← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 261

فضل الرحيم الودود تخريج سنن أبي داود

ياسر فتحي

Полный текст (16 465 стр.). Показаны 8506–8545 · переход к 8511.

стр. 8506

عن إبراهيم، عن الأسود بن يزيد، [ومنهم من زاد: وعمرو بن ميمون]؛ أن عمر ﵁ كان لا يقنت في الصبح. وفي رواية: صلينا خلف عمر الفجر فلم يقنت. * وفي الصحيح الثابت عن عمر غنية: فحن أبي رافع؛ أنه قنت مع عمر في صلاة الصبح بعد الركوع، يدعو على الفجرة. وعن عبيد بن عمير، قال: سمعت عمر يقنت بعد الركوع، يدعو على الكفرة. وهي مرويات صحيحة تقدم ذكرها في آثار عمر. ثم قال الطحاوي: "فأخبر الأسود بالمعنى الذي له كان يقنت عمر ﵁؛ أنه إذا حارب يدعو على أعدائه، ويستعين اللّه عليهم ويستنصره، كما كان رسول اللّه ﷺ فعل، لما قُتل من قُتل من أصحابه، حتى أنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾، قال عبد الرحمن بن أبي بكر: فما دعا رسول اللّه ﷺ على أحد بعد، فكانت هذه الآية عند عبد الرحمن وعند عبد الله بن عمر ﵄ ومن وافقهما: تنسخ الدعاء بعد ذلك في الصلاة على أحد. ولم يكن عند عمر ﵁ به بناسخة ما كان قبل القتال، وإنما نسخت عنده الدعاء في حال عدم القتال، إِلَّا أنه قد ثبت بذلك بطلان قول من يرى الدوام على القنوت في صلاة الفجر، فهدا وجه ما روي عن عمر ﵁ في هذا الباب". * فإن قيل: قد روي عن بعض التابعين، مثل: عبد الرحمن بن أبي ليلى ومجاهد، أنهم سئلوا عن القنوت في الفجر، فقالوا: سنة ماضية، كما روي فعله عن بعض التابعين [مسند ابن عباس من تهذيب الآثار لابن جرير (٦٢٩ - ٦٣٥)]، فيقال: يحمل أيضًا على النوازل حتى يأتي دليل بين على لزوم القنوت في الصبح على الدوام بغير سبب يهيج عليه، أو يقال: قد تتابعت الفتن في أيامهم، فرأى بعضهم لزوم القنوت مراعاة لهذا المعنى، والله أعلم. * وحديث أنس في هذا حجة وبرهان قاطع على عدم لزوم القنوت على الدوام، ففيه: قنت رسول الله ﷺ شهرًا بعد الركوع، يدعو على أحياءٍ من أحياء العرب، ثم تركه. * وفي حديث ابن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف؛ أنهما سمعا أبا هريرة، يقول: أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يدعو على أحد، أو يدعو لأحد، قنت بعد الركوع. فدل على كونه عارضًا، لا دائمًا. * وقوله فيه: "اللَّهُمَّ أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللَّهُمَّ اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم كسنيِّ يوسف، اللَّهُمَّ العن لحيان، ورِعلًا، وذكوان، وعُصيةَ عصت الله ورسوله": فدعاؤه لأشخاص بأعيانهم، ودعاؤه على آخرين بأعيانهم، دليل على كونه مؤقتًا بواقعة بعينها، فإذا زال الداعي، أوقف الدعاء.

стр. 8507

* كذلك دل حديث ابن عمر في غزوة أحد: أن النَّبِيّ ﷺ قنت على ناس من المشركين، ثم ترك الدعاء لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية. ففى حديث عمر بن حمزة، عن سالم، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ يوم أحد: "اللَّهُمَّ العن أبا سفيان، اللَّهُمَّ العن الحارث بن هشام، [اللَّهُمَّ العن سهيل بن عمرو]، اللَّهُمَّ العن صفوان بن أمية"، فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾، فتاب اللّه عليهم، فأسلموا فحسن إسلامهم. وفي حديث ابن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن النَّبِيّ ﷺ كان يدعو على أربعة نفر [وفي رواية: يدعو على رجال من المشركين، يسميهم بأسمائهم]، فأنزل اللّه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾، ثم هداهم الله للإسلام. * فكل هذه قرائن على أنه ﷺ كان يقنت فقط عند النازلة، ثم يدع القنوت بعدها، ولم يثبت عنه بحال أنه داوم على القنوت في الفجر حتى فارق الدنيا، واللّه أعلم. * فإن قيل: فما تقول في حديث أنس بن مالك، فهو نص على الاستدامة: رواه عبد الرزاق بن همام، وعبيد الله بن موسى، وأبو نعيم الفضل بن دكين، ووكيع بن الجواح، والنعمان بن عبد السلام، وجعفر بن زياد الأحمر، وخالد بن يزيد الأزدي العتكي، وغيرهم: حَدَّثَنَا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، قال: سئل أنس عن قنوت النَّبِيّ ﷺ : أنه قنت شهرًا، فقال: ما زال النَّبِيّ ﷺ يقنت حتى مات. وفي رواية عبد الرزاق: ما زال رسول الله ﷺ يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا. وفي رواية عبيد الله بن موسى: أن النبي ﷺ قنت شهرًا يدعو عليهم ثم تركه، وأما في الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا. وفي رواية أبي نعيم: عن الربيع بن أنس، قال: كنت جالسًا عند أنس بن مالك، فقيل له: إنما قنت رسول الله ﷺ شهرًا، فقال: ما زال رسول الله ﷺ يقنت في صلاة الغداة حتى فارق الدنيا. وفي رواية وكيع: أن النَّبِيّ ﷺ قنت في الفجر. أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١١٠/ ٤٩٦٤)، وابن أبي شيبة (٢/ ١٠٤/ ٧٠٠٣)، وأحمد (٣/ ١٦٢)، والبزار (١٣/ ١٣١/ ٦٥٢٢)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ٣٦٦/ ٦٣٦ - مسند ابن عباس)، والطحاوي (١/ ٢٤٤)، وأبو بكر النيسابوري في الزيادات على المزني (٢٥ و ٢٦)، والدارقطني (٢/ ٣٩)، والبيهقي في السنن (٢/ ٢٠١)، وفي المعرفة (٣/ ١٢١/ ٣٩٥٦ - ط قلعجي)، وفي الخلافيات (٨/ ٣/ ١٩٩٤)، والخطيب في تاريخ بغداد (١١/ ٣٥٩ - ط الغرب)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٣/ ١٢٣ - ١٢٤/ ٦٣٩)، والحازمي في الاعتبار (١/ ٣٥٢/ ١٠٤)، وابن الجوزي في التحقيق (٦٨٩ - ٦٩٢)، وفي العلل المتناهية

стр. 8508

(١/ ٤٤١/ ٧٥٣)، والضياء في المختارة (٦/ ٢١٢٧/ ١٢٩ و ٢١٢٨). [الإتحاف (٢/ ٦/ ١٠٧٨)، المسند المصنف (١/ ٧١٥/ ٥٤٠)]. قال الحاكم: "هذا إسناد صحيح، سنده ثقة رواته، والربيع بن أنس: تابعي معروف من أهل البصرة سمع أنس بن مالك، روى عنه: سليمان التيمي وعبد الله بن المبارك وغيرهما، [فما زلت أتأمل التواريخ وأقاويل الأئمة في الجرح والتعديل فلم أجد أحدًا طعن فيه]، وقال أبو محمد بن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عن الربيع بن أنس، فقالا: صدوق ثقة". وقال البيهقيّ في الخلافيات (٣/ ٨): "قال أبو عبد الله ﵀ [يعني: الحاكم]: هذا حديث صحيح؛ فإن رواته كلهم ثقات. وقال أبو محمد بن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عن الربيع بن أنس، فقالا: صدوق ثقة. وروي عن علي، وابن عباس، وابن عمر، وابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وعمار، وحذيفة بن أسيد الغفاري، وعائشة بنت الصديق ﵃؛ أن النَّبِيّ ﷺ قنت في صلاة الصبح. وروينا ذلك عن أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبي هريرة، والبراء بن عازب ﵃ " [انظر: التنقيح لابن عبد الهادي (٢/ ٤٤٤)، البدر المنير (٣/ ٦٢١)، التوضيح (٨/ ٢٠٣)]. وقال ابن الصلاح في شرح مشكل الوسيط (٢/ ١٢٤): "هذا حديث قد حكم بصحته غير واحد من حفاظ الحديث، منهم: أبو عبد الله محمَّد بن علي البلخي؛ من أئمة الحديث، وأبو عبد الله الحاكم، وأبو بكر البيهقيّ"، وتبعه على ذلك النووي في المجموع (٣/ ٥٠٤)، وصحح الحديث، وكذا في الخلاصة (١٤٧٦). وقال ابن حجر في التلخيص (١/ ٤٤٣): "وعزاه النووي إلى المستدرك للحاكم، وليس هو فيه، وإنما أورده وصححه في جزء له مفرد في القنوت، ونقل البيهقيّ تصحيحه عن الحاكم، فظن الشيخ أنه في المستدرك" [وانظر: البدر المنير (٣/ ٦٢٤)]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (٢/ ٢٤٨): "واحتجوا أيضًا: بما رواه الإمام أحمد في مسنده، والحاكم في صحيحه، عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، عن أنس؛ أن النبي ﷺ ما زال يقنت حتى فارق الدنيا. قالوا: وقوله في الحديث الآخر: "ثم تركه" أراد ترك الدعاء على تلك القبائل، لم يترك نفس القنوت. وهذا بمجرده لا يثبت به سنة راتبة في الصلاة، وتصحيح الحاكم دون تحسين الترمذي، وكثيرًا ما يصحح الموضوعات، فإنه معروف بالتسامح في ذلك، ونفس هذا الحديث لا يخص القنوت قبل الركوع أو بعده، فقال: ما قنت رسول الله ﷺ بعد الركوع

стр. 8509

إِلَّا شهرًا، فهذا حديث صحيح صريح عن أنس؛ أنه لم يقنت بعد الركوع إِلَّا شهرًا، فبطل ذلك التأويل"؛ إلى أن قال: "وقد ذهب طائفة إلى أنه يستحب القنوت الدائم في الصلوات الخمس، محتجين بأن النَّبِيّ ﷺ قنت فيها، ولم يفرق بين الراتب والعارض، وهذا قول شاذ". وقال ابن رجب في الفتح (٩/ ١٩١) بأنه حديث منكر. قلت: هذا حديث منكر، تفرد به: أبو جعفر الرازي، عيسى بن أبي عيسى، وهو: ليس بالقوي، روى مناكير، وقد اختلف الحفاظ عليه في متنه؛ مما يدل على أنه لم يكن يضبطه [التهذيب (٤/ ٥٠٤)]. والربيع بن أنس البصري: ليس به بأس، ويتقى من حديثه ما كان من رواية أبي جعفر الرازي عنه [التهذيب (١/ ٥٩٠)]. وهذا الحديث في القنوت عن أنس: قد رواه كبار الحفاظ المتقنين من أصحاب أنس؛ محمد بن سيرين، وقتادة، وعاصم بن سليمان الأحول، وأبو قلابة، وأبو مجلز، وعبد العزيز بن صهيب، وأنس بن سيرين، وموسى بن أنس، وإسحاق بن عبد اللّه بن أبي طلحة، وثمامة بن عبد اللّه بن أنس، وثابت البناني، وحميد الطويل، وعبد الرحمن بن محمد، ومروان الأصفر؛ فلم يذكروا هذه الزيادة التي تفرد بها: الربيع بن أنس، وتفرد بها عنه: أبو جعفر الرازي، وهي قوله: ما زال رسول الله ﷺ يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا. ولذا قال الأثرم في الناسخ (٩٩): "فأما حديث أنس الآخر: أنه لم يزل يقنت حتى مات؛ فإنه حديث ضعيف، مخالف للأحاديث". * تنبيه: ولسنا هنا ممن يعارض المنكر بالمنكر، فلا يُعارض حديث أبي جعفر هذا، بحديث قيس بن الربيع، الذي رواه عن عاصم بن سليمان، قال: قلنا لأنس: إن قومًا يزعمون أن النَّبِيّ ﷺ لم يزل يقنت بالفجر، فقال: كذبوا، إنما قنت رسول الله ﷺ شهرًا واحدًا، يدعو على حي من أحياء المشركين. إذ إن كلا الحديثين منكر، واللّه أعلم. قال البيهقيّ في السنن: "وقد رواه إسماعيل بن مسلم المكي، وعمرو بن عبيد، عن الحسن، عن أنس؛ إِلَّا أنا لا نحتج بإسماعيل المكي، ولا بعمرو بن عبيد". * فقد روى عبد الرزاق بن همام، وقريش بن أنس، وعبد الوارث بن سعيد [وهم ثقات]: ثنا عمرو بن عبيد، عن الحسن، عن أنس بن مالك، قال: صليت مع رسول الله ﷺ ، فلم يزل يقنت بعد الركوع في صلاة الغداة حتى فارقته، قال: وصليت خلف عمر بن الخطاب فلم يزل يقنت بعد الركوع في صلاة الغداة حتى فارقته. لفظ عبد الرزاق. ولفظ عبد الوارث [ثقة ثبت]: "صليت خلف رسول الله ﷺ ، فلم يزل يقنت في صلاة

стр. 8510

الصبح بعد الركوع حتى توفاه الله، وصليت خلف أبي بكر الصديق، فلم يزل يقنت في صلاة الصبح بعد الركوع حتى توفاه الله، وصليت خلف عمر بن الخطاب، فلم يزل يقنت في صلاة الصبح بعد الركوع حتى توفاه الله. أخرجه الطحاوي (١/ ٢٤٣)، وابن عدي في الكامل (٥/ ١١٠)، والدارقطني (٢/ ٤٠)، والبيهقي في المعرفة (٣/ ١٢٤/ ٣٩٦٥ - ط قلعجي)، وفي الخلافيات (٣/ ١٠/ ٢٠٠٢) و (٣/ ١١/ ٢٥٠٣)، وابن الجوزي في التحقيق (٦٩٤). [الإتحاف (١/ ٥٨٧/ ٨١٧)]. * وقد وهم فيه بعضهم وهمًا قبيحًا على عبد الوارث بن سعيد، فقلب اسم عمرو، فجعله: عوفًا، يعني: ابن أبي جميلة الثقة: قال الحسن بن سفيان في مسنده: ثنا جعفر بن مهران السَّبَّاك: ثنا عبد الوارث بن سعيد: ثنا عوف، عن الحسن، عن أنس، قال: صليت مع رسول الله ﷺ ، فلم يزل يقنت في صلاة الغداة حتى فارقته، وخلف عمر فلم يزل يقنت في صلاة حتى فارقت. [تنقيح التحقيق لابن عبد الهادي (٢/ ٤٤٧/ ١١٠٣)]. وقد نقل ابن عبد الهادي عن أبي موسى المديني ما يدل على أنه اغتر بظاهر السند؛ حيث قال أبو موسى: "وجعفر بن مهران: من جملة الثقات، فلم يبق في هذا الإسناد إشكال يُطعن به عليه". قلت: هذا وهمٌ بينٌ من جعفر بن مهران السباك، وهو: لا بأس به، وله ما ينكر، قال الذهبي في الميزان (١/ ٤١٨): "فهذا غلط من جعفر" [الجرح والتعديل (٢/ ٤٩١)، الثقات (٨/ ١٦٥)، سؤالات السلمي (١٠٤)، الإكمال لابن ماكولا (٥/ ٢٩)، اللسان (٢/ ٤٧٦)]. وقد رواه جعفر مرة أخرى كالجماعة، فقال فيه: عمرو بن عبيد [كما عند البيهقيّ في المعرفة (٣٩٦٥)، وفي الخلافيات (٢٠٠٣)]. وقد أدرك ذلك ابن عبد الهادي، فذكره من طربق أبي معمر عن عبد الوارث عن عمرو، ثم قال (٢/ ٤٤٧): "وكذا رواه أبو عمر الحوضي عن عبد الوارث، فقال: عن عمرو، وهو: ابن عبيد، رأس الاعتزال. وهذا هو المحفوظ عن عبد الوارث، وهو علة لحديث السباك، ولعله عند عبد الوارث عن هذا وعن هذا؛ لكنه بعيد، ولو كان عند أبي معمر عن عبد الوارث عن عوف: ما تأخر البخاري عن إخراجه، والسباك ثقة، لكن الثقة يغلط" [ونقله الذهبي في التنقيح (١/ ٢٣٢)]. قال ابن عدي: "ولا أعلم روى هذا المتن غير عمرو بن عبيد. وعمرو بن عبيد: قد كفانا السلف مؤونته، حيث بينوا ضعفه في رواياته، وبينوا بدعته ودعاءه إليها، … ، وكان يغر الناس بنسكه وتقشفه، وهو مذموم، ضعيف الحديث جدًا، معلن بالبدع، وقد كفانا ما قال فيه الناس".

