Полный текст (16 465 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
تابعه:
أ- حماد بن سلمة [عند النسائي (٧/ ٣٠٩/ ٤٦٦٨)، والطحاوي (٤/ ٥٨)، والدارقطني (٣/ ٧٣)، والبيهقي (٦/ ٦)].
ب- خير بن نعيم [عند الدارقطني (٣/ ٧٢)].
ج- عمر بن زيد الصنعاني [عند البخاري في التاريخ الكبير (٦/ ١٥٧)، وأبي داود (٣٤٨٠) و (٣٨٠٧)، وأحمد (٣/ ٢٩٧)، والبيهقي (٦/ ١٠)].
د- الحسن بن أبي جعفر [عند الدارقطني (٣/ ٧٣)].
هـ- ابن لهيعة [عند أحمد (٣/ ٣٣٩ و ٣٤٩ و ٣٨٦)، والطحاوي (٤/ ٥٢ و ٥٣)].
ورواه أبو سفيان عن جابر [عند أبي داود (٣٤٧٩)، والترمذي (١٢٧٩)، وأبي عوانة (٥٢٧١ و ٥٢٧٢)، والحاكم (٢/ ٣٩)، وابن الجارود (٥٨٠)، وابن أبي شيبة (٧/ ٢٩٦)، وأبي يعلى (٢٢٧٥)، والطحاوي في شرح المعاني (٤/ ٥٢)، وفي المشكل (٧/ ٨٠) و (١٢/ ٧٣)، والعقيلي (٢/ ٢٢٠)، والطبراني في الأوسط (٣٢٠١)، والدارقطني (٣/ ٧٢)، والبيهقي (٦/ ١١)].
١٠ - حديث: "لعن الله من وسمه" [عند مسلم (٢١١٧)، وابن حبان (٥٦٢٨)، والبيهقي (٧/ ٣٥)].
تابعه:
أ- ابن جريج [عند مسلم (٢١١٦)].
ب- سفيان الثوري [عند البخاري في الأدب المفرد (١٧٥)، وأبي داود (٢٥٦٤)، وأحمد (٣/ ٣٢٣)، وعبد الرزاق (٨٤٥١)، وأبي يعلى (٢١٤٨)، والبيهقي (٧/ ٣٥)].
ج- حماد بن سلمة [عند ابن حبان (٥٦٢٧)، وأبي يعلى (٢٠٩٩)].
د- زكريا بن إسحاق [عند ابن حبان (٥٦٢٦)].
هـ- ابن لهيعة [عند ابن عدي في الكامل (٤/ ١٤٦)].
وله طرق أخرى عن جابر [عند أحمد (٣/ ٢٩٦)، وعبد الرزاق (٨٤٥٠)].
١١ - حديث: "لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة … " [عند مسلم (٢١٧٨)، والبيهقي (٣/ ٢٣٣)].
تابعه:
فقط ابن لهيعة [عند أحمد (٣/ ٣٤٢)].
وله طريق أخرى عن جابر [عند أحمد (٣/ ٢٩٥)، والشافعي في المسند (٦٩)، وعبد الرزاق (٥٥٩١)].
١٢ - حديث: "أن أم مالك كانت تهدي للنبي ﷺ في عكةٍ لها سمنًا … " [عند مسلم (٢٢٨٠)].
تابعه:
стр. 702
ابن لهيعة فقط [عند أحمد (٣/ ٣٤٠ و ٣٤٧)].
١٣ - حديث: "أن رجلًا أتى النبي ﷺ يستطعمه، فأطعمه شطر وسق شعير … " [عند مسلم (٢٢٨١)].
تابعه:
ابن لهيعة وحده [عند أحمد (٣/ ٣٣٧ و ٣٤٧)].
١٤ - حديث: "أسلم سالمها الله" [عند مسلم (٢٥١٥)].
تابعه:
أ- ابن جريج [عند مسلم (٢٥١٥)، وأحمد (٣/ ٣٨٣)].
ب- ابن لهيعة [عند أحمد (٣/ ٣٤٥)].
وله طرق أخرى عن جابر [عند الطيالسي (١٧٦٦)، وأحمد في علل الحديث ومعرفة الرجال (٢٥٨)، وأبي نعيم في الحلية (٧/ ٣١٦)].
١٥ - حديث: "يبعث الشيطان سراياه … " [عند مسلم (٢٨١٣)].
تابعه:
أ- ابن جريج [عند أحمد (٣/ ٣٨٤)].
ب- سفيان الثوري [عند أحمد (٣/ ٣٣٢ و ٣٦٦)، والسري بن يحيى في حديث الثوري (٨)، وأبي يعلى (٢١٥٣)، وأبي نعيم في الحلية (٧/ ٩٢)].
لم يروه ابن لهيعة فيما وقفت عليه على عجالة.
وله طرق كثيرة عن جابر [عند مسلم (٢٨١٣)، وابن حبان (٦١٨٧)، وأحمد (٣/ ٣١٤ و ٣٥٤)، وعبد بن حميد (١٠٣٣)، وأبي يعلى (١٩٠٩)، والطبراني في مسند الشاميين (١٠١٦) و (٢٧٤٦)، والأوسط (٤١٢٧)].
١٦ - حديث: "لا يُدخِل أحدًا منكم عملُه الجنة … " [عند مسلم (٢٨١٧)].
تابعه:
ابن لهيعة وحده [عند أحمد (٣/ ٣٩٤)].
ورواه أبو سفيان عن جابر [عند مسلم (٢٨١٧)، وأحمد (٣/ ٣٣٧ و ٣٦٢)].
١٧ - حديث: "إذا أحدكم أعجبته المرأة، فوقعت في قلبه … " [عند مسلم (١٤٠٣)، وأبي نعيم في المستخرج (٣٢٤٤)].
تابعه.
أ- هشام الدستوائي [عند مسلم (١٤٠٣)، وأبي نعيم في المستخرج (٣٢٤٢)، وأبي داود (٢١٥١)، والترمذي (١١٥٨)، والنسائي في الكبرى (٩٠٧٢)، وابن حبان (٥٥٧٢)، وعبد بن حميد (١٠٦١)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ٥٠/ ١٣٢)، وفي الأوسط (٢٣٨٥)، والبيهقي (٧/ ٩٠)].
стр. 703
ب- حرب بن أبي العالية [عند مسلم (١٤٠٣)، وأبي نعيم في المستخرج (٣٢٤٣)، وأحمد (٣/ ٣٣٠)].
ج- موسى بن عقبة [عند أحمد (٣/ ٣٩٥)].
د- ابن لهيعة بلفظ مختلف [عند أحمد (٣/ ٣٤١ و ٣٤٨)، والطبراني في الأوسط (٩٠٧٣)].
• نعود بعد ذلك إلى رواية أبي سفيان: فنذكر نصها، ومن أخرجها:
رواه الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: رأى عمر بن الخطاب ﵁ رجلًا يتوضأ فبقي في رجله لمعة، فقال: أعد الوضوء. هكذا موقوفًا.
أخرجه من طرق عن الأعمش: ابن أبي شيبة (١/ ٤٦/ ٤٥٤)، وأبو يعلى (٤/ ٢٠٣ ٢٣١٢)، والبيهقي في السنن (١/ ٨٤)، وفي الخلافيات (٢٦٣).
• ولهذا الموقوف طرق عن عمر منها:
١ - ما رواه إسماعيل بن علية، وسفيان الثوري، ومعمر بن راشد:
عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة: أن عمر بن الخطاب رأى رجلًا قد ترك على ظهر قدمه مثل الظفر، فأمره أن يعيد وضوءه وصلاته.
أخرجه عبد الرزاق (١/ ٣٦/ ١١٨)، وابن أبي شيبة (١/ ٤٥/ ٤٤٧)، وابن جرير الطبري (٤/ ٤٦٧/ ١١٤٥٨)، والبيهقي في الخلافيات (٢٦٤).
وهذا موقوف على عمر بإسناد منقطع، رجاله ثقات، وأبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي: لم يدرك عمر [تهذيب الكمال (١٤/ ٥٤٢)، المحلى (٢/ ٧١)].
٢ - ورواه هشيم، عن حجاج وعبد الملك (ح) ورواه عبد الرحيم بن سليمان، عن حجاج وحده:
كلاهما عن عطاء، عن عبيد بن عمير الليثي: أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى رجلًا وبظهر قدمه لمعة لم يصبها الماء، فقال له عمر: أبهذا الوضوء تحضر الصلاة؟ فقال: يا أمير المؤمنين البرد شديد، وما معي ما يدفئني، فرَقَّ له بعد ما همَّ به؛ فقال له: اغسل ما تركت من قدمك، وأعد الصلاة، وأمر له بخميصة.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٤٥/ ٤٤٦)، والدارقطني (١/ ١٠٩ و ١١٠)، والبيهقي في السنن (١/ ٨٤)، وفي الخلافيات (٢٦٦).
عبيد بن عمير الليثي: مجمع على ثقته، وُلِد على عهد النبي ﷺ ، وروايته عن عمر عند البخاري، وفي التاريخ الكبير (٥/ ٤٥٥): "سمع عمر، … ، سمع منه عطاء".
وعطاء: هو ابن أبي رباح: ثقة فقيه فاضل.
وحجاج: هو ابن أرطاة؛ صدوق كثير الخطأ والتدليس [التقريب (٢٢٢)]، ولم يذكر سماعًا.
стр. 704
وعبد الملك: هو ابن أبي سليمان العرزمي: صدوق؛ بل ثقة مشهور، معروف بالرواية عن عطاء.
ورواية هشيم عن عبد الملك في صحيح مسلم.
فهو إسناد صحيح إلى عمر موقوف عليه؛ إلا أنه دال على تفريق الوضوء؛ فقد استدل به البيهقي على تفريق الوضوء، فقال: "وقد روي عن عمر ما دل على أن أمره بالوضوء كان على طريق الاستحباب، وإنما الواجب غسل تلك اللمعة فقط … "، وقال نحوه في الخلافيات، وقال: "إسناده جيد".
• وقد وجدت للمرفوع طريقين آخرين إلا أنهما ضعيفان:
الأول: يرويه قراد أبو نوح، عن شعبة، عن إسماعيل بن مسلم، عن أبي المتوكل، قال: توضأ عمر، وبقي على بعض رجله قطعة لم يصبها الماء، فأمره رسول الله ﷺ أن يعيد الوضوء.
ذكره ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٥٤/ ١٣٤).
قال أبو حاتم: "أبو المتوكل لم يسمع من عمر، وإسماعيل هذا: ليس به بأس".
وأسنده البيهقي في الخلافيات (٢٦٢)، وقال: "وهذا منقطع".
قلت: إسماعيل هذا هو العبدي أبو محمد البصري: ثقة، وقراد: لقب، واسمه: عبد الرحمن بن غزوان: وهو ثقة أيضًا، فالسند رجاله ثقات إلا أنه منقطع، وهي متابعة جيدة لطريق أبي الزبير عن جابر.
تنبيه: وقع عند البيهقي: "توضأ ابن عمر"، وهو خطأ: إنما هو عمر.
الثاني: يرويه المغيرة بن سقلاب الحراني، عن الوازع بن نافع العقيلي، عن سالم، عن ابن عمر، عن عمر، عن أبي بكر [وفي رواية: عن أبي بكر وعمر]، قال: كنت جالسًا عند النبي ﷺ فجاء رجل قد توضأ، وبقي على ظهر قدمه مثل ظفر إبهامه لم يمسه الماء، فقال له النبي ﷺ : "ارجع فأتم وضوءك"، ففعل.
أخرجه أبو عوانة (١/ ٢١٣/ ٦٩٤)، والعقيلي في الضعفاء (٤/ ١٨٢)، وابن أبي حاتم في العلل (١/ ٦٧)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٣٥٩) و (٧/ ٩٦)، والدارقطني في السنن (١/ ١٠٩)، وفي الأفراد (٢ - أطرافه)، وابن شاهين في الناسخ (١٢٨)، والرافعي في التدوين (٤/ ١٤٨).
قال العقيلي بعد أن أخرجه في ترجمة المغيرة: "ولا يتابعه إلا من هو نحوه".
وقال أبو حاتم: "هذا حديث باطل بهذا الإسناد، ووازع بن نافع: ضعيف الحديث".
وقال ابن عدي: "ولا أعلم رواه عن الوازع بهذا الإسناد غير مغيرة هذا".
وقال الدارقطني في السنن: "الوازع بن نافع: ضعيف الحديث"، وقال في الأفراد: "غريب من حديث سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن جده عن أبي بكر، تفرد به الوازع بن نافع عنه، وتفرد به المغيرة بن سقلاب عن الوازع" [أطرافه (١/ ٣٣/ ٢)].
стр. 705
فهو حديث باطل، كما قال أبو حاتم، تفرد به عن سالم: الوازع بن نافع، وهو: متروك، منكر الحديث، روى أحاديث موضوعة [انظر: اللسان (٦/ ٢٥٩)]، وتفرد به عن الوازع: المغيرة بن سقلاب، وهو: ضعيف [انظر: اللسان (٦/ ٩١)].
وقد أخرجه من طريق المغيرة أيضًا لكن سقط من إسناده ذكر عمر بن الخطاب: الطبراني في الأوسط (٢/ ٣٥٦/ ٢٢١٩)، وفي الصغير (١/ ٣٨/ ٢٧).
وقال: "لا يروى عن أبي بكر الصديق إلا بهذا الإسناد تفرد به المغيرة بن سقلاب".
***
١٧٤ - قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل: حدثنا حماد: أخبرنا يونس وحميد، عن الحسن، عن النبي ﷺ ، بمعنى قتادة.
• مرسل صحيح الإسناد.
أخرجه من طريق أبي داود هكذا: البيهقي (١/ ٨٣).
ورواه ابن أبي شيبة (١/ ٤٥/ ٤٤٥)، قال: حدثنا ابن علية، عن يونس، عن الحسن: أن النبي ﷺ رأى رجلًا ترك من قدمه موضع ظفر، فقال له رسول الله ﷺ : "أحسن وضوءك".
قال يونس: فكان الحسن يغسل ذلك المكان.
فهذا مرسل صحيح الإسناد.
وهو شاهد جيد لحديث عمر بن الخطاب المرفوع بطريقيه؛ طريق أبي الزبير عن جابر، وطريق أبي المتوكل الناجي.
***
١٧٥ - قال أبو داود: حدثنا حيوة بن شريح: حدثنا بقية، عن بحير - هو ابن سعد -، عن خالد، عن بعض أصحاب النبي ﷺ : أن النبي ﷺ رأى رجلًا يصلي، وفى ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره النبي ﷺ أن يعيد الوضوء والصلاة.
• إسناده جيد.
من طريق أبي داود: أخرجه البيهقي في السنن (١/ ٨٣)، وفي الخلافيات (٢٦١).
وأخرجه أحمد (٣/ ٤٢٤)، قال: حدثنا إبراهيم بن أبي العباس: حدثنا بقية: حدثنا بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن بعض أصحاب النبي ﷺ . . . فذكر الحديث، وفيه: أن يعيد الوضوء، ولم يذكر الصلاة.
ومن طريق أحمد: أخرجه ابن الجوزي في التحقيق (١/ ١٦٤/ ١٥٨).
стр. 706
وعزاه للحاكم في المستدرك: ابن دقيق العيد في الإمام (٢/ ١١)، وتبعه: ابن التركماني في الجوهر النقي بحاشية سنن البيهقي (١/ ٨٣)، وابن حجر في التلخيص (١/ ١٦٧)، على أن فيه: تصريح بقية بالتحديث.
قال ابن الملقن في البدر المنير (٢/ ٢٤٠): "لعله وهم من الناسخ [يعني: ما وقع في الإمام من عزوه للحاكم في مستدركه، وقد تبعه عليه الآخرون]، فإن هذا الحديث ليس له ذكر فيه [يعني: في المستدرك]، وإنما صوابه: في المسند -يعني: لأحمد بن حنبل- فإنه أخرجه كذلك فيه" إلى أن قال: "وقد تبع الشيخ في هذا الغلط إمامان من جلة شيوخنا الحفاظ، فإياك والتقليد".
• وقد أعل هذا الحديث بعلتين:
الأولى: أن في إسناده بقية بن الوليد وفيه مقال [انظر: المحلى (٢/ ٧١)، الأحكام الوسطى (١/ ١٨٤)، مختصر السنن للمنذري (١/ ١٢٨)].
