← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 261

فضل الرحيم الودود تخريج سنن أبي داود

ياسر فتحي

Полный текст (16 465 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

معمر القطيعي [هو: إسماعيل بن إبراهيم بن معمر: ثقة مأمون]، عن ابن عيينة، عن الأعمش، عن رجل، عن أبي وائل، عن عبد الله. وخالفه أصحاب ابن عيينة؛ فرووه عنه، عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله، منهم: قتيبة، وإبراهيم بن محمد الشافعي، وعبد الجبار بن العلاء، وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي، وعبد الله بن محمد الزهري. وكذلك قال أصحاب الأعمش: الثوري، وشريك، وحفص بن غياث، وأبو معاوية، وعبد الله بن إدريس، وهشيم، وأبو خالد الأحمر، كلهم: عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله. وهو أشبه بالصواب. ويقال: "إن الأعمش أخذ هذا الحديث عن الحسن بن عمرو الفقيمي عن أبي وائل". وكلام الدارقطني هذا يحتمل أمرين: إما أن يقال بأنه رجح الرواية المتصلة على الرواية المشتملة على واسطة مبهمة، فيصح به الحديث عنده، من جهة أن طرق الحديث لم تُظهر لنا أن الأعمش دلس هذا الحديث، وأنه سمعه من غير شيخه أبي وائل؛ فهو باقٍ على اتصاله حتى يظهر لنا أن الأعمش قد دلسه. وإما أن يقال بأن الدارقطني فقط رجح الرواية غير المشتملة على الواسطة على التي فيها "عن رجل"، ويبقى حينئذ النظر في عنعنة الأعمش في رواية هؤلاء الجماعة، هل دلس فيها الأعمش أم لا؟ ثم ذكر احتمالًا لوقوع هذا التدليس، وهو أن هذا الحديث يرويه الحسن بن عمرو الفقيمي [وهو ثقة]، عن أبي وائل، فأخذه الأعمش من الحسن، ثم دلسه، فرواه عن شيخه أبي وائل بلا واسطة، إذ هو مكثر عنه، وسماعه منه مشهور. والذي يظهر لي -والله أعلم-: أن الأعمش لم يسمع هذا الحديث من شقيق، كما جزم بذلك أحمد وابن خزيمة، لرواية أبي معاوية، وإنما دلسه الأعمش على أصحابه الآخرين، فرواه بالعنعنة، وهو لم يسمعه من شقيق، وإلا لصرح بالسماع ولو مرة. وإنما سمعه الأعمش من الحسن بن عمرو الفقيمي، ثم دلسه، كما قال الإمام أحمد، والحسن: ثقة، فإذا علمنا أن الأعمش قد دلسه عن ثقة، فمثل هذا لا يضره، والله أعلم، وعليه: فهو حديث صحيح. وقد عثرت على رواية الحسن بن عمرو الفقيمي عن أبي وائل؛ لكن بإسناد لا يصح إليه: فقد روى ابن عدي في كامله (٥/ ١٤٧)، من طريق: عمرو بن عبد الغفار الفقيمي: ثنا الحسن بن عمرو، عن شقيق بن سلمة، عن عبد الله، قال: لقد رأيتني ما أكف شعرًا ولا ثوبًا، ولا نتوضأ من موطئ.

стр. 842

وهذا إسناد واهٍ بمرة: عمرو بن عبد الغفار الفقيمي؛ ابن أخي الحسن بن عمرو الفقيمي: متروك؛ متهم بوضع الحديث [الميزان (٣/ ٢٧٢)، اللسان (٤/ ٤٢٦)]. ولحديث ابن مسعود طريقان آخران: الأول: يرويه عبد الرزاق في المصنف (١/ ٣٢/ ١٠٢)، عن ابن جريج، قال: أخبرت عن مسلم بن أبي عمران: أن ابن مسعود قال: كنا لا نتوضأ من موطئ، ولا نكشف سترًا، ولا نكف شعرًا. قال: قوله: ولا نكشف سترًا: يده إذا كان عليها الثوب في الصلاة. وهذا الإسناد: رجاله ثقات؛ إلا أنه منقطع في موضعين: الأول: بين ابن مسعود ومسلم بن أبي عمران -وهو مسلم بن عمران البطين-؛ فإن مسلمًا البطين لم يدرك ابن عباس، فعدم إدراكه لابن مسعود من باب أولى؛ لتقدم وفاة ابن مسعود [توفي سنة (٣٢)] على وفاة ابن عباس [توفي سنة (٦٨)]، بأكثر من خمس وثلاثين سنة [انظر: تحفة التحصيل (٣٠٣)، المراسيل (٢١٨)، جامع التحصيل (٢٨٠)]، ومسلم يروي عن أبي وائل وعنه الأعمش. والثاني: أن ابن جريج قال: أخبرت عن مسلم، فلم يذكر الواسطة بينهما. والثاني: يرويه أيضًا عبد الرزاق في مصنفه (١/ ٣٣/ ١٠٣) و (١/ ٤٠٢/ ١٥٧٢)، عن بشر بن رافع، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، قال: نهانا رسول الله ﷺ أن نكشف سترًا، أو نكف شعرًا، أو نحدث وضوءًا. قال: قلت ليحيى: قوله: أو نحدث وضوءًا؟ قال: إذا وطئ نتنًا وكان متوضئًا. قال: وقوله: ولا نكشف سترًا؟ يقول: لا يكشف الثوب عن يده إذا سجد. وهذا حديث منكر؛ أبو عبيدة: لم يسمع من أبيه [المراسيل (٢٥٦). تحفة التحصيل (١٦٥)]، ويحيى بن أبي كثير: ممن يدلس ويرسل، ولا يعرف له سماع من أبي عبيدة، وقد عنعنه، وبشر بن رافع: منكر الحديث؛ وقد تفرد به عن يحيى بن أبي كثير، وهو ممن يأتي عنه بالعجائب، وقد قال فيه ابن حبان: "يأتي بالطامات فيما روى عن يحيى بن أبي كثير، وأشياء موضوعة يعرفها من لم يكن الحديث صناعته، كأنه كان المتعمد لهما" [انظر: التهذيب (١/ ٤٦٩)، المجروحين (١/ ٢١٤)]. وعليه فإن هذا الطريق لا يصلح في المتابعات لنكارته. والحاصل أن حديث الأعمش يعتضد بحديث ابن جريج، ويشهد له، فهو حديث صحيح، والله أعلم. • وله شاهد من حديث ابن عمر: لكنه موقوف، ورفعه بعضهم، واختلف في إسناده فجعله بعضهم من قول ابن عباس [انظر: مصنف عبد الرزاق (١/ ٣٢/ ١٠٠)، الجمعة وفضلها للمروزي (٢٩)، علل الدارقطني (١٢/ ٤٤٢/ ٢٨٧٩)].

стр. 843

• وله شاهد آخر من حديث أبي أمامة؛ لكنه موضوع: يرويه أبو معاوية: ثنا أبو قيس، عن يحيى بن أبي صالح، عن أبي سلام الحبشي، عن أبي أمامة، قال: كان رسول الله ﷺ لا يتوضأ من موطئ. أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ١٢٠/ ٧٥٤٩). قال الهيثمي في المجمع (١/ ٢٨٥ - ٢٨٦): "فيه أبو قيس: محمد بن سعيد المصلوب، وهو: ضعيف". قلت: بل كذاب؛ معروف بوضع الحديث. • وأما فقه المسألة: قال الترمذي في الجامع (١٤٣)، بعد حديثه أم سلمة "يطهره ما بعده": "وفي الباب: عن عبد الله بن مسعود قال: كنا مع رسول الله ﷺ لا نتوضأ من الموطأ. قال أبو عيسى: وهو قول غير واحد من أهل العلم، قالوا: إذا وطئ الرجل على المكان القذر أنه لا يجب عليه غسل القدم إلا أن يكون رطبًا فيغسل ما أصابه". وقال ابن المنذر في الأوسط (٢/ ١٧٣): "والأشياء على الطهارة حتى يوجد نجسًا بعينه عينًا قائمًا فيزال ذلك، وفي حديث أنس: دليل على أن الطين إذا غلب عليه الماء وخالطه وإن كان فيه بول: لم يضره، وطهره الماء"، يعني: حديث الأعرابي الذي صُبَّ على بوله ذَنوب من ماء. وقال ابن رجب في الفتح (٢/ ٢٧٥): "والمراد بذلك: أن من مشى حافيًا على الأرض النجسة اليابسة، أو خاض طين المطر، فإنه يصلي ولا يغسل رجليه، وقد ذكر مالك وغيره: أن الناس لم يزالوا على ذلك. وذكره ابن المنذر إجماعًا من أهل العلم، إلا عن عطاء، فإنه قال: يغسل رجليه. قال: ويشبه أن يكون هذا منه استحبابًا لا إيجابًا. قال: وبقول جُلَّ أهل العلم نقول. وهذا يبين أن جمهور العلماء لا يرون غسل ما يصيب الرجل من الأرض، مما لا تتحقق نجاسته، ولا التنزه عنه في الصلاة". وقال في موضع آخر (٢/ ٣٣٦): "ومعنى هذا: أن من كان حافيًا فوطئ على نجاسة يابسة لم تعلق برجله: فإنه يصلي ولا يغسل رجليه، وإن أصابه نجاسة رطبة غسلها". هكذا حملوا الوضوء على غسل القدم، لكن قال الخطابي في المعالم (١/ ٦٣): "وإنما أراد بذلك: أنهم كانوا لا يعيدون الوضوء للأذى إذا أصاب أرجلهم لا أنهم كانوا لا يغسلون أرجلهم، ولا ينظفونها من الأذى إذا أصابها". وتبعه على ذلك ابن الأثير، فقال في النهاية (٥/ ٢٠٢): "أي: ما يوطأ من الأذى في الطريق؛ أراد: لا نعيد الوضوء منه، لا أنهم كانوا لا يغسلونه". وانظر: التمهيد (٥/ ١٠٩). ***

стр. 844

٨١ - باب من يحدث في الصلاة ٢٠٥ - . . . جرير بن عبد الحميد، عن عاصم الأحول، عن عيسى بن حِطان، عن مسلم بن سلام، عن علي بن طلق، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينصرف، فليتوضأ، وليُعِد الصلاة". • حديث ضعيف. أخرجه أبو داود في موضعين (٢٠٥) و (١٠٠٥)، والنسائي في الكبرى (٨/ ٢٠٣/ ٨٩٧٧)، وابن حبان في صحيحه (٦/ ٨/ ٢٢٣٧)، وفي الثقات (٣/ ٢٦٢)، وابن جرير الطبري في مسند علي من تهذيب الآثار (٣/ ٢٧٤/ ٤٢٣)، والطحاوي (٣/ ٤٥)، والدارقطني (١/ ١٥٣)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٤/ ١٩٧٢/ ٤٩٥٤)، وابن حزم من المحلى (٤/ ١٥٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٥٥)، وفي الصغرى (٢٦)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٢/ ٣٣٠/ ٧٥٣)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٤٢٢/ ٥٧٤). وفي رواية ابن حبان وغيره زيادة في آخره: "ولا تأتوا النساء في أدبارهن". قال ابن حبان: "لم يقل: "وليعد صلاته" إلا جرير". • وقد رواه بدون هذه الزيادة وبسياق أتم: سفيان الثوري، وحماد بن سلمة، وأبو الأحوص، وعبد الواحد بن زياد، وحفص بن غياث، وأبو معاوية الضرير، وإسماعيل بن زكريا، ومروان بن معاوية الفزاري: يزيد بعضهم على بعض، طوَّله بعضهم واختصره بعضهم، ثمانيتهم: عن عاصم الأحول، عن عيسى بن حطان، عن مسلم بن سلام، عن علي بن طلق، قال: أتى أعرابيٌّ النبي ﷺ فقال: يا رسول الله الرجل منا يكون في الصلاة، فتكون منه الرويحة، ويكون في الماء قلة؟ فقال رسول الله ﷺ : "إذا فسا أحدكم فليتوضأ، ولا تأتوا النساء في أعجازهن، فإن الله لا يستحي من الحق" لفظ أبي معاوية. أخرجه الترمذي في الجامع (١١٦٤)، وفي العلل الكبير (٤١)، والنسائي في الكبرى (٨/ ٢٠٣/ ٨٩٧٦ و ٨٩٧٧)، والدارمي (١/ ٢٧٦/ ١١٤١ و ١١٤٢)، وابن حبان (٩/ ٥١٤ و ٥١٥/ ٤١٩٩ و ٤٢٠١)، وأحمد [إتحاف المهرة (١١/ ٧١٢ و ٧١٣)، وابن كثير في تفسيره (١/ ٢٦٤)، وهو ساقط من مطبوعة المسند]، وأبو عبيد القاسم بن سلام في الطهور (٣٩٩)، وابن أبي شيبة (٣/ ٥٢٩/ ١٦٨٠٢)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣/ ٢٩٩/ ١٦٧٩)، وابن جرير الطبري في مسند علي من تهذيب الآثار (٣/ ٢٧٤/ ٤٢٢)، والطحاوي (٣/ ٤٥)، والخرائطي في مساوئ الأخلاق (٤٧٥)، وابن قانع في المعجم (٢/ ٢٦٠)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٤/ ١٩٧٢/ ٤٩٥٤ و ٤٩٥٥)، والبيهقي (٧/ ١٩٨)،

стр. 845

وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٣/ ١١٠)، والخطيب في المتفق (٣/ ١٥٩٨/ ١٠٥٧). • وقد وهم بعضهم فبه على عاصم الأحول: ١ - فرواه معمر بن راشد، عن عاصم، عن مسلم بن سلام، عن عيسى بن حطان، عن علي بن طلق به، نحو رواية الجماعة بدون القصة. أخرجه عبد الرزاق (١/ ١٣٩/ ٥٢٩) و (١١/ ٤٤١/ ٢٠٩٥٠)، وعنه: أحمد [إتحاف المهرة (١١/ ٧١٣)، تفسير ابن كثير (١/ ٢٦٥)]، والبيهقي في الشعب (٤/ ٣٥٥/ ٥٣٧٥). هكذا قلبه معمر فجعله: "عن مسلم عن عيسى"، والصواب: ما رواه الجماعة: "عن عيسى عن مسلم". تنبيه: وقع في موضع من المصنف "قيس بن طلق"، وفي تفسير ابن كثير: "طلق بن علي" وأراه تصحيفًا، أو قلبه بعض النساخ، والصواب: "علي بن طلق"، كما في الموضع الآخر من المصنف، وكما في الشعب. ٢ - وهِم شعبة بن الحجاج في تسمية صحابي هذا الحديث، وكان شعبة يغلط في الأسماء [انظر مثلًا: الحديث المتقدم برقم (١١٣)]. فرواه شعبة، عن عاصم الأحول، عن عيسى بن حطان، عن مسلم بن سلام، عن طلق بن يزيد -أو: يزيد بن طلق-، عن النبي ﷺ قال: … فذكره بنحو رواية الجماعة بدون القصة. أخرجه أحمد في المسند [إتحاف المهرة (١١/ ٧١٣)، تفسير ابن كثير (١/ ٢٦٥)، وهو ساقط من المطبوع]، وابن قانع في المعجم (٢/ ٤٣) و (٣/ ٢٣١). وانظر: الإصابة (٢/ ٢٣٣)، والحق أنه لا وجود لصحابي بهذا الاسم، وإنما هو من أوهام شعبة؛ وما هو إلا علي بن طلق؛ كما في رواية الجماعة. • ولم ينفرد عاصم الأحول برواية هذا الحديث عن عيسى بن حطان؛ بل تابعه أبو سلام عبد الملك بن مسلم بن سلام الحنفي عن عيسى به. وعاصم وعبد الملك: ثقتان. رواه أبو نعيم الفضل بن دكين، ويزيد بن هارون، وأحمد بن خالد الوهبي، وشبابة بن سوار: ثلاثتهم: عن أبي سلام عبد الملك بن مسلم بن سلام، عن عيسى بن حطان، عن مسلم بن سلام، عن علي بن طلق: أن أعرابيًّا أتى النبي ﷺ فقال: إنا نكون بهذه البادية، وإنه تكون من أحدنا الرويحة، وفي الماء قلة؟ فقال النبي ﷺ : "إذا فسا أحدكم فليتوضأ، ولا تأتوا النساء في أدبارهن، فإن الله لا يستحي من الحق". أخرجه النسائي في الكبرى (٨/ ٢٠٢ - ٢٠٣/ ٨٩٦٥)، وأبو عبيد في الطهور (٣٩٨)، وابن جرير الطبري في مسند علي من تهذيب الآثار (٣/ ٢٧٤/ ٤٢٤ و ٤٢٥)، والخرائطي في مساوئ الأخلاق (٤٧٦ و ٤٨٠)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٠/ ٣٩٨)، وفي تالي التلخيص (١/ ١٣٢/ ٥٤) و (٢/ ٥٨٨/ ٣٥٩).

