← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 261

فضل الرحيم الودود تخريج سنن أبي داود

ياسر فتحي

Полный текст (16 465 стр.). Показаны 6196–6235 · переход к 6201.

стр. 6196

* ولم أذكر هنا طرق حديث سالم ونافع عن ابن عمر في الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، فقد أرجأت الكلام عليها إلى موضعها من كتاب المناسك (١٩٢٦ - ١٩٣٣)، فقد استطرد أبو داود في ذكر طرقها هناك. * وقد روي حديث ابن عمر هذا: * من حديث أنس بإسناد تالف [أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ٣٧١/ ٧٧٥٩)] [تفرد به عن ثابت البناني: المنذر بن زياد الطائي، وهو: متروك، كذبه الفلاس، واتُّهم بالوضع. اللسان (٨/ ١٥٢)]. * ومن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ولا يثبت [أخرجه الطبراني في الأوسط (٨/ ٢٦٣/ ٨٥٨٤)] [تفرد به عن عمرو: عبد الكريم بن أبي المخارق، أبو أمية البصري: مجمع على ضعفه، وقال النسائي والدارقطني: متروك، وقال أحمد في رواية ابنه عبد الله: "ضعيف"، وفي رواية أبي طالب: "ليس هو بشيء، شبه المتروك"، التهذيب (٢/ ٦٠٣)، الميزان (٢/ ٦٤٦)، الجرح والتعديل (٦/ ٦٠)]. * قال ابن خزيمة بعد حديث ابن عمر (٩٧٠): "في هذا الخبر وخبر ابن شهاب عن أنس: ما بان وثبت أن الجمع بين الظهر والعصر في وقت العصر، وبين المغرب والعشاء في وقت العشاء بعد غيبوبة الشفق؛ جائزٌ، لا على ما قال بعض العراقيين: إن الجمع بين الظهر والعصر: أن يصلي الظهر في آخر وقتها، والعصر في أول وقتها، والمغرب في آخر وقتها قبل غيبوبة الشفق،. . .". *** ١٢٠٨ - قال أبو داود: حدثنا يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد الله بن موهب الرملي الهمداني: حدثنا المفضل بن فضالة، والليث بن سعد، عن هشام بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل؛ أن رسول الله ﷺ كان في غزوة تبوك إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل، جمع بين الظهر والعصر، وإن يرتحل قبل أن تزيغ الشمس أخَّر الظهر حتى ينزل للعصر، وفي المغرب مثل ذلك، إن غابت الشمس قبل أن يرتحل، جمع بين المغرب والعشاء، وإن يرتحل قبل أن تغيب الشمس، أخَّر المغرب حتى ينزل للعشاء ثم جمع بينهما. قال أبو داود: رواه هشام بن عروة، عن حسين بن عبد الله، عن كريب، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ نحو حديث المفضل والليث. • حديث منكر تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٢٠٦).

стр. 6197

وأما ما علقه أبو داود من حديث ابن عباس: فهو حديث منكر من حديث عكرمة، وسيأتي تخريجه في موضعه تحت الحديث رقم (١٢١٤). *** ١٢٠٩ - قال أبو داود: حدثنا قتيبة: حدثنا عبد الله بن نافع، عن أبي مودود، عن سليمان بن أبي يحيى، عن ابن عمر، قال: ما جمع رسول الله ﷺ بين المغرب والعشاء قطُّ في السفر إلا مرةً. قال أبو داود: وهذا يروى عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، موقوفًا على ابن عمر؛ أنه لم يُرَ ابن عمر جمع بينهما قطُّ إلا تلك الليلة، يعني: ليلة استُصرخ على صفية. وروي من حديث مكحول، عن نافع؛ أنه رأى ابن عمر فعل ذلك مرةً أو مرتين. *** هذا الحديث وهمٌ وخطأ؛ إنما هو من فعل ابن عمر تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٢٠٧). ١٢١٠ - . . . مالك، عن أبي الزبير المكي، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عباس، قال: صلى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا، في غير خوف ولا سفر. قال: قال مالك: أُرى ذلك كان في مطر. قال أبو داود: ورواه حماد بن سلمة نحوه عن أبي الزبير، ورواه قرة بن خالد، عن أبي الزبير، قال: في سفرة سافرناها إلى تبوك. حديث صحيح أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٢٠٧/ ٣٨٥)، ومن طريقه: مسلم (٧٠٥/ ٤٩)، وأبو عوانة (٢/ ٨١/ ٢٣٩٧)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ٢٩٤/ ١٥٨٤)، وأبو داود (١٢١٠)، والنسائي في المجتبى (١/ ٢٩٠/ ٦٠١)، وفي الكبرى (٢/ ٢٢٤ - ٢٢٥/ ١٥٨٦)، وابن خزيمة (٢/ ٨٥/ ٩٧٢)، وابن حبان (٤/ ٤٧١/ ١٥٩٦)، والشافعي في الأم (٧/ ٢٠٥)، وفي السنن (٢٢)، وفي المسند (٢١٤)، وإسماعيل القاضي في الخامس من مسند حديث مالك (٥١ و ٥٢)، والطحاوي (١/ ١٦٠)، والجوهري في مسند الموطأ (٢٤٥)، والبيهقي في السنن (٣/ ١٦٦)، وفي المعرفة (٢/ ٤٥٢/ ١٦٤٧)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٤/ ١٩٧/ ١٠٤٣)، وقال: "صحيح"، وأبو نعيم الحداد في جامع الصحيحين (٢/ ٦٩/ ٩٣٤). رواه عن مالك: عبد الله بن مسلمة القعنبي (٢٠٣)، وعبد الله بن يوسف التنيسي، ويحيى بن يحيى النيسابوري، والشافعي، وأبو مصعب الزهري (٣٦٨)، وعبد الرحمن بن

стр. 6198

القاسم (١٠٩ - بتلخيص القابسي)، وعبد الله بن وهب، وقتيبة بن سعيد، ويحيى بن يحيى الليثي (٣٨٥)، وسويد بن سعيد الحدثاني (١١٧). قال ابن عبد البر في التمهيد (١٢/ ٢٠٩): "وهذا حديث صحيح إسناده ثابت". وقال في الاستذكار (٢/ ٢١٠): "وهذا الحديث صحيح، لا يختلف في صحته". وانظر فيمن وهم في إسناده على مالك: ما أخرجه ابن المظفر في غرائب مالك (٤٠). * تابع مالكًا عليه، لكن قيده بالمدينة، زيادة على نفي كونه حال السفر: أ - زهير بن معاوية [كوفي، ثقة ثبت]: حدثنا أبو الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: صلى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعًا بالمدينة، في غير خوف ولا سفر. قال أبو الزبير: فسألت سعيدًا: لم فعل ذلك؟ فقال: سألت ابن عباس كما سألتني، فقال: أراد أن لا يحرج أحدًا من أمته. أخرجه مسلم (٧٠٥/ ٥٠)، وأبو نعيم في مستخرجه عليه (٢/ ٢٩٥/ ١٥٨٥)، وأبو العباس السراج في حديثه بانتقاء الشحامي (٢٢٣٧)، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (٢٦٣٢)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٧٤/ ١٢٥١٨)، والبيهقي (٣/ ١٦٦)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٤/ ١٩٨/ ١٠٤٤)، وقال: "صحيح". ب - سفيان الثوري [كوفي، ثقة حافظ، إمام حجة، وعنه: أبو نعيم الفضل بن دكين، ومحمد بن يوسف الفريابي، وعبد الرزاق بن همام، وعبد الله بن الوليد العدني، وعبيد الله بن موسى العبسي، وزافر بن سليمان، وغيرهم]، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر بالمدينة، في غير سفر ولا خوف. قال: قلت لابن عباس: ولم تراه فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أحدًا من أمته. أخرجه أبو عوانة (٢/ ٨١/ ٢٣٩٨)، وأحمد (١/ ٢٨٣)، وعبد الرزاق (٢/ ٥٥٥/ ٤٤٣٥)، والبزار (١١/ ٥٨/ ٤٧٥٣) و (١١/ ٢٢٢/ ٤٩٨٧)، وأبو العباس السراج في حديثه بانتقاء الشحامي (٢٢٣٨)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٤٣٣/ ١١٥٩)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٧٤/ ١٢٥١٦)، وأبو الشيخ في أحاديث أبي الزبير عن غير جابر (٦٥ - ٦٧)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٨٨)، وابن عبد البر في التمهيد (١٢/ ٢١٥). تنبيه: هكذا رواه الثقات من أصحاب الثوري، فقالوا: في غير سفر ولا خوف. * وخالفهم: إسماعيل بن عمرو البجلي [عند أبي الشيخ وأبي نعيم] [وهو: منكر الحديث عن الثوري، حدث عنه بما لا يتابع عليه. اللسان (٢/ ١٥٥)]، وعبيد الله بن موسى العبسي الكوفي [عند البزار (٤٧٥٣)] [وهو: ثقة، تكلم فيه لأجل تشيعه، وقال أحمد: "كان صاحب تخليط"]:

стр. 6199

فروياه عن الثوري به، وقالا: في غير مطر ولا خوف، وهي رواية شاذة، والله أعلم. * وانظر أيضًا فيمن وهم فيه على الثوري: ما أخرجه أبو طاهر المخلص في السادس من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (١٨٧) (١٢٠٦ - المخلصيات)، والخليلي في الإرشاد (١/ ٣٢٨)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٨٨ - ٨٩). ج - سفيان بن عيينة [كوفي، سكن مكة، ثقة حافظ، إمام]، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: صليت مع النبي ﷺ بالمدينة ثمانيًا [جميعًا، وسبعًا جميعًا، في غير خوف ولا سفر [وفي رواية: وهو مقيم من غير سفر ولا خوف]. قال سعيد: فقلت لابن عباس: لم فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أحد من أمته. أخرجه ابن خزيمة (٢/ ٨٥/ ٩٧١)، وأحمد (١/ ٣٤٩)، والشافعي في السنن (٢٤)، والحميدي (٤٧١)، وأبو يعلى (٤/ ٢٩٠/ ٢٤٠١)، وأبو العباس السراج في حديثه بانتقاء الشحامي (٢٢٣٤)، والبيهقي في السنن (٣/ ١٦٦)، وفي المعرفة (٢/ ٤٥٤/ ١٦٤٩). رواه عن ابن عيينة: أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، والشافعي، والحميدي، وأبو خيثمة زهير بن حرب، وعبد الجبار بن العلاء، وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي. د - حماد بن سلمة [بصري، ثقة]، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر بالمدينة في غير خوف ولا سفر. أخرجه البيهقي (٣/ ١٦٦)، بإسناد صحيح إلى حماد. هكذا رواه عن حماد بن سلمة: حجاج بن منهال [وهو: بصري ثقة، مكثر عن حماد]. وتابعه: عمر بن موسى السامي [وهو الحادي الكديمي البصري، وهو ضعيف؛ يسرق الحديث، ويخالف في الأسانيد، قاله ابن عدي، وغفل عنه ابن حبان فذكره في الثقات، وقال: "ربما أخطأ"، الكامل (٥/ ٥٤)، الثقات (٨/ ٤٤٥)، اللسان (٦/ ١١١ و ١٥١)]، قال: نا حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄؛ أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة، من غير خوف؛ لكي لا يحرج أمته. أخرجه البزار (١١/ ٢٢٢ - ٢٢٣/ ٤٩٨٩). * وخالفهما فوهم في إسناده: عبيد الله بن موسى [العبسي الكوفي، مقل عن حماد، وهو: ثقة، تكلم فيه لأجل تشيعه، وقال أحمد: "كان صاحب تخليط"]: ثنا حماد بن سلمة، عن عاصم، عن الشعبي، عن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ جمع بين الظهر والعصر بالمدينة في غير خوف. أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ٨٦/ ١٢٥٥٨)، بإسناد صحيح إلى عبيد الله. قلت: هي رواية شاذة، ولا يُعرف هذا من حديث الشعبي، ولا من حديث عاصم بن سليمان الأحول.

стр. 6200

هـ - ابن جريج [مكي، ثقة، وعنه: حجاج بن محمد المصيصي، وهو ثقة ثبت، من أثبت أصحاب ابن جريج]، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، بمثل حديث مالك. أخرجه الطحاوي (١/ ١٦٠). و - خالد بن يزيد الجمحي [مصري، ثقة]، عن أبي الزبير المكي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ جمع بين الظهر والعصر من غير خوف؛ أراد أن لا يحرج أحدًا من أمته. أخرجه أبو العباس السراج في حديثه بانتقاء الشحامي (٢٢٣٩)، بإسناد صحيح إلى خالد الجمحي. ز - داود بن أبي هند [بصري، ثقة متقن، وعنه: مسلم بن خالد الزنجي المكي الفقيه، وهو: ليس بالقوي]، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء [من غير خوف ولا سفر]. أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ٧٤/ ١٢٥١٩)، وابن شاهين في الناسخ (٢٤٢ و ٢٤٣). ح - هشام بن سعد [مدني صدوق، له أوهام، ولم يكن بالحافظ، ولم يخالف الثقات فيما روى هاهنا]: ثنا أبو الزبير، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عباس، قال: جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في المدينة، من غير خوف ولا سفر. لفظ جعفر بن عون، وفي رواية الليث [والإسناد إليه ضعيف]: وهو مقيم على غير خوف ولا شيء اضطره إلى ذلك [وهي رواية منكرة]. قلت: لم ترى يا ابن عباس؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته. أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ٧٤/ ١٢٥١٧)، وأبو القاسم الحرفي في جزء من فوائده بانتقاء أبي القاسم الطبري (٣٠)، وعنه: البيهقي (٣/ ١٦٧). رواه عن هشام بن سعد: الليث بن سعد، وجعفر بن عون، أما الليث بن سعد فلا يثبت الإسناد إليه؛ إن كان تفرد به شيخ الطبراني: بكر بن سهل الدمياطي، وهو: ضعيف [اللسان (٢/ ٣٤٤)، تاريخ دمشق (١٠/ ٣٧٩)] [راجع ترجمته تحت الحديث رقم (٦٥٢)، وقد تقدمت ترجمته مرارًا]، وأما جعفر بن عون: فالإسناد إليه صحيح. ط - عن زياد بن سعد [خراساني، نزل مكة، ثم اليمن، ثقة ثبت]، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. أخرجه الطبراني في الصغير (١٠٢٨)، قال: حدثنا محمد بن الحسن بن هارون الموصلي [قال الدارقطني: "لا بأس به، ما علمت إلا خيرًا"، سؤالات السهمي (٧٧)، تاريخ بغداد (٢/ ١٩١)]: حدثنا محمد بن عمار الموصلي [هو محمد بن عبد الله بن عمار

стр. 6201

الموصلي: الثقة الحافظ؛ إلا أن له عن أهل الموصل عفيف بن سالم وغيره: إفرادات وغرائب، قاله ابن عدي في الكامل (٦/ ٢٧٩)]: حدثنا عمر بن أيوب [الموصلي: صدوق]، عن مَصاد بن عقبة [روى عنه جماعة من الثقات، وقال ابن حبان في الثقات: "مستقيم الحديث على قلته"، وقال الحاكم: "لم يسند تمام العشرة"، وقال ابن القطان الفاسي: "لا نعرف حاله"، الجرح والتعديل (٨/ ٤٤٠)، طبقات الأسماء المفردة (١٠٧)، الثقات (٧/ ٤٩٧)، سؤالات السجزي (٢٠٨)، الإكمال لابن ماكولا (٧/ ١٩٨)، بيان الوهم (٣/ ١١٢/ ٨٠٤)، تاريخ الإسلام (١٠/ ٤٦٢)]، عن زياد بن سعد به. قال الطبراني: "لم يروه عن زياد بن سعد إلا مصاد، تفرد به عمر بن أيوب". قلت: هو غريب من حديث زياد بن سعد. * وأخيرًا: قال البزار: "وهذا الحديث رواه عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير جماعة، فاقتصرنا على من ذكرنا منهم". قلت: هكذا اشتهر حديث أبي الزبير، وطارت به الركبان، فرواه عنه أهل بلده المكيون، وتابعهم: أهل المدينة، وأهل الكوفة، وأهل البصرة، وأهل مصر، فاشتهر بذلك في الحجاز والعراق ومصر، والله أعلم. * خالفهم جميعًا في إسناده، وزاد فيه طاوسًا وهمًا منه: حميد بن قيس الأعرج المكي [ليس به بأس، قال عنه أحمد مرة: "ليس هو بقوي في الحديث"، تقدمت ترجمته تحت الحديث رقم (٧٨٥)، وفي الإسناد إليه: إسماعيل بن أبي أويس، وهو: ليس به بأس، له غرائب لا يتابع عليها] [أخرجه أبو الشيخ في أحاديث أبي الزبير عن غير جابر (٦٩ و ١٠٥) (١٦/ ب) و (٢٠/ ب) مخطوط الظاهرية]. * خالفهم فجعله في السفر، ودخل له حديث في حديث: قرة بن خالد [السدوسي البصري: ثقة ثبت]: حدثنا أبو الزبير: حدثنا سعيد بن جبير: حدثنا ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ جمع بين الصلاة في سفرة سافرها في غزوة تبوك، فجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. قال سعيد: فقلت لابن عباس: ما حمله على ذلك، قال: أراد أن لا يحرج أمته. أخرجه مسلم (٧٠٥/ ٥١)، وأبو عوانة (٢/ ٨٠/ ٢٣٩٤) و (٢/ ٨١/ ٢٣٩٥)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ٢٩٥/ ١٥٨٧)، وابن خزيمة (٢/ ٨٢/ ٩٦٧)، والبزار (١١/ ٢٢٢/ ٤٩٨٨)، وأبو العباس السراج في حديثه بانتقاء الشحامي (٢٢٣٦)، والطحاوي (١/ ١٦٠)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٧٥/ ١٢٥٢٠). رواه عن قرة بن خالد: يحيى بن سعيد القطان، وخالد بن الحارث، ومعاذ بن معاذ، وعبد الرحمن بن مهدي، ومعتمر بن سليمان، وأبو عامر عبد الملك بن عمرو العقدي. * ووقع في رواية لعبد الرحمن بن مهدي [عند ابن خزيمة والسراج،: نا قرة، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، ولم يذكر متنه، وقال: بمثل ذلك، يعني:

стр. 6202

حديثه عن قرة، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل، السابق ذكره تحت الحديث رقم (١٢٠٦)، وهو بنفس المتن المذكور آنفًا. وظاهر صنيع الطحاوي أن لفظ ابن مهدي عن قرة؛ بمثل لفظ مالك عن أبي الزبير عن سعيد، وظاهر صنيع أبي نعيم أن لفظ ابن مهدي بنحو لفظ الطيالسي الآتي، وظاهر صنيع البزار أن لفظ أبي عامر بنحو لفظ حماد بن سلمة عن أبي الزبير. وأخاف أن يكون قرة قد ساق حديث أبي الطفيل عن معاذ بن جبل تامًّا، ثم ساق إسناد سعيد بن جبير عن ابن عباس، فلم يذكر متنه، وأحال على متن حديث أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ؛ لاشتراكهما في مطلق الجمع، فأتى من فصل الحديثين في الرواية وجعل المتن الأول للإسناد الثاني؛ اعتمادًا منه على فهم قرة حين قال بأن حديث أبي الزبير عن سعيد مثل حديث أبي الزبير عن أبي الطفيل، وهما متغايران، والله أعلم. ثم وجدت بعد ذلك رواية أبي داود الطيالسي ويحيى بن سلام، عن قرة بمثل رواية الجماعة عن أبي الزبير، مما يدل على أن الوهم فيه من قرة بن خالد، حيث دخل له حديث في حديث، فكان مرة يرويه كالجماعة في حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس في الجمع بالمدينة، ومرة يقلب متنه، ويرويه بلفظ أبي الطفيل عن معاذ، في الجمع بتبوك. * قال أبو داود الطيالسي ويحيى بن سلام: حدثنا قرة بن خالد، قال: حدثنا أبو الزبير، قال: حدثنا سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء. قلت: ما أراد بذلك؟ قال: أراد أن لا تُحرَجَ أُمَّتُه. أخرجه الطيالسي (٤/ ٣٥٤/ ٢٧٥١)، وأبو عوانة (٢/ ٨٠/ ٢٣٩٤) و (٢/ ٨١/ ٢٣٩٦)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ٢٩٥/ ١٥٨٧). بل مما يزيد الأمر عندي تأكيدًا أن قرة لم يضبط هذا الحديث، وكان يضطرب في إسناده ومتنه: * ما رواه مسلم بن إبراهيم [الفراهيدي: ثقة مأمون، كان يحفظ حديث قرة]، قال: حدثنا قرة بن خالد، عن أبي الزبير، عن جابر؛ أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في السفر. أخرجه سمويه في فوائده (١١)، وابن حبان (٤/ ٤٦١/ ١٥٩٠). وقوله في هذا الحديث: عن جابر؛ وهم من قرة بن خالد، وسلوك للجادة. * وقد روي عن قرة بوجه آخر غير ما تقدم، ولفظه: جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة من غير علة [أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ٩٢/ ١٢٦٤٤)، وابن عدي في الكامل (٢/ ١٧٥)] [وهو حديث منكر؛ ولا يثبت عن قرة؛ إذ الراوي عنه: جارية بن هرم، وهو: متروك، منكر الحديث. اللسان (٢/ ٤١٣)].

стр. 6203

* وقد توبع قرة بن خالد على قيد السفر من وجه ضعيف، رواه أحد الضعفاء، واضطرب في متنه: رواه أشعث بن سوار [ضعيف]، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في السفر. أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ٧٥/ ١٢٥٢١). لكن أشعث بن سوار قد اضطرب في متنه، ورواه مرة أخرى بإسناده، فقال فيه: جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، وهو مقيم بالمدينة، من غير خوف؛ لكي لا يحرج أمته. أخرجه البزار (١١/ ٥٩/ ٤٧٥٤) و (١١/ ٢٢١/ ٤٩٨٦)، وأبو الشيخ في أحاديث أبي الزبير عن غير جابر (٧٠). * قال الدارقطني في العلل (٦/ ٤٣/ ٩٦٥): "واختلف عن أبي الزبير في إسناد هذا الحديث: فقيل: عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وهو الصحيح عنه. وقيل: عن أبي الزبير عن جابر، قاله قرة بن خالد، والثوري من رواية إسحاق الأزرق وآخر لا أذكره، وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن أبي الزبير عن جابر، وجمع قرة بن خالد في روايته عن أبي الزبير بهذا الحديث، بين حديث أبي الطفيل عن معاذ، وبين حديث أبي الزبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبين حديث أبي الزبير عن جابر، فيشبه أن يكون الأقاويل كلها محفوظة، والله أعلم". قال البيهقي بعد حديث قرة عن أبي الزبير عن سعيد عن ابن عباس: "وكان قرة بن خالد أراد حديث أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ، فهذا لفظ حديثه، أو روى سعيد بن جبير الحديثين جميعًا، فسمع قرة أحدهما، ومن تقدم ذكره الآخر، وهذه أشبه، فقد روى قرة حديث أبي الطفيل أيضًا، ورواه حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير، فخالف أبا الزبير في متنه". قلت: حديث أبي الزبير عن جابر: لا يثبت إسناده؛ إنما هي أوهام ومناكير وشذوذات وسلوك للجادة عن أبي الزبير، وتقدم ذكر من وهم فيه على الثوري في موضعه، وسيأتي الكلام على بقية طرقه برقم (١٢١٥). وأما حديث قرة بن خالد، فقد بينت كيف اضطرب فيه قرة بن خالد، والحديث محفوظ عن أبي الزبير بالوجهين: عن أبي الطفيل عن معاذ، في قصة الجمع بغزوة تبوك. وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس، في قصة الجمع بالمدينة. وهما حديثان متغايران، لكن قرة بن خالد كان يحدث بحديث سعيد بن جبير مثل الجماعة بحديث الجمع في الحضر، وكان أحيانًا ينقلب عليه فيرويه ويجعل متنه بمثل متن حديث أبي الطفيل عن معاذ في الجمع بتبوك، والله أعلم.

стр. 6204

* ورواه أحد المتروكين فدخل له حديث في حديث: رواه عمر بن صهبان [متروك، منكر الحديث]، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، قال: كان النبي ﷺ في غزوة تبوك يؤخر الظهر حتى يبرد، ثم يصلي الظهر والعصر، ثم لا ينزل حتى يغيب الشفق، ثم يصلي المغرب والعشاء. أخرجه البزار (١١/ ٦٠/ ٤٧٥٥) و (١١/ ٢٢٣/ ٤٩٩٠)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (٢/ ١٦٥). قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلم رواه بهذا اللفظ، عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس؛ إلا عمر بن صهبان، وهو عمر بن محمد بن صهبان: رجل من أهل المدينة، ليس بالقوي، وقد روى عنه جماعة من أهل العلم، واحتملوا حديثه". قلت: هو حديث منكر بهذا السياق؛ لأجل عمر بن صهبان، وهو: متروك، منكر الحديث، واهي الحديث. * وانظر فيمن وهم فيه أيضًا على أبي الزبير: ما أخرجه أبو الشيخ في طبقات المحدثين (٣/ ٥٢٣). * وقد روي حديث مرفوع على ما تأوله مالك؛ لكنه لا يصح: عن سعد بن عائذ القرظ: أن النبي ﷺ كان يجمع بين الصلاتين بين المغرب والعشاء في المطر [أخرجه الطبراني في الكبير (٦/ ٤١/ ٥٤٥٣)، وعنه: أبو نعيم في معرفة الصحابة (٣/ ١٢٦٦ - ١٢٦٧/ ٣١٨٦) و (٤/ ٢٠٧٤/ ٥٢١٦)] [وهو حديث منكر؛ تقدم تخريجه في فضل الرحيم الودود (٦/ ١٥٣/ ٥٢٠)]. *** ١٢١١ - . . . الأعمش، عن حبيب [بن أبي ثابت]، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جمع رسول الله ﷺ [بين] الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة، من غير خوف، ولا مطر. فقيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد أن لا يُحرِجَ أمته. حديث صحيح؛ دون قوله: ولا مطر، فهو شاذ، والمحفوظ: ولا سفر أخرجه مسلم (٧٠٥/ ٥٤)، وأبو عوانة (٢/ ٨٢/ ٢٣٩٩) و (٢/ ٨٢/ ٢٤٠٠)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ٢٩٦/ ١٥٩٠)، والنسائي في المجتبى (١/ ٢٩٠/ ٦٠٢)، وفي الكبرى (٢/ ٢٢٥/ ١٥٨٧)، والترمذي (١٨٧)، وأحمد (١/ ٢٢٣ و ٣٥٤) (٢/ ٤٩٢/ ١٩٧٨ - ط. المكنز) و (٢/ ٧٨٣/ ٣٣٨٦ - ط. المكنز)، والبزار (١١/ ٢٤٤/ ٥٠٢٣)، والدولابي في الكنى (٢/ ٨٢٩/ ١٤٤٩)، وأبو العباس السراج في حديثه بانتقاء الشحامي (٢٢٤٥ و ٢٢٤٦)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٤٣٢/ ١١٥٨)، والمحاملي في الأمالي (١٠١ -

стр. 6205

رواية ابن مهدي الفارسي)، والبيهقي (٣/ ١٦٧)، وابن عبد البر في التمهيد (١٢/ ٢١٤)، وأبو نعيم الحداد في جامع الصحيحين (٢/ ٧٠/ ٩٣٧). رواه عن الأعمش: أبو معاوية، ووكيع بن الجراح، وعثام بن علي [وهم كوفيون ثقات، وفيهم من أثبت أصحاب الأعمش: أبو معاوية ووكيع]، والفضل بن موسى السيناني [مروزي: ثقة]. * وروي عن الثوري عن الأعمش، وليس من حديثه: أ - رواه سعد بن سعيد الجرجاني: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال:. . . فذكر مثله. أخرجه السهمي في تاريخ جرجان (١٥٩)، والطبراني في الأوسط (٥/ ١١٣/ ٤٨٣٠). قال الطبراني: "لم يرو هذه الأحاديث عن سفيان إلا سعد بن سعيد، تفرد به: إسحاق بن إبراهيم"، يعني: الجرجاني. وهذا منكر من حديث الثوري، تفرد به عنه: سعد بن سعيد الجرجاني، وهو: ضعيف، روى عن الثوري ما لا يتابع عليه، وهذا منه [اللسان (٤/ ٢٩)]، ولم يروه عنه سوى: إسحاق بن إبراهيم بن أحمد الجرجاني: ولم أر فيه جرحًا ولا تعديلًا [تاريخ بغداد (٦/ ٤٠٢)، المنتخب من السياق لتاريخ نيسابور (٣٨٤)، الأنساب (٥/ ١٢١)]. وإنما رواه أصحاب الثوري عنه، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، كما تقدم تحت الحديث السابق. ب - ورواه سعيد بن عثمان، قال: ثنا الأحولان؛ يحيى بن سعيد، وأبو نعيم، أحول البصرة وأحول الكوفة، قالا: ثنا سفيان الثوري، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء من غير علة. قلت لابن عباس: ما أراد بذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته. أخرجه أبو الشيخ في طبقات المحدثين (٢/ ٤١١). قلت: وهذا باطل من حديث يحيى بن سعيد القطان، ومن حديث أبي نعيم الفضل بن دكين، تفرد به عنهما: سعيد بن عثمان، وهو: سعيد بن عثمان بن عيسى الكريزي؛ ضعيف، حدث بأصبهان مناكير [اللسان (٤/ ٦٧ و ٧٠)]. * خالف أصحاب الأعمش فأفحش في الغلط: إسحاق بن إبراهيم شاذان: ثنا سعد بن الصلت، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال:. . . فذكره، لكن قال: في غير سفر ولا مطر. أخرجه أبو الشيخ في طبقات المحدثين (٤/ ٢٨١)، والدارقطني في الثالث من الأفراد (١١) (١/ ٤٣٧/ ٢٣٨٠ - أطرافه)، والخطيب في الموضح (١/ ٤٤٠)، وفي تاريخ بغداد (٥/ ١٩٤).

стр. 6206

قال الدارقطني: "هذا حديث غريب من حديث الأعمش عن عمرو بن مرة، تفرد به: سعد بن الصلت عنه، وتفرد به: إسحاق شاذان عن سعد". وقال الخطيب في التاريخ: "خالفه عبيد الله بن عمرو، فرواه عن الأعمش عن سعيد بن جبير، لم يذكر بينهما أحدًا، كذلك قال علي بن حجر عن عبيد الله، وقال عمرو بن عثمان الكلابي عن عبيد الله بن عمرو عن الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير، ورواه حماد بن شعيب عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، والمشهور: ما رواه وكيع وغيره عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس". قلت: هو حديث منكر؛ إسحاق بن إبراهيم النهشلي المعروف بشاذان الفارسي: قال ابن أبي حاتم: "صدوق"، وذكره ابن حبان في الثقات، وله مناكير وغرائب جمعها ابن منده [الجرح والتعديل (٢/ ٢١١)، الثقات (٨/ ١٢٠)، السير (١٢/ ٣٨٢)، اللسان (٢/ ٣٣)، الثقات لابن قطلوبغا (٢/ ٣٠٧)]. وسعد بن الصلت؛ هو جد شاذان لأمه: ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٤/ ٨٦)، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٣٧٨)، وقال: "ربما أغرب"، وقال الذهبي في السير (٩/ ٣١٧): "هو صالح الحديث، وما علمت لأحد فيه جرحًا". قلت: هو كثير التفرد عن المشاهير، وله مناكير وغرائب، وهذا منها. وأما ما ذكره الخطيب من اختلاف فيه على الأعمش: فأما عبيد الله بن عمرو الرقي، فهو: ثقة فقيه، وكان راويةً لزيد بن أبي أنيسة، مكثرًا عن عبد الكريم الجزري وأحفظ مَن روى عنه، ولم يكن من أصحاب الأعمش، وأما حماد بن شعيب: فقد ضعفوه، وقال البخاري: "فيه نظر" [اللسان (٣/ ٢٧٠)]. والقول فيه: قول أصحاب الأعمش المقدمين فيه: أبو معاوية ووكيع بن الجراح. * قال البزار: "وهذا الحديث زاد فيه حبيب: "من غير خوف ولا مطر"، وغيره لا يذكر المطر، على أن عبد الكريم قد قال نحو ذلك، والحفاظ يروونه: "من غير خوف ولا عذر"" [كذا وقع في المطبوعة: ولا عذر، ولعلها تحرفت عن: ولا سفر، كذا رواه الحفاظ]. وقال ابن خزيمة في صحيحه (٢/ ٨٥): "فأما ما روى العراقيون: أن النبي ﷺ جمع بالمدينة في غير خوف ولا مطر، فهو غلط وسهو، وخلاف قول أهل الصلاة جميعًا". وقال البيهقي في السنن: "ولم يخرجه البخاري مع كون حبيب بن أبي ثابت من شرطه، ولعله إنما أعرض عنه -والله أعلم- لما فيه من الاختلاف على سعيد بن جبير في متنه، ورواية الجماعة عن أبي الزبير أولى أن تكون محفوظة، فقد رواه عمرو بن دينار عن جابر بن زيد أبي الشعثاء عن ابن عباس بقريب من معنى رواية مالك عن أبي الزبير".