وأجاب عنها ابن القيم في تهذيب السنن (١/ ١٢٨ - ١٢٩) بقوله: "فإن بقية: ثقة في نفسه، صدوق حافظ، وإنما نقم عليه التدليس، مع كثرة روايته عن الضعفاء والمجهولين، وأما إذا صرح بالسماع فهو حجة، وقد صرح في هذا الحديث بسماعه له".
وقال ابن دقيق العيد في الإمام (٢/ ١١): "في المستدرك [صوابه: في المسند، كما تقدم بيانه] من طريق بقية: "حدثنا بحير"، فعلى هذا يسلم من تهمة التدليس من بقية في روايته عن بحير".
وما قالاه حق، فإنه ثقة إذا صرح بالسماع، وقد قال: حدثنا بحير بن سعد، فانتفت شبهة تدليسه.
والعلة الثانية: الإرسال.
قال ابن حزم في المحلى (٢/ ٧١): "وفي السند من لا يدرى من هو".
وقال البيهقي: "وهو مرسل".
وأعله بالإرسال أيضًا ابن القطان الفاسي في بيان الوهم (٢/ ٥٩٥).
وذلك لكون الصحابي لم يسم.
قال ابن القيم في التهذيب: "وأما العلة الثانية: فباطلة أيضًا على أصل ابن حزم وأصل سائر أهل الحديث، فإن عندهم جهالة الصحابي لا تقدح في الحديث، لثبوت عدالة جميعهم".
• وقد سأل الأثرمُ الإمامَ أحمد عن هذا الحديث بعينه فقال الأثرم: "هذا إسناد جيد؟ قال: نعم، قلت لأبي عبد الله: إذا قال رجل من التابعين: حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ ، ولم يسمه؛ فالحديث صحيح؟ قال: نعم" [بيان الوهم (٢/ ٦١١)، الإمام (٢/ ١١)، المغني (١/ ٩١)، نصب الراية (١/ ٣٥ - ٣٦)، البدر المنير (٢/ ٢٣٩)، التلخيص (١/ ١٦٧)، فتح الباري لابن رجب (١/ ٢٩١)، وجعل هذا الحديث من أجود ما روي في الباب مرفوعًا في الأمر بإعادة الوضوء].
стр. 707
قلت: فلعل رواية الأثرم كان فيها: "عن خالد بن معدان: حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ " فيه يصح الحديث، وإلا فإن خالد بن معدان: كثير الإرسال، وقد سمع جماعة من الصحابة.
وقال ابن عبد الهادي في شرح العلل (١٠٨): "وجهالة الصحابة لا تضر، وإسناد هذا الحديث جيد، وراوية بقية عن بحير صحيحة، سواء صرح بالتحديث أم لا، مع أنه قد صرح في هذا الحديث بالتحديث".
• وبهذا الحديث يحتج على عدم جواز تفرقة الوضوء ووجوب الموالاة لأمره ﷺ الرجل بإعادة الوضوء والصلاة، وهذا محمول على طول الفصل عرفًا، ويحتمل الجفاف.
وأما قول النووي في المجموع (١/ ٤٨١) بأن: "حديث خالد … ضعيف الإسناد، وحديث عمر: لا دلالة له فيه، والأثر عن عمر روايتان: إحداهما للاستحباب، والأخرى للجواز".
فيجاب عنه: بأن حديث خالد بن معدان: جوّد إسناده الإمام أحمد، وكفى به حجة في الحكم عليه، فقد أغنانا عن البحث والنظر والتفتيش.
وأما حديث عمر: "ارجع فأحسن وضوءك" وأثره الصحيح: "اغسل ما تركت من قدمك"، فيحملان على فتواه الصحيحة بالأمر بإعادة الوضوء.
وأيًّا كان فإنه طالما ثبت لدينا الحديث مرفوعًا إلى النبي ﷺ بالأمر بإعادة الوضوء؛ وجب العمل بما دل عليه من وجوب الموالاة، واطراح ما عدا ذلك.
• واحتج من قال بتفريق الوضوء بفعل ابن عمر الثابت عنه: الذي رواه مالك، عن نافع: أن ابن عمر بال في السوق، ثم توضأ فغسل وجهه ويديه ومسح برأسه، ثم دعي لجنازة ليصلي عليها حين دخل المسجد، فمسح على خفيه، ثم صلى عليها.
وفي رواية: فمسح على خفيه بعد ما جف وضوؤه وصلى.
رواه مالك في الموطأ (١/ ٧٨/ ٨١)، وعنه: الشافعي في الأم (١/ ٣١)، والمسند (١٦)، ومن طريقه: ابن المنذر في الأوسط (١/ ٤٢١/ ٤٣١)، والبيهقي في السنن (١/ ٨٤)، وفي المعرفة (١/ ١٨٢/ ٩٩)، وفي الخلافيات (٢٦٥)، وابن حجر في التغليق (٢/ ١٥٧).
وإسناده صحيح كالشمس مسلسل بالأئمة، وصححه ابن المنذر والبيهقي وابن حجر.
ولكنا في مثل هذا نتأول فعل الصحابي، ولا نتأول له حديث رسول الله ﷺ .
راجع: فتح الباري لابن رجب (١/ ٢٨٩)، فتح الباري لابن حجر (١/ ٤٤٦)، الأوسط لابن المنذر (١/ ٤٢٠)، الدراية (١/ ٢٩)، التلخيص (١/ ١٦٥)، الكافي الشافي (١/ ٥٩٩).
• هذا حكم تفريق الوضوء أنه لا يجوز، والواجب الموالاة، فإن طال الفصل عرفًا وجب الاستئناف.
وأما تفريق الغسل: فسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى عند الحديث رقم (٢٥٦).
***
стр. 708
٦٧ - باب إذا شك في الحدث
١٧٦ - . . . سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وعباد بن تميم، عن عمه، قال: شُكي إلى النبي ﷺ الرجل يجد الشيء في الصلاة حتى يخيَّل إليه؟ فقال: "لا ينفتلُ حتى يسمعَ صوتًا، أو يجدَ ريحًا".
• متفق عليه.
أخرجه البخاري (١٣٧ و ١٧٧ و ٢٠٥٦)، ومسلم (٣٦١)، وأبو عوانة (١/ ٢٠١ و ٢٢٤/ ٦٥٠ و ٦٥١ و ٧٤٢)، وأبو نعيم في مستخرجه (١/ ٣٩٨/ ٧٩٦)، والنسائي (١/ ٩٩/ ١٦٠)، وابن ماجه (٥١٣)، وابن خزيمة (١/ ١٧/ ٢٥) و (٢/ ١٠٨/ ١٠١٨)، وابن الجارود (٣)، والشافعي في السنن (١/ ٢٦٣/ ١٥٣)، وفي الأم (١/ ١٧)، وفي المسند (١١)، وأحمد (٤/ ٤٠)، والحميدي (٤١٣)، وابن أبي شيبة (٢/ ١٨٩/ ٧٩٩٥)، وابن المنذر (١/ ١٣٧ و ٢٤١/ ٢٨ و ١٤٨)، والطحاوي في المشكل (١٣/ ٩٧/ ٥١٠٠)، والبيهقي في السنن (١/ ١١٤ و ١٦١) و (٢/ ٢٥٤) و (٧/ ٣٦٤)، وفي الخلافيات (٢/ ١١٤ و ٣٦٢ و ٤٤٩/ ٣٨٥ و ٣٨٦ و ٦٧٢ و ٧٩٧)، وابن عبد البر (٥/ ٢٨)، والبغوي في شرح السُّنَّة (١/ ٢٧٠/ ١٧٢).
وفي بعض روايات الصحيح وغيره: "لا ينصرف".
وهذا الحديث مشهور عن سفيان بن عيينة، وروايته هي المحفوظة عن الزهري.
• قال البخاري بعد الحديث رقم (٢٠٥٦): "وقال ابن أبي حفصة عن الزهري: "لا وضوء إلا فيما وجدت الريح، أو سمعت الصوت".
وهذا وصله: أحمد (٤/ ٣٩)، ويعقوب بن سفيان الفسوي في المعرفة والتاريخ (١/ ١٩٢)، وأبو العباس السراج في مسنده [ذكره في الفتح (٤/ ٣٤٦)]. ومن طريقه: ابن حجر في التغليق (٣/ ٢١٢).
من طريق محمد بن أبي حفصة، قال: حدثنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وعباد بن تميم، عن عمه: أن رسول الله ﷺ قال: … فذكره.
وهو شاذ بهذا اللفظ، فإن سفيان بن عيينة: حافظ، من الطبقة الأولى من أصحاب الزهري الثقات الذين لازموه، وهو من المقدمين فيه، وممن قدمه في الزهري مطلقًا بعد مالك: أحمد ويحيى القطان، وعليه فإن حديثه مقدم بلا شك على حديث ابن أبي حفصة، وهو: صالح الحديث، دون ابن عيينة في الحفظ والإتقان، وطول الصحبة للزهري بمراتب، وقد جعله يحيى بن سعيد القطان في مرتبة صالح بن أبي الأخضر، وابن أبي الأخضر في المرتبة الثالثة من أصحاب الزهري الذين لازموه ولكن تكلم في حفظهم [راجع: شرح العلل (٢/ ٦١٣ و ٦١٤)، التهذيب (٧/ ١١٤)، الميزان (٣/ ٥٢٥)].
стр. 709
قال ابن حجر في الفتح (٤/ ٣٤٦): "اختصر ابن أبي حفصة هذا المتن اختصارًا مجحفًا، فإن لفظه يعم ما إذا وقع الشك داخل الصلاة وخارجها، ورواية غيره من أثبات أصحاب الزهري تقتضي تخصيص ذلك بمن كان داخل الصلاة، ووجهه أن خروج الريح من المصلي هو الذي يقع له غالبًا بخلاف غيره من النواقض فإنه لا يهجم عليه إلا نادرًا، وليس المراد حصر نقض الوضوء بوجود الريح".
• وانظر بقية الأوهام في هذا الإسناد على الزهري:
١ - علل ابن أبي حاتم (١/ ١٧٥/ ٥٠١).
٢ - سنن ابن ماجه (٥١٤)، العلل ومعرفة الرجال (٣/ ٣٦٣/ ٥٥٩٧)، الطهور لأبي عبيد (٤٠٣)، ضعفاء العقيلي (٢/ ٣٤٨)، علل الدارقطني (٤/ ٣٦٦).
٣ - المعجم الأوسط للطبراني (١/ ١٧٤/ ٥٥٠).
• مع ملاحظة أن المحفوظ في هذا الإسناد عن الزهري:
عن سعيد بن المسيب، عن النبي ﷺ مرسلًا. وعن عباد بن تميم، عن عمه، عن النبي ﷺ .
وانظر: علل الدارقطني (٤/ ٣٦٧).
***
١٧٧ - . . . سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كان أحدكم في الصلاة فوجد حركةً في دُبُره: أحْدَث أو لم يحدِث؟ فأشكل عليه: فلا ينصرفْ حتى يسمعَ صوتًا أو يجدَ ريحًا".
• حديث صحيح.
أخرجه مسلم (٣٦٢)، وأبو عوانة (١/ ٢٢٤/ ٧٤١)، وأبو نعيم في المستخرج (١/ ٣٩٨/ ٧٩٧)، والترمذي (٧٥)، وقال: "حسن صحيح". والدارمي (١/ ١٩٨/ ٧٢١)، وابن خزيمة (٢٤ و ٢٨)، وأحمد (٢/ ٤١٤)، والبزار (١٦/ ٣١/ ٩٠٦٤)، وابن المنذر (١/ ٢٤٢/ ١٤٩)، وابن حزم في المحلى (٢/ ٧٩)، والبيهقي (١/ ١١٧ و ١٦١) و (٢/ ٢٥٤)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٢٠٢/ ٢٢٩).
ولفظه عند مسلم: "إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا فأشكل عليه: أخرج منه شيء أم لا؟ فلا يخرحنَّ من المسجد حتى يسمعَ صوتًا أو يجدَ ريحًا".
هكذا رواه عن سهيل عامة أصحابه الثقات: جرير بن عبد الحميد، وحماد بن سلمة، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، وخالد بن عبد الله الواسطي، وزهير بن معاوية، وعلي بن عاصم، وغيرهم.
وخالفهم شعبة بن الحجاج: فرواه عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي
стр. 710
هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "لا وضوء إلا من صوت أو ريح"، هكذا اختصره شعبة.
أخرجه الترمذي (٧٤)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه على الترمذي (٦٣ و ٦٤)، وابن ماجه (٥١٥)، وابن خزيمة (٢٧)، وابن الجارود (٢)، وأحمد (٢/ ٤١٠ و ٤٣٥ و ٤٧١)، والطيالسي (٢٥٤٤)، وأبو عبيد في الطهور (٤٠٤) [وتصحف عنده شعبة إلى سعيد]. وابن أبي شيبة (٢/ ١٩٠/ ٧٩٩٧)، ومحمد بن يحيى المروزي في زياداته على الطهور (٤٠٥)، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (١٥٨٣)، وتمام في الفوائد (٢٠٣ و ١٤٨٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١١٧ و ٢٢٠)، وفي الخلافيات (٢/ ١١٥ و ٣١٣ و ٣١٤ و ٣٦٢/ ٣٨٧ و ٦٠٢ و ٦٠٣ و ٦٧٣).
قال الترمذي: "حسن صحيح".
وقال البيهقي: "هذا حديث ثابت"، وقال مرة أخرى: "وهو صحيح ثابت".
وقال ابن الصلاح: "إسناد حسن ثابت" [البدر المنير (٢/ ٤١٩)].
وقال ابن الملقن في البدر المنير (٢/ ٤١٩): "صحيح".
لكن قال أبو حاتم: "هذا وهم اختصر شعبة متن هذا الحديث فقال: "لا وضوء إلا من صوت أو ريح" ورواه أصحاب سهيل عن سهيل … " فذكره [العلل (١/ ٤٧/ ١٠٧)].
وقال ابن خزيمة: "باب ذكر خبر روي مختصرًا عن رسول الله ﷺ أوهم عالمًا ممن لم يميز بين الخبر المختصر والخبر المتقصي: أن الوضوء لا يجب إلا من الحدث الذي له صوت أو رائحة" ثم أسند حديث شعبة هذا، ثم قال: "باب ذكر الخبر المتقصي للفظة المختصرة التي ذكرتها، والدليل على أن النبي ﷺ إنما أعلم أن لا وضوء إلا من صوت أو ريح عند مسألة سئل عنها في الرجل يخيل إليه أنه قد خرجت منه ريح فيشك في خروج الريح، وكانت هذه المقالة عنه ﷺ : "لا وضوء إلا من صوت أو ريح" جوابًا عما سئل عنه فقط، لا ابتداء كلام، مسقطًا بهذه المسألة إيجاب الوضوء من غير الريح التي لها صوت أو رائحة، إذ لو كان هذا القول منه ﷺ ابتداء من غير أن تقدمته مسألة كانت هذه المقالة تنفي إيجاب الوضوء من البول والنوم والمذي، إذ قد يكون البول لا صوت له ولا ريح، وكذلك النوم والمذي لا صوت لهما ولا ريح، وكذلك الودي" ثم أسند حديث سهيل الذي رواه الجماعة.
وقال البيهقي: "وهذا مختصر"، يعني: من حديث الجماعة عن سهيل.
وقال ابن دقيق العيد في الإمام (٢/ ٢٦٧): "وإسناده على شرط مسلم، وهو - والله أعلم- حديث مختصر بالمعنى من حديث أطول منه أخرجه مسلم من حديث جرير عن سهيل … ".
ويمكن إيراد كلام ابن حجر المتقدم على حديث ابن أبي حفصة عن الزهري، في هذا الموضع أيضًا.
وبعد هذا البيان الشافي من هؤلاء الأئمة، مع اتحاد مخرج الحديث، ومخالفة شعبة
стр. 711
لجماعة الثقات، فلا معنى إذًا لما قال ابن التركماني في الجوهر النقي: "وفي كلام البيهقي نظر، إذ لو كان الحديث الأول مختصرًا من الثاني لكان موجودًا في الثاني مع زيادة، وعموم الحصر المذكور في الأول ليس في الثاني، بل هما حديثان مختلفان" [وقد تبعه على ذلك: ابن الملقن في البدر المنير (٢/ ٤٢٠)].
فيقال له: بل هما حديث واحد، وحديث شعبة موجود في حديث الجماعة فإن قوله ﷺ : "فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا" يعني: أنه لا يخرج من الصلاة فيتوضأ إلا إذا تيقن الحدث بسماع صوت أو وجدان ريح، وهذا يمكن اختصاره، فتقول: لا وضوء يلزم المصلي إلا من صوت أو ريح.
