Полный текст (16 465 стр.). Показаны 8331–8370 · переход к 8336.
стр. 8331
وهذا موقوف على ابن عمر بإسناد صحيح على شرط الشيخين.
• ورواه إسماعيل بن علية، قال: حدثنا واصل مولى أبي عيينة، قال: سمعت نافعًا، يقول: كان ابن عمر لا يقنت في فريضة ولا تطوع أبدًا.
أخرجه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ٣٨٠/ ٦٨٤ - مسند ابن عباس).
وهذا موقوف على ابن عمر بإسناد صحيح.
• وانظر فيما لا يثبت عن نافع: العلل ومعرفة الرجال (٢٥٤).
• وروي عن أبى هريرة ترك القنوت، ولا يثبت عنه [أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٩٩/ ٦٩٤٤)].
* ومن عجائب ما روي في هذا الباب مرفوعًا:
ما رواه غسان بن عبيد: حدثنا أبو عاتكة، عن أنس، كان رسول الله ﷺ يقنت في النصف من رمضان إلى آخره.
أخرجه ابن عدي في الكامل (٤/ ١١٨)، ومن طريقه: البيهقي (٢/ ٤٩٩).
قال البيهقي: "ضعيف، لا يصح إسناده".
قلت: هذا حديث باطل؛ أبو عاتكة طريف بن سلمان: منكر الحديث، ذاهب الحديث، يروي عن الثقات ما ليس من حديثهم، وقال ابن عدي: "وعامة ما يرويه عن أنس: لا يتابعه عليه أحد من الثقات" [التهذيب (٤/ ٥٤٤)، المجروحين (١/ ٣٨٢)، الكامل (٤/ ١١٨)].
وأما غسان بن عبيد الموصلي: فقد وثقه ابن معين في رواية الدروي، وضعفه في رواية ابن الجنيد، وروى الحسين بن حبان -صاحب يحيى بن معين- عن ابن معين قوله: "لا يعرف الحديث، إلا أنه لم يكن من أهل الكذب، ولكنه كان لا يعقل الحديث"، وقال ابن حبان في الثقات: "يروى عن شعبة نسخة مستقيمة"، وقال أحمد: "كتبنا عن غسان بن عبيد الموصلي، قدم علينا ها هنا، وكان قد سمع من سفيان أحاديث يسيرة، فكتبت منها أحاديث، وخرقت حديثه منذ حين"، وأنكر أن يكون سمع الجامع من سفيان، وقال الدارقطني: "صالح، ضعفه أحمد"، وقال ابن عدي بعد أن ساق له عدة أحاديث غلط فيها: "والضعف على حديثه بين" [تاريخ ابن معين للدوري (٤/ ٤٦٠/ ٥٢٨٩)، سؤالات ابن الجنيد (٢٣٩ و ٧٠٠)، الجامع في العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٥٥٠/ ٣٦٠٥)، الثقات (٩/ ١)، ضعفاء العقيلي (٣/ ٤٤٠)، الكامل (٦/ ٨)، تاريخ أسماء الضعفاء (٥٠٠)، تاريخ بغداد (١٤/ ٢٨٠ - ط الغرب)، تاريخ الإسلام (٤/ ١١٧٩ - ط الغرب)، الميزان (٣/ ٣٣٤)، اللسان (٦/ ٣٠٥)، الثقات لابن قطلوبغا (٧/ ٤٨٣)].
* وأما فقه المسألة:
* قال عبد الله بن أحمد في العلل ومعرفة الرجال (٣/ ١٥٤/ ٦٨٢): "حدثني أبي، قال: حدثنا يحيى القطان، قال: كان شعبة ينكر القنوت في الوتر وفي الفجر؛ فيما أعلم".
стр. 8332
* وقال عبد الله في مسائله (٣٤٨)، وصالح في مسائله (٤٢٣): "قال أبي: مذهبي في القنوت في شهر رمضان أن يقنت في النصف الأخير، وإن قنت في السنة كلها فلا بأس، وإذا كان إمام يقنت قنت خلفه".
وقال صالح في مسائله (٢٨٢): "وسألته عن القنوت؟ فقال: في النصف من شهر رمضان، فإن قنت السنة كلها: فلا بأس به، وكان النبي ﷺ إذا دعا على قوم واستنصر لقوم قنت في صلاة الغداة".
وقال أبو داود في مسائله (٤٧٠): "قلت لأحمد: القنوت في الوتر السنة كلها؟ قال: إن شاء. قلت: فما تختار أنت؟ قال: أما أنا ما أقنت إلا في النصف الباقي، إلا أن أصلي خلف إمام يقنت فأقنت معه".
وقال أبو داود (٤٧١): "قلت لأحمد: إذا كان يقنت النصف الآخر متى يبتدئ؟
قال: إذا مضى خمس عشرة ليلة، سادس عشرة. وكذلك صلى به إمامه فى مسجده في شهر رمضان".
وقال إسحاق بن منصور الكوسج في مسائله (٤٣٢): "سئل أحمد عن القنوت في الوتر؟ قال: أما أنا فأختار النصف الأخير، وإن قنت السنة أجمع لا أعيبه".
قال إسحاق بن منصور: أبنا النضر بن شميل، قال: أبنا الأشعث، عن الحسن أنه كان يقول في القنوت في شهر رمضان: في النصف بعد الركوع.
ونقل أبو طالب، وأبو الحارث عن أحمد: "أذهب إلى أني أقنت في النصف الأخير من شهر رمضان؛ لما روي أن عمر قدَّم أبيَّ بن كعب ليصلي بالناس في رمضان، فلم يقنت إلا في النصف الأخير من رمضان" [الروايتين والوجهين (١/ ١٦٣)، معونة أولي النهى (١/ ٢٠٢)].
* ويبدو أن الإمام أحمد رجع عن هذا القول، وتوسع في أمر قنوت الوتر؛ معللاً ذلك بكونه دعاء، وأن الأمر في ذلك واسع:
قال ابن هانئ في مسائله (٤٩٧): "سألت أبا عبد الله عن الرجل يقنت السنة أجمع؟ قال: كنت أرى أن يقنت نصف السنة، وإنما هو دعاء، يقنت السنة أجمع لا بأس به".
وقال ابن هانئ (٥٠٠): "قلت له: كنت ترى القنوت نصف السنة، وأنت اليوم ترى أن يقنت السنة أجمع؟
قال: قد كنت أرى هذا، ولكن هو دعاء؛ أرى أن يقنت السنة أجمع".
وقال خطاب بن بشر: "قال أحمد: كنت أذهب إلى أن أقنت في النصف الأخير من رمضان، ثم رأيت السنة كلها" [الروايتين والوجهين (١/ ١٦٣)، معونة أولى النهى (١/ ٢٠٢)].
وقال المروذي: "قال أحمد: أما أُبي بن كعب وابن عمر يقنتان في النصف من شهر رمضان، وقد كنت أذهب إلى أنه في النصف من شهر رمضان، ثم إني أقنتُ [وفي رواية:
стр. 8333
ثم إني قنتُّ]، وهو دعاء وخير" [زاد المسافر (٧٢٦)، المغني (٢/ ٥٨١)، الشرح الكبير على المقنع (٤/ ١٢٥)، [وانظر أيضًا: مسائل عبد الله (٣٣٧)].
* وحكى ابن وهب عن مالك أنه قال: "ما أقنت أنا في الوتر في رمضان ولا غيره، ولا أعرف القنوت قديمًا" [الأوسط لابن المنذر (٥/ ٢٠٧)].
وسئل مالك عن القنوت في الوتر في غير رمضان، فقال: "ما أقنت أنا في الوتر في رمضان ولا في غيره"، وسئل عن الرجل يقوم لأهله في رمضان، أيقنت بهم في النصف الباقي من الشهر، فقال: "لم أسمع أن رسول الله ﷺ ، ولا أحدًا من أولئك قنت، وما هو من الأمر القديم، وما أفعله أنا في رمضان، ولا أعرف القنوت قديماً"، وفي رواية: "لا يقنت في الوتر عندنا" [مختصر كتاب الوتر لابن نصر المروزي (٣١٦)].
وروى عنه ابن نافع:] "وإنما يقنت في الصبح، وأما في الوتر فلا؛ إلا في النصف الآخر من رمضان" [النوادر والزيادات (١/ ١٩٢)].
* وقال الليث بن سعد: "ولا قنوت فيه إلا في النصف الثاني من رمضان" [مختصر اختلاف العلماء (١/ ٢٢٦)].
* وقال الشافعي: "ولا يقنت في رمضان إلا في النصف الأخير، وكذلك كان يفعل ابن عمر ومعاذ القاري" [مختصر المزني (٨/ ١١٤)، التجريد للقدوري (٢/ ٨١٠]، الحاوي للماوردي (٢/ ٢٩١)، المعرفة للبيهقي (٤/ ٤٣ - ط قلعجي)].
وقال الزعفراني عن الشافعي: "أحب إليَّ أن يقنتوا في الوتر في النصف الآخر، ولا يقنت في سائر السنة، ولا في رمضان إلا في النصف الآخر" [مختصر كتاب الوتر لابن نصر المروزي (٣١٥)].
وقال المزني: "سألنا الشافعي: أكان رسول الله ﷺ يقنت في الوتر، فقال: لا يحفظ عنه قط"، قال الماوردي في الحاوي (٢/ ٢٩٢): "وحسبك بالشافعي يقول هذا، على أنه إن كان رُوي، فيجوز أن يكون في مدة الشهر، حين كان يقنت في سائر الصلوات ثم ترك".
* وقال الترمذي (٤٦٤): "واختلف أهل العلم في القنوت في الوتر:
فرأى عبد الله بن مسعود القنوت في الوتر في السنة كلها، واختار القنوت قبل الركوع.
وهو قول بعض أهل العلم، وبه يقول سفيان الثوري، وابن المبارك، وإسحاق، وأهل الكوفة.
وقد روي عن علي بن أبي طالب أنه كان لا يقنت إلا في النصف الآخر من رمضان، وكان يقنت بعد الركوع.
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا، وبه يقول الشافعي، وأحمد".
* وقال ابن خزيمة (٢/ ١٥٠): "ولست أحفظ خبراً ثابتاً عن النبي ﷺ في القنوت في الوتر".
стр. 8334
وقال أيضًا (٢/ ١٥٥): "وأعلى خبر يحفظ في القنوت في الوتر عن أبي بن كعب في عهد عمر بن الخطاب موقوفًا: أنهم كانوا يقنتون بعد النصف، يعني: من رمضان".
قلت: وفي هذا بيان بأنه لا يثبت شيء مرفوعًا في قنوت النبي ﷺ في الوتر، لا في رمضان، ولا في غيره، وقد صرح بذلك في غير موضع، وقد نقلت كلامه في تخريج أحاديث الذكر والدعاء، كمثل قوله في حديث الحسن بن علي: "ولست أعلمه ثابتًا".
وقال ابن المنذر في الأوسط (٥/ ٢٠٥): "لم نجد في هذا الباب خبرًا أعلى من خبر بريد عن أبي الحوراء عن الحسن بن علي".
وقال في موضع آخر (٥/ ٢١٥): "تكلم في حديث بريد بن أبي مريم بعض أصحابنا، فذكر أن ذكر قنوت الوتر: لا يصح، قال: لأن شعبة روى هذا الحديث فلم يذكر الوتر".
وقال ابن حبان في وصف الصلاة بالسُّنَّة عن ربادة قنوت الوتر في حديث الحسن بن علي: "وهذه اللفظة ليست بمحفوظة" [البدر المنير (٣/ ٦٣٤)].
قلت: فإذا كان حديث الحسن بن علي لا يثبت أنه في قنوت الوتر، وإنما هو دعاء مطلق؛ وإذا كان هو أعلى شيء في الباب، كما قال الترمذي (٤٦٤): "ولا نعرف عن النبي ﷺ في القنوت في الوتر شيئًا أحسن من هذا"؛ فعلى هذا: فإنه لا يصح في الباب شيء مرفوع، وأما حديث علي بن أبي طالب [المتقدم برقم (١٤٢٧)]، فإنه ليس صريحًا في قنوت الوتر، وإنما هو دعاء يقوله في آخر وتره، ومواضع الدعاء من آخر الوتر: هي السجود، أو بعد الفراغ من التشهد، والله أعلم.
* قلت: ولعله يستأنس هنا بما رواه البخاري في التاريخ الكبير (٨/ ٢٨١)، عن إبراهيم بن موسى الرازي [الفراء: ثقة حافظ]: نا إبراهيم بن موسى الزيات الموصلي [ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: "كان يخطئ". التاريخ الكبير (١/ ٣٢٧)، الجرح والتعديل (٢/ ١٣٦)، الثقات (٨/ ٦٤)، اللسان (١/ ٣٧٢)، الثقات لابن قطلوبغا (٢/ ٢٥٤)]، عن يحيى بن أبي سالم [مجهول. الجرح والتعديل (٩/ ١٥٦)، الثقات (٩/ ٢٥٦)]، قال: سألت عبد الرحمن بن القاسم [مدني، ثقة جليل، روى له الجماعة]-وأبوه جالس إلى جنبه- عن القنوت، فقال: ما يُعرف، وأبوه ساكت، فكأني لم أر قوله شيئًا، فقال أبوه [القاسم بن محمد بن أبي بكر: أحد الفقهاء السبعة، ثقة]: هل تعرف عائشة؟ قلت: نعم، قال: فإنها عمتي؛ حدثتني أنها لم تر رسول الله ﷺ قنت قط.
ثم قال ابن المنذر: "وقد اختلف أهل العلم في القنوت في الوتر:
فرأت طائفة أن يقنت في السنة كلها في الوتر، وممن رأى ذلك عبد الله بن مسعود، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وإسحاق، وأبو ثور.
وفيه قول ثان: وهو أن لا يقنت إلا في النصف من شهر رمضان، روي ذلك عن علي بن أبي طالب، وأبي بن كعب، وكان ابن عمر يفعل ذلك.
وبه قال محمد بن سيرين، وسعيد بن أبي الحسن، ويحيى بن وثاب، والزهري، وبه
стр. 8335
قال مالك بن أنس، والشافعي، وأحمد، قال الشافعي: كذلك كان يفعل ابن عمر، ومعاذ القاري.
وفيه قول ثالث: وهو أن يقنت في السنة كلها في الوتر إلا في النصف الأول من رمضان، كذلك قال الحسن خلاف القول الأول، وبه قال قتادة، وبلغني أن معمرًا كان يفتي به.
وفيه قول رابع: وهو أن لا يقنت في الوتر، ولا في الصبح، روي ذلك عن ابن عمر خلاف الرواية الأولى.
وروي عن طاووس أنه قال: القنوت في الوتر بدعة، وحكى ابن وهب عن مالك أنه قال: ما أقنت أنا في الوتر في رمضان ولا غيره، ولا أعرف القنوت قديمًا" [وانظر: الإشراف (٢/ ٢٧١)].
وقال القاضي عبد الوهاب المالكي في الإشراف على نكت مسائل الخلاف (١/ ٢٩١): "مسألة: دعاء القنوت غير مسنون في الوتر، خلافًا لأبي حنيفة؛ إلا في النصف الأخير من رمضان، ففيه روايتان: إحداهما: مسنون، والأخرى: أنه ليس بمسنون، فدليلنا على أبي حنيفة: أن عمر بن الخطاب جمع الناس على أبي بن كعب فصلى بهم عشرين ليلة، ولم يقنت في النصف الأول، وتخلف في منزله العشر الأخير، فقدموا معاذًا فصلى بهم بقية الشهر، فدل على أنه إجماع منهم: أنه لا يقنت في النصف الأول من الشهر؛ لأنهم لم ينكروا على أبي ترك القنوت" [وقاله أيضًا في المعونة (٢٤٦)].
وقال ابن أبي العز الحنفي في التنبيه على مشكلات الهداية (٢/ ٦٥٩): "والقنوت في الوتر مختلف فيه بين الصحابة، … " فذكر بعضها ثم قال: "وأخذ بكل قول من هذه الأقوال طائفة من العلماء بعدهم، وسبب اختلافهم فيه -والله أعلم- عدم ثبوته عن النبي ﷺ نصًا".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما قنوت الوتر: فللعلماء فيه ثلاثة أقوال:
قيل: لا يستحب بحال لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ أنه قنت في الوتر.
وقيل: بل يستحب في جميع السنة، كما ينقل عن ابن مسعود وغيره؛ ولأن في السنن أن النبي ﷺ علم الحسن بن علي ﵄ دعاء يدعو به في قنوت الوتر.
وقيل: بل يقنت في النصف الأخير من رمضان؛ كما كان أبي بن كعب يفعل" [الفتاوى الكبرى (٢/ ١١٩)، مجموع الفتاوى (٢٢/ ٢٧١)].