стр. 8511

* ورواه قريش بن أنس: ثنا إسماعيل المكي، وعمرو بن عبيد، عن الحسن، عن أنس، قال: قنت رسول اللّه ﷺ ، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وأحسبه ورابع، حتى فارقتهم. أخرجه البزار (١٣/ ١ ٢٢/ ٦٧٠٣)، والدارقطني (٢/ ٤٠)، والبيهقي (٢/ ٢٠٢). [الإتحاف (١/ ٥٨٧/ ٨١٧)]. قال البزار: "هكذا رواه إسماعيل بن مسلم وعمرو بن عبيد عن الحسن عن أنس، وروى هذا الحديث: محمد بن سيرين، وأبو مجلز، وقتادة، عن أنس؛ أن النَّبِيّ ﷺ قنت شهرًا، وهؤلاء الذين رووه؛ أنه قنت شهرًا: أثبات، وءاسماعيل بن مسلم: فقد بينا لينه، وعمرو بن عبيد: فنستغني عن ذكره لشهرته لسوء رأيه". وروي عن أيوب السختياني أنه سئل عن هذا الحديث، فقال: "كذب عمرو على الحسن"، ولا يثبت عنه [تاريخ بغداد (١٤/ ٧٩ - ط الغرب)]. قلت: هو حديث منكر؛ يقال فيه ما قيل في حديث أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، وعمرو بن عبيد بن باب، شيخ القدرية والمعتزلة: متروك، يكذب على الحسن. وإسماعيل بن مسلم المكي: ضعيف، قال أحمد: "منكر الحديث"، وعنده عجائب، يروي عن الثقات المناكير، وقد تركه ابن مهدي والقطان والنسائي وغيرهم [العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٣٥٢/ ٢٥٥٦)، ضعفاء العقيلي (١/ ٩٢)، الكامل (١/ ٢٨٣)، التهذيب (١/ ١٦٧)]. * وانظر فيمن كذب فيه على أيوب: فرواه من طريق أيوب السختياني، عن الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، عن أنس بن مالك، قال: ما زال النَّبِيّ ﷺ يقنت حتى مات [أخرجه أبو بكر الإسماعيلي في معجمه (٣/ ٧٧٦)، ومن طريقه: ابن الجوزي في التحقيق (٦٩٦)] [وهو حديث باطل؛ إسناده مجهول، قال ابن الجوزي: "وأما حديث السري: ففيه مجاهيل"، ووصف الذهببم إسناده في التنقيح (١/ ٢٢٩) بأنه ظلمات]. قال ابن رجب في الفتح (٩/ ١٩١): "وروي أيضًا ذلك عن أنس من وجوه كثيرة، لا يثبت منها شيء، وبعضها موضوعة". * ورواه عمر بن أيوب، عن قيس بن الربيع، عن أبي حَصين [عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي الكوفي: ثقة ثبت، من الرابعة]، قال: قلت لأنس بن مالك: أكان رسول الله ﷺ يترك القنوت؟ قال: والله! ما زال يقنت حتى لحق بالله. أخرجه الخطيب البغدادي في القنوت. ومن طريقه: ابن الجوزي في التحقيق (٦٩٣). قال ابن الجوزي: "وأما حديث أبي حصين: فيرويه قيس بن الربيع، قال يحيى: ليس بشيء، وقال أحمد: كان كثير الخطأ في الحديث، وروى أحاديث منكرة، ثم إن الراوي عنه: عمر بن أيوب، قال ابن حبان: لا يحل الاحتجاج به".

стр. 8512

وتعقبه ابن عبد الهادي فقال في التنقيح (٢/ ٤٤٨): "واعلم أن قول المؤلف في حديث قيس بن الربيع: ثم إن الراوي عنه عمر بن أيوب، قال ابن حبان: لا يحل الاحتجاج به؛ وهم، فإن ابن حبان إنما ضعف عمر بن أيوب المزني، وأما الراوي عن قيس فهو: الموصلي أبو حفص العبدي، وقد روى له مسلم في صحيحه، وروى عنه الإمام أحمد بن حنبل، وأثنى عليه، وقال يحيى بن معين: ثقة مأمون، وقال أبو داود: ثقة". قلت: لا يحتمل تفرد قيس به عن أبي حصين، وهذه الرواية وهم؛ فإن قيس بن الربيع: ليس بالقوي، ضعفه غير واحد، وابتلي بابنٍ له كان يدخل عليه ما ليس من حديثه فيحدث به [انظر: التهذيب (٣/ ٤٤٧)، الميزان (٣/ ٣٩٣)]، ثم هو غريب من حديث قيس، وحديث الجماعة عن أنس أولى بالصواب. * ورواه أحمد بن محمد بن غالب، قال: حَدَّثَنَا دينار بن عبد الله خادم أنس بن مالك، عن أنس، قال: ما زال رسول الله ﷺ يقنت في صلاة الصبح حتى مات. أخرجه الخطيب البغدادي في القنوت. ومن طريقه: ابن الجوزي في التحقيق (٦٩٥). قال ابن الجوزي: "وأما حديث دينار: فإيراد الخطيب له محتجًا به مع السكوت عن القدح فيه وقاحة عند علماء النقل، وعصبية بارزة، وقلة دين؛ لأنه يعلم أنه باطل، قال أبو حاتم بن حبان: دينار يروي عن أنس أشياء موضوعة، لا يحل ذكره في الكتب إِلَّا على سبيل القدح فيه، فوا عجبا للخطيب! أما سمع في الحديث الصحيح عن رسول اللّه ﷺ : "من حدث عني حديثًا يُرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين"، وهل مثله إِلَّا كمثل من أنفق بهرجًا ودلسه، فإن أكثر الناس لا يعرفون الكذب من الصحيح، فإذا أورد الحديثَ محدِّثٌ حافظ وقع في النفوس أنه ما احتج به إِلَّا وهو صحيح، ولكن عصبيته معروفة، ومن نظر من علماء النقل في كتابه الذي صنفه في القنوت، وكتابه الذي صنفه في الجهر، ومسألة الغيم، واحتجاجه بالأحاديث التي يعلم وهاءها؛ علم فرط عصبيته"، ثم أطال الكلام في نقده كتاب القنوت للخطيب. وقد تعقبه ابن عبد الهادي في سكوته عن أحمد بن محمد بن غالب، الراوي عن دينار، قال ابن عبد الهادي (٢/ ٤٤٩): "ويعرف بغلام خليل، وكان كذابًا، وقال أبو داود: أخشى أن يكون دجال بغداد، ولما مات لم يصل عليه أبو داود، وقال الدارقطني: متروك، وقال ابن عدي: هو بين الأمر في الضعفاء". وقال الذهبي في التنقيح (١/ ٢٣٠): "فابن غالب: كذاب، وشيخه عدم". قلت: هو حديث موضوع؛ دينار بن عبد الله، أبو مِكْيَس، زعم أنه خادم أنس بن مالك: قال ابن حبان: "شيخ كان يروي عن أنس بن مالك، روى عنه أحمد بن محمد بن غالب وغيره، روى عن أنس أشياء موضوعة، لا يحل ذكره في الكتب، ولا كتابة ما رواه إِلَّا على سبيل القدح فيه"، ثم ذكر له حديثين موضوعين، وقال ابن عدي: "منكر الحديث،

стр. 8513

ضعيف، ذاهب"، وقال أبو نعيم: "روى عن أنس نسخة مناكير كلها، لا شيء"، وقال الذهبي: "زعم أنه مولى لأنس بن مالك، وأنه سمع منه، … وهو ساقط متروك باتفاق" [المجروحين (١/ ٢٩٥)، الكامل (٣/ ١٠٩)، ضعفاء أبي نعيم (٦٥)، تاريخ بغداد (٩/ ٣٥٩ - ط الغرب)، تاريخ الإسلام (٥/ ٥٦٩ - ط الغرب)، اللسان (٣/ ٤٢٦)]. وأحمد بن محمد بن غالب، غلام خليل: كذاب، يضع الحديث [الجرح والتعديل (٢/ ٧٣)، المجروحين (١/ ١٥٠)، الكامل (١/ ١٩٥)، ضعفاء الدارقطني (٥٨)، سؤالات الحاكم (١٥)، سؤالات السلمي (٦٤)، ضعفاء أبي نعيم (٣٠)، تاريخ بغداد (٦/ ٢٤٥ - ط الغرب)، تاريخ الإسلام (٦/ ٤٩٦ - ط الغرب)، اللسان (١/ ٦١٧)، الثقات لابن قطلوبغا (٢/ ٦٧)]. * قلت: حديث أنس هذا هو أقوى حجة للقائلين بالقنوت في الفجر على الدوام بغير سبب يهيجه، لذا فقد قال البيهقيّ في الخلافيات (٣/ ١٣) عقيب حديث قتادة عن أنس في النص على ترك القنوت في الفجر بعدما قنت شهرًا يدعو على أحياء من العرب، قال: "هذا حديث لا شك في صحته، إِلَّا أنه ﷺ ترك الدعاء عليهم واللعن، ولم يترك القنوت أصلًا، أو تركه في سائر الصلوات دون الصبح؛ بدليل ما روينا عن أنس في إخباره عن دوام فعله ﷺ ذلك إلى أن فارق الدنيا، وروينا عن الخلفاء الراشدين، ثم عن أبي هريرة والبراء بن عازب؛ أنهم قنتوا في صلاة الصبح، ولو كان متروكًا لما بقوا". وقال ابن جرير الطبري: " قالوا: فالقنوت في صلاة الصبح لم يزل من عمل النَّبِيّ ﷺ حتى فارق الدنيا، قالوا: والذي روي عن النَّبِيّ ﷺ أنه قنت شهرًا ثم تركه، إنما كان قنوته على من روي عنه أنه دعا عليه من قتلة أصحاب بئر معونة، من رعل وذكوان وعصية وأشباههم، فإنه قنت يدعو عليهم في كل صلاة، ثم ترك القنوت عليهم، فأما في الفجر، فإنه لم يتركه حتى فارق الدنيا، كما روى أنس بن مالك عنه ﷺ في ذلك". وقد أخذ ابن جرير الطبري بحديث أنس هذا، وصححه [مسند ابن عباس من تهذيب الآثار (١/ ٣٨٥ و ٣٨٧)]. فيقال: ثبت العرش ثم انقش؛ أما حديث أنس هذا: فهو حديث منكر، كما سبق بيانه، وهو مخالف لما ثبت عن جماعة الحفاظ من أصحاب أنس عنه، وعلى فرض صحته فهو محمول على النوازل أيضًا، وما ثبت عن الخلفاء الراشدين في ذلك فإنما كان في قنوت النوازل، وقد دللت على ذلك في إثر الآثار الواردة عن عمر، وأما قنوت أبي هريرة والبراء بن عازب، فهو محمول أيضًا على أنهما كانا يقنتان في النوازل يعلمان الناس القنوت، والسنة فيه، لكثرة الفتن في زمانهم، والله أعلم. * وروي أيضًا من حديث ابن عباس: رواه محمد بن مصبح بن هلقام البزاز: حَدَّثَنَا أبي: ثنا قيس، عن أبان بن تغلب [ثقة]، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ما زال رسول الله ﷺ يقنت حتى فارق الدنيا.

стр. 8514

أخرجه الدارقطني (٢/ ٤١). [الإتحاف (٧/ ١١٧/ ٧٤٣٧)]. قلت: هو حديث منكر؛ قيس بن الربيع: ليس بالقوي، ضعفه غير واحد، وابتلي بابنٍ له كان يدخل عليه ما ليس من حديثه فيحدث به [انظر: التهذيب (٣/ ٤٤٧)، الميزان (٣/ ٣٩٣)]. ومحمد بن مصبح بن هلقام البزاز، وأبوه: لا يُعرفان [الميزان (٤/ ١١٨)، اللسان (٧/ ٥٠٩) و (٨/ ٧٣)]. قال الدارقطني: "خالفه إبراهيم بن أبي حرة، عن سعيد". * رواه شبابة بن سوار [ثقة حافظ]: ثنا عبد الله بن ميسرة أبو ليلى، عن إبراهيم بن أبي حرة [ثقة. الجرح والتعديل (٢/ ٩٦)، اللسان (١/ ٢٦٢)]، عن سعيد بن جبير، قال: أشهد أني سمعت ابن عباس، يقول: إن القنوت في صلاة الصبح بدعة. أخرجه الدارقطني (٢/ ٤١)، ومن طريقه: البيهقيّ في السنن (٢/ ٢١٤)، وفي الخلافيات (٣/ ١٨/ ٢٠١٩). [الإتحاف (٧/ ١١٥/ ٧٤٣٤)]. قال البيهقيّ في السنن: "لا يصح، وأبو ليلى الكوفي: متروك، وقد روينا عن ابن عباس؛ أنه قنت في صلاة الصبح". وقال في الخلافيات: "هذا لا يثبت، وعبد اللّه بن ميسرة هذا يقال له: أبو ليلى، ويقال: أبو إسحاق الكوفي، ويقال: أبو عبد الجليل، وهو ضعيف جدًا، لا يحل الاحتجاج به. قلت: وهذا حديث منكر؛ تفرد به: أبو ليلى عبد الله بن ميسرة: ضعفه ابن معين وأحمد وأبو داود والنسائي وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو أحمد الحاكم والدارقطني، وقال البيهقيّ: "متروك"، وقال مرة: "ضعيف جدًا"، وقال ابن عدي: "عامة ما يرويه لا يتابع عليه"؛ فقد اتفقوا على تضعيفه [السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢١٤)، الخلافيات (٣/ ١٨/ ٢٠٢٠)، اللسان (٩/ ١٥١)، التهذيب (٢/ ٤٤١)]. * وروى الحسن بن زريق الطهوي، قال: حَدَّثَنَا يعلى بن عبيد [ثقة]، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، قال: صلى ابن عباس -يعني: الفجر- فلم يقنت. أخرجه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ٣٨٠/ ٦٨٦ - مسند ابن عباس). قلت: لا يثبت هذا من حديث الأعمش، ولا من حديث يعلى بن عبيد، فإن الحسن بن زريق الطهوي: كوفي، روى عن ابن عيينة حديثًا صحيح المتن مقلوب الإسناد، تفرد به، وأنكره عليه جماعة، وضُعِّف بسببه، قال فيه ابن حبان: "والمتن صحيح، والإسناد مقلوب"، وقال ابن عدي بعد أن أنكره عليه: "وبقية أحاديثه مستقيمة"، فلم ينكر عليه غيره، لذا قال فيه الذهبي: "محله الصدق" [المجروحين (١/ ٢٤٠)، الكامل (٢/ ٣٣٨)، تاريخ الإسلام (١٨/ ٢٢٦)، اللسان (٣/ ٤٦)].

стр. 8515

قلت: فمثله لا يحتمل تفرده بهذا، إنما يُعرف هذا من قول سعيد بن جبير. * فقد روى عبد الصمد بن عبد الوارث، وأبو داود الطيالسي: حَدَّثَنَا شعبة، عن أبي بشر [جعفر بن أبي وحشية: ثقة، من أثبت الناس في سعيد بن جبير]، قال: سألت سعيد بن جبير عن القنوت، فقال: بدعة. وقال مرة: ما أعلمه. أخرجه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ٦٩٢ و ٦٩٣ - مسند ابن عباس). * تابع شعبة عليه: هشيم بن بشير، قال: أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير؛ أنه كان لا يقنت في صلاة الصبح. أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٠٣/ ٦٩٨٥ و ٦٩٩٦). وهذا مقطوع على سعيد بن جبير قوله وفعله، بإسناد غاية في الصحة. * وروى وكيع بن الجراح، قال: حَدَّثَنَا مسعر، عن عمرو بن مرة، قال: صلَّيت خلف سعيدبن جبير الفجر فلم يقنت. أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٠٣ / ٦٩٨٩). وهذا مقطوع على سعيد بن جبير فعله، بإسناد صحيح. وانظر أيضًا: ما أخرجه ابن أبى شيبة (٢/ ١٠٣ / ٦٩٨٩). * وقد ثبت عن ابن عباس أنه لم يكن يقنت: * وروى سليمان التيمي [وعنه: يزيد بن هارون]، وقتادة [وعنه: سعيد بن أبي عروبة]: عن أبي مجلز، قال: قلت لابن عمر وابن عباس: الكبر يمنعكما من القنوت؟ قالا: لم نأخذه عن أصحابنا. لفظ التيمي. ولفظ قتادة: صليت مع ابن عباس الصبح فلم يقنت. أخرجه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ٦٨٢ و ٦٨٩ و ٦٩٠ - مسند ابن عباس). وهذا صحيح عن ابن عباس، موقوفًا عليه. * وروى شعبة، وهشيم، وأبو بكر بن عياش: عن حصين، عن عمران بن الحارث، قال: صليت خلف ابن عباس [مرارًا] الصبح فلم يقنت [قبل الركوع ولا بعده]. أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٠٢/ ٦٩٧٦)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ٣٨١/ ٦٨٧ و ٦٨٨ - مسند ابن عباس)، والطحاوي (١/ ٢٠٢). وهذا موقوف على ابن عباس بإسناد صحيح. * وروى عبد الله بن رجاء [الغداني: ثقة، معروف بالرواية عن زائدة]، وحسين بن علي [الجعفي، وهو: ثقة، أروى الناس عن زائدة]:

стр. 8516

عن زائدة بن قدامة [ثقة حجة]، عن منصور بن المعتمر [ثقة ثبت]، قال: ثني مجاهد، وسعيد بن جبير؛ أن ابن عباس ﵄ كان لا يقنت في صلاة الفجر. ووقع في رواية عبد اللّه بن رجاء: ثنا مجاهد، أو سعيد بن جبير، على الشك. أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٠٣/ ٦٩٩٥) (٤/ ٥٣٤/ ٧١٧٧ - ط الشثري)، والطحاوي (١/ ٢٥٢). وهذا موقوف على ابن عباس بإسناد صحيح. * وقد روي عن ابن عباس في عدم قنوته في الصبح، من وجهين آخرين في كل منهما مبهم [أخرجه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ٦٧٧ و ٦٧٨ - مسند ابن عباس)]. * وقد ثبت القنوت أيضًا عن ابن عباس في وقائع [انظر مثلًا: ما أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٠٤/ ٧٠٠٤ و ٧٠٠٥) و (٢/ ١٠٥/ ٧٠١٣ و ٧٠١٤) و (٢/ ١٠٧/ ٧٠٤٣ و ٧٠٤٤) (٤/ ٥٣٦/ ٧١٨٦ و ٧١٨٧ - ط الشثري) و (٥٣٨/ ٤/ ٧١٩٥ و ٧١٩٦ - ط الشثري) و (٥/ ٥/ ٧٢٢٥ و ٧٢٢٦ - ط الشثري)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٢١٣/ ٢٧٣٢)]. * قلت: والحاصل من هذا: أنه قد ثبت عن ابن عباس أنه قنت في صلاة الفجر، وثبت عنه أيضًا أنه لم يكن يقنت في الفجر، ويمكن حمل هذا الاختلاف عن ابن عباس على ما تقدم من توجيه الاختلاف عن عمر في هذا الباب، حيث إن ابن عباس كان أميرًا على البصرة، زمن خلافة علي بن أبي طالب، ومن ثم فإنه كان يقنت في الفجر عند النوازل، فإن لم يكن ثمة نازلة لم يقنت، فمن حضر قنوته نقله عنه، ومن حضر عدم القنوت نقله عنه، ويكون النقل في هذا عن ابن عباس؛ كالنقل عن غيره من الصحابة: من عدم لزوم القنوت في صلاة الفجر على الدوام، مما يدل على صحة قول طارق بن أشيم ببدعية لزوم القنوت في صلاة الفجر على الدوام من غير سبب يهيجه ويدعو إليه؛ من النوازل التي تصيب المسلمين، وهو المتفق مع نفي ابن عمر للقنوت في صلاة الفجر، واللّه أعلم. * وروي أيضًا من حديث أبي هريرة: * فقد روى ابن أبي فديك، عن عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: كان رسول اللّه ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع من صلاة الصبح في الركعة الثانية، يرفع يديه فيها، فيدعو بهذا الدعاء: "اللَّهُمَّ اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت". أخرجه الحاكم في القنوت (١/ ٢٤٠ - التنقيح للذهبي) (١/ ٢٦٥ - زاد المعاد) (٢/ ١٥٢ - نتائج الأفكار). قلت: هو حديث منكر؛ تفرد به: عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري، وهو: متروك، منكر الحديث.

стр. 8517

* وقد روي في مقابل هذا الإثبات المطلق: النفي المطلق: ١ - فقد روى إبراهيم بن بشار الرمادي، وإسحاق بن بهلول، وعمر بن حفص بن صبيح الشيباني، وحاتم بن بكر الضبي، وأحمد بن الخليل البُرْجُلاني، والحسين بن علي بن يزيد الصدائي [وهم صدوقون]: نا محمد بن يعلى [زنبور] السلمي، عن عنبسة بن عبد الرحمن القرشي، عن عبد اللّه بن نافع، عن أبيه، عن أم سلمة، قالت: نهى رسول الله ﷺ عن القنوت في الفجر. أخرجه ابن ماجة (١٢٤٢)، والعقيلي في الضعفاء (٣٦٧/ ٣) (٣/ ٢٥١/ ١٣٥٥ - ط التأصيل) [وسقط من إسناده: عبد الله بن نافع]. والطبراني في الكبير (٢٣/ ٢٩١/ ٦٤٣)، وفي الأوسط (٣/ ١٠٢/ ٢٦٢٢) و (٦/ ٩٨/ ٥٩١٦) [وقال في الموضع الثاني: في صلاة العتمة، بدل: الصبح، وهو غلط]. وأبو بكر الجصاص في شرح مختصر الطحاوي (١/ ٦٧٤)، والدارقطني (٢/ ٣٨)، وابن شاهين في الناسخ (٢٢١)، والبيهقي في السنن (٢/ ٢١٤)، وفي الخلافيات (٣/ ١٦/ ٢٠١٥)، والحازمي في الاعتبار (١/ ٣٦٩/ ١١٦)، وابن الجوزي في التحقيق (٦٨٦)، وفي العلل المتناهية (١/ ٤٤١/ ٧٥٤). [التحفة (١٢/ ١٢٥/ ١٩ ١٨٢)، الإتحاف (١٨/ ١٦٩/ ٢٣٥٠٦)، المسند المصنف (٤٠/ ٣١٦/ ١٩٢٦٥)]. قال الطَّبراني: "لا يروى هذا الحديث عن أم سلمة إِلَّا بهذا الإسناد، تفرد به: محمد بن يعلى زنبور". وقال الدارقطني: "محمد بن يعلى، وعنبسة، وعبد الله بن نافع: كلهم ضعفاء، ولا يصح لنافع سماع من أم سلمة". وقال ابن شاهين: "وهذا حديث غريب؛ لا أعلم حدث به إِلَّا عنبسة، ولا يحدث به عن عنبسة إِلَّا محمد بن يعلى زنبور، وقد حدث إبراهيم بن بشار الرمادي عن محمد بن يعلى زنبور". وقال الحاكم: "هذا حديث باطل من أوجه؛ منها: أن محمد بن يعلى وعنبسة وعبد اللّه بن نافع: غير محتج بحديث واحد منهم، ومنها: أن نافعًا لم يسمع من أم سلمة، وقد صحت الرواية: أن رسول اللّه ﷺ قنت في صلاة الصبح". وأورده النووي في قسم الضعيف من الخلاصة (١٤٨٦)، وقال: "شديد الضعف". قلت: هو حديث باطل؛ عبد اللّه بن نافع العدوي مولاهم، المدني: منكر الحديث [التهذيب (٢/ ٤٤٤)]. وعنبسة بن عبد الرحمن الأموي: متروك، منكر الحديث، قال أبو حاتم: "كان يضع الحديث"، واتهمه أيضًا: الأزدي وابن حبان [التهذيب (٣/ ٣٣٣)]. ومحمد بن يعلى السلمي؛ الملقب زنبور: جهمي، متروك، ذاهب الحديث [التهذيب (٣/ ٧٣٨)، الميزان (٤/ ٧٠)].

стр. 8518

* وروى خالد بن الهياج، عن أبيه الهياج، عن عنبسة، عن ابن نافع، عن أبيه، عن صفية بنت أبي عبيد، عن النَّبِيّ ﷺ بهذا. أخرجه الدارقطني (٢/ ٣٨)، ومن طريقه: البيهقيّ في الخلافيات (٣/ ١٧/ ٢٠١٦). [الإتحاف (١٨/ ١٦٩/ ٢٣٥٠٦)، المسند المصنف (٤٠/ ٣١٦/ ١٩٢٦٥)]. قال الدارقطني: "وصفية لم تدرك النَّبِيّ ﷺ ". قلت: هو حديث باطل؛ يقال فيه ما قيل في سابقه، ويزاد عليه: أن الهياج بن بسطام: ضعيف، تركه جماعة، روى عنه ابنه خالد مناكير كثيرة [التهذيب (٤/ ٢٩٣)]، وخالد بن الهياج: قبل: متماسك، وقيل: كل ما أنكر على الهياج فمن جهة ابنه خالد هذا [اللسان (٣/ ٣٤٣)، التهذيب (٤/ ٢٩٣)]. ٢ - وروى محمد بن جابر، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، عن عبد اللّه بن مسعود، قال: ما قنت رسول الله في شيء من صلواته. وفي رواية أتم: ما قنت رسول الله ﷺ في شيء من الصلوات إِلَّا في الوتر، وإنه كان إذا حارب يقنت في الصلوات ﷺ يدعو على المشركين. وما قنت أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، حتى ماتوا، ولا قنت علي، حتى حارب أهل الشام، وكان يقنت في الصلوات كلهن، وكان معاوية يدعو عليه أيضًا، يدعو كل واحد منهما على الآخر. أخرجه العقيلي في الضعفاء (٤/ ٤٢)، والطبراني في الأوسط (٧/ ٢٧٤/ ٧٤٨٣)، والييهقي في السنن (٢/ ٢١٣)، وفي الخلافيات (٣/ ١٧/ ٢٠١٨)، وابن الجوزي في التحقيق (٦٨٥). قال العقيلي: "لا يتابع عليه، ولا عبى عامة حديثه"، يعني: محمد بن جابر. وقال الطَّبراني: "لم يرو هذا الحديث عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، عن عبد الله؛ إِلَّا محمد بن جابر، ورواه الحسن بن الحر، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر". وقال الحاكم: "هذا حديث ينفرد به محمد بن جابر السحيمي بهذا اللفظ، ومحمد بن جابر: متروك الحديث بمرة. وقد صح عن ابن مسعود ﵁ خلاف هذا، وهو أنه روي عنه أن رسول الله ﷺ قنت شهرًا يدعو على الكُفُر، [الخلافيات (٢٠١٨)]. قلت: هو حديث باطل؛ محمد بن جابر بن سيار السحيمي اليمامي: ضعيف؛ وكان قد ذهبت كتبه في آخر عمره، وعمي، وساء حفظه، وكان يُلقَّن، ويُلحَق في كتابه، فخالف الثقات كثيرًا بسبب ذلك، ووقع في حديثه المناكير [انظر: التهذيب (٣/ ١٥٢٧)، الميزان (٣/ ٤٩٦]، [راجع ترجمته تحت الحديث رقم (٧٤٩)].

стр. 8519

* ورواه أيضًا: عن إبراهيم النخعي، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبي ﷺ : … الحديث. أبو حمزة ميمون الأعور القصاب الكوفي الراعي، وهو: ضعيف، يروي عن إبراهيم النخعي ما لا يتابع عليه، قال ابن عدي: "وأحاديثه التي يرويها خاصة عن إبراهيم مما لا يتابع عليها". وهو حديث منكر، تقدم ذكره في الشواهد برقم (٧). * وروى محمود بن خالد السلمي [ثقة، والراوي عنه: يحيى بن عبد الرحمن بن عبد الصمد بن شعيب بن إسحاق الدمشقي، وهو: متهم. الكامل (٤/ ٣٢٠)، تاريخ دمشق (٦٤/ ٣١١)، تاريخ الإسلام (٦/ ٨٤٩ - ط الغرب)، الميزان (٢/ ٥٧٧)، اللسان (٨/ ٤٥٨)]، وأبو همام الوليد بن شجاع [ثقة]: ثنا عمر بن عبد الواحد [السلمي، أبو حفص الدمشقي: ثقة]: ثنا ابن ثوبان، عن الحسن بن الحر [ثقة، كوفي، نزل دمشق]، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر، قال: ما قنت رسول الله ﷺ إِلَّا أن يستنصر. هكذا رواه محمود بن خالد متصلًا، والراوي عنه متهم. ولفظ أبي همام [عند ابن الجوزي]: عن عمر بن الخطاب أنه لم يكن يقنت إِلَّا أن يستنصر؛ قال: ولا رسول الله ﷺ ، ولا أبو بكر. وهذا السياق أقرب للصواب، فيكون من مرسل الأسود. أخرجه الطَّبراني في مسند الشاميين (١/ ١٦٩/١١٢)، ومن طريقه: ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٤/ ٣١٢)، وابن الجوزي في التحقيق (٦٨١) [وفي سنده سقط]. وهذا حديث منكر؛ تفرد به: عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، وهو: صدوق يخطئ، وتغير بأخرة، وأنكروا عليه أحاديث [انظر: التهذيب (٢/ ٤٩٤)، الميزان (٢/ ٥٥١)]. * والمعروف في هذا: ما رواه شعبة، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن الأسود، قال: صليت مع عمر ﵁ في السفر وفي الحضر ما لا أحصي، فكان لا يقنت، يعني: في الصبح. وفي رواية: صليت خلف عمر في السفر والحضر ما لا أحصي، فلم نسمعه يقنت في صلاة الغداة. * ورواه حماد بن سلمة، قال: أخبرنا حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: صليت خلف عمر ﵁ سنتين، فلم يقنت في الصبح. * ورواه معمر بن راشد، عن حماد، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة، والأسود، أنهما قالا: صلى بنا عمر بن الخطاب رضوان اللّه عليه زمانًا لم يقنت. * ورواه مسعر، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة، والأسود؛ أنهما أقاما عند عمر رضوان الله عليه سنتين، أو حولين، يصليان معه صلاة الصبح، لا يقنت فيهما.

стр. 8520

وقد رواه أيضًا: جمع من الثقات عن إبراهيم فلم يرفعوه، ولم يذكروا هذه اللفظة: إِلَّا أن يستنصر: رواه منصور بن المعتمر، والأعمش، والحسن بن عبيد الله: عن إبراهيم، عن الأسود بن يزيد، [ومنهم من زاد: وعمرو بن ميمون]؛ أن عمر ﵁ كان لا يقنت في الصبح. وفي رواية: صلينا خلف عمر الفجر فلم يقنت. وهذه آثار صحاح عن عمر، تقدم تخريجها فيما نقل عن عمر في قنوت الفجر. * وروى حماد بن أبي سليمان [وعنه: محمد بن أبان بن صالح]، ومجالد [وعنه: ابنه إسماعيل بن مجالد]: عن إبراهيم، عن علقمة والأسود؛ أنهما قالا: لم يقنت رسول الله ﷺ حتى مات في صلاة الغداة حتى إذا حارب المشركين فإنه كان يقنت في الصلوات كلها يدعو عليهم، ولم يقنت أبو بكر ولا عمر ولا عثمان حتى ماتوا، ولا علي حتى حارب أهل الشام فكان يقنت في الصلوات كلها، وكان يدعو عليهم، وكان معاوية يدعو عليهم. أخرجه محمد بن الحسن الشيباني في الحجة (١/ ١٠٤)، وعبد الرزاق (٣/ ١٠٧ / ٤٩٥٣ م) (٣/ ٣٨١ / ٥٠٩٣ - ط التأصيل). وهذا منكر أيضًا مع إرساله، فإنه لا يثبت عن إبراهيم بن يزيد النخعي، مجالد بن سعيد: ليس بالقوي، والأكثر على تضعيفه، وابنه: إسماعيل بن مجالد الكوفي: صدوق يخطئئ وبعضهم ضعفه أو لينه [التقريب (٨٢)، التهذيب (١/ ١٦٥)]. ولا يثبت من حديث حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم؛ إذ الراوي عنه: محمد بن أبان بن صالح القرشي الجعفي الكوفي، وهو: ضعيف [انظر: اللسان (٦/ ٤٨٨)]، والراوي عنه: محمد بن الحسن الشيباني، وهو: ضعيف أيضًا، كذبه ابن معين [انظر اللسان (٧/ ٦٠)]. * وقد ثبت عن ابن مسعود أنه كان لا يقنت في صلاة الصبح: * فقد روى المسعودي [صدوق، وعنه: أبو نعيم الفضل بن دكين، وأبو داود الطيالسي، وأبو معاوية محمد بن خازم، وعبد الله بن رجاء الغداني البصري، ومحمد بن الحسن الشيباني، وفيهم من سمع من المسعودي قبل الاختلاط، مثل أبي نعيم وعبد اللّه بن رجاء. الشذا الفياح (٢/ ٧٥٩)، الكواكب النيرات (٣٥)]، وليث بن أبي سليم أضعيف؛ لاختلاطه وعدم تميز حديثه]: عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، قال: كان عبد اللّه بن مسعود لا يقنت في شيء من الصلوات، إِلَّا في الوتر قبل الركوع. أخرجه محمد بن الحسن في الحجة على أهل المدينة (١/ ٢٠١)، وابن أبي شيبة (٢/ ٩٦/ ٦٩٠٣ و ٦٩٠٤) (٤/ ٥١٤/ ٧٠٨٢ و ٧٠٨٣ - ط الشثري)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ٣٧٥/ ٦٦٦ - مسند ابن عباس)، والطحاوي في شرح المعاني

стр. 8521

(١/ ٢٥٣)، وفي المشكل (١١/ ٣٦٦)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٣٨/ ٩١٦٥). [الإتحاف (١٠/ ١٣٩/ ١٢٤٢٨)]. * ورواه عبد الواحد بن زياد، وأبو نعيم الفضل بن دكين: قالا: حَدَّثَنَا أبو عميس [عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد اللّه بن مسعود: كوفي، ثقة]، قال: حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، أن ابن مسعود لم يقنت في صلاة الصبح. وفي رواية: كان عبد اللّه لا يقنت في صلاة الغداة، وإذا قنت في الوتر قنت قبل الركعة. أخرجه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٦٧٣/ ٣٧٧/١ - مسند ابن عباس)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٣٨/ ٩١٦٦) و (٩/ ٢٨٤/ ٩٤٣٠). وهذا موقوف على ابن مسعود بإسناد صحيح. [راجع ما تقدم فىِ ذكر الآثار المروية في ذلك تحت الحديث رقم ١٤٢٩١)، وانظر أيضًا: ما أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١١٠/ ٤٩٦٧)، والطحاوى (١/ ٢٥٣)]. * والحاصل مما صح في الباب: أن النَّبِيّ ﷺ إنما قنت في ثلاث وقائع: مرة بعد غزوة أحد حين دعا على المشركين، فأنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾، فترك القنوت [كما في حديث ابن عمر]. وقنت مرة أخرى بعدها في واقعة بئر معونة سنة أربع من الهجرة، قنت شهرًا يدعو على أحياء من بني سليم، رعل وذكوان ولحيان وعصية، ثم ترك القنوت بعدها أيضًا [كما في حديث أنس، وحديث أبي هريرة]. وقنت مرة ثالثة بعدها في شأن المستضعفين من المؤمنين بمكة [كما في حديث أبي هريرة]. ولم يثبت أن النَّبِيّ ﷺ داوم على القنوت مطلقًا حتى فارق الدنيا، ولا أنه خصه بصلاة الفجر دون غيرها من الصلوات. * والضابط في هذه المسألة: ما رواه إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب الزُّهري، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يدعو على أحد، أو يدعو لأحد، قنت بعد الركوع. [عند البخاري (٤٥٦٠)]. وقد سئل بعض الصحابة عن قنوت الفجر، فأنكره، وحكم عليه بالبدعة، كما في حديث سعد بن طارق أبي مالك الأشجعي، قال: قلت لأبي: يا أبت، إنك قد صليتَ خلف رسول الله ﷺ ، وخلف أبي بكر، وخلف عمر، وخلف عثمان، وخلف علي ﵃، هاهنا بالكوفة، قريبًا من خمس سنين، أفكانوا يقنتون في الفجر؟ فقال: أي بني، محدث.

