Полный текст (16 465 стр.). Показаны 6406–6445 · переход к 6411.
стр. 6406
الحديث رقم (٧٦٥)، والحديث رقم (٩٩٦)]، عن أبي بكر بن صخير، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، مثله.
أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٧/ ٤١٩).
ب - ورواه جعفر بن عون الغمري، عن أبي عميس - هذا من ولد عمرو بن حريث صاحب النبي ﷺ -، قال: سمعت أبا بكر بن عبد الله بن أبي الجهم، يحدث عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة؛ أن الوليد بن عبد الملك كتب إلى عمر بن عبد العزيز ﵁ يأمره أن يسأل فقهاء من قبله من أهل المدينة عن صلاة الخوف، فأرسل عمر إلى فقهائهم فسألهم، فجاء عبيد الله بن عبد الله، فاختلف عليه القول، فقال: دع ما يقول هؤلاء، حدثني عبد الله بن عباس، أن رسول الله ﷺ صلى بالناس صلاة الخوف، فصلى بطائفة منهم فقاموا معه، فصلوا ركعة، ثم إنهم ركضوا، وجاءت الطائفة الأخرى فصلوا معه الركعة الأخرى، ثم جلس رسول الله ﷺ فتشهد وسلم، فكانت لرسول الله ﷺ ركعتان، وللناس ركعة ركعة.
أخرجه الطحاوي في أحكام القرآن (٣٧٥)، قال: حدثنا أبو أمية، قال: حدثنا جعفر بن عون به.
قلت: جعفر بن عون المخزومي الكوفي مشهور بالرواية بل ومن المكثرين عن أبي العميس عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود المسعودي الكوفي، وروايته عنه في الصحيحين، كما أن أبا العميس معروف بالرواية عن أبي بكر بن أبي الجهم، وأما قوله في الإسناد عن أبي العميس: "هذا من ولد عمرو بن حريث صاحب النبي ﷺ "؛ فإنما المراد به جعفر بن عون لا أبو العميس، فالأول هو: جعفر بن عون بن جعفر بن عمرو بن حريث، فظهر بذلك أنه ابن حفيد عمرو بن حريث الصحابي، وأما نسبته غمريًا فهو تصحيف من العَمري نسبة إلى جده الأدنى عمرو بن حريث، والله أعلم.
ولعل الوهم فيه من شيخ الطحاوي، فإن أبا أمية: هو الطرسوسي، محمد بن إبراهيم بن مسلم الخزاعي: صدوق يهم [التهذيب (٣/ ٤٩٣)، الميزان (٣/ ٤٤٧)]؛ قال ابن حبان في الثقات (٩/ ١٣٧): "وكان من الثقات، دخل مصر فحدثهم من حفظه من غير كتاب بأشياء أخطأ فيها؛ فلا يعجبني الاحتجاج بخبره إلا ما حدث من كتابه".
وعليه: فالإسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات، كما سبق تقريره، ويزيده ثبوتًا اشتماله على قصة تدل حفظ راويها وضبطه.
* قال الشافعي في اختلاف الحديث (١٠/ ١٧٨ - الأم): "وقد روي حديثٌ لا يُثبِت أهلُ العلم بالحديث مثله؛ أن النبي ﷺ صلى بذي قرد بطائفة ركعة ثم سلموا، وبطائفة ركعة ثم سلموا، فكانت للإمام ركعتان وعلى كل طائفة ركعة".
قال الشافعي: "وإنما تركناه؛ لأن جميع الأحاديث في صلاة الخوف مجتمعة على أن على المأمومين من عدد الصلاة مثل ما على الإمام، وكذلك أصل الفرض في الصلاة على
стр. 6407
الناس واحد في العدد، ولأنه لا يثبُت عندنا مثلُه؛ لشيءٍ في بعض إسناده" [سنن البيهقي (٣/ ٢٦٢)، المعرفة (٣/ ١١)].
قال البيهقي (٣/ ٢٦٢) بعد أن ساق كلام الشافعي: "هذا حديث لم يخرجه البخاري ولا مسلم في كتابيهما، وأبو بكر بن أبي الجهم يتفرد بذلك هكذا عن عبيد الله بن عبد الله، وقد يحتمل أن يكون مثل صلاته بعسفان، فإن قوله: ثم ذهب هؤلاء إلى مصاف أولئك وجاء أولئك؛ أراد به في تقدُّم الصف المؤخَّر وتأخُّر الصف المقدَّم، وقد روى الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، ما دل على ذلك مع اختلافٍ فيه عن الزهري وقتَ حراسة أحد الصفين، ورواه عكرمة عن ابن عباس، وقد مضى ذكر هذه الروايات، وفي ذلك دليل على صحة هذا التأويل".
وانظر في ذلك أيضًا تأويل الطحاوي لأحاديث الباب.
* قلت: أما دعوى عدم الثبوت، فهي غير صحيحة، فهو حديث ثابت، صحيح الإسناد، وليس له علة، وقد أثبته جماعة من أئمة الحديث ونقاده:
قال أحمد في رواية علي بن سعيد في صلاة الخوف: "قد روي ركعة وركعتان، ابن عباس يقول: ركعة ركعة، إلا أنه كان للنبي ﷺ ركعتان وللقوم ركعة، وما يروى عن النبي ﷺ كلها صحاح" [الفتح لابن رجب (٦/ ٢٧)].
وقد احتج به البخاري في جزء القراءة، وكذا احتج به النسائي في صحاحه، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، وهم من أئمة الحديث الشافعية، فلم يتابعوا الشافعي على تضعيفه.
وأما دعوى تفرد أبي بكر بن أبي الجهم به عن عبيد الله، فدعوى غير صحيحة، بل تابعه الزهري عليه، وأخرجه من طريقه البخاري في صحيحه وفي جزء القراءة، وعبارته في جزء القراءة تدل على أنه يراهما بمعنى واحد، وأن الزهري لم يخالف ابن أبي الجهم:
قال البخاري في القراءة خلف الإمام (١١٥) بعدما أخرج حديث ابن عباس مرفوعًا: "وفي الخوف ركعة"، وحديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس مرفوعًا، قال: "وكذلك يروى عن حذيفة وزيد بن ثابت وغيرهم: أن النبي ﷺ صلى بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة"، ثم أخرج حديث أبي بكر بن أبي الجهم عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن النبي ﷺ ، وقال: "مثله"، يعني: مثل حديث الزهري.
وأما دعوى أن البخاري ومسلمًا لم يخرجاه، فيقال: لم يخرجا كل ما صح من أحاديث صلاة الخوف، بل قد نص البخاري على تحسين أحاديث في صلاة الخوف أخرج واحدًا منها في صحيحه ولم يخرج البعض الآخر [كما في علل الترمذي (١٦٦ - ١٦٨)].
وأما دعوى أن جميع الأحاديث في صلاة الخوف مجتمعة على أن على المأمومين من عدد الصلاة مثل ما على الإمام، وأن أصل الفرض في الصلاة على الناس واحد في العدد:
стр. 6408
فيقال: قد صحت أحاديث هذا الباب، والتي تدل على أن المأمومين يجتزون بركعة واحدة، بينما يصلي بهم الإمام ركعتين، وصلاة الخوف لا تقاس على بقية الصلوات لاختلاف هيئتها، وتعدد صفاتها، فهي تختلف بحسب اختلاف أحوال المسلمين مع أعدائهم، وبحسب شدة الخوف، ويجوز فيها من الأفعال ما لا يجوز في صلاة الأمن، بل منها ما لو وقع في صلاة الأمن لأبطلها، والله أعلم.
* وأما رواية الزهري فقد رواها:
محمد بن حرب، عن الزبيدي، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس ﵄، قال: قام النبي ﷺ وقام الناس معه، فكبر وكبروا معه، وركع وركع ناس منهم معه، ثم سجد وسجدوا معه، ثم قام للثانية، فقام [وفي رواية: فتأخَّر] الذين سجدوا وحرسوا إخوانهم، وأتت الطائفة الأخرى، فركعوا [مع النبي ﷺ ] وسجدوا معه، والناس كلهم في صلاة [يكبرون]، ولكن يحرس بعضهم بعضًا.
أخرجه البخاري في الصحيح (٩٤٤)، وفي القراءة خلف الإمام (٢١٧)، والنسائي في المجتبى (٣/ ١٦٩/ ١٥٣٤)، وفي الكبرى (٢/ ٣٦٦/ ١٩٣٥)، وابن حبان (٧/ ١٣٤/ ٢٨٨٠)، وأبو العباس السراج في مسنده (١٥٧٣)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (٢٣٧٥)، والطبراني في مسند الشاميين (٣/ ٣٦/ ١٧٥٨)، والدارقطني (٢/ ٥٨)، والبيهقي (٣/ ٢٥٨).
وقد أخطأ ابن حبان حين أتبع حديث ابن عمر في قضاء الطائفين ركعة ركعة بعد السلام، بهذا الحديث، وترجم له بقوله: "ذكر البيان بأن القوم في الصلاة التي وصفناها كانوا يحرسون بعضهم بعضًا"، وإنما القول فيه كما قال البخاري، بأن هذا الحديث يروى عن حذيفة وزيد بن ثابت وغيرهم: أن النبي ﷺ صلى بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة، وأنه مثل حديث ابن أبي الجهم عن عبيد الله عن ابن عباس.
* ورواه النعمان بن راشد [ليس بالقوي]، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: أمرنا رسول الله ﷺ بصلاة الخوف، فقام رسول الله ﷺ وقمنا خلفه صفين، وكبر وركع وركعنا جميعًا الصفان كلاهما، ثم رفع رأسه ثم خر ساجدًا وسجد الصف الذي يليه، وثبت الآخرون قيامًا يحرسون إخوانهم، فلما فرغ من سجوده وقام خرَّ الصف المؤخر سجودًا، فسجدوا سجدتين ثم قاموا، فتأخَّر الصف المقدَّم الذي يليه، وتقدَّم الصف المؤخَّر، فركع وركعوا جميعًا، وسجد رسول الله ﷺ والصف الذي يليه، وثبت الآخرون قيامًا يحرسون إخوانهم، فلما قعد رسول الله ﷺ خر الصف المؤخَّر سجودًا، فسجدوا، ثم سلم النبي ﷺ .
أخرجه أبو العباس السراج في مسنده (١٥٧٢)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (٢٣٧٤)، والدارقطني (٢/ ٥٨)، ومن طريقه: البيهقي (٣/ ٢٥٨).
قال ابن رجب في الفتح (٦/ ٢٧): "وإذا اختلف أبو بكر بن أبي الجهم والزهري، فالقول قول الزهري، ولعل مسلمًا ترك تخريج هذا الحديث للاختلاف في متنه، وقد صحح الإمام أحمد إسناده.
стр. 6409
قال في رواية علي بن سعيد في صلاة الخوف: قد روي ركعة وركعتان، ابن عباس يقول: ركعة ركعة، إلا أنه كان للنبي ﷺ ركعتان وللقوم ركعة، وما يروى عن النبي ﷺ كلها صحاح.
وقال في رواية حرب: كل حديث روي في صلاة الخوف فهو صحيح الإسناد، وكل ما فعلت منه فهو جائز.
وقد حمل بعضهم معنى رواية أبي بكر بن أبي الجهم على معنى رواية الزهري، وقال: إنما المراد أن الصفين صلوا مع النبي ﷺ ، ثم حرس أحد الصفين في الركعة الأولى، والآخر في الثانية، وإنما لم يقضوا بعد سلام النبي ﷺ لأنهم قضوا ما تخلفوا به عنه قبل سلامه، كما في رواية النعمان بن راشد، عن الزهري.
وأما قوله: فكانت للنبي ﷺ ركعتان وللقوم ركعة، فهو من قول سفيان، كما هو مصرح به في رواية البيهقي، وذلك ظن ظنه، قد خالفه غيره فيه"، ثم استشهد على صحة هذا التأويل بما رواه داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس، وقد سبق ذكره تحت حديث أبي عياش الزرقي (١٢٣٦).
قلت: أما دعوى اختلاف أبي بكر بن أبي الجهم والزهري في هذا الحديث على عبيد الله؛ فليس هذا بصحيح، بل قد جزم البخاري فيما سبق نقله في جزء القراءة أن الحديثين متفقان على صفة واحدة، وهي أن المأمومين إنما صلوا ركعة واحدة، وقد نقل ابن رجب نفسه تصحيح أحمد لحديث ابن عباس في الركعة الواحدة، وإعراض مسلم عنه لا يضره؛ لأنه لم يخرج كل ما صح من أحاديث صلاة الخوف، وقد نص على تصحيحها أحمد والبخاري.
وأما حديث النعمان بن راشد فهو وهم منه، وليس هو بالقوي، ولا يقاس النعمان بمحمد بن الوليد الزبيدي الثقة الثبت، وهو: من أثبت أصحاب الزهري، قدَّمه أبو حاتم في الزهري على معمر، والله أعلم.
* وأما حديث مجاهد عن ابن عباس مرفوعًا؛ فسيأتي برقم (١٢٤٧).
* وأما حديث عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ :
فقد رواه عبد الصمد بن عبد الوارث [ثقة]، قال: حدثني سعيد بن عبيد الهنائي، قال: حدثنا عبد الله بن شقيق [ثقة]، قال: حدثنا أبو هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ نازلًا بين ضَجنان وعُسفان يحاذي المشركين، فقال المشركون: إن لهؤلاء صلاة هي أهم [وفي رواية: أحب] إليهم من أبنائهم وأبكارهم [وهي العصر]، أجمعوا أمركم، ثم ميلوا عليهم ميلةً واحدةً، فجاء جبربل فأمره أن يقسم أصحابه نصفين، يصلي بطائفة منهم، وطائفة مقبلون على عدوهم قد أخذوا حِذْرَهم وأسلحتهم، فيصلي بهم ركعة، ثم يتأخر هؤلاء، ويتقدم أولئك فيصلي بهم ركعة، [وفي رواية: وأخذ هؤلاء الآخرون حِذْرَهم وأسلحتهم]، تكون لهم مع النبي ﷺ ركعة ركعة، وللنبي ﷺ ركعتان.
стр. 6410
أخرجه الترمذي (٣٠٣٥)، والنسائي في المجتبى (٣/ ١٧٤/ ١٥٤٤)، وفي الكبرى (٢/ ٣٧١/ ١٩٤٥)، وابن حبان (٧/ ١٢٣/ ٢٨٧٢)، وأحمد (٢/ ٥٢٢)، والبزار (١٦/ ٢٥٨/ ٩٤٤١)، وابن جرير الطبري في تفسيره (٧/ ٤٢٠).
قال الترمذي في العلل (١٦٧) نقلًا عن البخاري قوله: "وحديث عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة: حسن".
وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح، غريب من حديث عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة".
وقال البزار: "وهذا الحديث لا نعلم رواه عن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة إلا سعيد بن عبيد، ولا عن سعيد إلا عبد الصمد".
قلت: هو إسناد لا بأس به، رجاله ثقات؛ عدا سعيد بن عبيد الهنائي البصري، قال أبو حاتم: "شيخ"، وقال ابن معين: "ثقة"، وقال أبو بكر البزار: "ليس به بأس"، وقال الدارقطني: "صالح"، وذكره ابن حبان في الثقات [سؤالات ابن طهمان الدقاق (١٨١)، الجرح والتعديل (٤/ ٤٧)، الثقات (٦/ ٣٥٢)، تاريخ أسماء الثقات (٤٣١ و ٤٤٩)، سؤالات البرقاني (١٨٦)، الفتح لابن حجر (١٢/ ٢٣٢)، التهذيب (٢/ ٣٣)].
فهو حديث حسن، والله أعلم.
* وأما حديث يزيد بن صهيب الفقير، عن جابر، عن النبي ﷺ :
فيرويه عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي [وعنه: يزيد بن زريع، ووكيع بن الجراح، وعبد الله بن المبارك، وجعفر بن عون، وأبو قطن عمرو بن الهيثم، وأبو داود الطيالسي، وبقية بن الوليد]، والحكم بن عتيبة [وعنه: شعبة]، ومسعر بن كدام، وأبو إسحاق الشيباني سليمان بن أبي سليمان:
قال المسعودي: أنبأني يزيد الفقير، أنه سمع جابر بن عبد الله، [في رواية عمرو بن الهيثم: سألت جابر بن عبد الله عن الركعتين في السفر؛ أقصرهما؟ فقال: الركعتان في السفر تمام، إنما القصر واحدة واحدة عند القتال] [وفي رواية يزيد بن زريع وابن المبارك: يُسأل عن الصلاة في السفر؛ أقصرهما؟ قال: لا، إن الركعتين في السفر ليستا بقصر، وإنما القصر واحدة عند القتال، ثم] قال: كنا مع النبي ﷺ فأقيمت الصلاة، فقام رسول الله ﷺ وقامت خلفه طائفةٌ، وطائفةٌ مواجهة العدو، فصلى بالذين خلفه ركعة، وسجد بهم سجدتين، ثم إنهم انطلقوا فقاموا مقام أولئك الذين كانوا في وجه العدو، وجاءت تلك الطائفة فصلى بهم رسول الله ﷺ ركعةً، وسجد بهم سجدتين، ثم إن رسول الله ﷺ سلم، فسلم الذين خلفه، وسلم أولئك.
وفي رواية شعبة عن الحكم: فكانت للنبي ﷺ ركعتان، ولهم ركعة واحدة.
وفي رواية أبي إسحاق: فكانت للنبي ﷺ ركعتان، ولكل صف منهم ركعة ركعة.
ورواه مختصرًا: وكيع، قال: حدثنا المسعودي، ومسعر، عن يزيد الفقير، عن
стр. 6411
جابر بن عبد الله، قال: صلاة الخوف ركعة ركعة [بن أبي شيبة (٢/ ٢١٥/ ٨٢٨١)].
وكذا رواه بقية عن المسعودي به [ابن جرير (٤/ ٣٩٢) (٣٨١)].