وانظر أيضًا: شرح السُّنَّة (٣/ ١٢٦)، البيان للعمراني (٢/ ٢٦٨)، المجموع شرح المهذب (٤/ ١٥)، الشرح الكبير على المقنع (٤/ ١٢٤)، وغيرها.
***
стр. 8336
٣٤١ - باب في الدعاء بعد الوتر
١٤٣٠ - قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة: حدثنا محمد بن أبي عُبيدة: حدثنا أبي، عن الأعمش، عن طلحة الإيامي، عن ذر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أُبي بن كعب، قال: كان رسول الله ﷺ إذا سلم في الوتر، قال: "سبحان الملك القدوس".
* حديث شاذ بذكر أبي في الإسناد؛ إنما يصح من حديث عبد الرحمن بن أبزى
سبق تخريجه بطرقه مفصلًا: في تخريج أحاديث الذكر والدعاء (١/ ٣٥٣/ ١٧٥)، مع بيان الطرق والألفاظ الشاذة.
وقد ذكرت بعض ألفاظه المحفوظة تحت الحديث السابق برقم (١٤٢٢)، الشاهد رقم (٦)، فيما روي في الوتر بثلاث، من حديث عبد الرحمن بن أبزى.
***
١٤٣١ - قال أبو داود: حدثنا محمد بن عوف: حدثنا عثمان بن سعيد، عن أبي غسان محمد بن مطرف المدني، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : "من نام عن وتره، أو نسِيَه، فليُصَلِّه إذا ذكره".
* حديث غريب، صوابه مرسل
أخرجه من طريق محمد بن عوف الطائي:
أبو داود (١٤٣١)، والدارقطني في السنن (٢/ ٢٢)، وفي التعليقات على المجروحين (١٦٠)، وأبو طاهر المخلص في الثامن من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (٢٥٧) (١٨٣٣ - المخلصيات). [التحفة (٣/ ٣٩٠/ ٤١٦٨)، الإتحاف (٥/ ٣١٥/ ٥٤٧٠)، المسند المصنف (٢٨/ ١٨١/ ١٢٦٣٠)].
رواه عن محمد بن عوف: أبو داود السجستاني سليمان بن الأشعث، ويحيى بن محمد بن صاعد.
قال ابن صاعد: "وهذا حديث غريب، وإنما كان يعرف عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ ".
وقال الدارقطني في التعليقات على المجروحين (١٦٠): "محمد بن عوف الحمصي: ثقة".
وقال النووي في المجموع (٤/ ٤٥): "رواه أبو داود بإسناد حسن".
وقال في الخلاصة (١٩٠٥): "رواه أبو داود والبيهقي بإسنادين صحيحين، والترمذي بإسناد ضعيف، فهو حديث صحيح".
стр. 8337
قلت: القول فيه: قول ابن صاعد؛ حديث غريب، ولم ينفرد به محمد بن عوف الحمصي، وهو: ثقة حافظ:
تابعه: عثمان بن سعيد الدارمي [ثقة حافظ]: ثنا عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار: ثنا أبو غسان محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : "من نام عن وتره أو نسيه، فليصله إذا أصبح أو ذكره".
اْخرجه الحاكم (١/ ٣٠٢) (٢/ ٦١/ ١١٤٠ - ط الميمان)، وعنه: البيهقي (٢/ ٤٨٠). [الإتحاف (٥/ ٣١٥/ ٥٤٧٠)].
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه".
قلت: تفرد به عن أبي غسان محمد بن مطرف المدني، نزيل عسقلان: عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي، وهو: ثقة، لكن أين أصحاب محمد بن مطرف المدنيون والعسقلانيون والعراقيون، ألم تر أنه قد روى عنه: إبراهيم بن أبي عبلة، وآدم بن أبي إياس، وحجاج بن محمد الأعور، والحسن بن موسى الأشيب، والحسين بن محمد المروذي، ورواد ابن الجراح العسقلاني، وسعيد بن عبد الجبار الزبيدي، وسعيد بن أبي مريم المصري، وسفيان الثوري، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن وهب، وعبد الرحمن بن زياد الرصاصي، وعبد الرحمن بن المبارك العيشي، وعبيد الله الأشجعي، وعلي بن الجعد، وعلي بن عياش الحمصي، وعيسى بن يونس، ومبشر بن إسماعيل الحلبي، ومحمد بن عيسى ابن الطباع، وموسى بن أعين الجزري، والوليد بن مسلم، ويحيى بن حمزة الحضرمي، ويزيد بن هارون، وغيرهم.
قال الخطيب في تاريخ بغداد (٤/ ٤٧٥ - ط الغرب): "كان أبو غسان قد انتقل إلى عسقلان فسكنها، وقدم بغداد في أيام المهدي وحدث بها".
قلت: فهو حديث غريب، حيث تفرد به عن أهل المدينة رجل من أهل حمص.
كذلك فإن عثمان بن سعيد الحمصي، ومحمد بن مطرف ممن تقع لهم الأوهام ومخالفة الثقات:
انظر مثلًا وهمًا وقع لعثمان بن سعيد على الليث بن سعد: فضل الرحيم الودود (٦/ ٤١٣/ ٥٦٨).
ومن أمثلة أوهام محمد بن مطرف:
ما قاله ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٨٩/ ٢٣٩]: "سألت أبي عن حديث رواه أبو غسان محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبادة، عن النبي ﷺ : "من صلى الصلوات الخمس، فأتم ركوعها، كان له عند الله عهد أن لا يعدبه".
قال أبي: سمعت هذا الحديث عن عبادة منذ حين، وكنت أنكره، ولم أفهم عورته، حتى رأيته الآن، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم قال [يعني: قال أبي]: حدثنا أبو صالح عن الليث، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن محمد بن يحيى بن
стр. 8338
حبان، عن ابن محيريز، عن عبادة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: … ، فعلمت أن الصحيح هذا، وأن محمد بن مطرف لم يضبط هذا الحديث، وكان محمد بن مطرف: ثقة".
فقد رجح أبو حاتم حديث هشام بن سعد على حديث محمد بن مطرف، مع تقدم ابن مطرف في الحفظ والضبط على هشام؛ وذلك لأن إسناد حديث هشام هو الإسناد المشهور لهذا الحديث، والذي يرويه الحفاظ؛ أعني حديث ابن حبان، بغض النظر عن إسقاط المخدجي أو إثباته، ولا يعرف حديث الصنابحي إلا من طريق محمد بن مطرف، خالفه فيه هشام، وعلى هذا؛ فالمحفوظ عن زيد بن أسلم: هو ما رواه هشام، عنه، عن ابن حبان، عن ابن محيريز، عن عبادة به مرفوعًا [راجع فضل الرحيم الودود (٥/ ٢٢٦/ ٤٢٥)].
والمقصود من هذا السياق: أن حديث محمد بن مطرف لم يشتهر عند أهل بلده، فلم يروه عنه أحد من أهل المدينة، ولا من أهل عسقلان، ولا من أهل العراق، وإنما تفرد به عنه: رجل من أهل حمص.
بينما اشتهر الحديث موصولًا من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه به، ولذا فقد جزم ابن صاعد بغرابة حديث عثمان بن سعيد عن محمد بن مطرف، وأن هذا الحديث إنما يُعرف من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، والله أعلم.
* فإن قيل: لم ينفرد به محمد بن مطرف؛ فقد توبع على وصله:
أ- فقد روى عثمان بن جعفر بن محمد [المعروف بابن اللبان الأحول: ثقة. تاريخ بغداد (١٣/ ١٨٣ - ط الغرب)، تاريخ الإسلام (٧/ ٦٠٧ - ط الغرب)]: ثنا محمد بن إبراهيم السمرقندي نبيرة [أبو الفضل: ذكره ابن حبان في الثقات. الثقات (٩/ ١٤٧)، توضيح المشتبه (١/ ٣٤٥)، الثقات لابن قطلوبغا (٨/ ١٠٨)]: حدثنا محمد بن إسماعيل الجعفري: حدثنا عبد الله بن سلمة، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، أن النبي ﷺ قيل له: إن أحدنا يصبح ولم يوتر؟ قال: "فليوتر إذا أصبح".
أخرجه الدارقطني في السنن (٢/ ٢٢). [الإتحاف (٥/ ٣١٥/ ٥٤٧٠)].
فيقال: هذا إسناد واهٍ، ليس بشيء، عبد الله بن سلمة هذا: متروك، منكر الحديث؛ قاله أبو زرعة [الجرح والتعديل (٥/ ٧٠)، علل الحديث (٥/ ٢٧١/ ١٩٧٦)، من تكلم فيه الدارقطني لابن زريق (١٧٣)، تخريج الأحاديث الضعاف (١٦٧)، اللسان (٤/ ٤٨٩)]، والراوي عنه: محمد بن إسماعيل بن جعفر الجعفري: متروك، منكر الحديث [الجرح والتعديل (٧/ ١٨٩)، الثقات (٩/ ٨٨)، اللسان (٦/ ٥٦٨)].
ب- ورواه وكيع بن الجراح، وأبو مصعب الزهري، وإسحاق بن عيسى الطباع [وهم ثقات]، وسويد بن سعيد الحدثاني [ضعيف]، ومحمد بن عبد الرحمن بن غزوان [ممن يضع الحديث. اللسان (٧/ ٢٩٥)]:
стр. 8339
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم [ضعيف]، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : "من نام عن الوتر أو نسيه فليصل إذا ذكر وإذا استيقظ".
أخرجه الترمذي في الجامع (٤٦٥)، وفي العلل الكبير (١٣٤)، وابن ماجه (١١٨٨)، وأحمد (٣/ ٣١ و ٤٤)، وابن نصر المروزي في الوتر (٣٢٩ - مختصره)، وأبو يعلى (٢/ ٣٦١/ ١١١٤) و (٢/ ٤٦٧/ ١٢٨٩)، وابن حبان في المجروحين (٢/ ٥٩)، وابن عدي في الكامل (٤/ ٢٧١)، وابن شاهين في الناسخ (٢١٥)، وأبو طاهر المخلص في الثامن من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (٢٥٨) (١٨٣٤ - المخلصيات)، وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ٢٥). [التحفة (٣/ ٣٩٠/ ٤١٦٨)، الإتحاف (٥/ ٣١٥/ ٥٤٧٠)، المسند المصنف (٢٨/ ١٨١/ ١٢٦٣٠)].
• ورواه عبد الله بن نافع [ثقة صحيح الكتاب، في حفظه لين، والراوي عنه: محمد بن المغيرة بن إسماعيل المخزومي: ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: "روى عنه أهل المدينة، يغرب"، وروى عنه اثنان. الثقات (٩/ ١١٧)، المغني (٥٩٩٥)، الميزان (٤/ ٤٦)، التهذيب (٣/ ٧٠٧)]، وخالد بن نزار [صدوق، والراوي عنه: المقدام بن داود الرعيني: ضعيف، واتُّهم، راجع ترجمته تحت الحديث المتقدم برقم (٢٣٦)، وقد نقم عليه روايته عن خالد بن نزار؛ فإنه لم يدركه. ترتيب المدارك (١/ ٤٧٦)]:
عن عبد الرحمن بن زيد [ضعيف]، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ ، قيل له: أحدنا يصبح ولم يوتر، يغلبه النوم؟ قال: "فليوتر وإن أصبح".
أخرجه ابن نصر المروزي في الوتر (٣٢٩ - مختصره)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٣٥٠/ ٨٨٤٢).
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث موصولًا عن زيد بن أسلم، إلا ابنه عبد الرحمن، ورواه جماعة مقطوعًا عن عطاء بن يسار".
* خالف عبدَ الرحمن بنَ زيد أخوه عبدُ الله، فأرسله:
رواه قتيبة بن سعيد [ثقة ثبت]، قال: حدثنا عبد الله بن زيد بن أسلم، عن أبيه، أن النبي ﷺ قال: "من نام عن وتره فليصل إذا أصبح".
أخرجه الترمذي في الجامع (٤٦٦)، وفي العلل الكبير (١٣٥). [التحفة (٣/ ٣٩٠/ ٤١٦٨) و (١٨٦٦٥)، المسند المصنف (٢٨/ ١٨١/ ١٢٦٣٠)].
قال الترمذي في الجامع: داوهذا أصح من الحديث الأول. سمعت أبا داود السجزي -يعني: سليمان بن الأشعث-، يقول: سألت أحمد بن حنبل عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فقال: أخوه عبد الله: لا بأس به.
وسمعت محمدًا يذكر عن علي بن عبد الله: أنه ضعَّف عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقال: عبد الله بن زيد بن أسلم: ثقة.
стр. 8340
وقد ذهب بعض أهل الكوفة إلى هذا الحديث، وقالوا: يوتر الرجل إذا ذكر، وإن كان بعد ما طلعت الشمس. وبه يقول سفيان الثوري".
وقال في العلل: "وهذا أصح، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ضعيف الحديث، سمعت محمدًا يقول: قال علي بن المديني: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ضعيف الحديث، وعبد الله بن زيد بن أسلم: ثقة".
وقال ابن نصر: "وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أصحاب الحديث لا يحتجون بحديثه، وقد يحتمل أن يكون تأويله ما قال وكيع [يعني: من ليلته] إن كان الحديث على ما رواه وكيع محفوظًا، فإن غير وكيع رواه عن عبد الرحمن بن زيد، يعني: بغير هذا اللفظ الذي رواه وكيع".
ثم قال بعد الرواية الأخرى: "وهذا أشبه أن يكون محفوظًا من رواية وكيع، وكان وكيع يحدث من حفظه، فربما غير ألفاظ الحديث، والذي ذهب إليه جماعة من أصحابنا أن من طلع عليه الفجر ولم يوتر فإنه يوتر؛ ما لم يصل الغداة، اتباعًا للأخبار التي رويت عن أصحاب النبي ﷺ أيضًا أنهم أوتروا بعد الصبح، وقد روي عن النبي ﷺ [أنه أوتر] بعدما أصبح، فإذا صلى الغداة فإن جماعة من أصحابنا قالوا: لا يقضي الوتر بعد ذلك، وقد روي ذلك عن جماعة من المتقدمين أيضًا، إلى هذا ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم من أصحابنا".
وقال ابن عدي: "وهذه الأحاديث التي ذكرتها، يرويها عبد الرحمن بن زبد بن أسلم: غير محفوظة، وبعضها يرويه غير عبد الرحمن عن زيد مرسلًا".
وقال ابن شاهين: "ليس هو حديث مرضي السند".
لكن قال الدارقطني في التعليقات على المجروحين (١٥٩): "أما حديث الوتر، فقد رواه رجل ثقة، عن زيد بن أسلم، كرواية عبد الرحمن ابنه عنه، وهو: أبو غسان محمد بن مطرف المديني".
وقال ابن أبي الفوارس: "وأبو غسان: أثبت من عبد الرحمن بن زيد بن أسلم".
* قلت: حديث أبي غسان محمد بن مطرف: حديث غريب، وإنما يُعرف من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وبه اشتهر، وعليه يدل كلام الترمذي وابن نصر وابن عدي وابن شاهين، وهو معلول بحديث أخيه عبد الله حيث أرسله، وعبد الله بن زيد بن أسلم العدوي: صدوق، ضعفه ابن معين وأبو زرعة، ولينه النسائي، لكن قال فيه أبو حاتم على تشدده: "ليس به بأس"، ووثقه أحمد وابن المديني، وروى عنه: ابن المبارك وابن مهدي، فهو: صدوق، يحتج به [التهذيب (٢/ ٣٣٨)]، وقوله يقدم في هذا الحديث؛ فإن أهل بيت الرجل أعلم بحديثه من الغرباء، فهو حديث مرسل، والله أعلم.
* قال محمد بن يحيى، شيخ ابن ماجه: "في هذا الحديث [يعني: حديث أبي نضرة عن أبي سعيد مرفوعًا: "أوتروا قبل أن تصبحوا"]: دليل على أن حديث عبد الرحمن واهٍ".
стр. 8341
قلت: كلام محمد بن يحيى الذهلي يدل أيضًا على غرابة حديث محمد بن مطرف، وعدم اشتهاره، وأن هذا الحديث إنما كان يُعرف بعبد الرحمن بن زيد، وحديث الثقة إذا لم يشتهر عند أئمة زمانه وغاب عن أكثر النقاد، كالذهلي والترمذي وابن ماجه وابن نصر وابن عدي وابن شاهين، فيدل على شدة غرابته، أو أنهم وقفوا عليه إلا أنهم عدوه غريبًا مردودًا، فلم يعتبروا به، وصار عندهم كالعدم.
قال ابن رجب في الفتح (٦/ ٢٤٦): "ورده بعضهم بأن أبا سعيد روى عن النبي ﷺ : "أوتروا قبل أن تصبحوا"، وهذا يخالفه وليس كذلك؛ فإن الأمر بالإيتار قبل الصبح أمر بالمبادرة إلى أدائه في وقته، فإذا فات وخرج وقته، ففي هذا أمر بقضائه، فلا تنافي بينهما.
