← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 261

فضل الرحيم الودود تخريج سنن أبي داود

ياسر فتحي

Полный текст (16 465 стр.). Показаны 8856–8895 · переход к 8861.

стр. 8856

[وأخرجه مطولًا: أحمد (١/ ٤٠٥/ ٣٨٤٥)، والطبراني في الكبير (١٠/ ١١٩/ ١٠٠٧٦)، والبيهقي في الشعب (٤/ ٣٧١/ ٢٠٧٤)] [المسند المصنف (١٩/ ٣٥/ ٨٧٣٢)، [وفي إسناده رجل مبهم] [ولفظه عند أحمد: لما أراد عبد الله أن يأتي المدينة جمع أصحابه، فقال: والله إني لأرجو أن يكون قد أصبح اليوم فيكم من أفضل ما أصبح في أجناد المسلمين من الدين والفقه والعلم بالقرآن، إن هذا القرآن أنزل على حروف، والله إن كان الرجلان ليختصمان أشد ما اختصما في شيء قط، فإذا قال القارئ: هذا أقرأني، قال: "أحسنت "، وإذا قال الآخر، قال: "كلاكما محسن"، فاقرأنا: لا إن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، والكدب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، واعتبروا ذاك بقول أحدكم لصاحبه: كذب وفجر، وبقوله إذا صدقه: صدقت وبررت "، إن هذا القرآن، لا يختلف ولا يستشن، ولا يتفه لكثرة الرد، فمن قرأه على حرف، فلا يدعه رغبة عنه، ومن قرأه على شيء من تلك الحروف، التي علم رسول الله ﷺ فلا يدعه رغبة عنه، فإنه من يجحد بآية منه، يجحد به كله، فإنما هو كقول أحدكم لصاحبه: اعجل، وحيَّ هلا، والله لو أعلم رجلًا أعلم بما أنزل الله على محمد ﷺ مني لطلبته، حتى أزداد علمه إلى علمي، إنه سيكون قوم يميتون الصلاة، فصلوا الصلاة لوقتها، واجعلوا صلاتكم معهم تطوعاً، وإن رسول الله ﷺ كان يعارض بالقرآن في كل رمضان، وإني عرضت في العام الذي قبض فيه مرتين، فأنبأني أني محسن، وقد قرأت من في رسول الله ﷺ سبعين سورة]. ط- وأخرجه أيضًا من وجه آخر: الطبراني في الكببر (١٠/ ٢٥٢/ ١٠٤٧٣) [وفي سنده: محمد بن الفضل بن عطية، وهو: متروك الحديث، كذاب، روى أحاديث موضوعة. التهذيب (٣/ ٦٧٥)، الميزان (٤/ ٦)]. [والمحفوظ منه: ما رواه عبدة بن سليمان -واللفظ له-، وحفص بن غياث، وجرير بن عبد الحميد، وأبو أسامة حماد بن أسامة، وزائدة بن قدامة، وعبد الواحد بن زياد، وعبد ربه بن نافع أبو شهاب الحناط، وغيرهم: عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله، أنه قال: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]، ثم قال: على قراءة من تأمروني أن أقرأ؟ فلقد قرأت على رسول الله ﷺ بضعًا وسبعين سورة، ولقد علم أصحاب رسول الله ﷺ ، أني أعلمهم بكتاب الله، ولو أعلم أن أحدًا أعلم مني لرحلت إليه، قال شقيق: فجلست في حلق أصحاب محمد ﷺ ، فما سمعت أحدًا يرد ذلك عليه، ولا يعيبه. وألفاظهم متفاوتة، يزيد بعضهم على بعض. وفي رواية: خطبنا ابن مسعود فقال: كيف تأمروني أقرأ على قراءة زيد بن ثابت بعدما قرأت من في رسول الله ﷺ بضعًا وسبعين سورة، وإن زيدًا مع الغلمان له ذؤابتان. أخرجه البخاري (٥٠٥٠)، ومسلم (٢٤٦٢)، واللفظ له، وأبو عوانة (١٩/ ٢٩ - ٣١/ ١٠٨٢١ - ١٠٨٢٣)، والنسائي في المجتبى (٨/ ١٣٤/ ٥٠٦٤)، وفي الكبرى (٧/ ٢٥٠/

стр. 8857

٧٩٤٣) و (٨/ ٣٢١/ ٩٢٧٩)، وأحمد (١/ ٦١١/ ٣٩٠٤)، وابن سعد في الطبقات (٢/ ٣٤٣)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (٢/ ٥٣٧)، والبلاذري في أنساب الأشراف (١١/ ٢١١]؛ والبزار (٥/ ١٢٤/ ١١٧٠٨، وابن أبي داود في المصاحف (٧٧ و ٧٨)، والطحاوي في المشكل (١٤/ ٢٣٤ و ٥٢٣/ ٥٥٩٥)، والهيثم بن كليب في مسنده (٥٨٨)، والطبراني في الكبير (٩/ ٧٢ - ٧٣/ ٨٤٢٧ و ٨٤٢٨) و (٩/ ٤٨/ ٨٤٧٧)، وجعفر المستغفري في فضائل القرآن (٤١٨ و ٤١٩)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٤/ ١٧٦٨/ ٤٤٧٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٣/ ١٣٥ و ١٣٦)، [التحفة (٦/ ٢٩٥/ ٩٢٥٧)، الإتحاف (١٠/ ٢٥٠/ ١٢٦٧٨ و ١٢٦٧٩)، المسند المصنف (٢٩/ ٢١٤/ ٨٨٥٦)]. * وانظر أيضًا: ما أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١/ ٤٠)، والدارقطني في الأفراد (٢/ ٥٨/ ٤٠١٠ - أطرافه). وما أخرجه أبو نعيم في الحلية (١/ ٦٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٢/ ٤٠٠)، [وهو موضوع على ابن مسعود]. ٨ - عن معاذ بن جبل: رواه محمد بن عبد الرحيم أبو يحيى [صاعقة: ثقة حافظ]: ثنا علي بن ثابت الدهان، عن أسباط بن نصر، عن السدي، عن عبد خير، عن معاذ بن جبل، قال: أنزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف كلها شاف كاف. أخرجه الطبراني في الكبير (٢٠/ ١٥٠/ ٣١٢). قلت: إسناده ليس بالقائم، عبد خير صاحب علي: لا يُعرف له سماع من معاذ بن جبل، وإسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السدي: ليس به بأس، وقد ضُعِّف [التهذيب (١/ ١٥٨)]. وأسباط بن نصر: ليس بالقوي، تكلم في روايته عن السدي [التهذيب (١/ ١٠٩)، الميزان (١/ ١٧٥)، وهو كثير الخطأ، يقلب الأسانيد. وعلي بن ثابت الدهان: ذكره ابن حبان في الثقات، وقال البزار: "كوفي، غالٍ في التشيع "، وروى عنه جمع من الثقات، وقال ابن حجر: " صدوق " [كشف الأستار (١٦٢٢)، التهذيب (٣/ ١٤٦)، التقريب (٥٤٨)]. ٩ - عن زيد بن أرقم [أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١/ ٢٤)، والطبراني في الكبير (٥/ ١٩٨/ ٥٠٧٨)، [وهو حديث باطل، تفرد به: عيسى بن قرطاس، وهو: متروك، كذبه الساجي، وقال ابن حبان: "كان ممن يروي الموضوعات عن الثقات، لا يحل الاحتجاج به " التهذيب (٣/ ٣٦٦)]. ١٠ - عن أبي سعيد الخدري [أخرجه الطبراني في الأوسط (٦/ ١٤٢/ ٦٠٣٣)] [وهو حديث باطل من حديث الحسن البصري عن أبي سعيد، تفرد به عن الحسن: أبو حمزة ميمون الأعور القصاب الكوفي الراعي، وهو: ضعيف، تركه بعضهم. التهذيب (٤/ ٢٠٠)].

стр. 8858

١١ - عن أنس بن مالك [أخرجه تمام في الفوائد (١٦٥١)، [إسناده واهٍ بمرة: زيد بن الحواري العمي: ضعيف، ومحمد بن الفضل بن عطية: متروك الحديث، كذاب، ومحمد بن عيسى بن حيان المدائني: ضعيف، يروي عن مشايخه ما لا يتابع عليه. انظر: اللسان (٧/ ٤٢٨)]. ١٢ - عن عثمان بن عفان [أخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده (٦/ ٣٢١/ ٥٩٣٣ - إتحاف الخيرة)، وأبو يعلى (٦/ ٣٢١/ ٥٩٣٣ - إتحاف الخيرة)، [ولا يثبت؛ فإنه معضل]. * قال أبو عبيد: "قد تواترت هذه الأحاديث كلها على الأحرف السبعة، إلا حديثًا واحداً يروى عن سمرة" [فضائل القرآن (٣٣٩)]. ١٣ - حديث سمرة بن جندب: رواه عفان بن مسلم، وحجاج بن المنهال، وعبيد الله بن موسى العيشي [وهم ثقات]: عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ أنه قال: "نزل القرآن على ثلاثة أحرف". أخرجه عفان في حديثه (٣٦١)، وعنه: أبو عبيد القاسم بن سلام في فضائل القرآن (٣٣٩)، وابن أبي شيبة (٦/ ١٣٨/ ٣٠١٢٤) (١٦/ ٤٥٣/ ٣٢١٢٥ - ط الشثري)، وأحمد (٥/ ٢٢)، والبزار (١٠/ ٤١٦/ ٤٥٦٣)، والطحاوي في المشكل (٨/ ١٣٥/ ٣١١٩)، والطبراني في الكبير (٧/ ٢٠٦/ ٦٨٥٣)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٥٢ - ط العلمية)، والحاكم (٢/ ٢٢٣) (٣/ ٤٤٣/ ٢٩٢٠ - ط الميمان)، وتمام في الفوائد (٧٤٢)، وجعفر المستغفري في فضائل القرآن (٣٦٧)، والخطيب في تاريخ بغداد (٤/ ٤٥٨). [الإتحاف (٦/ ٦١١٢/٥٠)، المسند المصنف (٩/ ٥٢١/ ٤٦٥٣)]. قال أبو عبيد: "ولا نرى المحفوظ إلا السبعة؛ لأنها المشهورة". وقال البزار: "وهذا الحديث لا نعلم رواه عن قتادة إلا حماد بن سلمة، ولا نعلم يروى هذا اللفظ إلا عن سمرة". وقال ابن عدي: "وهذا الحديث لا أعلم يرويه بهذا الإسناد غير حماد بن سلمة، وقال: على ثلاثة أحرف، ولم يقله غيره ". وقال الحاكم: "قد احتج البخاري برواية الحسن عن سمرة، واحتج مسلم بأحاديث حماد بن سلمة، وهذا الحديث صحيح وليس له علة". * قلت: بل له علة ظاهرة، فقد اختلف أصحاب حماد عليه: فقد رواه بهز بن أسد [وهو: ثقة ثبت، قال أحمد: "إليه المنتهى في التثبت "، وقال العجلي: "بصري، ثقة ثبت في الحديث، وهو أثبت الناس في حماد بن سلمة". الجرح والتعديل (٢/ ٤٣١)، التهذيب (١/ ٢٥١)]: حدثنا حماد بن سلمة: أخبرنا قتادة، عن الحسن، عن سمرة، أن رسول الله ﷺ -قال: "نزل القرآن على سبعة أحرف".

стр. 8859

أخرجه أحمد (٥/ ١٦) (٩/ ٤٦٥٨/ ٢٠٤٩٦ - ط المكنز). [الإتحاف (٦/ ٥٠/ ٦١١٢)، المسند المصنف (٩/ ٥٢١/ ٤٦٥٣)]. قلت: لعل حمادأ روجع فيه فرجع، فإن قيل: يشكل عليه أنه روي من صحيفة سمرة التي رواها عنه بنوه باللفظ الأول: • فقد رواه خالد بن يوسف: حدثني أبي: ورواه مروان بن جعفر السمري: ثنا محمد بن إبراهيم بن خبيب: عن جعفر بن سحد: ثثا خبيب بن سليمان، عن أبيه، عن سمرة؛ أن رسول الله ﷺ كان يأمرنا أن نقرأ القرآن كما أقرأناه، وقال: "أنزل القرآن على ئلاثة أحرف، فلا تختلفوا فيه ولا تجافوا عنه، فإنه مبارك كله، اقرؤوه كلما أقرئتموه ". أخرجه البزار (١٠/ ٤٥٠/ ٤٦١٢)، والطبراني في الكبير (٧/ ٢٥٤/ ٧٠٣٢). قلت: يوسف بن خالد، هو: السمتي، متروك، ذاهب الحديث، كذبه غير واحد [انظر: التهذيب (٤/ ٤٥٤) وغيره]؛ وابنه خالد: أصلح حالًا منه؛ فقد ضُعِّف، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: "يعتبر حديثه من غير روايته عن أبيه" [انظر: اللسان (٣/ ٣٥٠) وغيره]، فهذه الطريق لا يعتمد عليها، ولا تصلح للاعتبار. ومروان بن جعفر السَّمُري: روى صحيفة سمرة، روى عنه أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان، وقال أبو حاتم: "صدوق، صالح الحديث"، فلا عبرة بعد ذلك بقول الأزدي: "يتكلمون فيه" [الجرح والتعديل (٨/ ٢٧٦)، طبقات ابن سعد (٦/ ٤١٧)، تاريخ الإسلام (١٧/ ٣٦٠)، الميزان (٤/ ٨٩)، اللسان (٨/ ١٢٨]. ومحمد بن إبراهيم بن خبيب بن سليمان بن سمرة: ترجم له البخاري وابن أبي حاتم بروايته لرسالة سمرة بهذا الإسناد، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في الثقات؛ إلا أنه قال: "لا يعتبر بما انفرد به من الإسناد" [التاريخ الكبير (١/ ٢٦)، الجرح والتعديل (٧/ ١٨٦)، الثقات (٩/ ٥٨)، المؤتلف للدارقطني (٢/ ٦٣٢)، اللسان (٦/ ١٤٧٧]؛ وعلى هذا فهو صالح فيما رواه بهذا الإسناد وتوبع عليه. قلت: ففي الجملة: فهذا إسناد جيد في المتابعات، وقد سبق تفصيل الكلام عن إسناد صحيفة سمرة هذا، عند الحديث السابق برقم (٤٥٦)، وذكرت هناك كلام العلماء في هذه الصحيفة وإسنادها، والحاصل: أن الذي يترجح عندي في هذا الإسناد: أنه إسناد صالح في الشواهد والمتابعات، لا ينهض على انفراده بإثبات حكم، أو تثبت به سنة، فإن جاء بمخالفة ما صح فهو منكر، وانظر أيضًا ما تقدم برقم (٦٧٥ و ٨٤٥ و ٩٧٥ و ١٠٠١ و ١٠٥٧)]. وعليه: فهو حديث منكر بلفظ الثلاث، ولعل المحفوظ فيه: رواية بهز عن حماد بلفظ السبع، حيث صحت الأحاديث بذلك، قال أبو عبيد: "ولا نرى المحفوظ إلا السبعة؛ لأنها المشهورة"، والله أعلم.

стр. 8860

١٤ - ثم وجدت في الباب حديثًا في الأحرف العشرة: رواه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (٤/ ٤٤٨/ ١٤٧٩)، بإسناد مجهول: إلى أبي حمزة السكري [محمد بن ميمون المروزي: ثقة مشهور، ذهب بصره في آخر عمره]؛ عن زكريا بن حكيم، عن الشعبي، عن علي بن أبي طالب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "أنزل القرآن على عشرة: بشيرًا ونذيرًا، وناسخًا ومنسوخًا، ومحكمًا ومتشابهًا، وعظةً ومثلًا، وحلالًا وحرامًا، فمن ابتشر ببشيره، وانتذر بنذيره، وعمل بناسخه، وآمن بمنسوخه، واقتصر على محكمه، ورد علم متشابهه إلى عالمه، واتعظ بعظته، واعتبر بمثله، وأحل حلاله، وحرم حرامه؛ فأولئك هم المؤمنون حقًا، … " في حديث طويل. وهذا حديث باطل؛ تفرد به عن عامر بن شراحيل الشعبي دون بقية أصحابه على كثرتهم: زكريا بن حكيم الحبطي، وهو: هالك، ليس بشيء، ترك الناس حديثه [اللسان (٣/ ٥٠٥)]. * وانظر في المراسيل: ما أخرجه سعيد بن منصور (٣٣ و ٥٥). وابن أبي شيبة (٦/ ١٣٧/ ٣٠١١٨)، وابن جرير الطبري في تفسيره (١/ ٣٩ و ٤٠ و ٤٨ و ٤٩)، وابن حزم في الإحكام (٣/ ١٦)، [من مرسل عمرو بن دينار، وابن سيرين، وأبي العالية، وسعيد بن المسيب، والأعمش]. * ومما صح في اختلاف الصحابة في أحرف القرآن، لكن بدون موضع الشاهد: ١ - روى أبو بكر بن عياش، وحماد بن سلمة، وأبو معاوية شيبان بن عبد الرحمن النحوي، وإسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، وأبو عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري [وهم ثقات]؛ وأبو خالد الدالاني [هو: يزيد بن عبد الرحمن: كوفي، لا بأس به]؛ وشريك بن عبد الله النخعي [صدوق، سيئ الحفظ]: عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود، قال: أقرأني رسول الله ﷺ سورة من الثلاثين، من آل حم، قال: يعني: الأحقاف، قال: وكانت السورة إذا كانت أكثر من ثلاثين آية سميت الثلاثين، قال: فرحت إلى المسجد، فإذا رجل يقرؤها على غير ما أقرأني، فقلت: من أقرأك؟ فقال: رسول الله ﷺ ، قال: فقلت لآخر: اقرأها، فقرأها على غير قراءتي وقراءة صاحبي، فانطلقت بهما إلى النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، إن هذين يخالفاني في القراءة؟ قال: فغضب، وتمعَّر وجهه، وقال: "إنما أهلك من كان قبلكم الاختلاف"، -قال: قال زر: وعنده رجل- قال: فقال الرجل: إن رسول الله ﷺ يأمركم أن يقرأ كل رجل منكم كما أقرئ، فإنما أهلك من كان قبلكم الاختلاف، قال: قال عبد الله: فلا أدري أشيئًا أسره إليه رسول الله ﷺ ، أو علم ما في نفس رسول الله ﷺ ؟ قال: والرجل هو علي بن أبي طالب صلوات الله عليه. لفظ أبي بكر بن عياش [عند أحمد]. وفي لفظ لحماد [عند أحمد]: أقرأني رسول الله ﷺ سورة الأحقاف، وأقرأها رجلًا

