Полный текст (16 465 стр.). Показаны 7386–7425 · переход к 7391.
стр. 7386
لا يجلس إِلَّا في الثامنة، ثم يقوم فيصلي ركعةً أخرى، لا يجلس إِلَّا في الثامنة والتاسعة، ولا يسلِّم إِلَّا في التاسعة، والله أعلم.
* * *
١٣٤٢ - . . . همام: حَدَّثَنَا قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، قال: طلقتُ امرأتي، فأتيت المدينة لأبيعَ عقارًا كان لي بها، فأشتريَ به السلاحَ وأغزو، فلقيتُ نفرًا من أصحاب النَّبِيّ ﷺ ، فقالوا: قد أراد نفرٌ منا ستةٌ أن يفعلوا ذلك، فنهاهم النبي ﷺ ، وقال: ﴿لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].
فأتيت ابن عباس، فسألته عن وتر النَّبِيّ ﷺ ، فقال: أدلك على أعلم الناس بوتر رسول الله ﷺ ، فأتِ عائشة ﵂، فاتيتُها، فاستَتْبَعتُ حكيمَ بنَ أفلحَ، فأبى، فناشدته فانطلق معي، فاستأذنَّا على عائشة، فقالت: من هذا؟ قال: حكيمُ بنُ أفلح، قالت: ومن معك؟ قال: سعد بن هشام، قالت: هشام بن عامر الذي قتل يوم أُحد؟ قال: قلت: نعم، قالت: نعم المرء كان عامرٌ، قال: قلت: يا أمَّ المؤمنين! حدثيني عن خُلُق رسول اللُّه ﷺ ، قالت: ألست تقرأ القرآن؛ فإن خُلُقَ رسول الله ﷺ كان القرآنَ.
قال: قلت: حدثيني عن قيام الليل، قالت: ألست تقرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾؟، قال: قلت: بلى، قالت: فإن أول هذه السورة نزلت، فقام أصحاب رسول اللّه ﷺ حتى انتفخت أقدامهم، وحُبس خاتمتُها في السماء اثني عشر شهرًا، ثم نزل آخرُها، فصار قيامُ الليل تطوعًا بعد فريضة.
قال: قلت: حدثيني عن وتر النَّبِيّ ﷺ ، قالت: كان يوتر بثمان ركعاتٍ لا يجلس إِلَّا في الثامنة، ثم يقوم فيصلي ركعةً أخرى، لا يجلس إِلَّا في الثامنة والتاسعة، ولا يسلِّم إِلَّا في التاسعة، ثم يصلبم ركعتين، وهو جالسٌ، فتلك إحدى عشرةَ ركعةً يا بني.
فلما أسنَّ، وأخذ اللحمَ، أوتر بسبع ركعاتٍ، لم يجلس إِلَّا في السادسة والسابعة، ولم يسلم إِلَّا في السابعة، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فتلك هي تسع ركعات يا بني.
ولم يقم رسول الله ﷺ ليلةً يتمُّها إلى الصباح، ولم يقرأ القرآن في ليلةٍ قطُّ، ولم يصم شهرًا يتمُّه غيرَ رمضان، وكان إذا صلى صلاةً داوم عليها، وكان إذا غلبته عيناه من الليل بنومٍ صلى من النهار ثنتي عشرةَ ركعةً.
стр. 7387
قال: فأتيت ابن عباس، فحدثته، فقال: هذا واللّه هو الحديث، ولو كنتُ أكلِّمُها لأتيتُها حتى أشافهها به مشافهةً. قال: قلت: لو علمت أنك لا تكلِّمها ما حدثتك.
* حديث صحيح
أخرجه أحمد (٦/ ٩٤ - ٩٥) (١١/ ٥٩٥٦/ ٢٥٢٧٥ - ط. المكنز) و (٦/ ٢٥٨) (١٢/ ٦٣١٩/ ٢٦٨٦٠ - ط. المكنز)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٢٠٢/ ٢٧٥٢)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٤/ ٢٠٥٨/ ٥١٧٣)، والبيهقي في الشعب (٣/ ٣٠٤/ ١٣٥٩)، [التحفة (١١/ ٢٠٧/ ١٦١٠٤)، الإتحاف (١٦/ ١٠٨٧/ ٢١٦٧٢)، المسند المصنف (٣٧/ ٢٤٥/ ١٧٨٧٣)].
رواه عن همام بن يحيى: أبو عمر حفص بن عمر الحوضي [واللفظ له]، وبهز بن أسد، وعفان بن مسلم، وهدبة بن خالد، وعمرو بن عاصم الكلابي [وهم ثقات].
وفي رواية عفان وبهز [عند أحمد]: غلبته عيناه بنوم أو وجع.
وفي رواية لعفان [عند ابن المنذر]: قلت لعائشة: يا أم المؤمنين! حدثيني عن وتر رسول الله ﷺ ، قالت: نعم اجلس، كان رسول الله ﷺ يرقد فنعد له سواكه ووضوءه، فيبعثه الله لما يشاء أن يبعثه، فيقوم فيتسوك، ثم يتوضأ، ثم يصلي ثمان ركعات لا يجلس فيهن، فإذا كان في الثامنة جلس فحمد الله وأثنى عليه، ثم يقوم فلا يسلم، فيركع ركعة ثم يحمد الله ويثني عليه، ثم يسلم حتى يسمعني التسليم، ثم يركع ركعتين وهو جالس، فتلك إحدى عشرةَ ركعةً.
فلما دقَّ وأسنَّ وكثر لحمه، صلى سبع ركعات، قالت: فكان رسول الله ﷺ إذا صلى صلاة داوم عليها، قالت: وكان إذا فاته القيام من الليل صلى ثنتي عشرة ركعة من النهار.
* * *
١٣٤٣ - قال أبو داود: حَدَّثَنَا محمد بن بشار: حَدَّثَنَا يحيى بن سعيد، عن سعيد، عن قتادة، … بإسناده نحوه، قال: يصلي ثماني ركعاتٍ لا يجلس فيهنَّ إِلَّا عند الثامنة، فيجلس، فيذكر الله ، ثم يدعو، ثم يسلم تسليمًا يُسمِعُنا، ثم يصلي ركعتين، وهو جالسٌ بعدما يسلّم، ثم يصلي ركعة، فتلك إحدى عشرةَ ركعةً يا بني، فلما أسنَّ رسول اللّه ﷺ ، وأخذ اللحمَ، أوتر بسبعٍ، وصلى ركعتين، وهو جالسٌ بعدما يسلم … بمعناه إلى: مشافهةً.
* حديث شاذ بهذا السياق
أخرجه أبو داود هنا في السنن، كما أخرجه في مسائله لأحمد (١٩٦٧).
стр. 7388
* وأخرجه من طريق بندار محمد بن بشار به: النسائي في المجتبى (٣/ ٦٠/ ١٣١٥) و (٣/ ١٩٩/ ١٦٠١)، وفي الكبرى (٢/ ٨٦/ ١٢٣٩) و (٢/ ١١٢/ ١٢٩٦)، وابن خزيمة (٢/ ١٤١/ ١٠٧٨) و (٢/ ١٧١/ ١١٢٧) و (٢/ ١٩٤/ ١١٧٠) و (٢/ ١٩٨/ ١١٧٧)، وابن حبان (٦/ ١٩٥/ ٢٤٤١)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ٣٣٩/ ١٦٩٠)، [التحفة (١١/ ٢٠٧/ ١٦١٠٤) و (١١/ ٢٠٨/ ١٦١٠٧)، الإتحاف (١٦/ ١٠٨٧/ ٢١٦٧٢) و (١٦/ ١٠٩٢/ ٢١٦٧٦)، المسند المصنف (٣٧/ ٢٤٥/ ١٧٨٧٣)].
* وقد رواه النسائي عن بندار بتمامه، بمثل سياق أحمد الآتي، إِلَّا موضع الشذوذ منه.
* فقد رواه أيضًا عن يحيى بن سعيد القطان به: أحمد بن حنبل.
أخرجه أحمد (٦/ ٥٣) (١١/ ٥٨٦٥/ ٢٤٩٠٧ - ط. المكنز)، ومن طريقه: الحاكم (٢/ ٦١٣) (٥/ ٣٣١/ ٤٢٦٨ - ط. الميمان)، والبيهقي (٣/ ٢٩)، [الإتحاف (١٦/ ١٠٨٧/ ٢١٦٧٢)، المسند المصنف (٣٧/ ٢٤٥/ ١٧٨٧٣)].
ولفظ أحمد بتمامه: عن سعد بن هشام؛ أنه طلق امرأته، ثم ارتحل إلى المدينة ليبيع عقارًا له بها، ويجعله في السلاح والكُراع، ثم يجاهد الروم حتى يموت، فلقي رهطًا من قومه، فحدثوه أن رهطًا من قومه ستةً أرادوا ذلك على عهد رسول اللّه ﷺ ، فقال: "أليس لكم فيَّ أسوة حسنة؟ "، فنهاهم عن ذلك، فأشهدهم على رجعتها، ثم رجع إلينا، فأخبرنا أنه أتى ابن عباس، فسأله عن الوتر؟ فقال: ألا أنبئك بأعلم أهل الأرض بوتر رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، قال: ائت عائشة فاسألها؟ ثم ارجع إليَّ، فأخبرني بردها عليك، قال: فأتيت على حكيم بن أفلح فاستلحقته إليها، فقال: ما أنا بقاربها، إني نهيتها أن تقول في هاتين الشيعتين شيئًا، فابت فيهما إِلَّا مُضيًا، فأقسمت عليه، فجاء معي فدخلنا عليها، فقالت: حكيم؟ وعرفته، قال: نعم، أو: بلى، قالت: من هذا معك؟ قال: سعد بن هشام، قالت: من هشام؟ قال: ابن عامر، قال: فترحمت عليه، وقالت: نعم المرء كان عامر.
قلت: يا أم المؤمنين! أنبئيني عن خلق رسول اللّه ﷺ ؟ قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: فإن خلق رسول الله ﷺ كان القرآن.
فهممت أن أقوم، ثم بدا لي قيام رسول اللّه ﷺ ، قلت: يا أم المؤمنين! أنبئيني عن قيام رسول اللّه ﷺ ؟ فقالت: ألست تقرأ هذه السورة ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾؟ قلت: بلى، قالت: فإن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام رسول الله ﷺ وأصحابه حولًا حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله خاتمتها في السماء اثني عشر شهرًا، ثم أنزل الله التخفيف في آخر هذه السورة، فصار قيامُ رسولِ الله ﷺ الليلَ تطوعًا من بعد قريضة.
فهممت أن أقوم، ثم بدا لي وتر رسول الله ﷺ ، قلت: يا أم المؤمنين! أنبئيني عن
стр. 7389
وتر رسول الله ﷺ ؟ قالت: كنا نعد له سواكه وطهوره، فيبعثه الله لما شاء أن يبعثه من الليل فيتسوك، ثم يتوضأ، ثم يصلي ثماني ركعات، لا يجلس فيهن إِلَّا عند الثامنة، فيجلس ويذكر ربه ويدعو ويستغفر، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة، فيقعد فيحمد ربه ويذكره ويدعو، ثم يسلم تسليمًا يسمعنا، ثم يصلي ركعتين وهو جالس بعدما يسلم، فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني.
فلما أسن رسول الله ﷺ وأخد اللحمَ أوتر بسبع، ثم صلى ركعتين وهو جالس بعدما يسلم، فتلك تسع يا بني.
وكان نبي الله ﷺ إذا صلى صلاةً أحب أن يداوم عليها، وكان إذا شغله عن قيام الليل نوم أو وجع أو مرض صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة، ولا أعلم نبي الله ﷺ قرأ القرآن كله في ليلة، ولا قام ليلةً حتى أصبح، ولا صام شهرًا كاملًا غير رمضان.
فأتيت ابن عباس فحدثته بحديثها، فقال: صدقت، أما لو كنت أدخل عليها، لأتيتها حتى تشافهني مشافهةً.
* هكذا خالف بندار في سياق هذا الحديث وشذ عن جماعة الحفاظ الذين رووا هذا الحديث عن يحيى بن سعيد القطان، ثم عن سعيد بن أبي عروبة، ثم عن قتادة.
وحتى يتبين الشذوذ نورد النصين:
قال بندار: لا يجلس فيهنَّ إِلَّا عند الثامنة، فيجلس فيذكر الله ثم يدعو، ثم يسلم تسليمًا يُسمِعُنا، ثم يصلي ركعتين وهو جالسٌ، بعدما يسلِّم، ثم يصلي ركعةً.
وقال أحمد: لا يجلس فيهنَّ إِلَّا عند الثامنة، فيجلس ويذكر ربه ويدعو ويستغفر، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة، فيقعد فيحمد ربه ويذكره ويدعو، ثم يسلم تسليمًا يسمعنا، ثم يصلي ركعتين وهو جالس بعدما يسلم.
وبهذا يظهر موضع الخطأ من بندار:
حيث قدم التسليم بعد الثامنة، وإنما التسليم بعد التاسعة.
وحيث أخَّر ركعة الوتر بعد الركعتين وهو جالس، وإنما هي قبلهما.
وحيث قدَّم الركعتين جالسًا على الوتر، وإنما هما بعده.
وحيث فصل الركعات التسع، فجعلها ثمانيًا بغير وتر مع الفصل بينهما بالسلام والركعتين، وإنما هي تسع متصلة بسلام واحد وجلستين.
وقول أحمد في روايته: ثم ينهض ولا يسلم، نص لا يحتمل التأويل.
لذا فقد أشار النسائي إلى هذا الوهم بقوله بعد حديث بندار: "كذا وقع في كتابي، ولا أدري ممن الخطأ في موضع وتره ﵇"، وكأنه تهيب بندارًا أن ينسب الوهم إليه؛ لمكانته عنده، واللّه أعلم.
قلت: الخطأ من الحافظ بندار، وقد لمزه بعضهم [انظر: ترجمته من التهذيب (٣/ ٥١٩)]، ولكل صارم نبوة ولكل جواد كبوة، فقد رواه عن بندار به هكذا: أبو داود
стр. 7390
السجستاني وأبو عروبة الحراني [عند أبي نعيم في المستخرج، لكن اختلطت عليه الروايات، ونسب هذه الرواية لمحمد بن بشر، وهو منها بريء، أو تحرف النص على الناسخ]، وذلك كما رواه عنه النسائي بنفس مواضع التقديم والتأخير، وقد رواه على الصواب أحد كبار الأئمة الحفاظ النقاد الثقات الأثبات: أحمد بن حنبل عن القطان، كما هو المحفوظ من حديث ابن أبي عروبة، ثم من حديث قتادة.
* * *
١٣٤٤ - قال أبو داود: حَدَّثَنَا عثمان بن أبي شيبة: حَدَّثَنَا محمد بن بشر: حَدَّثَنَا سعيد، … بهذا الحديث، قال: يسلم تسليمًا يُسمِعُنا، … كما قال يحيى بن سعيد.
* حديث صحيح
أخرجه أبو داود هنا في السنن، كما أخرجه في مسائله لأحمد (١٩٦٧).
وأخرجه من طريق محمد بن بشر: مسلم (١٣٩/ ٧٤٦)، وأبو عوانة (١/ ٥٥١/ ٢٠٦٠) و (٢/ ٥٦/ ٢٢٩٥)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ٣٣٩/ ١٦٩٠)، وابن ماجة (١١٩١ و ١٣٤٨)، والبيهقي في السنن (١/ ٣٩ و ٣٥٨) و (٢/ ٤٩٩)، وفي الخلافيات (٣/ ٣٣٠/ ٢٥٣٧)، وفي القراءة خلف الإمام (١)، وفي الدلائل (٨/ ٣٥١)، [التحفة (١١/ ٢٠٧/ ١٦١٠٤) و (١١/ ٧٠٩/ ١٦١٠٧ و ١٦١٠٨)، المسند المصنف (٣٧/ ٢٤٥/ ١٧٨٧٣)].
رواه عن محمد بن بشر العبدي: عثمان بن أبي شيبة، وأخوه أبو بكر بن أبي شيبة، والحسن بن علي بن عفان [وهم ثقات حفاظ].
ولفظه بتمامه عند أبي عوانة: انطلقت إلى ابن عباس فسألته عن الوتر، فقال: ألا أدلك على أعلم أهل الأرض بوتر رسول الله ﷺ ؟ قلت: من؟ قال: عائشة، ائتها فسلها، ثم أعلمني ما ترد عليك، قال: فانطلقت إليها فاتيت على حكيم بن أفلح فاستلحقته، فانطلقنا إلى عائشة فاستأذنا فدخلنا، فقالت: من هذا؟ فقال: حكيم بن أفلح، فقالت: من هذا معك؟ قال: سعد بن هشام، قالت: من هشام؟ قال: ابن عامر، قالت: نعم المرء، كان عامر أصيب يوم أُحد.
قلت: يا أم المؤمنين! أنبئيني عن خلق رسول الله ﷺ ؟ فقالت: ألست تقرأ القرآن؟ قل: بلى، قالت: فإن خلق نبط الله ﷺ كان القرآن.
قال: فهممت أن أقوم فبدا لي، فقلت: فقيام رسول اللّه ﷺ يا أم المؤمنين؟ قالت: ألست تقرأ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾؟ قلت: بلى، قالت: فإن الله افترض القيام في أول هذه السورة، فقام رسول الله ﷺ وأصحابه حولًا حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرًا في السماء، ثم أنزل اللّه التخفيف في آخر هذه السورة، فصار قيام الليل تطوعًا بعد فريضة.
стр. 7391
قال: فهممت أن أقوم فبدا لي وتر رسول الله ﷺ ، فقلت: يا أم المؤمنين! أنبئيني عن وتر رسول اللّه ﷺ ؟ فقالت: كنا نعد لرسول الله ﷺ سواكه وطهوره، فيبعثه الله فيما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك ويتوضأ، ثم يصلي تسع ركعات لا يجلس فيهنَّ إلا عند الثامنة، فيدعو ربه ويصلي على نبيه، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة فيقعد، ثم يحمد ربه ويصلي على نبيه ﷺ يدعو، ثم يسلم تسليمًا يسمعنا، ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلم وهو قاعد، فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني.
