Полный текст (16 465 стр.). Показаны 7911–7950 · переход к 7916.
стр. 7911
إني أطيق أكثر من ذلك، قال: "صم يومين، ولك أجر ما بقي"، قال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: "صم ثلاثة أيام، ولك أجر ما بقي"، قال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: "صم أربعة أيام، ولك أجر ما بقي"، قال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: "صم أفضل الصيام عند الله، صوم داود - عليه الزمن -، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا".
أخرجه مسلم (١١٥٩/ ١٩٢)، وأبو عوانة (٢/ ٢٤٨/ ٣٥٣٥ - ٣٠٣٧)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٣/ ٢٤٠/ ٢٦٤١)، والنسائي في المجتبى (٤/ ٢١٢/ ٢٣٩٤) و (٤/ ٢١٧/ ٢٤٠٣)، وفي الكبرى (٣/ ١٩٠/ ٢٧١٥) و (٣/ ١٩٤/ ٢٧٢٤) و (٣/ ٢٠٣/ ٢٧٥٥)، وابن خزيمة (٣/ ٢٩٤/ ٢١٠٦) و (٣/ ٣٠٠/ ٢١٢١)، وابن حبان (٨/ ٤١٧/ ٣٦٥٨)، وأحمد (٢/ ٢٠٥ و ٢٢٥)، والطيالسي (٤/ ٤٥/ ٢٤٠٢)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ٣٣١/ ٥٣٦ - مسند عمر)، والطحاوي في شرح المعاني (٢/ ٨٥) [وفي المطبوعة خطأ]. وفي المشكل (١٥/ ١٣٢/ ٥٨٩٤ و ٥٨٩٥)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٥٣٣/ ١٤٤٢١)، والبيهقي (٤/ ٢٩٦) (٩/ ١١٠/ ٨٥٢٧ - ط هجر)، والخطيب في التاريخ (٨/ ٥٤١ - ط الغرب). [التحفة (٦/ ١١٩/ ٨٨٩٦)، الإتحاف (٩/ ٦٥٩/ ١٢١٤٢)، المسند المصنف (١٧/ ١٤٤/ ٨٠١٠)].
تنبيه: وقع [عند غير مسلم والنسائي وأحمد] في رواية أبي داود الطيالسي، وعبد الصمد بن عبد الوارث، ومسلم بن إبراهيم الفراهيدي، وعمرو بن مرزوق: عن شعبة، أنه قال فيه: "صم يومًا من الشهر ولك أجر ما بقي، … "، وزيادة الشهر شاذة.
وتفسر الروايةَ المحفوظة روايةُ ابن جريج: سمعت عطاء؛ أن أبا العباس الشاعر أخبره؛ أنه سمع عبد الله بن عمرو ﵄ يقول: بلغ النبيَّ ﷺ أني أسرد الصوم وأصلي الليل، … فذكر الحديث، وفيه: "وصم من كل عشرة أيام يومًا، ولك أجر تسعةٍ"، … الحديث.
أخرجه مسلم (١١٥٩/ ١٨٦)، وتقدم في الطريق الأول.
١٧ - وروى عبد الرحمن بن مهدي، وعفان بن مسلم، وموسى بن مسعود:
حدثنا سليم بن حيان: حدثنا سعيد بن ميناء، قال: سمعت عبد الله بن عمرو، قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا عبد الله بن عمرو! بلفني أنك تصوم النهار وتقوم الليل، فلا تفعل، فإن لجسدك عليك حظًا، ولعينك عليك حظًا، وإن لزوجك عليك حظًا، صم وأفطر، صم من كل شهر ثلاثة أيام، فذلك صوم الدهر"، قلت: يا رسول الله، إن بي قوة، قال: "فصم صوم داود ﵇، صم يومًا"، وأفطر يومًا، فكان يقول: يا ليتني أخذت بالرخصة.
أخرجه مسلم (١١٥٩/ ١٩٣)، وأبو عوانة (٢/ ٢٣٠/ ٢٩٥٢)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٣/ ٢٤٠/ ٢٦٤٢)، وابن حبان (٨/ ٤٠٠/ ٣٦٣٨)، وأحمد (٢/ ١٩٤ و ١٩٧ - ١٩٨). [التحفة (٦/ ٢٨/ ٨٦٤٩)، الإتحاف (٩/ ٤٦٩/ ١١٦٩٢)، المسند المصنف (١٧/ ١٣٩/ ٨٠٠٨)].
стр. 7912
• ورواه عبيد الله بن عمر القواريري، وأحمد بن عبدة، وبشر بن معاذ العقدي، وإسحاق بن أبي إسرائيل، ومحمد بن بكار بن الريان البغدادي [وهم ثقات]، ويحيى بن عبد الحميد الحماني [كوفي حافظ؛ إلا أنه اتهم بسرقة الحديث]:
ثنا حماد بن يحيى الأبح [لا بأس به، يهم في الشيء بعد الشيء، لينه بعضهم]، عن سعيد بن مينا، عن عبد الله بن عمرو، قال: قلت: يا رسول الله، إني رجل أسرد الصوم، أفأصوم صوم الدهر؟ قال: "لا"، قلت: أصوم يومين وأفطر يومًا؟ قال: "لا"، فجعلت أناقصه، فقال: "صم صوم داود ﵇ فإنه كان يصوم يومًا ويفطر يومًا".
أخرجه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ٣٠٢/ ٤٨٣ - مسند عمر)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٥٩٩/ ١٤٥١٥)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٢٤٧) (٣/ ٣٣٤/ ٤٥١٦ - ط الرشد)، وأبو إسحاق إبراهيم بن محمد المزكي في الأول من فوائده "المزكيات" بانتقاء الدارقطني (١٥٧)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٣/ ٢٤٠/ ٢٦٤٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٧/ ٨٧).
قلت: وهذا حديث شاذ بهذا اللفظ؛ والمحفوظ ما رواه مسلم من طريق سَليم بن حيان الهذلي، وهو: ثقة.
١٨ - وروى الحسن بن إسماعيل بن سليمان بن مجالد، والحسن بن علي بن عفان، وأحمد بن حرب، وعبيد بن أسباط [وهم ثقات]:
عن أسباط بن محمد [كوفي ثقة] وهو ثبت فيما يروي عن مطرف بن طريف الكوفي. التهذيب (١/ ٢٣٠)]، عن مطرف بن طريف [كوفي ثقة]، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن عبد الله بن عمرو، قال: قلت: يا رسول الله، في كم أختم القرآن؟ قال: "اختمه في كل شهر"، قلت: إني أطيق أفضل من ذلك، قال: "اختمه في خمس وعشرين"، قلت: إني أطيق أفضل من ذلك، [وفي رواية عبيد بن أسباط: قال: "اختمه في عشرين"، قلت: إني أطيق أفضل من ذلك،]، قال: "اختمه فبم خمس عشرة"، قلت: إني أطيق أفضل من ذلك، قال: "اختمه في عشر"، قلت: إني أطيق أفضل من ذلك، قال: "اختمه في خمس"، قال: إني أطيق أفضل من ذلك، قال: فما رخَّص لي.
أخرجه الترمذي في الجامع (٢٩٤٦)، وفي العلل الكبير (٦٤٧)، والنسائي في الكبرى (٧/ ٢٧٦/ ٨٠١١)، وأبو العباس السراج في حديثه بانتقاء الشحامي (١٠٤٠)، والبيهقي في الشعب (٤/ ٣٠٠/ ١٩٧٩). [التحفة (٦/ ١٤٧/ ٨٩٥٦)، المسند المصنف (١٧/ ٤١٧/ ٨٢٥٠)].
قال الترمذي في الجامع: "هذا حديث حسن صحيح غريب، يستغرب من حديث أبي بردة عن عبد الله بن عمرو.
وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن عبد الله بن عمرو، وروي عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: "لم يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث"، وروي عن عبد الله بن
стр. 7913
عمرو، أن النبي ﷺ قال له: "اقرأ القرآن في أربعين"، وقال إسحاق بن إبراهيم: ولا نحب للرجل أن يأتي عليه أكثر من أربعين يومًا ولم يقرأ القرآن لهذا الحديث.
وقال بعض أهل العلم: لا يقرأ القرآن في أقل من ثلاث للحديث الذي روي عن النبي ﷺ ، ورخص فيه بعض أهل العلم، وروي عن عثمان بن عفان أنه كان يقرأ القرآن في ركعة يوتر بها، وروي عن سعيد بن جبير أنه قرأ القرآن في ركعة في الكعبة، والترتيل في القراءة أحبُّ إلى أهل العلم".
وقال في العلل: "سألت محمدًا [يعني: البخاري، عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث أسباط بن محمد عن مطرف؛ كأنه لم يعرفه إلا من هذا الوجه".
• قلت قد رواه جرير بن عبد الحميد [ثقة]، وخالد بن عبد الله الواسطي [ثقة ثبت]:
عن مطرف بن طريف، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن عبد الله بن عمرو، قال: قلت: يا رسول الله في كم أختم القرآن؟ قال: "اختمه في شهر"، قلت: يا رسول الله إني أطيق، قال: "اختمه في خمس وعشرين" قلت: إني أطيق، قال: "اختمه في عشرين"، قلت: إني أطيق، قال: "اختمه في خمسة عشرة"، قلت: إني أطيق، قال: "اختمه في عشر"، قلت: إني أطيق، قال: "اختمه في خمس"، قلت: إني أطيق، قال: "لا".
أخرجه الدارمي (٣٨١٥ - ط البشائر)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٥٤٢/ ١٤٤٣٤)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٤/ ٤٩٧/ ١٢٢٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣١/ ٢٥٢). [الإتحاف (٩/ ٦٤٦/ ١٢١١٩)، المسند المصنف (١٧/ ٤١٧/ ٨٢٥٠)].
قال البغوي: "هذا حديث صحيح، غريب من حديث أبي بردة عن عبد الله بن عمرو".
قلت: هو حديث صحيح غريب، تفرد به مطرف بن طريف، وهو: كوفي ثقة، قديم الوفاة، توفي سنة (١٤١) أو بعدها، فهو أقدم وفاة من شعبة وسفيان بما يقرب من عشرين عامًا، وقد رويا عنه [انظر: التهذيب (٤/ ٩٠)]، وعليه فهو قديم السماع من أبي إسحاق، وروايته عنه مستقيمة، والله أعلم.
وقد انتهى به النبي ﷺ في هذا الحديث إلى خمس، ويؤيده حديث:
شعبة، عن عمرو بن دينار، عن أبي العباس، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال لي رسول الله ﷺ : "اقرأ القرآن في شهر"، قلت: إني أطيق أكثر من ذلك، فلم أزل أطلب إليه حتى قال: "لي خمسة أيام"، … الحديث.
أخرجه النسائي في المجتبى (٤/ ٢١٤/ ٢٤٠٠)، وهو حديث صحيح [راجع الطريق رقم (٥)].
وقد سبق أن بينت عند الكلام عن حديث هشيم [تقدم برقم (١٣)]، أنه قد ثبت أن النبي ﷺ انتهى به إلى ثلاث، وإلى سبع، فيصبح المجموع ثلاثة أحوال: ثلاث، وخمس،
стр. 7914
وسبع. قال البخاري بعد حديث أبي عوانة عن مغيرة (٥٠٥٢)، وفيه: "واقرأ في كل سبع ليال مرة"، قال: "وقال بعضهم: في ثلاث، وفي خمس، وأكثرهم على سبع".
١٩ - وروى يزيد بن هارون، وعبد الأعلى بن حماد، وعفان بن مسلم، وحجاج بن المنهال، وروح بن عبادة، وعبد الواحد بن غياث [وهم ثقات]:
عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن شعيب بن عبد الله بن عمرو، عن أبيه [عبد الله بن عمرو بن العاص]، قال: قال لي رسول الله ﷺ : (صم يوما، ولك أجر عشرة"، فقلت: زدني، فقال: "صم يومين، ولك أجر تسعة"، قلت: زدني، قال: "صم ثلاثة أيام، ولك أجر ثمانية".
قال ثابت: فذكرت ذلك لمطرف، فقال: ما أراه إلا يزداد في العمل وينقص من الأجر.
أخرجه النسائي في المجتبى (٤/ ٢١٣/ ٢٣٩٦)، وفي الكبرى (٣/ ١٩٠/ ٢٧١٧)، وأحمد (٢/ ١٦٥ و ٢٠٩)، والبزار (٦/ ٤٣٥/ ٢٤٦٦)، والطحاوي في شرح المعاني (٢/ ٨٥)، وفي المشكل (١٥/ ١٢٨/ ٥٨٩١) و (١٥/ ١٢٩/ ٥٨٩٢)، والطبرانى في الكببر (١٣/ ٤١٨/ ١٤٢٥٨) و (١٣/ ٦٤٥/ ١٤٥٧١). [التحفة (٦/ ٣٠/ ٨٦٥٥)، الإتحاف (٩/ ٤٧٢/ ١١٦٩٧)، المسند المصنف (١٧/ ١٤٧/ ٨٠١٣)].
وهذا إسناد صحيح؛ رجاله كلهم ثقات.
قال الترمذي في الجامع (٣٢٢): "وعمرو بن شعيب هو: ابن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال محمد بن إسماعيل: رأيت أحمد وإسحاق - وذكر غيرهما - يحتجون بحديث عمرو بن شعيب. قال محمد: وقد سمع شعيب بن محمد، من عبد الله بن عمرو".
قلت: قد أثبت سماعَ شعيب من جده عبد الله أئمةُ هذا الشأن وعليهم المعوَّل: البخاريُّ، وابنُ المديني، وأحمد بن حنبل، وأحمد بن صالح، والدارقطني [راجع بحث هذه المسألة: فضل الرحيم الودود (٢/ ١١٦/ ١٣٥)].
* وقد جاء معنى حديث حماد بن سلمة هذا:
من حديث ابن جريج: سمعت عطاء؛ أن أبا العباس الشاعر أخبره؛ أنه سمع عبد الله بن عمرو ﵄ يقول: بلغ النبيَّ ﷺ أني أسرد الصوم وأصلي الليل، … فذكر الحديث، وفيه: "وصم من كل عشرة أيام يومًا، ولك أجر تسعةٍ، … الحديث. [أخرجه مسلم (١١٥٩/ ١٨٦)، وتقدم في الطريق الأول].
* وكذلك من حديث شعبة، عن زياد بن فياض، قال: سمعت أبا عياض، عن عبد الله بن عمرو ﵄، أن رسول الله ﷺ قال له: "صم يومًا، ولك أجر ما بقي"، قال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: "صم يومين، ولك أجر ما بقي"، قال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: "صم ثلاثة أيام، ولك أجر ما بقي، قال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال:
стр. 7915
"صم أربعة أيام، ولك أجر ما بقي"، قال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: "صم أفضل الصيام عند الله، صوم داود ﵇، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا". [اخرجه مسلم (١١٥٩/ ١٩٢)، وتقدم في الطريق رقم (١٦)].
وقد تأوله بعضهم بخلاف ظاهره؛ بأن الأجر ما بقي من الشهر في جميعها؛ لأن نيته كانت صوم جميعه، فمنعه منه ما حضه عليه النبي ﷺ من الأبقاء على نفسه، وحقوق زوره، وأهله، فبقي أجر نيته في صومه [انظر: إكمال المعلم للقاضي عياض (٤/ ١٢٩)، غريب الحديث للخطابي (١/ ٥١٢)].
قال ابن حبان (٣٦٥٨): "قوله ﷺ : "صم يومًا من كل شهر ولك أجر ما بقي ": يريد أجر ما بقي من العشرين، وكذلك في الثلاث، إذ محال أن كدَّه كلما كثر كان أنقص لأجره".
قلت: وهذا مخالف لعامة الروايات عن عبد الله بن عمرو:
ففي الصحيح مثلًا: "وإن بحسبك أن تصوم كلَّ شهرٍ ثلاثةَ أيام، فإن لك بكل حسنةٍ عشرَ أمثالها، فإن ذلك صيامُ الدهر كلِّه" [البخاري (١٩٧٥)].
وفيه أيضًا: "وصم من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر" [البخاري (١٩٧٦ و ٣٤١٨)، مسلم (١١٥٩/ ١٨١)].
وقد فسره الطحاوي في المشكل (١٥/ ١٣٠) على ظاهره موافقًا لقول مطرف؛ بناء على ما يحصل له من الضعف بسبب الصوم، وما يترتب عليه من الإخلال ببعض الحقوق والعبادات؛ فكان له الأجر كاملًا مع بقاء قوته، ثم نقص أجره بقدر ما نقص من قوته. [وانظر: غريب الحديث للخطابي (١/ ٥١٢)].
قلت: خطاب النبي ﷺ لعبد الله بن عمرو كان لسابق علمه بأنه سوف يعجز عن الاستمرار على عمله هذا إذا كبر؛ كما أقر بذلك عبد الله بن عمرو بعدما كبر، ولذا أرشده لما هو أنفع له، ولما يتناسب مع قدرته، فكان يكفيه أن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر؛ إذ الحسنة بعشر أمثالها، بحيث لا يقع منه التقصير في الواجبات؛ لكن ذلك لا يعني بإطلاقِ أن من زاد في العمل نقص في الأجر بدليل قوله ﷺ : "أحبُّ الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه" [أخرجه البخاري (١١٣١ و ٣٤٢٠)، ومسلم (١١٥٩/ ١٨٩)، وتقدم برقم (٧)]؛ ولذلك فإنه قد قيده في الرواية الأخرى بقوله: "كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، ولا يفر إذا لاقى"، يعني: أن صومه هذا لم يكن يحدث له خللًا في بقية وظائفه وواجباته، ولذلك فإن النبي ﷺ قد نبه عبد الله بن عمرو على ما سوف يترتب على فعله هذا، وهو التقصير في حق النفس والعين والأهل والزور؛ فقال: "فإن لجسدك عليك حقًا، وإن لعينك عليك حقًا، وإن لزوجك عليك حقًا، وإن لزورك عليك حقًا"، بينما لم يقع ذلك لداود، فجمع بين الأمرين فاكتمل له الأجر، مع زيادة العمل، لأجل عدم تقصيره في بقية الحقوق
стр. 7916
والواجبات، والله أعلم [وانظر في آخر طرق هذا الحديث ما نقلته عن جملة من الأئمة؛ لا سيما كلام الذهبي، فهو كلام نفيس].