стр. 8861

آخر، فخالفني في آية، فقلت له: من أقرأكها؟ فقال: رسول الله ﷺ ، فأتيته وهو في نفر، فقلت: يا رسول الله، ألم تقرئني آية كذا وكذا؟ فقال: بلى، قال: قلت: فإن هذا يزعم أنك أقرأتها إياه كذا وكذا؟ فتغير [وفي رواية: فتمعَّر، وجه رسول الله ﷺ ، فقال الرجل الذي عنده: ليقرأ كل رجل منكم كما سمع، فإنما هلك من كان قبلكم بالاختلاف، قال: فواللّه، ما أدري أن رسول الله ﷺ أمره بذلك، أم هو قاله؟. ولفظ شيبان [عند الشاشي]: أتيت المسجد فجلست إلى أناس، وجلسوا إليَّ، فاستقرأت رجلًا منهم سورة، ما هي إلا ثلاثون آية، وهي حم الأحقاف، فإذا هو يقرأ حروفًا لا أقرؤها، فقلت: من أقرأك؟ قال: أقرأني رسول الله ﷺ ، فاستقرأت الآخر فإذا هو يقرأ حروفًا لا أقرؤها أنا وصاحبي، فقلت: من أقرأك؟ قال: أقرأني رسول الله ﷺ ، فانطلقنا إليه، فأخذت بأيديهما حتى أتيت بهما رسول الله ﷺ ، وعنده رجل -يعني: عليًا- فقلت: يا رسول الله، إنا اختلفنا في قراءتنا، قال: فتغير وجهه حين ذكرت الاختلاف، فقال: "إنما أهلك من كان قبلكم الاختلاف"، فقال علي -فلا أدري أسرَّ إليه ما لم أسمع أو علم الذي في نفسه فتكلم به؟ -: إن رسول الله ﷺ يأمركم أن يقرأ كل رجل منكم كما عُلِّم. ولفظ إسرائيل [عند الحاكم]: أقرأني رسول الله ﷺ سورة حم، ورحت إلى المسجد عشية، فجلس إلي رهط، فقلت لرجل من الرهط: اقرأ علي، فإذا هو يقرأ حروفًا لا أقرؤها، فقلت له: من أقرأكها؟ قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ ، فانطلقنا إلى رسول الله ﷺ ، وإذا عنده رجل، فقلت: اختلفنا في قراءتنا، وإذا وجه رسول الله قد تغير، ووجد في نفسه حين ذكرت له الاختلاف، فقال: "إنما أهلك من كان قبلكم الاختلاف ". ثم أسرَّ إلى علي، فقال علي: إن رسول الله ﷺ يأمركم أن يقرأ كل رجل منكم كما علم، فانطلقنا وكل رجل منا يقرأ حروفًا لا يقرؤها صاحبه. وهو حديث جيد، تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٤٠٠). * وأصله عند البخاري: فقد روى آدم بن أبي إياس، وغندر محمد بن جعفر، وخالد بن الحارث، وعفان بن مسلم، وأبو الوليد الطيالسي هشام بن عبد الملك، وحجاج بن محمد، وسليمان بن حرب، وأبو أسامة حماد بن أسامة، وأبو داود الطيالسي، وبهز بن أسد، وأبو النضر هاشم بن القاسم، وعلي بن الجعد، والنضر بن شميل، وعبد الرحمن بن زياد الرصاصي، وغيرهم: حدثنا شعبة: حدثنا عبد الملك بن ميسرة، قال: سمعت النزال بن سبرة الهلالي، عن ابن مسعود ﵁، قال: سمعت رجلًا قرأ آية، وسمعت النبي ﷺ يقرأ خلافها، فجئت به النبي ﷺ ، فأخبرته، فعرفت في وجهه الكراهية، وقال: "كلاكما محسن، ولا تختلفوا، فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا". أخرجه البخاري (٢٤١٠ و ٣٤٧٦ و ٥٠٦٢)، والنسائي في الكبرى (٧/ ٢٨٩/ ٨٠٤٠)،

стр. 8862

وإحمد (١/ ٣٩٣/ ٣٧٢٤) و (١/ ٤١١/ ٣٩٠٧) و (١/ ٤١٢/ ٣٩٥٨) و (١/ ٤٥٦/ ٤٣٦٤)، والطيالسي (٣٨٧)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في فضائل القرآن (٣٥١)، وسعيد بن منصور (٣٥)، وابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ١٤٢/ ٣٠١٧٠)، وفي المسند (٣٣٢)، وأبو يعلى (٩/ ١٧١/ ٥٢٦٢) و (٩/ ٢٣٤/ ٥٣٤١)، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (٤٦٤)، والهيثم بن كليب الشاشي في مسنده (٢/ ٢٥١/ ٧٧٠) و (٢/ ٢٠٢/ ٧٧١)، وأبو بكر الأنباري في حديثه (١٠٣)، وأبو عمرو الداني في الأحرف السبعة (٦٠ و ٦١) (٩٦ و ٩٧ - جامع البيان)، وابن حزم في الإحكام (٥/ ٦٦)، والخطيب في تلخيص المتشابه (٢/ ٨٠٥)، وأبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام (٣٧ و ٣٨)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٤/ ٥٠٦/ ١٢٢٩)، والضياء المقدسي في فضائل القرآن (٢١). [التحفة (٦/ ٤٣٢/ ٩٥٩١)، الإتحاف (١٠/ ٤٩٦/ ١٣٢٧٥)، المسند المصنف (١٩/ ٣٠/ ٨٧٢٩)]. ٢ - وروى حماد بن زيد: حدثنا أبو عمران الجوني، قال: كتب إليَّ عبد الله بن رباح الأنصاري؛ أن عبد الله بن عمرو قال: هجرت إلى رسول الله ﷺ يومًا، قال: فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية، فخرج علينا رسول الله ﷺ ، يُعرف في وجهه الغضب، فقال: "إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب". أخرجه مسلم (٢٦٦٦)، وأبو عوانة (٢٠/ ٣٠٢/ ١١٧٠١)، والنسائي في الكبرى (٧/ ٢٩٠/ ٨٠٤١) و (١٠/ ٣٩٩/ ١١٨٣٠)، وأحمد (٢/ ١٩٢/ ٦٨٠١)، وسعيد بن منصور (٣٦)، والبزار (٦/ ٤٥١/ ٢٤٨٩)، والمحاملي في الأمالي (٤٩ - رواية ابن مهدي الفارسي)، وأبو بكر الآجري في الشريعة (١/ ٤٦٧)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٦٠٣/ ١٤٥١٩)، وفي الأوسط (٣/ ٥٣/ ٢٤٥١)، وابن بطة في الإبانة (٢/ ٦١٢/ ٧٩٥)، وابن حزم في الأحكام (٥/ ٦٦)، والبيهقي في الشعب (٤/ ٣٦٢/ ٢٠٦٣)، وأبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام (٥٤)، والبغوي في الشمائل (٢٨٤)، وابن عساكر في المعجم (١٥٧٤)، والضياء المقدسي في فضائل القرآن (٢٣). [التحفة (٦/ ٩٤/ ٨٨٣٩)، الإتحاف (٩/ ٥٤٧/ ١١٨٩٥)، المسند المصنف (١٧/ ٤٠٩/ ٨٢٤٤)]. • والأحاديث الواردة في ذم الاختلاف في القرآن كثيرة، لكني اقتصرت منها على ما يتعلق بالباب في اختلاف الصحابة في أحرف القرآن، والله أعلم. * ومما يتصل بالباب: • ما رواه أبو داود الطيالسي، وعفان بن مسلم، وأبو سلمة موسى بن إسماعيل، وسليمان بن حرب، وأسد بن موسى: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس؛ أن رجلًا كان يكتب لرسول الله ﷺ ، فكان إذا أملى عليه: ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾، كتب: ﴿سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨)﴾، فإذا كان: ﴿سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨)﴾، كتب: ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾، وكان قد قرأ البقرة وآل عمران، وكان من قرأهما فقد قرأ قرآنًا كثيرًا، قال: فتنصَّر الرجل، وقال: إنما كنت أكتب ما شئتُ عند محمد، قال:

стр. 8863

فمات فدفن فلفظته الأرض، ثم دفن فلفظته الأرض، قال أنس: قال أبو طلحة: فأنا رأيته منبوذًاعلى ظهر الأرض. لفظ الطيالسي. وفي حديث عفان [عند أبي عوانة]: كان النبي ﷺ إذا أملى على كاتب: ﴿سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨)﴾، فكتب: ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا (٢)﴾، أو أملى عليه ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)﴾، فكتب: ﴿عَلِيمًا حَلِيمًا (٥١)﴾ قال: "دعه". أخرجه الطيالسي (٣/ ٥٠٩/ ٢١٣٢)، وأحمد (٣/ ٢٤٥)، وعبد بن حميد (١٣٥٥)، وأبو عوانة (٢/ ٤٦٦/ ٣٨٤٨)، وابن أبي داود في المصاحف (٣٨). [الإتحاف (١/ ٤٦٧/ ٤٧٤)، المسند المصنف (٨٩/ ٣/ ١٢٩٢)]. • ورواه يزيد بن هارون، وخالد بن الحارث، وعبد الله بن بكر السهمي، ومعتمر بن سليمان، ويحيى بن أيوب، وغيرهم: عن حميد، عن أنس: أن رجلًا كان يكتب للنبي ﷺ وكان قد قرأ البقرة وآل عمران، وكان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جدَّ فينا، وكان النبي ﷺ يملي عليه ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)﴾، فيقول: أكتب: ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا (٢)﴾، فيقول النبي ﷺ : "اكتب كيف شئت"، وكان يملي عليه: ﴿غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)﴾، فيقول: أكتب: ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)﴾، فيقول له: "اكتب ما شئت "، فارتد ذلك عن الإسلام ولحق بالمشركين، وقال: أنا أعلم بمحمد، أن كنت لأكتب كيف شئت، فقال النبي ﷺ : "إن الأرض لا تقبله "، فمات فدفن فلم تقبله الأرض. قال أبو طلحة: فقدمت الأرض التي مات فيها فوجدته منبوذًا، فقلت: ما شأن هذا؟! قالوا: قد دفناه مرارًا فلم تقبله الأرض؟. أخرجه ابن وهب في الجامع (٢/ ٢١/ ٣٢ - تفسير القرآن، رواية سحنون)، وأبو بكر بن أبي شيبة في مسنده (٤/ ٢٣١/ ٣٤٦٩ - إتحاف الخيرة)، وأحمد بن منيع (٤/ ٢٣١/ ٣٤٦٩ - إتحاف الخيرة)، وأحمد بن حنبل (٣/ ١٢٠ و ١٢١)، والبزار (١٣/ ١٥٩/ ٦٥٧٦)، وابن حبان (٣/ ١٩/ ٧٤٤)، والطحاوي في المشكل (٨/ ٢٣٩/ ٣٢١١) و (٨/ ٢٤٠/ ٣٢١٢)، وأبو بكر الدينوري في المجالسة (٢٣٩٢)، وابن عدي في الكامل (٩/ ٧٢ - ط العلمية)، والبيهقي في السنن الصغرى (١/ ٣٥٧/ ١٠١٠)، وفي إثبات عذاب القبر (٥٤)، والبغوي في شرح السُّنة (١٣/ ٣٠٦/ ٣٧٢٥)، وإسماعيل الأصبهاني في دلائل النبوة (٣٥). [الإتحاف (٥/ ٤٢/ ٤٩٢٤)، المسند المصنف (٣/ ٩٢/ ١٢٩٣)]. • ورواه سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس، قال: كان منا رجل من بني النجار قد قرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب لرسول الله ﷺ ، فانطلق هاربًا حتى لحق بأهل الكتاب، قال: فرفعوه، قالوا: هذا قد كان يكتب لمحمد، فأعجبوا به، فما لبث أن قصم الله عنقه فيهم، فحفروا له فوارَوه، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، ثم عادوا فحفروا له فواروه، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، ثم عادوا فحفروا له فواروه، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، فتركوه منبوذًا.

стр. 8864

وعبد بن حميد (١٢٧٩ و ١٢٨١)، والبيهقي في إثبات عذاب القبر (٥٣)، وفي الدلائل (٧/ ١٢٦). [التحفة (٤٢٥)، الإتحاف (١/ ٥٢٦/ ٦٣١)، المسند المصنف (٣/ ٨٩/ ١٢٩٢)]. • وأصله أيضًا في البخاري بدون موضع الشاهد: رواه عبد الوارث بن سعيد، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس ﵁، قال: كان رجل نصرانيًا فأسلم، وقرأ البقرة وآل عمران، فكان يكتب للنبي ﷺ ، فعاد نصرانيًا، فكان يقول: ما يدري محمد إلا ما كتبت له، فأماته الله فدفنوه، فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه لما هرب منهم، نبشوا عن صاحبنا، فألقوه، فحفروا له فأعمقوا، فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه، نبشوا عن صاحبنا لما هرب منهم فألقوه، فحفروا له وأعمقوا له في الأرض ما استطاعوا، فأصبح وقد لفظته الأرض، فعلموا: أنه ليس من الناس، فألقوه. هكذا بقصة الدفن ولفظ الأرض له، بدون موضع الشاهد. أخرجه البخاري (٣٦١٧)، وأبو يعلى (٧/ ٢٢/ ٣٩١٩)، والطحاوي في المشكل (٨/ ٢٥٩/ ٣٢٢٦)، والبيهقي في الدلائل (٧/ ١٢٧). [التحفة (١/ ٤٩٤/ ١٠٥١)، المسند المصنف (٨٨/ ٣/ ١٢٩١)]. * وقد تأوله الطحاوي بأن هذا الرجل لم يكن يكتب القرآن، وإنما كان يكتب للنبي ﷺ الكتب إلى الأمصار يدعوهم إلى الإسلام، فقال في شرح المشكل (٨/ ٢٤١): "يحتمل أن يكون فيما كان رسول الله ﷺ يمليه على ذلك الكاتب من كتبه إلى الناس في دعائه إياهم إلى الله ، وفي وصفهم له ما هو جل وعز عليه من الأشياء التي كان يأمر ذلك الكاتب بها ويكتب الكاتب خلافها مما معناها معناها، إذ كانت كلها من صفات الله ﷺ . وقال في موضع آخر (٨/ ٢٦٠): "فبان بهذا الحديث بحمد الله أنه لم يكن من قريش ولا من الأنصار، وأنه كان نصرانيًا. فقال قائل: قد ذكرت قبل هذا الباب في كتابك هذا ما دفعت أن يكون هذا الرجل كان الذي يملي عليه رسول الله ﷺ ويكتب خلافه يمضيه له رسول الله ﷺ من معنى ما أملى عليه معنى ما كتبه، وفي هذا الحديث أن ذلك الرجل كان يقول: ما يقرأ محمد إلا ما كتبت له، ففي ذلك ما قد دل أن الذي كان يكتبه للنبي ﷺ كان من القرآن. فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه: أنه ليس في هذا الذي ذكره ما يجب أن يكون الذي كان يكتبه للنبي ﷺ كان قرآنًا، إذ كان قد يحتمل أن يكون غير قرآن، مما كان يكتبه إلى من يدعوه إلى الله من أهل الكفر، ثم يقرؤه رسول الله ﷺ على الناس الذين يحضرونه ليسمعوه ويعلموه، وليس ذلك على أنه كان يقرؤه بنفسه، ولكنه كان يقرؤه بامره، فيكون ذلك قراءة له، وليس كل مقروء قرآنًا، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩)﴾ [الحاقة: ١٩] وقال : ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ

стр. 8865

حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء: ١٤]، في نظائر لذلك في القرآن كثيرة، يغني ما ذكرناه منها عن ذكر بقيتها، فعاد معنى ما في هذا الحديث إلى ما في الحديث الأول، وليس في واحد منهما ما قد دل على أن الذي كان يمليه رسول الله ﷺ على ذلك الرجل فيكتب ذلك الرجل خلافه مما معناه معنى القرآن في واحد من ذينك الحديثين من القرآن، والله ﷺ نسأله التوفيق". قلت: كلام الطحاوي محتمل، لكن ثبت أن الرجل كان من بني النجار؛ كما في رواية سليمان بن المغيرة عند مسلم، ولا يمنع أن يكون قد تنصر قبلُ، والله أعلم. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الصارم المسلول (١٢٣): "والأحاديث في ذلك منتشرة تدل على أن من الحروف السبعة التي نزل عليها القرآن أن تختم الآية الواحدة بعدة أسماء من أسماء الله على سبيل البدل، يخير القارئ في القراءة بأيها شاء، وكان النبي ﷺ يخيره أن يكتب ما شاء من تلك الحروف، وربما قرأها النبي ﷺ بحرف من الحروف، فيقول له: أو أكتب كذا وكذا، لكثرة ما سمع النبي ﷺ يخير بين الحرفين، فيقول له النبي ﷺ : نعم كلاهما سواء؛ لأن الآية نزلت بالحرفين، وربما كتب هو أحد الحرفين، ثم قرأه على النبي ﷺ فأقره عليه؛ لأنه قد نزل كذلك أيضًا، وختم الآي بمثل ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١)﴾ و ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦)﴾ و ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ أو بمثل ﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١)﴾ أو ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦)﴾ " أو ﴿عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾ كثير في القرآن، وكان نزول الآية على عدة من هذه الحروف أمرًا معتادًا، ثم إن الله نسخ بعض تلك الحروف، لما كان جبريل يعارض النبي ﷺ بالقرآن في كل رمضان، وكانت العرضة الأخيرة هي حرف زيد بن ثابت، الذي يقرأ الناس به اليوم، وهو الذي جمع عثمان والصحابة ﵃ أجمعين عليه الناس". قلت: الحاصل: أن هذه الواقعة من دلائل نبوته ﷺ ، وأن الله تعالى تولى الدفاع عن نبيه ﷺ ، والذب عنه، وعن أمانته في تبليغ كتابه سبحانه، وبيان كذب دعوى هذا الأفاك الأثيم، حين قال: أنا أعلم بمحمد، أن كنت لأكتب كيف شئت، فإنه لم يكن يكتب ما يشاء هو، وإنما كان يكتب ما أذن الله في كتابته مما أنزله على رسوله ﷺ من الأحرف السبعة، كما أن تأويل الطحاوي محتمل للصواب أيضًا، والله أعلم. * وقبل الشروع في تفسير الأحرف السبعة، أحب أن ألخص ما صح من أحاديث الباب، ورواياته، حسب ورودها على ترتيبها في البحث، مما يعين على فهم الأحرف السبعة: ١ - الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن عبدٍ القاري، أنهما سمعا عمر بن الخطاب، يقول: مررت بهشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله ﷺ ، فاستمعت قراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ ، فكدت أن أساوره في الصلاة، فنظرته حتى سلم [وفي رواية عقيل ويونس: فتصبرت حتى سلم]؛ فلما سلم لبَّبته بردائه، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي أسمعك تقرؤها؟ قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ ، قال: قلت له: كذبت، فوالله إن

