Полный текст (16 465 стр.). Показаны 8296–8335 · переход к 8301.
стр. 8296
كثيرة [انظر: علل ابن أبي حاتم (٧١ و ٨٥ و ٢١٤٦)، علل الدارقطني (١٢/ ١٢٣/ ٢٥٠٨)، أطراف الغرائب والأفراد (٥٧٧ و ٩٣٩ و ١٥٩٩ و ٢٤٤٧ و ٣٩٩٥ و ٣٥٢٧ و ٤٦٣٢ و ٥٢٦٦ و ٥٤١١ و ٥٥٧٧ و ٥٦٣٤ و ٦٠٠١ و ٦١٨٩ و ٦٢٤١ و ٦٤٥٢ و ٦٤٨٦)، معرفة علوم الحديث (١٠٢)، فضل الرحيم الودود (٩/ ٢٦٧/ ٨٣٢)]؛ والله أعلم.
• وفي المقابل: فقد روي ما يدل على أن الوتر بثلاث متصلة بسلام واحد لم يكن معهوداً عند الصحابة والتابعين:
روى ابن سيف [أبو داود سليمان بن سيف الحراني، وهو: ثقة حافظ]: حدثنا محمد بن سليمان [هو: ابن أبي داود الحراني: لا بأس به]: حدثنا محمد بن الزبير [إمام مسجد حران: ليس بالمتين. اللسان (٧/ ١٣٤)]: عن خصيف [خصيف بن عبد الرحمن الجزري: ليس بالقوي، سيئ الحفظ]؛ وسالم بن عجلان [الأفطس: ثقة]؛ سمعه منهما؛ قالا: سمعنا سعيد بن جبير، يقول: أول من جمع الوتر ثلاثًا لم يفصل بينهن بتسليم أبي بن كعب ﵁.
أخرجه أبو عروبة الحراني في الأوائل (١٠٥).
قلت: وإسناده ليس بذاك.
* وليس عندنا دليل صحيح على المنع من الايتار بثلاث؛ لا سيما مع ثبوت الأثر عن بعض الصحابة في الإيتار بثلاث بسلام واحد، كما أني لم أقف على حديث صحيح صريح في الإيتار بثلاث بسلام واحد من غير فصل، وإنما هي أحاديث صريحة غير صحيحة، أو صحيحة غير صريحة، والمتشابه في هذا إنما يرد إلى المحكم، والله أعلم.
راجع ما تقدم ذكره قريباً في الكلام عن حديث عائشة وحل الإشكالات الواردة في بعض طرقه، وكذلك حديث عبد الرحمن بن أبزى.
* وأما ما روي في البتيراء:
* فقد روي مرفوعًا من حديث أبي سعيد، ولا يصح:
رواه عبد الله بن محمد بن يوسف [الحافظ أبو الوليد ابن الفرضي القرطبي، صنف تاريخ الأندلس، روى عنه ابن عبد البر، وقال: "كان فقيهاً عالماً في جميع فنون العلم، في الحديث والرجال". السير (١٧/ ١٧٧)، تذكرة الحفاظ (٣/ ١٠٧٦)، تاريخ الإسلام (٩/ ٥٩ - ط الغرب)، ذيل الميزان (٤٩٢)، اللسان (٤/ ١٥٩١]: أخبرنا أحمد بن محمد بن إسماعيل بن الفرج [أبو بكر ابن المهندس: ثقة متقن. السير (١٦/ ٤٦٢)، تذكرة الحفاظ (٣/ ٩٨٩)، تاريخ الإسلام (٨/ ٥٦٨ - ط الغرب)، اللسان (١/ ٦٦٤)]؛ قال: حدثنا أبي أمحمد بن إسماعيل بن الفرج، أبو العباس المصري البناء المهندس: وثقه ابن يونس، وتبعه على ذلك: رشيد الدين العطار. نزهة الناظر (٨)، تاريخ الإسلام (٧/ ٦٩ و ١٣٧ و ٣٤٥ - ط الغرب)، الثقات لابن قطلوبغا (٨/ ١٨٩)]، قال: حدثنا الحسن بن سليمان قبيطة [الحسن بن سليمان بن سلام، أبو علي الفزاري المصري، المعروف بقبيطة، أصله من
стр. 8297
البصرة، وسكن العسكر بمصر، نعته أبو عوانة بالحافظ، وقال ابن يونس: "كان ثقة حافظاً"، ونعته الذهبي بالحافظ المتقن، ومرة بالحافظ الثقة، وجهل حاله ابن القطان الفاسي، فتعقبه الحافظ العراقي، وقال: "ما مثل هذا يجهل، معدود من حفاظ الحديث"، وقال ابن حجر: "لا يستغرب خفاء حال الحسن بن سليمان على ابن القطان". مسند أبي عوانة (٣/ ١٣٥/ ٤٤٧٦)، تاريخ دمشق (١٣/ ١٠٨)، بغية الطلب (٥/ ٢٣٧٨)، السير (١٢/ ٥٠٨)، تذكرة الحفاظ (٢/ ٥٧٢)، ذيل الميزان (٢٧٥)، اللسان (٣/ ٥٤)]: حدثنا عثمان بن ربيعة بن أبي عبد الرحمن: حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد؛ أن رسول الله ﷺ نهى عن البتيراء؛ أن يصلي الرجل ركعة واحدة يوتر بها.
أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (١٣/ ٢٥٤).
قال ابن عبد البر: "هو عثمان بن محمد بن أبي ربيعة بن عبد الرحمن، قال العقيلي: الغالب على حديثه الوهم" [وانظر: الأحكام الوسطى (٢/ ٥٠)].
وضعفه ابن حزم في المحلى (٢/ ٩٠)، وقال: "ولم يصح عن النبي ﷺ نهي عن البتيراء، ولا في الحديث -على سقوطه- بيان ما هي البتيراء؟ "، وأشار في موضع آخر إلى وضعه [انظر: المحلى (٣/ ٢٣٨) و (٧/ ٢٧٥)].
وقال ابن القطان الفاسي في بيان الوهم (٣/ ١٥٤/ ٨٦٣)]: "والحديث من شاذ الحديث الذي لا يعرَّج على رواته ما لم تُعرف عدالتهم، وعثمان واحد من جماعة فيه"، ثم قال: "ليس دون الدراوردي من يغمض عنه"، يعني: لا يغض عنه الطرف لثقته وشهرته، يقصد أنهم مجاهيل لا يُعرفون، وسياق كلامه قبل هذا الحديث وبعده يدل عليه؛ إذ قد أورده في "باب ذكر أحاديث أعلها برجال، وفيها من هو مثلهم أو أضعف أو مجهول لا يُعرف"، ويبين ذلك أيضًا كلامه المختصر في آخر الكتاب حيث قال فيه (٥/ ٧٠٠) منتقداً عبد الحق: "وذكر النهي عن البتيراء، وعلله برجل وترك غيره".
وأورده النووي في فصل الضعيف من الخلاصة (١٨٨٨ و ٢٠٧٩).
وقال ابن رجب في الفتح (٦/ ١٩٩): "وروى ابن عبد البر بإسناد فيه نظر، عن عثمان بن محمد بن ربيعة، … "، فذكره ثم قال: "وعثمان هذا، قال العقيلي: الغالب على حديثه الوهم. وقبله في الإسناد من لا يعرف. وقد روي هذا مرسلاً.
خرجه سعيد بن منصور من حديث محمد بن كعب القرظي مرسلًا".
قلت: الإسناد إلى عثمان بن محمد بن ربيعة: إسناد صحيح، كما تقدم بيانه بتراجم رواته.
* قال العيني في نخب الأفكار (٥/ ٢٤)، نقلًا عن الزيلعي في نصب الراية (٢/ ١٧٢): "تعلق ابن حزم بما قالوا: إن في إسناد حديث أبي سعيد الخدري: عثمان بن محمد بن عثمان بن أبي عبد الرحمن، وهو ضعيف لقول العقيلي: الغالب على حديثه
стр. 8298
الوهم. وهذا تعلق لا طائل تحته؛ لأن أحدًا غير العقيلي لم يتكلم فيه بشيء، وكلام العقيلي خفيف، ألا ترى أن الحاكم أخرج لعثمان بن محمد هذا في كتابه المستدرك على الصحيحين؟ وبقية الرجال ثقات.
أما شيخ أبي عمر: فهو عبد الله بن محمد بن يوسف، هو ابن الفرضي الإمام الثقة الحافظ. وأما الحسن بن سليمان بن سلام الفزاري: فهو أبو علي الحافظ يعرف بقبيط، قال فيه ابن يونس: كان ثقة حافظاً. وأما الدراوردي: فإن الجماعة أخرجوا له، غير أن البخاري أخرج له مقروناً بغيره. وأما عمرو بن يحيى بن سعيد أبو أمية المكي: فإن البخاري روى له، وأما أبوه يحيى بن سعيد بن عمرو بن العاص بن أمية القرشي أبو أيوب المدنى: فإن مسلمًا روى له.
فحينئذ يكون هذا الحديث صحيحاً؛ ولا سيما على شرط الحاكم، وقد قال صاحب الهداية في باب سجود السهو: لأن الركعة الواحدة لا تجزئه لنهيه ﵇ عن البتيراء. وأراد به الحديث المذكور".
قلت: سبق أن ترجمت لرجال إسناد هذا الحديث، وبينت صحة إسناده إلى عثمان بن محمد؛ لكن يبقى أن أنبه على أن شيخ الدراوردي هنا هو: عمرو بن يحيى بن عمارة الأنصاري المازني المدني، وهو: ثقة، روى له الجماعة، وأبوه: يحيى بن عمارة بن أبي حسن الأنصاري المازني المدني: ثقة، روى له الجماعة، وحديثه عن أبي سعيد الخدري في الصحيحين [انظر: التحفة (٣/ ٤٨٢ - ٤٨٧/ ٤٤٠٢ - ٤٤٠٧)].
وعليه: فإن علة هذا الحديث هو تفرد رجل ضعيف به عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي المدني، وهو كثير الأصحاب، روى عنه جماعات من أهل المدينة، ومن أهل العراق، ومن أهل مصر، ومن أهل الشام، ومن أهل خراسان، وغيرهم، مثل: سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، والشافعي، وأبي مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن يحيى النيسابوري، وعلي بن المديني، وإبراهيم بن حمزة الزبيري، ومحمد بن إسحاق بن يسار، ووكيع بن الجراح، وعبد العزيز بن عبد الله الأويسي، وسعيد بن الحكم بن أبي مريم، وعبد الله بن وهب، وأبي بكر ابن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، والحميدي، وسعيد بن منصور، وأبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، وإسحاق بن يعقوب، وأبي إسحاق إبراهيم بن إسحاق الطالقاني، وأحمد بن عبدة الضبي، وإسماعيل بن أبي أويس، وأصبغ بن الفرج المصري، وأبي نعيم الفضل بن دكين، وبشر بن الحكم النيسابوري، وأبي عمار الحسين بن حريث المروزي، وخلف بن هشام البزار، وخلاد بن أسلم، وسعيد بن عبد الجبار الكرابيسي، وعبد الله بن الجراح القهستاني، وعبد الله بن جعفر الرقي، وعبد الله بن عبد الوهاب الحجبي، وعبد الله بن عمر بن أبان الجعفي، وعبد الله بن محمد النفيلي، وعبد الوهاب بن نجدة الحوطي، وعبيد الله بن عمر القواريري، وأبو نعيم عبيد بن هشام
стр. 8299
الحلبي، وعلي بن بحر بن بري القطان، وعلي بن حجر السعدي، وعلي بن خشرم المروزي، وعمرو بن زرارة النيسابوري، وعمرو بن أبي سلمة التنيسي، والقاسم بن يزيد الجرمي، وقتيبة بن سعيد، ومحرز بن سلمة العدني، وأبي هريرة محمد بن أيوب الواسطي، وأبي بكر محمد بن خلاد الباهلي، ومحمد بن زياد الزيادي، ومحمد بن سلمة الباهلي، ومحمد بن الصباح الجرجرائي، ومحمد بن عباد المكي، وأبي ثابت محمد بن عبيد الله المديني، ومحمد بن عبيد بن ميمون التبان المدني، وأبي مروان محمد بن عثمان بن خالد العثماني، وأبي الجماهر محمد بن عثمان التنوخي، ومحمد بن عمرو البلخي السواق، ومحمد بن المبارك الصوري، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، ومروان بن محمد الطاطري، ومصعب بن عبد الله الزبيري، ونصر بن علي الجهضمي، ونعيم بن حماد المروزي، وهارون بن معروف، وهشام بن عمار، والهيثم بن أيوب الطالقاني، ويحيى بن أكثم القاضي، ويحيى بن سليمان الجعفي، ويحيى بن صالح الوحاظي، ويحيى بن عبد الله بن بكير، ويحيى بن محمد الجاري، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، وغيرهم كثير جدًا.
فكيف ينفرد به دون هؤلاء الثقات: رجل ضعيف، مثل: عثمان بن محمد بن ربيعة، قال فيه العقيلي: "الغالب على حديثه الوهم"، وقال الدارقطني: "ضعيف"، وترجم له الذهبي في الميزان (٣/ ٥٣)، وجمع طرفاً مما تقدم، ولم يزد على ذلك شيئًا؛ إلا أن ابن حجر في اللسان (٥/ ٤٠٨) زاد في ترجمته ما رواه أبو بكو النيسابوري والدارقطني والخطيب لعثمان هذا عن مالك؛ بما ليس من حديث مالك، حيث تفرد عنه بحديث باطل، وقال الدارقطني: "تفرد به: قبيطة، وهو عندي منكلر بهذا الإسناد، ومحمد بن عثمان: ضعيف"، قلت: قد اضطرب الرواة عنه في اسمه، فمنهم من يسميه: محمد بن عثمان بن ربيعة، ومنهم من يسميه: عثمان بن محمد؛ وإنما هو رجل واحد [وانظر أيضًا: اللسان (٧/ ٣٤٤)].
قلت: وأخرج حديثه عن مالك: ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٣/ ١٠٩ - ١١٠)، من طريق أبي بكر النيسابوري: نا الحسن بن سليمان قبيطة: نا محمد بن عثمان بن ربيعة بن أبي عبد الرحمن: عن مالك به، وهكذا قال: محمد بن عثمان، وهو نفسه: عثمان بن محمد؛ انقلب على بعضهم.
فكيف يحتمل تفرد مثل هذا الضعيف، الذي ينفرد عن الأئمة بالبواطيل، عن مثل الدراوردي في كثرة أصحابه من الثقات من جميع الأمصار، ثم لا يُعرف حديثه إلا بمصر ثم بالأندلس، ولا يرويه أحد من أصحاب الصحاح، ولا السنن، ولا المصنفات، ولا المسانيد، ولا المعاجم، فحري بابن حزم أن يحكم عليه بالوضع، وحري بابن القطان الفاسي أن يقول فيه: "والحديث من شاذ الحديث"، بل إن ابن عبد البر الذي أخرجه في كتابه التمهيد قد تبرأ من عهدته ولم يسكت عليه؛ بل ضعفه ورده، وبين عواره، لذا فقد أبعد النجعة من تهور فحكم عليه بالصحة، وأنى له ذلك؟!.
стр. 8300
بل قد رده إمام حنفي من أهل الإنصاف؛ حيث قال ابن أبي العز الحنفي في التنبيه على مشكلات الهداية (٢/ ٧١٣): "لم يثبت في النهي عن البتيراء حديث، وقد روي فيه عن محمد بن كعب القرظي حديث مرسل ضعفه النووي، وذكر أبو عمر بن عبد البر حديث النهي عن البتيراء عن الخدري، وضعفه".
* وممن رد على الأحناف فريتهم في احتجاجهم بهذه البواطيل في رد السنن المشهورة الثابتة، المروية بأسانيد متواترةٍ، غايةً في الصحة، هي كالشمس في رابعة النهار: ابن القيم حيث قال في إعلام الموقعين (٤/ ٢٢٠): "المثال الثالث والخمسون: رد السُّنَّة الثابتة الصحيحة الصريحة المحكمة في الوتر بواحدة مفصولة، … "، ثم استشهد لذلك بحديث ابن عمر، وحديث عائشة، وحديث ابن عباس، وغيرها، وقد تقدم ذكرها تحت حديث ابن عمر في الوتر بركعة واحدة، ثم أتبعها بما صح من الأثر عن عثمان بن عفان، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وأبي أيوب، ومعاوية بن أبي سفيان، وبما صح موقوفًا على أبي هريرة في النهي عن التشبه بالمغرب في الوتر بثلاث، إلى أن قال: "فردت هذه السنن بحديثين باطلين وقياس فاسد:
أحدهما: "نهى عن البتيراء"، وهذا لا يعرف له إسناد لا صحيح ولا ضعيف، وليس في شيء من كتب الحديث المعتمد عليها، ولو صح فالبتيراء: صفة للصلاة التي قد بتر ركوعها وسجودها فلم يطمئن فيها.