فلما أسنَّ نبي الله ﷺ وأخده اللحمُ أوتر بسبعٍ، وصلى ركعتين بعد ما يسلم يا بني.
وكان نبي الله ﷺ إذا صلى صلاة أحب أن يداوم عليها، وكان نبي الله ﷺ إذا غلبه قيام الليل صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة، ولا أعلم نبي الله ﷺ قرأ القرآن كله في ليلة حتى الصباح، ولا صام قط شهرًا كاملًا غير رمضان.
فأتيت ابن عباس فأخبرته بحديثها، فقال: صدقت.
وكان أول أمره أنه طلق امرأته ثم ارتحل إلى المدينة ليبيع عقارًا له بها، ويجعله في السلاح والكراع، ثم يجاهد الروم حتى يموت، فلقي رهطًا من قومه فذكر لهم ذلك، فاخبروه أن رهطًا منهم ستة أرادوا ذلك في حياة رسول الله ﷺ فنهاهم عن ذلك.
* * *
١٣٤٥ - قال أبو داود: حَدَّثَنَا محمد بن بشار: حَدَّثَنَا ابن أبي عدي، عن سعيد، … بهذا الحديث، قال ابن بشار بنحو حديث يحيى بن سعيد، إِلَّا أنه قال: ويسلم تسليمةً يُسمِعُنا.
* حديث صحيح
أخرجه أبو داود هنا في السنن، كما أخرجه في مسائله لأحمد (١٩٦٧).
* وأخرجه من طريق ابن أبي عدي: مسلم (٧٤٦/ ١٣٩)، وأبو نعيم في مستخرجه عليه (٢/ ٣٣٩/ ١٦٩٠)، وابن خزيمة (٢/ ١٤١/ ١٠٧٨) و (٢/ ١٧١/ ١١٢٧) و (٢/ ١٩٤/ ١١٧٠)، وابن نصر في قيام الليل (١٢٢ - ١٢٣ - مختصره)، والبيهقي في السنن (٣/ ٢٩)، وفي المعرفة (٢/ ٣١٩/ ١٣٩٩)، والواحدي في تفسيره الوسيط (٤/ ٣٧٢)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٤/ ٨٠/ ٩٦٣)، وفي الشمائل (٥٧٦)، [التحفة (١١/ ٢٠٧/ ١٦١٠٤)، الإتحاف (١٦/ ١٠٨٧/ ٢١٦٧٢) و (١٦/ ١٠٩٢/ ٢١٦٧٦)، المسند المصنف (٣٧/ ٢٤٥/ ١٧٨٧٣)].
رواه عن ابن أبي عدي: محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى [وهما ثقتان حافظان].
* ولفظ ابن المثنى عند مسلم: أن سعد بن هشام بن عامر أراد أن يغزو في سبيل الله، فقدم المدينة، فإراد أن يبيع عقارًا له بها فيجعله في السلاح والكُراع، ويجاهد الروم حتى يموت، فلما قدم المدينة لقي أناسًا من أهل المدينة، فنهوه عن ذلك، وأخبروه
стр. 7392
أن رهطاً ستةً أرادوا ذلك في حياة نبي الله ﷺ ، فنهاهم نبي الله ﷺ ، وقال: "أليس لكم فيَّ أسوة؟ "، فلما حدثوه بذلك راجع امرأته، وقد كان طلقها، وأشهد على رجعتها، فأتى ابن عباس، فسأله عن وتر رسول الله ﷺ ، فقال ابن عباس: ألا أدلك على أعلم أهل الأرض بوتر رسول اللّه ﷺ قال: من؟ قال: عائشة، فأتها فاسألها، ثم ائتني فأخبرني بردِّها عليك، فانطلقت إليها، فأتيت على حكيم بن أفلح، فاستلحقته إليها، فقال: ما أنا بقاربها؛ لأني نهيتها أن تقول في هاتين الشيعتين شيئاً، فأبت فيهما إلا مُضيًّا، قال: فأقسمت عليه، فجاء فانطلقنا إلى عائشة، فاستأذنا عليها، فأذنت لنا، فدخلنا عليها، فقالت: أحكيم؟ فعرفته، فقال: نعم، فقالت: من معك؟ قال: سعد بن هشام، قالت: من هشام؟ قال: ابن عامر، فترحمت عليه، وقالت خيراً - قال قتادة: وكان أصيب يوم أُحد -.
فقلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول الله ﷺ ، قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: فإن خلق نبي الله ﷺ كان القرآن.
قال: فهممت أن أقوم ولا أسأل أحداً عن شيء حتى أموت، ثم بدا لي، فقلت: أنبئيني عن قيام رسول الله ﷺ ، فقالت: ألست تقرأ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾؟ قلت: بلى، قالت: فإن الله ﷺ افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام نبي الله ﷺ وأصحابه حولاً، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهراً في السماء، حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعاً بعد فريضة.
قال: قلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن وتر رسول اللّه ﷺ ، فقالت: كنا نعد له سواكه وطهوره، فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك، ويتوضأ، ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم يسلم تسليماً يُسمِعُنا، ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلم وهو قاعد، فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني.
فلما أسنَّ نبي اللّه ﷺ ، وأخذه اللحم أوتر بسبع، وصنع في الركعتين مثل صنيعه الأول، فتلك تسع يا بني.
وكان نبي الله ﷺ إذا صلى صلاة أحب أن يداوم عليها، وكان إذا غلبه نوم، أو وجع عن قيام الليل صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة، ولا أعلم نبي الله ﷺ قرأ القرآن كله في ليلة، ولا صلى ليلة إلى الصبح، ولا صام شهراً كاملاً غير رمضان.
قال: فانطلقت إلى ابن عباس فحدثته بحديثها، فقال: صدقت لو كنت أقربها، أو أدخل عليها لأتيتها حتى تشافهني به، قال: قلت لو علمت أنك لا تدخل عليها ما حدثتك حديثها.
هكذا رواه عن سعيد بن أبي عروبة: يحيى بن سعيد القطان [من أثبت الناس في ابن أبي عروبة، وسماعه منه قديم قبل الاختلاط. الكواكب النيرات (٢٥)، سؤالات ابن بكير (٥٥)، شرح علل الترمذي (٢/ ٧٤٣)، التقييد والإيضاح (٤٢٩)]، ومحمد بن بشر
стр. 7393
العبدي [ثقة ثبت، سماعه من ابن أبي عروبة: صحيح جيد]، وابن أبي عدي [بصري ثقة، ممن سمع من ابن أبي عروبة بعد الاختلاط، واستشهد الشيخان بروايته عن ابن أبي عروبة].
وتابعهم فرواه مطولاً أو مختصراً: يزيد بن زريع، وخالد بن الحارث، وعبدة بن سليمان الكلابي [وهم: ثقات أثبات، من أثبت الناس في ابن أبي عروبة، سمعوا منه قبل الاختلاط]، وعبد الوهاب بن عطاء الخفاف [صدوق، كان عالماً بسعيد بن أبي عروبة إلا أنه سمع منه قبل الاختلاط وبعده، فلم يميز بين هذا وهذا]، ومكي بن إبراهيم البلخي [ثقة ثبت، لكنه من طبقة من سمع من ابن أبي عروبة بعد الاختلاط]، ومحمد بن سواء [قديم السماع، قرنه أحمد بروح بن عبادة، وروح: ثقة، سمع من ابن أبي عروبة قبل الاختلاط. التهذيب (١/ ٦١٤)، تقدم تفصيل القول فيه في فضل الرحيم الودود (٧/ ٣٧٨/ ٦٧١)]، ومحمد بن فضيل [كوفي، ثقة]:
عن سعيد بن أبي عروبة، قال: حدثنا قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام؛ أنه أتى عبد الله بن عباس، فسأله عن الوتر؟ فقال: ألا أدلك على أعلم أهل الأرض بوتر رسول الله ﷺ ؟ قلت: من؟ قال: عائشة، ائتها فسلها، ثم ارجع إليَّ فأخبرني بردِّها عليك، فانطلقنا إلى عائشة فاستأذنَّا عليها، فدخلنا قلت: يا أم المؤمنين! أنبئيني عن خُلُق رسول اللّه ﷺ ؟ قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: فإن خلق رسول الله ﷺ كان القرآن.
فهممتُ أن أقومَ فلا أسأل أحداً عن شيءٍ حتى أموت، قلت: أنبئيني عن قيام رسول الله ﷺ ؟ قالت: ألست تقرأ هذه السورة: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾؟ قلت: بلى، قالت: فإن الله افترض القيام في أول هذه السورة، فقام النبي ﷺ وأصحابه حولاً حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهراً في السماء، ثم أنزل الله التخفيف في آخر هذه السورة، فصار قيام الليل تطوعاً بعد فريضة.
قلت: يا أم المؤمنين! أنبئيني عن وتر رسول الله ﷺ ؟ قالت: كنا نعد له طهوره وسواكه، فيبعثه الله لما شاء؛ أن يبعثه من الليل فيتسوك ويتوضأ، ثم يصلي تسع ركعاتٍ لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة فيحمد ربه، ويدعوه ويذكره، ثمٍ ينهض ولا يسلم، ويصلي التاسعة، فيجلس فيذكر ربه ويحمده ويدعوه، ثم يسلم تسليماً يُسمعُنا، ثم يصلي ركعتين وهو قاعدٌ بعدما يسلم، فتلك إحدى عشرة يا بني.
فلما أسن رسول الله ﷺ وأخد اللحم صلى سبع ركعاتٍ لا يقعد إلا في آخرهن، وصلى ركعتين وهو قاعد بعدما يسلم، فتلك تسع يا بني.
وكان رسول الله ﷺ إذا صلى صلاةً أحبَّ أن يداوم عليها، وكان نبي الله ﷺ إذا شغله أمرٌ أو غلبه نومٌ أو وجعٌ صلى من النهار اثنتي عشرةَ ركعةً.
ولا أعلم نبي الله ﷺ قرأ القرآن كله في ليلة، ولا قام ليلةً حتى أصبح، ولا صام شهراً قطُّ كاملاً غيرَ رمضان.
стр. 7394
فأتيتُ ابن عباس فأنبأته بحديثها، فقال: صدقَتْ؛ أما إني لو كنتُ أدخل عليها لأتيتها حتى تشافهني به مشافهةً، قلت: لو علمت أنك لا تأتيها ما أنبأتك بحديثها. لفظ خالد، ورواه بعضهم مختصراً.
ولفظ يزيد بن زريع: عن سعد بن هشام، حدثنا أنه طلق امرأته ثم دخل المدينة ليبيع عقاراً له بها، ثم يجعله في الكُراع والسلاح، ثم يجاهد الروم حتى يموت، قال: فلما قدمت المدينة لقيت رهطاً من الأنصار أو قومه، فحدثهم، فحدثوه أن رهطاً منهم ستة أرادوا ذلك في حياة رسول الله ﷺ ، فنهاهم نبي الله ﷺ عن ذلك، فقال لهم: "أليس لكم فيَّ أسوة؟ "، فلما حدثوه حديثهم هذا أشهدهم على رجعة امرأته، ثم أتانا فأخبرنا أنه انطلق إلى عائشة ﵂، قال: فأتيت على حكيم بن أفلح، فاستلحقته فجاء معي، فاستأذنا فدخلنا عليها، فقالت: أحكيم؟ وعرفته، قال: نعم، قالت: من هذا معك؟ قال: سعد بن هشام، قالت: من هشام؟ قال: ابن عامر، [قالت:] نعم المرء كان، وكان أصيب يوم أُحد.
قلت: يا أم المؤمنين! أنبئيني عن خلق رسول الله ﷺ ؟ قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: فإن خلق رسول الله ﷺ كان القرآن.
قال: فهممت أن أقوم فلا أسألها عن شيء، أو: فلا أسأل أحداً عن شيء؛ فبدا لي، فقلت: يا أم المؤمنين! أنبئيني عن قيام رسول الله ﷺ ؟ قالت: ألست تقرأ هذه السورة: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾؟ قلت: بلى، قالت: فإن الله افترض القيام في أول هذه السورة، فقام نبي الله ﷺ وأصحابه حولاً حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهراً في السماء، ثم أنزل الله التخفيف في آخر هذه السورة، فصار قيام الليل تطوعاً بعد فريضة.
أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد (٣٩٠)، والنسائي في المجتبى (٣/ ٢١٨/ ١٦٤١) و (٣/ ٢٤٠/ ١٧١٨) [وتحرف في هذا الموضع سعيد إلى شعبة. انظر: المجتبى (٢٣٤٨)، والسنن الكبرى (١٤١٢)، والتحفة (١٦١٠٧ و ١٦١١٥)] و (٣/ ٢٤١/ ١٧٢٠) و (٤/ ١٥١/ ٢١٨٢) و (٤/ ١٩٩/ ٢٣٤٨)، وفي الكبرى (١/ ٢٤٤/ ٤٢٤) و (٢/ ١٣١/ ١٣٣٧) و (٢/ ١٥٩/ ١٤١٢) و (٢/ ١٦٠/ ١٤١٨) و (٣/ ١٢١/ ٢٥٠٣) و (٣/ ١٧٤/ ٢٦٦٩) و (١٠/ ٣١٥/ ١١٥٦٣)، وابن خزيمة (٢/ ١٤١/ ١٠٧٨) و (٢/ ١٧١/ ١١٢٧)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ٣٣٩/ ١٦٩٠)، وابن سعد في الطبقات (١/ ٣٦٤)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢/ ٣٤٤/ ٩٧٤٩)، وفي المسند (٩٦٤)، وابن نصر في قيام الليل (٢٢ - مختصره).
وأبو علي الطوسي في مختصر الأحكام (٢/ ٣٩٨/ ٤٢٢) [وفيه زيادة تفسيرية، لعلها من بعض الرواة]، وأبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ (٣/ ١٢٧/ ٩٠٦)، وابن حزم في المحلى (٣/ ٤٥)، والبيهقي في المعرفة (٢/ ٣١٩/ ١٣٩٨)، [التحفة (١١/ ٢٠٧/ ١٦١٠٤) و (١١/ ٢٠٩/ ١٦١٠٧ و ١٦١٠٨) و (١١/ ٢١١/ ١٦١١٥)، الإتحاف (١٦/ ١٠٨٧/ ٢١٦٧٢)، المسند المصنف (٣٧/ ٢٤٥/ ١٧٨٧٣)].
стр. 7395
ويبدو لي أن سعيد بن أبي عروبة قد روى هذا الحديث مرة مختصراً؛ فأوهم فيه معنى جديداً:
* فقد روى يزيد بن زريع، وعبدة بن سليمان [وهما ثقتان ثبتان، من أثبت الناس في ابن أبي عروبة، سمعا منه قبل الاختلاط]، وعيسى بن يونس [قال أحمد: "سماع عيسى منه جيد، سمع منه بالكوفة". شرح العلل (٢/ ٧٤٤)]، وعبد الوهاب بن عطاء الخفاف، وبشر بن المفضل، وأبو بدر شجاع بن الوليد، والمطعم بن المقدام الصنعاني الشامي [وهم ثقات]، ومحمد بن الحسن الشيباني [ضعيف]:
عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام؛ أن عائشة حدثته؛ أن رسول الله ﷺ كان لا يسلم في ركعتي الوتر. وفي رواية عيسى: في الركعتين الأوليين من الوتر.
أخرجه النسائي في المجتبى (٣/ ٢٣٤/ ١٦٩٨)، وفي الكبرى (٢/ ١٥٦/ ١٤٠٤)، والحاكم (١/ ٣٠٤) (٢/ ٦٦/ ١١٥٢ - ط. الميمان)، ومحمد بن الحسن الشيباني في الحجة على أهل المدينة (١/ ١٩٨)، وفي زياداته على موطأ مالك (٢٦٦)، وابن أبي شيبة (٢/ ٩١/ ٦٨٤٢) (٤/ ٤٩٨/ ٧٠١٩ - ط. الشثري) [وفيه زيادة: عن أبيه، بعد سعد بن هشام، وهي وهم]. وإسحاق بن راهويه (٣/ ٧٠٦/ ١٣١٠)، وابن نصر في كتاب الوتر (٢٩١ - مختصره)، والطحاوي (١/ ٢٨٠)، والطبراني في الأوسط (٦/ ٣٧٥/ ٦٦٦١)، وفي الصغير (٩٩٠)، وفي مسند الشاميين (٢/ ٥٩/ ٩١٧)، والدارقطني (٢/ ٣٢)، وابن حزم في المحلى (٣/ ٤٧)، والبيهقي في السنن (٣/ ٣١)، وفي المعرفة (٢/ ٠ ٣٢/ ١٤٠٠)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٦/ ٢٧٠)، [التحفة (١١/ ٢١١/ ١٦١١٦)، الإتحاف (١٦/ ١٠٨٦/ ٢١٦٧١)، المسند المصنف (٣٧/ ٢٤٥/ ١٧٨٧٣)].
وإنما أراد ابن أبي عروبة أن يقول فيه بأن النبي ﷺ قد صلى الوتر تسعاً وسبعاً من غير أن يفصل بينهن بسلام.
قال أبو بكر الأثرم في الناسخ (٨٨): "وأما حديث سعد بن هشام عن عائشة: أن النبي ﷺ كان لا يسلم في ركعتي الوتر، فإني سمعت أبا عبد الله ﵁ يقول: هو خطأ".
وقال ابن نصر: "فهذا عندنا قد اختصره سعيد من الحديث الطويل الذي ذكرناه، ولم يقل في هذا الحديث: إن النبي ﷺ أوتر بثلاث لم يسلم في الركعتين، فكان يكون حجة لمن أوتر بثلاث بلا تسليم في الركعتين، إنما قال: لم يسلم في ركعتي الوتر، وصدق في ذلك الحديث: أنه لم يسلم في الركعتين، ولا في الثلاث، ولا في الأربع، ولا في الخمس، ولا في الست، ولم يجلس أيضاً في الركعتين، كما لم يسلم فيهما".