стр. 8866

رسول الله ﷺ لهو أقرأني هذه السورة التي تقرؤها، قال: فانطلقت أقوده إلى النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، وأنت أقرأتني سورة الفرقان، فقال: رسول الله ﷺ : "أرسله يا عمر، اقرأ يا هشام "، فقرأ عليه القراءة التي سمعتُ، فقال النبي ﷺ : "هكذا أنزلت "، ثم قال: "اقرأ يا عمر"، فقرأت القراءة التي أقرأني النبي ﷺ ، ثم قال: "هكذا أُنزلت "، ثم قال رسول الله ﷺ : "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا منه ما تيسَّر". ٢ - الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ قال: "أقرأني جبريل على حرفٍ فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدُني؛ حتى انتهى إلى سبعة أحرف". ٣ - همام بن يحيى، عن قتادة، عن يحيي بن يعمَر، عن سليمان بن صُرَد الخزاعي، عن أُبيِّ بن كعب، قال: قرأتُ آيةً، وقرأ ابن مسعود خلافها، فأتيت النبي ﷺ فقلت: ألم تقرئني آية كذا وكذا؟ قال: "بلى"، فقال ابن مسعود: ألم تقرئنيها كذا وكذا؟ فقال: "بلى، كلاكما محسن مجمل "، قال: فقلت له [: ما كلانا أحسن، ولا أجمل]، [قال:] فضرب صدري، فقال: "يا أبي بن كعب، إني أقرئت القرآن، فقيل لي: على حرفٍ أو على حرفين؟ قال: فقال الملك الذي معي: على حرفين، فقلت: على حرفين، فقال: على حرفين، أو ثلاثة؟ فقال الملك الذي معي: على ثلاثة، فقلت: على ثلاثة، حتى بلغ سبعة أحرف، ليس منها إلا شافٍ كافٍ، إن قلت: غفورًا رحيمًا، أو قلت: سميعًا عليمًا، أو عليمًا سميعًا؛ فالله كذلك، ما لم تختم آيةَ عذابٍ برحمةٍ، أو آيةَ رحمةٍ بعدابٍ ". ٤ - إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن صقير [ويقال: سقير] العبدي، عن سليمان بن صرد، عن أبي بن كعب، عن النبي ﷺ ، قال: "اقرأه على سبعة أحرف". وفي رواية: عن أبي بن كعب، قال: سمعت رجلًا يقرأ، فقلت: من أقرأك؟ قال: رسول الله ﷺ ، فقلت: انطلق إليه، فأتيت النبي ﷺ ، فقلت: استقرئ هذا، فقال: "اقرَه"، فقرأ، فقال: "أحسنت "، فقلت له: أولم تقرئني كذا وكذا؟ قال: "بلى، وأنت قد أحسنت "، فقلت بيديَّ: قد أحسنت مرتين، قال: فضرب النبي ﷺ بيده في صدري، ثم قال: "اللَّهُمَّ أذهب عن أبيٍّ الشَّك"، ففِضتُ عرقًا، وامتلأ جوفي فرقًا، فقال رسول الله ﷺ : "يا أبي، إن ملكين أتياني، فقال أحدهما: اقرأ على حرف، فقال الآخر: زده، فقلت: زدني، قال: اقرأ على حرفين، فقال الآخر: زده، فقلت: زدني، قال: اقرأ على ثلاثة، فقال الآخر: زده، فقلت: زدني، قال: اقرأ على أربعة أحرف، قال الآخر: زده، قلت: زدني، قال: اقرأ على خمسة أحرف، قال الآخر: زده، قلت: زدني، قال: اقرأ على ستة، قال الآخر: زده، قال: اقرأ على سبعة أحرف، فالقرآن أنزل على سبعة أحرف". ٥ - شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن أبي بن كعب؛ أن النبي ﷺ كان عند أضاةِ بني غفار، قال: فأتاه جبريل ﵇، فقال: "إن الله ﷺ يأمرُك أن تَقرأَ

стр. 8867

أمَّتُك القرآن على حرف"، فقال: "أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك "، ثم أتاه الثانية، فقال: "إن الله ﷺ يأمرُك أن تَقرأ أُمَّتُك القرآن على حرفين"، فقال: " أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك"، ثم جاءه الثالثة، فقال: "إن الله ﷺ يأمرُك أن تَقرأَ أُمَّتُك القرآن على ثلاثة أحرف"، فقال: "أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك "، ثم جاءه الرابعة، فقال: "إن الله يأمرك أن تَقرأَ أُمَّتُك القرآن على سبعة أحرف، فأيما حرف قرؤوا عليه فقد أصابوا". ٦ - عبد الوارث بن سعيد، عن محمد بن جحادة، عن الحكم بن عتيبة، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي بن كعب؛ أن جبريل أتى النبي ﷺ وهو بأضاة بني غفار، فقال: "إن الله ﷺ يأمرك أن تُقرِئ أمَّتَك القرآن على حرف واحد"، فقال: "أسأل الله معافاته ومغفرته، سل لهم التخفيف، فإنهم لا يطيقون ذلك"، … فذكر الحديث، إلى أن قال: "إن الله ﷺ يأمرك أن تُقرِئ أمَّتَك القرآن على سبعة أحرف، فمن قرأ حرفًا منها فهو كما قال ". ٧ - إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن جده، عن أبي بن كعب، قال: كنت في المسجد، فدخل رجل يصلي، فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه، فلما قضينا الصلاة دخلنا جميعًا على رسول الله ﷺ ، فقلت: إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ودخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه، فأمرهما رسول الله ﷺ ، فقرآ، فحسَّن النبي ﷺ شأنهما [وفي رواية: قال: "أصبتما"، [وفي رواية: "قد أحسنتم "]؛ فسُقِط في نفسي من التكذيب؛ ولا إذ كنت في الجاهلية، فلما رأى رسولُ الله ﷺ ما قد غشيني، ضرب في صدري، ففِضتُ عرقًا وكأنما أنظر إلى الله ﷺ فرقًا، فقال لي: "يا أُبيُّ! أرسل إليَّ أن: اقرأ القرْآن على حرف، فردَدتُ إليه أن: هوِّن على أمتي، فردَّ إليَّ الثانية: اقرأه على حرفين، فرددت إليه أن: هوِّن على أمتي، فردَّ إليَّ الثالثة: اقرأه على سبعة أحرف، فلك بكل ردَّة رددتكها مسألة تسألنيها، فقلت: اللَّهُمَّ اغفر لأمتي، اللَّهُمَّ اغفر لأمتي، وأخرتُ الثالثة ليوم يرغب إليَّ [فيه] الخلقُ كلُّهم، حتى إبراهيمُ ﷺ ". ٨ - عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، عن أبي بن كعب، قال: لقي رسول الله ﷺ جبريل عند أحجار المرائي، فقال: "يا جبريل إني بعثت إلي أمة أمية فيهم العجوز والشيخ، والغلام والجارية، والرجل الفاني؛ الذي لم يقرأ كتابًا قط "، قال: "فقال جبريل: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف". وفي رواية: لقي رسول الله ﷺ جبريل عند أحجار المراء، فقال: لأيا جبريل إني بعثت إلى أمة أميين، فيهم العجوز، والشيخ الكبير، والغلام، والجارية، والرجل العاسي الذي لم يقرأ كتابًا قط "، فقال: "يا محمد القرآن أنزل على سبعة أحرف ". ٩ - عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود، قال: أقرأني

стр. 8868

رسول الله ﷺ سورة من الثلاثين، من آل حم، قال: يعني: الأحقاف، قال: وكانت السورة إذا كانت أكثر من ثلاثين آية سميت الثلاثين، قال: فرحت إلى المسجد، فإذا رجل يقرؤها على غير ما أقرأني، فقلت: من أقرأك؟ فقال: رسول الله ﷺ ، قال: فقلت لآخر: اقرأها، فقرأها على غير قراءتي وقراءة صاحبي، فانطلقت بهما إلى النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، إن هذين يخالفاني في القراءة؟ قال: فغضب، وتمعَّر وجهه، وقال: " إنما أهلك من كان قبلكم الاختلاف "،- قال: قال زر: وعنده رجل -قال: فقال الرجل: إن رسول الله ﷺ يأمركم أن يقرأ كل رجل منكم كما أقرئ، فإنما أهلك من كان قبلكم الاختلاف، قال: قال عبد الله: فلا أدري أشيئًا أسره إليه رسول الله ﷺ ، أو علم ما في نفس رسول الله ﷺ ؟ قال: والرجل هو علي بن أبي طالب صلوات الله عليه. ١٠ - حميد الطويل، عن أنس بن مالك، عن أبي بن كعب، عن النبي ﷺ ، قال: "نزل [وفي رواية: اقرأ] القرآن على سبعة أحرف، كلها كافٍ شافٍ". وفي رواية: عن أبي بن كعب، قال: ما حكَّ في صدري شيء منذ أسلمت إلا أني قرأت آيةً، وقرأها آخرُ غيرَ قراءتي، فقلت: أقرأنيها رسول الله ﷺ ، وقال: أقرأنيها رسول الله ﷺ ، فأتينا النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، أقرأتني كذا وكذا، قال: "نعم "، وقال الآخر: ألم تقرئني كذا وكذا؟ قال: "نعم "، فقال: "إن جبريل وميكائيل أتياني، فقعد جبريل عن يميني، وقعد ميكائيل عن يساري، فقال جبريل: اقرأ القرآن على حرف، فقال ميكائيل: استزده، حتى بلغ سبعةَ أحرفٍ، كلّ حرفٍ شافٍ كافٍ ". ١١ - حماد، قال: أخبرنا حميد، عن أنس، عن عبادة بن الصامت؛ أن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ : "أنزل القرآن على سبعة أحرف". وفي رواية: أن أبي بن كعب، قال: أقرأني رسول الله ﷺ آية، وأقرأها آخر غير قراءة أبي، فقلت: من أقرأكها؟ قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ ، قلت: والله لقد أقرأنيها كذا وكذا، قال أبي: فما تخلَّج في نفسي من الإسلام ما تخلَّج يومئذ، فأتيت النبي ﷺ ، قلت: يا رسول الله، ألم تقرئني آية كذا وكذا؟ قال: "بلى"، قال: فإن هذا يدعي أنك أقرأته كذا وكذا، فضرب بيده في صدري، فذهب ذاك، فما وجدت منه شيئًا بعد، ثم قال رسول الله ﷺ : " أتاني جبريل وميكائيل، فقال جبريل: اقرأ القرآن على حرف، فقال ميكائيل: استزده، قال: اقرأه على حرفين، قال: استزده، حتى بلغ سبعة أحرف، قال: كلٌّ شافٍ كافٍ". ١٢ - عفان بن مسلم: حدثنا شعبة: أخبرني موسى بن أنس، عن أنس، عن النبي ﷺ : "أنزل القرآن على سبعة أحرف". ١٣ - يزيد بن خصيفة، عن بسر بن سعيد مولى الحضرمي، عن أبي جهيم الأنصاري؛ أن رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ تماريا في آية من القرآن، كلاهما يزعم أنه تلقاها من رسول الله ﷺ ، فمشيا جميعًا حتى أتيا رسول الله ﷺ ، وكلاهما ذكر

стр. 8869

لرسول الله ﷺ أنه سمعها منه، فذكر [أبو جهيم] أن رسول الله ﷺ قال: "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فلا تتماروا في القرآن، فإن مراءً فيه كفرٌ". ١٤ - يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن بسر بن سعيد، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص؛ أن رجلًا قرأ آية من القرآن، فقال له عمرو: إنما هي كذا وكذا، لغبر ما قرأها الرجل، قال الرجل: هكذا أقرأنيها رسول الله ﷺ ، فخرجا إلى رسول الله ﷺ حتى أتياه، فقال: يا رسول الله، إنه قرأ كذا وكذا، فقرأها عليه، فقال: "صدقت "، فقال الآخر: أليس أقرأتنيها على نحو ما قرأها على صاحبه، فرد صاحبه عليه، فقال رسول الله ﷺ : "بلى؛ أنزل القرآن على سبعة أحرف، فأيَّ ذلك قرأتَ فقد أصبت، فلا تتماروا فيه فإن مراء فيه كفر". ١٥ - سفيان بن عيينة، قال: ثنا عبيد الله بن أبي يزيد، قال: سمعت أبي، يقول: نزلْتُ على أم أيوب الأنصارية، فأخبرتني أن رسول الله ﷺ قال: "نزل القرآن على يبعة أحرف، أيها قرأت أصبت ". وفي رواية: "أجزأك". ١٦ - محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "أُنزل القرآن على سبعة أحرفٍ، ومراءُ في القرآن كفر". ١٧ - أنس بن عياض: حدثني أبو حازم، عن أبي سلمة، لا أعلمه إلا عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "نزل القرآن على سبعة أحرف، المراء في القرآن كفر"، ثلاث مرات، "فما عرفتم منه فاعملوا، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه". ١٨ - محمد بن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أنزل القرآن على سبعة أحرف، فاقرؤوا ولا حرج، غير أن لا تجمعوا بين ذكر رحمة بعذاب، ولا ذكر عذاب برحمة". ١٩ - سفيان الثوري، عن إبراهيم بن مهاجر، عن ربعي بن حراش، قال: حدثني من لم يكذبني؛ يعني: حذيفة، قال: لقي النبي ﷺ بجبريل وهو عند أحجار المراء، فقال: " إن أمتك يقرؤون القرآن على سبعة أحرف، فمن قرأ منهم على حرف فليقرأ كما علم، ولا يرجع عنه "، وفي رواية: "إن من أمتك الضعيف، فمن قرأ على حرف فلا يتحول منه إلى غيره رغبةً عنه ". ٢٠ - أبو غسان مالك بن إسماعيل، قال: حدثنا هريم بن سفيان البجلي، عن أبي إسحاق الشيباني، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: نزل القرآن على سبعة أحرف. موقوفًا على ابن مسعود قوله. * ومما قيل في تفسير الأحرف السبعة: قال الزهري: "إنما هذه الأحرف في الأمر الواحد، وليس يختلف في حلال ولا حرام " [تقدم برقم (١٤٧٦)]. وقال سفيان بن عيينة: "السبعة الأحرف كقولهم: هلمَّ، أقبلْ، تعالَ، أيَّ ذلك قلت أجزاك "، وقاله ابن وهب [التمهيد (٨/ ١٢٩٣].

стр. 8870

وقال أبو عبيد: "قوله: "سبعة أحرف" يعني: سبع لغات من لغات العرب، وليس معناه أن يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه، هذا لم يسمع به قط، ولكن يقول: هذه اللغات السبع متفرقة في القرآن: فبعضه نزل بلغة قريش، وبعضه بلغة هوازن، وبعضه بلغة هذيل، وبعضه بلغة أهل اليمن، وكذلك سائر اللغات، ومعانيها في هذا كله واحدة. ومما يبين لك ذلك قول ابن مسعود؛ [قال أبو عبيد]: حدثني أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله، قال: إني قد سمعت القراء، فوجدتهم متقاربين، فاقرؤوا كما علمتم، إنما هو كقول أحدكم: هلم، وتعال. وكذلك قال ابن سيرين: إنما هو كقولك: هلم، وتعال، وأقبل، ثم فسره ابن سيرين، فقال في قراءة ابن مسعود: "إن كانت إلا زَقيةً واحدة"، وفي قراءتنا: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: ٢٩] والمعنى فيهما واحد، وعلى هذا سائر اللغات لا أغريب الحديث لأبي عبيد (٢/ ٦٤٢ - ٦٤٤)، [وانظر كلامه أيضًا في فضائل القرآن (٣٣٩ - ٣٤٧)]. قلت: أثر ابن مسعود: أخرجه أيضًا عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٢١٠/ ١٢٩٣)] وسعيد بن منصور في السنن (٣٤)، وابن أبي شيبة (٦/ ١٢٧/ ٣٠٠٢٨)، وابن شبة في تاريخ المدينة (٣/ ١٠٠٧)، وأبو بكر ابن أبي مريم فيما رواه من حديث الفريابي عن الثوري (٢٤٩)، وابن جرير الطبري في تفسيره (١/ ٤٦) و (١٣/ ٧٧)، وابن مجاهد في السبعة (٤٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٧/ ٢١٢١/ ١١٤٦٥)، وأبو القاسم الزجاجي في أخباره (٤١)، والطبراني في الكبير (٩/ ١٤٩/ ٨٦٨٠)، وفي الأوسط (٢/ ١٠٩/ ١٤٠٩)، والبيهقي في السنن (٢/ ٣٨٥)، وفي الشعب (٤/ ٣٦٩/ ٢٠٧٢)، والخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ٣٢٢ - ط الغرب)، وفي تلخيص المتشابه (٢/ ٨٧٨). ولفظه عند البيهقي: سمعت القراء فوجدناهم متقاربين، اقرؤوا ما عُلِّمتم، وإياكم والتنطع والاختلاف، فإنما هو كقول أحدهم: هلم، وتعال، وأقبل. أخرجوه من طريق: الثوري، وشعبة، وأبي معاوية، وحفص بن غياث، وزائدة بن قدامة، وعبد الله بن نمير، وسفيان بن عيينة، وحمزة الزيات، وعبد الرحمن بن مغراء، عن الأعمش به؛ فهو صحيح موقوفًا على ابن مسعود قوله، وهو أصح وأعلى ما في الباب في تفسير معنى الأحرف السبعة، وأنها: ألفاظٌ مختلفة بمعانٍ متقاربة، وفيه رد مفحم على زعم من زعم أن مصحف عثمان استوعب الأحرف السبعة، وابن مسعود يقول بأنه وجد ما مع القراء من الاختلاف في الأحرف مثل اختلاف العرب في استدعاء الشخص بقولهم: هلم، فإن قال: تعال، فهو بمعناه، وإن اختلفت حروف الكلمة ولفظها، وكذلك لو قال له: أقبل، فهو بمعناه أيضًا، والاختلاف في الأحرف على أصناف كثيرة، لكنه أراد أن يضرب مثالًا بأوضحها بيانًا في الاختلاف في الكلم، وأنه ليس فقط في الإعراب، أو الجمع والإفراد، أو التذكير والتأنيث، أو تبديل أدوات العطف، أو التشديد والتخفيف، أو التقديم والتأخير، أو الحذف والإثبات، أو النهي والنفي، أو الأمر والإخبار، أو التحريك