وبهذا البيان يظهر ضعف حجة الشوكاني في النيل (١/ ٢٤٤)، حيث قال: "شعبة إمام حافظ، واسع الرواية، وقد روى هذا اللفظ بهذه الصيغة المشتملة على الحصر، ودينه وإمامته ومعرفته بلسان العرب يردَّ ما ذكر أبو حاتم".
وأما قول الدارقطني في العلل: "كان شعبة يخطئ في أسماء الرجال كثيرًا لتشاغله بحفظ المتون".
فهذا حق، وهو لا يعني كونه لم يخطئ أبدًا في المتون، وخطؤه هنا في المتن ظاهر جلي.
• وانظر فيمن وهم فيه على شعبة:
١ - معجم أبي يعلى (٢٠)، تاريخ بغداد (٣/ ٤١٣)، الميزان (٤/ ٦٣).
٢ - المعجم الأوسط للطبراني (٧/ ٨٥ - ٨٦/ ٦٩٢٩)، تاريخ أصبهان (٢/ ٢٨٣).
• وانظر فيمن وهم فيه على سهيل:
المعجم الأوسط للطبراني (٢/ ١٥٧/ ١٥٦٥).
• ولحديث أبي هريرة أسانيد أخرى لا تخلو من مقال، انظر: المسند (٢/ ٣٣٠)، الطهور (٤٠٢)، المعجم الأوسط للطبراني (٢/ ٣٠٨/ ٢٠٦٤)، طبقات المحدثين (٤/ ٢٣).
• وقد روى الحديث بنحو لفظ شعبة من حديث السائب بن خباب، وله طريقان:
الأول: يرويه إسماعيل بن عياش، عن عبد العزيز بن عبيد الله، عن محمد بن عمرو بن عطاء، قال: رأيت السائب بن خباب يشم ثيابه، فقلت له: لم ذاك يرحمك الله؟ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا وضوء إلا من ريح أو سماع".
أخرجه ابن ماجه (٥١٦)، وابن أبي شيبة (٢/ ١٩٠/ ٧٩٩٨)، والحارث بن أبي أسامة (١/ ٢٢١/ ٨٦ - زوائده)، وابن قانع في المعجم (١/ ٢٩٨)، والطبراني في الكبير (٧/ ١٤٠/ ٦٦٢٢)، وفي مسند الشاميين (٢/ ٢٨٦/ ١٣٥٤)، وأبو نعيم في المعرفة (٣/ ١٣٧١/ ٣٤٦٠)، والمزي في التهذيب (١٠/ ١٨٥).
وإسناده واهي: عبد العزيز بن عبيد الله بن حمزة بن صهيب الحمصي: ضعفوه، وتركه النسائي، وقال الدارقطني: "متروك"، لم يرو عنه سوى إسماعيل بن عياش [انظر: التهذيب (٥/ ٢٥٠)، الميزان (٢/ ٦٣٢) وقال: "واهٍ"].
стр. 712
الثاني: يرويه ابن لهيعة، عن محمد بن عبد الله بن مالك: أن محمد بن عمرو بن عطاء حدثه، قال: رأيت السائب يشم ثوبه … فذكره.
أخرجه أحمد (٣/ ٤٢٦)، وأبو عبيد في الطهور (٤٠٦).
وإسناده ضعيف أيضًا: ابن لهيعة: ضعيف، ومحمد بن عبد الله بن مالك الداري المدني: روى عنه ابن لهيعة وعطاف بن خالد، وذكره ابن حبان في الثقات؛ فهو ليس بالمشهور [التاريخ الكبير (١/ ١٢٧)، الجرح والتعديل (٧/ ٣٠٤)، الثقات (٥/ ٣٦١)، التعجيل (٩٤٥)].
فالحديث لا يصح بهذا اللفظ بوجه من الوجوه.
• تنبيه: وقع في سنن ابن ماجه: "رأيت السائب بن يزيد"، وهو وهم بلا شك إما من ابن ماجه أو من النساخ، وإنما هو السائب بن خباب [انظر: تحفة الأشراف (٣/ ٢٦٠)، النكت الظراف، الإطراف بأوهام الأطراف (١٢٩)، التهذيب (٣/ ٢٥٨)].
والسائب بن خباب: قد اختلف في صحبته أيضًا [انظر: التاريخ الكبير (٤/ ١٥١)، الجرح والتعديل (٤/ ٢٤٠)، الثقات (٤/ ٣٢٧)، مشاهير علماء الأمصار (٥٥٤)، الطبقات الكبرى (٥/ ٨٨)، الاستيعاب (١٠٦٥)، أسد الغابة (٢/ ٣٩٠)، الإصابة (٣/ ٢٠)، الإنابة (١/ ٢٤٢)، التهذيب (٣/ ٢٥٧)، إكمال مغلطاي (٥/ ١٩٨)، وغيرها].
• قال البغوي في شرح السُّنَّة (١/ ٣٥٤): "وقوله: "حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا" معناه: حتى يتيقن الحدث، لا أن سماع الصوت أو وجود الريح شرط، فإنه قد يكون أصم لا يسمع الصوت، ويكون أخشم لا يجد الريح، وينتقض طهره إذا تيقن الحدث.
قال: في الحديث دليل على أن الريح الخارجة من أحد السبيلين يوجب الوضوء.
قال أصحاب الرأي: خروج الريح من القبل لا يوجب الوضوء ....
وفي الحديث دليل على: أن اليقين لا يزول بالشك في شيء من أمر الشرع، وهو قول عامة أهل العلم، فمن تيقن الطهارة وشك في الحدث جاز له أن يصلي، ولو تيقن في الحدث وشك في الطهارة لم يجز له أن يصلي حتى يتوضأ، ولو شك في نكاح امرأة لم تحل له، ولو تيقن النكاح وشك في الطلاق كان على النكاح".
وانظر: الأوسط لابن المنذر (١/ ٢٤١).
• وفي الباب أيضًا:
عن أبي سعيد، وابن عباس، وفي حديث أبي سعيد زيادة: "إذا جاء أحدَكم الشيطانُ فقال: إنك قد أحدثت، فليقل في نفسه: كذبت" [عند ابن حبان (٢٦٦٦)].
فهل هذا ثابت من السُّنَّة أن يقول عند الوسوسة في نفسه "إنك كذبت"، يخاطب الشيطان؟
فنقول وبالله التوفيق:
١ - حديث أبي سعيد هذا يرويه: يحيى بن أبي كثير، عن عياض بن هلال -وقيل:
стр. 713
هلال بن عياض-، عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا صلى أحدكم: فلم يدر زاد أم نقص؛ فليسجد سجدتين وهو قاعد، فإذا أتاه الشيطان فقال: إنك قد أحدثت، فليقل [في نفسه] كذبت، إلا ما وجد ريحًا بأنفه، أو صوتًا بأذنه".
أخرج موضع الشاهد منه في الوسوسة والشك في الطهارة:
أبو داود (١٠٢٩)، وابن خزيمة (٢٩)، وابن حبان (٦/ ٣٨٨ و ٣٨٩/ ٢٦٦٥ و ٢٦٦٦)، والحاكم (١/ ١٣٤ و ١٣٥ و ٣٢٤)، وأحمد (٣/ ١٢ و ٣٧ و ٥٠ و ٥١ و ٥٣ و ٥٤)، وعبد الرزاق (١/ ١٤٠/ ٥٣٣) و (٢/ ٣٠٤/ ٣٤٦٣)، وابن أبي شيبة (٢/ ١٩٠/ ٧٩٩٦)، وأبو يعلى (٢/ ٣٧٦ و ٤٣٦/ ١١٤١ و ١٢٤١)، وابن الأعرابي في المعجم (٢/ ٧١٦/ ١٤٥٢)، وابن بشران في الأمالي (١٣٦٣)، والخطيب في الموضح (٢/ ٣٤٤).
وانظر تخريج الشق الأول منه في الشك في الصلاة: تخريج أحاديث السهو في الصلاة ص (٣٢).
وهذا إسناد ضعيف، لجهالة عياض بن هلال؛ بل هو حديث منكر بهذه الزيادة.
فقد روى حديث الشك في الصلاة: أبو نضرة وعطاء بن يسار عن أبي سعيد، فلم يذكرا في حديثهما حديث الشك في الطهارة مما يدل على أنه غير محفوظ.
ومما يدل على قلة ضبط عياض بن هلال هذا أنه خالف عطاء بن يسار في متنه فاختصره ولم يأت به على الوجه [انظر: تخريج أحاديث السهو ص (٣٣)].
ولعياض هذا حديث آخر في النهي عن التكشف والكلام عند قضاء الحاجة: اضطرب في متنه حتى قال فيه ابن القطان الفاسي: "واضطرابه دليل سوء حال راويه وقلة تحصيله، فكيف وهو من لا يعرف؟! " [بيان الوهم (٥/ ٢٥٩ - ٢٦٠)، وانظر الحديث المتقدم برقم (١٥)، وانظر هناك الكلام في تحقيق اسمه ونسبه].
• ولحديث أبي سعيد هذا إسناد آخر بلفظ آخر:
يرويه حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ قال: "إن الشيطان يأتي أحدكم وهو في صلاته، فيأخذ شعرة من دبره فيمدها، فيرى أنه قد أحدث؛ فلا ينصرفنَّ حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا".
أخرجه أحمد (٣/ ٩٦)، والحارث بن أبي أسامة (١/ ٢٢٠/ ٨٤ - زوائده)، وأبو يعلى (٢/ ٤٤٣/ ١٢٤٩)، وابن عدي (٥/ ١٩٩).
وعلي بن زيد، هو: ابن جدعان: ضعيف، وفي تفرده بهذا الحديث بهذا اللفظ عن سعيد بن المسيب: نكارة ظاهرة.
والمحفوظ ما رواه الزهري عن سعيد بن المسيب مرسلًا، وهو الحديث المتقدم برقم (١٧٦).
٢ - وأما حديث ابن عباس: فروي عنه مرفوعًا وموقوفًا، ورجح أبو حاتم الموقوف، وهو أصح:
стр. 714
وله ألفاظ منها: ثور بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: "يأتي أحدَكم الشيطانُ في صلاته حتى ينفخ في مقعدته، فيخيل إليه أنه قد أحدث ولم يحدث، فإذا وجد ذلك أحدكم، فلا ينصرفنَّ حتى يسمع صوتًا بأذنه، أو يجد ريحًا بأنفه".
أخرجه البزار (١/ ١٤٧/ ٢٨١ - كشف الأستار) [الأحكام الشرعية الكبري (١/ ٤٢٠)].
وأخرجه من طريق ثور أيضًا وقد اختلف فيه عليه: أبو إسحاق الحربي في غريب الحديث (٢/ ٥٢٥)، وأبو محمد الفاكهي في فوائده (٥٩)، والطبراني في الكبير (١١/ ١٧٧/ ١١٥٥٦)، وابن بشران في الأمالي (١١٦)، والبيهقي (٢/ ٢٥٤).
وانظر: علل ابن أبي حاتم: (١/ ٢٣٨/٨٩)، فقد رجح الموقوف.
ورفعه أيضًا عن عكرمة: خالد الحذاء [والإسناد إليه لا يصح]، وهشام بن حسان: أخرجه أبو عبيد في الطهور (٤١٠)، والطبراني في الكبير (١١/ ٣٤١/ ١١٩٤٨).
• وممن رواه عن عكرمة به موقوفًا:
أبو إسحاق سليمان بن أبي سليمان الشيباني، وخالد الحذاء، والجعد [كذا عند أبي عبيد، وما أدري من هو؟ ولعله الجعد بن دينار أبو عثمان] [وهم: ثقات]:
رووه عن عكرمة، عن ابن عباس به موقوفًا.
أخرجه أبو عبيد في الطهور (٤١١)، وابن أبي شيبة (٢/ ١٩٠/ ٨٠٠١ و ٨٠٠٣) [وفي إسناده تصحيف].
ورواه سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفًا.
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٨٠٠٧/١٩١)، بإسناد صحيح إلى سعيد به، والموقوف أصح، والله أعلم.
***
٦٨ - باب الوضوء من القبلة
١٧٨ - . . . سفيان، عن أبي روق، عن إبراهيم التيمي، عن عائشة: أن النبي ﷺ قبَّلها، ولم يتوضأ.
قال أبو داود: كذا رواه الفريابي وغيره.
قال أبو داود: وهو مرسل؛ إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة شيئًا.
قال أبو داود: مات إبراهيم التيمي لم يبلغ أربعين سنة، وكان يكنى أبا أسماء.
• حديث غريب، وفي سنده إنقطاع، والمحفوظ عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يقبلها وهو صائم أخرجه النسائي (١/ ١٠٤/ ١٧٠)، وأحمد (٦/ ٢١٠)، وعبد الرزاق (١/ ١٣٥/ ٥١١)، وابن أبي شيبة (١/ ٤٨/ ٤٨٩)، والدارقطني (١/ ١٣٩ - ١٤٠ و ١٤١)، والبيهقي في
стр. 715
السنن (١/ ١٢٦ - ١٢٧)، وفي الخلافيات (٢/ ١٧٠ و ١٧١/ ٤٣٩ و ٤٤٠)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ١٧٤/ ١٧١).
ولفظه عند النسائي من رواية يحيى بن سعيد القطان: أن النبي ﷺ كان يقبِّل بعض أزواجه ثم يصلي، ولا يتوضأ.
ولفظه عند أحمد من طريق وكيع: أن النبي ﷺ قبَّل ثم صلى ولم يتوضأ، وله ألفاظ أخرى.
هكذا رواه الجماعة من أصحاب سفيان الثوري الثقات المقدمين فيه: يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ووكيع بن الجراح، وقبيصة بن عقبة، وعبد الرزاق، وأبو عاصم الضحاك بن مخلد، وغندر محمد بن جعفر، ومحمد بن يوسف الفريابي، وغيرهم.
خالفهم: معاوية بن هشام [وهو صدوق له أوهام، وليس بالثبت في الثوري، حاله قريب من قبيصة والفريابي، فكيف وقد تفرد بهذه المخالفة دون أصحاب الثوري الثقات. انظر: التهذيب (٨/ ٢٥٢)، الميزان (٤/ ١٣٨)، شرح العلل (٢/ ٧٢٢)] فرواه عن سفيان الثوري، عن أبي روق، عن إبراهيم التيمى، عن أبيه، عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يقبِّلها وهو صائم.
كذا رواه عن معاوية: عثمان بن أبي شيبة.
أخرجه الدارقطني (١/ ١٤١)، ومن طريقه: البيهقي في الخلافيات (٢/ ١٧٥/ ٤٤٥).
قال الدارقطني [ونقله عنه البيهقي في الخلافيات (٢/ ١٧٤)]: "وقد روى هذا الحديث: معاوية بن هشام، عن الثوري، عن أبي روق، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن عائشة، فوصل إسناده، واختلف عنه في لفظه، فقال عثمان بن أبي شيبة عنه بهذا الإسناد: أن النبي ﷺ كان يقبل وهو صائم، وقال عنه غير عثمان: إن النبي ﷺ كان يقبل ولا يتوضأ، والله أعلم" [وانظر: المعرفة للبيهقي (١/ ٢١٧)].
وقال الدارقطني في العلل (١٥/ ١٤٧/ ٣٩٠٥) في رواية ابن أبي شيبة عن معاوية: "فأتى بالصواب عن عائشة".
وعليه فالمحفوظ: رواية الحفاظ عن الثوري: مرسل.
• وتابع الثوري عليه:
١ - مندل بن علي [ضعيف]، رواه عن أبي روق، عن إبراهيم التيمي، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ ينال مني القبلة بعد الوضوء، ثم لا يعيد الوضوء.
أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٤/ ١٠٨/ ٩٦٣٧).
٢ - ورواه بنحوه أبو حنيفة النعمان بن ثابت [ضعيف في الحديث، مع إمامته في الفقه والدين]، عن أبي روق، عن إبراهيم بن يزيد، عن حفصة زوج النبي ﷺ ، عن رسول الله ﷺ . . . الحديث.
стр. 716
أخرجه أبو نعيم في مسند أبي حنيفة (٢٠٦ - ٢٠٧) و (٢٧٥)، والدارقطني (١/ ١٤١)، ومن طريقه: البيهقي في الخلافيات (٢/ ١٧٥/ ٤٤٤).
كذا قال أبو حنيفة فأخطأ، والمحفوظ: ما قال الثوري: عن عائشة.