٢٠ - ورواه عبد الواحد بن غياث، وعبد الأعلى بن حماد:
عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن عطاء بن فروخ، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ بنحوه.
يعني: بنحو حديث عطاء بن السائب عن أبيه عن ابن عمرو [تقدم برقم (١٣٨٩)].
أخرجه البزار (٦/ ٤٣٥/ ٢٤٦٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣١/ ٢٥٣).
قلت: إسناده ضعيف؛ عطاء بن فروخ المدني نزيل البصرة: روى عنه يونس بن عبيد وعلى بن زيد بن جدعان، وذكره ابن حبان في الثقات، ولم يذكر له سماع من عبد الله بن عمرو، ولا له كثير رواية [العلل ومعرفة الرجال (٣/ ١١١/ ٤٤٥٢)، التاريخ الكبير (٦/ ٤٦٧)، الجرح والتعديل ٦١/ ٣٣٥)، الثقات (٥/ ٢٠٤)، التهذيب (٣/ ١٠٧)].
وعلي بن زيد بن جدعان: ضعيف.
٢١ - وروى يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرزاق بن همام، والمفضل بن فضالة [وهم ثقات]:
عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن يحيى بن حكيم بن صفوان، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: جمعت القرآن، فقرأت به في كل ليلة، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: "إني أخشى أن يطول عليك زمان أن تمل؛ اقرأه في كل شهر"، قلت: يا رسول الله، دعني أستمتع من قوتي وشبابي، قال: "اقرأه في كل عشرين"، قلت: يا رسول الله، دعني أستمتع من قوتي وشبابي، قال: "اقرأه في عشر"، قلت: يا رسول الله، دعني أستمتع من قوتي وشبابي، قال: "اقرأه في كل سبع"، قلت: يا رسول الله، دعني أستمتع من قوتي وشبابي، فأبى. لفظ يحيى بن سعيد [عند أحمد]، وقد صرح ابن جريج بالسماع في رواية يحيى عند ابن المديني، وابن حبان. وفي رواية عبد الرزاق [عند أحمد، وهو ممن سمع منه قديمًا]: أخبرنا ابن جريج: سمعت ابن أبي مليكة، يحدث عن يحيى بن حكيم بن صفوان؛ أن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: … فذكره.
أخرجه النسائي في الكبرى (٧/ ٢٧٦/ ٨٠١٠)، وابن ماجه (١٣٤٦)، وابن حبان (٣/ ٣٣/ ٧٥٦) و (٣/ ٣٤/ ٧٥٧)، وأحمد (٢/ ١٦٣ و ١٩٩)، وابن المديني في الخامس من العلل (١٠٧)، وعبد الرزاق (٣/ ٣٥٥/ ٥٩٥٦)، وجعفر الفريابي في فضائل القرآن (١٢٧)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٤٨٢/ ١٤٣٥٠)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٨٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣١/ ٢٥٤). [التحفة (٦/ ١٤٢/ ٨٩٤٥)، الإتحاف (٩/ ٦٣٨/ ١٢١٠٥)، المسند المصنف (١٧/ ٤١٣/ ٨٢٤٧)].
وقد علقه البخاري في التاريخ الكبير (٨/ ٢٦٧)، فقال: "يحيى بن حكيم بن صفوان: عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ في الصوم، قاله ابن جريج عن ابن أبي مليكة".
стр. 7917
وهذا مما يدل على أن يحيى بن حكيم هذا لا يُعرف بغير هذا الحديث، ولا له في كتب الأطراف كالتحفة والإتحاف سوى هذا الحديث الواحد، كما لا يُعرف له سماع في الرواية من عبد الله بن عمرو، ورواية عبد الرزاق عند أحمد تؤكد عدم الاتصال، وقد عده مسلم فيمن تفرد عنه ابن أبي مليكة بالرواية ممن دون الصحابة لمنفردات والوحدان (١٨٢)].
وأما ابن أبي حاتم وابن حبان فلم يزيدا على هذه الترجمة شيئًا، سوى أن قال ابن حبان: "أمه سكينة بنت أبي خلف"، وقال ابن سعد: "وكان يحيى بن حكيم والي مكة ليزيد بن معاوية"، وقيل: حج للناس سنة ثلاث وستين، وهي السنة التي توفي فيها ابن عمرو على قولٍ، أو قبلها بسنتين [طبقات ابن سعد (٥/ ٤٧٥)، أنساب الأشراف (٥/ ٣٠٧)، الجرح والتعديل (٩/ ١٣٤)، الثقات (٥/ ٥٢٢)، تالي تلخيص المتشابه (٢/ ٦٢١)، غنية الملتمس (٦٣٧)، المستخرج من كتب الناس (٣/ ٣٠)، تاريخ دمشق (١١/ ٤١٦) و (٢٨/ ٢٠٧)، الميزان (٤/ ٣٦٩)، التكميل في الجرح والتعديل (٢/ ١٨٣)].
والحاصل: فإن يحيى بن حكيم بن صفوان بن أمية الجمحي: مجهول في الرواية؛ وإن كان أميرًا معروفًا، ولا يُعرف له سماع من ابن عمرو؛ مع تحقق المعاصرة، وحديثه هذا في جملته مستقيم قد ثبت معناه عن عدد من أصحاب عبد الله بن عمرو، كما أن قوله في أوله: "إني أخشى أن يطول عليك زمان أن تمل؛ اقرأه في كل شهر"، معروف من حديث حسين المعلم وعكرمة بن عمار وأبي إسماعيل القناد، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو، وفيه: "واقرأ القرآن في كل شهر"، قال: قلت: يا نبي الله، إني أطيق أفضل من ذلك، قال: "فاقرأه في كل عشرين"، قال: قلت: يا نبي الله، إني أطيق أفضل من ذلك، قال: "فاقرأه في كل عشر"، قال: قلت: يا نبي الله، إني أطيق أفضل من ذلك، قال: "فاقرأه في كل سبع، ولا تزد على ذلك، فإن لزوجك عليك حقًا، ولزورك عليك حقًا، ولجسدك عليك حقًا"، قال: فشدَّدتُ، فشُدِّد علىَّ، قال: وقال لي النبي ﷺ : "إنك لا تدري لعلك يطول بك عمر"، قال: فصرت إلى الذي قال لي النبي ﷺ ، فلما كبرت وددت أني كنت قبلت رخصة نبي الله ﷺ . [راجع الطرق رقم (٣ و ٤ و ٦)، تحت الحديث رقم (١٣٨٨)؛ وحديث حسين عند البخاري (٦١٣٤)، ومسلم (١١٥٩/ ١٨٣)، وحديث عكرمة عند مسلم (١١٥٩/ ١٨٢)].
ولكن يحيى بن حكيم هذا قد انفرد هنا بهذه العبارة: دعني أستمتع من قوتي وشبابي، وقد رواه الثقات بلفظ: إني أطيق أفضل من ذلك، إني أجد قوةً، إني أجدني أقوى من ذلك، إني أطيق أكثر من ذلك، ونحو ذلك من العبارات، والله أعلم.
فهو حديث صحيح؛ مع جهالة تابعيه وعدم ثبوت اتصاله، لاستقامة متنه، ومجيئه من وجوه أخرى عن ابن عمرو، لكن بدون هذه العبارة: دعني أستمتع من قوتي وشبابي، والله أعلم.
стр. 7918
• وانظر فيمن وهم في إسناده: ما أخرجه الطبراني في الكبير (١٣/ ٤٧٤/ ١٤٣٤٠). [وفي إسناده: عمران بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى: روى عنه جماعة، وذكره ابن حبان في الثقات. التهذيب (٣/ ٣٢١)، تاريخ الإسلام (١٢/ ٣١٩)، وأبوه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى: ليس بالقوي، كان سيئ الحفظ جدًا، كثير الوهم، غلب عليه الاشتغال بالفقه والقضاء؛ فلم يكن يحفظ الأسانيد والمتون. انظر: التهذيب (٣/ ٦٢٧)، الميزان (٣/ ٦١٣)].
٢٢ - وروى عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن سماك بن الفضل، عن وهب بن منبه، عن عبد الله بن عمرو؛ أنه سأل النبي ﷺ : في كم يقرأ القرآن؟ قال: "في أربعين يومًا"، ثم قال: "في شهرٍ"، ثم قال: "في عشرين"، ثم قال: "في خمسَ عشرةَ"، ثم قال: "في عشرٍ"، ثم قال: "في سبعٍ"، لم ينزل من سبعٍ.
أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٣/ ٣٥٦/ ٥٩٥٧)، ومن طريقه: أبو داود (١٣٩٥)، والنسائي في الكبرى (٧/ ٢٧٧/ ٨٠١٤)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٤٨٧/ ١٤٣٥٨)، والبيهقي في الشعب (٤/ ٢٩٩/ ١٩٧٦).
[التحفة (٦/ ١٤٢/ ٨٩٤٤)، المسند المصنف (١٧/ ٤١٤/ ٨٢٤٨)].
رواه عن عبد الرزاق: نوح بن حبيب القومسي [ثقة] [وهذا لفظه عند أبي داود]، وإسحاق بن إبراهيم الدبري [راوي مصنف عبد الرزاق، وهو: صدوق؛ إلا أن سماعه من عبد الرزاق متأخر جدًا، وقد سمع منه بعد ما عمي، وروى عن عبد الرزاق أحاديث منكرة. انظر: اللسان (٢/ ٣٦)].
ولفظه في المصنف: أنه سأل رسول الله ﷺ في كم يقرأ القرآن؟ قال: "في أربعين"، قال: فإني أطيق أكثر من ذلك، قال: "في شهر"، قال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: "في خمس عشرة"، ثم قال: "في عشر"، ثم قال: "في سبع"، لم ينزل من سبع.
قال النسائي: "وهب لم يسمعه من عبد الله بن عمرو".
* تابع عبد الرزاق على إسناده:
عبد الله بن المبارك [ثقة حجة، إمام فقيه، أثبت الناس في معمر]، عن معمر، عن سماك بن الفضل، عن وهب بن منبه، عن عبد الله بن عمرو، أن النبي ﷺ قال له: "اقرأ القرآن في أربعين". زاد في النوادر: فاستزاده حتى رجع إلى سبع.
أخرجه أبو عيسى الترمذي في جامعه (٢٩٤٧)، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول (٣/ ٢١٠/ ٩٥١). [التحفة (٦/ ١٤٢/ ٨٩٤٤)، المسند المصنف (١٧/ ٤١٤/ ٨٢٤٨)].
قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب.
وقد روى بعضهم عن معمر، عن سماك بن الفضل، عن وهب بن منبه، أن النبي ﷺ أمر عبد الله بن عمرو أن يقرأ القرآن في أربعين".
стр. 7919
• خالف ابنَ المبارك، وعبدَ الرزاق:
محمد بن ثور [الصنعاني: ثقة]، فرواه عن معمر [بن راشد؛ نزيل اليمن: ثقة]، عن سماك بن الفضل [يماني: ثقة]، عن وهب بن منبه [يماني تابعي ثقة]، عن عمرو بن شعيب [حجازي ثقة]، عن أبيه، حدث بحديث عبد الله بن عمرو، قال: أمره النبي ﷺ أن يقرأ في أربعين، ثم في شهر، ثم في عشرين، ثم في خمسة عشر، وفي عشر، ثم في سبع، قال: انتهى إلى سبع.
أخرجه النسائي في الكبرى (٧/ ٢٧٧/ ٨٠١٥)، وابن نصر المروزي في قيام الليل (١٥٥ - مختصره). [التحفة (٦/ ١٤٢/ ٨٩٤٤)، المسند المصنف (١٧/ ٤١٤/ ٨٢٤٨)].
° قلت: معمر بن راشد: ثقة ثبت في حديث الزهري وابن طاووس، وقد يهم في حديث غيرهما، وقد رواه أثبت الناس فيه: عبد الله بن المباك، وعبد الرزاق، وهو راويته؛ فلم يذكرا أحدًا بين وهب وعبد الله بن عمرو؛ لذا قال النسائي: "وهب لم يسمعه من عبد الله بن عمرو"، مشيرًا بذلك إلى ترجيح حديث محمد بن ثور، والذي زاد في الإسناد رجلين، كما أشار الترمذي أيضًا إلى إرساله.
هذا من وجه، ومن وجه آخر؛ فإن رواية عبد الرزاق قد اشتملت على لفظة شاذة، حيث قال في آخره: لم ينزل من سبع؛ وهذا خلاف المحفوظ عن عبد الله بن عمرو فيما رواه الثقات عنه؛ ففي بعض الطرق: أن النبي ﷺ انتهى به في القراءة إلى خمس، وثبت عنه أيضًا: أنه انتهى به إلى ثلاث، فقد نزل عن السبع.
ومما يؤكد شذوذ هذه اللفظة: أن ابن المبارك لم يأت بها، فقال: "اقرأ القرآن في أربعين"، وزاد في رواية: فاستزاده حتى رجع إلى سبع، وأما محمد بن ثور فرواه بنحو رواية عبد الرزاق؛ إلا أنه قال في آخره: انتهى إلى سبع، وهو أقرب للصواب، والله أعلم.
وثمة لفظة أخرى غير محفوظة في هذا الحديث: وهو أن النبي ﷺ ابتدأه بأربعين؛ حين سأله: في كم يقرأ القرآن؟ قال ﷺ : "في أربعين يومًا"، ثم نزل به إلى سبع، وهذا الحديث قد رواه عن عبد الله بن عمرو جماعة، فقالوا في الابتداء: "اقرإ القرآن في كل شهر".
١ - فقد رواه أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال لي رسول الله ﷺ : "اقرإ القرآن في كل شهر"، … إلى أن قال: "فاقرأه في سبعٍ، ولا تزد على ذلك". [أخرجه البخاري (٥٠٥٤)، ومسلم (١١٥٩/ ١٨٤)].
٢ - ورواه عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال لي رسول الله ﷺ : "صُم من كلِّ شهرٍ ثلاثةَ أيامٍ، واقرإ القرآن في شهر"، … الحديث.
٣ - ورواه شعبة، عن عمرو بن دينار، عن أبي العباس، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال لي رسول الله ﷺ : "اقرأ القرآن في شهر"، … الحديث.
стр. 7920
٤ - ورواه مغيرة بن مقسم، قال: سمعت مجاهدًا، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ ، قال: … فذكر الحديث، وفيه: فقال: "اقرإ القرآن في كل شهر". [أخرجه البخاري (١٩٧٨ و ٥٠٥٢)].
٥ - ورواه شعبة، عن حصين، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو؛ … فذكر الحديث، وفيه: وقال له: "اقرإ القرآن في كل شهر".
٦ - ورواه هشيم، عن حصين بن عبد الرحمن، ومغيرة الضبي، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، … فذكر الحديث، وفيه: قال: "اقرأ القرآن في كل شهر".
٧ - ورواه عبثر بن القاسم، ومحمد بن فضيل، وأبو عوانة، وعلي بن عاصم: عن حصين، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، قال: … فذكر الحديث، وفيه: قال: "اقرأ القرأن في كل شهر".
٨ - ورواه مطرف بن طريف، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن عبد الله بن عمرو، قال: قلت: يا رسول الله، في كم أختم القرآن؟ قال: "اختمه في كل شهر"، … الحديث.
٩ - ورواه ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن يحيى بن حكيم بن صفوان، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: … فذكر الحديث، وفيه: "اقرأه في كل شهر".
وعليه فإن تتابع هؤلاء [وهم: أبو سلمة بن عبد الرحمن، والسائب بن مالك، وأبو العباس السائب بن فروخ، ومجاهد بن جبر، وأبو بردة بن أبي موسى، ويحيى بن حكيم بن صفوان] على البداءة بالشهر دون الأربعين؛ لدليل بيِّن على وقوع الوهم في هذه الرواية.
ثم إن هذا الحديث قد تفرد به أهل اليمن عن أهل الحجاز، مع كثرة من روى عن عمرو بن شعيب من أهل الحجاز، وأهل العراق، وأهل الشام، وغيرهم؛ ففي تفرد أهل اليمن به دون الناس، مع اقتران ذلك بهذه الأوهام، لدليل ظاهر على شذوذ هذا الحديث، ولا أستبعد أن يكون الوهم فيه من معمر بن راشد نفسه، فهو حديث شاذ والله أعلم.
وانظر: فتح الباري لابن حجر (٩/ ٩٧).
* تنبيه: وأما ما ذكره ابن قتيبة في غريب الحديث (٣ ٧٦٠)، وتبعه على ذلك جماعة من أهل اللغة، قال: "جاء في الحديث: من قرأ القرآن في أربعين ليلة فقد عزَّب. أي: بعُد عهده بما ابتدأ منه، وأبطأ في تلاوته"، فلم أقف له على إسناد، والله أعلم.
٢٣ - ورواه محمد بن جعفر غندر، ووهب بن جرير، وروح بن عبادة، وعفان بن مسلم، والنضر بن شميل، ومحمد بن بكر البرساني [وهم ثقات]:
عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن طلحة بن هلال، أو: هلال بن طلحة، قال: سمعت عبد الله بن عمرو، يقول: قال لي رسول الله ﷺ : "يا عبد الله! صم ثلاثة أيام من كل شهر، من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها"، قلت: إني أطيق أكثر من ذلك قال: "صم صوم داود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا".
стр. 7921
أخرجه الطيالسي (٤/ ٣٨/ ٢٣٩٤)، وأحمد (٢/ ٢٠٥)، والبخاري في التاريخ الكبير (٤/ ٣٤٦)، والطحاوي (٢/ ٨٦)، وابن حبان في الثقات ٤١/ ١٣٩٢، والطبراني في الكبير (١٣/ ٤١٥/ ١٤٢٥٤). [الإتحاف (٩/ ٦٣٤/ ١٢٠٩٧)، المسند المصنف (١٧/ ١٤٧/ ٨٠١٢)].
قلت: وهذا حديث صحيح، وتابعيه مجهول، وقد سمع من عبد الله بن عمرو [التاريخ الكبير (٤/ ٣٤٦)، الجرح والتعديل (٤/ ٤٧٣)، الثقات (٤/ ٣٩٢)، الثقات لابن قطلوبغا (٥/ ٣٩٢)].