الثاني: حديث يروى عن ابن مسعود مرفوعًا: "وتر الليل ثلاث، كوتر النهار صلاة المغرب". وهذا الحديث و إن كان أصلح من الأول فإنه في سنن الدارقطني، فهو من رواية يحيى بن زكريا، قال الدارقطني: يقال له ابن أبي الحواجب، ضعيف، ولم يروه عن الأعمش مرفوعًا غيره، ورواه الثوري في الجامع وغيره عن الأعمش موقوفًا على ابن مسعود، وهو الصواب.
وأما القياس الفاسد: فهو أن قالوا: رأينا المغرب وتر النهار، وصلاة الوتر وتر الليل، وقد شرع الله سبحانه وتر النهار موصولاً؛ فهكذا وتر الليل".
* والحاصل: فإن حديث أبي سعيد الخدري: حديث باطل.
* يعارضه: ما رواه إسحاق بن إبراهيم الرازي: ثنا سلمة بن الفضل الأنصاري: ثنا محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي منصور مولى سعد بن أبي وقاص، قال: سألت عبد الله بن عمر عن وتر الليل؟ فقال: يا بني؛ هل تعرف وتر النهار؟ قلت: نعم، المغرب، قال: صدقت، وتر الليل واحدة، بذلك أمر رسول الله ﷺ .
فقلت: يا أبا عبد الرحمن! إن الناس يقولون: إن تلك البتيراء، قال: يا بني! ليس تلك البتيراء، إنما البتيراء أن يصلي الرجل الركعة التامة في ركوعها وسجودها وقيامها، ثم يقوم في الأخرى فلا يتم لها ركوعًا ولا سجوداً ولا قياماً، فتلك البتيراء.
стр. 8301
أخرجه البيهقي في السنن (٣/ ٢٦)، وفي المعرفة (٢/ ٣١٣/ ١٣٨٨)، وفي الخلافيات (٣/ ٣٢٤/ ٢٥٢٤)، بإسناد صحيح إلى إسحاق الرازي.
وهذا إسناد رجاله ثقات؛ غير أبي منصور مولى سعد بن أبي وقاص؛ فإني لم أقف له على ترجمة، وله ما يشهد له عن ابن عمر، راجع تخريجه تحت الحديث رقم (١٢٩٥)، والله أعلم.
* فقد رواه الأوزاعي، عن المطلب بن عبد الله المخزومي، قال: أتى عبدَ الله بنَ عمر رجلٌ، فقال: كيف أوتر؟ قال: أوتر بركعة واحدة [وفي رواية: فأمره أن يفصل]؟ فقالى: إني أخشى أن يقول الناس: هي البتيراء، فقال: سنة الله وسنة رسوله تريد؟ هذه سنة الله وسنة رسوله ﷺ .
وهذا رجاله ثقات؛ والمطلب بن عبد الله بن حنطب لم يسمع من ابن عمر.
وحديث ابن عمر في الفصل بين الشفع والوتر بالتسليم: حديث صحيح [وقد تقدم تخريجه في فضل الرحيم الودود (١٠/ ٤٩٠/ ١٠٠٠)].
* وروى شعبة [وعنه: عبد الله بن رجاء الغداني البصري، وهو: صدوق]، وسفيان بن عيينة [ثقة ثبت]، ويزيد بن عطاء [اليشكري: لين الحديث] [وعنه: الخصيب بن ناصح، وهو: صدوق]:
عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: الوتر سبع أو خمس، الثلاث بتيراء، وإني لأكره أن تكون بتيراء.
أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٢٢/ ٤٦٤٨)، والطحاوي (١/ ٢٨٩).
قال الطحاوي: "فهذا عندنا على أنه كره أنه يوتر وترًا لم يتقدمه تطوع، وأحب أن يكون قبله تطوع إما ركعتان وإما أربع".
قلت: الأعمش لم يسمع من سعيد بن جبير إلا قليلًا، مثل حديث أبي موسى مرفوعًا: "ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله تعالى" [صحيح البخاري (٦٠٩٩ و ٧٣٧٨)، صحيح مسلم (١٢٨٠٤]؛ إنما يروي الأعمش غالباً عن سعيد بن جبير بواسطةٍ، يدخل بينهما رجلًا، مثل: عمرو بن مرة، ومسلم بن عمران البطين، وحبيب بن أبي ثابت، ومسعود بن مالك، والمنهال بن عمرو [انظر مثلًا: صحيح البخاري (١٣٩٤ و ١٩٥٣ و ٤٧٧٠ و ٤٨٠١ و ٤٩٧١ - ٤٩٧٣)، صحيح مسلم (٢٠٨ و ٧٠٥ و ٩٠٠ و ١١٤٨ و ١١٩٤)].
لكن هذا الأثر مما نص ابن المديني على سماع الأعمش له من سعيد بن جبير:
قال ابن المديني: "إنما سمع الأعمش من سعيد بن جبير أربعة أحاديث: قال: صلى بنا ابن عباس على طنفسة، وحديث أبي موسى: "ما أحد أصبر على أذى من الله"، وقول ابن عباس: تسع أو خمس، وقول سعيد بن جبير: ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر" [تحفة التحصيل (١٣٦)].
قلت: وكذلك فإنه من رواية شعبة عن الأعمش، وكان شعبة لا يحمل عن شيوخه إلا
стр. 8302
ما سمعوه من شيوخهم، لا سيما قتادة والأعمش وأبا إسحاق السبيعي، فقد قال فيهم: "كفيتكم تدليس ثلاثة"، ثم ذكرهم [معرفة السنن والآثار (١/ ٨٦)]، قال ابن حجر: "فهذه قاعدة جيدة في أحاديث هؤلاء الثلاثة: أنها إذا جاءت من طريق شعبة دلت على السماع، ولو كانت معنعنة" [طبقات المدلسين (٥٨)، النكت على كتاب ابن الصلاح (٢/ ٦٣٠ - ٦٣١)].
قلت: فإن قيل: قد ثبت عن الأعمش أنه رواه عن إبراهيم بن يزيد النخعي، عن سعيد بن جبير:
* فقد روى أبو معاوية [ثقة، من أثبت الناس في الأعمش]، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: ذكرت لسعيد بن جبير، قول عبد الله: الوتر بسبع، أو بخمس، ولا أقل من ثلاث، فقال سعيد: قال ابن عباس: إني لأكره أن يكون ثلاث بتر، ولكن سبعاً أو خمساً.
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٨٩/ ٦٨٢١).
فيقال: يحمل على أن الأعمش سمعه أولاً من إبراهيم، ثم لقي سعيداً بعدُ فاستثبته منه، فهو موقوف على ابن عباس بإسناد صحيح، والله أعلم.
وأما معناه: فيحمل على معنى قول أبي هريرة: لا توتروا بثلاث ركعات؛ تشبهوا بالمغرب، ولكن أوتروا بخمس، أو بسبع، أو بتسع، أو بإحدى عشرة. [وهذا موقوف على أبي هريرة بإسناد صحيح، ولا يصح رفعه، تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٣٣٨)].
* وروى سعيد بن منصور، وابن أبي عمر العدني:
قالا: ثنا سفيان [هو: ابن عيينة]، عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة، عن سعيد بن المسيب، عن عائشة ﵂، قالت: كان الوتر سبعاً وخمساً، والثلاث بتيراء.
أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٨٣/ ٢٦٥٨)، والطحاوي (١/ ٢٨٥).
قلت: رواية عبد الحميد بن جبير بن شيبة [العبدري الحجبي المكي: ثقة]، عن سعيد بن المسيب: في الصحيحين، وقد ثبت سماعه منه، كذلك فإن سعيد بن المسيب معروف بالرواية عن عائشة، وحديثه عنها في الصحيحين، فهو موقوف على عائشة بإسناد صحيح، ويقال فيه ما قيل في أثر ابن عباس، في النهي عن التشبه بالمغرب في العدد والصفة، وأن يكون وتره خمسًا أو سبعاً أو أكثر من ذلك، وهذا من باب التغليب، كما سبق بيانه.
قال الطحاوي: "فكرهت أن تجعل الوتر ثلاثًا لم يتقدمهن شيء حتى يكون قبلهن غيرهن، فلما كان الوتر عندها أحسن ما يكون هو أن يتقدمه تطوع؛ إما أربع واما اثنتان، جمعت بذلك تطوع رسول الله ﷺ في الليل الذي صلح به الوتر الذي بعدها والوتر، فسمت ذلك بذلك وتراً".
* وروى عباد بن العوام [واسطي، ثقة]، عن العلاء بن المسيب [كوفي، ثقة]، عن أبيه [المسيب بن رافع الكاهلي الكوفي: ثقة]، عن عائشة، قالت: لا يوتر بثلاث بتراء، صل قبلها ركعتين، أو أربعًا.
стр. 8303
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٩٠/ ٦٨٢٨).
وهذا رجاله ثقات؛ إلا أنه منقطع، فقد قال يحيى بن معين: "لم يسمع المسيب بن رافع من أحد من أصحاب النبي ﷺ إلا من البراء بن عازب، وأبي إياس عامر بن عبدة " [تاريخ ابن معين للدوري (٤/ ١٩/ ٢٩٣٠)، المعرفة والتاريخ (٣/ ١٢٢)، المراسيل (٧٧٠ - ٧٧٤)، تهذيب الكمال (٥٨٧/ ٢٧)، تحفة التحصيل (٣٠٤)]، وقد كان المسيب يدخل بينه وبين عائشة: سواء الخزاعي.
* خاتمة البحث:
* قلت: قد ثبت أن النبي ﷺ قد أوتر بواحدة، وهو الغالب على فعله ﷺ ، كما أنه ثبت عنه أنه أوتر بثلاث يفصل بينهن بالتسليم بين الركعتين والركعة، وبخمس ركعات بسلام واحد لا يجلس في شيء منها إلا في آخرها، وبسبع ركعات بسلام واحد يجلس في السادسة ثم يقوم إلى السابعة ثم يسلم، وبتسع ركعات بسلام واحد يجلس في الثامنة ثم يقوم إلى التاسعة ثم يسلم.
* أما أحاديث الوتر بواحدة: فقد تقدم استيعابها في الحديث السابق، وهي الغالب من فعله ﷺ ، وهي الاختيار في العمل: أن يصلي من الليل ركعتين ركعتين ثم يوتر بواحدة؛ فإن عمل ببقية الصور جاز.
* أما أحاديث الوتر بثلاث: فلا يثبت في شيء منها التصريح بكونها متصلة بسلام واحد، وأنه لا يسلم إلا في آخرهن، كما نقل ذلك في الخمس والسبع والتسع، إنما هي أحاديث مجملة تحمل على الأحاديث المفسرة، والله أعلم.
* وأما الوتر بخمس بسلام واحد لا يجلس في شيء منها:
فقد رواه هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاثَ عشرةَ ركعةً، يوتر منها بخمسٍ، لا يجلسُ في شيءٍ من الخَمس، حتى يجلس في الآخرة، فيُسلِّم.
أخرجه مسلم (٧٣٧/ ١٢٣)، وقد تقدم تخريجه في فضل الرحيم الودود (١/ ٢٠٨/ ٥٧)، وخرجته أيضا برقم (١٣٣٨)، وهو حديث صحيح، صححه مسلم، والترمذي، وأبو عوانة، وابن خزيمة، وابن حبان، وثبته ابن المنذر، وغيرهم.
* وأما الوتر بسبع ركعات، يجلس في السادسة، ولا يسلم إلا في السابعة:
فقد رواه همام: حدثنا قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، قال: طلقتُ امرأتي، فأتيت المدينة لأبيعَ عقارًا كان لي بها، فأشتريَ به السلاحَ وأغزو، … فذكر حديثه الطويل في دخوله على عائشة، وموضع الشاهد منه:
فلما أسنَّ، وأخذ اللحمَ، أوتر بسبع ركعاتٍ، لم يجلس إلا في السادسة والسابعة، ولم يسلم إلا في السابعة، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فتلك هي تسع ركعات يا بني.
وموضع الشاهد من رواية هشام الدستوائي، عن قتادة به:
стр. 8304
فلما أسنَّ رسولُ الله ﷺ وحمل اللحمَ، صلى سبعَ ركعاتٍ، لا يجلس إلا في السادسة، فيحمد الله ويدعو ربه، ثم يقوم ولا يسلم، ثم يجلس في السابعة، فيحمد الله ويدعو ربه، ثم يسلم تسليمةً، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فتلك تسع يا بني.
وهو حديث صحيح، تقدم تخريجه برقم (١٣٤٢ - ١٣٤٩ و ١٣٥٢).
* وأما الوتو بتسع ركعات، يجلس في الثامنة، ولا يسلم إلا في التاسعة:
فقد رواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة به، وموضع الشاهد منه [عند مسلم (٧٤٦/ ١٣٩)]:
ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم يسلم تسليماً يُسمِعُنا، ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلم وهو قاعد، فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني.
وفي رواية همام: قلت: حدثيني عن وتر النبي ﷺ ، قالت: كان يوتر بثمان ركعاتٍ لا يجلس إلا في الثامنة، ثم يقوم فيصلي ركعةً أخرى، لا يجلس إلا في الثامنة والتاسعة، ولا يسلِّم إلا في التاسعة، ثم يصلي ركعتين، وهو جالسٌ، فتلك إحدى عشرةَ ركعةً يا بني.
وفي رواية هشام: فيصلي تسعَ ركعات لا يجلس إلا في الثامنة، فيحمد الله، ويدعو ربه، ثم يقوم ولا يسلم، ثم يجلس في التاسعة، ويحمد الله ويدعو ربه، ويسلم تسليمةً يسمعُنا، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني.
وهو حديث صحيح، تقدم تخريجه برقم (١٣٤٢ - ١٣٤٩ و ١٣٥٢).
* وقد جمعت في الموضع المشار إليه كلام أهل العلم في الجمع بين طرق حديث عائشة، وروايتها لأحوال النبي ﷺ المتعددة في هيئات قيام الليل، أذكر هنا طرفاً منها مما يقتضيه المقام، مع بعض الزيادات المتعلقة بالوتر وعدده:
* قال عبد الله بن أحمد في مسائله لأبيه (٣٢٨ و ٣٢٩): "سألت أبي عن الوتر بركعة؟ قال: يعجبنا لمن أوتر بركعة أن تكون قبل ذلك صلاة متقدمة، إما ست، وإما ثمان، وأقل من ذلك، ثنتين ويسلم، ثم يوتر بواحدة.
إن أوتر بخمس لم يجلس إلا في الخامسة، لا يسلم إلا في آخر الخمس، يصلي ولا يجلس في شيء منهن إلا في الخامسة".
ثم قال: "سألت أبي عن الوتر بركعة وثلاث وخمس وسبع وتسع؟ فقال: لا بأس بهذا كله، والذي نختار: يسلم في ثنتين، ويوتر بواحدة".
وقال أبو داود في مسائله لأحمد (٤٦١): "سمعت أحمد سئل عمن يوتر بتسع؟ قال: إذا كان يوتر [وفي رواية: إذا أوتر] بتسع فلا يقعد إلا في الثامنة" أمختصر كتاب الوتر لابن نصر (٢٨٨)].
وقال (٤٦٨): "سمعت أحمد سئل عمن صلى من الليل، ثم نام ولم يوتر؟ قال:
стр. 8305
يعجبني أن يركع الرجل ركعتين ثم يسلم، ثم يوتر بواحدة" [وانظر أيضًا: مسائل أبي داود (٤٥٩ - ٤٦٩)، مسائل الكوسج (٢٩٧ و ٤٠٨)].
وقال ابن القيم في الزاد (١/ ٣١٩): "قال مهنا: سألت أبا عبد الله: إلى أي شيء تذهب في الوتر، تسلم في الركعتين؟ قال: نعم. قلت: لأي شيء؟ قال: لأن الأحاديث فيه أقوى وأكثر عن النبي ﷺ في الركعتين، الزهري، عن عروة، عن عائشة، أن النبي ﷺ سلم من الركعتين.
وقال حرب: سئل أحمد عن الوتر؟ قال: يسلم في الركعتين؛ وإن لم يسلم، رجوت ألا يضره، إلا أن التسليم أثبت عن النبي ﷺ .