قال الدارقطني في السنن: "لم يروه عن إبراهيم التيمي غير أبي روق: عطية بن الحارث، ولا نعلم حدث به عنه غير الثوري وأبي حنيفة، واختلف فيه، فأسنده الثوري عن عائشة، وأسنده أبو حنيفة عن حفصة: كلاهما أرسله، وإبراهيم التيمي: لم يسمع من عائشة، ولا من حفصة، ولا أدرك زمانهما".
وقال في العلل (١٥/ ١٤٧/ ٣٩٠٥): "والحديث مرسل، وقول الثوري أثبت من قول أبي حنيفة".
ونقل البيهقي كلامه الأول في الخلافيات (٢/ ٤٤٣/١٧٤)، وأسند أيضًا قول أبي داود [الخلافيات (٢/ ١٧١/ ٤٤١)]: "إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة، وهو مرسل".
ثم قال: "أخبرنا أبو عبد الله الحافظ [يعني: الحاكم] عقب حديث أبي روق: هذا إسناد لا تقوم عليه الحجة؛ فإنه مرسل، لم يسمع إبراهيم التيمي من عائشة ولم يرها، وأبو روق: فيه نظر".
وقال الترمذي في الجامع (١/ ١٣٨) بعد الحديث رقم (٨٦): "وقد روي عن إبراهيم التيمي عن عائشة: أن النبي ﷺ قبلها ولم يتوضأ".
وهذا لا يصح أيضًا، ولا نعرف لإبراهيم التيمي سماعًا من عائشة".
وقال النسائي: "ليس في هذا الباب حديث أحسن من هذا الحديث، وإن كان مرسلًا".
وقال ابن حزم في المحلى (١/ ٢٤٥): "وهذا حديث لا يصح؛ لأن راويه أبو روق، وهو ضعيف".
وقال البيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٢٧): "فهذا مرسل؛ إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة، قاله أبو داود السجستاني وغيره، وأبو روق: ليس بقوي، ضعفه يحيى بن معين وغيره، … ".
وقال في المعرفة (١/ ٢١٧): "وهذا مرسل، إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة، قاله أبو داود وغيره من الحفاظ، وأبو روق: ليس بالقوي، ضعفه يحيى بن معين وغيره".
وقال في الخلافيات (٢/ ١٧١) عقب هذا الحديث: "وهذا أيضًا فاسد من وجهين:
أحدهما: أنه مرسل؛ إبراهيم التيمي لم يلق عائشة، … [ثم أسند قول أبي داود والحاكم، ثم قال:]
والآخر: أن أبا روق عطية بن الحارث هذا: لا تقوم به الحجة، … [ثم أسند قول ابن معين من رواية الدوري: "أبو روق: ليس بثقة"، … ثم أسند كلام الدارقطني المتقدم] ".
стр. 717
وقال ابن عبد البر في الاستذكار (١/ ٣٢٤): "وهو مرسل لا خلاف فيه؛ لأنه لم يسمع إبراهيم التيمي من عائشة"، وقال: "ولم يروه أيضًا غير أبي روق، وليس فيما انفرد به حجة".
• وبعد استعراض كلام الأئمة في هذا الحديث يظهر لنا أن فيه علتين:
الأولى: الانقطاع بين إبراهيم التيمي وعائشة، وهذا ظاهر من التأريخ، فإنه إذا كان لم يبلغ الأربعين، كما قال أبو داود، فتكون ولادته على أقصى تقدير: سنة (٥٢) على القول بأن وفاته كانت سنة (٩٢)، وعائشة ﵂ توفيت سنة (٥٧)، كما صححه ابن حجر في التقريب (١٣٦٤)، فيكون له حينئذٍ من العمر: خمس سنوات، وهو كوفي، وعائشة كانت بالمدينة.
الثانية: تفرد أبي روق عطية بن الحارث به عن التيمي.
وأما تعليل الحديث بتليين أبي روق، فلا مستند له صحيح؛ فقد قال فيه أبو حاتم - مع تشدده في الرجال-: "صدوق"، وقال النسائي -وهو معروف بالتشدد أيضًا-: "ليس به بأس"، وقال أحمد بن حنبل -في رواية ابنه عنه-: "ليس به بأس"، وقال في رواية أبي داود عنه: "مقارب الحديث، ثقة"، فهي تفسر التي قبلها، يعني: أنه في حديثه يقارب حديث الثقات، وليس هو في المرتبة العليا منهم، وقال يعقوب بن سفيان مرة: "لا بأس به"، وقال أخرى: "ثقة"، يعني: من جهة عموم التوثيق، وإلا فهو نازل عن هذه المرتبة، وذكره ابن حبان في الثقات، ولم يذكر أنه ممن يخطئ في روايته، وقال ابن عبد البر في الاستغناء (٧١١): "هو عندهم: صدوق، ليس به بأس، صالح الحديث".
وأما يحيى بن معين، فقد روى عنه إسحاق بن منصور الكوسج قوله: "صالح"، ونقل البيهقي في المعرفة عن الدوري عن ابن معين قوله: "أبو روق: ليس بثقة".
والحق أن هذا إنما هو خطأ في النقل من البيهقي -رحمه الله تعالى-، وإنما قال ابن معين هذا في ابن أبي روق، فالذي في تاريخ الدوري عن ابن معين: "ابن أبي روق: قد رأيته، وليس بثقة"، ونقله عن الدوري هكذا دون قوله: "قد رأيته": ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، في ترجمة يحيى بن أبي روق.
وعلى هذا النقل الخاطئ يحمل قول البيهقي فيه: "ليس بقوي"، فهو جرح غير معتمد، لضعف مستنده.
وأما ابن حزم وتضعيفه لأبي روق فلا حجة فيه، إذ هو ليس من أئمة هذا الشأن، فلا عبرة بما يتفرد به عن الأئمة النقاد.
[انظر، مع مصادر التخريج المتقدمة: التاريخ الكبير (٧/ ١٣)، الجرح والتعديل (٦/ ٣٨٢) و (٩/ ١٨٠)، تاريخ ابن معين رواية عباس الدوري (٣/ ٣٠٩)، الثقات (٧/ ٢٧٧)، طبقات ابن سعد (٦/ ٣٦٩)، العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٥١/ ١٥٢١)، سؤالات أبي داود (٣٩٠)، المعرفة والتاريخ (٣/ ١٠٦ و ١٩٩)، التهذيب (٥/ ٥٩٠)، الميزان: لم يذكره
стр. 718
الذهبي في الميزان مما يدل على عدم ثبوت نسبة هذا القول إلى ابن معين في أبي روق، وإلا لأورده فيه].
ويؤكد هذا الذي ذهبت إليه في عدم ثبوت جرح في حق أبي روق: قول ابن عبد البر في الاستذكار (١/ ٣٢٤): "وقال الكوفيون: أبو روق: ثقة، ولم يذكره أحد بجرحة"، وقال في الاستغناء (٧١١): "هو عندهم: صدوق، ليس به بأس، صالح الحديث".
وعلى هذا فإن أبا روق عطية بن الحارث: ليس به بأس، على قول الجمهور، وهي مرتبة أنزل من مرتبة من قيل فيه: "لا بأس به"، يعني: صدوق.
فهو كما قال ابن عبد البر: "وليس فيما انفرد به حجة"، لا سيما مع تضعيف الحفاظ لهذا الحديث من جميع طرقه، وإلا فهو كما قال النسائي: "ليس في هذا الباب حديث أحسن من هذا الحديث، وإن كان مرسلًا".
فهو أحسن إسناد لهذا الحديث مع ضعفه الذي تقدم بيانه، من الانقطاع، وتفرد أبي روق به.
***
١٧٩ - . . . وكيع: حدثنا الأعمش، عن حبيب، عن عروة، عن عائشة: أن النبي ﷺ قبَّل امرأة من نسائه، ثم خرج إلى الصلاة، ولم يتوضأ.
قال عروة: من هي إلا أنت! فضحكت.
قال أبو داود: هكذا رواه زائدة وعبد الحميد الحماني، عن سليمان الأعمش.
• حديث منكر، والمحفوظ عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يقبل وهو صائم قلت: وتابعهم على هذه الرواية: أبو بكر بن عياش وعبد الله بن داود الخريبي.
أخرجه الترمذي (٨٦)، وابن ماجه (٥٠٢)، وأحمد (٦/ ٢١٠)، وإسحاق (٢/ ٩٩/ ٥٦٦)، وابن أبي شيبة (١/ ٤٨/ ٤٨٥)، وأبو يعلى (٧/ ٣٧٥/ ٤٤٠٧) و (٨/ ٢٤٣/ ٤٨٢١)، وابن جرير الطبري في تفسيره (٤/ ١٠٨/ ٩٦٣٤ و ٩٦٣٥)، وابن المنذر (١/ ١٢٨/ ١٥)، والطحاوي في أحكام القرآن (٨٧ - ٨٩)، والدارقطني في السنن (١/ ١٣٧ - ١٣٨ و ١٣٨ و ١٣٨ - ١٣٩)، وفي العلل (١٥/ ٦٤/ ٣٨٣٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٢٦)، وفي المعرفة (١/ ٢١٦/ ١٧٨)، وفي الخلافيات (٢/ ١٦٥/ ٤٣٥)، والبغوي في شرح السُّنَّة (١/ ٣٤٦/ ١٦٨)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ١٧٢/ ١٦٨)، وفي العلل المتناهية (١/ ٣٦٣/ ٦٠١).
هكذا رواه أصحاب الأعمش، وفيهم: وكيع بن الجراح، وهو من أثبت أصحاب الأعمش، فقالوا: عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة.
هكذا في غالب الروايات: "عن عروة" فقط غير منسوب، لكن وقع منسوبًا في رواية
стр. 719
وكيع - من رواية أحمد بن حنبل وعلي بن محمد، شيخ ابن ماجه - عن وكيع به، فقالا: "عن عروة بن الزبير".
وذكره إسحاق بن راهويه في باب ما يرويه عروة بن الزبير عن خالته عائشة.
وهناك قرينة في الرواية تؤيد هذا، فقد قال عروة لعائشة لما ذكرت له هذا الحديث: من هي إلا أنت؟! فضحكت، ولا يجرؤ على هذا في خطابه لأم المؤمنين إلا من كان مداخلًا لها من محارمها، وهو عروة بن الزبير، ابن أخت عائشة.
والأئمة لما أعلوا هذا الحديث أعلوه بعدم سماع حبيب بن أبي ثابت من عروة بن الزبير، هكذا منسوبًا، كما سيأتي نقل كلامهم مثل يحيى بن سعيد القطان والبخاري.
وانظر: شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي (٢/ ٥١١)، وغيره.
• وخالفهم: عبد الرحمن بن مغراء، فرواه عن الأعمش: أخبرنا أصحاب لنا، عن عروة المزني، عن عائشة به.
فلم يذكر في الإسناد: حبيب بن أبي ثابت بل أبهمه، وقال: عروة المزني، بدل عروة بن الزبير.
وهذه رواية شاذة، خالف فيها ابن مغراء من هو أوثق منه وأكثر عددًا، وأعلم منه بحديث الأعمش، لا سيما وابن مغراء هذا يتفرد عن الأعمش بأحاديث منكرة لا يتابع عليها، نعم؛ صدَّقه أبو زرعة ووثقه آخرون، لكن قال ابن عدي: "إنما أنكرت على أبي زهير هذا [يعني: عبد الرحمن بن مغراء] أحاديث يرويها عن الأعمش لا يتابعه الثقات عليها، وله عن غير الأعمش غرائب، وهو من جملة الضعفاء الذين يكتب حديثهم".
وأنكر أبو حاتم على ابن مغراء حديثًا رواه عن الأعمش.
• وعلى هذا فعبد الرحمن بن مغراء: إن وافق الثقات في روايته عن الأعمش، قُبِل حديثه، وأما إذا خالفهم أو تفرد دونهم بحديث لم يروه أصحاب الأعمش: رُدَّ حديثه.
وهذا من مردود حديثه لمخالفته لأصحاب الأعمش في إسناد هذا الحديث، والله أعلم.
[انظر ترجمته في: الجرح والتعديل (٥/ ٢٩٠)، علل ابن أبي حاتم (١/ ٢٥٦/ ٧٥٦)، الثقات (٧/ ٩٢)، الكامل (٤/ ٢٨٩)، التهذيب (٥/ ١٧٩)، الميزان (٢/ ٥٩٢)، إكمال مغلطاي (٨/ ٢٣٠)، التقريب (٦٠٠)، وقال: "صدوق، تكلم في حديثه عن الأعمش"].
***
١٨٠ - . . . عبد الرحمن -يعني: ابن مغراء-: حدثنا الأعمش: أخبرنا أصحاب لنا، عن عروة المزني، عن عائشة بهذا الحديث.
قال أبو داود: قال يحيى بن سعيد القطان لرجل: اِحكِ عني أن هذين؛ يعني: حديث الأعمش هذا عن حبيب، وحديثه بهذا الإسناد في المستحاضة أنها تتوضأ لكل صلاة، قال يحيى: اِحكِ عني أنهما شِبه لا شيء.
стр. 720
قال أبو داود: وروي عن الثوري، قال: ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني، يعني: لم يحدثهم عن عروة بن الزبير بشيء.
قال أبو داود: وقد روى حمزة الزيات، عن حبيب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة: حديثًا صحيحًا.
• حديث منكر، والمحفوظ عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يقبل وهو صائم.
أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٢٦)، وفي الخلافيات (٢/ ١٦٨)، وفي المعرفة (١/ ٢١٦/ ١٧٩).
قلت: أما رواية ابن مغراء فشاذة؛ تقدم بيان شذوذها.
وأما قول الثوري: "ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني"، فهذا يؤكد قول الأئمة أن حبيب بن أبي ثابت لم يسمع شيئًا من عروة بن الزبير، ولا تعارض بين قوله هذا، وبين أن يكون هذا الحديث إنما هو حديث عروة بن الزبير، ولم يسمع منه حبيب، لما تقدم ذكره من القرائن.
وأما قول أبي داود بأن حبيبًا روى عن عروة بن الزبير عن عائشة حديثًا صحيحًا، فإنما يعني بذلك ما رواه حمزة بن حبيب الزيات، وحماد بن شعيب، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يقول: "اللَّهُمَّ عافني في جسدي، وعافني في بصري، واجعله الوارث مني، لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين".
أخرجه الترمذي (٣٤٨٠)، والحاكم (١/ ٥٣٠)، وأبو يعلى (٨/ ١٤٥/ ٤٦٩٠)، وابن عدي (٢/ ٤٠٧)، والبيهقي في الدعوات (٢٦٠)، والخطيب في التاريخ (٢/ ١٣٧)، وانظر: شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي (٢/ ٥١٠)، ونصب الراية (١/ ٧٢).
قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب، سمعت محمدًا يقول: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة بن الزبير شيئًا، والله أعلم".
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد إن سلم سماع حبيب من عروة، ولم يخرجاه".
وفي الإتحاف (١٧/ ١١٤): "إن سلم من إرسال حبيب عن عروة".
وقال الخطيب البغدادي: "ورواه أبو مريم عبد الغفار بن القاسم، عن حبيب بن أبي ثابت، عن مولى لقريش، عن عروة بن الزبير".
وعبد الغفار بن القاسم هذا: متروك الحديث، واتهم بالوضع [اللسان (٤/ ٥٠)] إلا أن ابن عدي قال فيه: "ولعبد الغفار بن القاسم أحاديث صالحة، ومن حديثه ما لا يتابع عليه، وكان غاليًا في التشيع، وقد روى عنه شعبة حديثين، ويكتب حديثه مع ضعفه" [الكامل (٥/ ٣٢٨)].
стр. 721
قلت: فلعله أتي من قِبَل غلوه في الرفض، وإلا فإنه كان حافظًا، قال الذهبي في الميزان (٢/ ٦٤١): "وكان ذا اعتناء بالعلم والرجال، وقد أخذ عنه شعبة، ولما تبين له أنه ليس بثقة تركه"، هكذا خفي أمره على شعبة زمانًا فأثنى عليه، فلما تبين له أمره تركه.
ومن كان في مثل حاله فيمكن أن يعتبر بروايته في مثل هذا، فإن روايته هذه تبين عوار رواية الزيات وحماد بن شعيب، وأن حبيب بن أبي ثابت إنما أخذه عن رجل مجهول عن عروة بن الزبير، وهي موافقة لأقوال الحفاظ في إثبات عدم سماع حبيب من عروة.
وفي بعض ما تقدم ما يردَّ قول أبي داود أن حبيبًا روى عن عروة بن الزبير حديثًا صحيحًا، فإنما هو حديث ضعيف، ولم يثبت لنا فيه سماع حبيب من عروة، بل ما أخذه حبيب إلا عن رجل مجهول عن عروة مما يؤكد الانقطاع بينهما، والله أعلم.