стр. 846

خالفهم: وكيع بن الجراح، فرواه عن عبد الملك بن مسلم، عن أبيه، عن علي، قال: جاء أعرابي، فقال: يا رسول الله … فذكر الحديث. أخرجه الترمذي في الجامع (١١٦٦)، وفي العلل الكبير (٤٠)، والنسائي في الكبرى (٨/ ٢٠٢/ ٨٩٧٤)، وأحمد (١/ ٨٦)، وابن جرير في مسند علي من تهذيب الآثار (٣/ ٢٧٤/ ٤٢٦)، والخطيب في تاريخه (١٠/ ٣٩٨). قال الخطيب: "هكذا روى الحديث وكيع بن الجراح عن عبد الملك بن مسلم عن أبيه، ولم يسمعه عبد الملك عن أبيه، وإنما رواه عن عيسى بن حطان عن أبيه مسلم بن سلام، كما سقناه عن شبابة عنه، وقد وافق شبابة: عبيد الله بن موسى، وأبو نعيم، وأبو قتيبة سلم بن قتيبة، وأحمد بن خالد الوهبي، وعلي بن نصر الجهضمي، فرووه كلهم: عن عبد الملك، عن عيسى بن حطان، عن مسلم بن سلام". وصحح رواية الجماعة أيضًا: المزي، وتبعه ابن حجر [تهذيب الكمال (٤/ ٥٧٦)، التهذيب (٥/ ٣٢٢)]. ولم يُنسب صحابي هذا الحديث في هذه الرواية -رواية وكيع- فظنه بعضهم: علي بن أبي طالب، وكما نرى فإن الإمام أحمد أخرج حديثه هذا في مسند علي بن أبي طالب، وإنما هو من مسند علي بن طلق. قال الخطيب: "وعلي الذي أسند هذا الحديث ليس بابن أبي طالب، وإنما هو علي بن طلق الحنفي بيَّن نسبه الجماعة الذين سميناهم في روايتهم هذا الحديث عن عبد الملك، وقد وهم غير واحد من أهل العلم فأخرج هذا الحديث في مسند علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ ". وقال الترمذي بعد رواية وكيع هذه: "وعليٌّ هذا هو علي بن طلق". وقال أبو عبيد القاسم بن سلام في الطهور (٣٩٩): "هذا الذي ذكرناه في الحديث الأول: لا أراه علي بن أبي طالب، إنما هو عندنا علي بن طلق لأن حديثه المعروف عنه، وكان رجلًا من بني حنيفة من أهل اليمامة، وأحسبه والد طلق بن علي الذي سأل النبي ﷺ عن مس الذكر". وترجم له النسائي بقوله: "ذكر حديث علي بن طلق … ". وقال ابن كثير في تفسير (١/ ٢٦٤): "ومن الناس من يورد هذا الحديث في مسند علي بن أبي طالب، كما وقع في مسند الإمام أحمد بن حنبل، والصحيح: أنه علي بن طلق". ووضعه المزي في مسند علي بن طلق في أطرافه [تحفة الأشراف (٧/ ٤٧١)]. وأما ابن حجر في أطراف العشرة فإنه وضعه في مسند علي بن أبي طالب تبعًا للمسند، ثم قال: "قلت: الذي يتبادر إلى ذهني: أن عليًّا راوي هذا الحديث هو علي بن طلق الحنفي، فإن الراوي عنه: حنفي أيضًا، والحديث معروف من طريقه، ولكن كذا وجدته في مسند علي بن أبي طالب [إتحاف المهرة (١١/ ٦٢٧)].

стр. 847

وقال ابن حجر في التلخيص (١/ ٤٩٥) متعقبًا الرافعي: "هكذا نسبه فقال: علي بن أبي طالب، وهو غلط، والصواب: علي بن طلق، وهو اليمامي". وانظر فيمن وهم فيه على عيسى بن حطان: معرفة الصحابة لأبي نعيم (٤/ ١٩٧٣/ ٤٩٥٦). • وأخيرًا فإن حاصل ما تقدم: أن هذا الحديث يرويه عاصم الأحول، وأبو سلام عبد الملك بن مسلم بن سلام، كلاهما: عن عيسى بن حطان، عن مسلم بن سلام، عن علي بن طلق الحنفي به. قال الترمذي: "حديث علي بن طلق: حديث حسن. وسمعت محمدًا يقول: لا أعرف لعلي بن طلق عن النبي ﷺ غير هذا الحديث الواحد، ولا أعرف هذا الحديث من حديث طلق بن علي السحيمي، وكأنه رأى أن هذا رجل آخر من أصحاب النبي ﷺ "، كذا قال في الجامع. وقال في العلل: "سألت محمدًا عن هذا الحديث؟ فقال: لا أعرف لعلي بن طلق عن النبي ﷺ غير هذا الحديث، وهو عندي غير طلق بن علي، ولا يعرف هذا من حديث طلق بن علي". ثم قال أيضًا: "سألت محمدًا عن هذا الحديث؟ فقال: علي بن طلق هذا أراه غير طلق بن علي، ولا أعرف لعلي بن طلق إلا هذا الحديث، وعيسى بن حطان الذي روى عنه هذا الحديث: رجل مجهول. فقلت له: أتعرف هذا الحديث الذي روى علي بن طلق من حديث طلق بن علي؟ فقال: لا". وقال ابن القطان الفاسي: "وهذا حديث لا يصح، فإن مسلم بن سلام الحنفي أبا عبد الملك: مجهول الحال" [نصب الراية (٢/ ٦٢)، التخليص (١/ ٤٩٥)، بيان الوهم (٥/ ١٩١/ ٢٤٢١)]. • وعليه فالحديث ضعيف؛ لجهالة مسلم بن سلام وعيسى بن حطان. أما مسلم بن سلام الحنفي: فإنه لم يرو عنه سوى عيسى بن حطان، وذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٣٩٥)، وقال عنه في مشاهير علماء الأمصار (٩٧٢): "قليل الرواية يغرب فيها"، فإذا كان مع قلة ما يروي يُغرب؛ فهذا مما يدل على قلة ضبطه وحفظه، فلا ينبغي لمثله أن يُدخل في الثقات؛ بل ينبغي أن يحول إلى كتاب الضعفاء. فإن كان الأمر كما قال ابن حبان فيكون قول ابن القطان فيه: "مجهول الحال"، من باب التجوز فيه وتمشية الحال [الجرح (٨/ ١٨٥)، التاريخ الكبير (٧/ ٢٦٢)]. وأما عيسى بن حطان: فهو العائذي، وليس بالرقاشي [انظر: التاريخ الكبير (٦/ ٣٨٧)، الثقات (٥/ ٢١٣ و ٢١٥)، المعرفة والتاريخ (٣/ ٣٧٠)، المتفق والمفترق (٣/ ١٥٩٨)]، روى عنه جماعة من الثقات والضعفاء، ذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٢١٥)، وقال العجلي: "ثقة" [معرفة الثقات (١٤٥٩)]، وهما معروفان بالتساهل في توثيق

стр. 848

المجاهيل، وعيسى هذا قد قال فيه البخاري: "رجل مجهول"، وقال ابن عبد البر: "ليس ممن يحتج بحديثه"، وحكم عليه أيضًا بالجهالة في الاستيعاب في ترجمة عمرو بن ميمون الأودي [الاستيعاب بهامش الإصابة (٢/ ٥٤٣)]، فهو رجل مجهول؛ كما قال البخاري. ثم إن علي بن طلق لا يعرف له غير هذا الحديث الواحد، ولا يعرف له راوٍ غير مسلم بن سلام؛ على جهالته وما فيه من ضعف، والبخاري لم يترجم له في كتابه التاريخ الكبير. • وفي الأمر بالانصراف من الصلاة لحدثٍ: أحاديث، لا يصح منها شيء، نذكر منها على سبيل الإيجاز والاختصار: ١ - عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قاء أحدكم في صلاته، أو قلس: فلينصرف فليتوضأ، ثم ليبن على ما مضى من صلاته؛ ما لم يتكلم". وفي لفظ: "من رعف في صلاته: فلينصرف فليتوضأ، ثم ليبن على ما صلى". وفي لفظ: "من أصابه قيء، أو رعاف، أو قلس، أو مدي: فلينصرف فليتوضأ، ثم ليبن على صلاته، وهو في ذلك لا يتكلم". أخرجه ابن ماجه (١٢٢١)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٣٢١/ ٥٤٢٩)، وابن عدي في الكامل (١/ ٢٩٦ - ٢٩٧) و (٥/ ٢٩٠)، والدارقطني (١/ ١٥٣ - ١٥٥)، وابن حزم في المحلى (٤/ ١٥٤)، والبيهقي في السنن (١/ ١٤٢ و ١٤٣) و (٢/ ٢٥٥)، وفي المعرفة (١/ ٢٣٩/ ٢١٥ و ٢١٦)، وفي الخلافيات (٢/ ٣٢٤ - ٣٣٤/ ٦١٩ - ٦٣٣)، وابن الجوزي في التحقيق (٢١٤)، وفي العلل المتناهية (٦٠٨). وانظر: علل ابن أبي حاتم (١/ ٣١ و ١٧٩/ ٥٧ و ٥١٢)، وعلل الدارقطني (١٤/ ٣٦١/ ٣٧٠٧). وهذا الحديث من رواية إسماعيل بن عياش عن أهل الحجاز، وروايته عنهم ضعيفة، وقد أنكر الأئمة عليه هذا الحديث. ورواه أيضًا: سليمان بن أرقم، وهو: متروك، كلاهما: عن ابن جريج موصولًا، وأصحاب ابن جريج الحفاظ يروونه عن ابن جريج عن أبيه مرسلًا. ٢ - عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا رعف أحدكم في صلاته فلينصرف؛ فليغسل عنه الدم، ثم ليُعِد وضوئه، ويستقبل صلاته". أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ١٦٥/ ١١٣٧٤)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٢٥٤)، والدارقطني (١/ ١٥٢)، والبيهقي في الخلافيات (٢/ ٣٤١/ ٦٤٩ - ٦٥١)، وابن الجوزي في التحقيق (٢١٩). وهو حديث منكر؛ تفرد به سليمان بن أرقم، وهو: متروك. • وله طريق أخرى، بلفظ: كان رسول الله ﷺ إذا رعف في صلاته: توضأ، ثم بنى على ما بقي من صلاته. أخرجه العقيلي (٣/ ١٦٠)، وابن عدي (٥/ ٥١)، والدارقطني (١/ ١٥٦ - ١٥٧)،

стр. 849

والبيهقي في الخلافيات (٢/ ٣٤٢/ ٦٥٢ و ٦٥٣)، وابن الجوزي في التحقيق (٢١٨)، وهذا حديث باطل؛ تفرد به عمر بن رياح العبدي البصري عن عبد الله بن طاووس، وعمر: متروك، كذبه بعضهم، ينفرد عن ابن طاووس بالبواطيل [التهذيب (٣/ ٢٢٥)]، وإنما هو قول طاووس [انظر: مصنف عبد الرزاق (٢/ ٣٤١/ ٣٦١٦ و ٣٦١٧)]. ٣ - عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : "من رعف في صلاته: فليرجع فليتوضأ، وليبن على صلاته". أخرجه ابن حبان في المجروحين (٢/ ٢٢)، والدارقطني (١/ ٣٧١)، والبيهقي في الخلافيات (٢/ ٣٣٨/ ٦٤٣)، وابن الجوزي في التحقيق (٢١٦)، وفي العلل المتناهية (٦٠٧). وفي إسناده: أبو بكر الداهري عبد الله بن حكيم: متروك الحديث، كذبه الجوزجاني [اللسان (٤/ ٤٦٤)]. ٨ - عن سلمان، قال: رآني النبي ﷺ وقد سال من أنفي دم، فقال: "أحدث لما حدث وضوءًا". أخرجه البزار (٦/ ٤٨٩/ ٢٥٢٢)، وأبو بكر الدينوري في المجالسة وجواهر العلم (٢٢٩٠)، وابن حبان في المجروحين (٣/ ١٠٥ - ١٠٦)، والطبراني في الكبير (٦/ ٢٣٩/ ٦٠٩٨ و ٦٠٩٩)، وفي الأوسط (٣/ ١٨٢/ ٢٨٦٢)، وابن عدي (٢/ ١٤٢)، والدارقطني (١/ ١٥٦)، والبيهقي في الخلافيات (٢/ ٣٣٤ و ٣٣٦/ ٦٣٤ و ٦٣٥ و ٦٣٩ و ٦٤٠)، وابن الجوزي في التحقيق (٢١٧). وانظر: علل ابن أبي حاتم (١/ ٤٨/ ١١٢). وفي إسناده: أبو خالد عمرو القرشي، وهو عمرو بن خالد أبو خالد الواسطي: كذاب، يضع الحديث. تنبيه: وقع في إسناد هذا الحديث لابن حبان: "يزيد أبي خالد"، فظنه أبا خالد الدالاني، يزيد بن عبد الرحمن، وأخرجه في ترجمته منكرًا به عليه. وروي عن سلمان موقوفًا، ولا يصح [انظر: مصنف عبد الرزاق (٢/ ٣٣٩/ ٣٦٠٨)، مصنف ابن أبي شيبة (٢/ ١٣/ ٥٩٠٣)، الأوسط (٦٢)، علل ابن أبي حاتم (١/ ٧٠/ ١٨٥)، الخلافيات (٢/ ٣٥٧/ ٦٦٨)]. فلا يصح في هذا الباب شيء. وانظر: الإمام (٢/ ٣٤٣ - ٣٥٩)، البدر المنير (٤/ ١٠٠ - ١٠٩). • وقد روي في ذلك آثار عن الصحابة: عن عمر بن الخطاب، في الرعاف، ولا يصح، وروي مرفوعًا ولا يصح أيضًا [مصنف ابن أبي شيبة (١٣/ ٢/ ٥٨٩٩)، الأوسط (٥٩)، المعجم الصغير (١/ ٢٤٤/ ٣٩٩)]. وعن علي بن أبي طالب، ولا يصح عنه، وروي مرفوعًا ولا يصح أيضًا [الأم (٧/ ١٦٤)، مصنف عبد الرزاق (٢/ ٣٣٨ و ٣٣٩/ ٣٦٠٦ و ٣٦٠٧)، مصنف ابن أبي شيبة (٢/ ١٣/ ٥٩٠٤)،

стр. 850

البزار (٣/ ١٠٥/ ٨٩٠)، الأوسط (٦٠ و ٧٧)، المعجم الأوسط (٦/ ٢٧٢/ ٦٣٩٠)، سنن الدارقطني (١/ ١٥٦)، سنن البيهقي (٢/ ٢٥٦)، الخلافيات (٢/ ٣٥٣ - ٣٥٥/ ٦٦٥ - ٦٦٧). وانظر: علل ابن أبي حاتم (٥٩)]. وعن ابن عمر، وقد صح عنه في الرعاف، وليس بناقض للوضوء [موطأ مالك (١/ ٨٠/ ٨٨)، مسند الشافعي (٢٢٧)، السنن المأثورة (٣٩١)، مصنف عبد الرزاق (٢/ ٣٣٩ و ٣٤٠/ ٣٦٠٩ و ٣٦١٠ و ٣٦١٢)، الطهور لأبي عبيد (٤١٥ - ٤١٨)، مصنف ابن أبي شيبة (٢/ ١٣/ ٥٩٠٢)، الأوسط (٦١ و ٧٨)، سنن البيهقي (٢/ ٢٥٦)، الخلافيات (٢/ ٣٥٢/ ٦٦٤)]. وعن ابن عباس، في الرعاف [موطأ مالك (١/ ٨٩/٨٠)، سنن البيهقي (٢/ ٢٥٧)]. • ويغني من هذا كله: ما ثبت في الصحيحين: من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ"، وقد تقدم برقم (٦٠). • قال ابن الملقن في البدر المنير (٤/ ٩٩): "فائدة جليلة: أحببت أن أذكرها هنا؛ لينتفع بها من يقع منه حدث"، ثم ذكر حديث عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أحدث أحدكم وهو في الصلاة، فليأخذ على أنفه ثم لينصرف". قلت: هو حديث مختلف في وصله وإرساله، يأتي تخريجه في موضعه من السنن برقم (١١١٤)، إن شاء الله تعالى، وانظر في هذا المعنى: الحديث الآتي برقم (٢٣٤). *** ٨٢ - باب في المذي ٢٠٦ - . . . عَبيدة بن حُميد الحَذَّاء، عن الرُّكين بن الربيع، عن حُصين بن قَبيصة، عن علي ﵁ قال: كنت رجلًا مذاءً، فجعلت أغتسل حتى تشقق ظهري، فذكرت ذلك للنبي ﷺ -أو: ذُكِر له-، فقال رسول الله ﷺ : "لا تفعل! إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك، وتوضأ وضوءك للصلاة، فإذا فضخت الماء فاغتسل". • حديث صحيح. أخرجه النسائي (١/ ١١١/ ١٩٣)، وابن خزيمة (٢٠)، وابن حبان (٣/ ٣٩١/ ١١٠٧)، والضياء في المختارة (٢/ ٥٣ و ٥٤/ ٤٣٢ و ٤٣٣)، وأحمد (١/ ١٠٩)، وابن أبي شيبة (١/ ٨٩/ ٩٨٦)، والبزار (٣/ ٤٨/ ٨٠٢)، وابن الغطريف في جزئه (٢)، والبيهقى (١/ ١٦٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٢/ ٥). • تابعه: زائدة بن قدامة، وسفيان الثوري، وشريك: أما حديث زائدة فلفظه: عن علي قال: كنت رجلًا مذاءً، فسألت النبي ﷺ فقال: "إذا رأيت المذي فتوضأ، واغسل ذكرك، وإذا رأيتَ فضخَ الماءِ فاغتسل".

