إبراهيم بن ميسرة عن أنس، وحديث الزهرى وابن المنكدر لم نكتبه مجموعًا إلا من حديث ابن وهب عن أسامة".
قلت: أسامة بن زيد الليثي مولاهم: صدوق، صحيح الكتاب، يخطئ إذا حدث من حفظه، وقد أنكروا عليه أحاديث [تقدمت ترجمته مفصلة عند الحديث رقم (٣٩٤ و ٦٠٠ و ٦١٩)].
ز - محمد بن إسحاق [صدوق]، قال: حدثني محمد بن المنكدر التيمي، عن أنس بن مالك الأنصاري، قال: صلى بنا رسول اللَّه ﷺ الظهر في مسجده بالمدينة أربع ركعات، ثم صلى بنا العصر بذي الحليفة ركعتين، آمنًا لا يخاف، في حجة الوداع.
أخرجه أحمد (٣/ ٢٣٧).
• وروي من حديث شعبة عن ابن المنكدر عن أنس؛ وليس من حديث شعبة قطعًا [أخرجه ابن المظفر في غرائب شعبة (٢٠٨)، والخطيب في تاريخ بغداد (٣/ ٤٠٥)] [وهو حديث باطل من حديث شعبة، تفرد به عنه المعلى بن عبد الرحمن الواسطي: رمي بالوضع، وكذبه غير واحد. التهذيب (٤/ ١٢٢)، الميزان (٤/ ١٤٨)].
° هكذا روى هذا الحديث عن ابن المنكدر على معنى واحد، ولفظ متقارب: سفيان
стр. 6143
الثوري، وسفيان بن عيينة، وعمرو بن الحارث، وعبد العزيز بن عبد اللَّه بن أبي سلمة الماجشون، ومحمد بن إسحاق، وأبو بكر مرزوق مولى طلحة بن عبد الرحمن الباهلي، وأسامة بن زيد الليثي.
وانفرد عنهم ابن جريج، فزاد فيه: ثم بات حتى أصبح بذي الحليفة، فلما ركب راحلته واستوت به أهلَّ.
وقد احتج البخاري في صحيحه بهذه الزيادة، واعتبرها صحيحة، حيث ترجم لها بقوله: "باب من بات بذي الحليفة حتى أصبح".
لكن قال الدارقطني في العلل (١٢/ ٢١٢/ ٢٦٣١): "وهذه الزيادة ليست محفوظة عن ابن المنكدر، ولم يذكرها غير ابن جريج، وقال يحيى القطان: إنه وهمٌ،. . .، والصحيح: رواية الثوري وابن عيينة ومن تابعهما".
قلت: الصواب مع البخاري، فإن ابن جريج من كبار الحفاظ، وزيادته مقبولة، ولم يتفرد بها من حديث أنس، فقد رواه أبو قلابة عن أنس بهذه الزيادة.
* وله طرق أخرى عن أنس:
أ - رواه حماد بن زيد، وإسماعيل بن علية، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، ووهيب بن خالد، وسفيان بن عيينة، ومعمر بن راشد:
عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك ﵁؛ أن رسول اللَّه ﷺ صلى الظهر بالمدينة أربعًا، وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين، لفظ ابن علية [عند البخاري (١٧١٥)، ومسلم. وأحمد]، وابن عيينة [عند الحميدي]، والثقفي [عند البخاري (١٥٤٧)، وزاد في آخره، -قال: وأحسبه بات بها حتى أصبح-.
ولفظ حماد: صلى النبي ﷺ بالمدينة الظهر أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين، وسمعتهم يصرخون بهما جميعًا [الحج والعمرة] [البخاري (١٥٤٨ و ٢٩٥١)، ومسلم (٦٩٠)]، وفي رواية لأبي يعلى بإسناد صحيح: فسمعتهم يصرخون بهما صراخًا؛ بالحج والعمرة.
ورواه وهيب بن خالد: حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس ﵁، قال: صلى رسول اللَّه ﷺ ونحن معه بالمدينة الظهر أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين، ثم بات بها حتى أصبح، ثم ركب حتى استوت به على البيداء؛ حمد اللَّه وسبح وكبر، ثم أهل بحج وعمرة، وأهل الناس بهما، فلما قدِمنا أمر الناس فحلُّوا، حتى كان يوم التروية أهلُّوا بالحج، قال: ونحر النبي ﷺ بدناتٍ بيده قيامًا [وفي رواية: ونحر النبي ﷺ بيده سبعَ بُدنٍ قيامًا]، وذبح [وفي رواية: وضحى] رسول اللَّه ﷺ بالمدينة كبشين [أقرنين] أملحين [البخاري (١٥٥١ و ١٧١٤)].
وفي رواية لوهيب [عند أحمد وغيره]:. . . فلما صلى الصبح ركب راحلته، فلما انبعثت به سبح وكبر حتى استوت به على البيداء، ثم جمع بينهما،. . .
стр. 6144
أخرجه البخاري (١٥٤٧ و ١٥٤٨ و ١٥٥١ و ١٧١٤ و ١٧١٥ و ٢٩٥١)، ومسلم (٦٩٠/ ١٠)، وأبو عوانة (٢/ ٧٦/ ٢٣٧٧ و ٢٣٧٨)، وأبو داود (١٧٩٦ و ٢٧٩٣)، والنسائي في المجتبى (١/ ٢٣٧/ ٤٧٧)، وفي الكبرى (١/ ٢١٣/ ٣٤٠)، وابن خزيمة (٤/ ٢٨٥/ ٢٨٩٤)، وابن حبان (٦/ ٤٥٢/ ٢٧٤٣) و (٦/ ٤٥٣/ ٢٧٤٤) و (٦/ ٤٥٥/ ٢٧٤٧) و (٩/ ٣٢٨/ ٤٠١٩)، والضياء في المختارة (٦/ ٢٣٥/ ٢٢٥٢)، وأحمد (٣/ ١١١ و ١٨٦ و ٢٦٨)، والشافعي في الأم (١/ ١٨٠)، وفي السنن (١٤)، وفي المسند (٢٥)، وعبد الرزاق (٢/ ٥٢٩/ ٤٣١٥)، والحميدي (١١٩٢)، وابن سعد في الطبقات (٢/ ١٧٥)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (٣/ ١٣٧)، والبزار (١٣/ ٢٤٩/ ٦٧٦٣)، وأبو يعلى (٥/ ١٨١/ ٢٧٩٤) و (٥/ ١٩٣/ ٢٨١١) و (٥/ ١٩٤/ ٢٨١٢) و (٥/ ٢٠٣/ ٢٨٢١) و (٥/ ٢٠٤/ ٢٨٢٢)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٢/ ٩١٣/ ١٢٨٨ و ١٢٩٠ - مسند عمر)، وأبو العباس السراج في مسنده (١٤٠٨ - ١٤١٢)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (١٦٦٢ - ١٦٦٧)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٤١٨) و (٢/ ١٩٣)، وفي المشكل (٦/ ٢٢٨/ ٢٤٤٠)، وفي أحكام القرآن (٢/ ٧٢/ ١٢٦٣)، وابن حزم في المحلى (٧/ ١٠٠)، وفي حجة الوداع (١٠ و ٣٠٩ و ٣٧٠ و ٤٨١ و ٥٢٥)، والبيهقي في السنن (٣/ ١٤٦) و (٥/ ١٠ و ٤٠)، وفي المعرفة (٢/ ٤٣٠/ ١٦٠٠ و ١٦٠١)، وابن عبد البر في التمهيد (١٦/ ٣٠١)، وفي الاستذكار (٢/ ٢٤٠)، والخطيب في المدرج (١/ ٥١٧ - ٥١٩)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٧/ ٧١/ ١٨٧٩)، وفي الشمائل (٦٢٦ و ٧١٨)، وأبو نعيم الحداد في جامع الصحيحين (٢/ ٦٢/ ٩١٧).
* تنبيهات:
• الأول: جاء على هامش اليونينية (٢/ ١٧١ - ط المنهاج) (٢/ ٤٧٢ - ط التأصيل) (١/ ٤٥٤ - ط الفاريابي) [لأبي ذر عن المستملي وحده] ما نصه:
باب من نحر بيده، حدثنا سهل بن بكار: حدثنا وهيب، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، وذكر الحديث، قال: ونحر النبي ﷺ بيده سبعَ بُدنٍ قيامًا، وضحى بالمدينة كبشين أملحين أترنين. مختصرًا. [وانظر: الفتح لابن حجر (٤/ ٦٦٤)، وهو في الطبعات الملفقة برقم (١٧١٢)].
• الثاني: لما أخرج البخاري الحديث من طريق ابن علية عن أيوب به (١٧١٥) مقتصرًا على موضع الشاهد: صلى النبي ﷺ الظهر بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين، أتبعه بقوله: وعن أيوب، عن رجل، عن أنس ﵁: ثم بات حتى أصبح، فصلى الصبح، ثم ركب راحلته حتى إذا استوت به البيداء أهل بعمرة وحجة.
وهذا اللفظ الذي أُبهم فيه أبو قلابة، قد رواه البخاري من طريق وهيب عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس، برقم (١٥٥١ و ١٧١٤)، وأشار فيه إلى رواية ابن علية هذه، والأقرب أن وهيبًا قد حفظه عن أيوب به جميعًا عن أبي قلابة، وشك فيه ابن علية، فأبهم شيخ أيوب في الحديث الثاني، وهما حديث واحد، فرقه ابن علية حديثين، ومن حفظ
стр. 6145
حجة على من لم يحفظ، وقد تابع وهيبًا على بعضه: حماد بن زيد وعبد الوهاب الثقفي، وقد احتج البخاري برواية وهيب هذه في ثلاثة مواضع، فقال في الموضع الأول (١٥٥١): "باب التحميد والتسبيح والتكبير قبل الإهلال عند الركوب على الدابة"، وقال في الموضع الثاني (١٧١٢): "باب من نحر بيده"، وقال في الموضع الثالث (١٧١٤): "باب نحر البدن قائمة" [انظر: الفتح لابن حجر (٤/ ٤٤٠ و ٦٦٧)، الفصل للوصل المدرج في النقل (١/ ٥١٧ - ٥١٩)، التغليق (٣/ ٥٥)].
