Полный текст (16 465 стр.). Показаны 9311–9350 · переход к 9316.
стр. 9311
أخرجه عبد الرزاق (٨/ ٩٠/ ١٤٤٤٠)، وابن أبي شيبة (٤/¬٣٣/¬١٧٥٠٢) (١٠/¬١٣/¬١٨٤١٨ - ط الشثري)، والبزار (١٢/ ٢٩٧/ ٦١٣٢)، وابن عدي في الكامل (٨/¬٤٧ - ط العلمية) و (٩/ ٥١٧/ ١٦٠٠١ - ط الرشد). [المسند المصنف (١٥/ ٣٢١/ ٧٣٣٢)].
قال ابن عدي: «وهذه الأحاديث لموسى عن عبد الله بن دينار ليست هي محفوظة».
٣ - حديث وائل بن حجر:
رواه يعقوب بن محمد [هو الزهري المدني: ضعيف. تقدم ذكره في الأحاديث رقم (٤٤٧ و ٥٢٠ و ٥٣٤)، والتهذيب (٤/ ٤٤٧)، والميزان (٤/ ٤٥٤)]، وأبو قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي ثقة متقن فيما حدث بالبصرة؛ إلا أنه تغير بعد أن تحول إلى بغداد، فكثر منه الخطأ في الأسانيد والمتون، توفي سنة (٢٧٦). راجع ترجمته في: فضل الرحيم الودود [(٧/ ١٨٥/ ٦٣٠)]:
عن محمد بن حجر، عن سعيد بن عبد الجبار بن وائل بن حجر، عن أبيه، عن وائل بن حجر؛ أن رسول الله ﷺ كتب كتاباً فيه: «لا جلب، ولا جنب، ولا وراط، ولا شغار في الإسلام، وكل مسكر حرام، ومن أجبى فقد أربا».
أخرجه الحارث بن أبي أسامة (٢٩٢ و ٥٤٧ - بغية الباحث) (٤/ ١٠٣/ ٣٢٣٧ - إتحاف الخيرة) و (٤/ ٣٧٧/ ٣٧٨٠ - إتحاف الخيرة)، والبيهقي في الشعب (٣/ ٣٢٢/ ١٣٦٦)
• وروى أبو هند يحيى بن عبد الله بن حجر بن عبد الجبار بن وائل بن حجر الحضرمي بالكوفة [مجهول الحال. تاريخ الإسلام (٦/ ١٠٦٤ - ط الغرب)]، وأبو حاتم الرازي [محمد بن إدريس: الإمام الحافظ الناقد، المتقن الثبت، شيخ المحدثين، إمام علم العلل. التهذيب (٣/ ٥٠٠)، والسير (١٣/ ٢٤٧)]، وبشر بن موسى [البغدادي الأسدي، راوي مسند الحميدي: ثقة نبيل. الجرح والتعديل (٢/ ٣٦٧)، وسؤالات السلمي (٧٤)، وتاريخ بغداد (٧/ ٨٦)، والسير (١٣/ ٣٥٢)]، وعلي بن حرب [الطائي: ثقة]، وإبراهيم بن سعيد الجوهري [ثقة حافظ]:
عن محمد بن حجر، قال: حدثني عمي سعيد بن عبد الجبار، عن أبيه عبد الجبار بن وائل، عن أمه أم يحيى، عن وائل بن حجر، قال: بلغنا ظهور رسول الله ﷺ وأنا في ملك عظيم وطاعة، فرفضته، وأتيت رسول الله ﷺ بمنة الله علي، فنهضت راغباً في الله وفي رسوله وفي دينه، حتى قدمت على رسول الله ﷺ المدينة، فلقيني رجال من أصحابه قبل أن ألقاه، فبشروني بما بشرهم به رسول الله ﷺ فيما ذكروا قبل أن أقدم عليهم بثلاثة أيام، قالوا: قال لنا رسول الله ﷺ : «هذا وائل بن حجر، قد أتاكم من أرض بعيدة من حضرموت، طائعاً غير مكره، راغباً في الله وفي رسوله بقية أبناء الملوك»، قال: ثم لقيته فدخلت عليه، … فذكر حديثاً طويلاً، فيه:
стр. 9312
وكتاب آخر إليَّ وإلى قومي فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله ﷺ إلى وائل بن حجر، والأقيال العباهلة من حضرموت بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة من الصدقة التيمة، ولصاحبها التيعة، لا جلب، ولا جنب، ولا شغار، ولا وراط في الإسلام، لكل عشرة من السرايا ما تحمل القراب من التمر، من أجبى فقد أربى، وكل مسكر حرام».
وفي رواية مختصرة كتب لي رسول الله ﷺ : «لا جلب، ولا جنب، ولا شغار، ولا وراط، ومن أجبى فقد أربي».
وفي آخره عند الطبراني وأبي موسى: قال محمد بن حجر: الوراط: القمار، والأقوال الملوك، والعباهلة: العظماء.
أخرجه مطولاً، أو مختصراً ببعضه البزار (١٠/ ٣٥٥/ ٤٤٨٧) (٤/ ١٠٣/ ٣٢٣٧ - إتحاف الخيرة) [مختصراً]. والعقيلي في الضعفاء (٤/ ٥٩) (٣/ ٤٦٠/ ١٥٤٧ - ط التأصيل)، وابن قانع في المعجم (٣/ ١٨١) [مختصراً، وبإسقاط أم يحيى من الإسناد].
والطبراني في الكبير (٢٢/¬٤٦/¬١١٧)، وفي الصغير (١١٧٦)، وأبو منصور الأزهري في تهذيب اللغة (١١/ ١٤٧)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٥/ ٢٥٧٨/ ٦٢١٧) و (٥/ ٢٧١٢/ ٦٤٧٦)، والخطيب البغدادي في المتفق والمفترق (٦٨١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٢/ ٣٩١)، وأبو موسى المديني في اللطائف (٨١٨).
قال العقيلي بعد أن أخرجه في ترجمة محمد بن حجر: «لا يُعرف إلا به».
قلت هو حديث منكر.
وإسناده ضعيف جداً؛ مسلسل بالضعفاء والمجاهيل:
أم يحيى مجهولة، قال ابن القطان لا تعرف لها حال [بيان الوهم (٣/ ١٥٥/ ٨٦٤)]
وسعيد بن عبد الجبار ضعيف [التقريب (٣٨٢)].
ومحمد بن حجر بن عبد الجبار قال البخاري «فيه نظر»، وهذا قدح شديد، وقال أبو حاتم «كوفي شيخ»، روى بهذا الإسناد نسخة منكرة، منها أشياء لها أصول من حديث رسول الله ﷺ ، وليست من حديث وائل بن حجر، ومنها أشياء من حديث وائل مختصرة جاء بها على التقصي وأفرط فيها، ومنها أشياء موضوعة ليست من كلام رسول الله ﷺ ، قاله ابن حبان، وضعفه عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الوسطى»، وقال ابن القطان: «وهو عند البزار حديث طويل، فيه صفة الوضوء والصلاة بألفاظ تُنكر ولا تُعرف في غيره، وعلته ليست ما ذكر، وإنما يرويه محمد بن حجر، عن عمه: سعيد بن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، عن أمه، عن وائل، وأمه هذه لا تعرف لها حال، فأما ابنها عبد الجبار فثقة، وكان إذ مات وائل حملاً، فإنما روايته عنه بواسطة أمه هذه، أو غيرها من أهل بيته، أو عن أخيه عنه» [التاريخ الكبير (١/ ٦٩)، والجرح والتعديل (٧/ ٢٣٩)، والمجروحين (٢/ ٢٧٣)، وضعفاء العقيلي (٤/ ٥٩)، والكامل (٦/ ١٥٦)، والأحكام الوسطى ١/ ٣٥٧
стр. 9313
و (٣٦٨)، وبيان الوهم (٣/ ١٥٥/ ٨٦٤)، والميزان (٣/ ٥١١)، واللسان [(٧/ ٥٧)] و [وتقدم له بهذا الإسناد حديث في صفة الوضوء والصلاة في: فضل الرحيم الودود (٢/ ١٤٦/ ١٤٥) و (٨/ ١٦٥/ ٧٢٣)].
وروي من وجوه أخرى، ولا تثبت أيضاً: أخرجها أبو عبيد القاسم بن سلام في غريب الحديث (١/ ٢٦٨)، والبيهقي في الشعب (٣/ ٣٢٠/ ١٣٦٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٢/ ٣٩٣).
وانظر تفسير غريبه في تاريخ دمشق (٦٢/ ٣٩٣).
٤ - حديث الضحاك بن النعمان بن سعد:
روى كثير بن عبيد الحذاء [حمصي ثقة]، قال: حدثنا بقية بن الوليد، عن عتبة بن أبي حكيم [وقع عند الطبراني، وابن منده، وأبي نعيم: عتبة بن أبي عتبة]، عن سليمان بن عمرو [وقع عند أبي نعيم: سليمان بن عمر]، عن الضحاك بن النعمان بن سعد؛ أن مسروق بن وائل ﵁ قدم على رسول الله ﷺ العقيق فحسن إسلامه، … فذكر قصة، وموضع الشاهد: «اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله ﷺ إلى الأقيال من حضرموت؛ بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة والصدقة على التيعة، ولصاحبها التيمة، وفي السيوب الخمس، وفي البعل العشر، لا خلاط، ولا وراط، ولا شغار، ولا جلب، ولا جنب، ولا شناق، والعون لسرايا المسلمين، لكل عشرة ما يحمل القراب، من أجبى فقد أربي، وكل مسكر حرام، … ». الحديث.
أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٥/ ١٧٣/ ٢٧٠٨)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٣٣٦/ ٧٩٥)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٣/ ١٥٤٠/ ٣٩٠٤) و (٥/ ٢٥٤٠/ ٦١٤٧)، وابن الأثير في أسد الغابة (٣/ ٥١).
تنبيه: وقع في نخب الأفكار للعيني (١٦/ ٨٤): «والصدقة على التبعة، ولصاحبها اليتمة»، وقد ضبطهما بالحروف، وفسرهما بالمعاني.
قال ابن الأثير: «هذا كتاب غريب، والمشهور أن النبي ﷺ كتبه لوائل بن حجر».
وترجم ابن حجر في الإصابة للضحاك بهذا الحديث حسب (٤١٩٠)، ولم يعزه إلا لابن أبي عاصم، ثم ذكره في ترجمة مسروق بن وائل (٧٩٥١)، وعزاه لابن السكن، ثم ذكره في ترجمة مسعود بن وائل (٧٩٧٦)، وعزاه لابن منده.