أخرجه النسائي في المجتبى (٣/ ١٧٤/ ١٥٤٥) و (٣/ ١٥٤٦/١٧٥)، وفي الكبرى (٢/ ٣٧١/ ١٩٤٦) و (٢/ ٣٧٢/ ١٩٤٧)، وفي الرابع من الإغراب (١٢٣)، وأبو عوانة (٢/ ٨٨/ ٢٤٢١)، وابن خزيمة (٢/ ١٣٤٧/٢٩٥ و ١٣٤٨) و (٢/ ٣٠٤/ ١٣٦٤)، وابن حبان (٧/ ١٢٠/ ٢٨٦٩)، وأحمد (٣/ ٢٩٨)، وابن المبارك في الجهاد (٢٥٢)، والطيالسي (٣/ ٣٣٦/ ١٨٩٨)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢١٤/ ٨٢٧٦) و (٢/ ٢١٥/ ٨٢٨١)، وابن جرير الطبري في تفسيره (٤/ ٣٩٢) و (٧/ ٤١٦ - ٤١٧ و ٤١٩ - ٤٢٠)، وفي تهذيب الآثار (١/ ٢٣٩/ ٣٨١ - مسند عمر)، وأبو العباس السراج في مسنده (١٥٦٧)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (٢٣٦٨)، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ٣٣٣/ ٢٢٣٣) و (٥/ ٢٨/ ٢٣٤١) و (٥/ ٢٩ /٢٣٤٣)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٣١٠)، وفي أحكام القرآن (٣٨٣)، وابن أبي حاتم في التفسير (٤/ ١٠٥٣/ ٥٨٩٨)، وابن الأعرابي في المعجم (٢/ ٦٩٥/ ١٤٠٦)، وأبو علي الرفاء في فوائده (١٦٥)، وأبو بكر الإسماعيلي في المعجم (٢/ ٥٦٠)، وابن حزم في المحلى (٤/ ٢٧١)، والبيهقي (٣/ ٢٦٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٥/ ٢٥٤).
وهذا الحديث من صحيح حديث المسعودي؛ فإن المسعودي كان قد اختلط، وممن سمع منه قبل الاختلاط ممن روى عنه هذا الحديث: يزيد بن زريع، ووكيع بن الجراح، وجعفر بن عون، وأبو قطن عمرو بن الهيثم، وابن المبارك يقرب منهم، فإنه قديم الوفاة، وهو أكبر ممن سمع من المسعودي بعد الاختلاط [انظر: الكواكب النيرات (٣٥)، شرح علل الترمذي (٢/ ٧٤٧)، التقييد والإيضاح (٤٣٠)].
وهكذا رواه عن شعبة: حجاج بن محمد المصيصي، ومحمد بن جعفر غندر، ومحمد بن بكر البرساني، وابن أبي عدي، وروح بن عبادة.
ولم أجد أحدًا منهم ذكر قضاء ركعة أخرى، خلافًا لما نقل أبو داود بقوله: "وقد قال بعضهم عن شعبة في حديث يزيد الفقير: إنهم قضوا ركعة أخرى"؛ بل هو مخالف لكلام جابر في أول الحديث عند إجابته للسائل.
وترجم ابن المنذر لحديث شعبة هذا بقوله: "ذكر الخبر الموافق للأخبار التي ذكرناها الدال على أن الفريقين لم يقضيا".
وانظر تأويل الطحاوي والبيهقي للحديث، حيث تأولاه بأنهم قضوا ركعة أخرى، قال البيهقي: "ويكون في حكم شيء أثبته بعض الرواة دون بعض، فيؤخذ بقول المثبت، والأصل وجوب العدد حتى يثبت جواز النقصان عنه بما لا يحتمل التأويل، والله أعلم".
قلت: وهذا الحديث بهذه الزيادة الثابتة التي في أوله لا يحتمل التأويل؛ وذلك لأن الصحابي نفسه راوي الحديث هو ممن شهد صلاة الخوف مع رسول الله ﷺ ، وكأنه يترجم للحديث بين يديه، فيقول: إنما القصر واحدة عند القتال، وليس ركعتين كصلاة المسافر،
стр. 6412
فيبدأ بتقرير حكم المسألة بكلام قاطع لا يحتمل التأويل، ثم يحتج بالحديث على ذلك بما لا يدع مجالًا للشك: أن كل طائفة صلت مع رسول الله ﷺ ركعة واحدة فقط، واجتزأت بها، ولم تقض ركعة أخرى بعد سلام النبي ﷺ .
قال ابن خزيمة: "قول جابر: إن الركعتين في السفر ليستا بقصر، أراد ليستا بقصر عن صلاة المسافر".
وحديث جابر هذا: حديث صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين، وقد صححه أبو عوانة وابن خزيمة وابن حبان، واحتج به النسائي وغيره.
* وأما حديث أبي موسى، عن جابر، عن النبي ﷺ :
فقد رواه عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث؛ أن بكر بن سوادة حدثه، عن زياد بن نافع، حدثه عن أبي موسى؛ أن جابر بن عبد الله حدثهم؛ أن رسول الله ﷺ صلى بهم صلاة الخوف يوم محارب وثعلبة، لكل طائفة ركعة وسجدتين.
أخرجه سعيد بن منصور (٢/ ٢٣٩/ ٢٥٠٥)، وابن جرير الطبري في تفسيره (٧/ ٤٢٠)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٥/ ٢٣٨٤/ ٥٨٤٢)، وعلقه البخاري في الصحيح (٤١٢٦)، بصيغة الجزم، قال: وقال بكر بن سوادة: حدثني زياد به.
وهذا إسناد مصري متصل، رجاله ثقات مشهورون؛ عدا زياد بن نافع: لم يرو عنه سوى بكر بن سوادة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال العجلي: "مصرى تابعي ثقة"، وذكره ابن خلفون في الثقات [التاريخ الكبير (٣/ ٣٧٦)، معرفة الثقات (٥١٥)، الجرح والتعديل (٣/ ٥٤٧)، الثقات (٦/ ٣٣٠)، الإكمال لابن ماكولا (١/ ١٢١)، الأنساب (١/ ٢٢٥)، إكمال مغلطاي (٥/ ١٢٤)، اللسان (٣/ ٥٦٣)، التهذيب (١/ ٦٥٥)].
وأما أبو موسى راويه عن جابر: فقد وقع في رواية أبي نعيم في المعرفة من طريق حرملة بن يحيى عن ابن وهب، قال: عن أبي موسى الغافقي [وهو صحابي مشهور بكنيته، قيل: اسمه مالك بن عبادة. التاريخ الكبير (٧/ ٣٠١)، كنى البخاري (٩١)، الجرح والتعديل (٨/ ٢١٢)، الإصابة (٤/ ٢٢٣) و (٥/ ٧٢٩) و (٧/ ٣٩٢)]، وذهب أبو مسعود الدمشقي في الأطراف [الجمع للحميدي (٢/ ٣١٠)، تهذيب الكمال (٩/ ٥٢٢) و (٢٠/ ٤٣٠)]، والحميدي في الجمع (٢/ ٣١٠)، وابن الأثير في جامع الأصول (٥/ ٧٣٤) إلى أن أبا موسى المذكور هنا هو: عُلَي بن رباح، وهو: تابعي مصري ثقة، ومال إلى هذا أيضًا: المزي وابن حجر [وانظر أيضًا: التحفة (٢/ ٤٠٠)، الفتح لابن رجب (٦/ ٣٧)، التوضيح (٢١/ ٢٥٨)، التهذيب (٣/ ١٦١) و (٤/ ٥٩٦)].
وقال أبو داود: "رجل من التابعين ليس بالأشعري".
قال ابن حجر في الفتح (٧/ ٤٢٠): "وأما أبو موسى فيقال: إنه عُلَي بن رباح، وهو تابعي معروف أخرج له مسلم، ويقال: هو الغافقي، واسمه مالك بن عبادة، وهو صحابي معروف أيضًا، ويقال: إنه مصري لا يعرف اسمه، وليس له في البخاري أيضًا إلا هذا
стр. 6413
الموضع"، وقال في هدي الساري (٢٤٥): "يقال: هو علي بن رباح، وقيل: هو أبو موسى الغافقي، ولا يثبت".
• ولم ينفرد به عمرو بن الحارث عن بكر بن سوادة، فقد تابعه عليه ابن لهيعة:
فقد روى أبو الحسن الخلعي في الحادي عشر من الخلعيات (٤) (٣٩٢ - الخلعيات). ومن طريقه ابن حجر في التغليق (٤/ ١١٧).
بإسناد رجاله ثقات، عدا شيخ الخلعي: أبي عبد الله شعيب بن عبد الله بن أحمد بن المنهال [روى عنه جماعة من المصنفين، ترجم له أبو إسحاق الحبال في وفيات المصريين (٣٠١)، وقال: "يتكلم في مذهبه"، قال الذهبي: "كأنه يريد الرفض"، وقال الذهبي: "وكان أسند من بقي بديار مصر". تاريخ الإسلام (٢٩/ ٤٠٣)، السير (١٧/ ٥١٣)، اللسان (٤/ ٢٥١)]؛ إلى عمرو بن خالد [الحراني: ثقة]، قال: حدثنا ابن لهيعة [ضعيف]، عن بكر بن سوادة، عن زياد بن نافع، عن أبي موسى أن جابر بن عبد الله حدثهم؛ أن رسول الله ﷺ صلى بهم صلاة الخوف يوم محارب وثعلبة، لكل طائفة ركعة وسجدتين.
قلت: وهذه متابعة صالحة، وحديث أبي موسى عن جابر جيد في المتابعات.
* وروي ذلك أيضًا عن كعب، رجل من الصحابة:
رواه عبد الله بن وهب [وهو محفوظ عنه بالوجهين، خلافًا لما قاله أبو نعيم في المعرفة]، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، قال: ثني بكر بن سوادة؛ أن زياد بن نافع حدثه، عن كعب - وكان من أصحاب رسول الله ﷺ ، قطعت يده يوم اليمامة -: أن صلاة الخوف لكل طائفة ركعة وسجدتان.
أخرجه سعيد بن منصور (٢/ ٢٣٩ - ٢٤٠/ ٢٥٠٧)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ٢٣٩/ ٣٨٢ - مسند عمر)، وفي تفسيره (٧/ ٤١٧)، والمحاملي في الأمالي (٢٥٥)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٥/ ٢٣٨٤/ ٥٨٤١).
قال ابن حجر في الإصابة (٥/ ٦١٤): "أظن في إسناده انقطاعًا"، يعني: بين زياد بن نافع وكعب.
قلت: هذا موقوف بإسناد مصري متصل لا بأس به، زياد بن نافع: سمع كعبًا، وكعب الأقطع: له صحبة، قاله البخاري وغيره [التاريخ الكبير (٣/ ٣٧٦) و (٧/ ٢٢٢)، الجرح والتعديل (٧/ ١٦١)، الاستيعاب (٣/ ١٣٢٦)، الإصابة (٥/ ٦١٤)].
وله حكم الرفع؛ إذ مثله لا يقال من قبل الرأي والاجتهاد.
* وأما حديث سماك الحنفي، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ :
رواه شعبة [وعنه: غندر محمد بن جعفر]، ومسعر بن كدام [وعنه: يحيى بن سعيد القطان، ووكيع بن الجراح، وأبو نعيم الفضل بن دكين]:
عن سماك الحنفي، قال: سألت ابن عمر عن صلاة السفر؟ فقال: ركعتانِ تمامٌ غيرُ قصر، إنما القصر صلاة المخافة، فقلت: وما صلاة المخافة؟ قال: يصلي الإمام بطائفة
стр. 6414
ركعة، ثم يجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء، ويجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء، فيصلي بهم ركعة، فتكون للإمام ركعتين، ولكل طائفة ركعة ركعة. لفظ شعبة.
ولفظ مسعر: عن النبي ﷺ ر أنه صلى بهؤلاء ركعة، وبهؤلاء ركعة، في صلاة الخوف.
وفي رواية له: إنها ليست بقصرٍ، ولكنها تمامٌ؛ سنة الركعتين في السفر. موقوفًا.
وفي أخرى: الركعتان في السفر تمام غير قصر.
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٠٤/ ٨١٦٧)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ٢٣٨/ ٣٨٠ - مسند عمر)، وفي التفسير (٧/ ٤١٦)، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ٣٣٣ / ٢٢٣٤)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٢٨٤/ ١٤٠٤٩) و (١٣/ ٢٨٥/ ١٤٠٥٤)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٤٢)، والبيهقي (٣/ ٢٦٣) (٦/ ٤٩١/ ٦١١٩ - ط. هجر).
وحديث شعبة موقوف بإسناد صحيح، له حكم الرفع؛ إذ لا مجال للرأي فيه، وسماك هو: ابن الوليد الحنفي، أبو زُميل: ثقة، ويؤيده حديث مسعر فهو صريح في الرفع.
قال أبو نعيم بعد حديث مسعر المرفوع: "غريب، تفرد به ابن أبي بكر [يعني: المقدمي، عن يحيى عن مسعر"، قلت: لا يضره تفرده؛ فالمقدمي: ثقة، مكثر عن القطان، وروايته عنه في صحيح مسلم، وتابعه عن مسعر: وكيع وأبو نعيم بالموقوف.
• ورواه روح بن عبادة عن شعبة به في صلاة الخوف مرفوعًا.
أخرجه ابن خزيمة (٢/ ٢٩٥/ ١٣٤٩).
قلت: هو حديث صحيح، وهو حجة على المخالفين في إثبات القول بالركعة الواحدة، لاسيما مع قول ابن عمر لما سئل عن صلاة السفر: ركعتانِ تمامٌ غيرُ قصر، إنما القصر صلاة المخافة؛ فدل بما لا يدع مجالًا للشك، أن صلاة المخافة ركعة واحدة، ولا قضاء بعدها، والله أعلم.
* وانظر أيضًا: ما أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ٢٧٣/ ١٣٠٩٢) [وفي إسناده: رشدين بن سعد، وهو: ضعيف، وشيخه: محمد بن سهم، وهو: مجهول. التاريخ الكبير (١/ ١١١)، الجرح والتعديل (٧/ ٢٧٩)، الثقات (٧/ ٤٢٥)، المؤتلف للدارقطني (٣/ ١٢٣٠)، الثقات لابن قطلوبغا (٨/ ٣٣٠)].
* وروي عن ابن عمر من وجه آخر، ولا يصح:
فقد روى محمد بن الحارث: حدثني محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة المسايفة ركعة، على أي وجه كان الرجل يجزئ عنه، فإذا - أحسبه قال: - فعل ذلك لم يُعِد".
أخرجه البزار (١٢/ ٣١/ ٥٤٠٦).
قال البزار بعد أن ساق عشرة أحاديث بهذا الإسناد: "وأحاديث محمد بن عبد الرحمن عن أبيه عن ابن عمر كثيرة، وهي كثيرة المناكير، وإنما أخرجنا منها ما يحسن إخراجه؛ لأن محمدًا: ضعيف الحديث عند أهل العلم".
стр. 6415
ثم ساق حديثًا آخر ثم قال: "محمد بن الحارث: روى عنه عفان، وهو رجل مشهور ليس به بأس، وإنما يأتي نكرة هذه الأحاديث من محمد بن عبد الرحمن".
وقال ابن حجر في البلوغ (٤٨٤): "رواه البزار بإسناد ضعيف".
قلت: هذا حديث منكر، محمد وأبوه: ضعيفان، لكن أبوه أمثل منه، فإن محمدًا هذا: منكر الحديث، قال ابن حبان: "روى عن أبيه نسخة موضوعة"، ورواية أبيه عن ابن عمر: مرسلة، قال صالح جزرة: "حديثه منكر، ولا يعرف أنه سمع من أحد من الصحابة إلا من سُرَّق"، وقال الأزدي: "منكر الحديث، يروي عن ابن عمر بواطيل" [التقريب (٥٧٢ و ٨٦٩)، التهذيب (٢/ ٤٩٤) و (٣/ ٦٢٣)، المغني (١/ ٥٩٦) و (٢/ ٣٣٤)، الميزان (٢/ ٥٥١) و (٣/ ٦١٧)].
ومحمد بن الحارث بن زياد بن الربيع الحارثي البصري: ضعيف، قال عمرو بن علي الفلاس: "روى أحاديث منكرة، وهو متروك الحديث"، وضعفه جماعة، ومشاه آخرون، وقالوا بأن البلية في أحاديثه من قِبَل ابن البيلماني [التهذيب (٣/ ٥٣٥)].
• وأما حديث زيد بن ثابت:
فقد رواه يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وبشر بن السري، ووكيع بن الجراح، وقبيصة بن عقبة، وعبد الرزاق بن همام، ومؤمل بن إسماعيل:
عن سفيان [الثوري]، عن الرُّكَين بن الربيع [وفي رواية: حدثني الرُّكَين بن الربيع]، عن القاسم بن حسان، قال: أتيت زيد بن ثابت، فسألته عن صلاة الخوف، فقال: صلى رسول الله ﷺ وصفٌّ خلفه، وصفٌّ بإزاء العدو، فصلى بهم ركعةً، ثم ذهبوا إلى مصافِّ إخوانهم، وجاء الآخرون فصلى بهم ركعةً، ثم سلم، فكان للنبي ﷺ ركعتان، ولكل طانفة ركعةٌ.
أخرجه النسائي في المجتبى (٣/ ١٦٨/ ١٥٣١)، وفي الكبرى (٢/ ٣٦٥/ ١٩٣٢)، وابن خزيمة (٢/ ٢٩٤/ ١٣٤٥)، وابن حبان (٧/ ١٢١/ ٢٨٧٠)، وأحمد (٥/ ١٨٣)، وعبد الرزاق (٢/ ٥١٠/ ٤٢٥٠)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢/ ٢١٣/ ٨٢٧٢) و (٧/ ٤٢٢/ ٣٧٠٠٤)، وفي المسند (١٣٧)، وابن جرير الطبري في تفسيره (٧/ ٤١٨)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٢٧/ ٢٣٣٩)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٣١٠)، وفي أحكام القرآن (٣٧٧ و ٣٧٨)، والطبراني في الكبير (٥/ ١٥٣/ ٤٩١٩)، والبيهقي في السنن (٣/ ٢٦٢)، وفي المعرفة (٣/ ١٢/ ١٨٣٩ م).