هذا مع احتمال أن يكون مراد أبي داود من قوله هذا: رد قول الثوري بأن حبيبًا ما حدثهم إلا عن عروة المزني، ولم يحدثهم عن ابن الزبير بشيء، فأراد أن يقول بأنه قد صحت الرواية أن حبيبًا قد روى عن عروة بن الزبير، وإن لم يسمع منه، والله أعلم.
والحديث قد ضعفه الترمذي، وأعله الخطيب البغدادي.
فلا حجة بعد ذلك لمن يقول بأن أبا داود يثبت سماع حبيب من عروة لهذا الحديث، بعد أن بأن بأنه مدلَّس، دلسه حبيب عن عروة، ورواه مرة فذكر الواسطة بينهما، وهو رجل مجهول لا نعرف عينه ولا حاله.
• نعود بعد ذلك إلى المحفوظ عن الأعمش في هذا الحديث، فنذكر أقوال أهل العلم فيه:
قال الترمذي في الجامع (٨٦): "وإنما ترك أصحابنا حديث عائشة عن النبي ﷺ في هذا لأنه لا يصح عندهم لحال الإسناد.
قال: وسمعت أبا بكر العطار البصري يذكر عن علي بن المديني قال: ضعَّف يحيى بن سعيد القطان هذا الحديث جدًّا، وقال: هو شبه لا شيء.
قال: وسمعت محمد بن إسماعيل يضعِّف هذا الحديث، وقال: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة … ، وليس يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء".
وقال في العلل (٥٦): "وسألت محمدًا عن حديث الأعمش … ؟ [فذكره ثم قال:] فقال: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة" [وانظر الجامع (٩٣٦) أيضًا].
وقال ابن المنذر: "ويقال: إن حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة شيئًا".
وقال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٤٨/ ١١٠): "وسمعت أبي يقول: لم يصح حديث عائشة في ترك الوضوء من القُبلة، يعني: حديث الأعمش عن حبيب عن عروة عن عائشة، وسئل أبو زرعة عن الوضوء من القُبلة؟ فقال: إن لم يصح حديث عائشة قلت به".
ونقل ابن أبي حاتم في المراسيل (٨١) عن يحيى بن معين قال: "لم يسمع حبيب بن أبي ثابت من عروة"، ثم قال: "وكذا قال أحمد: لم يسمع من عروة".
стр. 722
ونقل أيضًا في تقدمة الجرح والتعديل (١/ ٢٣٩) عن علي بن المديني قال: "سمعت يحيى [يعني: ابن سعيد القطان] وذُكر عنده حديثا الأعمش عن حبيب عن عروة عن عائشة: تصلي المستحاضة وإن قطر الدم على الحصير، وفي القُبلة، يعني: حديث النبي ﷺ أنه قبَّل ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ. فقال يحيى: اِحكِ عني أنهما شبه لا شيء".
وقول يحيى بن سعيد القطان هذا - في تضعيف هذا الحديث جدًّا- حكاه أيضًا: النسائي في سننه (١/ ١٠٤ - ١٠٥/ ١٧٠)، والدارقطني (١/ ١٣٩)، والبيهقي في السنن (١/ ١٢٦)، وفي الخلافيات (٢/ ١٦٧/ ٤٣٧ و ٤٣٨)، وفي المعرفة (١/ ٢١٦/ ١٨١).
وقال الدارقطني في السنن (١/ ١٣٩): "حدثنا أبو بكر النيسابوري: حدثنا عبد الرحمن بن بشر، قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول؛ وذُكر له حديث الأعمش عن حبيب عن عروة، فقال: أما إن سفيان الثوري كان أعلم الناس بهذا، زعم أن حبيبًا لم يسمع من عروة شيئًا"، ورواه في العلل (١٥/ ٦٤/ ٣٨٣٧) بأطول من هذا السياق.
وأسنده من وجه آخر عن عبد الرحمن بن بشر: البيهقي في الخلافيات (٢/ ١٦٦/ ٤٣٦).
وقال عباس الدوري: "قيل ليحيى [يعني: ابن معين]: حبيب ثبت؟ قال: نعم، إنما روى حديثين -أظن يحيى يريد: منكرين-: حديث تصلي الحائض وإن قطر الدم على الحصير، وحديث القُبلة" [تاريخ ابن معين للدوري (٤/ ١٨)] [ورواه من طريقه: البيهقي في المعرفة (١/ ٢١٧/ ١٨٢)، وانظر: السير (٥/ ٢٩٠)، والتهذيب (٢/ ١٥٤)].
وقال البيهقي في الخلافيات (٢/ ١٦٦ - ١٦٨): "هذا حديث يشتبه فساده على كثير ممن ليس الحديث من شأنه، ويراه إسنادًا صحيحًا، وهو فاسد من وجهين:
أحدهما: أن حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة بن الزبير، فهو مرسل من هذا الوجه"، ثم أسند كلام الثوري والقطان السابق ذكره ثم قال:
"والوجه الآخر: يقال: إن عروة هذا ليس ابن الزبير، إنما هو شيخ مجهول، يعرف بعروة المزني".
وهذا سبق بيانه وأنه عروة بن الزبير، وشذ من قال: عروة المزني.
وقال مغلطاي في الإكمال (٣/ ٣٥٦ - ٣٥٧): "قال إسماعيل [يعني: ابن إسحاق القاضي بعد أن أسند هذا الحديث]: الأحاديث المرفوعة في هذا الباب منكرة، وقد سمعت جماعة من أهل العلم بالحديث نحو: علي بن نصر، وعيسى بن شاذان، وغيرهما: ذكروا حديث حبيب فعجبوا منه وأنكروه، قالوا: وهو مما يعتد به على حبيب، ومن يحسِّن فيه أمره يقول: أراد أنه ﷺ كان يقبلها وهو صائم، فغلط بهذا".
وممن أنكر هذا الحديث أيضًا: الإمام أحمد.
قال ابن رجب في شرح العلل (٢/ ٨٠٢): "وحديث حبيب عن عروة أيضًا، قال أحمد ويحيى: هو منكر"، ثم ذكر له ابن رجب ثلاثة أحاديث: حديث القُبلة هذا، وحديث المستحاضة، وحديث الدعاء الذي تقدم ذكره، وأشار إليه أبو داود.
стр. 723
وفي المغني لابن قدامة (١/ ١٨٨): "نرى أنه غلط".
وفي كتاب الخلال: "سئل أبو عبد الله عن حديث عائشة في القُبلة؟ فقال: هو غلط" [شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي (٢/ ٥٠٨)].
وفي كتاب الميموني: "قال أبو عبد الله: هذا الحديث مقلوب على حديث عائشة: قبَّل وهو صائم، وهو هذا الحديث بعينه، يرويه هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. قلت: فمن أين؟ أليس حبيب صالح الحديث؟ قال: بلى، ولكن لا أعلم أحدًا روى عن حبيب عن عروة شيئًا إلا هذا الحديث، وحديث آخر يرويه الأعمش" [كذا في شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي (٢/ ٥٠٨ - ٥٠٩) وهي طبعة كثيرة التصحيف ومشحونة بالأخطاء].
وفيه أيضًا (٢/ ٥٠٩): "وفي مسائل حرب بن إسماعيل الحنظلي الكرماني: وسمعت إسحاق -يعني: ابن راهويه- لما ذكر حديث حبيب عن عروة -يعني: هذا- قال: هذه الرواية ليست بصحيحة لما نظن أن حبيبًا لم يسمع من عروة، وإنما بلغه عنه، ويُروى عن هشام عن أبيه خلاف ذلك، وهذا أعظم الدلالة في ذلك"، ونقل بعضه ابن عبد البر في التمهيد (٨/ ٤٤).
• فهذا إجماع من المحدثين على تضعيف هذا الحديث، وإنكاره على حبيب بن أبي ثابت، وأنه غلط فيه على عروة، مع كونه لم يسمع منه؛ فمن هؤلاء الذين ضعفوه:
يحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، والبخاري، والترمذي، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وابن المنذر، وإسماعيل بن إسحاق القاضي، وعلي بن نصر، وعيسى بن شاذان، والدارقطني، والبيهقي.
ويمكن تلخيص علته في أمرين:
أحدهما: أن حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة بن الزبير شيئًا، وقد أجمع على ذلك المحدثون، وإجماعهم يكون حجة.
الثاني: أن حبيبًا غلط في هذا الحديث فقال: كان يقبِّل بعض نسائه ثم يخرج إلى الصلاة ولا يتوضأ، وقد رواه جماعة عن عروة بلفظ: كان يقبِّل وهو صائم، وهو المحفوظ.
قال البيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٢٧): "والحديث الصحيح عن عائشة؛ في قبلة الصائم، فحمله الضعفاء من الرواة على ترك الوضوء منها، ولو صح إسناده لقلنا به إن شاء الله تعالى".
وقال في المعرفة (١/ ٢١٦): "والصحيح: رواية عروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وعلي بن الحسين، وعلقمة، والأسود، ومسروق، وعمرو بن ميمون، عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يقبل -أو: يقبلها- وهو صائم".
• إذا علمت ذلك وبان لك وجهه: فلا تغتر بما قال ابن عبد البر فخالف بذلك إجماع المحدثين حيث قال في الاستذكار (١/ ٣٢٣ - ٣٢٤): "وهذا الحديث عندهم
стр. 724
معلول، فمنهم من قال: لم يسمع حبيب من عروة، ومنهم من قال: ليس هو عروة بن الزبير، وضعفوا هذا الحديث ودفعوه.
وصححه الكوفيون وثبتوه، لرواية الثقات أئمة الحديث له، وحبيب بن أبي ثابت لا ينكر لقاؤه عروة، لروايته عمن هو أكبر من عروة وأجل وأقدم موتًا، وهو إمام من أئمة العلماء الجلة"، وقال في موضع آخر: "لا شك أنه لقي عروة".
وقال في التمهيد (٨/ ٤٢) ناقلًا أدلة المصححين: "قالوا: ولا معنى لطعن من طعن على حديث حبيب بن أبي ثابت عن عروة في هذا الباب؛ لأن حبيبًا ثقة، ولا يشك أنه أدرك عروة، وسمع ممن هو أقدم من عروة، فغير مستنكر أن يكون سمع هذا الحديث من عروة، فإن يكن سمعه عنه، فإن أهل العلم لم يزالوا يروون المرسل من الحديث والمنقطع، ويحتجون به إذا تقارب عصر المرسِل والمرسَل عنه، ولم يُعرف المرسِل بالرواية عن الضعفاء والأخذ عنهم … ".
وأقل ما يقال في هذا المقام؛ بأن حبيب بن أبي ثابت: مدلس، ولم يصرح بسماعه من عروة، بل لا يعلم له سماع من عروة، ولا رواية غير هذه الأحاديث الثلاثة الآنفة الذكر، والتي أنكرها العلماء عليه.
هذا ومن المعلوم أن الرجل قد يروي عن الكبار ويرسل عن الصغار، وإنما سبيلنا في معرفة ذلك إنما هو كلام الأئمة المتقدمين الذين اعتنوا بمسألة السماع والاتصال والانقطاع.
وانظر كلام مغلطاي في الرد على ابن عبد البر [شرح سنن ابن ماجه (٢/ ٥١٠)].
• هذا ولم ينفرد حبيب بن أبي ثابت عن عروة بهذا الحديث، وإن كان إسناده هو أشهر إسناد فيه، وهذا أيضًا من الأدلة التي يستدل بها على أن عروة هذا ليس هو المزني المجهول، وإنما هو عروة بن الزبير [وانظر: شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي (٢/ ٥١٢)].
• ومن هذه الأسانيد ما رواه:
١ - إبراهيم بن محمد المديني: أخبرنا معبد بن نباتة، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂، قالت: قبَّلني رسول الله ﷺ وهو متوضئ، ثم صلى ولم يحدث وضوءًا.
أخرجه عبد الرزاق (١/ ١٣٥/ ٥١٠)، ومحمد بن الحسن الشيباني في الحجة على أهل المدينة (١/ ٦٦).
وهذا باطل؛ إبراهيم بن محمد هو: ابن أبي يحيى الأسلمي: كذاب، ومعبد بن نباتة: مجهول، وقد تفرد به عن محمد بن عمرو بن عطاء.
قال ابن عبد البر في الاستذكار (١/ ٣٢٤): "هو [يعني: معبد بن نباتة]: مجهول؛ لا حجة فيما رواه عندنا، وإبراهيم بن أبي يحيى عند أهل الحديث: ضعيف، متروك الحديث".
وقال البيهقي في المعرفة (١/ ٢١٦): "معبد بن نباتة هذا: مجهول، ومحمد بن عمرو بن عطاء لم يثبت له عن عائشة شيء".
стр. 725
وقال الشافعي: "ولكني لا أدري كيف حال معبد بن نباتة هذا، فإن كان ثقة فالحجة فيما روي عن النبي ﷺ ، ولكني أخاف أن يكون غلطًا من قِبَل أن عروة إنما روى أن النبي ﷺ قبلها صائمًا" [المعرفة (١/ ٢١٥)، التمهيد (٢١/ ١٧٧)].
٢ - علي بن عبد العزيز الوراق: نا عاصم بن علي: نا أبو أويس: حدثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أنها بلغها قول ابن عمر: في القبلة الوضوء، فقالت: كان رسول الله ﷺ يقبل وهو صائم، ثم لا يتوضأ.
أخرجه الدارقطني (١/ ١٣٦)، والبيهقي في الخلافيات (٢/ ١٩٣ - ١٩٤/ ٤٧٢ و ٤٧٣).
قال الدارقطني: "ولا أعلم حدث به عن عاصم بن علي هكذا غير علي بن عبد العزيز".
وقال البيهقي: "هذا وهم من علي بن عبد العزيز هذا، أو عاصم أو أبي أويس، والمحفوظ: عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أنه ﷺ كان يقبل وهو صائم، بغير هذه الزيادة في الوضوء، هكذا رواه مالك بن أنس الإمام، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد القطان، وغيرهم، عن هشام بن عروة"، ثم أسند قول ابن معين في تضعيف أبي أويس وتكلم في عاصم بن علي.
وتعقبهما ابن التركماني في الجوهر النقي (١/ ١٢٧)، والزيلعي في نصب الراية (١/ ٧٥) بما لا يغني.
• ورواه بقية بن الوليد، قال: حدثني عبد الملك بن محمد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قبلها وهو صائم، فقال: "إن القبلة لا تنقض الوضوء" أو: "لا تفطر الصائم"، ثم قال: "يا حميراء إن في ديننا سعة".
أخرجه إسحاق بن راهويه (٢/ ١٧٢/ ٦٧٣)، ومن طريقه: البيهقي في الخلافيات (٢/ ١٨٩/ ٤٦٥)، والدارقطني تعليقًا (١/ ١٣٦).
قال إسحاق: "أخشى أن يكون غلط"، قال أبو محمد عبد الله بن محمد النيسابوري -راوي المسند عنه-: "في المرة الأولى غلط".
يعني في قوله: "لا تنقض الوضوء".
وقال البيهقي: "عبد الملك بن محمد هذا: ضعيف، … ، وبقية بن الوليد يأخذ عن كل ضرب، ولا يُقبل عنه ما يأخذ عن الضعفاء والمجهولين".
وعبد الملك بن محمد الصنعاني: قال فيه ابن حبان في المجروحين (٢/ ١٣٦): "كان ممن يجيب في كل ما يُسأل حتى تفرد عن الثقات بالموضوعات، لا يجوز الاحتجاج بروايته"، ونقله عنه البيهقي في الخلافيات (٢/ ١٩١).
وقال الدارقطني في العلل (١٥/ ٦٤/ ٣٨٣٧) بأنه: مجهول، ووهم روايته.
• ورواه العباس بن الوليد بن مزيد، قال: أنا محمد بن شعيب: أنا شيبان بن عبد الرحمن التميمي، قال: ثنا الحسن بن دينار، عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة: أن
стр. 726
رجلًا سأل عائشة عن الرجل يقبل امرأته أيعيد الوضوء؟ فقالت: كان رسول الله ﷺ يقبل بعض نسائه ثم لا يعيد الوضوء، قال: فقلت لها: أئن كان ذلك، ما كان إلا منك، فسكتت.
أخرجه ابن عدي (٢/ ٣٠٣)، والدارقطني (١/ ١٣٧)، والبيهقي في الخلافيات (٢/ ١٨٦/ ٤٥٩).