стр. 8522

وروى قتادة، عن أبي مجلز، قال: صليت مع ابن عمر الصبح فلم يقنت، قلت: ما يمنعك من القنوت؛ قال: لا أحفظه عن أحد. كما روى إبراهيم، عن أبي الشعثاء، قال: سألت ابن عمر عن القنوت في الفجر، فقال: ما شعرت أن أحدًا يفعله. وهذا محمول على إنكار القنوت في الفجر خاصة مع استدامته بغير سبب. وأما ما ثبت عن عمر وغيره من الصحابة، فهو محمول على قنوت النوازل في قتال الكفار ونحوه، ولم يكن في الفجر على الدوام، فقد قنت عمر وترك، وقنت ابن عباس وترك، كما بيناه سألفًا في موضعه. * قال الأثرم في الناسخ (٩٩): "فهذه الأحاديث مختلفة، وأثبتها ما روى قتادة والتيمي وعاصم عن أنس؛ أنه إنما قنت شهرًا، ثم تركه. فأما حديث أنس الآخر: أنه ثم يزد يقنت حتى مات؛ فإنه حديت ضعيف، مخالف للأحاديث. وأما حديث أبي مالك عن أبيه؛ فإنه أنكر القنوت، لأنه لم يشهده، وشهده غيره، وذلك لأن النَّبِيّ ﷺ إنما كان يقنت إذا دعى لقوم، أو دعى على قوم، ولم يكن يديمه، وكذلك فعلت الأئمة بعده: قنت أبو بكر الصديق على أهل الردة، وعمر على أهل فارس، وعلي حين حارب، ولم يكونوا يفعلونه دائمًا". وقال شيخ الإسلام في فتاويه: "وأما أنه كان يدعو في الفجر دائمًا في الركوع أو بعده بدعاء يسمع منه أو لا يسمع: فهذا باطل قطعًا، وكل من تأمل الأحاديث الصحيحة علم هذا بالضرورة، وعلم أن هذا لو كان واقعًا لنقله الصحابة والتابعون، ولما أهملوا قنوته الراتب المشروع لنا؛ مع أنهم نقلوا قنوته الذي لا يشرع بعينه، وإنما يشرع نظيره؛ فإن دعاءه لأولئك المعينين وعلى أولئك المعينين ليس بمشروع باتفاق المسلمين؛ بل إنما يشرع نظيره، فيشرع أن يقنت عند النوازل يدعو للمؤمنين ويدعو على الكفار في الفجر وفي غيرها من الصلوات" [مجموع الفتاوى (٢٢/ ٢٧٠)]. وقال أيضًا: "وأما القنوت: فأمره بيِّنٌ، لا شبهة فيه عند التأمل التام؛ فإنه قد ثبت في الصحاح: عن النَّبِيّ ﷺ أنه قنت في الفجر مرة يدعو على رعل وذكوان وعصية ثم تركه، ولم يكن تركه نسخًا له؛ لأنه ثبت عنه في الصحاح أنه قنت بعد ذلك يدعو للمسلمين: مثل الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، والمستضعفين من المؤمنين، ويدعو على مضر، وثبت عنه أنه قنت أيضًا في المغرب والعشاء، وسائر الصلوات، قنوت استنصار. فهذا في الجملة منقول ثابت عنه؛ لكن اعتقد بعض العلماء من الكوفيين أنه تركه ترك نسخ، فاعتقد أن القنوت منسوخ، واعتقد بعضهم من المكيين أنه ما زال يقنت في الفجر القنوت المتنازع فيه حتى فارق الدنيا، والذي عليه أهل المعرفة بالحديث: أنه قنت لسبب وتركه لزوال السبب.

стр. 8523

فالقنوت من السنن العوارض لا الرواتب؛ لأنه ثبت أنه تركه لما زال العارض، ثم عاد إليه مرة أخرى، ثم تركه لما زال العارض"، إلى أن قال: "ومن المعلوم قطعًا أن الرسول ﷺ لو كان كل يوم يقنت قنوتًا يجهر به لكان له فيه دعاء ينقله بعض الصحابة، … ، وهذا مما يعلم باليقين القطعي، … ، فإنه من الممتنع أن يكون الصحابة كلهم أهملوا نقل ذلك؛ فإنه مما يعلم بطلانه قطعًا: [مجموع الفتاوى (٢٢/ ٣٧٢)]. وقال أيضًا: "وليس أيضًا قوله في حديث أنس المتفق عليه: أن رسول اللّه ﷺ قنت شهرًا بعد الركوع يدعو على أحياء من أحياء العرب ثم تركه، أنه ترك الدعاء فقط؛ كما يظنه من ظن أن النَّبِيّ ﷺ كان مداومًا على القنوت في الفجر بعد الركوع أو قبله، بل ثبت في أحاديث أنس التي في الصحيحين: أنه لم يقنت بعد الركوع إِلَّا شهرًا، وغير ذلك مما يبين أن المتروك كان القنوت، … ، ومن تامل الأحاديث علم علمًا يقينًا أن النَّبِيّ ﷺ لم يداوم على القنوت في شيء من الصلوات لا الفجر ولا غيرها؛ ولهذا لم ينقل هذا أحد من الصحابة؛ بل أنكروه، ولم ينقل أحد عن النَّبِيّ ﷺ حرفًا واحدًا مما يظن أنه كان يدعو به في القنوت الراتب، وإنّما المنقول عنه ما يدعو به في العارض: كالدعاء لقوم وعلى قوم، فأما ما يدعو به من يستحب المداومة على قنوت الفجر من قول: [اللَّهُمَّ اهدنا فيمن هديت، فهذا إنما في السنن: أنه علمه للحسن يدعو به في قنوت الوتر [وقد سبق بيان عدم ثبوته في قنوت الوتر]، ثم من العجب: أنه لا يستحب المداومة عليه في الوتر الذي هو من متن الحديث، ويداوم عليه في الفجر، ولم ينقل عن النَّبِيّ ﷺ أنه قاله في الفجر، ومن المعلوم باليقين الضروري أن القنوت لو كان مما داوم عليه لم يكن هذا مما يهمل، ولتوفرت دواعي الصحابة ثم التابعين على نقله؛ فإنهم لم يهملوا شيئًا من أمر الصلاة التي كان يداوم عليها إِلَّا نقلوه؛ بل نقلوا ما لم يكن يداوم عليه: كالدعاء في القنوت لمعين وعلى معين، وغير ذلك" [مجموع الفتاوى (٢١/ ١٥٣)]. وقال أيضًا في الفتاوى الكبرى (٢/ ٢٤٨): "أن النَّبِيّ قنت لسبب نزل به ثم تركه عند عدم ذلك السبب النازل به، فيكون القنوت مسنونًا عند النوازل، وهذا القول هو الذي عليه فقهاء أهل الحديث، وهو المأثور عن الخلفاء الراشدين ﵃. فإن عمر ﵁: لما حارب النصارى قنت عليهم القنوت المشهور: اللهُمَّ عذب كفرة أهل الكتاب، إلى آخره. وهو الذي جعله بعض الناس سنة في قنوت رمضان، وليس هذا القنوت سنة راتبة، لا في رمضان ولا غيره، بل عمر قنت لما نزل بالمسلمين من النازلة، ودعا في قنوته دعاء يناسب تلك النازلة، كما أن النَّبِيّ ﷺ لما قنت أولًا على قبائل بني سليم الذين قتلوا القراء، دعا عليهم بالذي يناسب مقصوده، ثم لما قنت يدعو للمستضعفين من أصحابه دعا بدعاء يناسب مقصوده، فسنة رسول اللّه ﷺ وخلفائه الراشدين تدل على شيئين: أحدهما: أن دعاء القنوت مشروع عند السبب الذي يقتضيه، ليس بسنة دائمة في الصلاة.

стр. 8524

الثاني: أن الدعاء فيه ليس دعاءً راتبًا، بل يدعو في كل قنوت بالذي يناسبه، كما دعا النَّبِيّ ﷺ أولًا وثانيًا، وكما دعا عمر وعلي ﵁ لما حارب من حاربه في الفتنة، فقنت ودعا بدعاء يناسب مقصوده، وألذي يبين هذا أنه لو كان النَّبِيّ ﷺ يقنت دائمًا، ويدعو بدعاء راتب، لكان المسلمون ينقلون هذا عن نبيهم، فإن هذا من الأمور التي تتوفر الهمم والدواعي على نقلها، وهم الذين نقلوا عنه في قنوته ما لم يداوم عليه، وليس بسنة راتبة، كدعائه على الذين قتلوا أصحابه، ودعائه للمستضعفين من أصحابه، ونقلوا قنوت عمر وعلي على من كانوا يحاربونهم. فكيف يكون النَّبِيّ ﷺ يقنت دائمًا في الفجر أو غيرها، ويدعو بدعاء راتب، ولم ينقل هذا عن النَّبِيّ ﷺ لا في خبر صحيح، ولا ضعيف؟، بل أصحاب النَّبِيّ ﷺ الذين هم أعلم الناس بسنته، وأرغب الناس في اتباعها، كابن عمر وغيره أنكروا، حتى قال ابن عمر: ما رأينا ولا سمعنا، وفي رواية: أرأيتكم قيامكم هذا: تدعون، ما رأينا ولا سمعنا، أفيقول مسلم: إن النَّبِيّ ﷺ كان يقنت دائمًا؛ وابن عمر يقول: ما رأينا ولا سمعنا، وكذلك غير ابن عمر من الصحابة، عدوا ذلك من الأحداث المبتدعة. ومن تدبر هذه الأحاديث في هذا الباب علم علمًا يقينيًا قطعيًا أن النَّبِيّ ﷺ لم يكن يقنت دائمًا في شيء من الصلوات، كما يعلم علمًا يقينيًا أنه لم يكن يداوم على القنوت في الظهر والعشاء والمغرب، … "، وذكر كلامًا نحوًا مما تقدم [مجموع الفتاوى (٢٣/ ١٠٨)]. ويحسن هنا إيراد بعض كلام ابن القيم في زاد المعاد (١/ ٢٧١ - ٢٨٥) في بيان هديه ﷺ في القنوت، وفي الرد على من زعم أن النَّبِيّ ﷺ داوم على القنوت في الفجر حتى فارق الدنيا، إذ يقول: "وقنت في الفجر بعد الركوع شهرًا، ثم ترك القنوت، ولم يكن من هديه القنوت فيها دائمًا، ومن المحال أن رسول الله ﷺ كان في كل غداة بعد اعتداله من الركوع يقول: "اللَّهُمَّ اهدني فيمن هديت، وتولني فيمن توليت … " إلخ، ويرفع بذلك صوته، ويؤمن عليه أصحابه، دائمًا إلى أن فارق الدنيا، ثم لا يكون ذلك معلومًا عند الأمة، بل يضيعه أكثر أمته، وجمهور أصحابه بل كلهم، حتى يقول من يقول منهم: إنه محدث، كما قال سعد بن طارق الأشجعي … ". إلى أن قال: "ومن المعلوم بالضرورة: أن رسول اللّه ﷺ لو كان يقنت كل غداة، ويدعو بهذا الدعاء، ويؤمن الصحابة؛ لكان نقل الأمة لذلك كلهم كنقلهم لجهره بالقراءة فيها وعددها ووقتها، وإن جاز عليهم تضييع أمر القنوت منها؛ جاز عليهم تضييع ذلك، ولا فرق، .. وهذا من أمحل المحال، بل لو كان ذلك واقعًا، لكان نقله كنقل عدد الصلوات، وعدد الركعات، والجهر والإخفات، وعدد السجدات، ومواضع الأركان وترتيبها، والله الموفق". إلى أن قال: "فإنه إنما قنت عند النوازل للدعاء لقوم، وللدعاء على آخرين، ثم تركه

стр. 8525

لما قدم من دعا لهم، وتخلصوا من الأسر، وأسلم من دعا عليهم وجاؤوا تائبين، فكان قنوته لعارض، فلما زال ترك القنوت، ولم يختص بالفجر، بل كان يقنت في صلاة الفجر والمغرب". إلى أن قال: "وكان هديه ﷺ القنوت في النوازل خاصة، وتركه عند عدمها، ولم يكن يخصه بالفجر"، إلى أن قال: "فأهل الحديث متوسطون بين هؤلاء [يعني: أهل الكوفة الذين يكرهون القنوت في الفجر مطلقًا، وبين من استحبه عند النوازل وغيرها، وهم أسعد بالحديث من الطائفتين، فإنهم يقنتون حيث قنت رسول اللّه ﷺ ، ويتركونه حيث تركه، فيقتدون به في فعله وتركه، ويقولون: فعله سنة وتركه سنة". ثم عرج على حديث أبي جعفر الرازي، وبين ضعفه، وعدم احتجاج الأئمة به، وذكر شيئًا من مناكيره، ثم قال: "والمقصود: أن أبا جعفر الرازي صاحب مناكير، لا يحتج بما تفرد به أحدٌ من أهل الحديث البتة، ولو صح لم يكن فيه دليل على هذا القنوت المعين البتة، فإنه ليس فيه أن القنوت هذا الدعاء، فإن القنوت يطلق على القيام، والسكوت، ودوام العبادة، والدعاء، والتسبيح، والخشوع"، ثم ذكر دلائلها، ثم قال: "وأنس ﵁ لم يقل: لم يزل يقنت بعد الركوع رافعًا صوته: اللَّهُمَّ اهدني فيمن هديت … إلى آخره، ويؤمِّن من خلفه، ولا ريب أن قوله: "ربنا ولك الحمد، ملء السموات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد" إلى آخر الدعاء والثناء الذي كان يقوله: قنوت، وتطويلُ هذا الركن قنوتٌ، وتطويل القراءة قنوت، وهذا الدعاء المعين قنوت، فمن أين لكم أن أنسًا إنما أراد هذا الدعاء المعين دون سائر أقسام القنوت؟ ". * موضع القنوت: روى إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب الزُّهري، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يدعو على أحد، أو يدعو لأحد، قنت بعد الركوع. [عند البخاري (٤٥٦٠)]. وهذا الحديث نص وقاعدة في قنوت النوازل، ويؤيده حديث أنس بن مالك: قنت رسول الله ﷺ شهرًا بعد الركوع [في صلاة الصبح]، يدعو على أحياء من العرب، وفي رواية: يدعو على أحياءٍ من أحياء العرب، ثم تركه. [أخرجه البخاري (٤٠٨٩)، ومسلم (٣٠٤/ ٦٧٧)]. وكذلك حديث ابن عمر وخفاف بن إيماء. قال عبد الله بن أحمد في العلل ومعرفة الرجال (٣/ ١٥٤/ ٦٨٢): "حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنَا يحيى القطان، قال: كان شعبة ينكر القنوت في الوتر وفي الفجر؛ فيما أعلم". وقال أبو محمد الدارمي بعد أن ترجم لباب القنوت بقوله: "القنوت بعد الركوع"، ثم أورد حديث أبي هريرة في القنوت بعد الركوع، ثم حديث عاصم الأحول عن أنس في القنوت بعد الركوع، ثم حديث البراء بن عازب في القنوت في الصبح، ثم حديث ابن