стр. 8871

والتسكين، أو الإظهار والإدغام، أو المد والقصر، أو الفتح والإمالة، أو الإسكان والروم والأشمام وهاء السكت، أو الهمز والتسهيل والإبدال والنقل، ونحو ذلك من وجوه اختلاف القراءات، وكذلك هي لغات العرب، وعلى هذا فإن القول بان الأحرف السبعة هي ألفاظ مختلفة بمعان متقاربة، هو من باب تفسير الكل بالبعض، فإن هذه الأصناف التي اشتملت عليها وجوه القراءات المشهورة هي جزء من الأحرف السبعة، وهي تمثل أيضًا ضروب اختلاف لغات العرب ولهجاتهم، فليس الاختلاف في لغات العرب مقصورًا فقط على المترادفات اللفظية، بل هو يشمل جميع الوجوه المذكورة، فدل ذلك على صحة القولين جميعًا، والله أعلم. كذلك فإن ما ثبت عن ابن مسعود وأبي الدرداء في سورة الليل يؤكد هذا المعنى، فقد روى علقمة، قال: لقيت أبا الدرداء، فقال لي: ممن أنت؟ قلت: من أهل العراق، قال: من أيهم؟ قلت: من أهل الكوفة، قال: هل تقرأ على قراءة عبد الله بن مسعود؟ قال: قلت: نعم، قال: فاقرأ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾، قال: فقرأت "والليل إدْا يغشى والنهار إذا تجلى "والذكر والأنثى "، قال: فضحك، ثم قال: هكذا سمعت رسول الله ﷺ يقرؤها [وهو حديث متفق على صحته. أخرجه البخاري (٣٧٤٢ و ٣٧٤٣ و ٣٧٦١ و ٤٩٤٣ و ٤٩٤٤ و ٦٢٧٨)، ومسلم (٨٢٤)، [المسند المصنف (٢٧/ ١٧٦/ ١٢٢١٢)]؛ وهذا من الاختلاف في الحذف والإثبات. وقد صح عن ابن مسعود في حروف القرآن ما يخالف الرسم في مواضع من القرآن [انظر مثلًا: المسند المصنف (١٩/ ٣٥ - ٤٠/ ٨٧٣٢ - ٨٧٣٥)]؛ وكذلك ما نقل عنه وعن غيره من الصحابة مما يخالف رسم المصحف، وكذلك إنكار ابن مسعود لكون المعوذتين من القرآن [فقد روى زر بن حبيش، قال: سألت أبي بن كعب عن المعوذتين، فقلت: يا أبا المنذر إن أخاك ابن مسعود يحكُّهما من المصحف، قال: إني سألت رسول الله ﷺ ، قال: "قيل لي: قل، فقلت "، فنحن نقول كما قال رسول الله ﷺ ] [تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٤٦٣)، وهو حديث صحيح]؛ وكذلك إنكاره على من يريد إلزامه بحرف زيد بن ثابت [فقد روى الأعمش، عن أبي وائل، قال: خطبنا ابن مسعود فقال: كيف تأمروني أقرأ على قراءة زيد بن ثابت بعدما قرأت من في رسول الله ﷺ بضعًا وسبعين سورة، وإن زيدًا مع الغلمان له ذؤابتان. تقدم ذكره في طرق حديث ابن مسعود، وأصله متفق عليه]؛ إضافة إلى قول مالك والذي يقتضي اختلاف رسم مصحف ابن مسعود عن مصحف عثمان في الرسم والحرف [كقوله: أنه لا يُقرأ بحرف ابن مسعود لأنه خلاف ما في مصحف عثمان، وقوله في المصحف بقراءة ابن مسعود: أرى أن يمنع الناس من بيعه ويضرب من قرأ به ويمنع من ذلك. راجع الاستذكار (٢/ ٤٨٦)، التمهيد (٨/ ٢٩٣)]. والجواب عن هذا كله، أن ابن مسعود قرأ لنفسه وخاصته بحرفه المخالف لحرف زيد بن ثابت، والمخالف لرسم مصحف عثمان، كما نقل ذلك عنه علقمة عندما لقي أبا

стр. 8872

الدرداء بالشام، وكما هو مبثوث في كتب التفسير والقراءات من حرف ابن مسعود المغاير لحرف زيد ومصحف عثمان، لكنه لما أقرأ الناس القرآن أقرأهم بما يوافق خط زيد الذي كنبه في مصحف عثمان، ولم يخالف إجماع الصحابة، وذلك كما في قراءة شعبة -أبي بكر بن عياش- عن عاصم عن زر عن ابن مسعود، وكما في قراءة حمزة والكسائي وخلف، وبهذا يظهر أن هناك حروفًا تركت لأجل مصحف عثمان، لأجل جمع كلمة المسلمين على حرف واحد، ولئلا يقع بينهم الاختلاف والتنازع، ولكون المعنى الذي لأجله شرعت الأحرف السبعة قد ارتفع بسبب تعلم الناس الكتابة، وسهل عليهم تعلم لغة قريش والالتزام بها، بخلاف ما كان يشق عليهم وقت توسعة الله عليهم بأن يقرؤوا ما تيسر لهم من الأحرف السبعة المنزلة، وعلى هذا ينزل قول النبي ﷺ : "أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك "؛ يعني: وقت تنزل القرآن، ودخول قبائل العرب في الإسلام، والله أعلم. وقال ابن جرير الطبري في تفسيره (١/ ٤١) بأن الأحرف السبعة اختلاف ألفاظ مع اتفاق المعاني، وقد أطال جدًا في التدليل على ذلك، وأن اختلاف الصحابة وترادهم لو كان يرجع إلى التحليل والتحريم، والوعد والوعيد، في الموضع الواحد لدل على التناقض المنزه عنه القرآن، والذي نفاه الله تعالى بقوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢]. إلى أن قال بعد حديث أبي بكرة (١/ ٤٥): "فقد أوضح نص هذا الخبر أن اختلاف الأحرف السبعة، إنما هو اختلاف ألفاظ، كقولك: هلم وتعال، باتفاق المعاني، لا باختلاف معانٍ موجبةٍ اختلافَ أحكام، وبمثل الذي قلنا في ذلك، صحت الأخبار عن جماعة من السلف والخلف ". ولكون ابن جرير كان قد استوعب الآثار الواردة في هذا الباب، وأطال في الرد على مخالفيه، قال في تهذيب الآثار (٢/ ٧٧٨ - مسند عمر): "وهذا خبر قد بينا معناه، وذكرنا طرقه عن عمر وموافقيه، في روايته عن رسول الله ﷺ ، وبينا اختلاف المختلفين في معناه، والعلل المفسدة قولَ من خالف قولنا فيه، باستقصاء ذلك في كتابنا المسمى (جامع البيان عن تأويل آي القرآن "، فكرهنا تطويل الكتاب بإعادته في هذا الموضع، فمن أراد معرفة معانيه وما فيه فليلتمسه هناك يجده إن شاء الله مشروحًا". وقال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١/ ٤٢): "وقد اختلف العلماء في المراد بالأحرف السبعة على خمسة وثلاثين قولًا ذكرها أبو حاتم محمد بن حبان البستي، نذكر منها في هذا الكتاب خمسة أقوال: الأول: وهو الذي عليه أكثر أهل العلم؛ كسفيان بن عيينة، وعبد الله بن وهب، والطبري، والطحاوي، وغيرهم: أن المراد سبعة أوجه من المعاني المتقاربة بألفاظ مختلفة، نحو: أقبل وتعال وهلم ". وقال الآجري في الشريعة (١/ ٤٧١): "نزل هذا القرآن على رسول الله ﷺ على سبعة

стр. 8873

أحرف، ومعناها: على سبع لغات، فكان رسول الله ﷺ يلقن كل قبيلة من العرب القرآن على حسب ما يحتمل من لغتهم، تخفيفًا من الله تعالى بامة محمد ﷺ ". وقال مكي بن أبي طالب في الإبانة عن معاني القراءات (٥٩): "فإن سأل سائل، فقال: ما الذي تفيد قراءة القرآن على أكثر من حرف لمن قرأ على أكثر من حرف؟ فالجواب: أن الله لم يجعل على عباده حرجًا في دينهم، ولا ضيق عليهم فيما افترض عليهم، وكانت لغات من أنزل عليهم القرآن مختلفة، ولسان كل صاحب لغة لا يقدر على رده إلى لغة أخرى إلا بعد تكلف ومؤونة شديدة، فيسر الله عليهم أن أنزل كتابه على سبع لغات متفرقات في القرآن بمعان متفقة ومختلفة، ليقرأ كل قوم على لغتهم، وعلى ما يسهل عليهم من لغة غيرهم، وعلى ما جرت به عادتهم، فقوم جرت عادتهم بالهمز، وقوم بالتخفيف، وقوم بالفتح، وقوم بالإمالة، وكدلك الإعراب واختلافه في لغاتهم، والحركات واختلافها في لغاتهم، وغير ذلك، فتفصَّح كل قوم وقرؤوا على طبعهم ولغتهم ولغة من قرُب منهم، وكان في ذلك رفق عظيم بهم، وتيسير كثير لهم ". وممن قال أيضًا بأنها سبعة أوجه من المعاني المتقاربة بألفاظ مختلفة: ابن عبد البر، حيث قال في التمهيد (٨/ ٢٨٠ - ٢٨١): "وأنكر أكثر أهل العلم أن يكون معنى حديث النبي ﷺ : "أنزل القرآن على سبعة أحرف" سبع لغات، وقالوا: هذا لا معنى له؛ لأنه لو كان ذلك لم ينكر القوم في أول الأمر بعضهم على بعض؛ لأنه من كانت لغته شيئًا قد جبل وطبع عليه وفطر به؛ لم ينكر عليه، وفي حديث مالك عن ابن شهاب المذكور في هذا الباب: رد قول من قال سبع لغات؛ لأن عمر بن الخطاب قرشي عدوي، وهشام بن حكيم بن حزام قرشي أسدي، ومحال أن ينكر عليه عمر لغته كما محال أن يقرئ رسول الله ﷺ واحدًا منهما بغير ما يعرفه من لغته، والأحاديث الصحاح المرفوعة كلها تدل على نحو ما يدل عليه حديث عمر هذا، وقالوا: إنما معنى السبعة الأحرف سبعة أوجه من المعاني المتفقة المتقاربة بألفاظ مختلفة، نحو: أقبل وتعال وهلم، وعلى هذا الكثير من أهل العلم ". قلت: وهذا قول صحيح، في معنى الأحرف السبعة: أنها ألفاظ مختلفة بمعان متقاربة، وهذا من باب إطلاق البعض على الكل، ولا يتعارض هذا التفسير مع كلام أبي عبيد، والذي يمكن توجيهه بأن بعض المفردات من لغات العرب قد وقع لها الانتشار والشيوع بين بعض القبائل، وأن النبي ﷺ أقرأ عمر على وجه من وجوه العربية، وأقرأ هشامًا على وجه آخر من العربية باتفاق المعنى واختلاف اللفظ، مما كان معهودًا الكلام به عند قريش، كما سيأتي بيانه، والله أعلم. وهذا الذي ذهبت إليه قال به ابن عطية في المحرر الوجيز (١/ ١٧٠) في رده على القاضي أبي بكر الباقلاني، حيث قال في بيان أن اختلاف لغات العرب ليس بالاختلاف الشديد، بل فيه من التداخل لبعض الاستعمالات أحيانًا، قال ابن عطية: "وهو اختلاف

стр. 8874

ليس بشديد التباين حتى يجهل بعضهم ما عند بعض في الأكثر، وإنما هو أن قريشًا استعملت في عباراتها شيئًا، واستعملت هذيل شيئًا غيره في ذلك المعنى، وسعد بن بكر غيره، والجميع كلامهم في الجملة ولغتهم. واستدلال القاضي ﵁ بأن لغة عمر وأبيّ وهشام وابن مسعود واحدة فيه نظر؛ لأن ما استعملته قريش في عبارتها ومنهم عمر وهشام، وما استعملته الأنصار ومنهم أبيّ، وما استعملته هذيل ومنهم ابن مسعود، قد يختلف، ومن ذلك النحو من الاختلاف هو الاختلاف في كتاب الله سبحانه، فليست لغتهم واحدة في كل شيء، وأيضًا فلو كانت لغتهم واحدة بأن نفرضهم جميعًا من قبيلة واحدة، لما كان اختلافهم حجة على من قال: إن القرآن أنزل على سبع لغات؛ لأن مناكرتهم لم تكن لأن المنكِر سمع ما ليس في لغته فأنكره، وإنما كانت لأنه سمع خلاف ما أقرأه النبي ﷺ ، وعساه قد أقرأه ما ليس من لغته واستعمال قبيلته ". ومما قاله أيضًا ابن عبد البر (٨/ ٢٨٠): "قول من قال: إن القرآن نزل بلغة قريش معناه عندي: في الأغلب -والله أعلم-؛ لأن غير لغة قريش موجودة في صحيح القراءات من تحقيق الهمزات ونحوها، وقريش لا تهمز". قلت: فدل ذلك على أن الهمز والتسهيل والإبدال والنقل إنما هو من لغات العرب ولهجاتهم، كما يدخل في ذلك أيضًا: الفتح والإمالة، واختلاف وجوه الإعراب والحركات، وغير ذلك، وعليه فهي من جملة الأحرف السبعة أيضًا، كما سبق أن نص على ذلك مكي بن أبي طالب، وليس معناها مقتصراً فقط على: ألفاظ مختلفة بمعان متقاربة، ويقال مثله أيضًا في: اختلاف وجوه التصريف، أو الجمع والإفراد، أو التذكير والتأنيث، أو تبديل أدوات العطف، أو التشديد والتخفيف، أو التقديم والتأخير، أو النهي والنفي، أو الأمر والإخبار، أو الحذف والإثبات، أو التحريك والتسكين، أو الإظهار والإدغام، أو المد والقصر، أو الإسكان والروم والإشمام وهاء السكت، وغير ذلك. ثم قال ابن عبد البر بعد حديث سليمان بن صرد عن أبي [تقدم برقم (١٤٧٧)]؛ قال في التمهيد (٨/ ٢٨٣) (٥/ ٥٩٣ - ط بشار): "أما قوله في هذا الحديث: "قلت: سميعًا عليمًا وغفورًا رحيمًا وعليمًا حكيمًا" ونحو ذلك فإنما أراد به ضرب المثل للحروف التي نزل القرآن عليها؛ أنها معان متفقٌ مفهومُها، مختلفٌ مسموغها، لا يكون في شيء منها معثى وضده، ولا وجة يخالف معنى وجه خلافاً ينفيه ويضاده، كالرحمة التي هي خلاف العذاب وضده، وما أشبه ذلك، وهذا كله يعضد قول من قال: إن معنى السبعة الأحرف المذكورة في الحديث: سبعة أوجه من الكلام المتفق معناه المختلف لفظه، نحو: هلم وثعال، وعجل وأسرع، وانظِر وأخِّر، ونحو ذلك ". ثم قال بعد حديث ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة (٨/ ٢٨٨): "وهذه الآثار كلها تدل على أنه لم يعن به سبع لغات والله أعلم على ما تقدم ذكرنا له،

стр. 8875

وإنما هي أوجه تتفق معانيها وتتسع ضروب الألفاظ فيها؛ إلا أنه ليس منها ما يحيل معنى إلى ضده كالرحمة بالعذاب وشبهه ". قلت: وابن عبد البر ومن كان معه، ممن لا يرى كون الأحرف السبعة سبع لغات من لغات العرب؛ إلا أنهم يرون أنها معانٍ متفقة بألفاظ مختلفة، فإن هذين القولين يقودان لنفس المعنى الذي قال به الجمهور، وهو أن مصحف عثمان منع من القراءة بما هو مغاير له في الخط من الأحرف السبعة؛ لا أن مصحف عثمان قد اشتمل على جميع الأحرف السبعة، ولم يجاوز منها شيئًا. ثم ضرب ابن عبد البر على ذلك مثالًا، فقال (٨/ ٢٩١): "وروى ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس عن أبي بن كعب؛ أنه كان يقرأ: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا﴾ [الحديد: ١٣]؛ للذين آمنوا أمهلونا، للذين آمنوا أخِّرونا، للذين آمنوا ارقبونا، وبهذا الإسناد عن أبي بن كعب؛ أنه كان يقرأ: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٠]؛ مروا فيه، سعوا فيه. كل هذه الأحرف كان يقرؤها أبي بن كعب، فهذا معنى الحروف المراد بهذا الحديث، والله أعلم؛ إلا أن مصحف عثمان الذي بأيدي الناس اليوم هو منها حرف واحد، وعلى هذا أهل العلم؛ فاعلم". قلت: ومن ذلك أيضًا ما يتعلق بالحذف والإثبات، والزيادة والنقصان. ولعل ما ذهب إليه ابن عطية في المحرر الوجيز (١/ ١٧٤) يعطي هذا المعنى الذي ذهبنا إليه قوة في الجمع بين هذين القولين، من جهة أن المراد باللغات استعمالات العرب وقبائلها مع وجود التداخل بينهم في هذه الاستعمالات أحيانًا، فقال: "فمعنى قول النبي ﷺ : "أنزل القرآن على سبعة أحرف"، أي: فيه عبارات سبع قبائل؛ بلغة جملتها نزل القرآن، فيعبر عن المعنى فيه مرةً بعبارة قريش، ومرة بعبارة هذيل، ومرة بغير ذلك بحسب الأفصح والأوجز في اللفظة". واختار ابن عطية قبائل وسط الجزيرة دون أطرافها ممن تأثر بمجاورة العجم، مثل: قريش، وبني سعد، وكنانة، وهذيل، وثقيف، وخزاعة، وأسد، وضبة، وتميم، وقيس، ومن نحا نحوهم من قبائل وسط الجزيرة دون أطرافها. وقال ابن عطية (١/ ١٧٦): "فأباح الله تعالى لنبيه هذه الحروف السبعة، وعارضه بها جبريل في عرضاته، على الوجه الذي فيه الإعجاز وجودة الوصف، ولم تقع الإباحة في قوله ﵇: "فاقرؤوا ما تيسر منه" بأن يكون كل واحد من الصحابة إذا أراد أن يبدل اللفظة من بعض هذه اللغات جعلها من تلقاء نفسه، ولو كان هذا لذهب إعجاز القرآن وكان معرَّضًا أن يبدِّل هذا وهذا حتى يكون غير الذي نزل من عند الله، وإنما وقعت الإباحة في الحروف السبعة للنبي ﷺ ليوسع بها على أمته، فقرأ مرة لأبيّ بما عارضه به جبريل صلوات الله عليهما، ومرة لابن مسعود بما عارضه به أيضًا. وفي صحيح البخاري عن النبي ﷺ قال: "أقرأني جبريل على حرف، فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف".