* تابع الثوري عليه:
أ - قيس بن الربيع [ليس بالقوي]، عن الركين بن الربيع، عن القاسم بن حسان، قال: أرسلني وديعة الأنصاري إلى زيد بن ثابت أسأله عن صلاة رسول الله ﷺ في الخوف، فأتيته فسألته، فحدث أن رسول الله ﷺ صلى بأصحابه، ففرقهم فرقة تلقاء وجوه عدوهم، وفرقة تلقاءه، فصلى بالذين يلونه ركعة ثم انطلقوا إلى مصاف إخوانهم، ثم جاء
стр. 6416
الآخرون فصلى بهم ركعة، فكان لرسول الله ﷺ ركعتان، وللقوم ركعة ركعة.
أخرجه الطيالسي (١/ ٥٠٢/ ٦١٣).
ب - شريك بن عبد الله النخعي، عن الركين، عن القاسم بن حسان، قال: سألت زيد بن ثابت عن صلاة الخوف؛ فقال: لم يصلِّ بنا إلا مرة - يعني: رسول الله ﷺ -.
وفي رواية: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الخوف مرةً، لم يصلِّ بنا قبلها ولا بعدها.
أخرجه ابن أبي شيبة في المسند (١٣٤)، والطبراني في الكبير (٥/ ١٥٣/ ٤٩٢٠).
وهذه رواية منكرة، تفرد بها شريك عن الركين، وشريك سيئ الحفظ، وقال ابن حزم في المحلى (٥/ ٤١) بأنه حديث ساقط، ثم قال: "فكيف يستحل ذو دين أن يعارض بهذه السوءة أحاديث الكوافِّ من الصحابة ﵃ أجمعين: إنهم شهدوا صلاة الخوف مع رسول الله ﷺ مرات: مرة بذي قرد، ومرة بذات الرقاع، ومرة بنجد، ومرة بين ضجنان وعسفان، ومرة بأرض جهينة، ومرة بنخل، ومرة بعسفان، ومرة يوم محارب وثعلبة، ومرة إما بالطائف وإما بتبوك، وقد يمكن أن يصليها في يوم مرتين للظهر والعصر، وروى ذلك عن الصحابة أكابر التابعين والثقات الأثبات، ونعوذ باللّه من الخذلان".
قلت: المحفوظ: رواية الثوري وقيس بن الربيع عن الركين، وقد صحت أحاديث صلاة الخوف من طرق كثيرة، ووجوه متعددة، يُقطع معها يقينًا بأن النبي ﷺ صلى صلاة الخوف مرات عديدة، وفي عدة غزوات متفرقة، وقد صح لنا من هيئاتها سبع هيئات، يأتي ذكرها ملخصًا في آخر أبواب صلاة الخوف.
وحديث زيد بن ثابت: حديث صحيح؛ رجاله ثقات، والقاسم بن حسان: سمع زيد بن ثابت، وقال أحمد بن صالح: "ثقة"، وذكره ابن حبان في الثقات [الجرح والتعديل (٧/ ١٠٨)، الثقات (٥/ ٣٠٥)، تاريخ أسماء الثقات (١١٤٨)، التهذيب (٣/ ٤٠٩)].
وقد صححه ابن خزيمة وابن حبان، واحتج به النسائي.
وانظر تأويل الطحاوي والبيهقي للحديث.
• وفي النهاية: فقد صح في صفة الركعة الواحدة بغير قضاء:
عن حذيفة بن اليمان، وابن عباس، وأبي هريرة، وجابر بن عبد الله، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وعن كعب رجل من الصحابة قطعت يده يوم اليمامة.
* وقد اعترض بعض الأئمة على هذه الهيئة:
قال الشافعي في الأم (٢/ ٤٥٢): "وعلى المأموم من عدد الصلاة ما على الإمام، لا يختلفان فيما على كل واحد منهما من عددها، وليس يثبت حديث روي في صلاة الخوف بذي قَرَد"، وقد سبق الرد عليه عند الكلام على حديث ابن عباس.
وانظر رد الطحاوي وإطالته في إبطال القول بالركعة، في شرح المعاني (١/ ٣٠٩ - ٣٢٠)، وكذلك اجتهد البيهقي في السنن (٣/ ٢٦١ - ٢٦٤) وفي المعرفة (٣/ ١١ - ١٤) في تأويل أحاديث الباب، ثم ختمه بقوله في السنن: "وذهب أحمد بن حنبل ﵀ وجماعة من
стр. 6417
أصحاب الحديث إلى أن كل حديث ورد في أبواب صلاة الخوف فالجمل به جائز، وبالله التوفيق".
• وقد احتج بعضهم بآية صلاة الخوف في القرآن على إبطال كل هيئة تخالف نص الآية؛ إلا بتأويل، مثلما فعل الطحاوي.
واحتج عليهم مخالفوهم بالآية أيضًا:
قال ابن المنذر (٥/ ٢٩): "فقال بعض الناس: حديث ابن عباس أثبتته الأخبار بظاهر كتاب الله؛ لأن الله ذكر الطائفة الأولى قال: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ النساء: ١٠٢]، ولم يذكر عليها وجوب قضاء، ثم قال في الطائفة الأخرى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢]، ولم يوجب على واحدة من الطائفتين قضاءً، والله أعلم".
• وأختم بذكر أقوال بعض الأئمة ممن قال بظاهر هذه الأحاديث:
قال أحمد في رواية علي بن سعيد في صلاة الخوف: "قد روي ركعة وركعتان، ابن عباس يقول: ركعة ركعة، إلا أنه كان للنبي ﷺ ركعتان وللقوم ركعة، وما يروى عن النبي ﷺ كلها صحاح" [الفتح لابن رجب (٦/ ٢٧)].
وقال البخاري في القراءة خلف الإمام (١١٥) بعدما أخرج حديث ابن عباس مرفوعًا: "وفي الخوف ركعة"، وحديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس مرفوعًا، قال: "وكذلك يروى عن حذيفة وزيد بن ثابت وغيرهم: أن النبي ﷺ صلى بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة"، ثم أخرج حديث أبي بكر بن أبي الجهم عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن النبي ﷺ ، وقال: "مثله"، يعني: مثل حديث الزهري.
وقد ساق هذه الأحاديث للاحتجاج بها على وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، حيث قال قبل ذلك: "ومما يدل عليه قول ابن عباس: فرض الله على لسان نبيكم صلاة الخوف ركعة، وقال ابن عباس: صلى النبي ﷺ في الخوف بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة، فالذي يدرك الركوع والسجود من صلاة الخوف وهي ركعة لم يقم قائمًا في صلاته أجمع ولم يدرك شيئًا من القراءة".
وقال أبو داود: "باب من قال: يصلي بكل طائفة ركعة، ولا يقضون".
وقال الترمذي في الجامع (٥٦٧): "وروي عن غير واحد؛ أن النبي ﷺ صلى بإحدى الطائفتين ركعةً ركعةً، فكانت للنبي ﷺ ركعتان، ولهم ركعةٌ ركعةٌ".
وقال ابن خزيمة: "باب صلاة الإمام في شدة الخوف بكل طائفة من المأمومين ركعة واحدة، لتكون للإمام ركعتان ولكل طائفة ركعة، وترك الطائفتين قضاء الركعة الثانية، وفي هذا ما دل على جواز فريضة للمأموم خلف الإمام المصلي نافلة".
وقال ابن حبان: "ذكر وصف صلاة المرء في الخوف إذا أراد أن يصليها جماعة ركعة واحدة"، ثم أسند حديث يزيد الفقير عن جابر، وقال أيضًا: "ذكر البيان بأن القوم الذين
стр. 6418
وصفناهم لم يقضوا الركعة التي ركع ﷺ بإخوانهم، بل اقتصروا على ركعة واحدة لهم"، ثم أسند حديث أبي بكر بن أبي الجهم، وقد عدَّ أحاديث الركعة أول أنواع صلاة الخوف.
وقال ابن حجر في الفتح (٢/ ٤٣٣): "فزاد في آخره: ولم يقضوا، وهذا كالصريح في اقتصارهم على ركعة ركعة، وفي الباب: عن حذيفة وعن زيد بن ثابت، عند أبي داود والنسائي وابن حبان، وعن جابر عند النسائي، ويشهد له ما رواه مسلم وأبو داود والنسائي من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعًا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة، وبالاقتصار في الخوف على ركعة واحدة يقول إسحاق والثوري ومن تبعهما، وقال به أبو هريرة وأبو موسى الأشعري وغير واحد من التابعين، ومنهم من قيد ذلك بشدة الخوف، … ، وقال الجمهور: قصر الخوف قصر هيئة لا قصر عدد، وتأولوا رواية مجاهد هذه على أن المراد به ركعة مع الإمام، وليس فيه نفي الثانية، وقالوا: يحتمل أن يكون قوله في الحديث السابق: لم يقضوا؛ أي: لم يعيدوا الصلاة بعد الأمن، والله أعلم".
***
١٢٤٧ - . . . أبو عوانة، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: فرض الله تعالى الصلاة على لسان نبيكم ﷺ : في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة.
* حديث صحيح.
أخرجه مسلم (٦٨٧/ ٥)، وقد تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١١٩٨).
* وهو مروي بمعناه من وجه آخر:
يرويه حميد بن علي العقيلي: حدثنا الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس، قال: صلى رسول الله ﷺ حين سافر ركعتين، وحين أقام أربعًا.
قال: قال ابن عباس: فمن صلى في السفر أربعًا كمن صلى في الحضر ركعتين.
قال: وقال ابن عباس: لم تقصر الصلاة إلا مرة واحدة، حيث صلى رسول الله ﷺ ركعتين، وصلى الناس ركعةً ركعةً.
وإسناده ضعيف، تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٢٠٠)، الشاهد رقم (١٣).
***
٢٨٨ - باب من قال: يصلي بكل طائفة ركعتين
١٢٤٨ - . . . الأشعث، عن الحسن، عن أبي بكرة، قال: صلى النبي ﷺ في خوفٍ الظهرَ، فصفَّ بعضهم خلفه، وبعضهم بإزاء العدو، فصلى [بهم]، ركعتين، ثم سلم، فانطلق الذين صلوا معه، فوقفوا موقفَ أصحابهم، ثم جاء أولئك فصلوا خلفه،
стр. 6419
فصلى بهم ركعتين، ثم سلم، فكانت لرسول الله ﷺ أربعًا، ولأصحابه ركعتين ركعتين.
وبذلك كان يفتي الحسن.
قال أبو داود: وكذلك في المغرب يكون للإمام ست ركعات، وللقوم ثلاث ثلاث.
قال أبو داود: وكذلك رواه يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر، عن النبي ﷺ .
وكذلك قال سليمان اليشكري، عن جابر، عن النبي ﷺ .
* حديث صحيح.
أخرجه النسائي في المجتبى (٢/ ١٠٣/ ٨٣٦) و (٣/ ١٧٨/ ١٥٥١) و (٣/ ١٧٩ ١٥٥٥)، وفي الكبرى (١/ ٢٨٠/ ٥٢١) و (١/ ٤٤١/ ٩١٢) و (٢/ ٣٧٥/ ١٩٥٢) و (٢/ ٣٧٦/ ١٩٥٦)، وابن حبان (٧/ ١٣٥/ ٢٨٨١)، وأحمد (٥/ ٣٩ و ٤٩)، والبزار (٩/ ١١٢/ ٣٦٥٨)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٣١٥)، وفي أحكام القرآن (٣٨٥)، وأبو بكر النيسابوري في الزيادات على المزني (١٢٥)، والدارقطني (٢/ ٦١)، وابن حزم في المحلى (٤/ ٢٢٦)، والبيهقي في السنن (٣/ ٢٥٩ و ٢٦٠)، وفي المعرفة (٣/ ١٧/ ١٨٤٥)، وابن عبد البر في التمهيد (١٥/ ٢٧٤).
رواه عن أشعث بن عبد الملك الحمراني: معاذ بن معاذ العنبري، وخالد بن الحارث، ويحيى بن سعيد القطان، وسعيد بن عامر، وأبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، وروح بن عبادة [وهم ثقات].
قال البزار: "وهذا الكلام يروى عن جابر وعن أبي بكرة، وحديث أبي بكرة أحسن إسنادًا، فذكرناه عن أبي بكرة لحسن إسناده؛ إلا أن يزيد فيه جابر كلامًا".
وقال البيهقي: "وسماع الحسن من أبي بكرة صحيح".
* خالفهم: عمرو بن خليفة البكراوي: حدثنا أشعث بن عبد الملك الحمراني، عن الحسن، عن أبي بكرة؛ أن النبي ﷺ صلى بالقوم [في الخوف] صلاة المغرب ثلاث ركعات، ثم انصرف، وجاء الآخرون فصلى بهم ثلاث ركعات، فكانت للنبي ﷺ ست ركعات، وللقوم ثلاث ثلاث.
أخرجه ابن خزيمة (٢/ ٣٠٧/ ١٣٦٨)، والحاكم (١/ ٣٣٧) (٢/ ١٣٩/ ١٢٦٦ - ط. الميمان) (٢/ ٢٩٦/ ١٢٦٨ - ط. التأصيل). والدارقطني (٢/ ٦١)، والبيهقي (٣/ ٢٦٠).
من طريق: محمد بن معمر بن ربعي القيسي [ثقة]: ثنا عمرو بن خليفة به.
قال الحاكم: "سمعت أبا علي الحافظ يقول: هذا حديث غريب؛ أشعث الحمراني،
стр. 6420
لم نكتبه إلا بهذا الإسناد"، ثم قال الحاكم: "وإنه صحيح على شرط الشيخين".
قلت: لعل في كلام أبي علي الحافظ سقط لا بد من ذكره حتى يستقيم، فلعل الحافظ قال: هذا حديث غريب من حديث أشعث الحمراني، أو: عن أشعث الحمراني، لم نكتبه إلا بهذا الإسناد؛ وذلك لأن الحديث مشهور عن أشعث بالصلاة بكل طائفة ركعتين، دون لفظ الثلاث؛ والذي تفرد به عنه: عمرو بن خليفة البكراوي، ولا يُعرف عنه إلا من طريق محمد بن معمر بن ربعي القيسي؛ فهو حديث غريب عن أشعث بهذا اللفظ، وهذا ما عناه أبو علي الحافظ، والله أعلم.
وقال البيهقي في السنن: "وقد رواه بعض الناس عن أشعث في المغرب مرفوعًا؛ ولا أظنه إلا واهمًا في ذلك".
وقال في المعرفة (٣/ ١٧): "وهو وهم، والصحيح هو الأول، والله أعلم".
قلت: هو حديث منكر بهذا اللفظ في المغرب؛ تفرد به عن أشعث: عمرو بن خليفة البكراوي، قال البزار: "ثقة"، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: "ربما كان في روايته بعض المناكير"، قلت: وهذا منها [مسند البزار (١٤/ ٧٩٧٨/ ٣٢٢)، الثقات (٧/ ٢٢٩)، تاريخ الإسلام (١٣/ ٣٢٣)، اللسان (٦/ ٢٠٥)، الثقات لابن قطلوبغا (٧/ ٣٤٣)].
* تابع أشعث بن عبد الملك [على الوجه المعروف]:
أبو حرة، عن الحسن، عن أبي بكرة؛ أن النبي ﷺ صلى بأصحابه صلاة الخوف، [صفَّهم صفَّين، صفٌّ بإزاء العدو]، فصلى [بهم] ركعتين، [ثم سلم]، ثم انطلق هؤلاء إلى مصافِّ هؤلاء، وجاء أولئك فصلى بهم ركعتين، [ثم سلم]، فكانت لرسول الله ﷺ أربعًا، وللقوم ركعتين ركعتين.
أخرجه الطيالسي (٢/ ٢٠٤/ ٩١٨)، ومن طريقه: البزار (٩/ ١١٣/ ٣٦٥٩)، والطحاوي (١/ ٣١٥)، وأبو طاهر المخلص في السادس من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (٢٧٠) (١٢٨٩ - المخلصيات) وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (٢/ ٣٤١).
قال البزار: "وهذا الحديث ذكرناه لأنه زاد على أشعث، وفسر ما رواه أشعث مجملًا، ولأنه حديث عزيز عن الحسن ما رواه أشعث وأبو حرة لا أعلم رواه غيرهما، فجمعتهما في موضع لذلك، واسم أبي حرة: واصل بن عبد الرحمن، وهو صالح الحديث بصري".
قلت: واصل بن عبد الرحمن: صدوق عابد، لم يسمع من الحسن إلا ثلاثة أحاديث، والباقي يدلسه، لذا ضعفوا حديثه عن الحسن [العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٥٩٥/ ٣٨٢٣)، الكامل (٧/ ٨٦)، الميزان (٤/ ٣٢٩)، إكمال مغلطاي (١٢/ ٢٠٠)، التهذيب (٤/ ٣٠٢)، تحفة التحصيل (٣٣٦)]، ومتابعته هنا جيدة.
قال البيهقي في المعرفة (٣/ ١٧): "وسماع الحسن من أبي بكرة صحيح".
وقال النووي في المجموع (٤/ ٣٥٠): "حديث أبي بكرة صحيح، رواه أبو داود
стр. 6421
بإسناد صحيح كما هو في المهذب، ورواه البخاري ومسلم من رواية جابر بمعناه".
وصحح إسناده أيضًا: ابن الملقن في البدر المنير (٥/ ٨).