وفي تقييد الأمر بالقضاء لمن نام أو نسيه يدل على أن العامد بخلاف ذلك، وهذا متوجه؛ فإن العامد قد رغب عن هذه السنة، وفوتها في وقتها عمدًا، فلا سبيل له بعد ذلك إلى استدراكها، بخلاف النائم والناسي".
وانظر: زاد المعاد (١/ ٣١٣).
* وروى عامر الأحول، عن الحسن، عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ في الذي ينسى الصلاة، قال: "يصليها إذا ذكرها".
أخرجه أبو يعلى (٢/ ٤٠٧/ ١١٩٠)، والطبراني في الأوسط (٨/ ١٣٦/ ٨١٩٩).
وهذا حديث منكر؛ الحسن البصري: لم يسمع من أبي سعيد [المراسيل (١٣٠ و ١٣١) وغيره]، وعامر بن عبد الواحد الأحول البصري: ليس بالقوي، وثقه أبو حاتم [انظر: التهذيب (٢/ ٢٦٩)، الميزان (٢/ ٣٦٢)، راجع فضل الرحيم الودود (٥/ ٣٥٠/ ٤٤٧) و (٦/ ١٥/ ٥٠٢)].
قال الهيثمي في المجمع (١/ ٣٢٢): "رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح، وهو في السنن بلفظ: "من نام عن الوتر أو نسيه"".
* ومن شواهده:
١ - حديث ابن عمر:
أ- رواه أبو عصام رواد بن الجراح، قال: حدثنا نهشل، عن الضحاك، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "من فاته الوتر من الليل فليقضه من الغد عند الضحى".
أخرجه ابن عدي في الكامل (٣/ ١٧٨) و (٧/ ٥٧)، والدارقطني (٢/ ٢٢)، وابن شاهين في الناسخ (٢١٤). [الإتحاف (٨/ ٤٧٥/ ٩٧٩٤)].
قال ابن عدي بعد أن أخرجه في ترجمة رواد؛ منكرًا به عليه: "ولرواد بن الجراح: أحاديث صالحة وإفرادات وغرائب، ينفرد بها عن الثوري وغير الثوري، وعامة ما يروي عن مشايخه لا يتابعه الناس عليه، وكان شيخًا صالحًا، وفي حديث الصالحين بعض النكرة؛ إلا أنه ممن يكتب حديثه".
ثم أخرجه مرة أخرى في ترجمة نهشل، وقال: "وهذه الأحاديث كلها عن الضحاك: غير محفوظة، ونهشل يرويها عن الضحاك".
стр. 8342
قال ابن شاهين: "هذا مرسل، ليس عند الضحاك عن ابن عمر"، وقال أيضًا: "ليس هو حديث مرضي السند؛ لأن حديث ابن عمر رواه أبو عصام، وهذا هو رواد بن الجراح، عن نهشل، ونهشل هذا هو ابن سعيد قريبًا منه، عن الضحاك عن ابن عمر، ولا أعلم أن الضحاك رأى ابن عمر ولا سمع منه".
وفي تخريج الأحاديث الضعاف (١٦٨): "رواد ونهشل: ضعيفان".
قلت: هو حديث باطل؛ الضحاك بن مزاحم: لم يسمع من ابن عمر شيئًا [المراسيل لابن أبي حاتم (٣٤٣ و ٣٤٤)].
ونهشل بن سعيد: متروك متهم، كذبه الطيالسي وابن راهويه [التهذيب (٤/ ٢٤٣)].
ورواد بن الجراح: وإن كان في الأصل صدوقًا؛ إلا أنه اختلط، وكثرت مناكيره، وتركه بعضهم لأجل ذلك، حتى قال ابن عدي: "وعامة ما يروي عن مشايخه لا يتابعه الناس عليه" [التهذيب (١/ ٦١٢)، الميزان (٢/ ٥٥)، الكامل (٣/ ١٧٦)]، والله أعلم.
• ويُعرف بعض هذا عن ابن عمر موقوفًا عليه:
فقد روى وكيع بن الجراح، وجعفر بن عون، ويعلى بن عبيد الطنافسي، غيرهم:
عن مسعر، عن وبرة، قال: سألت ابن عمر عمن ترك الوتر حتى تطلع الشمس أيصليها؟ قال: أرأيت لو تركت صلاة الصبح حتى تطلع الشمس هل كنت تصليها؟ قال: قلت: فمه؟، قال: فمه. لفظ جعفر.
وفي رواية وكيع: سألت ابن عمر عن رجل أصبح ولم يوتر، قال: أرأيت لو نمت عن الفجر حتى تطلع الشمس، أليس كنت تصلي؟ كانه يقول: يوتر.
وفي رواية يعلى: سألت ابن عمر عن الوتر بعد الفجر، فقال: لو تركت صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، أكنت تصليها؟ قلت: فمه، قال: فمه.
أخرجه محمد بن الحسن الشيباني في الحجة (١/ ١٩٤ - ١٩٥)، وابن أبي شيبة (٢/ ٨٧/ ٦٧٩٤)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (٢/ ٤٧)، والبيهقي (٢/ ٤٨٠).
وهذا موقوف على ابن عمر بإسناد صحيح على شرط البخاري [البخاري (١٧٤٦)].
• ورواه ابن فضيل، عن بيان، عن وبرة، قال: جاء ابن عمر مع الفجر فأوتر.
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٨٥/ ٦٧٦١).
وهذا موقوف على ابن عمر بإسناد صحيح على شرط مسلم [مسلم (١٢٣٣)].
ب- وروى محمد بن إسحاق الصغاني [ثقة ثبت حافظ]: ثنا عمرو بن عاصم [الكلابي، وهو: صدوق، ليس بذاك الحافظ الذي يعتمد على حفظه، وتقع الأوهام والمناكير في حديثه. راجع ما تقدم في فضل الرحيم (٥/ ٩٧/ ٤١٢) و (٦/ ٤٣٠/ ٥٧٠)]: ثنا همام: ثنا قتادة، عن أبي مجلز، عن ابن عمر؛ أن النبي ﷺ أصبح فأوتر.
أخرجه البيهقي (٢/ ٤٧٩).
قلت: وهذا من مناكير عمرو بن عاصم الكلابي، حيث تفرد به عن همام عن قتادة
стр. 8343
به، وإنما يُعرف هذا عن ابن عمر موقوفًا عليه، وليس هو من حديث قتادة عن أبي مجلز؛ بل من حديث عاصم الأحول عن أبي مجلز، والله أعلم.
• فقد رواه أيضًا: محمد بن إسحاق، قال: ثنا سعيد -يعني: ابن عامر-، عن شعبة، عن عاصم، عن أبي مجلز، قال: أصبح ابن عمر ولم يوتر، أو كاد يصبح، أو أصبح إن شاء النّه تعالى، ثم أوتر.
أخرجه البيهقي (٢/ ٤٧٩).
قال البيهقي: "وهذا أشبه، والله أعلم"، يعني: موقوفًا على ابن عمر بإسناد جيد.
قلت: وهذا وإن تفرد به سعيد بن عامر الضبعي عن شعبة، وهو: صدوق، قال أبو حاتم: "وكان في حديثه بعض الغلط"، وقال البخاري: "كثير الغلط" [التهذيب (٢/ ٢٧)، علل الترمذي الكبير (١٧٩)]؛ إلا أن حديثه هذا أولى بالصواب من حديث عمرو بن عاصم عن همام، ذلك لأمرين:
الأول: رواه محاضر بن المورع [ليس به بأس]، قال: ثنا عاصم [هو: ابن سليمان الأحول]، عن لاحق [هو: ابن حميد، أبو مجلز]، عن ابن عمر قال يومًا: ما أوترت حتى أصبحت.
أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٩٢/ ٢٦٧٦).
الثاني: أن بيان بن بشر، قد رواه عن وبرة، قال: جاء ابن عمر مع الفجر فأوتر [كما تقدم].
فهو إذًا موقوف على ابن عمر فعله، ولا يُعرف مرفوعًا، والله أعلم.
* هذا وجه من الإعلال.
* ووجه آخر: قد يقال بأن المحفوظ هو ما رواه:
• أبو التياح [وعنه: عبد الوارث بن سعيد، وشعبة]، وقتادة [وعنه: شعبة]:
عن أبي مجلز، عن ابن عمر [وفي رواية قتادة: سمعت ابن عمر]، قال: قال رسول الله ﷺ : "الوتر ركعة من آخر الليل".
أخرجه مسلم (٧٥٢/ ١٥٣ و ١٥٤).
• وما رواه همام: حدثنا قتادة، عن أبي مجلز، قال: سألت ابن عباس عن الوتر، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ركعة من آخر الليل"، وسالت ابن عمر، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ركعة من آخر الليل".
أخرجه مسلم (٧٥٣/ ١٥٥)، والله أعلم.
ولا يثبت في الباب حديث مرفوع: أن النبي ﷺ أوتر بعدما أصبح.
• وروي عن ابن عمر موقوفًا أيضًا من وجه آخر [أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١٣/ ٤٦١٢)].
٢ - حديث أبي هريرة:
رواه زياد بن الخليل التستري [مكثر عن إبراهيم بن المنذر؛ كأنه راويته، قال
стр. 8344
الدارقطني: "لا بأس به "، وذكر له وهمًا في العلل. سؤالات الحاكم (١٥٣)، علل الدارقطني (٨/ ١٠٨/ ١٤٣٣)، تاريخ بغداد (٩/ ٥٥٧ - ط الغرب)، الأنساب (١/ ٤٦٥)، تاريخ الإسلام (٦/ ٧٥٢)، الثقات لابن قطلوبغا (٤/ ٣٤٥)]: ثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي: ثنا محمد بن فليح، عن أبيه، عن هلال بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أصبح أحدكم ولم يوتر؛ فليوتر".
أخرجه الحاكم (١/ ٣٠٣) (٢/ ٦٥/ ١١٤٩ - ط الميمان)، وعنه: البيهقي (٢/ ٤٧٨). [الإتحاف (١٥/ ١٥٤/ ١٩٠٥٨)].
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه".
قلت: هذا الإسناد على شرط البخاري، فقد روى البخاري بهذه السلسلة في صحيحه خمسة أحاديث (٢٣٧٨ و ٢٧٩٣ و ٣٢٢٩ و ٣٢٥٤ و ٤٧٨١) عن شيخه إبراهيم بن المنذر به، وروى بها أيضًا خمسة أحاديث (٢٣٩٩ و ٣١١٧ و ٣٢٥٢ و ٣٢٥٣ و ٣٤٤٣) من طريق فليح به [وانظر: التحفة (١٣٦٠١ - ١٣٦١٢)].
ورجال هذا الإسناد ممن ينتقي لهم البخاري ما صح من أحاديثهم فيدخلها في جامعه الصحيح، وءان خالف البخاري غيره في اجتهاده؛ حيث ثبت الجرح في بعضهم:
فليح بن سليمان: مدني، ليس بالقوي، روى عن أهل المدينة أحاديث مستقيمة وغرائب، وله أوهام كثيرة ومناكير، انتقى البخاري من حديثه ما صح فأدخله في جامعه الصحيح، واحتج به [انظر: التهذيب (٣/ ٤٠٤)، الميزان (٣/ ٣٦٥)، وما تقدم تحت الأحاديث رقم (١٩٩ و ٣٤٤ و ٤٨٠ و ٥٠٧ و ٥١٦) وغيرها].
وابنه محمد بن فليح: ما به بأس، ليس بذاك القوي، وإبراهيم بن المنذر الحزامي: صدوق.
ومن القوادح في صحة هذا الحديث: إعراض البخاري عنه مع احتياجه إليه في بابه، حيث بوب في صحيحه: باب ساعات الوتر، وباب ليجعل آخر صلاته وترًا، وهما أنسب الأبواب لهذا الحديث، ومع ذلك أعرض عنه البخاري؛ فلو كان صحيحًا على شرطه، أو كان مما انتقاه من حديث هذين؛ لأخرجه في كتاب الوتر، ولو تنزلنا وفرضنا صحته جدلًا لقلنا: المراد به: إذا طلع الفجر ولم يوتر أحدكم فليوتر قبل أن يصلي الصبح، كما ثبت ذلك عن بعض الصحابة، لكن الحديث لا يثبت، وإسناده ليس بالقوي، لا سيما مع إعراض البخاري عنه وعدم انتقائه له، والله أعلم.
٣ - حديث أبي الدرداء، وحديث عائشة:
رواه حاتم بن سالم البصري: ثنا عبد الوارث بن سعيد [بصري، ثقة ثبت]، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: ربما رأيت النبي ﷺ يوتر، وقد قام الناس لصلاة الصبح.
أخرجه الحاكم (١/ ٣٠٣) (٢/ ٦٥/ ١١٤٨ - ط الميمان)، وعنه: البيهقى.
(٢/ ٤٧٩). [الإتحاف (١٢/ ٦١٥/ ١٦١٩٥)].
стр. 8345
قال "الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه".
لكن قال البيهقي: "تفرد به: حاتم بن سالم البصري، ويقال له: الأعرجي، وحديث ابن جريج: أصح من ذلك، والله أعلم".
قلت: هو حديث منكر؛ تفرد به عن عبد الوارث بن سعيد دون أصحابه الثقات على كثرتهم: حاتم بن سالم القزاز البصري الأعرجي، قال ابن أبي حاتم: "ترك أبو زرعة الرواية عنه، ولم يقرأ علينا حديثه"، وقال أبو حاتم:، يتكلمون فيه" [الجرح والتعديل (٣/ ٢٦١)، الثقات (٨/ ٢١١)، اللسان (٢/ ٥٠٦)، الثقات لابن قطلوبغا (٣/ ٢٢٧)].
• وإنما يروى هذا عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أي الدرداء فعله:
فقد رواه علي بن عبد العزيز البغوي [ثقة حافظ]، قال: حدثنا حجاج بن منهال [ثقة]، قال: حدثنا حماد بن سلمة [ثقة]، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة؛ أن أبا الدرداء قال: إني لأوتر وقد صفط الناس في صلاة الفجر.
أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٩٣/ ٢٦٨١).
وهذا موقوف على أبي الدرداء بإسناد منقطع، رجاله ثقات، أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي: لم يدرك أبا الدرداء، بينهما أم الدرداء.
• وقد روي عن أبي الدرداء خلاف ذلك:
روى أبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد [ثقة ثبت، من أصحاب ابن جريج المكثرين عنه، قال الدارقطني: "حسن الرواية عنه"، يعني: عن ابن جريج، وقدَّمه فيه، وهو مكي تحول. إلى البصرة. التقريب (٤٥٩)، سؤالات ابن بكير (٥٤)، شرح علل الترمذي (٢٧٢)]، وروح بن عبادة. [ثقة، كان ابن جريج يخصه كل يوم بشيء من الحديث، أخرج له الشيخان من حديثه عن ابن جريج. التهذيب (٦١٤/ ١)]:
ثنا ابن جريج [ثقة حافظ]: أخبرني زياد [هو: ابن سعد؛ ثقة ثبت]؛ أن أبا نهيك أخبره؛ أن أبا الدرداء كان يخطب الناس فيقول: لا وتر لمن أدركه الصبح، قال: فانطلق رجال إلى عائشة، فأخبروها فقالت: كذب أبو الدرداء، كان النبي ﷺ يصبح فيوتر.
وفي رواية: قيل لأبي عاصم: من دون زياد؛ قال: أخبرنا ابن جريج، أخبرني زياد.
أخرجه أحمد (٦/ ٢٤٢)، وابن نصر المروزي في الوتر (٣٣٠ - مختصره)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٣٣٠/ ٢١٣٢)، وابن عدي في الكامل (١/ ٤٩)، والبيهقي (٢/ ٤٧٩). [الإتحاف (١٢/ ٦٥٨/ ١٦١٨٢) و (١٧/ ٦٦٤/ ٢٣٠٠٠)، المسند المصنف (٣٧/ ٣٣٠/ ١٧٩٢٤)].
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن ابن جريج إلا أبو عاصم".
• ورواه عبد الرزاق [ثقة حافظ، من أثبت الناس في ابن جريج]، عن ابن جريج، قال: أخبرت عن أبي الدرداء، قال: لا وتر لمن أدركه الصبح، فذكر ذلك لعائشة، فقالت: كذب أبو الدرداء، كان النبي ﷺ يصبح فيوتر.
стр. 8346
أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١١/ ٤٦٠٣). [المسند المصنف (٣٧/ ٣٣٠/ ١٧٩٢٤)].
قلت: الذي عيَّن الواسطة ثقة ثبت، من أصحاب ابن جريج، وهي زيادة من حافظ يُعتمد على حفظه، فهي مقبولة، لا سيما وقد صرح فيها ابن جريج بالسماع، كذلك فإن الذي عين الواسطة عدد، والذي أبهمها واحد، ورواية العدد أولى من رواية الواحد وأبعد عن الوهم، وقد حفظ الاثنان ما لم يحفظه عبد الرزاق، ومن علم حجة على من لم يعلم، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، والله أعلم.