٢٤ - وروى مبشر بن إسماعيل الحلبي [ثقة]، وعبد الله بن المبارك [ثقة ثبت متقن، إمام فقيه، من أثبت أصحاب الأوزاعي]، والوليد بن مسلم [ثقة ثبت] من أثبت أصحاب الأوزاعي]، والوليد بن مزيد [ثقة ثبت من أثبت الناس في الأوزاعي]، وعمر بن عبد الواحد [السلمي، أبو حفص الدمشقي: ثقة، من أثبت أصحاب الأوزاعي]، وأبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن الحارث الفزاري [ثقة حافظ]، وأبو معاوية محمد بن خازم الضرير [ثقة]، ومحمد بن كثير المصيصي [صاحب الأوزاعي] وهو: صدوق كثير الغلط]، ويحيى بن عبد الله بن الضحاك البابلتي الحراني [ضعيف، طعنوا في سماعه من الأوزاعي]:
عن الأوزاعي، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، قال: حدثني عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا عبد الله! لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل، فترك قيام الليل". لفظ ابن المبارك.
أخرجه البخاري (١١٥٢)، وتقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٣٠٩).
* ومن الأوهام الواقعة في هذه القصة:
٢٥ - روى محمد بن الحسين بن أبي الحنين [محمد بن الحسين بن موسى الحنيني: من أقران أبي داود، صنف المسند، وصل إلينا منه الأول والثاني من مسند أنس، قال ابن أبي حاتم: "صدوق"، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الدارقطني: "كان ثقة مأمونًا"، وقال مرة: "كان ثقة صدوقًا"، ووصفه الذهبي بالحافظ المتقن. الجرح والتعديل (٧/ ٢٣٠)، الثقات (٩/ ١٣٦ و ١٥٢)، المؤتلف للدارقطني (١/ ٣٧٣) و (٢/ ٩٥٧)، فتح الباب (١٥٦٧)، تاريخ بغداد (٣/ ٩ - ط الغرب)، إكمال ابن ماكولا (٢/ ٢٨)، السير (١٣/ ٢٤٣)، تاريخ الإسلام (٦/ ٦٠٥ - ط الغرب)، الثقات لابن قطلوبغا (٨/ ٢٤٥ و ٢٥٢)]، قال: ثنا الفضل بن دكين [أبو نعيم: ثقة ثبت]، قال: ثنا أبان بن عبد الله [هو: البجلي؛ صدوق، الأكثر على توثيقه، وله أوهام أنزلته عن رتبة الثقات. راجع ترجمته في فضل الرحيم (١/ ١٧٤/ ٤٥)]، قال: حدثني عمرو بن شعيب، قال: حدثني أبي، عن جدي؛ أنه تزوج امرأة من غفار بني عامر، فطال طوالها مع جدي، لا يصيب منها ولدًا، قال: فزارها أبوها، قال: فقال لها: أبنية! مالك عن الولد؟! وأنت من نسوة ولد، فقالت: أتلد المرأة
стр. 7922
إلا من زوجها؟ قال: فما شأن زوجك؟ قالت: نهاره صائم، وليله قائم، قال: فأتى أبوها عبدَ الله بن عمرو، فقال: إن ابنتي من النساء، تريد ما يريد النساء من قرة العين والولد، قال: هو الذي بلغك، وأمر بنتك بيدك، قال: فإني قد ضممت ابنتي إليَّ، وفرقت بينكما، ثم انطلق حتى أتى النيي ﷺ ، فقال: يا نبي الله إن ابنتي عند رجل يصوم النهار ويقوم الليل كله، فقال: "من هو؟ "، قال: عبد الله بن عمرو، قال: فأرسل إليه، فأتاه، فقال: "يا عبد الله بن عمرو! إن لنا سنةً، فمن أخذ بها فهو منا، ومن تركها فليس منا، يصوم ويفطر، ويصلي وينام، فاقرأ القرأن في ثلاثين ليلة"، قال: فأنا أقوى من ذلك، قال: فما زال يزايدني حتى قال: "اقرأه في سبع".
قال: فقال في الصيام: "صم من كل شهر ثلاثة أيام"، قال: أنا أقوى من ذلك، قال: فما زال يزايدني حتى قال: "صم صيام داود؛ فإنه لا يعدو ولا يفر من الزحف إذا لقي".
قال حين ضعف: لأن أكون قبلت رخصة رسول الله ﷺ أحب إلىَّ مما في الأرض من شيء، وقال: قال رسول الله ﷺ : "كل مسكر حرام".
أخرجه أبو علي ابن شاذان في الثامن من حديثه (١٣٥).
قلت: هو حديث منكر بهذا السياق؛ ولعل الوهم فيه من أبان بن عبد الله بن أبي حازم البجلي، وهو وإن كان صدوقًا، وثقه أحمد وابن معين وابن نمير والعجلي وابن شاهين وابن خلفون، وقال البخاري: "صدوق الحديث"، وقال ابن عدي: "وأبان هذا عزيز الحديث، عزيز الروايات، ولم أجد له حديثًا منكر المتن فأذكره، وأرجو أنه لا بأس به"؟ إلا أنه قد لينه جماعة، فقد قال النسائي: "ليس بالقوي"، وذكره العقيلي وابن حبان في الضعفاء، وقد تحامل عليه ابن حبان حين قال: "وكان ممن فحش خطؤه، وانفرد بالمناكير".
وأما الدارقطني فقد بيَّن حجته في تضعيفه حيث قال في العلل (٨/ ٢٧٦): "وحديث آخر يرويه أبان بن عبد الله البجلي - وكان ضعيفًا - عن مولى لأبي هريرة في المسح على الخفين مرفوعًا، وأبان: ضعيف، وقال أحمد بن حنبل: هذا حديث منكر، وكلها باطلة [يعني: ما روي عن أبي هريرة في المسح على الخفين]، ولا يصح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في المسح".
وضعف مسلم في التمييز (٢٠٩) ما رُوي من أحاديث المسح عن أبي هريرة، قال مسلم: "فقد صح برواية أبي زرعة وأبي رزين عن أبي هريرة إنكاره المسح على الخفين، ولو كان قد حفظ المسح عن النبي ﷺ كان أجدر الناس وأولاهم للزومه والتدين به … وإن من أسند ذلك عنه عن النبي ﷺ واهي الرواية، أخطأ فيه إما سهوًا أو تعمدًا".
وبذا يظهر جليًا أن أبان بن عبد الله البجلي هذا قد استنكرت عليه بعض الأحاديث، مثل حديث أبي هريرة في المسح على الخفين، وذكر له الذهبي في الميزان مما أنكر عليه
стр. 7923
أيضًا: حديث علي ﵁ مرفوعًا: "جرير منا أهل البيت، ظهرًا لبطن، ظهرًا لبطن" [انظر ترجمة أبان: التهذيب (١/ ١٢١)، إكمال مغلطاي (١/ ١٦٢)، الميزان (١/ ٩)، المجروحين (١/ ٩٩)، ضعفاء العقيلي (١/ ٤٢)، السير (٢/ ٥٣٤)، وغيرها مع فضل الرحيم الودود (١/ ١٧٤/ ٤٥)].
• أما حديث: "كل مسكر حرام":
فقد رواه أبو بكر ابن أبي شيبة، وأبو أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير الزبيري، وهارون بن عبد الله الحمال [وهم ثقات]:
حدثنا الفضل بن دكين، عن أبان بن عبد الله البجلي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال نبي الله ﷺ : "كل مسكر حرام".
أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٦٧/ ٢٣٧٤٥)، وأحمد (٢/ ١٨٥)، وابن عدي في الكامل (١/ ٣٨٧). [الإتحاف (٩/ ٥١٤/ ١١٨٠٢)، المسند المصنف (١٧/ ٢٧٩/ ٨١١٧)].
هكذا رواه هؤلاء الثقات، وفيهم الحافظ الكبير أبو بكر ابن أبي شيبة بدون قصة ابن عمرو الطويلة في اجتهاده في العبادة.
• ورواه عبيد الله بن عمر العمري [ثقة ثبت]، وأخوه عبد الله بن عمر [ليس بالقوي]، وأبو يونس القوي الحسن بن يزيد [ثقة]، والأوزاعي أولا يثبت عنه، الراوي عنه: سعيد بن مسلمة الأموي: منكر الحديث. التهذيب (٢/ ٤٣)، الميزان (٢/ ١٥٨)]: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده [عبد الله بن عمرو]، أن رسول الله ﷺ قال: "ما أسكر كثيره فقليله حرام".
أخرجه النسائي في المجتبى (٨/ ٣٠٠/ ٥٦٧٠)، وفي الكبرى (٥/ ٨١/ ٥٠٩٧) و (٦/ ٢٨٥/ ٦٧٩٠)، وابن ماجه (٣٣٩٤)، وأحمد في المسند (١٦٧ و ١٧٩)، وفي الأشربة (٥)، وابن وهب في الجامع (٣٩)، وعبد الرزاق (٩/ ٢٢١/ ١٧٠٠٧)، والطحاوي (٤/ ٢١٧)، والسهمي في تاريخ جرجان (٣٢٧)، وأبو جعفر النحاس في الناسخ (١/ ٥٩٠/ ١٤٠)، والطبراني في الأوسط (٦/ ١٧٠/ ٦١٠٣)، وفي الصغير (٩٨٣)، والدارقطني (٤/ ٢٥٤ و ٢٥٧ و ٢٥٨)، وابن أخي ميمي الدقاق في فوائده (٥٨٨)، وتمام في الفوائد (١١١)، والبيهقي (٨/ ٢٩٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٣/ ٣) و (٥٣/ ١٦٠). [التحفة (٦/ ٦٧/ ٨٧٦٠)، الإتحاف (٩/ ٥١٤/ ١١٨٠٢)، المسند المصنف (١٧/ ٢٧٨/ ٨١١٦)].
قال النسائي: "إنما يتكلم في حديث عمرو بن شعيب إذا رواه عنه غير الثقات، فأما إذا رواه الثقات فهو حجة، وعبد الله بن عمرو جد عمرو بن شعيب كان يكتب ما سمع من النبي ﷺ ، وحديثه من أصح الحديث" [الناسخ (١٤٠)].
قلت: وهو حديث صحيح.
• ورواه ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن أبي وهب الجيشاني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كل مسكر حرام".
стр. 7924
أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٥/ ٢٤٤/ ٢٧٧٣)، وعلقه أبو نعيم في معرفة الصحابة (٦/ ٣٠٤٢/ ٧٠٤٤).
واختلف فيه على ابن عجلان: انظر ما أخرجه أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة (٢/ ٣٣٠ / ٩٢٨)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٣١١/ ٢٠٧١).
وليس المقصود هنا تخريج حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "كل مسكر حرام"، وإنما المقصود بيان كون الحديث محفوظًا من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
° وإنما انفرد أبان بن عبد الله هنا عن عمرو بن شعيب على كثرة أصحابه بهذه القصة الغريبة التي لم يشركه فيها أحد من الثقات، بل المعروف عن الثقات خلاف ذلك؛ فإن الذي دخل يتفقد حال امرأة عبد الله بن عمرو إنما هو أبوه عمرو لا أبوها، وأن الذي شكاه إلى النبي ﷺ أيضًا إنما هو أبوه عمرو لا أبوها.
فقد روى أبو عوانة، عن مغيرة بن مقسم، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، قال: أنكحني أبي امرأة ذات حسب، فكان يتعاهد كَنَّته، فيسألها عن بَعلها فتقول: نعم الرجل من رجلٍ لم يطأ لنا فراشًا، ولم يفتِّش لنا كنفًا منذ أتيناه، فلما طال ذلك عليه ذكر للنبي ﷺ فقال: "القَني به"، فلقيته بعد، فقال: "كيف تصوم؟ " قال: كل يوم، قال: "وكيف تختم؟ "، قال: كل ليلة، … وذكر الحديث.
ورواه هشيم، عن حصين بن عبد الرحمن، ومغيرة الضبي، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو قال: زوجني أبي امرأةً من قريش، فلما دخلت عليَّ جعلتُ لا أنحاش لها، مما بي من القوة على العبادة، من الصوم والصلاة، فجاء عمرو بن العاص إلى كَنَّته، حتى دخل عليها، فقال لها: كيف وجدتِ بعلَك؟ قالت: خيرَ الرجال أو كخير البعولة من رجلٍ لم يفتش لنا كنفًا، ولم يعرف [وفي رواية ابن منيع: ولم يقرب، لنا فراشًا، فأقبل عليَّ، فعذَمني، وعضني بلسانه، فقال: أنكحتك امرأة من قريش ذات حسب، فعضلتَها، وفعلتَ وفعلتَ، ثم انطلق إلى النبي ﷺ فشكاني، فأرسل إلىَّ النبي ﷺ فأتيته، فقال لي: "أتصوم النهار؟ "، قلت: نعم، قال: "وتقوم الليل؟ "، قلت: نعم، … فذكر الحديث بطوله. وهو حديث صحيح.
وعليه: فإن هذا الحديث أيضًا يعدُّ من مناكير أبان بن عبد الله، والله أعلم.
٢٦ - وروى سعيد بن أبي مريم، عن ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن أبي فراس؛ أنه سمع عبد الله بن عمرو، يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "صام نوح الدهر؛ إلا يوم الفطر ويوم الأضحى".
وفي رواية: "صام نوح الدهر؛ إلا يوم الفطر والأضحى، وصام داود نصف الدهر، وصام إبراهيم ثلاثة أيام من كل شهر، صام الدهر وأفطر الدهر".
أخرجه ابن ماجه (١٧١٤)، والبيهقي في الشعب (٦/ ٣٥٦/ ٣٥٦٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٢/ ٢٧٥ - ٢٧٦) [التحفة (٦/ ١٤٤/ ٨٩٤٩)، المسند المصنف (١٧/ ١٢٣/ ٨٠٠٣)].
стр. 7925
• وأخرج الطبراني في الكبير (١٤/ ١٤٧١٧/١٠١)، قال: حدثنا أبو الزنباع روح بن الفرج، قال: ثنا عمرو بن خالد الحراني، قال: ثنا ابن لهيعة، عن أبي قنان [أيوب بن أبي العالية]، عن يزيد بن رباح أبي فراس؛ أنه سمع عبد الله بن عمرو، يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: … فذكر مثله.
وهذا حديث منكر؛ تفرد به ابن لهيعة، وهو: ضعيف، وقد اضطرب في إسناده.
* ولحديث عبد الله بن عمرو إسناد آخر لا يخلو من مقال: أخرجه الطبراني في الكبير (١٣/ ٥٦١/ ١٤٣٩٦).
* ورويت نحو هذه القصة في قراءة القرآن من حديث قيس بن أبي صعصعة:
فقد روى سعيد بن أبي مريم [ثقة ثبت]، وعمرو بن الربيع بن طارق [ثقة]، ويحيى بن عبد الله بن بكير [ثقة]، وحجاج بن سليمان الرعيني [منكر الحديث. اللسان (٢/ ٥٦١)]:
كلهم عن ابن لهيعة، عن حبان بن واسع، عن أبيه، عن قيس بن أبي صعصعة، أنه قال للنبي ﷺ : يا رسول الله! في كم أقرأ القرآن؟ فقال: "في كل خمس عشرة"، فقال: إني أجدني أقوى من ذلك، فقال: "ففي كل جمعة"، قال: إني أجدني أقوى من ذلك، قال: فمكث كذلك يقرؤه في كل سبع، وكان يقرؤه في كل خمس عشرة ليلة، قال: يا ليتني قبلت فريضة النبي ﷺ . وفي رواية: فمكث كذلك يقرؤه زمانًا حتى كبر، وكان يعصب على عينيه، ثم رجع فكان يقرؤه في خمس عشرة، قال: يا ليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ الأولى.
أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في فضائل القرآن (٢٢٢)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (١/ ٢٩٨)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٤/ ٦٢/ ٢٠٠٨)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٣٤٤/ ٨٧٧)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٤/ ٢٣٠٧/ ٥٦٩٠)، وأبو عمرو الداني في البيان في عد آي القرآن (٣٢٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٩/ ٤٦٧ و ٤٦٨)، وعلقه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٧/ ١٠٠)، وابن قانع في المعجم (٢/ ٣٦٨)، وابن عبد البر في الاستيعاب (٣/ ١٢٩٤).
* ورواه أيضًا: يحيى بن عبد الله بن بكير، وعبد الله بن المبارك، وحسن بن موسى الأشيب، وقتيبة بن سعيد [وهم ثقات، وابن المبارك أصحهم سماعًا من ابن لهيعة]: عن ابن لهيعة: حدثنا حبان بن واسع، عن أبيه، عن سعد بن المنذر الأنصاري؛ أنه قال: يا رسول الله أقرأ القرآن في ثلاث؟ قال: "نعم؛ أن استطعت".
فكان يقرؤه كذلك حتى توفي.
أخرجه أحمد (١١/ ٥٧٣٦/ ٢٤٤٣٢ - ط المكنز)، وابن المبارك في الزهد (١٢٧٤)، وفي المسند (٦٧)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في فضائل القرآن (٢٢٩)، وجعفر الفريابي في فضائل القرآن (١٢٨)، وأبو القاسم البغوي في معجم الصحابة (٢/ ٥٥١/ ١٣٠٦)، والطبراني في الكبير (٦/ ٥١/ ٥٤٨١) [وفي سنده سقط]. وأبو نعيم في معرفة الصحابة
стр. 7926
(٣/ ١٢٦٤/ ٣١٨٣)، وأبو عمرو الداني في البيان في عد آي القرآن (٣٢٦). [الإتحاف (٥/ ٥١٣/ ٥٨٦٦)، أطراف المسند (٢/ ٤٦٥/ ٢٦٠٧)، المسند المصنف (٨/ ٤٧٣/ ٤٢٥٧)].
قال البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ٥٠): "سعد بن المنذر: رواه ابن لهيعة، ولم يصح حديثه".
وقال في الضعفاء الصغير (١٥٠): "سعد بن المنذر: يُذكر له صحبة، يعد في أهل المدينة، وحديثه ليس من وجه صحيح".
قال أبو القاسم: "ولا أعلم له غيره".
وقال ابن السكن: "روي عنه حديث تفرد به ابن لهيعة" [الإصابة (٥/ ٣٦٤)].