وقال البيهقي في السنن: "ورواه الجماعة عن ابن أبي عروبة عن قتادة، وهمام بن يحيى عن قتادة، كما سبق ذكره في وتره بتسع ثم بسبع، وكذلك رواه بهز بن حكيم عن زرارة بن أوفى، وفي رواية عبد الوهاب يشبه أن يكون اختصاراً من الحديث، ورواية أبان
стр. 7396
خطأ، والله أعلم، وقد ورد الخبر بالنهي عن الوتر بثلاث ركعات متشبهة بصلاة المغرب".
وقال في المعرفة: "هكذا روياه عبد الوهاب بن عطاء، وعيسى بن يونس، عن سعيد بن أبي عروبة، وهو مختصر من الحديث الأول".
ومشى الحاكم على ظاهر السند فصححه كعادته، وقال: "صحيح على شرط الشيخين".
* وقد وهم بعضهم في إسناده على ابن أبي عروبة:
قال عبد الله بن أحمد في العلل (٣/ ٢٠٢/ ٤٨٦٩): "سمعت أبي يقول: ابن أبي زائدة ينقص من هذا الحديث - يعني: حديث ابن أبي عروبة عن قتادة عن سعد بن هشام عن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ لا يسلم في الركعتين من الوتر من الثلاث، قال أبي: فترك منه زرارة".
* ومن خلال النظر في طرق حديث ابن أبي عروبة يتبين لنا: أن يحيى القطان ومحمد بن بشر وابن أبي عدي قد قالوا فيه: أوتر بسبع، هكذا مجملاً من غير تفصيل، هل جلس في السادسة والسابعة، أم أنه لم يجلس إلا في آخرهن.
بينما جاء في رواية خالد بن الحارث: صلى سبع ركعاتٍ لا يقعد إلا في آخرهن.
والجمع بينهما من وجهين:
الأول: أن تحمل الرواية المجملة على الرواية المفسرة، وبهذا يكون ابن أبي عروبة قد خالف في روايته: همامَ بن يحيى وهشاماً الدستوائي.
والثاني: أن يقال: إن الرواية المفسرة تحتمل معنى بحيث تتفق به مع رواية همام وهشام الدستوائي، بأن يقال: لا يقعد للتسليم إلا في آخرهن، وبذا فلا مخالفة بين رواية ابن أبي عروبة وغيره.
هكذا روى هذا الحديث عن قتادة: همام بن يحيى، وابن أبي عروبة، وتابعهما:
أ- هشام الدستوائي [وعنه: ابنه معاذ، وأبو داود الطيالسي، وعمرو بن محمد بن أبي رزين، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وأزهر بن القاسم، وهم ثقات]، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام؛ أنه طلَّق امرأته، وأتى المدينة ليبيع عقاره؛ فيجعله في السلاح والكراع، فلقي رهطاً من الأنصار، فقالوا: أراد ذلك ستة منا على عهد رسول الله - فمنعهم، وقال: "أما لكم فيَّ أسوة؟! ".
ثم إنه قدم البصرة، فحدثنا أنه لقي عبد اللّه بن عباس فسأله عن الوتر، فقال: ألا أحدثك بأعلم الناس بوتر رسول الله ﷺ ؟ قلت: بلى، قال: أم المؤمنين عائشة، فأتها فسلها، ثم ارجع إليَّ فحدثني بما تحدثك.
فأتيت حكيم بن أفلح، فقلت له: انطلق معي إلى أم المؤمنين عائشة، قال: إني لا آتيها، إني نهيت عن هذه الشيعتين فأبت إلا مُضيًّا، قلت: أقسمتُ عليك لما انطلقت، فانطلقنا، فسلمنا فعرفت صوت حكيم، فقالت: من هذا؟ قلت: سعد بن هشام، قالت:
стр. 7397
من هشام؟ قلت: هشام بن عامر، قالت: نعم المرء، قتل يوم أُحد، قلت: أخبرينا عن خُلُق رسول الله ﷺ ، قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: فإنه خُلُق رسول الله ﷺ .
فأردت أن أقومَ ولا أسأل أحداً عن شيء حتى ألحق بالله، فعرض لي القيام، فقلت: أخبرينا عن قيام رسول الله ﷺ ، قالت: ألست تقرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾؟ قلت: بلى، قالت: فإنها كانت قيام رسول الله ﷺ ، أُنزِل أولُ السورة، فقام رسول الله ﷺ وأصحابه حتى انتفخت أقدامهم، وحُبِس آخرُها في السماء ستةَ عشرَ شهراً، ثم أنزل فصار قيام الليل تطوعاً بعد أن كان فريضة.
فأردت أن أقومَ ولا أسأل أحداً عن شيء حتى ألحق بالله، فعرض لي الوتر، فقلت: أخبرينا عن وتر رسول الله ﷺ ، فقالت: كان رسول الله ﷺ إذا نام وضع سواكه عندي، فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه، فيصلي تسعَ ركعات لا يجلس إلا في الثامنة، فيحمد الله، ويدعو ربه، ثم يقوم ولا يسلم، ثم يجلس في التاسعة، ويحمد الله ويدعو ربه، ويسلم تسليمة يسمعُنا، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني.
فلما أسنَّ رسولُ الله ﷺ وحمل اللحمَ، صلى سبعَ ركعاتٍ، لا يجلس إلا في السادسة، فيحمد الله ويدعو ربه، ثم يقوم ولا يسلم، ثم يجلس في السابعة، فيحمد الله ويدعو ربه، ثم يسلم تسليمةً، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فتلك تسع يا بني.
وكان النبي ﷺ إذا غلبه نوم أو مرض صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة، وكان رسول الله ﷺ إذا أخد خُلُقاً أحبَّ أن يداوم عليه، وما قام نبي الله ﷺ ليلةً حتى يصبح، ولا قرأ القرآن كله في ليلةٍ، ولا صام شهراً كاملاً غيرَ رمضان.
فأتيت ابن عباس فحدثته، فقال: صدقتك، أما إني لو كنت أدخل عليها لشافهتها مشافهةً، قال: فقلت: أما إني لو شعرت أنك لا تدخل عليها ما حدثتك.
أخرجه مطولاً أو مختصراً: مسلم (٧٤٦/ ١٣٩)، والنسائي في المجتبى (٣/ ٢٤٠/ ١٧١٩)، وفي الكبرى (٢/ ١٥٩/ ١٤١٣)، والدارمي (١٦١٩ - ط. البشائر)، وا بن خزيمة (٢/ ١٤١/ ١٠٧٨) و (٢/ ١٤٣/ ١٠٧٩) [(٢/ ٢٦٥/ ١٠٧٩ - ط. الميمان) (٢/ ٧٨/ ١١٣٥ - ط. التأصيل)] و (٢/ ١٧١/ ١١٢٧) و (٢/ ١٩٤/ ١١٧٠)، وابن حبان (٦/ ١٩٥/ ٢٤٤٢) و (٦/ ٢٩٣/ ٢٥٥٢)، وأحمد (٦/ ٢٥٥) (١٢/ ٦٣١٢/ ٢٦٨٢٦ - ط. المكنز) (١٦/ ١٠٨٩/ ٢١٦٧٢ - الإتحاف) [مختصراً، وفي بعض النسخ زيادة: عن أبيه، وهي خطأ محض]، والطيالسي (٣/ ٩٧/ ١٦٠٠) و (٣/ ٩٩/ ١٦٠٣)، وإسحاق بن راهويه (٣/ ٧١٤/ ١٣١٧)، وابن نصر في قيام الليل (١٩٥ - مختصره)، والطحاوي في المشكل (٤/ ٧٠ - ٧١/ ١٤٣٨)، وابن أبي حاتم في التفسير (١٠/ ٣٣٧٩/ ١٩٠١١) (٥/ ٢٥٤ - تفسير ابن كثير، ط طيبة)، وابن حزم في المحلى (٣/ ٤٥)، والبيهقي (٣/ ٣٠)، [التحفة ١١/ ٢٠٧/ ١٦١٠٤) و (١١/ ٢١٠/ ١٦١١٣) و (١١/ ٢١١/ ١٦١١٤)، الإتحاف (١٦/ ١٠٨٧/ ٢١٦٧٢) و (١٦/ ١٠٩٢/ ٢١٦٧٦)، المسند المصنف (٣٧/ ٢٤٥/ ١٧٨٧٣)].
стр. 7398
وهذا لفظ معاذ بن هشام عن أبيه، عند الدارمي، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأنا معاذ بن هشام به؛ فقال فيه: ستة عشر شهراً، وتابعه على ذلك: عبيد الله بن عمر القواريري عن معاذ به، عند ابن أبي حاتم، فقال فيه: ستة عشر شهراً، وقد أخرجه مسلم عن محمد بن المثنى عن معاذ به فلم يسق لفظه، وإنما أحال على لفظ ابن أبي عدي عن ابن أبي عروبة، دون أن ينبه على مخالفة حديث هشام لحديث ابن أبي عروبة، والذي ساقه مسلم بتمامه وفيه: وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهراً في السماء.
كما لم ينبه أيضاً على هيئة الإيتار بسبع حيث جعله هشام يجلس في السادسة ثم السابعة، بينما في رواية ابن أبي عروبة: فلما أسن رسول الله ﷺ وأخد اللحم صلى سبع ركعاتٍ لا يقعد إلا في آخرهن.
وفي رواية النسائي وابن نصر [من طريق إسحاق بن راهويه أيضاً]: أن رسول الله ﷺ لما كبر وضعف أوتر بسبع ركعات، لا يقعد إلا في السادسة، ثم ينهض ولا يسلم فيصلي السابعة، ثم يسلم تسليمة، ثم يصلي ركعتين وهو جالس.
وكذا رواه البيهقي من طريق أبي قدامة عبيد الله بن سعيد السرخسي عن معاذ بن هشام به في الجلوس في السادسة.
وقد رواه ابن خزيمة (١١٢٧) عن بندار عن معاذ بن هشام به ولم يسق لفظه، دون أن ينبه على مخالفته للفظ الجماعة في قولهم: وأمسك الله خاتمتها، اثني عشر شهراً في السماء.
ورواه الطحاوي من طريق: عمرو بن أبي رزين، عن هشام الدستوائي، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى؛ أن سعد بن هشام سأل عائشة، فقال: يا أم المؤمنين أخبرينا عن قيام رسول الله ﷺ قالت: ألست تقرأ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾؟ قال: قلت: بلى، قالت: فإنه أنزل أول السورة فقام رسول الله ﷺ وأصحابه حتى انتفخت أقدامهم، وحبست خاتمتها اثني عشر شهراً في السماء، ثم نزلت الرخصة، فكان قيام الليل تطوعاً بعد فريضة.
وقد رواه الطيالسي عن هشام بطرفين منه، دون موضع الاختلاف.
وأما لفظ أزهر [عند أحمد]: أن نبي الله ﷺ كان إذا أوتر صلى ركعتين وهو جالس.
وكذلك رواية عبد الصمد [عند ابن خزيمة (٢/ ١٤٣)] مختصرة: ثم يسلم تسليمةً يسمعُنا.
* قلت: الكلام على رواية هشام الدستوائي من حديث اتفاقها واختلافها مع بقية أصحاب قتادة من وجوه:
* الأول: قوله في رواية ابنه معاذ: وحُبِس آخرُها في السماء ستةَ عشرَ شهراً، وهذا وهم؛ ويغلب على ظني أنه من معاذ بن هشام، فقد كان يغلط في الشيء بعد الشيء مع صدقه، وقد قال فيه ابن معين مرة: "ليس بذاك القوي" [انظر: التهذيب (٤/ ١٠٢) وغيره]، وله عن أبيه أوهام عُدَّت عليه، تقدم بعضها معنا في فضل الرحيم (٦/ ٢٧٠/ ٥٤٩) و (٨/ ٣٤/ ٧٠٣) و (٨/ ٣٨/ ٧٠٤) و (٨/ ٢٧١/ ٧٤٥) والحديث المتقدم برقم (١١٧٧).
стр. 7399
وقد خالفه فرواه بما يوافق رواية الجماعة عن قتادة: عمرو بن أبي رزين [صدوق، وروايته تلك عند الطحاوي]، فرواه عن هشام الدستوائي به، وقال: وحبست خاتمتها اثني عشر شهراً في السماء.
وهكذا رواه عن قتادة: سعيد بن أبي عروبة، وهمام بن يحيى، ومعمر بن راشد، وهذا هو المحفوظ من حديث قتادة: اثنا عشر شهراً.
وتصرف مسلم وابن خزيمة في صحيحيهما يدل على شذوذ رواية من قال: ستة عشر شهراً، وأن المحفوظ عندهما: اثنا عشر شهراً.
* ثم إنه الموافق لحديث ابن عباس المتقدم برقم (١٣٠٥)، والذي يرويه: مسعر، عن سماك الحنفي، عن ابن عباس، قال: لما نزلت أولُ المزمل كانوا يقومون نحواً من قيامهم في شهر رمضان، حتي نزل آخرُها، وكان بين أولها وأخرِها سنةٌ.
* الثاني: قوله: ويسلم تسليمةً يسمعُنا، كذا وقع في رواية هشام الدستوائي، وكذا في رواية بندار عن ابن أبي عدي عن ابن أبي عروبة، وخالفه من هو أضبط منه وأتقن، وهو محمد بن المثنى، فقال: ثم يسلم تسليماً يسمعنا، وهي الرواية التي اختارها مسلم في صحيحه، وهكذا رواه عن ابن أبي عروبة قدماء أصحابه ممن سمعوا منه قبل الاختلاط، وممن هم أثبت الناس فيه، مثل: يحيى بن سعيد القطان، وخالد بن الحارث، وعبدة بن سليمان، ومحمد بن بشر، فقالوا: ثم يسلم تسليماً يسمعنا، فعبروا بالمصدر دون لفظ العدد، وهكذا رواه معمر عن قتادة، كما سيأتي.
وقد قطعت رواية همام الاحتمال [تقدمت برقم (١٣٤٢)]؛ إذ يقول: ثم يسلم حتى يسمعني التسليم، فبان بذلك أن عائشة ﵂ إنما أرادت بهذه الكلمة بيان أن النبي ﷺ كان يرفع صوته بالتسليم حتى يوقظها للوتر، ولم تقصد بيان عدد مرات التسليم أهو تسليمة واحدة أم اثنتان.
وعلى فرض صحة رواية هشام، فمحمولة على أنه صلى رفع صوته بالتسليمة الأولى فقط لكي يوقظ أهل البيت للصلاة، فإنه كان يقوم الليل منفرداً، وعلى هذا فلم يكن المراد بيان أنه لم ينصرف من الصلاة إلا بتسليمة واحدة، وإنما المراد بيان رفع صوته بالتسليم لكي يوقظها، والله أعلم.
وسيأتي لذلك مزيد بيان عند الحديث الآتي برقم (١٣٤٩).
* الثالث: قوله: صلى سبعَ ركعاتٍ، لا يجلس إلا في السادسة، فيحمد الله ويدعو ربه، ثم يقوم ولا يسلم، ثم يجلس في السابعة، فيحمد الله ويدعو ربه، ثم يسلم.
وقد تابعه على ذلك همام بن يحيى، فقال: أوتر بسبع ركعاتٍ، لم يجلس إلا في السادسة والسابعة، ولم يسلم إلا في السابعة.
وفيه بيان أنه ﷺ كان يصليها على هيئة التسع، فيجلس عند السادسة فيتشهد التشهد الأوسط، ثم يقوم ولا يسلم، ثم يجلس بعد السابعة فيتشهد ثم يسلم.
стр. 7400
وقد جاء في رواية خالد بن الحارث عن ابن أبي عروبة ما يخالف ظاهره هذه الهيئة، حيث قال: صلى سبع ركعاتٍ لا يقعد إلا في آخرهن، وقد أجمل هذا الموضع في بقية الروايات عن ابن أبي عروبة، فقد رواه عنه: يحيى القطان ومحمد بن بشر وابن أبي عدي فقالوا فيه: أوتر بسبع، وكذا وقع في رواية معمر عن قتادة، هكذا مجملاً من غير تفصيل، هل جلس في السادسة والسابعة، أم أنه لم يجلس إلا في آخرهن.
وقد سبق أن قررت أنه يمكن الجمع بين روايات ابن أبي عروبة من وجهين:
الأول: أن تحمل الرواية المجملة على الرواية المفسرة، وبهذا يكون ابن أبي عروبة قد خالف في روايته: همامَ بن يحيى وهشاماً الدستوائي.
والثاني: أن يقال: إن الرواية المفسرة تحتمل معنى بحيث تتفق به مع رواية همام وهشام، بأن يقال: لا يقعد للتسليم إلا في آخرهن.
وبذا فلا مخالفة بين رواية ابن أبي عروبة وغيره، وهذا عندي هو الأقرب للصواب، وبه تلتئم الروايات.
وعلى القول الأول: يكون سعيد بن أبي عروبة وهشام الدستوائي قد اختلفا على قتادة، وهما من أثبت الناس في قتادة، هشام الدستوائي: ثقة ثبت حافظ، من أثبت الناس في قتادة، كما أن سعيد بن أبي عروبة ثبت في قتادة، فيُنظر أيهما قد توبع على روايته، فوجدنا أن هشاماً قد تابعه همام، فترجح روايته بالمتابعة، ولكون روايته أكثر بياناً من رواية ابن أبي عروبة، والتي تحتمل من التأويل ما لا تحتمله رواية هشام، والله أعلم.
ب- شعبة [وعنه: عيسى بن يونس، وشاذان الأسود بن عامر، وسعيد بن عامر، وأبو قتيبة سلم بن قتيبة، وهم ثقات]، عن قتادة، عن زرارة، عن سعد بن هشام الأنصاري، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا عمل عملاً أثبته، وكان إذا نام من الليل أو مرِض، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة.
قالت: وما رأيت رسول الله ﷺ قام ليلة حتى الصباح، وما صام شهراً متتابعاً إلا رمضان. لفظ عيسى وغيره.