стр. 8526

سيرين عن أنس في القنوت بعد الركوع، ثم قال الدارمي: "أقول به، وآخذ به، ولا أرى أن آخذ به إِلَّا في الحرب"، وفي هذا رد على الشافعي في عدم الدليل على استدامة قنوت الفجر، بل صحة الدليل على ترك القنوت بعد انقطاع داعيه. وقال الترمذي في الجامع (٤٠١): "واختلف أهل العلم في الفنوت في صلاة الفجر: فرأى بعض أهل العلم من أصحاب النَّبِيّ ﷺ وغيرهم: القنوت في صلاة الفجر، وهو قول الشافعي. وقال أحمد وإسحاق: لا يقنت في الفجر إِلَّا عند نازلة تنزل بالمسلمين، فإذا نزلت نازلة فللإمام أن يدعو لجيوش المسلمين". وقال ابن المنذر في الأوسط (٥/ ٢١٠): "ثبتت الأخبار عن رسول اللّه ﷺ أنه قنت بعد الركوع في صلاة الصبح، وبه نقول، إذا نزلت نازلة احتاج الناس من أجلها إلى القنوت قنت إمامهم بعد الركوع". قال ابن الملقن في البدر المنير (٤/ ٣٣٠): " قال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله: أختار القنوت بعد الركوع؛ لأن كل شيء يثبت عن النَّبِيّ ﷺ في القنوت إنما هو بعد الركوع، فلم يصح عن النَّبِيّ ﷺ في قنوت الوتر قبل أو بعد شيء". ورجح الأثرم في الناسخ (١٥٠) أن القنوت يكون بعد الركوع؛ لأن أكثر الأحاديث الصحيحة عليه. ومن فقه قنوت النوازل: قال ابن جرير في تهذيب الآثار (١/ ٣٨٥): "فالقنوت إذا نابت المسلمين نائبةٌ، أو نزلت بهم نازلة، نظيرة النائبة والنازلة التي نابت ونزلت بالمسلمين بمصابهم على عهد رسول الله ﷺ بمن قُتل منهم ببئر معونة، على من قتلهم وأعان قاتليهم من المشركين، في كل صلاة مكتوبة، على ما روي عن رسول اللّه ﷺ من فعله في ذلك، إلى أن يكشف اللّه عنهم النازلة التي نزلت، إما بالظفر بعدوهم الذي كان من قِبَلهم النازلة، وإما بدخولهم في الإسلام، أو باستسلامهم للمسلمين، أو بغير ذلك من الأمور التي يكون بها الفوج للمسلمين من مكروه ما نزل بهم، سنة حسنة، وإن كانت النائبةُ والنازلةُ سببًا غير ذلك، فإلى أن يزول ذلك عنهم، وذلك أن أبا هريرة روى عن رسول اللّه ﷺ مع ابن عباس، قنوتَه على كفار مضر شهرًا، وذكر أبو هريرة أن النَّبِيّ ﷺ ترك بعد ذلك، قال: فقلت: ما بال النَّبِيّ ﷺ ترك الدعاء؟ فقيل لي: أوما تراهم قد جاؤوا؛ يعني: أن الذين كان النَّبِيّ ﷺ يدعو عليهم قد جاؤوا مسلمين". ٣٤٦ - باب في فضل التطوع في البيت ١٤٤٧ - . . . عبد اللّه -يعني: ابن سعيد بن أبي هند-، عن أبي النضر، عن بُسر بن سعيد، عن زيد بن ثابت، أنه قال: احتجر رسول اللّه ﷺ في المسجد حُجرةً، فكان رسول اللّه ﷺ يخرج من الليل فيصلي فيها، قال: فصلوا معه لصلاته -

стр. 8527

يعني: رجالًا -، وكانوا يأتونه كلَّ ليلةٍ، حتى إذا كان ليلةٌ من الليالي لم يخرج إليهم رسول اللّه ﷺ ، فتنحنحوا، ورفعوا أصواتهم، وحَصَبوا بابه، قال: فخرج إليهم رسول الله ﷺ مغضبًا، فقال: "أيها الناس! ما زال بكم صنيعُكم حتى ظننتُ أن ستُكتبَ عليكم، فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خيرَ صلاةِ المرء في بيته، إِلَّا الصلاة المكتوبة". * حديث متفق على صحته أخرجه البخاري (٦١١٣)، ومسلم (٧٨١/ ٢١٣)، تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٠٤٤) (١١/ ٢٠٥ - فضل الرحيم الودود). * * * ١٤٤٨ - . . . يحيى، عن عبيد اللّه: أخبرنا نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول اللّه ﷺ : "اجعلوا في بيوتكم مِن صلاتكم، ولا تتَّخذوها قبورًا". * حديث متفق على صحته أخرجه البخاري (٤٣٢)، ومسلم (٧٧٧/ ٢٠٨)، تقدم تخريجه برقم (١٠٤٣) (١١/ ٢٠٢ - فضل الرحيم الودود). وراجع شواهد الحديثين، وأحاديث الباب، مع فقه المسألة: فضل الرحيم الودود (١١/ ٢٠٢ - ٢٣٠). * * * ٣٤٧ - بابٌ ١٤٤٩ - قال أبو داود: حَدَّثَنَا أحمد بن حنبل: حَدَّثَنَا حجاج، قال: قال ابن جريج: حَدَّثَنِي عثمان بن أبي سليمان، عن علي الأزدي، عن عبيد بن عمير، عن عبد اللّه بن حُبشِي الخثعمي؛ أن النَّبِيّ ﷺ سئل: أيُّ الأعمالِ أفضلُ؟ قال: "طولُ القيام"، قيل: فأيُّ الصدقةِ أفضلُ؟ قال: "جُهدُ الفقِلِّ"، قيل: فأيُّ الهجرةِ أفضل؟ قال: "مَن هجر ما حرم الله عليه"، قيل: فأيُّ الجهادِ أفضلُ؟ قال: "من جاهد المشركين بماله ونفسه"، قيل: فأيُّ القتلِ أشرفُ؟ قال: "مَن أُهريق دمُه، وعُقِر جوادُه". * صوابه: عن عبيد بن عمير مرسلًا تقدم تخريجه بشواهده برقم (١٣٢٥)، وراجع أيضًا في فقه المسألة الحديث رقم (١٣٢٠). * * *

стр. 8528

٣٤٨ - باب الحث على قيام الليل ١٤٥٠ - . . . يحيى، حَدَّثَنَا ابنُ عجلان: حَدَّثَنَا القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه ﷺ : "رحِمَ اللهُ رجلًا قامَ من الليلِ، فصلَّى وأيقظَ امرأته فصلَّتْ، فإن أَبَتْ، نضح في وجهها الماءَ، رحِم الله امرأةً قامتْ من الليل، فصلتْ وأيقظتْ زوجَها، فإن أبى نضحتْ في وجهه الماءَ". * حديث صحيح تقدم تخريجه برقم (١٣٠٨). *** ١٤٥١ - قال أبو داود: حَدَّثَنَا محمد بن حاتم بن بَزِيع: حَدَّثَنَا عبيد الله بن موسى، عن شيبان، عن الأعمش، عن علي بن الأقمر، عن الأغر أبي مسلم، عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة، قالا: قال رسول اللّه ﷺ : "مَنِ استيقظَ من الليل وأيقظ امرأته فصلَّيا ركعتين جميعًا، كُتِبا من الذاكرين اللّه كثيرًا والذاكرات". * لا يصح رفعه؛ إنما هو موقوف بإسناد صحيح تقدم تخريجه برقم (١٣٠٩)، وقد ذكرت في الموضع المشار إليه طرفًا يسيرًا من الأحاديث الواردة في فضل قيام الليل، وفي ذم تركه. * * * ٣٤٩ - باب في ثواب قراءة القرآن ١٤٥٢ - . . . شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن سعد بن عُبيدة، عن أبي عبد الرحمن، عن عثمان، عن النَّبِيّ ﷺ ، قال: "خيركم من تعلَّم القرآن وعلَّمه". * حديث صحيح أخرجه البخاري (٥٠٢٧)، والترمذي (٢٩٠٧)، وقال: "حديث حسن صحيح]. والنسائي في الكبرى (٧/ ٢٦٦/ ٧٩٨٢)، والدارمي (٣٦٥٧ - ط البشائر)، وأبو عوانة (٢/ ٤٤٥ و ٤٤٦/ ٣٧٦٥ - ٣٧٧٠)، وابن حبان (١/ ١٨٤/ ١٣٢)، وأحمد في المسند (١/ ٥٨/ ٤١٢ و ٤١٣)، وفي الزهد (٢١٣٢)، والطيالسي (٧٣)، وعفان بن مسلم في حديثه (١٠٢)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في فضائل القرآن (٤٣)، وسعيد بن منصور في سننه (١/ ١٠٤/ ٢١)، وابن سعد في الطبقات (٦/ ١٧٢)، وابن أبي شيبة (٦/ ١٣٢/ ٣٠٠٧١)، وبعقوب بن

стр. 8529

سفيان في المعرفة والتاريخ (٢/ ٥٩٠)، وابن الضريس في فضائل القرآن (١٣٢ و ١٣٣)، وجعفر الفريابي في فضائل القرآن (١ او ١٢)، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (٤٧٥)، والطحاوي في المشكل (١٣/ ١١١/ ٥١١٦) و (١٣/ ١١٢/ ٥١١٧ - ٥١٢٠)، وابن الأعرابي في المعجم (٣٧٨)، وابن حذلم في مشيخته (٥٥)، وابن قانع في المعجم (٢/ ٢٥٥)، وأبو بكر الآجري في أخلاق أهل القرآن (١٥)، وابن عدي في الكامل (٧/ ١٦٩ - ط العلمية)، وأبو بكر ابن المقرئ في الثالث عشر من فوائده (١٠٨)، وأبو العباس العصمي في جزئه (١٢)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٩٣ - ١٩٤)، وأبو علي الحسن بن علي الشاموخي في جزء من حديثه (١٧)، وأبو الفضل الرازي في فضائل القرآن (٤١ و ٤٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٧)، وفي الصغرى (١/ ٢٦٥ / ٩٥٨)، وفي الشعب (١٣/ ١٤/ ١٧٨٥) و (٤/ ٣٢٨/ ٢٠١٧)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٤/ ٤٢٧/ ١١٧٢)، وقال: "هذا حديث صحيح". وفي التفسير (١/ ٣٨ - ٣٩)، وقاضي المارستان في مشيخته (٢/ ٤٣٠)، والجوزقاني في الأباطيل والمناكير (٢/ ٣٨٨/ ٧٣٢)، وقال: "هذا حديث صحيح". وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥/ ٣٧٨)، وابن عساكر في المعجم (١٤)، والضياء في فضائل القرآن (٢). [التحفة (٤٧/ ٣٦/ ٩٨١٥)، الإتحاف (١١/ ٥٥/ ١٣٦٨٣)، المسند المصنف (٢٠/ ٢٠١/ ٩٢٠٢)]. رواه عن شعبة: أبو عمر حفص بن عمر الحوضي، وغندر محمد بن جعفر، ومعاذ بن معاذ، وخالد بن الحارث، وحجاج بن منهال، وأبو داود الطيالسي، وعلي بن الجعد، وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، وحجاج بن محمد المصيصي، ومسلم بن إبراهيم الفراهيدي، وعفان بن مسلم، وآدم بن أبي إياس، وشبابة بن سوار، وأبو النضر هاشم بن القاسم، وبهز بن أسد، وأبو عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، وبشر بن عمر الزهراني، ووهب بن جرير، وأبو عبد الرحمن عبد اللّه بن يزيد المقرئ، ويعقوب بن إسحاق الحضرمي، وأبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، ويحيى بن آدم، وسليمان بن حرب، وعمرو بن مرزوق، وعبد الرحمن بن زياد الرصاصي، وعمرو بن عاصم الكلابي، وعبد اللّه بن رجاء الغداني، وأبو عتاب سهل بن حماد الدلال البصري، وبعض الضعفاء. قال حجاج بن منهال: حَدَّثَنَا شعبة، قال: أخبرني علقمة بن مرثد، قال: سمعت سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "إن خيركم من علم القرآن، أو تعلمه". كذا عند الدارمي، وعند البخاري بواو العطف: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه". وفي حديث عفان بن مسلم [في حديثه، وعند أحمد]: "خيركم من علم القرآن، أو تعلمه". قلت: والجماعة على روايته بواو العطف، وهو أشبه بالصواب. وفي رواية شبابة [عند ابن أبي شيبة]: "خياركم من تعلم القرآن وعلمه".

стр. 8530

وفي رواية لحجاج بن محمد وآدم بن أبي إياس: "إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه". وقد جاء ذكر سماع علقمة بن مرثد من سعد بن عبيدة أيضًا: في رواية أبي داود الطيالسي، وفي رواية بهز [عند أحمد]، وعلي بن الجعد، وخالد بن الحارث [عند النسائي]، وحجاج بن محمد [عند أبي عبيد]، وعبد الرحمن بن زياد [عند سعيد]، وأبي عامر العقدي [عند الفريابي]، وقد قرن بعضهم جماعة في رواية بذكر السماع ولم يبين ألفاظهم. زاد في آخره معاذ وحجاج بن منهال وأبو الوليد وأبو داود وابن الجعد ووهب بن جرير: أقرأَ القرآنَ أبو عبد الرحمن في إمرة عثمان حتى كان الحجاج، قال: ذاك أقعدني مقعدي هذا. لفظ حجاج. وقال أبو الوليد: وكان أبو عبد الرحمن يعلم في حياة عثمان إلى زمن الحجاج، ويقول: ذلك أقعدني مقعدي هذا. ء وروى يحيى بن آدم [ثقة حافظ]، قال: حَدَّثَنَا شعبة، وقيس، عن علقمة بن مرثد، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، عن عثمان، قال: قال رسول الله ﷺ : "خياركم من تعلم القرآن وعلمه". قال أبو عبد الرحمن: فذاك الذي أقعدني مقعدي هذا. أخرجه ابن عدي في الكامل (٧/ ١٦٩ - ط العلمية) (٨/ ٩٦/ ٤٠٦٣٠ - ط الرشد). قال ابن عدي: "وهذا الحديث رواه عن علقمة جماعة، فلم يذكروا في إسناده بين علقمة وأبي عبد الرحمن: سعد بن عبيدة؛ إِلَّا يحيى القطان، فإنه جمع بين شعبة والثوري في هذا الحديث، فذكر عنهما جميعًا سعد بن عبيدة، والثوري لا يذكر في إسناده سعدًا، على أن سعيدًا القداح قد رواه عن الثوري، فقال فيه: سعد بن عبيدة، وهذا عدُّوا من خطأ يحيى القطان على الثوري. وهذا الحديث جمع فيه أيضًا بين شعبة وقيس، عن علقمة عن سعد بن عبيدة، وشعبة يذكر سعدًا، وقيس لا يذكره، إِلَّا أن يحيى بن آدم ذكره عنهما، فذكر سعد بن عبيدة". قلت: يحيى بن آدم: ثقة حافظ، ولم ينفرد به عن قيس بهذه الزيادة: * فقد رواه أبو غسان مالك بن إسماعيل [ثقة متقن]، ويحيى بن عبد الحميد الحماني [صدوق حافظ؛ إِلَّا أنه اتهم بسرقة الحديث. التهذيب (٤/ ٣٧٠)]: عن قيس بن الربيع، عن علقمة بن مرثد، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، عن عثمان، عن النَّبِيّ ﷺ بنحوه. أخرجه البزار (٢/ ٥٦/ ٣٩٧)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٢/ ٢٩٨ - ط الغرب)، وقاضي المارستان في مشيخته (٢/ ٦٨٦). قلت: وبهذا يتضح أن شعبة لم ينفرد بزيادة: سعد بن عبيدة في الإسناد بين علقمة،

стр. 8531

وبين أبي عبد الرحمن السلمي؛ بل تابعه: قيس بن الربيع، وهو: ليس بالقوي، وحديثه صالح في المتابعات. * قال شعبة: "ولم يسمع أبو عبد الرحمن من عثمان، ولا من عبد الله بن مسعود، ولكن [قد] سمع من علي ﵁" [مسند أحمد (٤١٢)، تاريخ ابن معين رواية الدوري (٤/ ٦٧/ ٣١٨٠)، المنتخب من علل الخلال (٥٢)، الطبقات لابن سعد (٦/ ١٧٢)، المعرفة والتاريخ (٣/ ٥٧ ٢)، المنتخب من ذيل المذيل (١٤٧)، تاريخ الطبري (١١/ ٦٦٣)، صحيح أبي عوانة (٢/ ٤٤٥/ ٣٧٦٥)، مسند الشاشي (٢/ ١٨٧/ ٧٥٢)، المراسيل لابن أبي حاتم (٣٨٢ - ٣٨٧)]. وقال أبو حاتم: "أبو عبد الرحمن السلمي: ليس تثبت روايته عن علي، فقيل له: سمع من عثمان بن عفان؟ قال: قد روى عنه، ولم يذكر سماعًا" [المراسيل لابن أبي حاتم (٣٨٣)]. لكن ظاهر عبارة أبي حاتم في الجرح والتعديل (٥/ ٣٧) يدل على إثبات السماع لأبي عبد الرحمن السلمي من عثمان بن عفان، حيث فرق بين من روى عنهم من شيوخه الذين قرأ عليهم القرآن، وبين روايته المرسلة عن عمر، قال أبو حاتم: "عبد الله بن حبيب أبو عبد الرحمن السلمي القارئ: روى عن عثمان وعلي وابن مسعود، روى عن عمر مرسلًا، … ]. قال أبو عوانة: "اختلف أهل العلم من أهل التمييز في سماع أبي عبد الرحمن من عثمان". وقال: "هذا الحديث ما أخرجه مسلم". قلت: شرط البخاري في ثبوت السماع معروف، وقول شعبة غير مردود، والجمع بينهما: بأن يقال: نعم؛ لم يثبت في رواية هذا الحديث سماع أبي عبد الرحمن السلمي من عثمان، إذ لم يقل: سمعت عثمان، وهو كما قال أبو حاتم: "لم يذكر سماعًا"، لكن القرينة الواردة في هذا الحديث تدل على سماعه منه، وذلك أنه كان كبيرًا في زمن عثمان، حتى إنه جلس لإقراء القرآن في زمن عثمان، بسبب هذا الحديث الذي رواه عنه، بل قد اشتهر واستفاض أنه قرأ القرآن على عثمان، قال ابن مجاهد في السبعة في القراءات (٦٨) في ترجمة أبي عبد الرحمن السلمي: "وكان أخذ القراءة: عن عثمان، وعن علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود، وأُبي بن كعب، رضي اللّه تعالى عنهم". ولعل ابن حبان لما نظر لهذا المعنى لم يرتض قول شعبة، حيث قال في الثقات (٥/ ٩): "وزعم شعبة: أن أبا عبد الرحمن السلمي لم يسمع من عثمان، ولا من عبد اللّه، وسمع عليًا". بل جزم الإمام البخاري في التاريخ الكبير (٥/ ٧٣) بإثبات السماع مطلقًا، ولم يعتد بقول شعبة هذا، لاشتهار صحبة أبي عبد الرحمن السلمي لعثمان بن عفان وأخذه القرآن