стр. 8876

وعلى هذا تجيء قراءة عمر بن الخطاب لسورة الفرقان وقراءة هشام بن حكيم لها، وإلا فكيف يستقيم أن يقول النبي ﷺ في قراءة كل منهما -وقد اختلفتا-: "هكذا أقرأني جبريل "، هل ذلك إلا لأنه أقرأه بهذه مرة وبهذه مرة". وقال ابن الجوزي في فنون الأفنان (٢١٧): "نزل القرآن على سبع لغات فصيحة من لغات العرب. وقد كان بعض مشايخنا يقول: كله بلغة قريش، وهي تشتمل على أصول من القبائل هم أرباب الفصاحة، وما يخرج عن لغة قريش في الأصل لم يخرج عن لغتها في الاختيار". قلت: يعني: أن قريشًا، والذي نزل القرآن بلغتها في الأصل، كان عندها علم وإلمام بلغات بعض القبائل من العرب، واستعمال لبعض مفرداتها وعباراتها، لقرب الدار منها أولًا، وثانيًا لكثرة ورودهم عليهم في الحج والعمرة، فكانوا يسمعونهم، ويخاطبونهم، فيعرفون بعض لغاتهم، وقد يقع الاستعمال لبعض ذلك بينهم، وعلى هذا فإن ما أقرأ به النبي ﷺ عمر وهشام بن حكيم من لغات العرب، وإن كانا قرشيين، إلا أنهما يعرفانه ولا ينكرانه، والقليل منه قد يغيب عنهما علمه، حتى يقفا عليه من كلام أهل القبائل، كما وقع لبعض الصحابة، في عدم معرفة معاني بعض العبارات حتى أوقفهم عليها أهل اللسان، مثل ما وقع لعمر بن الخطاب، وعبد الله بن عباس، والله أعلم. كذلك فإن قريشًا كانت تسترضع أولادها في قبائل العرب والبادية، كما استرضع النبي ﷺ في بني سعد بن بكر بن هوازن، ونشأ فيهم حتى سمع وتعلم شيئًا من لغتهم، يضاف إلى ذلك أيضًا اجتماع قبائل العرب وشعرائهم في أسواقهم المشهورة مثل عكاظ ومجنة وذي المجاز، ومن ثم فإنه لم يكن يخفى على قريش لسان بعض القبائل لهذه الأسباب المذكورة، وبعد هذا التقرير تتضح الصورة وتنجلي في فهم المراد من الأحرف السبعة بمعناها الواسع، والذي يجمع بين القولين المشهورين في هذه المسألة، والله أعلم. وقال ابن الجوزي في كشف المشكل (١/ ٨٠): "والذي نختاره أن المراد بالحرف اللغة، فالقرآن أنزل على سبع لغات فصيحة من لغات العرب، فبعضه بلغة هذيل، وبعضه بلغة هوازن، وغيرهم من الفصحاء. وقد يشكل على بعض الناس فيقول: هل كان جبريل يلفظ باللفظ الواحد سبع مرات؛ فيقال له: إنما يلزم هذا إذا قلنا إن السبعة الأحرف تجتمع في حرف واحد، ونحن قلنا: إن السبعة الأحرف تفرقت في القرآن، فبعضه بلغة قريش، وبعضه بلغة غيرهم، ولو قلنا: إنها اجتمعت في الحرف الواحد قلنا: كان جبريل يأتي في كل عرضة بحرف إلى أن تمت سبعة أحرف". وقد استدل كثير من المصنفين في هذا الباب بآثار لا يثبت أكثرها، لذا أعرضت عن ذكرها، والاستدلال بها، لعدم ورودها بأسانيد صحيحة، والله أعلم. وانظر: تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة (٢٩)، شرح المشكل للطحاوي (٨/ ١١٦)، تهذيب اللغة (٥/ ١١)، الحجة للقراء السبعة (٥ - المقدمة)، الإبانة لابن بطة (٢/ ٦١٤)،

стр. 8877

أعلام الحديث (٢/ ١٢٠٨)، الإبانة عن معاني القراءات (٥٣ و ٨٥)، الأحرف السبعة لأبي عمرو الداني (٢٧ و ٣١)، شرح البخاري لابن بطال (١٠/ ٢٢٨)، شعب الإيمان للبيهقي (٤/ ٣٧٣)، الاستذكار (٢/ ٤٨٠)، التمهيد (٥/ ٥٨١ - ٦٣٤ - ط بشار)، الكامل في القراءات (٩٢)، شرح السُّنَّة (٤/ ٠٧ ٥)، المحرر الوجيز (١/ ١٦٥)، القبس شرح الموطأ (١/ ٤٠٠)، المسالك شرح الموطأ (٣/ ٣٨١)، إكمال المعلم (٣/ ١٨٦)، فنون الأفنان في عيون القرآن (١٩٦)، النهاية لابن الأثير (١/ ٣٦٩)، جمال القراء (٣٢٦)، المرشد الوجيز لأبي شامة (٨٩)، الجامع لأحكام القرآن (١/ ٤٢)، الفتاوى الكبرى لابن تيمية (٤/ ٤١٤)، مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٨٩)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح (١٥/ ٤٩٣) و (٢٤/ ٣١) و (٣٣/ ٥٦٧)، النشر في القراءات العشر (١/ ٢٠)، فتح الباري لابن حجر (٩/ ٢٣)، الإتقان للسيوطي (١/ ٣٠٦ - ٣٣٣)، وغيرها كثير. * العرضة الأخيرة، ومصحف عثمان: • روى حجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة -رضي الله عن -، قال: عرض القرآن على رسول الله ﷺ عرضات، فيقولون: إن قراءتنا هذه هي العرضة الأخيرة. أخرجه الحاكم (٢/ ٢٣٠). [الإتحاف (٦/ ٥٠/ ٦١١٣)]. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط البخاري بعضه، وبعضه على شرط مسلم، ولم يخرجاه ". قلت: وهذا حديث صحيح، وقد سبق تحقيق القول في سماع الحسن من سمرة عند الحديث رقم (٣٥٤) [وراجع أيضًا: الأحاديث رقم (٢٧) و (٧٧٧ - ٧٨٠)]، وخلاصة ما قلت هناك: أن الحسن لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة، والباقي كتاب غير مسموع؛ إلا أنه وجادة صحيحة معمول بها عند الأئمة. وعليه: فإنه إذا صح الإسناد إلى الحسن البصري؛ فحديثه عن سمرة محمول على الاتصال، وهو صحيح. • وروي مرسلًا عن ابن سيرين: أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في فضائل القرآن (٣٥٧)، وسعيد بن منصور في سننه (٥٧)، وابن سعد في الطبقات (٢/ ١٩٥)، وابن شبة في تاريخ المدينة (٣/ ٩٩٣)، وجعفر المستغفري في فضائل القرآن (٤٣٧). وموضع الشاهد منه: ما رواه أيوب السختياني، ويزيد بن إبراهيم التستري، وعبد الله بن عون، ومنصور بن زاذان، وهشام بن حسان [وهم ثقات، وفيهم أثبت أصحاب ابن سيرين]؛ عن ابن سيرين، قال: فيرجون أن تكون قراءتنا هذه أحدث القراءتين عهدًا بالعرضة الأخيرة. وفي رواية: فيرجى أن تكون قراءتنا هذه على العرضة الأخيرة، وفي أخرى: فأرجو أن تكون قراءتنا هذه آخرتها عهدًا بالعرضة الأخيرة، وفي أخرى: فكأنهم يرون أن العرضة الأخيرة هي قراءة ابن عفان.

стр. 8878

• وروي مرسلًا أيضًا عن عبيدة السلماني، بإسناد رجاله ثقات، وفيه انقطاع، قال عبيدة: القراءة التي عرضت على النبي ﷺ في العام الذي قبض فيه هي القراءة التي يقرؤها الناس اليوم فيه [أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ١٥٤/ ٣٠٢٩١) (١٦/ ٤٩٧/ ٣٢٢٩٨ - ط الشثري)]. • وروي عن ابن مسعود أن قراءته هي العرضة الأخيرة، ولا يثبت لانقطاعه: أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في فضائل القرآن (١٠٢). • وروي عنه أيضًا من وجه آخر شديد الضعف: أخرجه جعفر المستغفري في فضائل القرآن (٤٢٠) [وهو حديث منكر، تفرد به عن ابن سيرين دون أصحابه الثقات: مجاعة بن الزبير، وهو: ضعيف. اللسان ٦١/ ٤٦٣)، كنى مسلم (٢٣٩٩)، الجرح والتعديل (٨/ ٤٢٠) و (١/ ١٥٤)، الثقات (٧/ ٥١٧)، وإنما يُعرف هذا عن ابن سيرين مرسلًا، راجع: مرسل ابن سيرين]. • وروى أبو معاوية الضرير، وسفيان الثوري [وهو غريب من حديثه، تفرد به عنه: أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي، وهو: صدوق، كثير الوهم، ليس بذاك في الثوري]؛ ويعلى بن عبيد الطنافسي، وأخوه محمد، وجرير بن عبد الحميد، ووكيع بن الجراح، وزائدة بن قدامة، وسليمان التيمي، وشريك بن عبد الله النخعي: عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس [وفي رواية زائدة والتيمي: قال لنا ابن عباس، وتابعهما شريك]؛ قال: أي القراءتين تعدُّون أول؟ قال: قلنا: قراءة عبد الله، أزاد جرير: قال: قراءتنا القراءة الأولى، وقراءة عبد الله القراءة الأخيرة]؛ فقال: إن رسول الله ﷺ كان يُعرض عليه القرآن في كل رمضان مرة، إلا العام الذي قبض فيه فإنه عرض عليه مرتين، فحضره عبد الله بن مسعود فشهد ما نُسخَ منه وما بُدِّل. أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٨)، وابن سعد في الطبقات (٢/ ٣٤٢)، وابن أبي شيبة (٦/ ٣٠١/ ٢٨٨٥٤)، وأحمد (١/ ٣٦٢/ ٣٤٢٢)، والبخاري في خلق أفعال العباد (٣٨٢)، والنسائي في الكبرى (٧/ ٢٤٧/ ٧٩٤٠) و (٧/ ٣٥٣/ ٨٢٠١)، وأبو يعلى (٤/ ٤٣٥/ ٢٥٦٢)، والدولابي في الكنى (١/ ٣٠١/ ٥٢٧)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٣٥٦)، وفي شرح المشكل (١/ ٢٦٤/ ٢٨٦) و (٨/ ١٣٨/ ٣١٢٠) و (٣/ ١١٣١/ ٢٤٣٩) و (٩/ ٥٢٧/ ٣٦٢٥) و (١٤/ ٢٢٩/ ٥٥٩٠)، وابن الأعرابي في المعجم (٣/ ١١٣١/ ٢٤٣٩)، وجعفر المستغفري في فضائل القرآن (٤٣٦)، وابن حزم في الإحكام (٦/ ١١٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٣/ ١٤٠)، والضياء في المختارة (٩/ ٥٤٢/ ٥٣٣) و (٩/ ٥٤٣/ ٥٣٤). [التحفة (٤/ ٢٧٩/ ٥٨ ٥٤)، الإتحاف (٧/ ٤٤/ ٧٢٩٥) و (٧/ ٤٧/ ٧٣٠٣)، المسند المصنف (١٣/ ٢٣٦/ ٦٣٦٥)]. * وانظر فيمن وهم في إسناده على شريك: ما أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ١٠٣/ ١٢٦٠٢).

стр. 8879

قلت: وهذا إسناد صحيح؛ أبو ظبيان: حصين بن جندب: ثقة، من الثانية، سمع ابن عباس وجرير بن عبد الله البجلي، واختلف في سماعه من علي، وقد رآه وروى عنه، وقد سمع منه الأعمش [انظر: فضل الرحيم الودود (٢/ ٢٥٣/ ١٦٠)، التاريخ الكبير (٣/ ٣)، المراسيل (١٧٧)، تحفة التحصيل (٧٨)]. • ورواه إسرائيل بن يونس [ثقة]؛ عن إبراهيم بن مهاجر [البجلي: ليس به بأس. تقدمت ترجمته قريبًا عند حديث حذيفة، في الشواهد]، عن مجاهد، عن ابن عباس؟ أنه قال لأصحابه: أي القراءتين ترون آخرًا؟ قالوا: قراءة زيد، قال: إن رسول الله ﷺ يعرض القرآن على جبريل في كل سنة، فلما كانت السنة التي قبض فيها عرضه عليه مرتين، فشهده ابن مسعود، فكانت قراءة عبد الله آخرًا. أخرجه أحمد (١/ ٢٧٥ و ٣٢٥)، والبزار (١١/ ١٨١/ ٤٩٢٣)، والطحاوي في شرح المشكل (١/ ٢٦٤/ ٢٨٧) و (٨/ ١٣٩/ ٣١٢٢)، والحاكم (٢/ ٢٣٠). وهذا إسناد لا بأس به. * وحديث معارضة القرآن مرة كل عام، ومرتين في العام الذي قبض فيه: ثبت من حديث ابن عباس؛ الذي رواه الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس ﵄، قال: كان النبي ﷺ أجود الناس بالخير، وأجود ما يكون في شهر رمضان؛ لأن جبريل كان يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه رسول الله ﷺ القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة [أخرجه البخاري (٦ و ١٩٠٢ و ٣٢٢٠ و ٣٥٥٤ و ٤٩٩٧)، ومسلم (٢٣٠٨)]. ومن حديث فاطمة بنت النبي ﷺ ، الذي رواه فراس، عن عامر الشعبي، عن مسروق، عن عائشة ﵂، قالت: أقبلت فاطمة تمشي … ، فذكرت الحديث بطوله، وفيه: فقالت: أسرَّ إليَّ: "إن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين، ولا أُراه إلا حضر أجلي، وإنكِ أول أهل بيتي لحاقًا بي "، … الحديث [أخرجه البخاري (٣٦٢٤ و ٦٢٨٦)، ومسلم (٢٤٥٠)]. ومن حديث أبي هريرة، الذي رواه أبو حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: كان يُعرض على النبي ﷺ القرآنُ كل عام مرة، فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه [أخرجه البخاري (٤٩٩٨)]. وليس في شيء منها تعيين من شهد هذه العرضة من الصحابة. * والحاصل: فإن ما ذهب إليه ابن عباس في هذا الحديث من كون ابن مسعود حضر العرضة الأخيرة، وأن قراءتنا هذه هي القراءة الأولى، وقراءة ابن مسعود هي القراءة الأخيرة؛ يعارضه حديث سمرة ﵁، قال: عرض القرآن على رسول الله ﷺ عرضات، فيقولون: إن قراءتنا هذه هي العرضة الأخيرة. ويعارضه أيضًا: اختيار رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان لزيد بن ثابت في كتابة

стр. 8880

المصحف وجمعه، مما يدل على اتفاق الصحابة على أن زيدًا كان أقرأ القوم، فإن كان كذلك فلا تخفى عليه العرضة الأخيرة؛ بل قيل: إنه هو الذي كتبها لرسول الله ﷺ ؛ وهو أشهر كتاب الوحي، وأهل المدينة يسمونه: كاتب الوحي، وهو الذي قال له أبو بكر الصديق: "إنك رجل شاب عاقل، لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فتتبع القرآن فاجمعه" [أخرجه البخاري (٤٦٧٩ و ٤٩٨٦ و ٧١٩١)]، ويشهد له: ما رواه ثابت البناني، وثمامة، عن أنس بن مالك، قال: مات النبي ﷺ ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد. قال: ونحن ورثناه. [أخرجه البخاري (٥٠٠٤)]. وما رواه قتادة، عن أنس ﵁: جمع القرآن على عهد النبي ﷺ أربعة، كلهم من الأنصار: أبي، ومعاذ بن جبل، وأبو زيد، وزيد بن ثابت. قلت لأنس: من أبو زيد؟ قال: أحد عمومتي. [أخرجه البخاري (٣٨١٠ و ٥٠٠٣]، ومسلم (٢٤٦٥)]. قال البغوي في شرح السُّنَّة (٤/ ٥٢٥): "وروي عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: كانت قراءة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وزيد بن ثابت، والمهاجرين والأنصار واحدة، كانوا يقرؤون قراءة العامة، وهي القراءة التي قرأها رسول اللّه ﷺ على جبريل مرتين في العام الذي قبض فيه، وكان على طول أيامه يقرأ مصحف عثمان، ويتخذه إمامًا. ويقال: إن زيد بن ثابت شهد العرضة الأخيرة التي عرضها رسول اللّه ﷺ على جبريل، وهي التي بين فيها ما نسخ وما بقي. قال أبو عبد الرحمن السلمي: قرأ زيد بن ثابت على رسول الله ﷺ في العام الذي توفاه اللّه فيه مرتين، وإنما سميت هذه القراءة قراءة زيد بن ثابت؛ لأنه كتبها لرسول اللّه ﷺ ، وقرأها عليه، وشهد العرضة الأخيرة، وكان يقرئ الناس بها حتى مات، ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر في جمعه، وولاه عثمان كتبة المصاحف ﵃ أجمعين". وقال شيخ الإسلام في الفتاوى الكبرى (٤/ ٤١٨): "والعرضة الأخيرة هي قراءة زيد بن ثابت وغيره، وهي التي أمر الخلفاء الراشدون: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي بكتابتها في المصاحف، وكتبها أبو بكر وعمر في خلافة أبي بكر في صحف، أمر زيد بن ثابت بكتابتها، ثم أمر عثمان في خلافته بكتابتها في المصاحف وإرسالها إلى الأمصار وجمع الناس عليها باتفاق من الصحابة علي وغيره". قلت: وهذا القول عندي أشبه بالصواب، أن العرضة الأخيرة هي فراءة زيد بن ثابت، وهي المثبتة في مصحف عثمان الذي كتبه زيد، واللّه أعلم. وهناك من جمع بين القولين، حيث قال ابن حجر في الفتح (٩/ ٤٥): "ويمكن الجمع بين القولين بأن تكون العرضتان الأخيرتان وقعتا بالحرفين المذكورين، فيصح إطلاق الآخرية على كل منهما". وقد تأول الطحاوي حديث ابن عباس؛ فقد ترجم له بقوله: "باب بيان مشكل ما