قلت: هو حديث منكر؛ عتبة بن أبي حكيم: فيه مقال لا ينزل بحديثه عن رتبة الحسن، إذا لم يتبين لنا خطؤه، ولم ينفرد بأصل وسنة، وهو هنا قد انفرد بما لا يتابع عليه، وفي كلام ابن حبان ما يدل على كون بقية يروي عنه مناكير، قال ابن حبان في الثقات (٧/ ٢٧٢): «يعتبر حديثه من غير رواية بقية بن الوليد عنه» [وقد ذكرت كلام الأئمة فيه في فضل الرحيم الودود (١/¬١٥٩/¬٤٤) و (٣/ ٢١٠/ ٢٤٨)]، وعتبة بن أبي عتبة: إن كان هو عتبة بن مسلم المدني، فهو: ثقة من السادسة، روى له الشيخان، فهما من طبقة
стр. 9314
واحدة، لكن يغلب على ظني أنه غيره، لاختلاف البلدان والشيوخ والتلاميذ، وعليه: فالأقرب إن كان محفوظاً: أنه أحد شيوخ «بقية» المجاهيل، وما أكثرهم! وشيخه في هذا الحديث: سليمان بن عمرو، أو: سليمان بن عمر: لم أهتد إليه.
والضحاك بن النعمان بن سعد: لا يُدرى من هو! فإنه لا يُعرف إلا بهذا الإسناد، فأني تكون له صحبة، وهو في عداد المجاهيل، وليس في الرواية ما يدل على صحبته؟
وأخاف أن تكون التبعة في هذا الحديث على بقية بن الوليد؛ فإنه مكثر من التدليس، يدلس عن الضعفاء والمجاهيل، وينفرد عنهم بالغرائب والمناكير، وهو: ثقة إذا حدث عن المعروفين وصرح عنهم بالتحديث، وسماعه غير متحقق في هذا الحديث، وقد كان يأخذ عن كل ضرب ولا يُقبل عنه ما يأخذ عن الضعفاء والمجهولين، وهذا الحديث منكر، من أفراد بقية بن الوليد، ومناكيره التي يرويها عن شيوخه المجاهيل، كما أنه معروف برواية المناكير عن عتبة بن أبي حكيم [راجع: الحديث رقم (١٣٤٠)، حديث أنس، في القيام بتسع ركعات].
٥ - حديث عمرو بن عوف المزني الأنصاري:
رواه عمران بن موسى الطائي [مجهول الحال. مغاني الأخيار (٢/ ٧٩٤)]، وعلي بن المبارك الصنعاني [واللفظ له] [هو: علي بن محمد بن عبد الله بن المبارك الصنعاني: فيه جهالة. تاريخ الإسلام (٢١/ ٢٣٠). راجع ترجمته في فضل الرحيم الودود (٧/ ٤٢٦/ ٦٧٦)]، وبهلول بن إسحاق بن بهلول [التنوخي الأنباري: ثقة. معجم شيوخ أبي بكر الإسماعيلي (٢/ ٢١٣/ ٥٨٢)، وسؤالات السهمي (٢١٢)، وتاريخ بغداد (٧/ ٦٠٥ - ط الغرب)، وتاريخ الإسلام (٦/ ٩٢١ - ط الغرب)، والسير (١٣/ ٥٣٥)]، وجعفر بن محمد بن الفضيل الرسعني [صدوق. التهذيب (١/ ٣١١)]، وأحمد بن سهل بن أيوب [الأهوازي: روى أحاديث منكرة. تاريخ الإسلام (٦/ ٨٨١ - ط الغرب)، واللسان (١/ ٤٨٠)]
عن إسماعيل بن أبي أويس [ليس به بأس]: حدثني كثير بن عبد الله المزني، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: «لا جلب، ولا جنب، ولا اعتراض، ولا يبيع حاضر لباد».
وفي رواية: «البئر جبار، والعجماء جرحها جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس».
أخرجه الطحاوي في المشكل (٥/ ١٥٣/ ١٨٩٦)، والطبراني في الكبير (١٧¬/¬١٤/¬٦) و (١٧/¬١٧/¬١٥)، وابن عدي في الكامل (٧/ ١٨٩ - ط العلمية) (٨/ ٦٥٠/ ١٤١٦٨ - ط الرشد)، والدارقطني (٥/ ٥٤٩/ ٤٨٣٢)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٤/ ٥٠٥٠/ ٢٠٠٩). [الإتحاف (١٢/ ٥٢٠/ ١٦٠٣٠)].
• ورواه أبو إسحاق الفزاري [إبراهيم بن محمد بن الحارث: ثقة حافظ]، والقاسم بن
стр. 9315
مالك [المزني: صدوق]، ومروان بن معاوية [ثقة حافظ]، ومحمد بن خالد بن عثمة بصري، لا بأس به، وخالد بن مخلد القطواني [لا بأس به]:
عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه، عن جده، قال: حفظت من رسول الله ﷺ ستة عشر أصلاً من أصول الدين، قال رسول الله ﷺ : «العجماء جبار، والمعدن جُبار، والرَّكِيَّة جُبار، وفي الركاز الخمس»، وقال: «لا جلب، ولا جنب، ولا شغار في الإسلام، ولا غصب ولا نهب، ولا اعتراض، ولا إسلال وفي الكامل: ولا استلال، ولا يبيع حاضر لباد، ولا غلول، زاد في الكامل: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]». لفظ مروان بن معاوية [عند ابن عدي وأبي نعيم].
وفي رواية القاسم بن مالك [عند الدارمي]: «لا نهب، ولا إغلال، ولا إسلال، ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾».
وفي رواية الفزاري: «لا غصب، ولا نهب، ولا إسبال [وفي الكامل: ولا استلال، وهي أصح]، ولا غلول، ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
وفي رواية محمد بن خالد [عند البزار]: لا تلقوا الجلب ولا يبع حاضر لباد».
أخرجه مطولاً، أو ببعض أطرافه ابن ماجه (٢٦٧٤)، والدارمي (٢٦٨٤ - ط البشائر)، وأبو إسحاق الفزاري في السير (٥١٢)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٣٧/ ١٠٧٨٠) و (٦/ ٤٣٥/ ٣٢٧٠٨)، والبزار (٨/ ٣٢٣/ ٣٣٩٨)، والطبراني في الكبير (١٧/¬١٨/¬١٦)، وابن عدي في الكامل (١٩١٧ - ط العلمية) (٨/ ٦٥٢/ ١٤١٧٥ - ط الرشد)، و (٧/ ١٩٣ - ط العلمية) (٨/ ٦٥٤/ ١٤١٨٥ و ١٤١٨٦ - ط الرشد)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/ ١٦٣). [التحفة (٧/ ٣٦٨/¬١٠٧٨١¬)، والإتحاف (١٢/ ٥١٩/¬١٦٠٢٥¬)، والمسند المصنف (٢٣/ ١٧٩/ ١٠٣٨٤) و (٢٣/ ١٨١/ ١٠٣٨٧) و (٢٣/ ١٨٥/ ١٠٣٩٤)].
قال الدارمي: «الإسلال: السرقة».
وفي غريب الحديث لأبي عبيد (١/ ٢٥١): قال أبو عمرو: الإسلال: السرقة، … ، والإغلال: الخيانة.
وقال ابن الأثير في النهاية (٢/ ٣٩٢): الإسلال: السرقة الخفية، يقال: سل البعير وغيره في جوف الليل: إذا انتزعه من بين الإبل، وهي السلة، وأسلَّ: أي: صار ذا سلة، وإذا أعان غيره عليه، ويقال: الإسلال: الغارة الظاهرة، وقيل: سل السيوف [وانظر أيضاً: (٣/ ٣٨٠)].
وقال البزار: «وعمرو بن عوف هذا قد بينا أنه لم يرو عنه إلا ابنه، وإنما يكتب من أحاديثه ما لا يرويها غيره، وقد روى حديثًا كثيراً شاركه فيه غيره، فذكرنا من حديثه أحاديث لم يروها غيره، وأحاديث قد رواها غيره، ليُعلم أن بعض حديثه قد شورك في روايتها عن النبي ﷺ ».
• ورواه إسحاق بن إبراهيم الحنيني [مدني، نزل طرسوس: ضعيف، قال البخاري: «في حديثه نظر»، وقال الذهبي: «صاحب أوابد». التهذيب (١/ ١١٤)، والميزان
стр. 9316
(١/ ١٧٩)]: نا كثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «لا جلب، ولا جنب، ولا اعتراض، ولا يبيع حاضر لباد، ولا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو إذا حلبها بخير النظرين، إن رضيها أمسكها، وإن سخط ردَّها وصاعاً من تمر».
أخرجه الدارقطني (٤/¬٤٧/¬٣٠٧٥). [الإتحاف (١٢/ ٥٢٠/ ١٦٠٣٠)].
قلت: رواية الجماعة هي المحفوظة، دون حديث التصرية.
وهذا الإسناد مما يحتمل في الشواهد، ولا يحتج به على انفراده، وكثير بن عبد الله المزني سبق أن فصلت القول فيه، وكان خلاصة ما توصلت إليه: ما ختمت به البحث بقولي: غاية ما يقال في كثير المزني أنه: ضعيف، يُعتبر به، فما وافق الثقات يُقبل، وما انفرد به يردُّ [انظر: الكلام على حديث التكبير في العيدين سبعاً وخمساً في: فضل الرحيم الودود (١٢/ ١٩٢/¬١١٥٢¬)].
فهو حديث حسن بشاهديه عن عمران بن حصين، وعبد الله بن عمرو، والله أعلم.
قال الدارقطني: «قال أبو الفضل: فسر لنا ابن أبي أويس، قال: الجلب: يجلب حول الفرس من خلفه في الميدان ليحوز السُّبقة، والجنب: أن يكون الفرس به اعتراض جنوب، فيعترض له الرجل بقربه، فيحوز الغاية».
٦ - حديث أبي هريرة:
رواه محمد بن يزيد الواسطي [ثقة ثبت]، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «لا عتيرة ولا فرع في الإسلام، ولا جلب ولا جنب». فقال الزهري: والعتيرة: ذبح كان لمضر في الجاهلية.
أخرجه الدارقطني (٥/ ٥٠٠/ ٤٨٣٤).
قلت: هو حديث شاذ بهذه الزيادة موضع الشاهد.
• فقد رواه عن سفيان بن حسين اثنان من الثقات الحفاظ بدونها:
رواه هشيم بن بشير، وشعبة بن الحجاج:
عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا عتيرة في الإسلام، ولا فرع». وفي رواية: «لا فرع، ولا عتيرة».
وفي أخرى: نهى رسول الله ﷺ عن الفرع والعتيرة.
أخرجه النسائي في المجتبى (٧/ ١٦٧/ ٤٢٢٣)، وفي الكبرى (٤/ ٣٧٥/ ٤٥٣٥)، وأبو عوانة (١٦/ ١٢٣/ ٨٣٣٢)، وأحمد (٢/ ٢٢٩/ ٧١٣٥)، والطيالسي (٤/ ٧٠/ ٢٤٢٦)، والطحاوي في شرح المشكل (٣/ ٨٦/ ١٠٦٢)، والدارقطني في العلل (٩/ ١١٥/ ١٦٦٨). [التحفة (٩/ ٣٣٤/ ١٣١٢٧)، والإتحاف (١٤/ ٧٨١/ ١٨٧٠٤)، والمسند المصنف (٣٢) (٥٠٣/ ١٥١٠٦)] [وانظر: علل ابن أبي حاتم (٤/ ٥٢٤/ ١٦١٥)].