• الثالث: انفرد وهيب بن خالد عن أيوب في هذا السياق ببعض الألفاظ لم يتابع عليها:
الأولى: ثم ركب حتى استوت به على البيداء؛ حمد اللَّه وسبح وكبر، ثم أهل بحج وعمرة، وفي رواية: فلما صلى الصبح ركب راحلته، فلما انبعثت به سبح وكبر حتى استوت به على البيداء، ثم جمع بينهما.
قال أبو داود: "الذي تفرد به -يعني: أنسًا- من هذا الحديث: أنه بدأ بالحمد والتسبيح والتكبير، ثم أهل بالحج".
قلت: إذا ثبت الحديث لزم العمل به، وقد ثبت بإسناد صحيح، ووهيب: ثقة ثبت حافظ، من كبار حفاظ البصرة، ومن أصحاب أيوب السختياني المكثرين عنه، فلا غرو أن ينفرد عنه دون بقية أصحابه، لاسيما وقد اختلف الأئمة فيمن يقدَّم في أصحاب أيوب عند الاختلاف: إسماعيل بن علية، أو وهيب بن خالد، فقدم عبد الرحمن بن مهدي وهيبًا على ابن علية، وقدَّم يحيى القطانُ ابنَ علية [التهذيب (٤/ ٣٣٣)]، وهذا مما يدل على اختصاص وهيب بأيوب، وأنه من المكثرين عنه، والمقدمين فيه، وممن يحتمل تفرده عنه، ولذلك فقد احتج البخاري بما تفرد به عن أيوب هنا في ثلاثة مواضع، تقدم بيانها قريبًا، منها قوله: "باب التحميد والتسبيح والتكبير قبل الإهلال عند الركوب على الدابة".
الثانية: ونحر النبي ﷺ بيده سبعَ بُدنٍ قيامًا.
وفي هذا مخالفة لحديث جابر [عند مسلم (١٢١٨)] حين قال: فنحر ثلاثًا وستين بيده، ثم أعطى عليًا، فنحر ما غبر، والجمع بينهما ممكن، وقد ذكر ابن حزم في حجة الوداع (٣٠٠) ثلاثة أوجه للجمع بينهما، أقواها: أن يكون أنس لم يشاهد إلا نحره ﷺ سبعًا فقط بيده، وشاهد جابر تمام نحره ﷺ للباقي، فأخبر كل واحد منهما بما رأى وشهد، ثم قال: "فتصح جميع الأخبار، ويُنفى عنها كل التعارض، واللَّه أعلم أيَّ ذلك كان؛ إلا أنهم ﵃ كلهم صادق في ما حكى، وباللَّه تعالى التوفيق" [وانظر: زاد المعاد (٢/ ٢٦٠)].
وقال ابن خزيمة (٤/ ٢٨٥): "لا يكون نفيًا عما زاد على ذلك العدد، وليس في قول أنس: نحر رسول اللَّه ﷺ بيده سبع بدنات؛ أنه لم ينحر بيده أكثر من سبع بدنات؛ لأن: جابرًا قد أعلم: أنه قد نحر بيده ثلاثة وستين من بدنة".
стр. 6146
وكذلك فقد احتج البخاري بهذه اللفظة في موضعين، وترجم لها بقوله: "باب من نحر بيده"، وقال أيضًا: "باب نحر البدن قائمة".
والثالثة: وذبح [وفي رواية: وضحى] رسول اللَّه ﷺ بالمدينة كبشين أقرنين أملحين.
وهذه اللفظة توهم بظاهرها أن ذلك كان في ذي الحجة من نفس السنة التي حج فيها النبي ﷺ ، وهذا يخالف:
ما رواه عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي: حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس؛ أن رسول اللَّه ﷺ انكفأ إلى كبشين أقرنين أملحين، فذبحهما بيده.
أخرجه البخاري (٥٥٥٤).
قال البخاري: "تابعه وهيب عن أيوب".
قلت: يعني على أصل حديثه، وإلا فإن سياق رواية وهيب إنما هو في حجة الوداع، فأشعر بأن النبي ﷺ وكَّل من يضحي عنه بالمدينة، ورواية الثقفي هذه تدل على أنه ذبحهما بالمدينة بنفسه، لا بالوكالة، لقوله: فذبحهما بيده، يعني: أنه كان بالمدينة حين ذبحهما، وهذا يخالف ظاهر رواية وهيب؛ إلا إذا حملنا رواية وهيب على ذكر ما وقع من النبي ﷺ من عادته في الأضحية قبل حجة الوداع، فلما حج نحر بيده سبع بدنات، خلافًا لما اعتاده في المدينة من تضحيته بكبشين.
فلما كان الجمع بين ظاهر هاتين الروايتين ممتنع إذا قلنا بأنهما وقعا في زمان واحد، وأنهما واقعة واحدة، لاختلاف المكان وتباعده، فدل على أن وهيبًا أدخل حديثًا في حديث، لاتحادهما في السند، فأوهم معنى جديدًا، والصواب: رواية الثقفي، ومن ثم فلم يثبت أن النبي ﷺ ضحى في حجة الوداع، واللَّه أعلم.
* ومن المتابعات لرواية وهيب المطولة غير ما تقدم ذكره:
أ - روى عبد الوهاب الثقفي: حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس ﵁، قال: كنت رديف أبي طلحة، وإنهم ليصرخون بهما جميعًا؛ الحج والعمرة.
أخرجه البخاري (٢٩٨٦)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٧/ ٧٢/ ١٨٨٠).
ب - ورواه معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة [وحميد بن هلال]، عن أنس؛ قال: كنت رديف أبي طلحة، وهو يساير النبي ﷺ ، فقال: إن رجلي لتمس غرز النبي ﷺ ، فسمعته يلبي بالحج والعمرة معًا.
أخرجه أحمد (٣/ ١٦٤)، والدارقطني في الأفراد (١/ ١٨٣/ ٨١٩ - أطرافه)، وابن حزم في حجة الوداع (٤٨٢).
ومعمر بن راشد وإن كان ثقة في الزهري وابن طاووس؛ إلا أنه كان يُضعَّف حديثه عن أهل العراق خاصة، وحديثه عن أهل البصرة فيه ضعف، وأيوب بصري [انظر: تاريخ دمشق (٥٩/ ٤١٤)، شرح علل الترمذي (٢/ ٧٧٤)].
ج - ورواه عبيد اللَّه بن عمرو الرقي [ثقة، وليس بالثبت في أيوب]، عن أيوب، عن
стр. 6147
أبي قلابة وحميد بن هلال، عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنت رديف أبي طلحة، وركبتي تمس ركبة النبي ﷺ فلم يزالوا يصرخون بهما جميعًا بالحج والعمرة.
أخرجه أبو يعلى (٧/ ٢٠٢/ ٤١٩١)، وأبو عوانة (١/ ٦٧٠/ ١٠٥٧ - إتحاف المهرة)، والطحاوي (٢/ ١٥٣)، والطبراني في الأوسط (١/ ٢٤٨/ ٨١٤).
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن أيوب عن حميد بن هلال إلا عبيد اللَّه بن عمرو".
د - وروى أبو عامر العقدي عبد الملك بن عمرو، ويونس بن محمد المؤدب، وسريج بن النعمان [وهم ثقات]:
حدثنا فليح، عن عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان التيمي، عن أنس بن مالك أنه أخبره؛ أن النبي ﷺ كان إذا خرج إلى مكة صلى الظهر بالشجرة سجدتين.
وهو حديث صحيح، أصله في صحيح البخاري (٩٠٤)، وتقدم تخريجه برقم (١٠٨٤).
وهذا الحديث يخالف حديث محمد بن المنكدر، وإبراهيم بن ميسرة، وأبي قلابة، عن أنس بن مالك ﵁؛ أن رسول اللَّه ﷺ صلى الظهر بالمدينة أربعًا، وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين.
ويوافق حديث أشعث بن عبد الملك الحمراني، عن الحسن، عن أنس بن مالك؛ أن النبي ﷺ صلى الظهر، ثم ركب راحلته فلما علا على جبل البيداء أهلَّ.
أخرجه أبو داود (١٧٧٤)، ويأتي تخريجه في موضعه.
ويوافق حديث قتادة، عن أبي حسان، عن ابن عباس ﵄، قال: صلى رسول اللَّه ﷺ الظهر بذي الحليفة، ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وسلت الدم، وقلَّدها نعلين، ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج.
أخرجه مسلم (١٢٤٣)، ويأتي تخريجه عند أبي داود برقم (١٧٥٢).
ويمكن الجمع بينها بأن النبي ﷺ صلى الظهر بالمدينة أربعًا، ثم انطلق إلى ذي الحليفة فأدرك العصر بها، وصلاها ركعتين، ثم بات بها حتى أصبح، ثم مكث بها حتى صلى الظهر، ثم أشعر بدنته، وأهل بالحج والعمرة، وارتحل متجهًا إلى مكة.
ولا يعارض ذلك رواية وهيب المتقدمة المشعرة بأنه ارتحل بعد صلاة الصبح، فلعله تهيأ لذلك ثم عرض له عارض فأخر الارتحال حتى صلى الظهر، ثم ارتحل، واللَّه أعلم.
• ولحديث أنس طريق أخرى في غاية الوهاء [أخرجه أبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/ ١٣٩)] [وفي إسناده: يوسف بن خالد السمتي، وهو: متروك، كذبه ابن معين والفلاس وأبو داود، ورماه ابن حبان بالوضع. انظر: التهذيب (٤/ ٤٥٤)، وابنه: خالد بن يوسف، وهو: ضعيف. انظر: الثقات (٨/ ٢٢٦)، الكامل (٣/ ٤٥)، الميزان (١/ ٦٤٨)، اللسان (٣/ ٣٥٠)].
стр. 6148
• وحديث أنس هذا له طرق أخرى ليس هذا موضع ذكرها، وإنما أذكر متابعات لحديث أنس في صلاته بذي الحليفة ركعتين، أو متابعات لحديث أيوب عن أبي قلابة عن أنس بطوله، واللَّه أعلم.