стр. 8881

روي في الحروف المتفقة في الخط، المختلفة في اللفظ"، ثم أسند حديث ابن عباس، ثم ذكر أمثلة على اختلاف القراء مما اتفق في الرسم، واختلف في اللفظ، مثل: فتبينوا، فتثبتوا، فلنبوئنهم، فلنثوينهم، ننشرها، ننشزها، مما يدل على أنه رأى اختلاف حرف ابن مسعود وحرف زيد إنما كان مما يحتمله خط مصحف عثمان الذي جمع عليه الأمة، وأجمع عليه الصحابة، ويؤيد ما ذهب إليه أن اختيار حمزة والكسائي وخلف كان يرجع أكثره لحرف ابن مسعود، وكذلك قراءة شعبة عن عاصم عن زر عن ابن مسعود، قال أبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ (٤٨٤): "على أن حرف عبد الله الصحيح: أنه موافق لمصحفنا؛ يدلك على ذلك: أن أبا بكر بن عياش، قال: قرأت على عاصم، وقرأ عاصم على زر، وقرأ زر على عبد اللّه"، وقال علم الدين السخاوي في جمال القراء (٥٢١): "فقراءة حمزة ترجع إلى عثمان، وابن مسعود، وعلي بن أبى طالب ﵃"، ونقل القرطبي في تفسيره (٢٠/ ٨١) عن أبي بكر الأنباري: "أن حمزة وعاصمًا يرويان عن عبد اللّه بن مسعود ما عليه جماعة المسلمين" [انظر: شرح مشكل الآثار (١/ ٣٠٩)، جامع البيان لأبي عمرو الداني (١/ ٢٧٠)، جمال القراء (٥٢١)، غاية النهاية (١/ ٢٦٢)]، والله أعلم. وهذا يرجع إلى ما سبق تقريره في البحث السابق: أن ابن مسعود كان له حرف يقرأ به لنفسه، ويخص به بعض أصحابه [كما في قصة علقمة مع أبي الدرداء]، وكان يقرئ الناس من أهل الكوفة بما يوافق رسم مصحف عثمان حتى لا يخالف بذلك جماعة المسلمين، وانتشرت قراءته هذه عند أهل الكوفة: عاصم وحمزة والكسائي وخلف، واللّه أعلم. مصحف عثمان، والأحرف السبعة. • ثم جمع عثمان الناس على مصحف واحد، وحرف واحد، لما وقع الاختلاف بين أهل العراق وأهل الشام حين اجتمعوا في غزو إرمينية، صيانة للأمة من الافتراق، وجمعًا لها على حرف واحد، حتى عفت آثار الحروف الستة الباقية مما خالف خط مصحف عثمان، ولم يعد هناك سبيل إلى معرفتها، سوى الشيء بعد الشيء مما نقل لنا بإسناد صحيح، وما قرأ به أهل الأمصار على ما حفظوه من هذه الأحرف مما يوافق الرسم، فتركوا من حرفهم ما خالف رسم عثمان، وقرؤوا منه ما وافقه، سواء من الأصول أو الفرش، وأما ما كان من الأحرف السبعة مغايرًا في الكلمة والرسم، فهذا مما ارتفع حكم القراءة به، وصار في حكم المنسوخ، لإجماع الصحابة على ذلك، والله أعلم [راجع: جامع البيان]. ° فقد روى ابن شهاب؛ أن أنس بن مالك حدثه؛ أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح إرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأقزع حذيفةَ اختلافُهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين! أدرك هذه الأمة، قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلافَ اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة: أن أرسلي إلينا

стр. 8882

بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيدَ بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق. أخرجه البخاري (٤٩٨٧). وفي رواية أخرى: فأمر عثمانُ زيدَ بن ثابت، وسعيد بن العاص، وعبد اللّه بن الزبير، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن ينسخوها في المصاحف، وقال لهم: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في عربية من عربية القرآن فاكتبوها بلسان قريش، فإن القرآن أنزل بلسانهم ففعلوا. أخرجه البخاري (٤٩٨٤). وفي هاتين الروايتين بيان تحذير حذيفة من اختلاف الأمة في كتابها كاختلاف اليهود والنصارى، وأمر عثمان بكتب المصحف على حرف واحد ليرفع هذا الاختلاف الواقع بين الناس، ودليل ذلك قوله في الرواية الأخرى: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في عربية من عربية القرآن فاكتبوها بلسان قريش، وفيه إشارة للأحرف السبعة التي نزل بها القرآن من لغات العرب، فإذا اختلفوا في حرف منها فإنهم يكتبونه بلسان قريش؛ يعني: على حرف واحد، وترك ما عداه، إذ ما كانوا فيه مختلفين قبل ذلك كان قرآنًا يتلى، لكنه أراد إلزامهم بحرف واحد فقط رفعًا للخلاف، وبدليل قول أنس في نهاية الحديث: وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق؛ يعني أن ما كان في هذه المصاحف مخالفًا لما في مصحف عثمان فإنه يمنع من القراءة به، وإظهاره بين الناس، جمعًا لكلمة المسلمين على حرف واحد، وأن هذه المصاحف كانت تختلف في رسمها وبعض كلمها عن بعض، وعن مصحف عثمان. قال أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح: سألت سفيان بن عيينة عن اختلاف قراءة المدنيين والعراقيين؛ هل تدخل في السبعة الأحرف؟ فقال: "لا، وإنما السبعة الأحرف كقولهم: هلمَّ، أقبلْ، تعالَ، أيَّ ذلك قلت أجزاك"، قال أبو الطاهر: وقاله ابن وهب [التمهيد (٨/ ٢٩٣)]. قال أبو بكر محمد بن عبد اللّه الأصبهاني المقرئ: "ومعنى قول سفيان هذا: أن اختلاف العراقيين والمدنيين راجع إلى حرف واحد من الأحرف السبعة" [التمهيد (٨/ (٢٩٣)]. وقال الطحاوي في شرح المشكل (٨/ ١٢٥): "وكانت هذه السبعة للناس في هذه الحروف في عجزهم عن أخذ القرآن على غيرها مما لا يقدرون عليه، لما قد تقدم ذكرنا له

стр. 8883

في هذا الباب، وكانوا على ذلك حتى كثر من يكتب منهم، وحتى عادت لغاتهم إلى لسان رسول الله ﷺ [يعني: لسان قريش]، فقرؤوا بذلك على تحفظ القرآن بألفاظه التي نزل بها [يعني: ابتداءً]، فلم يسعهم حينئذ أن يقرؤوه بخلافها، وبان بما ذكرنا أن تلك السبعة الأحرف إنما كانت في وقت خاص لضرورة دعت إلى ذلك، ثم ارتفعت تلك الضرورة، فارتفع حكم هذه السبعة الأحرف، وعاد ما يقرأ به القرآن إلى حرف واحد". وقال أبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ (٤٨٢): "أراد عثمان ﵀ أن يختار من السبعة حرفًا واحدًا هو أفصحها، ويزيل الستة، وهذا من أصح ما قيل فيه؛ لأنه مروي عن زيد بن ثابت أنه قال هذا". وقال الخطابي في أعلام الحديث (٢/ ١٢٠٨): "وإنما وقعت هذه السهولة في القراءات إذ ذاك، لعجز كثير منهم عن أخذ القرآن على وجه واحد، وكانوا قومًا أميين، ولو كلفوا غير ذلك، وأخذوا بأن يقرؤوه على قراءة واحدة لشق عليهم، ولأدى ذلك إلى النفرة والنبوة عنه، فلما زالت الأمية التي كانت فيهم، وصاروا يقرؤون ويكتبون، وقدروا على حفظ القرآن؛ لم يسعهم أن يقرؤوه على خلاف ما أجمعت عليه الصحابة، وكتبوه في المصحف، وذلك لارتفاع الضرورة الداعية إليه، فلم يستجيزوا القرآن إلا على معنى خط المصحف المكتوب بإجماع الصحابة، واتفاق الإملاء منهم". وقال مكي بن أبي طالب في الإبانة عن معاني القراءات (٢٢): "فإن سأل سائل، فقال: هل القراءات التي يقرأ بها الناس اليوم، وتنسب إلى الأئمة السبعة، كنافع، وعاصم، وأبي عمرو، وشبههم، هي السبعة، التي أباح النبي ﷺ القراءة بها، وقال: "أنزل القرآن على سبعة أحرف، فاقرؤوا بما شئتم"؟ أو هي بعضها؟ أو هي واحدة؟. فالجواب عن ذلك: إن هذه القراءات كلها التي يقرأ بها الناس اليوم، وصحت روايتها عن الأئمة، إنما هي جزء من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووافق اللفظ بها خط المصحف، مصحف عثمان الذي أجمع الصحابة فمن بعدهم عليه، واطرح ما سواه مما يخالف خطه، فقرئ بذلك لموافقة الخط، لا يخرج شيء منها عن خط المصاحف التي نسخها عثمان ﵁، وبعث بها إلى الأمصار، وجمع المسلمين عليها، ومنع من القراءة بما خالف خطها، … ، وصارت القراءة عند جميع العلماء بما يخالفه بدعة وخطأ، وإن صحت ورويت. وكان المصحف قد كتب على لغة قريش، على حرف واحد، ليزول الاختلاف بين المسلمين في القرآن، ولم ينقط ولا ضُبط، فاحتمل التأويل لذلك. وإذا كان المصحف بلا اختلاف كتب على حرف واحد من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، على لغة واحدة، والقراءة التي يقرأ بها لا يخرج شيء منها عن خط المصحف، فليست هي إذًا هي السبعة الأحرف، التي نزل بها القرآن كلها". إلى أن قال: "فالمصحف كتب على حرف واحد، وخطه محتمل لأكثر من حرف؛ إذ

стр. 8884

لم يكن منقوطًا، ولا مضبوطًا، فذلك الاحتمال الذي احتمل الخط هو من الستة الأحرف الباقية، إذ لا يخلو أن يكون ما اختلف فيه من لفظ الحروف، التي تخالف الخط: إما هي مما أراد عثمان، أو مما لم يرده إذ كتب المصحف، فلا بد أن يكون إنما أراد لفظًا واحدًا أو حرفًا واحدًا، لكنا لا نعلم ذلك بعينه، فجاز لنا أن نقرأ بما صحت روايته، مما يحتمله ذلك الخط لنتحرى مراد عثمان ﵁، ومن تبعه من الصحابة وغيرهم". وقد أطال الكلام في بطلان كون قراءة القراء السبعة المشهورين هي الأحرف السبعة، كيف يكون ذلك وأول من سبع السبعة ابن مجاهد في سنة (٣٠٠) أو نحوها، وقال بأن الكسائي إنما أُلحق بالسبعة متأخرًا، وكان مكانه يعقوب الحضرمي عند من تقدَّم، كما أن الكسائي إنما قرأ على حمزة، وقرأ أبو عمرو على ابن كثير، وبين أن المصنفين قد اختلفوا في اختيار القراء، وذكر أمثلة لذلك، فمنها مثلًا: أن أبا حاتم وغيره قد ترك ذكر حمزة والكسائي وابن عامر، وزاد نحو عشرين رجلًا من الأئمة ممن هو فوق هؤلاء السبعة، وكذلك زاد الطبري في كتاب القراءات له على هؤلاء السبعة نحو خمسة عشر رجلًا، وكذلك فعل أبو عبيد وإسماعيل القاضي، إلى أن قال: "فحصل من جميع ما ذكرنا وبينا: أن الذي في أيدينا من القرآن: هو ما في مصحف عثمان الذي أجمع المسلمون عليه، وأخذناه بإجماع يقطع على صحة مغيبه وصدقه، والذي في أيدينا من القراءات: هو ما وافق خط ذلك المصحف من القراءات التي نزل بها القرآن، فهو من الإجماع أيضًا. وسقط العمل بالقراءات التي تخالف خط المصحف، فكأنها منسوخة بالإجماع على خط المصحف". ثم تتطرق إلى بيان السبب في وقوع الاختلاف بين القراء السبعة وغيرهم، فقال (٣٧): " … ، ولما مات النبي ﷺ خرج جماعة من الصحابة في أيام أبي بكر وعمر إلى ما افتتح من الأمصار، ليعلموا الناس القرآن والدين، فعلم كل واحد منهم أهل مصره على ما كان يقرأ على عهد النبي ﷺ ، فاختلفت قراءة أهل الأمصار على نحو ما اختلفت قراءة الصحابة الذين علموهم. فلما كتب عثمان المصاحف ووجهها إلى الأمصار، وحملهم على ما فيها، وأمرهم بترك ما خالفها، قرأ أهل كل مصر مصحفهم الذي وجه إليهم على ما كانوا يقرؤون قبل وصول المصحف إليهم مما يوافق خط المصحف، وتركوا من قراءتهم التي كانوا عليها مما يخالف خط المصحف، فاختلفت قراءة أهل الأمصار لذلك بما لا يخالف الخط، وسقط من قراءتهم كلهم ما يخالف الخط. ونقل ذلك الآخرُ عن الأول في كل مصر، فاختلف النقل لذلك، حتى وصل النقل إلى هؤلاء الأئمة السبعة على ذلك، فاختلفوا فيما نقلوا على حسب اختلاف أهل الأمصار، لم يخرج واحد منهم عن خط المصحف فيما نقل، كما لم يخرج واحد من أهل الأمصار عن خط المصحف، الذي وجه إليهم.

стр. 8885

فلهذه العلة اختلفت رواية القراء فيما نقلوا، واختلفت أيضا قراءة من نقلوا عنه لذلك". ثم قال: "واحتاج كل واحد من هؤلاء القراء أن يأخذ مما قرأ ويترك، فقد قال نافع: قرأت على سبعين من التابعين، فما اجتمع عليه اثنان أخذته، وما شذ فيه واحد تركته، حتى ألفت هذه القراءة. وقد قرأ الكسائي على حمزة، وهو يخالفه في نحو ثلاثمائة حرف؛ لأنه قرأ على غيره، فاختار من قراءة حمزة ومن قراءة غيره قراءة، وترك منها كثيرًا. وكذلك أبو عمرو قرأ على ابن كثير، وهو يخالفه في أكثر من ثلاثة آلاف حرف؛ لأنه قرأ على غيره، فاختار من قراءته ومن قراءة غيره قراءة. فهذا سبب الاختلاف الذي سألت عنه". وقال ابن عبد البر في التمهيد (٨/ ٢٩٣): "وهذا كله يدلك على أن السبعة الأحرف التي أشير إليها في الحديث: ليس بأيدي الناس منها إلا حرف زيد بن ثابت الذي جمع عليه عثمان المصحف". وقال أيضًا (٨/ ٢٩٦): "وهذا يدلك على قول العلماء: أن ليس بأيدي الناس من الحروف السبعة التي نزل القرآن عليها إلا حرف واحد، وهو صورة مصحف عثمان، وما دخل فيه ما يوافق صورته من الحركات واختلاف النقط من سائر الحروف". وقال أيضًا (٨/ ٢٩٩): "وأما حرف زيد بن ثابت فهو الذي عليه الناس في مصاحفهم اليوم وقراءتهم من بين سائر الحروف؛ لأن عثمان جمع المصاحف عليه بمحضر جمهور الصحابة". وذكر البغوي في شرح السُّنَّة (٤/ ٥١١) كلامًا طويلًا، كان منه: "فأمر عثمان بنسخه في المصاحف، وجمع القوم عليه، وأمر بتحريق ما سواه، قطعًا لمواد الخلاف، فكان ما يخالف الخط المتفق عليه في حكم المنسوخ والمرفوع؛ كسائر ما نسخ ورفع منه؛ باتفاق الصحابة. والمكتوب بين اللوحين هو المحفوظ من اللّه للعباد، وهو الإمام للأمة، فليس لأحد أن يعدو في اللفظ إلى ما هو خارج من رسم الكتابة والسواد. فأما القراءة باللغات المختلفة، فما يوافق الخط والكتاب، فالفسحة فيها باقية، والتوسعة قائمة بعد ثبوتها وصحتها بنقل العدول عن الرسول ﷺ ، على ما قرأ به القراء المعروفون بالنقل الصحيح عن الصحابة ﵃ ". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الصارم المسلول (١٢٦): "فإن القول المرضي عند علماء السلف الذي يدل عليه عامة الأحاديث وقراءات الصحابة: أن المصحف الذي جمع عثمان الناس عليه هو أحد الحروف السبعة، وهو العرضة الأخيرة، وأن الحروف الستة خارجة عن هذا المصحف، وأن الحروف السبعة كانت تختلف الكلمة؛ مع أن المعنى غير مختلف ولا متضاد" [وانظر: جامع المسائل (٢٩٢ - المجموعة السابعة). مجموع الفتاوى (١٢/ ٥٦٩) و (١٣/ ٣٨٩)].