قلت: هو حديث صحيح، وسماع الحسن من أبي بكرة ثابت صحيح، فلا يطلب سماعه في كل حديث حديث [راجع فضل الرحيم الودود (١/ ١٠١/ ٢٧) و (٣/ ١٤٨/ ٢٣٤) و (٧/ ٤٧٩/ ٦٨٣) و (٧/ ٤٨٥/ ٦٨٤)].
ومن ادعى عدم الاتصال في هذا الحديث بدعوى عدم شهود أبي بكرة لصلاة الخوف؛ فلا يضر ذلك، فإن أبا بكرة لم يصرح بأنه شهد الصلاة مع النبي ﷺ ، وإنما أخبر عن صفة صلاة النبي ﷺ حين صلى بأصحابه صلاة الخوف، ولا إشكال في ذلك، وغايته أن يكون مرسل صحابي [انظر: بيان الوهم (٢/ ٤٧٥)].
* ورواه يونس بن عبيد فجعله عن جابر بن عبد الله:
رواه عبد الوارث بن سعيد، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، وإسماعيل بن علية [وهم ثقات]، وغيرهم:
حدثنا يونس، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله؛ أن رسول الله ﷺ صلى بأصحابه صلاة الخوف، فصلى بطائفة ركعتين، والآخرون يُقبِلون على عدوهم، ثم سلم، ثم جاء الآخرون، فصلى بهم ركعتين، ثم سلم، فكانت لرسول الله ﷺ أربع ركعات، وللناس ركعتين ركعتين.
أخرجه النسائي في المجتبى (٣/ ١٧٩/ ١٥٥٤)، وفي الكبرى (١/ ٢٨١/ ٥٢٢) و (٢/ ٣٧٦/ ١٩٥٥)، وابن خمزيمة (٢/ ٢٩٨/ ١٣٥٣)، والشافعي في الأم (٢/ ٤٥١ - / ٤٥٢ ٤٨٢)، وفي المسند (٥٧)، وابن هشام في السيرة (٤/ ١٥٨)، والدارقطني فيما انتقاه من حديث أبي الطاهر الذهلي (٧١)، والبيهقي في السنن (٣/ ٢٥٩)، وفي المعرفة (٣/ ١٧/ ١٨٤٤).
قال ابن خزيمة: "قد اختلف أصحابنا في سماع الحسن من جابر بن عبد الله".
قلت: قد جاء في الرواية هنا النبأ اليقين:
فقد قال عبد الأعلى [عند النسائي]: حدثنا يونس، عن الحسن، قال: حدَّث جابر.
وهذا يشعر بعدم السماع؛ بل قد ثبت الانقطاع:
فقد رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الأعلى، عن يونس، عن الحسن: سئل عن صلاة الخوف؛ فقال: نبِّئتُ عن جابر.
أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٢١٥/ ٨٢٨٦).
فظهر بهذه الرواية أن الحسن لم يسمعه من جابر.
* ورواه عمرو بن عاصم، وحجاج بن منهال، وسليمان بن حرب، وشاذان أسود بن عامر [وهم ثقات في الجملة]:
عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله؛ أن النبي ﷺ
стр. 6422
صلى بطائفة من أصحابه ركعتين، ثم سلم، ثم صلى بأخرى أيضًا ركعتين، ثم سلم.
أخرجه النسائي في المجتبى (٣/ ١٧٨/ ١٥٥٢)، وفي الكبرى (٢/ ٣٧٥/ ١٩٥٣)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٣٢/ ٢٣٤٩)، وأبو بكر النيسابوري في الزيادات على المزني (١٢٦)، والدارقطني (٢/ ٦١)، والبيهقي (٣/ ٢٥٩).
قال ابن رجب في الفتح (٦/ ٣٣): "والحسن: لم يسمع من جابر".
* ورواه عنبسة [وعنه: عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي]، عن الحسن، عن جابر، أن نبي الله ﷺ كان محاصرًا بني محارب بنخل، ثم نودي في الناس أن الصلاة جامعة، فجعلهم رسول الله ﷺ طائفتين، طائفة مقبلة على العدو يتحدثون، وصلى بطائفة ركعتين، ثم سلم، فانصرفوا فكانوا مكان إخوانهم، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم رسول الله ﷺ ركعتين، فكان للنبى ﷺ أربع ركعات، ولكل طائفة ركعتين.
أخرجه المحاملي في الأمالي (١٩ - رواية ابن الصلت) مطولًا. والدارقطني (٢/ ٦٠)، والخطيب في المبهمات (٤/ ٢٤٦).
وعنبسة المذكور في هذا الإسناد ليس هو: ابن سعيد البصري القطان، أخو أبي الربيع السمان [متروك. التهذيب (٣/ ٣٣٢)، الميزان (٣/ ٢٩٩)، سؤالات الآجري (٢/ ١٥٩)، كشف الأستار (٨٨٤)]، وإنما هو: ابن أبي رائطة الغنوي الأعور:
قال عنه ابن المديني: "ضعيف"، وقال ابن معين: "ثقة، وقد روى عنه أيضًا: عبد الوهاب الثقفي"، وقال أبو حاتم: "هو عنبسة بن أبي رائطة الأعور، وهو عنبسة الغنوي، شيخ روى عنه عبد الوهاب الثقفى أحاديث حسانًا، وروى عنه وهيب، وليس بحديثه بأس". وذكره ابن حبان في الثقات [العلل لابن المديني (١٣٤)، سؤالات ابن الجنيد (٥٠٣)، التاريخ الكبير (٧/ ٣٨)، الجرح والتعديل (٦/ ٤٠٠)، الثقات (٧/ ٢٩٠)، مسند البزار (٦/ ٣٠٩/ ٢٣٢١) و (٩/ ٣٥١/ ٣٩١٤)، المعجم الكبير للطبراني (١٨/ ١٦٥/ ٣٦٥)، المعجم الأوسط (٧٦٩ و ٤٩٤١)، المعجم الصغير (١٠٣٠)، الكامل (٥/ ٢٦٤)، أطراف الغرائب والأفراد (٢/ ٨٢/ ٤١٣٨) و (٢/ ٨٤/ ٤١٥٣)، اللسان (٦/ ٢٣٩)، التهذيب (٣/ ٣٣٢)].
• هكذا اختلف على الحسن البصري في هذا الحديث:
أ - فرواه أشعث بن عبد الملك الحمراني [ثقة فقيه، مقدَّم في الحسن]، وأبو حرة واصل بن عبد الرحمن [صدوق، تكلم في حديثه عن الحسن]:
عن الحسن، عن أبي بكرة، قال: صلى النبي ﷺ في خوفٍ الظهرَ … فذكر الحديث.
ب - ورواه يونس بن عبيد [ثقة ثبت، أثبت الناس في الحسن]، وقتادة [ثقة ثبت، ثبت في الحسن]، وعنبسة بن أبي رائطة الغنوي الأعور [ليس بحديثه بأس، ضعفه ابن المديني]:
стр. 6423
عن الحسن، عن جابر، به مرفوعًا. وقال في رواية: نبِّئتُ عن جابر.
والحسن البصري لم يسمع هذا الحديث من جابر، كما جزم جماعة من الأئمة بعدم سماعه من جابر مطلقًا، مثل: بهز بن أسد، وابن المديني، وأبي زرعة، والدارقطني، وقال أبو حاتم: "إنما الحسن عن جابر: كتاب" [المراسيل (١١٢ - ١١٥)، تحفة التحصيل (٧٦)].
قلت: هو كتاب سليمان بن قيس اليشكري، ويأتي بيان ذلك قريبًا.
والوجهان عندي صحيحان، والحسن البصري واسع الرواية، يحتمل منه التعدد، فيكون الحسن سمعه من أبي بكرة، كما أخذه أيضًا من كتاب سليمان بن قيس اليشكري عن جابر، ويحتمل أن يكون أخذه بواسطة أخرى، كما في رواية يونس بن عبيد: نبِّئتُ عن جابر، والله أعلم.
• وأما حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر، عن النبي ﷺ :
فقد رواه أبان بن يزيد العطار، ومعاوية بن سلام، وعمران بن داور القطان: قال أبان: حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر، قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كنا بذات الرقاع، قال: كنا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله -، قال: فجاء رجل من المشركين وسيف رسول الله ﷺ معلق بشجرة، فأخذ سيف نبي الله ﷺ فاخترطه، فقال لرسول الله ﷺ : أتخافني؟ قال: "لا"، قال: فمن يمنعك مني؟ قال: "الله يمنعني منك"، قال: فتهدده أصحاب رسول الله ﷺ فأغمد السيف، وعلقه.
قال: فنودي بالصلاة، فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخَّروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، قال: فكانت لرسول الله ﷺ أربع ركعات، وللقوم ركعتان.
هكذا رواه أبان مطولًا بشقيه، واقتصر معاوية على موضع الشاهد، ولفظه عند مسلم: فصلى رسول الله ﷺ بإحدى الطائفتين ركعتين، ثم صلى بالطائفة الأخرى ركعتين، فصلى رسول الله ﷺ أربع ركعات، وصلى بكل طائفة ركعتين.
وفي رواية عمران [عند البخاري مختصرًا، وعند السراج أتم منه]: أن النبي ﷺ صلى بأصحابه في الخوف في غزوة السابعة، غزوة ذات الرقاع، [أظنه: أربع ركعات، صلى بهم ركعتين، ثم ذهبوا، وجاء أولئك فصلى بهم ركعتين].
أخرجه البخاري (٤١٢٥) و (٤١٣٦) [من طريق أبان معلقًا بصيغة الجزم]. ومسلم (٨٤٣/ ٣١١ و ٣١٢) [واللفظ له] و (٨٤٣/ ١٤ - فضائل)، وأبو عوانة (٢/ ٩١/ ٢٤٢٧ و ٢٤٢٨)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ١٨٩٦/٤٣٢) و (٢/ ٤٣٣/ ١٨٩٧)، وابن خزيمة (٢/ ٢٩٧/ ١٣٥٢)، وابن حبان (٧/ ١٣٩/ ٢٨٨٤)، وأحمد (٣/ ٣٦٤)، وابن سعد في الطبقات (٢/ ٦١)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢١٥/ ٨٢٨٧)، وأبو العباس السراج في مسنده (١٥٥٩ و ١٥٦٠ و ١٥٦٦)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (٢٣٥٨ و ٢٣٥٩ و ٢٣٦٧)، وابن
стр. 6424
المنذر في الأوسط (٥/ ٣٢/ ٢٣٤٨)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٣١٥)، وفي أحكام القرآن (٣٧٤)، وفي المشكل (١٠/ ٤١٥/ ٤٢٢٠)، وابن حزم في المحلى (٤/ ٢٢٧)، والبيهقي في السنن (٩/ ٢٥٣)، وفي الدلائل (٣/ ٣٧٥)، وابن عبد البر في التمهيد (١٥/ ٢٧٤)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٤/ ٢٨٧/ ١٠٩٥)، وقال: "هذا حديث متفق على صحته".
* وقد روى شقه الأول في قصة الأعرابي الذي اخترط السيف على رسول الله ﷺ مطولًا، ولم يذكر فيه صلاة الخوف:
شعيب بن أبي حمزة، ومعمر بن راشد، ومحمد بن الوليد الزبيدي، وإبراهيم بن سعد [ولم يذكر في إسناده: أبا سلمة]، ومحمد بن أبي عتيق [ولم يذكر في إسناده: أبا سلمة]:
عن الزهري، قال: حدثني سنان بن أبي سنان الدؤلي، وأبو سلمة بن عبد الرحمن؛ أن جابر بن عبد الله ﷺ أخبر؛ أنه غزا مع رسول الله ﷺ قِبَل نجد، فلما قفل رسول الله ﷺ قفل معه، فأدركتهم القائلة في وادٍ كثير العضاه، … فذكر الحديث.
أخرجه البخاري (٢٩١٠ و ٢٩١٣ و ٤١٣٤ و ٤١٣٥ و ٤١٣٩)، ومسلم (٨٤٣/ ١٣ و ١٤ - فضائل). والنسائي في الكبرى (٨/ ٩١/ ٨٧١٩) و (٨/ ١٣٠/ ٨٨٠١)، وابن حبان (١٠/ ٥٣٧/ ٤٣٩٩)، وأحمد (٣/ ٣١١)، وعبد بن حميد (١٠٨٢)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (١/ ١٩٩)، وابن جرير الطبري في التفسير (٨/ ٢٣٢)، والطبراني في مسند الشاميين (٣/ ٦٦/ ١٨١٥) و (٤/ ٢٥٣/ ٣٢١٤)، وابن منده في التوحيد (٢/ ٦٨/ ١٣٢)، وعبد الغني بن سعيد الأزدي في الغوامض (١٧ و ١٨)، والبيهقي في السنن (٦/ ٣١٩) و (٩/ ٦٧)، وفي الدلائل (٣/ ٣٧٣ و ٣٧٤)، والخطيب في المبهمات (٤/ ٢٤٦)، والواحدي في أسباب النزول (٢١٨)، والبغوي في الشمائل (٢١٦)، وأبو نعيم الحداد في جامع الصحيحين (٤/ ٥٣٢/ ٣٨٢٦)، وإسماعيل الأصبهاني في الدلائل (٦٧).
• قال ابن المنذر (٥/ ٣٢): "وهذا الخبر يدل على إباحة أن يصلي المرء الفريضة خلف من يصلي نافلة؛ لأن الآخرة من صلاة النبي ﷺ كانت نافلة".
وقال ابن عبد البر في التمهيد (١٥/ ٢٧٥): "كل من أجاز اختلاف نية الإمام والمأموم في الصلاة، وأجاز لمن صلى في بيته أن يؤم في تلك الصلاة غيره، وأجاز أن تصلى الفريضة خلف المتنفل: يجيز هذا الوجه في صلاة الخوف، وهو مذهب الأوزاعي والشافعي وابن علية وأحمد بن حنبل وداود".
وقال ابن رجب في الفتح (٦/ ٣٣): "في الحديث: دليل على أن صلاة الخوف ينادى لها بالأذان والإقامة كصلاة الأمن، ولا أعلم في هذا خلافًا؛ إلا ما حكاه أصحاب سفيان الثوري في كتبهم عنه، أنه قال: ليس في صلاة الخوف أذان ولا إقامة في حضر ولا سفر".
стр. 6425
• وأما حديث سليمان بن قيس اليشكري، عن جابر، عن النبي ﷺ :
فقد رواه أبو عوانة، عن أبي بشر [جعفر بن أبي وحشية]، عن سليمان بن قيس، عن جابر، قال: غزا رسول الله ﷺ محارب خصفة بنخلٍ [وفي رواية: بنجد]، فرأوا من المسلمين غِرَّة، فجاء رجل منهم، يقال له: عوف بن الحارث - أو: غورث بن الحارث - حتى قام على رأس رسول الله ﷺ بالسيف، فقال: من يمنعك مني؟ قال: "الله"، قال: فسقط السيف من يده، فأخذ رسول الله ﷺ السيف، فقال له: "من يمنعك مني"، قال: كن خيرًا مني [وفي رواية: كن خير آخذ]، قال: "تشهد أن لا إله إلا الله؟ "، قال: لا، ولكن أعاهدك على أن لا أقاتلَك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك، قال: فخلى سبيله، فجاء إلى أصحابه، فقال: جئتكم من عند خير الناس، فلما كان عند الظهر أو العصر - شك أبو عوانة - أمر النبي ﷺ بصلاة الخوف، قال: فكان الناس طائفتين؛ طائفةً لإزاء العدو، وطائفةً يصلون مع رسول الله ﷺ ، فصلى بالطائفة الذين معه ركعتين، ثم انصرفوا، فكانوا مكان أولئك، وجاء أولئك فصلوا مع النبي ﷺ ركعتين، فكان لرسول الله ﷺ أربع ركعات، وللقوم ركعتان.
أخرجه ابن حبان (٧/ ١٣٨/ ٢٨٨٣)، والحاكم (٣/ ٢٩)، وأحمد (٣/ ٣٦٤ و ٣٩٠)، وسعيد بن منصور (٢/ ٢٣٨/ ٢٥٠٤)، وعبد بن حميد (١٠٩٦)، وأبو إسحاق الحربي في غريب الحديث (٣/ ٩٨٠)، وأبو يعلى (٣/ ٣١٣/ ١٧٧٨)، والطحاوي (١/ ٣١٥)، وأبو الشيخ في أخلاق النبي ﷺ (١/ ٢٤٣/ ٧٣)، وعبد الغني بن سعيد الأزدي في الغوامض (١٩)، والبيهقي في الدلائل (٣/ ٣٧٥)، والخطيب في المبهمات (٤/ ٢٤٧)، والبغوي في الشمائل (٢١٨)، وأبو نعيم الحداد في جامع الصحيحين (٤/ ٥٣١/ ٣٨٢٥)، وعلق البخاري طرفًا منه بصيغة الجزم (٤١٣٦ م).
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه".
وقال الذهبي في تاريخ الإسلام (٢/ ٢٤٩): "وهذا حديث صحيح إن شاء الله".
* ورواه معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن قتادة، عن سليمان اليشكري؛ أنه سأل جابر بن عبد الله عن إقصار الصلاة في الخوف، أين أُنزل؟ وأين هو؟ فقال: خرجنا نتلقى عِيرًا لقريش أتت من الشام حتى إذا كنا بنخلٍ، جاء رجل إلى رسول الله ﷺ وسيفه موضوع، فقال: أنت محمد؟ قال: "نعم"، قال: أما تخافني؟ قال: "لا"، قال: فمن يمنعك مني؟ قال: "الله ﷺ منعني منك"، قال: فسل سيفه، وتهدده القوم وأوعدوه، فأمر رسول الله ﷺ الناس بالرحيل وبأخذ السلاح، ثم نادى بالصلاة، فصلت طائفة خلفه، وطائفة تحرس مقبلين على العدو، فصلى رسول الله ﷺ بالطائفة التي معه ركعتين، وأقبلت الطائفة الأخرى فقامت في مصاف الذين صلوا مع رسول الله ﷺ ، وحرست الطائفة الذين صلوا مع رسول الله ﷺ ، وهم مقبلون على العدو، فصلى بهم رسول الله ﷺ ركعتين، فصار لرسول الله ﷺ أربعًا، ولأصحابه ركعتين، [ففي يومئذ أنزل الله إقصار الصلاة، وأمر المؤمنين بأخذ السلاح].