والحسن بن دينار: متروك، كذبه جماعة [الميزان (١/ ٤٨٧)، اللسان (٢/ ٢٥٤)].
• ورواه ابن أبي داود: ثنا جعفر بن محمد بن المرزبان: نا هشام بن عبيد الله: ثنا محمد بن جابر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي ﷺ بهذا.
علقه الدارقطني (١/ ١٣٧)، ومن طريقه: البيهقي في الخلافيات (٢/ ١٩٢/ ٤٦٨).
قال البيهقي: "ومحمد بن جابر اليمامي: لا يحتج بحديثه"، وهو ابن سيار السحيمي الحنفي، أخو أيوب بن جابر، وعليه: فهو ضعيف يعتبر به [التهذيب (٧/ ٨٠)، الميزان (٣/ ٤٩٦)]، ووهم روايته الدارقطني في العلل (١٥/ ٦٤/ ٣٨٣٧).
• ورواه حاجب بن سليمان: نا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قبل رسول الله ﷺ بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ، ثم ضحكت.
أخرجه الدارقطني (١/ ١٣٦)، ومن طريقه: البيهقي في الخلافيات (٢/ ١٨٥/ ٤٥٨).
قال الدارقطني: "تفرد به حاجب عن وكيع، ووهم فيه، والصواب عن وكيع بهذا الإسناد: أن النبي ﷺ كان يقبل وهو صائم، وحاجب لم يكن له كتاب، إنما كان يحدث من حفظه"، وكذا قال في العلل (١٥/ ٦٣/ ٣٨٣٧).
ونقله البيهقي وأقره، ولم يُصب من تعقبهما.
فإن حاجب بن سليمان: صدوق يخطئ، ويهم في حديثه، وقد خالف من هو أحفظ منه وأضبط:
فقد رواه الإمام أحمد بن حنبل، وعلي بن حرب، كلاهما: عن وكيع، قال: حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة: أن النبي ﷺ قبل امرأة من نسائه وهو صائم، ثم ضحكت.
أخرجه أحمد (٦/ ٢٠٧)، وأبو عوانة (٢/ ٢١٠/ ٢٨٧٣).
• والحاصل: أن هذه الطرق عن هشام بن عروة لا يصح منها شيء، ولا يعضد بعضها بعضًا؛ إذ هي مخالفة لما رواه الأئمة الحفاظ جهابذة الحديث، جبال الحفظ والإتقان الذين لو انفرد الواحد منهم لقُدِّمت روايته على رواية من ذكرنا ممن تقدم ذكرهم:
فقد رواه: الإمام مالك بن أنس، وسفيان الثوري، ويحيى بن سعيد القطان، وسفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح، وحماد بن سلمة، وأنس بن عياض، وابن جريج، ومعمر بن راشد، وسعيد بن أبي سعيد عبد الجبار الزبيدي، وأبو معاوية محمد بن خازم، وعبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني، وشريك بن عبد الله النخعي، وعمر بن علي المقدمي [١٤]، وغيرهم:
عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يقبل إحدى [بعض] نسائه، وهو صائم، ثم تضحك.
стр. 727
أخرجه البخاري (١٩٢٨)، ومسلم (١١٠٦/ ٦٢)، وأبو عوانة (٢/ ٢١٠/ ٢٨٧٣ - ٢٨٧٦)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٣/ ١٨٠/ ٢٤٨٨)، ومالك في الموطأ (١/ ٣٩٣/ ٧٩٨)، والشافعي في السنن (١/ ٣٧٦/ ٣١٠)، وفي الأم (٢/ ٩٨)، وفي المسند (١٠٤)، وأحمد (٦/ ١٩٢ و ٢٠٧)، وإسحاق (٢/ ١٧١/ ٦٧٢)، والنسائي في السنن الكبرى (٣/ ٢٩٥/ ٣٠٤٢)، والدارمي (٢/ ٢٢/ ١٧٢٢)، وابن حبان (٨/ ٣٠٩ و ٣١١ و ٣١٦/ ٣٥٣٧ و ٣٥٤٠ و ٣٥٤٧)، ومحمد بن يوسف الفريابي في حديثه عن الثوري (٢٦٩)، وعبد الرزاق (٤/ ١٨٣/ ٧٤٠٩)، والحميدي (١٩٨)، وابن أبي شيبة (٢/ ٣١٤/ ٩٣٩١)، وعبد بن حميد (١٥٠١)، وأبو يعلى (٧/ ٤٠٢/ ٤٤٢٨) و (٨/ ١٦٦ و ١٨٠/ ٤٧١٥ و ٤٧٣٤)، وابن أبي داود في مسند عائشة (٢٣)، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (٢٢٩٧)، والطحاوي (٢/ ٩١)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٢١٨/ ١٧٨٥) و (٧/ ١٢٣/ ٧٠٤٨)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ١٣٨)، والبيهقي (٤/ ٢٣٣)، والخطيب في التاريخ (٧/ ٢١٩)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٦/ ٢٧٦/ ١٧٥٠).
هكذا رواه الحفاظ عن هشام، فقالوا: "وهو صائم"، وعليه فكل من روى هذا الحديث فقال فيه: "ولم يتوضأ": فقد أخطأ، كما جزم بذلك الأئمة.
قال الدارقطني في العلل (١٥/ ٦٤/ ٣٨٣٧): "والصحيح: عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يقبل وهو صائم".
٣ - قال الدارقطني في السنن (١/ ١٣٥): حدثنا عبد الباقي بن قانع: نا إسماعيل بن الفضل: نا محمد بن عيسى بن يزيد الطرسوسي: نا سليمان بن عمر بن سيار -مديني-: حدثني أبي، عن ابن أخي الزهري، [عن الزهري]، عن عروة، عن عائشة، قالت: لا تعاد الصلاة من القُبلة، كان رسول الله ﷺ يقبل بعض نسائه ويصلي، ولا يتوضأ.
رواه من طريقه: البيهقي في الخلافيات (٢/ ١٧٨/ ٤٤٩).
وقال: "رواة هذا الحديث إلى ابن أخي الزهري أكثرهم: مجهولون، ولا يجوز الاحتجاج بأخبار المجهولين، وقد رواه غيره فخالفه … "، يعني: رواية سعيد بن بشير الآتي ذكرها:
وقال في المعرفة (١/ ٢١٨): "وروي بإسناد مجهول: عن ابن أخي الزهري، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة".
وتعقبه ابن التركماني في الجوهر النقي (١/ ١٢٦) بقوله: "وليس كذلك، بل أكثرهم معروفون".
وهو كما قال: فإن شيخ الدارقطني: عبد الباقي بن قانع: مصنف مشهور، وهو صاحب معجم الصحابة، وكان حافظًا، وثقه جماعة، وتكلم فيه بعضهم لأوهام وقعت له، وكان اختلط قبل موته بسنتين [انظر: تاريخ بغداد (١١/ ٨٨)، السير (١٥/ ٥٢٦)، الميزان (٢/ ٥٣٢)، البداية والنهاية (١١/ ٢٤٢)، المحلى (٦/ ١٨٦) و (٧/ ٣٨) و (١٠/ ٣٧٩)،
стр. 728
اللسان (٣/ ٤٦٩)، وغيرها] [سؤالات السهمي (٣٣٤)، سؤالات السلمي (١٩٠)، السنن للدراقطني (١/ ١٨١)].
وإسماعيل بن الفضل: هو ابن موسى بن مسمار أبو بكر البلخي، سكن بغداد وحدث بها، قال الدارقطني: "لا بأس به"، وقال الخطيب: "كان ثقة" [سؤالات الحاكم (٥٣)، تاريخ بغداد (٦/ ٢٩٠)].
ومحمد بن عيسى بن يزيد الطرسوسي: محدث رحال، قال الحاكم: "هو من المشهورين بالرحلة والفهم والتثبت"، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: "يخطئ كثيرًا"، وقال ابن عدي: "عامة ما يرويه لا يتابعونه عليه، وهو في عداد من يسرق الحديث"، وقال الهيثمي في المجمع: "ضعيف" [الميزان (٣/ ٦٧٩)، تذكرة الحفاظ (٢/ ٦٠١)، اللسان (٥/ ٣٧٨)، الثقات (٩/ ١٥١)، الكامل (٦/ ٢٨٣)، مجمع الزوائد (٧/ ٢١٠)، المغنى (٢/ ٦٢٣)].
نعم: هؤلاء مشهورون، على ما قيل في بعضهم، ولا تلازم بين الشهرة بالطلب والعلم، وبين الصدق والضبط، فكم من مشهور: كذاب وضاع.
وأما سليمان بن عمر بن سيار: فهو مجهول، ولم أر من ترجم له.
وأبوه: عمر بن سيار، قال العقيلي: "وقد حدث عمر بن سيار هذا عن ابن أخي الزهري بما لا يعرف عنه، ولا يتابع عليه" [الضعفاء (٣/ ١٧١)]، وقال الذهبي في الميزان (٢/ ٢٠٣): "ليس بالمتين"، وانظر: اللسان (٤/ ٣١١).
فهو منكر من حديث ابن أخي الزهري.
• ورواه إسماعيل بن موسى: ثنا عيسى بن يونس، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عروة، عن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ يقبل وهو صائم، ثم يصلي ولا يتوضأ.
أخرجه الدارقطني (١/ ١٤٢ - ١٤٣)، والبيهقي في الخلافيات (٢/ ١٨٤/ ٤٥٧).
قال الدارقطني: "هذا خطأ من وجوه".
وقال البيهقي: "إنما أراد به أنه أخطأ في إسناده ومتنه جميعًا، حيث روى عن الزهري عن أبي سلمة عن عروة عن عائشة، وزاد في متنه: ثم يصلي ولا يتوضأ، والمحفوظ ما سبق ذكره، والحمل فيه على من دون عيسى بن يونس".
قلت: قد بين وجوه الخطأ الدارقطني نفسه في العلل (١٥/ ١٤٣/ ٣٩٠٢)، فقال: "فوهم في إسناده ومتنه:
فأما وهمه في إسناده: فقوله: عن أبي سلمة، عن عروة، وإنما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة.
وأما قوله في متنه: ولا يتوضأ؛ فهو وهم أيضًا.
والمحفوظ: كان يقبل وهو صائم".
قلت: والحمل فيه على إسماعيل بن موسى الفزاري، فإنه صدوق له أفراد، ويوصل مراسيل [التهذيب (١/ ٣٤٥)، الميزان (١/ ٢٥١)].
стр. 729
هكذا أخطأ فيه إسماعيل بن موسى الفزاري الكوفي، وقد رواه أهل البصرة واليمن: يزيد بن زريع [بصري: ثقة ثبت]، وعبد الرزاق [صنعاني، ثبت في معمر]:
روياه عن معمر بن راشد، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ قبلها وهو صائم.
أخرجه النسائي في الكبرى (٣/ ٣٩٦/ ٣٠٤٦)، وابن حبان (٨/ ٣١٤/ ٣٥٤٥)، وأحمد (٦/ ٢٣٢)، وإسحاق (٢/ ٤٨٣/ ١٠٦٢)، وعبد الرزاق (٤/ ١٨٣/ ٧٤٠٨).
وهذا هو المحفوظ عن معمر، وقد توبع عليه عن الزهري.
• ورواه سعيد بن بشير، قال: حدثني منصور بن زاذان، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة، قالت: لقد كان نبي الله ﷺ يقبلني إذا خرج إلى الصلاة، وما يتوضأ.
أخرجه الطبراني في الأوسط (٤/ ٣٤٣/ ٤٣٨٥) و (٥/ ٦٦/ ٤٦٨٦)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٣٧٥)، والدارقطني (١/ ١٣٥)، وابن عبد البر في الاستذكار (١/ ٣٢٣)، وعلقه: ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٤٧/ ١٠٨)، والبيهقي في الخلافيات (٢/ ١٧٩/ ٤٥٠).
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن منصور إلا سعيد بن بشير، ولم يروه عن الزهري إلا منصور".
وقال في الموضع الثاني: "لم يرو هذا الحديث عن الزهري إلا منصور، تفرد به سعيد بن بشير".
وقال ابن عدي: "وهذا أيضًا لا أعلم رواه عن منصور غير سعيد بن بشير".
وقال الدارقطني: "تفرد به سعيد بن بشير عن منصور عن الزهري، ولم يتابع عليه، وليس بقوي في الحديث.
والمحفوظ: عن الزهري عن أبي سلمة عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يقبل وهو صائم، وكذلك رواه الحفاظ الثقات عن الزهري، منهم: معمر وعقيل وابن أبي ذئب، وقال مالك عن الزهري: في القبلة الوضوء، ولو كان ما رواه سعيد بن بشير عن منصور عن الزهري عن أبي سلمة عن عائشة صحيحًا لما كان الزهري يفتي بخلافه، والله أعلم".
وانظر: علل الدارقطني (١٥/ ١٤٢/ ٣٩٠٢).
قلت: وهذا من أعظم البيان وأوضحه في بيان بطلان رواية سعيد بن بشير هذه، ورواية مالك عن الزهري أنه كان يقول: من قبلة الرجل امرأته الوضوء.
أخرجها مالك في الموطأ (١/ ٨٨/ ١٠٨)، ومن طريقه: الدارقطني (١/ ١٣٦)، والبيهقي في الخلافيات (٢/ ١٨٣/ ٤٥٦).
وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق آخر عن الزهري (١/ ٦٢).
وكلام الدارقطني على هذا الحديث نقله البيهقي في الخلافيات مؤكدًا له وزاد عليه (٢/ ١٧٩ - ١٨٣).
وقال أبو حاتم: "هذا حديث منكر؛ لا أصل له من حديث الزهري، ولا أعلم
стр. 730
منصور بن زاذان سمع من الزهري ولا روى عنه"، ثم قال ابن أبي حاتم: "وحفظي عن أبي ﵀ أنه قال: إنما أراد: الزهري عن أبي سلمة عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يقبل وهو صائم. قلت لأبي: ممن الوهم؟ قال: من سعيد بن بشير" [العلل (١/ ٤٧ - ٤٨)].
قلت: وأما الرواية المحفوظة عن الزهري، فهي التي رواها معمر وعقيل وابن أبي ذئب: عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة أنها أخبرته: أن رسول الله ﷺ قبلها وهو صائم.
أخرج هذه الرواية: النسائي في الكبرى (٣/ ٢٩٥ و ٢٩٦/ ٣٠٤٥ - ٣٠٤٧)، وابن حبان (٨/ ٣١٤/ ٣٥٤٥)، وأحمد (٦/ ٢٢٣ و ٢٣٢)، وإسحاق (٢/ ٤٨٢ و ٤٨٣/ ١٠٦١ و ١٠٦٢)، والطيالسي (١٤٧٦)، وعبد الرزاق (٤/ ١٨٣/ ٧٤٠٨)، والطحاوي (٢/ ٩١).
وقد اختلف فيه على الزهري بأكثر من هذا، لكن هذا هو المحفوظ عن الزهري في هذا الحديث، وقد تركنا ذكر بقية الاختلاف إيثارًا للاختصار. وانظر: سنن النسائي الكبرى (٣٠٤٣ - ٣٠٤٨)، مسند إسحاق (٢/ ١٦٤/ ٦٦٢)، علل ابن أبي حاتم (٧٣٩)، معجم ابن الأعرابي (٩٩٠)، حديث شعبة (٤٤)، علل الدارقطني (١٥/ ١٤٣/ ٣٩٠٢)، الحلية (٧/ ١٦١)، التمهيد (٢٤/ ٢٦٥).
• والحاصل: أن هذه الطرق الثلاثة الآنفة الذكر عن الزهري هي خطأ محض، وهي روايات منكرة سندًا ومتنًا.
أما الإسناد: فالمحفوظ عنه: عن أبي سلمة، وأما المتن: فالمحفوظ عنه: أنه ﷺ قبلها وهو صائم.
٤ - والحديث رواه أيضًا: يزيد بن سنان، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أم سلمة: أن رسول الله ﷺ كان يقبلها وهو صائم، ثم لا يفطر، ولا يحدث وضوءًا.
أخرجه ابن جرير في تفسيره (٤/ ١٠٨/ ٩٦٣٨)، والطبراني في الأوسط (٤/ ١٣٦/ ٣٨٠٥).
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن الأوزاعي إلا يزيد بن سنان، تفرد به: سعيد بن يحيى الأموي عن أبيه".
وهو كما قال: فمن نفس الطريق أخرجه ابن جرير، ويزيد بن سنان هذا: هو ابن يزيد التميمي الجزري أبو فروة الرهاوي: ضعيف؛ وفي تفرده بهذا الإسناد والمتن عن الأوزاعي: نكارة ظاهرة.