أخرجه مسلم (٧٤٦/ ١٤١)، وأبو عوانة (٢/ ٤٧/ ٢٢٧١)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ٣٤٢/ ١٦٩٣)، وابن خزيمة (٢/ ١٩٤/ ١١٦٩) و (٢/ ١٩٩/ ١١٧٨)، وابن حبان (٦/ ١٧٩/ ٢٤٢٠) و (٦/ ٣٦٩/ ٢٦٤٢) و (٦/ ٣٧١/ ٢٦٤٤) و (٦/ ٣٧٢/ ٢٦٤٦)، وأحمد (٦/ ١٠٩)، والبيهقي (٢/ ٤٨٥)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٤/ ١١٥/ ٩٨٧)، وقال: "حديث صحيح". [التحفة (١١/ ٢١٠/ ١٦١٠٩)، الإتحاف (١٦/ ١٠٩١/ ٢١٦٧٤) و (١٦/ ١٠٩٢/ ٢١٦٧٦)، المسند المصنف (٣٧/ ٢٤٥/ ١٧٨٧٣)].
* والبخاري قد أخرج بهذا الإسناد حديث: "الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة" [حديث متفق عليه: البخاري (٤٩٣٧)، مسلم (٧٩٨)]، فهو على شرطه، لكنه أعرض عنه، وقد صححه مسلم وغيره.
стр. 7401
* ورواه إبراهيم بن عبد الحميد بن ذي حماية [حمصي، ليس به بأس. تقدم الكلام عليه تحت الحديث رقم (٣٩٦)]، عن شعبة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، قال: سألت عائشة عن قيام النبي ﷺ ، فقالت: كان يوضع له وَضوؤه وسواكه، ثم يبعثه الله متى شاء أن يبعثه له من الليل، فيستاك ويتوضأ، ثم يقوم فيركع تسع ركعات، وركعتين وهو قاعد، وكان إذا مرض أو لم يقم من الليل صلى اثنتي عشرة ركعة.
أخرجه الطبراني في الأوسط (٤/ ٣٥٠ - ٣٥١/ ٤٤٠٤)، وفي مسند الشاميين (٣/ ٣٦٢/ ٢٤٧١)، وأبو الشيخ في أخلاق النبي ﷺ (٣/ ١٢٩/ ٥٤٩).
رواه الطبراني، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن الأشعث [أبو الدرداء الأنطرطوسي الشامي: مجهول الحال. فتح الباب (٢٦٥٥)، الأنساب (١/ ٢٢٢)، معجم البلدان (١/ ٢٧٠)، تاريخ دمشق (٣٢/ ١٦٦)، تاريخ الإسلام (٢١/ ٢٠٥)]، قال: نا إبراهيم بن محمد بن عبيدة [المددي الشامي: لم أر فيه جرحاً ولا تعديلاً. إكمال ابن ماكولا (٦/ ٥٧)]، قال: نا أبي [محمد بن عَبيدة، أبو يوسف المددي الشامي: لم أر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وهو مجهول الحال، مقلٌّ، أكثر حديثه عن الجراح بن مليح. تلخيص المتشابه في الرسم (١/ ١٠٣)، تاريخ دمشق (٨/ ١٥)، إكمال ابن ماكولا (٦/ ٥٤)، توضيح المشتبه (٦/ ١٣٥)]، قال: نا الجراح بن مليح [البهراني الحمصي: لا بأس به]، قال: حدثني إبراهيم بن عبد الحميد بن ذي حماية به.
والطبراني يروي بهذا الإسناد نسخةً عن ابن ذي حماية [انظر: المعجم الأوسط (٤/ ٣٤٨ - ٣٥٤/ ٤٣٩٧ - ٤٤١٥)، مسند الشاميين (٣/ ٣٦٥ - ٣٧٤)].
* وقال أبو الشيخ: حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن [ابن متويه الأصبهاني: ثقة حافظ. السير (١٤/ ١٤٢)]: نا عمر بن عبد الملك بن حكيم الحمصي [روى عنه ابن متويه، وابن جرير الطبري في تفسيره، وعباس بن الخليل، وقيل: روى عنه النسائي، وأنه قال فيه: "صالح"، ولم يرد ذكره في تسمية شيوخه، وقال ابن حجر: "مقبول"، جامع البيان (٣/ ١٨٨)، المعجم الكبير للطبراني (١/ ٣٥٤/ ١٠٧٧) و (١٢/ ٣١٨/ ١٣٢٣١)، المعجم الأوسط (٣/ ٢٢/ ٢٣٤٥) و (٣/ ٢١٠/ ٢٩٤١)، غرائب شعبة (٢٠)، معجم ابن المقرئ (١٢٢٨)، فتح الباب (١٧٧٣)، التهذيب (٣/ ٢٤١)]: نا محمد بن عبيدة، عن الجراح بن مليح، عن إبراهيم بن عبد الحميد بن ذي حماية، عن شعبة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام؛ أنه سأل عائشة ﵂ عن قيام النبي ﷺ ، قالت: كان يوضع له وضوؤه وسواكه، ثم يبعثه الله لما شاء أن يبعثه له من الليل، فيستاك ويتوضأ، ثم يقوم فيركع تسع ركعات وركعتين وهو قائم، فلما أسنَّ كان يركع تسع ركعات وركعتين وهو قاعد، وكان إذا مرض ولم يقم من الليل صلى اثنتي عشر ركعة من النهار، كان إذا عمل عملاً داوم عليه، ولم يقرأ القرآن في ليلة، ولم يقم حتى الصباح، ولم يصم شهراً تاماً غير رمضان.
стр. 7402
قلت: حديث ابن ذي حماية هذا غريب من حديث شعبة، فإن أصحاب شعبة قد رووه بدون هذا الطرف، وإنما يُعرف هذا الطرف من حديث هشام وابن أبي عروبة وهمام ومعمر، وقد اختصر شعبة الحديث، واقتصر منه على آخره، كما رواه مسلم وغيره.
وأما رواية عمر بن عبد الملك بن حكيم الحمصي: فإنها منكرة، حيث خلط فيه، ولم يضبط متنه حين قال فيه: يقوم فيركع تسع ركعات وركعتين وهو قائم، فلما أسنَّ كان يركع تسع ركعات وركعتين وهو قاعد.
وأيًّا كان فإن أصل هذه الزيادة لا تثبت من حديث شعبة لانفراد أحد المجاهيل بها عن ابن ذي حماية، والله أعلم.
ج - أبو عوانة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة؛ أن رسول الله ﷺ كان إذا غلبته عينه، أو وجِع، فلم يصلِّ بالليل؛ صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة.
أخرجه مسلم (٧٤٦/ ١٤٠)، وأبو نعيم في مستخرجه عليه (٢/ ٣٤٢/ ١٦٩٢)، والترمذي (٤٤٥)، وقال: "حسن صحيح". وفي الشمائل (٢٦٧)، والنسائي في المجتبى (٣/ ٢٥٩/ ١٧٨٩)، وفي الكبرى (٢/ ١٧٩/ ١٤٦٥)، وابن حبان (٦/ ٣٧١/ ٢٦٤٥)، وأحمد (٦/ ١٠٩)، وابن نصر في قيام الليل (١٨٨ - مختصره)، وأبو العباس السراج في حديثه بانتقاء الشحامي (٧٠ و ٢١٧٠ و ٢٤٨٢)، وتمام في فوائده (١٧١٢)، وجعفر المستغفري في فضائل القرآن (٥١٨)، والبيهقي في السنن (٢/ ٤٨٥)، وفي الخلافيات (٣/ ٣٠٩/ ٢٤٩٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤/ ١٤٨)، [التحفة (١١/ ٢٠٨/ ١٦١٠٥)، الإتحاف (١٦/ ١٠٩٢/ ٢١٦٧٦)، المسند المصنف (٣٧/ ٢٤٥/ ١٧٨٧٣)].
د- معمر بن راشد [ثقة ثبت في الزهري وابن طاووس، وقد يهم في حديث قتادة، لكنه هنا قد حفظ الحديث، وتابع فيه أصحاب قتادة؛ إلا في حرف واحد]، رواه عن قتادة، عن زرارة بن أوفى؛ أن سعد بن هشام بن عامر كان جاراً له، فأخبره أنه طلق امرأته، ثم ارتحل إلى المدينة ليبيع عقاراً له ومالاً، يجعله في السلاح والكُراع، ثم يجاهد الرومَ حتى يموت، فلقيه رهطٌ من قومه فنهوه عن ذلك، وأخبروه أن رهطاً منهم ستةً أرادوا ذلك على عهد رسول الله ﷺ فنهاهم رسول الله ﷺ ، وقال لهم: "أليس لكم فيَّ أسوة؟ "، فلما حدثوه بذلك راجع امرأته، فلما قدم علينا أخبر أنه أتى ابن عباس فسأله عن الوتر، فقال ابن عباس: أولا أنبئك، أو: ألا أدلك بأعلم أهل الأرض بوتر رسول الله ﷺ ؟ قلت: من؟ قال: عائشة، فأتها فسلها عن ذلك، ثم ارجع إليَّ فأخبرني بردها عليك، قال سعد بن هشام: فأتيت حكيم بن أفلح فاستلحقته إليها، فقال: ما أنا بمقاربها، إني نهيتها أن تقول بين الشيعتين شيئاً، فأبت إلا مُضيًّا فيها، فأقسمتُ عليه فجاء معي، فسلمنا عليها، فدخل فعرفته، فقالت: أحكيم؟ فقال: نعم، فقالت: من هذا معك؟ قال: سعد بن هشام، قالت: من هشام؟ قال: ابن عامر، قالت: نعم المرء كان عامراً، أصيب مع رسول الله ﷺ يوم أُحد.
стр. 7403
قال: فقلت: يا أم المؤمنين! أنبئيني عن خُلُق رسول الله ﷺ ، فقالت: أما تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: فإن خلق رسول الله ﷺ كان القرآن.
قال: فهممتُ أن أقوم فبدا لي، فقلت لها: أنبئيني عن قيام رسول الله ﷺ ، فقالت: أما تقرأ هذه السورة ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾؟ قال: قلت: بلى، قالت: فإن الله افترض القيام في أول هذه السورة، فقام نبي الله ﷺ وأصحابه حولاً حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله خاتمتها اثنتي عشر شهراً، ثم أنزل الله التخفيف في آخر السورة، فصار قيام الليل تطوعاً بعد إذ كان فريضة.
فهممتُ أن أقوم فبدا لي فسألتها، فقلت: يا أم المؤمنين! أنبئيني عن وتر رسول الله ﷺ ، فقالت: كنا نعد له سواكَه وطَهورَه من الليل، فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه، ثم يتسوك ويتوضأ ثم يصلي تسع ركعات لا يقعد فيهن إلا عند الثامنة، فيحمد الله ويذكره ويدعوه، ثم ينهض ولا يسلم حتى يصلي التاسعة، فيقعد ويحمد الله ويذكره ويدعوه، ثم يسلم تسليماً يسمعنا، ثم يصلي ركعتين وهو قاعد بعدما يسلم، فتلك إحدى عشرة ركعة؟ أي بني!
فلما أسنَّ رسول الله ﷺ وأخذ اللحمَ، أوتر بسبعٍ، وصلى ركعتين وهو قاعد بعدما يسلم، فتلك تسعٌ؛ أي بني!
وكان نبي الله ﷺ إذا صلى صلاةً أحب أن يداوم عليها، وكان نبي الله ﷺ إذا غلبه عن قيامِ الليل نوم أو وجع صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة، ولا أعلم نبي الله ﷺ قرأ القرآن في ليلةٍ، ولا قام ليلةً حتى أصبح، ولا صام شهراً كاملاً غيرَ رمضان.
قال: فأتيت على ابن عباس فأنباته بحديثها، فقال: صدقت، أما أني لو كنت أدخل عليها لشافهتها به مشافهةً، قال حكيم بن أفلح: أما إني لو علمت أنك ما تدخل عليها ما أنبأتك بحديثها.
أخرجه مسلم (٧٤٦/ ١٣٩)، وأبو عوانة (١/ ٥٥١/ ٢٠٦٠) و (٢/ ٥٥/ ٢٢٩٤) و (٣/ ٩/ ٤٠٠٢)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ٣٤٠/ ١٦٩١)، والنسائي في المجتبى (٣/ ٢٤١/ ١٧٢١)، وفي الكبرى (١/ ٢٥٣/ ٤٤٨)، وابن حبان (٦/ ٢٩٢/ ٢٥٥١)، والحاكم (٢/ ٤٩٩) (٥/ ٩٢/ ٣٨٨٤ - ط. الميمان)، وأحمد (٦/ ١٦٣ و ١١٦٨، وإسحاق بن راهويه (٣/ ٧١١/ ١٣١٦) و (٣/ ٨٢٨/ ١٤٧٨)، وعبد الرزاق (٣/ ٣٩/ ٤٧١٤) (٣/ ١٦/ ٤٧٦٥ - ط. التأصيل) [واللفظ له]. وابن نصر في قيام الليل (١١٠ - مختصره)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٤٥/ ٢٥٥٢) و (٥/ ١٥٩/ ٢٥٩٢) و (٥/ ١٦١/ ٢٥٩٨) و (٥/ ١٧٦/ ٢٦٣٥)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٤/ ٢٠٥٨/ ٥١٧٢)، [التحفة (١١/ ٢٠٧/ ١٦١٠٤) و (١١/ ٢٠٨/ ١٦١٠٧)، الإتحاف (١٦/ ١٠٨٧/ ٢١٦٧٢) و (١٦/ ١٠٩٣/ ٢١٦٨٠)، المسند المصنف (٣٧/ ٢٤٥/ ١٧٨٧٣)].
قلت: وهم معمر في آخر الحديث، في حرف واحد، حين قال: قال حكيم بن أفلح: أما إني لو علمت أنك ما تدخل عليها ما أنبأتك بحديثها.
стр. 7404
وإنما القائل هو سعد بن هشام، فقد طلب منه ابن عباس أن يرجع إليه ليخبره بما قالت له عائشة، قال ابن عباس لسعد: فأتها فسلها عن ذلك، ثم ارجع إليَّ فأخبرني بردها عليك.
هـ - ورواه أبان بن يزيد العطار [ثقة ثبت، وهو من طبقة الشيوخ من أصحاب قتادة]، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يوتر بثلاث لا يقعد إلا في آخرهن.
أخرجه الحاكم (١/ ٣٠٤) (٢/ ٦٧/ ١١٥٣ - ط. الميمان)، وعنه: البيهقي في السنن (٣/ ٢٨)، وفي الخلافيات (٣/ ٣٣١/ ٢٥٣٨)، بإسناد صحيح إلى شيبان بن فروخ أبي شيبة: ثنا أبان به. [الإتحاف (١٦/ ١٠٨٦/ ٢١٦٧١)].
قال البيهقي في السنن: "كذا في هذه الرواية، وقد روينا في حديث سعد بن هشام وتر النبي ﷺ بتسع ثم بسبع، والله أعلم".
وقال في موضع آخر (٣/ ٣١): "ورواه الجماعة عن ابن أبي عروبة عن قتادة، وهمام بن يحيى عن قتادة، كما سبق ذكره في وتره بتسع ثم بسبع، وكذلك رواه بهز بن حكيم عن زرارة بن أوفى، وفي رواية عبد الوهاب يشبه أن يكون اختصاراً من الحديث، ورواية أبان خطأ، والله أعلم، وقد ورد الخبر بالنهي عن الوتر بثلاث ركعات متشبهة بصلاة المغرب".
وقال في المعرفة (٢/ ٣٢٠): "وهو بخلاف رواية: ابن أبي عروبة، وهشام الدستوائي، ومعمر، وهمام، عن قتادة".
وقال في الخلافيات: "فصارت الرواية عن قتادة فيه متعارضة، والصحيح رواية محمد بن بشر عن سعيد، والعراقيون لا يقولون بذلك".
وفي المنتقى للمجد ابن تيمية أن الإمام أحمد ضعف إسناد هذا الحديث [نيل الأوطار (٣/ ٣٥)، البدر المنير (٤/ ٣٠٨)].
وقال ابن رجب في الفتح (٦/ ١٩٦): "قال الإمام أحمد: فهذه الرواية خطأ. يشير إلى أنها مختصرة من رواية قتادة المبسوطة".
قلت: هو حديث شاذ، تفرد به عن أبان بن يزيد العطار دون بقية أصحابه: شيبان بن فروخ، وهو: صدوق، لكن قال أبو زرعة مرةً: "يهِم كثيراً"، وقال أبو حاتم: "كان يرى القدر، اضطر الناس إليه بأخرة"، وقال الذهبي: "وما علمت به بأساً، ولا استنكروا شيئاً من أمره، ولكنه ليس في الذروة" [سؤالات البرذعي (٢/ ٥١١)، الجرح والتعديل (٤/ ٣٥٧)، علل ابن أبي حاتم (٧٦٩)، علل الدراقطني (١٢/ ٤٤٧/ ٢٨٨٦)، السير (١١/ ١٠١)، إكمال مغلطاي (٦/ ٣٠٨)، التهذيب (٢/ ١٨٥)].
قلت: والوهم فيه عندي من شيبان، لا من أبان، والله أعلم.
و- ورواه أبو عبيدة مجاعة بن الزبير [ضعيف. اللسان (٦/ ٤٦٣)، كنى مسلم
стр. 7405
٢٣٩٩ - ، الجرح والتعديل (٨/ ٤٢٠) و (١/ ١٥٤)، الثقات (٧/ ٥١٧)]، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، قال: قلت - يعني: لعائشة -: … فذكر الحديث؛ إلا أنه قال فيه: ثم يسلم تسليمةً واحدةً، مستقبل القبلة، يسمعنا أهل البيت.
أخرجه جعفر المستغفري في فضائل القرآن (٤٩٥)، بإسناد غريب فيه جهالة إلى مجاعة به.
والراوي عن مجاعة: عبد الله بن رُشيد الجنديسابوري: قال جعفر بن محمد الجوزي: "ثنا عبد الله بن رشيد، وكان ثقة"، وقال ابن حبان في الثقات: "مستقيم الحديث"، وقال البيهقي: "لا يحتج به"، وقال الذهبي: "ليس بقوي، وفيه جهالة" [صحيح أبي عوانة (٤/ ٣٨٦/ ٧٠٤٤)، الثقات (٨/ ٣٤٣)، سنن البيهقي (٦/ ١٠٨)، الأنساب (٢/ ٩٥)، المغني (١/ ٣٣٨)، تاريخ الإسلام (١٦/ ٢٢٢)، ذيل الميزان (٤٦٩)، اللسان (٤/ ٤٧٧)].