قلت: هو حديث ضعيف؛ اضطرب فيه ابن لهيعة، وهو من دلائل ضعفه وسوء حفظه.
* وقد رويت أيضًا نحو هذه القصة من حديث حكيم بن حزام:
رواه محمد بن عبد الله الحضرمي [المعروف بمطين: ثقة حافظ]: ثنا أبو غريب [محمد بن العلاء: ثقة حافظ]: ثنا عثمان بن سعيد [بن مرة الكوفي: ذكره ابن حبان في الثقات، وروى عنه جمع من الثقات]، عن يزيد بن عطاء أبن يزيد اليشكري: لين الحديث]، عن حريث بن أبي مطر [ضعيف]، عن أبي بكر بن حفص [عبد الله بن حفص بن عمر بن سعد بن أبي وقاص الزهري، وهو مشهور بكنيته: أبو بكر بن حفص، وهو: ثقة، ولا يُعرف له سماع من حكيم بن حزام]، عن حكيم بن حزام، قال: سألت رسول الله ﷺ عن الصوم، فقال: "صم ثلاثة أيام من كل شهر"، قلت: إني أطيق حتى نازلني، ثم قال: "صم ثلاثة أيام من الشهر"، قلت: إني أطيق حتى نازلني، ثم قال: "صم صيام داود، صم يومًا وأفطر يوما".
أخرجه الطبراني في الكبير (٣/ ٢٠١/ ٣١٢٣).
قلت: هو حديث ضعيف، غريب الإسناد.
° قال الخطابي في أعلام الحديث (٢/ ٩٧٦): "قوله: "هجمت له العين" معناه: سقطت وغارت. وقوله: "نفهت" معناه: أعيت وكلت.
والمعنى: أن المؤمن لم يُتعبد بالصوم فقط؛ حتى إذا أمعن فيه واجتهد كان قد قضى حق التعبد كله، وإنما تُعبد بأنواع من العمل كالجهاد والحج ونحوهما، فإذا استفرغ جهده في الصوم، فبلغ به حد غور العين، وكلال البدن، انقطعت قوته، وبطلت سائر أبواب العبادة، فأمره بالاقتصاد في الصوم ليستبقي بعض القوة لسائر الأعمال ....
وقوله عند ذكر داود: "وكان لا يفر إذا لاقى" يؤيد ما قلناه، يريد أنه كان لا يستنفد وسعه الصوم، وإنما كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، استبقاء لقوته من أجل الجهاد لئلا يضعف، فإنه كان لا يفر إذا لاقى" [وانظر أيضًا: غريب الحديث لأبي عبيد (١/ ١٤٣)،
стр. 7927
الزاهر في المعاني (١/ ٤٤٨)، تهذيب اللغة (٦/ ٤٥)، أعلام الحديث (١/ ٦٤١) و (٢/ ٩٧١)].
وقال ابن العربي في القبس (٥١٤): "وأما من كان فيه رجاء للقوة وتتوكف منه المنفعة ففطره أفضل من صومه، وفي مثله لا يقال: لا صام من صام الأبد؛ لأنه يهدم الأعلى بالأدنى، وإلى هذا المعنى وقعت الاشارة بقولي النبي ﷺ : "صم صوم أخي داود؛ كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، ولا يفر إذا لاقى".
وأما من لا منفعة في بدنه، ولا في علمه؛ فالصوم أفضل له".
ويأتي تحرير المسألة أن شاء الله تعالى في كتاب الصوم، وانظر أيضًا: الأعلام بفوائد عمدة الأحكام (٥/ ٣٣٥)، التوضيح (٩/ ٥٩) و (١٣/ ٤٦٥).
° قال أبو داود في مسائله لأحمد (٤٩٣ و ٤٩٤): "سمعت أحمد، يقول: ما أشد ما جاء فيمن حفظ القرآن ثم نسيه، قيل لأحمد: يعني ينسى من حفظه؟ قال: نعم، ينام عنه حتى ينسى. سمعت أحمد، يقول: أكثر ما سمعنا أن يختم القرآن في أربعين".
وقال إسحاق الكوسج في مسائل لأحمد وإسحاق (٣٧٩): "قلت: في كم يقرأ الرجل القرآن؟ قال: أقل ما سمعنا أربعون، وأكره له دون ثلاث.
قال إسحاق: كما قال، أجاد".
وقال إسحاق بن راهويه: "وأما قارئ القرآن حفظًا أو نظرًا فإنه يستحب له أن لا يجاوز أربعين يومًا حتى يكون خاتمًا فيه مرة، لما أمر النبي ﷺ عبد الله بن عمرو ﵄ أن يقرأه في أربعين حين سأله: إني جمعت القرآن ففي كم أقرؤه؟ فبدأه: "اقرأه في أربعين".
فالرخصة لمن جمع القرآن هذا الوقت أكثره، مع أن أكثر الرواية أن النبي ﷺ حيث سأله، قال له: "اقرأه في شهر"، ونرجو في أربعين لما ذكر في الحديث.
وأما الذي نستحب لمن حمل القرآن حتى حفظ أن يقرأه في السبع أو الثمان، وإن كان في ثلاث فهو أفضل، ولا يقرؤه في دون ثلاث؛ إلا أن يحب في الأحايين ختم القرآن ليدعو دعوة يطمع في الإجابة، كنحو دخوله الكعبة، أو ليلة القدر وما أشبه ذلك، فأما الإدمان ففي ثلاث".
وقال ابن قدامة في المغني (٢/ ١٢٨): "يستحب أن يقرأ القرآن في كل سبعة أيام، ليكون له ختمة في كل أسبوع، قال عبد الله بن أحمد: كان أبي يختم القرآن في النهار في كل سبعة يقرأ في كل يوم سبعًا، لا يتركه نظرًا، وقال حنبل: كان أبو عبد الله يختم من الجمعة إلى الجمعة"، إلى أن قال: "فقد روي عن أبي عبد الله أنه قال: أكره أن يقرأه في أقل من ثلاث. وذلك لما روى عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث"، رواه أبو داود.
وروي عن أحمد أن ذلك غير مقدر، وهو على حسب ما يجد من النشاط والقوة؛ لأن عثمان كان يختمه في ليلة، وروي ذلك عن جماعة من السلف".
стр. 7928
وقال أبو بكر الأثرم في الناسخ (١٥٣) بعد أن ذكر روايات الحديث: "فهذه الأحاديث مختلفة في ظاهرها، وإنما الوجه فيها: أن ذلك على قدر الإطاقة، فمن أطاق: قرأ به في أدنى ما جاء من ذلك، ومن لم يطق: كانت الرخصة له إلى الأربعين".
وقال الترمذي في الجامع (٢٩٤٦): "وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن عبد الله بن عمرو، وروي عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: "لم يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث"، وروي عن عبد الله بن عمرو، أن النبي ﷺ قال له: "اقرأ القرآن في أربعين"، وقال إسحاق بن إبراهيم: ولا نحب للرجل أن يأتي عليه أكثر من أربعين يومًا ولم يقرأ القرآن لهذا الحديث.
وقال بعض أهل العلم: لا يقرأ القرآن في أقل من ثلاث للحديث الذي روي عن النبي ﷺ ، ورخص فيه بعض أهل العلم، وروي عن عثمان بن عفان أنه كان يقرأ القرآن في ركعة يوتر بها، وروي عن سعيد بن جبير أنه قرأ القرآن في ركعة في الكعبة، والترتيل في القراءة أحبُّ إلى أهل العلم".
وقال ابن رجب في اللطائف (١٧١): "وإنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك، فأما في الأوقات المفضلة؛ كشهر رمضان خصوصًا الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر، أو في الأماكن المفضلة كمكة لمن دخلها من غير أهلها، فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتنامًا للزمان والمكان، وهو قول أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة، وعليه يدل عمل غيرهم كما سبق ذكره".
وقال الذهبي في السير (٣/ ٨٤): "وصح: أن رسول الله ﷺ نازله إلى ثلاث ليال، ونهاه أن يقرأه في أقل من ثلاث، وهذا كان في الذي نزل من القرآن، ثم بعد هذا القول نزل ما بقي من القرآن.
فأقلُّ مراتب النهي: أن تكره تلاوة القرآن كله في أقل من ثلاث، فما فقه ولا تدبر من تلا في أقل من ذلك.
ولو تلا ورتل في أسبوع، ولازم ذلك، لكان عملًا فاضلًا، فالدين يسر، فواللّه إن ترتيل سبع القرآن في تهجد قيام الليل؛ مع المحافظة على النوافل الراتبة، والضحى، وتحية المسجد، مع الأذكار المأثورة الثابتة، والقول عند النوم واليقظة ودبر المكتوبة والسحر، مع النظر في العلم النافع والاشتغال به، مخلصًا لله، مع الأمر بالمعروف، وإرشاد الجاهل وتفهيمه، وزجر الفاسق، ونحو ذلك، مع أداء الفرائض في جماعة بخشوع وطمأنينة وانكسار وإيمان، مع أداء الواجب، واجتناب الكبائر، وكثرة الدعاء والاستغفار، والصدقة وصلة الرحم، والتواضع، والإخلاص في جميع ذلك، لشغل عظيم جسيم، ولمقام أصحاب اليمين، وأولياء الله المتقين، فإن سائر ذلك مطلوب.
فمتى تشاغل العابد بختمة في كل يوم، فقد خالف الحنيفية السمحة، ولم ينهض بأكثر ما ذكرناه، ولا تدبر ما يتلوه.
стр. 7929
هذا السيد العابد الصاحب كان يقول لما شاخ: ليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ .
وكذلك قال له ﵊ في الصوم، وما زال يناقصه حتى قال له: (صم يومًا، وأفطر يومًا، صوم أخي داود ﵇. وثبت أنه قال: "أفضل الصيام صيام داود". ونهى ﵊ عن صيام الدهر. وأمر ﵊ بنوم قسط من الليل، وقال: "لكني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني".
وكل من لم يزُمَّ نفسه في تعبده وأوراده بالسُّنَّة النبوية، يندم ويترهب ويسوء مزاجه، ويفوته خير كثير من متابعة سنة نبيه الرؤوف الرحيم بالمؤمنين، الحريص على نفعهم، وما زال ﷺ معلمًا للأمة أفضل الأعمال، وآمرًا بهجر التبتل والرهبانية التي لم يبعث بها، فنهى عن سرد الصوم، ونهى عن الوصال، وعن قيام أكثر الليل إلا في العشر الأخير، ونهى عن العزبة للمستطيع، ونهى عن ترك اللحم، إلى غير ذلك من الأوامر والنواهي.
فالعابد بلا معرفة لكثير من ذلك معذور مأجور، والعابد العالم بالآثار المحمدية، المتجاوز لها مفضول مغرور، وأحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قل.
ألهمنا الله وإياكم حسن المتابعة، وجنبنا الهوى والمخالفة".
وقال ابن حجر في الفتح (٩/ ٩٧): "وكان النهي عن الزيادة ليس على التحريم، كما أن الأمر في جميع ذلك ليس للوجوب، وعرف ذلك من قرائن الحال التي أرشد إليها السياق، وهو النظر إلى عجزه عن سوى ذلك في الحال أو في المآل، وأغرب بعض الظاهرية فقال: يحرم أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث، وقال النووي: أكثر العلماء على أنه لا تقدير في ذلك، وإنما هو بحسب النشاط والقوة، فعلى هذا يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، والله أعلم".
° قلت: حاصل ما تقدم وملخصه:
ثبت أن النبي ﷺ انتهى به إلى سبع، وقال له: "فاقرأه في سبعٍ، ولا تزد على ذلك"، ثم انتهى به مرة ثانية إلى خمس، ثم انتهى به مرة ثالثة إلى ثلاث، وهذا مما يدل على أن ابن عمرو فهم أن النهي لم يكن للتحريم، وإنما هو للإرشاد، رفقًا به، ولذلك فإنه لم ينته عن اجتهاده في العبادة من المرة الأولى، فراجعه النبي ﷺ أكثر من مرة لكي يترك ما كان عليه، قال البخاري بعد حديث أبي عوانة عن مغيرة (٥٠٥٢)، وفيه: "واقرأ في كل سبع ليال مرة"، قال: "وقال بعضهم: في ثلاث، وفي خمس، وأكثرهم على سبع".
والثابت في قصة عبد الله بن عمرو أن الخطاب كان موجهًا له رفقًا به، معللًا ذلك بأنه قد يطول به العمر فيعجز عن الاستمرار عليه، وهذا هو ما وقع لابن عمرو بعدما كبر، حتى قال: ليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ .
وكان أحب العمل إلى رسول الله ﷺ ما داوم عليه صاحبه؛ لذا حذر ابن عمرو من مغبة الاستمرار على هذا الاجتهاد الذي لن يطيقه إذا كبر؛ لذا فقد أنكر النبي ﷺ على
стр. 7930
الحولاء بنت تويت، وقد زعموا أنها لا تنام الليل، فقال رسول الله ﷺ : "لا تنام الليل! خذوا من العمل ما تطيقون، فوالله لا يسأم الله حتى تسأموا [أخرجه مسلم (٧٨٥/ ٢٢٠)]، وفي روايةٍ: "مه، عليكم من العمل ما تطيقون، فوالله! لا يمل الله حتى تملوا"، قالت عائشة: وكان أحبَّ الدين إليه ما داوم عليه صاحبه [أخرجه البخاري (٤٣ و ١١٥١)، ومسلم (٧٨٥/ ٢٢١)، [تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٣٦٨)].
كما أنكر على الثلاثة الذين جاؤوا إلى بيوت أزواجه مقالتهم، فعن أنس بن مالك ﵁ قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ ، يسألون عن عبادة النبي ﷺ ، فلما أخبروا كأنهم تقالُّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ ؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله ﷺ إليهم، فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرتد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني". أخرجه البخاري (٥٠٦٣)]. وقد سبق بيان هذا المعنى مرارًا في هذا البحث، وفي الموضع المشار إليه من الفضل، فليراجع بأدلته الوافرة.
كذلك: فإنه لم يثبت في قصة عبد الله بن عمرو هذه قوله ﷺ لعامة الأمة: "لم يفقه من قرأ القرأن في أقل من ثلاث".
وثبت أنه ﷺ ابتدأه بشهر، فقال: "اقرإ القرآن في كل شهر"، ولم يثبت أنه ابتدأه بأربعين يومًا.
والأقرب أن ذلك يختلف باختلاف أحوال المكلفين، وما تهيأ لهم من الوقت والنشاط والقدرة على ذلك، فهو كما روي عن أحمد: أن التوقيت في ذلك غير مقدَّر، وهو على حسب ما يجد المكلف من النشاط والقوة.
فلو قرأ القرآن في أسبوع، ولازم ذلك، مع أداء الفرائض في جماعة، والمحافظة على النوافل الراتبة، مع الأذكار المأثورة الثابتة، مع النظر في العلم النافع والاشتغال به، مخلصًا لله، مع الأمر بالمعروف، وإرشاد الجاهل، وزجر الفاسق، مع أداء الواجبات، واجتناب الكبائر، وكثرة الدعاء والاستغفار، والصدقة وصلة الرحم، ونحو ذلك من الأعمال الصالحة حتى يبلغ رتبة أولياء الله المتقين؛ فلا شك أن هذا هو سبيل المؤمنين، وهدي خير المرسلين، خلافًا للرهبانية التي نهى عنها رسول الله ﷺ وحذر منها أمته، وخير له من أن يشغل نفسه بالختم كل ليلة، فيمنعه ذلك من القيام ببقية أنواع العبادة، كما نبه على ذلك الخطابي وغيره، والله أعلم.
* فلو قيل: إن عثمان قد قرأ القرآن كله في ليلة:
(أ) فقد روى فليح بن سليمان [مدني، صدوق، كثير الخطأ، احتج به البخاري]، عن محمد بن المنكدر [مدني، تابعي ثقة، من الطبقة الثالثة]، عن عبد الرحمن بن عثمان
стр. 7931
التيمي [صحابي، قتل مع ابن الزبير في يوم واحد، قال البخاري: "رأى عثمان يوتر بركعة"]، قال: قلت: لأغلبن الليلة على المقام، فسبقت إليه، فبينا أنا قائم أصلي، إذ وضع رجل يده على ظهري، فنظرت، فإذا هو عثمان بن عفان رحمة الله عليه وهو خليفة، فتنحيت عنه، فقام، فما برح قائمًا حتى فرغ من القرآن في ركعة لم يزد عليها [وفي رواية: فتنحيت له، فتقدم فاستفتح القرآن حتى ختم، ثم ركع وسجد، فقلت: أوهم الشيخ]، فلما انصرف، قلت: يا أمير المؤمنين، إنما صليت ركعة، قال: "أجل هي وتري".
أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٢٧٦)، والطحاوي (١/ ٢٩٤)، والدارقطني (٢/ ٣٤)، والبيهقي في السنن (٣/ ٢٥)، وفي الخلافيات (٣/ ٣٢١/ ٢٥١٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٩/ ٢٣٢ و ٢٣٣). [الإتحاف (١١/ ٦٥/ ١٣٧٠١)].
وهذا إسناد مدني حسن، وابن المنكدر يحتمل سماعه من عبد الرحمن بن عثمان، لكنه غالبًا ما يدخل بينهما معاذ بن عبد الرحمن [انظر مثلًا: صحيح مسلم (١١٩٧)، علل الدارقطني (٤/ ٢١٥/ ٥١٩)]، لكن قال ابن حبان في الثقات: "وقد سمع محمد بن المنكدر من معاذ بن عبد الرحمن التيمى، ومن أبيه عبد الرحمن بن عثمان التيمى"، وقال نحوه في صحيحه [التاريخ الكبير (٥/ ٢٤١)، الجرح والتعديل (٥/ ٢٤٧)، صحيح ابن حبان (٣٩٧٢ و ٣٩٧٣)، الثقات (٥/ ٤٢١)].