стр. 6426
أخرجه ابن حبان (٧/ ١٣٦/ ٢٨٨٢)، وابن جرير الطبري في تفسيره (٧/ ٤١٤)، وفي تهذيب الآثار (١/ ٢٦٤/ ٤٣٨ - مسند عمر)، وفي التاريخ (٢/ ٨٦)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٣١٧)، وفي أحكام القرآن (٣٦١).
* فإن قيل: لم يسمع أبو بشر جعفر بن أبي وحشية ولا قتادة من سليمان بن قيس اليشكري، إنما هو كتاب؟
فقد روى أبو عوانة عن أبي بشر حديثًا بهذا الإسناد، ثم قال: "فحُدِّثت أن أبا بشر قال: كان في كتاب سليمان بن قيس" [مسند أحمد (٣/ ٣٣٢)، العلل ومعرفة الرجال (٣/ ٤٣٦/ ٥٨٥٦)].
وروى عبد الرزاق، عن معمر، قال: قال قتادة لسعيد [بن أبي عروبة]: يا أبا النضر! خذ المصحف، قال: فعرض عليه سورة البقرة، فلم يخطئ فيها حرفًا واحدًا، قال: فقال: يا أبا النضر، أحكمتُ؟ قال: نعم، قال: لأنا لصحيفة جابر بن عبد الله أحفظ مني لسورة البقرة، قال: وكانت قرئت عليه. يعني: الصحيفة التي يرويها سليمان اليشكري عن جابر.
أخرجه يعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (٢/ ٢٧٨ - ٢٧٩)، وأبو القاسم البغوي في الجعديات (١٠١٩)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٣٤)، وعلقه البخاري في التاريخ الكبير (٧/ ١٨٦)، وابن سعد في الطبقات (٧/ ٢٢٩).
وقال عفان بن مسلم: "قال لي همام بن يحيى: قدمت أمُّ سليمان اليشكري بكتاب سليمان، فقرئ على ثابت، وقتادة، وأبي بشر، والحسن، ومطرف، فرووها كلها، وأما ثابت فروى منها حديثًا واحدًا" [الكفاية للخطيب (٣٥٤)].
وقال علي بن المديني: سمعت يحيى [بن سعيد]، يقول: قال [سليمان] التيمي: "ذهبوا بصحيفة جابر [بن عبد الله] إلى الحسن [البصري] فرواها، و [ذهبوا بها] إلى قتادة فرواها، وأتوني بها فلم أروها"، قلت ليحيى: سمعته من التيمي؟ فقال برأسه، أي: نعم.
أخرجه الترمذي في الجامع (١٣١٢) (١٣٥٨ - ط. التأصيل). وأبو إسحاق الجوزجاني في أحوال الرجال (٣٥٢)، وأبو القاسم البغوي في الجعديات (١٣١٢)، والحاكم في المعرفة (١١٠)، والخطيب في الكفاية (٣٥٤).
وقال عبد الله بن أحمد في العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٤٨٧/ ٣٢٠٧): "سمعت أبى يقول: سليمان اليشكري شيخ قديم، قتل في فتنة ابن الزبير، قيل له: من روى عنه؟ قال: قتادة، وما سمع منه شيئًا، وأبو بشر روى عنه أحاديث، وما أرى سمع منه شيئًا، ثم قال: قدموا بصحيفة سليمان اليشكري البصرة فحفظها قتادة، فقيل له: سمع منه عمرو بن دينار؟ قال: لعل عَمرًا أدركه، قال أبي: وقد حدث عنه الجعد أبو عثمان، فقلت له: سمع منه؟ قال: يقول الجعد: حدَّث سليمان، حدَّث سليمان، فلا أدري، يعني: سمع منه أم لا".
وقال أحمد أيضًا: "سليمان اليشكري مات في فتنة ابن الزبير"، قال أبو داود: "قلت لأحمد: كان من أهل مكة؟ قال: كان يكون بمكة" [سؤالات أبي داود (١٥)].
стр. 6427
وقال ابن معين: "قتادة لم يسمع من سليمان اليشكري، ولم يسمع منه عمرو بن دينار، وذاك أنه قتل في فتنة ابن الزبير" [تاريخ الدوري (٤/ ١٤٩/ ٣٦٣٩) و (٤/ ١٠٠/ ٣٣٥٤)].
وقال ابن أبي شيبة في سؤالاته لابن المديني (٢٣٨): "وسمعت عليًا يقول: لم يسمع قتاده من سليمان اليشكري شيئًا، وما روى عنه من صحيفة قرأها عليه مَن سمعها مِن سليمان اليشكري".
وقال البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ٣١)، وفي التاريخ الأوسط (١/ ١٨٨/ ٨٨٠ و ٨٨١): "وروى أبو بشر وقتادة والجعد أبو عثمان عن كتاب سليمان، ومات سليمان قبل جابر بن عبد الله".
وقال البخاري أيضًا [كما في علل الترمذي الكبير (٥٥٠)]:" قتادة لم يسمع من سليمان اليشكري، سليمان مات قبل جابر بن عبد الله، روى عنه أبو بشر وقتادة وغير واحد، وما لأحد من هؤلاء سماع من سليمان اليشكري؛ إلا أن يكون عمرو بن دينار، فلعله سمع منه، وهو سليمان بن قيس اليشكري".
وقال الترمذي في الجامع (١٣١٢) (١٣٥٨ - ط. التأصيل) بعد حديث من رواية قتادة عن سليمان اليشكري: "هذا حديث إسناده ليس بمتصل، سمعت محمدًا يقول: سليمان اليشكري يقال: إنه مات في حياة جابر بن عبد الله، قال: ولم يسمع منه قتادة ولا أبو بشر، قال محمد: ولا نعرف لأحد منهم سماعًا من سليمان اليشكري؛ إلا أن يكون عمرو بن دينار، فلعله سمع منه في حياة جابر بن عبد الله، وإنما يحدث قتادة عن صحيفة سليمان اليشكري، وكان له كتاب عن جابر بن عبد الله".
وقال أبو إسحاق الجوزجاني في أحوال الرجال (٣٥٢): "وقد أُتي بكتاب سليمان بن قيس اليشكري صحيفة إلى البصرة، أخذها قوم من الأئمة في الحديث مثل قتادة، فرووها".
وقال أبو حاتم الرازي: "جالس سليمان اليشكري جابرًا، فسمع منه، وكتب عنه صحيفة، فتوفي، وبقيت الصحيفة عند امرأته، فروى أبو الزبير، وأبو سفيان، والشعبي، عن جابر، وهم قد سمعوا من جابر، وأكثره من الصحيفة، وكذلك قتادة" [الجرح والتعديل (٤/ ١٣٦)].
وقال يعقوب بن سفيان: "وقتادة: لم يسمع من مجاهد، ولا من سعيد بن جبير، ولا من أبي قلابة، ولا من الشعبي، ولا من إبراهيم النخعي، ولا من سليمان اليشكري؛ إنما حديث سليمان اليشكري صحيفة، كان كتب عن جابر، وتوفي قديمًا، وبقيت الصحيفة عند أمه في أهل البصرة" [المعرفة والتاريخ (٣/ ٢٨)].
وانظر أيضًا: مسائل إسحاق الكوسج (٣٤٢٦)، التاريخ وأسماء المحدثين وكناهم للقاضي أبي عبد الله المقدمي (٥٤٩)، التوحيد لابن خزيمة (٢/ ٨٥٦)، الثقات لابن حبان
стр. 6428
(٤/ ٣٠٩)، الفتح لابن رجب (٦/ ٣٣)، جامع التحصيل (٢٥٥)، تحفة التحصيل (٢٦٤).
* فيقال: إنما هي وجادة صحيحة، استشهد بها البخاري، وقد كان الكتاب محفوظًا عند أم سليمان، أو امرأته، ولا مصلحة لها في إفساد الكتاب بالزيادة أو النقصان، بل هناك معنى لطيف، فكأن أم سليمان أشفقت عليه أن أنفق عمره في طلب العلم، ثم لم ينتفع بهذا العلم بعد مماته، لكونه لم ينشر، لذا قامت هي بنشره، لكنها خصت أهل العلم به دون غيرهم، مما يدل على معرفتها وعنايتها بهذا الشأن، رجاء أن ينتفع بهذا العلم، فكيف تفعل هذا ثم تقوم هي بإفساد الكتاب، مع اشتهار الخبر بالوعيد الشديد على من كذب على رسول الله ﷺ متعمدًا!
يبقى الكلام عن هذه الصحيفة، ومكانتها؛ فمما يدل على أهمية هذه الصحيفة، وعناية العلماء بها؛ أن قام بروايتها عدد من حفاظ الحديث في زمانهم، مثل: ثابت البناني، وقتادة، وأبي بشر جعفر بن أبي وحشية، والحسن البصري، وأبي عثمان الجعد بن دينار اليشكري، ومع هذا فلا تسلم الرواية من الكتاب من بعض الوهم والخطأ، ويُعرف وقوع ذلك بالقرائن، فإن الوجادة قد يدخلها شيء من الوهم بالتصحيف وغيره، وروايتنا هذه قد توبع عليها سليمان اليشكري، تابعه أبو سلمة بن عبد الرحمن، كما في الصحيحين، وقد سبق تقرير ذلك مرارًا، والله أعلم.
* قال الإمام ابن القيم في إعلام الموقعين (٢/ ١٢٥):" وقد صح سماع الحسن من سمرة، وغاية هذا أنه كتاب، ولم تزل الأمة تعمل بالكتب قديمًا وحديثًا، وأجمع الصحابة علي العمل بالكتب، وكذلك الخلفاء بعدهم، وليس اعتماد الناس في العلم إلا على الكتب، فإن لم يعمل بما فيها تعطلت الشريعة، وقد كان رسول الله ﷺ يكتب كتبه إلى الآفاق والنواحي، فيعمل بها من تصل إليه، ولا يقول: هذا كتاب، وكذلك خلفاؤه بعده، والناس إلى اليوم، فَرَدُّ السنن بهذا الخيال البارد الفاسد من أبطل الباطل، والحفظ يخون، والكتاب لا يخون".
وقال بعد ذلك بصفحتين (٢/ ١٢٧) في صحيفة سليمان بن قيس اليشكري: "وغاية هذا أن يكون كتابًا، والأخذ عن الكتب حجة".
والحاصل: فإن حديث سليمان بن قيس عن جابر: حديث صحيح، ورواية أبي بشر عندي أثبت من رواية قتادة لموافقتها رواية الحسن عن جابر في كونها في غزوة محارب خصفة، وهي نفسها غزوة ذات الرقاع كما في رواية أبي سلمة عن جابر، وقد وقع وهم في رواية قتادة من وجهين:
الأول: أن سليمان اليشكري سأل جابر بن عبد الله عن إقصار الصلاة في الخوف، أين أُنزل؟ وأين هو؟ فقال: خرجنا نتلقى عِيرًا لقريش أتت من الشام حتى إذا كنا بنخلٍ، … فذكر الحديث، ثم قال في آخره: ففي يومئذ أنزل الله إقصار الصلاة، وأمر المؤمنين بأخذ السلاح، ومعلوم أن ذلك إنما كان بعسفان [راجع حديث أبي عياش الزرقي برقم (١٢٣٦)].
стр. 6429
والثاني: قوله: خرجنا نتلقى عِيرًا لقريش أتت من الشام حتى إذا كنا بنخلٍ، بينما بقية الروايات تذكر أن هذه الواقعة إنما كانت في غزوة ذات الرقاع، وهي نفسها غزوة محارب خصفة، كما قال البخاري في الصحيح (٤١٢٥): "باب غزوة ذات الرقاع، وهي غزوة محارب خصفة من بني ثعلبة من غطفان، فنزل نخلًا، وهي بعد خيبر؛ لأن أبا موسى جاء بعد خيبر"، والله أعلم.
* فإن قيل: صفة صلاة الخوف في حديث أبي سلمة وسليمان اليشكري عن جابر، تخالف الصفة التي جاءت في حديث الحسن عن جابر، والحسن عن أبي بكرة:
فيقال: بل يمكن حمل حديث أبي سلمة وسليمان اليشكري عن جابر، على حديث الحسن عن جابر، والحسن عن أبي بكرة، وذلك بكون النبي ﷺ صلى بكل طائفة ركعتين، يسلم مع كل طائفة، وتكون الأولى هي الفريضة، والثانية نفلًا في حقه ﷺ ، وبذا يزول الإشكال، ولا مخالفة حينئذ بين هذه الأحاديث.
كذلك يقال: كيف يصلي بهم النبي ﷺ أربع ركعات بسلام واحد، ولم يُحفظ عنه ﷺ أنه أتم صلاةً رباعيةً في سفر، فمن باب أولى القصر في الخوف، مع العلم بأن النبي ﷺ لم يصلِّ الخوف في حضر قط.
والمحفوظ عنه ﷺ في جميع هيئات صلاة الخوف أنه صلى بهم ركعتين، لم يزد على ذلك، وما روي بأنه ﷺ صلى الظهر مرة بعسفان أربعًا فلا يثبت.
ويؤيد ذلك أن أبا داود قد حمل حديث جابر على حديث أبي بكرة في السلام من كل ركعتين، حيث بدأ بحديث أبي بكرة، ثم أتبعه بقوله: "وكذلك رواه يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر، عن النبي ﷺ . وكذلك قال سليمان اليشكري، عن جابر، عن النبي ﷺ ، فكأنه يقول بأن حديث جابر بطريقيه إنما هو في السلام من كل ركعتين مثل حديث أبي بكرة، والله أعلم.
* قال ابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ٤٠٥): "ولا معنى لقول من قال: إن حديث أبي بكرة وحديث جابر كان في الحضر؛ لأن فيه سلامه في كل ركعتين منها، … ، وهما ثابتان من جهة النقل عند أهل العلم به، وغير محفوظ عن النبي ﷺ أنه صلى صلاة الخوف في الحضر، ومعلوم أن صلاة الخوف إنما وضعت على أخف ما يمكن وأحوطه للمسلمين، وهذا من أحوط وجوه صلاة الخوف".
* قلت: وأما خبر وهب بن كيسان عن جابر فليس هو في صلاة الخوف، إنما هو في قصة الجمل:
فقد روى إبراهيم بن سعد، وزياد بن عبد الله البكائي، ويونس بن بكير [وهم من ثقات أصحاب ابن إسحاق، وأثبتهم فيه: إبراهيم بن سعد]:
عن محمد بن إسحاق: حدثني وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله، قال: خرجت مع رسول الله ﷺ غزوة ذات الرقاع [من نخلٍ]، مرتحلًا على جمل لي ضعيف،
стр. 6430
فلما قفل رسول الله ﷺ ، جعلت الرفاق تمضي، … فذكر قصة الجمل في سياق طويل، وليس فيه ذكر صلاة الخوف.
أخرجه أحمد (٣/ ٣٧٥)، وابن هشام في السيرة (٤/ ١٥٩ - ١٦٠)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (٢/ ٨/ ١٤٩)، والبيهقي في الدلائل (٣/ ٣٨٢).
وانظر: ما علقه البخاري في الصحيح بصيغة الجزم (٢٧١٨ و ٤١٢٧)، والفتح لابن حجر (٥/ ٣٢٠) و (٧/ ٤٢٠).
• قال البخاري في الصحيح (٤١٢٥): "باب غزوة ذات الرقاع، وهي غزوة محارب خصفة من بني ثعلبة من غطفان، فنزل نخلًا، وهي بعد خيبر؛ لأن أبا موسى جاء بعد خيبر".
قال ابن إسحاق: "ثم أقام رسول الله ﷺ في بالمدينة بعد غزوة بني النضير شهر ربيع، وبعض جمادى، ثم غزا نجدًا يريد بني محارب وبنى ثعلبة من غطفان، حتى نزل نخلًا وهي غزوة ذات الرقاع، وفي هذه الغزوة اشترى رسول الله ﷺ من جابر بن عبد الله الأنصاري بعيره" [أخرجه ابن هشام في السيرة النبوية (٤/ ١٥٧)، وابن جرير الطبري في التاريخ (٢/ ٨٥)، والبيهقي في الدلائل (٣/ ٣٧٠)، وعلقه ابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (٢/ ٨/ ١٤٩٢)].
فوافقه في كون غزوة ذات الرقاع هي نفسها غزوة محارب خصفة، وخالفه في كونها كانت في السُّنَّة الثالثة.
وقد قرر ابن حجر في الفتح (٧/ ٤٢٣): "أن صلاة الخوف بعُسفان غير صلاة الخوف بذات الرقاع، وأن جابرًا روى القصتين معًا؛ فأما رواية أبي الزبير عنه: ففي قصة عسفان، وأما رواية أبي سلمة ووهب بن كيسان [لعله أراد: سليمان بن قيس اليشكري] وأبي موسى المصري عنه: ففي غزوة ذات الرقاع، وهي غزوة محارب وثعلبة، وإذا تقرر أن أول ما صُلِّيت صلاة الخوف في عسفان، وكانت في عمرة الحديبية، وهي بعد الخندق وقريظة، وقد صُلِّيت صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع، وهي بعد عسفان، فتعيَّن تأخُّرُها عن الخندق وعن قريظة وعن الحديبية أيضًا، فيقوى القول بأنها بعد خيبر؛ لأن غزوة خيبر كانت عقب الرجوع من الحديبية، … ".