стр. 6207

وقال في المعرفة (٢/ ٤٥٥): "ورواه حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، فقال: "في غير خوف ولا مطر"، ورواية أبي الزبير أولى، لموافقتها رواية عمرو بن دينار عن جابر بن زيد عن ابن عباس، وأما قول ابن عباس: أراد أن لا يحرج أمته؛ فقد يجمع بينهما لأجل المطر، حتى لا يحرج أمته بالعود إلى المسجد والمشي في الطين، والله أعلم". وقال ابن عبد البر في التمهيد (١٢/ ٢١٠): "هكذا يقول الأعمش في هذا الحديث: عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "من غير خوف ولا مطر"، وحديث مالك عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال فيه: "من غير خوف ولا سفر"، وهو الصحيح فيه إن شاء الله، والله أعلم. وإسناد حديث مالك عند أهل الحديث والفقه: أقوى وأولى، وكذلك رواه جماعة عن أبي الزبير كما رواه مالك: "من غير خوف ولا سفر"، منهم الثوري وغيره؛ إلا أن الثوري لم يتأول فيه المطر، وقال فيه: لئلا يحرج أمته". وقال الخطابي في المعالم (١/ ٢٢٩): "هذا حديث لا يقول به أكثر الفقهاء، وإسناده جيد إلّا ما تكلموا فيه من أمر حبيب"، ثم ذكر مذاهب الناس فيه. قلت: وهو كما قالوا؛ وقد تعقب ابنُ تيمية البيهقيَّ بقوله: "تقديم رواية أبى الزبير على رواية حبيب بن أبى ثابت: لا وجه له؛ فإن حبيب بن أبى ثابت من رجال الصحيحين، فهو أحق بالتقديم من أبى الزبير، وأبو الزبير من أفراد مسلم، وأيضًا فأبو الزبير اختلف عنه عن سعيد بن جبير في المتن، تارة يجعل ذلك في السفر، كما رواه عنه قرة، موافقة لحديث أبى الزبير عن أبى الطفيل، وتارة يجعل ذلك في المدينة، كما رواه الأكثرون عنه عن سعيد،. . ."، ثم أطال وأسهب في الرد [مجموع الفتاوى (٢٤/ ٧٥)]. * قلت: لم يختلف على أبي الزبير في متن الحديث اختلافًا قادحًا يدل على عدم ضبطه للحديث، بل الوهم في المتن إنما هو من قرة بن خالد، كما تقدم بيانه في الحديث السابق، حيث بينت أن قرة لم يضبط هذا الحديث، وكان يضطرب في إسناده ومتنه. ومن دلائل ضبط أبي الزبير لهذا الحديث: أنه روى حديثين في الجمع بين الصلاتين بإسنادين مختلفين، وسياقين مختلفين، وفي أحدهما قصة طويلة، ولم يسلك فيه الجادة المعروفة، إذ لم يرو واحدًا منهما عن جابر، ثم إنه قد رواه عن أبي الزبير جماعة من الثقات الحفاظ والأئمة النقاد. وأما حديث الأعمش: فإنه وإن كان إسناده كوفيًّا؛ إلا أن عدم اشتهاره عن الأعمش، على علو كعبه ومكانته في الحفظ والعلم، ليجعل النفس لا تطمئن إليه؛ ونحن لا نشكك في ثبوته عن الأعمش، فهو ثابت عنه، ولكن ترك الحفاظ المكثرين من أصحاب الأعمش لروايته عن الأعمش مع علمهم به، ولعلهم تحملوه عن الأعمش ثم امتنعوا من التحديث به عن الأعمش، لأجل هذه اللفظة التي تفرد بها حبيب، فأين أصحاب الأعمش

стр. 6208

على كثرتهم الكاثرة عن هذا الحديث، مثل: سفيان الثوري وشعبة وزائدة وابن نمير وحفص بن غياث وأبي عوانة ويحيى بن سعيد القطان وجرير بن عبد الحميد وحماد بن أسامة وزهير بن معاوية وأبي الأحوص وشيبان النحوي وعبد الله بن إدريس وعبد الواحد بن زياد وابن فضيل وابن أبي زائدة ويعلى بن عبيد الطنافسي، وغيرهم كثير. وفي المقابل: فإن حديث أبي الزبير المكي، وهو أدنى في الحفظ والعلم من الأعمش بكثير، إلا أن حديثه قد اشتهر في بلده وخارجها: فرواه عنه: من أهل مكة: ابن جريج وابن عيينة، ومن أهل المدينة: مالك وهشام بن سعد، ومن أهل الكوفة: سفيان الثوري وزهير، ومن أهل البصرة: حماد بن سلمة، وقرة بن خالد، ومن أهل مصر: خالد بن يزيد الجمحي، وغيرهم. ومن هؤلاء من هم من أصحاب الأعمش المكثرين عنه، مثل: سفيان الثوري وزهير، فلماذا يُعرضان عن حديث الأعمش، ويذهبان لحديث أبي الزبير. ورواه شعبة وجماعة عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، وأعرضوا عن حديث الأعمش هذا. كذلك فإن الثوري وشعبة وابن جريج أيضًا ممن يروي عن حبيب بن أبي ثابت، فلماذا أعرضوا عن حديثه هذا، وذهبوا إلى حديث أبي الزبير وعمرو بن دينار. وحبيب بن أبي ثابت: ثقة؛ لكنه روى حديثين منكرين: حديث تصلي الحائض وإن قطر الدم على الحصير، وحديث القُبلة [راجع: فضل الرحيم الودود (٢/ ٣٢٠/ ١٨٠) و (٣/ ٣٧١/ ٢٩٨)]. وقد أُنكر عليه هذا الحديث أيضًا، وغلطه فيه الأئمة، وقد سبق نقل كلام البزار وابن خزيمة والبيهقي وابن عبد البر والخطابي في ذلك. * والحديث قد رواه أيضًا: حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ صلى بالمدينة سبعًا وثمانيًا، الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. قال أيوب: لعله في ليلة مطيرة، قال: عسى. أخرجه البخاري (٥٤٣). وهذا التفسير من أيوب، يوافق تفسير مالك، والقائل: عسى، يحتمل أن يكون عمرو بن دينار، ويحتمل أن يكون أبا الشعثاء جابر بن زيد، فإن أيوب السختياني قد روى عنهما جميعًا، وقد جزم ابن حجر في الفتح (٢/ ٢٣) بأنه أبو الشعثاء، والله أعلم. * وله أسانيد أخرى عن سعيد بن جبير: ١ - روى العوام بن حوشب [ثقة ثبت]، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، بالمدينة وهو مقيم، في غير خوف ولا سفر، وإنما أراد بذلك السعة لأمته.

стр. 6209

أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ١٧٣/ ٧١٩٥). من طريق عبد الله بن خراش عن العوام به. قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن العوام إلا عبد الله بن خراش". قلت: هو منكر من حديث العوام بن حوشب؛ تفرد به عبد الله بن خراش، وهو: متروك، منكر الحديث، وقد أكثر الرواية عن عمه العوام بن حوشب بما لا يتابع عليه؛ حتى قال ابن عدي: "ولا أعلم أنه يروي عن غير العوام أحاديث، وعامة ما يرويه غير محفوظ" [الكامل (٤/ ٢١٠)، التهذيب (٢/ ٣٢٦)، الميزان (٢/ ٤١٣)]. ٢ - إسماعيل بن جعفر: ثنا حبيب بن حسان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر بالمدينة، من غير سفر ولا علة، كي لا يكون على أمته حرج. أخرجه علي بن حجر في حديثه عن إسماعيل بن جعفر (٤٦٦). وإسناده واهٍ بمرة؛ حبيب بن حسان؛ هو: ابن أبي الأشرس، وهو: متروك، منكر الحديث [انظر: اللسان (٢/ ٥٤٤) وغيره]. ٣ - قيس بن الربيع، عن عمار الدهني، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: صلى النبي ﷺ ثمانيًا وسبعًا، وهو مقيم بالمدينة. أخرجه إسماعيل الصفار في فوائده (٣٢ - رواية ابن رزقويه)، وابن الأعرابي في المعجم (٧٣٨)، والطبراني في الأوسط (٣/ ٢٠/ ٢٣٣٧)، والدارقطني في الأفراد (١/ ٤٣٨/ ٢٣٨٤ - أطرافه). قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن عمار إلا قيس". وقال الدارقطني: "غريب من حديث عمار عنه، تفرد به قيس بن الربيع عنه". قلت: إسناده لا يصح؛ عمار بن معاوية الدهني: لم يسمع من سعيد بن جبير شيئًا، قد صرح هو بذلك، وقال به أحمد بن حنبل [العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٤٥٩/ ٣٠٣٣)، ضعفاء العقيلي (٣/ ٣٢٣)، تحفة التحصيل (٢٣٦)]، وقيس بن الربيع: ليس بالقوي، ضعفه غير واحد، وابتلي بابنٍ له كان يُدخل عليه ما ليس من حديثه فيحدث به [التهذيب (٣/ ٤٤٧)، الميزان (٣/ ٣٩٣)]. ٤ - وروى إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع [مدني، ضعيف]، ومحمد بن راشد [المكحولي: ثقة]: عن عبد الكريم أبي أمية [وقيل: الجزري، ولعلها نسبة من أحد الرواة اجتهادًا منه]، عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وطاوس، [وجابر بن زيد]، وعطاء بن أبي رباح؛ أخبروه عن ابن عباس؛ أنه أخبرهم: أن رسول الله ﷺ كان يجمع بين الظهر والعصر، ويجمع بين المغرب والعشاء في السفر، من غير أن يعجله أمر، أو يطلبه عدو، أو يخاف شيئًا. وفي رواية: ولا يطلب عدوًا، ولا يطلبه.

стр. 6210

أخرجه ابن ماجه (١٠٦٩)، وعبد الرزاق (٢/ ٥٤٨/ ٤٤٠٤)، والطبراني في الكبير (١١/ ٥٨/ ١١٠٧١)، وأبو طاهر المخلص في الرابع من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (٨٦) (٧٠١ - المخلصيات). قلت: هو حديث منكر بهذا السياق؛ عبد الكريم بن أبي المخارق، أبو أمية البصري: مجمع على ضعفه، وقال النسائي والدارقطني: متروك، وقال أحمد في رواية ابنه عبد الله: "ضعيف"، وفي رواية أبي طالب: "ليس هو بشيء، شبه المتروك" [التهذيب (٢/ ٦٠٣)، الميزان (٢/ ٦٤٦)، الجرح والتعديل (٦/ ٦٠)]. * وحديث سعيد بن جبير، وأبي الشعثاء جابر بن زيد، عن ابن عباس؛ إنما هو في الجمع بالمدينة، لا في السفر، وقد تقدم حديث سعيد، ويأتي حديث أبي الشعثاء برقم (١٢١٤). * وحديث طاوس إنما يُعرف عن ابن عباس موقوفًا عليه. رواه معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه؛ أن ابن عباس كان يجمع بين الظهر والعصر في السفر. أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٥٤٩/ ٤٤٠٨)، ومن طريقه: ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٤٢٣/ ١١٤٨). * وكذلك حديث عطاء بن أبي رباح إنما هو موقوف على ابن عباس: فقد روى ابن جريج، قال: أخبرني عطاء؛ أن ابن عباس جمع بين المغرب والعشاء ليلة خرج من أرضه. أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٥٤٩/ ٤٤٠٩). * ومما روي أيضًا عن سعيد بن جبير؛ مما لا يصح سنده: ٥ - ما أخرجه الدارقطني في الثالث والثمانين من الأفراد (٢٩) (١/ ٤٤٥/ ٢٤٣٣ - أطرافه) [تفرد به الحسن بن عمارة، وهو: متروك]. *** ١٢١٢ - . . . محمد بن فضيل، عن أبيه، عن نافع، وعبد الله بن واقد؛ أن مؤذن ابن عمر قال: الصلاة! قال: سِرْ سِرْ، حتى إذا كان قبل غُيُوب الشفق نزل فصلى المغرب، ثم انتظر حتى غاب الشفق وصلى العشاء، ثم قال: إن رسول الله ﷺ كان إذا عجِلَ به أمرٌ صنع مثل الذي صنعت، فسار في ذلك اليوم والليلة مسيرة ثلاث. قال أبو داود: رواه ابن جابر، عن نافع، نحو هذا بإسناده. حديث شاذ بذكر النزول قبل غياب الشفق تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٢٠٧)، الطريق رقم (١٧).

стр. 6211

١٢١٣ - . . . عيسى، عن ابن جابر، بهذا المعنى. قال أبو داود: ورواه عبد الله بن العلاء، عن نافع، قال: حتى إذا كان عند ذهاب الشفق نزل فجمع بينهما. حديث شاذ بذكر النزول قبل غياب الشفق تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٢٠٧)، الطريق رقم (١٨). ١٢١٤ - قال أبو داود: حدثنا سليمان بن حرب، ومسدد، قالا: حدثنا حماد بن زيد. (ح) وحدثنا عمرو بن عون: أخبرنا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ بالمدينة ثمانيًا وسبعًا، الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. ولم يقل سليمان ومسدد: بنا. قال أبو داود: ورواه صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس، قال: في غير مطر. حديث متفق على صحته من حديث حماد أخرجه من طريق سليمان بن حرب: أبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ٢٩٧/ ١٥٩٢)، والبيهقي (٣/ ١٦٧). وأخرجه من طريق مسدد: البيهقي (٣/ ١٦٧). ولم أقف على من أخرجه من طريق عمرو بن عون. وأخرجه من طريق أبي داود: ابن عبد البر في التمهيد (١٢/ ٢١٧). هكذا رواه عن حماد بن زيد: سليمان بن حرب، ومسدد بن مسرهد، وعمرو بن عون [وهم ثقات]. * وتابعهم: أبو الربيع الزهراني [سليمان بن داود العتكي، وهو: ثقة]، وأبو النعمان [عارم محمد بن الفضل: ثقة ثبت]، ومحمد بن عبيد بن حساب [ثقة]، وقتيبة بن سعيد [ثقة ثبت]، وعاصم بن علي [صدوق]: عن حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ صلى بالمدينة سبعًا وثمانيًا، الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. زاد قتيبة: يجمع بين الصلاتين.