وعليه: فإن هذا إسناد رجاله ثقات؛ عدا أبي نهيك، ترجم له ابن معين والبخاري ومسلم والدولابي وابن حبان وأبو أحمد الحاكم وابن عبد البر بكنيته، فيمن لا يُعرف اسمه، وقال الترمذي: "أبو نهيك: هو خراساني مروزي، ولم يعرف محمد اسمه"، يعني: البخاري، وسماه أبو حاتم وأبو زرعة: عثمان بن نهيك، وذكره ابن حبان في الثقات، وروى عنه جماعة، وقال ابن عبد البر في الاستغناء: "أبو نهيك: روى عن ابن عباس، روى عنه عبد المؤمن بن خالد، اسمه عبد الله بن يزيد، هو مجهول، وعبد المؤمن بن خالد: معروف"، ثم ذكر في الجماعة الذين لا تعرف أسماؤهم: "أبو نهيك: عن عبد الله بن عباس وأبي زيد عمرو بن أخطب، روى عنه: قتادة بن دعامة، وزياد بن سعد الخراساني، والحسين بن واقد" [انظر: تاريخ ابن معين للدوري (٤/ ٢٥٩/ ٤٢٥٦)، كنى البخاري (٧٦)، كنى مسلم (٣٤٣٤)، ترتيب العلل الكبير (٦٨٢)، الجرح والتعديل (٦/ ١٧١)، الثقات (٥/ ٥٨٢)، الإرشاد (٣/ ٨٨٣)، الاستغثاء (٨٧٩ و ١٩٤٥)، تاريخ الإسلام (٣/ ١٩٨ - ط الغرب)، إكمال مغلطاي (٩/ ١٩٠)، التهذيب (٣/ ٨١)].
قلت: ومثل هذا لا يحتج به على انفراده، بل لا بد له من متابع حتى نعلم أنه قد حفظ وضبط الرواية، فكيف وقد خالف جمعًا من ثقات أصحاب عائشة في أن النبي ﷺ كان يفرغ من وتره قبل طلوع الفجر ودخول وقت الصبح، فهو حديث منكر.
* وقد خولف في ذلك عن أبي الدرداء:
• فقد روى أبو نعيم [ثقة ثبت]، قال: حدثنا مسعر [ثقة ثبت]، عن الوليد بن أبي مالك [هو الوليد بن عبد الرحمن بن هانئ، وهو شامي ثقة، يروي عن التابعين، مثل: القاسم بن عبد الرحمن، وأبي إدريس الخولاني، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: "يروي عن جماعة من الصحابة"، وقال الدارقطني: "تابعي متأخر". التاريخ الكبير (٨/ ١٤٧)، الجرح والتعديل (٩/ ١٩)، الثقات (٥/ ٤٩٢)، تاريخ دمشق (٦٣/ ١٥٣)، تهذيب الكمال (٣١/ ٤٠)، التهذيب (٤/ ٣١٨)]، عن أبي عبيد الله، عن أبي الدرداء، قال: إني لأوتر وراء عمود، والإمام في الصلاة.
أخرجه أبو زرعة الدمشقي في تاريخه (٧٠٠)، ومن طريقه: ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٣/ ١٥٤).
• ورواه وكيع بن الجراح [ثقة حافظ]، عن مسعر، عن الوليد بن أبي مالك، عن
стр. 8347
أبي عبيد الله، عن أبي الدرداء، قال: إني لأجيء إلى القوم وهم صفوف في صلاة الفجر، فاصلي الركعتين، ثم أنضم إليهم.
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٥٧/ ٦٤٢١).
وأخرجه الطحاوي (١/ ٣٧٥)، والبيهقي في الخلافيات (٣/ ٣٧٢/ ٢٥٩٨)، من وجه آخر عن أبي عبيد الله، عن أبي الدرداء.
وأبو عبيد الله هذا: هو مسلم بن مشكم، كاتب أبي الدرداء: شامي ثقة.
وهذا موقوف على أبي الدرداء بإسناد صحيح، وهذا أولى وأصح من كل ما روي عن أبي الدرداء في هذا الباب، وتعضده رواية أبي قلابة عن أبي الدرداء المنقطعة، والله أعلم.
وعليه: فالثابت عن أبي الدرداء: أنه كان يوتر والإمام في صلاة الصبح، وقبل أن يصلى الفريضة.
* كما قد صح عن عائشة موقوفًا عليها:
• فقد روى سفيان الثوري [وعنه: عبد الرحمن بن مهدي، ووكيع بن الجراح، والحسين بن حفص، وعبد الرزاق بن همام]، وشعبة [وعنه: وهب بن جرير]، وأبو عوانة:
كلهم عن أبي إسحاق، عن الأسود بن يزيد، قال: سألت عائشة ﵂ متى توترين؟ قالت: بين الأذان والإقامة، وما يؤذنون حتى يصبحوا. لفظ الثوري، وبنحوه لفظ أبي عوانة، وآخره من قول الأسود.
ولفظ شعبة: قلت يا أم المؤمنين متى توترين؟ قالت: إذا أذن المؤذن، قال الأسود: وإنما كانوا يؤذنون بعد الصبح.
أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١٧/ ٤٦٢٨)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٩٣/ ٢٦٨٢)، والطحاوي (١/ ١٤١)، وابن حزم في المحلى (٣/ ١١٩)، والبيهقي (٢/ ٤٨٠). [الإتحاف (٦/ ١٠٤٦/ ٢١٥٨٦)].
وهذا موقوف على عائشة بإسناد صحيح على شرط الشيخين.
راجع تخريجه بطرقه في فضل الرحيم الودود (٦/ ٢١٠/ ٥٣٤)، وقد اقتصرت منه هنا على موضع الشاهد، وهو محفوظ، وقد أخطأ أبو إسحاق في طرفه المرفوع، وقلب متنه، لكن الموقوف منه صحيح، مع بيان فصل المدرج، وأنه من قول الأسود بن يزيد، والله أعلم.
• وروى مسدد بن مسرهد [ثقة ثبت]، قال: ثنا سلام بن أبي مطيع [بصري، ثقة]، عن أم شبيب، قالت: سمعت غائشة تقول: إذا سمعتِ الصرخة فأوتري بركعة.
أخرجه مسدد في مسنده (٤/ ٥٢٠/ ٦٣٤ - مطالب)، ومن طريقه: ابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٧٩/ ٢٦٤٥).
• ورواه حماد بن سلمة [ثقة]، قال: حدثتنا أم شبيب، عن عائشة، قالت: إني لأوتر، وأنا أسمع الصرخة.
стр. 8348
أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٩٢/ ٢٦٧٩).
وهذا موقوف على عائشة بإسناد صحيح، أم شبيب: ثقة [طبقات ابن سعد (٨/ ٤٨٧)، سؤالات ابن طهمان (٣٣٢)، التاريخ الكبير (٤/ ٢٣٣)، الجرح والتعديل (٤/ ٣٦٠)].
* وقد روى جماعة من ثقات أصحاب عائشة أن النبي ﷺ كان يفرخ من صلاة الليل والوتر قبل بزوغ الفجر الصادق، وقد سبق أن تكلمت عن مسألة قريبة من هذه تحت الحديث رقم (١٣١٨)، والذي رواه إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن أبي سلمة، عن عائشة، قالت: ما ألفاه السَّحَرُ عندي إلا نائمًا، تعني: النبي ﷺ [أخرجه البخاري (١١٣٣)]، وفي رواية مسعر بن كدام، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن عائشة، قالت: ما ألفى رسولَ الله ﷺ السَّحَرُ الأعلى في بيتي -أو: عندي-، إلا نائمًا، وفي رواية: ما ألفى النبيَّ ﷺ السَّحَرُ الآخرُ قطُّ عندي إلا نائمًا [أخرجه مسلم (٧٤٢)]، ومما قلت هناك:
مما جاء في معنى حديث أبي سلمة هذا عن عائشة: ما ألفاه السحر عندي إلا نائمًا؛ ما صح عن ابن عباس؛ مما يدل على نومه ﷺ بعد وتره، وقبل الفجر:
فقد روى مالك، عن مخرمة بن سليمان، عن كريب، عن ابن عباس؛ في قصة مبيته عند خالته ميمونة، وموضع الشاهد منه: ثم أوتر، ثم اضطجع، حتى أتاه المؤذن، فقام فصلى ركعتين خفيفتين، ثم خرج فصلى الصبح [يأتي عند أبي داود برقم (١٣٦٧)، وهو في الموطأ (٣١٧)، والبخاري (١٨٣ و ٩٩٢ و ١١٩٨ و ٤٥٧٠ - ٤٥٧٢)، ومسلم (٧٦٣/ ١٨٢)].
وأما حديث عروة وأبي سلمة عن عائشة فيدل ظاهره على أن النبي ﷺ كان يصِلُ صلاة الليل بركعتي الفجر ثم يضطجع بعدهما، يعني: أنه ﷺ كان يصلي في وقت السحر، فلم يكن الاضطجاع عندئذ في وقت السحر، وإنما كان بعد طلوع الفجر:
ففي روايةٍ عن أبي سلمة، عن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ إذا صلى من الليل ثم أوتر صلى الركعتين؛ فإن كنت مستيقظة حدثني، والا اضطجع حتى يأتيه المنادي [وهذا أصله في مسلم (٧٤٣)، تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٢٦٢)].
• وروى الزهري، عن عروة بن الزبير؛ أن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة، فإذا طلع الفجر صلى ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الأيمن، حتى يجيء المؤذن فيؤذنه [رواية معمر، عند البخاري (٦٣١٠)].
وفي رواية عمرو بن الحارث [عند مسلم]: كان رسول الله ﷺ يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء -وهي التي يدعو الناس العتمة- إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة، فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر، وتبين له الفجر، وجاءه المؤذن، قام فركع ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الأيمن، حتى يأتيه المؤذن للإقامة.
стр. 8349
وفي رواية ابن أبي ذئب [عند أحمد (٦/ ٧٤ و ١٤٣ و ٢١٥)، والدارمي، وبنحوه لفظ شعيب عند البخاري (٩٩٤ و ١١٢٣)، ولفظ يونس عند أحمد (٦/ ٢٤٨)، ولفظ الأوزاعي عند أحمد (٦/ ٨٣)، وابن حبان (٢٤٣١)]: كان النبي ﷺ يصلي ما بين صلاة العشاء الآخرة إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم في كل اثنتين، ويوتر بواحدة، ويسجد في سبحته [وفي رواية: ويمكث في سجوده] بقدر ما يقرأ أحدكم بخمسين آية قبل أن يرفع رأسه، فإذا سكت المؤذن بالأولى من أذانه، قام فركع ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الأيمن، حتى يأتيه المؤذن فيخرج معه. [تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٢٦٢)].
* وهذا موافق لما رواه: مسلم، عن مسروق، عن عائشة، قالت: مِن كلِّ الليل قد أوتر رسول الله ﷺ ، فانتهى وتره إلى السحر.
أخرجه البخاري (٩٩٦)، ومسلم (٧٤٥)، ويأتي تخريجه في السنن برقم (١٤٣٥).
* وكذلك ما رواه: يحيى بن وثاب، عن مسروق، عن عائشة، قالت: من كل الليل قد أوتر رسول الله ﷺ ، من أول الليل، وأوسطه، وأخره، فانتهى وتره إلى السحر.
أخرجه مسلم (٧٤٥)، ويأتي تخريجه في السنن برقم (١٤٣٥)، إن شاء الله تعالى.
وطريق الجمع ببن هاتين الطائفتين من الأحاديث: أن تحمل هذه الأحاديث على اختلاف أحوال النبي ﷺ ، فقد كان أحيانًا يوتر ثم ينام وقت السحر [كما دل عليه حديث أبي سلمة عن عائشة، وحديث ابن عباس، وحديث ابن عمرو من قوله ﷺ في صلاة داود]، وأحيانًا يصل صلاته بالليل بركعتي الفجر ثم يضطجع بعدها [كما دل عليه حديث عروة وأبي سلمة عن عائشة، وحديث مسروق عن عائشة]، وحديث مسروق يزيل الإشكال حيث أخبرت فيه عائشة: أن النبي ﷺ قد أوتر من كل الليل، فأوتر أحيانًا في أول الليل، وأوتر في أوسطه، وأوتر في آخره، لكن كان آخر أمره ﷺ في صلاته بالليل قبل وفاته ﷺ الوتر وقت السحر، فقالت: فانتهى وتره إلى السحر، فلا تعارض فيما نقلته عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ ، فإنما كانت تحكي بعض أحواله، وقد أخبرت أبا سلمة بالحالين معًا، لكن في وقتين متفرقين، وحديثين مستقلين، ثم جمعتهما معًا لمسروق في حديث واحد، وعليه فحديث مسروق عنها قاضٍ على حديث غيره، في انتهاء وتره ﷺ إلى السحر، يعني في آخر عمره ﷺ ، والله أعلم.
وراجع في ذلك أيضًا الأحاديث رقم (١٣٣٤ - ١٣٦٧).
• وروي بإسناد آخر واهٍ [أخرجه ابن عدي في الكامل (٤/ ٨٨)].
٤ - حديث ابن مسعود:
رواه يحيى بن حكيم المقوم، وعمرو بن يزيد:
قالا: حدثنا ابن أبي عدي: ثنا شعبة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه؛ أنه كان في مسجد عمرو بن شرحبيل، فأقيمت الصلاة فجعلوا ينتظرونه، فجاء فقال: إني كنت أوتر، وقال: سئل عبد الله -يعني: ابن مسعود-، هل بعد الأذان وتر؟ فقال: نعم،
стр. 8350
وبعد الإقامة، قال: وحدث عن النبي ﷺ -م أنه نام عن الصلاة حتى طلعت الشمس، ثم قام نصلى.
أخرجه النسائي في المجتبى (١/ ٢٩٣/ ٦١٢) و (٣/ ٢٣١/ ١٦٨٥)، وفي الكبرى (٢/ ١٥٣/ ١٣٩٧) و (٢/ ٢٢٨/ ١٥٩٤)، والبيهقي (٢/ ٤٨٠). [التحفة (٦/ ٣٩٠/ ٩٤٨١)، المسند المصنف (١٨/ ٨٦/ ٨٤٣٧)].
• ورواه وكيع بن الجراح، ووهب بن جرير:
عن شعبة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن عمرو بن شرحبيل، قال: سئل عبد الله عن الوتر بعد الأذان، فقال: نعم، وبعد الإقامة.
وفي رواية: أقيمت الصلاة فانتظرنا عمرو بن شرحبيل، وكان إمامهم، فقال: إني كنت أوتر، ثم قال: سئل عبد الله: هل بعد الأذان وتر؟ قال: نعم، وبعد الإقامة.
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٨٥/ ٦٧٦٤)، والطحاوي في المشكل (١١/ ٣٦٣).
وهو إسناد صحيح، رجاله رجال الشيخين، وعمرو بن شرحبيل أبو ميسرة الكوفي الهمداني: سمع ابن مسعود [التاريخ الكبير (٦/ ٣٤١)]، وروايته عنه في الصحيحين [البخاري (٤٧٧ ٤)، مسلم (٦٨)].
وزيادة ابن أبي عدي في المتن: زيادة مقبولة؛ مع هذين في شعبة، فإنه ثقة حافظ، يعتمد على حفظه، والله أعلم [فضل الرحيم الودود (٥/ ٣٤٤/ ٤٤٧)].
• ورواه القاسم بن معن [ثقة]، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن أبي ميسرة، قال: جاء رجل إلى عبد الله، فقال: أوتر بعد النداء؟ فقال: نعم، وبعد الإقامة.
أخرجه النسائي في الكبرى (٢/ ١٥٤/ ١٣٩٨)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٨٢/ ٩٤١٦) [وسقط من إسناده: عن أبيه]. [التحفة (٦/ ٣٩٠/ ٩٤٨١)، المسند المصنف (١٨/ ٨٦/ ٨٤٣٧)].
قال النسائي: "كان القاسم بن معن من الثقات؛ إلا أنه كان مرجئًا".
وهذا موقوف على ابن مسعود بإسناد صحيح.
* قال ابن رجب في الفتح (٩/ ١٥٩) عن الطرف المرفوع: "فإن كان مراده: أنه نام عن الوتر فذاك، وإن كان مراده: أنه نام عن الفريضة ثم قضاها، فيكون مراده إلحاق القضاء في الوتر بالقياس.
وكذا روي عن ابن عمر، أنه قاس قضاء الوتر على قضاء الفرض.
وأخذه بعضهم من عموم قوله: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها"، … ، فيدخل في عمومه الوتر".