стр. 851

أخرجه النسائي (١/ ١١٢/ ١٩٤)، وابن حبان (٣/ ٣٨٥/ ١١٠٢)، وأحمد (١/ ١٢٥)، والطيالسي (١/ ١٢٣/ ١٣٨)، وابن أبي شيبة (١/ ٨٩/ ٩٨٥)، والبزار (٨٠٣)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٤٦)، وفي المشكل (٧/ ١٣١)، والبيهقي (١/ ١٦٧)، وابن بشكوال في الغوامض (٢/ ٥١٣). وأما حديث سفيان: فأخرجه أحمد (١/ ١٢٥)، ولم يذكر لفظه. وأما حديث شريك: فأخرجه أحمد (١/ ١٤٥)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (١/ ١٢٧/١١٤): بلفظ: عن علي قال: كنت رجلًا مذاءً؛ فاستحييت أن أسأل رسول الله ﷺ من أجل ابنته، فأمرت المقداد، فسأل رسول الله ﷺ عن الرجل يجد المذي؟ فقال: "ذلك ماء الفحل، ولكل فحل ماء، فليغسل ذكره وأنثييه، وليتوضأ وضوءه للصلاة". وهذه رواية منكرة؛ بذكر المقداد فيها، وبهذه الزيادات في المتن: "ماء الفحل"، و"أنثييه"، تفرد بها شريك، وهو سيئ الحفظ، والحديث قد رواه الثقات بدون هذه الزيادات، مثل: زائدة بن قدامة، وسفيان الثوري، وعبيدة بن حميد. • والحديث صححه ابن خزيمة، وابن حبان، والضياء، واحتج به أبو داود والنسائي. لكن قال البزار: "ولا نعلم روى حصين بن قبيصة عن علي إلا هذا الحديث، ولا نعلم أحدًا روى هذا اللفظ عن علي غيره". وقال ابن القطان الفاسي في بيان الوهم (٥/ ١٨): " … حصين بن قبيصة، وهو كوفي يروي عن علي وابن مسعود، روى عنه الركين بن الربيع والقاسم بن عبد الرحمن، ولا تعرف حاله". فتعقبه الحافظ العراقي في ذيل الميزان (٢٩٧)، بقوله: "ذكره ابن حبان في الثقات، وروى عنه جماعة". قلت: وقال العجلي: "ثقة" [معرفة الثقات (٢٦٩)]، وقال ابن حجر في التقريب (١٥٤): "ثقة". ومما يقوي أمره تصحيح ابن خزيمة وابن حبان له، واحتجاج النسائي به في صحاحه. وقد أثبت له البخاري السماع من علي، فقال في التاريخ الكبير (٣/ ٥): "سمع عليًّا". فهو حديث حسن، والله أعلم. وأما قول البزار بأنه لا يعلم أحدًا روى هذا اللفظ عن علي غير حصين بن قبيصة، فلم ينفرد به حصين بن قبيصة: ١ - فقد روى حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي: ثنا حسن بن صالح [هو: ابن حي]،

стр. 852

عن بيان [هو: ابن بشر الأحمسى أبو بشر الكوفي]، عن حصين بن صفوان، عن علي قال: كنت رجلًا مذاءً فلما رأى رسول الله ﷺ الماء قد آذاني؛ قال: "إنما الغسل من الماء الدافق". أخرجه ابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (١/ ١١٣/ ١٢٦)، وأبو يعلى (١/ ٢٩٨/ ٣٦٢)، والبيهقي (١/ ١٦٧). وهذا إسناد كوفي رجاله ثقات مشهورون، غير حصين بن صفوان؛ فإنه: شيخ مجهول [التقريب (١٥٣)]. ٢ - وروى يزيد بن أبي زياد، قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي، قال: كنت رجلًا مذاءً، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك؟ فقال: "في المذي الوضوء، وفي المني الغسل". أخرجه الترمذي (١١٤)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه على الترمذي (٩٧ و ٩٨)، وابن ماجه (٥٠٤)، والضياء في المختارة (٢/ ٢٦٦/ ٦٤٤ و ٦٤٥)، وأحمد (١/ ٨٧ و ١٠٩ - ١١٠ و ١١١ و ١٢١)، وابن أبي شيبة (١/ ٨٧/ ٩٦٦)، والبزار (٢/ ٢٣٤/ ٦٢٩ و ٦٣٠)، وأبو يعلى (١/ ٢٦٦ و ٣٥٤/ ٣١٤ و ٤٥٧)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٤٦)، وفي المشكل (٧/ ١٣٠)، والمحاملي في الأمالي (٢١٣)، وأبو جعفر ابن البختري في جزء من أماليه (٧) [مجموع مصنفاته (١٣٩)]، والطبراني في الأوسط (٦/ ١٣٣/ ٦٠٠٩)، وابن عبد البر في التمهيد (٨/ ٦٢)، وفي الاستذكار (١/ ٢٤٣)، والخطيب في الموضح (٢/ ١٧٥). قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح، وقد روي عن علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ من غير وجه: "من المذي الوضوء، ومن المني الغسل"، وهو قول عامة أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، والتابعين ومن بعدهم، وبه يقول سفيان والشافعي وأحمد وإسحاق". قلت: تصحيح الترمذي لهذا الحديث إنما هو بالنظر لتعدد طرقه، ومجيئه من غير وجه صحيح، عن علي عن النبي ﷺ ، فله أسانيد صحيحة ليس لها مدفع، وأصله متفق على صحته، كما سيأتي، وليس يخفى على الترمذي أمر يزيد بن أبي زياد الكوفي وكلام أهل العلم فيه؛ فإنه في الأصل صدوق عالم إلا أنه لما كبر ساء حفظه وتغير، وكان إذا لُقِّن تلقن، فهو: ليس بالقوى؛ كما قال أكثر النقاد [انظر: التهذيب (٩/ ٣٤٤)، الميزان (٤/ ٤٢٣)، الجامع في الجرح والتعديل (٣/ ٣١٥)]، وقد أمنا تدليسه؛ حيث صرح بالتحديث، وقد رواه جماعة من الحفاظ عن يزيد. وعبد الرحمن بن أبي ليلى قد سمع من علي، وروايته عنه في الصحيحين [التاريخ الكبير (٥/ ٣٦٨)، التهذيب (٥/ ١٦٧). أثبت سماعه: ابن معين والبخاري]. فهذه متابعة جيدة لحديث حصين بن قبيصة، وبها يصح الحديث؛ بهذا السياق؛ أعني زيادة: "فإذا فضخت الماء فاغتسل".

стр. 853

٣ - وروى رزام بن سعيد الضبي، قال: سألت جوابًا التيمي عن المذي؟ فقال: سألت عنه أبا إبراهيم يزيد بن شريك فألجأ الحديث إلى عليٍّ، وألجأ عليّ الحديث إلى النبي ﷺ ، قال: رآني النبي ﷺ وقد شحبت، فقال لي: "يا علي لقد شحبت؟ " قلت: شحبت من اغتسالي بالماء، وأنا رجل مذاء، فإذا رأيت منه شيئًا اغتسلت منه، قال: "لا تغتسل منه يا علي؛ إلا من الحذف، فإن رأيت منه شيئًا فلا تعْدُ أن تغسل ذكرك، ولا تغتسل إلا من الحذف"، يعني: المني. كذا رواه أبو نعيم عن رزام، ولفظ أبي أحمد الزبيري عنه عند أحمد: كنت رجلًا مذاءً" فسألت النبي ﷺ ؟ فقال: "إذا حذفت فاغتسل من الجنابة، وإذا لم تكن حاذفًا فلا تغتسل". أخرجه أحمد (١/ ١٠٧)، والسهمي في تاريخ جرجان (١٧٣)، وابن عدي في الكامل (٢/ ١٧٧)، والرامهرمزي في المحدث الفاصل (٥١٠). وهذا إسناد صحيح متصل، رجاله ثقات كوفيون، وجواب بن عبيد الله التيمي: ثقة، وثقة ابن معين ويعقوب بن سفيان، وأما تضعيف ابن نمير له فإنه معتمد على كون الثوري رآه فلم يحمل عنه، وإنما لم يحمل عنه الثوري لأنه كان مرجئًا، كما بيَّن ذلك الثوري نفسه في رواية أبي نعيم عنه، فهو: ثقة لم تثبت فيه جرحة من قِبل الرواية، قال ابن عدي: "وجواب التيمي كان قاصًا، وكان بجرجان، وهو كوفي سكن جرجان، وليس له من الحديث المسند إلا القليل، وله مقاطيع في الزهد وغيره، ولم أر له حديثًا منكرًا في مقدار ما يرويه، وكان يرمى بالإرجاء"، وذكره ابن حبان في الثقات [انظر: الجرح والتعديل (٢/ ٥٣٥)، الكامل (٢/ ١٧٧)، التهذيب (٢/ ٩١)، الميزان (١/ ٤٢٦)]. ويزيد بن شريك بن طارق التيمي والد إبراهيم: قد سمع علي بن أبي طالب، وروايته عنه في الصحيحين [البخاري (١٨٧٠ و ٣١٧٢ و ٣١٧٩ و ٦٧٥٥ و ٧٣٠٠)، مسلم (١٣٧٠)]. • وحاصل ما تقدم: فإن حديث حصين بن قبيصة عن علي حديث صحيح، بهذه المتابعات الثلاث. • ثم وجدت متابعة رابعة: فقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (٩٦٧/ ٨٧/١) قال: حدثنا هشيم، عن منصور، عن الحسن، عن علي، قال: كنت أجد مذيًا؛ فأمرت المقداد أن يسأل النبي ﷺ عن ذلك؛ لأن ابنته عندي؛ فاستحييت أن أسأله، فقال: "إن كل فحل يمذي، فإذا كان المني ففيه الغسل، وإذا كان المذي ففيه الوضوء". وهذا إسناد رجاله ثقات، إلا أنه منقطع، الحسن بن أبي الحسن البصري: لا يعرف له سماع من علي، إنما رآه رؤية [المراسيل (٣١)، جامع التحصيل (١٦٢)، تحفة التحصيل (٦٧)]، وهشيم مدلس، وقد عنعنه.

стр. 854

• والمحفوظ في حديث علي الذي فيه سؤال المقداد: "فيه الوضوء" أو: "توضأ، واغسل ذكرك"، وليس فيه هذه الزيادة: "فإذا كان المني فيه الغسل". وقد رواه بدون هذه الزيادة: روح بن عبادة، قال: نا أشعث، عن الحسن، قال: قال علي ﵁: كنت رجلًا مذاءً؛ فسألت النبي ﷺ عن ذلك؟ فقال: "فيه الوضوء". أخرجه البزار (٢/ ١٧٧/ ٥٥٢). • فائدة: في هذا الحديث ومتابعاته: أن الذي سأله النبي ﷺ هو علي نفسه، ليس بينها واسطة. *** ٢٠٧ - . . . مالك، عن أبي النضر، عن سليمان بن يسار، عن المقداد بن الأسود: أن علي بن أبي طالب ﵁ أمره أن يسأل [له] رسول الله ﷺ عن الرجل إذا دنا من أهل فخرج منه المذي، ماذا عليه؟ فإن عندي ابنته، وأنا أستحي أن أسأله، قال المقداد: فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك؟ فقال: "إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح فرجه، وليتوضأ وضوءه للصلاة". • إسناده منقطع، إلا أنه حديث صحيح، لثبوته من طرق أخرى صحيحة رواه مالك في موطئه (١/ ٨٢/ ٩٥)، ومن طريقه: النسائي (١/ ٩٧ و ٢١٥/ ١٥٦ و ٤٤٠)، وابن ماجه (٥٠٥)، وابن خزيمة (٢١)، وابن حبان (٣/ ٣٨٣ - ٣٨٤ و ٣٨٩/ ١١٠١ و ١١٠٦)، وابن الجارود (٥)، والشافعي في الأم (١/ ١٧)، وفي المسند (١٢)، وأحمد (٦/ ٤ و ٥)، وعبد الرزاق (١/ ١٥٦/ ٦٠٠)، وابن المنذر في الأوسط (١/ ١٣٣/ ٢٠)، والمحاملي في الأمالي (١٦٣)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٥١/ ٥٩٦)، والجوهري في مسند الموطأ (٣٨٧)، وابن حزم في المحلى (١/ ١٠٦)، والبيهقي (١/ ١١٥)، وابن بشكوال في الغوامض (٢/ ٥١٤). قال ابن حبان: "مات المقداد بن الأسود بالجرف، سنة ثلاث وثلاثين، ومات سليمان بن يسار سنة أربع وتسعين، وقد سمع سليمان بن يسار من المقداد وهو ابن دون عشر سنين". قلت: قد خالف ابن حبان نفسه في تأريخ سنة وفاة سليمان بن يسار، فقال في الثقات (٤/ ٣٠١): "مات سنة تسع ومائة، وكان له يوم توفي ست وسبعون سنة، وقد قيل: توفي سنة أربع ومائة، ويقال أيضًا: سنة عشر ومائة، وهذا أصح، وكان مولده سنة أربع وثلاثين". ثم خالف نفسه مرة أخرى، فقال في مشاهير علماء الأمصار (٤٣٢): "كان مولده سنة أربع وثلاثين، ومات سنة تسع ومائة".