وقد يكون الوهم من سفيان بن حسين نفسه؛ فإنه لم يكن بالقوي في الزهري، وإن كان ثقة في غيره، والله أعلم.
стр. 9317
• وقد رواه بدون الزيادة موضع الشاهد أيضاً:
معمر بن راشد، وسفيان بن عيينة، وغيرهما:
عن الزهري: حدثنا سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «لا فَرَعَ، ولا عتيرة». قال: والفرع: أول نتاج كان ينتج لهم كانوا يذبحونه لطواغيتهم، والعتيرة في رجب.
أخرجه البخاري (٥٤٧٣) و (٥٤٧٤)، ومسلم (١٩٧٦)، ويأتي تخريجه مفصلاً - إن شاء الله تعالى - في موضعه من السنن برقم (٢٨٣١).
٧ - مرسل الحسن بن مسلم:
• رواه ابن جريج، قال: أخبرني حسن بن مسلم؛ أن النبي ﷺ قال: «لا جلب، ولا جنب، ولا شغار في الإسلام»، أما الجلب: فالفرس يجلب من ورائه بالفرس، وأما الجنب: فيجنب إلى جنبه الفرس؛ لأن يكون أسرع في ذلك، وفي ذلك من السباق.
أخرجه عبد الرزاق (٦/ ١٨٥/ ١٠٤٤٢).
وهذا مرسل، أو معضل بإسناد صحيح والحسن بن مسلم بن يناق: مكي، ثقة، من الخامسة، من رجال الصحيحين.
٨ - مرسل عطاء بن أبي رباح:
• رواه ابن أبي زائدة، ووكيع بن الجراح، وأبو نعيم الفضل بن دكين [وهم ثقات أثبات]، وسفيان الثوري [وعنه: موسى بن مسعود أبو حذيفة النهدي]:
عن معقل بن عبيد الله [جزري حراني: لا بأس به، معروف بالرواية عن أهل مكة]، عن عطاء بن أبي رباح قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: «لا جلب، ولا جنب، ولا شغار في الإسلام، ولا تؤخذ صدقات المسلمين إلا على مياههم، وبأفنيتهم».
وفي رواية أبي نعيم: «لا جنب، ولا جلب، ولا شغار في الإسلام، ولا تؤخذ صدقات المسلمين إلا في بيوتهم، وفي أفنيتهم، وعلى مياههم».
أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في الأموال (١٠٩٢)، وابن أبي شيبة (٦/ ٤٢٧/ ٣٢٦٢٤)، وابن زنجويه في الأموال (١٥٦٦)، وابن قتيبة في غريب الحديث (١/ ٣٩٢).
وهذا مرسل بإسناد جيد.
• وروي عن علي موقوفاً عليه في قصة طويلة في رهان الخيل، قال في آخره: ولا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام.
أخرجه الدارقطني (٥/ ٥٥٢/ ٤٨٣٦)، والبيهقي (١٠/¬٢٢). [وانظر: منتقى الأخبار (٣٥٢٦)، وكنز العمال (٤/ ٤٦٣/ ١١٣٧٩)].
من طريق: الحسن بن علي بن شبيب المعمري [ثقة حافظ؛ إلا أنه رفع أحاديث وهي موقوفة، وزاد في المتون أشياء ليست فيها. انظر: الكامل (٢/ ٣٣٨)، وتاريخ بغداد (٧/ ٣٦٩)، واللسان (٣/ ٧١)، وغيرها]، قال: سمعت محمد بن صدران السليمي [محمد بن
стр. 9318
إبراهيم بن صدران: بصري، صدوق]، يقول: حدثنا عبد الله بن ميمون المرئي: حدثنا عوف، عن الحسن أو خلاس، عن علي ﵁ شك ابن ميمون ـ؛ أن النبي ﷺ قال لعلي: «يا علي قد جعلت إليك هذه السبقة بين الناس، فخرج علي ﵁ فدعا سراقة بن مالك، … فذكر حديثاً طويلاً في رهان الخيل، وهو موقوف على علي.
قال البيهقي: «هذا إسناد ضعيف».
قلت: خلاس بن عمرو الهجري: ثقة، لكنه لم يسمع من علي، إنما يروي عنه من كتاب.
والحسن البصري: رأى علياً وهو صغير بالمدينة، ولم يسمع منه شيئاً [المراسيل (٩٣ و ٩٤)، وتحفة التحصيل (٦٧)].
وعوف بن أبي جميلة الأعرابي: بصري، ثقة، من أصحاب الحسن؛ ولا يُعرف من حديثه؛ فالمتفرد به عنه: عبد الله بن ميمون المرئي، ولم أهتد إليه [انظر: ترجمة المرئي من الأنساب (٥/ ٢٥٠)]، ولم يتابعه أحد من أصحاب عوف الأعرابي على كثرتهم، وعناية الحفاظ والثقات بحديثه؛ فهو حديث منكر. وَحَاصِل مَا تقدم:
فإن حديث: «لا جلب، ولا جنب، ولا شغار في الإسلام»: حديث صحيح، ثبت من حديث عمران بن حصين، ومن حديث عبد الله بن عمرو، ومن حديث عمرو بن عوف المزني، وهو حسن بشاهديه عن عمران وابن عمرو، والله أعلم.
قال أبو عبيد: قوله: «لا جلب» يفسر تفسيرين: يقال: إنه في رهان الخيل أن لا يجلب عليها، ويقال: هو في الماشية يقول: لا ينبغي للمصدق أن يقيم بموضع، ثم يرسل إلى أهل المياه ليجلبوا إليه مواشيهم، فيصدقها، ولكن ليأتهم على مياههم، حتى يصدقها هناك، وهو تأويل قوله: على مياههم، وبأفنيتهم. وكذلك يروى عن عمر بن عبد العزيز» [وكذا قال في الغريب (٢/ ٥٥٦)] [وانظر تفسيره منقولاً عن أبي عبيد بأتم من هذا: عند الدارقطني (٥/ ٥٥٠/ ٤٨٣٣)].
ومما جاء في تفسيره أيضاً:
ما رواه ابن المثنى: حدثنا عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، قال: الجلب والجنب في الرهان.
أخرجه أبو داود (٢٥٨٢)، ومن طريقه: البيهقي (١٠/¬٢١).
وهذا صحيح عن قتادة مقطوعاً عليه قوله، وسعيد هو: ابن أبي عروبة؛ أحد أثبت الناس في قتادة، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي: ثقة، سمع من ابن أبي عروبة قبل اختلاطه، وهو من أروى الناس عنه، روى له الشيخان من روايته عن ابن أبي عروبة، وأبو موسى محمد بن المثنى: بصري، ثقة ثبت.
والقول بتفسير الجلب والجنب في الرهان في الخيل، هو أحد قولي العلماء في
стр. 9319
تفسيره، والقول الآخر هو في صدقة الماشية، وأن صدقتها تكون على مياههم وفي أفنيتهم ودورهم.
• سئل مالك: هل سمعت أن رسول الله ﷺ قال: لا جلب ولا جنب؟ فقال: لم أسمعه عن النبي ﷺ .
وسئل عن تفسير ذلك؟ فقال: أما الجلب: فأن يتخلف الفرس في التسابق، فيحرك وراءه الشيء يستحث به، فيسبق، فهذا الجلب، وأما الجنب: فإنه يجنب مع الفرس الذي يسابق به فرساً، حتى إذا دنا تحول راكبه على الفرس المجنوب، وأخذ السبق.
ذكره مالك في الموطأ (٩٠٤ - رواية أبي مصعب)، ومن طريقه: الطحاوي في المشكل (٥/ ١٥٣ - ١٥٤)، والبيهقي (١٠/¬٢١).
[ذكره ابن عبد البر في التمهيد (١٤/ ٩١) من رواية القعنبي، ثم قال: «وهذا ليس في رواية يحيى بن يحيى للموطأ». وقال القاضي عياض في المشارق (١/ ١٤٩): «وقع ذكره وتفسيره في موطأ ابن بكير وابن عفير، ولم يكن عند يحيى ولا جماعة»].
قال الطحاوي: «ولا اختلاف بين أهل العلم أن المراد بذلك: هو النهي عن هذين المعنيين المذكورين في هذه الآثار في السبق بما يجوز السبق بمثله.
وقد روي في ذلك عن مالك وعن الليث بن سعد»، ثم ذكر كلام مالك، ثم أتبعه بما ذكره يونس، عن ابن وهب، قال: قال الليث في تفسير: لا جلب؛ قال: أن يجلب وراء الفرس في السباق، والجنب: أن يكون إلى جنبه يهتف به للسباق، ثم قال الطحاوي: «ولا نعلم في ذلك قولاً غير هذين القولين اللذين ذكرناهما في هاتين الروايتين».
وقال الخطابي في معالم السنن (٢/¬٤٠): «الجلب يفسر تفسيرين: يقال: إنه في رهان الخيل، وهو أن يجلب عليها عند الركض، ويقال: هو في الماشية، يقول: لا ينبغي للمصدق أن يقيم بموضع، ثم يرسل إلى أهل المياه فيجلبوا إليه مواشيهم فيصدقها، ولكن ليأتهم على مياههم حتى يصدقهم هناك.
وأما الجنب فتفسيره أيضاً على وجهين: أحدهما أن يكون في الصدقة وهو أن أصحاب الأموال لا يجنبون على مواضعهم؛ أي: لا يبعدون عنها حتى يحتاج المصدق إلى أن يتبعهم ويمعن في طلبهم.
وقيل: إن الجنب في الرهان، وهو أن يركب فرساً فيركضه وقد أجنب معه فرساً آخر، فإذا قارب الغاية ركبه، وهو جام فيسبق صاحبه» [وانظر أيضاً موضعاً آخر: (٢/ ٢٥٧)].
وقال ابن الأثير في النهاية (١/ ٢٨١) و (٣٠٣): «الجلب يكون في شيئين: أحدهما: في الزكاة، وهو أن يقدم المصدق على أهل الزكاة فينزل موضعاً، ثم يرسل من يجلب إليه الأموال من أماكنها ليأخذ صدقتها، فنهي عن ذلك، وأمر أن تؤخذ صدقاتهم على مياههم وأماكنهم. الثاني: أن يكون في السباق، وهو أن يتبع الرجل فرسه فيزجره، ويجلب عليه ويصيح حثاً له على الجري، فنهي عن ذلك».