стр. 8886

° وخالف في ذلك: أبو عمرو الداني وابن حزم حيث ذهبا إلى أن الأحرف السبعة موجودة في مصحف عثمان، لم ينقص منها شيء، وقد اشتمل عليها جميعًا لم يغادر منها حرفًا، وهي مبثوثة في القراءات المشهورة، وهذا القول مخالف للنصوص الواردة، ومخالف لقول جمهور الصحابة وعامة الأئمة، والصواب: قول الجمهور، وهو القول المرضي عند علماء السلف؛ كما قال شيخ الإسلام، ولا يهولنك تهويل ابن حزم؛ فإنه معروف بذلك؛ حتى وصل به الأمر إلى تجريم مخالفيه، ووصفهم بأقبح الأوصاف، بل وتكفيرهم عياذًا باللّه، وابن حزم كثير التجاوز في الرد على مخالفيه من أئمة الدين، وأعلام الأمة، ورميهم بأبشع الأوصاف، واتهامهم بأقذع الألفاظ. ° مسألة: بيان ما هو قرآن يتلى ويتعبد به، وما هو قرآن لا يتلى ولا يتعبد به، وما ليس بقرآن: قال مكي بن أبي طالب في الإبانة (٣٩): "جميع ما روي من القراءات على ثلاثة أقسام: أمب بكيقرأ به اليوم، وذلك ما اجتمع فيه ثلاث خلال، وهي: أن ينقل عن الثقات إلى النبي ﷺ . ويكون وجهه في العربية التي نزل بها القرآن شائعًا. ويكون موافقًا لخط المصحف. فإذا اجتمعت فيه هذه الخلال الثلاث قرئ به، وقطع على مغيبه وصحته وصدقه؛ لأنه أخذ عن إجماع من جهة موافقته لخط المصحف، وكفر من جحده. والقسم الثاني: ما صح نقله في الآحاد، وصح وجهه في العربية، وخالف لفظه خط المصحف. فهذا يقبل، ولا يقرأ به لعلتين: إحداهما: أنه لم يؤخذ بإجماع، إنما أخذ بأخبار الآحاد، ولا يثبت قرآن يقرأ به بخبر الواحد. والعلة الثانية: أنه مخالف لما قد أجمع عليه، فلا يقطع على مغيبه وصحته، وما لم يقطع على صحته لا تجوز القراءة به، ولا يكفر من جحده، وبئس ما صنع إذ جحده. والقسم الثالث: هو ما نقله غير ثقة، أو نقله ثقة ولا وجه له في العربية. فهذا لا يقبل وإن وافق خط المصحف". ° فائدة: ومن فوائد جعل القرآن متشابهًا مثاني، قال مكي بن أبي طالب في الإبانة (٦٠): "أن اللّه جل ذكره علم أن القرآن لا يجمعه كل إنسان في وقت نزوله، ولا يقف على ما نص فيه جميع العباد، فكرر القصص، والتحذير والتخويف، والتوحيد، والإخبار عن البعث والنشر، والحجج على جوازه، وغير ذلك في أكثر سور القرآن، ليكون من بلغه بعض السور وقف على ذلك أجمع، ومن بلغه البعض الآخر وقف فيه على نحو ذلك،

стр. 8887

ومن بلغه سورة واحدة وقف على أكثر ذلك، فلا يفوت أحدًا منهم ما به الحاجة إليه، مما أراد الله إعلامه لخلقه، فكان في التكرير رفق عظيم، وهداية ظاهرة للحق، وذلك بلطف الله لخلقه، وهذا كثير من نعم اللّه على خلقه، ورفقه بهم". مسألة: هل تقوم ترجمة القرآن للأعجمي، مقام الأحرف السبعة للعربي؟ الجواب: ادعى بعضهم أن الله تعالى أنزل القرآن بلغة قريش ومن جاورهم من فصحاء العرب، ثم أباح للعرب المخاطبين به المنزل عليهم أن يقرؤوه بلغاتهم التي جرت عادتهم باستعمالها على اختلافهم في الألفاظ والإعراب، ولم يكلف بعضهم الانتقال من لغة إلى غيرها لمشقة ذلك عليهم، ولأن العربي إذا فارق لغته التي طبع عليها يدخل عليه الحمية من ذلك، فتأخذه العزة، فجعلهم يقرؤونه على عاداتهم وطباعهم ولغاتهم منًا منه لئلا يكلفهم ما يشق عليهم، فيتباعدوا عن الإذعان [المرشد الوجيز لأبي شامة (٩٥)]، وأن ذلك كان سائغًا قبل جمع الصحابة المصحف تسهيلًا على الأمة حفظه؛ لأنه نزل على قوم لم يعتادوا الدرس والتكرار وحفظ الشيء بلفظه، بل هم قوم عرب فصحاء يعبرون عما يسمعون باللفظ الفصيح [المرشد الوجيز لأبي شامة (٨٩)]. واحتج بعضهم في ذلك بناء على التفسير السابق: بما رواه شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن أبي بن كعب؛ أن النبي ﷺ كان عند أضاةِ بني غفار، قال: فأتاه جبريل ﵇، فقال: "إن الله يأمرُك أن تَقرأَ أُمَّتُك القرآن على حرف"، فقال: "أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك"، ثم أتاه الثانية، فقال: "إن الله يأمرُك أن تَقرأ أُمَّتُك القرآن على حرفين"، فقال: "أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك"، ثم جاءه الثالثة، فقال: "إن الله يأمرُك أن تَقرأَ أُمَّتُك القرآن على ثلاثة أحرف"، فقال: "أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك"، ثم جاءه الرابعة، فقال: "إن اللّه يأمرك أن تَقرأَ أُمَّتُك القرآن على سبعة أحرف، فأيما حرف قرؤوا عليه فقد أصابوا". [أخرجه مسلم (٨٢١)، وتقدم برقم (١٤٧٨)]. يعني: أن النبي ﷺ أباح للعربي أن يقرأ بما اعتاده من لغته ما فهمه من كلام اللّه تعالى، دون أن يسمعه من النبي ﷺ ، ولا أن يتعلمه من صحابي أقرأه إياه رسول اللّه ﷺ ، فيكون ذلك من العربي كالترجمة للقرآن دون أن يتلقاه من في رسول اللّه ﷺ . فيقال: هذا قول باطل؛ لأنه على هذا القول لم يعد لتقييد الأحرف بكونها سبعة معنى، وذلك لكون قبائل العرب ولغاتها أكثر من سبعة بكثير، ولأن هذا المقروء به ليس قرآنًا منزلًا من عند اللّه، ولا يجوز لأحد من المكلفين من الإنس والجن أن يتعبد اللّه تعالى في صلاته إلا بالقرآن المنزل من عند الله تعالى، وبما أقرأ به النبي ﷺ صحابته، ثم بعد كتابة مصحف عثمان وجب على جميع الخلق أن يلتزموا خطه، ولا يجاوزوه بحال من الأحوال، والدليل على صحة ذلك، وأن ما وقع من الاختلاف بين الصحابة في القرآن في

стр. 8888

زمن النبي ﷺ ؛ إنما كان بما أقرأهم الرسول ﷺ ، وبما أنزله الله على نبيه ﷺ : فقد روى الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن عبدٍ القاري، أنهما سمعا عمر بن الخطاب، يقول: مررت بهشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله ﷺ ، فاستمعت قراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ ، فكدت أن أساوره في الصلاة، فنظرته حتى سلم، فلما سلم لبَّبته بردائه، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي أسمعك تقرؤها؟ قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ ، قال: قلت له: كذبت، فواللّه إن رسول اللّه ﷺ لهو أقرأني هذه السورة التي تقرؤها، قال: فانطلقت أقوده إلى النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، وأنت أقرأتني سورة الفرقان، فقال: رسول الله ﷺ : "أرسله يا عمر، اقرأ يا هشام"، فقرأ عليه القراءة التي سمعتُ، فقال النبي ﷺ : "هكذا أُنزلت"، ثم قال: "اقرأ يا عمر"، فقرأت القراءة التي أقرأني النبي ﷺ ،- ثم قال: "هكذا أُنزلت"، ثم قال رسول الله ﷺ : "إن هذا القرآن أُنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا منه ما تيسَّر". [متفق عليه. وتقدم برقم (١٤٧٥)]. ففي هذا الحديث قال عمر لهشام بن حكيم: من أقرأك هذه السورة التي أسمعك تقرؤها؟ قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ . يعني: أنه لم يكن اجتهادًا من قِبل هشام نفسه، وإنما تلقاه من في رسول الله ﷺ ، ثم يؤكد ذلك: أنه لما قرأ هشام وعمر على النبي ﷺ قال لكل منهما: "هكذا أُنزلت"، فلم يكن أيضًا اجتهادًا من النبي ﷺ ، وإنما هكذا سمعه من جبريل. كما روى الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ قال: "أقرأني جبريل على حرفٍ فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدُني؛ حتى انتهى إلى سبعة أحرف". [متفق عليه. وتقدم برقم (١٤٧٦)]. يعني: أن النبي ﷺ تلقى الأحرف السبعة حرفًا حرفًا من جبريل ﵇، والله أعلم. وعلى هذا فمن قرأ في صلاته بترجمة القرآن فإنها لا تجزئه صلاته تلك؛ لأن الترجمة ليست بقرآن؛ لأنه لم يقرأ فيها بما تيسر من القرآن المنزل من الله الحكيم الحميد، والاستطراد في الاستدلال لهذه المسألة يطول جدًا، لكثرة الأدلة من القرآن والسُّنَّة على ذلك. قال ابن عطية (١/ ١٧٦): "فأباح الله تعالى لنبيه هذه الحروف السبعة، وعارضه بها جبريل في عرضاته، على الوجه الذي فيه الإعجاز وجودة الوصف، ولم تقع الإباحة في قوله ﵇: "فاقرؤوا ما تيسر منه" بأن يكون كل واحد من الصحابة إذا أراد أن يبدل اللفظة من بعض هذه اللغات جعلها من تلقاء نفسه، ولو كان هذا لذهب إعجاز القرآن وكان معرَّضًا أن يبدِّل هذا وهذا حتى يكون غير الذي نزل من عند الله، وإنما وقعت الإباحة في الحروف السبعة للنبي ﷺ ليوسع بها على أمته، فقرأ مرة لأبيّ بما عارضه به جبريل صلوات الله عليهما، ومرة لابن مسعود بما عارضه به أيضًا.

стр. 8889

وفي صحيح البخاري عن النبي ﷺ قال: "أقرأني جبريل على حرف، فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف". وعلى هذا تجيء قراءة عمر بن الخطاب لسورة الفرقان وقراءة هشام بن حكيم لها، وإلا فكيف يستقيم أن يقول النبي ﷺ في قراءة كل منهما -وقد اختلفتا-: "هكذا أقرأني جبريل"، هل ذلك إلا لأنه أقرأه بهذه مرة وبهذه مرة". وقد احتج البيهقي في الخلافيات (٣/ ٢٣٣) بحديثي الزهري في المسألة، ثم أعقبهما بقول زيد بن ثابت: القراءة سنة، ثم قال: "إنما أراد -والله أعلم-: أن اتباع من قبلنا في الحروف والقراءات سنة متبعة؛ لا يجوز مخالفة المصحف الذي هو إمام، ولا مخالفة القراءات التي هي مشهورة، وإن كان غير ذلك سائغًا في اللغة وأظهر فيها، وبالله التوفيق". وقال أبو المعالي الجويني في نهاية المطلب (٢/ ٢٠٢): "ولو دعا بالفارسية، بطلت صلاته، وكذلك لو أتى بترجمة القرآن، وقد ذكرنا أن ترجمة القرآن لا تقوم مقام القراءة، وخلاف أبي حنيفة مشهور فيه". وقد ساق الفخر الرازي خمس عشرة حجة على بطلان صلاة من قرأ بترجمة القرآن، وقد أجاد في ذلك وأفاد، وذلك في تفسيره المسمى: مفاتيح الغيب (١/ ١٨٣ - ١٨٦)، وابتدأ المسألة بقوله: "قال الشافعي: ترجمة القرآن لا تكفي في صحة الصلاة لا في حق من يحسن القراءة ولا في حق من لا يحسنها، وقال أبو حنيفة: إنها كافية في حق القادر والعاجز". وانظر: الأصل (١/ ١٦ و ٢١٩)، المدونة (١/ ٦٢)، الأم، (١/ ١٠٣)، مختصر اختلاف العلماء (١/ ٢٦٠)، المبسوط (١/ ٣٧)، الحاوي الكبير (٢/ ٩٧)، الخلافيات (٣/ ٢٣٢)، التعليقة للقاضي حسين (٢/ ٧٢٥)، نهاية المطلب (٢/ ٢٠٢)، أحكام القرآن لابن العربي (٤/ ٨٨)، مفاتيح الغيب للفخر الرازي (١/ ١٨٣)، الشرح الكبير للرافعي (١/ ٥٣٩)، المجموع (٣/ ٣٤٠)، اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٥٢٠)، مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤٧٧)، وغيرها كثير. * * * ٣٥٨ - باب الدعاء ١٤٧٩ - . . . شعبة، عن منصور، عن ذر، عن يسيع الحضرمي، عن النعمان بن بشير، عن النبي ﷺ قال: "الدعاء هو العبادة، ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. حديث صحيح أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٧١٤)، والنسائي في الكبرى (١٠/ ٢٤٤/

стр. 8890

١١٤٠٠)، والحاكم (١/ ٤٩١) (٢/ ٤٦٢/ ١٨٢٣ - ط الميمان)، وأحمد (٤/ ٢٧٧)، وابن المبارك في الزهد (١٢٩٨)، وفي المسند (٧١)، والطيالسي (٢/ ١٤٧/ ٨٣٨)، وابن جرير الطبري في تفسيره (٢٠/ ٣٥٣)، وابن الأعرابي في المعجم (٢/ ٦٣١/ ١٢٤٩)، وأبو بكر بن خلاد النصيبي في فوائده (٢١)، والطبراني في الكبير (٢١/ ١٤٩/ ١٩١)، وفي الدعاء (٢)، والخطابي في شأن الدعاء (٤ - ٥)، والقضاعي في مسند الشهاب (٢٩)، والبيهقي في الشعب (٣/ ٧٠/ ١٠٧٠). [التحفة (٨/ ٢٥٩/ ١١٦٤٣)، الإتحاف (١٣/ ٥٣٧/ ١٧١٠٥)، المسند المصنف (٢٥/ ٢٩٤/ ١١٣٨٨)]. رواه عن شعبة: حفص بن عمر الحوضي، وغندر محمد بن جعفر، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن المبارك، وأبو داود الطيالسي، وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، وأبو زيد سعيد بن الربيع الهروي [وهم ثقات، وفيهم أثبت الناس في شعبة]. تابع شعبة عليه: سفيان الثوري [وعنه: أبو نعيم الفضل بن دكين، وعبد الله بن المبارك، ومحمد بن يوسف الفريابي، وقبيصة بن عقبة، وأبو داود الحفري عمر بن سعد، وأبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الرزاق بن همام، وقرن الأخيران منصورًا بالأعمش]، وجرير بن عبد الحميد، وأبو معاوية شيبان بن عبد الرحمن النحوي [وهم ثقات]، والسدي [إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة: ليس به بأس، وقد ضُعِّف. التهذيب (١/ ١٥٨)، والراوي عنه: أسباط بن نصر، وهو: ليس بالقوي، التهذيب (١/ ١٠٩)]: عن منصور، عن ذر، عن يسيع، عن النعمان بن بشير ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الدعاء هو العبادة"، ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠]. أخرجه الترمذي (٣٢٤٧)، وابن حبان (٣/ ١٧٢/ ٨٩٠)، والحاكم (١/ ٤٩٠ - ٤٩١ و ٤٩١) (٢/ ٤٦٢/ ١٨٢٢ - ط الميمان) و (٢/ ٤٦٣/ ١٨٢٤ - ط الميمان) (٣/ ٦/ ١٨٢٠ و ١٨٢٧ - ط التأصيل) (١٨١٨ و ١٨٢٠ - ط دار المنهاج القويم)، وأحمد (٤/ ٢٦٧ و ٢٧٦ - ٢٧٧)، وابن المبارك في الزهد (١٢٩٩)، وفي المسند (٧١)، وعبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١٤٧/ ٢٦٨٥) [وفي سنده سقط]، والعجلي في الثقات (١٨٥٢)، والسري بن يحيى في حديثه عن شيوخه عن الثوري (١١٢)، وأبو بكر ابن أبي مريم فيما رواه من حديث الفريابي عن الثوري (٢٥٦)، والبزار (٨/ ٢٠٥/ ٣٢٤٣)، وابن جرير الطبري في تفسيره (٢٠/ ٣٥٣ و ٣٥٤)، والطبراني في الكبير (٢١/ ١٤٨/ ١٨٩ و ١٩٠) و (٢١/ ١٥٠/ ١٩٢)، وفي الدعاء (١ و ٣)، وابن المقرئ في المعجم (٨٦٨)، وابن منده في التوحيد (٢/ ١٨٠/ ٣٢٠)، وأبو إسحاق الثعلبي في الكشف والبيان (٨/ ٢٨٠)، والقضاعي في مسند الشهاب (٢٩)، والبيهقي في الشعب (٣/ ٧٠/ ١٠٧٠)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٥/ ١٨٤/ ١٣٨٤)، وفي