وقال أبو طالب: سألت أبا عبد الله: إلى أي حديث تذهب في الوتر؟ قال: أذهب إليها كلها: من صلى خمساً لا يجلس إلا في آخرهن، ومن صلى سبعًا لا يجلس إلا في آخرهن، وقد روي في حديث زرارة عن عائشة: يوتر بتسع يجلس في الثامنة.
قال: ولكن أكثر الحديث وأقواه ركعة، فأنا أذهب إليه، … ".
وقال عبد الله بن أحمد في مسائله لأبيه (٣٣٥): "سمعت أبي يقول: يروى عن النبي ﷺ أنه أوتر بركعة من أربعة وجوه: عن ابن عباس، وابن عمر، وزيد بن خالد، وعائشة، وهو الذي آخذ به وأذهب إليه، يسلم في الركعتين ويوتر بواحدة.
وروي عن ابن عباس أنه أوتر بثلاث.
قلت لأبي: قال بعض الناس: أوتر بركعتين؟ قال: لا يكون هذا وتراً حتى يكون واحدةً، أو ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعاً، وهذا كله يروى عن النبي ﷺ ، وأحب إلي أن يوتر بواحدة إذا كان قبلها صلاة متقدمة".
وقال في مسائل صالح (٢٨٨): "يروى عن أربعة من أصحاب النبي ﷺ عن النبي ﷺ أنه أوتر بركعة: ابن عباس وعائشة وابن عمر وزيد بن خالد".
وقال أيضًا (٣٦٦): "سألته عن رجل نام عن وتره حتى يسمع الأذان قبل أن يوتر؛ ترى يوتر بركعة ويخفف، أو بثلاث؟ فقال: أما حديث النبي ﷺ : "إذا خفت الفوت فأوتر بركعة"، وأحب أن يكون قبلها صلاة متقدمة".
وقال في رواية المروذي: "لو أن رجلًا أوتر بثلاث لم يكن به بأس، وأما الذي أختاره فالوتر بركحة، ويكون قبلها صلاة" [زاد المسافر (٢/ ٢٣٠/ ٦٨٨)].
وانظر أيضًا: الروايتين والوجهين (١/ ١٦٣)، مسائل إسماعيل بن سعيد الشالنجي (٥٦).
وقال ابن رجب في الفتح (٦/ ٢٠١): "وأجاز أحمد وأصحابه وإسحاق: أن يوتر بثلاث موصولة، وأن يوتر بخمس لا يجلس إلا في آخرهن، وبتسع لا يجلس إلا في الثامنة، ولا يسلم ثم يقوم فيصلي ركعة، ثم يسلم، لما جاء في حديث عائشة المتقدم.
وجعلوا هذه النصوص خاصة، تخص عموم حديث: "صلاة الليل مثنى مثنى"، وقالوا في التسع والسبع والخمس: الأفضل أن تكون بسلام واحد، لذلك".
стр. 8306
قلت: هكذا أعمل أحمد ما صح من النصوص الواردة في الباب، ولم يرد بعضها ببعض، ولم يجعله من اختلاف التعارض، وإنما هو من اختلاف التنوع، كما سيأتي بيانه في كلام الأئمة بعده.
* قال الربيع بن سليمان: "سئل الشافعي ﵀ عن الوتر، أيجوز أن يوتر الرجل بواحدة، ليس قبلها شيء، فقال: نعم، والذي أختار أن يصلي عشر ركعات، ثم يوتر بواحدة. فقلت للشافعي: فما الحجة في أن الوتر يجوز بواحدة، فقال: الحجة فيه السُّنَّة والآثار"، ثم احتج بحديث ابن عمر وعائشة في الوتر بواحدة، ثم بأثر ابن عمر في التسليم بين الركعتين والركعة، ثم قال: "وكان عثمان بن عفان ﵁ يحيي الليل بركعة، هي وتره، وأوتر معاوية بواحدة، فقال ابن عباس: أصاب"، قلت: وكذلك ما ثبت عن سعد بن أبي وقاص عند البخاري، وتقدم ذلك كله في محله [الخلافيات (٣/ ٢٥٢٩/٣٢٦)، المعرفة (٤/ ٥٣ - ط قلعجي)].
• وقال محمد بن نصر المروزي في قيام الليل (١٢٧ - مختصره): "فالذي نختار لمن صلى بالليل: أن يصلي مثنى مثنى، يسلم بين كل ركعتين، ويجعل آخر صلاته ركعة لهذه الأحاديث، هذا عندنا اختيار لا إيجاب، لأنه قد روي أنه صلى بالليل خمساً لم يسلم إلا في آخرهن، فاستدللنا بذلك على أن قوله: "الصلاة مثنى مثنى"، إنما هو اختيار، ومن أحب أن يصلي ثلاثًا أو خمساً أو سبعاً أو تسعأ، لا يسلم إلا في آخرهن، فذلك له مباح، والاختيار أن يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة".
• وقال محمد بن نصر أيضًا في كتاب الوتر (٢٨٤ - مختصره): "فالذي نختاره لمن صلى بالليل في رمضان وغيره: أن يسلم بين كل ركعتين، حتى إذا أراد أن يوتر صلى ثلاث ركعات، يقرأ في الركعة الأولى بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ " وفي الثانية بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾، ويتشهد في الثانية ويسلم، ثم يقوم فيصلي ركعة يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ والمعوذتين.
وقد روي عن النبي ﷺ أنه أوتر بسبع، لم يجلس إلا في السادسة والسابعة، ولم يسلم إلا في آخرهن.
وقد روي عنه أنه أوتر بتسع لم يجلس إلا في الثامنة والتاسعة.
وكلُّ ذلك جائزٌ أن يعمل به اقتداء به ﷺ أن الاختيار ما ذكرنا، لأن النبي ﷺ لما سئل عن صلاة الليل أجاب بأن صلاة الليل مثنى مثنى، فاخترنا ما اختار هو لأمته، وأجزنا فعل من اقتدى به ففعل مثل فعله؛ إذ لم يُرو عنه نهيٌ عن ذلك، بل قد روي عنه أنه قال: "من شاء فليوتر بخمس، ومن شاء فليوتر بثلاث، ومن شاء فليوتر بواحدة".
غير أن الأخبار التي رويت عنه ﷺ أنه أوتر بواحدة هي أثبت وأصح وكثر عند أهل العلم بالأخبار، واختياره ﷺ حين سئل كان كذلك، فلذلك اخترنا الوتر بركعة على ما فسرنا، واخترنا [كذا، ولعل الصواب: وأجزنا، العمل بالأخبار الأخر، لأنها أخبار حسان غير مدفوعة عند أهل العلم بالأخبار".
стр. 8307
وهذا كما قال ابن الصلاح في شرح مشكل الوسيط (٢/ ٢٢٢): "والفصل في الثلاث وما وراءها من الأعداد أقوى إسنادًا وأثبت، ومن أدلته: حديث ابن عمر ﵄ المتفق على صحته، قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا رأيت الصبح يدركك فأوتر بواحدة"، ومنها: حديث الزهري عن عروة عن عائشة، أن رسول الله ﷺ كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة يسلم من كل ركعتين ويوتر بواحدة، أخرجه مسلم في صحيحه، والله أعلم".
وقال ابن نصر أيضًا (٢٩١ - مختصر الوتر): "فالعمل عندنا بهذه الأخبار كلها جائز، وإنما اختلفت لأن الصلاة بالليل تطوع، الوتر وغير الوتر، فكان النبي ﷺ تختلف صلاته بالليل ووتره على ما ذكرنا، يصلي أحياناً هكذا وأحيانًا هكذا، فكل ذلك جائز حسن، فأما الوتر بثلاث ركعات: فإنا لم نجد عن النبي ﷺ خبراً ثابتاً مفسرًا أنه أوتر بثلاث لم يسلم إلا في آخرهن، كلما وجدنا في الخمس والسبع والتسع، غير أنا وجدنا عنه أخباراً أنه أوتر بثلاث لا ذكر للتسليم فيها".
وقال أيضًا (٢٩٥ - مختصر الوتر): "فالأمر عندنا أن الوتر: بواحدة، وبثلاث، وبخمس، وسبع، وتسع، كل ذلك جائز حسن، على ما روينا من الأخبار عن النبي ﷺ وأصحابه من بعده، والذي نختار ما وصفنا من قبل، قال: "فإن صلى رجل العشاء الآخرة، ثم أراد أن يوتر بعدها بركعة واحدة لا يصلي قبلها شيئًا، فالذي نختاره له ونستحبه أن يقدم قبلها ركعتين أو أكثر، ثم يوتر بواحدة، فإن هو لم يفعل وأوتر بواحدة جاز ذلك".
وقد أطال ابن نصر في الرد على أبي حنيفة وأصحابه في مسائل الوتر، وأسهب في الرد في آخر كتاب الوتر (٢٩٦ - مختصره)، وكان في أول ما قال: "وزعم النعمان أن الوتر بثلاث ركعات، لا يجوز أن يزاد على ذلك ولا ينقص منه، فمن أوتر بواحدة فوتره فاسد، والواجب عليه أن يعيد الوتر فيوتر بثلاث لا يسلم إلا في آخرهن، فإن سلم في الركعتين بطل وتره، وزعم أنه ليس للمسافر أن يوتر على دابته، لأن الوتر عنده فريضة، وزعم أنه من نسي الوتر فذكره في صلاة الغداة بطلت صلاته، وعليه أن يخرج منها فيوتر، ثم يستانف الصلاة، وقوله هذا خلاف للأخبار الثابتة عن رسول الله ﷺ وأصحابه، وخلاف لما أجمع عليه أهل العلم، وإنما أتي من قلة معرفته بالأخبار، وقلة مجالسته للعلماء"، … إلى آخر ما قال.
وقال ابن خزيمة في الصحيح (٢/ ١٩٣): "نأخذ بالأخبار كلها التي أخرجناها في كتاب الكبير، في عدد صلاة النبي ﷺ بالليل، واختلاف الرواة في عددها كاختلافهم في هذه الأخبار التي ذكرتها في هذا الكتاب، قد كان النبي ﷺ يصلي في بعض الليالي أكثر مما يصلي في بعض، فكل من أخبر من أصحاب النبي ﷺ ، أو من أزواجه، أو غيرهن من النساء، أن النبي ﷺ صلى من الليل عدداً من الصلاة، أو صلى بصفةٍ، فقد صلى النبي ﷺ
стр. 8308
تلك الصلاة في بعض الليالي، بذلك العدد، وبتلك الصفة، وهذا الاختلاف من جنس المباح، فجائز للمرء أن يصلي أيَّ عددٍ أحبَّ من الصلاة مما روي عن النبى ﷺ أنه صلاهنَّ، وعلى الصفة التي رويت عن النبي ﷺ أنه صلاها، لا حظر على أحد في شي منها".
وحكاه ابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٥٩) باختصار وشيء من التصرف مقراً به، ثم بوب بعد ذلك (٥/ ١٧٥) على الوتر بواحدة، وبخمس متصلة بسلام واحد، وبسبع وتسع مع بيان صفة الجلوس، واحتج في ذلك بحديث هشام بن عروة، وبحديث سعد بن هشام.
ثم صرح بثبوت ذلك، فقال في الأوسط (٥/ ١٨٧): "وقد ثبت أن رسول الله ﷺ أوتر بخمس لم يجلس إلا في آخرهن، وأوتر بسبع، وثبت أنه أوتر بتسع لا يقعد فيهن إلا عند الثامنة، ثم قعد في التاسعة، فبأي فعلٍ مما جاء به الحديث من أفعال رسول الله ﷺ في الوتر فعله رجل فقد أصاب السُّنَّة، غير أن الأكثر من الأخبار والأعم منها أنه سئل عن صلاة الليل، فقال: "مثنى مثنى، فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة"، … " [وانظر أيضًا: الأوسط (٥/ ١٨٥)].
وقال البيهقي في المعرفة (٢/ ٣١٧): " … ، ونحن نقول به، ونجيز الوتر على هذه الأوجه، وعلى كل وجه صح الخبر به عن سيدنا المصطفى ﷺ ، لا ندع منها شيئًا بحالٍ بحمد الله ومنِّه وحسن توفيقه".
وقال أيضًا (٢/ ٣١٨): "هذا هو الطريق عند أهل العلم في أحاديث الثقات أن يؤخذ بجميعها إذا أمكن الأخذ به.
ووتر النبي ﷺ لم يكن في عمره مرة واحدة، حتى إذا اختلفت الروايات في كيفيتها كانت متضادة، والأشبه أنه كان يفعلها على ممر الأوقات على الوجوه التي رواها هؤلاء الثقات، فنأخذ بالجميع كما قال الشافعي -رحمة الله-، ونختار ما وصفنا في رواية الزهري عن عروة عن عائشة، لفضل حفظ الزهري على حفظ غيره، ولموافقته رواية القاسم بن محمد عن عائشة، ورواية الجمهور عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، عن النبي ﷺ .
وبهذا النوع من الترجيح ترك البخاري رواية هشام بن عروة في الوتر، ورواية سعد بن هشام عن عائشة في الوتر، فلم يخرج واحدة منهما في الصحيح مع كونهما من شرطه في سائر الروايات"، ثم أسند إلى ابن معين قوله: "الزهري أثبت في عروة من هشام بن عروة في عروة"، ثم قال: "وعلى هذا سائر أهل العلم بالحديث، فأما من زعم أن رواية عروة في هذا قد اضطربت، فأدعها، وأرجع إلى رواية من رواها مطلقة ليس فيها من التفسير ما في رواية عروة، ليمكنني تصحيحها على مذهبي، أو إلى رواية من لعله لم يدخل على عائشة إلا مرة واحدة، ولم يسمع منها وراء الحجاب إلا مرة، فإنه لا ينظر في استعمال الأخبار لدينه، ولا يحتاط فيها لنفسه، والله يوفقنا لمتابعة السُّنَّة، وترك الهوى برحمته" [وانظر: الخلافيات (٣/ ٣٣١)].
стр. 8309
وقال القرطبي في المفهم (٢/ ٣٦٧): "قد أشكلت هذه الأحاديث على كثير من العلماء حتى إن بعضهم نسبوا حديث عائشة في صلاة الليل إلى الاضطراب.
وهذا إنما كان يصح لو كان الراوي عنها واحدًا أو أخبرت عن وقتٍ واحدٍ، والصحيح أن كل ما ذكرته صحيح من فعل النبي ﷺ في أوقات متعددة، وأحوال مختلفة، حسب النشاط والتيسير، ولتبيين أن كل ذلك جائز".
وقال ابن القيم في إعلام الموقعين (٣/ ١٠): "المثال الثالث والسبعون: ردُّ السُّنَّة الصحيحة الصريحة المحكمة في الوتر بخمس متصلة وسبع متصلة، كحديث أم سلمة: كان رسول الله ﷺ يوتر بسبع وبخمس لا يفصل بينهن بسلام ولا كلام، رواه الإمام أحمد، وكقول عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمس، لا يجلس إلا في آخرهن، متفق عليه [قلت: انفرد به مسلم]، وكحديث عائشة ﵂، أنه ﷺ كان يصلي من الليل تسع ركعات، لا يجلس فيها إلا في الثامنة، … "، فذكر الحديث، ثم قال: "وكلها أحاديث صحاح صريحة لا معارض لها، فردت هذه بقوله ﷺ : "صلاة الليل مثنى مثنى" وهو حديث صحيح، ولكن الذي قاله هو الذي أوتر بالتسع والسبع والخمس، وسننه كلُّها حقٌّ يصدِّق بعضها بعضاً، فالنبي ﷺ أجاب السائل له عن صلاة الليل بأنها مثنى مثنى، ولم يسأله عن الوتر، وأما السبع والخمس والتسع والواحدة فهي صلاة الوتر، والوتر اسم للواحدة المنفصلة مما قبلها، وللخمس والسبع والتسع المتصلة، كالمغرب اسم للثلاث المتصلة، فإن انفصلت الخمس والسبع والتسع بسلامين كالإحدى عشرة كان الوتر اسماً للركعة المفصولة وحدها، كما قال النبي ﷺ : "صلاة الليل مثنى [مثنى]، فإذا خشي الصبح أوتر بواحدة توتر له ما صلى"، فاتفق فعله ﷺ وقوله، وصدَّق بعضه بعضاً، وكذلك يكون ليس إلا، وإن حصل تناقض فلا بد من أحد أمرين، إما أن يكون أحد الحديثين ناسخاً للآخر، أو ليس من كلام رسول الله ﷺ ، فإن كان الحديثان من كلامه وليس أحدهما منسوخاً فلا تناقض ولا تضاد هناك البتة، وإنما يؤتى من يؤتى هناك من قِبَل فهمه وتحكيمه آراء الرجال وقواعد المذهب على السُّنَّة، فيقع الاضطراب والتناقض والاختلاف، والله المستعان".