стр. 855

وعلى هذا يكون لابن حبان ثلاثة أقوال في سنة وفاته: (٩٤) و (١٠٩) و (١١٠). واعتمد على الأول في إثبات سماع سليمان بن يسار من المقداد؛ ولعل كلامه في الثقات أضبط منه في غيره، وذلك لكونه جمع الأقوال ونظر فيها، ثم رجح ما صح عنده، وعلى هذا فهو متضمن لنفي السماع والإدراك بالكلية، لكون سليمان ولد بعد سنة من وفاة المقداد، والله أعلم. وقد ذكر الذهبي أن الجمهور على أن سليمان مات سنة سبع ومائة، وضعَّف بقية الأقوال، قال في السير (٤/ ٤٤٦ - ٤٤٧): "وقال ابن سعد: كان ثقة عالمًا رفيعًا فقيهًا كثير الحديث، مات سنة سبع ومائة، وكذا أرَّخه مصعب بن عبد الله وابن معين والفلاس وعلي بن عبد الله التميمي والبخاري وطائفة، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة، قلت: فيكون مولده في أواخر أيام عثمان في سنة أربع وثلاثين، وقال يحيى بن بكير: توفي سنة تسع، وهذا وهم، لعله تصحف، وقال خليفة: مات سنة أربع، وقال الهيثم بن عدي: سنة مائة، وهذا شاذ، وأشذ منه: رواية البخاري عن هارون بن محمد عن رجل: أنه مات هو وابن المسيب وعلي بن الحسين وأبو بكر بن عبد الرحمن: سنة الفقهاء: سنة أربع وتسعين" [انظر: طبقات ابن سعد (٥/ ١٧٤)، التاريخ الأوسط (١/ ٢٣٥)، مولد العلماء ووفياتهم (١/ ٢٣٩ و ٢٥٧ و ٢٦١)، التعديل والتجريح (٣/ ١١٢١)، تذكرة الحفاظ (١/ ٩١)، التهذيب (٣/ ٥١٣)]. هكذا نسب الذهبي للبخاري القول بأنه مات سنة (١٠٧)؛ كقول الجمهور، وقد يقال: إن هذا القول ذكره البخاري ولم يعتمده بل ضعفه؛ فقال في الأوسط (١/ ٣٧١): "وقد سمع أسامة بن زيد من سليمان مولى ميمونة زوج النبي ﷺ ، ويقال -ولم يصح عندي-: مات سنة سبع ومائة، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة". قلت: هذه الجملة نقلها مغلطاي في إكماله (٦/ ١٠٣) هكذا: "وقد سمع أسامة من سليمان بن يسار، ويقال: لم يصح، مات سنة سبع ومائة، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة". فلعلها هي نفس النسخة التي وقعت للذهبي، وعليه: فالذهبي لم يخطئ في نسبة هذا القول إلى البخاري، لكن الذي يظهر لي -والله أعلم- أن البخاري ضعف هذا القول -كما جاء في المطبوع-، وذلك لأنه ترجم لسليمان بن يسار فيمن مات بين التسعين إلى المائة [انظر: التاريخ الأوسط (١/ ٣٧١ و ٣٧٨)]. والحاصل: أن الجمهور على أن سليمان بن يسار مات سنة (١٠٧)، بعد أن عاش (٧٣) سنة، وعليه: فيكون مولده سنة (٣٤)؛ أي: بعد وفاة المقداد [ت (٣٣)] بسنة واحدة، فلم يدركه. وعليه: فالإسناد منقطع. ولم أر أحدًا أثبت سماع سليمان من المقداد سوى ابن حبان في صحيحه، ولعله لذلك أثبته العلائي في جامع التحصيل (٢٦٣).

стр. 856

وقد نفاه جماعة، منهم: ابن عبد البر، والقاضي عياض، وأبو زرعة العراقي، والذهبي. قال ابن عبد البر في التمهيد (٨/ ٥٩): "هذا إسناد ليس بمتصل؛ لأن سليمان بن يسار لم يسمع من المقداد، ولا من علي، ولم ير واحدًا منهما، ومولد سليمان بن يسار سنة أربع وثلاثين، وقيل: سنة سبع وعشرين، ولا خلاف أن المقداد توفي سنة ثلاث وثلاثين". وقال القاضي عياض في الإكمال (٢/ ١٣٩): "وسليمان بن يسار: لم يسمع من علي، ولا من المقداد". واعتمد على قوله أبو زرعة العراقي، فقال في تحفة التحصيل (١٣٩): "لا يمكن سماعه من المقداد؛ لأن الجمهور على أنه مات سنة سبع ومائة، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة، فيكون مولده سنة أربع وثلاثين أو نحوها، فلا يمكن سماعه من المقداد … ". وقال الذهبي في السير (٤/ ٤٤٥): "وما أراه لقيه"، وقد قال بقول الجمهور المقتضي لعدم الإدراك. وقد نفى سماعه أيضًا: الإمام الشافعي، وتبعه البيهقي. قال المنذري في مختصر السنن: "وقال الشافعي: حديث سليمان بن يسار عن المقداد: مرسل؛ لا نعلمه سمع منه شيئًا، قال البيهقي: هو كما قال". ومع هذا فإن الحديث صحيح ثابث من طرقٍ عن علي، قال ابن عبد البر في الاستذكار (١/ ٢٣٩): "والحديث ثابت عند أهل العلم صحيح، له طرق شتى عن علي، وعن المقداد، وعن عمار أيضًا، كلها صحاح حسان". قال ابن عبد البر في التمهيد (٨/ ٥٩): "وبين سليمان بن يسار وعلي في هذا الحديث: ابن عباس، وسماع سليمان بن يسار من ابن عباس غير مدفوع". وقال البيهقي (١/ ١١٥): "هكذا. رواه أبو النضر عن سليمان، ورواه بكير بن عبد الله بن الأشج عن سليمان عن ابن عباس موصولًا". قلت: حديث ابن عباس عن علي: يرويه عبد الله بن وهب، قال: أخبرني مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن سليمان بن يسار، عن ابن عباس، قال: قال علي بن أبي طالب: أرسلنا المقداد بن الأسود إلى رسول الله ﷺ فسأله عن المذي، يخرج من الإنسان، كيف يفعل به؟ فقال رسول الله ﷺ : "توضأ وانضح فرجك". أخرجه مسلم (١٩/ ٣٠٣)، وأبو عوانة (١/ ٢٢٩/ ٧٦٣ و ٧٦٤)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (١/ ٣٥٩/ ٦٩٤)، والنسائي (١/ ٢١٤/ ٤٣٨)، وابن خزيمة (٢٢)، وعبد الله بن أحمد في زيادات المسند (١/ ١٠٤)، والبزار (٢/ ١٠٢/ ٤٥٢)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٤٢٨)، والدارقطني في الغرائب (١/ ٢٢٢ - ٢٢٣ - أطرافه)، والبيهقي (١/ ١١٥)، وابن عبد البر في التمهيد (٨/ ٥٩).

стр. 857

كذا أخرجه مسلم في صحيحه خاتمًا به الباب الذي صدره بالرواية المتفق عليها، ويأتي تخريجها، وصححه ابن خزيمة، وأبو عوانة. لكن قد أعلوه بعلل: قال البزار: ولا نعلم روى سليمان بن يسار عن ابن عباس عن علي إلا هذا الحديث، ولا له إسناد إلا هذا الإسناد. وقال الدارقطني في الأفراد: تفرد به مخرمة بن بكير عن أبيه بهذا الإسناد، ولا نعلم رواه عنه غير عبد الله بن وهب. هذه علة. وعلة ثانية: قال النسائي بعد حديث ابن وهب هذا: مخرمة لم يسمع من أبيه شيئًا. وبهذا قال أحمد، وابن معين، وابن المديني، وحماد بن خالد الخياط، وموسى بن سلمة، وابن حبان [انظر: تخريج أحاديث الذكر والدعاء برقم (٤٥٩) (٣/ ٩٩٩) و (٥٢٩) (٣/ ١٠٨١ - ١٠٨٢)]. وروايته عن أبيه إنما هي من كتاب أبيه وجادة. وعلة ثالثه: قال الدارقطني في التتبع (١٣٦): وأخرج مسلم حديث: ابن وهب، عن مخرمة، عن أبيه، عن سليمان بن يسار، عن ابن عباس، قال: قال على: أرسلت المقداد … في حديث المذي. وقال حماد بن خالد: سألت مخرمة: سمعت من أبيك شيئًا؟ قال: لا. وقد خالفه الليث عن بكير عن سليمان، فلم يذكر ابن عباس، وتابعه مالك عن أبي النضر أيضًا. [وانظر: الإمام (٢/ ٢٣٠)]. وأعله النسائي أيضًا، لما ذكر الاختلاف في هذا الحديث على بكير بن عبد الله بن الأشج، بحديث الليث عن بكير، وبحديث مالك عن أبي النضر. قال النسائي (١/ ٢١٤/ ٤٣٩): أخبرنا سويد بن نصر، قال: أنبأنا عبد الله، عن ليث بن سعد، عن بكير بن الأشج، عن سليمان بن يسار، قال: أرسل علي بن أبي طالب ﵁ المقداد إلى رسول الله ﷺ يسأله عن الرجل يجد المذي؟ فقال رسول الله ﷺ : "يغسل ذكره ثم ليتوضأ". والليث بن سعد: أثبت وأحفظ من مخرمة بن بكير بمراتب، والليث قد سمع من بكير بن الأشج نحوًا من ثلاثين حديثًا، وأما رواية مخرمة عن أبيه فإنما هي وجادة، ولم يسمع منه شيئًا [انظر: العلل ومعرفة الرجال (١/ ٣٥٢)]، وكثيرًا ما يدخل الخلل والوهم والخطأ على المحدث إذا روى من صحيفة وجدها ولم يسمعها. وقد تابعه مالك عن أبي النضر عن سليمان؛ فلم يذكر ابن عباس أيضًا. وهذا هو المحفوظ في هذا الحديث، والله أعلم.

стр. 858

• وعلى هذا: فإن حديث سليمان بن يسار -من رواية مالك، ومن رواية الليث-: مرسل، إلا أنه حديث صحيح، لثبوته من طرق أخرى صحيحة؛ منها: ١ - ما رواه الأعمش، قال: سمعت منذرًا الثوري [يعني: أبا يعلى منذر بن يعلى الثوري]، يحدث عن محمد ابن الحنفية، عن علي، قال: استحييت أن أسأل رسول الله ﷺ عن المذي من أجل فاطمة، فأمرت المقداد بن الأسود، فسأله، فقال: "فيه الوضوء". رواه عن الأعمش: الثوري، وشعبة، وأبو معاوية، وجرير بن عبد الحميد، وعبد الله بن داود الخريبي، ووكيع بن الجراح، وهشيم. وهذا لفظ الثوري وشعبة وأبي معاوية وجرير وعبد الله بن داود. ولفظ وكيع: "يغسل ذكره، ويتوضأ". ولفظ هشيم: "إن كل فحل يمذي، فإذا كان المني ففيه الغسل، وإذا كان المذي ففيه الوضوء". أخرجه البخاري (١٣٢ و ١٧٨)، من طريق جرير والخريبي، ومسلم (٣٠٣/ ١٧ و ١٨)، من طريق شعبة لكن بلفظ: "منه الوضوء". ومن طريق وكيع وأبي معاوية وهشيم، لكن حمله على لفظ وكيع، ولعل هذا من ابن أبي شيبة الراوي عنهم، حيث جمعهم في إسناد واحد. وأبو عوانة (١/ ٢٢٨ - ٢٢٩/ ٧٦٢)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (١/ ٣٥٨ و ٣٥٩/ ٦٩٢ و ٦٩٣)، والنسائي (١/ ٩٧ و ٢١٤/ ١٥٧ و ٤٣٧)، وابن خزيمة (١٩)، وأحمد (١/ ٨٢ و ١٢٤ و ١٤٠)، وابنه في زيادات المسند (١/ ٨٠)، والطيالسي (١/ ١٠٢/ ١٠٦)، وعبد الرزاق (١/ ١٥٧/ ٦٠٤)، وابن أبي شيبة (١/ ٨٧/ ٩٦٨)، والبزار (٢/ ٢٤٨/ ٦٥١)، وأبو يعلى (١/ ٤٥٨/٣٥٤)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٤٦)، وفي المشكل (٧/ ١٢٩)، وابن الأعرابي في المعجم (١٠١٠)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٣٧/ ٥٦١)، والبيهقي (١/ ١١٥)، وابن عبد البر في التمهيد (٨/ ٦٢)، وفي الاستذكار (١/ ٢٤٢)، والخطيب في الأسماء المبهمة (٣٨٩)، والبغوي في شرح السنَّة (١/ ٣٣٠/ ١٥٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٤/ ٣١٩)، وابن حجر في التغليق (٢/ ١٢١ - ١٢٢). قال الدارقطني في الأفراد (١/ ٢٦٢ - أطرافه): "صحيح من حديث الأعمش عن منذر الثوري عن ابن الحنفية". وقال ابن عبد البر: "هذا حديث مجتمع على صحته، لا يختلف أهل العلم فيه، ولا في القول به، والمذي عند جميعهم يوجب الوضوء … ". • ومن الأوهام التي وقعت في هذا الإسناد: ما رواه محمد بن معمر [هو: ابن ربعي القيسي البصري البحراني: صدوق]، قال: نا روح، قال: نا الثوري، عن هشام بن أبي يعلى، عن محمد ابن الحنفية، عن علي قال: كنت رجلًا مذاءً … الحديث.

стр. 859

أخرجه النسائي في مسند علي [تهذيب الكمال (٣٠/ ٢٦٥)، وتهذيبه (٩/ ٦٣)]، والبزار (٢/ ٢٥٢/ ٦٥٩). قال النسائي: "هذا خطأ" [التهذيبان]. وفي الخلاصة (٤١٠): "قال النسائي: الصواب: منذر أبو يعلى". والصواب: ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن الأعمش، قال: حدثنا أبو يعلى، عن محمد بن الحنفية، أن عليًّا قال: … الحديث [المصنف (٦٠٤)]. قال البزار: "ولا نعلم أسند الثوري عن هشام بن أبي يعلى إلا هذا الحديث". قلت: الحق: أنه لا وجود في مشايخ الثوري من يدعى بهذا الاسم، وإنما هو خطأ من الرواة، وإنما يرويه الثوري، عن الأعمش، عن أبي يعلى، كما تقدم. ومع هذا فقد ترجم له ابن حبان في الثقات (٧/ ٥٦٨)، وقال الذهبي وابن حجر: "مجهول" [الميز ان (٤/ ٣٠٥)، المغنى (٢/ ٧١٢)، التقريب (٦٤٢)]. وانظر في الأوهام أيضًا: علل ابن أبي حاتم (١/ ٣٠/ ٥٦). • وقد تابع الأعمش على هذا الحديث: حجاج بن أرطأة، عن منذر الثوري، عن ابن الحنفية، عن علي به. أخرجه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند (١/ ١٠٣)، والبزار (٢/ ٢٤٩/ ٦٥٢). • وله إسناد آخر عن ابن الحنفية لكن لا يصح [عند: البزار (٢/ ٢٤٧/ ٦٥٠)]. • وقد وهم في إسناد هذا الحديث على الأعمش: عبيدة بن حميد: فالحديث قد رواه جماعة من الحفاظ: الثوري، وشعبة، وأبو معاوية، وهشيم، ووكيع، وجرير، وعبد الله بن داود الخريبي: سبعتهم: عن الأعمش، عن منذر أبي يعلى، عن ابن الحنفية، عن علي به، كما تقدم. خالفهم ولم يتابع عليه: عبيدة بن حميد الحذاء [وهو صدوق ربما أخطأ]، فرواه عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن علي، قال: … فذكره بنحو حديث الجماعة. أخرجه النسائي (١/ ٢١٤/ ٤٣٦)، وابن خزيمة (٢٣)، وأحمد (١/ ١١٠)، والبزار (٢/ ١٠١/ ٤٥١)، وأبو يعلى في المعجم (٣٩)، والطحاوي (١/ ٤٦)، والدارقطني في الأفراد (١/ ٢٢٢ - أطرافه)، والمحاملي في الأمالي (١٤٢)، وابن الغطريف في جزئه (١)، والصيداوي في معجمه (٣٣٧)، والخطيب في تاريخ بغداد (٤/ ٢٨٨)، والسبكي في طبقات الشافعية (٣/ ٢٧). أعله النسائي بحديث شعبة عن الأعمش. وقال الدارقطني في الأفراد: "تفرد به عبيدة بن حميد، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن جبير عنه"، يعني: عن ابن عباس، عن علي.