وقد سبقه إلى هذا التقرير: ابن القيم في زاد المعاد (٣/ ٢٥٢)، حيث قال: "ولا خلاف بينهم أن غزوة عسفان كانت بعد الخندق، وقد صح عنه أنه صلى صلاة الخوف بذات الرقاع، فعُلم أنها بعد الخندق وبعد عسفان"، ثم قال بعد أن استشهد بحديث أبي هريرة: "وهذا يدل على أن غزوة ذات الرقاع بعد خيبر، وأن من جعلها قبل الخندق فقد وهِم وهمًا ظاهرًا".
• وقد أعرضت عن ذكر المراسيل والمقاطيع في الباب، وهي كثيرة، راجعها في مظانها من مصنف عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وغيرهما.
стр. 6431
• وفي ختام أحاديث صفة صلاة الخوف [عدا الصلاة في شدة الخوف رجالًا أو ركبانًا]، نذكر أقوال بعض الأئمة بإباحة الأخذ بما يناسب الحال مع العدو، على حسب اختلاف أحوال الخوف، مما صح من أحاديث صلاة الخوف:
قال ابن عبد البر في التمهيد (١٥/ ٢٦٨): "خيَّر الثوري في صلاة الخوف على ثلاثة أوجه: أحدها: حديث ابن مسعود الذي ذهب إليه أبو حنيفة، والثاني: حديث أبي عياش الرزقي، وإليه ذهب ابن أبي ليلى جملة، وذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه إذا كان العدو في القبلة، والثالث: الوجه الذي بلغه أن رسول الله ﷺ صلى صلاة بذي قرد"، يعني: ركعة واحدة.
وقال الأثرم: "قلت لأحمد بن حنبل: صلاة الخوف يقول فيها بالأحاديث كلها، كل حديث في موضعه، أم يختار واحدًا منها؟ فقال: أنا أقول: من ذهب إلى واحد منها، أو ذهب إليها كلها فحسن، وأما حديث سهل بن أبي حثمة فأنا أختاره؛ لأنه أنكأ للعدو، قلت له: حديث سهل بن أبي حثمة تستعمله مستقبلي القبلة كان العدو أو مستدبريها؟ قال: نعم، هو أنكأ فيهم؛ لأنه يصلي بطائفة ثم يذهبون، ويصلي بطائفة أخرى ثم يذهبون" [التمهيد (١٥/ ٢٦٤)].
وقال ابن عبد البر في التمهيد (١٥/ ٢٦٨): "وقال أحمد بن حنبل: لا أعلم أنه روي في صلاة الخوف إلا حديث ثابت، هي كلها ثابتة، فعلى أي حديث صلى المصلي صلاة الخوف أجزأه إن شاء الله".
وقال أحمد أيضًا [كما في مسائل إسحاق الكوسج (٣٥٨)]: "صلاة الخوف كلها جائزة، ولا أعلم فيها إلا إسنادًا جيدًا".
قلتُ [القائل هو إسحاق الكوسج]: "فالذي يقول: إنه إنما صلى مرةً واحدةً، قال: وما علْمُ من يقول هذا؟ قال: وأختار قول سهل بن أبي حثمة.
قال إسحاق [يعني: ابن راهويه]: كما قال في كلها [يعني: كما قال أحمد]، إنها على أوجه خمسة أو أكثر، فأيتها أخذتَ بها أجزأك، وقول سهل بن أبي حثمة يجزئ، ولسنا نختاره على غيره من الوجوه".
ونقل الترمذي (٥٦٤) عن أحمد قوله: "قد روي عن النبي ﷺ صلاة الخوف على أوجه، وما أعلم في هذا الباب إلا حديثًا صحيحًا، وأختار حديث سهل بن أبي حثمة".
وقال أيضًا في رواية حرب: "كل حديث روي في صلاة الخوف: فهو صحيح الإسناد، وكلَّ ما فعلتَ منه فهو جائز" [الفتح لابن رجب (٦/ ١١ و ٢٧)].
وقال في رواية علي بن سعيد في صلاة الخوف: "قد روي ركعة وركعتان، ابن عباس يقول: ركعة ركعة، إلا أنه كان للنبي ﷺ ركعتان وللقوم ركعة، وما يروى عن النبي ﷺ كلها صحاح" [الفتح لابن رجب (٦/ ٢٧)، وانظر أيضًا: شرح ابن بطال على البخاري (٥٣٥/ ٢)].
стр. 6432
وقال الشافعي في الرسالة (١١٧ - ط. الوفاء): "فقال: فهل للحديث الذي تركتَ وجهٌ غيرَ ما وصفتَ؟ قلتُ: نعم؛ يحتمل أن يكون لما جاز أن يصلي صلاة الخوف على خلاف الصلاة في غير الخوف؛ جاز لهم أن يصلوها كيف ما تيسر لهم، وبقدر حالاتهم وحالات العدو، وإذا أكملوا العدد فاختلفت صلاتهم، وكلها مجزئة عنهم" [المعرفة (٣/ ١٠)].
وقال ابن جرير الطبري في تفسيره (٧/ ٤٤٤): "فإنا نرى أن من صلاها من الأئمة فوافقت صلاته بعض الوجوه التي ذكرناها عن رسول الله ﷺ أنه صلاها، فصلاته مجزئة عنه تامة لصحة الأخبار بكل ذلك عن رسول الله ﷺ ، وأنه من الأمور التي علَّم رسولُ الله ﷺ أمتَه ثم أباح لهم العمل بأي ذلك شاؤوا".
وقال ابن حبان: "هذه الأخبار ليس بينها تضاد ولا تهاتر، ولكن المصطفى ﷺ صلى صلاة الخوف مرارًا في أحوال مختلفة بأنواع متباينة على حسب ما ذكرناها، أراد ﷺ به تعليم أمته صلاة الخوف، أنه مباح لهم أن يصلوا أي نوع من الأنواع التسعة التي صلاها رسول الله ﷺ في الخوف على حسب الحاجة إليها، والمرء مباح له أن يصلي ما شاء عند الخوف من هذه الأنواع التي ذكرناها، إذ هي من اختلاف المباح من غير أن يكون بينها تضاد أو تهاتر".
وقال أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن (٣/ ٢٤٢): "واختلاف هذه الآثار تدل على أن النبي ﷺ قد صلى هذه الصلوات على اختلافها على حسب ورود الروايات بها، وعلى ما رآه النبي ﷺ احتياطًا في الوقت من كيد العدو، وما هو أقرب إلى الحذر والتحرز، على ما أمر الله تعالى به من أخذ الحذر في قوله: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ [النساء: ١٠٢] ".
وقال الخطابي في المعالم (١/ ٢٦٩): "صلاة الخوف أنواع، وقد صلاها رسول الله ﷺ في أيام مختلفة، وعلى أشكال متباينة، يتوخَّى في كل ما هو أحوط للصلاة، وأبلغ في الحراسة، وهي على اختلاف صورها مؤتلفة في المعاني".
وقال ابن حزم في المحلى (٥/ ٤١) في معرض الرد على بعض المخالفين: " … أحاديث الكوافِّ من الصحابة ﵃ أجمعين: إنهم شهدوا صلاة الخوف مع رسول الله ﷺ مرات: مرة بذي قرد، ومرة بذات الرقاع، ومرة بنجد، ومرة بين ضجنان وعسفان، ومرة بأرض جهينة، ومرة بنخل، ومرة بعسفان، ومرة يوم محارب وثعلبة، ومرة إما بالطائف وإما بتبوك [بعض الغزوات المذكورة سميت بأسماء متعددة، وهي واحدة].
وقد يمكن أن يصليها في يوم مرتين للظهر والعصر، وروى ذلك عن الصحابة أكابر التابعين والثقات الأثبات".
وقال البيهقي في الدلائل (٣/ ٣٦٨): "واختلاف الروايات في كيفية صلاة الخوف بها، لاختلاف الأحوال به في صلاته، والله أعلم كيف كان ذلك، والمقصود معرفة كيفية صلواته".
стр. 6433
وقال ابن رجب في الفتح (٦/ ٤٥): "وقد أجاز الإمام أحمد وإسحاق وأبو خيثمة وابن أبي شيبة وابن جرير وجماعة من الشافعية صلاةَ الخوف على كل وجه صح عن النبي ﷺ ، وإن رجحوا بعض الوجوه على بعض".
وقال ابن حجر في الفتح (٧/ ٤٢٤): "وقال السهيلي: اختلف العلماء في الترجيح، فقالت طائفة: يُعمل منها بما كان أشبه بظاهر القرآن، وقالت طائفة: يجتهد في طلب الأخير منها فإنه الناسخ لما قبله، وقالت طائفة: يؤخذ بأصحها نقلًا وأعلاها رواةً، وقالت طائفة: يؤخذ بجميعها على حسب اختلاف أحوال الخوف، فإذا اشتد الخوف أخذ بأيسرها مؤنة، والله أعلم".
• قلت: يلاحظ في صلاة الخوف أنها صلاة خاصة يجوز فيها ما لا يجوز في غيرها، مما دل الدليل على استثنائه من أحكام الصلاة، مثل جواز استدبار القبلة، وجواز قطع الصلاة بما ليس منها، وجواز عدم الموالاة بين ركعاتها، وعدم متابعة الإمام في بعض الأركان، أو الركعات، وجواز التقدم والتأخر فيها، وغير ذلك؛ لكن يبقى من أحكام الصلاة - مما لم يدل الدليل على استثنائه - داخلًا في عموم أحكام الصلاة، مثل أحكام السهو:
• وأما ما رواه بقية بن الوليد: ثنا عبد الحميد بن السري الغنوي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس في صلاة الخوف سهو".
أخرجه ابن الأعرابي في المعجم (١٣٩)، وخيثمة الأطرابلسي في حديثه (٧٠)، والدارقطني (٢/ ٥٨)، والذهبي في السير (١٢/ ٥٨٦)، وفي الميزان (٢/ ٥٤١).
قال أبو حاتم في عبد الحميد: "هو مجهول، روى عن عبيد الله بن عمر حديثًا موضوعًا" [الجرح والتعديل (٦/ ١٤)].
وقال الدارقطني: "تفرد به عبد الحميد بن السري، وهو ضعيف".
وقال ابن عدي في الكامل (٥/ ٣٢٣) (٨/ ٤١٣ - ط. الرشد): "وعبد الحميد بن السري هو: من المجهولين، الذين يحدث عنهم بقية، وهذا الحديث رواه عنه بقية … " فذكره ثم قال: "ولا أعرف لعبد الحميد هذا غير هذا الحديث".
وقال الذهبي في السير: "ليس بمعتمد"، وقال في الميزان: "من المجاهيل، والخبر منكر"، وقال في المغني (٢/ ٥٢٧): "لا يُعرف، وحديثه كذب".
وضعف إسناده عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (٢/ ٤٢)، وابن الملقن في التوضيح (٨/ ٢٠)، وابن حجر في البلوغ (٤٨٤)، وغيرهم.
قلت: هو حديث موضوع؛ آفته عبد الحميد بن السري الغنوي: أحد شيوخ بقية المجهولين، ضعفه الدارقطني، وقال الذهبي: "متروك"، قلت: وقد تفرد به بإسناد من أصح الأسانيد على شرط الشيخين! فنأى له ذلك! [الكامل (٥/ ٣٢٣)، اللسان (٤/ ٢٣) و (٥/ ٧١)].
стр. 6434
* وروي من حديث ابن مسعود، وهو حديث باطل:
رواه أبو داود السجستاني [ثقة حافظ، إمام مصنف]، وشيخ لأبي يعلى [لم يتبين اسمه من المخطوط]:
قالا [واللفظ لأبي يعلى]: حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، قال: حدثنا الوليد بن صالح، عن الوليد بن مسلم، عن شريك بن عبد الله، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة [ووقع في رواية أبي داود: عن الأسود، بدل: علقمة]، عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس في صلاة الخوف سهو".
أخرجه أبو يعلى في المعجم (٥٨)، والآجري في سؤالاته لأبي داود (١٥٥٦).
قال الآجري (١٥٥٦): "قلت لأبي داود: رأيتُ في كتاب رجل: عن الوليد بن مسلم، عن شريك، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله؛ أن النبي ﷺ قال: "ليس في صلا الخوف سهو".
قال: هذا باطل؛ ما جاء به إلا الوليد.
حدثنا أبو توبة، عن الوليد بن صالح، عن الوليد بن مسلم".
• خالفهما فأسقط من إسناده الوليد بن صالح:
أحمد بن أبي الحواري [ثقة]: حدثنا أبو توبة: حدثنا الوليد بن مسلم، عن شريك، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : … ، فذكره.
أخرجه أبو طاهر المخلص في التاسع من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (٢٣٦) (٢١٢٣ - المخلصيات).
ورواية أبي توبة عن الوليد بن مسلم عند أبي داود في السنن، وقد صرح هنا بالسماع، وهو محتمل لأن يكون أخذه أبو توبة أولًا من قرينه الوليد بن صالح، ثم سمعه بعدُ من الوليد بن مسلم، والله أعلم.
• وخالف الجميع: محمد بن عبدة المصيصي [شيخ مكثر عن أبي توبة الربيع بن نافع وغيره، روى عنه جماعة، منهم: أبو القاسم الطبراني وأبو أحمد ابن عدي. تاريخ دمشق (٥٤/ ١٦٥)، تاريخ الإسلام (٢١/ ٢٧٤)]: ثنا أبو توبة الربيع بن نافع: ثنا الوليد بن الفضل، عن شريك، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، أن النبي ﷺ قال: … ، فذكره.
أخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ٧٢/ ٩٩٨٦).
هكذا جعل شيخ أبي توبة: الوليد بن الفضل العنزي، وقد ضعفوه، واتُّهم، وقال جماعة: يروي الموضوعات [اللسان (٨/ ٣٨٩)].
فإن كان هو: فالحديث موضوع، وإن كان الوليد بن مسلم الدمشقي، وهو: ثقة، وعنه: الوليد بن صالح الجزري نزيل بغداد، وهو: ثقة أيضًا، فالوليد بن مسلم: غير معروف بالرواية عن شريك بن عبد الله النخعي الكوفي، ولم يروه عن الوليد أحد من أهل
стр. 6435
بلده الدمشقيين، وأبو توبة الربيع بن نافع: حلبي سكن طرسوس، وهو: ثقة حجة.
فأين أصحاب منصور، ثم أين أصحاب شريك، ثم أين أصحاب الوليد من أهل بلده، فلعله حدث به خارج دمشق فوهم فيه [انظر: شرح علل الترمذي لابن رجب (٢/ ٧٧٢)، وقال في الوليد: (ظاهر كلام الإمام أحمد: أنه إذا حدث بغير دمشق ففي حديثه شيء"]، فكيف يتفرد أهل الشام بمثل هذا الإسناد الكوفي؟ ورجاله أئمة ثقات على شرط الشيخين، ثم يُعرض عنه أصحاب دواوين السُّنَّة المشهورة من الصحاح والسنن والمسانيد، فهو غريب جدًّا، ولشدة غرابته حكم عليه أبو داود بأنه حديث باطل، والله أعلم.
* ومما روي فيما يتعلق بصلاة الخوف:
• روى عقبة بن خالد السكوني [ثقة]، وعبد الله بن نافع الصائغ [صدوق]:
عن موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه، عن سلمة بن الأكوع؛ أنه سأل رسول الله ﷺ عن الصلاة في القوس، فقال: "صلِّ في القوس، واطرح القَرَن" [القَرَن: الجعبة أو الكنانة].
أخرجه الحاكم (١/ ٣٣٥ - ٣٣٦) (٢/ ١٣٧/ ١٢٦٣ - ط. الميمان) (٢/ ٢٩٤/ ١٢٦٥ - ط. التأصيل). وابن أبي شيبة في المصنف (٢/ ٤٣/ ٦٢٦١)، وفي المسند (٣/ ٥٨٧ / ٣٧٩ - مطالب)، وإسحاق بن راهويه (٣/ ٥٨٧/ ٣٧٩ - مطالب)، وأبو سعيد الأشج في جزء من حديثه (٣٣)، وابن أبي غرزة في مسند عابس الغفاري (٢٤)، وأبو يعلى (٣/ ٥٨٧/ ٣٧٩ - مطالب). وابن حبان في المجروحين (٢/ ٢٤١)، والطبراني في الكبير (٧/ ٢٨/ ٦٢٧٧)، وفي فضل الرمي (٥٤)، والدارقطني (١/ ٣٩٨)، والبيهقي (٣/ ٢٥٥).
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد؛ إن كان محمد بن إبراهيم التيمي سمع من سلمة بن الأكوع، ولم يخرجاه".
فتعقبه ابن حجر في الإتحاف (٥/ ٥٧٧/ ٥٩٦٧) بقوله: "فكيف يصنع في ضعف موسى؟ ".
وقال الدارقطني: "موسى بن محمد: ضعيف" [من تكلم فيه الدارقطني لابن زريق (٤٠٦)]
وقال البيهقي: "موسى بن محمد: غير قوي".
قلت: هذا حديث باطل؛ موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي: متروك، منكر الحديث، قال ابن حبان وقد أورد له هذا الحديث في ترجمته: "يروي عن أبيه ما ليس من حديثه، فلست أدري أكان المتعمد لذلك، أو كان فيه غفلة؟ فيأتي بالمناكير عن أبيه والمشاهير على التوهم، وأيما كان فهو ساقط الاحتجاج"، وقد أشار الحاكم إلى أنه لا يُعرف لمحمد بن إبراهيم التيمي سماع من سلمة.
وانظر: تاريخ ابن معين للدوري (٣/ ٢٣١/ ١٠٨١).
* وروى أبو يحيى الحماني [عبد الحميد بن عبد الرحمن: صدوق]، عن أبي سعد،
стр. 6436
ح ورواه يوسف بن عطية الصفار، عن العلاء بن كثير، ح ورواه بشر بن عون: ثنا بكار بن تميم، عن مكحول، عن واثلة بن الأسقع، قال: كان أناس من أصحاب ﷺ يربطون مساويكهم بدوائب سيوفهم، فإذا حضرت الصلاة استاكوا ثم صلوا، وكان أحدهم إذا حضرت الصلاة مع النبي ﷺ ، فكان يأخذ سيفه أو قوسه فيصلي مع النبي ﷺ .