* قلت: فالكل صحيح من فعل النبي ﷺ في أوقات متعددة، وأحوال مختلفة، حسب النشاط والتيسير، ولتبيين أن كل ذلك جائز، والله أعلم.
* وأختم بما صح عن أبي موسى الأشعري، وسعد بن أبي وقاص، وأبي أيوب، في التوسعة في عدد الوتر:
* فقد روى شعبة بن الحجاج، وحماد بن سلمة:
قال شعبة: حدثني أبو نعامة [السعدي: ثقة]، عن أبي تميمة، قال: كان أبو موسى إذا صلى بنا الغداة يمر بنا، فأتى عليَّ، فسأله رجل إلى جنبي عن الوتر، قال: ثلاث أحب إليَّ من واحدة، وخمس أحب إليَّ من ثلاث، وسبع أحب إليَّ من خمس.
стр. 8310
أخرجه مسدد في مسنده (٤/ ٥٣٣/ ٦٣٩ - مطالب)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٨٣/ ٢٦٥٧ و ٢٦٥٩).
وهذا موقوف على أبي موسى بإسناد صحيح.
وأبو تميمة طريف بن مجالد الهجيمي: تابعي من الثالثة، وهو بصري ثقة، سمع أبا موسى، قاله البخاري [التاريخ الكبير (٤/ ٣٥٥)]، وهو هنا قد صلى مع أبي موسى الفجر، وسمعه يخبر رجلًا إلى جنبه.
* وروى ابن عيينة، عن إسماعيل بن محمد بن سعد، قال: سمعت مصعب بن سعد بن أبي وقاص، يقول لسعد: إنك توتر بركعة واحدة، قال: نعم، أخفف على نفسي، ثلاث أحب إليَّ من واحدة، وخمس أحب إليَّ من ثلاث، وسبع أحب إليَّ من خمس.
أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٢٢/ ٤٦٤٧)، وابن أبي شيبة (٢/ ٨٨/ ٦٨٠٩) و (٧/ ٣١٣/ ٠٧ ٣٦٤)، والبلاذري في أنساب الأشراف (١٠/ ١٨)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٨٣/ ٢٦٥٦)، والبيهقي (٣/ ٢٥).
وهذا موقوف على سعد بإسناد صحيح.
[وانظر: ما تقدم تحت الحديث رقم (١٣٣٨)، علل ابن أبي حاتم (٤٨٩)].
* وروى الزهري، قال: أخبرني عطاء بن يزيد، أنه سمع أبا أيوب، يقول: الوتر حق على كل مسلم، فمن أحب أن يوتر بخمس ركعات فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل، ومن لم يستطع إلا أن يومئ إيماءً فليفعل.
وفي رواية: من شاء أوتر بسبع، ومن شاء أوتر بخمس، ومن شاء أوتر بثلاث، أومن شاء أوتر بواحدة]، ومن غُلِب أومأ إيماءً.
وهذا موقوف صحيح، تقدم تخريجه مفصلًا تحت الحديث رقم (١٣٣٨).
***
٣٣٩ - باب ما يقرأ الوتر
١٤٢٣ - قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة: حدثنا أبو حفص الأبار، (ح) وحدثنا إبراهيم بن موسى: أخبرنا محمد بن أنس -وهذا لفظه-، عن الأعمش، عن طلحة وزبيد، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبي بن كعب، قال: كان رسول الله ﷺ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١] و ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ١٢]، والله الواحد الصمد.
* حديث شاذ سندًا ومتنًا
سبق تخريجه بطرقه مفصلًا: في تخريج أحاديث الذكر والدعاء (١/ ٣٥٣/ ١٧٥)، مع بيان الطرق والألفاظ الشاذة.
стр. 8311
وقد ذكرت بعض ألفاظه المحفوظة تحت الحديث السابق برقم (١٤٢٢)، الشاهد رقم (٦)، فيما روي في الوتر بثلاث، من حديث عبد الرحمن بن أبزى، وانظرها أيضًا في الحديث الآتي.
***
١٤٢٤ - . . . محمد بن سلمة: حدثنا خصيف، عن عبد العزيز بن جريج، قال: سألت عائشة أم المؤمنين، بأي شيء كان يوتر رسول الله ﷺ ، فذكر معناه، قال: وفي الثالثة ب ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، والمعوذتين.
* حديث ضعيف
تقدم تخريجه تحت الحديث السابق برقم (١٤٢٢)، الشاهد رقم (٨)، فيما روي في الوتر بثلاث، وقلت هناك: والحاصل: فإنه لا يصح عن عائشة في هذا الباب شيء، كما أنه لا يصح في ذكر المعوذتين شيء في قراءة الوتر، ولحديث عائشة هذا طرق متعددة لا يثبت منها شيء، راجعها في الموضع المذكور، والله أعلم.
* وقد جاءت أحاديث في القراءة في الوتر، صح منها:
* حديث عبد الرحمن بن أبزى:
• رواه سفيان الثوري، عن زبيد، عن ذر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ يوتر ب ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، فإذا أراد أن ينصرف، قال: "سبحان الملك القدوس" ثلاثًا، يرفع بها صوته.
• ورواه شعبة، قال: أخبرني سلمة وزبيد، عن ذر، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن عبد الرحمن، أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الوتر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، ثم يقول إذا سلم: "سبحان الملك القدوس"، ويرفع بسبحان الملك القدوس صوته بالثالثة. [النسائي (٣/ ٢٤٥/ ١٧٣٣)].
• ورواه جرير بن حازم، قال: سمعت زبيدًا، يحدث عن ذر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ يوتر- بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، وإذا سلم قال: "سبحان الملك القدوس" ثلاث مرات، يمد صوته في الثالثة، ثم يرفع. [النسائي (٣/ ٢٥٠/ ١٧٥٣)].
• ورواه محمد بن طلحة، عن زبيد، عن ذر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، أنه صلى مع النبي ﷺ الوتر فقرأ في الأولى: بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، وفي الثانية: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾، وفي الثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، فلما فرغ قال: "سبحان الملك القدوس" ثلاثًا، يمد صوته بالثالثة. [شرح المعاني (١/ ٢٩٢)].
стр. 8312
• ووقع في رواية منصور بن المعتمر، عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ يوتر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، وكان إذا سلم وفرغ قال: "سبحان الملك القدوس" ثلاثًا، طوَّل في الثالثة. [النسائي ٣١/ ٢٤٥/ ١٧٣٤)].
• ورواه شعبة، وسعيد بن أبي عروبة [في المحفوظ عنه]، وهمام بن يحيى:
عن قتادة، قال: سمعت عزرة، يحدث عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ كان يوتر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، فإذا فرغ قال:"سبحان الملك القدوس" ثلاثًا. [النسائي (٣/ ٢٤٦/ ١٧٤٠) و (٣/ ٢٥١/ ١٧٥٤)، أحمد (٣/ ٤٠٦)].
• ورواه شعبة أيضًا، عن قتادة، عن زرارة [وفي رواية: سمعت زرارة]، عن عبد الرحمن بن أبزى، عن رسول الله ﷺ ، كان يوتر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، فإذا فرغ [وفي رواية: فإذا سلم]، قال: "سبحان الملك القدوس" ثلاثًا، ويمد في الثالثة. [النسائي (٣/ ٢٤٧/ ١٧٤١)، أحمد (٣/ ٤٠٦)].
وهو حديث صحيح، وهذه الطرق صحيحة محفوظة، وقد سبق تخريجه بطرقه مفصلاً: في تخريج أحاديث الذكر والدعاء (١/ ٣٥٣/ ١٧٥)، مع بيان الطرق والألفاظ الشاذة.
و وحديث ابن عباس: يرويه أبو إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ يوتر بثلاث بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾.
وهو حديث صحيح، تقدم تخريجه تحت الحديث السابق برقم (١٤٢٢)، الشاهد رقم (٥)، فيما روي في الوتر بثلاث، وذكرت هناك له طرقًا أخرى لا تثبت.
* ومما روي في القراءة في الوتر ولا يثبت منه شيء: روي عن عمران بن حصين، وعبد الله بن أبي أوفى، وعبد الله بن سرجس، وعبد الله بن عمر، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الرحمن بن سبرة الجعفي، ومعاوية بن حيدة، وأنس بن مالك، وقد تقدم ذكرها جميعًا تحت الحديث السابق برقم (١٤٢٢).
كما روي أيضًا من حديث أبي أمامة، وتقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٣٤٠).
* قال عبد الله بن أحمد في مسائله (٣٢٠): "قلت لأبي: ما يقرأ به من القرآن في القنوت؟
قال: أعجب إليَّ أن يقرأ إذا هو أوتر في الركعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، وفي الثانية: و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾، ثم يسلم، ثم يوتر بركعة يقرأ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾.
стр. 8313
وقال أبو داود في مسائله (٤٦٥): "سمعت أحمد يقول: الوتر يعجبني أن يسلم في الركعتين، -وكذلك كان يفعل بنا إمامه في شهر رمضان-، يقرأ في الركعتين ب ﴿سَبِّحِ﴾، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾، ثم يسلم من الثنتين، ثم يقوم فيركع واحدةً، يقرأ فيها بفاتحة الكتاب و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ ".
وفي هذا إشارة إلى تسمية الثلاث المفصولة وترًا.
***
٣٤٠ - باب القنوت في الوتر
١٤٢٥ - قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد، وأحمد بن جواس الحنفي، قالا: حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن بريد بن أبي مريم، عن أبي الحوراء، قال: قال الحسن بن علي ﵄: علمني رسول الله ﷺ كلماتٍ أقولهنَّ في الوتر، -قال ابن جواس: في قنوت الوتر-: "اللَّهُمَّ اهدني فيمن هديتَ، وعافني فيمن عافيتَ، وتولني فيمن توليتَ، وبارك لي فيما أعطيتَ، وقني شرَّ ما قضيتَ، إنك تقضي ولا يُقضَى عليك، وإنه لا يذلُّ من واليتَ، ولا يعز من عاديتَ، تباركتَ ربنا وتعاليتَ".
* حديث صحيح بدون قيد الوتر، فإنه شاذ
سبق تخريجه بطرقه مفصلًا: في تخريج أحاديث الذكر والدعاء (١/ ٣٣٨/ ١٧٢).
***
١٤٢٦ - قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي: حدثنا زهير: حدثنا أبو إسحاق، بإسناده ومعناه، قال في آخره: قال: هذا يقول: في الوتر في القنوت، ولم يذكر: أقولهن في الوتر. أبو الحوراء: ربيعة بن شيبان.
* حديت صحيح بدون قيد قنوت الوتر، فإنه شاذ
سبق تخريجه بطرقه مفصلًا: في تخريج أحاديث الذكر والدعاء (١/ ٣٣٨/ ١٧٢).
وقد قلت هناك: والخلاصة: أن تقييد هذا الدعاء بالقنوت في الوتر: شاذ لا يصح، وإنما هو دعاء مطلق غير مقيد، ومما يؤيد ذلك أيضًا ما رواه الخلال عن أحمد قال: "لا يصح فيه عن النبي ﷺ شيء [يعني: في القنوت، ولكن عمر كان يقنت" [التلخيص (٢/ ٣٩)].
وقال محمد بن يحيى الكحال: "سألت أبا عبد الله عن القنوت في الوتر؟ فقال: ليس يروى فيه عن النبي ﷺ شيء، ولكن كان عمر يقنت من السنة إلى السنة" [زاد المعاد (١/ ٣٣٤)].
стр. 8314
وقال عبد الله بن أحمد في العلل ومعرفة الرجال (٣/ ١٥٤/ ٦٨٢): "حدثني أبي، قال: حدثنا يحيى القطان، قال: كان شعبة ينكر القنوت في الوتر وفي الفجر، فيما أعلم".
وقال المزني: "سألنا الشافعي: أكان رسول الله ﷺ يقنت في الوتر؟ فقال: لا يحفظ عنه قط"، قال الماوردي في الحاوي (٢/ ٢٩٢): "وحسبك بالشافعي يقول هذا، على أنه إن كان رُوي، فيجوز أن يكون في مدة الشهر، حين كان يقنت في سائر الصلوات ثم ترك".
وقال ابن خزيمة (٢/ ١٥٣) في حديث الحسن بن علي: "ولست أعلمه ثابتًا".
وقال أيضًا (٢/ ١٥٠): "ولست أحفظ خبرًا ثابتًا عن النبي ﷺ في القنوت في الوتر".
وقال ابن المنذر في الأوسط (٥/ ٢١٥): "تكلم في حديث بريد بن أبي مريم بعض أصحابنا، فذكر أن ذكر قنوت الوتر: لا يصح، قال: لأن شعبة روى هذا الحديث فلم يذكر الوتر".
وقال ابن حبان في وصف الصلاة بالسُّنَّة عن زيادة قنوت الوتر في حديث الحسن بن علي: "وهذه اللفظة ليست بمحفوظة" [البدر المنير (٣/ ٦٣٤)].
وقال ابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ٧٧): "لا يصح عن النبي ﷺ في القنوت في الوتر حديث مسند".
وقال ابن أبي العز الحنفي في التنبيه على مشكلات الهداية (٢/ ٦٥٣): "لم يثبت أنه ﵊ كان يقنت في الوتر، وإنما ثبت عنه أنه قنت في الفجر في وقت يدعو على أحياء من المشركين".
***
١٤٢٧ - . . . حماد، عن هشام بن عمرو الفزاري، عن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن علي بن أبي طالب ﵁، أن رسول الله ﷺ كان يقول في آخر وتره: "اللَّهُمَّ إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك أنتَ كما أثنيتَ على نفسك".
قال أبو داود: هشامٌ أقدمُ شيخٍ لحماد، وبلغني عن يحيى بن معين، أنه قال: لم يروِ عنه غيرُ حماد بن سلمة.
* حديث صحيح غريب
سبق تخريجه في تخريج أحاديث الذكر والدعاء (١/ ٣٤٦/ ١٧٣).
***
قال أبو داود: روى عيسى بن يونس، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبي بن كعب، أن رسول الله ﷺ قنت، يعني: في الوتر قبل الركوع.
стр. 8315
قال أبو داود: وروى عيسى بن يونس هذا الحديث أيضًا، عن فطر بن خليفة، عن زبيد، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبي بن كعب، عن النبي ﷺ مثله.
ورُوي عن حفص بن غياث، عن مسعر، عن زبيد، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبي بن كعب، أن رسول الله ﷺ قنت في الوتر قبل الركوع.
قال أبو داود: وحديث سعيد عن قتادة: رواه يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن النبي ﷺ ؛ لم يذكر القنوت، ولا ذكر أُبياً.
وكذلك رواه عبد الأعلى، ومحمد بن بشر العبدي، وسماعه بالكوفة مع عيسى بن يونس، ولم يذكروا القنوت.
وقد رواه أيضًا هشام الدستوائي وشعبة، عن قتادة، ولم يذكرا القنوت.
وحديث زبيد: رواه سليمان الأعمش، وشعبة، وعبد الملك بن أبي سليمان، وجرير بن حازم، كلهم عن زبيد، لم يذكر أحد منهم القنوت، إلا ما روي عن حفص بن غياث، عن مسعر، عن زبيد، فإنه قال في حديثه: إنه قنت قبل الركوع.
قال أبو داود: وليس هو بالمشهور من حديث حفص؛ نخاف أن يكون عن حفص عن غير مسعر.
قال أبو داود: ويُروى أن أُبيًا، كان يقنت في النصف من شهر رمضان.
* سبق تخريج هذه الطرق، وبيان من وصلها في تخريج أحاليث الذكر والدعاء (١/ ٣٥٣/ ١٧٥)، مع بيان الطرق والألفاظ الشاذة
وقد ذكرت بعض ألفاظه المحفوظة تحت الحديث السابق برقم (١٤٢٢)، الشاهد رقم (٦)، فيما روي في الوتر بثلاث، من حديث عبد الرحمن بن أبزى.
* وقد روي موضع الشاهد في القنوت في الوتر قبل الركوع، من حديث ابن مسعود، ومن حديث ابن عباس، ومن حديث الحسن بن علي، ولا يثبت منها شيء، فهي أحاديث منكرة أو شاذة، تقدم تخريجها في الموضع المذكور في تخريج أحاديث الذكر. والدعاء (١/ ٣٦٢/ ١٧٥).