стр. 860

وقال في العلل (٤/ ١١٨/ ٤٦٠): "ولم يتابع على هذا القول، وحديث ابن الحنفية هو: الصحيح. قيل للدارقطني: هل ليس عبيدة بن حميد من الحفاظ؟ قال: بلى". ٢ - الطريق الثانية: يرويها زائدة بن قدامة، عن أبي حصين عثمان بن عاصم، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي، قال: كنت رجلًا مذاءً، فأمرت رجلًا أن يسأل النبي ﷺ لمكان ابنته، فسأل فقال: "توضأ، واغسل ذكرك". أخرجه البخاري (٢٦٩)، وابن حبان (٣/ ٣٨٨/ ١١٠٤)، بلفظ: "إذا رأيت الماء فاغسل ذكرك وتوضأ، وإذا رأيت المني فاغتسل"، وأحمد (١/ ١٢٥)، والطيالسي (١/ ١٢٢ - ١٢٣/ ١٣٧)، وابن المنذر في الأوسط (١/ ١٣٤/ ٢١) و (٢/ ١٣٩ - ١٤٠/ ٦٩٠)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٤٦)، وفي المشكل (٧/ ١٢٩)، والرامهرمزي في المحدث الفاصل (٢٣٤)، بنحو لفظ ابن حبان، وابن حزم في المحلى (١/ ١٠٦)، والبيهقي (١/ ٣٥٦) و (٢/ ٤١٠)، والخطيب في الأسماء المبهمة (٣٨٨). والنفس لا تطمئن إلى ثبوت هذه الزيادة من حديث زائدة عن أبي حصين، كما جاءت عند ابن حبان والرامهرمزي، ويظهر لي أنها إنما هي من حديث زائدة عن الركين بن الربيع، المتقدم برقم (٢٠٦). فإن الحديثين قد رواهما عن زائدة بالإسنادين: عبد الرحمن بن مهدي، وأبو الوليد الطيالسي، وأبو داود الطيالسي، وعبد الله بن رجاء، ويحيى بن أبي بكير؛ فلم يأتوا بالزيادة من حديث زائدة عن الركين، فيجعلوها في حديث زائدة عن أبي حصين؛ مما يدل على عدم ثبوت هذه الزيادة في حديث أبي حصين، وإنما هي من حديث الركين، هكذا فرق بين الحديثين هؤلاء الحفاظ، وعلى رأسهم ابن مهدي. وقد روى هذه الزيادة في الحديثين معًا: حسين بن علي الجعفي، وهو ثقة، إلا أنها وهمٌ منه. ورواها أيضًا عمرو بن مرزوق من حديث أبي حصين، ولم أقف له على رواية لحديث الركين. فالذي يظهر لي -والله أعلم-: أنه دخل لحسين بن علي، وعمرو بن مرزوق: حديث في حديث، أعني: حديث الركين في حديث أبي حصين، وقد روى الحفاظ الحديثين فلم يخلطا بينهما في المتن. • والحديث قد رواه أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي ﵁ قال: كنت رجلًا مذاءً؛ فاستحييت أن أسأل رسول الله ﷺ ؛ لأن ابنته كانت عندي، فأمرت رجلًا فسأله، فقال: "منه الوضوء". أخرجه النسائي (١/ ٩٦/ ١٥٢)، وابن خزيمة (١٨)، وابن الجارود (٦)، وأحمد (١/ ١٢٩)، والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (١/ ١١٦/ ٩٨)، وابن بشكوال في الغوامض (٢/ ٥١٣).

стр. 861

• وروي عن الثوري: رواه عنه بشر بن السري، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي، بنحو حديث ابن عباس. أخرجه أبو بكر الإسماعيلي في معجمه (٣/ ٧٤١)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٣٠١). قال أبو نعيم: "غريب من حديث الثوري، تفرد به عنه بشر، وأبو حصين اسمه: عثمان بن عاصم: كوفي". وبشر بن السري: ثقة متقن؛ لكن له غرائب عن الثوري. • وقد روي أن السائل هو عمار بن ياسر، ولا يصح: روى سفيان بن عيينة، قال: حدثنا عمرو بن دينار، قال: أخبرني عطاء بن أبي رباح، قال: سمعت عائش بن أنس، يقول: سمعت علي بن أبي طالب على منبر الكوفة يقول: كنت أجد من المذي شدة، فأردت أن أسأل رسول الله ﷺ ، وكانت ابنته عندي، فاستحييت أن أسأله، فأمرت عمارًا فسأله، فقال: "إنما يكفي منه الوضوء". أخرجه النسائي (١/ ٩٧/ ١٥٤)، وأحمد (٤/ ٣٢٠)، والحميدي (٣٩)، وأبو يعلى (١/ ٣٥٤/ ٤٥٦)، وأبو علي الطوسي في مختصر الأحكام (٩٩)، والطحاوي (١/ ٤٧)، والعقيلي في الضعفاء (١/ ٣٤)، والبيهقي في المعرفة (١/ ٢٦٦/ ٢٦٦)، وابن عبد البر في التمهيد (٨/ ٦٠)، والخطيب في الأسماء المبهمة (٣٨٩)، وابن بشكوال في الغوامض (٢/ ٥١٤). رواه عن ابن عيينة هكذا: الحميدي -وهو راويته-، والإمام أحمد بن حنبل، وإبراهيم بن بشار الرمادي، وقتيبة بن سعيد، وأبو خيثمة، وعبيد الله بن موسى، وعبد الله بن محمد الزهري، ومحمد بن عبد الله المقري. خالفهم: سعيد بن منصور، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس: أنه سمع علي بن أبي طالب بالكوفة … وذكر الحديث مثله. أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (٨/ ٦٠). وقد وهم فيه سعيد بن منصور، وسلك فيه الجادة والطريق السهل، وإنما هو عائش بن أنس، كما قال جماعة الحفاظ. تابع ابن عيينة: معقل بن عبيد الله الجزري [صدوق يخطئ]، فرواه عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن عائش بن أنس، عن عمار بن ياسر، قال: أرسلني علي … الحديث. أخرجه العقيلي (١/ ٣٤). ووهم فيه معقل إذ جعله من مسند عمار، وإنما هو من مسند علي. خالف ابن عيينة ومعقل الجزري: معمر بن راشد، فرواه عن عمرو بن دينار، به، إلا أنه جعل السائل هو المقداد، وقال في المتن: "ليغسل ذكره وليتوضأ، ثم لينضح في فرجه".

стр. 862

أخرجه عبد الرزاق (١/ ١٥٧/ ٦٠١)، ومن طريقه: العقيلي (١/ ٣٤)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٣٨/ ٥٦٢). وهذا خطأ من معمر، والصواب: ما رواه سفيان بن عيينة؛ فإنه أثبت الناس في عمرو بن دينار، وأعلم الناس بحديثه، كما قال أحمد وابن معين وابن المديني وأبو حاتم والدارقطني [انظر: شرح علل الترمذي (٢/ ٦٨٤)]، ومعمر بن راشد: ثبت في الزهري وابن طاووس خاصة، وحديثه عنهما مستقيم، وأما حديثه عن غيرهما فيقع فيه الوهم الشيء بعد الشيء، وهذا منه [انظر: شرح العلل (٢/ ٧٧٤ و ٨٠٤)]. • وقد تابع عمرو بن دينار على هذا الحديث: ابن جريج، قال: حدثنا عطاء، عن عائش بن أنس البكري، قال: تذاكر علي وعمار والمقداد المذي، فقال علي: … فذكر الحديث، إلا أنه لم يعين السائل: عمار أو المقداد، سماه عائش، ونسيه الراوي، وجعل متن الحديث المرفوع بنحو حديث معمر. أخرجه أحمد (٦/ ٥)، وعبد الرزاق (١/ ١٥٥/ ٥٩٧)، وابن المنذر في الأوسط (١/ ٢٤٣ - ٢٤٤/ ١٥٣) و (٢/ ١٤٠/ ٦٩١)، والعقيلي (١/ ٣٤ - ٣٥)، وابن عبد البر في التمهيد (٨/ ٦٠)، والخطيب في الأسماء المبهمة (٣٩٠). رواه عن ابن جريج: يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرزاق. خالفهما: مخلد بن يزيد [وهو صدوق له أوهام]، فرواه عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: تذاكر علي والمقداد وعمار، فقال علي: … وذكر الحديث، ولم يعين السائل نسيه الراوي. أخرجه النسائي (١/ ٢١٣ - ٢١٤/ ٤٣٥). وهذا وهم من مخلد بن يزيد؛ حيث جعل ابن عباس بدل عائش بن أنس، فسلك الجادة والطريق السهل. والمحفوظ: ما رواه القطان وعبد الرزاق. • وهكذا روى الحديث: عمرو بن دينار، وابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائش بن أنس، عن علي. وخالفهم: ابن أبي نجيح، فرواه عن عطاء، عن إياس بن خليفة، عن رافع بن خديج: أن عليًّا أمر عمارًا أن يسأل رسول الله ﷺ عن المذي، فقال: "يغسل مذاكيره ويتوضأ". أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٤٣٧)، والنسائي (١/ ٩٧/ ١٥٥)، وابن حبان (٣/ ٣٨٩/ ١١٠٥)، وأبو يعلى في المعجم (١١٥)، والطحاوي (١/ ٤٥)، والعقيلي في الضعفاء (١/ ٣٣)، والطبراني في الأوسط (١/ ٢١٩/ ٧١٧) و (٨/ ٢٤٦/ ٨٥٣٤)، وفي الكبير (٤/ ٢٨٥ و ٢٨٦/ ٤٤٤٠ و ٤٤٤١)، والخطيب في الأسماء المبهمة (٣٩٠)، والمزي في التهذيب (٣/ ٤٠١).

стр. 863

قلت: لم يخرجه النسائي احتجاجًا به، ولكن لبيان الاختلاف في هذا الحديث وبيان علته، فقد ختم الأحاديث التي ساقها بالصحيح، وبدأها بالمعلول، وهذا منها، وهذه عادة النسائي أنه يبدأ بالإسناد الذي وقع فيه الغلط، ويختم بما صح عنده. وأما ابن حبان فهو معروف بتساهله في توثيق المجاهيل، وتصحيح أحاديثهم، ورجال هذا الإسناد ثقات خلا إياس بن خليفة الذي لم يرو عنه سوى عطاء بن أبي رباح، ومع هذا فهو قليل الحديث، كما قال عنه ابن سعد في الطبقات (٥/ ٤٧٧)، ومن قواه فإنما نظر إلى رواية عطاء عنه، وإلى متن حديثه المعروف، سوى أنه أخطأ في جعل السائل عمارًا بدلًا من المقداد. لكن ما قاله فيه العقيلي أقرب إلى الصواب، حيث قال في الضعفاء: "مجهول في الرواية، في حديث وهم". والحق أن ذكره في هذا الإسناد إنما هو وهم محض، فلسنا بحاجة إلى تحقيق القول فيه، إذ إن حديثه هذا غير محفوظ. والمحفوظ: ما رواه ابن جريج وعمرو بن دينار [وهما أثبت وأكثر من ابن أبي نجيح]، روياه عن عطاء بن أبي رباح، عن عائش بن أنس، عن علي. وابن جريج: أثبت الناس في عطاء [قاله أحمد]، وقد لزمه سبع عشرة سنة. قال الدارقطني: "والصواب: ما قال عمرو بن دينار وابن جريج، عن عطاء، والله أعلم". • عندئذ نقول: فما حال عائش بن أنس؟ نقول: فصل فيه ابن خراش، فقال: "مجهول"، وهو كذلك، إذ لم يرو عنه سوى عطاء، ولا يُعرف له غير هذا الحديث، وحديثه غير محفوظ؛ إذ جعل السائل هو عمار بدلًا عن المقداد [انظر: الميزان (٢/ ٣٦٤)، التهذيب (٤/ ١٧٩)]. وقد جاء في الأحاديث الصحيحة: أن السائل هو المقداد، كما روى منذر الثوري عن ابن الحنفية عن علي [وهو في الصحيحين]، وكما في حديث سليمان بن يسار عن المقداد [الذي رواه مالك في الموطأ]؛ وغيرهما مما مضى، ومما سيأتي. وعلى هذا: فإن ذكر عمار بن ياسر في هذا الحديث يعد منكرًا؛ لتفرد عائش بن أنس به، وهو مجهول، والله أعلم. وللحديث أسانيد أخرى أعرضنا عن ذكرها اكتفاء بما تقدم من الصحيح المتفق عليه، لكن نكتفي بالإشارة إلى مصادرها وهي: مسند أحمد (١/ ١٠٨)، مصنف ابن أبي شيبة (١/ ٨٩/ ٩٨٧)، شرح المعاني (١/ ٤٦)، الكامل (٣/ ٢٧٣). *** ٢٠٨ - . . . زهير، عن هشام بن عروة، عن عروة: أن علي بن أبي طالب قال للمقداد … ، وذكر نحو هذا، قال: فسأله المقداد؟ فقال رسول الله ﷺ : "ليغسل ذكره وأنثييه".

стр. 864

قال أبو داود: ورواه الثوري وجماعة: عن هشام، عن أبيه، عن المقداد، عن علي، عن النبي ﷺ . • إسناده منقطع، وهو شاذ بزيادة: "وأنثييه". *** ٢٠٩ - قال أبو داود: حدثنا [عبد الله بن مسلمة] القعنبي: حدثنا أبي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن حديثٍ حُدِّثه عن علي بن أبي طالب، قال: قلت: للمقداد، فذكر معناه. قال أبو داود: ورواه المفضل بن فضالة، والثوري، وابن عيينة، عن هشام، عن أبيه، عن علي. ورواه ابن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن المقداد، عن النبي ﷺ ، لم يذكر: "أنثييه". • إسناده منقطع، وهو شاذ بزيادة: "وأنثييه". قلت: حاصل هذا الاختلاف على هشام بن عروة: أن منهم من رواه: عن هشام، عن أبيه، عن علي. ومنهم من رواه: عن هشام، عن أبيه، عن المقداد. ومنهم من رواه: عن هشام، عن أبيه، حُدِّثه عن علي. أولًا: من رواه عن هشام، عن أبيه، عن علي: رواه سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وزهير بن معاوية، وحماد بن زيد، وجرير بن عبد الحميد، ووكيع بن الجراح، ويحيى بن سعيد القطان، وابن جريج، ومعمر بن راشد، والمفضل بن فضالة: عشرتهم [وهم: ثقات حفاظ]: رووه عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن عليًّا ﵁ قال للمقداد: سل رسول الله ﷺ عن الرجل يدنو من المرأة فيمذي؛ فإني أستحيي منه لأن ابنته عندي، فقال رسول الله ﷺ : "يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ". أخرجه أبو داود (٢٠٨)، والنسائي (١/ ٩٦/ ١٥٣)، وأحمد (١/ ١٢٤ و ١٢٦)، وعبد الرزاق (١/ ١٥٧/ ٦٠٢ و ٦٠٣)، والهيثم بن كليب في مسنده (٣/ ٤٢٥/ ١٥٣٣)، وابن الأعرابي في المعجم (١٤٣٨)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٣٨/ ٥٦٣)، والبيهقي (٢/ ٤١٠)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (٢/ ٢٩٩). ثانيًا: من رواه عن هشام، عن أبيه، عن المقداد: رواه الثوري [إن صح عنه، فلم أره موصولًا، وإنما ذكره أبو داود معلقًا]، ومحمد بن إسحاق:

стр. 865

كلاهما: عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن المقداد بن الأسود، قال: قال لي علي: سل رسول الله ﷺ عن الرجل يلاعب امرأته فيخرج منه المذي، من غير ماء الحياة؟ قال: "يغسل فرجه ويتوضأ وضوءه للصلاة". لم يذكر ابن إسحاق: "أنثييه". أخرجه أحمد (٤/ ٧٩) و (٦/ ٢). ثالثًا: من رواه عن هشام، عن أبيه، حُدِّثه عن علي: رواه مسلمة بن قعنب، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن حديث حُدِّثه عن علي بن أبي طالب، قال: قلت للمقداد … فذكر معناه. أخرجه أبو داود (٢٠٩). ورواية جماعة الحفاظ: أولى بالصواب. وعلى هذا: فإن الإسناد رجاله ثقات؛ إلا أنه منقطع فيما بين عروة وعلي، فإنه لا يُعرف لعروة سماع من علي، وإن كان قد أدركه، بل إن هذه الرواية مشعرة بالانقطاع، ففيها: "عن عروة: أن عليًّا"، أو: "عن عروة قال: قال علي". وأما قول مسلم في التمييز: "حج عروة مع عثمان، وحفظ عن أبيه الزبير، فمن دونهما من الصحابة"، فإنه عموم لا يلزم منه دخول علي بن أبي طالب فيه قطعًا إلا من علمنا بأنه سمع منه من الصحابة. وأما رواية عروة عن علي خاصة فقد قطع الإمام أبو حاتم بأنها مرسلة، مما يعني وجوب التسليم له في ذلك، إذ لم يعارضه إمام مثله. قال ابن أبي حاتم في المراسيل (٥٤١): "سمعت أبي يقول: عروة بن الزبير عن أبي بكر الصديق: مرسل، وعن علي: مرسل، وعن بشير بن النعمان: مرسل". وقال في العلل (١/ ١٨٨/ ١٣٨): "وسألت أبي عن رواية عروة عن علي؟ فقال: مرسل" [وانظر أيضًا: جامع التحصيل (٢٣٦)، تحفة التحصيل (٢٢٦)، التهذيب (٥/ ٥٤٨)، إكمال مغلطاي (٩/ ٢٢٥)]. • ورُويت هذه الزيادة: "وأنثييه" من طريق آخر: قال أبو عوانة في صحيحه (١/ ٢٢٩/ ٧٦٥): حدثنا موسى بن سهل، قال: حدثنا محمد بن عبد العزيز، ويزيد بن خالد بن مُرشل، قالا: ثنا سليمان بن حيان، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عَبيدة السلماني، عن علي بن أبي طالب، قال: كنت رجلًا مذاءً فاستحييت أن أسأل النبي ﷺ ، فأرسلت المقداد فسأل النبي ﷺ عن ذلك، فقال النبي ﷺ : "يغسل أنثييه وذكره ويتوضأ وضوءه للصلاة". قال ابن حجر في التلخيص (١/ ٢٠٦): "وإسناده لا مطعن فيه". قلت: في ثبوت هذا الإسناد إلى هشام بن حسان: نظر؛ فإن هذا الإسناد من لدن هشام فمن فوقه من أصح الأسانيد، وقد أخرج به الشيخان حديث: "ملأ الله بيوتهم