стр. 6212

قال أيوب: لعله في ليلة مطيرة، قال: عسى. لفظ عارم [عند البخاري]. أخرجه البخاري (٥٤٣)، ومسلم (٧٠٥/ ٥٦)، وأبو نعيم في مستخرجه عليه (٢/ ٢٩٧/ ١٥٩٢)، والنسائي في الكبرى (١/ ٢٢٨/ ٣٨١)، وابن حبان (٤/ ٤٧٣/ ١٥٩٧)، والطبراني في الكبير (١٢/ ١٣٧/ ١٢٨٠٨)، والبيهقي (٣/ ١٦٧)، وأبو نعيم الحداد في جامع الصحيحين (٢/ ٦٩/ ٩٣٥). قال ابن حجر في الفتح (٢/ ٢٣): "فقال أيوب، هو: السختياني، والمقول له هو: أبو الشعثاء، قوله: عسى، أي أن يكون كما قلت". وتفرد عارم بالزيادة التفسيرية لأيوب لا يضر؛ فإنه ثقة ثبت، قال أبو حاتم: "إذا حدثك عارم فاختم عليه، وعارم لا يتأخَّر عن عفان، وكان سليمان بن حرب يقدم عارمًا على نفسه، إذا خالفه عارم في شيء رجع إلى ما يقول عارم، وهو أثبت أصحاب حماد بن زيد بعد عبد الرحمن بن مهدي" [الجرح والتعديل (٨/ ٥٨)]، وقد رواها البخاري عنه في صحيحه، والبخاري ممن سمع من عارم قبل الاختلاط، قال ابن حجر في هدي الساري (٢/ ١١٨٣): "إنما سمع منه البخاري سنة ثلاث عشرة قبل اختلاطه بمدة، وقد اعتمده في عدة أحاديث". * تابع حماد بن زيد عليه: ١ - شعبة [وعنه: غندر محمد بن جعفر، وآدم بن أبي إياس، والنضر بن شميل، وأبو النضر هاشم بن القاسم، وأسد بن موسى، وحسين بن محمد]، قال: حدثنا عمرو بن دينار، قال: سمعت جابر بن زيد، عن ابن عباس، قال: صلى النبي ﷺ سبعًا جميعًا، وثمانيًا جميعًا. زاد في رواية: كأنه في الحضر. أخرجه البخاري (٥٦٢)، وأبو عوانة (٢/ ٨٢/ ٢٤٠١)، وأحمد (١/ ٢٧٣ و ٢٨٥)، والبزار (١١/ ٤١٠/ ٥٢٥٧)، وأبو العباس السراج في حديثه بانتقاء الشحامي (٢٢٤٢ و ٢٢٤٣)، وأبو القاسم البغوي في الجعديات (١٦٢٨)، والطحاوي (١/ ١٦٠). وانظر فيمن وهم فيه على شعبة: ما أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٢/ ٣١). ٢ - سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، قال: صليت مع النبي ﷺ ثمانيًا جميعًا، وسبعًا جميعًا، قلت: يا أبا الشعثاء أظنه أخَّر الظهر، وعجَّل العصر، وأخَّر المغرب، وعجَّل العشاء، قال: وأنا أظن ذاك. وفي رواية ابن المديني [عند البخاري]: عن عمرو، قال: سمعت أبا الشعثاء جابرًا، قال: سمعت ابن عباس. أخرجه البخاري (١١٧٤)، ومسلم (٧٠٥/ ٥٥)، وأبو نعيم في مستخرجه عليه (٢/ ٢٩٦/ ١٥٩١)، والنسائي في المجتبى (١/ ٢٨٦/ ٥٨٩)، وفي الكبرى (١/ ٢٢٦/ ٣٧٥)، وأحمد (١/ ٢٢١)، والشافعي في السنن (٢٣)، والحميدي (٤٧٠)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢٠٩/ ٨٢٢٧) و (٧/ ٢٨٣/ ٣٦١٠٧)، والبزار (١١/ ٤١١/ ٥٢٥٨)، وأبو يعلى (٤/ ٢٨٢/ ٢٣٩٤)،

стр. 6213

وأبو العباس السراج في حديثه بانتقاء الشحامي (٢٢٤٠ و ٢٢٤١)، والطحاوي (١/ ١٦٠)، والبيهقي في السنن (٣/ ١٦٦ و ١٦٨)، وفي المعرفة (٢/ ٤٥٤/ ١٦٥٠)، وابن عبد البر في التمهيد (١٢/ ٢١٩ و ٢٢٠)، وأبو نعيم الحداد في جامع الصحيحين (٢/ ٧٠/ ٩٣٦). هكذا رواه عن ابن عيينة: أحمد بن حنبل، والحميدي، والشافعي، وأبو بكر ابن أبي شيبة [عند مسلم]، وعلي بن المديني [عند البخاري]، وإبراهيم بن بشار [عند أبي نعيم]، وعثمان بن أبي شيبة [عند البيهقي]، وأحمد بن عبدة [عند البزار]، وعبد الجبار بن العلاء، ومحمد بن الصباح، وزياد بن أيوب [عند السراج] [وفيهم أثبت أصحاب ابن عيينة، من كبار الأئمة النقاد]، وغيرهم، ففصلوا قول عمرو بن دينار وأبي الشعثاء. * وأدرجه في الحديث، فصيره مرفوعًا: قتيبة بن سعيد [عند النسائي]، حيث قال: صليت مع رسول الله ﷺ بالمدينة، ثمانيًا جميعًا، وسبعًا جميعًا، أخَّر الظهر وعجَّل العصر، وأخَّر المغرب وعجَّل العشاء. وهذا وهم ظاهر. قال ابن عبد البر في التمهيد (١٢/ ٢١٩): "رواه قتيبة بن سعيد عن ابن عيينة بإسناده مثله؛ فأقحم في الحديث قول أبي الشعثاء وعمرو بن دينار". وقال أيضًا: "الصحيح في حديث ابن عيينة هذا غير ما قال قتيبة؛ حين جعل التأخير والتعجيل في الحديث، وإنما هو ظن عمرو وأبي الشعثاء". قال البزار: "وهذا الحديث قد روي عن ابن عباس من وجوه، و [هذا] الإسناد من أصح إسناد يروى في ذلك". * وانظر أيضًا فيمن وهم فيه على ابن عيينة: ما أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ٦٥/ ١٢٥٤٩). (٣ - ٧) - ابن جريج، ومعمر بن راشد، وحماد بن سلمة، وروح بن القاسم، وأبو طوالة عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر [ولا يصح عنه؛ فإن الراوي عنه: عبد الله بن زياد بن سمعان، وهو: متروك، اتهمه بالكذب غير واحد]: عن عمرو بن دينار؛ أن أبا الشعثاء أخبره؛ أن ابن عباس أخبره، قال: صليت وراء رسول الله ﷺ ثمانيًا جميعًا، وسبعًا جميعًا بالمدينة. قال ابن جريج: [قال عمرو:] فقلت لأبي الشعثاء: إني لأظن النبي ﷺ أخَّر من الظهر قليلًا، وقدَّم من العصر قليلًا، قال أبو الشعثاء: وأنا أظن ذلك. أخرجه النسائي في المجتبى (١/ ٢٩٠/ ٦٠٣)، وفي الكبرى (١/ ٢٢٩/ ٣٨٢)، وأبو عوانة (٢/ ٨٢/ ٢٤٠٢)، وأحمد (١/ ٣٦٦)، والطيالسي (٤/ ٣٤١/ ٢٧٣٥) وعبد الرزاق (٢/ ٥٥٥/ ٤٤٣٦)، وأبو العباس السراج في حديثه بانتقاء الشحامي (٢٢٤٤)، وأبو العباس الأصم في جزء من حديثه (٥٠ - رواية أبي الحسن الطرازي) (٤٥٨ - مجموع مصنفاته)، والطبراني في الكبير (١٢/ ١٣٧/ ١٢٨٠٥ و ١٢٨٠٦).

стр. 6214

وممن تأول الحديث على ظن عمرو بن دينار وأبي الشعثاء في الجمع الصوري: ابن عبد البر في التمهيد (١٢/ ٢٢٠)، وفي الاستذكار (٢/ ٢١٣). لكن فيه تكلف ظاهر، قال الخطابي في المعالم (١/ ٢٢٨): "ظاهر اسم الجمع عرفًا لا يقع على من أخر الظهر حتى صلاها في آخر وقتها، وعجل العصر فصلاها في أول وقتها؛ لأن: هذا قد صلى كل صلاة منهما في وقتها الخاص بها، وإنما الجمع المعروف بينهما: أن تكون الصلاتان معًا في وقت إحداهما" [وانظر: الفتح لابن حجر (٢/ ٥٨٠)، عمدة القاري (٧/ ١٥١)]. وقال ابن حجر في الفتح (٢/ ٢٤): "وإرادة نفي الحرج يقدح في حمله على الجمع الصوري؛ لأن القصد إليه لا يخلو عن حرج". قلت: ولا يثبت حديث مرفوع في الجمع الصوري، وسيأتي لذلك مزيد بيان في آخر الباب. * وانظر فيمن وهم فيه على ابن جريج: ما أخرجه ابن الأعرابي في المعجم (١٢٦٠)، والدارقطني في الأفراد (١/ ٤٨٠/ ٢٦٧٣ - أطرافه). ٨ - محمد بن مسلم الطائفي، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس قال: صلى رسول الله ﷺ ثمان ركعات جميعًا، وسبع ركعات جميعًا، من غير مرض ولا علة. أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ١٣٧/ ١٢٨٠٧)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٩٠). وهذا منكر بهذه الزيادة التي في آخره: من غير مرض ولا علة، والتي تفرد بها عن عمرو بن دينار: محمد بن مسلم الطائفي، وهو: صدوق، يخطئ إذا حدث من حفظه، وكتابه أصح، وله غرائب، وقد ضعفه أحمد على كل حال، من كتاب وغير كتاب [انظر: التهذيب (٣/ ٦٩٦)، الميزان (٤/ ٤٠)، التقريب (٥٦٤)]. وقد رواه عن عمرو بن دينار بدون هذه الزيادة جماعة من الثقات الحفاظ، وفيهم أثبت أصحاب عمرو، وهم: سفيان بن عيينة، وحماد بن زيد، وشعبة، وابن جريج، ومعمر بن راشد، وحماد بن سلمة، وروح بن القاسم. وانظر أيضًا فيمن وهم في إسناده على عمرو بن دينار: علل ابن أبي حاتم (٢/ ٤٦٩/ ٥٢٥)، علل الدارقطني (١٣/ ٢١/ ٢٩٠٧) و (١٣/ ٣٦٣/ ٣٢٥١)، معجم الشيوخ للصيداوي (٣٢١). * تابع عمرو بن دينار عليه: حبيب بن أبي حبيب، عن عمرو بن هَرِم، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس؛ أنه صلى بالبصرة الأولى والعصر ليس بينهما شيء، والمغرب والعشاء ليس بينهما شيء، فعل ذلك من شغل. وزعم ابن عباس أنه صلى مع رسول الله ﷺ بالمدينة الأولى والعصر ثمان سجدات ليس بينهما شيء. لفظ حبان بن هلال [عند النسائي].

стр. 6215

أخرجه النسائي في المجتبى (١/ ٢٨٦/ ٥٩٠)، وفي الكبرى (٢/ ٢٢٢/ ١٥٧٨)، والطيالسي (٤/ ٣٤٢/ ٢٧٣٦)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٤٠٠ - ٤٠١). وإسناده ليس بالقوي؛ حبيب بن أبي حبيب يزيد الجرمي البصري الأنماطي: ليِّن الحديث، وتقدم الكلام عليه، راجع: فضل الرحيم الودود (٥/ ٣٤٧/ ٤٤٧)، وما تقدم تحت الحديث رقم (١١٩٨). * وخالفهما: حفص بن عمر الجدي: ثنا قزعة بن سويد، عن أبي حية، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ أقام بخيبر ستة أشهر، يصلي الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا. أخرجه الطبراني في الأوسط (٦/ ٢٥٦/ ٦٣٣٧). قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن جابر بن زيد إلا أبو حية، تفرد به: قزعة بن سويد". قلت: هو حديث باطل؛ أبو حية المكي: روى عنه قزعة بن سويد، وقد فرق ابن منده بين أبي حية هذا وبين أبي حية بن قيس الوادعي الراوي عن علي، وبينه وبين أبي حية الثقفي الراوي عن معقل بن يسار، وبينه وبين أبي حية الكلبي والد أبي جناب يحيى بن أبي حية [فتح الباب (٢٣٨٨ - ٢٣٩١)]، وعليه: فهو أحد المجاهيل. وقزعة بن سويد: ليس بالقوي، وحفص بن عمر الجُدِّي: منكر الحديث، قاله الأزدي [هكذا ترجمه الذهبي في الميزان (١/ ٥٦٧)، اللسان (٣/ ٢٣٧)]، والله أعلم. * ولحديث ابن عباس أسانيد أخرى، منها: ١ - روى حماد بن زيد [وعنه: أبو الربيع الزهراني، ومحمد بن أبي بكر المقدمي، وأبو داود الطيالسي، وسليمان بن حرب، وعبيد الله بن عمر القواريري، ويونس بن محمد المؤدب، ولوين محمد بن سليمان المصيصي، وإسحاق بن أبي إسرائيل؛ وهم ثقات]: والمعتمر بن سليمان [وعنه: نصر بن علي الجهضمي، وهو: ثقة ثبت]: كلاهما: عن الزبير بن الخريت، عن عبد الله بن شقيق، قال: خطبنا ابن عباس يومًا بعد العصر حتى غربت الشمس، وبدت النجوم، وجعل الناس يقولون: الصلاةَ الصلاةَ، قال: فجاءه رجل من بني تميم، لا يفتر، ولا ينثني: الصلاةَ الصلاةَ، فقال ابن عباس: أتعلمني بالسُّنَّة؟ لا أمَّ لك! ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. قال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء، فأتيت أبا هريرة فسألته، فصدَّق مقالته. أخرجه مسلم (٧٠٥/ ٥٧)، وأبو عوانة (٢/ ٨٢/ ٢٤٠٣)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ٢٩٧/ ١٥٩٣)، وأحمد (١/ ٢٥١)، والطيالسي (٤/ ٢٨٢/ ٢٦٧٥) و (٤/

стр. 6216

٤٤٠/ ٢٨٤٣)، والبزار (١٦/ ٢٥٦/ ٩٤٤٠) و (١٧/ ٢٧/ ٩٥٤٠)، وأبو أحمد الحاكم في فوائده (١٣)، وأبو طاهر المخلص في العاشر من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (١٤٠) (٢٢٩٥ - المخلصيات)، والبيهقي (٣/ ١٦٨)، وأبو نعيم الحداد في جامع الصحيحين (٢/ ٧١/ ٩٣٨). قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلم يروى من حديث عبد الله بن شقيق عن ابن عباس وأبي هريرة إلا عن الزبير بن الخريت عن عبد الله بن شقيق، ولا نعلم أسند الزبير عن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة ﵁ إلا هذا الحديث". قال أبو نعيم الحداد: "ويمكن أن خطبة ابن عباس هذه كانت في سفر؛ لأن وكيعًا روى القصة عن عمران بن حدير، عن عبد الله بن شقيق بإسناده، فقال: كما نجمع في السفر"، قلت: ظاهره أن جمع بهم في الحضر، وإلا لما أنكر عليه الناس، ولما حاك ذلك في صدر عبد الله بن شقيق، وإنما وقع في رواية ابن أبي شيبة الآتية تفسيرًا من الراوي: يعني: في السفر، والله أعلم. ٢ - وروى وكيع بن الجراح، وحماد بن سلمة، ومروان بن معاوية، ومعاذ بن معاذ [وهم ثقات حفاظ]، وأبو جابر محمد بن عبد الملك الأزدي [ليس بقوي. اللسان (٧/ ٣١٦)]: عن عمران بن حدير، عن عبد الله بن شقيق العقيلي، [أن ابن عباس أخر صلاة المغرب ذات ليلة]، قال: قال رجل لابن عباس: الصلاةَ، فسكت، ثم قال: الصلاةَ، فسكت، ثم قال: الصلاةَ، فسكت، ثم قال: لا أمَّ لك أتعلمنا بالصلاة، وكنا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله ﷺ . زاد في رواية ابن أبي شيبة عن وكيع تفسيرًا من الراوي: يعني: في السفر، وشذ أبو جابر الأزدي، فقال في آخره: على عهد رسول الله ﷺ في السفر، وهي زيادة منكرة، لم يأت بها الحفاظ. أخرجه مسلم (٧٠٥/ ٥٨)، وأبو نعيم في مستخرجه عليه (٢/ ٢٩٧/ ١٥٩٤)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢١٠/ ٨٢٣١)، وأبو يعلى (٤/ ٤٠٨/ ٢٥٣١)، والطحاوي (١/ ١٦١)، وأبو بكر الشافعي في فوائده "الغيلانيات" (٦٣٦)، والبيهقي (٣/ ١٦٨)، وغيرهم. قال البيهقي: "وليس في رواية عبد الله بن شقيق عن ابن عباس عن النبي ﷺ من هذين الوجهين الثابتين عنه؛ نفي المطر، ولا نفي السفر، فهو محمول على أحدهما، أو على ما أوله عمرو بن دينار، فليس في روايتهما ما يمنع ذلك التأويل، وقد روينا عن ابن عباس وابن عمر الجمع في المطر، وذلك يؤكد تأويل من أوله بالمطر، والله أعلم". وقال ابن عبد البر في التمهيد (١٢/ ٢١٧): "ومن روى حديثًا كان أعلم بمخرجه". قلت: فهذا مالك وأيوب -على مكانتهما في العلم والفقه- يتأولانه بالمطر، وهذا أبو الشعثاء راويه عن ابن عباس لا يستبعد أن يكون جمع فيه جمعًا صوريًّا، وقد سبق بيان ضعف هذا الوجه، وما تأوله به مالك وأيوب أقوى وأولى؛ وذلك مراعاة لأحاديث