° قال أبو بكر ابن المنذر في الأوسط (٤/ ٣٥٤): "يلزم المقيم ما دام مقيمًا إتمام الصلاة، فإذا عزم على السفر وخرج من منزله ولم يبرز عن قريته؛ واختلفوا في أمره؛ فعليه الإتمام على أصل ما كان عليه حتى يبرز عن بيوت القرية، فإذا برز عنها قصر إذا كان سفره يُقصر في مثله الصلاة، إذ لا أعلم أحدًا يمنعه من ذلك، ولا نعلم النبي ﷺ قصر في شيء من أسفاره إلا بعد خروجه عن المدينة، فأما ما روي عن مجاهد فقد تكلم في إسناده، والسُّنَّة تدل على خلافه، صلى النبي ﷺ بذي الحليفة ركعتين، وليس بينها وبين المدينة يوم ولا نصف يوم"، قلت: بل أقل من نصف يوم يقينًا، فإنه صلى الظهر بالمدينة أربعًا، ثم أدرك العصر بذي الحليفة فصلاها ركعتين، ويقع ذلك يقينًا في أقل من نصف النهار؛ فإن نصف النهار ينقضي بزوال الشمس ودخول وقت الظهر [وكان حينها يدخل في قرابة الساعة (١٢: ٣٦)]، ثم إدراكه ﷺ العصر بذي الحليفة يقتضي أنه صلاها في وقتها وقبل اصفرار الشمس [وكان وقت العصر حينها يدخل في قرابة الساعة (٣: ٥٣)]، فيكون ذلك قبل انقضاء النصف الثاني من النهار بساعة أو أكثر على اختلاف الفصول [حيث إن الشمس تغرب في هذا الوقت من السنة قريبًا من الساعة (٦: ٢١)]، لاسيما لو قلنا بأن ذلك كان في الخامس والعشرين من ذي القعدة تقريبًا [قالت عائشة: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ لخمس بقين من ذي القعدة. البخاري (١٧٠٩ و ١٧٢٠ و ٢٩٥٢)، مسلم (١٢١١/ ١٢٥)]، وذلك يوافق (٢٢/ ٢/ ٦٣٢) الثاني والعشرين من شهر فبراير لسنة (٦٣٢) ميلادية؛ يعني: أن ذلك كان في فصل الربيع، وبناء على ذلك فيكون النبي ﷺ قد قطع هذه المسافة فيما بين أربع وخمس ساعات، فإذا ضاعفنا هذا الزمن ليكتمل اليوم التام، وضربنا نفس العامل في طول المسافة بين المسجد النبوي وذي الحليفة، أمكننا الحصول على المسافة المقطوعة في اليوم التام، واللَّه أعلم.
* وفي صلاة النبي ﷺ بذي الحليفة ركعتين أحاديث، منها:
١ - حديث عمر بن الخطاب:
رواه شعبة، عن يزيد بن خمير الهمداني، قال: سمعت حبيب بن عبيد، يحدث عن جبير بن نفير، عن ابن السمط، قال: رأيت عمر بن الخطاب يصلي بذي الحليفة ركعتين [وفي رواية: كأنه يريد مكة]، فسألته عن ذلك، فقال: إنما أفعل كما رأيت رسول اللَّه ﷺ يفعل.
وفي رواية: عن جبير بن نفير، قال: خرجت مع شرحبيل بن السمط إلى قرية على رأس سبعة عشر أو ثمانية عشر ميلًا، فصلى ركعتين، فقلت له، فقال: رأيت عمر صلى بذي الحليفة ركعتين، فقلت له، فقال: إنما أفعل كما رأيت رسول اللَّه ﷺ يفعل.
стр. 6149
وفي رواية: عن ابن السمط؛ أنه سمع عمر يقول: صليت مع رسول اللَّه ﷺ بذي الحليفة ركعتين.
أخرجه مسلم (٦٩٢) [تقدم ذكره في شواهد الحديث السابق برقم (١٢٠٠)].
٢ - حديث ابن عمر:
رواه ابن شهاب، قال: فإن سالم بن عبد اللَّه بن عمر، أخبرني عن أبيه ﵁، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يهلُّ ملبِّدًا، يقول:. . . فذكر التلبية، ثم قال: كان رسول اللَّه ﷺ يركع بذي الحليفة ركعتين، ثم إذا استوت به الناقةُ قائمةً عند مسجد ذي الحليفة، أهل بهؤلاء الكلمات،. . . الحديث.
أخرجه مسلم (١١٨٤)، ويأتي تخريجه عند أبي داود برقم (١٧٤٧)، إن شاء اللَّه تعالى.
٣ - حدبث ابن عباس [أخرجه مسلم (١٢٤٣)، ويأتي تخريجه عند أبي داود برقم (١٧٥٢)، وتقدمت الإشارة إليه قريبًا].
* * *
٢٧٢ - باب الأذان في السفر
١٢٠٣ - . . . ابن وهب، عن عمرو بن الحارث؛ أن أبا عُشَّانةَ المعافريَّ حدثه، عن عُقبة بن عامر، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "يعجب ربكم من راعي غنم في رأس شَظِيَّةٍ بجبلٍ، يؤذِّن للصلاة ويصلي، فيقول اللَّه : انظروا إلى عبدي هذا يؤذِّن، ويقيم للصلاة، يخاف مني، قد غفرتُ لعبدي وأدخلتُه الجنة".
* حديث صحيح
أخرجه النسائي في المجتبى (٢/ ٢٠/ ٦٦٦)، وفي الكبرى (٢/ ٢٤٧/ ١٦٤٢)، وابن حبان (٤/ ٥٤٥/ ١٦٦٠)، وأحمد (٤/ ١٥٨)، وابن أبي الدنيا في العزلة والانفراد (١٩١)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١/ ٢٥٠/ ٧٥٢)، وفي السُّنَّة (٥٧٢)، والروياني (٢٣٢)، والطبراني في الكبير (١٧/ ٣٠١/ ٨٣٣)، والبيهقي (١/ ٤٠٥).
رواه عن ابن وهب: هارون بن معروف، ومحمد بن سلمة الحراني، وحرملة بن يحيى، وأحمد بن صالح، وهاشم بن القاسم بن شيبة الحراني القرشي [وهم ثقات]، ويعقوب بن حميد بن كاسب [حافظ، له مناكير وغرائب، تقدم ذكره مرارًا]، وأحمد بن عبد الرحمن بن وهب [ابن أخي ابن وهب: أكثر عن عمه، وهو صدوق تغير بآخره، كان مستقيم الأمر، ثم خلَّط بعدُ فحدَّث بما لا أصل له، حتى رمي بالكذب، تقدم ذكره مرارًا، انظر مثلًا: ما تقدم برقم (١٤٨ و ٧١٤ و ٨٢٩)].
وهذا إسناد مصري صحيح، وقد صححه ابن حبان، واحتج به أبو داود والنسائي [وانظر: التاريخ الكبير (٣/ ١١٩)].
стр. 6150
* ورواه ابن لهيعة [ضعيف، صالح في المتابعات]: حدثنا أبو عشانة، عن عقبة بن عامر، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "يعجب ربك من راعي غنم في رأس الشظية للجبل يؤذِّن بالصلاة ويصلي، فيقول اللَّه: انظروا إلى عبدي هذا، يؤذن وبقيم، يخاف شيئًا؟ قد غفرت له وأدخلته الجنة".
أخرجه أحمد (٤/ ١٤٥ و ١٥٧)، والطبراني في الكبير (١٧/ ٣٠٩/ ٨٥٥).
* وفي الباب أحاديث كثيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر:
١ - حديث أبي ذر:
رواه زيد بن وهب، قال: سمعت أبا ذر، يقول: كنا مع النبي ﷺ [في سفر]، فأراد المؤذن أن يؤذن الظهر، فقال: "أبرد"، ثم أراد أن يؤذن، فقال: "أبرد" -مرتين أو ثلاثًا-، حتى رأينا فيء التلول [ثم أمره، فأذن وأقام]، ثم قال: "إن شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة".
حديث متفق عليه [البخاري (٥٣٥ و ٥٣٩ و ٦٢٩ و ٣٢٥٨)، ومسلم (٦١٦)]، تقدم برقم (٤٠١)، في فضل الرحيم الودود (٥/ ٥/ ٤٠١).
٢ - حديث ابن عمر:
رواه عبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر؛ أنه نادى بالصلاة بضَجْنانَ في ليلةٍ ذاتِ بردٍ وريح، فقال في آخر ندائه: ألا صلُّوا في رحالكم، ألا صلوا في الرِّحال، ثم قال: إن رسول اللَّه ﷺ كان يأمر المؤذِّنَ إذا كانت ليلةٌ باردةٌ، أو ذاتُ مطرٍ، في سفرٍ، يقول: "ألا صلوا في رحالكم".
وهو حديث متفق عليه [البخاري (٦٣٢)، ومسلم (٦٩٧/ ٢٣ و ٢٤)]، تقدم برقم (١٠٦٢).
٣ - حديث أسامة بن عمير:
رواه قتادة، عن أبي المليح، عن أبيه، أنه شهد رسول اللَّه ﷺ بحنين، في يوم مطير، أمر مناديه فنادى أنِ: "الصلاةُ في الرحال".
وهو حديث صحيح، تقدم برقم (١٠٥٧).
٤ - حديث مالك بن الحويرث:
رواه خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحُوَيرِث: أن النبي ﷺ قال له -أو: لصاحب له-: "إذا حضرت الصلاة فأذِّنا، ثم أقيما، ثم لْيَؤُمَّكما أكبرُكما".
وفي رواية: "إذا سافرتما وحضرت الصلاة: فأذِّنا، وأقيما، وليؤمَّكما أكبرُكما".
وهو حديث متفق عليه [البخاري (٦٣٠ و ٦٥٨ و ٢٨٤٨)، ومسلم (٦٧٤/ ٢٩٣)]، تقدم برقم (٥٨٩)، في فضل الرحيم الودود (٦/ ٥٤٢/ ٥٨٩).
٥ - حديث أبي قتادة:
رواه ثابت، عن عبد اللَّه بن رباح، عن أبي قتادة، قال: خطبنا رسول اللَّه ﷺ ،
стр. 6151
فقال: "إنكم تسيرون عشيتكم وليلتكم، وتأتون الماء إن شاء اللَّه غدًا" فانطلق الناس لا يلوي أحد على أحد، قال أبو قتادة: فبينما رسول اللَّه ﷺ يسير حتى ابهارَّ الليلُ،. . . فذكر الحديث بطوله في قصة نومهم عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس وهم مسافرون، وفيه: ثم أذَّن بلالٌ بالصلاة، فصلى رسول اللَّه ﷺ ركعتين، ثم صلى الغداة فصنع كما كان يصنع كل يوم،. . . وذكر بقية الحديث.