стр. 866

وقبورهم نارًا" [البخاري (٢٩٣١ و ٤١١١ و ٤٥٣٣ و ٦٣٩٦)، مسلم (٦٢٧)]، فإن كان سليمان بن حيان [وهو أبو خالد الأحمر]، قد تفرد به عن هشام بن حسان، ففي تفرده نكارة، فإن هشام بن حسان قد روى عنه جماعات من الثقات المشاهير، وأبو خالد الأحمر: ليس بذاك الحافظ الذي يحتمل منه التفرد بمثل هذا، قال البزار: "ليس ممن يلزم بزيادته حجة، لاتفاق أهل العلم بالنقل أنه لم يكن حافظًا، وأنه قد روى أحاديث عن الأعمش وغيره: لم يتابع عليها، [إكمال مغلطاي (٦/ ٥٠)، التهذيب (٣/ ٤٦٨)]. فلا يقبل تفرد مثله عن هشام بن حسان، لا سيما وهشام: بصري، وأبو خالد: كوفي. ثم إن رواة هذا الإسناد بعد أبي خالد إلى أبي عوانة: كلهم رمليون، فأين الكوفيون من أبي خالد. وعلى هذا؛ فإن هذا الإسناد: إسناد غريب. • وقد خالفه: عيسى بن يونس، وروح بن عبادة، قالا: ثنا الأشعث، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة، عن علي، عن النبي ﷺ أنه سئل عن المذي؟ فقال: "كل فحل يمذي، فيغسل ذكره ويتوضأ". لفظ عيسى. أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده [نصب الراية (١/ ٩٤)]، والبزار (٢/ ١٧٨/ ٥٥٣). قلت: فهذا هو الإسناد الصحيح، الذي لا مطعن فيه، والأشعث هذا: هو ابن عبد الملك الحمراني البصري: ثقة فقيه، وكان ثبتًا في ابن سيرين، قال فيه يحيى بن سعيد القطان: "لم أدرك أحدًا من أصحابنا هو أثبت عندي من أشعث بن عبد الملك، لا أدركت أحدًا من أصحاب ابن سيرين -بعد ابن عون-: أثبت منه" [التهذيب للمزي (١/ ٢٧٣)، تهذيبه (١/ ٣٦٧)]. وعلى هذا فالحديث محفوظ عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن علي، لكن بدون هذه الزيادة: "وأنثييه". وعلى هذا: فإن زيادة: "وأنثييه": زيادة شاذة، لا تحفظ إلا من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن علي، ولا تصح للانقطاع بين عروة وعلي. والأسانيد الصحيحة لهذا الحديث كلها قد وردت بدون هذه الزيادة الشاذة. ومما يؤكد عدم ثبوتها من حديث علي: قول أبي داود للإمام أحمد في مسائل (١٠٦): "قلت لأحمد: إذا أمذى يجب عليه غسل أنثييه؟ قال: ما قال غسل الأنثيين إلا هشام بن عروة -يعني: في حديث علي- فأما الأحاديث كلها فليس فيها ذا". فهذا الإمام أحمد بعدما سبر طرق هذا الحديث لم ير أحدًا أتى بهذه الزيادة سوى هشام بن عروة عن أبيه، مما يدل على عدم ورودها -من طريق تثبت- عن ابن سيرين عن عبيدة، أو عن الركين عن حصين بن قبيصة.

стр. 867

ثم إن حديث هشام بن عروة: لا يصح لانقطاعه، فلم تثبت هذه الزيادة بوجه من الوجوه؛ والله أعلم. *** ٢١٠ - . . . محمد بن إسحاق: حدثني سعيد بن عبيد بن السباق، عن أبيه، عن سهل بن حنيف، قال: كنت ألقى من المذي شدة، وكنت أكثر منه الاغتسال، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك؟ فقال: "إنما يجزئك من ذلك الوضوء" قلت: يا رسول الله فكيف بما يصيب ثوبي منه؟ قال: "يكفيك بأن تأخذ كفًّا من ماء، فتنضح بها من ثوبك حيث ترى أنه أصابه". • حديث حسن. أخرج الترمذي (١١٥)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه على الترمذي (١٠٠)، وابن ماجه (٥٠٦)، والدارمي (١/ ١٩٩/ ٧٢٣)، وابن خزيمة (١/ ١٤٧/ ٢٩١)، وابن حبان (٣/ ٣٨٨/ ١١٠٣)، وأحمد (٣/ ٤٨٥)، وابن أبي شيبة (١/ ٨٢ و ٨٨/ ٩٠٩ و ٩٧٢) و (٧/ ٣٢٠/ ٣٦٤٧٧)، وعبيد بن حميد (٤٦٨)، وابن أبي عاصم (٣/ ٤٥٧/ ١٩١٣)، وابن المنذر (٢/ ١٤٢/ ٦٩٦)، والطحاوي (١/ ٤٧)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٢٧٩/ ٤١٩٦)، وفي الكبير (٦/ ٩٣/ ٥٥٨٧ و ٥٥٩٥)، وابن حزم في المحلى (١/ ١٠٧)، والبيهقي (٢/ ٤١٠)، وابن عبد البر (٨/ ٦٢). قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح، ولا نعرفه إلا من حديث محمد بن إسحاق في المذي مثل هذا. وقد اختلف أهل العلم في المذي يصيب الثوب: فقال بعضهم: لا يجزئ إلا الغسل، وهو قول الشافعي وإسحاق، وقال بعضهم: يجزئه النضح، وقال أحمد: أرجو أن يجزئه النضح بالماء" [انظر: نيل الأوطار (١/ ٩٥)، الإنصاف (١/ ٣١٢)]. والحديث نص في إجزاء نضح الثوب بالماء مما أصابه من المذي. والحديث قد صححه الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، واحتج به أبو داود. بل هو الحديث الذي احتج به الإمام أحمد في القول بإجزاء النضح. قال ابن المنذر في الأوسط (٢/ ١٤١): "وبهذا نقول: لا يجزي عندي في المذي إلا الغسل من الثوب الذي يصلي فيه، والبدن، وممن هذا مذهبه: مالك والشافعي وأبو ثور وإسحاق، وكثير ممن نحفظ عنه من أهل العلم؛ غير أحمد فإن إسحاق بن منصور حكى عنه في المذي أنه قال: أرجو أن النضح يجزيه، والغسل أعجب إليَّ، وحكى الأثرم عنه أنه قال: حديث سهل بن حنيف لا أعلم شيئًا يخالفه، وقال مرة: لو كان عن غير ابن إسحاق، محمد بن شداد عنه.

стр. 868

قال أبو بكر [ابن المنذر]: والحديث الذي احتج به أحمد … "، فأسند حديث سهل بن حنيف هذا. قلت: قال إسحاق بن منصور في مسائله (٩٢): "قلت: يفرك الثوب من المذي والودي؟ قال: الودي لا يكاد يصيب الثوب؛ لأنه إنما يكون على أثر البول، والمذي أرجو أن يجزئه النضح، والغسل أعجب إلي. قال إسحاق: لا بد للمذي من الغسل". وهذه النقول عن الإمام أحمد تشير إلى أن الحديث لم يكن عنده في الدرجة العليا من الصحة والثبوت، لذا فإن ابنه صالحًا لما سأله عن المذي يصيب الثوب؟ قال: "حديث محمد بن إسحاق لا أعرفه عن غيره، ولا أحكم لمحمد بن إسحاق -يعني: حديث سهل بن حنيف-" [مسائل صالح (١٠٣٤)]. وقال ابن رجب في الفتح (١/ ٣٠٦): "وقال الإمام أحمد -في رواية الأثرم-: لا أعلم شيئًا يخالفه. ونقل عنه غيره أنه قال: لم يروه إلا ابن إسحاق، وأنا أتيهيبه. وقال مرة: إن كان ثابتًا أجزأه النضح". لكن الحديث حسن؛ فإن رجاله ثقات؛ غير ابن إسحاق؛ فإنه حسن الحديث إذا صرح بالتحديث، ولم يعنعن فهو مشهور بالتدليس؛ وقد صرح هنا بالتحديث. *** ٢١١ - . . . معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن حرام بن حكيم، عن عمه عبد الله بن سعد الأنصاري، قال: سألت رسول الله ﷺ عما يوجب الغسل؟ وعن الماء يكون بعد الماء؟ فقال: "ذاك المذي، وكل فحل يمذي، فتغسل من ذلك فرجك وأنثييك، وتوضأ وضوءك للصلاة". • حديث صحيح بشواهده، دون زيادة: "وأنثييك"، فإنها لا تصح. هذا حديث طويل اختصره بعض الرواة، وطوله بعضهم، وقد رواه عن معاوية بن صالح: عبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن وهب، وعبد الله بن صالح، ولفظ الأخيرين المعلول: سألت رسول الله ﷺ عما يوجب الغسل؟ وعن الماء يكون بعد الماء؟ وعن الصلاة في بيتي؟ وعن الصلاة في المسجد؟ وعن مواكلة الحائض؟ فقال رسول الله ﷺ : "إن الله لا يستحي من الحق -وعائشة إلى جنبه- فأما أنا؛ فإذا كان مني وطء جئت فتوضأت ثم اغتسلت، وأما الماء يكون بعد الماء، فذلك المذي، وكل فحل يمذي، فتغسل من ذلك فرجك وأنثييك، وتوضأ وضوءك للصلاة، وأما الصلاة في المسجد، والصلاة في بيتي، فقد ترى ما أقرب بيتي من المسجد، فلأن أصلي في بيتي أحب إليَّ من أن أصلي في المسجد؛ إلا أن تكون صلاة مكتوبة، وأما مواكلة الحائض، فواكلها". أخرجه مطولًا ومختصرًا:

стр. 869

البخاري في التاريخ الكبير (٥/ ٢٩)، والترمذي في الجامع (١٣٣)، وفي الشمائل (٢٩٧)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (١/ ٣٥٧/ ١١٥)، وابن ماجه (٦٥١ و ١٣٧٨)، والدارمي (١/ ٢٦٥/ ١٠٧٣)، وابن خزيمة (٢/ ٢١٠/ ١٢٠٢)، وابن الجارود (٧)، والضياء في المختارة (٩/ ٤٠٩ - ٤١١/ ٣٨٥ - ٣٨٩)، وأحمد (٤/ ٣٤٢) و (٥/ ٢٩٣)، وابن سعد في الطبقات (٧/ ٥٠١)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢/ ١٤٥/ ٨٦٥)، والطحاوي (١/ ٣٣٩)، وابن قانع في المعجم (٢/ ٩٣ و ٩٤)، والطبراني في مسند الشاميين (٣/ ١٥٨ - ١٥٩/ ١٩٨٩)، وأبو الفتح الأزدي في المخزون (١١٣)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٥١)، وفي معرفة الصحابة (٣/ ١٦٧٠/ ٤١٧٨)، والبيهقي (٢/ ٤١١)، والخطيب في الموضح (١/ ١١٠ و ١١١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٢/ ٣٠٣) و (٢٩/ ٤٩ - ٥١). وقد اختلف على عبد الرحمن بن مهدي في اسم أبي حرام، فمنهم من قال: "حرام بن حكيم"، مثل رواية ابن وهب وأبي صالح عن معاوية بن صالح، ومنهم من قال: "حرام بن معاوية". ١ - فرواه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعبيد الله بن عمر القواريري، وعبد الله بن هاشم الطوسي، وأبو بشر بكر بن خلف: خمستهم: عن ابن مهدي به، فقالوا: "عن حرام بن حكيم". ٢ - ورواه أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ومحمد بن المثنى، ومحمد بن بشار بندار، ومحمد بن عبد الأعلى الصنعاني، وعباس بن عبد العظيم العنبري، وأبو بشر بكر بن خلف، ومحمد بن إسماعيل ابن علية، والفضل بن موسى، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، ومحمد بن الوليد بن عبد الحميد القرشي البسري، وأحمد بن الحجاج البكري، وأبو وائل خالد بن محمد البصري: [وهم ثلاثة عشر رجلًا] رووه كلهم: عن ابن مهدي، فقالوا: "عن حرام بن معاوية". والذي يظهر لي -والله أعلم- أن الوهم فيه من الحافظ الثبت: عبد الرحمن بن مهدي، وذلك لأمور: الأول: أنه قد رواه عن ابن مهدي على الوجهين جميعًا: أحمد بن حنبل، وبكر بن خلف، مما يعني أن ابن مهدي كان يرويه مرة هكذا، ومرة هكذا. الثاني: أن في رواة الوجهين عن ابن مهدي: حفاظ متقنون. الثالث: أنه لم يختلف في اسم "حرام بن حكيم" في رواية ابن وهب وأبي صالح، عن معاوية بن صالح، فالاختلاف إنما وقع في رواية ابن مهدي -دون غيره- عن معاوية بن صالح. وعلى هذا فالمحفوظ أنه: "حرام بن حكيم"، ومن قال: "حرام بن معاوية" فقد وهِم، والله أعلم.

стр. 870

قال ابن قانع: "وهو الصحيح". وصوبه الدارقطني وغيره [انظر: تاريخ دمشق (١٢/ ٣٠٧)]. وقال أبو القاسم ابن عساكر: "والذي قاله ابن مهدي: هو وهم" [إكمال مغلطاي (٤/ ٢١)، تاريخ دمشق (١/ ٣٠٧)]. *** ٢١٢ - . . . الهيثم بن حميد: حدثنا العلاء بن الحارث، عن حرام بن حكيم، عن عمه: أنه سأل رسول الله ﷺ : ما يحل لي من امرأتي وهى حائض؟ قال: "لك ما فوق الإزار"، وذكر مؤاكلة الحائض أيضًا، وساق الحديث. • حديث صحح بشواهده، دون زيادة: "وأنثييك"، فإنها لا تصح. أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٥/ ٢٩)، والدارمي (١/ ٢٦٥/ ١٠٧٥)، والبيهقي (١/ ٣١٢)، والخطيب في الموضح (١/ ١١٢)، والضياء في المختارة (٩/ ٤١٢/ ٣٩٠). ولفظه عند الدارمي: سألت رسول الله ﷺ عن مؤاكلة الحائض؟ فقال رسول الله ﷺ : "إن بعض أهلي لحائض، وإنا لمتعشون إن شاء الله". اختلف العلماء في حديث حرام بن حكيم هذا عن عمه عبد الله بن سعد الأنصاري؛ بين مصحح ومضعف: قال الترمذي: "حديث عبد الله بن سعد: حديث حسن غريب". وفي هذا تضعيف للحديث على ما عُرف من طريقة الترمذي في أحكامه. وصححه ابن خزيمة وابن الجارود والضياء. وقال النووي في المجموع (٢/ ١٤٥): "رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح". وقال البوصيري في الزوائد (٢/ ٩): "هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات". إلا أن ابن حزم ضعفه في موضعين، قال في الموضع الأول من المحلى (٢/ ١٨٠ - ١٨١): "ثم نظرنا في حديث حرام بن حكيم عن عمه؛ فوجدناه لا يصح؛ لأن حرام بن حكيم: ضعيف؛ وهو الذي روى غسل الأنثيين من المذي … ". وقال في الموضع الثاني (١٠/ ٧٧): "وهذا لا يصح؛ لأن حرام بن حكيم: ضعيف، وهو الذي روى غسل الأنثيين من المذي … ". وتبعه على هذا عبد الحق الإشبيلي في أحكامه الوسطى (١/ ١٣٨)، فقال في الحديث بروايته الأولى من طريق معاوية بن صالح: "لا يصح غسل الأنثيين، وليس يحتج بهذا الإسناد في ذلك". وقال في رواية الهيثم بن حميد عن حرام بن حكيم (١/ ٢٠٩): "وهو ضعيف". لكن تعقبه ابن القطان الفاسي في بيان الوهم (٣/ ٣١٠) في كلامه في الموضع الأول