стр. 6217

المواقيت، والتي هي أصل محكم، يُردُّ إليها ما تشابه من الأحاديث المشكلة، لاسيما وقد وصف النبي ﷺ بالتفريط من أخر الصلاة حتى يجئ وقت الصلاة الأخرى، وأن ما رخص فيه الشرع للمسافر من قصر الصلاة وجمع الصلاتين في وقت إحداهما لا يتعدى فيه موضع الرخصة، وهو السفر، فليس له أن يفعل ذلك في الحضر؛ إلا لدليل في غاية الظهور والبيان، وسيأتي لذلك مزيد بيان بعد ذكر هذه الطرق. ٣ - وروى داود بن قيس الفراء [مدني، ثقة]، وابن جريج [مكي، ثقة، ممن روى عن صالح مولى التوأمة قبل اختلاطه]: عن صالح مولى التوأمة؛ أنه سمع ابن عباس، يقول: جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، بالمدينة في غير سفر ولا مطر [وفي رواية: في غير خوف ولا مطر]. قال: قلت لابن عباس: لم تراه فعل ذلك؟ قال: أراه للتوسعة على أمته. أخرجه أحمد (١/ ٣٤٦)، وعبد الرزاق (٢/ ٥٥٥/ ٤٤٣٤)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢١٠/ ٨٢٣٠)، وعبد بن حميد (٧٠٩)، وأبو يعلى (٥/ ٨٠/ ٢٦٧٨) والطحاوي (١/ ١٦٠)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٣٢٦/ ١٠٨٠٣) و (١٠/ ٣٢٧/ ١٠٨٠٤)، وابن عدي في الكامل (٤/ ٥٧)، وأبو الشيخ في جزء من حديثه بانتقاء ابن مردويه (٣٥)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/ ٤٠٨) و (٢/ ١٦٦). رواه عن داود بن قيس جماعة من الثقات، منهم: وكيع بن الجراح، وأبو نعيم الفضل بن دكين، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرزاق بن همام، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، وسفيان الثوري [وهو غريب من حديثه]. هكذا اشتهر حديث داود بن قيس الفراء، وتداوله المصنفون، بينما حديث ابن جريج يعدُّ من الغرائب، حيث لم يروه عنه راويته عبد الرزاق، ولا أصحابه المكثرون عنه، وإنما تفرد به عنه: يحيى بن سعيد الأموي، ولا رواه من طريقه سوى ابن عدي في كامله، والأموي: ليس به بأس، صاحب غرائب [التهذيب (٤/ ٣٥٦)، الميزان (٤/ ٣٨٠)]؛ فلا أراه يثبت من حديث ابن جريج. وعليه: فإن هذا الإسناد: إسناد ضعيف؛ صالح بن أبي صالح مولى التوأمة: ثقة، كان قد اختلط، فمن سمع منه قبل الاختلاط فهو صحيح، وإلا فلا، ولم أجد من نص على سماع داود بن قيس منه قبل اختلاطه [انظر: التهذيب (٢/ ٢٠١)، الكواكب النيرات (٣٣)، شرح علل الترمذي (٢/ ٧٤٩)]، والله أعلم. ٤ - الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: صلى رسول الله ﷺ في المدينة مقيمًا غيرَ مسافر، سبعًا وثمانيًا. أخرجه أحمد (١/ ٢٢١)، وعنه: البخاري في التاريخ الكبير (١/ ١٨٠). غريب من حديث عكرمة، تفرد به الحكم بن أبان العدني؛ وهو: صدوق، فيه لين،

стр. 6218

وله أوهام وغرائب، ويتفرد عن عكرمة بما لا يتابع عليه [راجع ترجمته وشيئًا من غرائبه: فضل الرحيم الودود (٦/ ٥٤٧/ ٥٩٠) و (٧/ ٥٢٢/ ٦٨٨) و (٨/ ٨٦/ ٧١٧)]. * فإن قيل: تابعه عليه: أشعث بن سوار [ضعيف]، قال: حدثنا عكرمة، عن ابن عباس، قال: جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء بالمدينة، من غير خوف ولا مطر، فقلت لابن عباس: ولم فعل ذلك رسول الله ﷺ ؟ قال: أراد التخفيف عن أمته، أن لا يحرج أمته. أخرجه ابن شاهين في الناسخ (٢٤١). فيقال: لا يثبت من حديث أشعث؛ فإن الراوي عنه: الحسن بن عمرو بن سيف العبدي، وهو: متروك، كذبه ابن المديني والبخاري [التاريخ الكبير (٢/ ٢٩٩)، الجرح والتعديل (٣/ ٢٦)، كنى مسلم (٢٢٦٣)، التهذيب (١/ ٤١٠)]. وشيخ ابن شاهين، هو: أبو العباس ابن عقدة، الحافظ المكثر: شيعي، اختلف الناس فيه، ضعفه غير واحد، وقواه آخرون [السير (١٥/ ٣٤٠)، اللسان (١/ ٦٠٣)]. ٥ - إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع [مدني، ضعيف]، عن عبد الكريم [الجزري]، عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وطاوس، [وجابر بن زيد]، وعطاء أخبروه، عن ابن عباس أنه أخبرهم؛ أن رسول الله ﷺ كان يجمع بين الظهر والعصر، ويجمع بين المغرب والعشاء في السفر، من غير أن يعجله أمر، أو يطلبه عدو، أو يخاف شيئًا. وفي رواية: ولا يطلب عدوًا، ولا يطلبه. أخرجه ابن ماجه (١٠٦٩)، والطبراني في الكبير (١١/ ٥٨/ ١١٠٧١)، وأبو طاهر المخلص في الرابع من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (٨٦) (٧٠١ - المخلصيات). قلت: هو حديث منكر بهذا السياق؛ لتفرد ابن مجمع به على ضعفه، عن عبد الكريم بن مالك الجزري الثقة المشهور، دون بقية أصحابه الثقات. ٦ - ليث بن أبي سليم [ضعيف؛ لاختلاطه وعدم تميز حديثه]: رواه مرة عن طاوس، ورواه مرة أخرى عن مجاهد: كلاهما عن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، في السفر والحضر. أخرجه أحمد (١/ ٣٦٠)، وإسحاق بن راهويه (٩١٠١ - مسند ابن عباس)، والطبراني في الكبير (١١/ ٧٠/ ١١٠٧٣). وهذا حديث ضعيف مضطرب. ٧ - يزيد بن أبي زياد، عن عطاء، عن ابن عباس؛ أن النبي ﷺ جمع بين الصلاتين، بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. أخرجه أبو علي الطوسي في مختصر الأحكام (١/ ٤٥٨/ ١٧٢).

стр. 6219

لا يثبت من حديث عطاء بن أبي رباح المكي؛ تفرد به عنه: يزيد بن أبي زياد الكوفي، وهو في الأصل: صدوق عالم؛ إلا أنه لما كبر ساء حفظه وتغير، وكان إذا لُقِّن تلقن، فهو: ليس بالقوى؛ كما قال أكثر النقاد، لأجل ما صار إليه أمره [انظر: التهذيب (٩/ ٣٤٤)، الميزان (٤/ ٤٢٣)، وقد تقدم الكلام عليه مرارًا]. * قال الترمذي في أول كتاب العلل الصغير: "جميع ما في هذا الكتاب من الحديث فهو معمول به، وقد أخذ به بعض أهل العلم؛ ما خلا حديثين: حديث ابن عباس؛ أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر بالمدينة، والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر، وحديث النبي ﷺ ؛ أنه قال: "إذا شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه"، وقد بينا علة الحديثين جميعًا في الكتاب". وقال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث (٢٦١): "وقد روى الناس أحاديث متصلة وتركوا العمل بها، منها: حديث سفيان وحماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر، عن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، بالمدينة آمنًا لا يخاف، والفقهاء جميعًا على ترك العمل بهذا؛ إما لأنه منسوخ، أو لأنه فعله في حال ضرورةٍ؛ إما لمطر، أو شغل". * قلت: قد أخذ جماعة بظاهر هذه الرواية، وبعمل ابن عباس بها، حيث أباح له الجمع بين الصلاتين في الحضر من غير عذر كالمطر والمرض، وإنما لأدنى حاجة، قال ابن سيرين: "لا بأس بالجمع بين الصلاتين فى الحضر إذا كانت حاجةٌ أو شئٌ؛ ما لم يتخذه عادة"، وأجاز ذلك ربيعة بن عبد الرحمن، وأشهب، وجماعة آخرون من متأخري الفقهاء [ذكرهم الخطابي في المعالم (١/ ٢٢٩)، والنووي في شرحه على مسلم (٥/ ٢١٩)، وانظر: الفتح لابن رجب (٣/ ٩٤)]، وممن قال بذلك أيضًا: ابن المنذر (٢/ ٤٣٣ - الأوسط)، وابن حبان (٤/ ٤٧١ - الصحيح)، وابن بطال (٢/ ١٧٠ - شرح البخاري). قال ابن المنذر: "إذا ثبتت الرخصة في الجمع بين الصلاتين؛ جمع بينهما للمطر والريح والظلمة، ولغير ذلك من الأمراض وسائر العلل"، معتمدًا في ذلك قول ابن عباس: أراد أن لا يحرج أحدًا من أمته [الأوسط (٢/ ٤٣٣)]. بل قد ذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك، فقال ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٤٣٢): "وقالت طائفة: الجمع بين الصلاتين في الحضر مباح؛ وإن لم تكن علة، قال: لأن الأخبار قد ثبتت عن رسول الله ﷺ أنه جمع بين الصلاتين بالمدينة، ولم يثبت عن النبي ﷺ أنه جمع بينهما في المطر، ولو كان ذلك في حال المطر لأدي إلينا ذلك، كما أدي إلينا جمعه بين الصلاتين، بل قد ثبت عن ابن عباس الراوي بحديث الجمع بين الصلاتين في الحضر؛ لما سئل: لم فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أحدًا من أمته"، إلى أن قال: "ولو كان ثم مطر من أجله جمع بينهما رسول الله ﷺ لذكره ابن عباس عن السبب الذي جمع بينهما، فلما لم يذكره وأخبر بأنه أراد أن لا يحرج أمته، دل على أن جمعه كان في

стр. 6220

غير حال المطر، وغير جائز دفع يقين ابن عباس مع حضوره بشك مالك". * وقد روي نحوه عن ابن عمر؛ ولا يصح [أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٥٥٦/ ٤٤٣٧)] [وفي إسناده انقطاع]. * ويمكن أن يقال في حديث ابن عباس هذا: أن هذا الحديث ليس حديثًا قوليًّا صادرًا عن رسول الله ﷺ ، في رفع الحرج عن المكلفين فيما أوجب عليهم ربهم من الالتزام بمواقيت الصلوات، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، وقال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وعموم الأحاديث الدالة على المحافظة على الصلوات في أوقاتها، مثل حديث ابن مسعود، قال: سألت رسول الله ﷺ : أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: "الصلاة على وقتها" قلت: ثم أي؟ قال: "ثم بر الوالدين" قلت: ثم أي؟ قال: "ثم الجهاد في سبيل الله" قال: حدثني بهن، ولو استزدته لزادني [أخرجه البخاري (٥٢٧ و ٥٩٧٠ و ٧٥٣٤)، ومسلم (٨٥/ ١٣٩)، وتقدم تحت الحديث رقم (٤٢٦)]، وحديث عبادة بن الصامت، قال: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: "افترض الله خمس صلوات على خلقه، من أدَّاهنَّ كما افتُرض عليه، لم ينقص من حقهن شيئًا استخفافًا؛ فإن له عند الله عهدًا أن لا يعذبه، ومن انتقص من حقهنَّ شيئًا استخفافًا به؛ فإنه يلقى الله ولا عهد له، إن شاء عذبه وان شاء غفر له" [وهو حديث حسن بمجموع طرقه، تقدم برقم (٤٢٥)، وقد ختمت الكلام على أحاديث فضل الصلاة في وقتها بقولي: فإنه لا يصح في هذا الباب شيء صريح، والصحيح: غير صريح، مثل حديث ابن مسعود: "الصلاة على وقتها"، والذي يظهر لي من معناه -والله أعلم-: إيقاع الصلاة المفروضة في وقتها المختار، بحيث لا يخرج بها إلى وقت الكراهة، أو الاضطرار، أو إلى وقت الصلاة الأخرى، بل طالما أداها في وقت الاختيار فقد أداها على الوجه المأمور به، لكن هذا لا يمنع من القول بأن تعجيل الصلوات في أول الوقت: أفضل؛ إلا العشاء إذا لم يشق على المأمومين، وإلا الظهر في شدة الحر]. كذلك فإن النبي ﷺ كان يعجل بالصلوات في أوائل أوقاتها على الدوام؛ إلا ما استثني، ولأن المعجل يأمن الفوت بالنسيان والشغل. ومن الأحاديث التي يمكن استعمالها في الرد على من توسع في العمل بحديث ابن عباس، يجمع الصلاتين لأدنى حاجة وسبب: * ما رواه أبو عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا أبا ذر! كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يميتون الصلاة؟ "، أو قال: "يؤخرون الصلاة؟ " قلت: يا رسول الله فما تأمرني؟ قال: "صل الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصلِّها، فإنها لك نافلة".

стр. 6221

وهو حديث صحيح، أخرجه مسلم (٦٤٨/ ٢٣٨ - ٢٤٠)، وقد تقدم تخريجه برقم (٤٣١)، وانظر شواهده هناك. * وما رواه عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة، في قصة نومهم عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس، وفيه: "أما إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصلِّ الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى"، وهو حديث صحيح، أخرجه مسلم (٦٨١)، وقد تقدم تخريجه برقم (٤٣٧)، وانظر طرقه هناك. * وما جاء في حديث بريدة وأبي موسى: فلما كان من الغد: صلى الفجر وانصرف، فقلنا: أطلعت الشمس؟ فأقام الظهر في وقت العصر الذي كان قبله [وفي حديث بريدة: فلما أن كان اليوم الثاني أمره فأبرد بالظهر]، وصلى العصر وقد اصفرت الشمس -أو قال: أمسى-، وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق، وصلى العشاء إلى ثلث الليل، ثم قال: "أين السائل عن وقت الصلاة؟ الوقت فيما بين هذين". وهما حديثان صحيحان، أخرجهما مسلم (٦١٣ و ٦١٤)، وراجع تخريجهما في فضل الرحيم الودود (٤/ ٣٩٤/ ٣٩٥) و (٤/ ٤٠١). وقد دل هذان الحديثان على عدم اشتراك وقت الظهر مع وقت العصر، ولا وقت المغرب مع وقت العشاء، وكذلك أحاديث المواقيت الدالة على هذا المعنى، مثل: * حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ أنه قال: "وقت الظهر ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت المغرب ما لم يسقط نور الشفق، ووقت العشاء إلى نصف الليل، ووقت صلاة الفجر ما لم تطلع الشمس". أخرجه مسلم (٦١٢/ ١٧٢)، وتقدم تخريجه برقم (٣٩٦). وهذه الأحاديث ما هي إلا إشارات لما ورد في بابها، ومن أراد المزيد فليراجع مواضعها من الأصل في فضل الرحيم الودود. قال ابن رجب في الفتح (٣/ ٨٨) معلقًا على حديث أبي ذر: "ولو كان الجمع جائزًا من غير عذر لم يحتج إلى ذلك، فإن أولئك الأمراء كانوا يجمعون لغير عذر، ولم يكونوا يؤخرون صلاة النهار إلى الليل، ولا صلاة الليل إلى النهار". وممن عارض حديث ابن عباس هذا بأحاديث المواقيت: أحمد بن حنبل في رواية ابنه صالح، حيث سأله صالح عن هذا الحديث، فقال: "قد جاءت الأحاديث بتحديد المواقيت للظهر والعصر والمغرب والعشاء، فأما المريض فأرجو" [مسائل صالح (٥٨٢)، وانظر: الفتح لابن رجب (٣/ ٨٨)] [وانظر له في ذلك أقوالًا أخرى، لكنها غير صريحة، يمكن تأويلها: مسائل الكوسج (٤١٧)، مسائل أبي داود (٥٢٦)]. قلت: وأما حديث ابن عباس؛ فإنه ينقل واقعة حال لا عموم لها؛ إذا أدخلناها في عموم الأدلة الشرعية لتتفق معها وجدنا أنه لابد أن يكون النبي ﷺ قد أوقعها على خلاف ما هو معهود منه من المحافظة على الصلوات في أوائل أوقاتها لعذر طارئ [انظر: المعرفة (٢/ ٤٥٣)].