стр. 9320
ثم قال: «الجنب - بالتحريك - في السباق: أن يجنب فرساً إلى فرسه الذي يسابق عليه، فإذا فتر المركوب تحول إلى المجنوب، وهو في الزكاة أن ينزل العامل بأقصى مواضع أصحاب الصدقة، ثم يأمر بالأموال أن تجنب إليه: أي: تحضر، فنهوا عن ذلك. وقيل: هو أن يجنب رب المال بماله؛ أي: يبعده عن موضعه حتى يحتاج العامل إلى الإبعاد في اتباعه وطلبه».
وقال ابن قدامة في المغني (٩/ ٤٨٦) بعد نقل بعض الأقوال في الجنب: «قال ابن المنذر: كذا قيل، ولا أحسب هذا يصح؛ لأن الفرس التي يسابق عليها لا بد من تعيينها، فإن كانت التي يتحول عنها، فما حصل السبق بها، وإن كانت التي يتحول إليها، فما حصلت المسابقة بها في جميع الحلبة، ومن شرط السباق ذلك، ولأن هذا متى احتاج إلى التحول والاشتغال به فربما سبق باشتغاله لسرعة غيره، ولأن المقصود معرفة عدو الفرس في الحلبة كلها، فمتى كان إنما يركبه في آخر الحلبة، فما حصل المقصود».
وممن فسر الجلب والجنب بنحو ما تقدم في الرهان والصدقة: ابن المنذر في الإشراف (٤/ ١٧٥)، والبغوي في شرح السُّنَّة (١٠/ ٢٠٥)، والقاضي عياض في المشارق (١/ ١٤٩ و ١٥٥)، والعمراني في البيان (٣/ ٣٩٣) و (٧/ ٤٣٤)، وأبو موسى المديني في المجموع المغيث (١/ ٣٦١) و (٢/ ٤٢٥)، وابن قدامة في المغني (٩/ ٤٨٦)، وابن القيم في الفروسية (١٩٠ و ٤١٤)، وغيرها من كتب الفقه والشروح.
نرجع مرة أخرى إلى حديث عمران بن حصين في بيان السُّنَّة للقرآن؛ حيث جاء في معناه أحاديث كثيرة، ليس هذا موضع استقصائها، وسيعقد لها أبو داود باباً في آخر السنن، في كتاب السُّنَّة، باب في لزوم السُّنَّة، الأحاديث (٤٦٠٤ - ٤٦٠٨).
لكني أذكر منها أشبهها بحديث عمران بن حصين:
فقد روى عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار، وعلي بن عياش الحمصي، وأبو اليمان الحكم بن نافع والوليد بن مسلم، وأبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج الخولاني، ويزيد بن هارون، وعلي بن نصر الجهضمي، والحسن بن موسى الأشيب، ومحمد بن حمير السليحي الحمصي [وهم ثقات]:
عن حريز بن عثمان [حمصي ثقة ثبت من الخامسة، سمع عبد الرحمن بن أبي عوف]، عن عبد الرحمن بن أبي عوف، عن المقدام بن معدي كرب، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ألا إني أوتيت الكتاب، ومثله معه؛ ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السبع، ولا لقطة معاهد، إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه».
أخرجه أبو داود (٤٦٠٤)، وأحمد (٤/ ١٣٢)، والحسن بن موسى الأشيب في جزئه
стр. 9321
(٥٠)، وابن زنجويه في الأموال (٦٢٠)، وابن نصر المروزي في السُّنَّة (٢٤٤ و ٤٠٣)، والآجري في الشريعة (٩٧)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٨٢ و ٢٨٣/ ٦٦٨ و ٦٧٠)، وفي مسند الشاميين (٢/ ١٣٧/ ١٠٦١) و (٢/ ١٣٨/ ١٠٦٣)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٣٩٣ - ط العلمية)، وابن بطة في الإبانة (١/ ٢٣٠/ ٦٢)، والبيهقي في الدلائل (٦/ ٥٤٩)، وابن عبد البر في التمهيد (١/ ١٥٠)، والخطيب في الكفاية (٨)، وفي الفقيه والمتفقه (١/ ٢٦٣ / ٢٦٤)، وأبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام (٢٠٤)، والحازمي في الاعتبار (١/ ١٢١).
[التحفة (٨/ ٢١٨/ ١١٥٧٠)، والإتحاف (١٣/ ٤٦٦/ ١٧٠١٥)، والمسند المصنف (٢٥/ ٢١١/ ١١٣٣٥)]
• توبع عليه حريز بن عثمان:
فقد رواه محمد بن الوليد الزبيدي [ثقة ثبت] [وعنه: محمد بن حرب الخولاني الحمصي كاتب الزبيدي، ويحيى بن حمزة، وبقية بن الوليد، والقاسم بن موسى، وهم ثقات]، عن مروان بن رؤبة [أبو الحصين التغلبي الحمصي: ذكره ابن حبان في الثقات، وروى عنه ثلاثة من الثقات. التهذيب (٤/¬٥٠) وغيره]، عن عبد الرحمن بن أبي عوف الجرشي، عن المقدام بن معدي كرب الكندي، أن رسول الله ﷺ قال: «أوتيت الكتاب وما يعدله»؛ يعني: ومثله، «يوشك شبعان على أريكته يقول: بيننا وبينكم هذا الكتاب، فما كان فيه من حلال أحللناه، وما كان من حرام حرمناه، ألا وإنه ليس كذلك، ألا لا يحل ذو ناب من السباع، ولا الحمار الأهلي، ولا اللقطة من مال معاهد إلا أن يستغني عنها، وأيما رجل أضاف قوماً فلم يقروه، فإن له أن يُعقبهم بمثل قراه».
أخرجه أبو داود (٣٨٠٤)، وابن حبان (١٢)، وعباس بن عبد الله الترقفي الباكسائي في حديثه (٤٧)، وابن نصر المروزي في السُّنَّة (٤٠٤)، والطحاوي في شرح المعاني (٤/ ٢٠٩ و ٢٤٢)، وفي شرح المشكل (٧/ ٢٤٨/ ٢٨١٥)، وفي أحكام القرآن (١/ ٦١)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٨٢/ ٦٦٧)، والدارقطني (٥/ ٤٧٦٨/ ٥١٧)، وابن بطة في الإبانة (١/ ٢٣١/ ٦٣)، والبيهقي في السنن (٩/ ٣٣٢)، وفي مناقب الشافعي (١/¬١٤)، وابن عبد البر في الاستذكار (٥/ ٢٩٠)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (١/ ٢٦٣). [التحفة (٨/ ٢١٨/ ١١٥٧١)، والإتحاف (١٣/ ٤٦٦/ ١٧٠١٥) و (١٣/ ٤٦٩/ ١٧٠٢٠)، والمسند المصنف (٢٥/ ٢١١/ ١١٣٣٥)]
• وانظر فيمن قلب إسناده، فجعله عن عمر بن رؤبة بدل مروان بن رؤبة: ما أخرجه الطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٨٣/ ٦٦٩)، وفي مسند الشاميين (٣/ ١٠٣/ ١٨٨١) [تفرد به هشام بن عمار، عن يحيى بن حمزة، عن محمد بن الوليد الزبيدي، عن عمرو بن رؤبة به؛ فوهم فيه؛ إنما هو أخوه مروان].
قلت: عبد الرحمن بن أبي عوف الجرشي قاضي حمص: تابعي، ثقة، لم يذكر له البخاري سماعاً من المقدام ولا من غيره من الصحابة، وأما أبو حاتم الرازي فإنه قد
стр. 9322
أسقط ذكر من روى عنهم من الصحابة، واكتفى بذكر شيوخه من التابعين، وأكثر روايته عن الصحابة بواسطة، مما يجعلنا نميل إلى تأويل رواية آدم بن أبي إياس التي جاء فيها عن حريز بن عثمان، بأن عبد الرحمن بن أبي عوف كان قد أدرك النبي ﷺ ، وذلك لاحتمال سقوط ذكر الصحابي الموصوف بالإدراك من الإسناد، قال أبو نعيم: «عبد الرحمن بن أبي عوف الجرشي: من تابعي أهل الشام، ذكره بعض المتأخرين في الصحابة، وقال: قد أدرك النبي ﷺ ، حكاه عن آدم بن أبي إياس، فقال: هو وهم»، كذا قال ابن منده، فلم يدع مجالا لتعقبه، فكأنه أورده في الصحابة ليرد هذا الزعم، ويضعفه، بتوهيم آدم بن أبي إياس في هذه الرواية، وقد أقره على ذلك التوهيم أبو نعيم [التاريخ الكبير (٥/ ٣٣٦)، والجرح والتعديل (٥/ ٢٧٤)، والثقات (٥/ ١٠٥)، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (٤/ ١٨٧١)، وغنية الملتمس (٣١٦)، وأسد الغابة (٣/ ٤٨٠)، وتاريخ الإسلام (٣/ ٨٨)، والإصابة (٥/ ٨٢)، والتهذيب (٢/ ٥٤١)].
لكن عندي قرينة قوية على إدراك عبد الرحمن بن أبي عوف للمقدام وسماعه منه، مع كون الأسانيد لم يرد فيها ما يدل على السماع، وهي طبقة حريز بن عثمان ووفاته، فإن حريز بن عثمان من الطبقة الخامسة، وكانت وفاته سنة (١٦٣)، كما أنه ولد سنة (٨٠)؛ يعني: قبل وفاة المقدام بسبع سنين، فإن كان حريز أدرك سبع سنين من حياة المقدام، فإدراك شيخه التابعي عبد الرحمن بن أبي عوف للمقدام وسماعه منه من باب أولى، وذلك لأمرين: الأول: أنهما تعاصرا بحمص، في بلد واحد، مما يمكن معه اللقاء والسماع، والثاني: أن الذهبي ترجم له في طبقة من توفي بين (١٠١ - ١١٠)؛ يعني: كان بين وفاته ووفاة المقدام ما يتراوح بين (١٤ - ٢٣) سنة، وهذا يعزز القول باللقاء، واحتمال السماع، لتعاصرهما في بلد واحد، فإذا وضعنا في الاعتبار عدم ذكر عبد الرحمن في المدلسين ولا فيمن يعرف عنه الإرسال، وأنه يذكر الواسطة بينه وبين الصحابة الذين لم يدركهم، زاد ما قلناه تأكيدا، وقرينة أخرى: وهي أنه إذا كان الحسن بن جابر [راوي نفس الحديث عن المقدام، كما في الطريق الآتية] متأخر الوفاة عن عبد الرحمن؛ حيث توفي الحسن سنة (١٢٨)، وقد ثبت سماعه من المقدام؛ فسماع عبد الرحمن بن أبي عوف [وهو قاضي البلد] من المقدام من باب أولى، كما أن ولاية القضاء ولاية دينية، ولصاحبها شهرة في بلده، فمثله لا يبعد لقاؤه بأهل العلم والفضل والصحبة من أهل بلده، والله أعلم.