قلت: يدل على أنه وقع قياسًا من ابن مسعود، أمور: منها: أنه لم يقع منه التنصيص على قضاء الوتر مع الفريضة، ومنها: أن هذه الواقعة مشهورة، في قصة نومهم عن صلاة
стр. 8351
الفجر حتى طلعت الشمس، رواها أبو قتادة وعمران بن حصين وأبو هريرة وابن مسعود وجبير بن مطعم وأبو مريم السلولي وابن عباس وأبو جحيفة وغيرهم، ولم يقع في حديث أي منهم أن النبي ﷺ قضى الوتر قبل الفريضة أو بعدها، وفي حديث أبي قتادة: ثم أذَّن بلالٌ بالصلاة، فصلى رسول الله ﷺ ركعتين، ثم صلى الغداة فصنع كما كان يصنع كل يوم [أخرجه مسلم (٦٨١)، راجع فضل الرحيم الودود (٥/ ٢٩٧ - ٣٥٢/ ٤٣٥ - ٤٤٧)]، ومنها: أنه صنع في ذلك صنيع ابن عمر في القياس، ومنها: أن أكثر الرواة تركوا ذكر المرفوع من الحديث، لعدم وجود التنصيص على قضاء الوتر فيه، فاقتصروا منه على موضع الشاهد الموقوف، دون المرفوع، والله أعلم.
* وروى عبد الرزاق، عن معمر، والثوري، عن أشعث بن أبي الشعثاء، وأبي حصين، عن الأسود بن هلال، قال: قال: عبد الله: الوتر ما بين الصلاتين.
أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١١/ ٤٦٠٥)، ومن طريقه: ابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٩٢/ ٢٦٧٥)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٨٠/ ٩٤٠٧).
• ورواه أبو نعيم [ثقة ثبت]: ثنا شريك [النخعي: صدوق، سيئ الحفظ]، عن أشعث بن أبي الشعثاء [ثقة]، وأبي حَصين [عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي: ثقة ثبت]، وعياش العامري [عياش بن عمرو العامري الكوفي: ثقة]، عن الأسود بن هلال، قال: قال عبد الله: الوتر ما بين الصلاتين؛ صلاة العشاء وصلاة الفجر.
أخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ٢٨٠/ ٩٤٠٨).
• ورواه أبو عوانة [ثقة ثبت]، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن الأسود بن هلال، عن عبد الله، قال: الوتر ما بين الصلاتين.
أخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ٢٨٠/ ٩٤٠٦)، بإسناد صحيح إلى أبي عوانة.
• ورواه نعيم بن حماد [ضعيف]: حدثنا ابن المبارك: أخبرنا مالك بن مغول [ثقة ثبت]، عن أبي حصين، عن الأسود، عن عبد الله مثله.
أخرجه الطحاوي في المشكل (١١/ ٣٦٢).
• ورواه زائدة بن قدامة [ثقة متقن]: ثنا أبو حصين الأسدي، عن الأسود بن هلال، عن عبد الله بن مسعود، قال: ما بين الصلاتين وتر، ما بين صلاة العشاء وصلاة الفجر.
أخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ٢٨١/ ٩٤٠٩)، بإسناد صحيح إلى زائدة.
• ورواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود بن هلال، عن عبد الله، مثل ذلك.
أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١٢/ ٤٦٠٦)، ومن طريقه: الطبراني في الكبير (٩/ ٢٨١/ ٩٤١٠).
• ورواه زهير بن معاوية [ثقة ثبت، تأخر سماعه من أبي إسحاق]، وفضيل بن مرزوق [لا بأس به، وفي الإسناد إليه ضعف]:
стр. 8352
عن أبي إسحاق، عن الأسود بن هلال، قال: سمعت ابن مسعود ينادي به نداءً: الوتر ما بين الصلاتين؛ صلاة العشاء وصلاة الفجر، متى أوترت فحسن.
أخرجه أبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (٢٥٦٤)، والطحاوي في المشكل (١١/ ٣٦١ و ٣٦٢)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٨١/ ٩٤١٢)، والبيهقي (٢/ ٤٨٥).
• ورواه علي بن مسهر [ثقة، روايته عن أبي إسحاق الشيباني في الصحيحين]، عن الشيباني [هو: أبو إسحاق، سليمان بن أبي سليمان: ثقة]، عن جامع بن شداد [ثقة]، عن الأسود بن هلال، عن عبد الله، قال: الوتر ما بين الصلاتين.
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٦٧٥٨/٨٤).
قلت: الأسود بن هلال: كوفي، مخضرم، ثقة جليل، سمع معاذ بن جبل أتوفي سنة (١٨)]، وعمر بن الخطاب [توفي سنة (٢٣)] [التاريخ الكبير (١/ ٤٤٩)]، وهما أقدم موتًا من عبد الله بن مسعود [توفي سنة (٣٢)]، وهذا يؤيد رواية أبي إسحاق السبيعي التي وقع فيها التصريح بالسماع، فهو موقوف على ابن مسعود بأسانيد صحيحة.
• وروى الأعمش [وعنه: الثوري]، ومنصور بن المعتمر [وعنه: زائدة بن قدامة]:
عن إبراهيم، عن علقمة، قال: سألته، وكان يبيت عند عبد الله بن مسعود: متى كان عبد الله وتر؟ قال: كان يوتر حين يبقى عليه من الليل مثل ما ذهب من الليل حين صلاة المغرب. لفظ الأعمش.
ولفظ منصور: أن عبد الله كان يوتر إذا بقي من الليل نحو ما ذهب إلى صلاة المغرب.
أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١٧/ ٤٦٢٧)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٨٠/ ٩٤٠٣ و ٩٤٠٥).
وهذا موقوف على ابن مسعود بإسناد صحيح على شرط الشيخين.
• وروى زهير بن معاوية، وأبو بكر بن عياش:
ثنا أبو إسحاق، عن علقمة بن قيس، قال: بت مع عبد الله بن مسعود ليلة فقام أول الليل، ثم قام يصلي فكان يقرأ قراءة الإمام في مسجد حيه، يرتل، ولا يرجع يسمع من حوله، ولا يرفع صوته، حتى لم يبق عليه من الغلس إلا كما بين الأذان للمغرب إلى انصراف منها، ثم أوتر.
أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٥/ ٢٦٢٨/١٧٤)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٨٠/ ٩٤٠٤).
وهذا إسناد لا بأس به في المتابعات، أبو إسحاق السبيعي: لم يسمع من علقمة شيئًا [راجع تقرير ذلك تحت الحديث رقم (١٣٩٦)]، وزهير ممن تأخر سماعه من أبي إسحاق، وكذا أبو بكر بن عياش.
ويمكن حمل هذا الاختلاف على تعدد الوقائع، وتغير الأحوال، وبيان جواز إيقاع الوتر بعد الأذان، وقبل صلاة الصبح، والله أعلم.
стр. 8353
• ويروي عن ابن مسعود أيضًا من وجوه أخرى معلولة [أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١١/ ٤٦٥٤) و (٣/ ١٩/ ٤٦٣٢)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٨١/ ٩٤١١ و ٩٤١٣ - ٩٤١٥)، والبيهقي (٢/ ٤٨٠)].
٥ - حديث علي بن أبي طالب:
رواه غندر محمد بن جعفر، ووهب بن جرير، وأبو داود الطيالسي، وأبو النضر هاشم بن القاسم [وهم ثقات، وفيهم أثبت أصحاب شعبة]:
ثنا شعبة، عن أبي التياح، عن رجل من عنزة، عن رجل من بني أسد، قال: خرج علي حين ثوَّب المثوِّب لصلاة الصبح، فقال: إن رسول الله ﷺ أمرنا بالوتر، وإنه أثبت وتره في هذه الساعة. لفظ وهب، وفي آخر رواية الطيالسي: ووقت له هذه الساعة؛ أذِّن يا ابن النباح، أو: أقم يا ابن النباح.
أخرجه الطيالسي (١٦٩)، وأحمد (١/ ١٠٩/ ٨٦٠ و ٨٦١)، وابن نصر المروزي في الوتر (٣٣٠ - مختصره). [الإتحاف (١١/ ٦٩٩/ ١٤٨٩٥)، المسند المصنف (٢١/ ١٧٤/ ٩٥٢٩)].
• خالفهم: قراد أبو نوح [عبد الرحمن بن غزوان: ثقة، وله ما ينكر]: أنبأنا شعبة، عن أبى التياح: سمعت عبد الله بن أبي الهذيل، يحدث عن رجل من بني أسد، قال: خرج علينا علي بن أبي طالب فسألوه عن الوتر؟ قال: فقال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نوتر هذه الساعة، ثوِّب يا ابن النباح، أو: أذِّن، أو: أقم.
أخرجه أحمد (١/ ٩٠/ ٦٨٩). [الإتحاف (١١/ ٦٩٩/ ١٤٨٩٥)، المسند المصنف (٢١/ ١٧٤/ ٩٥٢٩)].
قلت: هذا حديث منكر؛ في إسناده مجهولان.
* إنما هو موقوف على علي بن أبي طالب:
• رواه علي بن الجعد، وغندر محمد بن جعفر، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان، وأبو داود الطيالسي، ووهب بن جرير، وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، وحفص بن عمر الحوضي، وسليمان بن حرب [وهم ثقات، وفيهم أثبت أصحاب شعبة]:
أخبرنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي؛ قال: إذا سمعتم عن رسول الله ﷺ حديثًا، فظنوا برسول الله ﷺ أهناه [وفي رواية: أهياه] وأهداه وأتقاه.
قال: وخرج علينا حين ثوَّب المثوِّب لصلاة الصبح، فقال: أين السائل عن صلاة الوتر؟ هذا حينُ وترٍ حسنٍ.
وقال أبو داود: حدثنا شعبة، قال: أخبرني عمرو بن مرة؛ سمع أبا البختري، يحدث عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت عليًا، يقول: إذا حدثتكم عن رسول الله ﷺ
стр. 8354
حديثًا، فظنوا برسول الله ﷺ أهناه وأهداه وأتقاه. هكذا اختصره، ولم يذكر موضع الشاهد، وكذا فعل بعض أصحاب شعبة، أو يكون الاختصار من تصرف بعض المصنفين.
أخرجه ابن ماجه (٢٠)، وابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٨٧٨ و ٨٧٩)، وأحمد (١/ ١٢٢/ ٩٨٧) و (١/ ١٢٦/ ١٠٣٩)، والطيالسي (١٠١)، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (١٢١)، والطحاوي في شرح المعاني (٤/ ١٤٧)، وفي شرح المشكل (١/ ١١٠)، وابن بطة في الإبانة (١/ ٢٦٧/ ١٠٣ و ١٠٤)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٧١/ ٦٤٢)، وأبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام وأهله (١٢٣٦، والضياء في المختارة (٢/ ١٩٢/ ٥٧٢). [التحفة (٧/ ٧١/ ١٠١٧٧)، الإتحاف (١١/ ٤٨٤/ ١٤٤٨٠)].
وهذا صحيح عن علي موقوفًا عليه.
• وقد روى طرفه الأول دون موضع الشاهد عن عمرو بن مرة به: مسعر بن كدام [بمثل حديث شعبة، بدون موضع الشاهد]، والأعمش [واختلف عليه في إسناده]، وسفيان الثوري [وسقط من إسناده: أبو عبد الرحمن السلمي].
أخرجه عبد الرزاق في الأمالي (١٩٤)، وأحمد (١/ ١٢٢/ ٩٨٥ و ١٩٨٦، وابنه عبد الله في زيادات المسند (١/ ١٣٠/ ١٠٨٠ - ١٠٨٢) و (١/ ١٣١/ ١٠٩٢)، والدارمي (٦٣٣ - ط البشائر)، وأبو يعلى (١/ ٤٤٣/ ٥٩١)، وابن المنذر في الأوسط (١١/ ٣٠٤/ ٦٦٧٩)، والطحاوي في شرح المعاني (٤/ ١٤٧)، وابن بطة في الإبانة (١/ ٢٦٧/ ١٠٣)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٤٧)، والخطيب في تاريخ بغداد (٢/ ٣٦٦ - ط الغرب)، والضياء في المختارة (٢/ ١٩٢/ ٥٧٣) و (٢/ ١٩٣/ ٥٧٤)، وانظر: علل الدارقطني (٤/ ١٥٦/ ٤٨٣). [الإتحاف (١١/ ٤٠٦/ ١٤٣٠٤) و (١١/ ٤٨٤/ ١٤٤٨٠)].
• وروى سفيان الثوري [وعنه: الحسين بن حفص، وعبد الرزاق بن همام]، وحماد [وعنه: يزيد بن هارون؛ فيحتمل أن يكون حماد هو: ابن سلمة، وهو الأغلب، ويحتمل أن يكون أيضًا هو: ابن زيد، وكلاهما ثقة]:
عن عاصم بن أبي النجود [صدوق]، عن أبي عبد الرحمن [السلمي]، قال: خرج علي ﵁ حين ثوب ابن النباح، فقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾ [التكوير: ١٧، ١٨]، أين السائلون عن الوتر؟، نعم ساعة الوتر هذه.
أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١٨/ ٤٦٣٠)، والشافعي في الأم (١/ ١٤٤) و (٧/ ١٦٨)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٧٣/ ٢٦٢٦)، والبيهقي (٢/ ٤٧٩).
وهذا صحيح عن علي موقوفًا عليه.
• ورواه منصور بن المعتمر، وإسماعيل بن أبي خالد، والحسن بن عبيد الله [وهم ثقات]: عن سعد بن عبيدة [السلمي: ثقة]، عن أبي عبد الرحمن، قال: خرج علي ﵇ مما يلي باب السوق، وقد طلع الصبح أو الفجر، فقرأ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾، أين السائل عن الوتر؟ نعم ساعة الوتر هذه.
стр. 8355
أخرجه أبو إسحاق الحربي في غريب الحديث (١/ ٣٣٣)، والدولابي في الكنى (٢/ ٤٩١/ ٨٨٩)، وابن جرير الطبري في تفسيره (٢٤/ ١٦٠).
وهذا صحيح عن علي موقوفًا عليه، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
• وروى مسعر بن كدام [ثقة ثبت]، وشريك بن عبد الله النخعي [صدوق، سيئ الحفظ]، ومحمد بن جحادة [ثقة، ولا يثبت عنه؛ إذ الراوي عنه: الحسن بن أبي جعفر، وهو: ضعيف، يروي الغرائب عن محمد بن جحادة. التهذيب (١/ ٣٨٦)، الميزان (١/ ٤٨٢)]:
عن أبي حَصين [عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي: ثقة ثبت]، عن أبي عبد الرحمن، قال: خرج علي ﵇ بعد ما أذن المؤذن بالصبح، فقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾، أين السائل عن الوتر؟ قال: نعم ساعة الوتر هذه.
أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٤/ ١٦٠)، والطبراني في الأوسط (٢/ ١٢٢/ ١٤٥١)، وأبو طاهر المخلص في السادس من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (٢٩٣) (١٣١٢ - المخلصيات)، والحاكم (٢/ ٥١٦) (٥/ ١٢٧/ ٣٩٤٩ - ط الميمان).
وهذا صحيح عن علي موقوفًا عليه.
وفي رواية ابن جحادة: أنه كان يخرج حين يؤذن ابن التياح عند الفجر الأول، وهي رواية منكرة.
• وروى إسماعبل بن أبي خالد [وعنه: يعلى بن عبيد]، وحصين بن عبد الرحمن [وعنه: هشيم بن بشير]:
عن أبي ظبيان، قال: خرج علي ﵁ إلى السوق، وأنا بإثره، فقام على الدرج فاستقبل الفجر، فقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾، أين السائل عن الوتر؟ نعم ساعة الوتر هذه. لفظ ابن أبي خالد.
ولفظ حصين: كان علي يخرج إلينا، ونحن ننتظر تباشير الصبح، فيقول: الصلاة الصلاة، نعم ساعة الوتر هذه، فإذا طلع الفجر صلى ركعتين، ثم أقيمت الصلاة فصلى.
أخرجه الشافعي في الأم (١/ ١٤٤) و (٧/ ١٦٥)، وابن أبي شيبة (٢/ ٨٤/ ٦٧٥٤) (٤/ ٤٧٩/ ٦٩٢٢ - ط الشثري)، والبيهقي (٢/ ٤٧٩).
وهذا صحيح عن علي موقوفًا عليه، وأبو ظبيان: حصين بن جندب: ثقة، من الثانية، سمع ابن عباس وجرير بن عبد الله البجلي، واختلف في سماعه من علي، وقد رآه وروى عنه [انظر: فضل الرحيم الودود (٢/ ٢٥٣/ ١٦٠)، التاريخ الكبير (٣/ ٣)، المراسيل (١٧٧)، تحفة التحصيل (٧٨)]، وفي هذا الأثر دليل على سماعه منه.
• وانظر في الاختلاف على إسماعيل بن أبي خالد: ما أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٤/ ١٥٩).