وفي رواية: كنا إذا كنا مع رسول الله ﷺ في المعسكر فأقيمت الصلاة وثبنا إلى قسينا وسيوفنا فصلينا فيها بمنزلة الرداء.
وفي رواية: "السيف والقوس في السفر بمنزلة الرداء".
أخرجه ابن منيع (٢/ ٢٢٩/ ٦٥ - مطالب) و (٣/ ٥٩٠/ ٣٨٠ - مطالب). وابن حبان في المجروحين (١/ ١٩٠)، والبيهقي (٣/ ٢٥٥).
قال البيهقي: "أبو سعد البقال: غير قوي".
قلت: أما الإسناد الأول: ففيه أبو سعد البقال الأعور، سعيد بن المرزبان: ضعيف، مدلس، تركه جماعة من الأئمة، وقال البخاري: "منكر الحديث" [التهذيب (٢/ ٤١)، الميزان (٢/ ١٥٨)].
أما الإسناد الثاني: ففيه العلاء بن كثير الليثي الدمشقي: متروك، منكر الحديث، رماه ابن حبان بالوضع، يروي عن مكحول عن واثلة: مناكير، وقال ابن عدي: "وللعلاء بن كثير عن مكحول عن الصحابة نسخ: كلها غير محفوظة، وهو منكر الحديث" لتهذيب (٣/ ٣٤٨)، الميزان (٣/ ١٠٤)،، والراوي عنه: يوسف بن عطية بن ثابت الصفار البصري: متروك، منكر الحديث، عامة حديثه غير محفوظ [التهذيب (٤/ ٤٥٨)]
وأما الإسناد الثالث: قال أبو حاتم عن حديث بهذا الإسناد: "هذا حديث كذب؛ وبشر وبكار: مجهولان" [علل ابن أبي حاتم (٢/ ٣٨٩/ ٢٦٧٨)]، وقال في حديث آخر بهذا الإسناد: "هذا حديث منكر" [علل ابن أبي حاتم (١/ ٣٨٢/ ١١٤١)]، وقال عنهما في الجرح والتعديل (٢/ ٣٦٢ و ٤٠٨): "مجهولان"، وقال ابن حبان في المجروحين (١/ ١٩٠) (١/ ٢١٦ - ط. الصميعي): "بشر بن عون القرشي الشامي: … روى عن بكار بن تميم عن مكحول عن واثلة نسخة نسبتها مئة حديث كلها موضوعة، لا يجوز الاحتجاج به بحال" [انظر: اللسان (٢/ ٣٠٤ و ٣٢٨)].
وفي الجملة: فهو حديث منكر.
وانظر: ما أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٣) وغيره.
* التبكير والتغليس بصلاة الصبح إذا أراد الإغارة والحرب:
روى حماد بن زيد، عن عبد العزيز بن صهيب، وثابت البناني، عن أنس بن مالك؛ أن رسول الله ﷺ صلى الصبح بغَلَسٍ، ثم ركب، فقال: "الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٧] ".
أخرجه البخاري (٩٤٧)، وغيره.
стр. 6437
وروى إسماعيل بن علية، قال: حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك؛ أن رسول الله ﷺ غزا خيبر، فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس، فركب نبي الله ﷺ وركب أبو طلحة، … فذكر الحديث بطوله.
أخرجه البخاري (٣٧١)، ومسلم (١٣٦٥).
ويأتي تخريجه بطرقه موسعًا إن شاء الله تعالى في موضعه من السنن برقم (٢٩٩٨)، كما يأتي تخريج موضع الشاهد في الإغارة بعد صلاة الصبح في باب: في أي وقت يستحب اللقاء، الحديث رقم (٢٦٥٥).
قال ابن رجب في الفتح (٦/ ٦٣): "والمقصود منه هاهنا: أن النبي ﷺ لما أراد الإغارة على أهل خيبر، ولم يكن عندهم علمٌ من قدوم النبي ﷺ ، بكَّر النبي ﷺ بالصبح، وصلاها بغلس، ثم أغار عليهم.
فيستفاد من ذلك: أنه يستحب لمن أراد الإغارة على المشركين أن يعجل بصلاة الصبح في أول وقتها، ثم يغير بعد ذلك".
* * *
٢٨٩ - باب صلاة الطالب
١٢٤٩ - . . . محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر، عن ابن عبد الله بن أنيس، عن أبيه، قال: بعثني رسولُ الله ﷺ خالد بن سفيان الهذلي، وكان نحو عُرَنةَ وعرفاتٍ، فقال: "اذهب فاقتله"، قال: فرأيته وحضرت صلاة العصر، فقلتُ: إني لأخاف أن يكون بيني وبينه ما إن أُؤَخِّرُ الصلاةَ، فانطلقتُ أمشي وأنا أصلي أُومئ إيماءً نحوه، فلما دنوتُ منه، قال لي: مَن أنتَ؟ قلتُ: رجلٌ من العرب، بلغني أنك تجمع لهذا الرجل، فجئتك في ذاك، قال: إني لفي ذاك، فمشيتُ معه ساعةً حتى إذا أمكنني علوتُه بسيفي حتى بَرَدَ.
* اضطرب في إسناده ابن إسحاق
أخرجه ابن خزيمة (٢/ ٩١/ ٩٨٢) و (٢/ ٩٢/ ٩٨٣) (٢/ ١٧٩/ ٩٨٢ - ط. الميمان) و (٢/ ١٨٠/ ٩٨٣ - ط. الميمان)، وابن حبان (١٦/ ١١٤/ ٧١٦٠)، والضياء في المختارة (٩/ ٢٨/ ١٢ و ١٣)، وأحمد (٣/ ٤٩٦) (٦/ ١٦٢٩٣/٣٤٧٢ - ط. المكنز)، وأبو يعلى (٢/ ٢٠١/ ٩٠٥)، وأبو نعيم في الدلائل (٤٤٥)، والبيهقي (٩/ ٣٨)، وعلقه ابن المنذر (٥/ ٤٣/ ٢٣٦٠).
رواه عن محمد بن إسحاق: إبراهيم بن سعد [وصرح ابن إسحاق في روايته بالتحديث]، وعبد الوارث بن سعيد [واللفظ له].
стр. 6438
ولفظ عبد الوارث بتمامه [عند ابن خزيمة]: بعثني رسول الله ﷺ إلى خالد بن سفيان بن نبيح الهذلي، وبلغه أنه يجمع له وكان بين عُرَنة وعرفات، قال لي: "اذهب فاقتله"، قال، قلت: يا رسول الله! صفه لي، قال: "إذا رأيته أخذتك قشعريرة، لا عليك أن لا أصف لك منه غير هذا"، قال: وكان رجلًا أزَبَّ أَشعَرَ، قال: انطلقت حتى إذا دنوت منه حضرت الصلاة صلاة العصر، قال: قلت: إني لأخاف أن يكون بيني وبينه ما أن أُؤَخِّرَ الصلاة، فصليت وأنا أمشي أومئ إيماء نحوه، ثم انتهيت إليه، فوالله ما عدا أن رأيته اقشَعْرَرْتُ، وإذا هو في ظُعُنٍ له - أي في نسائه -، فمشيت معه، فقال: من أنت؟ قلت: رجل من العرب بلغني أنك تجمع لهذا الرجل، فجئتك في ذاك، فقال: إني لفي ذاك، قال: قلت في نفسي: ستعلم، قال: فمشيت معه ساعة، حتى إذا أمكنني علوته بسيفي حتى برد، ثم قدمت المدينة على رسول الله ﷺ فأخبرته الخبر، فأعطاني مِخْصَرًا - يقول: عصا - فخرجت به من عنده، فقال لي أصحابي: ما هذا الذي أعطاكه رسول الله ﷺ ؟ قال: قلت: مِخْصَرًا، قالوا: وما تصنع به ماذا؟ ألا سألت رسول الله ﷺ لم أعطاك هذا، وما تصنع به؟ عُد إليه، فاسأله، قال: فعدت إلى رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! المخصر أعطيتنيه لماذا؟ قال: "إنه بيني وبينك يوم القيامة، وأقلُّ الناس يومئذ المختصرون"، قال: فعلَّقها في سيفه لا تفارقه، فلم تفارقه ما كان حيًا، فلما حضرته الوفاة أمرنا أن تُدفَنَ معه، قال: فجُعلت والله في كفنه.
ولفظ إبراهيم بن سعد [عند أحمد]: عن ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن ابن عبد الله بن أنيس، عن أبيه، قال: دعاني رسول الله ﷺ فقال: "إنه قد بلغني أن خالد بن سفيان بن نُبَيح الهذلي يجمع لي الناس ليغزوني، وهو بعرفة [وفي بعض النسخ: بعُرَنة]، فأْتِه فاقتله"، قال: قلت: يا رسول الله! انعته لي حتى أعرفه، قال: "إذا رأيته وجدت له اقْشَعْريرة"، قال: فخرجت متوشحًا سيفي حتى وقعتُ عليه، وهو بعُرنة مع ظُعُنٍ يرتاد لهن منزلًا، وحين كان وقت العصر، فلما رأيته وجدت ما وصف لي رسول الله ﷺ من الاقشعريرة فأقبلت نحوه، وخشيت أن يكون بيني وبينه محاولة تشغلني عن الصلاة، فصليت وأنا أمشي نحوه أومئ برأسي الركوع والسجود، فلما انتهيت إليه، قال: مَن الرجل؟ قلت: رجلٌ من العرب سمع بك، وبجمعك لهذا الرجل فجاءك لهذا، قال: أجل أنا في ذلك، قال: فمشيت معه شيئا، حتى إذا أمكنني حملت عليه السيفَ حتى قتلته، ثم خرجت، وتركت ظعائنه مُكِبَّاتٍ عليه، فلما قدمت على رسول الله ﷺ فرآني، فقال: "أفلح الوجه"، قال: قلت: قتلته يا رسول الله، قال: "صدقتَ"، قال: ثم قام معي رسول الله ﷺ فدخل بي بيته فأعطاني عصا، فقال: "أمسك هذه عندك، يا عبد الله بن أنيس! " قال: فخرجت بها على الناس فقالوا: ما هذه العصا؟ قال: قلت: أعطانيها رسول الله ﷺ ، وأمرني أن أمسكها، قالوا: أولا ترجع إلى رسول الله ﷺ فتسأله عن ذلك؟ قال: فرجعت إلى رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! لم أعطيتني هذه العصا؟ قال:
стр. 6439
"آية بيني وبينك يوم القيامة، إنَّ أقلَّ الناس المتخصرون يومئذ"، قال: فقرنها عبد الله بسيفه فلم تزل معه، حتى إذا مات أمر بها فصُبَّتْ [يعني: فضُمَّت] معه في كفنه، ثم دفنا جميعًا.
قال النووي في الخلاصة (٢٦٢٢): "حديث حسن".
وقال ابن كثير في تفسيره (١/ ٦٥٦): "رواه أحمد وأبو داود باسناد جيد".
وقال ابن حجر في الفتح (٢/ ٤٣٧): "إسناده حسن".
* وقد اختلف فيه على ابن إسحاق:
أ - فرواه إبراهيم بن سعد [ثقة حجة، وهو أثبت الناس في ابن إسحاق]،
وعبد الوارث بن سعيد [بصري، ثقة ثبت]:
عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر، عن ابن عبد الله بن أنيس، عن أبيه، قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى خالد بن سفيان الهذلي، … فذكر الحديث.
ب - ورواه محمد بن سلمة [الباهلي الحراني، وهو: ثقة]: عن محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله - يعني: ابن عبد الله بن أنيس -، عن أبيه عبد الله بن أنيس؛ أنه قال: دعاني رسول الله ﷺ ، … فذكره بمثل حديث إبراهيم بن سعد.
أخرجه البيهقي في السنن (٣/ ٢٥٦)، وفي الدلائل (٤/ ٤٢).
بإسناد صحيح إلى أبي جعفر النفيلي عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل الحراني [وهو: ثقة حافظ]: ثنا محمد بن سلمة به.
• وخالفه: محمد بن حميد [الرازي: حافظ ضعيف، كثير المناكير]، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الله بن أنيس به، هكذا مرسلًا.
أخرجه ابن جرير الطبري في التاريخ (٢/ ٢٠٨).
ورواية النفيلي أولى؛ فقد زاد في الإسناد رجلًا، والزيادة من الحافظ مقبولة.
ج - ورواه زياد بن عبد الله البكائي، عن ابن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، قال: قال عبد الله بن أنيس: دعاني رسول الله ﷺ ، فقال: … فذكره.
أخرجه ابن هشام في السيرة (٦/ ٣٠).
هكذا رواه البكائي مرسلًا، بإسقاط ابن عبد الله بن أنيس من الإسناد، وزياد بن عبد الله البكائي: ثقة ثبت في مغازي ابن إسحاق، وفيما عدا المغازي فهو: ليس بالقوي، وهذا الحديث من المغازي، موضوعه سرية عبد الله بن أنيس لقتل خالد بن سفيان بن نبيح الهذلي.
د - ورواه يحيى بن آدم [ثقة ثبت حافظ]، قال: حدثنا ابن إدريس [كوفي، ثقة ثبت]، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن بعض ولد عبد الله بن أنيس، عن آل عبد الله بن أنيس، أن رسول الله ﷺ بعثه إلى خالد بن سفيان بن نبيح الهذلي ليقتله، وكان يجمع لقتال رسول الله ﷺ ، قال: فأتيته بعرفة وهو في ظَهرٍ له، وقد دخل
стр. 6440
وقت العصر، فخفت أن يكون بيني وبينه محاولة تشغلني عن الصلاة، قال: فصليت وأنا أمشي أومئ إيماء، فلما انتهيت إليه قلت كذا وكذا، حتى ذكر الحديث، ثم أتى النبي ﷺ فأخبره بقتله إياه، وذكر الحديث.
أخرجه أحمد (٣/ ٤٩٦) (٦/ ٣٤٧٣/ ١٦٢٩٤ - ط. المكنز).
• ورواه أبو بكر بن أبي شيبة [ثقة حافظ، مصنف]، قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير؛ أن رسول الله ﷺ بعث عبد الله بن أنيس إلى خالد بن سفيان، قال: فلما دنوت منه وذلك في وقت العصر خفت أن يكون دونه محاولة أو مزاولة فصليت وأنا أمشي. هكذا مرسلًا.
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٢٣/ ٨٣٦٣) و (٧/ ٣٤٩/ ٣٦٦٣٦).
هكذا اختلف الثقات في إسناد هذا الحديث على ابن إسحاق، والذي يظهر لي أن ابن إسحاق قد اضطرب فيه، وحدث أصحابه به مرة موصولًا، ومرة مرسلًا، ومرة بإبهام الواسطة، ومرة بتعيينها، وعبيد الله بن عبد الله بن أنيس: لم أقف له على ترجمة.
* وله طريق أخرى:
يرويها مصعب بن إبراهيم بن حمزة الزبيري [شيخ للطحاوي والعقيلي والطبراني، وأكثر عنه الأخير، وقال ابن الجزري: "ضابط محقق، قرأ على قالون، وله عنه نسخة، وهو من جلة أصحابه"، ولا تثبت روايته عن مالك. غاية النهاية (٢/ ٢٩٩)، المعجم الأوسط للطبراني (٩/ ٧٦/ ٩١٧٤)، توضيح المشتبه (٤/ ٢٨٠)، مجمع الزوائد (٥/ ١١٧)، مغاني الأخيار (٣/ ٩١١)]: حدثني أبي [ليس به بأس. التهذيب (١/ ٦٣)]:
وتابع إبراهيم بن حمزة الزبيري: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني [ثقة]، ويعقوب بن حميد [هو: ابن كاسب المدني، نزيل مكة: حافظ له مناكير وغرائب، وأسند مراسيل. انظر: التهذيب (٤/ ٤٤٠)، الميزان (٤/ ٤٥٠)، وانظر الأحاديث المتقدمة برقم (٢ و ٣٩ و ١٩٣ و ٤٩٧ و ٥٠٢ و ٥٠٤ و ٥١٨ و ٥٢٠ و ٥٣١ و ٥٣٨ و ٥٥٨ و ٥٦٨)]:
ثلاثتهم: عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن كعب القرظي، قال: قال عبد الله بن أنيس: قال رسول الله ﷺ : "مَن لي مِن خالد بن نُبَيح"، رجل من هذيل، وهو يومئذ بعرفة، قال عبد الله: فقلت: أنا يا رسول الله! انعته لي، فقال: "لو رأيتَه هِبتَه"، فقلت: والذي أكرمك! ما هبتُ شيئًا قط، فخرجتُ حتى لقيتُه بجبال عرفة قبل أن تغيب الشمس، فلقيته فرُعِبتُ منه، فعرفت حين رعبت منه الذي قال النبي ﷺ ، فقال: مَن الرجل؟ فقلت: باغي حاجة، فهل من مبيت؟ قال: نعم، فالحق بي، قال: فخرجت في أثره، فصليت العصر ركعتين خفيفتين، ثم خرجت وأشفقت أن يراني، ثم لحقته فضربته بالسيف، ثم غشيت الجبل، وكَمَنت حتى إذا ذهب الناس خرجت [وفي رواية: ثم خرجت حتى غشيت الجبل فمكثت فيه، حتى إذا هدأ الناس عني خرجت]، حتى قدمت على رسول ال ﷺ المدينة، فأخبرته الخبر.
стр. 6441
قال محمد بن كعب: فأعطاه النبي ﷺ مخصرة، فقال: "تخصَّر بهذه حتى تلقاني بها يوم القيامة، وأقلُّ الناس يومئذ المتخصِّرون"، قال محمد بن كعب: فلما توفي عبد الله بن أنيس أمر بها فوُضعت على بطنه، وكُفِّن عليها ودُفنت معه.