• ورواه زيد بن الحباب، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن وهب، وأسد بن موسى، وعبد الله بن صالح [وهم ثقات، وأثبتهم ابن مهدي، وفي الأخير كلام يسير]:
عن معاوية بن صالح، قال: نا الحسن بن جابر، عن المقدام بن معدي كرب الكندي [وفي رواية زيد عند أحمد، وكذا في رواية ابن مهدي عند المروذي والخطيب: قال الحسن بن جابر: سمعت المقدام بن معدي كرب، كما ورد السماع أيضا عند الطبراني والحاكم والبيهقي من طريق عبد الله بن صالح، وقد أثبت سماع الحسن من المقدام:
стр. 9323
البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٢٨٨)، ومسلم في الكنى [(٢٠٣٣)]، أن رسول الله ﷺ حرم أشياء [يوم خيبر]، فذكر الحمر الإنسية، فقال رسول الله ﷺ : «يوشك الرجل يتكئ على أريكته، يُحدث بحديث من حديثي، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرَّمناه، ألا وإن ما حرَّم رسول الله مثل ما حرم الله».
أخرجه الترمذي (٢٦٦٤)، وابن ماجه (١٢ و ٣١٩٣)، والدارمي (٦٢٧)، والحاكم (١/ ١٠٩) (١/ ٢٥٥/ ٣٧٦ - ط الميمان) (١/ ٤٠٢/ ٣٧٥ - ط المنهاج القويم)، وأحمد (٤/ ١٣٢)، وابن أبي شيبة في المسند (٩٢٧)، وفي المصنف (٥/ ١٢٢/ ٢٤٣٣٠)، وابن نصر المروزي في السُّنَّة (٢٤٥)، والطحاوي في شرح المعاني (٤/ ٢٠٩)، وفي أحكام القرآن (١/ ٦٠)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٧٤/ ٦٤٩) و (٢٠/ ٢٧٥/ ٦٥٠)، وفي مسند الشاميين (٣/ ١٣٧/ ١٩٤٨)، والدارقطني (٥/ ٥١٦/ ٤٧٦٧)، والبيهقي (٧/ ٧٦) و (٩/ ٣٣١)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢٣٤٣)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (١/ ٨٨)، وفي الكفاية (٨) و (٩)، وأبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام (٢٠٣)، وأبو سعد السمعاني في أدب الإملاء (٣)، والحازمي في الاعتبار (٢٤). [التحفة (٨/ ٢١٢/ ١١٥٥٣) و (٨/ ٢١٣/ ١١٥٥٤)، والإتحاف (١٣/ ٤٦٦/ ١٧٠١٥)، والمسند المصنف (٢٥/ ٢٠٩/ ١١٣٣٤)]
قال الترمذي: «هذا حديث حسن، غريب من هذا الوجه».
وصحح إسناده الحاكم.
• وقد رواه مرة مختصراً:
رواه عبد الرحمن بن مهدي: حدثنا معاوية بن صالح، عن أبي عبد الرحمن الكندي، قال: سمعت المقدام بن معدي كرب، قال: نهى رسول الله ﷺ عن لحوم الحمر الإنسية، وعن كل ذي ناب من السباع.
أخرجه أحمد (٤/ ١٣٢). [الإتحاف (١٣/ ٤٦٨/ ١٧٠١٨)، والمسند المصنف (٢٥/ ٢١٢/ ١١٣٣٦)] [جامع المسانيد (٨/ ٢٢٨/ ١٠٢٩٨)].
قلت: الحسن بن جابر أبو عبد الرحمن الكندي الشامي: سمع المقدام بن معدي كرب، وذكره ابن حبان في الثقات، وروى عنه اثنان، وحسن حديثه الترمذي، وصحح له الحاكم [التاريخ الكبير (٢/ ٢٨٨)، والكنى لمسلم (٢٠٣٣)، والجرح والتعديل (٣/¬٤)، والثقات (٤/ ١٢٥)، وتاريخ الإسلام (٣/ ٢٢٢ - ط الغرب)].
قلت: مثله يحسن حديثه، حيث لم يرو منكراً، ولم ينفرد به، بل قد توبع، تابعه أحد الثقات: عبد الرحمن بن أبي عوف الجرشي.
وهو حديث صحيح، باجتماع الطريقين، والله أعلم.
ولحديث المقدام طرق أخرى ببعض أطرافه، ولكني اقتصرت على هذين الطريقين لاشتمالهما على موضع الشاهد لحديث عمران بن حصين، والله الموفق للصواب.
стр. 9324
• ترجم له الدارمي بقوله: «باب السُّنَّة قاضية على كتاب الله».
وترجم له ابن ماجه بقوله: «باب تعظيم حديث رسول الله ﷺ ، والتغليظ على من عارضه».
وترجم له الترمذي بقوله: «باب ما نهي عنه أن يقال عند حديث النبي ﷺ ».
• وقد روي هذا المعنى في بيان السُّنَّة للقرآن: عن عدد كبير من السلف، ليس هذا موضع استقصائه، ينظر فيه مظانه من كتب السُّنَّة، وتواردت عليه كلمات أئمة الدين، والله الموفق للصواب.
قال ابن نصر في السُّنَّة (١١٥) في معرض بيان أن السُّنَّة بينت ما أجمل من أصول الفرائض في القرآن، فقال عن الزكاة: «وكذلك فسر النبي ﷺ الزكاة بسنته:
فأخبر أن الزكاة إنما تجب في بعض الأموال دون بعض، على الأوقات والحدود التي حدها وبينها.
فأوجب الزكاة في العين: من الذهب والفضة، والمواشي: من الإبل والغنم والبقر السائمة، وفي بعض ما أخرجت الأرض دون بعض، وعفا عن سائر الأموال فلم يوجب فيها الزكاة.
ولم يوجب الزكاة فيما أوجبها فيه من الأموال ما لم تبلغ الحدود التي حدها، فقال: «ليس في أقل من خمس أواق من الورق صدقة، ولا في أقل من خمسة أوسق صدقة، ولا في أقل من خمس ذود صدقة»، ولا في أقل من أربعين من الغنم صدقة، ولا في أقل من ثلاثين من البقر صدقة.
وبين أن الزكاة إنما تجب على من وجبت عليه إذا حال عليه الحول من يوم يملك ما تجب فيه الزكاة، ثم تجب عليه في المستقبل من حول إلى حول؛ إلا ما أخرجت الأرض فإن كان الزكاة تؤخذ مما وجب فيه الزكاة منه عند الحصاد والجذاذ، وإن لم يكن الحول حال عليه، ثم إن بقي بعد ذلك سنين لم يجب عليه غير الزكاة الأولى.
كل ذلك مأخوذ عن سنة رسول الله ﷺ ، غير موجود في كتاب الله بهذا التفسير».
وقال ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ١١٨٩): «والبيان منه ﷺ على ضربين:
بيان المجمل في الكتاب كبيانه للصلوات الخمس في مواقيتها وسجودها وركوعها وسائر أحكامها، وكبيانه لمقدار الزكاة وحدها ووقتها، وما الذي يؤخذ منه من الأموال، وبيانه لمناسك الحج، قال ﷺ إذ حج بالناس: خذوا عني مناسككم»؛ لأن القرآن إنما ورد بجملة فرض الصلاة والزكاة والحج والجهاد، دون تفصيل ذلك.
وبيان آخر: وهو زيادة على حكم الكتاب، كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وكتحريم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، إلى أشياء يطول ذكرها، قد لخصتها في موضع غير هذا، وقد أمر الله على بطاعته واتباعه أمراً مطلقاً مجملاً، لم يقيد بشيء، ولم يقل: ما وافق كتاب الله؛ كما قال بعض أهل الزيغ.
стр. 9325
قال عبد الرحمن بن مهدي: الزنادقة والخوارج وضعوا ذلك الحديث؛ يعني: ما روي عنه ﷺ أنه قال: ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله؛ فإن وافق كتاب الله، فأنا قلته، وإن خالف كتاب الله فلم أقله أنا، وكيف أخالف كتاب الله، وبه هداني الله.
وهذه الألفاظ لا تصح عنه ﷺ عند أهل العلم بصحيح النقل من سقيمه، وقد عارض هذا الحديث قوم من أهل العلم، فقالوا: نحن نعرض هذا الحديث على كتاب الله قبل كل شيء، ونعتمد على ذلك، قالوا: فلما عرضناه على كتاب الله وجدناه مخالفاً لكتاب الله؛ لأنا لم نجد في كتاب الله ألا نقبل من حديث رسول الله ﷺ إلا ما وافق كتاب الله، بل وجدنا كتاب الله يطلق التأسي به والأمر بطاعته، ويحذر المخالفة عن أمره جملة على كل حال».
فائدة نختم بها الباب، ولها تعلق بالباب الذي بعده:
• روى مالك؛ أنه بلغه أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامله على دمشق في الصدقة: إنما الصدقة في الحرث، والعين والماشية.
قال مالك: ولا تكون الصدقة إلا في ثلاثة أشياء: في الحرث والعين والماشية.
أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٦٥٤/ ٣٣٥).
قال ابن أبي زيد القيرواني في الرسالة (٦٥): «وزكاة العين والحرث والماشية فريضة، فأما زكاة الحرث: فيوم حصاده، والعين والماشية: ففي كل حول مرة، ولا زكاة من الحب والتمر في أقل من خمسة أوسق».
٢ - باب العروض إذا كانت للتجارة هل فيها زكاة؟
١٥٦٢ - قال أبو داود: حدثنا محمد بن داود بن سفيان: حدثنا يحيى بن حسان حدثنا سليمان بن موسى أبو داود حدثنا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب: حدثني خبيب بن سليمان، عن أبيه سليمان، عن سمرة بن جندب، قال: أما بعد؛ فإن رسول الله ﷺ كان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نُعِدُّ للبيع.
* حديث حسن
أخرجه من طريق أبي داود:
البيهقي (٤/ ١٤٦)، وابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ١٣٠ - ١٣١). [التحفة (٣/ ٤٦١٨/ ٥٩٨)، والمسند المصنف (٩/ ٤٧٥/ ٤٦١٧)].
وهذا الإسناد هو الذي يروي به أبو داود صحيفة سمرة [أو: كتاب سمرة، أو: وصية سمرة لبنيه]، وقد أخرج منها في سننه ستة أحاديث (٤٥٦ و ٩٧٥ و ١٥٦٢ و ٢٥٦٠ و ٢٧١٦ و ٢٧٨٧)، هذا أحدها، والباقي قد مر بعضه، وبعضه يأتي - إن شاء الله تعالى -، وقد احتج بها أبو داود.
стр. 9326
وشيخ أبي داود فيها: محمد بن داود بن سفيان: روى عن عبد الرزاق، ويحيى بن حسان التنيسي، وروى عنه أبو داود فقط فيما وقفت عليه من ترجمته، ولم أر فيه جرحاً ولا تعديلاً؛ إلا رواية أبي داود عنه فإنها ترفعه.