والراوي عنه غير مشهور، ثم الراوي عنه: أبو بكر أحمد بن محمد بن عمر بن عبد الرحمن بن عمر بن محمد بن المنكدر القرشي التيمي المنكدري المدني نزل البصرة ثم أصبهان ثم الري ونيسابور: حافظ جوال، على لين فيه، له أفراد ومناكير وعجائب [تاريخ دمشق (٥/ ٤٢٧)، السير (١٤/ ٥٣٢)، التذكرة (٣/ ٧٩٣)، اللسان (١/ ٦٣٨)].
ز - ورواه أيضاً من الضعفاء: الحكم بن عبد الملك، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، قال: قلت لعائشة ﵂: أخبريني عن خلق رسول الله ﷺ قالت: أوما تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
وفي رواية: قلت لعائشة ﵂: أخبريني عن قراءة رسول الله ﷺ ، قالت: لما أنزل عليه ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾ [المزمل: ١، ٢]، قاموا سنة حتى ورمت أقدامهم، فأنزل الله : ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ [المزمل: ٢٠].
أخرجه محمد بن الحسين البُرجلاني في الكرم والجود (١٤)، والحاكم (٢/ ٥٠٤) (٥/ ١٠٣/ ٣٩٠٣ - ط. الميمان)، [الإتحاف (١٦/ ١٠٩٣/ ٢١٦٧٨)].
من طريق: الحسن بن بشر بن سلم الهمداني، قال: ثنا الحكم به.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"، فتعقبه الذهبي بقوله: "الحكم: ضعيف".
قلت: لا يصح بهذا اللفظ عن قتادة؛ تفرد به عن قتادة: الحكم بن عبد الملك، وقد روى الحكم هذا عن قتادة غير حديثٍ لم يتابع عليه، وهذا الحديث مثال على ذلك، فهو: ضعيف، قليل الرواية عن قتادة، ينفرد عنه بما لا يتابع عليه [ضعفاء العقيلي (١/ ٢٥٧)، الجرح والتعديل (٣/ ١٢٢)، علل الحديث (١/ ٢٠٤/ ٥٨٧)، التهذيب (١/ ٤٦٦)] [وانظر في مناكيره فيما تقدم: الحديث رقم (٤٠٢) الطريق رقم (٢٢)]، والحسن بن بشر البجلي: متكلم فيه أيضاً، وهو: لا بأس به، روى عن زهير أحاديث منكرة، وقد روى عنه أبو حاتم
стр. 7406
وصدقه، وأبو زرعة الرازي، وروى عنه البخاري في الصحيح من غير روايته عن زهير [الجرح والتعديل (٣/ ٣)، التهذيب (١/ ٣٨٤)، الميزان (١/ ٤٨١)].
ح - وروى الطبراني، قال: حدثنا يحيى بن نافع أبو حبيب المصري [لم أر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وليس بذاك المشهور، ففيه جهالة. تاريخ الإسلام (٢١/ ٣٣٣) و (٢٢/ ٣٢٥)]: حدثنا سعيد بن أبي مريم [ثقة ثبت]: أخبرنا عبد الله بن لهيعة [ضعيف]، عن يزيد بن أبي حبيب [ثقة فقيه]، عن عمران بن سليمان - يعني: القبي -[كوفي ثقة. تاريخ ابن معين للدوري (٤/ ٦٨/ ٣١٨٤)، التاريخ الكبير (٦/ ٤٢٦)، الجرح والتعديل (٦/ ٢٩٩)، الثقات (٧/ ٢٤١)، تاريخ أسماء الثقات (١٠٧٧)، اللسان (٦/ ١٧٣)، الثقات لابن قطلوبغا (٧/ ٣٨٣)]، عن قتادة الأعمى، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام قال: سألت عائشة عن قيام رسول الله ﷺ من الليل فقالت: كان قيام رسول الله ﷺ فريضةً حين أنزل الله ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾ [المزمل: ١، ٢]، فكان أول فريضة، فكانوا يقومون حتى تتفطر أقدامهم، وحبس الله آخر السورة عنهم حولاً ثم أنزل: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، فصار قيام الليل تطوعاً.
أخرجه الطبراني في المعجم الصغير (١١٦٠)، وفي حديثه لأهل البصرة بانتقاء ابن مردويه (١٢٧).
قال الطبراني: "لم يروه عن عمران بن سليمان الكوفي إلا يزيد، ولا عنه إلا ابن لهيعة، تفرد به: ابن أبي مريم".
قلت: لفظه قريب من لفظ جماعة أصحاب قتادة، لكن مع تقديم وتأخير، دون ذكر الآية الناسخة، فلا يُحفظ تعيينها من حديث قتادة، وإنما يحفظ ذلك من حديث:
علي بن حسين، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: في المزمل: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ﴾ نسختها الآية التي فيها ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، [تقدم برقم (١٣٠٤)، وهو حديث حسن].
وهذا حديث غريب من حديث يزيد بن أبي حبيب، كما أن عمران القبي غير مشهور بالرواية عن قتادة، ولا عنه يزيد، فهو حديث مدني، ثم بصري، ثم كوفي، ثم مصري، فهو غريب جداً، والله أعلم.
وأخاف أن يكون قد تفرد به: يحيى بن نافع أبو حبيب المصري، فتكون التبعة عليه، دخل له حديث في حديث، والله أعلم.
والحاصل: فإن حديث سعد بن هشام عن عائشة: حديث صحيح.
ثبت بإسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات مشاهير، على شرط الشيخين، وقد أخرجه مسلم في صحيحه محتجًّا به، وأخرج البخاري بإسناده حديث: "الماهر بالقرآن" [كما تقدم ذكره عند حديث شعبة]، واحتج به أحمد وجماعة من الأئمة، وقد صححه أيضاً: الترمذي وأبو عوانة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم، واحتج به أيضاً: أبو داود والنسائي.
стр. 7407
* قال أبو داود في مسائله لأحمد (٤٦١): "سمعت أحمد سئل عمن يوتر بتسع؟ قال: إذا كان يوتر [وفي رواية: إذا أوتر] بتسع فلا يقعد إلا في الثامنة" [مختصر كتاب الوتر لابن نصر (٢٨٨)].
وقال ابن القيم في الزاد (١/ ٣١٩): "قال أبو طالب: سألت أبا عبد الله: إلى أي حديث تذهب في الوتر؟ قال: أذهب إليها كلها: من صلى خمساً لا يجلس إلا في آخرهن، ومن صلى سبعاً لا يجلس إلا في آخرهن، وقد روي في حديث زرارة عن عائشة: يوتر بتسع يجلس في الثامنة.
قال: ولكن أكثر الحديث وأقواه ركعة، فانا أذهب إليه، … ".
وقال عبد الله بن أحمد في مسائله لأبيه (٣٣٥): "قلت لأبي: قال بعض الناس: أوتر بركعتين؟ قال: لا يكون هذا وتراً حتى يكون واحدة، أو ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً، وهذا كله يروى عن النبي ﷺ ، وأحب إلي أن يوتر بواحدة إذا كان قبلها صلاة متقدمة".
وقال محمد بن نصر في كتاب الوتر (٢٨٤ - مختصره): "وقد روي عن النبي ﷺ أنه أوتر بسبع، لم يجلس إلا في السادسة والسابعة، ولم يسلم إلا في آخرهن.
وقد روي عنه أنه أوتر بتسع لم يجلس إلا في الثامنة والتاسعة.
وكل ذلك جائز أن يعمل به اقتداء به صلى … "، إلى أن قال: "لأنها أخبار حسان غير مدفوعة عند أهل العلم بالأخبار".
وعلى هذا؛ فانفراد سعد بن هشام عن عائشة بهذه الهيئة في الوتر لا يضره، فإن سعد بن هشام: تابعي ثقة، لقي عائشة وهو كبير، فيصعب توهيمه بغير حجة، لا سيما ولم يتكلم فيه الأئمة بجرح، ولم يوهنوه لأجل هذا الحديث مع اشتهاره، وتعدد طرقه عنه، وبلوغه الآفاق، بل قد وثقه ابن سعد، والنسائي على تشدده في الرجال، وذكره ابن حبان في الثقات، وأخرج له الشيخان [التهذيب (١/ ٦٩٨)]، وكون عائشة قد اختصته بصفة خاصة من قيام الليل غير مستبعد، كما اختصت غيره، ثم إنه قد ذكر في الحديث قصة له تدل على حفظه للحديث، وضبطه له، فهي واقعة وقعت له حيث طلق زوجته وذهب ليبيع عقاره بالمدينة ليجعله في السلاح والكراع ثم يجاهد حتى يموت، فلما رده قومه عن ذلك، راجع امرأته، وذهب يسأل عن عبادة رسول الله ﷺ ، عن خلقه وقيامه ووتره، فكان ذلك أدعى لحفظه وضبطه لما يرويه، ثم إنه لم يصرح الأئمة الكبار بإنكار هذا الحديث عليه، بدعوى أنه قد أتى فيه بما لم يُعرف إلا من طريقه؛ وذلك لأن مثل هذا مما يحتمل، وأن عائشة كانت تحدث كلًّا بصورة من صور وتره ﷺ ، فلا يقال بأن عائشة اضطربت كما زعم بعضهم، والله أعلم.
قال القرطبي في المفهم (٢/ ٣٦٧): "قد أشكلت هذه الأحاديث على كثير من العلماء حتى إن بعضهم نسبوا حديث عائشة في صلاة الليل إلى الاضطراب.
وهذا إنما كان يصح لو كان الراوي عنها واحداً أو أخبرت عن وقتٍ واحدٍ،
стр. 7408
والصحيح أن كل ما ذكرته صحيح من فعل النبي ﷺ في أوقات متعددة، وأحوال مختلفة، حسب النشاط والتيسير، ولتبيين أن كل ذلك جائز".
وقال ابن القيم في إعلام الموقعين (٣/ ١٠): "المثال الثالث والسبعون: ردُّ السُّنَّة الصحيحة الصريحة المحكمة في الوتر بخمس متصلة وسبع متصلة؛ … "، فذكر الأحاديث إلى أن قال: "وكحديث عائشة ﵂؛ أنه ﷺ كان يصلي من الليل تسع ركعات، لا يجلس فبها إلا في الثامنة، … "، فذكر الحديث، ثم قال: "وكلها أحاديث صحاح صريحة لا معارض لها؛ فردت هذه بقوله ﷺ : "صلاة الليل مثنى مثني" وهو حديث صحيح، ولكن الذي قاله هو الذي أوتر بالتسع والسبع والخمس، وسُننه كلُّها حق يصدِّق بعضها بعضاً؛ فالنبي ﷺ أجاب السائل له عن صلاة الليل بأنها مثنى مثنى، ولم يسأله عن الوتر، وأما السبع والخمس والتسع والواحدة فهي صلاة الوتر، والوتر اسم للواحدة المنفصلة مما قبلها، وللخمس والسبع والتسع المتصلة".
وقال ابن رجب في الفتح (٦/ ٢٠١): "وأجاز أحمد وأصحابه وإسحاق: أن يوتر بثلاث موصولة، وأن يوتر بخمس لا يجلس إلا في آخرهن، وبتسع لا يجلس إلا في الثامنة، ولا يسلم ثم يقوم فيصلي ركعة، ثم يسلم؛ لما جاء في حديث عائشة المتقدم.
وجعلوا هذه النصوص خاصة، تخص عموم حديث: "صلاة الليل مثنى مثنى"، وقالوا في التسع والسبع والخمس: الأفضل أن تكون بسلام واحد؛ لذلك".
* قلت: فالكل صحيح من فعل النبي ﷺ في أوقات متعددة، وأحوال مختلفة، حسب النشاط والتيسير، ولتبيين أن كل ذلك جائز.
وسوف يأتي نقل كلام أهل العلم في ذلك مفصلاً عند الحديث رقم (١٣٥٢)، إن شاء الله تعالى.
١٣٤٦ - قال أبو داود: حدثنا علي بن حسين الدرهمي: حدثنا ابن أبي عدي، عن بهز بن حكيم: حدثنا زرارة بن أوفى؛ أن عائشة ﵂ سئلت عن صلاة رسول الله ﷺ في جوف الليل، فقالت: كان يصلي صلاةَ العشاء في جماعةٍ، ثم يرجعُ إلى أهله، فيركع أربع ركعاتٍ، ثم يأوي إلى فراشه، وينامُ وطَهورُه مغطًّى عند رأسه، وسواكُه موضوعٌ، حتى يبعثه الله ساعتَه التي يبعثه من الليل، فيتسوَّك، ويسبغ الوضوء، ثم يقوم إلى مصلاه، فيصلي ثماني ركعاتٍ، يقرأ فيهنَّ بأمِّ الكتاب، وسورةٍ من القرآن، وما شاء الله، ولا يقعد في شيء منها حتى يقعد في الثامنة، ولا يسلم، ويقرأ في التاسعة، ثم يقعد، فيدعو بما شاء الله أن يدعوه، ويسأله، ويرغب إليه، ويسلِّم تسليمةً واحدةً شديدةً، يكاد يوقظُ أهلَ البيت من شدِّة تسليمه، ثم يقرأ وهو
стр. 7409
قاعدٌ بأمِّ الكتاب، ويركع وهو قاعدٌ، ثم يقرأ الثانية، فيركع ويسجد وهو قاعدٌ، ثم يدعو ما شاء الله أن يدعو، ثم يسلم وينصرف.
فلم تزل تلك صلاة رسول الله ﷺ حتى بدُنَ، فنقص من التسع ثنتين، فجعلها إلى الستِّ والسبع، وركعتيه وهو قاعدٌ، حتى قُبِض على ذلك ﷺ .
حديث شاذ بذكر الأربع بعد العشاء، وبإسقاط سعد بن هشام من إسناده
أخرجه من طريق ابن أبي عدي: العقيلي في الضعفاء (٤/ ٢٤٨)، [التحفة (١١/ ١٩٧/ ١٦٠٨٦)، المسند المصنف (٣٧/ ٢٥٧/ ١٧٨٧٣)].
رواه عن ابن أبي عدي: علي بن حسين الدرهمي، وبكر بن خلف [وهما ثقتان].
١٣٤٧ - قال أبو داود: حدثنا هارون بن عبد الله: حدثنا يزيد بن هارون: أخبرنا بهز بن حكيم، … فذكر هذا الحديث بإسناده، قال: يصلي العشاء، ثم يأوي إلى فراشه، … لم يذكر الأربع ركعات، وساق الحديث، وقال فيه: فيصلي ثماني ركعاتٍ يسوِّي بينهنَّ في القراءة والركوع والسجود، ولا يجلس في شيءٍ منهنَّ، إلا في الثامنة، فإنه كان يجلس، ثم يقوم، ولا يسلِّم فيه، فيصلي ركعةً يوتر بها، ثم يسلم تسليمةً يرفع بها صوته حتى يوقظَنا، … ثم ساق معناه.
حديث شاذ بإسقاط سعد بن هشام من إسناده
أخرجه أبو داود هنا في السنن، كما أخرجه في مسائله لأحمد (١٩٦٧).
* وأخرجه من طريق يزيد بن هارون: أحمد (٦/ ٢٣٦) (١٢/ ٦٢٦٥/ ٢٦٦٢٧ - ط. المكنز)، [التحفة (١١/ ١٩٧/ ١٦٠٨٦)، الإتحاف (١٦/ ١٠٧٨/ ٢١٦٦٠)، المسند المصنف (٣٧/ ٢٥٧/ ١٧٨٧٣)].
رواه عن يزيد بن هارون: هارون بن عبد الله [واللفظ له]، وأحمد بن حنبل.
ولفظ أحمد [في المسند]: حدثنا يزيد، قال: حدثنا بهز بن حكيم - وقال مرة: أخبرنا - قال: سمعت زرارة بن أوفى، يقول: سُئِلت عائشةُ عن صلاة رسول الله ﷺ بالليل؟ فقالت: كان يصلي العشاء ثم يصلي بعدها ركعتين، ثم ينام، فإذا استيقظ وعنده وَضوؤه مغطى وسواكه، استاك ثم توضأ، فقام فصلى ثمان ركعات، يقرأ فيهن بفاتحة الكتاب وما شاء من القرآن - وقال مرة: ما شاء الله من القرآن -، فلا يقعد في شيء منهن إلا في الثامنة، فإنه يقعد فيها فيتشهد ثم يقوم ولا يسلم، فيصلي ركعة واحدة، ثم يجلس فيتشهد ويدعو، ثم يسلم تسليمة واحدة: السلام عليكم، يرفع بها صوته حتى يوقظنا، ثم يكبر وهو
стр. 7410
جالس، فيقرأ ثم يركع ويسجد وهو جالس، فيصلي جالساً ركعتين، فهذه إحدى عشرةَ ركعة، فلما كثر لحمه وثقل جعل التسع سبعاً، لا يقعد إلا كما يقعد في الأولى، ويصلي الركعتين قاعداً، فكانت هذه صلاة رسول الله ﷺ حتى قبضه الله.
١٣٤٨ - قال أبو داود: حدثنا عمرو بن عثمان: حدثنا مروان - يعني: ابن معاوية -، عن بهز: حدثنا زرارة بن أوفى، عن عائشة أم المؤمنين؛ أنها سئلت عن صلاة رسول الله ﷺ ، فقالت: كان يصلي بالناس العشاء ثم يرجعُ إلى أهله، فيصلي أربعاً، ثم يأوي إلى فراشه، … ثم ساق الحديث بطوله، ولم يذكر: يسوِّي بينهنَّ في القراءة والركوع والسجود، ولم يذكر في التسليم: حتى يوقظَنا.
حديث شاذ بذكر الأربع بعد العشاء، وبإسقاط سعد بن هشام من إسناده
أخرجه أبو داود هنا في السنن، كما أخرجه في مسائله لأحمد (١٩٦٧)، [التحفة (١١/ ١٩٧/ ١٦٠٨٦)، المسند المصنف (٣٧/ ٢٥٧/ ١٧٨٧٣)].