وسيأتي تخريج حديث ابن مسعود موسعاً تحت الحديث رقم (١٤٢٩).
وأما حديث ابن عباس: فهو حديث منكر، تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٣٥٤)، من طريق: عطاء بن مسلم الحلبي: ثنا العلاء بن المسيب، عن حبيب بن
стр. 8316
أبي ثابت، عن ابن عباس ﵄، قال: أهدى رسول الله ﷺ إلى أبي بكارة فاستصغرها، … فذكر الحديث بطوله، ومنهم من رواه مختصرًا مقتصراً منه على موضع الشاهد، وهو:
أوتر رسول الله ﷺ بثلاث، قنت فيها قبل الركوع.
أخرجه بهذا اللفظ: أبو نعيم في الحلية (٥/ ٦٢)، والبيهقي في السنن (٣/ ٤١)، وفي الخلافيات (٣/ ٣٥١/ ٢٥٦٣).
قال أبو نعيم: "غريب من حديث حبيب والعلاء، تفرد به عطاء".
وقال البيهقي: "وهذا ينفرد به عطاء بن مسلم، وهو: ضعيف".
* وكلام أبي داود هنا يدل على إعلال هذه الطرق المشتملة على ذكر أبىِّ في الإسناد، وأيضاً التي اشتملت على زيادة القنوت، وإنما يصح من حديث عبد الرحمن بن أبزى، وبدون ذكر القنوت فيه، وأيضًا بدون قيد: لم لا يسلم إلا في آخرهن.
وقد صرح أبو داود بضعف حديث أُبي هذا في قنوت الوتر بعد حديث واحد [الحديث رقم (١٤٢٩)].
قال بعد حديث أبي: "وهذا يدل على أن الذي ذُكِرَ في القنوت ليس بشيء، وهذان الحديثان يدلانِ على ضعف حديث أُبي: أن النبي ﷺ قنت في الوتر".
* كذلك فإن الإمام أحمد كان يرى ضعف زيادة القنوت وتعيين موضعه في هذا الحديث، وأنه قبل الركوع:
* قال عبد الله في مسائله (٣٢٣): "قال أبي: وقد روي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قنت في الوتر بعد الركوع. ولم يصح عن النبي ﷺ في قنوت الوتر قبل أو بعد شيء". [وانظر هذا النقل عند: أبي طاهر المخلص في الحادي عشر من فوائده بانتقاء ابن أبى الفوارس (٢٣٨) (٢٧٤٢ - المخلصيات)].
وقال عبد الله أيضًا (٣٤٤): "سألت أبي عن القنوت في الوتر؟ فقال: إن شاء قنت، وأختار أن يقنت بعد الركوع". [وانظر هذا النقل عند: أبي طاهر المخلص في الحادي عشر من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (٢٣٨) (٢٧٤٢ - المخلصيات)].
وقال ابن حجر فى التلخيص الحبير (٢/ ٣٩): "ورواه البيهقى من حديث أبي بن كعب وابن مسعود وابن عباس، وضعفها كلها، وسبق إلى ذلك: ابن حنبل وابن خزيمة وابن المنذر، قال الخلال عن أحمد: لا يصح فيه عن النبي ﷺ شيء، ولكن عمر كان يقنت".
وانظر أيضًا: مسائل عبد الله (٣٢٣ و ٣٢٤)، مسائل صالح (٧٧٦)، سؤالات الأثرم (١٣ و ١٥ و ١٩)، مسائل أبي داود (٢٧٤ و ٤٨٤)، مسائل ابن هانئ (٤٩٩)، زاد المسافر (٦٩٢)، المغني (٢/ ٥٨٢)، زاد المعاد (١/ ٢٨٠ - ٢٨١).
وكلام ابن معين في التاريخ يشير إلى ضعف هذه الزيادة عنده، بل إلى عدم ثبوت
стр. 8317
خبر صحيح عنده في قنوت الوتر؛ قال عباس الدوري: "سألت يحيى عن وتره، فقال: أنا أوتر كل ليلة بثلاث أقرأ فيها بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، ولا أقنت إلا في النصف الأخير من رمضان، فإذا قنتُّ في النصف رفعت يدي" [تاريخ ابن معين للدوري (٤/ ٢٢٤/ ٤٠٨٠)].
وقال المزني: "سألنا الشافعي: أكان رسول الله ﷺ يقنت في الوتر، فقال: لا يحفظ عنه قط"، قال الماوردي في الحاوي (٢/ ٢٩٢): "وحسبك بالشافعي يقول هذا، على أنه إن كان رُوي، فيجوز أن يكون في مدة الشهر، حين كان يقنت في سائر الصلوات ثم ترك".
وقال النسائي في الكبرى (٢/ ١٦٧/ ١٤٣٦): "وقد روى هذا الحديث غير واحد عن زبيد، فلم يذكر أحد منهم فيه: ويقنت قبل الركوع".
وقال في المجتبى (٣/ ٢٥٠/ ١٧٥٢): "أبو نعيم أثبت عندنا من محمد بن عبيد، ومن قاسم بن يزيد، وأثبت أصحاب سفيان عندنا -والله أعلم-: يحيى بن سعيد القطان، ثم عبد الله بن المبارك، ثم وكيع بن الجراح، ثم عبد الرحمن بن مهدي، ثم أبو نعيم، ثم الأسود، في هذا الحديث، ورواه جرير بن حازم عن زبيد، فقال: يمد صوته في الثالثة ويرفع".
وقال ابن خزيمة (٢/ ١٥٠): "ولست أحفظ خبرًا ثابتاً عن النبي ﷺ في القنوت في الوتر".
وقال الدارقطني في الثالث من الأفراد (٦): "هذا حديث غريب من حديث أبي بكر فطر بن خليفة الحناط عن زبيد بن الحارث اليامي بهذا الإسناد عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ ، تفرد به: عيسى بن يونس عنه، وذكر فيه القنوت قبل الركوع، وأتى به بتمامه".
وقال البيهقي في الخلافيات (٣/ ٣٤٧/ ٢٥٥٨) بعد حديث مخلد بن يزيد عن الثوري: "قال أبو علي [يعني: الحافظ]: لم يسنده غير مخلد إن كان حفظه، وروى وكيع وابن المبارك وأبو نعيم وغيرهم، عن الثوري، عن زبيد، عن ذر، عن سعيد بن عبد الرحمن، عن أبيه، لم يذكروا أبي بن كعب"، ثم قال البيهقي: "ولم يذكروا أيضًا القنوت قبل الركوع".
ثم أسند حديث عيسى بن يونس عن سعيد بن أبي عروبة (٢٥٥٩)، ثم حديث فطر بن خليفة عن زبيد (٢٥٦٠)، ثم حديث أبي حاتم الرازي، عن عمر بن حفص بن غياث، عن أبيه، عن مسعر، عن زبيد (٢٥٦١)، وكلها تشتمل على زيادات غير محفوظة، ثم قال البيهقي: "قال أبو علي الحافظ: كلاهما وهمٌ [يعني: حديث فطر ومسعر]، وزبيد إنما سمعه من ذر بن عبد الله، عن سعيد بن عبد الرحمن، عن أبيه، دون ذكر أبي بن كعب في إسناده"، ثم قال البيهقي: "ودون ذكر القنوت فيه. وحديث عيسى بن يونس عن سعيد بن
стр. 8318
أبي عروبة وهمٌ، رواه شعبة وغيره عن قتادة دون ذكر أبي فيه، ودون ذكر القنوت "، ثم أسند كلام أبي داود في تضعيف هذا الحديث.
وقال ابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ٧٧): "لا يصح عن النبي ﷺ في القنوت في الوتر حديث مسند".
وقال ابن أبي العز الحنفي في التنبيه على مشكلات الهداية (٢/ ٦٥٣): "لم يثبت أنه ﵊ كان يقنت في الوتر، وإنما ثبت عنه أنه قنت في الفجر في وقت يدعو على أحياء من المشركين".
وقال ابن الملقن في البدر المنير (٤/ ٣٣٠): "هو حديث ضعيف، ضعفه أبو داود في سننه فأطنب، وابن المنذر وابن خزيمة وغيرهما من الأئمة، كما نقله النووي في شرح المهذب، ولا عبرة بذكر ابن السكن له في سننه الصحاح المأثورة.
ورواه البيهقي في سننه -أعني: القنوت في الوتر- من غير رواية أبي، من رواية ابن مسعود وابن عباس مرفوعًا، وضعفها كلها، وبين سبب ضعفها.
وقال الشيخ أبو إسحاق في مهذبه: هذا حديث غير ثابت عند أهل النقل.
وقال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله: أختار القنوت بعد الركوع، لأن كل شيء يثبت عن النبي ﷺ في القنوت إنما هو بعد الركوع، فلم يصح عن النبي ﷺ في قنوت الوتر قبل أو بعد شيء.
وقال أيضًا فيما رواه الخلال عنه، أنه سئل عن القنوت في الوتر، فقال: ليس يروى فيه عن النبي ﷺ شيء، ولكن عمر كان يقنت السنة إلى السنة".
* فإن قيل: فما تقول في حديث البراء بن عازب:
والذي رواه العلاء بن صالح: ثنا زبيد، جمن عبد الرحمن بن أبي ليلى، أنه سأله عن القنوت في الوتر، فقال: حدثنا البراء، قال: سُنةٌ ماضيةٌ.
أخرجه ابن خزيمة (٢/ ١٥٣/ ١٠٩٧)، وأبو العباس السراج في مسنده (١٣٣٣)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (١٢٨٥)، والدارقطني في الأفراد (١/ ٢٧١/ ١٤٠٦ - أطرافه). [الإتحاف (٢/ ٤٨٣/ ٢٠٩٦)، المسند المصنف (٤/ ٧٤/ ١٩٣٩)].
فيقال: هو حديث منكر؛ تفرد به: العلاء بن صالح الكوفي، وهو: لا بأس به، وقال ابن المديني: "روى أحاديث مناكير، [التهذيب (٣/ ٣٤٤)، الميزان (٣/ ١٠١)]، وهذا الحديث من مناكيره، حيث خالف فيه الحفاظ، والذين رووه بلفظ: القنوت في الفجر، ويأتي الكلام عليه مفصلاً في موضعه قريباً برقم (١٤٤١)، وأذكر هناك كلام النقاد عليه، إن شاء الله تعالى.
• وانظر فيما لا يثبت أيضًا من حديث أنس: العلل ومعرفة الرجال رواية المروذي وغيره (٤٦٨) [ويأتي تخريجه تحت الحديث رقم (١٤٤٦)].
***
стр. 8319
١٤٢٨ - قال أبو داود: حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل: حدثنا محمد بن بكر: أخبرنا هشام، عن محمد، عن بعض أصحابه، أن أبي بن كعب أَمَّهم، يعني: في رمضان، وكان يقنت في النصف الآخِر من رمضان.
* إسناده ضعيف؛ لأجل المبهم، والقصة صحيحة مشهورة
أخرجه من طريق أبي داود: البيهقي في السنن (٢/ ٤٩٨)، وفي المعرفة (٤/ ٤٥/ ٥٤٢٤ - ط قلعجي)، وفي الخلافيات (٣/ ٣٣٧/ ٢٥٤٤). [التحفة (١/ ١٥٣/ ٧٩)].
وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات مشاهير سوى بعض أصحاب ابن سيرين، لا يُعلم من هم، هشام هو: ابن حسان، وهو: ثقة، من أثبت الناس في ابن سيرين، ومحمد هو: ابن سيرين، تابعي ثقة، مات سنة (١١٠).
• وروى معمر، عن الزهري، وعن أيوب، عن ابن سيرين، أن أبي بن كعب قنت في الوتر بعد الركوع.
أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١٢٠/ ٤٩٩٠).
وهذا منقطع، رجاله ثقات، معمر بن راشد: من أثبت الناس في الزهري؛ وُيضعَّف حديثه عن أيوب السختياني، والله أعلم.
* وقال الزهري: إن أبي بن كعب كان يقنت في النصف الآخر من رمضان بعد الركوع.
أخرجه عبد الرزاق (٤/ ٢٦٠/ ٧٧٢٩).
وهذا منقطع.
وهذه قصة صحيحة مشهورة، لها إسناد صحيح يأتي ذكره تحت الحديث الآتي.
***
١٤٢٩ - قال أبو داود: حدثنا شجاع بن مخلد: حدثنا هشيم: أخبرنا يونس بن عبيد، عن الحسن، أن عمر بن الخطاب جمع الناس على أبي بن كعب فكان يصلي لهم عشرين ليلةً، ولا يقنت بهم إلا في النصف الباقي، فإذا كانت العشرُ الأواخرُ تخلَّف فصلى في بيته، فكانوا يقولون أَبَقَ أُبيٌّ.
قال أبو داود: وهذا يدل على أن الذي ذُكِرَ في القنوت ليس بشيء، وهذان الحديثان يدلانِ على ضعف حديث أُبي: أن النبي ﷺ قنت في الوتر.
* هذا إسناد صحيح إلى الحسن البصري؛ إلا أن الحسن لم يدرك عمر، ولم يسمع من أبي بن كعب
تقدم تخريجه تحت الحديث السابق برقم (١٣٧٧)، وراجع طرقه هناك.
стр. 8320
• ورواه ابن جرير الطبري، قال: حدثنا حميد بن مسعدة، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا يونس، عن الحسن، قال: أمر عمرُ أبىَّ بنَ كعب يصلي بالناس فكان إذا مضى النصف الأول واستقبلوا النصف الآخر ليلة ست عشرة قنتوا فدعوا على الكفرة. علقه ابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ٧٧).
وهذا إسناد صحيح إلى الحسن البصري؛ إلا أن الحسن لم يدرك عمر، ولم يسمع من أبي بن كعب.
• وروى محمد بن بشر العبدي [ثقة ثبت، سماعه من ابن أبي عروبة: صحيح جيد. انظر: شرح علل الترمذي (٢/ ٧٤٣)، وفيه: "قال أحمد: سماع محمد بن بشر وعبدة منه جيد". التقييد والإيضاح (٤٢٩)، وفيه: "قال أبو عبيد الآجري: سألت أبا داود عن سماع محمد بن بشر من سعيد بن أبي عروبة؟ فقال: هو أحفظ من كان بالكوفة"]، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، أن أبياً أمَّ الناس في خلافة عمر فصلى بهم النصف من رمضان، لا يقنت، فلما مضى النصف قنت بعد الركوع، فلما دخلت العشر أبق، وخلى عنهم، فصلى بهم العشر معاذ القاري في خلافة عمر.
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٩٩/ ٦٩٣٥) (٤/ ٥٢١/ ٧١١٥ - ط الشثري)، ومن طريقه: ابن المنذر في الأوسط (٥/ ٢٠٦/ ٢٧١١) [وتصحفت عنده: سعيد إلى: شعبة].
وهذا إسناد صحيح إلى الحسن البصري؛ إلا أن الحسن لم يسمع من أبي بن كعب.
قلت: هذا هو الصحيح في هذه القصة عن الحسن البصري، حيث رواها عنه من ثقات أصحابه ومتثبتيهم: يونس بن عبيد [ثقة ثبت، أثبت الناس في الحسن]، وقتادة بن دعامة [ثقة ثبت، وهو ثبت في الحسن].
• وروى الحسن بن بشر [ابن سلم الكوفي: لا بأس به. الجرح والتعديل (٣/ ٣)، التهذيب (١/ ٣٨٤)، الميزان (١/ ٤٨١)]: ثنا الحكم بن عبد الملك، عن قتادة، عن الحسن، قال: أمَّنا علي بن أبي طالب في زمن عثمان بن عفان ﵁ عشرين ليلة، ثم احتبس، فقال بعضهم: قد تفرَّغ لنفسه، ثم أمَّهم أبو حليمة معاذ القاري فكان يقنت.
أخرجه البيهقي في السنن (٢/ ٤٩٨)، وفي الخلافيات (٣/ ٣٣٧/ ٢٥٤٦).
قلت: وهذا حديث منكر من حديث قتادة، ثم من حديث الحسن البصري، تفرد به عن قتادة: الحكم بن عبد الملك البصري، وقد روى الحكم هذا عن قتادة غير حديثٍ لم يتابع عليه، وهو: ضعيف، قليل الرواية عن قتادة، ينفرد عنه بما لا يتابع عليه [ضعفاء العقيلي (١/ ٢٥٧)، الجرح والتعديل (٣/ ١٢٢)، علل الحديث (١/ ٢٠٤/ ٥٨٧)، التهذيب (١/ ٤٦٦)] [وانظر في مناكيره فيما تقدم: الحديث رقم (٤٠٢) الطريق رقم (٢٢)، والحديث رقم (٦٧٥)، الشاهد الرابع]، وهو هنا قد خالف أحد أثبت أصحاب قتادة؛ سعيد بن أبي عروبة حيث رواه عن قتادة عن الحسن، وكذا رواه: يونس بن عبيد عن الحسن، أن أبيًا أمَّ الناس في خلافة عمر فصلى بهم النصف من رمضان؛ لا يقنت، فلما
стр. 8321
مضى النصف قنت بعد الركوع، فلما دخلت العشر أبق، وخلى عنهم، فصلى بهم العشر معاذ القاري في خلافة عمر.