стр. 871

فقال: "كذا قال، وهو كذلك، ولكنه بقي عليه أن يبين منه موضع العلة، وهو الجهل بحال حرام بن حكيم الدمشقي، … إلى أن قال: وإذا جعلت حرامًا هذا موضع علة الخبر على ما أراه، فإن كان ذلك أيضًا معنيَّ أبي محمد، فقد ناقض فيه، وذلك أنه لا يزال يقبل أحاديث المساتير الذين يروي عن أحدهم أكثر من واحد … ". ثم ذكر أن حرامًا هذا قد روى عنه جماعة. ثم تعقبه في تضعيفه لحرام بقوله: "ولا أدري من أين جاءه تضعيفه، وإنما هو مجهول الحال، فاعلم ذلك" [بيان الوهم (٣/ ٣١٢)]. قلت: خفي على ابن القطان أمر من ضعفه ومن وثقه، فهو الذي جهل حاله، ولم يعلم أقوال من تقدمه فيه، أما أبو محمد عبد الحق فقد تبع في تضعيفه ابن حزم. وأما حرام بن حكيم: فليس بمستور، ولا مجهول الحال، فقد وثقه: دحيم، والعجلي [معرفة الثقات (٢٧٩)، التهذيب (٢/ ٢٠١)]، ولما ذكر الدارقطني في سننه حديثًا في إسناده حرام هذا، قال بعده: "هذا إسناد حسن، ورجاله ثقات كلهم" [السنن (١/ ٣٢٠)]. ومنه أخذ الغساني قوله: "وقال الدارقطني: هو ثقة" [إكمال مغلطاي (٤/ ٢٠)، التهذيب (٢/ ٢٠١)]. وعلى كلٍّ؛ فإن ابن القطان قد وافق عبد الحق في تضعيف الحديث كما تقدم. وتعقب الذهبي أيضًا عبدَ الحق، فقال في الميزان (١/ ٤٦٧): "قال أبو محمد عبد الحق: لا يصح هذا، وعليه مؤاخذة في ذلك، فإنه يقبل رواية المستور، وحرام فقد وُثق؛ وحدث عنه زيد بن واقد، وعبد الله بن العلاء أيضًا، وروى أيضًا عن أبي هريرة؛ فحديثه مع غرابته يقتضي أن يكون حسنًا، والله أعلم". وأما ابن حجر فكأنه تأثر بأقوالهم فقال في التلخيص (١/ ٢٠٧): "وفي إسناده ضعف"، وكأنه تراجع عن هذا في التهذيب والتقريب حين وثق حرام بن حكيم. وهذا الحديث قد تفرد به عن عبد الله بن سعد الأنصاري: حرام بن حكيم، وتفرد به عنه: العلاء بن الحارث: وهو ثقة. وهو حديث صحيح من حيث الجملة؛ روي معناه من أحاديث عدد من الصحابة، سواء فيما يوجب الغسل، أو في المذي، أو في الصلاة في البيت، أو في مؤاكلة الحائض، أو فيما يحل منها. فهذه المسائل كلها قد صحت فيها أحاديث. إلا أن زيادة: "وأنثييك" لا يشهد لها حديث صحيح. فإن حديث علي بن أبي طالب في المذي، لا تصح فيه زيادة: "وأنثييه" وإنما هي شاذة، والمنكر أبدًا منكر، لا يشهد لغيره، لعدم ثبوته أصلًا. وعليه فإنا لا نقبل مثل هذا الحكم الذي ينفرد به حرام بن حكيم فإنه ليس بحجة، وإن كان قد وُثق إلا أنه قليل الحديث، ولم يكن مشهورًا بالطلب، والله أعلم.

стр. 872

لذا فقد أنكر عليه هذه الزيادة: ابن حزم، وعبد الحق، وابن القطان، ولعله لذلك ضعف حديثه الترمذي، ولم يعرف الإمام أحمد حديثه هذا عندما سأله أبو داود، فقال: "إذا أمذى يجب عليه غسل أنثييه؟ قال أحمد: ما قال غسل الأنثيين إلا هشام بن عروة -يعني: في حديث علي-، فأما الأحاديث كلها فليس فيها ذا" [مسائل أبي داود (١٠٦)]. *** ٢١٣ - قال أبو داود: حدثنا هشام بن عبد الملك اليزني: حدثنا بقية، عن سعد الأغطش -وهو ابن عبد الله-، عن عبد الرحمن بن عائذ الأزدي -قال هشام: هو ابن قرط أمير حمص-، عن معاذ بن جبل، قال: سألت رسول الله ﷺ عما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟ قال: "ما فوق الإزار، والتعفف عن ذلك أفضل". قال أبو داود: وليس بالقوي. • حديث منكر. ورواه يعقوب بن سفيان الفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٢٢٢ - ٢٢٣)، قال: حدثني الوليد بن عتبة: حدثنا بقية بن الوليد: حدثني سعيد بن عبد الله الأغطش -قد روى عنه إسماعيل بن عياش وهو من رجال الشاميين، لا بأس به-، عن عبد الرحمن بن عائذ الأزدي، عن معاذ بن جبل: أنه سأل رسول الله ﷺ عما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟ وعن الصلاة في الثوب الواحد؟ وما يوجب الغسل؟ فقال رسول الله ﷺ : "يحل لك من الحائض ما فوق الإزار، والتعفف عن ذلك أفضل، والصلاة في الثوب الواحد توشح به، وإذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل". وهشام بن عبد الملك اليزني، والوليد بن عتبة الأشجعي الدمشقي: ثقتان، وإن كان تكلم في اليزني، قال فيه أبو داود: "شيخ ضعيف"، ووثقه غيره: أبو حاتم والنسائي وابن حبان. وعلى هذا فإن بقية بن الوليد يكون قد صرح فيه بالتحديث من شيخه. قال ابن حزم في المحلى (١٠/ ٧٧): "وهذا خبر لا يصح؛ لأنه من طريق بقية، وهو: ضعيف، عن سعيد بن عبد الله الأغطش، وهو: مجهول لا يعرف". وقال أيضًا (٢/ ١٨١): "لا يصح؛ لأنه عن بقية: وليس بالقوي، عن سعيد الأغطش: وهو مجهول". وقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (١/ ٢٠٨): "في إسناده بقية عن سعد الأغطش، وهما: ضعيفان"، وقال مثله ابن القيم في حاشية السنن (٦/ ١٤٩). وقال الخطيب التبريزي في المشكاة (٥٥٢): "وقال محيي السُّنَّة [يعني: البغوي]: إسناده ليس بقوي".

стр. 873

• قلت: له ثلاث علل: الأولى: أن بقية كثير الرواية عن الضعفاء والمجاهيل، وأكثرها مناكير، وهذا منها. الثانية: سعد أو سعيد بن عبد الله الأغطش: قال ابن حزم: "مجهول لا يعرف"، وقال عبد الحق: "ضعيف"، وذكره ابن حبان في الثقات، وهو معروف بتساهله في توثيق المجاهيل. الثالثة: الإرسال [أعني: الانقطاع]؛ فإن عبد الرحمن بن عائذ: لم يدرك معاذ بن جبل. قال ابن أبي حاتم في المراسيل (٤٤٨): "سمعت أبي يقول: عبد الرحمن بن عائذ الأزدي: لم يدرك معاذًا" [وانظر: تحفة التحصيل (١٩٩)، جامع التحصيل (٤٣٤)]. • ورواه إسماعيل بن عياش، قال: حدثني سعيد بن عبد الرحمن الخزاعي، عن عبد الرحمن بن عائذ: أن رجلًا سأل معاذ بن جبل عما يوجب الغسل من الجماع؟ وعن الصلاة في الثوب الواحد؟ وعما يحل للحائض من زوجها؟ فقال معاذ: سألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: "إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل، وأما الصلاة في ثوب واحد فتوشح به، وأما ما يحل من الحائض: فإنه يحل منها ما فوق الإزار، واستعفاف عن ذلك أفضل". أخرجه الطبراني في الكبير (٢٠/ ١٠٠/ ١٩٤)، من طرقٍ عن إسماعيل بن عياش، قال: حدثني سعيد بن عبد الرحمن الخزاعي. كذا وقع في المطبوع، وهو خطأ لعله من الناسخ أو من الطابع، صوابه: حدثني سعيد بن عبد الله الخزاعي. رواه علي الصواب من طريق أبي القاسم الطبراني: المزي في تهذيب الكمال (١٠/ ٢٨٤ - ٢٨٥). وذكره هكذا أيضًا: ابن دقيق العيد في الإمام (٣/ ٢٤٢)، وابن حجر في التلخيص (١/ ٢٩٤). وبهذا الطريق، يكون بقية بن الوليد قد توبع، تابعه: إسماعيل بن عياش [فإنه روايته عن أهل الشام مستقيمة، وهذا منها]، وبهذا تزول العلة الأولى. وتبقى الثانية: وهي جهالة سعيد بن عبد الله الخزاعي الأغطش، وضعْفُه أيضًا، فهو: ضعيف مجهول. وتبقى أيضًا العلة الثالثة: وهي الانقطاع بين ابن عائذ ومعاذ. • ووجدت للحديث طريقًا أخرى لكنها واهية: يرويها داود بن الزبرقان، عن أبي عبد الله القسام، عن عطاء، عن معاذ بن جبل: أنه سأل رسول الله ﷺ : ماذا يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضًا؟ فقال: "ما فوق سرتها أو مئزرها، والاستعفاف عن ذلك أفضل".

стр. 874

أخرجه الخطيب في تاريخه (٦/ ١٣٩). وداود بن الزبرقان: متروك، وأبو عبد الله القسام: فلم أعرفه؛ إلا أن يكون أبا عبد الله المصري مولى إسماعيل بن عبيد، حديثه في المصريين، يروي عن عطاء بن يسار، وعنه بكر بن سوادة: لا يعرف، لكن الظاهر أنه غيره، والله أعلم. وحاصل ما تقدم: أن الحديث ضعيف الإسناد؛ لضعف وجهالة الأغطش، وللانقطاع، ثم هو منكر المتن؛ فإنه مخالف للأحاديث الصحيحة في الصحيحين وغيرهما، والتي نصت على أن النبي ﷺ كان يباشر نساءه وهن حُيَّض؛ إذا كن متزرات، وستأتي هذه الأحاديث ابتداء من رقم (٢٦٧). وما كان النبي ﷺ ليفعل خلاف الأولى على الدوام والاستمرار. قال العراقي: "هذا يقوي ما تقرر من ضعف الحديث فإنه: خلاف المنقول عن فعل رسول الله ﷺ لأنه ﷺ [كان] يستمتع [بما] فوق الإزار، وما كان ليترك الأفضل، وعلى ذلك عمِل الصحابة والتابعون والسلف الصالحون" [عون المعبود (١/ ٢٤٩)]. *** ٨٣ - باب في الإكسال ٢١٤ - . . . عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب: حدثني بعض من أرضى: أن سهل بن سعد الساعدي أخبره: أن أُبي بن كعب أخبره: أن رسول الله ﷺ إنما جعل ذلك رخصة للناس في أول الإسلام لقلة الثياب، ثم أمر بالغُسل، ونهى عن ذلك. قال أبو داود: يعني: "الماء من الماء". • حديث صحيح لغيره. أخرجه ابن خزيمة (٢٢٦)، وأحمد في المسند (٥/ ١١٦)، وفي العلل ومعرفة الرجال (٣/ ٤٠٥/ ٥٧٨٠)، والطحاوي (١/ ٥٧)، والبيهقي (١/ ١٦٥)، وابن عبد البر في التمهيد (٨/ ٣٨٣)، وفي الاستذكار (١/ ٢٧١)، والحاكم في المعرفة (١٠٩)، وابن شاهين في الناسخ (٥). وابن شهاب الزهري قد سمع من سهل بن سعد الساعدي [التاريخ الكبير (١/ ٢٢٠)]، وقد أخرج الشيخان من رواية الزهري عنه حديثين: الأول: حديث المتلاعنين [البخاري (٤٢٣) وأطرافه، مسلم (١٤٩٢)]، والثاني: حديث: "إنما جعل الإذن من أجل البصر" [البخاري (٥٩٢٤ و ٦٢٤١ و ٦٩٠١)، مسلم (٢١٥٦)]. إلا أن هذا الحديث لم يسمعه الزهري من سهل بن سعد، وهذه الرواية -رواية

стр. 875

عمرو بن الحارث عن ابن شهاب- قد أظهرت علة الحديث الذي رواه جماعة عن الزهري عن سهل بن سعد هكذا بلا واسطة. فقد روى يونس بن يزيد الأيلي، وعقيل بن خالد، وشعيب بن أبي حمزة، وابن جريج، ومعمر -على خلف عنه-: رواه خمستهم: عن ابن شهاب الزهري، قال: قال سهل الأنصاري [وقال بعضهم: عن سهل بن سعد الأنصاري]؛ وكان قد أدرك النبي ﷺ وهو ابن خمس عشرة في زمانه [وقال بعضهم: وكان قد رأى النبي ﷺ وسمع منه، وذكر أنه ابن خمس عشرة سنة يوم توفي النبي ﷺ ]: حدثني أُبي بن كعب: أن الفُتيا التي كانوا يقولون: "الماء من الماء": رخصة كان رسول الله ﷺ رخص بها في أول الإسلام؛ ثم أمرنا بالاغتسال بعدها. هذا لفظ يونس. أخرجه الترمذي (١١٠ و ١١١)، وأبو علي الطوسي في مختصر الأحكام (٩٤)، وابن ماجه (٦٠٩)، والدارمي (١/ ٢١٣/ ٧٥٩)، والشافعي في المسند (١٥٩)، وفي اختلاف الحديث (٤٩٥)، وأحمد في المسند (٥/ ١١٥ و ١١٥ - ١١٦ و ١١٦)، وفي العلل ومعرفة الرجال (٣/ ٤٠٤/ ٥٧٧٨ و ٥٧٧٩)، وابن خزيمة (٢٢٥ و ٢٢٥ م)، وابن حبان (٣/ ٤٤٧/ ١١٧٣)، وابن الجارود (٩١)، والضياء في المختارة (٣/ ٣٨٣/ ١١٧٨)، وابن عرفة في جزئه (١٤)، وأبو العباس السراج في حديثه بانتقاء زاهر الشحامي (١٣٨٠)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٧٩/ ٥٧٥)، والطحاوي (١/ ٥٧)، والهيثم بن كليب في مسنده (٣/ ٣١٥ - ٣١٦/ ١٤٢١)، والطبراني في مسند الشاميين (٤/ ١٥٧/ ٢٩٩٢)، وابن شاهين في الناسخ (١٨)، والحاكم في معرفة علوم الحديث (١٠٨)، والبيهقي في السن الكبرى (١/ ١٦٥)، وفي المعرفة (١/ ٢٥٨/ ٢٤٩)، وفي الخلافيات (٢/ ٤٢١/ ٧٦٩)، وابن عبد البر في التمهيد (٨/ ٣٨٢)، وفي الاستذكار (١/ ٢٧٧)، والخطيب في الموضح (١/ ٤٦٤)، وفي تاريخ بغداد (١/ ٣٥٢)، والحازمي في الاعتبار (١/ ١٩٠ و ١٩٢ و ١٩٥/ ٣ و ٤ و ٦)، والذهبي في السير (٨/ ٣٨٠). • وقد اختلف في ذلك على معمر: ١ - فروى ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري، عن سهل، عن أبي؛ كالجماعة. [الترمذي (١١١)، ابن خزيمة (٢٢٥ م)، أحمد (٥/ ١١٦)]. ٢ - وروى عبد الرزاق، ومحمد بن جعفر، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، وعبد الواحد بن زياد: أربعتهم: عن معمر، عن الزهري، عن سهل بن سعد، به نحوه. ولم يذكروا أُبيًا في الإسناد. أخرجه ابن خزيمة (٢٢٦)، وعبد الرزاق (١/ ٢٤٨/ ٩٥١)، وابن أبي شيبة (١/ ٨٦/ ٩٥٢)، وأبو العباس السراج في حديثه بانتقاء زاهر الشحامي (١٣٨١ و ١٣٨٢)، والطبراني في الكبير (٦/ ١٢١/ ٥٦٩٦).