قال المنذري: "ورواية زرارة بن أوفى عن سعد بن هشام عن عائشة: هي المحفوظة، وعندي في سماع زرارة من عائشة نظر، فإن أبا حاتم الرازي قال: قد سمع زرارة من عمران بن حصين، ومن أبي هريرة، ومن ابن عباس، [قال ابن أبي حاتم:] ومَنْ أيضاً؟ قال: هذا ما صح له. وظاهر هذا أنه لم يسمعه عنده من عائشة، والله أعلم" [مختصر السنن (٢/ ١٠١) (١/ ٣٩٠ - ط. المعارف)، التوضيح (٩/ ٧٦)] [وانظر: الجرح والتعديل (٣/ ٦٠٣)، المراسيل (٢٢١)، تحفة التحصيل (١١٠)].
١٣٤٩ - قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل: حدثنا حماد - يعني: ابن سلمة -، عن بهز بن حكيم، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة ﵂. . . بهذا الحديث، وليس في تمام حديثهم.
حديث صحيح
تقدم بنفس إسناده، وبطرف منه برقم (٥٦) (١/ ٢٠٧/ ٥٦ - فضل الرحيم الودود)، وتقدم ذكر من أخرجه بالطرف الأول، وهو طرف محفوظ، رواه قتادة في حديثه عن زرارة بن أوفى.
* وأخرجه بهذا الطرف موضع الشاهد من طريق حماد بن سلمة: العقيلي في الضعفاء (٤/ ٢٤٨)، [التحفة (١١/ ٢١٠/ ١٦١١٠ و ١٦١١١)، المسند المصنف (٣٧/ ٢٥٣/ ١٧٨٧٣)].
стр. 7411
رواه عن حماد بن سلمة: أبو سلمة التبوذكي موسى بن إسماعيل، وحجاج بن منهال.
ولفظ حجاج [عند العقيلي]: أن رسول الله ﷺ كان يوتر بتسع ركعات، فلما لحُم وبدُن أوتر بسبع ركعات، وركع ركعتين وهو جالس.
وهذا أيضاً صحيح؛ إذ هو محفوظ كما في حديث قتادة عن زرارة، لكنه مختصر.
وعلى هذا فإن رواية حماد بن سلمة عن بهز عن زرارة، متابعة لرواية قتادة عن زرارة؛ سنداً ومتناً، حيث زاد حماد بن سلمة ذكر سعد بن هشام في الإسناد، وأطرافه مضمنة في حديث قتادة؛ فهو حديث صحيح.
تابع حماد بن سلمة على زيادة سعد بن هشام في الإسناد، ولم يضبط المتن:
عمران بن يزيد العطار، عن بهز بن حكيم، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، قال: قلت لأم المؤمنين عائشة: كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ من الليل؟ قالت: كان يصلي العشاء … فذكر الحديث، ويصلي ركعتين قائماً يرفع صوته، كأنه يوقظنا، بل يوقظنا، ثم يدعو بدعاء يسمعنا، ثم يسلم تسليمة، يرفع بها صوته.
أخرجه أحمد (٦/ ٢٣٦) (١٢/ ٦٢٦٥/ ٢٦٦٢٨ - ط. المكنز)، قال: حدثنا يونس [يعني: ابن محمد المؤدب، وهو: ثقة ثبت]، قال: ثنا عمران به [الإتحاف (١٦/ ١٠٧٨/ ٢١٦٦٠)، المسند المصنف (٣٧/ ٢٤٥/ ١٧٨٧٣)].
وعمران هذا ترجم له العجلي في الثقات (١٤٣١) بقوله: "عمران بن يزيد العطار: بصري ثقة، وكان يرى القدر، [الثقات لابن قطلوبغا (٧/ ٣٩٣)]، وقد روى له أحمد في المسند أربعة أحاديث، قال في الأول (٥/ ٣٣٩): ثنا يونس: ثنا عمران بن يزيد القطان بصري، عن أبي حازم، والثاني (٦/ ٢٣٦) هو هذا الحديث، وقال: العطار بدل القطان، وشيخه فيه: بهز بن حكيم، والثالث والرابع (٦/ ٣٥٠) قال فيه: ثنا يونس، قال: ثنا عمران بن يزيد العطار بصري، عن منصور بن عبد الرحمن [وأحد هذين الحديثين الأخيرين، أخرجه أبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٣/ ٣٣٤/ ٢٨٧٠) من طريق: أبي بكر بن أبي شيبة: ثنا يونس بن محمد: ثنا عمران بن زيد، عن منصور بن صفية به، كذا قال فيه: عمران بن زيد، وليس ابن يزيد]، لذا ترجم له الحسيني في الإكمال (٦٧٣) بقوله: "عمران بن يزيد القطان بصري: عن أبي حازم، ومنصور بن عبد الرحمن، وعنه: يونس بن محمد المؤدب: مجهول"، وذلك لكونه لم يجد له ترجمة في أصول كتب الرجال الثلاثة: التاريخ الكبير، والجرح والتعديل، وثقات ابن حبان ومجروحيه، ولا في غيرها؛ إلا ما كان من العجلي في ثقاته، ويبدو أنه لم يقف عليه.
قلت: لكن من نفس طبقته: عمران بن يزيد، أو: ابن زيد التغلبي، وقيل: الثعلبي، أبو يحيى الملائي الطويل، من أهل الكوفة، ونسبه ابن عدي بصريًّا، وهو معروف بالرواية عن أبي حازم سلمة بن دينار الأعرج، روى عنه: وكيع بن الجراح، وأسد بن موسى، وأبو
стр. 7412
نعيم الفضل بن دكين، وأبو الوليد الطيالسي، وابن المبارك، وعبد الله بن رجاء الغداني، وأحمد بن يونس، وعبيد الله بن محمد العيشي، وأبو النضر هاشم بن القاسم، وعلي بن الجعد، وغيرهم، وهؤلاء جميعاً من نفس طبقة يونس المؤدب.
كذلك فقد جاء في بعض المصادر: عن يونس بن محمد المؤدب؛ أنه قال: حدثنا عمران بن زيد، بحديث غير ما تقدم ذكره؛ بل إن بعض الأحاديث التي رواها عمران بن زيد التغلبي، قد رواها عنه: يونسى بن محمد المؤدب [انظر: السُّنَّة لابن أبي عاصم (٩٨١)، مسند أبي يعلى (٤/ ٤٥٩/ ٢٥٨٦)، ضعفاء العقيلي (١/ ٢٨٤) و (٢/ ٢٤)، معجم ابن الأعرابي (٢/ ٧٦٢/ ١٥٤٤)، دلائل النبوة للبيهقي (٦/ ٥٤٨)].
فتبين لي بهذه القرائن أنه شخص واحد، لا سيما ولم يترجم للعطار أو القطان لا البخاري ولا ابن أبي حاتم ولا ابن حبان، مما يدل على أنه عندهم هو نفسه التغلبي، وأن يونس بن محمد هو الذي نسبه لإحدى الحرف والصنائع، والله أعلم.
قلت: فبهذه القرائن يظهر لي: أنه هو عمران بن زيد التغلبي، وهو: ليس بالقوي، قال ابن المديني: "كان عندنا ثقة ثبتاً"، وقال ابن معين في رواية الدوري عنه: "ليس به بأس"، وفي موضع آخر: "ليس يحتج بحديثه"، وقال ابن أبي خيثمة: سئل يحيى بن معين عن عمران بن يزيد التغلبي، فقال: "ضعيف"، وقال أبو حاتم: "شيخ يكتب حديثه، ليس بالقوي"، وقال العقيلي: "يهم في الحديث"، وقال ابن حبان في المجروحين (٢/ ١٢٥): "منكر الحديث على قلته، يروي عن الأثبات ما لا يشبه حديث الثقات"، وقال ابن عدي: "قليل الحديث" [سؤالات ابن أبي شيبة (٤٦)، تاريخ ابن معين للدوري (٤/ ٦٣/ ٣١٥٩) و (٤/ ٢٦٣/ ٤٢٨٦)، الجرح والتعديل (٦/ ٢٩٨)، علل ابن أبي حاتم (١٠٦١)، ضعفاء العقيلي (٣/ ٣٠٦) (٣/ ١٨١ - ط. التأصيل)، الكامل (٥/ ٨٩) (٧/ ٤٨٣ - ط. الرشد)، تعليقات الدارقطني على المجروحين (٢٣٤)، الإكمال لابن ماكولا (١/ ٥٢٧)، تاريخ الإسلام (٤/ ٤٦٧ - ط. الغرب)، الميزان (٣/ ٢٣٧)، التعجيل (٨١٧)، التهذيب (٣/ ٣١٩)، توضيح المشتبه (٢/ ٤٥)].
وعليه: فإن عمران هذا قد أصاب في زيادة سعد بن هشام في الإسناد، بينما خلط في المتن ولم يضبطه.
* قلت: هكذا اختلف على بهز بن حكيم:
أ- فرواه ابن أبي عدي، ويزيد بن هارون، ومروان بن معاوية، ومحمد بن عبد الله الأنصاري [وهم ثقات، أكثرهم أثبات]:
عن بهز بن حكيم: حدثنا زرارة بن أوفى؛ أن عائشة ﵂ سئلت عن صلاة رسول الله ﷺ في جوف الليل، … الحديث.
* وتابع بهزاً على هذا الوجه:
أبان بن أبي عياش [متروك]، عن زرارة بن أوفى، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا لم يصلِّ من الليل شيئاً صلى من النهار اثني عشر ركعة.
стр. 7413
أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٥١/ ٤٧٥١)، عن إبراهيم بن محمد [هو: ابن أبي يحيى الأسلمي، وهو: متروك، كذبه جماعة]، عن أبان به. [المسند المصنف (٣٧/ ٢٥٧/ ١٧٨٧٣)].
ب - وخالفهم فزاد في الإسناد سعد بن هشام:
حماد بن سلمة [ثقة]، وعمران بن يزيد العطار [ليس بالقوي]:
فروياه عن بهز بن حكيم، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، قال: قلت لأم المؤمنين عائشة: كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ من الليل؟ … الحديث.
ج - خالف هؤلاء فسلك فيه الجادة، وغاير في المتن:
المثنى بن بكر أبو حاتم البصري [متروك، لا يتابع على حديثه. اللسان (٦/ ٤٦٠)]، فرواه عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ كان يوتر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾.
أخرجه العقيلي في الضعفاء (٤/ ٢٤٨).
وقال عن رواية المثنى بن بكر هذه: "حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: ليس بمحفوظ، وأما حديث زرارة فمعروف".
وقال في أول ترجمته: "مثنى بن بكر العبدي العطار أبو حاتم: بصري، عن بهز بن حكيم، لا يتابع على حديثه".
وقال أيضاً بعد أن أخرجه من طريق ابن أبي عدي وحماد: "وأما حديث بهز عن أبيه عن جده: فلا أصل له".
قلت: وقول حماد بن سلمة ومن تابعه هو الصواب؛ حيث زاد في الإسناد رجلاً، والحكم هنا لمن زاد، وكذا قال قتادة في حديثه: عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة، وعليه: فإن هذا الحديث إنما يرويه زرارة بن أوفى عن سعد بن هشام عن عائشة.
والوهم في زيادة الركعات الأربع بعد العشاء، وفي إسقاط سعد بن هشام من إسناده إنما هو عندي من بهز بن حكيم، لا من الرواة عنه؛ فإنهم ثقات أثبات، وأما بهز: فقد وثقه ابن المديني ويحيى بن معين والنسائي والحاكم، وقال الآجري: "قيل لأبي داود: بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده؟ قال: هو عندي حجة"، وقال الترمذي: "هو ثقة عند أهل الحديث"، وقال أبو زرعة: "صالح، ولكنه ليس بالمشهور"، وقال أبو حاتم: "هو شيخ يكتب حديثه، ولا يحتج به"، وقال البخاري: "يختلفون فيه"، وقال ابن حبان: "كان يخطئ كثيراً، فأما أحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم رحمهما الله فهما يحتجان به، ويرويان عنه، وتركه جماعة من أئمتنا، ولولا حديث: "إنا آخذوه وشطر إبله، عزمة من عزمات ربنا"، لأدخلناه في الثقات، وهو ممن أستخير الله فيه"، وقال ابن عدي: "أرجو أنه لا بأس به في رواياته، ولم أر أحداً تخلف عنه في الرواية من الثقات، ولم أر
стр. 7414
له حديثاً منكراً، وأرجو أنه إذا حدث عنه ثقة فلا بأس بحديثه"، وقال الدارقطني: "لا بأس به"، وقال مرة: "متوسط"، وقال الذهبي في التاريخ بأن له مؤاخذات على قول ابن حبان، منها: "الثاني: قولك: تركه جماعة، فما علمت أحداً تركه أبداً؛ بل قد يتركون الاحتجاج بخبره، فهلا أفصحت بالحق"، وقال في الميزان: "ما تركه عالم قط، إنما توقفوا في الاحتجاج به" [الميزان (١/ ٣٥٣)، تاريخ الإسلام (٣/ ٨٢٤ - ط. الغرب)، السير (٦/ ٢٥٣)، إكمال مغلطاي (٣/ ٣٦)، التهذيب (١/ ٢٥١)، جامع الترمذي (١٨٩٧)، الجرح والتعديل (٢/ ٤٣٠)، المجر وحين (١/ ١٩٤)، الكامل (٢/ ٦٦) (٢/ ٥٢٣ - ط. الرشد)، سؤالات السلمي (٧١ و ٨٠)]؛ فأين بهز من قتادة؟!
قلت: وقول قتادة في زيادة سعد بن هشام في الإسناد، يؤيد رواية حماد بن سلمة، وانفراد بهز دون قتادة بذكر الأربع ركعات بعد العشاء، يعدُّ شاذاً، لا سيما مع اختلاف أصحابه عليه في العدد، فمرة يقول: ركعتين، ومرة: أربع، فيرد ذلك إلى المحكم المحفوظ من السُّنَّة، فقد صح من حديث ابن عمر [البخاري (١١٦٥)، مسلم (٧٢٣)، تقدم تخريجه بطرقه تحت الحديث رقم (١١٢٨)، والحديث رقم (١١٣٢)]، وعائشة [أخرجه مسلم (٧٣٠/ ١٠٥)، وتقدم تخريجه تحت الحديث رقم (٩٥٥)، فضل الرحيم الودود (١٠/ ٢٨٧/ ٩٥٥)]، وأم حبيبة [تقدم برقم (١٢٥٠)، وهو حديث صحيح، أصله في مسلم (٧٢٨)]: أن النبي ﷺ كان يصلي بعد العشاء ركعتين في بيته.
* قال ابن أبي حاتم في العلل (٢١): "سألت أبي عن حديث رواه الأنصاري، عن بهز بن حكيم، عن زرارة، عن عائشة، عن النبي ﷺ ؛ أنه كان يوضع له وَضوءه وسواكه من الليل.
ورواه حماد بن سلمة، عن بهز، عن سعد بن هشام، عن عائشة، عن النبي ﷺ .
أيهما أصح؟
قال أبي: إن كان حفظ حماد، فهذا أشبه".
قلت: كذا وقع في العلل، ولعله سقط ذكر زرارة بين بهز وسعد، وقد سبق تقرير كون رواية حماد هي المحفوظة حيث زاد في الإسناد رجلاً، والله أعلم.
وقال الدارقطني في العلل (١٤/ ٣١٦/ ٣٦٥٧): "يرويه زرارة بن أوفى، واختلف عنه:
فرواه سليمان التيمي، وشعبة، وسعيد بن أبي عروبة، وأبو عوانة، وهمام، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة، منهم من اختصره، ومنهم من أتى به بطوله.
وخالفه بهز بن حكيم، فرواه عن زرارة بن أوفى، عن عائشة، لم يذكر سعد بن هشام. وقول قتادة أصح".
* يبقى الكلام عن التسليمة الواحدة: ففي رواية ابن أبي عدي عن بهز: ويسلِّم
стр. 7415
تسليمةً واحدةً شديدةً، يكاد يوقظُ أهلَ البيت من شدَّة تسليمه، وفي رواية يزيد بن هارون: ثم يسلم تسليمة واحدة: السلام عليكم، يرفع بها صوته حتى يوقظنا.
فعلى فرض أن بهزاً حفظ هذا الحرف هكذا من زرارة بن أوفى، فإنه يُرَدُّ في فهم معناه إلى رواية قتادة، والتي سبق أن قررت فيها: أن رواية همام عن قتادة [برقم (١٣٤٢)]: ثم يسلم حتى يسمعني التسليم، قد قطعت الاحتمال الوارد في رواية هشام الدستوائي، وكذا في رواية بندار عن ابن أبي عدي عن ابن أبي عروبة، والتي فيها: ويسلم تسليمةً يسمعُنا، والتي استدل بها بعضهم على اكتفاء النبي ﷺ بتسليمة واحدة في الانصراف من الصلاة، وأنه قد رواه عن ابن أبي عدي: محمد بن المثنى [وهو أضبط من بندار وأتقن]، فقال: ثم يسلم تسليماً يسمعنا، وهي الرواية التي اختارها مسلم في صحيحه، وهكذا رواه عن ابن أبي عروبة قدماء أصحابه ممن سمعوا منه قبل الاختلاط، وممن هم أثبت الناس فيه، مثل: يحيى بن سعيد القطان، وخالد بن الحارث، وعبدة بن سليمان، ومحمد بن بشر، فقالوا: ثم يسلم تسليماً يسمعنا، فعبروا بالمصدر دون لفظ العدد، وهكذا رواه معمر عن قتادة، فبان بمجموع ذلك أن عائشة ﵂ إنما أرادت بهذه الكلمة بيان أن النبي ﷺ كان يرفع صوته بالتسليم حتى يوقظها للوتر، ولم تقصد بيان عدد مرات التسليم أهو تسليمة واحدة أم اثنتان، ورواية بهز هي في هذا السياق؛ لا سيما رواية يزيد بن هارون: ثم يسلم تسليمة واحدة: السلام عليكم، يرفع بها صوته حتى يوقظنا؛ ففيها تعليل اختصاص ذكر التسليمة الواحدة، وهو أنه كان يرفع صوته بالتسليمة الأولى دون الثانية ليوقظ بها أهله، وقد ذهب إلى ذلك أحمد، والله أعلم.