• وروي عن الحسن من وجه آخر ساقط [أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٩٩/ ٦٩٤١)].
* وروى معمر بن راشد، وشعيب بن أبي حمزة، وعقيل بن خالد، ويونس بن يزيد، وإسماعيل بن أبي خالد:
عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاري -وكان يعمل لعمر مع عبد الله بن الأرقم على بيت المال-، قال: فخرج عمر ليلةً، ومعه عبد الرحمن بن عوف [في رواية شعيب ويونس أن الذي كان معه: عبد الرحمن بن عبدٍ القاري]، وذلك في رمضان، والناس أوزاعٌ متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته النفر [الرهط]، فقال عمر بن الخطاب: إني لأظن أن لو جمعنا هؤلاء على قارئ واحد كان أفضل، فعزم أن يجمعهم على قارئ واحد، فأمر أُبىَّ بن كعب فأمَّهم، فخرج ليلةً والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال: نعم البدعة هذه، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون، يريد: آخر الليل، وكانوا يقومون في أول الليل.
وزاد في رواية يونس [عند ابن خزيمة]: وكانوا يلعنون الكفرة في النصف: اللَّهُمَّ قاتل الكفرة، الذين يصدون عن سبيلك، ويكذبون رسلك، ولا يؤمنون بوعدك، وخالف بين كلمتهم، وألق في قلوبهم الرعب، وألق عليهم رجزك وعذابك، إله الحق، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ويدعو للمسلمين بما استطاع من خير، ثم يستغفر للمؤمنين.
قال: وكان يقول إذا فرغ من لعنة الكفرة، وصلاته على النبي ﷺ ، واستغفاره للمؤمنين والمؤمنات، ومسألته: اللَّهُمَّ إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، ونرجو رحمتك ربنا، ونخاف عذابك الجد، إن عذابك لمن عاديت ملحق، ثم يكبر ويهوي ساجداً.
أخرجه ابن خزيمة (٢/ ١٥٥/ ١١٠٠)، وابن وهب في الجامع (٣٠٤)، وعبد الرزاق (٤/ ٢٥٩/ ٧٧٢٣)، وجعفر الفريابي في الصيام (١٦٦)، ومحمد بن مخلد العطار في فوائده (٥)، والبيهقي في السنن (٢/ ٤٩٣)، وفي المعرفة (٢/ ٣٠٤/ ١٣٦٤)، والخطيب في تاريخ بغداد (٨/ ٥٨٧). [الإتحاف (١٢/ ٣٠٦/ ١٥٦٤٥)].
وهذا صحيح عن عمر، وأبي بن كعب [تقدم تخريجه تحت الحديث السابق برقم (١٣٧٧)].
قال ابن خزيمة: "وأعلى خبر يحفظ في القنوت في الوتر: عن أبي بن كعب في عهد عمر بن الخطاب موقوفًا، أنهم كانوا يقنتون بعد النصف، يعني: من رمضان".
* وقنوت عمر في صلاة الفجر بسورتي الحفد والخلع: ثابت من وجوه متعددة [راجع: تخريج أحاديث الذكر والدعاء (١/ ٣٤٧/ ١٧٤)، تهذيب الآثار لابن جرير الطبري (٥٨٣ - ٦١٦ - مسند ابن عباس)].
стр. 8322
• وروى سفيان بن عيينة، عن أبان بن أبي عياش، عن أنس بن مالك ﵁، قال: لما دخلت العشر قنت إمامنا أبي بن كعب ﵁، وكان يصلي بالرجال.
ولا أعلم إلا أن في حديث أبان عن أنس ﵁: أن أبيًا لم يقنت حتى مضى النصف الأول من شهر رمضان، قال سفيان: قد ثبت ذلك عندنا، قال ابن أبي عمر [العدني، راويه عن ابن عيينة]: وكذلك كان العمل بمكة.
أخرجه الفاكهي في أخبار مكة (٢/ ١٤٨/ ١٣٤٥).
قلت: أبان بن أبي عياش: متروك، لكن قال سفيان: قد ثبت ذلك عندنا، يعني: أن أبيًا لم يقنت حتى مضى النصف الأول من شهر رمضان.
وهذا من قرائن ثبوت ذلك عن أبي بن كعب، وشهرته عند أهل العلم، فضلًا عن كونه مما جرى به العمل عند أهل مكة.
قال الفاكهي (١٣٤٤): وحدثنا محمد بن أبي عمر، قال: إنه أدرك أهل مكة لا يقنتون إلا في النصف الثاني من شهر رمضان في الوتر، وقال غيره من أهل مكة: كانوا يسلمون فيما مضى في ركعتي الوتر.
* وصح عن عطاء أنه قال: عمر أول من قنت في رمضان في النصف الآخر من رمضان بين الركعة والسجدة.
أخرجه عبد الرزاق (٤/ ٢٦٠/ ٧٧٢٨)، وابن أبي شيبة (٢/ ٩٨/ ٦٩٣٦).
وهو منقطع، عطاء بن أبي رباح: لم يدرك عمر، ويمكن حمله على أن عمر هو أول من أمر به، فصلى بهم أبي، ثم معاذ القاري.
* ومن الثابت في هذا أيضًا: ما رواه يزيد بن خصيفة، عن السائب بن يزيد، قال: كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب في رمضان عشرين ركعة، ولكن كانوا يقرؤون بالمائتين في ركعة حتى كانوا يتوكؤون على عصيهم من شدة القيام.
وفي رواية: كنا نقوم في زمان عمر بن الخطاب بعشرين ركعة والوتر.
تقدم تخريجه تحت الحديث السابق برقم (١٣٧٧)، لكن ليس فيه موضع الشاهد.
* وصح عن الزهري أنه قال: "لا قنوت في السنة كلها إلا في النصف الآخر من رمضان"، وممن روي عنه نحو هذا من التابعين: ابن سيرين، وقتادة [مصنف عبد الرزاق (٣/ ١٢١/ ٤٩٩٥)، سنن البيهقي (٢/ ٤٩٩)].
* قال عبد الله بن أحمد في العلل (٢/ ٢٠٧/ ٢٠٣٠): "قلت لأبي: في حديث قتادة عن عبد الله بن الحارث؛ أن أبا حليمة قنت في النصف الآخر من رمضان، من هذا عبد الله بن الحارث؟ قال: لا أدري من هذا عبد الله بن الحارث".
قلت: الثابت في هذا عن قتادة، ما رواه سعيد بن أبي عروبة، وتقدم.
* وروى شجاع بن مخلد [ثقة]، وسريج بن يونس [ثقة]:
ثنا هشيم: أنبا يونس، قال: شهدت الناس قبل وقعة ابن الأشعث وهم في شهر
стр. 8323
رمضان، فكان يؤمهم عبد الرحمن بن أبي بكر صاحب رسول الله ﷺ ، وسعيد بن أبي الحسن، ومروان [في رواية: عمران] العبدي، فكانوا يصلون بهم عشرين ركعة، ولا يقنتون إلا في النصف الثاني، وكانوا يختمون القرآن مرتين.
أخرجه ابن أبي الدنيا في فضائل شهر رمضان (٥٠)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٦/ ١٣).
وهذا إسناد صحيح إلى يونس بن عبيد.
* ومما روي في ذلك عن الصحابة:
١ - ابن عمر:
رواه إسماعيل بن علية، وحماد بن زيد، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي:
عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان لا يقنت إلا في النصف، يعني: من رمضان. وفي رواية حماد: أن ابن عمر كان لا يقنت في الوتر إلا في النصف من رمضان.
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٩٨/ ٦٩٣٢ و ٦٩٣٣) (٤/ ٥٢١/ ٧١١٢ و ٧١١٣ - ط الشثري)، وعبد الله بن أحمد في مسائله لأحمد (٣٣٧)، وابن المنذر فى الأوسط (٥/ ٢٠٦/ ٢٧٠٩)، والبيهقي في السنن (٢/ ٤٩٨)، وفي المعرفة (٤/ ٤٤/ ٥٤٢٠ - ط قلعجي)، وفي الخلافيات (٣/ ٣٣٨/ ٢٥٤٧).
وهذا صحيح عن ابن عمر موقوفًا عليه، بإسناد صحيح على شرط الشيخين.
• وهم في لفظه معمر بن راشد، ودخل له حديث عبيد الله بن عمر في حديث أيوب: رواه معمر، عن أيوب، عن نافع؛ أن ابن عمر كان لا يقنت في الصبح، ولا في الوتر أيضًا.
أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١٠٦/ ٤٩٥٠)، ومن طريقه: ابن المنذر فى الأوسط (٥/ ٠٧ ٢/ ٢٧١٢).
وهذا بنحو ما يرويه عبيد الله بن عمر العمري عن نافع، ويأتي ذكره.
٢ - علي بن أبي طالب:
رواه سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، أنه كان يقنت في النصف من رمضان.
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٩٨/ ٦٩٣٤) (٤/ ٥٢١/ ٧١١٤ - ط الشثري)، ومن طريقه: ابن المنذر في الأوسط (٥/ ٢٠٦/ ٢٧١٠)، والبيهقي في السنن (٢/ ٤٩٨)، وفي الخلافيات (٣/ ٣٣٧/ ٢٥٤٥).
وهذا موقوف على عليٍّ بإسناد ضعيف، لأجل الحارث الأعور، وأبو إسحاق لم يسمع من الحارث إلا أربعة أحاديث.
• وروي عن علي القنوت في الوتر من وجه آخر، لا يثبت أيضًا [أخرجه ابن أبي
стр. 8324
شيبة (٢/ ٩٦/ ٦٩٠١ و ٦٩٠٢) (٤/ ٥١٤/ ٧٠٨٠ و ٧٠٨١ - ط الشثري)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٢٠٨/ ٢٧١٤)، والبيهقي (٣/ ٣٩)، [رواه عطاء بن السائب بعد الاختلاط، واضطرب فيه].
٣ - عمر بن الخطاب:
روى محمد بن يزيد [الواسطي الكلاعي: ثقة ثبت]، قال: حدثني أيوب بن مسكين، عن أبي هاشم [الرماني: ثقة]، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود، قال: صحبت عمر بن الخطاب ﵁ ستة أشهر، فكان يقنت في الوتر قبل الركوع.
أخرجه محمد بن الحسن في الحجة على أهل المدينة (١/ ٢٠١).
قلت: وهذه رواية منكرة، أيوب بن مسكين أو: ابن أبي مسكين، أبو العلاء القصاب: صدوق يخطئ، يهم ويخالف، لم يكن يحفظ [التهذيب (١/ ٢٠٧)، الميزان (١/ ٢٩٣)، إكمال مغلطاي (٢/ ٣٤٢)، سؤالات الآجري (٣/ ٢٤٢)].
وأخاف أن يكون الوهم فيها من محمد بن الحسن الشيباني؛ فإنه: ضعيف، كذبه ابن معين [اللسان (٧/ ٦٠)].
• ومما يؤكد عدم ثبوته، أن الثابت عن عمر هو مطلق القنوت في الوتر قبل الركوع بدون قيد، وهذا المطلق إنما يحمل على أقرب قيد يناسبه، وهو ما أمر به عمرُ أبيَّ بن كعب حين صلى بالناس فقنت بهم في النصف الآخر من رمضان وخلفه الصحابة، ولم ينكر عليه أحد منهم تركَ القنوت في النصف الأول، فدل على أن القنوت في الوتر لم يكن سنة ماضية عند الصحابة، وإنما كان اجتهاداً من بعضهم قياساً على القنوت في الفريضة في النوازل، وكما قال أحمد بأنه دعاء، ولذلك فإن أبيًا قنت بلعن الكفرة والدعاء عليهم بمثل ما يقنت في الفريضة في النوازل، وأنه تبع عمر بن الخطاب في قنوته بسورتي الحفد والخلع في صلاة الصبح، فقنت بها أبي في الوتر في النصف الآخر من رمضان، وهكذا فعل ابن عمر، فقد ثبت عنه، أنه كان لا يقنت في الوتر إلا في النصف من رمضان [تقدم قريباً]؛ فدل مجموع ذلك على أن عمر لم يثبت عنه أنه كان يقنت في الوتر طول السنة:
• فقد روى هشيم [بن بشير الواسطي: ثقة ثبت]، قال: أخبرنا منصور [بن زاذان الواسطي: ثقة ثبت]، عن الحارث العكلي، عن إبراهيم، عن الأسود بن يزيد، أن عمر قنت في الوتر قبل الركوع.
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٩٦/ ٦٩٠٠) (٤/ ٥١٤/ ٧٠٧٩ - ط الشثري).
والحارث بن يزيد العكلي: كوفي، ثقة، ولم ينفرد به عن إبراهيم بن يزيد النخعي، تابعه عليه: سليمان بن مهران الأعمش.
• قال الأثرم في سؤالاته لأحمد (٢٠): حدثنا أبو عبد الله [أحمد بن حنبل]: ثنا يزيد بن هارون: أنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر أنه كان يقنت في الوتر قبل الركوع.
стр. 8325
وهذا موقوف على عمر بإسناد صحيح.
وقد اشتهر عن عمر بأسانيد صحيحة، أنه كان يقنت في الصبح بسورتي الحفد والخلع يدعو على الكفار [راجع: تخريج أحاديث الذكر والدعاء (١/ ٣٤٧/ ١٧٤)، تهذيب الآثار لابن جرير الطبري (٥٨٣ - ٦١٦ - مسند ابن عباس)].
٤ - ابن مسعود:
رواه أبو خالد الأحمر [سليمان بن حيان: صدوق، ليس بذاك الحافظ]، عن أشعث، عن الحكم، عن إبراهيم، قال عبد الله: لا يقنت السنة كلها في الفجر، ويقنت في الوتر، كل ليلة قبل الركوع.
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٩٩/ ٦٩٤٢). [المسند المصنف (١٨/ ١٦٤/ ٨٤٧٦)].
• خالفه: سفيان الثوري [ثقة حجة، إمام فقيه]، فرواه عن الأشعث، عن الحكم، عن إبراهيم، قال: القنوت في الوتر من السنة كلها قبل الركعة.
أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١٢٠/ ٤٩٩٣). [المسند المصنف (١٨/ ١٦٤/ ٨٤٧٦)].
قلت: هذا الوجه أشبه بالصواب، من قول إبراهيم مقطوعاً عليه، ولا يثبت عنه، حيث تفرد به عن الحكم بن عتيبة: أشعث بن سوار، وهو: ضعيف.
• ورواه معمر بن راشد، عن أبان بن أبي عياش، عن إبراهيم النخعي، أن ابن مسعود كان يقنت السنة كلها في الوتر.
أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١٢٠/ ٤٩٩١). [المسند المصنف (١٨/ ١٦٤/ ٨٤٧٦)].
* وهذا قد رواه جماعة من الحفاظ عن أبان به موصولًا مرفوعًا:
رواه سفيان الثوري [وعنه: أبو النضر هاشم بن القاسم، وعبد الرزاق بن همام، وخلاد بن يحيى، وقبيصة بن عقبة، والحسين بن حفص، وإبراهيم بن خالد الصنعاني]، وشعبة، ويزيد بن هارون، وعباد بن العوام:
عن أبان بن أبي عياش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: بت عند النبي ﷺ ، لأنظر كيف يقنت في وتره: فقنت قبل الركوع، ثم بعثت أمي أم عبد، فقلت: بيتي مع نسائه ﷺ فانظري كيف يقنت في وتره، فأخبرتني: أنه ﷺ قنت قبل الركوع. لفظ يزيد بن هارون.
وفي رواية الثوري: إنه بات عند النبي ﷺ فقنت قبل الركعة، ثم أرسلت أمي من القابلة، فأخبرتني مثل ذلك.
أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١٢٠/ ٤٩٩٢)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢/ ٩٧/ ٦٩١٢ و ٦٩١٣)، وفي المسند (٣٣١)، وابن أبي عمر العدني في مسنده (٤/ ٨٧/ ٤٨١ - مطالب)، وأحمد بن منيع في مسنده (٤/ ٨٧/ ٤٨١ - مطالب)، وابن جرير الطبري في التاريخ (١١/ ٦٢٤)، وفي المنتخب من ذيل المذيل (١١٤)، والطحاوي في المشكل (١١/ ٣٦٥/ ٤٥٠٠)، والعقيلي في الضعفاء (١/ ٣٨) (١/ ١٧١ - ط التأصيل)، والدارقطني
стр. 8326
(٢/ ٣٢)، وأبو طاهر المخلص في العاشر من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (٢٤٩) (٢٤٠٤ - المخلصيات)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ١١٨) و (١٠/ ٣٠)، والبيهقي في السنن (٣/ ٤١)، وفي الخلافيات (٣/ ٣٤٥/ ٢٥٥٤) و (٣/ ٣٤٧/ ٢٥٥٧). [المسند المصنف (١٨/ ١٦٤/ ٨٤٧٦)].
وهذا حديث منكر؛ تفرد به أبان بن أبي عياش عن إبراهيم النخعي، وأبان: متروك.
قال الأثرم في الناسخ (١٠١): "وقد روى أبان بن أبي عياش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله: أن النبي ﷺ قنت في الوتر قبل الركوع.
وهذا أضعف ما روي في هذا الباب، لأن أبان متروك.
ومما يبين وهن هذا الحديث: أن هشاماً رواه عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله موقوفًا. وروي عن ابن مسعود من وجوه موقوفًا.
ومما يزيده وهناً أن أبان بصري، فلم يشاركه أحد من الكوفيين فيما روى عن إبراهيم، ولعله لم يرو عن إبراهيم غير هذا، فتفرد به".
وقال الترمذي في العلل الصغير (٤٣): "قد روى عن أبان بن أبي عياش غير واحد من الأئمة، وإن كان فيه من الضعف والغفلة ما وصفه به أبو عوانة وغيره، فلا يغتر برواية الثقات عن الناس، لأنه يروى عن ابن سيرين، أنه قال: إن الرجل يحدثني فما أتهمه، ولكن أتهم من فوقه.
وقد روى غير واحد عن إبراهيم النخعي، عن عبد الله بن مسعود، كان يقنت في وتره قبل الركوع.
وروى أبان بن أبي عياش، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، أن النبي ﷺ كان يقنت في وتره قبل الركوع. هكذا روى سفيان الثوري، عن أبان بن أبي عياش.
وروى بعضهم عن أبان بن أبي عياش بهذا الإسناد نحو هذا، وزاد فيه: قال عبد الله بن مسعود: وأخبرتني أمي، أنها باتت عند النبي ﷺ ، فرأت النبي-قنت في وتره قبل الركوع.
وأبان بن أبي عياش، وإن كان قد وصف بالعبادة والاجتهاد، فهذه حاله فى الحديث".
وأخرجه العقيلي في ترجمة أبان، ثم أسند إلى يزيد بن هارون، قال: "قال شعبة: ردائي وحماري في المساكين صدقة، إن لم يكن أبان بن أبي عياش يكذب في هذا الحديث. قال: قلت له: فلم سمعت منه؟ قال: ومن يصبر على ذا الحديث؟! يعني: حديث أبان عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله في القنوت".
وقال ابن عدي: "حُدِّثت عن محمد بن توبة، عن يزيد بن هارون، قال: قال شعبة: إزاري وحماري في المساكين؛ أن أبان يكذب.
стр. 8327
ثم قال [يعني: شعبة] بعدُ: حدثنا أبان، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، أن النبي ﷺ أوتر بعد ما ركع. قال: فقلت له: أتقول في أبان ما قد قلت، وتحدث عنه؟ قال: اسكت، فإني لم أصب هذا الحديث إلا عنده، [الكامل (١/ ٣٨٢) (٢/ ٢٧٠ - ط الرشد)].
وقال الدارقطني: "أبان متروك".
وقال البيهقي في الخلافيات: "هذا حديث لم نكتبه إلا من حديث أبان بن أبي عياش، وأبان: متروك الحديث، لا يحل الاحتجاج به".
• وهم فيه بعضهم على الثوري، فسلك فيه الجادة والطريق السهل:
رواه أحمد بن الخليل البغدادي [أبو جعفر البُرجُلاني: ثقة]: ثنا أبو النضر [هاشم بن القاسم: ثقة ثبت]: ثنا سفيان الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، أن النبى ﷺ قنت في الوتر قبل الركعة.
أخرجه البيهقي في الخلافيات (٣/ ٣٤٦/ ٢٥٥٦)، قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ [هو الحافظ الكبير أبو عبد الله الحاكم المعروف بابن البيِّع، صاحب المستدرك]: ثنا أبو الفضل الحسن بن يعقوب بن يوسف بن يعقوب العدل من أصل كتابه [شيخ صدوق. الإرشاد (٣/ ٨٣٦)، تاريخ الإسلام (٧/ ٧٨٠ - ط الغرب)، السير (١٥/ ٤٣٣)]: ثنا أحمد بن الخليل به.
قال البيهقي: "هذا غلط، والمشهور رواية الجماعة عن الثوري عن أبان بن أبي عياش عن إبراهيم"، ثم قال: "والحديث يدور على أبان بن أبي عياش، وأبان متروك".
قلت: قد رواه أبو نعيم في الحلية (٧/ ١١٨): ثنا محمد بن جعفر [محمد بن جعفر بن محمد بن الهيثم بن عمران، أبو بكر الأنباري البندار: كان سماعه صحيحاً بخط أبيه، وقال بعضهم: "وكان قريب الأمر فيه بعض الشيء، وكانت له أصول جياد بخط أبيه". تاريخ بغداد (٢/ ٥٣١ - ط الغرب)، تاريخ الإسلام (٨/ ١٥٢ - ط الغرب)، السير ١٦/ ٦٣)]: ثنا أحمد بن الخليل: ثنا أبو النضر: ثنا سفيان، عن أبان، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، أن رسول الله ﷺ قنت في الوتر قبل الركعة.
هكذا رواه أحمد بن الخليل عن أبي النضر به مثل الجماعة، وهو الصواب.
وهكذا رواه عن الثوري عن أبان بن أبي عياش: عبد الرزاق بن همام، وخلاد بن يحيى، وقبيصة بن عقبة، والحسين بن حفص، وإبراهيم بن خالد الصنعاني، وهم ثقات، من أصحاب الثوري.
• وقد روي من وجه آخر أشد نكارة، من حديث: شريك، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، أن النبي ﷺ كان يقنت قي الوتر قبل الركوع.
أخرجه ابن الجوزي في التحقيق (٧٠٠).
وأتبعه ابن الجوزي بما نقله عن أبي بكر الخطيب البغدادي قوله: "الأحاديث التي جاء فيها: قبل الركوع: كلها معلولة".
стр. 8328
وآفته: منصور بن أبي نويرة، والذي تفرد به عن شريك بن عبد الله النخعي، على كثرة أصحابه، ومنصور هذا هو: منصور بن يعقوب بن أبي نويرة: مقلٌّ، ذكره ابن حبان في الثقات وقال: "مستقيم الحديث"، وقال ابن عدي بعد أن استنكر عليه حديثين: "يقع في حديثه أشياء غير محفوظة"، وقال الذهبي: "منكر الحديث، مقل" [التاريخ الكبير (٧/ ٣٤٩)، الجرح والتعديل (٨/ ١٧٩)، الثقات (٩/ ١٧٢)، الكامل (٦/ ٣٩٢)، الموضح (٢/ ٤٦٩)، المغني (٦٤٤٦)، ديوان الضعفاء (٤٢٥٠)، اللسان (٨/ ١٧١)]، لكن الحديثين اللذين استنكرهما ابن عدي من رواية إبراهيم بن بشر الكسائي عنه، وهو لا يُعرف [اللسان (١/ ٢٥٠)]، وقد أورد ابن عدي أحد الحديثين في ترجمة شريك النخعي من الكامل (٤/ ٢١)، ثم قال: "وهذا غير محفوظ بهذا الإسناد، وإبراهيم بن بشر الكسائي: ليس بذلك المعروف، ولعل بلاء هذا الحديث منه"، ولم يعله بمنصور.
والحاصل: فإني لم أجد هذا الحديث في شيء من كتب السُّنَّة، ولا مروياً من وجه آخر، لا عن شريك، ولا عن منصور بن المعتمر، فهو حديث منكر، والله أعلم.
• وروى أبو حنيفة [النعمان بن ثابت الفقيه: ضعيف]، عن حماد، عن إبراهيم، عن ابن مسعود ﵁؛ أنه كان يقنت في الوتر قبل الركوع.
أخرجه أبو يوسف في الآثار (٣٤٦).
• وروى يزيد بن هارون [ثقة متقن]، عن هشام الدستوائي [ثقة ثبت]، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، أن ابن مسعود، وأصحاب النبي ﷺ ، كانوا يقنتون في الوتر قبل الركوع.
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٩٧/ ٦٩١١) (٤/ ٥١٦/ ٧٠٩٠ - ط الشثري). [المسند المصنف (١٨/ ١٦٤/ ٨٤٧٦)].
قلت: وهذا إسناد متصل، لكن لعل حماد بن أبي سليمان لم يضبط هذه الرواية، فقد تُكُلِّم في رواية حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم، فقد كان كثير الخطأ والوهم [انظر: التهذيب (١/ ٤٨٣)].
• ورواه حجاج بن المنهال [ثقة]: ثثا حماد [هو: ابن سلمة: ثقة]، عن أبي حمزة، عن ابن مسعود، أنه كان يقنت في الوتر قبل الركوع، ولا يقنت في صلاة الفجر.
أخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ٢٨٤/ ٩٤٣٢).
قلت: أبو حمزة هذا هو: ميمون الأعور القصاب، مشهور برواية حماد بن سلمة عنه، وهو يروي عن إبراهيم النخعي، وعليه فهو إسناد معضل، حيث أسقط أبو حمزة هذا من إسناده رجلين أو ثلاثة.
وأبو حمزة ميمون الأعور القصاب الكوفي الراعي: ضعيف، يروي عن إبراهيم النخعي ما لا يتابع عليه، قال ابن عدي: "وأحاديثه التي يرويها خاصة عن إبراهيم مما لا يتابع عليها" [الكامل (٦/ ٤١٣)، التهذيب (٤/ ٢٠٠)].
стр. 8329
• والدليل على صحة ذلك: ما رواه أبو معشر [زياد بن كليب: ثقة، من قدماء أصحاب إبراهيم. التهذيب (١/ ٦٥٢)، مسائل الإمام أحمد لأبي داود (٢٠١٠ و ٢٠١١]، قال: ثنا أبو حمزة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود، قال: قنت رسول الله ﷺ شهراً يدعو على عصية وذكوان، فلما ظهر عليهم ترك القنوت، وكان ابن مسعود ﵁ لا يقنت في صلاة الغداة.
أخرجه الطحاوي (١/ ٢٤٥).
• وروى المسعودي [صدوق] وعنه: أبو نعيم الفضل بن دكين، وأبو داود الطيالسي، وأبو معاوية محمد بن خازم، وعبد الله بن رجاء الغداني البصري، ومحمد بن الحسن الشيباني، وفيهم من سمع من المسعودي قبل الاختلاط، مثل أبي نعيم وعبد الله بن رجاء. الشذا الفياح (٢/ ٧٥٩)، الكواكب النيرات (٣٥)]، وليث بن أبي سليم [ضعيف؛ لاختلاطه وعدم تميز حديثه]:
عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، قال: كان عبد الله بن مسعود لا يقنت في شيء من الصلوات، إلا في الوتر قبل الركوع.
أخرجه محمد بن الحسن في الحجة على أهل المدينة (١/ ٢٠١)، وابن أبي شيبة (٢/ ٠٣/ ٦٩٩٦ و ٦٩٠٤) (٤/ ٥١٤/ ٧٠٨٢ و ٧٠٨٣ - ط الشثري)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ٣٧٥/ ٦٦٦ - مسند ابن عباس)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٢٥٣)، وفي المشكل (١١/ ٣٦٦)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٣٨/ ٩١٦٥). [الإتحاف (١٠/ ١٣٩/ ١٢٤٢٨)].
• ورواه عبد الواحد بن زياد، وأبو نعيم الفضل بن دكين:
قال: حدثنا أبو عميس [عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود: كوفي، ثقة]، قال: حدثنا عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، أن ابن مسعود لم يقنت في صلاة الصبح.
وفي رواية: كان عبد الله لا يقنت في صلاة الغداة، وإذا قنت في الوتر قنت قبل الركعة.
أخرجه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ٣٧٧/ ٦٧٣ - مسند ابن عباس)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٣٨/ ٩١٦٦) و (٩/ ٢٨٤/ ٩٤٣٠).
وهذا موقوف على ابن مسعود بإسناد صحيح.
• وروى سفيان الثوري [وعنه: أبو عامر العقدي، وعبد الرزاق، ومؤمل بن إسماعيل]، ومعمر بن راشد:
عن أبي إسحاق، عن علقمة [قال معمر: عن علقمة والأسود]، قال: كان عبد الله لا يقنت في صلاة الصبح.
أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١٠٦/ ٤٩٤٩) و (٣/ ١١٠/ ٤٩٦٧)، والطحاوي في شرح
стр. 8330
المعاني (١/ ٢٥٣)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٨٤/ ٩٤٢٨ و ٩٤٢٩).
[الإتحاف (١٠/ ٣٦٦/ ١٢٩٣٩)].
قلت: ذكر الأسود في حديث أبي إسحاق هذا غير محفوظ؛ لتفرد معمر به عن أبي إسحاق، وليس هو من المتثبتين فيه، ولا من قدماء أصحابه.
وعليه: فهو أثر منقطع؛ لأن أبا إسحاق السبيعي لم يسمع من علقمة شيئًا [راجع تقرير ذلك تحت الحديث رقم (١٣٩٦)].
* قلت: ومع كون القنوت في الوتر مروياً عن ابن مسعود بإسناد صحيح، إلا أن شعبة وأحمد أنكراه، والله أعلم.
قال عبد الله بن أحمد في العلل ومعرفة الرجال (٣/ ٢١٨/ ٤٩٤٤): "حدثني ابن خلاد، قال: سمعت يحيى يقول: كان شعبة ينكر القنوت في الوتر عن عبد الله، وحدث عن إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله، قال: الوتر سبع وخمس".
وقال عبد الله في مسائله لأبيه (٣٢٤): "سمعت أبي يقول: خالف إبراهيمُ عبدَ الرحمن بن الأسود، عن أبيه، أن ابن مسعود قنت في الوتر قبل الركعة. قال إبراهيم: عمر، وقال عبد الرحمن: ابن مسعود".
يعني: أن إبراهيم النخعي أوقفه من فعل عمر بن الخطاب، بينما جعله عبد الرحمن من فعل ابن مسعود.
* وقد صح عن ابن عمر أيضًا أنه لم يكن يقنت أبدًا:
رواه عبد الله بن نمبر، ومعتمر بن سليمان، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي:
عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان لا يقنت في الفجر، ولا في الوتر، فكان إذا سئل عن القنوت، قال: ما نعلم القنوت إلا طول القيام وقراءة القرآن.
وفي رواية الثقفي: كان لا يقنت في الفجر، ولا في شيء من صلاته.
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٩٩/ ٦٩٤٥)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ٣٧٨/ ٦٧٥ و ٦٧٦ - مسند ابن عباس).
وهذا موقوف على ابن عمر بإسناد صحيح على شرط الشيخين.
• ورواه مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، أنه كان لا يقنت في شيء من الصلوات.
أخرجه مالك في الموطأ (٤٣٨ - رواية يحيى الليثي) (٤٢٧ - رواية أبي مصعب الزهري) (١٣٤ - رواية الحدثاني) (٢٤٢ - رواية الشيباني)، وعنه: الشافعي في الأم (٧/ ٢٦٣)، وفي المسند (٢٣٨ - سنجر)، وعبد الرزاق (٣/ ١٠٦/ ٤٩٥٢)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٢٥٣)، والبيهقي في المعرفة (٣/ ١٠٩/ ٣٩٠٢ - ط قلعجى). [الإتحاف (٩/ ٢٨٧/ ١١١٧٩)].
стр. 8331
وهذا موقوف على ابن عمر بإسناد صحيح على شرط الشيخين.
• ورواه إسماعيل بن علية، قال: حدثنا واصل مولى أبي عيينة، قال: سمعت نافعًا، يقول: كان ابن عمر لا يقنت في فريضة ولا تطوع أبدًا.
أخرجه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ٣٨٠/ ٦٨٤ - مسند ابن عباس).