(ب) وروى يزيد بن هارون [ثقة متقن]، وأبو أسامة حماد بن أسامة [ثقة ثبت]، قالا:
أخبرنا محمد بن عمرو [ابن علقمة المدني: صدوق]، عن محمد بن إبراهيم [التيمي: مدني، تابعي ثقة، من الرابعة، قال أبو حاتم: "سمع عبد الرحمن بن عثمان التيمي، وهو من رهطه". المراسيل (٦٩١)]، عن عبد الرحمن بن عثمان، قال: قمت خلف المقام وأنا أريد أن لا يغلبني عليه أحد تلك الليلة، فماذا رجل يغمزني فلم ألتفت، ثم غمزني فنظرت، فإذا عثمان بن عفان فتنحيت، فتقدم فقرأ القرآن في ركعة، ثم انصرف.
أخرجه ابن سعد في الطبقات (٣/ ٧٥)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٢٣/ ٣٧٠٠) و (٢/ ٢٤٣/ ٨٥٨٩)، وأحمد بن منيع في مسنده (٤/ ٥٨٢/٣٨٢ - مطالب) و (١٦/ ٣٣/ ٣٩٠٩ - مطالب)، والبلاذري في أنساب الأشراف (٥/ ٤٨٩)، والبيهقي في السنن (٣/ ٢٤)، وفي الشعب (٤/ ٣١٣/ ١٩٩٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٩/ ٢٣٢).
وهذا إسناد مدني جيد.
• وانظر فيمن خالف فوهم: حديث هشام بن عمار (١٣٣).
(ج) وروى ابن جريج [ثقة حافظ]، قال: أخبرني يزيد بن خصيفة [يزيد بن عبد الله بن خصيفة: مدني ثقة، سمع السائب بن يزيد، وروايته عنه في الصحيحين. التقريب (٦٧٥)، التهذيب (٤/ ٤١٩)، التاريخ الكبير (٨/ ٣٤٥)]، عن السائب بن يزيد [صحابي صغير]؛ أن رجلًا سأل عبد الرحمن بن عثمان التيمي عن صلاة طلحة بن عبيد الله؟ قال: إن شئت
стр. 7932
أخبرتك عن صلاة عثمان بن عفان، قال: نعم، قال: قلت: لأغلبن الثلاثة النفر على الحجر، يريد المقام [وفي رواية: لأغلبن الليلة على المقام]، قال: فلما قمت إذا رجل يزحمني متقنعًا، قال: فنظرت، فإذا هو عثمان، فتأخرت عنه، فصلى، فإذا هو يسجد سجود القرآن، حتى إذا قلت: هذا هو أذان الفجر، أوتر بركعة لم يصل غيرها، ثم انطلق.
أخرجه الشافعي في الأم (١/ ٣٣٥)، وفي المسند (٨٦)، وعبد الرزاق (٣/ ٢٤/ ٤٦٥٣)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في فضائل القرآن (٢٣٦)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٧٨/ ٢٦٣٧)، والبيهقي في المعرفة (٢/ ٣١٥/ ١٣٩١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٩/ ٢٣٣).
قال ابن كثير في فضائل القرآن (٢٥٧): "وهذا إسنادصحيح"، وهو كما قال.
(د) ورواه أبو العباس الثقفي محمد بن إسحاق [السراج: ثقة حافظ مصنف]: ثنا قتيبة بن سعيد [ثقة ثبت]: ثنا أبو علقمة الفروي عبد الله بن محمد [ثقة، سمع عثمان التيمي]، عن عثمان بن عبد الرحمن التيمي [ثقة، سمع أباه، روى له البخاري. التاريخ الكبير (٦/ ٢٣٧)، قال: قال أبي: لأغلبن الليلة على المقام، قال: فلما صليت العتمة تخلصت إلى المقام حتى قمت فيه، قال: فبينما أنا قائم إذا رجل وضع يده بين كتفي، فإذا هو عثمان بن عفان، قال: فبدأ بأم القرآن فقرأ حتى ختم القرآن، فركع وسجد، ثم أخذ نعليه، فلا أدري أصلى قبل ذلك شيئًا، أم لا.
أخرجه أبو نعيم في الحلية (١/ ٥٦)، وفي معرفة الصحابة (١/ ٧١/ ٢٧٧)، قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله [إبراهيم بن عبد الله بن إسحاق بن جعفر بن زكرياء، أبو إسحاق المعدل الأصبهاني، سكن نيسابور، يعرف بالقصار، سمع من أبي بكر بن خزيمة، وأبي العباس السراج: محدث مشهور، معروف بالورع والزهد، والاجتهاد في العبادة، ومتابعة السُّنَّة، روى عنه جماعة منهم أبو عبد الله الحاكم، وأكثر عنه أبو نعيم. تاريخ أصبهان (١/ ٢٤٢)، تاريخ بغداد (٧/ ٤٤ - ط الغرب)، الأنساب المتفقة (١٢٠)، الأنساب (٤/ ٥٠٨)، تاريخ الإسلام (٨/ ٣٨٦)، الثقات لابن قطلوبغا (٢/ ١٩٩)]، ثنا محمد بن إسحاق به.
قلت: إسناده صحيح غريب.
والحاصل: فإن أثر عثمان بن عفان في ختمه القرآن في ركعة واحدة: ثابت عنه، لكن في واقعة واحدة يرويها عنه عبد الرحمن بن عثمان التيمي.
• وله طرق أخرى ضعفها يسير؛ لانقطاع أو سوء حفظ: أخرجها ابن المبارك في الزهد (١٢٧٥ و ١٢٧٧)، وعبد الرزاق (٣/ ٢٤/ ٤٦٥٤) و (٣/ ٢٥/ ٤٦٥٥) و (٣/ ٣٥٤/ ٥٩٥٢)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في فضائل القرآن (٢٣٨)، وسعيد بن منصور في السنن (٢/ ١٥٨/٤٦٩)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ٧٤ و ٧٥)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢٤٣/ ٨٥٩١)، وابن شبة في تاريخ المدينة (٢/ ٢٨٢/ ٢٢٩٠ - ٢٢٩٤)، والبلاذري في أنساب الأشراف (٥/ ٤٨٩ و ٥٩٢)، وابن أبي حاتم في التفسير (١٠/ ٣٢٤٨/ ١٨٣٧٨)، وأبو نعيم
стр. 7933
في معرفة الصحابة (١/ ٧١/ ٢٧٥ و ٢٧٦)، وفي الحلية (١/ ٥٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٩/ ٢٣٣ و ٢٣٣ - ٢٣٤ و ٢٣٤ و ٢٣٥ و ٤١٣ - ٤١٤) [راجع في بعض هذه الأسانيد كلامي عليها في فضل الرحيم الودود (٦/ ٥٧٨/ ٥٩٣)].
ويلاحظ أن الأسانيد الصحيحة تدور على واقعة عين واحدة، لم تتكرر، فكيف يحتج بمثل ذلك لمن فعله على الدوام، وكان ذلك ديدنه أن يختم في كل ليلة، مخالفًا بذلك إنكار النبي ﷺ على من فعل ذلك؛ وإنما غاية ما يؤخذ من فعل عثمان هو الجواز لعارضٍ، وليس على الدوام لما يترتب عليه من تقصير في الحقوق والواجبات، مع مخالفته للسنن الثابتة في النهي عن تكلف ما لا يطاق من العمل، وأما الاجتهاد في الأوقات الفاضلة والأماكن الفاضلة، كما في العشر الأواخر من رمضان بأن يختم كل ثلاث، أو كل ليلة، فمثل ذلك لا حرج فيه، لورود النص في ذلك، مثل حديث عائشة: أن النبي ﷺ كان إذا دخل العشرُ أحيا الليلَ، وشدَّ المئزرَ، وأيقظَ أهلَه [أخرجه البخاري (٢٠٢٤)، ومسلم (١١٧٤)، وتقدم برقم (١٣٧٦)]، وحديثها الآخر: كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره [أخرجه مسلم (١١٧٥)، وتقدم تحت الحديث رقم (١٣٧٦)، والله أعلم.
* وقد ذهب بعضهم في الاحتجاج على جواز مثل ذلك بما رواه:
معمر، عن همام، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال "خفف على داود ﵇ القرآن [وفي رواية: القراءة]، فكان يأمر بدوابه فتسرج، فيقرأ القرآن قبل أن تسرج دوابه، ولا يأكل إلا من عمل يده".
أخرجه بتمامه أو بشطره الأخير: البخاري في الصحيح (٢٠٧٣ و ٣٤١٧ و ٤٧١٣)، وفي خلق أفعال العباد (٦٣٤ و ٦٣٥)، وابن خزيمة في التوحيد (١٥/ ٦٨٣/ ٢٠١٥٧ - إتحاف المهرة)، وابن حبان (١٤/ ١١٩/ ٦٢٢٧)، وأحمد (٢/ ٣١٤)، وحرب الكرماني في مسائله (٨٣٦)، وأبو بكر الخلال في الحث على التجارة (٦٦)، وابن نصر المروزي في قيام الليل (١٥٧ - مختصره)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٤٢/ ١١٨٣)، وفي الصغير (١٧)، وفي حديثه لأهل البصرة فيما انتقاه ابن مردويه (١٠٠)، والبيهقي في السنن (٦/ ١٢٧)، والبغوي في شرح السُّنَة (٦/ ٨/ ٢٠٢٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٧/ ٨٨ و ٨٩) و (٤١/ ٣٣١)، وهو في صحيفة همام بنفس هذا اللفظ برقم (٤٧). [التحفة (١٠/ ٢٧٠/ ١٤٧٢٥) و (١٠/ ٢٧١/ ١٤٧٢٩)، الإتحاف (١٥/ ٦٨٣/ ٢٠١٥٧ و ٢٠١٥٨)، المسند المصنف (٣٤/ ٤٠/ ١٥٨٨٤)].
• وفي رواية: "خفف على داود القراءة، فكان يأمر بدابته أن تسرج، فيفرغ من قراءة الزبور قبل أن تسرج دابته".
أخرجه ابن حبان (١٤/ ١١٨/ ٦٢٢٥). [الإتحاف (١٥/ ٦٨٣/ ٢٠١٥٧)، المسند المصنف (٣٤/ ٤٠/ ١٥٨٨٤)].
стр. 7934
• وانظر فيما لا يثبت إسناده عن همام: ما أخرجه أبو نعيم في تاريخ أصبهان (٢/ ١٢٦).
ورواه إبراهيم بن طهمان، عن موسى بن عقبة، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "خفف على داود القرآن، فكان يأمر بدابته فتسرج، فيقرأ القرآن قبل أن تسرج، وكان لا يأكل إلا من عمل يده".
علقه البخاري في الصحيح بعد الحديث رقم (٣٤١٧)، ووصله: في خلق أفعال العباد (٦٣٦)، وكذا أبو الشيخ في طبقات المحدثين (٤/ ٤١)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٥٩٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٧/ ٨٩ و ٩٠)، وأبو موسى المديني في اللطائف (٢٩٣). [التحفة (١٠/ ٨٥/ ١٤٢٢٦)، المسند المصنف (٣٤/ ٤٠/ ١٥٨٨٥)].
قال أبو موسى: "هذا حديث صحيح، أخرجوه من وجوه عن أبي هريرة ﵁، وهذا الطريق أورده البخاري ﵀ في الصحيح معلقًا من غير سماع، وهذه نسخة صحيحة صالحة يقع فيها أحاديث حسان".
• ورواه البزار (١٥/ ٢٦٢/ ٨٧٣٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٧/ ٩٠).
موصولًا من وجه آخر عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة رفعه.
قال البزار: "وهذا الحديث قد روي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ من غير وجه".
وبذا يظهر صحة ما ذهب إليه البخاري من تصحيح هذا الحديث، وأنه ليس من غرائب همام عن أبي هريرة.
قال أبو بكر الخلال في علله (٥١ - المنتخب): أخبرني الميموني، قال: ذكر أبو عبد الله أن معمرًا لقي همامًا - يعني: ابن منبه - شيخًا كبيرًا في أيام السودان، فقرأ على معمر، ثم ضغف الشيخ، فقرأ معمر الباقي عليه، وهي أربعون ومائة حديث، فيها غرائب، منها: "كان داود يأمر بدابته فتسرج، فيقرأ القرآن".
° قال ابن الملقن في التوضيح (٢٤/ ١٥٢): "وقد روي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يختمون القرآن في ركعة، وهذا لا يتمكن إلا بالهذ.
والحجة لهذا القول حديث أبي هريرة ﵁ السالف في مناقب الأنبياء: "خفف على داود القرآن، فكان يامر بدوابه فتسرج، فيقرأ القرآن قبل أن تسرج دوابه"، وهذا لا يتم له ﵇ إلا بالهذ وسرعة القراءة، والمراد بالقرآن هنا الزبور، وداود فيمن أنزل الله فيه: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وإنما ذكر ﵇ هذا الفعل من داود على وجه الفضيلة والإعجاب بفعله، ولو ذكره على غير ذلك نسخه وأمر بمخالفته، فدل على إباحته" [وتبعه على ذلك ابن حجر في الفتح (٩/ ٨٩)].
قلت: لا يستقيم الاستدلال بهذا الحديث على المراد؛ لعدة احتمالات، منها: أن ذلك كان من خصائص داود ﵇، وأن الله خفف عليه القراءة وسهلها حتى لا تأخذ معه وقتًا، فكان ذلك خارجًا عن عادة البشر، قال القاضي ناصر الدين عبد الله بن عمر
стр. 7935
البيضاوي في تحفة الأبرار شرح مصابيح السُّنَّة (٣/ ٤٥٣): "القرآن الأول يحتمل القراءة والمقروء، والثاني متعين في المقروء، والمراد به: الزبور، ولعله سماه قرآنًا، لما كان في قراءته من الإعجاز، كما سمي القرآن، لما في لفظه من الإعجاز".
كذلك فإن في الحديث دلالة على أن الله يطوي الزمان لمن يشاء من عباده كما يطوي المكان وهذا لا سبيل إلى إدراكه بقدرة البشر، وإنما هو هبة وعطية من الله للعبد فيما لا قدرة للعبد عليه بما جرت به العادة.
وهذا في حق داود نظير قول الله تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾: وقول الله تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾؛ فكان كل ذلك من دلائل نبوته، والله أعلم.
* * *
٣٢٦ - باب تحزيب القرآن
١٣٩٢ - . . . ابن أبي مريم: أخبرنا يحيى بن أيوب، عن ابن الهاد، قال: سألني نافع بن جبير بن مطعم، فقال لي: في كم تقرأ القرآن؟ فقلت: ما أحزِّبه، فقال لي نافع: لا تقُلْ: ما أحزِّبه، فإن رسول الله ﷺ قال: "قرأت جزءًا من القرآن"، قال: حسبت أنه ذكره عن المغيرة بن شعبة.
* حديث غريب
أخرجه أبو بكر بن أبي داود في المصاحف (٢٧٤ - ٢٧٥)، وجعفر المستغفري في فضائل القرآن (١١٨). [التحفة (٨/ ١٩٧/ ١١٥٣٢)، المسند المصنف (٢٥/ ١٥١/ ١١٢٨٧)].
رواه عن سعيد بن الحكم بن أبي مريم [وهو: ثقة ثبت]: محمد بن يحيى بن فارس [الحافظ الذهلي: إمام ثقة]، ويعقوب بن سفيان [ثقة حافظ إمام]، وغيرهما.
قلت: هذا الحديث يغلب على الظن عدم اتصاله؛ لأمور:
منها: أنه قال فيه: حسبت؛ فلم يجزم بكونه من مسند المغيرة.
ومنها: أنه قال فيه: ذكره عن المغيرة بن شعبة، وهذه العبارة كانوا يستعملونها فيما ليس بسماع.
ومنها: أن نافع بن جبير بن مطعم إنما يروي عن المغيرة بن شعبة بواسطة ابنه عروة [كما في حديث المغيرة بن شعبة في المسح على الخفين: أخرجه البخاري (١٨٢ و ٢٠٣ و ٤٤٢١)، ومسلم (٢٧٤/ ٧٥)، راجع: فضل الرحيم الودود (٢/ ١٨٥/ ١٥١)].
ومنها: أن الطبراني في معجمه الكبير لما ذكر الرواة عن المغيرة بن شعبة، لم يذكر فيهم نافع بن جبير، وإنما ذكر نافع بن جبير في الرواة عن عروة عن أبيه المغيرة [المعجم الكبير (٢٠/ ٣٦٦ - ٤٤٤) (٢٠/ ٣٧٥)].
стр. 7936
ومنها: أنه ليس لنافع عن المغيرة في الكتب الستة سوى هذا الحديث، وليس له في أطراف العشرة ولا حديث واحد [انظر: التحفة (٨/ ١٩٧/ ١١٥٣٢)، جامع المسانيد والسنن (٨/ ١٧٩)، الإتحاف (١٣/ ٤٤٢)].
ثم هو حديث غريب؛ فإن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد: مدني، ثقة، كثير الأصحاب، روى عنه جماعة من الأئمة والثقات، مثل: مالك، والليث بن سعد، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعبد العزيز بن أبي حازم، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، وأبي ضمرة أنس بن عياض، وحيوة بن شريح، وبكر بن مضر، وإبراهيم بن سعد، وسفيان بن عيينة، وعبيد الله بن عمر العمري، وغيرهم.
ثم ينفرد عنه هنا بهذا الحديث دون هؤلاء: يحيى بن أيوب الغافقي المصري، وهو: صدوق سيئ الحفظ، يخطئ كثيرًا، له غرائب ومناكير يتجنبها أرباب الصحاح، وينتقون من حديثه ما أصاب فيه [وقد سبق ذكره مرارًا في فضل الرحيم، وانظر في أوهامه فيما تقدم معنا في السنن على سبيل المثال: الحديث رقم (١٥٨ و ٧١٨ و ١٣٣٣)، وما تحت الحديث رقم (٢٢٨ و ٣٣٥)، وانظر هناك ترجمته موسعة].