* قال أبو داود في مسائله لأحمد (١٩٦٧): "سمعت أحمد، سئل عن حديث قتادة، عن زرارة، عن سعد بن هشام، عن عائشة، أن النبي ﷺ سلم تسليمة، قال: رواه عوف كذلك أيضاً".
قلت: لا يصح حديث مرفوع في التسليمة الواحدة، وقد تتابعت أقوال الأئمة في تضعيف ما روي في التسليمة الواحدة [راجع ذلك مفصلاً في: فضل الرحيم الودود (١٠/ ٤٨٤ - ٤٩٩/ ١٠٠٠)].
قال ابن القيم في الزاد (١/ ٢٥٩): "وأجود ما فيه حديث عائشة ﵂؛ أنه ﷺ كان يسلم تسليمة واحدة: السلام عليكم، يرفع بها صوته، حتى يوقظنا، وهو حديث معلول، وهو في السنن، لكنه كان في قيام الليل، والذين رووا عنه التسليمتين رووا ما شاهدوه في الفرض والنفل، على أن حديث عائشة ليس صريحاً في الاقتصار على التسليمة الواحدة؛ بل أخبرت أنه كان يسلم تسليمة واحدة يوقظهم بها، ولم تنف الأخرى، بل سكتت عنها، وليس سكوتها عنها مقدماً على رواية من حفظها وضبطها، وهم أكثر عدداً، وأحاديثهم أصح، وكثير من أحاديثهم صحيح، والباقي حسان".
وقال ابن رجب في الفتح (٥/ ٢١٠): "وقد حمله الإمام أحمد على أنه كان يجهر بالواحدة، ويسر الثانية".
стр. 7416
وقال ابن قدامة في المغني (١/ ٣٢٤): "فقد بيَّن أحمد أن معنى الحديث يرجع إلى أنه يسمعهم التسليمة الواحدة".
١٣٥٠ - قال أبو داود: حدثنا موسى - يعني: ابن إسماعيل -: حدثنا حماد - يعني: ابن سلمة -، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة ﵁؛ أن رسول الله ﷺ كان يصلي من الليل ثلاثَ عشرةَ ركعةً، يوتر بتسعٍ - أو كما قالت -، ويصلي ركعتين وهو جالسٌ، وركعتي الفجر بين الأذان والاقامة.
حديث حسن
تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٣٤٠).
***
١٣٥١ - قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل: حدثنا حماد، عن محمد بن عمرو، عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة بن وقاص، عن عائشة ﵂؛ أن رسولَ الله ﷺ كان يوترُ بتسع ركعاتٍ، ثم أوتر بسبع ركعاتٍ، وركع ركعتين وهو جالسٌ من بعد الوتر يقرأ فيهما، فإذا أراد أن يركع قام، فركع، ثم سجد.
قال أبو داود: روى الحديثين خالد بن عبد الله الواسطي، [عن محمد بن عمرو] مثله، قال فيه: قال علقمة بن وقاص: يا أُمَّتاه كيف كان يصلي الركعتين، فذكر معناه.
١٣٥١ م - حدثناه وهب بن بقية، عن خالد.
حديث صحيح
أخرجه مسلم (٧٣١/ ١١٤)، بطرفه الأخير دون أوله، وهو حديث صحيح، تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٣٤٠).
١٣٥٢ - . . . هشام، عن الحسن، عن سعد بن هشام، قال: قدمت المدينة، فدخلت على عائشة، فقلت: أخبريني عن صلاة رسول الله ﷺ ، قالت: إن رسول الله ﷺ كان يصلي صلاةَ العشاء، ثم يأوي إلى فراشه فينام، فإذا كان جوفُ الليل قام إلى حاجته، وإلى طَهوره، فتوضأ، ثم دخل المسجد، فصلى ثماني ركعاتٍ، يخيَّل إليَّ أنه يسوِّى بينهنَّ في القراءة والركوع والسجود، ثم يوترُ بركعةٍ، ثم يصلي ركعتين وهو جالسٌ، ثم يضع جنبه، فربما جاء بلالٌ، فآذنه بالصلاة، ثم يغفي، وربما
стр. 7417
شككتُ أغفى أو لا، حتى يؤذنَه بالصلاة، فكانت تلك صلاته حتى سنَّ ولَحُمَ، فذكرَتْ من لحمه ما شاء الله، … وساق الحديث.
حديث شاذ بذكر دخول المسجد
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٤٢٢)، والنسائي في المجتبى (٣/ ٢٢٠/ ١٦٥١)، وفي الكبرى (١/ ٢٤٣/ ٤٢٣) و (٢/ ١٦١/ ١٤٢٠)، وأحمد (٦/ ٢٣٥) (١٢/ ٦٢٦٤/ ٢٦٦٢٦ - ط. المكنز)، [التحفة (١١/ ٢٥٢/ ١١٦٠٩٦)، الإتحاف (١٦/ ١٠٨٧/ ٢١٦٧٢)، المسند المصنف (٣٧/ ٢٤٥/ ١٧٨٧٣)].
رواه عن هشام بن حسان: عبد الأعلى بن عبد الأعلى [ثقة]، ويزيد بن هارون [ثقة متقن]. وهذا لفظ عبد الأعلى.
ولفظ يزيد [عند النسائي وأحمد]: عن سعد بن هشام بن عامر، قال: قدمت المدينة فدخلت على عائشة، فقالت لي: من أنت؟ فقلت: أنا سعد بن هشام، فقالت: يرحم الله أباك، قلت: أخبريني عن صلاة رسول الله ﷺ ؟ فقالت: إن رسول الله ﷺ كان يُقوَّى [وفي المسند: كان يقرأ]، قلت: أجل، ولكن أخبريني، قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي بالناس العشاء الآخرة، ثم يأوي إلى فراشه، فإذا كان من جوف الليل قام إلى طَهوره فتوضأ، ثم دخل المسجد فصلى ثماني ركعاتٍ، يُسوِّي بينهن في القراءة والركوع والسجود، ثم يوتر بركعة، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، ثم يضع رأسه، فربما جاءه بلالٌ فآذنه بالصلاة قبل أن يغفي، وربما شككت أغفى أو لم يُغفِ، حتى يؤذنه بالصلاة، فكانت تلك صلاة رسول الله ﷺ ، حتى أسنَّ ولحُم، فكان يصلي بالناس العتمة، ثم يأوي إلى فراشه، فإذا كان من جوف الليل قام إلى طهوره فتوضأ، ثم دخل المسجد فصلى ستَّ ركعات، يسوِّي بينهنَّ في الركوع والسجود والقراءة، ويوتر بركعة، ويصلي ركعتين وهو جالس، ثم يضع جنبه فربما لم يُغفِ حتى يجيء بلالٌ فيؤذنه بالصلاة، وربما شككتُ أغفى أو لم يُغفِ.
* قلت: ذكر دخوله ﷺ المسجد لصلاة الليل شاذ تفرد به هشام بن حسان، ولم يأت إلا من طريق الحسن البصري.
وقد مر معنا حديث يعارضه، وهو حديث عبد الله بن سعد:
يرويه معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن حرام بن معاوية، عن عمه عبد الله بن سعد، قال: سألت رسول الله ﷺ أيما أفضل؟ الصلاة في بيتي أو الصلاة في المسجد؟ قال: "ألا ترى إلى بيتي؟ ما أقربه من المسجد؛ فلأن أصلي في بيتي أحب إليَّ من أن أصلي في المسجد، إلا أن تكون صلاة مكتوبة".
وهو حديث صحيح بشواهده، تقدم تخريجه في السنن برقم (٢١١)، وقد ذكرته أيضاً في شواهد حديث زيد بن ثابت.
والشاهد من حديث زيد: قول رسول الله ﷺ : "ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أنه
стр. 7418
سيكتب عليكم، فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة"، وفي رواية: "أفضل صلاتكم في بيوتكم إلا المكتوبة".
أخرجه البخاري (٦١١٣)، ومسلم (٧٨١/ ٢١٣)، وتقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٠٤٤).
* وانظر فيمن وهم في إسناده على هشام بن حسان، فأسقط سعد بن هشام: ما أخرجه إسحاق بن راهويه (٣/ ٧٣٧/ ١٣٤٥).
هكذا رواه هشام بن حسان عن الحسن البصري، ورواه أيضاً عن الحسن جماعة: أ- رواه معمر بن راشد [ثقة، وقد رواه عن قتادة بالوجهين]، وحماد بن سلمة [ثقة] [وعنه: حجاج بن منهال، وأبو كامل مظفر بن مدرك، وعفان بن مسلم، وهم ثقات أثبات]:
عن قتادة، عن الحسن، قال: أخبرني سعد بن هشام، عن عائشة؛ أنه سمعها تقول: إن رسول الله ﷺ كان يوتر بتسع ركعاتٍ، ثم يصلي ركعتين وهو جالسٌ، فلما ضعف أوتر بسبع ركعاتٍ، ثم يصلي ركعتين وهو جالسٌ.
أخرجه النسائي في المجتبى (٣/ ٢٤٢/ ١٧٢٢ و ١٧٢٣)، وفي الكبرى (١/ ٢٥٤/ ٤٤٩) و (٢/ ١٥٩/ ١٤١٤)، وأحمد (٦/ ١٦٨ و ٢٢٧)، وعبد الرزاق (٣/ ٣٩/ ٤٧١٣)، وإسحاق بن راهويه (٣/ ٧١٥/ ١٣١٨)، وأبو علي الطوسي مختصر الأحكام (٢/ ٤١٦/ ٤٣٥)، [التحفة (١١/ ٢٠٢/ ١٦٠٩٦) و (١١/ ٢٠٣/ ١٦٠٩٩)، الإتحاف (١٦/ ١٠٨٧/ ٢١٦٧٢)، المسند المصنف (٣٧/ ٢٤٥/ ١٧٨٧٣)].
وهذا حديث صحيح، وقد رواه زرارة بن أوفى عن سعد بن هشام به مطولاً.
* ولا يعل هذا الحديث بأنه قد رواه عن قتادة ثقات أصحابه على وجه آخر:
فقد رواه هشام الدستوائي، وسعيد بن أبي عروبة، وشعبة، وهمام، وأبو عوانة، ومعمر بن راشد، وغيرهم [وفيهم أثبت أصحاب قتادة]:
عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة به مطولاً، وتقدم.
* وخالفهم: معمر، وحماد بن سلمة:
فروياه عن قتادة، عن الحسن، عن سعد بن هشام، عن عائشة به مختصراً في قيام الليل.
قلت: كلا الوجهين محفوظ عن قتادة، لأدلة عديدة:
الأول: أن قتادة يحتمل منه التعدد في الأسانيد، وأنه قد حمله مطولاً عن زرارة بن أوفى، وحمله مختصراً عن الحسن البصري، وقتادة من أحفظ الناس، وقدَّمه بعضهم في الحسن على بقية أصحابه.
الثاني: أن الحديث محفوظ عن الحسن البصري من وجوه، كما سيأتي بيانه في الأسانيد.
стр. 7419
الثالث: أنه قد رواه معمر بن راشد عن قتادة بالوجهين جميعاً، ورواه عن معمر بالوجهين راويته عبد الرزاق، وتابع معمراً على الوجه الثاني: حماد بن سلمة، مما يدل على أنه حفظه من حديث قتادة عن الحسن البصري.
الرابع: اختلاف سياق الحديثين، فرواية الجماعة مطولة، وإن كان بعضهم قد اختصرها، ورواية معمر وحماد مختصرة، مقتصرة على مسألة القيام وحدها، مع اختلاف السياق أيضاً.
الخامس: ما رواه معاذ بن هشام، عن أبيه هشام الدستوائي، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة؛ أن نبي الله ﷺ نهى عن التبتل.
وهو طرف من هذا الحديث، تفرد به معاذ بن هشامٍ، وجعله من حديث سمرة، وعده البخاري وأبو حاتم والترمذي محفوظاً، وسيأتي ذكره قريباً، والله أعلم.
ب - ورواه أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، وأبو سعيد مولى بني هاشم [وهما ثقتان]:
عن حصين بن نافع العنبري [ثقة. الجرح والتعديل (٣/ ١٩٧)، سؤالات البرقاني (١١٨)، التهذيب (١/ ٤٤٦)]، عن الحسن، عن سعد بن هشامٍ، عن عائشة، أن النبي ﷺ كان يصلي ثماني ركعاتٍ، ويوتر بالتاسعة، فلما بَدَّن صلى ستَّ ركعاتٍ، وأوتر بالسابعة، وصلى ركعتين وهو جالس.
وفي رواية: دخلت على عائشة، فقلت لها: إني أريد أن أتبتل، قالت: فلا تفعل، أما سمعت الله يقول: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾، فلا تتبتل.
ولفظ أبي سعيد مولى بني هاشم [عند أحمد]، قال: حدثنا حصين بن نافع المازني [قال أحمد: حصين هذا صالح الحديث]، قال: حدثنا الحسن، عن سعد بن هشام؛ أنه دخل على أم المؤمنين عائشة، فسألها عن صلاة رسول الله ﷺ ، قالت: كان يصلي من الليل ثماني ركعات، ويوتر بالتاسعة، ويصلي ركعتين وهو جالس، وذكرت الوضوء أنه كان يقوم إلى صلاته، فيأمر بطهوره وسواكه، فلما بدن رسول الله ﷺ ، صلى ست ركعات وأوتر بالسابعة، وصلى ركعتين وهو جالس، قالت: فلم يزل على ذلك حتى قبض.
قلت: إني أريد أن أسألك عن التبتل، فما ترين فيه؟ قالت فلا تفعل، أما سمعت الله ﷺ يقول: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨]، فلا تبتل.
قال: فخرج وقد فقه، فقدم البصرة، فلم يلبث إلا يسيراً حتى خرج إلى أرض مكران، فقتل هناك على أفضل عمله.
أخرجه النسائي في المجتبى (٣/ ٢٤٢/ ١٧٢٤) و (٦/ ٦٠/ ٣٢١٦)، وفي الكبرى (١/ ٢٤٣/ ٤٢٢) و (٥/ ١٥٢/ ٥٣٠٦)، وأحمد (٦/ ٩٧)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٢٠١/ ٢٧٠١)، والطحاوي (١/ ٢٨٠)، والواحدي في تفسيره الوسيط (٣/ ١٩)، [التحفة (١١/
стр. 7420
٢٠٢/ ١٦٠٩٦) و (١١/ ٢٠٤/ ١٦١٠٠)، الإتحاف (١٦/ ١٠٨٧/ ٢١٦٧٢)، المسند المصنف (٣٧/ ٢٤٥/ ١٧٨٧٣) و (٣٨/ ١٦٧/ ١٨٢٣٢)].
وهذا حديث صحيح، وطرفه الثاني محفوظ؛ فلا يستبعد كون سعد بن هشام قد خص الحسن البصري، بما لم يخص به زرارة بن أوفى في شأن التبتل والانقطاع للجهاد والعبادة، حيث أخبر زرارة بما وقع له مع رهط من قومه حين قدم المدينة وقد طلق امرأته، فاعلموه بما وقع لستة من قومه حتى ردوه فراجع امرأته، بينما أخبر الحسن البصري أنه سأل عائشة عن التبتل، فمنعته منه أيضاً، لكن بعد قصته مع قومه، ولا تنافي بين القصتين، ولا يضره وقف حصين بن نافع فهو محفوظ مرفوعاً، كما سيأتي.
ج - وروى مبارك بن فضالة [وعنه: أبو النضر هاشم بن القاسم، وهدبة بن خالد، والحسين بن محمد بن بهرام التميمي، وأسد بن موسى، وآدم بن أبي إياس، وابن المبارك]، عن الحسن، عن سعد بن هشام بن عامر، قال: أتيت عائشة، فقلت: يا أم المؤمنين، أخبريني بخلق رسول الله ﷺ ، قالت: كان خلقه القرآن، أما تقرأ القرآن، قول الله : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾.
قلت: فإني أريد أن أتبتل، قالت: لا تفعل، أما تقرأ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]؟ فقد تزوج رسول الله ﷺ ، وقد ولد له. لفظ أبي النضر [عند أحمد]، وأسد بن موسى [عند الطحاوي].
ولفظ هدبة [عند أبي يعلى]، قال: حدثنا مبارك بن فضالة: حدثنا الحسن، عن سعد بن هشام بن عامر، قال: كنت رجلاً أتتبع السلطان، فأخذني أبي فحبسني - قال مبارك: ولا أعلمه إلا قال: وقيدني -، فقال لي: والله لا تخرج حتى تستظهر كتاب الله، فاستظهرت كتاب الله فنفعني الله به، فذهبت عني الدنيا، وجعلت أكره أن أتزوج وأصنع، فدخلت على عائشة، فقلت: سعد بن هشام بن عامر، فقالت: رحم الله عامراً أصيب يوم أحد شهيداً، قال: فقلت: يا أم المؤمنين إني أريد أن أتبتل، فجئت أسألك عن ذلك، فقالت: يا هشام لا تبتل؛ فإن الله قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، وإن رسول الله ﷺ تزوج وولد له.
قال: قلت: يا أم المؤمنين! حدثيني عن خلق رسول الله ﷺ ، قالت: يا بني أما تقرأ القرآن؟ قال الله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾، خُلُقُ محمدٍ القرآن.
قال: قلت: يا أم المؤمنين! حدثيني عن صلاة رسول الله ﷺ ، قالت: يا بني ومن يطيق صلاة رسول الله ﷺ ؟ إن رسول الله ﷺ كان إذاصلى صلى ركعتين، ثم هجع هجعة، ثم يقوم فيصلي ركعتين وركعتين وركعتين وركعتين وركعتين وركعة، أو قالت: فيصلي ركعتين وركعتين وركعتين وركعتين وركعة، صلاة بعد العشاء تسع ركعات وإحدى عشرة، فلما بدن رسول الله ﷺ وكثر لحمه صلى ركعتين وركعتين وركعة، وصلى ركعتين وهو جالس.