وهو حديث صحيح، أخرجه مسلم (٦٨١)، وتقدم تخريجه برقم (٤٣٧)، في فضل الرحيم الودود (٥/ ٣٠٨/ ٤٣٧).
وانظر أيضًا: حديث أبي هريرة برقم (٤٣٥) [فضل الرحيم الودود (٥/ ٢٩٧/ ٤٣٥)].
٦ - حديث عمران بن حصين:
رواه عوف بن أبي جميلة، قال: حدثنا أبو رجاء، قال: حدثني عمران بن حصين، قال: كنا في سفرٍ مع النبي ﷺ ، وإنا أسرَيْنا، حتى كنا في آخر الليل، وقعنا وقعةً، ولا وقعةَ أحلى عند المسافر منها، فما أيقظنا إلا حرُّ الشمس،. . . فذكر الحديث، وفيه: ونودي بالصلاة، فصلى بالناس،. . . ثم ذكر بقية الحديث.
وهو حديث متفق عليه [البخاري (٣٤٤ و ٣٤٨)، ومسلم (٦٨٢)]، تقدم تحت الحديث رقم (٤٤٣)، في فضل الرحيم الودود (٥/ ٣٣٢/ ٤٤٣).
٧ - حديث أبي سعيد:
رواه سفيان بن عيينة: حدثنا عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن أبيه -وكان يتيمًا في حجر أبي سعيد، [وكانت أمه عند أبي سعيد]-، قال: قال لي أبو سعيد: أي بنيَّ! إذا كنت في البوادي، فارفع صوتك بالأذان؛ فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا يسمعه [لا يسمع صوته]: إنسٌ، ولا جنٌ، ولا حجرٌ، [ولا مدرٌ]، ولا شجرٌ، ولا شيءٌ، إلا شهد له يوم القيامة".
ورواه مالك، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري، ثم المازني، عن أبيه، أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري، قال له: إني أراك تحب الغنم والبادية؛ فإذا كنت في غنمك أو باديتك؛ فأذَّنت بالصلاة، فارفع صوتك بالنداء؛ فإنه "لا يسمع مدى صوت المُؤَذن: جنٌّ، ولا إنسٌ، ولا شيءٌ، إلا شهد له يوم القيامة".
قال أبو سعيد: سمعته من رسول اللَّه ﷺ .
وهو حديث صحيح، وحديث مالك أخرجه البخاري (٦٠٩)، وتقدم تخريجه تحت الحديث رقم (٥١٥)، في فضل الرحيم الودود (٦/ ٨٨/ ٥١٥).
٨ - حديث أبي هريرة:
رواه شعبة، عن موسى بن أبي عثمان، عن أبي يحيى، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "المؤذن يُغفَرُ له مَدَى صوته، ويشهدُ له كل رطبٍ ويابسٍ، وشاهدُ الصلاة يُكتَبُ له خمسٌ وعشرون صلاةً، ويُكَفَّرُ عنه ما بينهما".
стр. 6152
وهو حديث صحيح، تقدم تخريجه برقم (٥١٥)، في فضل الرحيم الودود (٦/ ٧٩/ ٥١٥)، وانظر شواهده هناك.
* * *
٢٧٣ - باب المسافر يصلى وهو يشكُّ في الوقت
١٢٠٤ - . . . أبو معاوية، عن المسحاج بن موسى، قال: قلت لأنس بن مالك: حدثنا ما سمعتَ من رسولِ اللَّه ﷺ ، قال: كنَّا إذا كنَّا مع رسول اللَّه ﷺ في السفر فقُلنا: زالتِ الشمسُ، أو لم تَزُلْ؟ صلى الظهر، ثم ارتحل.
* حديث صحيح
أخرجه أحمد (٣/ ١١٣) (٥/ ٢٥٥٤/ ١٢٢٩٤ - ط المكنز)، والبزار (١٤/ ٧٨/ ٧٥٤٢)، والضياء في المختارة (٧/ ٢١٢/ ٢٦٥٢) و (٧/ ٢١٣/ ٢٦٥٣ و ٢٦٥٤).
رواه عن أبي معاوية محمد بن خازمْ الضرير: مسدد بن مسرهد، وأبو خيثمة زهير بن حرب، وأحمد بن حنبل، وأحمد بن منيع، وأبو غريب محمد بن العلاء [وهم ثقات حفاظ].
ولفظ أبي كريب [عند البزار]: كان رسول اللَّه ﷺ إذا نزل منزلًا لم يرتحل منه حتى يصلي فيه.
* ورواه عمرو بن عون الواسطي [ثقة ثبت]، ويزيد بن هارون [ثقة متقن، وعنه: أسيد بن الحكم، وهو: مجهول، ولم أجد له ترجمة عند غير بحشل]:
ثنا هشيم بن بشير [ثقة ثبت]، عن مغيرة، قال: حدثني المسحاج بن موسى، قال: حدثني أنس بن مالك؛ أن النبي ﷺ كان إذا نزل منزلًا فقال فيه، لم يرتحل منه حتى يصلي الظهر.
أخرجه بحشل في تاريخ واسط (٢٢٨)، والضياء في المختارة (٧/ ٢١٢/ ٢٦٥١).
* ورواه أبو عوانة [ثقة ثبت]، عن المغيرة، عن المسحاج، عن أنس، قال: نزل عبد الرحمن بن الحارث بن هشام -وكان مع الحجاج بن يوسف- في بعض مسيره، فأراد الرحيل قريبًا من نصف النهار، فقال أنس: ما يمنعك أن تصلي قبل أن ترتحل، فإن رسول اللَّه ﷺ كان إذا كان [كذا، ولعلها: قال] في منزل؛ صلى فيه قبل أن يرتحل.
أخرجه البزار (١٤/ ٧٨/ ٧٥٤٣) [وشيخ البزار؛ السكن بن سعيد: محدث مكثر، روى عنه جماعة، ولم أر من ترجم له].
قلت: وحديث هشيم وأبي عوانة معناهما واحد، وإن كان هشيم أحفظ من أبي عوانة، لكن في حديث أبي عوانة قصة تدل على حفظه وضبطه له، واللَّه أعلم.
* ورواه جرير بن عبد الحميد [ثقة]، عن مسحاج بن موسى الضبي، قال: سمعت
стр. 6153
أنس بن مالك، يقول لمحمد بن عمرو: إذا كنتَ في سفر، فقلتَ: أزالت الشمس أو لم تزل، أو: انتصف النهار أو لم ينتصف، فصلِّ قبل أن ترتحل. موقوف.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٠٧/ ٣٥١٦).
قلت: والموقوف لا يضر بالمرفوع، فقد رفعه: أبو معاوية [وهو: ثقة]، ومغيرة بن مقسم الضبي [وهو: ثقة متقن، وإنّما تُكلم في حديثه عن إبراهيم النخعي]، وقصر فيه فلم يذكر المرفوع: جرير بن عبد الحميد.
فالرفع زيادة من ثقتين، وهي زيادة مقبولة.
ومسحاج بن موسى الضبي: قال ابن معين: "ثقة"، وقال أبو زرعة: "لا بأس به"، وقال الآجري عن أبي داود: "ثقة"، قال البخاري: "يعدُّ في الكوفيين، سمع أنس بن مالك، روى عنه: مغيرة بن مقسم، ومروان بن معاوية، وأبو معاوية، وجرير"، وغيرهم [تاريخ ابن معين (٤/ ٦٢/ ٣١٥٣)، التاريخ الكبير (٨/ ٦٧)، الجرح والتعديل (٨/ ٤٣٠)، سؤالات الآجري (٢٦١)، الميزان (٤/ ٩٦)، إكمال مغلطاي (١١/ ١٤٨)، التهذيب (٤/ ٥٧)].
قلت: فهو إسناد صحيح.
لكن ابن حبان أورد مسحاجًا في المجروحين (٣/ ٣٢) (٢/ ٣٧١ - ط الصميعي)، وقال: "روى حديثًا منكرًا في تقديم صلاة الظهر قبل الوقت للمسافر، لا يجوز الاحتجاج به، سمعت أحمد بن محمد بن الحسين [أبو العباس الماسرجسي، ابن بنت الحسن بن عيسى الماسرجسي: ثقة. السير (١٤/ ٤٠٥)، تاريخ الإسلام (٢٣/ ٤٤٩)]، يقول: سمعت الحسن بن عيسى [هو: ابن ماسرجس، مولى ابن المبارك، وهو: ثقة]، يقول: قلت لابن المبارك: حدثنا أبو نعيم بحديث حسن، قال: ما هو؟ قلت: حدثنا أبو نعيم، عن مسحاج، عن أنس بن مالك، قال: كنا إذا كنا مع رسول اللَّه ﷺ في سفر، ونزلنا منزلًا، فقلنا: زالت الشمس، أو لم تزُل؟ صلى الظهر، ثم ارتحل. فقال ابن المبارك: وما حسن [هذا] الحديث؟ ومن مسحاج حتى أقبل منه هذا الحديث؟ أنا أقول: كان النبي ﷺ يصلي قبل الزوال وقبل الوقت؟!! ".
وتعقبه أبو الحسن الدارقطني في تعليقاته على المجروحين (٣٦١) بقوله: "قوله: أبو نعيم؛ خطأ، إنما هو: حدثنا أبو معاوية الضرير عن مسحاج".
° قلت: ليس في الحديث ما يدل على هذا المعنى الذي أراده الإمام عبد اللَّه بن المبارك رحمه اللَّه تعالى، وهو أن النبي ﷺ كان يصلي الظهر قبل الزوال، وقبل دخول وقتها، وإنما غاية ما دلت عليه رواية أبي معاوية: تبكير النبي ﷺ بصلاة الظهر في أول وقتها بمجرد زوال الشمس عن كبد السماء، حتى إن الرائي ليشك هل زالت الشمس؟ أم لا؟ لذا قال أنس: فقُلنا: زالتِ الشمسُ، أو لم تَزُلْ؟.
كمثل ما روى عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: ما رأيت
стр. 6154
رسول اللَّه ﷺ صلى صلاة إلا لميقاتها، إلا صلاتين: صلاة المغرب والعشاء بجمع، وصلى الفجر يومئد قبل ميقاتها [أخرجه البخاري (١٦٨٢)، ومسلم (١٢٨٩)، ويأتي تخريجه في السنن برقم (١٩٣٤)، إن شاء اللَّه تعالى].