стр. 876

والذي يبدو لي -والله أعلم- أنه لا ثمة اختلاف بين ابن المبارك والجماعة: ذلك أن رواية ابن المبارك كانت متابعة لروايته عن يونس عن الزهري، والتي فيها ذكر أُبي بن كعب، فقال بعدها ابن المبارك: فأخبرني معمر بهذا الإسناد نحوه. فلم يسقه بتمامه؛ مما يقوى احتمال كون روايته موافقة لرواية الجماعة عن معمر، ولا يضر ذلك في الإسناد من جهة إسقاط أبيِّ منه، وذلك لأن مراسيل الصحابة صحيحة مقبولة. لكن موضع الإشكال في هذا الطريق أن محمد بن جعفر المعروف بغندر، قال: نا معمر، عن الزهري، قال: أخبرني سهل بن سعد، قال: إنما كان قول الأنصار: "الماء من الماء" رخصة في أول الإسلام، ثم أُمرنا بالغسل. [ابن خزيمة (٢٢٦)]. ففي هذه الرواية ذكر الإخبار والاتصال بين الزهري وسهل بن سعد، لكن الصواب خلاف ذلك، فقد انفرد بهذا غندر عن معمر، دون بقية من روى الحديث عن معمر من الحفاظ، مثل: عبد الله بن المبارك، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، وعبد الواحد بن زياد، وعبد الرزاق، وهم أثبت في معمر من غندر، لا سيما ابن المبارك وعبد الرزاق، وغندر من أثبت الناس في شعبة؛ لكن في حديثه عن غيره فيه شيء من الغفلة. كذلك فقد ثبت من رواية عمرو بن الحارث عن الزهري أنه لم يسمع هذا الحديث من سهل، وأن بينهما واسطة. قال ابن خزيمة: "في القلب من هذه اللفظة التي ذكرها محمد بن جعفر -أعني قوله: أخبرني سهل بن سعد- وأهابُ أن يكون هذا وهمًا من محمد بن جعفر أو ممن دونه؛ لأن ابن وهب روى عن عمرو بن الحارث، عن الزهري، قال: أخبرني من أرضى، عن سهل بن سعد، عن أُبي بن كعب" [وانظر: إتحاف المهرة (١/ ٢٠٦)]. يضاف إلى ما تقدم أيضًا في بيان شذوذ رواية غندر؛ وهو بصري: قول الإمام أحمد: "حديث عبد الرزاق عن معمر: أحب إلى من حديث هؤلاء البصريين: كان يتعاهد كتبه، وينظر -يعني: باليمن-، وكان يحدثهم بخطأ بالبصرة". وعلى هذا فإن حديث معمر بالبصرة فيه اضطراب كثير، وحديثه باليمن جيد [قاله ابن رجب في شرح العلل (٢/ ٧٦٧)، وانظر أيضًا: (٢/ ٧٠٦)]، فإذا انضاف إلى هذا كون ابن المبارك وعبد الرزاق من أثبت الناس في معمر، ظهر بجلاء شذوذ رواية غندر هذه. لكن قال ابن حجر في التلخيص (١/ ٢٣٤) بعد كلام ابن خزيمة الآنف الذكر: "قلت: أحاديث أهل البصرة عن معمر يقع فيها الوهم، لكن في كتاب ابن شاهين [١٨]، من طريق: معلى بن منصور، عن ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري: حدثني سهل، وكذا أخرجه بقي بن مخلد في مسنده: عن أبي كريب، عن ابن المبارك، وقال ابن حبان: يحتمل أن يكون الزهري سمعه من رجل عن سهل، ثم لقي سهلًا فحدثه، أو سمعه من سهل ثم ثبته فيه أبو حازم". وقال ابن حجر أيضًا في إتحاف المهرة (١/ ٢٠٨): "وقال بقي بن مخلد: ثنا

стр. 877

أبو كريب، ثنا ابن المبارك بهذا الحديث، فصرح الزهري بقوله: حدثني سهل بن سعد، وهي متابعة قوية لمحمد بن جعفر غندر، والله أعلم". قلت: قد يقال هذا إذا ثبتت الطرق التي فيها ذكر السماع. أما رواية غندر عن معمر؛ فقد تبين شذوذها. وأما رواية معلى بن منصور وأبي كريب [وهما ثقتان]، فهي مقابَلة برواية جماعة من الثقات عن ابن المبارك، لم يذكروا فيها السماع، منهم: أحمد بن منيع، وحبان بن موسى المروزي، وعلي بن إسحاق المروزي، ويحيى بن أيوب المقابري، والحسن بن عرفة، وخلف بن الوليد، وغيرهم. والقلب إلى روايتهم أمْيَل، لا سيما وفيهم المراوزة، أهل بلد ابن المبارك، ومن المكثرين عنه. فإن هذا السماع الذي أثبته معلى وأبو كريب في روايتهما الظاهر أنه: وهم، ولعله قائم على أن سماع الزهري من سهل: ثابت معلوم، فلعل بعض الرواة تصرف في صيغة الأداء، والدليل على صحة ما ذهبنا إليه: رواية عمرو بن الحارث عن الزهري، والتي فيها إثبات الواسطة بين الزهري وسهل، وكذلك أقوال الأئمة الذين نفوا ذلك السماع؛ فقد جزم موسى بن هارون والدارقطني بأن الزهري لم يسمعه من سهل [التلخيص (١/ ٢٣٤)]. وشكك ابن خزيمة في ثبوته، بل إن الإمام مسلم بن الحجاج قد جزم بذلك أيضًا، حيث قال: "فإن الزهري لم يسمعه من سهل بن سعد، وإنما قال: حدثني بعض من أرضى عن سهل بن سعد، ولعله سمعه من أبي حازم" [معرفة علوم الحديث ص (١٠٩)]. وبهذا احتج أيضًا ابن عبد البر، فقال في التمهيد (٨/ ٣٨٣): "ولم يسمع الزهري هذا الحديث من سهل بن سعد". وقال في الاستذكار (١/ ٢٧٧): "وقد تقدم أن ابن شهاب لم يسمعه من سهل بن سعد، وإنما رواه عن أبي حازم عن سهل بن سعد". وكذلك فإن رواية عقيل وشعيب وابن جريج عن الزهري مشعرة بالانقطاع وأنه لم يسمعه منه. وقال الحازمي في الاعتبار (١/ ١٩٣): "ويشبه أن يكون الزهري أخذه عن أبي حازم عن سهل". وقد ساق ابن عبد البر في التمهيد (٨/ ٣٨٣) كلام موسى بن هارون، حيث قال: "كان الزهري إنما يقول في هذا الحديث: قال سهل بن سعد. ولم يسمع الزهري هذا الحديث من سهل بن سعد، وقد سمع من سهل أحاديث، إلا أنه لم يسمع هذا منه؛ وواه ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن الزهري، قال: حدثني بعض من أرضى أن سهل بن سعد أخبره، قال موسى: ولعمري إن كان الزهري سمعه من أبي حازم؛ فإن أبا حازم رضى، فقد روى أبو حازم هذا الحديث عن سهل بن سعد".

стр. 878

وقال البيهقي: "وهذا الحديث لم يسمعه الزهري عن سهل … ". وقال في الخلافيات: "ورواه عمرو بن الحارث، قال: قال الزهري: وحدثني من أرضى عن سهل بن سعد: أن أُبي بن كعب حدثه، ولعله سمعه من أبي حازم عن سهل بن سعد، فقد رواه أبو غسان محمد بن مطرف، عن أبي حازم، عن سهل، عن أُبي ﵃". وقال ابن حبان في الصحيح (٣/ ٤٤٧): "وقد تتبعت طرق هذا الخبر على أن أجد أحدًا رواه عن سهل بن سعد فلم أجد في الدنيا أحدًا إلا أبا حازم، ويشبه أن يكون الرجل الذي قال الزهري: حدثني من أرضى عن سهل بن سعد، هو أبو حازم، رواه عنه". وقال ابن خزيمة في صحيحه (١/ ١١٤): "وهذا الرجل الذي لم يسمه عمرو بن الحارث يشبه أن يكون أبا حازم سلمة بن دينار؛ لأن مبشر بن إسماعيل روى هذا الخبر عن أبي غسان محمد بن مطرف عن أبي حازم عن سهل بن سعد" [انظر: الإتحاف (١/ ٢٠٧)]. وقال الإسماعيلي: "هو صحيح على شرط البخاري"، فتعقبه الحافظ في الفتح (١/ ٤٧٣) بقوله: "كذا قال، وكأنه لم يطلع على علته، فقد اختلفوا في كون الزهري سمعه من سهل … ". [انظر فيمن وهم على الزهري في إسناد هذا الحديث: المعجم الأوسط للطبراني (٢/ ٣٣٤ / ٢١٧٤)]. وقد صحح الترمذي الحديث من طريق ابن المبارك فقال: "هذا حديث حسن صحيح"، وفي إسناده مبهم كما عرفت، فلعله صححه بالنظر إلى الطريق الآتية: *** ٢١٥ - . . . مبشر الحلبي، عن محمد أبي غسان، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: حدثني أُبي بن كعب: أن الفتيا التي كانوا يفتون أن "الماء من الماء" كانت رخصة رخصها رسول الله ﷺ في بدء الإسلام، ثم أَمر بالاغتسال بعد. • حديث صحيح. أخرجه الدارمي (١/ ٢١٣/ ٧٦٠)، وابن خزيمة (١/ ١١٤/ ٢٢٦) [وانظر: إتحاف المهرة (١/ ٢٠٦ - ٢٠٧)]، وابن حبان (٣/ ٤٥٣/ ١١٧٩)، والضياء في المختارة (٣/ ٣٨٢/ ١١٧٧)، وابن أبي حاتم في العلل (١/ ٤١/ ٨٦)، والطبراني في الكبير (١/ ٢٠٠/ ٥٣٨)، والدارقطني (١/ ١٢٦)، والحاكم في معرفة علوم الحديث (١٠٩)، والبيهقي (١/ ١٦٦)، وابن عبد البر في التمهيد (٨/ ٣٨٣)، وفي الاستذكار (١/ ٢٧١)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (١/ ٣٦٧/ ٣٦٥). قال الدارقطني: "صحيح". وقال ابن عبد البر في الاستذكار (١/ ٢٧٧): "وهو حديث صحيح ثابت بنقل العدول والثقات له".

стр. 879

وصححه ابن خزيمة وابن حبان والضياء. وكلام الإمام مسلم مشعر بالاحتجاج به [كما في معرفة علوم الحديث (١٠٩)]. وقال البيهقي بأنه إسناد صحيح موصول. واحتج به أبو حاتم الرازي على نسخ الأحاديث المروية في: "الماء من الماء"، فهو منه تصحيح ضمني [العلل (١/ ٤٨/ ١١٤)]. وقال الحازمي: "الحديث محفوظ عن سهل عن أبي" [الاعتبار (١/ ١٩٣)]، وكذا قال البيهقي في المعرفة (١/ ٢٥٩). وقال الحافظ في الفتح (١/ ٤٧٣): "هو إسناد صالح لأن يحتج به". قلت: رجاله ثقات رجال الشيخين، وهو حديث صحيح متصل الإسناد؛ لا أعلم له علة. وأما قول ابن حجر عن هذا الحديث: "ولهذا الإسناد أيضًا علة أخرى ذكرها ابن أبي حاتم" [الفتح (١/ ٤٧٣)]: فليس بصحيح. فقد قال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٨٦/٤١): "وسمعت أبي قال: ذكرت لعبد الرحمن الحلبي -ابن أخي الإمام، وكان يفهم الحديث- فقلت له: تعرف هذا الحديث: حدثنا محمد بن مهران، قال: حدثنا مبشر الحلبي، عن محمد بن مطرف، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، عن أبي بن كعب، عن النبي ﷺ ، قال: كان الفُتيا في بُدُوِّ الإسلام: "الماء من الماء"، ثم قال النبي ﷺ : "إذا التقى الختانان وجب الغسل"؟ فقال لي: قد دخل لصاحبك حديث في حديث، ما نعرف لهذا الحديث أصلًا". قلت: أولًا: قوله في الإسناد بعد "أبي بن كعب" "عن النبي ﷺ ": يبدو لي أنه مقحم في الإسناد، أو أنه خطأ من النساخ، والله أعلم. ثانيًا: قوله: "قد دخل لصاحبك حديث في حديث": يعني: أنه ساق حديثين في حديث بإسناد واحد؛ فإن المتن الأول: كان الفتيا في بدو الإسلام: "الماء من الماء"، إنما هو لهذا الإسناد، وله تتمة لم تذكر هنا، وهي: ثم أمر بالاغتسال بعد، كما تقدم في سياق متن الحديث لأبي داود. وأما المتن الثاني: "إذا التقى الختانان وجب الغسل": فقد ورد من حديث: أبي هريرة، وعائشة، وابن عمرو، ورافع بن خديج، وأبي أمامة، ومعاذ بن جبل، وابن عمر، وغيرهم، ويأتي الكلام عليه في الحديث الآتي (٢١٦). وأما ما روي من طريق عثمان بن عمر: ثنا يونس، عن الزهري، قال: كان رجال من الأنصار، منهم: أبو سعيد الخدري، وأبو أيوب، يقولون: "الماء من الماء"، ويزعمون أنه ليس على من مس امرأته غسل ما لم يُمْنِ، فلما ذُكر ذلك لعمر وعائشة وابن عمر ﵃ أبوا ذلك، فقالوا: "إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل"، فقال سهل الأنصاري -وقد

стр. 880

أدرك رسول الله ﷺ وهو ابن خمس عشرة سنة في زمانه-: حدثني أبي بن كعب ﵁: أن الفتيا التي كانوا يقولون: "الماء من الماء"، رخصة رخص بها رسول الله ﷺ في أول الإسلام، ثم أمر بالاغتسال بعد. وقد كان عبد الملك بن مروان أخذ بذلك عن رجل من الأنصار فلما بلغه العلم: اغتسل وأمر بالاغتسال. أخرجه ابن الجارود (٩١)، والبيهقي (١/ ١٦٥). وقد تفرد بذكر هذه القصة وهذا السياق: عثمان بن عمر بن فارس [وهو ثقة]، والحديث قد رواه بدون هذه القصة وكلام الزهري فيه: ابن المبارك عن يونس، وعقيل بن خالد، وشعيب بن أبي حمزة، وابن جريج، ومعمر، عن الزهري، فلم يذكره أحد منهم بهذا السياق؛ مما يدل على شذوذ هذه الرواية، والله أعلم [وانظر: الموطأ (١/ ٩٠/ ١١٣)]. وبناءً على ما تقدم؛ فيكون قول ابن أخي الإمام أبي حاتم: "قد دخل لصاحبك حديث في حديث": أراد به أن حديث: "إذا التقى الختانان وجب الغسل": لا يروى بهذا الإسناد، وإنما دخل للراوي حديث في حديث، والله أعلم. وبهذا يُعلم أن قوله: "لا نعرف لهذا الحديث أصلًا" إنما أراد به جمع هذين المتنين -أي: الحديثين- على هذا الإسناد، وإنما يُروى بإسنادين، فهما حديثان مستقلان، لا يُعرف أن أحدًا رواهما جميعًا بإسناد واحد: فلا يعرف له أصل بهذا السياق. إذا علمت هذا، فليس في هذا إعلال لحديث مبشر الحلبي الذي يرويه أبو داود وغيره، وليس فيه هذه الزيادة؛ فهو حديث صحيح؛ لا يُعلم له علة. ثم إن الإمام أبا حاتم نفسه قد احتج به على نسخ أحاديث "الماء من الماء"، مما يدل على تصحيحه له. قال الألباني في صحيح أبي داود (١/ ٣٨٨): "فلو لم يكن الحديث عنده صحيحًا؛ لما جعله ناسخًا، وهذا واضح، والحمد لله". قال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٤٨/ ١١٤): "وسمعت أبي، وذكر الأحاديث المروية في "الماء من الماء": حديث هشام بن عروة، عن أبي أيوب، عن أبي بن كعب، عن النبي ﷺ ، وحديث شعبة، عن الحكم، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ ، في: "الماء من الماء". فقال: هو منسوخ، نسخه حديث سهل بن سعد عن أبي بن كعب". • وحديث مبشر الحلبي هذا لا يُعَلُّ بما رواه البخاري ومسلم من طريق: هشام بن عروة، قال: أخبرني أبي، قال: أخبرني أبو أيوب، قال: أخبرني أبيُّ بن كعب: أنه قال: يا رسول الله! إذا جامع الرجل امرأته فلم يُنزل؟ قال: "يغسل ما مس المرأة منه، ثم يتوضأ ويصلي". أخرجه البخاري (٢٩٣)، ومسلم (٣٤٦)، وأبو عوانة (١/ ٢٤١/ ٨١٩ و ٨٢١)، وأبو
следующие страницы →