* * *
١٣٩٣ - قال أبو داود: حدثنا مسدَّد: حدثنا قُرَّانُ بن تمام،
وحدثنا عبد الله بن سعيد: حدثنا أبو خالد - وهذا لفظه -، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى، عن عثمان بن عبد الله بن أوس، عن جده؛ - قال عبد الله بن سعيد في حديثه: أوس بن حذيفة -، قال: قدِمنا على رسول الله ﷺ في وفد ثقيف، قال: فنزلت الأحلافُ على المغيرة بن شعبة، وأَنزَلَ رسولُ الله ﷺ مالك في قُبَّةٍ له، قال مسدد: وكان في الوفد الذين قدموا على رسول الله ﷺ من ثقيف، قال: كان كل ليلة يأتينا بعد العشاء يحدثنا، قال أبو سعيد: قائمًا على رجليه حتى يراوح بين رجليه من طول القيام، وأكثر ما يحدثنا ما لقي من قومه من قريش، ثم يقول: "لا سواءٌ [وفي بعض النسخ: لا أنسى]، كنا مستضعفين مستذلين - قال مسدد: بمكة -، فلما خرجنا إلى المدينة كانت سِجالُ الحرب بيننا وبينهم، نُدالُ عليهم ويُدالُون علينا"، فلما كانت ليلةَ أبطاَ عند الوقت الذي كان ياتينا فيه، فقلنا: لقد أبطأتَ عنا الليلة، قال: "إنه طرأ عليَّ جُزئي من القرآن، فكرهت [أن] أجيء حتى أتمه".
قال أوس: سألتُ أصحابَ رسول الله ﷺ : كيف تحزِّبون القرآن؟ قالوا:
стр. 7937
ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل وحده. وحديث أبي سعيد أتم.
* حديث ليس بالقائم
* أخرجه من طريق مسدد بن مسرهد [ثقة ثبت]، عن قران بن تمام [صدوق] به:
ابن قانع في المعجم (١/ ٣٠)، والطبراني في الكبير (١/ ٢٢٠/ ٥٩٩). [التحفة (١/ ٧٤٥/ ١٧٣٧)، المسند المصنف (٤/ ٢٩/ ١٩٠٦)].
رواه عن مسدد بن مسرهد: أبو داود السجستاني [ثقة حافظ] مصنف]، ومعاذ بن المثنى [ثقة]، وعلي بن محمد بن عبد الملك ابن أبي الشوارب الأموي [وثقه الخطيب وغيره، ونعته الذهبي بالحافظ الإمام، قاضي القضاة. أخبار القضاة (٣/ ٣٠٣)، تاريخ بغداد (١٣/ ٥٢٢ - ط الغرب)، السير (١٣/ ٤١٢)، تاريخ الإسلام (٦/ ٧٨٣ - ط الغرب)].
* وأخرجه من طريق أبي خالد الأحمر سليمان بن حيان [كوفي، صدوق] به:
ابن أبي شيبة في المسند (٥٣٩)، والبخاري في التاريخ الكبير (٢/ ١٦)، وابن ماجه (١٣٤٥)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣/ ١٨٧/ ١٥٢٣) و (٣/ ٢١٨/ ١٥٧٨)، والسرقسطي في الدلائل (١/ ٢١٦/ ١٧)، والطحاوي في المشكل (٣/ ٤٠٠/ ١٣٧٣). [التحفة (١/ ٧٤٥/ ١٧٣٧)، المسند المصنف (٤/ ٢٩/ ١٩٠٦)].
رواه عن أبي خالد: أبو بكر ابن أبي شيبة [ثقة حافظ، مصنف]، وعبد الله بن سعيد الأشج [ثقة، مذكور بالحفظ]، ويوسف بن بهلول [ثقة].
وفي المسند لابن أبي شيبة: "ولا سواء، كنا مستضعفين مستذلين … "، وكذا في بقية المصادر، وفيه أيضًا: "إنه طرأ علىَّ حزبي من القرآن، وكرهت أن أخرج حتى أتمه"، وفي بعض المصادر: "فكرهت أن أجيء حتى أتمه".
* ورواه أبو داود الطيالسي [واللفظ له]، ووكيع بن الجراح، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وعيسى بن يونس، وأبو عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، وأبو أحمد محمد بن عبد الله الأسدي الزبيري، ومروان بن معاوية [وهم ثقات، أكثرهم حفاظ]، وعبيد بن عقيل [صدوق]:
عن عبد الله بن عبد الرحمن [بن يعلى] الطائفي، قال: حدثنا عثمان بن عبد الله بن أوس بن حذيفة الثقفي، عن جده أوس [بن حذيفة]، قال: قدمنا وفد ثقيف على النبي ﷺ فنزل الأحلافيون على المغيرة بن شعبة، وأنزل المالكيين قبته، قال: وكان رسول الله ﷺ يأتينا فيحدثنا بعد العشاء الآخرة حتى يراوح بين قدميه من طول القيام، فكان أكثر ما يحدثنا اشتكاء قريش، يقول: "كنا بمكة مستذلين مستضعفين، فلما قدمنا المدينة انتصفتا من القوم، فكانت سجال الحرب علينا ولنا"، فاحتبس عنا ليلة عن الوقت الذي كان يأتينا فيه،
стр. 7938
ثم أتانا فقلنا: يا رسول الله، احتبست عنا الليلة عن الوقت الذي كنت تأتينا فيه، فقال رسول الله ﷺ : "إنه طرأ علي حزب من القرآن فأحببت أن لا أخرج حتى أقرأه"، أو قال: "أقضيه".
قال: فلما أصبحنا سألنا أصحاب رسول الله ﷺ عن أحزاب القرآن، كيف تحزبونه؟ فقالوا: ثلاث وخمس وسبع وتسع وإحدى عشرة وثلاث عشرة وحزب المفصل. معنى حديثهم واحد.
أخرجه الطيالسي (٢/ ٤٣٢/ ١٢٠٤)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في فضائل القرآن (٢٤٢ و ٢٤٢ م)، وابن سعد في الطبقات (٥/ ٥١٠)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢/ ٢٤٢/ ٨٥٨٣) (٥/ ٣٧٩/ ٨٨١٢ - ط الشثري)، وأحمد (٤/ ٩ و ٣٤٣)، وابن شبة في أخبار المدينة (٢/ ٥٠٨ و ٥٠٩)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (١٦٤ و ١٦٥ - السفر الثاني)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣/ ٢١٩/ ١٥٧٩)، وابن نصر في قبام الليل (١٥٦ - مختصره)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٢/ ٧٧١/ ١١٠٧ - مسند عمر) و (٢/ ٧٧٢/ ١١٠٨ - مسند عمر)، والدولابي في الكنى (٣/ ١٢٠٣/ ٢١١٤)، وأبو القاسم البغوي في معجم الصحابة (١/ ٢٤٣/ ١٣٧)، والطحاوي في المشكل (٣/ ٣٩٩/ ١٣٧١) و (٣/ ٤٠٠/ ١٣٧٢)، وابن قانع في المعجم (١/ ٣٠)، والطبراني في الكبير (١/ ٢٢٠/ ٥٩٩)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٣٤٨)، وفي معرفة الصحابة (١/ ٣٠٥/ ٩٨٥)، وجعفر المستغفري في فضائل القرآن (٥٢٧ و ٥٢٨)، وأبو عمرو الداني في البيان في عد آي القرآن (٣٠٠)، والبيهقي في الشعب (٤/ ٣٠٧/ ١٩٨٨)، والخطيب في الموضح (١/ ٣٢٦ و ٣٢٧). [الإتحاف (٢/ ٤٢٣/ ٢٠٢٤) و (٢/ ٤٢٦/ ٢٠٣٠)، المسند المصنف (٤/ ٢٩/ ١٩٠٦)].
زاد الزبيري: "إنه طرأ عليَّ نفرٌ من الجن"، قبل ذكر الحزب من القرآن، وهي رواية شاذة، أو زيادة محرفة.
وزاد في آخره أبو نعيم والزبيري: وحزب المفصل ما بين قاف فأسفل. وقال عبد الرحمن بن مهدي [عند أحمد]: وحزب المفصل من قاف حتى يختم. وكذا قال عيسى بن يونس [عند الخطيب في الموضح]، دون قوله: حتى يختم. وقال عبيد بن عقيل [عند ابن شبة]: وحزب المفصل أوله قاف.
ووقع في رواية وكيع [عند ابن أبي شيبة وغيره]: قال: فسألنا أصحاب رسول الله ﷺ : كيف كان رسول الله ﷺ يحزب القرآن؟ فقالوا: كان يحزبه ثلاثًا، وخمسًا، وسبعًا، وتسعًا، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل. وفي رواية: فلقيت بعض أصحابه، فقلت: كيف كان رسول الله ﷺ يحزب القرآن؟. ورواية عيسى بن يونس [عند الخطيب] ظاهرها الرفع كما يدل عليه السياق.
كذا رفعاه في التحزيب، وأوقفه: أبو داود الطيالسي، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وأبو عامر العقدي، وأبو أحمد الزبيري، ومروان بن معاوية،
стр. 7939
وعبيد بن عقيل، وإنما وقع السؤال عندهم لأصحاب رسول الله ﷺ عن تحزيبهم للقرآن، ليس مرفوعًا، قالوا: فسألنا أصحاب رسول الله ﷺ حين أصبحنا، قلنا: كيف تحزبون القرآن؟.
واحتمال الرفع فيه قائم؛ إذ إن سؤال السائل لم يقع إلا ليستفهم به كيفية التحزيب الذي نبههم عليها النبي ﷺ ، وعليه: فإن قولهم للصحابة: كيف تحزبون القرآن؟ يعني: أنتم مع رسول الله ﷺ ، أو: كيف علمكم النبي ﷺ التحزيب؟ أو: كيف أخذتم التحزيب عن رسول الله ﷺ ؛ لأن السائل في حقيقة الأمر أراد أن يستفهم عن تحزيب رسول الله ﷺ للقرآن؛ لما صدر منه بالأمس، فأحال الاستفهام على حال الصحابة المتابعين له في جميع أحواله التعبدية، ويفسر ذلك رواية معتمر بن سليمان الآتية، ففيها: فلما أصبحتُ سألتُ أصحابَ رسول الله ﷺ : ما الحزب؟ قالوا: نحزب القرآن … الحديث، وقوله: ما الحزب؟ يعني: الحزب الذي ذكره النبي ﷺ بالأمس وشغله عنا، فاللام هنا للعهد، والله أعلم.
والحاصل: فإن قول جماعة الثقات الحفاظ: فسألنا أصحاب رسول الله ﷺ حين أصبحنا، قلنا: كيف تحزبون القرآن؟؛ له حكم الرفع، وقد صرح بذلك وكيع، وهو ظاهر رواية عيسى بن يونس، وتدل عليه رواية المعتمر، والله أعلم.
وقد اختلف في إسناد هذا الحديث على عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي:
١ - فرواه أبو داود الطيالسي، ووكيع بن الجراح، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبو نعيم الفضل بن دكين [واختلف عليه]، وعيسى بن يونس، وأبو عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، وأبو أحمد محمد بن عبد الله الأسدي الزبيري، ومروان بن معاوية [واختلف عليه]، وقُرَّانُ بن تمام، وأبو خالد الأحمر سليمان بن حيان، وعبيد بن عقيل:
عن عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفي، قال: حدثنا عثمان بن عبد الله بن أوس بن حذيفة الثقفي، عن جده أوس بن حذيفة، قال: قدمنا وفد ثقيف … الحديث.
٢ - ورواه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (٣/ ٢١٣/ ٩٥٣)، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى بن كعب الثقفي، قال: حدثنا عثمان بن عبد الله بن أوس، عن أبيه، عن جده، قال: … فذكر الحديث مختصرًا.
قلت: وهذا وهم؛ الحكيم الترمذي محمد بن علي بن الحسن بن بشر: تكلم فيه ابن العديم صاحب تاريخ حلب، وكان مما قال فيه: "لم يكن من أهل الحديث وروايته، ولا علمَ له بطرقه ولا صناعته"، وهو صاحب كتاب "ختم الولاية" الذي كفره بعضهم بسببه، قال بعضهم: "أخرجوا الحكيم من ترمذ، وشهدوا عليه بالكفر" [السير (١٣/ ٤٣٩)، تاريخ الإسلام (٦/ ٨١٤ - ط الغرب)، اللسان (٧/ ٣٨٨)]، وأبوه علي بن الحسن بن بشر الترمذي: مجهول.
стр. 7940
والمحفوظ عن أبي نعيم الفضل بن دكين كما رواه الجماعة، فقد رواه عن أبي نعيم جماعة من الحفاظ المصنفين والثقات، منهم: أبو عبيد القاسم بن سلام في الفضائل، وابن سعد في الطبقات، وابن أبي خيثمة في التاريخ، وهارون بن عبد الله الحمال [ثقة] [كما عند أبي القاسم في معجمه]، وفهد بن سليمان بن يحيى أبو محمد الدلال [المصري: ثقة. الجرح والتعديل (٧/ ٨٩)، تاريخ دمشق (٤٨/ ٤٥٩)، تاريخ الإسلام (٢٠/ ٤١٦)] [كما عند الطحاوي]، وفضيل بن محمد الملطي [لا بأس به، روى عنه جماعة من الأئمة، ولم يجرح. الجرح والتعديل (٧/ ٧٦)، تاريخ الإسلام (٦/ ٧٩٢)، [كما عند الطبراني في الكبير].
٣ - ورواه مروان بن معاوية، قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، عن عثمان بن عبد الله بن أوس، عن أبيه، عن جده، قال: لما وفدت بنو مالك على النبي ﷺ ضرب عليهم قبة، … فذكر الحديث.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ١٦) قال: وقال لي علي بن إبراهيم [هو: علي بن إبراهيم بن عبد المجيد، أبو الحسين اليشكري الواسطي: صدوق. الجرح والتعديل (٦/ ١٧٥)، سؤالات الحاكم (١٣٧)، تاريخ بغداد (١٣/ ٢٤٢ - ط الغرب)، تهذيب الكمال (٢٠/ ٣١٥)، إكمال مغلطاي (٩/ ٢٧٧)، التهذيب (٣/ ١٤٢)]: حدثنا يعقوب بن محمد [هو: الزهري المدني: ضعيف. تقدم ذكره في الأحاديث رقم (٤٤٧ و ٥٢٠ و ٥٣٤)، التهذيب (٤/ ٤٤٧)، الميزان (٤/ ٤٥٤)]، قال: ثنا مروان بن معاوية به.
• خالفه؛ فرواه كالجماعة:
أبو عبيد القاسم بن سلام [ثقة حافظ مأمون]، وخلف بن الوليد العتكي البغدادي [ثقة. الجرح والتعديل (٣/ ٣٧١)، الثقات (٨/ ٢٢٧)، تاريخ بغداد (٨/ ٣٢٠)]:
عن مروان بن معاوية، عن عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، قال: حدثني عثمان بن عبد الله بن أوس الثقفي، عن جده، أنه كان في الوفد الذين وفدوا على رسول الله ﷺ من بني مالك، … فاقتص الحديث بنحو حديث الجماعة.
أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (٢٤٢)، وابن شبة في أخبار المدينة (٢/ ٥٠٩).
وهذا هو المحفوظ عن مروان بن معاوية، والرواية الأولى وهم.
٤ - ورواه أبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد [مكي تحول إلى البصرة، ثقة ثبت، ت (٢١٢)]، قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الثقفي، قال: حدثني عثمان بن عبد الله بن أوس، عن عمه عمرو بن أوس، عن أبيه أوس، قال: كنت في الوفد حين قدمت ثقيف على رسول الله ﷺ فأنزلهم في قبة في المسجد، … فذكر الحديث، وآخره: "إنه طرأ عليَّ حزب من القرآن، فكرهت أن أخرج حتى أقضيه".
أخرجه ابن سعد في الطبقات (٥/ ٥١٠)، وابن شبة في أخبار المدينة (٢/ ٥٥٨).
٥ - ورواه يحيى: أخبرنا المعتمر [هو: ابن سليمان: بصري، ثقة]، سمعت عبد الله بن
стр. 7941
عبد الرحمن الطائفي، قال: حدثني عثمان بن عبد الله بن أوس، عن أبيه، قال: فنزل وفد الأحلاف على المغيرة بن شعبة، ونزل وفد بني مالك على النبي ﷺ فضرب أو ضرب عليهم قبة له، وهي على طريقه إلى مصلاه، فإذا صلى الصلاتين الأولى والعشاء الآخرة -يعني بالأولى: المغرب-؛ انصرف علينا من العشاء الآخرة، فأمسك بسخفي القبة أو قبته، فما يبرح يحدثنا حتى إنه ليراوح بين رجليه، أكثر ما يحدثنا تشكِّيه قريشًا، وما صنعت به بمكة، وكان يقول: "لا سواء، كنا بمكة مستضعفين مستذلين مقهورين، فلما خرجنا إلى المدينة انتصفنا من القوم، فكانت سجالًا الحرب علينا ولنا"، فمكث عنا ليلة بعد العشاء الآخرة حتى نام بعض من في القبة، فقلنا: أي رسول الله ﷺ ! كنت تأتينا قبل هذه الساعة؟ قال: "نعم، إنه طرأ علي حزبٌ من القرآن، فأحببت أن لا أخرج حتى أقضيه".
فلما أصبحتُ سألتُ أصحابَ رسول الله ﷺ : ما الحزب؟ قالوا: نحزب القرآن ثلاثًا، وخمسًا، وسبعًا، وتسعًا، وإحدى عشرة، وثلاثة عشر، والمفصل حزب، قال: فانقلبنا على هذا.
قال يحيي: قال بعض أصحابنا: إن هذا الحديث عن جده، وهو حدثنا عن أبيه.
أخرجه ابن نصر المروزي في قيام الليل (١٥٦ - مختصره)، قال: حدثنا يحيى: أخبرنا المعتمر به.
قلت: شيخ ابن نصر، إما أن يكون يحيى بن خلف الباهلي البصري [وهو: ثقة]، وإما أن يكون يحيى بن يحيى التميمي النيسابوري [وهو: ثقة ثبت إمام]، ويغلب على ظني أنه الثاني، وأيًا كان فكلاهما ثقة، والله أعلم.
٦ - ورواه صفوان بن صالح [الدمشقي: ثقة، من أصحاب الوليد]: ثنا الوليد بن مسلم [دمشقي، ثقة]: ثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفي، عن عثمان بن عمرو بن أوس، عن أبيه، قال: قدمت على رسول الله ﷺ في وفد ثقيف، … فذكر القصة بنحوها، وفي آخره: وما بين ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾ إلى آخر المفصل حزب حسن.
أخرجه الطبراني في الكبير (١٧/ ٤٢/ ٨٧)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٤/ ٢٠٢١/ ٥٠٧٧).