стр. 6222

ذلك أن الصحابة ﵃ إذا كانوا قد اعتادوا من النبي ﷺ إيقاع الصلاة في أول وقتها، ثم يأتي ﷺ فيصلي صلاتي الظهر والعصر مجموعة في وقت الثانية، أو الأولى، ثم يصلى المغرب والعشاء في وقت إحداهما، فيفعل في الحضر ما عُهد منه فعله في السفر، فكيف يسكت الصحابة عن ذلك؟ فلا يسألون، ولا يقوم أحدهم لكي يستفصل منه ﷺ ، هل وقع ذلك نسخًا لمواقيت الصلاة؟ أم أن ذلك لتشريع خاص سوف يخبرهم النبي ﷺ بما جدَّ فيه من الوحي؟ كما حدث في قصة ذي اليدين التي نقلها عدد من الصحابة، منهم: أبو هريرة وعمران بن حصين [راجع الأحاديث المتقدمة برقم (١٠٠٨ - ١٠١٨)]؛ ويدخل في هذا المعنى أيضًا: ما انتبه له عمر بن الخطاب أن النبي ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة، إلا أنه يوم الفتح صلى الصلوات بوضوء واحد، فقال له عمر: إني رأيتك صنعت اليوم شيئًا لم تكن تصنعه؟ قال: "عمدًا صنعته" [راجع: فضل الرحيم الودود (٢/ ٢٨٧/ ١٧٢)]، فإذا لم يُنقل شيءٌ من ذلك؛ علمنا يقينًا أن هذه الواقعة؛ إنما وقعت مراعاة لعذر طارئ من الأعذار المبيحة للجمع، مثل المطر ونحوه، ولذا تأوله مالك وأيوب السختياني بالمطر، ولا يُعارض ذلك بقول ابن عباس: أراد أن لا يحرج أحدًا من أمته، فإيقاع الجمع في الحضر لأجل المطر هو عين رفع الحرج عنهم، لا كما ادعاه ابن المنذر. والاحتجاج به للمريض قال به جماعة، قال مالك: "فالمريض أولى بالجمع لشدة ذلك عليه ولخفته على المسافر، وإنما الجمع رخصة لتعب السفر ومؤنته إذا جد به السير؛ فالمريض أتعب من المسافر وأشد مؤنة،. . .، فهو أولى بالرخصة، وهي به أشبه منها بالمسافر"، وقال الليث: "يجمع المريض"، وبه قال أحمد وإسحاق [المدونة (١/ ١١٦)، مسائل الكوسج (٣١٧)، شرح البخاري لابن بطال (٢/ ١٧٠)، التمهيد (١٢/ ٢١٦ و ٢١٨)، المغني (٢/ ٥٩)]. ومثل ذلك ما وقع لابن عباس في فهم ما كان من أمر النبي ﷺ بفسخ الحج إلى العمرة في حجة الوداع، ففهمه ابن عباس على الإيجاب مطلقًا، وأن الفسخ يلزم كل من أهل بالحج مفردًا، بينما فهمه أشياخ الصحابة مثل أبي بكر وعمر على دخول العمرة في الحج، خلافًا لما كانت تعتقده العرب في ذلك. وكذلك ما وقع من اجتهادات لابن عباس، لخفاء بعض العلم عليه، أو لاستنباطها من نص آخر، فأقامها البعض مقام النص، وليس الأمر كذلك: مثل: قوله بأنه لا ربا إلا في النسيئة، وأنه لا ربا فيما كان يدًا بيد [راجع: البخارى (٢١٧٨ و ٢١٧٩)، مسلم (١٥٩٦)]. ومثل: خفاء تحريم متعة النساء عليه حتى أعلمه علي بن أبي طالب بتحريمها، وأغلظ له القول، وكان مما قال له: "إنك رجل تائه" [راجع: البخاري (٥١١٥ و ٦٩٦١)، مسلم (١٤٠٧)، أبو عوانة (٣/ ٢٨/ ٤٠٧٩)]. ومثل: خفاء كون النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال، فأخطأ ابن عباس وقال:

стр. 6223

تزوجها وهو محرم، وهمه في ذلك سعيد بن المسيب، روي عنه ذلك من وجهين، قال في أحدهما: "وهِلَ ابنُ عباس -وإن كانت خالته-، ما تزوجها رسول الله ﷺ إلا بعد ما أحل"، وقال أحمد بن حنبل: "ابن المسيب يقول: وهم ابن عباس، وميمونة تقول: تزوجني وهو حلال" [الفتح (٩/ ١٦٥)]، وقال ابن تيمية: "وفيه [يعني: صحيح البخاري] عن بعض الصحابة ما يقال: إنه غلط، كما فيه: عن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم، والمشهور عند أكثر الناس: أنه تزوجها حلالًا" [مجموع الفتاوى (١٨/ ٧٣)]، وقال ابن القيم في الزاد (١/ ١١٣): "فإن السفير بينهما بالنكاح أعلم الخلق بالقصة، وهو أبو رافع، وقد أخبر أنه تزوجها حلالًا، وقال: كنت أنا السفير بينهما، وابن عباس إذ ذاك له نحو العشر سنين أو فوقها، وكان غائبًا عن القصة لم يحضرها، وأبو رافع رجل بالغ، وعلى يده دارت القصة، وهو أعلم بها" [وانظر أيضًا: (٣/ ٣٧٢)]، وقال في موضع آخر (٥/ ١١٣): "قال ابن عباس: تزوجها محرمًا، وقال أبو رافع: تزوجها حلالًا، وكنت الرسول بينهما، وقول أبي رافع: أرجح، لعدة أوجه: أحدها: أنه إذ ذاك كان رجلًا بالغًا، وابن عباس لم يكن حينئذٍ ممن بلغ الحلم، بل كان له نحو العشر سنين، فأبو رافع إذ ذاك كان أحفظ منه، الثاني: أنه كان الرسول بين رسول الله ﷺ وبينها، وعلى يده دار الحديث، فهو أعلم به منه بلا شك، وقد أشار بنفسه إلى هذا إشارة متحقق له ومتيقن، لم ينقله عن غيره بل باشره بنفسه، الثالث: أن ابن عباس لم يكن معه في تلك العمرة، فإنها كانت عمرة القضية، وكان ابن عباس إذ ذاك من المستضعفين الذين عذرهم الله من الولدان، وإنما سمع القصة من غير حضور منه لها، الرابع: أنه ﷺ حين دخل مكة بدأ بالطواف بالبيت ثم سعى بين الصفا والمروة وحلق ثم حلَّ، ومن المعلوم أنه لم يتزوج بها في طريقه، ولا بدأ بالتزويج بها قبل الطواف بالبيت، ولا تزوج في حال طوافه، هذا من المعلوم أنه لم يقع، فصح قول أبي رافع يقينًا، الخامس: أن الصحابة ﵃ غلطوا ابن عباس، ولم يغلطوا أبا رافع، السادس: أن قول أبي رافع موافق لنهي النبي ﷺ عن نكاح المحرم، وقول ابن عباس يخالفه، وهو مستلزم لأحد أمرين، إما لنسخه، وإما لتخصيص النبي ﷺ بجواز النكاح محرمًا، وكلا الأمرين مخالف للأصل، ليس عليه دليل فلا يقبل، السابع: أن ابن أختها يزيد بن الأصم شهد أن رسول الله ﷺ تزوجها حلالًا، قال: وكانت خالتي وخالة ابن عباس، ذكره مسلم". ومثل: قوله اجتهادًا منه: الطواف صلاة؛ إلا أن الله أباح فيه الكلام. فإن هذا اجتهاد من ابن عباس، إذ هو راوي هاتيك الواقعة التي تكلم فيها النبي ﷺ أثناء الطواف، فقد روى البخاري (١٦٢٠ و ١٦٢١ و ٦٧٠٢ و ٦٧٠٣) من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ مرَّ وهو يطوف بالكعبة بإنسان ربط يده إلى إنسان بسَيْرٍ أو بخيط أو بشيء غير ذلك، فقطعه النبي ﷺ بيده، ثم قال: "قُدْهُ بيده". ومن المعلوم أن الطواف لداخل المسجد الحرام يقوم مقام صلاة ركعتي تحية

стр. 6224

المسجد، فابن عباس قد ترجم هذه الواقعة بقوله: الطواف صلاة؛ إلا أن الله أباح فيه الكلام؛ يعني: بذلك إباحة الكلام في الطواف حسب، لا أن الطواف في أحكامه كالصلاة، ولم يستثن من أحكامها سوى الكلام، وهذا ما يظهر لكل عاقل، وهذا مبسوط في غير هذا الموضع، والله أعلم. ومثل: اجتهاده بتعزير من أتى حائضًا بأن يتصدق بدينار أو بنصف دينار [راجع: فضل الرحيم الودود (٣/ ٢٥٤/ ٢٦٤)]. وهنا يمكن أن يقال مثل ذلك، بأنه قد خفي على ابن عباس السبب المقتضي للجمع، بينما أدرك ذلك الصحابة، فلم يشكل عليهم هذا الجمع، ولم يعتنوا بنقله إلينا، بينما ابن عباس -لصغر سنه إذ ذاك- لم يظهر له وجه الجمع، فقال ما قال، ويؤكد ذلك أن أبا هريرة لم يحدث بذلك حتى سأله عنه عبد الله بن شقيق، لكونه من مسائل العلم التي لا تخفى، مما ينقله العامة عن العامة، ولا تحتاج لنقل الخاصة، والله أعلم. فإن قيل: لم ينفرد ابن عباس بهذا الحديث؛ ففي رواية عبد الله بن شقيق؛ أنه قال: فحاك في صدري من ذلك شيء، فأتيت أبا هريرة فسألته، فصدَّق مقالته. فيقال: نعم؛ اتفق ابن عباس وأبو هريرة على نقل واقعة حال، مفادها أن النبي ﷺ جمع بالمدينة الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا، وليس فيه بيان كونه جمع تقديم أم تأخير، ولا فيه بيان وجه هذا الجمع والداعي إليه، وظاهر الواقعة أنها لم تقع إلا مرة واحدة، فكيف يقبل هذا النقل المجرد عن سببه، مع كونه ناقلًا عن الأصل، وهو إقامة الصلاة في أوقاتها المشروعة، فهل يقبل في ذلك مجرد اجتهاد ابن عباس، بقوله: أراد ألا يحرج أمته، ثم هل ما نفاه ابن عباس هنا بقوله: من غير خوف ولا سفر؛ يعني: نفي ما عدا ذلك من أسباب الجمع؟ كذلك فإن هذا الحديث يمكن التمثيل به للقاعدة المشهورة: وقائع الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال كساها ثوب الإجمال، وسقط بها الاستدلال، قال الزركشي في البحر المحيط (٣/ ١٥٤) أثناء مناقشته لهذه القاعدة وعلاقتها بالقاعدة الأخرى المعارضة لها: ترك الاستفصال في وقائع الأحوال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال [وقد سبق في مقام آخر أن حررت القول: بأن القاعدة الأولى تختص بالأفعال، وأما الثانية فتختص بالأقوال]، قال الزركشي: "المراد بسقوط الاستدلال في وقائع الأعيان؛ إنما هو بالنسبة إلى العموم إلى أفراد الواقعة، لا سقوطُه مطلقًا؛ فإن التمسك بها في صورةٍ ما مما يُحتمل وقوعُها عليه غيرُ ممتنع، وهكذا الحديث: أنه ﵇ جمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير مرض [كذا، ولعله سبق قلم من المصنف، والصحيح: خوف] ولا سفر، فإن هذا يحتمل أنه كان في مطر، وأنه كان في مرض، ولا عموم له في جميع الأحوال، فلهذا حملوه على البعض، وهو المطر؛ لمرجِّح للتعيين". كذلك فإن فعل ابن عباس الذي رواه عنه عبد الله بن شقيق؛ لما احتج بفعل النبي ﷺ

стр. 6225

في الجمع؛ نقول لمن احتجوا به على رفع الحرج بإطلاق: هل لكم أن تفعلوا مثل فعل ابن عباس، كأن يقوم الأمير فيخطب الناس حتى يخرج وقت الظهر، أو حتى يخرج وقت المغرب، فيجمع صلاة الظهر مع العصر، أو المغرب مع العشاء، فهل له ذلك؟ بل معنا في ذلك النص في حديث أبي ذر على المنع من ذلك، وقد تقدم ذكره. وكذلك فإن الذي فعله ابن عباس هنا متأولًا بخبر الجمع في الحضر هو داخل في عموم ما نهى عنه النبي ﷺ ، وهو عين ما أنكره جماعة من الصحابة والتابعين على ما وقع في عهد خلفاء بني أمية من تأخير الصلوات، مثل إنكار أبي مسعود الأنصاري على المغيرة بن شعبة، وإنكار عروة بن الزبير على عمر بن عبد العزيز [راجع فضل الرحيم الودود (٤/ ٣٦٨/ ٣٩٤)]، وإنكار ابن مسعود على أمراء وقته تأخير الصلاة عن وقتها [راجع فضل الرحيم الودود (٥/ ٢٨٨/ ٤٣٢)]، وقصة يزيد الضبي مع الحكم بن أيوب في إنكاره عليه تأخير الجمعة وهو يخطب [راجع فضل الرحيم الودود (٥/ ٥٢/ ٤٠٣)]، وغير ذلك، ولو كان للأمراء حق في تأخير الصلاة لحاجة، أو جمعها بالتي تليها، لما جاء الخبر في الإنكار عليهم، ولما أنكر عليهم الصحابة، والله أعلم. وأخيرًا: فإن بقي في نفس المخالف شيء، فنقول له: لا شك أن حديث ابن عباس عندك من مشكل العلم ومتشابهه، وقد وجب علينا رد المتشابه إلى المحكم، وهو باب المواقيت بأدلتها والتي سبق أن ذكرت طرفًا يسيرًا منها، لذا قال أحمد في رد ظاهر هذا الحديث: "قد جاءت الأحاديث بتحديد المواقيت للظهر والعصر والمغرب والعشاء" [مسائل صالح (٥٨٢)]، والله أعلم. * وعلى العكس من ذلك: فقد كان بعض الصحابة لا يرون الجمع بين الصلاتين في السفر جائزًا إلا من عذر زائد على وصف السفر، فقد تقدم النقل عن ابن عمر أنه كان يصلي الصلوات لوقتها في السفر، ولم يجمع بين المغرب والعشاء إلا لما جاءه خبر زوجته صفية، ونقل أيضًا عن أصحاب ابن مسعود أنهم كانوا يصلون الصلاة لوقتها في السفر، وسئل الحسن عن جمع الصلاتين في السفر؟ فكان لا يعجبه ذلك إلا من عذر، وصح نحوه عن ابن سيرين، خلافًا لما تقدم نقله عنه [انظر: مصنف ابن أبي شيبة (٢/ ٢١١/ ٨٢٤٧ - ٨٢٥١) و (٢/ ٢١٢/ ٨٢٥٥ و ٨٢٥٦)]. * ومما قال الشافعي في توجيه حديث ابن عباس: قال الشافعي في الأم (١/ ٧٦): "فلما أمَّ جبريل رسولَ الله ﷺ في الحضرِ لا في مطرٍ، وقال: "ما بين هذين وقتٌ"، لم يكن لأحدٍ أن يعمدَ أن يصلى الصلاة في حضرٍ ولا في مطرٍ إلا في هذا الوقت، ولا صلاة إلا منفردةٌ؛ كما صلى جبريلُ برسولِ الله ﷺ ، وصلى النبي ﷺ بَعدُ مقِيمًا في عمره، ولما جمع رسولُ الله ﷺ بالمدينة آمنًا مقِيمًا لم يحتمل إلا أن يكونَ مخالفًا لهذا الحديث؛ أو يكون الحالُ التي جمع فيها حالًا غير الحال التي فرَّقَ فيها، فلم يَجُزْ أن يقال جَمعهُ في الحضرِ مخالفٌ لإفراده في الحضر، من