стр. 8532

عنه، فلم يحتج لذكر السماع في الأسانيد، وإنما اكتفى بشهرة الصحبة، وأنه أخذ عنه الفرآن، وهذا يدل على سماعه منه؛ وإن لم يقل في الإسناد: سمعت عثمان؛ لذا قال البخاري في التاريخ: "سمع عليًّا وعثمان وابن مسعود ﵃ "؛ لأن هؤلاء الثلاثة هم أشهر من روى عنهم القرآن، وروى عنهم الحديث أيضًا. وقال أبو عمرو الداني في جامع البيان في القراءات السبع (١/ ٢٤٩): "وأما ما زعمه من أن عثمان لم يدّع القراءة عليه أحدٌ من الناس فباطل أيضًا، وذلك أن ثلاثة من أكابر التابعين، سوى المغيرة، قد ادّعوا ذلك، وصحّ الخبر، وثبت النقل، لعرضهم القرآن مرارًا عليه، وانتشر ذلك واستفاض عند أولي العلم من حملة القرآن، ونقلة الأخبار، وتداول النقّاد من الرّواة في كل عصر حمله ونقله، وقبِله جماعتُهم، ورضيته، ولم تنكره، ولا قدحت فيه. وأولئك التابعون هم: أبو عبد الرحمن السلمي، وزر بن حبيش، وأبو الأسود الدؤلي" [وقد ذكر أبو عمرو الداني أخذ أبي عبد الرحمن السلمي القرآن عن عثمان بن عفان في مواضع أخرى من كتابه، انظر مثلًا: (١/ ٢٥٥)]. ولما اشتهر ذلك واستفاض عند حملة القرآن ونقلة الأخبار أن أبا عبد الرحمن السلمي ممن أخذ القرآن عن عثمان، مع جزم البخاري بالسماع مطلقًا، واحتجاجه بحديثه في الصحيح: جزم الخطيب البغدادي بسماعه من عثمان مطلقًا، فقال في ترجمته من تاريخ بغداد (١١/ ٨٨ - ط الغرب): "عبد الله بن حبيب بن ربيعة، أبو عبد الرحمن السلمي الكوفي، وهو أخو خرشة بن حبيب: سمع عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد اللّه بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وأبا موسى الأشعري". وتبعه على إثبات السماع: ابن الجوزي في المنتظم (٧/ ١٠١)، والذهبي في التاريخ (٢/ ٨٩٧ - ط الغرب)، وانظر أيضًا: التاريخ الأوسط (١/ ١٥٨/ ٧١٩)، المبسوط في القراءات العشر (٥٦ و ٧٨)، الإقناع في القراءات السبع (٣٨)، تاريخ دمشق (٢٥/ ٢٣١)، جمال القراء (٥١٣ و ٥١٨ و ٥٦٨)، معرفة القراء الكبار (٨)، تاريخ الإسلام (٢/ ٢٥٧ و ٨٩٧)، السير (١٢٦٨/ ٤، جامع التحصيل (٣٤٧)، تحفة التحصيل (١٧٢)، غاية النهاية (١/ ٤١٣)، تحبير التيسير في القراءات العشر (١١٩). قال ابن حجر في الفتح (٩/ ٧٦): "لكن ظهر لي أن البخاري اعتمد في وصله، وفي تخريج لقاء أبي عبد الرحمن لعثمان على ما وقع في رواية شعبة عن سعد بن عبيدة من الزيادة، وهي: أن أبا عبد الرحمن أقرأ من زمن عثمان إلى زمن الحجاج. وأن الذي حمله على ذلك هو الحديث المذكور، فدل على أنه سمعه في ذلك الزمان، وإذ سمعه في ذلك الزمان ولم يوصف بتدليس؛ اقتضى ذلك سماعه ممن عنعنه عنه، وهو عثمان ﵁، ولا سيما مع ما اشتهر بين القراء أنه قرأ القرآن على عثمان، وأسندوا ذلك عنه من رواية عاصم بن أبي النجود وغيره، فكان هذا أولى من قول من قال: إنه لم يسمع منه".

стр. 8533

* قال أبو عوانة: "كذا يقول شعبة: عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن ﵀". وقال أبو جعفر الطحاوي: "هكذا حدث شعبة بهذا الحديث، وقد خالفه فيه الثوري، فنفص من إسناده: سعد بن عبيدة، فلم يذكر فيه". وقال الدارقطني في جزء فيه بيان أحاديث أودعها البخاري كتابه الصحيح (١٨)؛ "وقد تابم شعبة على زيادته في الإسناد سعد بن عبيدة: من لا يُحتجُّ به". قلت: لم ينفرد به شعبة، فقد تابعه: قيس بن الربيع؛ كما سبق بيانه. * وأما حديث سفيان الثوري: فقد رواه عبد الرحمن بن مهدي، وأبو نعيم الفضل بن دكين، ووكيع بن الجراح، ومحمد بن كثير العبدي، وعبد الله بن المبارك، ومحمد بن يوسف الفريابي، وبشر بن السري، وقبيصة بن عقبة، وعبد الرزاق بن همام، وعبيد اللّه بن موسى، وأبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي، ومحمد بن بشر، وموسى بن أعين، وعبد الله بن وهب، ويحيى بن اليمان، ومؤمل بن إسماعيل، وأسباط بن محمد، وعبد الحميد الحماني أوزاد الدارقطني في علله (٣/ ٢٨٣/٥٣) فيمن رواه عن الثوري بهذا الوجه: أبا أسامة]: حَدَّثَنَا سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان بن عفان، قال: قال النَّبِيّ ﷺ : "إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه". لفظ أبي نعيم [عند البخاري]. ولفظ بشر [عند الترمذي]: "خيركم" أو: "أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه". أخرجه البخاري (٥٠٢٨)، والترمذي (٢٩٠٨)، وقال: "حديث حسن صحيح". والنسائي في الكبرى (٧/ ٢٦٧/ ٧٩٨٤)، وابن ماجة (٢١٢)، وأبو عوانة (٢/ ٤٤٦/ ٣٧٧١ و ٣٧٧٢)، وأحمد (١/ ٥٧/ ٤٠٥)، ووكيع في الزهد (٥٢١)، وعبد الرزاق في المصنف (٣/ ٣٦٧/ ٥٩٩٥)، وفي الأمالي (١٠٣)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في فضائل القرآن (٤٤)، وابن الضريس في فضائل القرآن (١٣٥)، والطحاوي في المشكل (١٣/ ١١٣ - ١١٤/ ٥١٢١ - ٥١٢٤)، وابن المقرئ في المعجم (١٨٥)، والخليلي في الإرشاد (٢/ ٥٥٢)، والبيهقي في الصغرى (١/ ٢٦٥/ ٩٥٧)، وفي الشعب (٤/ ١١٢/ ١٧٨٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٤/ ١٦٢) و (٤٧/ ٢٩٥). [التحفة (٦/ ٥٤٧/ ٩٨١٣)، الإتحاف (١١/ ٥٥/ ١٣٦٨٣)، المسند المصنف (٢٠/ ٢٠١/ ٩٢٠٢)]. وقع في رواية مؤمل [عند الطحاوي]: التصريح بسماع أبي عبد الرحمن السلمي من عثمان بن عفان، قال مؤمل بن إسماعيل: حَدَّثَنَا سفيان، عن علقمة، عن أبي عبد الرحمن، قال: سمعت عثمان. وهو وهم من مؤمل، لسوء حفظه، والمحفوظ بدون ذكر السماع. * خالف الجماعة من أصحاب الثوري. يحيى بن سعيد القطان [ثقة حجة، إمام ناقد]، قال: حَدَّثَنَا شعبة، وسفيان، قالا: حَدَّثَنَا علقمة بن مرثد، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، عن عثمان، عن النَّبِيّ ﷺ

стр. 8534

قال [قال أحدهما]: "خيركم" وقال الآخر: "أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه". وفي رواية أحمد عن يحيى: قال سفيان: "أفضلكم"، وقال شعبة: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه". وفي رواية عبيد الله بن سعيد [أبي قدامة السرخسي: ثقة مأمون]، قال: حدثنا يحيى به، وفيه: قال شعبة: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه"، وقال سفيان: "أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه" [عند النسائي]. ووقع في رواية عمرو بن علي الفلاس عن يحيى، قال عمرو في آخره: قلت ليحيى: إنهم لا يقولون: عن سفيان، عن سعد بن عبيدة، قال: سمعته من سفيان [كذا، وصوابه: سمعته من شعبة]، ثم حدثنا به سفيان، فلم أنكره [راجع: مسند البزار، ومشيخة أبي بكر المراغي (٩٣)]. أخرجه الترمذي (٢٩٠٨ م)، والنسائي في الكبرى (٧/ ٢٦٦/ ٧٩٨٣)، وابن ماجه (٢١١)، وأحمد (١/ ٦٩/ ٥٠٠)، وابن الضريس في فضائل القرآن (١٤٠)، والبزار (٢/ ٥٢/ ٣٩٦)، وابن نصر في قيام الليل (١٧٣ - مختصره)، وجعفر الفريابي في فضائل القرآن (١٣)، والطحاوي في المشكل (١٣/ ١١٥/ ٥١٢٥)، وابن الأعرابي في المعجم (٣/ ٩٦٤/ ٢٠٤٨)، وابن حذلم في مشيخته (٥٢)، وأبو بكر ابن المقرئ في الثالث عشر من فوائده (١٠٨)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٣٨٤)، وأبو عثمان البحيري في الرابع من فوائده (٣١)، وأبو الفضل الرازي في فضائل القرآن (٤٣)، والقضاعي في مسند الشهاب (١٢٤٠)، والبيهقي في الشعب (٤/ ٣٢٧/ ٢٠١٦)، وفي الآداب (٨٥٤)، والخطيب في تاريخ بغداد (٥/ ٤٩٤ - ط الغرب)، والضياء في فضائل القرآن (٣). [التحفة (٦/ ٥٤٧/ ٩٨١٣)، الإتحاف (١١/ ٥٥/ ١٣٦٨٣)، المسند المصنف (٢٠/ ٢٠١/ ٩٢٠٢)]. • تابع القطان على هذا الوجه عن الثوري بزيادة سعد بن عبيدة في الإسناد: سعيد بن سالم القداح؛ ولا يثبت: قال ابن عدي: حدثنا أحمد بن موسى بن زنجويه [أبو العباس القطان: ثقة، روى عنه ابن حبان وابن قانع وأبو بكر الشافعي والإسماعيلي والطبراني والآجري وجماعة. معجم شيوخ الإسماعيلي (١/ ٣٣٥)، تاريخ بغداد (٥/ ٢٦٨ - ط الغرب) و (٥/ ٤٧٠ - ط الغرب)، مختصر تاريخ دمشق (٣/ ١٩٥)، السير (١٤/ ٢٤٦)، تاريخ الإسلام (٧/ ٧٤ - ط الغرب)، اللسان (١/ ٥٦٣)، الثقات لابن قطلوبغا (١/ ٤٤٣)]، قال: حدثنا محمد بن السري، قال: حدثنا سعيد بن سالم، عن الثوري، ومحمد بن أبان، عن علقمة بن مرثد، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، عن عثمان، عن النبي ﷺ ، قال: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه". أخرجه ابن عدي في الكامل (٣/ ٣٩٨) (٤/ ٤٥٢ - ط العلمية). قال ابن عدي: " "وذكر سعد بن عبيدة في هذا الإسناد عن الثوري غير محفوظ، وإنما

стр. 8535

يُذكر هذا عن يحيى القطان، جمع بين الثوري وشعبة، فذكر عنهما جميعًا في الإسناد في هذا الحديث: سعد بن عبيدة. وسعد إنما يذكره شعبة، والثوري لا يذكره، فحمل يحيى حديث شعبة على حديث الثوري، فذكر عنهما جميعًا: سعد. ويقال: لا يعرف ليحيى بن سعيد خطأ غيره. على أن الحسن بن علي بن عفان رواه عن يحيى بن آدم وزيد بن حباب، عن الثوري، وقيس، عن علقمة، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، عن عثمان. كذلك حدثناه عبد الملك بن محمد، عن الحسن بن علي بن عفان". قال الدارقطني في علله (٣/ ٥٦/ ٢٨٣): "وكذلك قال سعيد بن سالم القداح: عن الثوري، ومحمد بن أبان، عن علقمة، عن سعد بن عبيدة". ثم قال بعد ذلك بقليل: "وقال سعيد بن سالم: عن محمد بن أبان، عن علقمة بن مرثد، عن أبي عبد الرحمن، عن أبان بن عثمان، عن عثمان. ووهم في ذكر أبان في إسناده". قلت: هذه الرواية وهم؛ ولا أستبعد أن يكون الوهم فيها من قِبَل ابن أبي السري، وهو: محمد بن المتوكل بن عبد الرحمن العسقلاني، وهو: لين الحديث، كثير الغلط، وكان حافظًا، وثقه ابن معين، وقال الذهبي: "ولمحمد هذا أحاديث تستنكر" [الجرح والتعديل (٨/ ١٠٥)، الثقات (٩/ ٨٨)، الأنساب (٤/ ١٩١)، تاريخ دمشق (٥٥/ ٢٢٨)، بيان الوهم (٥/ ٢١٨)، الميزان (٤/ ٢٣)، التهذيب (٣/ ٦٨٦)]. وشيخه سعيد بن سالم القداح: مكي، ليس به بأس، ومحمد بن أبان بن صالح القرشي الجعفي الكوفي: ضعيف [انظر: اللسان (٦/ ٤٨٨) وغيره]، وقد رواه عن علقمة بن مرثد بدون زيادة سعد بن عبيدة، كما سيأتي بيانه في طرق الحديث عن علقمة. وأما حديث قيس بن الربيع، فقد تقدم تخريجه، وهو بالزيادة، متابعًا فيه لشعبة. وأما زيادة: أبان بن عثمان، بين عثمان بن عفان وأبي عبد الرحمن السلمي: فهي زيادة منكرة، لا يلتفت إليها؛ لضعف المتفرد بها. • وانظر فيمن وهم في إسناده على الثوري، حيث جعله: عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان مرفوعًا. ما أخرجه أبو الفضل الرازي في فضائل القرآن (٤٤)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٠/ ٣٣٥ - ط الغرب)، وابن عساكر في تارلح دمشق (٢٣/ ١٠٦). وصوابه: رواية الجماعة عن الثوري. • وانظر أيضًا فيمن وهم في إسناده على الثوري، حيث جعله: عن عبد الملك بن عمير، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان مرفوعًا. ما أخرجه أبو عروبة الحراني في جزئه (٤٩ - رواية الأنطاكي)، وابن جميع