• لم ينفرد بهذا الحديث، فقد توبع:
• فقد رواه عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم [ثقة حافظ]: ثنا يحيى بن حسان [التنيسي: ثقة]: ثنا سليمان بن موسى: ثنا جعفر بن سعد: حدثني خبيب بن سليمان، عن أبيه، عن سمرة بن جندب؛ أن رسول الله ﷺ كان يأمرنا برقيق الرجل والمرأة الذي هو تلاده، وهم في عَمَلِه، لا يريد بيعهم، وكان يأمرنا أن لا نخرج عنهم من الصدقة شيئاً، وكان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي يُعَدُّ للبيع.
أخرجه الطبراني في الكبير (٧/ ٢٥٣/ ٧٠٢٩).
وسليمان بن موسى؛ هو: الزهري، أبو داود الكوفي، خراساني الأصل، نزل دمشق، وهو: صدوق، مستقيم الحديث [راجع ترجمته في فضل الرحيم الودود (٥/ ٣٧١/ ٤٥٦)].
• وقد توبع عليه سليمان بن موسى، ولم ينفرد به:
أ - فقد قال البزار في مسنده (١٠/ ٤٤٨/ ٤٦٠٥): وحدثنا خالد بن يوسف، قال: حدثني أبي يوسف بن خالد، قال: نا جعفر بن سعد بن سمرة، قال: حدثني خبيب بن سليمان، عن أبيه سليمان بن سمرة، عن سمرة بن جندب، أنه كتب إلى بنيه: من سمرة بن جندب، سلام عليكم، فإني أحمد إليكم الله، الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإني أوصيكم بتقوى الله، وأن تقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة … إلخ.
ثم سرد البزار سبعة وسبعين حديثاً بهذا الإسناد، منها هذا الحديث (١٠/ ٤٥٥/ ٤٦٢٦): أن رسول الله ﷺ كان يأمرنا ألا نخرج الصدقة من الرقيق.
ويوسف بن خالد، هو: السمتي، متروك ذاهب الحديث كذبه غير واحد [انظر: التهذيب (٤/ ٤٥٤) وغيره]، وابنه خالد: أصلح حالاً منه؛ فقد ضُعف، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: «يعتبر حديثه من غير روايته عن أبيه» [انظر: اللسان (٣/ ٣٥٠) وغيره]، فهذه الطريق لا يعتمد عليها، ولا تصلح للاعتبار.
ب - ورواه موسى بن هارون بن عبد الله الحمال الحافظ الكبير الحجة الناقد، مشهور بالحفظ والإتقان ونقد الرجال، ومحمد بن علي بن زيد الصائغ [راوي سنن سعيد بن منصور، وهو: ثقة. الثقات (٩/ ١٥٢)، وسؤالات السهمي (٥)، والتقييد (٨٨)، والسير (١٣/ ٤٢٨)]:
ثنا أبو عمر مروان بن جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب: حدثني محمد بن إبراهيم بن خبيب بن سليمان بن سمرة بن جندب، عن جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب، عن خبيب بن سليمان بن سمرة بن جندب، عن أبيه، عن سمرة بن جندب، قال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] من سمرة بن جندب إلى بنيه، سلام عليكم، أما
стр. 9327
بعد: فإن رسول الله ﷺ كان يأمرنا برقيق الرجل أو المرأة الذين هم تلاد له، وهم عَمَلةٌ [وعند الطبراني: هم تلاده، وهم عَمَلته]، لا يريد بيعهم، فكان يأمرنا أن لا نخرج عنهم من الصدقة شيئاً، وكان يأمرنا أن نخرج [الصدقة] من الرقيق الذي يُعدُّ للبيع. أخرجه الطبراني في الكبير (٧/ ٢٥٧ - ٢٥٨/ ٧٠٤٧)، والدارقطني (٣/¬٣٩/¬٢٠٢٧)، وابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ١٣١) (١٠/ ٤٩٦ - ط الفرقان). [الإتحاف (٦/¬٣٠/¬٦٠٧٧)]
• قال الدارقطني: «هذا من صحيفة سمرة، وليس له مخرج إلا من جهتهم، وليس فيهم مجروح» [الإتحاف (٦/¬٣٠/¬٦٠٧٧)].
وقال ابن حزم في المحلى (٤/¬٤١): «حديث سمرة ساقط؛ لأن جميع رواته ما بين سليمان بن موسى، وسمرة ﵁: مجهولون، لا يُعرف من هم».
وقال ابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ١٣٠) (١٠/ ٤٩٥ - ط الفرقان): «الحجة في زكاة العروض إذا تَجَرَ بها صاحبها: حديث سمرة بن جندب، مع ما قدمنا ذكره عن الصحابة الذين لا مخالف لهم منهم، وهو قول جمهور أهل العلم، على ما تقدم ذكره».
وقال في الاستذكار (٣/ ١٧٠): «من الحجة في إيجاب الصدقة في عروض التجارة مع ما تقدم من عمل العمرين ﵄: حديث سمرة بن جندب عن النبي ﷺ ، ذكره أبو داود وغيره بالإسناد الحسن عن سمرة».
وقال ابن سيد الناس: «هذا إسناد لا بأس به».
وقال ابن عبد الهادي في التنقيح (٣/ ٨١/ ١٥٦٢): «انفرد أبو داود بإخراج هذا الحديث، وإسناده حسن غريب، وقد روى به أبو داود أحاديث».
وقال ابن الملقن في البدر المنير (٥/ ٥٩٢): «وإسناد هذا الحديث جيد».
وراجع بقية أقوال العلماء في هذا الحديث: فضل الرحيم الودود (٥/ ٣٧٣/ ٤٥٦). قلت: هذا إسناد جيد في المتابعات، وقد سبق تفصيل الكلام عن إسناد صحيفة سمرة هذا، عند الحديث السابق برقم (٤٥٦)، وذكرت هناك كلام العلماء في هذه الصحيفة وإسنادها، والحاصل: أن الذي يترجح عندي في هذا الإسناد: أنه إسناد صالح في الشواهد والمتابعات، لا ينهض على انفراده بإثبات حكم، أو تثبت به سنة، فإن جاء بمخالفة ما صح فهو منكر، وانظر أيضاً ما تقدم برقم (٦٧٥ و ٨٤٥ و ٩٧٥ و ١٠٠١ و ١٠٥٧).
وهو حديث حسن، باعتضاد آخره في الرقيق الذي يُعدُّ للبيع: بما ثبت عن عمر وابنه عبد الله؛ في زكاة عروض التجارة.
وباعتضاد أوله فيما يُعدُّ للخدمة: بما ثبت من حديث أبي هريرة مرفوعاً: «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة» [البخاري (١٤٦٣ و ١٤٦٤)، ومسلم (٩٨٢)، ويأتي تخريجه برقم (١٥٩٤ و ١٥٩٥)]، وبحديث علي مرفوعاً: «عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق» [يأتي تخريجه في موضعه من السنن برقم (١٥٩٤ و ١٥٩٥)؛ إن شاء الله تعالى].
стр. 9328
ومما يحتج به في زكاة عروض التجارة:
١ - حديث أبي ذر:
يرويه زهير بن حرب [ثقة ثبت حافظ]، ويحيى بن موسى البلخي [ثقة]، وعبد الله بن معاوية [ليس هو: الجمحي الثقة، شيخ أبي داود والترمذي وابن ماجه، وليس هو: الزبيري الضعيف، الراوي عن هشام بن عروة، وذلك لأن الراوي عنه هنا هو: جعفر بن محمد بن الحجاج بن فرقد القطان الرقي، وهو معروف بالرواية عن عبد الله بن معاوية الزيتوني. انظر مثلا: مستخرج أبي عوانة (٦/ ٢٤٢/ ٢٣١١)، وعلل ابن أبي حاتم (٤/ ٤١٦/ ١٥٣٠)، والناسخ لابن شاهين (٦٣١)، والمتفق والمفترق (٣/ ١٤٦٥/ ٨٦٥)، وقد ترجم الخطيب في المتفق والمفترق (١/ ٦٤٧/ ٣٢٧) لجعفر بن محمد بن الحجاج القطان الرقي، وذكر في شيوخه: عبد الله بن معاوية الزيتوني، فتأكد بذلك ما ذهبت إليه. وعليه: فإن الزيتوني هذا: ذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٣٥١)، وقال: «حدثنا مكحول: ثنا محمد بن غالب الأنطاكي: ثنا عبد الله بن معاوية؛ بنسخة فيها غرائب عن مشايخه». الثقات لابن قطلوبغا (٦/ ١٤١)، وأما جعفر بن محمد بن الحجاج الرقي: فانظر ترجمته في: الجرح والتعديل (٢/ ٤٨٨)، وتاريخ الرقة (٣١)، والثقات (٨/ ١٦٢)، والمتفق والمفترق (١/ ٦٤٧/ ٣٢٧)، وتاريخ الإسلام (٦/ ٥٣٢ - ط الغرب)، والثقات لابن قطلوبغا (٣/ ١٨٨)] [وانظر للفائدة: بيان الوهم والإيهام (٥/ ٥٦/ ٢٢٩٥)، والتنقيح لابن عبد الهادي (٣/ ٨٣/ ١٥٦٥)]:
ثنا محمد بن بكر [البرساني: ثقة]، عن ابن جريج، عن عمران بن أبي أنس، عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن أبي ذر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «في الإبل صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي البز صدقته». كذا بالزاي عند الدارقطني والبيهقي، لكن وقع بالراء المهملة عند الترمذي والحاكم، وقال ابن حجر في الإتحاف (١٤/ ١٨١/ ١٧٥٩٦)، عن رواية الدارقطني: «وفي البر بالراء المهملة، ووقع في بعض النسخ من السنن في هذه الرواية أيضا بالزاي»، قلت: الصواب: البر بالراء المهملة، لا بالزاي.
أخرجه الترمذي في العلل (١٧١) (١/ ٣٠٧ - ط الأقصى)، والدارقطني (٢/ ٤٩٠/ ١٩٣٤)، والحاكم (١/ ٣٨٨) (٢/ ١٤٤٨/ ٢٤٤ - ط الميمان) (٢/ ٣٩٦/ ١٤٤٦ - ط المنهاج القويم) (٢/ ٣٨٧/ ١٤٥٠ - ط التأصيل)، والبيهقي (٤/ ١٤٧). [الإتحاف (١٤/ ١٨١/ ١٧٥٩٦)]
قال الحاكم بأنه إسناد صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
وليس كما قال؛ فإنهما لم يخرجا شيئا بهذا الإسناد، وعمران بن أبي أنس: من رجال مسلم وحده، وابن جريج لم يسمع من عمران بن أبي أنس:
• فقد رواه الإمام أحمد في مسنده (٥/ ١٧٩) (٩/ ٥٠٤٢/ ٢١٩٥٨ - ط المكنز)، قال: حدثنا محمد بن بكر: أخبرنا ابن جريج، عن عمران بن أبي أنس بلغه عنه، عن
стр. 9329
مالك بن أوس بن الحدثان النصري، عن أبي ذر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «في الإبل صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي البر صدقته». [الإتحاف (١٤/ ١٨٢/ ١٧٥٩٦)، والمسند المصنف (٢٧/ ٣٠٤/ ١٢٣٠٧)].