أخرجه الفاكهي في أخبار مكة (٥/ ٢٧٢٧/١٠)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٤/ ٧٧/ ٢٠٣١)، والطبراني في الكبير (١٤/ ٢٨٣/ ١٤٩١٨)، ومن طريقه: الضياء في المختارة (٩/ ٢٧/ ١١)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٥)، وفي تاريخ أصبهان (١/ ٢٣١).
وهذا إسناد مدني، رجاله ثقات، والأقرب أنه منقطع؛ فإن كانت وفاة محمد بن كعب القرظي سنة عشرين ومائة، وولادته سنة أربعين [على ما رجح ابن حجر في التقريب (٧١٢)]، فإنه يكون قد أدرك أربعة عشر عامًا من حياة عبد الله بن أنيس الجهني، والذي توفي سنة أربع وخمسين [على ما رجح ابن حجر في التقريب (٣٨٥)]، ولا يُعرف لمحمد بن كعب القرظي سماعًا من عبد الله بن أنيس، وقد قال البخاري في ترجمة القرظي من التاريخ الكبير (١/ ٢١٦): "سمع ابن عباس وزيد بن أرقم"، وقد توفي ابن عباس سنة (٦٨)، وتوفي زيد بن أرقم سنة (٦٦) أو (٦٨)؛ يعني: بعد وفاة عبد الله بن أنيس بما لا يقل عن اثني عشر عامًا، كما أن ظاهر هذه الرواية الإرسال حيث قال محمد بن كعب: قال عبد الله بن أنيس، وإن كانت رواية ابن أبي عمر العدني بالعنعنة، فلعلها من تصرف الرواة، والله أعلم.
وموضع الشاهد في رواية محمد بن كعب القرظي: فصليت العصر ركعتين خفيفتين، وهذا يخالف في ظاهره رواية ابن إسحاق، حيث قال: فصليت وأنا أمشي نحوه أومئ برأسي الركوع والسجود، ورواية القرظي عندي أقرب إلى الصواب؛ لموافقتها الأصول، بخلاف رواية ابن إسحاق، ثم إن رواية القرظي: أثبت رجالًا، ولعدم الاضطراب فيها على الدراوردي، بينما رواية ابن إسحاق مضطربة، ولو قلنا بعدم الاضطراب، ففي سندها مبهم، ولو قلنا بتعيينه؛ فهو: مجهول، ولو قلنا بإسقاطه؛ فهو مرسل.
• وروى علي بن ثابت الجزري [صدوق]، عن الوازع بن نافع، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله، عن عبد الله بن أنيس، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن لسفيان الهذلي؛ يهجوني ويشتمني ويؤذيني؟! " … فذكر الحديث، لكن بما يشبه قصة قتل أبي رافع عبد الله بن أبي الحقيق [راجع صحيح البخاري (٤٠٣٨ و ٤٠٣٩)].
أخرجه الطبراني في الكبير (١٤/ ٢٧٩/ ١٤٩١٥).
قلت: هذا حديث باطل؛ الوازع بن نافع العقيلي الجزري: متروك، منكر الحديث، عامة ما يرويه غير محفوظ، بل روى أحاديث موضوعة [اللسان (٨/ ٣٦٧)].
• وله طرق أخرى لا تخلو من مقال، وليس فيها موضع الشاهد من صلاته في هذه السرية: أخرجها ابن شبة في تاريخ المدينة (٢/ ٤٦٨)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٤/ ٧٨/ ٢٠٣٢) و (٥/ ٢٠/ ٢٥٥٧)، وفي الزهد (٩٥)، وأبو يعلى (٢/ ٢٠٣/ ٩٠٦)،
стр. 6442
والطبراني في الكبير (١٤/ ٢٩٩/ ١٤٩٣٤)، والبيهقي في الدلائل (٤/ ٤٠ و ٤١)، والضياء في المختارة (٩/ ٣١/ ١٥).
وقصة بعث عبد الله بن أنيس سرية وحده لقتل خالد بن سفيان بن نبيح الهذلي أمر مستفيض عند أهل المغازي والسير، يتناقله العلماء بلا نكير، وهو ثابت بمجموع الأسانيد، وإن كان في كل منها مقال؛ لكنها مما يقوي بعضها بعضًا في إثبات الواقعة، في الجملة، مع التوقف عن إثبات بعض ما وقع فيها، مثل مسألة حز الرؤوس، أو أنه جاء برأسه إلى رسول الله ﷺ ؛ فإن أسانيدها معضلة، أو شديدة الضعف [انظر: تاريخ المدينة لابن شبة (٢/ ٤٦٨)، المغازي للواقدي (٢/ ٥٣١)]، والله أعلم.
• ومما روي في الصلاة على الدواب:
ما رواه ابن المبارك، والوليد بن مسلم:
عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثه عن مكحول؛ أن شرحبيل بن حسنة أغار على شماسة، وذلك في وجه الصبح، قال: صلوا على ظهر دوابكم، فمر برجل قائم يصلي بالأرض، قال: ما هذا يخالف؟ خالف الله به! فإذا هو الأشتر [قال ابن عساكر: وكان الأشتر ممن سعى في الفتنة، وألَّب على عثمان وشهد حصره].
أخرجه ابن المبارك في الجهاد (٢٥٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٦/ ٣٨٠).
وهذا إسناد منقطع، مكحول لم يسمع من شرحبيل بن حسنة، يُدخل بينهما رجلٌ، وبقية رجاله ثقات سمع بعضهم من بعض [انظر: التاريخ الكبير (٥/ ٣٦٥)، الأم (٧/ ٣٣٤)، تحفة التحصيل (٣١٤)].
• وقد روي نحو هذا من وجوه متعددة، منها ما هو مرسل، ومنها ما ضعفه ظاهر، وبعضها في قصة الأشتر النخعي، فمنهم من جعلها مقطوعة على ثابت بن السمط، ومنهم من جعلها مقطوعة على شرحبيل بن السمط.
أخرجها ابن المبارك في الجهاد (٢٤٦ و ٢٤٧)، وابن أبي شيبة (١٣/ ٢٢/ ٨٢٧٠)، وأبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام وأهله (٣/ ١١٢/ ٤٦٠) و (٣/ ١١٣/ ٤٦١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٨/ ٨٦).
° بوب لها البخاري بقوله: "باب صلاة الطالب والمطلوب راكبًا وإيماءً، ثم ذكر قول الأوزاعي لما ذُكر له صلاة شرحبيل بن السمط وأصحابه على ظهر الدابة، فقال: "كذلك الأمر عندنا إذا تخوَّف الفوت، ولم يسند فيه إلا حديث ابن عمر [البخاري (٩٤٦ و ٤١١٩)، مسلم (١٧٧٠)] مرفوعًا: "لا يُصلِّيَنَّ أحدٌ العصر إلا في بني قريظة".
رواه جويرية بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال النبي ﷺ لنا لما رجع من الأحزاب: "لا يُصلِّيَنَّ أحدٌ العصر إلا في بني قريظة"، فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يُرِد منا ذلك، فذُكر ذلك للنبي ﷺ ، فلم يعنف واحدًا منهم.
стр. 6443
• فائدة تتعلق بحديث ابن عمر:
قال ابن رجب في الفتح (٦/ ٦٢): "والاستدلال بهذا الحديث على تأخير الصلاة للاشتغال بالحرب؛ استدلال ضعيف، وكذلك الاستدلال به على تأخير الصلاة لطالب العدو؛ فإن يوم ذهابهم إلى بني قريظة لم تكن هناك حرب تُشغِل عن صلاةٍ، ولا كانوا يخافون فوات العصر ببني قريظة بالاشتغال بالصلاة بالكلية، وإنما وقع التنازع بين الصحابة في صلاة العصر في الطريق، التفاتًا إلى لفظ النبي ﷺ ، وإلى معنى كلامه ومراده ومقصوده:
فمنهم من تمسك بظاهر اللفظ، ورأى أنه لا ينبغي أن يصلي العصر إلا في بني قريظة؛ وإن فات وقتها، وتكون هذه الصلاةُ مخصوصة من عموم أحاديث المواقيت بخصوص هذا النص، وهو النهي عن الصلاة إلا في بني قريظة.
ومنهم من نظر إلى المعنى، وقال: لم يرِد النبي ﷺ ذلك، وإنما أراد منا تعجيل الذهاب إلى بني قريظة في بقية النهار، ولم يرِد تأخير الصلاة عن وقتها، ولا غيَّر وقتَ صلاة العصر في هذا اليوم، بل هو باقٍ على ما كان عليه في سائر الأيام.
وهذا هو الأظهر، والله أعلم.
ولا دلالة في ذلك على أن كل مجتهدٍ مصيبٌ، بل فيه دلالة على أن المجتهد سواء أصاب أو أخطأ فإنه غير ملوم على اجتهاده، بل إن أصاب كان له أجران، وإن أخطأ فخطؤه موضوع عنه، وله أجر على اجتهاده.
ومن استدل بالحديث على أن تارك الصلاة عمدًا يقضي بعد الوقت فقد وهم؛ فإن من أخَّر الصلاة في ذلك كان باجتهاد سائغ، فهو في معنى النائم والناسي، وأولى؛ فإن التأخير بالتأويل السائغ أولى بأن يكون صاحبه معذورًا".
• قال ابن المنذر (٥/ ٤٢): "كل من أحفظ عنه من أهل العلم يقول: إن المطلوب يصلي على دابته، كذلك قال عطاء بن أبي رباح، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وأبو ثور".
• وأما عددها: فذهب ابن عمر وإبراهيم النخعي والزهري والثوري والشافعي ومالك إلى أنه يومئ بركعتين [راجع قول ابن عمر تحت الحديث رقم (١٢٤٣)، ومنها مثلًا: ما رواه عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، قال: إذا أظلتهم الأعداء فقد حلَّ لهم أن يصلوا قِبَل أي جهة كانوا رجالًا أو ركبانًا، ركعتين يومون إيماءً، ذكره الزهري عن سالم عن ابن عمر، هكذا موقوفًا عليه قوله، وصح مرفوعًا، فيما أخرجه البخاري (٩٤٣) من طريق: موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ : "وإن كانوا أكثر من ذلك، فليصلوا قيامًا وركبانًا"، وله طرق أخرى ذكرتها هناك].
وذهب الحسن البصري وقتادة وطاووس ومجاهد وعطاء والحكم وحماد بن أبي سليمان إلى أنه يومئ بركعة، أينما كان وجهه، ماشيًا كان أو راكبًا [الجهاد لابن المبارك
стр. 6444
(٢٤٨ - ٢٥١ و ٢٥٦)، مصنف عبد الرزاق (٢/ ٤٢٥٩/٥١٤ - ٤٢٦٢) و (٢/ ٥١٥/ ٤٢٦٥ و ٤٢٦٦)، سنن سعيد بن منصور (٢/ ٢٤١/ ٢٥١٤)، مصنف ابن أبي شيبة (٢/ ٢١٢ و ٢١٣/ ٨٢٦١ - ٨٢٧٠)، جامع البيان لابن جرير الطبري (٤/ ٣٨٨ - ٣٩٠)، الأوسط لابن المنذر (٥/ ٢٨)].
والصحيح أنه لابد فيها من القراءة، كما قال أحمد وغيره [نظر: مسائل الكوسج (٣٧٤)، الأوسط (٥/ ٤٦)].
° قال البخاري: "باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو.
وقال الأوزاعي: إن كان تهيأ الفتح ولم يقدروا على الصلاة صلوا إيماءً كل امرئ لنفسه، فإن لم يقدروا على الإيماء أخروا الصلاة حتى ينكشف القتال أو يأمنوا، فيصلوا ركعتين، فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين، فإن لم يقدروا لا يجزئهم التكبير، ويؤخروها حتى يأمنوا، وبه قال مكحول.
وقال أنس بن مالك: حضرت عند مناهضة حصن تُستَر عند إضاءة الفجر، واشتد اشتعال القتال، فلم يقدروا على الصلاة، فلم نصل إلا بعد ارتفاع النهار، فصليناها ونحن مع أبي موسى ففتح لنا، وقال أنس بن مالك: وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها".
قلت: أثر أنس؛ رواه همام بن يحيى، وسعيد بن أبي عروبة [وعنه: يزيد بن زريع؛ ثقة ثبت، من أثبت أصحاب ابن أبي عروبة، وممن روى عنه قبل الاختلاط]:
عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: شهدت فتح تستر مع أبي موسى الأشعري، فلم يصل صلاة الصبح حتى انتصف النهار، قال أنس: وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها. لفظ همام. قال خليفة: وذلك سنة عشرين.
أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٧/ ٣٣٨٢٢)، وخليفة بن خياط في تاريخه (١٤٦)، [وانظر: الفتح لابن رجب (٦/ ٥٥ - ٥٦)، التوضيح (٨/ ٣٥)، تغليق التعليق (٢/ ٣٧٢)].
قلت: هو موقوف بإسناد صحيح، وكان ذلك في عهد عمر، مع توافر الصحابة، وشهودهم تلك الواقعة، فلم ينقل أن أحدًا من الصحابة أنكر ذلك، ولا أن عمر أنكره.
• ثم احتج البخاري بحديث جابر:
الذي رواه هشام الدستوائي، وعلي بن المبارك، وشيبان بن عبد الرحمن:
عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله، قال: جاء عمر [بن الخطاب] يوم الخندق [بعدما غربت الشمس] [وفي رواية: وذلك بعدما أفطر الصائم]، فجعل يسبُ كفار قريش، ويقول: يا رسول الله! ما صليت العصر حتى كادت الشمس أن تغيب، فقال النبي ﷺ : "وأنا والله ما صليتها بعدُ" قال: فنزل إلى بُطحان، فتوضأ وصلى العصر بعد ما غابت الشمس، ثم صلى المغرب بعدها.
أخرجه البخاري (٥٩٦ و ٥٩٨ و ٦٤١ و ٩٤٥ و ٤١١٢)، ومسلم (٦٣١)، وأبو عوانة (١/ ٢٩٨/ ١٠٥١ - ١٠٥٣)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ٢٢٩/ ١٤٠٥) و (٢/
стр. 6445
٢٣٠/ ١٤٠٦)، والترمذي (١٨٠)، وقال: "حسن صحيح"، والنسائي في المجتبى (٣/ ٨٤/ ١٣٦٦)، وفي الكبرى (٢/ ١٠٩/ ١٢٩١)، وابن خزيمة (٢/ ٩٨/ ٩٩٥)، وابن حبان (٧/ ١٤٦/ ٢٨٨٩)، وابن أبي شيبة (١/ ٤١٣/ ٤٧٥٥)، وأبو بكر الباغندي في ستة مجالس من أماليه (٨١)، وأبو العباس السراج في مسنده (٥٤٨ - ٥٥٠ و ١٥٩٤ - ١٥٩٦)، وأبو طاهر المخلص في الرابع من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (٤٩) (٦٦٤ - المخلصيات)، وأبو نعيم في الإمامة (٢٧)، وابن بشران في الأمالي (١٢٦٣)، والبيهقي في السنن (٢/ ٢١٩)، وفي الدلائل (٣/ ٤٤٤)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٣/ ١٣٣)، والخطيب في الموضح (٢/ ٥٣٠)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٢/ ٢٤٣/ ٣٩٦)، وقال: "هذا حديث متفق على صحته". والجوزقاني في الأباطيل (١/ ٣١٠/ ١٥٧)، وقال: "هذا حديث صحيح، اتفق البخاري ومسلم على إخراجه في الصحيحين".
• وفي معناه أيضًا: ما رواه هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة السلماني، عن علي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال يوم الخندق: "ملأ الله عليهم بيوتهم نارًا، كما شغلونا عن صلاة الوسطى، حتى غابت الشمس" [وهي صلاة العصر].
أخرجه البخاري (٤١١١ و ٦٣٩٦)، ومسلم (٦٢٧)، وقد تقدم تخريجه بطرقه وشواهده في فضل الرحيم (٥/ ٧٠/ ٤٥٩).
قال ابن حبان: "ذكر الإباحة للمرء عند اشتداد الخوف أن يؤخر الصلاة إلى أن يفرغ من قتاله".
وقال ابن بطال في شرحه على البخاري (٢/ ٥٤١): "وأما الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو: فهى صلاة حال المسايفة والقتال، التي تقدم ذكرها في باب صلاة الخوف رجالًا وركبانًا، وحديث جابر في هذا الباب هو حجة الأوزاعى ومكحول أنه من لم يقدر على الإيماء أخر الصلاة حتى يصليها كاملةً، ولا يجزئ عنهم تسبيح ولا تهليل؛ لأن رسول الله ﷺ قد أخرها يوم الخندق، وإن كان ذلك قبل نزول صلاة الخوف، فإن فيه من الاستدلال أن الله تعالى لم يعب تأخيره لها لما كان فيه من شغل الحرب، فكذلك الحال التي هي أشد من ذلك، إلا أنه استدلال ضعيف من أجل أن سنة صلاة الخوف لم تكن نزلت قبل ذلك".
وقال ابن رجب في الفتح (٦/ ٥٧): "وقال كثير من العلماء: إنه نسخ بصلاة الخوف" [وانظر: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٢/ ٣٤٤)].
ومن جعل التأخير يوم الخندق محكمًا غير منسوخ بصلاة الخوف [مثل البخاري وغيره]، فيمكن الجمع بينهما بأنه مخير حال شدة الخوف بين التأخير وبين الصلاة بالإيماء، كما يقوله الإمام أحمد في رواية عنه [الفتح لابن رجب (٦/ ٥٨)].
ويشهد له أثر أنس في فتح تستر، أو يقال: من لم يقدر على الإيماء، أخرها حتى يصليها كاملة، والله أعلم.
следующие страницы →