стр. 8536

الصيداوي في المعجم (١٢٩)، وأبو يعلى الخليلي في فوائده (٢) أوقد أعله من جميع طرقه]. وانظر: علل الدارقطني (٣/ ٥٨/ ٢٨٣). وصوابه: رواية الجماعة عن الثوري. • يبقى الكلام على رواية يحيى بن سعيد القطان: قال الترمذي بعد رواية بشر بن السري عن الثوري: "هذا حديث حسن صحيح. وهكذا روى عبد الرحمن بن مهدي وغير واحد: عن سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن أبي عبد الرحمن، عن عثمان، عن النبي ﷺ . وسفيان لا يذكر فيه: عن سعد بن عبيدة. وقد روى يحيى بن سعيد القطان هذا الحديث: عن سفيان وشعبة، عن علقمة بن مرثد، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، عن عثمان، عن النبي ﷺ . حدثنا بذلك محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، وشعبة. قال محمد بن بشار: وهكذا ذكره يحيى بن سعيد، عن سفيان وشعبة - غير مرة -، عن علقمة بن مرثد، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، عن عثمان، عن النبي ﷺ . قال محمد بن بشار: وأصحاب سفيان لا يذكرون فيه عن سفيان: عن سعد بن عبيدة. قال محمد بن بشار: وهو أصح. وقد زاد شعبة في إسناد هذا الحديث: سعد بن عبيدة، وكأن حديث سفيان أشبه أوفي نسخة: وكان حديث سفيان: أصح]. قال علي بن عبد الله: قال يحيى بن سعيد: ما أحد يعدل عندي شعبة، وإذا خالفه سفيان؛ أخذت بقول سفيان. سمعت أبا عمار يذكر عن وكيع، قال: قال شعبة: سفيان أحفظ مني، وما حدثني سفيان عن أحد بشيء فسألته؛ إلا وجدته كما حدثني. وفي الباب عن علي، وسعد". وقال البزار: "هذا الحديث لا نعلمه يروى عن عثمان إلا من هذا الوجه، ورواه غير واحد عن علقمة بن مرثد عن أبي عبد الرحمن عن عثمان، إلا أن يحيى بن سعيد جمع شعبة والثوري في هذا الحديث، فروياه عن علقمة عن سعد عن أبي عبد الرحمن عن عثمان، وأصحاب سفيان يحدثونه: عن علقمة عن أبي عبد الرحمن، وإنما شعبة الذي قال: عن سعد. وسمعت عمرو بن علي، يقول: قلت ليحيى: إن الثوري يرويه عن علقمة عن أبي عبد الرحمن، فقال: سمعته من شعبة عن علقمة عن سعد، ثم سمعته من الثوري، فلم أشك أنه قال كما قال شعبة، أو: فكان عندي كما رواه شعبة. وقد رواه عن النبي ﷺ جماعة؛ رواه علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص،

стр. 8537

وعبد الله بن مسعود، وأسانيدها فيها علل، فذكرنا حديث عثمان لجلالته وجودة إسناده، واستغنينا به عن غيره". وقال أبو جعفر الطحاوي: "هكذا يحدث الناس جميعًا ممن يحدث عن الثوري بهذا الحديث، لا يذكرون في إسناده سعد بن عبيدة، غير يحيى بن سعيد فإنه حدث به عن سفيان، فذكر سعد بن عبيدة". وقال ابن عدي (٨/ ٦٣٠/ ١٤٠٩٦ - ط الرشد): "وهذا الحديث رواه عن علقمة جماعة، فلم يذكروا في إسناده بين علقمة وأبي عبد الرحمن: سعد بن عبيدة؛ إلا يحيى القطان، فإنه جمع بين شعبة والثوري في هذا الحديث، فذكر عنهما جميعًا سعد بن عبيدة، والثوري لا يذكر في إسناده سعدًا، على أن سعيدًا القداح قد رواه عن الثوري، فقال فيه: سعد بن عبيدة، وإذا عدُّوا من خطا يحيى القطان على الثوري. وهذا الحديث جمع فيه أيضًا بين شعبة وقيس، عن علقمة عن سعد بن عبيدة، وشعبة يذكر سعدًا، وقيس لا يذكره، إلا أن يحيى بن آدم ذكره عنهما، فذكر سعد بن عبيدة". وقال أبو نعيم: "صحيح ثابت، متفق عليه من حديث يحيى عنهما جميعًا" [قلت: لم يخرجاه من حديث يحيى، وأخرجه البخاري من حديث شعبة، ومن حديث الثوري برواية الجماعة عنه، بدون ذكر سعد في إسناده]. وقال الخليلي في الإرشاد (٢/ ٤٩٦): "روى شعبة عن علقمة بن مرثد عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان عن النبي ﷺ : "خيركم من تعلم القرآن وعلمه". وسفيان الثوري والخلق رووه عن علقمة عن أبي عبد الرحمن نفسه، والبخاري أخرجه من حديث شعبة، ومن حديث سفيان كما ذكرت، ويحيى القطان - وهو إمام وقته -: جمع بين الثوري وشعبة، وجعل فيه: سعد بن عبيدة". وقال البيهقي: "ويشبه أن يكون يحيى بن سعيد حمل إسناد حديث سفيان على حديث شعبة، فإن سفيان لا يذكر فيه سعد بن عبيدة، وإنما يذكره شعبة". • قلت: كان يحيى القطان يميز لفظ حديث شعبة من لفظ حديث الثوري، ويعلم أن شعبة كان يقول: "خيركم"، بينما يقول الثوري: "أفضلكم"، وهذه القرينة تقوي القول بان الثوري كان يرويه أيضًا بإسناد شعبة، يعني: يزيد فيه: سعد بن عبيدة بين علقمة وأبي عبد الرحمن، والله أعلم. إلا أن رد يحيى بن سعيد القطان على تلميذه عمرو بن علي الفلاس دلنا على خلاف ذلك، وأن قول ابن عدي والبيهقي أشبه بالصواب، وهو أن القطان حمل حديث سفيان على حديث شعبة، وذلك لأن القطان سمع الحديث أولًا من شعبة، فحفظ في إسناده سعدًا، ثم سمعه من الثوري فضبط اللفظ، ولم يضبط الإسناد، بدليل قول القطان: "ثم سمعته من الثوري، فلم أشك أنه قال كما قال شعبة، أو: فكان عندي كما رواه شعبة"، وهذه العبارة تشعر بعدم الضبط، بدليل أنه لم يتابع على ذلك؛ حيث رواه عن الثوري

стр. 8538

عشرون رجلًا بدون زيادة سعد في الإسناد، وفيهم: جماعة من أثبت أصحابه، لا سيما قرين القطان؛ عبد الرحمن بن مهدي، ووكيع بن الجراح، وعبد الله بن المبارك، وأبو نعيم الفضل بن دكين، ومحمد بن كثير العبدي، ومحمد بن يوسف الفريابي، وكان ابن مهدي ووكيع وابن المبارك وأبو نعيم من أحفظ الناس، وأضبطهم للألفاظ. وابن مهدي: ثقة ثبت، حافظ إمام، من أثبت الناس في الثوري، وأعلمهم بحديثه، قال أبو حاتم الرازي: "عبد الرحمن بن مهدي: أثبت أصحاب حماد بن زيد، وهو إمام ثقة، أثبت من يحيى بن سعيد، وأتقن من وكيع، وكان عرض حديثه على سفيان الثوري" [الجرح والتعديل (١/ ٢٥٥) و (٥/ ٢٩٠)، تاريخ بغداد (١١/ ٥١٢ - ط الغرب)، التهذيب (٢/ ٥٥٧)]. وأما وكيع: فكان من أحفظ الناس، كان مطبوع الحفظ، حتى قدمه ابن معين على ابن مهدي في سفيان الثوري، وقدمه أحمد مرة على ابن مهدي، وقال: "كان مطبوع الحفظ، وكان وكيع حافظاً حافظاً، وكان أحفظ من عبد الرحمن بن مهدي كثيرًا كثيرًا" [انظر: الجرح والتعديل (١/ ٢٢١) و (٩/ ٣٧)، تاريخ بغداد (١٣/ ٤٧١)، السير (٩/ ١٤٠)، التهذيب (٤/ ٣١١)، وغيرها]. وأما ابن المبارك؛ فهو: ثقة ثبت حجة، إمام فقيه، حافظ متقن، من أثبت أصحاب الثوري، وقد فاق أقرانه إمامة وعلمًا وورعًا وزهدًا وحفظًا وضبطًا. وأما أبو نعيم الفضل بن دكين؛ فهو: ثقة ثبت، من أثبت أصحاب الثوري، وثبته أحمد جدًا، وقال بأنه أقل خطأ من وكيع، وقال أبو حاتم: "ثقة، كان يحفظ حديث الثوري ومسعر حفظًا جيدًا، … ، كان يأتي بحديث الثوري عن لفظ واحد لا يغيره، وكان لا يلقَّن، وكان حافظًا متقنًا"، وقال يعقوب بن سفيان: "أجمع أصحابنا أن أبا نعيم كان غاية في الإتقان والحفظ، وأنه حجة" [التهذيب (٣/ ٣٨٨)، الجرح والتعديل (٧/ ٦٢)، تاريخ بغداد (١٤/ ٣١٤ - ط الغرب)]. وفوق ذلك: قال محمد بن بشار: "وأصحاب سفيان لا يذكرون فيه عن سفيان: عن سعد بن عبيدة. وهو أصح"، وقال ابن عدي: "وهذا عدُّوا من خطأ يحيى القطان على الثوري". • وأما الترجيح بين رواية شعبة، ورواية سفيان الثوري: فيقال: الأشبه أن كلتا الروايتين محفوظة عن علقمة بن مرثد: فقد حدَّث شعبةَ بما سمعه من سحد بن عبيدة، بلفظ: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه"، وبالزيادة التي في آخره من قول سعد نفسه: أقرأَ القرآنَ أبو عبد الرحمن في إمرة عثمان حتى كان الحجاج، بل وقد صرح علقمة بن مرثد في رواية شعبة بسماعه من سعد بن عبيدة، ولم ينفرد شعبة بهذه الزيادة، بل تابعه عليها: قيس بن الربيع. بينما حدَّث الثوريَّ بما سمعه من أبي عبد الرحمن السلمي مباشرة بغير واسطة،

стр. 8539

وبلفظ مغاير للفظ سعد، حيث قال: "أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه"، ولم يعقبه الزيادة المذكورة، وقد تابع الثوريَّ على ذلك جماعةٌ عن علقمة، فدل ذلك على المغايرة بينهما، وأن زيادة سعد في الإسناد لم تكن وهمًا من شعبة، لذا فقد أخرج البخاري الحديثين جميعًا في صحيحه، والله أعلم. قال ابن الجوزي في كشف المشكل (١/ ١٦٩): "وصحح البخاري كلتا الروايتين اعتمادًا على إتقان الإمامين سفيان وشعبة، وحملاً للأمر على أن علقمة سمعه من سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن، وسمعه من أبي عبد الرحمن، فكان تارة يرويه عن سعد عن أبي عبد الرحمن، وتارة عن أبي عبد الرحمن، … ، وصححه الترمذي أيضًا بالروايتين، وأعرض عن إخراجه مسلم لما رأى من الاختلاف فيه، ورأي البخاري في ذلك أسدُّ". وقال ابن حجر في الفتح (٩/ ٧٥): "ورجح الحفاظ رواية الثوري، وعدُّوا رواية شعبة من المزيد في متصل الأسانيد، وقال الترمذي: كان رواية سفيان أصح من رواية شعبة، وأما البخاري: فأخرج الطريقين، فكأنه ترجح عنده أنهما جميعًا محفوظان، فيحمل على أن علقمة سمعه أولًا من سعد ثم لقي أبا عبد الرحمن فحدثه به، أو سمعه مع سعد من أبي عبد الرحمن فثبته فيه سعد، ويؤيد ذلك ما في رواية سعد بن عبيدة من الزيادة الموقوفة، وهي قول أبي عبد الرحمن: فذلك الذي أقعدني هذا المقعد، كما سيأتي البحث فيه. وقد شذت رواية عن الثوري بذكر سعد بن عبيدة فيه، قال الترمذي: حدثنا محمد بن بشار: حدثنا يحيى القطان: حدثنا سفيان وشعبة، عن علقمة، عن سعد بن عبيدة به، وقال النسائي: أنبأنا عبيد الله بن سعيد: حدثنا يحيى، عن شعبة وسفيان؛ أن علقمة حدثهما، عن سعد، قال الترمذي: قال محمد بن بشار: أصحاب سفيان لا يذكرون فيه سعد بن عبيدة وهو الصحيح اهـ. وهكذا حكم علي بن المديني على يحيى القطان فيه بالوهم، وقال ابن عدي: جمع يحيى القطان بين شعبة وسفيان، فالثوري لا يذكر في إسناده سعد بن عبيدة، وهذا مما عد في خطأ يحيى القطان على الثوري، وقال في موضع آخر: حمل يحيى القطان رواية الثوري على رواية شعبة، فساق الحديث عنهما، وحمل إحدى الروايتين على الأخرى، فساقه على لفظ شعبة، وإلى ذلك أشار الدارقطني، وتعقب بأنه فصل بين لفظيهما في رواية النسائي، فقال: قال شعبة: خيركم، وقال سفيان: أفضلكم. قلت: وهو تعقب واهٍ؛ إذ لا يلزم من تفصيله للفظهما في المتن أن يكون فصل لفظهما في الإسناد، قال ابن عدي: يقال: إن يحيى القطان لم يخطئ قط إلا في هذا الحديث، وذكر الدارقطني أن خلاد بن يحيى تابع يحيى القطان عن الثوري على زيادة سعد بن عبيدة، وهي رواية شاذة، وأخرج ابن عدي من طريق يحمى بن آدم عن الثوري وقيس بن الربيع، وفي رواية عن يحيى بن آدم عن شعبة وقيس بن الربيع، جميعًا عن علقمة عن سعد بن عبيدة، قال: وكذا رواه سعيد بن سالم

стр. 8540

القداح عن الثوري ومحمد بن أبان كلاهما عن علقمة بزيادة سعد، وزاد في إسناده رجلًا آخر كما سأبينه، وكل هذه الروايات وهمٌ، والصواب عن الثوري: بدون ذكر سعد، وعن شعبة بإثباته". قلت: وهذا الحديث مما انتقده الدارقطني على البخاري، وقد نقلت كلامه من التتبع (١٣٠) في آخر طرق الحديث، وقد توسع الدارقطني في علله (٣/ ٥٣/ ٢٨٣) في ذكر الاختلاف الوارد فيه، حتى إنه ليورد في ذلك الطرق الغريبة والشاذة والمنكرة، ثم خلص منها في النهاية بقوله: "وأصحها: حديث علقمة بن مرثد، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، عن عثمان، عن النبي ﷺ "، وقد تقدم بيان الصواب، والله أعلم. وقال الدارقطني في جزء فيه بيان أحاديث أودعها البخاري كتابه الصحيح (١٨): "وتابع الثوري جماعة ثقات، منهم: مسعر، وعمرو بن قيس الملائي، وأبو اليسع، وغيرهم". • وممن رواه أيضًا عن علقمة بن مرثد: ١ - رواه الجراح بن الضحاك الكندي، عن علقمة بن مرثد؛ إلا أنه زيد في روايته ما ليس من الحديث: أ - رواه عبد الصمد المقرئ، عن الجراح بن الضحاك الكندي [صالح الحديث، لا بأس به]، عن علقمة بن مرثد، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان بن عفان، قال: قال رسول الله ﷺ : "خيركم من تعلم القرآن وعلمه، وفضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله تعالى على خلقه، وذلك أنه منه". أخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن (١٣٨)، ومن طريقه: الخطيب في الفصل للوصل المدرج في النقل (١/ ٢٩٠). هكذا رواه عن الجراح بهذا اللفظ مدرجًا: عبد الصمد بن عبد العزيز المقرئ العطار: روى عنه أبو حاتم وأبو زرعة، وقال أبو حاتم: "صالح الحديث، صدوق"، وقد سقطت ترجمته من الجرح والتعديل، واختلطت بترجمة عبد الصمد بن النعمان، وقد جاء ذلك مبينًا في ثقات ابن قطلوبغا، وقد تاكدت من ذلك بتتبع شيوخه وتلاميذه في مصادر الرواية، وقد ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي: "كان صدوقًا" [التاريخ الكبير (٦/ ١٠٥)، الجرح والتعديل (٦/ ٥١)، الثقات (٨/ ٤١٥)، تاريخ الإسلام (٥/ ٣٧٨)، الثقات لابن قطلوبغا (٦/ ٣٥٨ و ٣٦٢)]. ب - ورواه إسحاق بن سليمان الرازي، واختلف عليه: • فرواه يحيى بن عبد الحميد الحماني [صدوق حافظ؛ إلا أنه اتهم بسرقة الحديث. التهذيب (٤/ ٣٧٠)]، ويعلى بن المنهال السكوني [مجهول، يرفع الموقوفات. الجرح والتعديل (٩/ ٣٠٥)، علل الدارقطني (٣/ ٥٧/ ٢٨٣) و (٥/ ١٠٩/ ٧٥٦)]، ومحمد بن حميد الرازي [الحافظ؛ أجمع أهل بلده على ضعفه، وكذبه بعضهم، وهو كثير المناكير. راجع