وهذا موقوف على ابن عمر بإسناد صحيح.
• وانظر فيما لا يثبت عن نافع: العلل ومعرفة الرجال (٢٥٤).
• وروي عن أبى هريرة ترك القنوت، ولا يثبت عنه [أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٩٩/ ٦٩٤٤)].
* ومن عجائب ما روي في هذا الباب مرفوعًا:
ما رواه غسان بن عبيد: حدثنا أبو عاتكة، عن أنس، كان رسول الله ﷺ يقنت في النصف من رمضان إلى آخره.
أخرجه ابن عدي في الكامل (٤/ ١١٨)، ومن طريقه: البيهقي (٢/ ٤٩٩).
قال البيهقي: "ضعيف، لا يصح إسناده".
قلت: هذا حديث باطل؛ أبو عاتكة طريف بن سلمان: منكر الحديث، ذاهب الحديث، يروي عن الثقات ما ليس من حديثهم، وقال ابن عدي: "وعامة ما يرويه عن أنس: لا يتابعه عليه أحد من الثقات" [التهذيب (٤/ ٥٤٤)، المجروحين (١/ ٣٨٢)، الكامل (٤/ ١١٨)].
وأما غسان بن عبيد الموصلي: فقد وثقه ابن معين في رواية الدروي، وضعفه في رواية ابن الجنيد، وروى الحسين بن حبان -صاحب يحيى بن معين- عن ابن معين قوله: "لا يعرف الحديث، إلا أنه لم يكن من أهل الكذب، ولكنه كان لا يعقل الحديث"، وقال ابن حبان في الثقات: "يروى عن شعبة نسخة مستقيمة"، وقال أحمد: "كتبنا عن غسان بن عبيد الموصلي، قدم علينا ها هنا، وكان قد سمع من سفيان أحاديث يسيرة، فكتبت منها أحاديث، وخرقت حديثه منذ حين"، وأنكر أن يكون سمع الجامع من سفيان، وقال الدارقطني: "صالح، ضعفه أحمد"، وقال ابن عدي بعد أن ساق له عدة أحاديث غلط فيها: "والضعف على حديثه بين" [تاريخ ابن معين للدوري (٤/ ٤٦٠/ ٥٢٨٩)، سؤالات ابن الجنيد (٢٣٩ و ٧٠٠)، الجامع في العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٥٥٠/ ٣٦٠٥)، الثقات (٩/ ١)، ضعفاء العقيلي (٣/ ٤٤٠)، الكامل (٦/ ٨)، تاريخ أسماء الضعفاء (٥٠٠)، تاريخ بغداد (١٤/ ٢٨٠ - ط الغرب)، تاريخ الإسلام (٤/ ١١٧٩ - ط الغرب)، الميزان (٣/ ٣٣٤)، اللسان (٦/ ٣٠٥)، الثقات لابن قطلوبغا (٧/ ٤٨٣)].
* وأما فقه المسألة:
* قال عبد الله بن أحمد في العلل ومعرفة الرجال (٣/ ١٥٤/ ٦٨٢): "حدثني أبي، قال: حدثنا يحيى القطان، قال: كان شعبة ينكر القنوت في الوتر وفي الفجر؛ فيما أعلم".
стр. 8332
* وقال عبد الله في مسائله (٣٤٨)، وصالح في مسائله (٤٢٣): "قال أبي: مذهبي في القنوت في شهر رمضان أن يقنت في النصف الأخير، وإن قنت في السنة كلها فلا بأس، وإذا كان إمام يقنت قنت خلفه".
وقال صالح في مسائله (٢٨٢): "وسألته عن القنوت؟ فقال: في النصف من شهر رمضان، فإن قنت السنة كلها: فلا بأس به، وكان النبي ﷺ إذا دعا على قوم واستنصر لقوم قنت في صلاة الغداة".
وقال أبو داود في مسائله (٤٧٠): "قلت لأحمد: القنوت في الوتر السنة كلها؟ قال: إن شاء. قلت: فما تختار أنت؟ قال: أما أنا ما أقنت إلا في النصف الباقي، إلا أن أصلي خلف إمام يقنت فأقنت معه".
وقال أبو داود (٤٧١): "قلت لأحمد: إذا كان يقنت النصف الآخر متى يبتدئ؟
قال: إذا مضى خمس عشرة ليلة، سادس عشرة. وكذلك صلى به إمامه فى مسجده في شهر رمضان".
وقال إسحاق بن منصور الكوسج في مسائله (٤٣٢): "سئل أحمد عن القنوت في الوتر؟ قال: أما أنا فأختار النصف الأخير، وإن قنت السنة أجمع لا أعيبه".
قال إسحاق بن منصور: أبنا النضر بن شميل، قال: أبنا الأشعث، عن الحسن أنه كان يقول في القنوت في شهر رمضان: في النصف بعد الركوع.
ونقل أبو طالب، وأبو الحارث عن أحمد: "أذهب إلى أني أقنت في النصف الأخير من شهر رمضان؛ لما روي أن عمر قدَّم أبيَّ بن كعب ليصلي بالناس في رمضان، فلم يقنت إلا في النصف الأخير من رمضان" [الروايتين والوجهين (١/ ١٦٣)، معونة أولي النهى (١/ ٢٠٢)].
* ويبدو أن الإمام أحمد رجع عن هذا القول، وتوسع في أمر قنوت الوتر؛ معللاً ذلك بكونه دعاء، وأن الأمر في ذلك واسع:
قال ابن هانئ في مسائله (٤٩٧): "سألت أبا عبد الله عن الرجل يقنت السنة أجمع؟ قال: كنت أرى أن يقنت نصف السنة، وإنما هو دعاء، يقنت السنة أجمع لا بأس به".
وقال ابن هانئ (٥٠٠): "قلت له: كنت ترى القنوت نصف السنة، وأنت اليوم ترى أن يقنت السنة أجمع؟
قال: قد كنت أرى هذا، ولكن هو دعاء؛ أرى أن يقنت السنة أجمع".
وقال خطاب بن بشر: "قال أحمد: كنت أذهب إلى أن أقنت في النصف الأخير من رمضان، ثم رأيت السنة كلها" [الروايتين والوجهين (١/ ١٦٣)، معونة أولى النهى (١/ ٢٠٢)].
وقال المروذي: "قال أحمد: أما أُبي بن كعب وابن عمر يقنتان في النصف من شهر رمضان، وقد كنت أذهب إلى أنه في النصف من شهر رمضان، ثم إني أقنتُ [وفي رواية:
стр. 8333
ثم إني قنتُّ]، وهو دعاء وخير" [زاد المسافر (٧٢٦)، المغني (٢/ ٥٨١)، الشرح الكبير على المقنع (٤/ ١٢٥)، [وانظر أيضًا: مسائل عبد الله (٣٣٧)].
* وحكى ابن وهب عن مالك أنه قال: "ما أقنت أنا في الوتر في رمضان ولا غيره، ولا أعرف القنوت قديمًا" [الأوسط لابن المنذر (٥/ ٢٠٧)].
وسئل مالك عن القنوت في الوتر في غير رمضان، فقال: "ما أقنت أنا في الوتر في رمضان ولا في غيره"، وسئل عن الرجل يقوم لأهله في رمضان، أيقنت بهم في النصف الباقي من الشهر، فقال: "لم أسمع أن رسول الله ﷺ ، ولا أحدًا من أولئك قنت، وما هو من الأمر القديم، وما أفعله أنا في رمضان، ولا أعرف القنوت قديماً"، وفي رواية: "لا يقنت في الوتر عندنا" [مختصر كتاب الوتر لابن نصر المروزي (٣١٦)].
وروى عنه ابن نافع:] "وإنما يقنت في الصبح، وأما في الوتر فلا؛ إلا في النصف الآخر من رمضان" [النوادر والزيادات (١/ ١٩٢)].
* وقال الليث بن سعد: "ولا قنوت فيه إلا في النصف الثاني من رمضان" [مختصر اختلاف العلماء (١/ ٢٢٦)].
* وقال الشافعي: "ولا يقنت في رمضان إلا في النصف الأخير، وكذلك كان يفعل ابن عمر ومعاذ القاري" [مختصر المزني (٨/ ١١٤)، التجريد للقدوري (٢/ ٨١٠]، الحاوي للماوردي (٢/ ٢٩١)، المعرفة للبيهقي (٤/ ٤٣ - ط قلعجي)].
وقال الزعفراني عن الشافعي: "أحب إليَّ أن يقنتوا في الوتر في النصف الآخر، ولا يقنت في سائر السنة، ولا في رمضان إلا في النصف الآخر" [مختصر كتاب الوتر لابن نصر المروزي (٣١٥)].
وقال المزني: "سألنا الشافعي: أكان رسول الله ﷺ يقنت في الوتر، فقال: لا يحفظ عنه قط"، قال الماوردي في الحاوي (٢/ ٢٩٢): "وحسبك بالشافعي يقول هذا، على أنه إن كان رُوي، فيجوز أن يكون في مدة الشهر، حين كان يقنت في سائر الصلوات ثم ترك".
* وقال الترمذي (٤٦٤): "واختلف أهل العلم في القنوت في الوتر:
فرأى عبد الله بن مسعود القنوت في الوتر في السنة كلها، واختار القنوت قبل الركوع.
وهو قول بعض أهل العلم، وبه يقول سفيان الثوري، وابن المبارك، وإسحاق، وأهل الكوفة.
وقد روي عن علي بن أبي طالب أنه كان لا يقنت إلا في النصف الآخر من رمضان، وكان يقنت بعد الركوع.
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا، وبه يقول الشافعي، وأحمد".
* وقال ابن خزيمة (٢/ ١٥٠): "ولست أحفظ خبراً ثابتاً عن النبي ﷺ في القنوت في الوتر".
стр. 8334
وقال أيضًا (٢/ ١٥٥): "وأعلى خبر يحفظ في القنوت في الوتر عن أبي بن كعب في عهد عمر بن الخطاب موقوفًا: أنهم كانوا يقنتون بعد النصف، يعني: من رمضان".
قلت: وفي هذا بيان بأنه لا يثبت شيء مرفوعًا في قنوت النبي ﷺ في الوتر، لا في رمضان، ولا في غيره، وقد صرح بذلك في غير موضع، وقد نقلت كلامه في تخريج أحاديث الذكر والدعاء، كمثل قوله في حديث الحسن بن علي: "ولست أعلمه ثابتًا".
وقال ابن المنذر في الأوسط (٥/ ٢٠٥): "لم نجد في هذا الباب خبرًا أعلى من خبر بريد عن أبي الحوراء عن الحسن بن علي".
وقال في موضع آخر (٥/ ٢١٥): "تكلم في حديث بريد بن أبي مريم بعض أصحابنا، فذكر أن ذكر قنوت الوتر: لا يصح، قال: لأن شعبة روى هذا الحديث فلم يذكر الوتر".
وقال ابن حبان في وصف الصلاة بالسُّنَّة عن ربادة قنوت الوتر في حديث الحسن بن علي: "وهذه اللفظة ليست بمحفوظة" [البدر المنير (٣/ ٦٣٤)].
قلت: فإذا كان حديث الحسن بن علي لا يثبت أنه في قنوت الوتر، وإنما هو دعاء مطلق؛ وإذا كان هو أعلى شيء في الباب، كما قال الترمذي (٤٦٤): "ولا نعرف عن النبي ﷺ في القنوت في الوتر شيئًا أحسن من هذا"؛ فعلى هذا: فإنه لا يصح في الباب شيء مرفوع، وأما حديث علي بن أبي طالب [المتقدم برقم (١٤٢٧)]، فإنه ليس صريحًا في قنوت الوتر، وإنما هو دعاء يقوله في آخر وتره، ومواضع الدعاء من آخر الوتر: هي السجود، أو بعد الفراغ من التشهد، والله أعلم.
* قلت: ولعله يستأنس هنا بما رواه البخاري في التاريخ الكبير (٨/ ٢٨١)، عن إبراهيم بن موسى الرازي [الفراء: ثقة حافظ]: نا إبراهيم بن موسى الزيات الموصلي [ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: "كان يخطئ". التاريخ الكبير (١/ ٣٢٧)، الجرح والتعديل (٢/ ١٣٦)، الثقات (٨/ ٦٤)، اللسان (١/ ٣٧٢)، الثقات لابن قطلوبغا (٢/ ٢٥٤)]، عن يحيى بن أبي سالم [مجهول. الجرح والتعديل (٩/ ١٥٦)، الثقات (٩/ ٢٥٦)]، قال: سألت عبد الرحمن بن القاسم [مدني، ثقة جليل، روى له الجماعة]-وأبوه جالس إلى جنبه- عن القنوت، فقال: ما يُعرف، وأبوه ساكت، فكأني لم أر قوله شيئًا، فقال أبوه [القاسم بن محمد بن أبي بكر: أحد الفقهاء السبعة، ثقة]: هل تعرف عائشة؟ قلت: نعم، قال: فإنها عمتي؛ حدثتني أنها لم تر رسول الله ﷺ قنت قط.
ثم قال ابن المنذر: "وقد اختلف أهل العلم في القنوت في الوتر:
فرأت طائفة أن يقنت في السنة كلها في الوتر، وممن رأى ذلك عبد الله بن مسعود، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وإسحاق، وأبو ثور.
وفيه قول ثان: وهو أن لا يقنت إلا في النصف من شهر رمضان، روي ذلك عن علي بن أبي طالب، وأبي بن كعب، وكان ابن عمر يفعل ذلك.
وبه قال محمد بن سيرين، وسعيد بن أبي الحسن، ويحيى بن وثاب، والزهري، وبه
стр. 8335
قال مالك بن أنس، والشافعي، وأحمد، قال الشافعي: كذلك كان يفعل ابن عمر، ومعاذ القاري.
وفيه قول ثالث: وهو أن يقنت في السنة كلها في الوتر إلا في النصف الأول من رمضان، كذلك قال الحسن خلاف القول الأول، وبه قال قتادة، وبلغني أن معمرًا كان يفتي به.
وفيه قول رابع: وهو أن لا يقنت في الوتر، ولا في الصبح، روي ذلك عن ابن عمر خلاف الرواية الأولى.
وروي عن طاووس أنه قال: القنوت في الوتر بدعة، وحكى ابن وهب عن مالك أنه قال: ما أقنت أنا في الوتر في رمضان ولا غيره، ولا أعرف القنوت قديمًا" [وانظر: الإشراف (٢/ ٢٧١)].
وقال القاضي عبد الوهاب المالكي في الإشراف على نكت مسائل الخلاف (١/ ٢٩١): "مسألة: دعاء القنوت غير مسنون في الوتر، خلافًا لأبي حنيفة؛ إلا في النصف الأخير من رمضان، ففيه روايتان: إحداهما: مسنون، والأخرى: أنه ليس بمسنون، فدليلنا على أبي حنيفة: أن عمر بن الخطاب جمع الناس على أبي بن كعب فصلى بهم عشرين ليلة، ولم يقنت في النصف الأول، وتخلف في منزله العشر الأخير، فقدموا معاذًا فصلى بهم بقية الشهر، فدل على أنه إجماع منهم: أنه لا يقنت في النصف الأول من الشهر؛ لأنهم لم ينكروا على أبي ترك القنوت" [وقاله أيضًا في المعونة (٢٤٦)].
وقال ابن أبي العز الحنفي في التنبيه على مشكلات الهداية (٢/ ٦٥٩): "والقنوت في الوتر مختلف فيه بين الصحابة، … " فذكر بعضها ثم قال: "وأخذ بكل قول من هذه الأقوال طائفة من العلماء بعدهم، وسبب اختلافهم فيه -والله أعلم- عدم ثبوته عن النبي ﷺ نصًا".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما قنوت الوتر: فللعلماء فيه ثلاثة أقوال:
قيل: لا يستحب بحال لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ أنه قنت في الوتر.
وقيل: بل يستحب في جميع السنة، كما ينقل عن ابن مسعود وغيره؛ ولأن في السنن أن النبي ﷺ علم الحسن بن علي ﵄ دعاء يدعو به في قنوت الوتر.
وقيل: بل يقنت في النصف الأخير من رمضان؛ كما كان أبي بن كعب يفعل" [الفتاوى الكبرى (٢/ ١١٩)، مجموع الفتاوى (٢٢/ ٢٧١)].
وانظر أيضًا: شرح السُّنَّة (٣/ ١٢٦)، البيان للعمراني (٢/ ٢٦٨)، المجموع شرح المهذب (٤/ ١٥)، الشرح الكبير على المقنع (٤/ ١٢٤)، وغيرها.
***
следующие страницы →