стр. 8891

التفسير (٧/ ١٥٦)، وإسماعيل الأصبهاني في الترغيب والترهيب (٢/ ١١٠/ ١٢٥٨)، وغيرهم. [التحفة (٨/ ٢٥٩/ ١١٦٤٣)، الإتحاف (١٣/ ٥٣٧/ ١٧١٠٥)، المسند المصنف (٢٥/ ٢٩٤/ ١٣٨٨)]. ° تنبيه: وهم أبو حذيفة فقلب متنه، وقال: "العبادة هي الدعاء" [عند الطبراني في الكبير (١٨٩)، وفي الدعاء (١)]. وأبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي: صدوق، كثير الوهم، سيئ الحفظ، ليس بذاك في الثوري، وضعفه جماعة في سفيان [التقريب (٦١٩)، شرح علل الترمذي (٢/ ٧٢٦)، التهذيب (٤/ ١٨٨)]. • ورواه سفيان الثوري [وعنه: عبد الرحمن بن مهدي، وعبد الرزاق بن همام، وقرنا الأعمش بمنصور]، وأبو معاوية محمد بن خازم الضرير، ووكيع بن الجراح، وعبد اللّه بن إدريس، وعبد الله بن نمير، ومروان بن معاوية، وعبد اللّه بن داود الخريبي، وأبو عوانة، وزهير بن معاوية، وعقبة بن خالد، والقاسم بن معن [وهم ثقات، وفيهم أثبت الناس في الأعمش]، وفضيل بن عياض [ثقة، وهو غريب من حديثه، رواه عنه: سويد بن سعيد الحدثاني، وهو: صدوق، لكنه عمي فصار يتلقن ما ليس من حديثه]، وحفص بن غياث [ثقة ثبت، ولا يثبت من حديثه، رواه عنه: أحمد بن عبد الجبار العطاردي، وهو: ضعيف]، وغيرهم: عن الأعمش، عن ذر، عن يسيع، عن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله ﷺ : "الدعاء هو العبادة"، ثم تلا: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الآية. أخرجه الترمذي (٢٩٦٩ و ٣٢٤٧ و ٣٣٧٢)، والنسائي في الكبرى (١٠/ ٢٤٤/ ١١٤٠٠)، وابن ماجه (٣٨٢٨)، والحاكم (١/ ٤٩٠ - ٤٩١) (٢/ ٤٦٢/ ١٨٢٢ - ط الميمان) (٣/ ٦/ ١٨٢٥ - ط التأصيل) (١٨١٨ - ط دار المنهاج القويم)، وأحمد (٤/ ٢٦٧ و ٢٧١ و ٢٧٦ و ٢٧٦ - ٢٧٧)، وعبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١٤٧/ ٢٦٨٥) [وفي سنده سقط]، وابن أبي شيبة (٦/ ٢١/ ٢٩١٦٧)، والبزار (٨/ ٢٠٤/ ٣٢٤٢) و (٨/ ٢٠٥/ ٣٢٤٣)، وابن جرير الطبري في تفسيره (٣/ ٢٢٨) و (٢٠/ ٣٥٢ و ٣٥٣)، وابن أبي حاتم في التفسير (٥/ ١٤٩٩/ ٨٥٩٠) و (١٠/ ٣٢٦٩/ ١٨٤٤٤)، والطبراني في الكبير (٢١/ ١٥٠/ ١٩٣) و (٢١/ ١٥١/ ١٩٤ و ١٩٥)، وفي الأوسط (٤/ ١٧٠/ ٣٨٨٩)، وفي الصغير (١٠٤١)، وفي الدعاء (٥ - ٧)، وابن منده في التوحيد (٢/ ١٨٠/ ٣٢٠)، وأبو إسحاق الثعلبي في الكشف والبيان (٨/ ٢٨٠)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١٢٠)، والقضاعي في مسند الشهاب (٢٩ و ٣٠)، والبيهقي في الشعب (٣/ ٧٠/ ١٠٧٠)، وفي الدعوات الكبير (٤)، وأبو الحسن الواحدي في التفسير الوسيط (٤/ ١٩)، وعبد الغني المقدسي في نهاية المراد (٥١)، والضياء في المنتقى من مسموعاته بمرو (١١٨٠) [سقط من إسناده شيخ أحمد بن يونس]، وغيرهم. [التحفة (٨/ ٢٥٩/ ١١٦٤٣)، الإتحاف (١٣/ ٥٣٧/ ١٧١٠٥)، المسند المصنف (٢٥/ ٢٩٤/ ١١٣٨٨)].

стр. 8892

قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". وزاد في الموضع الأخير: "وقد رواه منصور، والأعمش، عن ذر، ولا نعرفه إلا من حديث ذر". وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه". وجود إسناده ابن حجر في الفتح (١/ ٤٩). ° هكذا رواه أصحاب الأعمش، وهكذا رواه عن عبد اللّه بن داود الخريبي: مسدد بن مسرهد، وعمرو بن علي الفلاس، وعبيد اللّه بن عمر القواريري [وهم ثقات أثبات] [عند ابن جرير، والطبراني في الدعاء (٦)، والقضاعي، وأبي طاهر السلفي]. خالفهم: محمد بن الحجاج بن سليمان الحضرمي المصري [قال ابن أبي حاتم: "كتبت عنه بمصر، وهو: صدوق ثقة"، وقال مسلمة: "مصري ثقة"، وقال ابن يونس: "كان رجلًا صالحًا"، الجرح والتعديل (٧/ ٢٣٥)، غنية الملتمس (٤٧٦)، تاريخ الإسلام (٦/ ٣٩٨ - ط الغرب)، الثقات لابن قطلوبغا (٨/ ٢٣١)]: ثنا الخصيب بن ناصح: ثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن داود، عن الأعمش، عن ذر، عن يسيع، عن النعمان بن بشير؛ أن رسول اللّه ﷺ قال في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾، قال: "عن دعائي"، ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾. أخرجه أبو عوانة الإسفراييني في زياداته على سؤالات المروذي وغيره لأحمد بن حنبل "العلل ومعرفة الرجال" (٥٣٣)، والطبراني في الكبير (٢١/ ١٥١/ ١٩٥)، وفي الأوسط (٤/ ١٧٠/ ٣٨٨٩)، وفي الدعاء (٤)، وأبو موسى المديني في اللطائف (٦٨). قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن سفيان؛ إلا الخصيب بن ناصح". وقال أبو موسى المديني: "هذا حديث غريب من حديث ابن عيينة عن عبد الله بن داود، ولم يروه غير الخصيب، ولا عنه إلا محمد بن الحجاج، وهو مشهور من حديث ذر، ومن حديث الأعمش عنه أيضًا هكذا. ورواه علقمة بن مرثد عن يسيع بن معدان، قال: قال الأشعث بن قيس سمعت النعمان بهذا"؛ كذا في المطبوع، وأرى عبارة: "قال الأشعث بن قيس" مقحمة في السياق، لا معنى لها، والذي في تاريخ البخاري: ذكر سماع يسيع من النعمان بغير واسطة. قلت: هو حديث منكر؛ تفرد به عن سفيان بن عيينة: الخصيب بن ناصح، ولم يكن من أصحابه، قال ابن أبي حاتم: "سألت أبا زرعة عن الخصيب بن ناصح، فقال: ما به بأس إن شاء الله"، وهو ممن يخطئ ويخالف، قال ابن حبان في الثقات: "ربما أخطأ"، وذكره ابن خلفون في جملة الثقات، وقال: "قال محمد بن وضاح: سألت أحمد بن سعد بن الحكم عن الخصيب بن ناصح؛ روى عنه علي بن معبد؟ قال: الخصيب ثقة". [الجرح والتعديل (٣/ ٣٩٧)، علل الحديث (٦/ ٤١٣/ ٢٦٣٠)، الثقات (٨/ ٢٣٢)، علل الدارقطني (٨/ ١٤١/ ١٤٦٠) و (١٣/ ٩٤/ ٢٩٧٥) و (١٣/ ١٩٣/ ٣٠٨٥)، تاريخ الإسلام (٥/

стр. 8893

٦٨ - ط الغرب)، إكمال مغلطاي (٤/ ١٩١)، التهذيب (١/ ٥٤٣)]. وانظر بعض أوهامه: علل الحديث لابن أبي حاتم (٦/ ٤١٣/ ٢٦٣٠)، علل الدارقطني (٨/ ١٤١/ ١٤٦٠) و (١٣/ ٩٤/ ٢٩٧٥) و (١٣/ ١٩٣/ ٣٠٨٥). ° وانظر فيمن وهم في إسناده على الأعمش: ما أخرجه أبو يعلى في المعجم (٣٢٨)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٤/ ٢١٤ - ط الغرب). • وروي من حديث محمد بن جحادة عن يسيع، ولا يثبت من حديثه [أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٠/ ٣٥٣)] [تفرد به عن محمد بن جحادة: الحسن بن أبي جعفر، وهو: ضعيف، يروي الغرائب عن محمد بن جحادة. التهذيب (١/ ٣٨٦)، الميزان (١/ ٤٨٢)] [والراوي عنه: يوسف بن الغرق: كذبه الأزدي، وقال صالح بن محمد جزرة: "منكر الحديث"، وقال أبو حاتم: "ليس بالقوي"، وقال محمود بن غيلان: "ضرب أحمد ويحيى بن معين وأبو خيثمة على حديثه وأسقطوه". الجرح والتعديل (٩/ ٢٢٧)، الثقات (٩/ ٢٧٩)، الكامل (٧/ ١٦٧)، تاريخ بغداد (١٤/ ٢٩٧)، تاريخ الإسلام (١٣/ ٤٨٨)، اللسان (٨/ ٥٦٣)]. والحاصل: فإن هذا الحديث قد رواه إماما أهل الكوفة وحافظاها: منصور بن المعتمر، والأعمش، كلاهما: عن ذر بن عبد اللّه المرهبي [وهو: ثقة عابد، من الطبقة السادسة، مات قبل المائة، وقيل: بعدها]، عن يسيعٍ بن معدان [الحضرمي الكوفي، وهو: ثقة، من الطبقة الثالثة]، عن النعمان بن بشير مرفوعًا. وهذا حديث صحيح، صححه الترمذي وابن حبان والحاكم، فإن قيل: لم يثبت سماع يسيع بن معدان من النعمان بن بشير في الأسانيد، قال البخاري في التاريخ الكبير (٨/ ٤٢٦): "يسيع الحضرمي: يعد في الكوفيين، عن النعمان بن بشير، روى عنه ذر الهمداني، وسمع عليًا، يقال: عن سلمة بن صالح، عن علقمة بن مرثد، عن يسيع بن معدان، قال: سمعت النعمان، عن النبي ﷺ بطوله، يتكلمون في سلمة". وما وقع هنا في التاريخ الكبير، وفيه إثبات سماع يسيع من النعمان، فإنما هو من رواية سلمة بن صالح، وعقبه البخاري بقوله: "يتكلمون في سلمة"، كالمعل لهذا السماع. قلت: سلمة بن صالح الأحمر الواسطي: ضعفوه، وتركه بعضهم، وقد أغلظ بعضهم فيه القول، وقد روى عن حماد بن أبي سليمان ومحمد بن المنكدر مناكير، لكن قال البخاري في التاريخ (٤/ ٨٥): "غلطوه في حماد بن أبي سليمان"، وعليه: فيترك فيهما، ويكتب حديثه في غيرهما، لا سيما وقد حسن ابن عدي القول فيه، وقال أحمد عنه في رواية حنبل: "سلمة الأحمر يحدث عن أبي إسحاق أحاديث صحاح؛ إلا أنه عن حماد مختلط الحديث"؛ فدل ذلك على التفصيل في روايته، وعدم ترك حديثه بالكلية، وهو معروف بالرواية عن علقمة بن مرثد [الكامل (٣/ ٣٣٠)، تاريخ بغداد (١٠/ ١٨٨ - ط الغرب)، اللسان (٤/ ١١٨)] [راجع ترجمته تحت الحديث رقم (٦٢٢ و ٧٤٦)].

стр. 8894

ويقال أيضًا: عادة البخاري رحمه الله تعالى في التاريخ الكبير أنه يذكر الوارد في الأسانيد من السماع وغيره، وعدم ذكر السماع هنا لا يعني حتمًا الانقطاع، لا سيما وقد أثبت البخاري السماع ليسيع من علي بن أبي طالب، وعلي أقدم موتًا من النعمان بن بشير، ففد مات علي سنة (٤٠)، وله ثلاث وستون سنة، وقتل النعمان سنة (٦٥)، وله أربع وستون سنة، وكان قد ولي إمرة حضرموت والكوفة وحمص، وكان خطيبًا مفوَّهًا، وعليه: فإن النعمان قد بقي بعد علي خمسًا وعشرين سنة، وقد جرت العادة أن الأمير هو الذي يصلي بالناس، ويخطب بهم الجمع والأعياد، وهذا مما يبعد شبهة الانقطاع عن هذا الحديث، حيث كان النعمان واليًا على الكوفة زمن معاوية بن أبي سفيان تسعة أشهر [طبقات ابن سعد (٦/ ٥٣)، الجرح والتعديل (٨/ ٤٤٤)]، وكان وقتها يسيع كبيرًا يحضر الجمعة والجماعة، كما ولَّى معاويةُ النعمانَ قبل ذلك حضرموت [أنساب الأشراف (٥/ ١٦١)]، ويسيع حضرمي أيضًا، فإن لم يكن سمع منه بحضرموت، سمعه بالكوفة على المنبر، والله أعلم. كذلك فإن يسيع بن معدان يعد من المقلين، لا سيما ولا يعرف له راو سوى ذر المرهبي، ومع ذلك فقد وثقه النسائي، وقال عنه ابن المديني: "معروف"؛ فلم يجهله، وفي هذا قبول ضمني لحديثه، وقد أخرج حديثه هذا النسائي، واحتج به أبو داود، وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم. وكما قلت: فإن عدم ذكر السماع في الإسناد لا يعني قطعًا الانقطاع، فقد سبق أن ذكرت قريبًا حديثًا جزم شعبة فيه بعدم سماع التابعي من الصحابي، ومع ذلك فقد أخرجه البخاري في صحيحه (٥٠٢٧)، وهو حديث أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان، عن النبي ﷺ قال: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه"، قال شعبة: "ولم يسمع أبو عبد الرحمن من عثمان"، وقال أبو حاتم: "أبو عبد الرحمن السلمي: ليس تثبت روايته عن علي، فقيل له: سمع من عثمان بن عفان؟ قال: قد روى عنه، ولم يذكر سماعًا"، وقد قلت في الموضع المشار إليه: لم يثبت في رواية هذا الحديث سماع أبي عبد الرحمن السلمي من عثمان، إذ لم يقل: سمعت عثمان، وهو كما قال أبو حاتم: "لم يذكر سماعًا"، لكن القرينة الواردة في هذا الحديث تدل على سماعه منه، وذلك أنه كان كبيرًا في زمن عثمان، حتى إنه جلس لإقراء القرآن في زمن عثمان، بل قد اشتهر واستفاض أنه قرأ القرآن على عثمان، بل جزم الإمام البخاري في التاريخ الكبير (٥/ ٧٣) بإثبات السماع مطلقًا، ولم يعتد بقول شعبة هذا، لاشتهار صحبة أبي عبد الرحمن السلمي لعثمان بن عفان وأخذه القرآن عنه، فلم يحتج لذكر السماع في الأسانيد، وإنما اكتفى بشهرة الصحبة، وأنه أخذ عنه القرآن، وهذا يدل على سماعه منه؛ وإن لم يقل في الإسناد: سمعت عثمان؛ لذا قال البخاري في التاريخ: "سمع عليًا وعثمان وابن مسعود ﵃" [راجع كلامي مفصلًا على حديث عثمان فيما تقدم برقم (١٤٥٢)]. وانظر أيضًا مثالًا آخر، فيما رواه شعبة، عن قتادة، عن أنس، قال: قال

стр. 8895

رسول الله ﷺ : "سَوُّوا صفوفكم؛ فإن تسوية الصف من تمام الصلاة" [أخرجه البخاري (٧٢٣)، ومسلم (٤٣٣)، راجع تخريجه في فضل الرحيم الودود (٧/ ٣٦٨/ ٦٦٨)]، وقد قال علي بن المديني: "سمعت يحيى يقول: كل شيء حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس: فهو على السماع من أنس؛ إلا حديث إقامة الصف، قال: قلت ليحيى: شعبة أجمل هذا لك؟ قال: نعم"، ولم يكن يخفى على الشيخين قول شعبة في عدم سماع قتادة لهذا الحديث من أنس؛ إلا أنه لما ترجح لهما اتصال الحديث من وجه آخر أخرجاه، والله أعلم. والأمثلة على هذا المعنى كثيرة في الصحيحين وخارجهما [وانظر مثلًا: فضل الرحيم الودود (١٤/ ٩٨/ ١٢٧٣)]، إذ العبرة ليست فقط بثبوت السماع في الأسانيد، ولكن إذا دلت القرائن على الاتصال والسماع أعملناها وحكمنا بصحة الحديث، لا سيما مع تصحيح الأئمة له، وتلقيهم له بالقبول. كما أن متن الحديث ليس فيه نكارة، بل معناه مشتهر معروف في القرآن والسُّنَّة، لا سيما وقد قام مقام التفسير لكلام اللّه تعالى، وهو موافق لدلالة القرآن، وهذا الصنف من العلم مما يتسمح فيه البخاري نوعًا ما، والله أعلم. هذا مع العلم بأنني لا أتسمح في إثبات الاتصال بمجرد ثبوت المعاصرة والإدراك، بل لا بد من ثبوت السماع في الأسانيد، أو تقوم قرائن قوية دالة على الاتصال، مع عدم وجود النفي الصريح للسماع من إمام معتبر، ولم يخالف فيه، والله أعلم. ° وله إسناد آخر شديد الوهاء [أخرجه الدارقطني في الأفراد (٢/ ١٤٩/ ٤٤٣٠ - أطرافه)] [وهو باطل موضوع؛ تفرد به: أبو مريم عبد الغفار بن القاسم، وهو: رافضي، متروك الحديث، بل كان يضع الحديث. اللسان (٥/ ٢٢٦)، ولم يحدث به غير عبيد بن إسحاق العطار، وهو: منكر الحديث. اللسان (٥/ ٣٤٩)، كنى مسلم (٦٩)، أسامي الضعفاء (١٩٥)]. ومن شواهده: حديث ابن عباس: رواه أحمد بن عبد الله بن يونس [ثقة حافظ]: ثنا كامل بن العلاء، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عباس. وعن أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: أفضل العبادة الدعاء. وقرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾. أخرجه الحاكم (١/ ٤٩١) (٢/ ٤٦٣/ ١٨٢٥ - ط الميمان) (٣/ ٧/ ١٨٢٨ - ط التأصيل) (١٨٢١ - ط دار المنهاج القويم). قلت: وهذا حديث منكر، تفرد به: أبو العلاء كامل بن العلاء، وهو: ضعيف، له أحاديث مناكير، وأباطيل تفرد بها عن الثقات المشاهير، فضلًا عن كونه كثير الوهم على حبيب بن أبي ثابت [راجع ترجمته مفصلة تحت الحديث رقم (١٣٥٤)].
следующие страницы →