стр. 8541

ما تحت الحديث رقم (١٠٤٤)، والحديث رقم (١٣٠٢)، [والراوي عنه: محمد بن محمد بن سليمان أبو بكر الباغندي: كان حافظًا إمامًا في هذا الشأن؛ إلا أنه كثير الغرائب وله أشياء أنكرت عليه، وقال الدارقطني: "هو كثير الخطأ". انظر: الكامل (٦/ ٣٠٠)، سؤالات السلمي (٢٨٥)، سؤالات السهمي (٨٩ و ١٣٢)، تاريخ بغداد (٣/ ٢٠٩)، السير (١٤/ ٣٨٣)، الميزان (٤/ ٢٧)، اللسان (٧/ ٤٧٣)، وراجع ترجمته في فضل الرحيم الودود (٢/ ١٤٨/ ١٤٥)]: ثنا إسحاق بن سليمان الرازي [كوفي الأصل: ثقة]: ثنا الجراح بن الضحاك الكندي، عن علقمة بن مرثد، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "خيركم من تعلم القرآن وعلمه، وفضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه، وذلك أنه منه". لفظ يعلى. أخرجه ابن بطة في الإبانة (٥/ ٢٢٨ /٤)، والبيهقي في الأسماء والصفات (١/ ٥٧٩ / ٥٠٥) و (١/ ٥٨٠/ ٥٠٦)، والخطيب في الفصل للوصل المدرج في النقل (١/ ٢٨٩ و ٢٩١)، وإسماعيل الأصبهاني في الحجة في بيان المحجة (٢/ ١٩٨/ ١٤٨). قال الحضرمي [محمد بن عبد الله بن سليمان المعروف بمطين: ثقة حافظ، أراويه عن يعلى]: "ليس أحد يقول في هذا الحديث: "وذاك أنه منه" غير هذا الشيخ، وسمعه يحيى الحماني من يعلى بن المنهال هذا". قال الخطيب: "قد وافقه على هذه الرواية شيخ من أهل الري يقال له: عبد الصمد بن عبد العزيز المقرئ، فرواه عن الجراح بن الضحاك هكذا". • قلت: قد رواه بفصل المدرج أئمة حفاظ: رواه إسحاق بن راهويه [إمام فقيه، ثقة حافظ]، وأبو مسعود أحمد بن الفرات [ثقة حافظ]، وحامد بن محمود [حامد بن محمود بن حرب، أبو علي المقرئ النيسابوري، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الخليلي: "ثقة مأمون"، وقال الخطيب: "وكان ثقة". الثقات (٨/ ٢١٩)، الإرشاد (٣/ ٨٢٢)، المتفق والمفترق (١/ ٧٣٩)، غاية النهاية (٩٢٩)، الثقات لابن قطلوبغا (٣/ ٢٧٠)]، ويحيى بن أبي طالب [يحيى بن جعفر بن الزبرقان: وثقه الدارقطني وغيره، وتكلم فيه جماعة، وقد سبق ذكره مرارًا. اللسان (٨/ ٤٢٣ و ٤٥٢)، تاريخ بغداد (١٤/ ٢٢٠)، السير (١٢/ ٦١٩)]، والحسين بن حماد الوراق [كذا، والأشبه عندي: أنه الحسن بن حماد الضبي، أبو علي الوراق الكوفي، وهو: ثقة، معروف بالرواية عن إسحاق بن سليمان الرازي]، وإسحاق بن إسماعيل الأصبهاني المعروف بالفِلفِلاني [قال أبو الشيخ: "كان أحد الثقات". طبقات المحدثين (٣/ ٢٩٨)، تاريخ أصبهان (١/ ٢٦٠)، تاريخ الإسلام (٦/ ٢٩٤)]، ومحمد بن حميد الرازي [حافظ ضعيف، كثير المناكير]: عن إسحاق بن سليمان الرازي، عن الجراح بن الضحاك الكندي، عن علقمة بن

стр. 8542

مرثد، عن أبي عبد الرحمن، عن عثمان بن عفان، عن النبي ﷺ قال: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه". [قال أبو عبد الرحمن: فذاك الذي أجلسني هذا المجلس، وكان يقرئ القرآن]. قال أبو عبد الرحمن: فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الرب على خلقه، [وذلك بأنه منه]. أخرجه عثمان بن سعيد الدارمي في الرد على الجهمية (٣٤١)، وجعفر الفريابي في فضائل القرآن (١٥ و ١٦)، وابن السماك عثمان بن أحمد الدقاق في الثاني من فوائده (١٥)، وأبو علي ابن شاذان في الثامن من حديثه (١٠)، وابن حذلم في مشيخته (٥٣)، وتمام في الفوائد (١٧٥١)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٢/ ٣٧٣/ ٥٥٦)، والبيهقي في الأسماء والصفات (١/ ٥٧٨ / ٥٠٤)، وفي الاعتقاد (١٠١)، وفي الشعب (٤/ ٣٢٩/ ٢٠١٩)، والخطيب في الفصل للوصل المدرج في النقل (١/ ٢٩١ - ٢٩٣). قال الدارقطني في علله (٣/ ٥٧/ ٢٨٣) عن هذه الزيادة "وفضل القرآن على سائر الكلام"، قال: "أدرجه في كلام النبي ﷺ ، وإنما هو من كلام أبي عبد الرحمن السلمي. وبين ذلك إسحاق بن راهويه وغيره في روايتهم عن إسحاق بن سليمان". وقال في الأفراد: "تفرد به: يعلى بن المنهال، عن إسحاق بن سليمان الرازي، عن الجراح بن الضحاك، عن علقمة، عن أبي عبد الرحمن، عن عثمان مرفوعًا، وغيره يرويه من قول أبي عبد الرحمن" [أطراف الغرائب والأفراد (١/ ٧٧/ ٢٢٩)]. وهذا حديث صحيح، تابع فيه الجراحُ بن الضحاك سفيانَ الثوري، بعدم ذكر سعد بن عبيدة في الإسناد، وفيه زيادة في آخره من قول أبي عبد الرحمن السلمي مقطوعًا عليه، في فضل كلام الله على كلام خلقه. ج - ورواه أبو حفص عمر بن محمد [عمر بن محمد بن رجاء، أبو حفص العكبري: قال الخطيب: "روى عنه ابن بطة العكبري، وكان عبدًا صالحًا دينًا صدوقًا"، وذكر له ترجمة مقتضبة جدًا في سطور، ولم يذكر فيمن روى عنه سوى ابن بطة، وأنه كان صاحب سنة، وقال الذهبي: "كان عبدًا صالحًا دينًا، ثقة، كبير القدر، من أئمة الحنابلة". تاريخ بغداد (١٣/ ٩٣ - ط الغرب)، طبقات الحنابلة (٢/ ٥٦)، تاريخ الإسلام (٧/ ٥٧٨ - ط الغرب)]، قال: حدثنا أبو أيوب عبد الوهاب بن عمرو أعبد الوهاب بن عمرو بن سعيد النزلي العكبري: لم أقف فيه على جرح أو تعديل. ذيل تاريخ بغداد لابن النجار (١٦/ ٢٢٠)]، قال: حدثنا الحسين بن الأسود، قال: حدثني محمد بن عبد الرحمن الهمداني [لم أقف له على ترجمة]، قال: حدثني الجراح بن الضحاك الكندي، عن علقمة بن مرثد، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان بن عفان، قال: قال رسول الله ﷺ : "خياركم من تعلم القرآن وعلمه". قال أبو عبد الرحمن: فذلك الذي أقعدني مقعدي هذا، وكان يعلم القرآن في مسجد الكوفة أربعين سنة.

стр. 8543

قال أبو عبد الرحمن: وفضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الرب على خلقه، وذاك لأنه منه. أخرجه ابن بطة في الابانة (٥/ ٢٥١/ ٢٤). وهذا إسناد فيه من يُجهل حاله، وحسين بن علي بن الأسود العجلي: قال فيه أحمد: "لا أعرفه لا، وقال ابن نمير: "أرجو أن يكون صدوقًا إن شاء الله"، وقال أبو حاتم: "صدوق دا، وروى عنه، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: "ربما أخطالا، وقال الآجري عن أبي داود: "لا ألتفت إلى حكاياته أراها أوهامًا"، لكن قال فيه ابن عدي: "يسرق الحديث"، ثم ساق له أحاديث جزم بسرقتها من غيره، ثم قال: "وللحسين بن علي بن الأسود أحاديث غير هذا، مما سرقه من الثقات، وأحاديثه لا يتابع عليها"، وقال الأزدي: "ضعيف جدًا، يتكلمون في حديثه"، قلت: لعله لما قدم عليه ابن نمير وأبو حاتم حدث بأحاديث مستقيمة؛ حتى لا يجرحه النقاد، والجرح المفسر مقدم على التعديل المجمل؛ فإن مع الجارح زيادة علم [سؤالات ابن محرز (٢/ ٢٢٧/ ٧٨١)، سؤالات المروذي (٢٩٢)، الجرح والتعديل (٣/ ٥٦)، الثقات (٨/ ١٩٠)، الكامل (٢/ ٣٦٨)، تاريخ بغداد (٨/ ٦١٦ - ط الغرب)، الميزان (١/ ٥٤٣)، تاريخ الإسلام (٦/ ٧٤ - ط الغرب)، التهذيب (١/ ٤٢٥)]. • وقد رواه جرير بدون الجملة المقطوعة على أبي عبد الرحمن مما يؤكد وقوع الإدراج فيه: د - رواه جرير بن عبد الحميد الضبي [ثقة]، عن الجراح به؛ إلا أنه قال: "أن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه"، لم يزد على ذلك شيئًا. أخرجه جعفر الفريابي في فضائل القرآن (١٤)، ومن طريقه: الخطيب في الفصل للوصل المدرج في النقل (١/ ٢٩٤)، وابن حذلم في مشيخته (٥٤). • قال الخطيب: "والمرفوع من الحديث: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" هذا حسب كلام النبي ﷺ ، وأما ما بعده فهو كلام أبي عبد الرحمن السلمي. وقد روى ذلك مبينًا مفصلًا: إسحاق بن إسماعيل الأصبهاني المعروف بالفلفلاني، ويحيى بن أبي طالب، وإسحاق بن راهويه، وأبو مسعود أحمد بن الفرات، جميعًا عن إسحاق بن سليمان الرازي، عن الجراح بن الضحاك. ورواه محمد بن حميد الرازي عن إسحاق بن سليمان، فوهم فيه وجعل كلام أبي عبد الرحمن مرفوعًا، وقال فيه: قال النبي ﷺ . ورواه جرير بن عبد الحميد عن الجراح بن الضحاك، فاقتصر على ذكر المسند المرفوع منه فقط، دون كلام أبي عبد الرحمن السلمي". وقال ابن الجوزي في كشف المشكل (١/ ١٦٩): "فهذه الزيادة يظن أنها من كلام رسول الله ﷺ ، وإنما هي من كلام أبي عبد الرحمن، وقد بين ذلك علماء النقل، ولم تذكر في الصحاح".

стр. 8544

وعلق البخاري في خلق أفعال العباد (٩٦) قول أبي عبد الرحمن السلمي مقطوعًا عليه، مشيرًا بذلك إلى ترجيح الوقف، ثم أورده في موضع آخر (٥٢٨) وأشار إلى عدم صحته مرفوعًا [وانظر: فتح الباري لابن حجر (٩/ ٦٦)]. ٢ - ورواه عمرو بن قيس الملائي [ثقة متقن، وعنه: أبو بدر شجاع بن الوليد، وهو: ثقة]، وموسى بن قيس الفراء [صدوق، وعنه: أبو نعيم الفضل بن دكين، وهو: ثقة ثبت]، ومسعر بن كدام [ثقة ثبت، وعنه: محمد بن بشر العبدي، وهو: ثقة حافظ]، وأبو اليسع يحيى بن شعيب [المكفوف، قال ابن معين: "كوفي ثقة"، وقال أبو حاتم: "يكتب حديثه"، وذكره ابن حبان في الثقات. الكنى للبخاري (٨٢)، تاريخ ابن معين للدوري (٣/ ٣٠٥/ ١٤٤٧)، الجرح والتعديل (٩/ ٤٥٨)، الثقات (٧/ ٦٦٨) و (٩/ ٢٥٠)، سؤالات السلمي للدارقطني (٤٢٠)، إكمال ابن ماكولا (٧/ ٣٢٩)، تاريخ الإسلام (٤/ ٢٦٨ - ط الغرب] [وعنه: محمد بن عبيد الطنافسي، ومحمد بن بشر]، وسلمة بن صالح [الأحمر الواسطي: ضعفوه، وتركه بعضهم، وعنه: أحمد بن منيع، وهو: ثقة حافظ]، ومحمد بن أبان بن صالح [القرشي الجعفي الكوفي: ضعيف. انظر: اللسان (٦/ ٤٨٨) وغيره]، وأيوب بن جابر [ضعيف]، وغيرهم: عن علقمة بن مرثد، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان بن عفان، قال: قال رسول الله ﷺ : "أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه". أخرجه أبو عوانة (٢/ ٤٤٦ - ٤٤٧/ ٣٧٧٣ - ٣٧٧٦)، وابن الأعرابي في المعجم (٢/ ٤٦١/ ٩٠٠) و (٢/ ٨١١/ ١٦٥٨)، وابن المقرئ في المعجم (١٨٥)، وأبو طاهر المخلص في الرابع من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (١١٩) (٧٣٤ - المخلصيات)، وفي سبعة مجالس من أماليه (٥٨) (٣١٥٢ - المخلصيات)، وتمام في الفوائد (٢١١)، وأبو الحسن العيسوي في فوائده (١)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/ ٤٥٩)، وابن بشران في الأمالي (٧٢٨)، وابن الآبنوسي في مشيخته (٩٤)، والخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ٣٢٨ - ط الغرب)، وعبد الخالق بن أسد الحنفي في المعجم (٤١٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٧/ ١١ و ٥٠) و (٣٩/ ٥)، ورشيد الدين الأموي في المشيخة البغدادية (٤١) [الإتحاف (١١/ ٥٥/ ١٣٦٨٣)]. • تنبيه: اختلف في إسناده على عمرو بن قيس: • فرواه أبو عوانة الإسفراييني [يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم النيسابوري: ثقة حافظ كبير، مصنف مشهور]، وأبو سعيد ابن الأعرابي [أحمد بن محمد بن زياد بن بشر: ثقة حافظ، إمام مصنف]، وعمرو بن عثمان البري [قال أبو الشيخ: "كان كثير الحديث". طبقات المحدثين (٤/ ٢٣٩)، تاريخ أصبهان (١/ ٤٥٩)، تاريخ بغداد (١٤/ ١٤١ - ط الغرب)]، وأبو جعفر محمد بن عمرو بن البختري الرزاز [ثقة ثبت. تاريخ بغداد (٤/ ٢٢٢ - ط الغرب)، تاريخ الإسلام (٧/ ٧٣٠ - ط الغرب)، السير (١٥/ ٣٨٥)]، وإسماعيل بن محمد الصفار [ثقة. السير (١٥/ ٤٤٠)]، قالوا:

стр. 8545

ثنا سعدان بن نصر: ثنا شجاع بن الوليد، عن عمرو بن قيس الملائي، عن علقمة بن مرثد، عن أبي عبد الرحمن، عن عثمان مرفوعًا. ليس فيه سعد بن عبيدة. أخرجه اْبو عوانة (٢/ ٤٤٧/ ٣٧٧٥)، وابن الأعرابي في المعجم (٢/ ٨١١/ ١٦٥٨)، وأبو الحسن العيسوي في فوائده (١)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/ ٤٥٩)، وعبد الخالق بن أسد الحنفي في المعجم (٤١٣)، ورشيد الدين الأموي في المشيخة البغدادية (٤١)، وغيرهم. قال أبو الفتح ابن أبي الفوارس: "هذا حديث صحيح من حديث علقمة بن مرثد، عن أبي عبد الرحمن السلمي عبد الله بن حبيب، عن عثمان بن عفان، وهو غريب من حديث عمرو بن قيس الملائي عنه، تفرد به عنه: أبو بدر شجاع بن الوليد بن قيس السكوني، وقع إلينا بعلو عن سعدان عنه، وكذلك رواه: أبو همام، وأحمد بن يحيى بن مالك السوسي، عن أبي بدر". قلت: وهو كما قال. • ورواه أيضًا: أبو جعفر محمد بن عمرو الرزاز، وإسماعيل بن محمد الصفار، قالا: حدثنا سعدان بن نصر: حدثنا أبو بدر شجاع بن الوليد، عن عمرو بن قيس الملائي، عن علقمة بن مرثد، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان بن عفان، عن النبي ﷺ قال: "إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه". أخرجه البيهقي في الشعب (٤/ ١١٣/ ١٧٨٤)، قال: أخبرنا أبو الحسين بن بشران: أخبرنا أبو جعفر محمد بن عمرو الرزاز، وإسماعيل بن محمد الصفار، قالا: حدثنا سعدان به. هكذا قرنهما ابن بشران، وزاد في إسناد حديثهما: سعد بن عبيدة، والله أعلم. وهذه الرواية وهمٌ؛ وأبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران البغدادي، قال الخطيب: "كتبنا عنه، وكان صدوقًا ثقة ثبتًا"، وقال الذهبي: "روى شيئًا كثيرًا على سداد وصدق وصحة رواية، كان عدلًا وقورًا" [تاريخ بغداد (١٢/ ٩٨)، السير (١٧/ ٣١١)، الإكمال (٥/ ١٠٢)، تكملة الإكمال (٣/ ٤٦٨)]. [وانظر: أطراف الغرائب والأفراد (١/ ٧٧/ ٢٢٨)]. ٣ - وروى يزيد بن محمد بن عبد الصمد [الدمشقي: ثقة]: ثنا سليمان بن عبد الرحمن: ثنا سعد الناجي: ثنا يحيى بن سعيد، عن علقمة بن مرثد، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان بن عفان، عن رسول الله ﷺ قال: "أفضل الناس من تعلم القرآن وعلمه". أخرجه تمام في الفوائد (٢٠٩)، قال: أخبرنا أحمد بن سليمان بن حذلم [هو: أحمد بن سليمان بن أيوب بن داود بن عبد الله بن حذلم، أبو الحسن الأسدي الدمشقي
следующие страницы →