• وقد روي نحو هذا عن أبي إسحاق السبيعي، عن عبد خير، عن علي، ولا يثبت
стр. 8356
[أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١٨/ ٤٦٣١)، وأبو طاهر المخلص في السادس من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (٢٩٣) (١٣١٢ - المخلصيات)، والحاكم (٢/ ٥١٦) (٥/ ١٢٧/ ٣٩٤٩ - ط الميمان)، [رواه عن أبي إسحاق: الحسن بن عمارة، وهو: متروك، وشريك بن عبد الله النخعي، وهو: صدوق، سيئ الحفظ].
وروي عند الخطابي في غريب الحديث (٢/ ١٨٢) بإسناد آخر أشد ضعفًا.
• وروى سعيد بن منصور [ثقة حافظ]، قال: ثنا ابن المبارك [ثقة حجة، إمام فقيه]، قال: أخبرني جعفر بن حيان [أبو الأشهب العطاري: ثقة]، عن معاوية بن قرة؛ أن عليًا حين نظر إلى تباشير الفجر، قال: أين السائل عن الوتر؟ نعم ساعة الوتر هذه.
أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٧٣/ ٢٦٢٥)، قال: حدثنا محمد بن علي [هو: ابن زيد الصائغ، راوي سنن سعيد بن منصور، وهو: ثقة. الثقات (٩/ ١٥٢)، سؤالات السهمي (٥)، التقييد (٨٨)، السير (١٣/ ٤٢٨)]، قال: ثنا سعيد به.
وهذا صحيح عن علي موقوفًا عليه، ومعاوية بن قرة بن إياس البصري: ثقة، من الثالثة، وحديثه عن علي مرسل [المراسيل (٧٤١)، تحفة التحصيل (٣١٠)]، ولا يضره الإرسال؛ فقد صح عن علي من طرق متعددة.
* وروى إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، وأبو الأحوص سلام بن سليم، وشريك بن عبد الله النخعي، وغيرهم:
عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، قال: كان رسول الله ﷺ يوتر عند الأذان، ويصلي الركعتين مع الإقامة. زاد سلام: الأذان الأول. قال سلام: وسمعت أبا إسحاق مرة قال: يوتر عند طلوع الفجر. وقال إسرائيل: ويصلي ركعتي الفجر عند الإقامة.
أخرجه الطيالسي (١٢٨)، وعبد الرزاق (٣/ ١٧/ ٤٦٢٦) و (٣/ ٥٦/ ٤٧٧٢)، وابن أبي شيبة (٢/ ٨٤/ ٦٧٥٠)، وأحمد (١/ ٧٧/ ٥٦٩) و (١/ ٨٧/ ٦٥٩) و (١/ ٩٨/ ٧٦٤) و (١/ ١١١/ ٨٨٤) و (١/ ١١٥/ ٩٢٩)، وابن ماجه (١١٤٧)، والحارث بن أبي أسامة (٢١٣ - بغية الباحث)، والبزار (٣/ ٨٥/ ٨٥٦) و (٣/ ٨٦/ ٨٥٧)، وابن المظفر في غرائب شعبة (١٥٠). [التحفة (٧/ ١٧/ ١٠٠٥٤)، الإتحاف (١١/ ٣٢٣/ ١٤١١٤) و (١١/ ٣٢٥/ ١٤١١٩)، المسند المصنف (٢١/ ١٧٣/ ٩٥٢٨)].
• أوقفه معمر بن راشد [أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١٧/ ٤٦٢٥) و (٣/ ٥٦/ ٤٧٧٥) و (٣/ ٥٨/ ٤٧٨٥)].
قلت: هو حديث ضعيف؛ لأجل الحارث بن عبد الله الأعور؛ فإنه ضعيف، وأبو إسحاق السبيعي لم يسمع من الحارث إلا أربعة أحاديث.
• وروى أبو إسرائيل الملائي، وأبو شيبة:
عن السدي [إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة: ليس به بأس، وقد ضُعِّف. التهذيب (١/ ١٥٨)]، عن عبد خير، قال: خرج علينا علي بن أبي طالب ونحن في
стр. 8357
المسجد، فقال: أين السائل عن الوتر؟ فمن كان منا في ركعة شفع إليها أخرى حتى اجتمعنا إليه، فقال: إن رسول الله ﷺ كان يوتر في أول الليل، ثم أوتر في وسطه، ثم أثبت الوتر في هذه الساعة، قال: وذلك عند طلوع الفجر.
أخرجه أحمد (١/ ١٢٠/ ٩٧٤)، والبزار (٣/ ٣٩/ ٧٩٠)، والطحاوي (١/ ٣٤٠)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٢٢٤/ ١٨٠٩). [الإتحاف (١/ ٥٣٠/ ١٤٥٦٦)، المسند المصنف (٢١/ ١٧٨/ ٩٥٣٢)].
قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلم رواه عن السدي، عن عبد خير، عن علي، إلا أبو إسرائيل الملائي".
وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن السدي إلا أبو شيبة".
قلت: هو حديث منكر بقيد طلوع الفجر، والمعروف من حديث علي: فانتهى وتره إلى السحر.
وأبو إسرائيل إسماعيل بن أبي إسحاق خليفة العبسي الكوفي الملائي: ليس بالقوي، سيئ الحفظ، له أغاليط، يخالف الناس في حديثه، وكان غاليًا في التشيع والرفض، يكفر عثمان ﵁[التهذيب (١/ ١٤٨)، الميزان (١/ ٢٢٦) و (٤/ ٤٩٠)، إكمال مغلطاي (٢/ ١٦٥)، منهج النسائي في الجرح والتعديل (٣/ ١١٤٥)، التذييل على التهذيب (٦١)، الجامع في الجرح والتعديل (١/ ٧١)].
وأبو شيبة إبراهيم بن عثمان العبسي: متروك، منكر الحديث [التهذيب (١/ ٧٦)، الميزان (١/ ٤٧)].
* قلت: المعروف في هذا: ما رواه شعبة، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، قال: أوتر رسول الله ﷺ من أول الليل وآخره وأوسطه، فانتهى وتره إلى السحر.
وسوف يأتي تخريجه قريبًا في شواهد الحديث الآتي برقم (١٤٣٥)؛ إن شاء الله تعالى.
• وروى سفيان الثوري، وشعبة، وزهير بن معاوية، ومعمر بن راشد، والأعمش:
عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة؛ أن قومًا أتوا عليًا ﵁، فسألوه عن الوتر، فقال: سألتم عنه أحدًا؟، فقالوا: سألنا أبا موسى الأشعري، فقال: لا وتر بعد الأذان، فقال: لقد أغرق النزع، فأفرط في الفتوى، كل شيء ما بينك وبين صلاة الغداة وتر، متى أوترت فحسن. لفظ زهير، وآخر رواية الثوري: الوتر ما بينك وبين صلاة الغداة، وليس فيه: متى أوترت فحسن.
أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١٠ - ١١/ ٤٦٠١ و ٤٦٠٢)، والسرقسطي في الدلائل (٢/ ٥٩٠/ ٣٠٨)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٩١/ ٢٦٧٤)، والطحاوي في المشكل (١١/ ٣٦٠)، والبيهقي (٢/ ٤٧٩ - ٤٨٠).
стр. 8358
وهذا موقوف على علي بن أبي طالب بإسناد جيد.
• وله إسناد آخر فيه جهالة [أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٨٨/ ٦٨٠٢) (٤/ ٤٨٩/ ٦٩٧٦ - ط الشثري)].
* والحاصل: فإنه لا يثبت من حديث علي مرفوعًا، وإنما يثبت عن علي أنه أجاز الوتر ما لم يصل الصبح، والله أعلم.
٦ - حديث الأغر المزني:
• رواه زهير بن معاوية [وعنه: عبد الله بن محمد بن علي النفيلي، وعمرو بن خالد الحراني، وأحمد بن عبد الملك بن واقد الحراني، وهم ثقات]: ثنا خالد بن أبي كريمة، قال: حدثني معاوية بن قرة، عن الأغر المزني؛ أن رجلًا أتى النبي ﷺ ، فقال: يا نبي الله، إني أصبحت ولم أوتر؟ قال: "إنما الوتر بالليل"، ثلاث مرات أو أربعًا، [ثم قال:] "قم فأوتر".
أخرجه الطبراني في الكبير (١/ ٣٠٢/ ٨٩١)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (١/ ٣٣٣ / ١٠٤٨)، والبيهقي (٢/ ٤٧٩)، والضياء في المختارة (٤/ ٣١٨/ ١٤٩٩).
• ورواه صالح بن معاذ البغدادي [شيخ للبزار، لم أقف له على ترجمة]: ثنا يحيى بن أبي بكير [ثقة]: ثنا زهير بن معاوية، عن خالد بن أبي كريمة، عن معاوية بن قرة، عن الأغر المزني، أن النبي ﷺ قال: "من أدركه الصبح ولم يوتر فلا وتر له".
أخرجه البزار (٧٤٤ - كشف)، ومن طريقه: ابن حزم في المحلى (٢/ ١٤٥).
قلت: المحفوظ عن زهير بن معاوية: اللفظ الأول، وهذا وهم.
• خالفه: وكيع بن الجراح، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن إدريس [وهم ثقات]:
عن خالد بن أبي كريمة [كوفي، صدوق]، قال: سمعت معاوية بن قرة [بصري ثقة، تابعي جليل]، يقول: أتى رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: إني لم أوتر حتى أصبحت، فقال النبي ﷺ : "إنما الوتر بالليل"، فاعاد عليه، فأمره أن يوتر. وفي رواية ابن إدريس: قال في الثالثة أو الرابعة: "فأوتر".
أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١٢/ ٤٦٠٧) (٣/ ٢٩٧/ ٤٧٤٣ - ط التأصيل)، وابن أبي شيبة (٢/ ٨٧/ ٦٧٩٩) (٤/ ٤٨٨/ ٦٩٧١ - ط الشثري)، وابن أبي عمر العدني في مسنده (٤/ ٥٠٨/ ٦٣١ - مطالب).
قال ابن رجب في الفتح (٦/ ٢٤٢): "ورواه وكيع في كتابه عن خالد بن أبي كريمة عن معاوية بن قرة مرسلًا؛ وهو أشبه".
قلت: وهو كما قال، صوابه مرسل بإسناد جيد.
٧ - حديث أبي بصرة الغفاري:
رواه عبد الله بن هبيرة، قال: سمعت أبا تميم الجيشاني، يقول: سمعت عمرو بن العاص، يقول: أخبرني رجل من أصحاب النبي ﷺ يقول: إن رسول الله ﷺ قال:
стр. 8359
"إن الله زادكم صلاة، فصلوها فيما بين صلاة العشاء إلى صلاة الصبح، الوتر الوتر"؛ ألا وإنه أبو بصرة الغفاري.
قال أبو تميم: فكنت أنا وأبو ذر قاعدين، قال: فأخذ بيدي أبو ذر فانطلقنا إلى أبي بصرة، فوجدناه عند الباب الذي يلي دار عمرو بن العاص، فقال أبو ذر: يا أبا بصرة آنت سمعت النبي ﷺ يقول: "إن الله زادكم صلاة، فصلوها فيما بين صلاة العشاء إلى صلاة الصبح الوتر الوتر"؟ قال: نعم، قال: أنت سمعته؟ قال: نعم، قال: أنت سمعته؟ قال: نعم.
وهو حديث غريب، تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٤١٨).
ووجه الاستدلال به: أنه أطلق وقت الوتر إلى ما بعد طلوع الفجر، حتى يصلي فريضة الصبح.
٨ - حديث ابن عباس:
رواه أيوب بن سويد، عن عتبة بن أبي حكيم، عن أبي سفيان طلحة بن نافع، عن عبد الله بن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ وعد العباس ذودًا من الإبل، فبعثني إليه بعد العشاء، وكان في بيت ميمونة بنت الحارث، فنام رسول الله ﷺ فتوسدت الوسادة التي توسدها رسول الله ﷺ ، فنام غير كبير أو غير كثير، ثم قام ﵇ فتوضأ فأسبغ الوضوء، وأقلَّ هِراقةَ الماء، ثم افتتح الصلاة، فقمت فتوضأت، فقمت عن يساره، وأخلف بيده فأخذ بأذني فأقامني عن يمينه، فجعل يسلم من كل ركعتين، وكانت ميمونة حائضًا، فقامت فتوضأت، ثم قعدت خلفه تذكر الله، فقال لها النبي ﷺ : "أشيطانُكِ أقامَكِ؟ "، قالت: بأبي وأمي يا رسول الله، ولي شيطان؟ قال: "إي، والذي بعثني بالحق! ولي، غير أن الله أعانني عليه، فأسلم"، فلما انفجر الفجر قام فأوتر بركعة، ثم ركع ركعتي الفجر، ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى أتاه بلال فآذنه بالصلاة.
قلت: هذا حديث منكر، تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٣٦٧).
* وصح أيضًا: عن ابن عباس فعله موقوفًا عليه؛ أنه أوتر بعد طلوع الفجر، وأنه كان يوتر عند الإقامة [أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١٠/ ٤٥٩٦)، وابن أبي شيبة (٢/ ٨٤/ ٦٧٥٣) (٤/ ٤٧٨/ ٦٩٢١ - ط الشثري)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٩٢/ ٢٦٧٧)].
• وروي عن ابن عباس أيضًا فعله موقوفًا عليه، من وجه آخر لا يثبت [أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٩٢/ ٢٦٧٨)، والبيهقي (٢/ ٤٨٠)، [وفي إسناده: عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو: ضعيف، شبه المتروك].
* وقد روي عن عدد من الصحابة [غير من تقدم ذكرهم] إجازة الوتر بعد طلوع الفجر، وقبل صلاة الصبح، مثل: ابن عباس، وعبادة بن الصامت، وسعد بن أبي وقاص، وأبي الدرداء، وعبد الله بن عامر بن ربيعة [أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٤٥٩٢ و ٤٥٩٤ و ٤٥٩٦ و ٤٦٠٤ و ٤٦٠٩ و ٤٦١٠)، وابن أبي شيبة (٢/ ٨٤/ ٦٧٥١ و ٦٧٥٢)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٩٢/ ٢٦٨٠)، والبيهقي (٢/ ١٤٨٠].
стр. 8360
* فإن قيل: فما تقول فيما روي عن ابن عمر، وابن عمرو، وأبي هريرة مرفوعًا؛ في النهي عن التنفل بعد طلوع الفجر إلا بركعتي الفجر، وفي أحد ألفاظه: "لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتين قبل صلاة الفجر"؟
فيقال: لا يثبت من ذلك شيء، راجع فضل الرحيم الودود (١٤/ ٢٣٨ - ٢٥١/ ١٢٧٨).
ومما قلت هناك:
* ولا يشهد حديث حفصة لحديث عبد الله بن عمر، ولا حديث عبد الله بن عمرو بن العاص:
وقد رواه شعبة، عن زيد بن محمد، قال: سمعت نافعًا، يحدث عن ابن عمر، عن حفصة؛ أنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين.
أخرجه مسلم (٧٢٣/ ٨٨)، وتقدم تخريجه بطرقه تحت الحديث رقم (١٢٥٤).
وقد رواه جماعةٌ منهم مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر؛ أن حفصة زوج النبي ﷺ ، أخبرته: أن رسول الله ﷺ كان إذا سكت المؤذن عن الأ أن بصلاة الصبح صلى ركعتين خفيفتين قبل أن تقام الصلاة.
فهذا الحديث لا يشهد لحديث ابن عمر، ولا حديث ابن عمرو، وذلك لأن غاية ما يدل عليه حديث حفصة أنه يحكي فعله الثابت عنه ﷺ ، والذي كان يداوم عليه، وهو أنه ﷺ كان يفرغ من قيام الليل قبل طلوع الفجر، فإذا طلع الفجر لم يصلِّ سوى ركعتي الفجر، وهذا الفعل بمجرده لا يمنع المتنفل من الزيادة على ركعتي الفجر إن احتاج إلى ذلك؛ كأن يغفل عن حزبه الذي كان يصلي به، فيدركه قبل صلاة الفجر [وهو قول مالك]، وذلك بخلاف الحديث القولي الناهي عن الشروع في النافلة بعد طلوع الفجر [ولا يثبت]، والذي يقول فيه: "ليبلغ شاهدُكم غائبَكم، لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر"؛ بل إنه نص في المسألة لوروده في الإنكار على من صلى هذه الصلاة، فقد قال ابن عمر: إن رسول الله ﷺ خرج علينا ونحن نصلي هذه الصلاة فتغيَّظ علينا تغيُّظًا شديدًا، ثم قال: … فذكره، والله أعلم.