• وقد خالفه من هو أعلم بالأوزاعي منه، وهو فيه ثبت مقدَّم على غيره:
فقد رواه الوليد بن مسلم [الدمشقي: ثقة ثبت في الأوزاعي]، وتابعه: يحيى بن عبد الله بن الضحاك البابلتي ابن امرأة الأوزاعي [ضعيف]:
قال الوليد: حدثنا أبو عمرو -يعني: الأوزاعي- عن يحيى، قال: حدثني أبو سلمة، قال: حدثتني عائشة: أن رسول الله ﷺ كان يقبلها وهو صائم.
стр. 731
أخرجه النسائي في الكبرى (٣/ ٢٩٦/ ٣٠٤٩)، والطحاوي (٢/ ٩١)، وأبو بكر القطيعي في جزء الألف دينار (١٠١)، والخطيب في التاريخ (٧/ ٤٢٦).
هذا هو المحفوظ عن الأوزاعي، وأخطأ يزيد بن سنان الرهاوي في الإسناد فجعله من مسند أم سلمة، وفي المتن فزاد: "ولا يحدث وضوءًا".
• وأخطأ فيه أيضًا على الوليد بن مسلم عن الأوزاعي:
يزيد بن عبد الله بن رزيق الشامي [روى عنه جماعة وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب (١٠٧٨): "مقبول"]، رواه عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، أن عمر بن عبد العزيز أخبره، قال: أخبرني عروة بن الزبير: أن عائشة أخبرته: أن رسول الله ﷺ كان يقبلها وهو صائم.
أخرجه أبو عوانة (٢/ ٢١٠/ ٢٨٧٢).
وهذا الوجه وإن كان هو المحفوظ من حديث يحيى بن أبي كثير [انظر: علل ابن أبي حاتم (١/ ٧٣٩/٢٥١)، علل الدارقطني (١٥/ ١٤٤/ ٣٩٠٢)، صحيح مسلم (١١٠٦/ ٦٩)] إلا إنه شاذ من حديث الوليد عن الأوزاعي، والمحفوظ عن الوليد عن الأوزاعي، ما رواه: محمود بن خالد الدمشقي [ثقة]، ومحمد بن عبد الله بن ميمون الإسكندراني [صدوق]: كلاهما عن الوليد، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عائشة كما تقدم، وإنما التبعة فيه على الأوزاعي نفسه، فقد كان في حديثه عن يحيى بن أبي كثير ضعف، إذ لم يكن عنده في كتاب، إنما كان يحدث به من حفظه، ويهم فيه، والله أعلم.
٥ - ورواه حجاج بن أرطأة [صدوق كثير الخطأ والتدليس]، عن عمرو بن شعيب، عن زينب السهمية، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان يتوضأ، ثم يقبل ويصلي، ولا يتوضأ، وربما فعله بي.
أخرجه ابن ماجه (٥٠٣)، وأحمد (٦/ ٦٢)، وابن جرير الطبري (٤/ ١٠٨/ ٩٦٣٦)، والدارقطني في السنن (١/ ١٤٢)، وفي العلل (١٥/ ١٦٢/ ٣٩٢٢)، والبيهقي في الخلافيات (٢/ ١٧٦/ ٤٤٦)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ١٧٣/ ١٦٩)، والمزي في التهذيب (٣٥/ ١٩٠).
قال أبو حاتم وأبو زرعة في هذا الحديث: "الحجاج يدلس في حديثه عن الضعفاء، ولا يحتج بحديثه" [العلل (١/ ٤٨/ ١٠٩)].
وقال الدارقطني في العلل: "وزينب هذه مجهولة".
وقال البيهقي: "قال الحاكم أبو عبد الله: هذا إسناد لا تقوم به الحجة، فإن حجاج بن أرطأة -على جلالة قدره- غير مذكور في الصحيح، وزينب السهمية: ليس لها ذكر في حديث آخر".
• ورواه عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين [صدوق يخطئ في حديث الأوزاعي]، قال: ثنا الأوزاعي: نا عمرو بن شعيب، عن زينب: أنها سألت عائشة عن الرجل يقبل امرأته ويلمسها، أيجب عليه الوضوء؟ فقالت: لربما توضأ النبي ﷺ ، فقبلني، ثم يمضي فيصلي، ولا يتوضأ.
стр. 732
أخرجه الدارقطني (١/ ١٤٢)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ١٧٤/ ١٧٠).
قال الدارقطني: "زينب هذه مجهولة، ولا تقيم [كذا ولعلها: ولا تقوم] بها حجة" وكذا نقله البيهقي في الخلافيات (٢/ ١٧٧/ ٤٤٧).
• ورواه عبد الرزاق، عن الأوزاعي، قال: أخبرني عمرو بن شعيب، عن امرأة سماها، أنها سمعت عائشة تقول … فذكر الحديث.
رواه عبد الرزاق في المصنف (١/ ١٣٥/ ٥٠٩).
وهذه المرأة التي سماها ونسيها أحد الرواة هي زينب السهمية المجهولة.
• وقد أخطأ في هذا الإسناد وسلك فيه الجادة: أحد المتروكين:
فقد رواه العرزمي، محمد بن عبيد الله بن أبي سليمان [وهو: متروك]، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: كان رسول الله ﷺ يقبل ثم يصلي، ولا يحدث وضوءًا.
أخرجه البيهقي في الخلافيات (٢/ ١٧٧/ ٤٤٨).
وقال: "هكذا رواه العرزمي عنه وهو متروك".
• وحاصل هذا الطريق: أن مداره على زينب بنت محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص السهمية وهي: مجهولة، لا تقوم بها حجة.
وقد خالفت في هذا الحديث أصحاب عائشة ﵂: عروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وعلي بن الحسين، وعلقمة، والأسود، ومسروق، وعمرو بن ميمون، فقالوا في هذا الحديث عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يقبل وهو صائم.
قال الدارقطني في العلل (١٥/ ١٦٢/ ٣٩٢٢): "ورواه محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، فقال: عن مجاهد، عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يقبل، وهو صائم في رمضان، وهذا أصح من الذي تقدم، والله أعلم".
٦ - ورواه جندل بن والق: نا عبيد الله بن عمرو، عن غالب، عن عطاء، عن عائشة، قالت: ربما قبلني رسول الله ﷺ ثم يصلي، ولا يتوضأ.
أخرجه الدارقطني (١/ ١٣٧)، والبيهقي في الخلافيات (٢/ ١٩٩/ ٤٨٠)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ١٧٥/ ١٧٢).
قال الدارقطني في السنن: "غالب: هو ابن عبيد الله: متروك"، وقال في العلل (١٥/ ١١٦/ ٣٨٧٧): "وغالب متروك".
وقال البيهقي: "قال الحاكم أبو عبد الله: غالب هذا، هو: ابن عبيد الله العقيلي، هو شيخ من أهل الجزيرة، قد خلَّط في هذا الحديث من وجهين" [وانظر: اللسان (٤/ ٤٨٠)].
• ومن الأوهام في هذا الإسناد ما رواه:
أ- أبو سلمة الجهني، عن عبد الله بن غالب، عن عطاء، عن عائشة بنحوه مرفوعًا.
أخرجه الدارقطني (١/ ١٤٢)، والبيهقي في الخلافيات (٢/ ١٩٨/ ٤٧٧ و ٤٧٨).
قال الدارقطني: "قوله: عبد الله بن غالب: وهم، وإنما أراد: غالب بن عبيد الله،
стр. 733
وهو: متروك، وأبو سلمة الجهني: هو خالد بن سلمة: ضعيف، وليس بالذي يروي عنه زكريا بن أبي زائدة"، وقال نحوه في العلل (١٥/ ١١٦/ ٣٨٧٧)، وقوله في السنن أتم.
ب- الوليد بن صالح: نا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم الجزري، عن عطاء، عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يقبل، ثم يصلي ولا يتوضأ.
أخرجه الدارقطني (١/ ١٣٧)، ومن طريقه: البيهقي في الخلافيات (٢/ ٢٠٥/ ٤٨٩ و ٤٩٠).
قال الدارقطني: "يقال: إن الوليد بن صالح وهم في قوله: عن عبد الكريم، وإنما هو حديث غالب، ورواه الثوري عن عبد الكريم عن عطاء من قوله، وهو الصواب، وإنما هو حديث غالب، والله أعلم"، وانظر: العلل (١٥/ ١١٦/ ٣٨٧٧)، وفيه سقط.
والوليد بن صالح: ثقة من رجال الشيخين، وثقه أكثر الناس تعنتًا في الرجال: أبو حاتم الرازي، وكذا وثقه: أحمد بن إبراهيم الدورقي وأبو عوانة، وذكره ابن حبان في
الثقات [الجرح والتعديل (٩/ ٧)، تاريخ بغداد (١٣/ ٤٤٢)، الثقات (٩/ ٢٢٥)، التهذيب
(٩/ ١٥٢)، إكمال مغلطاي (١٢/ ٢٣٧)، التقريب (١٠٣٨) وقال: "ثقة"].
والذي أراه -والله أعلم- أنه لم يهم في هذا الإسناد، فالحديث معروف عن عبد الكريم الجزري عن عطاء، وسيأتي الكلام عليه قريبًا.
وهذا هو الوجه الأول من الغلط الذي وقع فيه غالب بن عبيد الله هذا، وأشار إليه الحاكم أبو عبد الله.
• وأما الوجه الثاني من الغلط:
فهو ما رواه مسعود بن جويرية، قال: حدثنا عمر بن أيوب الموصلي قال: حدثنا غالب بن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان رسول الله ﷺ يقبل وهو صائم، ولا يعيد الوضوء.
أخرجه ابن حبان في المجروحين (٢/ ٢٠١)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٥)، والبيهقي في الخلافيات (٢/ ١٩٩/ ٤٨١).
وهذا ظاهر البطلان: لم يحدث به عن نافع غير غالب هذا، وهو: متروك، منكر الحديث، وأنكره عليه ابن حبان وابن عدي والحاكم.
• ولحديث عطاء أسانيد أخرى، منها ما رواه:
أ- البزار في مسنده، قال: حدثنا إسماعيل بن يعقوب بن صبيح: ثنا محمد بن موسى بن أعين، عن أبيه، عن عبد الكريم الجزري، عن عطاء، عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يقبل ولا يتوضأ.
أخرجه من طريق البزار: البيهقي في الخلافيات (٢/ ٢٠٥/ ٤٨٨).
وعزاه للبزار في مسنده: ابن التركماني في الجوهر النقي (١/ ١٢٥)، والزيلعي في نصب الراية (١/ ٧٤)، مع سياقه بالسند، ومن عزاه بالسند أيضًا: عبد الحق الإشبيلي في
стр. 734
الأحكام الوسطى (١/ ١٤٢)، ثم قال: "وموسى بن أعين هذا ثقة مشهور، وابنه مشهور، روى له البخاري، ولا أعلم لهذا الحديث علة توجب تركه، ولا أعلم فيه مع ما تقدم أكثر من قول يحيى بن معين: حديث عبد الكريم عن عطاء: حديث رديء؛ لأنه حديث غير محفوظ، وانفراد الثقة بالحديث لا يضره، فإما أن يكون قبل نزول الآية، أو تكون الملامسة: الجماع، كما قال ابن عباس".
ووثق رجال هذا السند أيضًا: ابن التركماني، والزيلعي، وابن حجر في الدراية (١/ ٢٠) بقوله: "رجاله ثقات".
ورجاله ثقات، كما قالوا، وبذا يظهر أن الحديث معروف عن عبد الكريم الجزري، رواه عنه عبيد الله بن عمرو -من طريق الوليد بن صالح عنه به-، وموسى بن أعين، فله طريقان صحيحان عن عبد الكريم الجزري، ولم يهم فيه الوليد بن صالح كما قال الدارقطني آنفًا.
• فإذا كان الحديث محفوظًا عن عبد الكريم الجزري: فإما أن يكون الوهم من عبد الكريم نفسه؛ لقول ابن معين: "أحاديث عبد الكريم عن عطاء رديئة".
قال ابن عدي: "وهذا الحديث الذي ذكره يحيى بن معين عن عبد الكريم عن عطاء: هو ما رواه عبيد الله بن عمرو الرقي، عن عبد الكريم، عن عطاء، عن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ يقبلها، ولا يحدث وضوءًا، إنما أراد ابن معين هذا الحديث لأنه ليس بمحفوظ، ولعبد الكريم أحاديث صالحة مستقيمة يرويها عن قوم ثقات، وإذا روى عنه الثقات فحديثه مستقيم" [الكامل (٥/ ٣٤٢)، [وانظر: السير (٦/ ٨٢)، التهذيب (٥/ ٢٧٧)].
• وإما أن يكون الوهم ممن رواه عن عبد الكريم بن مالك الجزري [إذ هو ثقة]:
فقد رواه سفيان الثوري، عن عبد الكريم الجزري، عن عطاء، قال: ليس في القبلة وضوء.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٤٨/ ٤٨٧)، والدارقطني (١/ ١٣٧ و ١٤٢)، والبيهقي في الخلافيات (٢/ ٢٠٦/ ٤٩١).
قال الدارقطني: "وهذا هو الصواب"، يعني: في حديث عبد الكريم عن عطاء: إنما هو قوله، لم يجاوزه إلى غيره، وانظر: العلل (١٥/ ١١٦/ ٣٨٧٧).
ب- قال البيهقي في الخلافيات (٢/ ٢٠٢/ ٤٨٥): "أخبرنا الشريف أبو الحسن محمد بن الحسين بن داود الحسيب -قراءة عليه-: أنبأنا عبد الله بن يعقوب الكرماني: نا محمد بن يعقوب الكرماني: نا حسان بن إبراهيم الكرماني: ثنا سلمة بن صالح الكوفي، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة ﵂، قالت: توضأ رسول الله ﷺ -تعني: ثم مس بعض نسائه-، ثم خرج فصلى لا يحدث وضوءًا.
ثم قال: "قال الحاكم أبو عبد الله ﵀: هذا تفرد به سلمة بن صالح بإسناده ولم يتابع عليه".
قلت: وإسناده واهي، ابن أبي ليلى: سيء الحفظ جدًّا، وسلمة بن صالح الأحمر:
стр. 735
ضعيف [اللسان (٣/ ٨٣)]، وحسان بن إبراهيم الكرماني: يخطئ ويهم [التهذيب (٢/ ٢٢٩)]، ومحمد بن يعقوب الكرماني المذكور هنا: هو محمد بن أبي يعقوب، وهو محمد بن إسحاق بن منصور، أبو عبد الله ابن أبي يعقوب الكرماني نزيل البصرة: ثقة [التقريب (٨٢٥)، التهذيب (٧/ ٣٤)، الجرح والتعديل (٨/ ١٢٢)]، وعبد الله بن يعقوب الكرماني: قال الذهبي والهيثمي: "ضعيف"، وقال الذهبي: "روى عن محمد بن أبي يعقوب الكرماني، ولم يدركه" [السير (١٥/ ٣٦٤)، الميزان (٢/ ٥٢٧)، المغني (١/ ٥٨٠)، المجمع (٢/ ٢٢)].
ج- ورواه مندل بن علي، عن ليث بن أبي سليم، عن عطاء، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ ينال مني القبلة بعد الوضوء، ثم لا يعيد الوضوء.
أخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ١٠٨/ ٩٦٣٧).
وليث ومندل: ضعيفان.
٧ - ورواه أبو سلام، عن زيد العمي، عن أبي الصديق، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ قبلها ثم مضى لوجهه، ولم يحدث وضوءًا.
أخرجه ابن أبي حاتم في العلل (١/ ١٦٦/٢٠٠).
وقال: "وسمعت أبي يقول: أبو سلام هذا هو خطأ، إنما هو سلام الطويل، والحديث منكر، وسلام: متروك الحديث".
وانظر: شرح العلل لابن عبد الهادي (٢١٥).
• هذا ما وقفت عليه من طرق لحديث عائشة ﵂، ولا يصح منها شيء، بل ولا يصلح منها شيء للاعتضاد، إما لشذوذها أو نكارتها أو شدة ضعفها، ما عدا الطريق الأول، طريق أبي روق عن إبراهيم التيمي عن عائشة؛ فهو أحسن إسناد لهذا الحديث، كما قال النسائي، وإن كان غريبًا مرسلًا.
وأما تخريج بقية طرق حديث عائشة: كان يقبل وهو صائم، والتي أشرنا إليها قبلُ، فسوف نرجئه إلى موضعه من تخريج السنن برقم (٢٣٨٢ - ٢٣٨٤) إن شاء الله تعالى.