стр. 7421
أخرجه أحمد (٦/ ٩١ و ١١٢)، وأبو عبيد في فضائل القرآن (٥٢)، وأبو يعلى (٨/ ٢٧٥/ ٤٨٦٢)، والطبري في تفسيره (٢٩/ ٢١٩)، والطحاوي في المشكل (١١/ ٢٦٦/ ٤٤٣٥)، والبيهقي في الشعب (٣/ ٣٠٥/ ١٣٦٠)، [الإتحاف (١٦/ ١٠٨٧/ ٢١٦٧٢) المسند المصنف (٣٧/ ٢٤٥/ ١٧٨٧٣)].
قلت: وهذا حديث شاذ، لم يضبط المبارك بن فضالة متنه، وخلط فيه تخليطاً شديداً، وخالف فيه أصحاب الحسن البصري، وحديث قتادة عن الحسن وزرارة بخلاف ذلك أيضاً.
والمبارك بن فضالة: صدوق، كثير الخطأ والتدليس، ضعفه بعضهم، لازم الحسن بضع عشرة سنة، مكثر عنه، وقد صرح ابن فضالة بالسماع، فانتفت شبهة تدليسه، وكان الأئمة يحتجون به إذا قال: حدثنا، وقال أحمد: "ما روى عن الحسن يحتج به" [التهذيب (٤/ ١٨)، الميزان (٣/ ٤٣١)]، والعمل على الاحتجاج به عن الحسن إذا صرح بالسماع، إلا أن تدل القرائن على خطئه، فيُردُّ حديثه حينئذ.
وفي هذا الحديث قد خالف المبارك بن فضالة جماعة من أصحاب الحسن البصري، وهم: هشام بن حسان، وحصين بن نافع العنبري، وأشعث بن عبد الملك الحمراني، وأبو حرة واصل بن عبد الرحمن، وقتادة [وهو أثبتهم فيه، واللفظ له]:
رووه عن الحسن، قال: أخبرني سعد بن هشام، عن عائشة؛ أنه سمعها تقول: إن رسول الله ﷺ كان يوتر بتسع ركعاتٍ، ثم يصلي ركعتين وهو جالسٌ، فلما ضعف أوتو بسبع ركعاتٍ، ثم يصلي ركعتين وهو جالسٌ.
وأما قول مبارك بن فضالة في أوله: كنت رجلاً أتتبع السلطان، فأخذني أبي فحبسني - قال مبارك: ولا أعلمه إلا قال: وقيدني -، فقال لي: والله لا تخرج حتى تستظهر كتاب الله، فاستظهرت كتاب الله فنفعني الله به، فذهبت عني الدنيا، وجعلت أكره أن أتزوج وأصنع، فدخلت على عائشة، فقلت: سعد بن هشام بن عامر، فقالت: رحم الله عامراً أصيب يوم أُحد شهيداً، قال: فقلت: يا أم المؤمنين إني أريد أن أتبتل، فجئت أسألك عن ذلك، فقالت: يا هشام لا تبتل؛ فإن الله قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، وإن رسول الله ﷺ تزوج وولد له.
فهو مخالف لما رواه قتادة بن دعامة السدوسي، وهو: ثقة ثبت، حافظ عصره، قال فيه ابن سيرين: "قتادة هو أحفظ الناس"، وقد شهد له بالحفظ الذي لا نظير له جماعةٌ، منهم: سعيد بن المسيب، وبكر بن عبد الله المزني، وسفيان الثوري، وابن مهدي، وأحمد بن حنبل، وأبو حاتم [التهذيب (٣/ ٤٢٨)، السير (٥/ ٢٦٩)].
حيث رواه قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام؛ أنه طلَّق امرأته، وأتى المدينة ليبيع عقاره؛ فيجعله في السلاح والكراع، فلقي رهطاً من الأنصار، فقالوا: أراد ذلك ستةٌ منا على عهد رسول الله ﷺ فمنعهم، وقال: "أما لكم في أسوة؟! ".
стр. 7422
ثم إنه قدم البصرة، فحدثنا أنه لقي عبد الله بن عباس فسأله عن الوتر، فقال: ألا أحدثك بأعلم الناس بوتر رسول الله ﷺ ؟ قلت: بلى، قال: أم المؤمنين عائشة، فأتها فسلها، ثم ارجع إليَّ فحدثني بما تحدثك، … الحديث.
وفي رواية: أنه طلق امرأته، ثم ارتحل إلى المدينة ليبيع عقاراً له بها، ويجعله في السلاح والكُراع، ثم يجاهد الروم حتى يموت، فلقي رهطاً من قومه، فحدثوه أن رهطاً من قومه ستةً أرادوا ذلك على عهد رسول الله ﷺ ، فقال:، أليس لكم فيَّ أسوة حسنة؟ "، فنهاهم عن ذلك، فأشهدهم على رجعتها، ثم رجع إلينا، فأخبرنا أنه أتى ابن عباس، فسأله عن الوتر؟ فقال: ألا أنبئك بأعلم أهل الأرض بوتر رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، قال: ائت عائشة فاسألها؟ … الحديث.
فدل هذا الحديث على أن سعد بن هشام قدم المدينة في المرة الأولى وكان قد طلق امرأته، ثم راجعها قبل أن يدخل على عائشة في قدمته الثانية، وعليه: فإن رواية المبارك خطأ محض، حين قال: وجعلت أكره أن أتزوج وأصنع، فدخلت على عائشة؛ يعني: أنه دخل عليها عزباً، لا زوج له، فإن قيل: قد روى أصحاب الحسن عن سعد قصة سؤاله عائشة في التبتل؟ فيقال: هذا محفوظ عن الحسن، ولا يعارض رواية قتادة عن زرارة، وذلك لكون سعد أحب أن يطرح السؤال على عائشة مرة أخرى بعد أن راجع امرأته، وأن نفسه تراوده في التبتل والانقطاع للجهاد والعبادة، فأخبرته بمثل ما أخبره به رهط من قومه من نهي النبي ﷺ عن التبتل، وترك الزواج، والانقطاع للعبادة، والله أعلم.
د - ورواه أشعث بن عبد الملك الحمراني [ثقة، من أصحاب الحسن. وعنه: النضر بن شميل، وهو: ثقة ثبت]، عن الحسن، عن سعد بن هشام، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي بعد الوتر ركعتين وهو جالس.
أخرجه الطبراني في الأوسط (٨/ ١١٤/ ٨١٣٤).
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن أشعث إلا النضر"، قلت: لا يضره تفرده.
وهذا حديث صحيح.
* وروى خالد بن الحارث، ويحيى بن سعيد القطان، وحماد بن مسعدة، ومحمد بن عبد الله الأنصاري [وهم ثقات]، وعبد الله بن حمران [صدوق]:
عن أشعث بن عبد الملك الحمراني، عن الحسن، عن سعد بن هشام، عن عائشة؛ أن رسول الله ﷺ نهى عن التبتل.
أخرجه الترمذي في العلل الكبير (٢٦٢)، والنسائي في المجتبى (٦/ ٥٨/ ٣٢١٣)، وفي الكبرى (٥/ ١٥١/ ٥٣٠٣)، والدارمي (٢٣٠٧ - ط. البشائر)، وأحمد (٦/ ١٢٥ و ١٥٧ و ٢٥٢ - ٢٥٣)، وابنه عبد الله في زياداته على المسند (٦/ ٢٥٢ - ٢٥٣)، وإسحاق بن راهويه (٣/ ٧٠٧/ ١٣١١)، وأبو عوانة (٣/ ٩/ ٤٠٠٠)، وتمام في فوائده (٨٣٥)، وعبد الخالق بن أسد في المعجم (١٤٦)، [التحفة (١١/ ٢٠٤/ ١٦١٠٠)، الإتحاف (١٦/ ١٠٩٣/ ٢١٦٧٩)، المسند المصنف (٣٨/ ١٦٧/ ١٨٢٣٢)].
стр. 7423
لطيفة: رواه أحمد في المسند عن خالد بن الحارث، وحماد بن مسعدة، ورواه ابنه عبد الله عن القواريري عن يحيى بن سعيد القطان، ثم قال عبد الله: "فحدثته أبي، فقال: لم أسمعه من يحيى".
قال أبو عوانة: "ورواه أبو يحيى صاعقة، عن الأنصاري، فقال: عن هشام، عن الحسن، أخرجه مسلم"، كذا في المطبوعة.
* وانظر فيمن وهم في إسناده على محمد بن عبد الله الأنصاري؛ فقلب إسناده، وجعله عن الحسن عن سمرة: ما أخرجه أبو إسحاق الثعلبي في الكشف والبيان (٧/ ٩٠).
وهذا قد رواه معاذ بن هشام، عن أبيه هشام الدستوائي، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة؛ أن نبي الله ﷺ نهى عن التبتل.
وفي رواية: وقرأ قتادة: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨].
أخرجه الترمذي في الجامع (١٠٨٢)، وفي العلل الكبير (٢٦١)، والنسائي في المجتبى (٦/ ٥٩/ ٣٢١٤)، وفي الكبرى (٥/ ١٥١/ ٥٣٠٢)، وابن ماجه (١٨٤٩)، وابن الجارود (٦٧٣)، وأحمد (٥/ ١٧)، وإسحاق بن راهويه (٣/ ٧٠٨/ ١٣١٢)، وابن أبي شيبة (٣/ ٤٥٤/ ١٥٩١٨)، والبزار (١٠/ ٤١٥/ ٤٥٦٢)، والطبراني في الكبير (٧/ ٢١٤/ ٦٨٩٣)، وفي الأوسط (٨/ ٢٣٤/ ٨٤٩٦)، [التحفة (٣/ ٥٨٨/ ٤٥٩٠)، الإتحاف (٦/ ٥٢/ ٦١١٦)، المسند المصنف (٩/ ٤٧٨/ ٤٦٢٠)].
قال الترمذي في الجامع: "حديث سمرة: حديث حسن غريب، وروى الأشعث بن عبد الملك هذا الحديث، عن الحسن، عن سعد بن هشام، عن عائشة، عن النبي ﷺ نحوه، ويقال: كلا الحديثين صحيح".
وقال في العلل (٢٦٢): "سألت محمداً عن هذا الحديث، فقال: حديث الحسن عن سمرة: محفوظ، وحديث الحسن عن سعد بن هشام عن عائشة: هو حسن، قال محمد: وقد روي عن سعد بن هشام عن عائشة موقوفاً".
وقال النسائي: "قتادة أثبت عندنا وأحفظ من أشعث، وحديث أشعث هذا أشبه بالصواب، والله تعالى أعلم".
وقال ابن أبي حاتم في العلل (١٢٠٣): "وسألت أبي عن حديث رواه أشعث بن عبد الملك، عن الحسن، عن سعد بن هشام، عن عائشة؛ أن النبى ﷺ نهى عن التبتل.
ورواه معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة؛ أن النبي ﷺ نهى عن التبتل. قلت: أيهما أصح؟
قال أبي: قتادة أحفظ من أشعث، وأحسب الحديثين صحيحين؛ لأن لسعد بن هشام قصة في سؤاله عائشة عن ترك النكاح؛ يعني: التبتل".
لكن قال البزار: "هذا الحديث لا نعلم رواه عن قتادة إلا هشام، ولا عن هشام إلا
стр. 7424
ابنه معاذ، وكان معاذ قد حدثهم مرة: عن أبيه عن قتادة عن الحسن، ثم حدثهم بعدُ به فجعله عن سمرة عن النبي ﷺ ".
قلت: لعل البزار قال ذلك اجتهاداً منه؛ وإلا فإان قول البخاري وأبي حاتم مقدَّم، فهما أقعد بعلم العلل من البزار، والله أعلم.
وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن قتادة إلا هشام، تفرد به: معاذ".
قلت: كلا الحديثين صحيح؛ أما حديث الأشعث، فقد تابعه عليه عن الحسن: حصين بن نافع العنبري، لكن أوقفه على عائشة، والرفع زيادة من ثقة ثبت مقدم في الحسن، فتقبل زيادته.
وأما حديث قتادة، فقد رواه عنه أحد أثبت أصحابه وهو هشام الدستوائي، ولا يضره تفرد ابنه معاذ به، فقد روى معاذ أيضاً عن أبيه حديثه الآخر عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة؛ حديثه الطويل في خُلُق رسول الله ﷺ ، وقيامه، ووتره، وفيه أصل المسألة في طلاق سعد بن هشام امرأته لأجل الجهاد والتبتل، فنهاه رهط من قومه، وأخبروه أن رهطاً ستة من قومه أرادوا ذلك على عهد النبي ﷺ فنهاهم عن ذلك، فراجع امرأته.
وكما سبق أن ذكرنا قريباً منزلة قتادة في الحفظ والإتقان الذي كان يضرب به المثل، فمثله يحتمل منه التعدد في أسانيد الحديث الواحد، ولذا فقد ذهب البخاري وأبو حاتم والترمذي إلى تصحيح الحديثين جميعاً: حديث عائشة، وحديث سمرة، في النهي عن التبتل، وهو الصواب، والله أعلم.
وقد سبق تحقيق القول في سماع الحسن من سمرة عند الحديث رقم (٣٥٤) [وراجع أيضاً: الأحاديث رقم (٢٧) و (٧٧٧ - ٧٨٠)]، وخلاصة ما قلت هناك: أن الحسن لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة، والباقي كتاب غير مسموع؛ إلا أنه وجادة صحيحة معمول بها عند الأئمة.
وعليه: فإنه إذا صح الإسناد إلى الحسن البصري؛ فحديثه عن سمرة محمول على الاتصال، وهو صحيح.
هـ - ورواه خلف بن هشام البزار [ثقة]، قال: نا عبيس بن ميمون، عن معاوية بن قرة، عن الحسن، عن سعد بن هشام، عن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ يوتر بتسع حتى إذا أخذ اللحم أوتر بسبع، وهو جالس.
أخرجه الطبرانىِ في الأوسط (٦/ ٢٢/ ٥٦٧٧).
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن معاوية بن قرة إلا عبيس بن ميمون، تفرد به خلف بن هشام".
قلت: هو حديث منكر باطل؛ تفرد به عبيسٌ عن أبي إياس معاوية بن قرة، وعبيس: متروك، منكر الحديث، عامة ما يرويه غير محفوظ [التهذيب (٣/ ٤٧)، الميزان (٣/ ٢٦)]،
стр. 7425
ومعاوية بن قرة: بصري ثقة، تابعي جليل، معروف بالرواية عن أنس بن مالك، وسمع منه [التاريخ الكبير (٧/ ٣٣٠)]، وروايته عنه في الصحيحين [البخاري (٣٧٩٥ و ٦٤١٣)، مسلم (١٨٠٥)]، وقد روى عنه جماعة من الثقات، فكيف يتفرد به عنه عبيس دون أصحابه الثقات.
و - ورواه أبو النضر هاشم بن القاسم [ثقة ثبت]: حدثنا محمد - يعني: ابن راشد -، عن يزيد بن يعفر، عن الحسن، عن سعد بن هشام، عن عائشة؛ أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى العشاء دخل المنزل، ثم صلى ركعتين، ثم صلى بعدهما ركعتين أطول منهما، ثم أوتر بثلاث لا يفصل فيهن، ثم صلى ركعتين وهو جالس، يركع وهو جالس، ويسجد وهو قاعد جالس.
أخرجه أحمد (٦/ ١٥٥ - ١٥٦)، [المسند المصنف (٣٧/ ٣٣١/ ١٧٩٢٦)].
قلت: هو حديث منكر بهذا السياق، خالف فيه يزيد بن يعفر أصحاب الحسن البصري، فقد رواه هشام بن حسان، وأبو حرة واصل بن عبد الرحمن، وحصين بن نافع العنبري، وأشعث بن عبد الملك الحمراني، وقتادة [واللفظ له]:
عن الحسن، قال: أخبرني سعد بن هشام، عن عائشة؛ أنه سمعها تقول: إن رسول الله ﷺ كان يوتر بتسع ركعاتٍ، ثم يصلي ركعتين وهو جالسٌ، فلما ضعف أوتر بسبع ركعاتٍ، ثم يصلي ركعتين وهو جالسٌ.
ويزيد بن يعفر هذا لا تحتمل منه هذه المخالفة لجماعة الثقات من أصحاب الحسن، وقد قال فيه الدارقطني: "بصري معروف، يعتبر به"، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي: "ليس بحجة"، وهو مقل جدًّا، لا يُعرف روى عنه سوى محمد بن راشد المكحولي [التاريخ الكبير (٨/ ٣٧١)، الجرح والتعديل (٩/ ٢٩٦)، الثقات (٧/ ٦٣٠)، سؤالات البرقاني (٥٥٦)، المؤتلف للدارقطني (٤/ ٢٣٥١)، الإكمال لابن ماكولا (٧/ ٣٣٥)، الميزان (٤/ ٤٤٢)، المغني (٢/ ٧٥٤)، التعجيل (٢/ ٣٨١/ ١١٩٠)، اللسان (٨/ ٥٠٩)]، والمكحولي: ثقة.
* سئل الدارقطني في العلل (١٤/ ٣١٦/ ٣٦٥٨) عن حديث سعد بن هشام، عن عائشة: كان رسول الله ﷺ يوتر بثلاث أو بسبع، ويسجد سجدتين وهو جالس؟ فقال: "يرويه الحسن البصري، واختلف عنه؛ فرواه معاوية بن قرة، ويزيد بن يعفر، عن الحسن، عن سعد بن هشام، عن عائشة.
وكذلك قيل: عن هشيم، عن منصور بن زاذان، عن الحسن؛ وخالفه الضحاك بن حمرة؛ فرواه عن منصور بن زاذان، عن الحسن، عن كثير بن أفلح، عن عائشة.
وخالفهما ميمون بن موسى المرئي؛ فرواه عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة، قاله حماد بن مسعود عنه، وقول من قال: سعد بن هشام أشبه بالصواب، وقول ميمون المرئي: غير مدفوع".
следующие страницы →