كذا في جميع نسخ المسند: البر، بضم الباء الموحدة والراء المهملة، بمعنى: القمح، وهو الأقرب، فإن الصدقة كانت على عهد رسول الله ﷺ تؤخذ من الحرث والعين والماشية، والبر من أشهر الحبوب المعهودة في العهد النبوي، وتخرج زكاة الحب حباً، كما تخرج زكاة الإبل والبقر والغنم من أجناسها، وذلك بخلاف عروض التجارة، على ما دل عليه أثر عمر؛ فإن زكاتها تكون بالذهب والفضة، ولم أر أحداً ضبطها بالزاي قبل الدارقطني، والله أعلم.
ولو كان حديث ابن جريج هذا بالزاي؛ لما غفل عنه قدماء المصنفين، ولاحتجوا أو استشهدوا به على زكاة عروض التجارة؛ لا سيما الشافعي، لعنايته بحديث ابن جريج المكي، فلما لم يذكروه في باب زكاة عروض التجارة علمنا أنه كان مروياً عندهم بضم الباء الموحدة، وبالراء المهملة، والله أعلم.
• وأما علة الحديث: فقد بين ابن جريج في رواية الإمام أحمد أنه لم يسمع هذا الحديث من عمران، وإنما بلغه عن عمران.
يؤكد ذلك أن الترمذي سأل البخاري عن هذا الحديث، فقال البخاري: «ابن جريج: لم يسمع من عمران بن أبي أنس، يقول: حدثت عن عمران بن أبي أنس» [علل الترمذي الكبير (١٧١)، وبيان الوهم والإيهام (٥/ ٥٦/ ٢٢٩٥)].
وقال ابن عبد الهادي في التنقيح (٣/ ٨٣/ ١٥٦٥) «منقطع، لم يسمعه ابن جريج من عمران بن أبي أنس».
• وبهذا يتبين ضعف هذا الإسناد لانقطاعه، وكان ابن جريج قبيح التدليس، لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح، قال الدارقطني: «تجنب تدليس ابن جريج فإنه قبيح التدليس، لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح، مثل: إبراهيم بن أبي يحيى، وموسى بن عبيدة، وغيرهما» [التهذيب (٢/ ٦١٧)]، والله أعلم.
قال ابن عبد الهادي في التنقيح (٣/ ٨٤): «ويحتمل أن يكون ابن جريج سمعه من موسى بن عبيدة».
وقال ابن حجر في الإتحاف (١٤/ ١٨٢/ ١٧٥٩٦): «فكأنه دلسه عن موسى بن عبيدة، فالحديث حديثه ومداره عليه، وهو ضعيف».
• قلت: رواه سعيد بن سلمة بن أبي الحسام [صدوق، صحيح الكتاب، يخطئ من حفظه]، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي [ثقة، صحيح الكتاب، فإذا حدث من حفظه أو من كتب غيره: أخطأ]، وزيد بن الحباب [ثقة]:
عن موسى بن عبيدة [الربذي: ضعيف]، عن عمران بن أبي أنس، عن مالك بن
стр. 9330
الحدثان، عن أبي ذر ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: «في الإبل صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البز صدقته كذا بالزاي في رواية ابن أبي الحسام عند الدارقطني والبيهقي، ووقع بالراء من نفس الطريق عند الحاكم، وبالراء المهملة أيضا في رواية الدراوردي عند ابن زنجويه وابن أبي عاصم، ومن رفع [وفي رواية: من جمع] دنانير أو دراهم أو تبرا أو فضة؛ لا يعدها لغريم، ولا ينفقها في سبيل الله، فهو كنز يكوى به يوم القيامة».
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٢٨/ ١٠٧٠٠)، وابن زنجويه في الأموال (١٣٥٦)، وابن أبي عاصم في الجهاد (٨٥) و (٨٦)، والدارقطني (٢/ ٤٨٩/ ١٩٣٣)، والحاكم (١/ ٣٨٨) (٢/ ١٤٤٧/ ٢٤٣ - ط الميمان) (٢/ ٣٩٥/ ١٤٤٥ - ط المنهاج القويم) (٢/ ١٤٤٩/ ٣٨٧ - ط التأصيل) [وسقط من إسناد الحاكم: موسى بن عبيدة، وهو مثبت من نفس الطريق عند الدارقطني والبيهقي، وهو: الصواب]، والبيهقي (٤/ ١٤٧). [الإتحاف (١٤/ ١٨١/ ١٧٥٩٦)، والمسند المصنف (٢٧/ ٣٠٤/ ١٢٣٠٧)].
قال الحاكم بأنه إسناد صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
قلت: أنى يكون له الصحة، وفي إسناده: موسى بن عبيدة الربذي، وهو: ضعيف، ولم يخرجا له شيئا، وكيف يكون على شرط البخاري وهو الذي قال فيه: «منكر الحديث؛ قاله أحمد بن حنبل، وقال علي بن المديني، عن القطان، قال: كنا نتقيه تلك الأيام»، وقال أيضا: «أنا لا أكتب حديث موسى بن عبيدة»، وكيف يكون على شرط مسلم، وهو القائل فيه: «ضعيف الحديث؟» [تاريخ ابن معين للدوري (٢٣٠ و ٢٣١ و ١١٦١ و ١٢١٠)، وتاريخ ابن معين للدارمي (٧٣٢)، وسؤالات ابن الجنيد (٢٧٥ و ٤٤٩)، وسؤالات ابن طهمان (٧٧)، ومسائل أحمد لابنه صالح (١٦٤٦)، وسؤالات ابن أبي شيبة (١٤٥)، والتاريخ الكبير (٧/ ٢٩١)، والكنى لمسلم (٢٦٠١)، وجامع الترمذي (١١٦٧)، وعلل الترمذي الكبير (١٧٢)، وضعفاء العقيلي (٤/ ١٦٠)، وسؤالات البرذعي (٢/ ٥٦٠)، والجرح والتعديل (٨/ ١٥١)، والمجروحين (٢/ ٢٣٤)، والكامل (٦/ ٣٣٣)، وعلل الدارقطني (١١/ ٣٣٩/ ٢٣٢٣)، والتهذيب (٤/ ١٨١)، وغيرها كثير].
ووقع في آخره عند الدارقطني: «كتبته من الأصل العتيق في البز، مقيد»؛ يعني: أصل شيخه دعلج بن أحمد السجزي البغدادي، وهو: ثقة مأمون [تاريخ بغداد (٨/ ٣٨٧)، والسير (١٦/¬٣٠)]، وقد رواه الحاكم أيضا عن دعلج، لكن بالراء المهملة.
قال ابن دقيق العيد في الإمام (٢/ ٣٧٧ - نصب الراية): «واعلم أن الأصل الذي نقلت منه هذا الحديث من كتاب المستدرك ليس فيه: البز بالزاي المعجمة، وفيه ضم الباء في الموضعين، فيحتاج إلى كشفه من أصل آخر معتبر، فإن اتفقت الأصول على ضم الباء فلا يكون فيه دليل على مسألة زكاة التجارة»، قلت: أصول الحاكم التي وصلت إلينا كلها بالباء المضمومة، والراء المهملة، وكذا قال ابن حجر في الإتحاف (١٤/ ١٨١/ ١٧٥٩٦).
• ورواه أبو عاصم النبيل [الضحاك بن مخلد: ثقة ثبت]، عن موسى بن عبيدة، عن
стр. 9331
عمران بن أبي أنس، عن مالك بن أوس بن الحدثان، قال: كنت في المسجد فدخل أبو ذر المسجد فصلى ركعتين عند سارية، فقال له عثمان: كيف أنت؟ قال: بخير، كيف أنت؟ ثم ولى واستفتح: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١]، وكان رجلاً صلب الصوت، فرفع صوته فارتج المسجد، [وفي رواية: فانتهت به القراءة إلى سارية فركع ركعتين فجود فيهما، وركبه الناس، وأنا في الناس، فقالوا: يا أبا ذر حدثنا … ]، ثم أقبل على الناس، فقلت: يا أبا ذر، أو قال له الناس: حدثنا حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «في الإبل صدقتها، وفي الغنم صدقتها»، قال أبو عاصم: وأظنه، قال: «في البقر صدقتها، وفي البر صدقته، وفي الذهب والفضة والتبر صدقته، ومن جمع مالاً فلم ينفقه في سبيل الله وفي الغارمين وابن السبيل؛ كان كية عليه يوم القيامة» وفي رواية: «في الإبل صدقتها، والبقر صدقتها، والغنم صدقتها، وفي البر صدقته، ومن جمع دنانير أو دراهم، أو تبر ذهب أو تبر فضة؛ لا ينفقه في سبيل الله، ولا يعده لغريم؛ فهو كنز يكوى به يوم القيامة».
قلت: يا أبا ذر اتق الله! وانظر ما تقول، فإن الناس قد كثرت الأموال في أيديهم، قال: ابن أخي انتسب لي، فانتسبت له، فقال: قد عرفت نسبك الأكبر، أفتقرأ القرآن؟ قلت: نعم، قال: فاقرأ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] إلى آخر الآية، قال: فافقه إذاً. لفظه بتمامه عند البزار. وفي رواية عنده مختصرة: أنه قال: «في البر صدقته»، ولم يشك في البر. ورواه مطولاً بنحوه: ابن شبة، وعنيت به الرواية الأخرى.
ولفظه عند الدارقطني والبيهقي مختصراً: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «في الإبل صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي البَرِّ صدقته». قالها بالزاي.
أخرجه ابن شبة في تاريخ المدينة (٣/ ١٠٣٣)، والبزار (٩/ ٣٤٠/ ٣٨٩٥) و (٩/ ٣٨٩٦/ ٣٤١)، والدارقطني (٢/ ٤٨٨/ ١٩٣٢)، والبيهقي (٤/ ١٤٧). [الإتحاف (١٤/ ١٨١/ ١٧٥٩٦)]
• قلت: ومما يؤكد أنه عند الحاكم بالراء المهملة، أنه أتبعه بحديث معاذ بن جبل: الذي يرويه: عبد الله بن وهب [ثقة حافظ، وعنه: الربيع بن سليمان، وعمرو بن سواد، وهما: ثقتان]، وأبو بكر عبد الحميد بن أبي أويس [مدني ثقة، وعنه: أخوه إسماعيل بن أبي أويس، وهو ليس به بأس، ورواه مرة إسماعيل عن سليمان بلا واسطة]، ويحيى بن حسان التنيسي [ثقة، وعنه: الحسن بن عبد العزيز الجروي، وهو: ثقة ثبت]:
عن سليمان بن بلال [مدني، ثقة]، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر [لم يكن بالحافظ، ليس به بأس، وله أوهام]، عن عطاء بن يسار، عن معاذ بن جبل؛ أن رسول الله ﷺ بعثه إلى اليمن فقال: «خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من الإبل، والبقرة من البقر».