وفي رواية [عند البخاري (١٦٨٣)]: ثم صلى الفجر حين طلع الفجر، قائل يقول: طلع الفجر، وقائل يقول: لم يطلع الفجر.
وهذا محمول أيضًا على تبكيره بصلاة الصبح في أول وقتها بمجرد بزوغ الفجر الصادق، وعدم إمهاله كعادته بالمدينة، حيث كان يصليها بغلس.
وحديث أبي معاوية يفسره حديث هشيم عن المغيرة: أن النبي ﷺ كان إذا نزل منزلًا فقال فيه [يعني: من القيلولة]، لم يرتحل منه حتى يصلي الظهر، فكان ينتظر بعد القيلولة حتى تزول الشمس فيصلي الظهر ثم يرتحل، فإذا بالرائي يحسب الشمس لم تزُل عن كبد السماء، لشدة تبكيره بالصلاة، وقصره لها في عدد الركعات وفي القراءة، ورواية أبي عوانة مما تزيد هذا المعنى وضوحًا، واللَّه أعلم.
وكذلك حديث حمزة العائذي، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: كان رسول اللَّه ﷺ إذا نزل منزلًا لم يرتحل حتى يصليَ الظهرَ، فقال له رجلٌ: وإن كان بنصف النهار؟ قال: وإن كان بنصف النهار. يعني: ينتظر حتى يدخل الوقت ثم يصلي، وهو الحديث الآتي.
° قال العيني في شرحه لأبي داود (٥/ ٦٦): "ومعنى الحديث: أنه ﷺ كان يصلي الظهر في السفر في أول الوقت جدًا من غير تأخير، حتى كانوا يشكون في زوال الشمس، وإنما كان يبادر ﷺ لأجل المسير".
وانظر أيضًا: السلسلة الصحيحة (٦/ ٦٥٢/ ٢٧٨٠).
* * *
١٢٠٥ - . . . شعبة: حدثني حمزة العائذي -رجل من بني ضَبَّة-، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: كان رسول اللَّه ﷺ إذا نزل منزلًا لم يرتحل حتى يصليَ الظهرَ، فقال له رجلٌ: وإن كان بنصف النهار؟ قال: وإن كان بنصف النهار.
* حديث صحيح
أخرجه النسائي في المجتبى (١/ ٢٤٨/ ٤٩٨)، وفي الكبرى (٢/ ١٩٠/ ١٤٩٦)، وفي الرابع من الإغراب (٦٢)، وابن خزيمة (٢/ ٨٨/ ٩٧٥)، والضياء في المختارة (٦/ ١١١ - ١١٣/ ٢١٠٢ - ٢١٠٦)، وأحمد (٣/ ١٢٠ و ١٢٩)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٠٧/ ٣٥١٨)، والبزار (١٤/ ٧٩/ ٧٥٤٤)، وبحشل في تاريخ واسط (٦٩)، وأبو يعلى (٧/ ٢٩٤ و ٢٩٥/ ٤٣٢٤ - ٤٣٢٦)، والطحاوي (١/ ١٨٥).
رواه عن شعبة: يحيى بن سعيد القطان، وخالد بن الحارث، وغندر محمد بن
стр. 6155
جعفر، ووكيع بن الجراح، وعبد الصمد بن عبد الوارث [وهم ثقات، من أثبت الناس في شعبة]، وغيرهم.
ولفظ غندر [عند أحمد (٣/ ١٢٩)]: عن أنس، أنه قال: ألا أحدثك حديثًا لعل اللَّه ينفعك به: إن رسول اللَّه ﷺ كان إذا نزل منزلًا لم يرتحل حتى يصلي الظهر.
قال: فقال محمد بن عمرو: وإن كان بنصف النهار؟ قال: وإن كان بنصف النهار.
وقال عبد الصمد: حدثنا شعبة: حدثنا حمزة الضبي، قال: لقيت أنس بن مالك بفم النيل، ومشى بيني وبينه محمد بن عمرو،. . . فذكر مثله، قال: فقال محمد بن عمرو: وإن كان بنصف النهار.
وفي رواية خالد بن الحارث: عن شعبة، عن حمزة الضبي، قال: لقيت أنس بن مالك؛ أنا ومحمد بن عمرو،. . . الحديث.
وزاد البزار في آخره من رواية يحيى القطان: "يعني: يقيم إلى الوقت"، يريد أنه يمهل، ويؤخر الارتحال حتى يدخل وقت الظهر، فيصليها في أول وقتها، ثم يرتحل.
وترجم له النسائي بقوله: "تعجيل الظهر في السفر"، يعني: في أول وقتها.
وترجم له ابن خزيمة بقوله: "باب استحباب الصلاة في أول الوقت قبل الارتحال من المنزل".
وهذا إسناد صحيح؛ حمزة هو: ابن عَمرو، أبو عُمر الضبي العائذي البصري؛ وثقه النسائي، وقال أبو حاتم: "شيخ"، وذكره ابن حبان في الثقات، فهو ثقة، ومال إلى ذلك الذهبي [التهذيب (١/ ٤٩٠)، الكاشف (١/ ٢٥٥)، التقريب (١٦٥)] [منهج النسائي في الجرح والتعديل (٢/ ٧٠٠)].
ووجه الدلالة منه: أن النبي ﷺ كان يعجل الظهر في السفر، فيصليها في أول وقتها بمجرد زوال الشمس، ثم يرتحل، ولا يرتحل قبل الصلاة، بل يؤخر الرحيل حتى تزول الشمس، فيصليها.
وقد سبق تخريج هذا الحديث في عموم الأحاديث الواردة في التعجيل بصلاة الظهر في أول وقتها بعد الزوال، تحت الحديث رقم (٤٠٣)، راجع فضل الرحيم الودود (٥/ ٤١/ ٤٠٣).
* هكذا رواه جماعة الثقات عن شعبة، وفيهم أثبت أصحابه:
وقد وهم في إسناده جماعةٌ على شعبة، منهم الثقة، ومنهم الضعيف، فمنهم من سلك فيه الجادة، وجعله: عن شعبة، عن قتادة، عن أنس.
ومنهم من جعله: عن شعبة، عن أبي حمزة، عن أنس. وكلاهما وهم على شعبة.
أخرجه الطبراني في الأوسط (٢/ ٩٩/ ١٣٧٧)، ومن طريقه: الضياء في المختارة (٧/ ١٢٦/ ٢٥٥٦)، وذكره الدارقطني في العلل (١٢/ ١٤١/ ٢٥٣٧).
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن شعبة إلا بقية".
стр. 6156
وقال الدارقطني في العلل (١٢/ ١٤١/ ٢٥٣٧): "وكلاهما وهم؛ والصواب: عن شعبة، عن حمزة الضبي، عن أنس".
* فإن قيل: مسحاج بن موسى الضبي هو نفسه حمزة الضبي:
قال البزار: "وأحسب أن مسحاجًا الضبي هو حمزة، ولكن ذاك لقب، وحمزة اسم".
قلت: بل هما اثنان، مسحاج بن موسى: ضبي كوفي، كنيته: أبو موسى، وحمزة بن عمرو: عائذي، ضبي، بصري، كنيته: أبو عمر، والرواة عن الأول يختلفون عن الثاني، وإنما يشتركان في كون كل منهما يروي عن أنس، وقد اتفقا في رواية هذا الحديث الواحد، ومما يؤيد كونهما اثنين:
* ما رواه أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني: ثنا أحمد بن محمد بن صدقة [أبو بكر البغدادي: ثقة حافظ متقن. سؤالات الحاكم (٣٨)، تاريخ بغداد (٥/ ٤١)، السير (١٤/ ٨٣)]: ثنا الوليد بن عمرو بن سكين [لا بأس به. التهذيب (٤/ ٣٢١)]: ثنا يوسف بن يعقوب السدوسي [ثقة]: ثنا عُنطُوانة السعدي، عن حمزة أبي عُمر، عن أنس بن مالك، قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا نزل منزلًا أحب أن يصلي فيه الظهر قبل أن يرتحل، قال: فنزل منزلًا فلما أراد أن يرتحل أذن ثم صلى، والشمس تكاد أن تكون في وسط السماء.
أخرجه الطبراني في الأوسط (٢/ ١٢٨/ ١٤٧٠)، ومن طريقه: الضياء في المختارة (٦/ ١١٣/ ٢١٠٧).
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن عنطوانة إلا يوسف".
وهذا إسناد صالح في المتابعات، وكلام الطبراني يدل على أن من دون يوسف بن يعقوب قد توبع عليه، وعنطوانة السعدي مجهول [بيان الوهم (٣/ ٣٧٨/ ١١٢١)، اللسان (٦/ ٢٤٥)].
* وله إسناد آخر عن أنس، ولا يثبت [أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ٣١٠/ ٧٥٨٧)، وعنه: أبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/ ٤٥٤)] [وفيه: إسماعيل بن مسلم المكي، وهو: ضعيف، وفيه جماعة يُجهل حالهم].
* وروي من حديث أبي هريرة [أخرجه ابن عدي في الكامل (٣/ ٢٨٩)] [وهو حديث موضوع، وضعه: سليمان بن عيسى بن نجيح السجزي، وهو كذاب، يضع الحديث. اللسان (٤/ ١٦٦)].
* ومما أود التنبيه عليه:
ما رواه وكيع بن الجراح، وأبو عاصم الضحاك بن مخلد، ومحمد بن ربيعة، ويحيى بن كثير بن درهم العنبري، ومكي بن إبراهيم [وهم ثقات]، وغيرهم:
عن عثمان بن سعد، قال: سمعت أنسًا ﵁، يقول: كان رسول اللَّه ﷺ إذا نزل منزلًا لم يرتحل منه حتى يودعه بركعتين.