قال الطبراني: "هكذا رواه الوليد بن مسلم، عن عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، عن عثمان بن عمرو بن أوس، عن أبيه، وخالفه وكيع، وقران بن تمام وغيرهما، فرووه عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن عثمان بن عبد الله بن أوس، عن جده أوس بن حذيفة" [وانظر فيمن تبع الطبراني على قوله، أو نقله عنه: إكمال مغلطاي (١٠/ ١٣٣)، تهذيب التهذيب (٣/ ٢٥٧)].
وقد خطَّأ أبو نعيم في المعرفة (١/ ٣٠٥) من قال فيه: عن أبيه.
٧ - ورواه سهل بن يوسف [الأنماطي: بصري، ثقة]، قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، عن عثمان بن عبد الله، قال: لما خرج وفد ثقيف إلى رسول الله ﷺ نزل
стр. 7942
الأحلاف على المغيرة بن شعبة، وأنزل المالكيين، وفيهم عثمان بن أبي العاص، في قبة بينه وبين المسجد، قال عثمان بن أبي العاص: فكان يأتينا إذا انصرف من العشاء، فيقوم على باب قبتنا فيحدثنا، فمنا النائم ومنا المستيقظ، … نحو حديث عبيد بن عقيل.
أخرجه ابن شبة في أخبار المدينة (٢/ ٥٠٩)، قال: حدثنا سهل بن يوسف به، هكذا مرسلًا، لم يذكر أوس بن حذيفة في إسناده، وزاد ذكر عثمان بن أبي العاص حكاية عنه.
٨ - ورواه يوسف بن الغرق [كذبه الأزدي، وقال صالح بن محمد جزرة: "منكر الحديث"، وقال أبو حاتم: "ليس بالقوي"، وقال محمود بن غيلان: "ضرب أحمد ويحيى بن معين وأبو خيثمة على حديثه وأسقطوه". الجرح والتعديل (٩/ ٢٢٧)، الثقات (٩/ ٢٧٩)، الكامل (٧/ ١٦٧)، تاريخ بغداد (١٤/ ٢٩٧)، تاريخ الإسلام (١٣/ ٤٨٨)، اللسان (٨/ ٥٦٣)]، قال: أخبرنا عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، عن عبد ربه بن الحكم [مجهول. التهذيب (٢/ ٤٨١)، الميزان (٢/ ٥٤٤)، بيان الوهم (٣/ ٥٥٢)]، وعثمان بن عبد الله، كلاهما عن أوس بن حذيفة، قال: خرجنا من الطائف سبعين رجلًا من الأحلاف وبني مالك، فنزل الأحلافيون على المغيرة بن شعبة، وأنزلنا رسول الله ﷺ في قبة له، بين مسكنه وبين المسجد، ثم ذكر نحوًا من الحديث الأول.
أخرجه ابن سعد في الطبقات (٥/ ٥١٠).
قلت: أبو يعلى عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفي: روى له مسلم في صحيحه حديثًا واحدًا متابعة (٢٢٥٥)، في شعر أمية بن أبي الصلت، وانفرد فيه بقوله ﷺ : "إن كاد ليسلم"، وفي رواية: "فلقد كاد يسلم فبم شعره"، فهو كالمحتج به في هذه الزيادة، وروى عن الطائفي: ابن المبارك وابن مهدي، وحسبك بهما، واحتج بحديثه أيضًا: أحمد وأبو داود وابن المنذر والبيهقي وابن عبد البر وغيرهم، وصحح له ابن المديني والبخاري، وانتقى له ابن الجارود، وقواه ابن عبد البر وابن الجوزي، ولم يمنعهم تفرد الطائفي عن عمرو بن شعيب بحديث التكبير في العيدين من قبول حديثه والعمل به، كأنهم انتقوا له بعض ما صح من حديثه عندهم، مما توبع على أصله، دون بقية ما روى.
وقد قال فيه يحيى بن معين: "صالح"، وقال مرة: "ليس به بأس، يكتب حديثه"، وقال مرة: "صويلح"، وقال مرة: "ليس حديثه بذاك القوي"، وقال مرة: "ضعيف"، وهذا الاختلاف في أقوال ابن معين لعله يرجع إلى النظر في حديث دون آخر، فإذا نظر إلى حديثه المستقيم قوَّى أمره، وإذا نظر إلى أوهامه ومخالفته للثقات لينه أو ضعفه، والله أعلم، ويقرُب من ذلك قول البخاري فيه: "مقارب الحديث"، بعد تصحيحه لحديث التكبير في العيدين، وإلا لقال: ثقة [انظر: فضل الرحيم الودود (١٢/ ١٨٧/ ١١٥٢)]، كما أن البخاري قد صحح له حديثًا آخر توبع عليه [انظر: جامع الترمذي (١٣٦٨)، علل الترمذي الكبير (٣٨١ - ٣٨٤)، وأصل الحديث عند البخاري في الصحيح (٢٢٥٨ و ٦٩٧٧ و ٦٩٧٨ و ٦٩٨٠ و ٦٩٨١) من نفس الوجه، ويأتي تخريجه في السنن برقم
стр. 7943
٣٥١٦ - أن شاء الله تعالى، وانظر أيضًا: علل ابن أبي حاتم (١٤٢٩ و ١٤٣٠)، علل الدارقطني (٧/ ١٤/ ١١٧٦)].
وقد حكى ابن خلفون عن ابن المديني توثيقه، وقال العجلي: "ثقة"، وذكره ابن حبان في كتاب الثقات.
وفي المقابل هناك من لينه: فقد قال أبو حاتم: "ليس بقوي، لين الحديث، بابة طلحة بن عمرو وعمر بن راشد وعبد الله بن المؤمل"، وقال النسائي: "ليس بذاك القوي، ويكتب حديثه"، وقال الدارقطني: "طائفي، يعتبر به".
وهذا التصرف من هذين الإمامين المشهورين بالتشدد في نقد الرجال؛ وهما أبو حاتم والنسائي، يدلنا على أن الرجل ممن تعرف له وتنكر؛ يصيب ويخطئ، حيث لم يطلقا فيه ألفاظ الجرحٍ الشديد، أو التضعيف المطلق، بل ليناه بالفاظ الجرح الخفيف، وأبو حاتم قد لين أيضًا: طلحة بن عمرو فقال فيه: "ليس بالقوي، لين الحديث عندهم" [الجرح والتعديل (٤/ ٤٧٨)]، وأما عمر بن راشد؛ فقد قال فيه أبو حاتم: "ضعيف الحديث" [الجرح والتعديل (٦/ ١٠٧)، علل الحديث (٣/ ٥٣٣/ ١٠٦٣) و (٤/ ٢٧٧/ ١٤٢٠)]، وأما عبد الله بن المؤمل؛ فقال فيه: "ليس بقوي [الجرح والتعديل (٥/ ١٧٥)]، فتقاربت أقواله في الأربعة.
وقد ترجم له البخاري في التاريخ الكبير، وقال: "سمع عطاء وعمرو بن شعيب وعبد الرحمن بن القاسم، سمع منه: أبو عاصم وأبو نعيم وابن المبارك"، وفرق بينه وبين الراوي عن عبد الله بن مغفل بحديث: "لا تتخدوا أصحابي غرضًا"، وهو حديث فيه نظر، كما قال البخاري، لكن ابن عدي وهم فجمع بين الترجمتين، وأورد حديث ابن مغفل في ترجمة أبي يعلى الطائفي هذا، واقتصر عليه، وهو خطأ منه، وقد نبه الذهبي على ذلك في الميزان، ثم قال ابن عدي: "فأما سائر أحاديثه؛ فإنه يروي عن عمرو بن شعيب أحاديث مستقيمة، وهو ممن يكتب حديثه"، فكلام ابن عدي هنا صريح في استقامة حديثه عن عمرو بن شعيب، وأن الأئمة قبلوا حديثه عن عمرو بن شعيب، ولم ينكروا منه شيئًا، ولعل الذين لينوه نظروا إلى مروياته الأخرى التي وقع منه الوهم فيها، والله أعلم [تاريخ ابن معين للدارمي (٤٧٣ و ٦٠١)، سؤالات ابن طهمان الدقاق لابن معين (٨)، التاريخ الكبير (٥/ ١٣١ و ١٣٣)، الميزان (٢/ ٤٥٢)، التهذيب (٢/ ٣٧٥)].
ويبدو أن هذا الحديث من النوع الثاني الذي وقع له فيه الوهم، ولم يقبله الأئمة.
° وقد اختلف الثقات عليه في إسناده:
فرواه جماعة من الثقات، عن عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، قال: حدثني عثمان بن عبد الله بن أوس الثقفي، عن جده أوس بن حذيفة.
ورواه مرة: عن عثمان بن عبد الله بن أوس، عن عمه عمرو بن أوس، عن أبيه أوس.
стр. 7944
ورواه مرة: عثمان بن عبد الله بن أوس، عن أبيه.
ورواه مرة: عن عثمان بن عمرو بن أوس، عن أبيه.
ورواه مرة: عن عثمان بن عبد الله، مرسلًا، لم يذكر لا أباه، ولا جده.
• وقد صح عن أوس بن حذيفة شيءٌ من هذه الواقعة، ولم يذكر فيها لا قصة التحزيب، ولا قصة السمر بعد العشاء:
١ - فقد روى شعبة، عن النعمان بن سالم، قال: سمعت أوس بن أبي أوس الثقفي [وفي رواية: سمعت أوس بن أوس الثقفي]، يقول: أتيت رسول الله ﷺ في وفد ثقيف، فكنا في قبة، فنام من كان فيها غيري وغير رسول الله ﷺ ، فجاء رجلٌ فسارَّه، فقال: "اذهب فاقتله"، ثم فال: "أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟ " قال: بلى، ولكنه يقولها تعوُّذًا، فقال: "ذره"، ثم قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا اله، فإذا قالوها حرمت عليَّ دماؤهم وأموالهم، إلا بحقها".
أخرجه النسائي في المجتبى (٧/ ٨٠/ ٣٩٨٢)، وفي الكبرى (٣/ ٤١٥/ ٣٤٣٠)، والدارمي (٢٦٣٨ - ط البشائر)، وأحمد (٤/ ٨)، والطيالسي (٢/ ٤٣٤/ ١٢٠٦)، والطبراني في الكبير (١/ ٢١٧/ ٥٩٢)، وأبو موسى المديني في اللطائف (٤٥٥) [التحفة (١/ ٧٤٦/ ١٧٣٨)، الإتحاف (٢/ ٤٢٣/ ٢٥٢٤)، المسند المصنف (٤/ ٢٣/ ١٩٠٣)].
رواه عن شعبة: غندر محمد بن جعفر، وأبو داود الطيالسي، وأبو النضر هاشم بن القاسم، وعلي بن الجعد [وهم ثقات، من أصحاب شعبة المكثرين عنه، لا سيما غندر؛ فهو من أثبت الناس في شعبة، وقد لازمه عشرين سنة، وكان كتابه حكمًا بين أصحاب شعبة، وكان مقدَّمًا فيه على كثير من كبار أصحابه].
• لكن؛ قال ابن قانع في المعجم (١/ ٢٩): حدثنا علي بن محمد: نا عبيد الله بن معاذ: نا أبي: نا شعبة، عن النعمان بن سالم، قال: سمعت ابن أوس، عن جده،
وحدثنا بشر بن موسى: نا عمرو بن حكام: نا شعبة، عن النعمان، قال: سمعت ابن أوس -يعني: عَمرًا-، عن جده، قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو في قبة ما فيها غيري وغيره، فجاء رجلٌ فسارَّه، … فذكر الحديث.
قلت: أما رواية عمرو بن حكام؛ فلا تُعارض بها رواية الثقات من أصحاب شعبة؛ فإنه: ضعيف، يروي عن شعبة المناكير [اللسان (٦/ ٢٠٠)].
وأما رواية معاذ بن معاذ العنبري [ثقة متقن، وهو من أثبت أصحاب شعبة، قال أحمد: "إليه المنتهى في التثبت بالبصرة"]؛ فلا أظنها تثبت من حديثه، فلم يروها عنه سوى ابنه عبيد الله، وهو: ثقة حافظ، تفرد به: شيخ ابن قانع؛ علي بن محمد بن خالد بن بيان المطرز المصري، قال فيه الدارقطني: "لا بأس به" [سؤالات الحاكم (١٣١)، تاريخ بغداد (١٣/ ٥٢٨ - ط الغرب)، الثقات لابن قطلوبغا (٧/ ٢٣٦)]، ولا يحتمل من مثله التفرد بمثل هذا؛ لا سيما مع مخالفة جماعة الثقات من أصحاب شعبة.
стр. 7945
ثم إن عبد الباقي بن قانع: مصنف مشهور، صاحب معجم الصحابة، كان حافظًا، وثقه جماعة، وتكلم فيه بعضهم لأوهام وقعت له، وكان اختلط قبل موته بسنتين [انظر: تاريخ بغداد (١١/ ٨٨)، السير (١٥/ ٥٢٦)، الميزان (٢/ ٥٣٢)، البداية والنهاية (١١/ ٢٤٢)، المحلى (٦/ ١٨٦) و (٧/ ٣٨) و (١٠/ ٣٧٩)، اللسان (٣/ ٤٦٩)، وغيرها] [سؤالات السهمي (٣٣٤)، سؤلات السلمي (١٩٠)، السنن للدراقطني (١/ ١٨١)].
ورواه سماك بن حرب، واختلف عليه:
• فرواه زهير بن معاوية [ثقة ثبت، روى له مسلم عن سماك]، وأبو عوانة [ثقة ثبت، روى له مسلم عن سماك]:
حدثنا سماك، عن النعمان بن سالم، قال: سمعت أوسًا، يقول: دخل علينا رسول الله ﷺ ونحن في قبته في مسجد المدينة، فأتاه رجلٌ فسارَّه بشيء لا ندري ما يقول، فقال: "اذهب فقل لهم يقتلوه"، ثم قال: "لعله يشهد أن لا إله إلا الله"، قال: نعم، قال: "اذهب فقل لهم يرسلوه، فإني أُمِرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها حرمت عليَّ دماؤهم وأموالهم إلا بأمر حق، وكان حسابهم على الله ".
أخرجه النسائي في المجتبى (٧/ ٨٠/ ٣٩٨١)، وفي الكبرى (٣/ ٤١٥/ ٣٤٢٩)، وأبو يعلى (١٢/ ٢٧٣/ ٦٨٦٢)، والطبراني في الكبير (١/ ٢١٨/ ٥٩٣ و ٥٩٤)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٣٤٨). [التحفة (١/ ٧٤٦/ ١٧٣٨)، المسند المصنف (٤/ ٢٣/ ١٩٠٣)].
قال أبو نعيم: "رواه شعبة، وأبو عوانة، عن سماك نحوه، وقال شعبة في حديثه: كنت في أسفل القبة"، كذا قال.
قلت: هذا الوجه هو المحفوظ عن سماك، وقد تابع فيه شعبة عن النعمان، وهو المحفوظ عن النعمان بن سالم بسماعه إياه من أوس بن حذيفة.
• • ورواه عبد الرزاق بن همام [ثقة حافظ مصنف]، وعبيد الله بن موسى [كوفي ثقة، قال أبو حاتم: "عبيد الله: أثبتهم في إسرائيل". التهذيب (٣/ ٢٨)، الجرح والتعديل (٥/ ٣٣٥)]:
عن إسرائيل بن يونس [ثقة، روى له مسلم عن سماك]، قال: أخبرني سماك بن حرب، عن النعمان بن سالم، عن رجل [حدثه]، قال: دخل علينا رسول الله ﷺ ، ونحن في قبة في مسجد المدينة، فأخذ بعمود القبة، فجعل يحدثنا، إذ جاءه رجلٌ فسارَّه، لا أدري ما يسارُّه به، فقال النبي ﷺ : "اذهبوا به فاقتلوه"، قال: فلما قفَّا الرجل دعاه، فقال: "لعله يقول: لا إله إلا الله؟ "، قال: أجل، قال النبي ﷺ : "فاذهب فقل لهم يرسلونه، فإنه أوحي إليَّ: أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوا: لا إله إلا الله، حرمت عليَّ دماؤهم وأموالهم إلا بالحق، وكان حسابهم على الله".
أخرجه النسائي في المجتبى (٧/ ٨٠/ ٣٩٨٠)، وفي الكبرى (٣/ ٤١٤/ ٣٤٢٨)، وعبد الرزاق (١٠/ ١٦٣/ ١٨٦٨٩). [التحفة (١/ ٧٤٦/ ١٧٣٨)، المسند المصنف (٤/ ٢٤/ ١٩٠٣)].
стр. 7946
وقصر إسرائيل فيه بإبهام الصحابي، وهو أوس بن حذيفة.
• ووهم في إسناده على إسرائيل، وسلك فيه الجادة:
أسود بن عامر [شاذان: ثقة]، قال: أخبرنا إسراثيل، عن سماك، عن النعمان بن بشير قال: كنا مع النبي ﷺ فجاء رجل فسارَّه، فقال: "اقتلوه"، ثم قال: "أتشهد أن لا إله إلا الله؟ "، قال: نعم، ولكنه يقولها تعوُّذًا، فقال رسول الله ﷺ : "لا تقتلوه؛ فإني إنما أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا اله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله".
أخرجه النسائي في المجتبى (٧/ ٧٩ - ٨٠/ ٣٩٧٩)، وفي الكبرى (٤١٤/ ٣/ ٣٤٢٧)، والبزار (٨/ ١٩٢/ ٣٢٢٧)، والطبراني في الكبير (٢١/ ١٢٣/ ١٤٩). [التحفة (٨/ ٢٤٧/ ١١٦٢٣)، المسند المصنف (٤/ ٢٥/ ١٩٠٣)].
قال النسائي: "حديث الأسود بن عامر هذا خطأ، والصواب الذي بعده"، يعني: حديث عبيد الله عن إسرائيل، وهو الموافق لرواية زهير وأبي عوانة عن سماك، لكنه أيهم الصحابي.
وقال البزار: "وهذا الحديث إنما رواه سماك عن النعمان بن سالم عن عمرو بن أوس عن أبيه، وقالوا: عن سماك عن النعمان بن سالم عن أوس بن أبي أوس، وأحسب أسود بن عامر أوهم في إسناده".