стр. 6226

وجهين: أنه يوجَدُ لكلِّ واحدٍ منهما وجهٌ، وأن الذي رواه منهما معًا واحدٌ، وهو ابن عباس، فعلمنا أن لجَمْعِهِ في الحضرِ علَّةٌ فرَّقتْ بينه وبين إفراده، فلم يكُنْ إلا المطرُ -والله تعالى أعلم- إذا لم يكُنْ خوفٌ، ووجدْنا في المطرِ علَّةَ المشقَّة، كما كان في الجمع في السفرِ علَّةُ المشقَّة العامَّة". * وقال ابن خزيمة (٢/ ٨٥) (٢/ ١٧٠ - ط. الميمان): "لم يختلف العلماء كلهم أن الجمع بين الصلاتين في الحضر في غير المطر غير جائز، فعلمنا واستيقنا أن العلماء لا يجمعون على خلاف خبر عن النبي ﷺ صحيح من جهة النقل، لا معارض له عن النبي ﷺ ، ولم يختلف علماء الحجاز أن الجمع بين الصلاتين في المطر جائز، فتأولنا جمع النبي ﷺ في الحضر على المعنى الذي لم يتفق المسلمون على خلافه، إذ غير جائز أن يتفق المسلمون على خلاف خبر النبي ﷺ من غير أن يرووا عن النبي ﷺ خبرًا خلافه، فأما ما روى العراقيون: أن النبي ﷺ جمع بالمدينة في غير خوف ولا مطر، فهو غلط وسهو، وخلاف قول أهل الصلاة جميعًا، ولو ثبت الخبر عن النبي ﷺ أنه جمع في الحضر في غير خوف ولا مطر: لم يحل لمسلم علم صحة هذا الخبر أن يحظر الجمع بين الصلاتين في الحضر في غير خوف ولا مطر، فمن ينقل في رفع هذا الخبر بأن النبي ﷺ جمع بين الصلاتين في غير خوف ولا سفر ولا مطر، ثم يزعم أن الجمع بين الصلاتين على ما جمع النبي ﷺ بينهما غير جائز، فهذا جهل وإغفال، غير جائز لعالم أن يقوله". وقال ابن عبد البر في التمهيد (١٢/ ٢١٠): "أجمع العلماء على أنه لا يجوز الجمع بين الصلاتين في الحضر لغير عذر على حالٍ البتة؛ إلا طائفة شذت". وقال في الاستذكار (٢/ ٢١٢): "وقالت طائفة شذت عن الجمهور: الجمع بين الصلاتين في الحضر وإن لم يكن مطر - مباح؛ إذا كان عذرٌ وضيقٌ على صاحبه، ويشقُّ عليه، وممن قال ذلك: محمد بن سيرين، وأشهب صاحب مالك، وكان ابن سيرين لا يرى بأسًا أن يجمع بين الصلاتين إذا كانت حاجةٌ أو عذرٌ ما لم يتخذه عادة، وقال أشهب بن عبد العزيز: لا بأس بالجمع عندي بين الصلاتين كما جاء في الحديث: "من غير خوف ولا سفر"، وإن كانت الصلاة في أول وقتها أفضل. * قلت: قد صح عن أهل المدينة أنهم كانوا يجمعون بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة، فكان ابن عمر يصلي معهم، لا يعيب ذلك عليهم: روى مالك بن أنس، وأيوب السختياني، وعبيد الله بن عمر، ورجاء بن حيوة، ومحمد بن عجلان: عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء في المطر، جمع معهم. واللفظ لمالك. أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٢٠٨/ ٣٨٦)، وعبد الرزاق (٢/ ٥٥٦/ ٤٤٣٨ و ٤٤٣٩

стр. 6227

و ٤٤٤١)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٤٣٠/ ١١٥٧)، والبيهقي في السنن (٣/ ١٦٨)، وفي المعرفة (٢/ ٤٥٣/ ١٦٤٨). قال ابن رجب في الفتح (٣/ ٩١): "وقد عُلم شدة متابعة ابن عمر للسنة، فلو كان محدَثًا لم يوافقهم عليه ألبتة". * وقد خالف أحد التلفى أصحاب نافع، فرواه عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا بلفظ: كان رسول الله ﷺ إذا كانت ليلة باردة أو مطيرة أو مظلمة جمع بين هاتين الصلاتين، يعني: المغرب والعشاء، وهو حديث منكر باطل، تفرد به: جعفر بن أبي جعفر ميسرة الأشجعي، وهو منكر الحديث جدًّا [اللسان (٢/ ٤٧٦)] [أخرجه الخطيب في الموضح (١/ ٥٣٧)]. * وروى عبد الرحمن بن مهدي وسليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، قال: رأيت أبان بن عثمان يجمع بين الصلاتين في الليلة المطيرة، فيصليها معه عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو بكر بن عبد الرحمن، لا ينكرونه. وقال عبيد الله بن عمر: رأيت سالمًا والقاسم يصليان معهم -يعني: الأمراء- في الليلة المطيرة. وهؤلاء هم أكثر فقهاء المدينة السبعة، مما يعني أنه كان أمرًا معهودًا، جرى عليه عمل أهل المدينة وفقهائها، وهو يقوي ما ذهب إليه مالك في تأويل الحديث، وقد قال بالجمع في الحضر في الليلة المطيرة بين المغرب والعشاء: مالك، وأحمد، وإسحاق، وزاد مالك الجمع بينهما في حال الطين والظلمة، وذهب الشافعي إلى القول بالجمع في حال المطر بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء [الأوسط لابن المنذر (٢/ ٤٣٠)] التمهيد (١٢/ ٢١١)]. قال ابن عبد البر في التمهيد (١٢/ ٢١٥): "أجمع المسلمون أنه ليس لمسافر ولا مريض ولا في حال المطر يجمع بين الصبح والظهر، ولا بين العصر والمغرب، ولا بين العشاء والصبح، وإنما الجمع بين صلاتي الظهر والعصر، وبين صلاتي المغرب والعشاء، صلاتي النهار، وصلاتي الليل". * قال الترمذي بعد حديث الأعمش (١٨٧): "وفي الباب عن أبي هريرة". حديث ابن عباس: قد روي عنه من غير وجه، رواه جابر بن زيد، وسعيد بن جبير، وعبد الله بن شقيق العقيلي، وقد روي عن ابن عباس، عن النبي ﷺ غير هذا". * قلت: يشير إلى ما يعارضه في الباب، ومما روي في خلاف ذلك: ما رواه المعتمر بن سليمان [ثقة]، عن أبيه [ثقة]، عن حنش، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "من جمع بين الصلاتين من غير عذر؛ فقد أتى بابًا من أبواب الكبائر"، ورواه بعضهم مطولًا، كما في الرواية الآتية. أخرجه الترمذي (١٨٨)، والحاكم (١/ ٢٧٥) (١/ ٦٥٧/ ١٠٣٣ - ط الميمان)، وابن

стр. 6228

أبي الدنيا في ذم المسكر (٤)، والحارث بن أبي أسامة (٤٦٤ - بغية الباحث)، والبزار (٢/ ١٢٦/ ١٣٥٦ - كشف)، وأبو يعلى (٤/ ٢٣٥/ ٢٣٤٨) و (٥/ ١٣٦/ ٢٧٥١)، وابن أبي حاتم في التفسير (٣/ ٩٣٢/ ٥٢٠٧)، وابن حبان في المجروحين (١/ ٢٤٣)، والطبراني في الكبير (١١/ ٢١٥/ ١١٥٣٨) و (١١/ ٢١٦/ ١١٥٤٠)، والدارقطني في السنن (١/ ٣٩٥)، وفي الأفراد (١/ ٤٦٤/ ٢٥٥٤ - أطرافه)، وابن شاهين في الناسخ (٢٤٥)، والبيهقي في السنن (٣/ ١٦٩)، وفي الشعب (٥/ ١٣/ ٥٥٩٩)، والخطيب في الموضح (١/ ٥٥٦)، وعلقه العقيلي في الضعفاء (١/ ٢٤٧). * ورواه أيضًا: عبد الحكيم بن منصور [متروك، كذبه ابن معين]، عن حسين بن قيس، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "من جمع بين صلاتين من غير عذر فقد أتى بابًا من أبواب الكبائر، ومن شرب شرابًا حتى يذهب عقله الذي أعطاه الله ﷺ فقد أتى بابًا من أبواب الكبائر، ومن شهد شهادة يجتاح بها مال امرئ مسلم فقد أوجب النار". أخرجه ابن شاهين في الناسخ (٢٤٤). قال الترمذي: "وحنش هذا هو أبو علي الرحبي، وهو حسين بن قيس، وهو: ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه أحمد وغيره. والعمل على هذا عند أهل العلم: أن لا يجمع بين الصلاتين إلا في السفر أو بعرفة، ورخص بعض أهل العلم من التابعين في الجمع بين الصلاتين للمريض، وبه يقول أحمد وإسحاق. وقال بعض أهل العلم: يجمع بين الصلاتين في المطر، وبه يقول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، ولم ير الشافعي للمريض أن يجمع بين الصلاتين". وقال البزار: "لا نعلمه عن النبي ﷺ إلا بهذا الإسناد، وحنش هو: ابن قيس الرحبي،. . .، وليس بالقوي، وإنما يكتب من حديثه ما يرويه غيره". وقال العقيلي في أبي علي الرحبي بعدما أورد له حديثين منكرين هذا أحدهما: "وله غير حديث لا يتابع عليه، ولا يُعرف إلا به"، ثم قال في حديثه هذا: "لا أصل له، وقد روي عن ابن عباس بإسناد جيد: أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء". وقال الحاكم: "حنش بن قيس الرحبي يقال له: أبو علي، من أهل اليمن، سكن الكوفة: ثقة، وقد احتج البخاري بعكرمة، وهذا الحديث قاعدة في الزجر عن الجمع بلا عذر، ولم يخرجاه"، فخالف الناس. وقال الدارقطني: "حنش هذا هو أبو علي الرحبي: متروك". وقال البيهقي: "تفرد به حسين بن قيس أبو علي الرحبي المعروف بحنش، وهو: ضعيف عند أهل النقل، لا يحتج بخبره".

стр. 6229

وقال ابن عبد البر في التمهيد (١٢/ ٢١٠): "وهو حديث ضعيف". وقال في موضع آخر (٥/ ٧٧): "وهذا حديث -وإن كان في إسناده من لا يحتج بمثله أيضًا من أجل حنش هذا- فإن معناه صحيح من وجوه". قلت: هو حديث منكر، تفرد به عن عكرمة مولى ابن عباس المدني، دون بقية أصحابه الثقات على كثرتهم؛ أحد المتروكين: الحسين بن قيس الرحبي أبو علي الواسطي، ولقبه: حنش، وهو: متروك، منكر الحديث، قال البخاري: "أحاديثه منكرة جدًّا، ولا يكتب حديثه" [التهذيب (١/ ٤٣٤)]. * قلت: وقد روي عن عمر موقوفًا عليه قوله، وفي سنده اختلاف، وفيه مقال [أخرجه عبد الرزاق (١/ ٥٣٥/ ٢٠٣٥) و (٢/ ٥٥٢/ ٤٤٢٢)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢١٢/ ٨٢٥٣)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٤٢٤/ ١١٤٩)، والبيهقي (٣/ ١٦٩)] [قال الشافعي: "وليس هذا بثابت عن عمر، هو مرسل"، وقال ابن المنذر: "غير ثابت؛ لانقطاع إسناده"، وقال البيهقي: "هو مرسل، أبو العالية: لم يسمع من عمر"، وانظر: المراسيل (٢٠٣ - ٢٠٥)، تحفة التحصيل (١٠٧)، لكن قال الذهبي في تهذيب السنن (٣/ ١١٠١/ ٤٩٤٨): "بلى؛ سمع منه"] [قلت: قد أثبت لأبي العالية الرياحي السماع من عمر: البخاري ومسلم وغيرهما، لكن هذه الرواية الأقرب أنها من كتاب عمر لأبي موسى؛ وهي واقعة يغلب على الظن عدم شهوده لها. انظر: العلل ومعرفة الرجال (٤٦٥ و ٣٤٤١)، الكنى للبخاري (٩٣٩)، التاريخ الكبير (٣/ ٣٢٦)، كنى مسلم (٢٣٤٠)، الجرح والتعديل (٣/ ٥١٠)، إكمال الإكمال (٤/ ٩٣)، السير (٧/ ٢٠٤)، تحفة التحصيل (١٠٧)]. * وروى البيهقي (٣/ ١٦٩) من طريق: عبد الله بن محمد بن الحسن الرمجاري: ثنا عبد الرحمن بن بشر [ثقة]: ثنا يحيى بن سعيد [القطان: إمام حافظ، ثقة متقن]، عن يحيى بن صبيح [ثقة]، قال: حدثني حميد بن هلال [ثقة]، عن أبي قتادة -يعني: العدوي-؛ أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى عامل له: ثلاث من الكبائر: الجمع بين الصلاتين إلا في عذر، والفرار من الزحف، والنهبى. قال البيهقي في السنن: "أبو قتادة العدوي أدرك عمر ﵁، فإن كان شهده كتب فهو موصول، وإلا فهو إذا انضم إلى الأول صار قويًا". وقال في المعرفة (٢/ ٤٥٢): "ورواه أبو قتادة العدوي؛ أن عمر كتب إلى عامل له، وليس فيه أنه شهد الكتابة، فهو مرسل، كما قال الشافعي، ثم السفر عذر، وكذلك المطر". قلت: عبد الله بن محمد بن الحسن الرمجاري، هو: ابن الشرقي المترجم له في السير (١٥/ ٤٠)، وفي الميزان (٢/ ٤٩٤)، واللسان (٤/ ٥٦٩)، وهو أخو الحافظ أبي حامد ابن الشرقي، وسماعاته صحيحة، لكن تكلموا فيه لأجل شرب المسكر، ولا أظنه تفرد بهذه الرواية؛ فقد وجدتها من طريق آخر، وبه يثبت عدم سماعه له من عمر:

стр. 6230

فقد روى ابن أبي حاتم في التفسير (٣/ ٩٣٢/ ٥٢٠٧)، قال: حدثنا الحسن بن محمد الصباح: ثنا إسماعيل بن علية، عن خالد الحذاء، عن حميد بن هلال، عن أبي قتادة -يعني: العدوي-: قال: قرئ علينا كتاب عمر: من الكبائرِ جمعٌ بين الصلاتين، يعني: من غير عذر. وإسناده صحيح إلى أبي قتادة العدوي، تميم بن نُذَير، وهو: بصري، تابعي ثقة، يروي عن عمر، وقال أبو حاتم في المراسيل: "وروايته عن بلال مرسلة"، ولم يتطرق إلى روايته عن عمر، وكأنها عنده متصلة، وقال البزار: "أدرك الجاهلية، وسمع من عمر بن الخطاب"، وذكره ابن سعد ضمن جماعة من أهل البصرة ممن أدرك عمر، وذكره بعض المتأخرين في الصحابة وهمًا، والله أعلم [طبقات ابن سعد (٧/ ١٣٠)، التاريخ الكبير (٢/ ١٥١)، كنى مسلم (٢٨٠٤)، الجرح والتعديل (٢/ ٤٤١)، الثقات (٤/ ٨٥)، المؤتلف والمختلف (٤/ ٢٢٥٨)، الإصابة (٨٦٥)]. لكن باجتماع رواية أبي العالية الرياحي، وأبي قتادة العدوي، كلاهما عن كتاب عمر لأبي موسى، أو أحد عماله، مما يزيده قوة، والله أعلم. * وروي أيضًا من قول أبي موسى الأشعري، ولا يصح [أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢١٢/ ٨٢٥٢)] [وفي إسناده: حنظلة السدوسي، وهو: ضعيف، وأبو هلال الراسبي محمد بن سليم، وليس بالقوي]. * وقد صح عن ابن عباس أيضًا الجمع في السفر: ١ - فقد روى إبراهيم بن طهمان، عن الحسين المعلم، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ يجمع بين صلاة الظهر والعصر [في السفر]، إذا كان على ظهر سير، ويجمع بين المغرب والعشاء. علقه البخاري (١١٠٧). ووصله: الدارقطني في الأفراد (١/ ٤٧٦/ ٢٦٣٧ - أطرافه)، والبيهقي (٣/ ١٦٤)، وأبو نعيم الحداد في جامع الصحيحين (٢/ ٦٦/ ٩٢٦)، وهو في مشيخة ابن طهمان برقم (١٩٤). من طريق: محمد بن عبدوس النيسابوري [أبو بكر السيسمراباذي: شيخ لابن حبان وأبي علي الحافظ، يحدث من أصل كتابه، وأخذ عنه ابن حبان بالرملة، وكان يحدث بنسخة ابن طهمان وغيره بالرملة. الأنساب (٣/ ٣٦٠)، تاريخ الإسلام (٢٤/ ١٦٢)]: ثنا أحمد بن حفص بن عبد الله بن راشد النيسابوري [ثقة، روى عنه البخاري في الصحيح]: حدثني أبي [صدوق، كاتب ابن طهمان، وراوي نسخته]: حدثني إبراهيم بن طهمان به. ويغلب على ظني أن ابن عبدوس قد توبع عليه إما متابعة تامة وإما متابعة قاصرة؛ لسببين. الأول: أن البخاري ممن يروي عن أحمد بن حفص النيسابوري، فلعله رواه عنه، فيكون متابعًا لابن عبدوس متابعة تامة، ولو رواه من غير طريق أحمد بن حفص فمتابعته قاصرة.