стр. 6157
أخرجه الدارمي (٢/ ٣٧٥/ ٢٦٨١)، وابن خزيمة (٢/ ٢٤٨/ ١٢٦٠) و (٤/ ١٥١/ ٢٥٦٨)، والحاكم (١/ ٣١٥ - ٣١٦) و (١/ ٤٤٦) و (٢/ ١٠١)، وابن أبي شيبة في المسند (٩/ ٣٢١/ ١٩٦٦ - مطالب)، والبزار (١٣/ ١٣٨/ ٦٥٣٢)، وأبو يعلى (٧/ ٢٨٨/ ٤٣١٥) و (٧/ ٢٨٩/ ٤٣١٦)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٢٤٥/ ٢٧٩٥)، والعقيلي في الضعفاء (٣/ ٢٥٤)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (٨٢١) (٤٢٣ - المنتقى)، والطبراني في الأوسط (٣/ ٣٧٥/ ٣٤٤١)، وابن عدي في الكامل (٥/ ١٦٩)، والبيهقي في السنن (٥/ ٢٥٣)، وفي الدعوات (٤٤٧)، والخطيب في المتفق والمفترق (٣/ ١٦٢١/ ١٠٩٥)، وابن عساكر في المعجم (٧٨٥).
قال الدارمي: "عثمان بن سعد: ضعيف".
وقال البزار: "وأحاديث عثمان بن سعد إنما ذكرناها لأن ألفاظها تخالف الألفاظ التي تروى عن أنس".
وقال العقيلي: "وقد روي هذا بإسناد أصلح من هذا".
وقال ابن عدي: "ولعثمان بن سعد غير ما ذكرت من الحديث، وهو حسن الحديث، مع ضعفه يكتب حديثه".
وقال ابن عساكر: "هذا حديث حسن غريب".
وقال الحاكم؛ فلم يُصِب: "هذا حديث صحيح ولم يخرجاه، وعثمان بن سعد الكاتب: ممن يجمع حديثه في البصريين"، كذا قال في موضعين.
وقال في الثالث: "هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه".
قلت: هو حديث منكر؛ ويغلب على ظني أن عثمان بن سعد أراد حديث أنس المذكور في الباب، في التعجيل بالظهر إذا نزل منزلًا قبل أن يرتحل، ولعل العقيلي أشار إليه، فوهم عثمان، وجعله في توديع المنزل بركعتين.
وعثمان بن سعد البصري الكاتب المعلم: لينه جماعة، وضعفه آخرون، وهو إلى الضعف أقرب، فإنه يروي عن أنس ما لا يتابع عليه، وهذا منه [انظر: تاريخ الدوري (٣٥٩٩)، سنن الدارمي (٢/ ٣٧٥/ ٢٦٨١)، جامع الترمذي (١٦٨٣)، ضعفاء النسائي (٤٢١)، الجرح والتعديل (١/ ٣٢٦) و (٦/ ١٥٣)، ضعفاء العقيلي (٣/ ٢٠٤)، المجروحين (٢/ ٩٦)، الكامل (٥/ ١٦٨)، الميزان (٣/ ٣٤)، التهذيب (٣/ ٦١)] [وانظر في مناكيره: ما تقدم تحت الحديث رقم (١٠٤٥)].
* * *
٢٧٤ - باب الجمع بين الصلاتين
١٢٠٦ - . . . مالك، عن أبي الزبير المكي، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة؛ أن معاذ بن جبل أخبرهم، أنهم خرجوا مع رسول اللَّه ﷺ في غزوة تبوك، فكان
стр. 6158
رسول اللَّه ﷺ يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، فأخَّر الصلاة يومًا، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل ثم خرج، فصلى المغرب والعشاء جميعًا.
* حديث صحيح
أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٢٠٦/ ٣٨٣)، ومن طريقه: مسلم في صحيحه في كتاب الفضائل (٧٠٦/ ١٠) بعد الحديث رقم (٢٢٨١)، وأبو داود (١٢٠٦)، والنسائي في المجتبى (١/ ٢٨٥/ ٥٨٧)، وفي الكبرى (٢/ ٢٢١/ ١٥٧٦)، والدارمي (١/ ٤٢٦/ ١٥١٥)، وابن خزيمة (٢/ ٨٢/ ٩٦٨) و (٣/ ١٠١/ ١٧٠٤)، وابن حبان (٤/ ٤٦٩/ ١٥٩٥) و (١٤/ ٤٧٥/ ٦٥٣٧)، وأحمد (٥/ ٢٣٧ و ٢٣٨)، والشافعي في الأم (١/ ٧٧) و (٧/ ١٩٣)، وفي المسند (٢٩ و ٣٨٧)، وعبد الرزاق (٢/ ٥٤٥/ ٤٣٩٩)، وإسماعيل القاضي في الخامس من مسند حديث مالك (٥٠)، وجعفر الفريابي في الدلائل (٢٥)، وأبو علي الطوسي في مختصر الأحكام (٣/ ٩٦/ ٥٢٠)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٤٢٦/ ١١٥١)، والطحاوي (١/ ١٦٠)، والهيثم بن كليب الشاشي في مسنده (٣/ ٢٤٠/ ١٣٤٠)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٥٧/ ١٠٢)، والجوهري في مسند الموطأ (٢٤٣)، وأبو نعيم في الدلائل (٤٥٠)، والبيهقي في السنن (٣/ ١٦٢)، وفي المعرفة (٢/ ٤٤٥/ ١٦٣٢)، وفي الدلائل (٥/ ٢٣٦)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٤/ ١٩٣/ ١٠٤١)، وقال: "هذا حديث صحيح"، وفي الشمائل (٦٢٩)، وأبو القاسم الأصبهاني في الدلائل (٢١١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢/ ٣٧).
رواه عن مالك: عبد اللَّه بن مسلمة القعنبي (٢٠٠ و ٢٠١)، وأبو مصعب الزهري (٣٦٥)، ومعن بن عيسى، وعبد اللَّه بن وهب، وعبد الرحمن بن القاسم (١٠٨ - تلخيص القابسي)، والشافعي، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن يحيى الليثي (٣٨٣)، وروح بن عبادة، وأبو علي عبيد اللَّه بن عبد المجيد الحنفي، ومحمد بن عيسى الطباع، وسويد بن سعيد الحدثاني (١١٦).
ولفظه بتمامه في الموطأ: أنهم خرجوا مع رسول اللَّه ﷺ عام تبوك، فكان رسول اللَّه ﷺ يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء.
قال: فأخَّر الصلاة يومًا، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعًا.
ثم قال: "إنكم ستأتون غدًا، إن شاء اللَّه عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها فلا يمسَّ من مائها شيئًا، حتى آتي"، فجئناها، وقد سبقنا إليها رجلان، والعين [مثل الشراك] تبِضُّ بشيءٍ من ماءٍ فسألهما رسول اللَّه ﷺ : "هل مسسْتُما من مائها شيئًا؟ "، فقالا: نعم، فسبَّهما رسول اللَّه ﷺ ، وقال لهما ما شاء اللَّه أن يقول، ثم غرفوا بأيديهم من العين قليلًا قليلًا، حتى اجتمع في شيء، ثم غسل رسول اللَّه ﷺ فيه وجهه
стр. 6159
ويديه، ثم أعاده فيها، فجرت العين بماء كثير، فاستقى الناس، ثم قال رسول اللَّه ﷺ : "يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة، أن ترى ما هاهنا قد ملئ جنانًا" [وهو في مسلم بتمامه].
* تابع مالكًا عليه مقتصرًا على موضع الشاهد:
١ - زهير بن معاوية: حدثنا أبو الزبير، عن أبي الطفيل عامر، عن معاذ، قال: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ في غزوة تبوك، فكان يصلي الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا.
أخرجه مسلم (٧٠٦/ ٥٢)، وأبو نعيم في مستخرجه عليه (٢/ ٢٩٥/ ١٥٨٩)، والبزار (٧/ ٨٥/ ٢٦٣٨)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٥٨/ ١٠٥).
٢ - قرة بن خالد [وعنه: خالد بن الحارث، وعبد الرحمن بن مهدي، والنضر بن شميل، ومعاذ بن معاذ، وأبو داود الطيالسي، وأبو عامر عبد الملك بن عمرو العقدي]: حدثنا أبو الزبير: حدثنا عامر بن واثلة أبو الطفيل: حدثنا معاذ بن جبل، قال: جمع رسول اللَّه ﷺ في غزوة تبوك بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء.
قال: فقلت: ما حمله على ذلك؟ قال: فقال: أراد أن لا يحرج أمته.
وفي رواية ابن مهدي والنضر وأبي عامر: خرج رسول اللَّه في سفرة سافرها، وذلك في غزوة تبوك،. . . وذكر الحديث.
أخرجه مسلم (٧٠٦/ ٥٣) (٢/ ٤٤٣/ ٧٠١ - ط التأصيل) (١٤٤ - ط البشائر)، وأبو نعيم في مستخرجه عليه (٢/ ٢٩٥/ ١٥٨٨)، وابن خزيمة (٢/ ٨١/ ٩٦٦)، وابن حبان (٤/ ٤٦٢/ ١٥٩١)، وأحمد (٥/ ٢٢٩)، والطيالسي (١/ ٤٦٣/ ٥٧٠)، والبزار (٧/ ٨٥/ ٢٦٣٧)، وأبو العباس السراج في حديثه بانتقاء الشحامي (٢٢٣٥)، والطحاوي (١/ ١٦٠)، وأبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي في الأول من أماليه (٨٠)، والهيثم بن كليب الشاشي في مسنده (٣/ ٢٣٨/ ١٣٣٨)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٥٩/ ١٠٨)، وأبو الشيخ في أحاديث أبي الزبير عن غير جابر (٤٤)، والخطيب في أخلاق الراوي (٢/ ١٥٨/ ١٤٧٩).
٣ - سفيان الثوري [وعنه: وكيع بن الجراح، وأبو أحمد الزبيري، وعبد الرزاق بن همام، وأبو اسحاق الفزاري، والحسين بن حفص الأصبهاني، وغيرهم]، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل؛ أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، في غزوة تبوك في السفر.
أخرجه ابن ماجه (١٠٧٠)، وأحمد (٥/ ٢٣٠ و ٢٣٦)، وعبد الرزاق (٢/ ٥٤٥/ ٤٣٩٨)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢٠٩/ ٨٢٢٩) و (٧/ ٢٨٣/ ٣٦١٠٩)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٥٧/ ١٠١)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٨٨)، والبيهقي (٣/ ١٦٢)، وابن عبد البر في التمهيد (٢/ ٣٤٠ و ٣٤١)، والخطيب في الموضح (٢/ ٤٣٩).