فإن قيل: فما تصنعون بحديث ابن عمر: أن رجلًا سال النبي ﷺ عن صلاة الليل، فقال: "مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فأوتر بركعة" [أخرجه البخاري (٤٧٢)، ومسلم (٧٤٩)]، وبحديث ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "لا يمنعن أحدًا منكم أذانُ بلالٍ من سُحوره؛ فإنه يؤذن بليلٍ؛ ليَرجع قائمَكم، ويوقظ نائمَكم" [أخرجه البخاري (٦٢١ و ٥٢٩٨ و ٧٢٤٧)، ومسلم (١٠٩٣)].
فيقال: حديث ابن عمر ورد لبيان وقت صلاة الليل وكيفيتها، وليس فيه ما يقطع بالمنع لمن أتم صلاته بعد طلوع الفجر، أو أتى بشيء من حزبه بعد الطلوع، وكذلك حديث ابن مسعود لبيان وقت السحور وأن أذان بلال منبه له حتى يحصل فضيلة السحور فيوقظ النائم ويرجع القائم، ومعنا في المقابل حديث عمرو بن عبسة في بيان عدم وجود
стр. 8361
مانع من الصلاة حتى نصلى الصبح، وفيه: قلت: أيُّ الليل أسمع؟ قال: "جوف الليل الآخر، فصلِّ ما شئتَ، فإن الصلاة مشهودة مكتوبة حتى تصلي الصبح" [هذا هو المحفوظ فيه، تقدم برقم (١٢٧٧)، وقد نبهت هناك على الروايات الشاذة والمنكرة]، وكذلك بقية الأحاديث الدالة على أوقات النهي ليس في شيء منها النهي عن الصلاة بطلوع الفجر، وإنما يبدأ وقت النهي بفعل صلاة الصبح، والأحاديث في هذا كثيرة [راجع حديث عمر برقم (١٢٧٦)، وما تحته من الشواهد الكثيرة: "لا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس"].
ثم نقلت هناك بعض النقول عن الأئمة في بيان جواز التنفل والوتر بعد طلوع الفجر نقلًا عن المدونة ومسائل أحمد والأوسط لابن المنذر والبدر المنير، ثم قلت: وهذا القول عندي أعدل الأقوال، والله أعلم.
قال ابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٩٣): "وكان مالك والشافعي وأحمد يقولون: يوتر ما لم يصل الصبح، وحكي عن سفيان الثوري أنه قال: إن أوترت بعد طلوع الفجر فلا بأس، وهكذا قال الأوزاعي، وقال النخعي والحسن والشعبي: إذا صلى الغداة فلا يوتر، وقال أيوب السختياني وحميد الطويل: إن أكثر وترنا بعد طلوع الفجر"، وقد ذكر في المسألة خمسة أقوال، هذا أحدها.
• قلت: والحاصل: فإن حديث أبي سعيد في قضاء الوتر لمن نام عنه أو نسيه: حديث مرسل، لا يثبت، وشواهده: إما ضعاف، أو مناكير، أو أباطيل.
وهي بمجموعها لا ترقى لمعارضة حديث سعد بن هشام الأنصاري، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا محمل عملًا أثبته، وكان إذا نام من الليل أو مرِض، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة. [أخرجه مسلم (٧٤٦)، وتقدم تخريجه مفصلًا برقم (١٣٤٢)].
وهذا الحديث يدل على أن النبي ﷺ قضى صلاة الليل دون الوتر، فصلاها شفعًا.
وقد روي قضاء الوتر عن ابن عمر، ولا قول لأحد بعد رسول الله ﷺ .
وممن صح عنه من الصحابة أنه أجاز الوتر بعد طلوع الفجر ما لم يصلِّ الصبح: علي بن أبي طالب، وابن عمر، وابن عباس، وأبو الدرداء، وعائشة، وابن مسعود، وقال: الوتر ما بين الصلاتين، والله أعلم.
ويؤيد صحة ما ذهبوا إليه: حديث عمرو بن عبسة في بيان عدم وجود مانع في الصلاة حتى تصلى الصبح، وفيه: قلت: أيُّ الليل أسمع؛ قال: "جوف الليل الآخر، فصلِّ ما شئتَ، فإن الصلاة مشهودة مكتوبة حتى تصلي الصبح"، وتقدم ذكره.
* ومما روي في خلاف ذلك.
١ - حديث ابن عمر:
أ- روى يحيى بن زكريا بن أبي زائدة [ثقة متقن]، قال: حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن النبي ﷺ قال: "بادروا الصبح بالوتر". وفي رواية: "بادروا الصبح بركعة".
стр. 8362
أخرجه أبو داود (١٤٣٦).
قال ابن رجب في الفتح (٦/ ٢٣٧): "ذكر الأثرم أنه ذكر لأبي عبد الله -يعني: أحمد بن حنبل- حديث ابن أبي زائدة هذا من الوجهين، فقال: في الإسناد الأول: عاصم، لم يرو عن عبد الله بن شقيق شيئًا، ولم يروه إلا ابن أبي زائدة، وما أدري؟
فذكر له الإسناد الثاني، فقال أحمد: هذا أراه اختصره من حديث: "صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة"، وهو بمعناه. قال: فقلت له: روى هذين أحد غيره؟ قال: لا".
ثم قال ابن رجب: "قلت: والظاهر أنه اختصر حديث عبد الله بن شقيق عن ابن عمر أيضًا، كما اختصر حديث عبيد الله عن نافع عنه، والله أعلم".
قلت: هو كما قال أحمد، اختصر الحديث ورواه بالمعنى، والله أعلم.
لقدم تخريجه في فضل الرحيم الودود (١٤/ ٤٠٦/ ١٢٩٥)، والله أعلم.
ب- وروى ابن أبي زائدة: أخبرني عاصم الأحول، عن عبد الله بن شقيق، عن ابن صر، أن النبي ﷺ قال: "بادروا الصبح بالوتر".
أخرجه مسلم (٧٥٠)، وحديث ابن أبي زائدة هذا مختصر مروي بالمعنى، تقدم تخريجه في فضل الرحيم الودود (١٤/ ٤٢٠/ ١٢٩٥]، والله أعلم.
ج- وروى عبد الواحد بن زياد، ومحمد بن فضيل [وهما ثقتان]:
حدثنا عاصم الأحول [بصري، ثقة حافظ]، عن أبي مجلز، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة الليل مثنى مثنى، والوتر ركعة"، قلت: أرأيتَ إن غلبتني عيني، أرأيتَ إن نمتُ؟ قال: اجعل أرأيت عند ذاك النجم، فرفعت رأسي، فإذا السِّمَاك، ثم أعاد فقال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة الليل مثنى مثنى، والوتر ركعة قبل الصبح". لفظ عبد الواحد. وفي رواية ابن فضيل: "بادروا الصبح بركعة". اختصره.
أخرجه ابن ماجه (١١٧٥)، تقدم تخريجه في فضل الرحيم الودود (١٤/ ٤٣٣/ ١٢٩٥).
د- وروى حجاج بن محمد المصيصي، وعبد الرزاق بن همام:
عن ابن جريج، قال: أخبرني نافع، أن ابن عمر كان يقول: من صلى من الليل فليجعل آخر صلاته وترًا قبل الصبح، كذلك كان رسول الله ﷺ يأمرهم.
وهذا حديث صحيح محفوظ، أخرجه مسلم (٧٥١/ ١٥٢)، تقدم تخريجه في فضل الرحيم الودود (١٤/ ٤٠٩/ ١٢٩٥).
هـ- ورواه حجاج بن محمد، وعبد الرزاق، ومحمد بن بكر البرساني، وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد:
عن ابن جريج، قال: حدثني [أيضًا] سليمان بن موسى، قال: حدثني نافع؛ أن ابن عمر كان يقول: من صلى من الليل فليجعل آخر صلاته وترًا [قبل الصبح]، كان رسول الله ﷺ أمر بذلك.
стр. 8363
فإذا كان الفجر فقد ذهبت صلاة الليل والوتر؛ فإن رسول الله ﷺ قال: "أوتروا قبل الفجر". وفي رواية: فإن رسول الله ﷺ قال: "الوتر قبل الفجر".
ويظهر في هذه الرواية: أن قوله: فإذا كان الفجر فقد ذهبت صلاة الليل والوتر: موقوف على ابن عمر قوله، استنباطًا من الحديث المرفوع: "أوتروا قبل الفجر".
• لكن رواه عبد الرزاق عن ابن جريج مرة أخرى بنفس الإسناد؛ مع إدراج هذه الجملة في المرفوع، ولم يذكر ابن جريج فيه سماعًا من سليمان بن موسى:
رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "إذا طلع الفجر فقد ذهب كل صلاة الليل والوتر، فأوتروا قبل طلوع الفجر".
وحديث سليمان بن موسى هذا: حديث منكر بكلتا الروايتين مرفوعًا وموقوفًا، تقدم تخريجه في فضل الرحيم الودود (١٤/ ٤١٠/ ١٢٩٥).
٢ - حديث أبي سعيد الخدري:
• روى أبان بن يزيد العطار: حدثني يحيى بن أبي كثير: حدثني أبو نضرة؛ أن أبا سعيد الخدري حدثه؛ أن رسول الله ﷺ سئل عن الوتر، فقال: "أوتروا قبل الفجر".
أخرجه الدارمي (١٧٣٤ - ط البشائر)، وغيره، وهو حديث صحيح، تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٤١٧).
• ورواه أبو معاوية شيبان بن عبد الرحمن النحوي، ومعمر بن راشد، وهمام بن يحيى، وعلي بن المبارك، ومعاوية بن سلام، وأبو إسماعيل القناد إبراهيم بن عبد الملك، وغيرهم:
عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، أن النبي ﷺ ، قال: "أوتروا قبل أن تصبحوا". لفظ معمر [عند مسلم وغيره].
ولفظ شيبان [عند مسلم وغيره]، وعلي بن المبارك [عند أحمد]، ومعاوية بن سلام [عند النسائي وأبي عوانة]: عن يحيى، قال: أخبرني أبو نضرة العوقي؛ أن أبا سعيد أخبرهم؛ أنهم سألوا النبي ﷺ عن الوتر، فقال: "أوتروا قبل الصبح".
ولفظ همام [عند أحمد، وأبي يعلى]: "الوتر بليل". ولفظه عند أبي عوانة: "الوتر قبل الفجر".
أخرجه مسلم (٧٥٤)، وغيره، وهو حديث صحيح، تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٤١٧).
* وروى هشام الدستوائي، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، أن رسول الله ﷺ قال: "من أدركه الصبح ولم يوتر، فلا وتر له".
حديث شاذ، تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٤١٧).
قال البيهقي: "ورواية يحيى بن أبى كثير كأنها أشبه، فقد روينا عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ في قضاء الوتر".
стр. 8364
ولم يثبت ابن نصر المروزي في كتاب الوتر (٣٢٨ - مختصره)، هذا اللفظ من كلام النبي ﷺ وقد أعرض عنه مسلم، فلم يخرجه في صحيحه مع كونه على شرطه! كما قال الحاكم [التحفة (٤٣٧٢ - ٤٣٧٦)]، وقد امشغنى عنه بحديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، أن النبي ﷺ ، قال: "أوتروا قبل أن تصبحوا". وفي رواية: "أوتروا قبل الصبح".
قلت: وعليه: فإن حديث قتادة حديث شاذ، وكان قتادة رواه بالمعنى، فأوهم معنى جديدًا، والمحفوظ رواية يحيى بن أبي كثير، وهي الموافقة لحديث ابن عمر: الذي رواه ابن أبي زائدة: أخبرني عاصم الأحول، عن عبد الله بن شقيق، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: "بادروا الصبح بالوتر" [أخرجه مسلم (٧٥٠)].
وحديث ابن أبي زائدة هذا مختصر مروي بالمعنى، من حديث عبد الله بن شقيق عن ابن عمر مرفوعًا: "فإذا خشيت الصبح فأوتر بركعة"، وما كان في معناه [راجع طرق حديث ابن عمر، وتخريجه مفصلًا في فضل الرحيم الودود (١٤/ ٤٢٠/ ١٢٩٥)]، والله أعلم.
• وممن أفحش في الوهم في حديث أبي سعيد هذا:
أ- ما رواه مندل بن علي، ويوسف بن خالد:
عن أبي سفيان السعدي، قال: سمعت أبا نضرة، يحدث عن أبي سعيد الخدري، قال: قيل: يا رسول الله! أنوتر بعد أذان الصبح؟ فقال رسول الله ﷺ : "أوتر قبل الأذان "، قال: وكان أذان النبي ﷺ بعد طلوع الفجر، فقالوا: أنوتر بعد الأذان؟ فقال رسول الله ﷺ : "أوتر قبل الأذان"، فقالوا الثالثة: أنوتر بعد الأذان؟ قال: "أوتروا بعد الأذان"، فرخص لهم.
وهو حديث باطل؛ تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٤١٧).
ب- وروى هشيم بن بشير، ومعتمر بن سليمان، وعبد العزيز بن عبد الصمد العمي، وهشام الدستوائي، وعبد الوارث بن سعيد، وحماد بن سلمة، وقريش بن حيان، وجرير بن حازم، وجعفر بن سليمان، وعلي بن عاصم الواسطي، ومحمد بن عبد الرحمن الطفاوي، وأبو هلال محمد بن سليم الراسبي، وغيرهم:
عن أبي هارون، عن أبي سعيد الخدري، قال: نادى منادي رسول الله ﷺ أن: "لا وتر بعد طلوع الفجر". وفي رواية: "لا وتر بعد صلاة الصبح". وفي رواية: "من أدرك الصبح فلا وتر له". وفي رواية: "من أدركه الفجر فلا وتر له".
وهذا حديث واهٍ؛ تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٤١٧).
قال ابن نصر: "وهذا حديث لو ثبت لكان حجة لا يجوز مخالفته، غير أن أصحاب الحديث لا يحتجون برواية أبي هارون العبدي، وقد روي عن أبي سعيد من طريق آخر رواية تخالف هذه في الظاهر".
ج- وروى أبو عثمان عبد الرحمن بن عثمان كان يسكن الراهب، قال سمعت
стр. 8365
أبا حمزة، يقول سمعت أبا سعيد الخدري، يقول: قال رسول الله ﷺ : "ألا لا وتر بعد الفجر، ألا لا وتر بعد الفجر".
وهو حديث منكر؛ تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٤١٧).
٣ - حديث خارجة بن حذافة:
رواه يحيى بن عبد الحميد: ثنا زيد بن الحباب: نا ابن لهيعة، قال: حدثني رزيق بن عبد الله، عن عبد الله بن أبي مرة، عن خارجة بن حذافة، قال: خرج إلينا رسول الله ﷺ ، قال: "إن الله قد أمركم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم"، قلنا: يا رسول الله، وما هي؟ قال: "هي الوتر، وهي ما بين العشاء والفجر".
وهو حديث منكر، تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٤١٨).
* قال ابن أبي عاصم: داوفيه نفي قضاء الوتر بعد الفجر، موافق لرواية ابن عمر ﵁، عن النبي ﷺ : "إذا طلع الفجر فلا صلاة ليل ولا وتر""، قلت: قد سقط الاستدلال به.
* وأما فقه المسألة:
قال عبد الله بن أحمد في مسائله (٣٢٧): "سألت أبي عمن نسي الوتر حتى أصبح، يجب عليه القضاء؟ قال: إن قضى لم يضره. قال ابن عمر: ما كنت صانعًا بالوتر.
وقال أبي: ما سمعنا أن النبي ﷺ قضى شيئًا من التطوع إلا ركعتين قبل الفجر، فإنه حين نام عن الصلاة أمر بلالًا فأذن وصلى ركعتين، ثم أقام وصلى الفجر، ويقال: إنه شغل عن الركعتين بعد الظهر فصلاهما بعد العصر".
وقال أيضًا (٣٣٣): أسمعت أبي يقول فيمن أصبح ولم يوتر: إن أوتر فحسن، وإن لم يوتر فأرجو أن لا يكون عليه شيء"، قال عبد الله: "قلت لأبي: فإن ذكر من الغد؟ قال: أرجو أن لا يكون به بأس".
وقال إسحاق بن منصور في مسائله (٢٩٧): "قلت: إذا أصبح ولم يوتر؟ قال: ما أعرف الوتر بعد صلاة الغداة. قال إسحاق: كما قال"
وقال أبو داود في مسائله (٤٦٧): "سمعت أحمد سئل عن رجل أصبح ولم يوتر؟ قال: لا يوتر بركعة إلا أن يخاف طلوع الشمس. قيل: يوتر بثلاث؟ قال: نعم، ثم يصلي الركعتين إلا أن يخاف طلوع الشمس".
وقال أيضًا (٤٩٠): "سمعت أحمد سئل عمن أصبح ولم يوتر؟ قال: يوتر ما لم يصل الغداة، ما أقل ما اختلف الناس فيه".
وقال ابن هانئ في مسائله (٤٩٦): "سئل عمن فاته الوتر؟ قال: يصلي، ما لم تطلع الشمس".