стр. 6231

والثاني: قال الدارقطني في الأفراد: "تفرد به حسين بن ذكوان عنه"، يعني: عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس، وهذا يعني: أن ابن طهمان لم ينفرد به عن حسين المعلم، والله أعلم. قلت: ولأجل تفرد الحسين بن ذكوان المعلم به عن يحيى بن أبي كثير، فهو حديث صحيح غريب، وحسين المعلم: ثقة، من أثبت أصحاب يحيى، ممن يحتمل تفرده عنه، والله أعلم. ولا يُعلُّ حديثه بما رواه الجماعة، عن يحيى بن أبي كثير، عن حفص بن عبيد الله بن أنس، عن أنس بن مالك ﵁، قال: كان النبي ﷺ يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في السفر. [سيأتي تخريجه تحت الحديث رقم (١٢١٩)]. وذلك لأن حسينًا المعلم قد رواه عن يحيى بالوجهين جميعًا، وقد اشتمل حديث عكرمة عن ابن عباس على زيادة ليست في حديث حفص عن أنس، وقد قرنهما البخاري متتابعين في نسق واحد معلقين، والله أعلم. * وقد روي مطولًا من وجه آخر عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا؛ لكن في الإسناد إليه: أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن السعدي، وهو: ضعيف. أخرجه الطبراني في الأوسط (١/ ٢٧٧/ ٩٠٢). ٢ - وروى إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع [مدني، ضعيف]، ومحمد بن راشد [المكحولي: ثقة]: عن عبد الكريم أبي أمية [وقيل: الجزري، ولعلها نسبة من أحد الرواة اجتهادًا منه]، عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وطاوس، [وجابر بن زيد]، وعطاء بن أبي رباح؛ أخبروه عن ابن عباس؛ أنه أخبرهم: أن رسول الله ﷺ كان يجمع بين الظهر والعصر، ويجمع بين المغرب والعشاء في السفر، من غير أن يعجله أمر، أو يطلبه عدو، أو يخاف شيئًا. وفي رواية: ولا يطلب عدوًا، ولا يطلبه. أخرجه ابن ماجه (١٠٦٩)، وعبد الرزاق (٢/ ٥٤٨/ ٤٤٠٤)، والطبراني في الكبير (١١/ ٥٨/ ١١٠٧١) و (١١/ ١٣١/ ١١٣٧٠)، وأبو طاهر المخلص في الرابع من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (٨٦) (٧٠١ - المخلصيات). قلت: هو حديث منكر بهذا السياق؛ عبد الكريم بن أبي المخارق، أبو أمية البصري: مجمع على ضعفه، وقال النسائي والدارقطني: متروك، وقال أحمد في رواية ابنه عبد الله: "ضعيف"، وفي رواية أبي طالب: "ليس هو بشيء، شبه المتروك" [التهذيب (٢/ ٦٠٣)، الميزان (٢/ ٦٤٦)، الجرح والتعديل (٦/ ٦٠)]. * وحديث سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ إنما هو في الجمع بالمدينة، لا في السفر، وقد تقدم. * وحديث طاوس إنما يُعرف عن ابن عباس موقوفًا عليه.

стр. 6232

رواه معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه؛ أن ابن عباس كان يجمع بين الظهر والعصر في السفر. أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٥٤٩/ ٤٤٠٨)، ومن طريقه: ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٤٢٣/ ١١٤٨). * وكذلك حديث عطاء بن أبي رباح إنما هو موقوف على ابن عباس: فقد روى ابن جريج، قال: أخبرني عطاء؛ أن ابن عباس جمع بين المغرب والعشاء ليلة خرج من أرضه. أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٥٤٩/ ٤٤٠٩). * وانظر أيضًا فيمن وهم فيه على عطاء فرفعه: ما أخرجه أحمد (١/ ٢١٧) (٧/ ٤٥٤/ ٨٢٠٨ - إتحاف)، والطبراني في الكبير (١١/ ١٢١/ ١١٣٢٦)، وفى الأوسط (٥/ ٣٦٣/ ٥٥٦٢). وفي إسناده: يزيد بن أبي زياد الكوفي، وهو: ضعيف، كان يتلقن. * وانظر أيضًا: ما أخرجه أحمد (١/ ٣٥١) [وهو حديث ضعيف، فيه: الحجاج بن أرطأة، وليس بالقوي، والحكم عن مقسم، ولم يسمعه منه]. * وأما أبو الشعثاء جابر بن زيد، فقد رواه عن ابن عباس بالوجهين، وقد تقدم حديثه عن ابن عباس في الجمع في الحضر. * وأما حديثه في الجمع في السفر: فقد رواه عبدة بن سليمان [ثقة ثبت، روى عن ابن أبي عروبة قبل الاختلاط، وهو من أثبت الناس سماعًا منه. التقريب (٦٣٥)، الكواكب النيرات (٢٥)، شرح العلل (٢/ ٧٤٣)]، ومحمد بن إبراهيم بن أبي عدي [ثقة، سمع من ابن أبي عروبة بعد الاختلاط]، وعبد الوهاب بن عطاء الخفاف [صدوق، من أروى الناس عن ابن أبى عروبة، كان عالمًا به إلا أنه سمع منه قبل الاختلاط وبعده، فلم يميز بين هذا وهذا]: عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس ﵄ أنه كان يجمع بين الصلاتين في السفر، ويقول: من السُّنَّة. ولفظ عبدة: من السُّنَّة الجمع بين الصلاتين في السفر. أخرجه البزار (١١/ ٥٠/ ٤٧٤٠) و (١١/ ٤١٦/ ٥٢٦٧)، والطبراني في الكبير (١٢/ ١٤٠/ ١٢٨٢٦)، والبيهقي (٣/ ١٦٥). قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلم أحدًا يذكره عن جابر بن زيد إلا قتادة". قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. * خالفه: سعيد بن بشير [ضعيف، يروي عن قتادة المنكرات]، فرواه عن قتادة، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس ﵄؛ أن النبي ﷺ جمع بين الصلاتين في غزوة بني المصطلق.

стр. 6233

أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ١٤٠/ ١٢٨٢٥)، وفي مسند الشاميين (٤/ ٤٨/ ٢٦٩٦) [ولفظه بنحو لفظ ابن أبي عروبة]. وهذا منكر بهذا القيد، والمعروف الأول، والوهم فيه من شيخ الطبراني في الكبير، وهو: عبد الله بن الحسين بن جابر المصيصي: اتهمه ابن حبان بسرقة الحديث وقلب الأسانيد [اللسان (٤/ ٤٥٦)]، وقد رواه على الصواب عند الطبراني في مسند الشاميين: أبو زرعة الدمشقي [عبد الرحمن بن عمرو النصري: ثقة حافظ]، ولفظه: أن النبي ﷺ جمع بين الصلاتين في السفر، فبرئ سعيد بن بشير من عهدته. ٣ - وروى عبد الرزاق، وحجاج بن محمد المصيصي، وأبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، وعثمان بن عمر بن فارس [وهم ثقات، وعبد الرزاق وحجاج وأبو عاصم: من أثبت الناس في ابن جريج، وأكثرهم عنه رواية]: عن ابن جريج، قال: أخبرني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن عكرمة، وعن كريب، عن ابن عباس، قال: ألا أخبركم عن صلاة رسول الله ﷺ في السفر؟ قلنا: بلى، قال: كان إذا زاغت له الشمس في منزله جمع بين الظهر والعصر قبل أن يركب، وإذا لم تزغ له في منزله سار حتى إذا حانت العصر نزل فجمع بين الظهر والعصر، وإذا حانت له المغرب وهو في منزله جمع بينها وبين العشاء، وإذا لم تحن له في منزله ركب حتى إذا حانت العشاء نزل فجمع بينهما. لفظ عبد الرزاق. قال عبد الرزاق: وقال لي المقدام: ما سمعنا هذا من ابن جريج، ولا جاء به غيرك. أخرجه أحمد (١/ ٣٦٧)، وعبد الرزاق (٢/ ٥٤٨/ ٤٤٠٥)، والبزار (١١/ ٣٧/ ٤٧١٩)، وأبو بكر النيسابوري في الزيادات على المزني (١٠٠ - ١٠٢)، والطبراني في الكبير (١١/ ٢١٠/ ١١٥٢٢)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٣٥٠)، والدارقطني (١/ ٣٨٨)، والبيهقي (٣/ ١٦٣). وعزاه المزي في التحفة (٤/ ٥٥٠/ ٦٠٢١) للترمذي في الصلاة من جامعه، ونقل عن الترمذي قوله: "حسن صحيح، غريب من حديث ابن عباس"، ثم قال المزي: "هذا الحديث في رواية أبي حامد أحمد بن عبد الله بن داود التاجر المروزي، عن الترمذي، ولم يذكره أبو القاسم". قلت: لم أجد من ترجم لأبي حامد التاجر ترجمة مستقلة، إنما ذكروه فيمن روى عن أبي عيسى الترمذي، ولا أظن هذه الرواية تثبت عن الترمذي، فضلًا عن حكمه على الحديث؛ ولم أجد لحسين بن عبد الله رواية عند الترمذي غير هذا الموضع، وليس هو في رواية أبي العباس المحبوبي راوي الجامع عن الترمذي، ثم إن الترمذي قد ضعف هذا المتن مع مجيئه بإسناد ظاهره الصحة، وهو حديث قتيبة بن سعيد: أخبرنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن معاذ بن جبل؛ أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخَّر الظهرَ حتى يجمعها إلى العصر،

стр. 6234

فيصليهما جميعًا،. . . الحديث [تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٢٠٦)]، وهذا إسناد رجاله ثقات، لكنه معلول، وقد ضعفه الترمذي فقال: "وحديث الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ: حديث غريب"، فكيف يضعف ما ظاهره الصحة، ثم يرجع فيصحح حديثًا إسناده ظاهر الضعف، نقل الترمذي نفسه عن شيخه البخاري قوله في راويه حسين هذا بأنه ذاهب الحديث! * خالفهم: عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، فرواه عن ابن جريج، قال: أخبرني هشام بن عروة، عن حسين بن عبد الله، عن كريب، عن ابن عباس، نحوه. أخرجه أبو بكر النيسابوري في الزيادات على المزني (١٠٣). قال أبو بكر النيسابوري: نا ابن أبي مسرة؛ عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: نا عبد المجيد به. قلت: لا تثبت هذه الرواية عن ابن جريج؛ فإن أبا يحيى ابن أبي مسرة: ثقة مشهور [انظر: الجرح والتعديل (٥/ ٦)، الثقات (٨/ ٣٦٩)، السير (١٢/ ٦٣٢)]، لكن أبوه: ليس بالمشهور، ولم أر من تكلم فيه بجرح أو تعديل، وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد: صدوق يخطئ، كان عالمًا بحديث ابن جريج؛ ويهِم عليه فيه، وأنكر عليه ابن عدي أحاديث تفرد بها عن ابن جريج وغيره [انظر: التهذيب (٢/ ٦٠٦)، إكمال مغلطاي (٨/ ٢٩٧)، الميزان (٢/ ٦٤٨)، السير (٩/ ٤٣٤)، تاريخ ابن معين للدوري (٣/ ٨٦/ ٣٦١)، الجرح والتعديل (٦/ ٦٤)، الضعفاء الكبير (٣/ ٩٦)، المجروحين (٢/ ١٦١)، الكامل (٥/ ٣٤٤ - مطبوع) (٢/ ٣٢٥/ ب - مخطوط)، سؤالات البرقاني (٣١٧)، الإرشاد (١/ ١٦٦ و ٢٣٣)، شرح علل الترمذي (٢/ ٦٨٢)، التقريب (٣٩٢)]. قال الدارقطني: "ورواه عبد المجيد بن عبد العزيز، عن ابن جريج، عن هشام بن عروة، عن حسين، عن كريب، عن ابن عباس، وكلهم ثقات، فاحتمل أن يكون ابن جريج سمعه أولًا من هشام بن عروة عن حسين، كقول عبد المجيد عنه، ثم لقي ابن جريج حسينًا فسمعه منه، كقول عبد الرزاق وحجاج عن ابن جريج: حدثني حسين،. . .". قال البيهقي: "وروي عن محمد بن عجلان ويزيد بن الهاد وأبي أويس المدني، عن حسين بن عبد الله، عن عكرمة، عن ابن عباس، وهو بما تقدم من شواهده يقوى، وبالله التوفيق". * قلت: رواه ابن عجلان [صدوق]، ويزيد بن عبد الله بن الهاد [ثقة]، وهشام بن عروة [ثقة، وقد أفرد كريبًا، ولفظه قريب من لفظ ابن جريج]، وأبو أويس عبد الله بن عبد الله بن أويس المدني [ليس به بأس، لينه بعضهم، رواه عن عكرمة وحده]، وإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى [متروك، كذبه غير واحد، وقد أفرد كريبًا]: عن حسين بن عبد الله، عن عكرمة [وعن كريب]، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ إذا زاغت الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا، وإذا ارتحل قبل أن تزيغ أخرهما حتى يصليهما في وقت العصر. بألفاظ متقاربة.

стр. 6235

أخرجه الشافعي في الأم (٧/ ١٨٥)، وفي المسند (٤٨)، وعبد بن حميد (٦١٣)، والطبراني في الكبير (١١/ ٢١١/ ١١٥٢٣ - ١١٥٢٦)، والدارقطني (١/ ٣٨٩)، والبيهقي في المعرفة (٢/ ٤٤٧/ ١٦٣٨ و ١٦٣٩)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٤/ ١٩٥/ ١٠٤٢)، وفي الشمائل (٦٣٠). وهو حديث منكر من حديث عكرمة؛ حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس الهاشمي المدني: ضعيف، قال أحمد: "له أشياء منكرة"، وقال العقيلي: "وله غير حديث لا يتابع عليه من حديث ابن عباس"، وتركه أحمد وابن المديني والنسائي، وقال البخاري: "ذاهب الحديث"، بل نقل البخاري في التاريخ الكبير في ترجمة عبد الله بن يزيد الهذلي بإسناد لا بأس به: أن حسينًا كان يتهم بالزندقة، ونقله عنه العقيلي في الضعفاء، وتسهل فيه بعضهم فاكتفى بتضعيفه أو تليينه، وله أشياء منكرة، وكان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، ومشاه بعضهم؛ لم يخبروا حاله [التهذيب (١/ ٤٢٤)، التاريخ الكبير (٢/ ٣٨٨) و (٥/ ٢٢٧)، سؤالات أبي داود (٥٦٦)، علل الترمذي الكبير (٣٨٩)، تاريخ ابن أبي خيثمة (٢/ ٩٥٦/ ٤٠٨٨ - السفر الثاني) و (٢/ ٢٩٧/ ٣٠٠٤ - السفر الثالث)، ضعفاء العقيلي (١/ ٢٤٥) و (٢/ ٣١٦)، الجرح والتعديل (٣/ ٥٧)، تاريخ الضعفاء لابن شاهين (١١٩)، إكمال مغلطاي (٧٤ - التراجم الساقطة)]. وهذا الحديث مداره على حسين هذا، وانظر فيمن وهم في إسناده: علل ابن أبي حاتم (١/ ١٨٣/ ٥٢٦). فإن قيل: قد احتج أحمد بحديث حسين هذا؛ كما في مسائل ابنه عبد الله (٨٥٩ و ٨٦٠)]. فيقال: حسين قد ضعفه أحمد، ونقل عنه الأثرم -وهو من كبار أصحاب أحمد- قوله: "له أشياء منكرة"، ونقل أبو داود عنه بأنه منكر الحديث، بل نقل البخاري عن أحمد أنه ترك حسينًا هذا [التاريخ الأوسط (٢/ ٥٤/ ١٧٦٦)، سؤالات أبي داود (٥٦٦)]، فكيف يحتج بحديثه بعدُ؛ إلا أن يكون احتجاجه به قبل أن يتبين أمره، والله أعلم. والإمام قد يفوته الشيء، ولا يقدح ذلك في إمامته وسعة علمه، وقد وقع للإمام أحمد شيء من ذلك غير هذا، مثل احتجاجه بحديث حجاج بن أرطأة، عن قتادة، عن أنس، قال: ضحى رسول الله ﷺ بكبشين أقرنين أملحين، فقرب أحدهما، فقال: "بسم الله، اللهم منك ولك،. . ." الحديث، وهو حديث منكر؛ قال فيه ابن حبان: "هذا خبر باطل" [راجع تخريجه في بحوث حديثية في الحج (٢٦٤)، وانظر أيضًا: فضل الرحيم الودود (١٠/ ١٠٨ - ١٠٩/ ٩٢٢)]. قال ابن تيمية في ذلك (٢١/ ٤٩٤ - المجموع): "وكان أحمد يحتج أحيانًا بأحاديث ثم يتبين له أنها معلولة، كاحتجاجه بقوله: "لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين"، ثم تبين له بعد ذلك أنه معلول فاستدل بغيره".
следующие страницы →