стр. 6160
• خالفهم فوهم في إسناده: عثمان بن عمر بن فارس [ثقة]، رواه عن سفيان الثوري، عن عمرو بن دينار، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل.
أخرجه أبو نعيم في الحلية (٧/ ٨٩)، والبيهقي (١/ ٣٨٧) و (٣/ ١٦٢).
قال البيهقي في الموضع الأول: "مخرج في الصحيح من حديث أبي الزبير عن أبي الطفيل، وهو من حديث عمرو بن دينار غريب، تفرد به: عثمان بن عمر".
وقال في الموضع الثاني: "تفرد به عثمان بن عمر هكذا، ورواه غيره عن الثوري عن أبي الزبير عن أبي الطفيل".
وقال الدارقطني في العلل (٦/ ٤٠/ ٩٦٥): "تفرد به: عثمان بن عمر في روايته عن الثوري، عن عمرو بن دينار، عن أبي الطفيل، عن معاذ.
وقال قائل: عن عثمان بن عمر، عن شعبة، عن عمرو بن دينار، عن أبي الطفيل، ووهم فيه.
وخالفه أصحاب الثوري: منهم وكيع، وابن مهدي، وعبد الرزاق، وعبيد اللَّه بن موسى، فرووه عن الثوري، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ، وهو الصحيح".
• وانظر أيضًا فيمن وهم فيه على الثوري: علل الدارقطني (١٣/ ٣٧٧/ ٣٢٦٥).
٤ - عمرو بن الحارث [ثقة حافظ، وعنه: بكر بن مضر، وهو: ثقة ثبت، من أصحاب عمرو]، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل حدثه؛ أن رسول اللَّه ﷺ جمع في غزوة تبوك بين الظهر والعصر، والغرب والعشاء، حتى رجعنا.
أخرجه الطبراني في الكبير (٢٠/ ٥٨/ ١٠٤)، وفي الأوسط (٦/ ٢٦٧/ ٦٣٧٨).
وانظر فيمن وهم فيه على عمرو بن الحارث: علل الدارقطني (١٣/ ٣٧٦/ ٣٢٦٥).
٥ و ٦ - زيد بن أبي أنيسة، وإبراهيم بن طهمان [وهما ثقتان]:
عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل، قال: جمع رسول اللَّه ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، في غزوة تبوك.
وفي رواية لابن أبي أنيسة [بإسناد صحيح غريب]: غزونا مع رسول اللَّه ﷺ فلم يزل يجمع بين المغرب والعشاء الآخرة سفرنا كله.
أخرجه الطبراني في الكبير (٢٠/ ٥٩/ ١٠٧)، وأبو الشيخ في أحاديث أبي الزبير عن غير جابر (٤٥)، وابن عبد البر في التمهيد (٢/ ٣٤٠).
٧ و ٨ - أشعث بن سوار [ضعيف]، وعبد اللَّه بن لهيعة [ضعيف]:
عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل، قال: غزا النبي ﷺ تبوكًا في حر شديد، فجمع بين الظهر والعصر، والمفرب والعشاء. لفظ أشعث، ولفظ ابن لهيعة بمثل لفظ ابن أبي أنيسة.
أخرجه الطبراني في الكبير (٢٠/ ٥٨/ ١٠٦)، وأبو الشيخ في أحاديث أبي الزبير عن غير جابر (٤٢ و ٤٧).
стр. 6161
* وقد روي حديث مالك مطولًا من وجه آخر، وخالفه في صفة الجمع:
رواه محمد بن غالب: نا غصن بن إسماعيل، عن ابن ثوبان، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل، قال: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ في غزوة تبوك، فجعل يجمع بين الظهر والعصر، يصلي الظهر في آخر وقتها، ويصلي العصر في أول وقتها، ثم يسير، ويصلي المغرب في آخر وقتها ما لم يغب الشفق، ويصلي العشاء في أول وقتها حين يغيب الشفق، ثم قال حين دنا: "إنا نازلون غدًا إن شاء اللَّه تبوك، فلا يسبقنا أحدٌ إلى الماء"، قال معاذ: فكنت أول من سبق إلى الماء، فإذا رجلين قد سبقا إلى الماء، فاستقيا في قربتين معهما وكدرا الماء، فقلت: أبَعْد نهي رسول اللَّه ﷺ سبقتما واستقيتما، وجاء رسول اللَّه ﷺ فقال: "ألم أنهكم أن لا يسبقنا إلى الماء أحد؟ "، فدعا بالقربتين، فصُبَّتا في الماء، فتوضأ وتمضمض في الماء، ودعا اللَّه، ففاض الماء، فقال: "كأنك يا معاذ إن طالت بك حياة ترى ما ها هنا قد مُلئ جنانًا".
أخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ١١/ ٤٥٣٢) و (٧/ ٧٦/ ٦٩٠١)، وفي مسند الشاميين (١/ ٧٥/ ٩٤).
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن ابن ثوبان إلا غصن بن إسماعيل، تفرد به: محمد بن غالب".
قلت: هو حديث منكر بهذا السياق، إذ لم يثبت في حديثٍ مرفوع أن النبي ﷺ جمع جمعًا صوريًا، وإنما المعروف في حديث معاذ أن النبي ﷺ جمَع جمْع تأخير، كما تقدم في حديث مالك، وغصن بن إسماعيل: لا يُعرف إلا بالرواية عن ابن ثوبان، وهو: عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، وعنه: محمد بن غالب، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: "ربما خالف" [تاريخ الرقة (١٥٤)، الثقات (٩/ ٤)، المؤتلف للدارقطني (٤/ ١٧٧٣)، اللسان (٧/ ٣٠٦)]، فمثل هذا هو في عداد المجاهيل، وإذا كان يخالف مع قلة روايته، فكيف يحتمل منه التفرد عن المشاهير! بما يخالف رواية الأثبات! وقد تفرد به عنه: محمد بن غالب الأنطاكي؛ وليس بذاك المشهور [الجرح والتعديل (٨/ ٥٥)، الثقات (٩/ ١٣٩)].
* خالفهم فوهم في متنه:
هشام بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل؛ أن رسول اللَّه ﷺ كان في غزوة تبوك إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل، جمع بين الظهر والعصر، وإن يرتحل قبل أن تزيغ الشمس أخَّر الظهر حتى ينزل للعصر، وفي المغرب مثل ذلك، إن غابت الشمس قبل أن يرتحل، جمع بين المغرب والعشاء، وإن يرتحل قبل أن تغيب الشمس، أخَّر المغرب حتى ينزل للعشاء ثم جمع بينهما.
أخرجه أبو داود (١٢٠٨)، قال: حدثنا يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد اللَّه بن موهب الرملي الهمداني [ثقة]: حدثنا المفضل بن فضالة، والليث بن سعد، عن هشام به.
стр. 6162
قال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (٢/ ٣٤) بعد حديث ابن موهب: "قال أبو داود: حديث المفضل عن الليث: حديث منكر".
وقال المنذري في مختصر السنن (١/ ٣٤٥): "وقد حكي عن أبي داود أنه أنكره"، ثم قال بعد كلام طويل: "وقد حكي عن أبي داود أنه قال: ليس في تقديم الوقت حديث قائم".
• رواه من طريق أبي داود: الدارقطني (١/ ٣٩٢) (٢/ ٢٤١/ ١٤٦٢ - ط الرسالة)، والبيهقي في السنن (٣/ ١٦٢) (٦/ ٢٠١/ ٥٥٩٦ - ط التركي) (٣/ ١٠٩٥/ ٤٩٢٠ - تهذيبه)، وفي المعرفة (٢/ ٤٤٥/ ١٦٣٣)، وابن عبد البر في التمهيد (٢/ ٣٤١) و (١٢/ ٢٠٤)، وفي الاستذكار (٢/ ٢٠٤).
وقع في إسناده عندهم: المفضل بن فضالة، عن الليث بن سعد، هكذا برواية أحدهما عن الآخر، بينما في السنن لأبي داود هما مقرونان، كلاهما يرويه عن هشام بن سعد [انظر: التحفة (٨/ ٨٧/ ١١٣٢٠)].
* تابع أبا داود [في سننه] على روايته بالعطف:
جعفر بن محمد الفريابي [ثقة حافظ]، قال: حدثنا يزيد بن موهب: حدثنا المفضل بن فضالة، والليث بن سعد، عن هشام بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل؛ أن رسول اللَّه ﷺ كان في غزوة تبوك إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل، جمع بين الظهر والعصر،. . . الحديث.
أخرجه أبو الشيخ في أحاديث أبي الزبير عن غير جابر (٤٣) (١٤/ أ - ب. مخطوط الظاهرية)، قال: حدثنا الفريابي به.
قلت: وهذا هو الأثبه بالصواب؛ أنهما مقرونان، ويؤكد ذلك:
• ما رواه جعفر بن محمد القلانسي [هو: جعفر بن محمد بن حماد القلانسي الرملي: ذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ١٦٣)، وقال الذهبي في السير (١٤/ ١٠٨): "صدوق عابد، كبير القدر"، وانظر: تاريخ الإسلام (٢٠/ ٣٢٨)]: ثنا يزيد بن موهب: ثنا الليث، عن هشام بن سعد، بهذا نحوه، ولم يذكر فيه: المفضل بن فضالة.
أخرجه الدارقطني (١/ ٣٩٢).
• فإن قيل: خولف أبو الشيخ في روايته عن جعفر الفريابي:
فرواه مخلد بن جعفر: ثنا جعفر الفريابي: ثنا قتيبة ويزيد بن موهب الرملي، قالا: ثنا المفضل بن فضالة، عن الليث، عن هشام بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل؛ أن رسول اللَّه ﷺ كان في غزوة تبوك،. . . الحديث.
أخرجه أبو نعيم في الحلية (٨/ ٣٢٢)، قال: حدثنا مخلد به.
فيقال: هذه رواية منكرة، ولا يُعرف عن قتيبة بهذا الإسناد إلا من هذا الوجه، وإنما رواه جماعة من الأئمة الحفاظ، عن قتيبة، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل، ويأتي ذكره بعد قليل.
стр. 6163
وصح عن قتيبة أيضًا، عن المفضَّل بن فضالة، عن عُقَيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخَّر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع ببنهما، فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر، ثم ركب ﷺ .
وهو حديث متفق عليه، سيأتي تخريجه برقم (١٢١٨).