وقال الأثرم: "سمعت أبا عبد الله ﷺ -سأل: أيوتر الرجل بعدما يطلع الفجر؟ قال: نعم. قال: وروي ذلك عن ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وحذيفة، وأبي الدرداء،
стр. 8366
وعبادة بن الصامت، وفضالة بن عبيد، وعائشة، وعبد الله بن عامر بن ربيعة" [المغني (٢/ ٥٢٩)، مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٣/ ١٩٧)].
وقال أبو النضر العجلي: "سمعت أبا عبد الله يقول في الوتر إذا فات، قال: يعيده قبل أن يصلي الغداة. قيل له: فالوتر كم هو؟ قال: ركعة، إذا كان قبلها تطوع" [طبقات الحنابلة (١/ ٢٧٧)].
ونقل عنه الميموني: "إذا استيقظ وقد طلع الفجر، ولم يكن تطوع ركع ركعتين، ثم يوتر بواحدة؛ لأن الركعتين من وتره" [بدائع الفوائد (٤/ ٩٤)].
* فإن قيل: ألا يشهد لحديث أبي سعيد: ما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها" [أخرجه مسلم (٦٨٤)، راجع فضل الرحيم (٥/ ٣٢٣/ ٤٤٢)]، وفي رواية: "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك" [متفق عليه. راجع فضل الرحيم (٥/ ٣٢١/ ٤٤٢)].
قال ابن حزم في المحلى (٢/ ١٤٥): "وهذا عموم يدخل فيه كل صلاة فرض ونافلة، فهو بالفرض أمر فرض؛ وهو بالنافلة أمر ندب وحض؛ لأن النافلة لا تكون فرضًا".
قلت: قد يستقيم هذا الاستدلال لو لم يرد في المسألة نص، ولا اجتهاد مع النص:
* فقد روى قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة، … فذكر حديثًا طويلًا، وموضع الشاهد منه: أنها قالت: وكان نبي الله ﷺ إذا صلى صلاة أحبَّ أن يداوِم عليها، وكان إذا غلبه نومٌ أو وجعٌ عن قيام الليل صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة.
وفي رواية شعبة، عن قتادة، عن زرارة، عن سعد بن هشام الأنصاري، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا عمل عملًا أثبته، وكان إذا نام من الليل أو مرِض، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة.
قالت: وما رأيت رسول الله ﷺ قام ليلة حتى الصباح، وما صام شهرًا متتابعًا إلا رمضان.
أخرجه مسلم (٧٤٦)، وتقدم تخريجه مفصلًا برقم (١٣٤٢).
قال ابن نصر في كتاب الوتر (٢٩٩ - مختصره): "وعن ربيعة: لا أرى عليك قضاء الوتر إذا نسيته، وما نعلم الوتر إلا ركعة، وإن صليت بعد العتمة ركعتين فعليك الوتر، وإن لم تصل بعد العشاء الآخرة شيئًا فلا وتر عليك إلا أن تصلي، وذلك للمغمى عليه والمسافر الذي لا يوتر ولا يصلي بعد صلاته".
قال محمد بن نصر: "يذهب من ذهب مذهب ربيعة إلى أن الوتر إنما جعل ليوتر الرجل به صلاته بالليل، ولا يتركها شفعًا، ليس له معنى غيره، فإذا فاتته صلاة الليل، بأن نام أو شغل عنها، لم يقض الوتر؛ لأن المعنى الذي جعل له الوتر قد فاته، إذ فاته قيام الليل، فلا وجه لقضائه بعد الفجر، ويحتج بحديث عائشة: أن النبي ﷺ كان إذا نام من الليل من وجع أو غيره فلم يصل بالليل، صلى بالنهار اثنتي عشرة ركعة، ولم يجئ عنه أنه
стр. 8367
قضى الوتر، ومن ذهب إلى هذا جعل ركعتي الفجر أوكد من الوتر؛ لأن النبي ﷺ لما نام عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس قضى الركعتين بعد طلوع الشمس قبل المكتوبة، ولم نجد عنه في شيء من الأخبار أنه قضى الوتر.
قال: وزعم النعمان في كتابه أن النبي ﷺ قضى الوتر في اليوم الذي نام عن الفجر حتى طلعت الشمس، فزعم أنه أوتر قبل أن يصلي ركعتي الفجر، ثم صلى الركعتين، وهذا لا يعرف في شيء من الأخبار".
***
٣٤٢ - باب في الوتر قبل النوم
١٤٣٢ - . . . أبان بن يزيد، عن قتادة، عن أبي سعيد -من أزد شنوءة-، عن أبي هريرة، قال: أوصاني خليلي ﷺ بثلاثٍ؛ لا أدعُهُنَّ في سفرٍ ولا حضرٍ: ركعتي الضحى، وصومِ ثلاثةِ أيامٍ من الشهر، وأن لا أنام إلا على وترٍ.
* حديث شاذ، والمحفوظ: عن قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ١٥)، وتمام في الفوائد (٦٥٨). [التحفة (١٠/ ٣٤١/ ١٤٩٤٠)، المسند المصنف (٣١/ ١٦٤/ ١٤٢٤٥)].
رواه عن أبان بن يزيد العطار: أبو داود الطيالسي، وموسى بن إسماعيل أبو سلمة التبوذكي، وعفان بن مسلم [وهم ثقات حفاظ].
قال ابن منده في فتح الباب (٣٢٣٩): "أبو سعيد الأزدي: حدث عن أبي هريرة، روى عنه: قتادة بن دعامة، من حديث أبان عنه، وقال هشام: عن قتادة عن أبي سعيد الخدري عن ابن عباس، أراه هذا".
قلت: أبو سعيد الأزدي الشنائي: لم يرو عنه سوى قتادة، ولا يُعرف بغير هذا الحديث، فهو مجهول، ذكره ابن حبان في الثقات على عادته [الثقات (٥/ ٥٦٥)، التهذيب (٤/ ٥٢٨)]، وحديثه هذا غير محفوظ.
* فقد اختلف في هذا الحديث على قتادة:
أ- فرواه أبان بن يزيد [ثقة ثبت، وهو من طبقة الشيوخ من أصحاب قتادة]، عن قتادة، عن أبي سعيد -من أزد شنوءة-، عن أبي هريرة، قال: أوصاني خليلي ﷺ بثلاثٍ؛ لا أدعُهُنَّ في سفرٍ ولا حضرٍ: ركعتي الضحى، وصومِ ثلاثةِ أيامٍ من الشهر، وأن لا أنام إلا على وترٍ. وتقدم.
ب- ورواه غندر محمد بن جعفر [ثقة، سمع من ابن أبي عروبة بعد الاختلاط]، وعبد الوهاب بن عطاء الخفاف [صدوق، كان عالمًا بسعيد بن أبي عروبة، ومن [روى الناس عنه؛ إلا أنه سمع منه قبل الاختلاط وبعده، فلم يميز بين هذا وهذا] [وعنه:
стр. 8368
أحمد بن الوليد الفحام، أبو بكر البغدادي، روى عنه جماعة من كبار الحفاظ، قال الخطيب: "وكان ثقة". تاريخ بغداد (٦/ ٤١٩ - ط الغرب)، تاريخ الإسلام (٦/ ٥٠٤ - ط الغرب)]:
حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة، قال: أوصاني خليلي أبو القاسم ﷺ بثلاث، لست بتاركِهِنَّ في سفرٍ ولا حضرٍ: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، ونوم على وتر، وركعتي الضحى.
قال: ثم إن الحسن أوهم، فجعل ركعتي الضحى للغسل يوم الجمعة.
أخرجه أحمد (٢/ ٤٨٩)، وأبو جعفر ابن البختري في الحادي عشر من حديثه (٤٢) (٥٣٨ - مجموع مصنفاته). [الإتحاف (١٤/ ٤٣٩/ ١٧٩٦٠)، المسند المصنف (٣١/ ١٦٢/ ١٤٢٤)].
• واختلف فيه على الخفاف: فرواه أيضًا: محمد بن عبد الله بن قهزاذ [مروزي، ثقة]: ثنا عبد الوهاب بن عطاء الخفاف: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن خلاس بن عمرو، عن أبي هريرة قال: أوصاني خليلي ﷺ بثلاث، لا أدعهنَّ في سفر ولا حضر: نوم على وتر، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتين بعد الجمعة.
ثم إن أبا هريرة جعل بعدَ ركعتين بعد الجمعة؛ ركعتي الضحى.
أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ١٠١/ ٦٩٧٦).
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن قتادة عن خلاس؛ إلا سعيد بن أبي عروبة، ولا عن سعيد إلا عبد الوهاب، تفرد به: محمد بن عبد الله بن قهزاذ".
* قلت: هذا الوجه وهمٌ من ثلاثة أوجه:
الأول: أن الوجه الأول لم ينفرد به عبد الوهاب، بل تابعه عليه غندر.
الثاني: أن عبد الوهاب بصري نزل بغداد، وعلى هذا فإن الوجه الأول من رواية بغدادي عن بغدادي، وأما الثاني فهو من رواية مروزي عن بغدادي، والرواية التي عرفت في بلدها: أولى من الرواية التي لم تعرف إلا خارج بلدها.
الثالث: أن الرواية الثانية غريبة لم يعرفها الحفاظ ولا نقاد الحديث وأئمة العلل، فإن أبا حاتم وأبا زرعة وابن أبي حاتم والدارقطني: لم يعرفوا رواية قتادة عن خلاس عن أبي هريرة، حيث لم يذكروها في الاختلاف، بينما اشتهرت عندهم رواية قتادة عن الحسن عن أبي هريرة، وكلام الطبراني شاهد على غرابتها أيضًا.
ولعل ذلك وقع لابن قهزاذ بانتقال بصر ودخول حديث في حديث، حيث كان في نسخة عبد الوهاب: حديث لخلاس عن أبي هريرة بمتن آخر، ثم يتلوه حديث الحسن عن أبي هريرة بهذا المتن في الخصال الثلاث، فقرأ إسناد خلاس، ثم انتقل بصره إلى متن الحسن، فدخل له حديث في حديث، والله أعلم.
ج- ورواه معمر بن راشد [ثقة ثبت في الزهري وابن طاووس، إلا أنه كان سيئ
стр. 8369
الحفظ لحديث قتادة؛ لأنه إنما جلس إليه وهو صغير فلم يحفظ عنه، وفي حديثه عن العراقيين -أهل الكوفة وأهل البصرة-: ضعف. انظر: المعرفة والتاريخ (٢/ ٢٨١)، علل الدارقطني (٤/ ق ٤٠)، تاريخ دمشق (٥٩/ ٤١٤)، شرح علل الترمذي (٢/ ٦٩٨ و ٧٧٤)]، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة، قال: أوصاني رسول الله ﷺ بثلاثٍ، لست بتاركهنَّ في حضر ولا سفر: نوم على وتر، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى.
قال: ثم أوهم الحسن بعد ذلك فجعل مكان ركعتي الضحى: غسل يوم الجمعة.
أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١٥/ ٤٦١٨) و (٣/ ٧٤/ ٤٨٥٠) و (٤/ ٢٩٩/ ٧٨٧٥)، وعنه: أحمد (٢/ ٢٧١)، والبخاري في التاريخ الكبير (٤/ ١٥)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٧٠/ ٢٦١٥). [الإتحاف (١٤/ ٤٣٩/ ١٧٩٦٠)، المسند المصنف (٣١/ ١٦٢/ ١٤٢٤٤)].
رواه عن معمر: عبد الله بن المبارك، وعبد الرزاق بن همام.
قلت: رواية معمر بن راشد عن قتادة، وإن كان قد تكلم فيها، إلا أنه هنا قد حفظ الحديث:
فقد تابعه: سعيد بن أبي عروبة، وهو أثبت الناس في قتادة [وإن رواه عنه الخفاف وغندر؛ فإن رواية معمر له عن قتادة، واشتهار الحديث عن الحسن البصري، مما يغلب الظن بكونه حدَّث به قبل اختلاطه].
وقد اشتهر الحديث عن الحسن عن أبي هريرة، رواه عنه جماعة من ثقات أصحابه.
كما أنه اشتمل على زيادة في آخره تدل على ضبط ابن أبي عروبة ومعمر لهذا الحديث عن قتادة، حيث أخبر قتادة أن الحسن البصري قد وهم في متن هذا الحديث بعد ذلك، فجعل مكان ركعتي الضحى: غسل يوم الجمعة، وهذا ما وقع بالفعل في رواية أصحاب الحسن، كما سيأتي.
لذلك؛ فإن كلام أبي حاتم وأبي زرعة يدل على كونه محفوظًا عندهما من حديث ابن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة، وإن كان فيه سلوك للجادة.
* قال ابن أبي حاتم في العلل (٢٩٧ و ٦٨٥): "سألت أبي وأبا زرعة، عن حديث رواه أبان العطار، عن قتادة، عن أبي سعيد من أزد شنوءة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ؛ أوصاني خليلي بثلاث.
قلت: ورواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة.
[ورواه معمر، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة].
قلت لهما: فأيهما الصحيح؟
فقال أبي، وأبو زرعة: سعيد أحفظهم".
* وسئل الدارقطني في العلل (١١/ ٢٢٤٣/ ٢٢٢)؛ عن حديث أبي سعيد الأزدي، عن أبي هريرة، قال: أوصاني خليلي بثلاث؛ صوم ثلاثة أيام، والغسل يوم الجمعة، وأن لا أنام إلا على وتر؛ فقال: "يرويه قتادة، واختلف عنه؛
стр. 8370
فرواه أبو حاتم سويد بن إبراهيم، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي سعيد الأزدي، عن أبي هريرة.
وخالفه أبان العطار، فرواه عن قتادة، عن أبي سعيد الأزدي، لم يذكر فيه سالم بن أبي الجعد. وقيل: عن سويد أبي حاتم أيضًا مثل قول أبان العطار.
ورواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أبى هريرة.
قال: ليس فيها شيء ثابت".
قلت: لم يذكر رواية معمر مع اشتهارها عنه، وهي ترجِّح رواية ابن أبي عروبة، وتثبتها، فضلًا عن كون الحديث مشتهرًا من حديث الحسن عن أبي هريرة، وعليه: فما ذهب إليه أبو حاتم وأبو زرعة هو الصواب، لكن إن أراد الدارقطني: أن حديث الحسن عن أبي هريرة: لا يثبت؛ لانقطاعه، وعدم سماع الحسن من أبي هريرة، فهو صحيح.
* وباجتماع هذه القرائن يتبين وهم رواية أبان بن يزيد العطار، وأن المحفوظ: ما رواه سعيد بن أبي عروبة ومعمر بن راشد، كلاهما: عن قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة، وقتادة: ثقة ثبت، وهو: ثبت في الحسن، والله أعلم.
* فإن قيل: أليس في رواية ابن أبي عروبة ومعمر سلوكًا للجادة؛ وأن رواية أبي سعيد الأزدي تحتاج إلى حافظ يضبطها؛ بخلاف رواية الحسن عن أبي هريرة؟ فيقال: ابن أبي عروبة أحفظ لحديث قتادة من أبان، وقد علمنا أنه حدث به قبل الاختلاط بمتابعة معمر، واشتهار الحديث عن الحسن، واشتمال حديث ابن أبي عروبة ومعمر على زيادة في آخره تدل على ضبطهما للحديث، وترجيح الأئمة لحديثهما على حديث أبان، والله أعلم.
* وحديث الحسن عن أبي هريرة صحيح عنه مشهور؛ وإن كان في نفسه ضعيفًا لانقطاعه، وعدم سماع الحسن من أبي هريرة:
أ- فقد رواه هشيم بن بشير، وإسماعيل بن عليه، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى [وهم ثقات أثبات]:
عن يونس بن عبيد [ثقة ثبت، أثبت الناس في الحسن البصري]، عن الحسن، عن أبي هريرة، قال: أوصاني خليلي ﷺ بثلاثٍ -قال هشيم: فلا أدعهنَّ حتى أموت-: بالوتر قبل النوم، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، والغسل يوم الجمعة.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٤٣٣/ ٤٩٩٥)، وأحمد (٢/ ٢٢٩ و ٢٣٣ و ٢٦٠)، والخطيب في المتفق والمفترق (٣/ ٢١١٢/ ١٨٠٩). [الإتحاف (١٤/ ٤٣٩/ ١٧٩٦٠)، المسند المصنف (٣١/ ١٦٢/ ١٤٢٤٤)].
ب- ورواه أسود بن عامر [ثقة]، وشيبان بن عبد الرحمن النحوي [ثقة]:
حدثنا جرير بن حازم [ثقة، من أصحاب الحسن، وحديثه عنه في الصحيحين]، قال: سمعت الحسن، قال: قال أبو هريرة: ثلاثٌ أوصاني بهنَّ خليلي ﷺ ، لا أدعهن أبدًا: الوتر قبل أن أنام، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، والغسل يوم الجمعة.
следующие страницы →