وقال المزي في التحفة (١/ ٧٤٦/ ١٧٣٨): "ورواه أسود بن عامر، عن إسرائيل، عن سماك، عن النعمان بن بشير، وأخطأ فيه".
ورواه عبد الله بن بكر السهمي [ثقة]، ومحمد بن عبد الله الأنصاري [ثقة]:
عن حاتم بن أبي صغيرة [بصري ثقة، وليس بالمكثر. تاريخ الإسلام (٩/ ٩٥)، التهذيب (١/ ٣٢٤)]، عن النعمان بن سالم؛ أن عمرو بن أوس أخبره؛ أن أباه أوسًا أخبره، قال: إنا لقعود عند رسول الله ﷺ في الصفة، وهو يقصُّ علينا ويذَكِّرُنا إذ جاءه رجلٌ فسارَّه، فقال: "اذهبوا فاقتلوه"، قال: فلما ولى الرجل، دعاه رسول الله ﷺ قال: "أيشهد أن لا إله إلا الله"، قال الرجل: نعم يا رسول الله، فقال: "اذهبوا فخلوا سبيله، فإنما أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، فإذا فعلوا ذلك حرمت عليَّ دماؤهم وأموالهم، إلا بحقها".
أخرجه النسائي في المجتبى (٧/ ٨١/ ٣٩٨٣)، وفي الكبرى (٣/ ٤١٥/ ٣٤٣١)، وابن ماجه (٣٩٢٩)، وأحمد (٤/ ٨ و ٩)، وابن أبي شيبة (٥/ ٢٨٩/ ٢٦١٨٥) و (٥/ ٥٥٦/ ٢٨٩٣٧) و (٦/ ٤٨٠/ ٣٣١٠١)، وابن خزيمة في الفوائد (٥)، والطبراني في الكبير (١/ ٢١٨/ ٥٩٥). [التحفة (١/ ٧٤٦/ ١٧٣٨)، الإتحاف (٢/ ٤٢٣/ ٢٠٢٤)، المسند المصنف (٤/ ٢٢/ ١٩٠٣)].
قال أبو موسى: "هذا حديث مشهور من حديث شعبة، ومن حديث النعمان أيضًا،
стр. 7947
رواه عن النعمان هكذا أيضًا سماك بن حرب، ورواه أبو يونس حاتم بن أبي صغيرة عن النعمان عن عمرو بن أوس عن أبيه، وهو وهم".
قلت: وشعبة هو أحفظ من روى هذا الحديث عن النعمان، والقول قوله.
قال ابن أبي حاتم في العلل (٥/ ٢٢٨/ ١٩٣٩): "سألت أبي عن حديث رواه شعبة، وسماك بن حرب، وحاتم بن أبي صغيرة، قال شعبة: عن النعمان بن سالم، قال: سمعت أوس بن أبي أوس.
وقال سماك بن حرب: عن النعمان بن سالم، عن أوس.
وقال حاتم: عن النعمان، عن عمرو بن أوس، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، قال: "أوحي إليَّ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله … " الحديث.
قال أبي: وشعبة أحفظ القوم".
وقال أبو حاتم في الجرح والتعديل (٢/ ٣٠٣): "أوس بن أوس الثقفي: له صحبة، ويقال: أوس بن أبي أوس، … ، وروى عنه: النعمان بن سالم من رواية شعبة، ويزيد فيه حاتم بن أبي صغيرة فيقول: النعمان عن عمرو بن أوس عن أبيه".
قلت: هذه العبارة ليست صريحة الدلالة في القبول أو الرد [انظر مثلًا في زيادة الثقة متى تقبل: علل ابن أبي حاتم (٢٧٢ و ٣٦١ و ١٣٤٢)، رفع اليدين للبخاري (١٤٢)، علل الدارقطني (١/ ١٦٧/ ٤) و (١/ ١٨٢/ ٩) و (٢/ ١٦٨/ ١٩٤) و (٣/ ٢٨/ ٢٦٣) و (١٢/ ١٣٤/ ٢٥٢٤)، القراءة خلف الإمام للبيهقي (١٣٨ و ١٣٩)، فضل الرحيم الودود (٧/ ١٧٠/ ٦٢٧) و (٨/ ٢٤٥/ ٧٤١) و (٨/ ٥٢٧/ ٧٨٧) و (٩/ ٤٠٤/ ٨٥٦) و (١٠/ ١٩/ ٩٠٤) و (١١/ ٢٠٩/ ١٠٤٤) و (١٢/ ٣٣٢/ ١١٧٦) و (١٣/ ٢٢٢/ ١٢٣٦) و (١٤/ ٣٣/ ١٢٧٠) و (١٤/ ١٩٦/ ١٢٧٦) و (١/ ٣٣٨/ ١٢٩١٤) و (١٤/ ٤٠٠/ ١٢٩٥)، وهذا غيض من فيض]، ويمكن حملها على أنه لا يَدفع قول حاتم بن أبي صغيرة، إذ لم يصرح بوهمه فيه، لا سيما وقد زاد في الإسناد رجلًا، وكان النعمان سمعه أولًا من عمرو بن أوس، ثم سمعه بعدُ من أبيه أوس، ثم حدث بالوجهين جميعًا، مرة هكذا، ومرة هكذا، والحاصل: أن رواية شعبة محفوظة، بدون واسطة بين النعمان وبين أوس، محفوظة بذكر الاتصال والسماع بينهما، والله أعلم.
وعليه: فهو حديث صحيح، متصل الإسناد، رجاله كلهم ثقات، وليس فيه موضع الشاهد الذي انفرد عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفي.
٢ - وروى قيس بن الربيع، عن عمير بن عبد الله الخثعمي، عن عبد الملك بن المغيرة الطائفي، عن أوس بن أوس الثقفي، قال: أقمت عند رسول الله ﷺ نصف شهر، فرأيته يصلي وعليه نعلان مقابلتان. وفي رواية: فرأيت لنعله قبالان. وفي رواية: فرأيته يصلي، ويسلم عن يمينه وعن شماله. وفي رواية: أقمت عند النبي ﷺ نصف شهر، فرأيته يصلي وعليه نعلان مقابلتان، ورأيته يبزق عن يمينه وعن شماله.
أخرجه الطيالسي (٢/ ٤٣٥/ ١٢٠٨)، وغيره.
стр. 7948
وهذا إسناد لا بأس به في المتابعات، وهو حديث حسن، تقدم تخريجه في فضل الرحيم الودود (٧/ ٢٩٩/ ٦٥٣).
فإن قيل: هذان الحديثان من مسند أوس بن أبي أوس، وأوس بن أوس، فيقال: هما واحد، قال ابن معين: "أوس بن أوس، وأوس بن أبي أوس: واحد" [تاريخ ابن معين للدوري (٣/ ٣٨/ ١٥٨)، الجرح والتعديل (٢/ ٣٠٣)، معجم الصحابة للبغوي (١/ ٢٤٢/ ١٣٥)]، ولما سئل عن ذلك قال: "نعم هو واحد، ولكن بعضهم يقول: ابن أبي أوس، وبعضهم يقول: ابن أوس، وهو واحد" [تاريخ ابن معين للدوري (٤/ ٤٧١/ ٥٣٣٤)]، وقال أحمد في المسند (٤/ ٨): "حديث أوس بن أبي أوس الثقفي، وهو أوس بن حذيفة رضي الله تعالى عنه"، وقال البخاري: "أوس بن حذيفة الثقفي: والد عمرو بن أوس، ويقال: أوس بن أبي أوس، ويقال: أوس بن أوس، له صحبة" [التاريخ الكبير (٢/ ١٥)]، وبمثله قال ابن حبان في الثقات (٣/ ١٠)، وقال أبو حاتم: "أوس بن أوس الثقفى: له صحبة، ويقال: أوس بن أبي أوس"، وفرق بينه وبين أوس بن حذيفة [الجرح والتعديل (٢/ ٣٠٣)] [وانظر: التاريخ لأبي حفص الفلاس (٤٧٣ و ٤٩٧ و ٥٢٢)، الطبقات لخليفة بن خياط (٥٠٧)، معرفة الصحابة لأبي نعيم (١/ ٣٠٧)، الحلية (١/ ٣٤٧)، الاستيعاب (١/ ١٢٠)، الموضح (١/ ٣٢٣)، التهذيب (١/ ١٩٣)]، والراجح ما ذهب إليه أحمد والبخاري وابن حبان.
وهو غير أوس بن أوس الثقفي الذي روى عنه الشاميون؛ أبو الأشعث الصنعاني وعبادة بن نسي وغيرهما، وهو صاحب حديث: "من غسل يوم الجمعة واغتسل، ثم بكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام فاستمع ولم يلغ، كان له بكلل خطوة عمل سنة: أجر صيامها وقيامها" [تقدم برقم (٣٤٥)، وهو حديث صحيح، وله طرق عن أبي الأشعث الصنعاني]، وأما أوس بن حذيفة: فقد روى عنه أهل بيته وأهل بلده: ابنه عمرو بن أوس، وابن ابنه عثمان بن عبد الله بن أوس، والنعمان بن سالم الطائفي، وعبد الملك بن المغيرة الطائفي، وعطاء العامري الطائفي أبو يعلى، والله أعلم.
• وقصة وفد ثقيف مشهورة، وقد رويت من وجوه متعددة، ومنها ما وقع لعثمان بن أبي العاص وغيره، ولم أقف فيها على موضع الشاهد في التحزيب أو السمر بعد العشاء، ولم أقف على ما يشهد له حتى في المراسيل ولا في المرويات الضعيفة أباستثناء حديث المغيرة السابق، وهو حديث غريب، لا يصلح شاهدًا]:
١ - فمنها: حديث عثمان بن أبي العاص: أن وفد ثقيف لما قدموا على رسول الله ﷺ أنزلهم المسجد؛ ليكون أرقَّ لقلوبهم، فاشترطوا عليه: أن لا يُحشَروا، ولا يُعشَروا، ولا يُجَبُّوا، فقال رسول الله ﷺ : "لكم أن لا تحشروا، ولا تعشروا، ولا خيرَ في دينٍ ليس فيه ركوع".
أخرجه أبو داود (٣٠٢٦)، وهو حديث معلول، وقد تقدمت الإشارة إليه تحت
стр. 7949
الحديث رقم (٤٨٨) [فضل الرحيم الودود (٥/ ٤٦١/ ٤٨٨)]، ويأتي تخريجه مطولًا -إن شاء الله تعالى- في موضعه من السنن.
٢ - وروى أبو العلاء، عن مطرف بن عبد الله، عن عثمان بن أبي العاص، قال: يا رسول الله! اجعلني إمامَ قومي، قال: "أنت إمامُهم، واقْتَدِ بأضعفهم، واتخذ مؤذنًا لا يأخدُ على أذانه أجرًا".
وهو حديث صحيح، وتقدم برقم (٥٣١).
٣ - وروى عمرو بن عثمان: حدثنا موسى بن طلحة: حدثني عثمان بن أبي العاص الثقفي، أن النبي ﷺ قال له: "أُمَّ قومك"، قال: قلت: يا رسول الله! إني أجد في نفسي شيئًا. قال: "ادْنُهْ"، فجلَّسني بين يديه، ثم وضع كفه في صدري بين ثَدْيَيَّ، ثم قال: "تحوَّل"، فوضعها في ظهري بين كَتِفَيَّ، ثم قال: "أُمَّ قومك، فمَن أَمَّ قومًا فليُخفِّف؛ فإن فيهم الكبير، وإن فيهم المريض، وإن فيهم الضعيف، وإن فيهم ذا الحاجة، وإذا صلى أحدكم وحده فَلْيُصَلِّ كيف شاء". وفي رواية خارج الصحيح: "واتخد مؤذنًا لا يأخذ على الأذان أجرًا".
أخرجه مسلم (٤٦٨/ ١٨٦)، وتقدم برقم (٥٣١)، وانظر هناك بقية طرقه.
٤ - وروى محمد بن جعفر بن أبي كثير [الأنصاري مولاهم، المدني: ثقة]، عن سهيل بن أبي صالح، عن حكيم بن حكيم بن عباد بن حُنَيف، عن عثمان بن أبي العاص، قال: قدمتُ في وفد ثقيف حين وفدوا على رسول الله ﷺ ، فلبسنا حللنا بباب النبي ﷺ ، فقالوا: من يمسك لنا رواحلنا، وكلُّ القوم أحبَّ الدخولَ على النبي ﷺ ، وكره التخلف عنه، قال عثمان: وكنت أصغر القوم، فقلت: إن شئتم أمسكتُ لكم على أن عليكم عهد الله لتمسكنَّ لي إذا خرجتم، قالوا: فذلك لك، فدخلوا عليه ثم خرجوا، فقالوا: انطلق بنا، قلت: أين؟ فقالوا: إلى أهلك، فقلت: ضربت من أهلي حتى إذا حللت بباب النبي ﷺ أرجع ولا أدخل عليه، وقد أعطيتموني من العهد ما قد علمتم؟ قالوا: فاعجل؛ فإنا قد كفيناك المسألة، لم ندع شيئًا إلا سألناه عنه، فدخلت فقلت: يا رسول الله! ادع الله أن يفقهني في الدين ويعلمني، قال: "ماذا قلت؟ "، فأعدت عليه القول، فقال: "لقد سألتني شيئًا ما سألني عنه أحد من أصحابك، اذهب فأنت أمير عليهم، وعلى مَن تقدُم عليه من قومك، وأُمَّ الناس بأضعفهم"، فخرجت حتى قدمت عليه مرة أخرى، فقلت: يا رسول الله، اشتكيت بعدك، فقال: "ضع يدك اليمنى عدى المكان الذي تشتكي، وقل: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد، سبع مرات"، ففعلت، فشفاني الله .
أخرجه أبو العباس السراج في مسنده (٢٢١)، والطبراني في الكبير (٩/ ٥٠/ ٨٣٥٦)، واللفظ له. وفي الدعاء (١١٢٨).
قلت: رجاله ثقات مشهورون، رجال التهذيب، وحكيم بن حكيم: حسن الحديث [سبق الكلام عليه عند الحديث (٣٩٣)]، لكنه يروي عن التابعين، وعمن له رؤية [مثل:
стр. 7950
أبي أمامة بن سهل، ومسعود بن الحكم الزرقي]، ولا تعرف له رواية عمن سمع النبي ﷺ إلا في هذا الحديث -فيما وقفت عليه-، لذا ذكره ابن حبان في أتباع التابعين من ثقاته (٦/ ٢١٤)، وهو يروي عن نافع بن جبير، ونافع يروي عن عثمان، وعلى هذا فروايته عن عثمان: مرسلة، فإن عثمان توفي سنة (٥١) أو (٥٥)، فلا أظنه أدركه، لا سيما وهو كثير الرواية عن أبي أمامة، وأبو أمامة متأخر الوفاة، توفي سنة مائة، ومسعود الزرقي: معدود في كبار التابعين [وقد سبق أن تكلمت على هذا الإسناد في تخريج أحاديث الذكر والدعاء (٢/ ٨١٤/ ٣٦٦)، وحكمت عليه بالانقطاع].
٥ - وروى أبو سفيان، عن جابر بن عبد الله: أن وفد ثقيف سألوا النبي ﷺ فقالوا: إن أرضنا أرضٌ باردة، فكيف بالغسل؟ فقال: "أما أنا فأفرغ على رأسي ثلاثًا".
أخرجه مسلم (٣٢٨)، وتقدم تخريجه تحت الحديث رقم (٢٣٩).
٦ - وروى معتمر بن سليمان التيمي، عن حميد الطويل، عن أنس: أن وفد ثقيف قالوا: يا رسول الله! إن أرضنا أرض باردة، فما يكفينا من غسل الجنابة؟ قال: "أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثًا".
وهذا إسناد بصري صحيح. وتقدم تخريجه تحت الحديث رقم (٢٣٩).
٧ - وروى شريك بن عبد الله، وهشيم بن بشير، عن يعلى بن عطاء، عن عمرو بن الشريد، عن أبيه، قال: كان في وفد ثقيف رجل مجذوم، فأرسل إليه النبي ﷺ : "إنا قد بايعناك؛ فارجع".
أخرجه مسلم (٢٢٣١). [التحفة (٣/ ٦٩٤/ ٤٨٣٧)، الإتحاف (٦/ ١٨٦/ ٦٣٣٠)، المسند المصنف (١٠/ ٢١٩/ ٤٨٤٤)]، ويأتي تخريجه إن شاء الله تعالى في موضعه من السنن برقم (٣٩٢٥).
والمرويات في وفد ثقيف كثيرة جدًا، ويغلب عليها الضعف، وليس فيها أيضًا موضع الشاهد [انظر مثلًا: ما أخرجه الطيالسي (٢/ ٧٦١/ ١٤٣٣)، وأبو عبيد في الأموال (١٧٧٢)، وابن أبي شيبة في المسند (٦١٢)، وفي المصنف (٢/ ٢٦٠/ ٨٧٧٤ و ٨٧٧٥) و (٤/ ٤٤٥/ ٢١٩٧٠)، ولوين في جزئه (٩٠)، والبخاري في التاريخ الكبير (٥/ ٢٥٠ و ٢٥١ و ٤٣١)، وابن شبة في تاريخ المديثة (٢/ ٥٠١ - ٥٠٨ و ٥١٠ - ٥١٥)، وأبو داود في المراسيل (١٧)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (١/ ١٥٥/ ٥٠٧ - ٥١٠ - السفر الثاني) و (١/ ٣٥٤/ ١٢٤٩ - السفر الثاني)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣/ ١٨٧/ ١٥٢٢) و (٣/ ١٨٨/ ١٥٢٤ و ١٥٢٥) و (٣/ ٢٣٨/ ٥٩٩)، والنسائي في المجتبى (٦/ ٢٧٩/ ٣٧٥٨)، وفي الكبرى (٦/ ٢٠١/ ٦٥٥٧)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٥٠ و ٥١ - مسند عمر)، وأبو القاسم البغوي في معجم الصحابة (٤/ ١٤٩/ ٢٦٧٧)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١٣)، وفي أحكام القرآن (١٨٤)، والعقيلي في الضعفاء (٣/ ٣٣)، وابن قانع في المعجم (٢/ ١٥٧)، وأبو هلال العسكري في الأوائل (١٠٥)، والحاكم في
следующие страницы →