والمحفوظ عن الفريابي ما رواه عنه: أبو الشيخ عبد اللَّه بن محمد بن جعفر بن حيان الأنصاري الأصبهاني أبو محمد: قال أبو بكر الخطيب: "كان ابن حيان حافظًا ثبتًا ضابطًا متقنًا"، وقد وثقه جماعة، وهو أحد الأئمة الثقات الأعلام صاحب التصانيف [ذكر أخبار أصبهان (٢/ ٩٠)، تذكرة الحفاظ (٣/ ٩٤٥)، السير (١٦/ ٢٧٦)، الأنساب (٤/ ٢٨٥)، تاريخ بغداد (١٢/ ٢٢٣)]، وأما مخلد بن جعفر الباقَرْحي شيخ أبي نعيم الأصبهاني؛ فقد تكلموا فيه، وأوسط ما قيل في وصف حاله أنه: ثقة صحيح السماع، غير أنه لم يكن يعرف شيئًا من الحديث أراجع ترجمته في: تاريخ بغداد (١٣/ ١٧٦)، السير (١٦/ ٢٥٤)، اللسان (٨/ ١٤)].
* واختلف فيه على هشام بن سعد:
أ - فرواه المفضل بن فضالة [ثقة]، والليث بن سعد [ثقة ثبت، إمام فقيه]، عن هشام به هكذا، وقد تفرد به عن المفضل والليث: يزيد بن موهب.
ب - ورواه حماد بن خالد [الخياط: ثقة]، وأبو نعيم الفضل بن دكين [ثقة ثبت]، وجعفر بن عون [ثقة]، والليث بن سعد [وعنه: عبد اللَّه بن صالح]:
حدثنا هشام بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل، قال: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ في غزوة تبوك، فكان لا يروح حتى يُبرد، وبجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء.
أخرجه أحمد (٥/ ٢٣٣)، وعبد بن حميد (١٢٢)، والبزار (٧/ ٨٦/ ٢٦٣٩)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٤٢٠/ ١١٤٣)، وابن أبي حاتم في العلل (٢/ ١٠٤/ ٢٤٥)، والهيثم بن كليب الشاشي في مسنده (٣/ ٢٣٩/ ١٣٣٩)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٥٨/ ١٠٣)، وأبو القاسم الحرفي في جزء من فوائده بانتقاء أبي القاسم الطبري (٣١).
وبهذا يكون المثفرد بهدا اللفظ المطول المفصل في جمع التقديم من حديث أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ؛ إنما هو: يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد اللَّه بن موهب الرملي الهمداني، وهو: ليس بذاك الحافظ الذي تقبل زيادته، أو تفرده بهذا عن المفضل والليث، وقد قال فيه بقي بن مخلد: "كان ثقة جدًا"، وقال ابن قانع: "صالح"، وروى عنه أبو زرعة وأبو داود، وذكره ابن حبان في الثقات، وله أوهام [التهذيب (٤/ ٤١٠)] [انظر في أوهامه مثلًا: ما تحت الحديث رقم (٢٢٣)، فضل الرحيم الودود (٣/ ٨٩/ ٢٢٣)].
والأقرب عندي أن يكلون دخل له حديث في حديث، فإن ابن موهب هذا يروي حديث
стр. 6164
المفضل بن فضالة، عن عُقَيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخَّر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر، ثم ركب ﷺ .
وهو حديث متفق عليه، سيأتي تخريجه برقم (١٢١٨).
والمحفوظ عن هشام بن سعد هو ما رواه عنه جماعة الثقات، ولفظهم قريب من لفظ مالك عن أبي الزبير، في جمع التأخير، كذلك فقد اختلف على الليث بن سعد، ورواية كاتبه عبد اللَّه بن صالح [وهو أخص بالليث من ابن موهب]، هي الموافقة لرواية الجماعة عن هشام بن سعد، فهي أولى بأن تكون محفوظة عن الليث، دون رواية ابن موهب، لكن يبقى أن هشام بن سعد أيضًا هو المتفرد بلفظ الإبراد، والذي قد يحتج به البعض على الجمع الصوري، والحديث قد رواه عن أبي الزبير جماعة من الثقات الحفاظ، فلم يذكروا فيه الإبراد، ولا جمع التقديم، مثل: مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وزهير بن معاوية، وقرة بن خالد، وعمرو بن الحارث، وزيد بن أبي أنيسة، وإبراهيم بن طهمان.
وهشام بن سعد: ثبت في زيد بن أسلم، وليس بذاك القوي في غيره، إنما يُقبل حديثه أو يُردُّ بالقرائن الدالة على حفظه للحديث، أو عدم ضبطه له، وقد ضعفه النسائي وابن معين، وليناه في رواية، ووافقهما على تليينه جماعة [انظر: التهذيب (٤/ ٢٧٠) وغيره] [وقد سبق الكلام على هشام بن سعد مرارًا، ومتى يقبل حديثه، ومتى يردُّ، وانظر مثلًا: ما تقدم برقم (١١٧ و ٤١٠ و ٤٢٤ و ٩٠٥ و ٩٢٧ و ٩٤١)].
° والحاصل: فإن حديث هشام بن سعد بكلا اللفظين عنه: حديث خطأ، وإن كان رواية الجماعة عنه [وهي المحفوظة أقرب إلى لفظ مالك عن أبي الزبير دون لفظة الابراد، وأما حديث ابن موهب المطول في جمع التقديم: فهو حديث منكر، واللَّه أعلم.
قال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (٢/ ٣٤) بعد حديث ابن موهب: "قال أبو داود: حديث المفضل عن الليث: حديث منكر".
وقال المنذري في مختصر السنن (١/ ٣٤٥) بعد حديث ابن موهب: "وقد حكي عن أبي داود أنه أنكره"، ثم قال بعد كلام طويل: "وقد حكي عن أبي داود أنه قال: ليس في تقديم الوقت حديث قائم".
وقال ابن حجر في الفتح (٢/ ٥٨٣): "وهشام مختلف فيه، وقد خالفه الحفاظ من أصحاب أبي الزبير، كمالك والثوري وقرة بن خالد وغيرهم، فلم يذكروا في روايتهم جمع التقديم".
* وانظر فيمن وهم فيه أيضًا على أبي الزبير، أو على الثوري: ما أخرجه ابن أبي حاتم في العلل (٦/ ٥١٦/ ٢٧١٥)، وابن الأعرابي في المعجم (١٩٣)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين (٣/ ٥٢٣)، والدارقطني في الأفراد (٢/ ١٣٣/ ٤٣٦٣ - أطرافه)، وفي العلل (٦/ ٤٣/ ٩٦٥)، وما ذكره الدارقطني في العلل (٦/ ٤١/ ٩٦٥).
стр. 6165
* ورواه قتيبة بن سعيد: أخبرنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن معاذ بن جبل؛ أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخَّر الظهرَ حتى يجمعها إلى العصر، فيصليهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا، ثم صار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخَّر المغربَ حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجَّل العشاء فصلاها مع المغرب.
أخرجه أبو داود (١٢٢٠)، والترمذي (٥٥٣ و ٥٥٤)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٣/ ٩٧/ ٥٢١)، وابن حبان (٤/ ٣١٣/ ١٤٥٨) و (٤/ ٤٦٥/ ١٥٩٣)، وأحمد (٥/ ٢٤١)، والطبراني في الأوسط (٥/ ١٢/ ٤٥٣٣)، وفي الصغير (٦٥٦)، وأبو إسحاق إبراهيم بن محمد المزكي في الأول من فوائده "المزكيات" بانتقاء الدارقطني (٤)، والدارقطني في السنن (١/ ٣٩٢ و ٣٩٣)، والحاكم في المعرفة (١١٩ و ١٢٠)، والبيهقي (٣/ ١٦٣)، وابن عبد البر في التمهيد (٢/ ٣٤٢) و (١٢/ ٢٠٥)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٢/ ٤٦٥ و ٤٦٦)، وفي أخلاق الراوي (٢/ ١٥٨/ ١٤٨٠) [وفي إسناده وهم]. وابن عساكر في تاريخ دمشق (٨/ ٢٩٣) و (٥٠/ ٣٤٢)، وأبو موسى المديني في اللطائف (١٤٧ - ١٥٠).
رواه عن قتيبة جماعة من الأئمة الثقات الحفاظ، منهم: أحمد بن حنبل، وأبو داود، وأبو عيسى الترمذي، وأبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي، والحسن بن سفيان النسوي، وموسى بن هارون الحمال، وأبو العباس محمد بن إسحاق بن إبراهيم الثقفي السراج، ومحمد بن أيوب بن يحيى بن الضريس، وعبد اللَّه بن محمد بن علي البلخي، وعبدان بن محمد بن عيسى المروزي، وكلهم أئمة حفاظ، وتابعهم غيرهم.
• تنبيه: الحديث الثاني للترمذي الذي رواه من طريق ابن المديني عن أحمد بن حنبل عن قتيبة به؛ ليس في نسخة الكروخي (١/ ٤٥)، ولا في مطبوعة التأصيل (٢/ ٤٢)، لكنه ثابت في بعض النسخ القديمة من رواية المحبوبي وغيره، قال المزي في التحفة (٨/ ٨٨/ ١١٣٢١) ناقلًا كلام الترمذي على الحديث: "قال: وروى علي بن المديني، عن أحمد بن حنبل، عن قتيبة هذا الحديث.
(ك) حدثنا بذلك عبد الصمد بن سليمان، قال: حدثنا زكريا بن يحيى اللؤلؤي، قال: حدثنا أبو بكر الأعين، عن علي بن المديني.
(ك) حديث عبد الصمد بن سليمان: ليس في الرواية، ولم يذكره أبو القاسم".
وعزاه إليه أيضًا في تهذيب الكمال (١٨/ ٩٧) و (٢٣/ ٥٣٢).
وقال الذهبي في السير (١١/ ٢٢): "ومن أعجب الأمور: أن أبا عيسى الترمذي حدث به عن قتيبة، ورواه نازلًا، كما هو موجود في نسخ عدة، فقال: حدثنا عبد الصمد بن سليمان البلخي، عن زكريا بن يحيى اللؤلؤي، عن أبي بكر الأعين، عن علي بن المديني، عن أحمد، عن قتيبة، فهذا من طرق النوازل".
следующие страницы →