• وروى هذا الحديث أيضًا من حديث أبي أمامة وأبي مسعود:
١ - أما حديث أبي أمامة:
فيرويه ركن بن عبد الله الشامي، عن مكحول، عن أبي أمامة الباهلي، قال: قلت: يا رسول الله! الرجل يتوضأ للصلاة ثم يقبِّل أهله ويلاعبها، أينقض ذلك وضوءه؟ قال: "لا".
أخرجه ابن حبان في المجروحين (١/ ٣٠١)، وابن عدي في الكامل (٣/ ١٦٠)، والبيهقي في الخلافيات (٢/ ٢٠٣ - ٢٠٤/ ٤٨٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٨/ ١٩٤)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ١٧٥/ ١٧٣)، وفي العلل المتناهية (١/ ٣٦٤/ ٦٠٢).
قال ابن حبان في ركن هذا: "روى عن مكحول شبيهًا بمائة حديث ما لكثير شيءٍ منها أصل، لا يجوز الاحتجاج به بحال، روى عن مكحول عن أبي أمامة بنسخة أكثرها موضوع … ".
стр. 736
وقال البيهقي: "وهذا إسناد مجهول، ركن الشامي تكلموا فيه".
قلت: ركن هذا: متروك، أحاديثه مناكير [اللسان (٢/ ٥٧٠)].
٢ - وأما حديث أبي مسعود:
فيرويه الطبراني في الأوسط (٧/ ١٨٥/ ٧٢٢٧)، قال: حدثنا محمد بن جابان: نا محمد بن يزيد المستملي: ثنا أبو علي عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي: ثنا زفر بن الهذيل، عن ليث بن أبي سليم، عن ثابت بن عبيد، عن أبي مسعود الأنصاري: أن رجلًا أقبل إلى الصلاة، فاستقبلته امرأته، فأكب عليها، فتناولها، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فلم ينهه.
ثم قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن زفر إلا أبو علي الحنفي".
قلت: وهما صدوقان، لكن الراوي عن أبي علي الحنفي، محمد بن يزيد المستملي: متروك، كان يسرق الحديث، ويزيد فيه ويضع [اللسان (٥/ ٤٨٦)، الكامل (٦/ ٢٨٢)]، وليث بن أبي سليم: ضعيف، وشيخ الطبراني: محمد بن سعيد بن جابان: لم يوثق؛ وهو حديث باطل.
• وحاصل ما تقدم: أنه مع ضعف حديث عائشة وشواهده، وعدم انتهاضه للاحتجاج به في هذا المقام، إلا أنه قد صحت أحاديث تصلح للاحتجاج بها على أن مس المرأة ليس بناقض للوضوء، وأن قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦] محمول على الجماع في أصح قولي العلماء، وكما قال بذلك حبر هذه الأمة عبد الله بن عباس الذي دعا له النبي ﷺ أن يفقهه في الدين ويعلمه التأويل.
• ومن هذه الأحاديث:
١ - حديث عائشة: قالت: فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش فالتمسته، فوقعت يدي على بطن قدميه، وهو في المسجد وهما منصوبتان، وهو يقول: "اللَّهُمَّ أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك".
وهو حديث صحيح: أخرجه مسلم (٤٨٦) وغيره، وهو مخرج في الذكر والدعاء برقم (٩٧).
٢ - حديث عائشة في اعتراضها والرسول ﷺ يصلي وغمزه إياها، ولو كان غمزه رجلها مما ينقض الوضوء لما فعله في صلاته، وله طرق:
أ- سالم أبو النضر، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة، قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ، ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني، فقبضت رجلي، وإذا قام بسطتهما، قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح.
وفي رواية لأبي داود وأبي عوانة: فإذا أراد أن يسجد ضرب رجلي.
أخرجه البخاري (٣٨٢ و ٥١٣ و ١٢٠٩)، ومسلم (٥١٢/ ٢٧٢)، وأبو عوانة (١/ ٣٩١ - ٣٩٢/ ١٤٢٨ و ١٤٢٩)، وأبو نعيم في مستخرجه (٢/ ١٢٠/ ١١٣٧)، وأبو داود (٧١٣)،
стр. 737
والنسائي (١/ ١٠٢/ ١٦٨)، ومالك في الموطأ (١/ ١٧٣/ ٣٠٨)، وابن حبان (٦/ ١١٠ و ١١٣/ ٢٣٤٢ و ٢٣٤٨)، والشافعي في السنن (١/ ١٢٣/٢٣٢)، وأحمد (٦/ ١٤٨ و ٢٢٥ و ٢٥٥)، وعبد الرزاق (٢/ ٣٢/ ٢٣٧٦)، وأبو العباس السراج في مسنده (٤٢٧ و ٤٢٨)، وفي حديثه بانتقاء زاهر الشحامي (٩١١ - ٩١٣)، وابن جميع الصيداوي في معجم شيوخه (٩٠)، والبيهقي (٢/ ٢٦٤ و ٢٧٦)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٢/ ٤٥٧/ ٥٤٥)، وفي التفسير (١/ ٤٣٣).
ب- القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂، قالت: بئسما عدلتمونا بالكلب والحمار، لقد رأيتني ورسول الله ﷺ يصلي، وأنا مضطجعة بينه وبين والقبلة، فإذا أراد أن يسجد غمز رجليَّ فقبضتهما.
وفي رواية بإسناد صحيح عند النسائي وغيره:
إن كان رسول الله ﷺ ليصلي، وإني لمعترضة بين يديه اعتراض الجنازة؛ حتى إذا أراد أن يوتر مسني برجله.
أخرجه البخاري (٥١٩) باللفظ الأول، وأبو داود (٧١٢)، والنسائي (١/ ١٠٢/ ١٦٦ و ١٦٧)، وابن حبان (٦/ ١١١/ ٢٣٤٣)، وأبو العباس السراج في مسنده (٤٢٣)، وفي حديثه بانتقاء زاهر الشحامي (٩٠٥)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٣٣٢/ ٨٧٨٥)، والبيهقي (١/ ١٢٨)، وابن عبد البر في التمهيد (٢١/ ١٦٧ و ١٦٩).
ج- محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة أنها قالت: كنت أنام وأنا معترضة في قبلة رسول الله ﷺ فيصلي رسول الله ﷺ وأنا أمامه، وإذا أراد أن يوتر غمزني [برجله]، فقال: "تنحي".
أخرجه أبو داود (٧١٤)، وابن حبان (٦/ ١١٢/ ٢٣٤٦)، والشافعي في السنن (١/ ٢٣٢/ ١٢٤)، وأحمد (٦/ ١٨٢)، وأبو يعلى (٨/ ٢٩٧/ ٤٨٨٨).
• ففي الحديث الأول: أن عائشة ﵂ هي التي مست قدمه ﷺ فلم يخرج من صلاته، ولم ينهها عن فعلها إقرارًا منه ﷺ على جواز ذلك الفعل، وأنه ليس بناقض للوضوء، وحمله على المس بحائل تكلف ظاهر.
وفي الحديث الثاني برواياته: أن الرسول ﷺ هو الذي مس رجلها وهو يصلي، ولو كان فعله هذا ﷺ ناقضًا للوضوء لما أقدم عليه في صلاته! والقول هنا أيضًا بأن بينهما حائل تكلف لا داعي له.
لكن يمكن حمل الحديثين على المس بغير شهوة، وهذا الذي يدل عليه ظاهرهما، فيبقى حكم المس بشهوة!.
فنقول -وبالله التوفيق-: الشهوة وصف وجداني غير منضبط يصعب تعليق الحكم الشرعي هنا به لذا وجب البحث عن وصف منضبط يمكن معه تعليق الحكم الشرعي، وأقرب وصف منضبط يتعلق بالشهوة بل هو نتيجتها وأثرها: هو الخارج من القبل من مذي
стр. 738
ومني، وهو وصف منضبط يسهل تعليق الحكم الشرعي به، وعليه فيكون الناقض للوضوء ليس هو نفس المس بشهوة، ولكن الخارج من القبل نتيجة المس بشهوة.
راجع: الفروق (٢/ ٢٨٣) الفرق (٩٨).
• وأما ما استدلوا به من حديث معاذ، فلا يصح سنده، ولا ينتهض معناه للدلالة على المطلوب.
فقد روى زائدة وجرير، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل، قال: أتى رسول الله ﷺ رجلٌ، فقال: يا رسول الله! ما تقول في رجل لقي امرأة لا يعرفها، فليس يأتي الرجل من امرأته شيئًا إلا قد أتاه منها، غير أنه لم يجامعها؟ قال: فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ الآية [هود: ١١٤]، قال: فقال له النبي ﷺ : "توضأ، ثم صل".
وفي رواية: "توضأ وضوءًا حسنًا، ثم قم فصل"، قال معاذ: فقلت: يا رسول الله! أله خاصة أم للمؤمنين عامة؟ قال: "بل للمؤمنين عامة".
أخرجه الترمذي (٣١١٣)، والحاكم (١/ ١٣٥)، وأحمد (٥/ ٢٤٤)، وابن نصر في تعظيم قدر الصلاة (٧٧ و ٧٨)، وعبد بن حميد (١١٠)، وابن جرير الطبري في تفسيره (٧/ ١٣٣/ ١٨٦٩١ و ١٨٦٩٥)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ١٣٦ و ١٣٧/ ٢٧٧ و ٢٧٨)، والدارقطني (١/ ١٣٤)، والبيهقي (١/ ١٢٥)، والذهبي في السير (٧/ ٣٧٨).
وخالفهما: شعبة، فرواه عن عبد الملك بن عمير، عن ابن أبي ليلى: أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: إني أصبت من امرأة ما دون الجماع، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ إلى ﴿ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]، فقال معاذ: يا رسول الله! أله خاصة؟ فقال: "بل للناس كافة".
أخرجه النسائي في الكبرى (٦/ ٤٨١/ ٧٢٨٧)، وابن جرير في تفسيره (٧/ ١٣٣/ ١٨٦٩٢ و ١٨٦٩٣).
هكذا مرسلًا.
والحديث صححه الحاكم، وقال الدارقطني: "صحيح".
لكن قال الترمذي: "هذا حديث ليس إسناده بمتصل، عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ، ومعاذ بن جبل مات في خلافة عمر، وقتل عمر وعبد الرحمن بن أبي ليلى غلام صغير ابن ست سنين، وقد روى عن عمر ورآه، وروى شعبة هذا الحديث عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن النبي ﷺ : مرسل".
وقال البيهقي: "وفيه إرسال، عبد الرحمن بن أبي ليلى: لم يدرك معاذ بن جبل".
وقال الذهبي في السير: "وعلته: أن شعبة رواه عن عبد الملك فأرسله، لم يذكر معاذًا، وعبد الرحمن ما أدرك معاذًا".
فظهرت بذلك علة الحديث، وله علة أخرى:
стр. 739
قال العلامة الألباني في الضعيفة (٢/ ٤٢٨/ ١٠٠٠): "وقد جاءت هذه القصة عن جماعة من الصحابة في الصحيحين والسنن والمسند وغيرها من طرق وأسانيد متعددة، وليس في شيء منها أمره ﷺ بالوضوء والصلاة، فدل ذلك على أن الحديث منكر بهذه الزيادة، والله أعلم".
فمن ذلك: ما رواه أبو عثمان النهدي، عن عبد الله بن مسعود: أن رجلًا أصاب من امرأة قبلة فأتى النبي ﷺ ، فذكر ذلك له، قال: فنزلت: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ [هود: ١١٤]، قال: فقال الرجل: ألي هذه؟ يا رسول الله! قال: "لمن عمل بها من أمتي".
أخرجه البخاري (٥٢٦ و ٤٦٨٧)، ومسلم (٢٧٦٣)، والترمذي (٣١١٤)، والنسائي في الكبرى (١/ ٢٠٦/ ٣٢٣) و (٦/ ٤٨٠/ ٧٢٨٥) و (١٠/ ١٣٠/ ١١١٨٣)، وابن ماجه (١٣٩٨ و ٤٢٥٤)، وابن خزيمة (٣١٢)، وابن حبان (٥/ ١٨/ ١٧٢٩)، وأحمد (١/ ٣٨٥ و ٤٣٠)، وعبد الرزاق (١٣٨٣٠)، وابن نصر في تعظيم قدر الصلاة (٧٦)، وأبو يعلى (٩/ ١٥٦/ ٥٢٤٠)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٢٣٠/ ١٠٥٦٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٢٤١ و ٣٢٢)، وفي الشعب (٣/ ٤٢/ ٢٨١٥).
وانظر بقية الشواهد في صحيح مسلم، وسنن الترمذي، والنسائي، وتعظيم قدر الصلاة، وغيرها.
ثم قال الألباني رحمه الله تعالى: "إذا تبين هذا فلا يحسن الاستدلال بالحديث على أن لمس النساء ينقض الوضوء، كما فعل ابن الجوزي في التحقيق (١/ ١١٣) وذلك لأمور:
أولًا: أن الحديث ضعيف لا تنهض به حجة.
ثانيًا: أنه لو صح سنده، فليس فيه أن الأمر بالوضوء إنما كان من أجل اللمس، بل ليس فيه أن الرجل كان متوضئًا قبل الأمر حتى يقال: انتقض باللمس! بل يحتمل أن الأمر إنما كان من أجل المعصية تحقيقًا للحديث الآخر الصحيح بلفظ: "ما من مسلم يذنب ذنبًا فيتوضأ ويصلي ركعتين إلا غفر له"، أخرجه أصحاب السنن وغيرهم وصححه جمع، كما بينته في تخريج المختارة (رقم ٧).
ثالثًا: هب أن الأمر إنما كان من أجل اللمس، فيحتمل أنه من أجل لمس خاص؛ لأن الحالة التي وصفها هي مظنة خروج المذي الذي هو ناقض للوضوء، لا من أجل مطلق اللمس، ومع الاحتمال يسقط الاستدلال.
والحق أن لمس المرأة وكذا تقبيلها لا ينقض الوضوء، سواء كان بشهوة أو بغير شهوة، وذلك لعدم قيام دليل صحيح على ذلك، بل ثبت: أنه ﷺ كان يقبل بعض أزواجه ثم يصلي ولا يتوضأ.
… وتقبيل المرأة إنما يكون مقرونًا بالشهوة عادة" انتهى كلامه.
قلت: قد سبق بيان عدم ثبوته، وأما الأمر الثاني من وجوه عدم صحة الاستدلال
стр. 740
بحديث معاذ فإنه يوضحه حديث أبي أمامة الذى أخرجه مسلم (٢٧٦٥) وغيره، ففيه قول الرجل: يا رسول الله إني أصبت حدًّا عليَّ، فقال له رسول الله ﷺ : "أرأيت حين خرجت من بيتك، أليس قد توضأت فأحسنت الوضوء؟ " قال: بلى يا رسول الله! قال: "ثم شهدت الصلاة معنا" فقال: نعم يا رسول الله! فقال له رسول الله ﷺ : "فإن الله قد غفر لك حدك، أو قال: ذنبك".
وفي هذا الحديث وغيره بيان أن الوضوء يكفر الخطايا، وأنه على فرض صحة الحديث فإنما أمره بالوضوء لأجل تكفير خطيئته، والله تعالى أعلم.
***
٦٩ - باب الوضوء من مس الذكر
١٨١ - . . . عبد الله بن أبي بكر: أنه سمع عروة يقول: دخلت على مروان بن الحكم، فذكرنا ما يكون منه الوضوء، فقال مروان: ومِنْ مسِّ الذَّكر، فقال عروة: ما علمت ذلك، فقال مروان: أخبرتني بسرة بنت صفوان: أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ مسَّ ذكره فليتوضأ".
• حديث صحيح.
انظر تخريجه في مسائل الفقه (٢/ ٩٢).
***
٧٠ - باب الرخصة في ذلك
١٨٢ - . . . ملازم بن عمرو الحنفي: حدثنا عبد الله بن بدر، عن قيس بن طَلْق، عن أبيه، قال: قدِمنا على نبي الله ﷺ فجاء رجلٌ كأنه بدوي، فقال: يا نبي الله! ما ترى في مسِّ الرجل ذَكَره بعد ما يتوضأ؟ فقال: "هل هو إلا مُضغة منه" أو قال: "بَضعة منه".
قال أبو داود: رواه هشام بن حسان، وسفيان الثوري، وشعبة، وابن عيينة، وجرير الرازي، عن محمد بن جابر، عن قيس بن طلق.
• حديث حسن.
انظر تخريجه في مسائل الفقه (٢/ ١١٤).
***
следующие страницы →