стр. 9332
أخرجه أبو داود (١٥٩٩)، وابن ماجه (١٨١٤)، والحاكم (١/ ٣٨٨) (٢/ ٢٤٥/ ١٤٤٩ - ط الميمان) (٢/ ٣٩٧/ ١٤٤٧ - ط المنهاج القويم) (٢/ ٣٨٨/ ١٤٥١ - ط التأصيل)، وابن زنجويه في الأموال (١٥٩٨)، والدارقطني (٢/ ٤٨٦/ ١٩٢٩)، والبيهقي في السنن (٤/ ١١٢)، وفي المعرفة (٦/ ٨٠٨٥/ ٨٦ و ٨٠٨٦)، وفي الخلافيات (٤/ ٣٢٠/ ٣٢٢٣)، والجوزقاني في الأباطيل والمناكير (٢/ ٩٦ - ٩٧/ ٤٦١). [التحفة (٨/ ٩٩/ ١١٣٤٨)، والإتحاف (١٣/ ٢٧١/ ١٦٧٠٨)، والمسند المصنف (٢٤/ ٤٥٩/ ١١٠٠٧)] [وانظر: بيان الوهم والإيهام (٣/ ٥٤/ ٧١٤)].
قال الحاكم: «هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ إن صح سماع عطاء بن يسار عن معاذ بن جبل؛ فإني لا أتقنه».
وقال البيهقي: «رواته ثقات».
وقال الجوزقاني: «هذا حديث صحيح».
قلت: كيف يزعم الحاكم أنه على شرط الشيخين، ويغفل عن انقطاعه، وقد أرخ ابن حبان ولادة عطاء بن يسار سنة (١٩) [الثقات (٥/ ١٩٩)، والتهذيب (٣/ ١١٠)]؛ يعني: أنه ولد بعد سنة واحدة من موت معاذ بن جبل، وكان مات بالشام سنة (١٨)، ومثل هذا لا ينبغي أن يخفى على مثل الحاكم في سعة علمه واطلاعه، وقد قال الترمذي في «جامعه» (٢٥٣٠): «وعطاء: لم يدرك معاذ بن جبل، ومعاذ قديم الموت، مات في خلافة عمر»، وقال أبو بكر البزار: «لا نعلم لعطاء من معاذ سماعاً» [كشف الأستار (٢٦)]، وقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (٢/ ١٦٥): «عطاء بن يسار: لم يدرك معاذ بن جبل» [تحفة التحصيل (٢٣٠)]، كما أن الذهبي تعقب الحاكم في التلخيص بقوله: «لم يلقه».
وعليه: فإن حديث معاذ بن جبل: إسناده ضعيف؛ لأجل انقطاعه؛ فإن عطاء بن يسار: لم يدرك معاذ بن جبل، والله أعلم.
ووجه الاستدلال بحديث معاذ مع كون إسناده لا يصح، أن المراد من حديث أبي ذر: أن صدقة الإبل منها، وصدقة الغنم منها، وكذلك صدقة البر، تخرج براً، وزكاة الحبوب تكون من نفس الحبوب، ويؤكد هذا المعنى قول الخطابي في شرح حديث معاذ، حيث قال في المعالم (٢/¬٤٢): «فيه من الفقه أن الزكاة إنما تخرج من أعيان الأموال وأجناسها، ولا يجوز صرف الواجب منها إلى القيم»، ولو كان المذكور في حديث أبي ذر هو البز؛ يعني: الثياب، فمن المعلوم أن تاجر الثياب يقوم تجارته، ويخرج زكاتها دنانير ودراهم، لا يخرجها ثياباً؛ إلا في قول لبعض الفقهاء، والشاهد أن الأصل في إخراج زكاة عروض التجارة: أنها تقوم وتخرج زكاتها من الذهب والفضة، لا من نفس العين، لا سيما مع تعدد أنواع التجارات والبضائع، قال ابن قدامة في المغني (٣/ ٥٨): «ولا خلاف أنها لا تجب في عينه، وثبت أنها تجب في قيمته»، وكما سيأتي في أثر حماس عن عمر أنه
стр. 9333
قال له في إخراج زكاة تجارته من الأدم والجعاب: «قومه، وأد زكاته»، ولم يأخذ من أعيانها، كما في الإبل والبقر والغنم، فدل على أن الرواية هنا بالراء المهملة، لا بالزاي، ولم أر أحداً من المصنفين - ممن وصلت إلينا مصنفاتهم - ضبطها بالزاي قبل الدارقطني، وقد أخرج الحديث جمع من المصنفين ممن تقدم الدارقطني وكلهم رووه بالراء المهملة، مثل: أحمد، والترمذي في «العلل»، وابن شبة، وابن زنجويه، وابن أبي عاصم، والبزار، مما يدل على أن الأصل الذي اعتمده الدارقطني لدعلج قد وقع فيه الخلل والتصحيف، وعند المحاققة: ماذا نقدم عند الاختلاف أصل دعلج، أم أصل: أحمد، والترمذي، وابن شبة، وابن زنجويه، وابن أبي عاصم، والبزار؟! والله أعلم.
كما أني لم أجد أحداً من المصنفين قبل الدارقطني استعمل هذا الحديث في عروض التجارة، مع مسيس الحاجة إليه، لندرة الأحاديث المرفوعة في الباب، مما يدل على أنه كان مروياً بالراء المهملة، في صدقة البر والحبوب، وأن صدقتها تكون من جنسها، والله أعلم.
فإن قيل: فما المانع أن تكون البز بالزاي لا البر بالراء، اعتماداً على قول الدارقطني الذي قيده من أصل كتاب شيخه بالزاي وبتأويل من تأوله فقال: «ومعلوم أنه ليس في البز زكاة العين، فيكون الواجب زكاة التجارة»؟ فيقال: الأصل في هذا الحديث المجانسة، وهو ذكر الأجناس المعهود إخراج زكاتها من جنسها، والتي تكرر ذكرها في الأحاديث، في ذكر أجناس المال الذي تخرج الزكاة من جنسه، مثل: الإبل والغنم والبقر والتمر والبر والحب، ولم يرد ذكر البز بمعنى الثياب في أحاديث الزكاة إلا في هذا الحديث؛ فدل على أنه البر المعهود ذكره، كما أن البر داخل ضمن الحبوب الموسقة المذكورة في حديث أبي سعيد في نصاب الزكاة: «ليس فيما دون خمس ذود صدقة، وليس فيما دون خمس أواق صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» [متفق عليه. تقدم برقم (١٥٥٨)]، وفي رواية لمسلم: «ليس في حَبِّ، ولا تمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسقٍ، ولا فيما دون خمس ذودِ صدقة، ولا فيما دون خمس أواقٍ صدقة»، وعليه فوروده هنا في هذا الحديث، من باب بيان أن الواجب إخراج الزكاة من جنس المال، فالبعير من الإبل، والشاة من الغنم، والبقرة من البقر والحب من الحب والتمر من التمر والزبيب من العنب، وهكذا، وعليه: فذكر البز دخيل عليها، وليس من جنسها، والله أعلم.
• قال الدارقطني: «موسى بن عبيدة الربذي: ضعيف» [الإتحاف (١٤/ ١٨١/ ١٧٥٩٦)].
وقال ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (٥/ ٥٥/ ٢٢٩٥): «فاعلم أن هذا الحديث لا يصح؛ لأنه لا يعرف إلا بموسى بن عبيدة - وهو ضعيف -، عن عمران بن أبي أنس.
فأما رواية ابن جريج، عن عمران بن أبي أنس: فلا تصح إلى ابن جريج»، فأعله بجهالة عبد الله بن معاوية، ثم تدارك نفسه، وقال بأنه وإن توبع؛ فإن علة الحديث عندئذ:
стр. 9334
الانقطاع، لعدم سماع ابن جريج من عمران، وساق كلام البخاري عند الترمذي في «العلل».
قلت: هو حديث ضعيف؛ مداره على موسى بن عبيدة الربذي، وهو: ضعيف، حدث بأحاديث مناكير، وقد اضطرب في متن هذا الحديث، والله أعلم.
٢ - حديث مرثد بن ربيعة اليزني:
قال أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة (٤/ ٤٦٧/ ٣٢٨٨): بلغني عن سليمان بن داود، عن أبي قتيبة، عن المعلى بن يزيد، عن بكر بن مرثد بن ربيعة، قال: سمعت مرثدا، يقول: سألت النبي ﷺ عن الخيل؛ فيها شيء؟ فقال: «[لا؛] إلا ما كان منها للتجارة».
وأخرجه من طريق أبي القاسم: أبو نعيم في معرفة الصحابة (٥/ ٢٥٦٥/ ٦١٩١)، لكن جعله للبغوي سماعا من الشاذكوني، وليس بلاغا.
وذكر الحافظ ابن كثير في جامع المسانيد (٧/ ٣٦٥/ ٩٣٣٦) أن الحافظ أبا موسى المديني، قد رواه موصولا بإجازته عن أبيه بإسناده إلى الشاذكوني به.
قال أبو القاسم: «وما بلغني هذا الحديث إلا من هذا الوجه الذي رواه الشاذكوني، وقد رماه الأئمة بالكذب».
قلت: هو حديث باطل؛ آفته الشاذكوني؛ وهو: سليمان بن داود المنقري، وهو: حافظ؛ إلا أنه متروك، رماه الأئمة بالكذب [انظر: اللسان (٤/ ١٤٢)].
وأبو قتيبة سلم بن قتيبة الشعيري: ثقة، وهو خراساني، نزل البصرة، كثير الأصحاب، وأما بقية رجال السند: فلم أقف لهم على ترجمة، ولم أجدهم إلا في هذا الإسناد المجهول [وانظر: أسد الغابة (٥/ ١٣١)، والإصابة (٦/ ٥٣/ ٧٨٨٨)].
٣ - حديث جابر:
رواه محمد بن موسى الحارثي [الإصطخري]: أنبأ إسماعيل بن يحيى بن بحر الكرماني [الأزدي]: ثنا الليث بن حماد الإصطخري: ثنا أبو يوسف، عن غورك بن الحصرم أبي عبد الله، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : «في الخيل السائمة في كل فرس دينار تؤديه».
أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ٣٣٨/ ٧٦٦٥)، والدارقطني (٣/¬٣٥/¬٢٠١٩)، والبيهقي في السنن (٤/ ١١٩) (٨/ ١٣٢/ ٧٤٩٤ - ط هجر)، وفي المعرفة (٦/ ٩٥/ ٨١١٩)، وفي الخلافيات (٤/ ٣٣٥/ ٣٢٥٥)، والذهبي في الميزان (٣/ ٣٣٧). [الإتحاف (٣/ ٣٣٠/ ٣١٣٥)]
كلهم من طريق محمد بن موسى الحارثي به، لكن سقط من إسناد الطبراني: «حدثنا أبو يوسف»، بين الليث بن حماد، وغورك.
• ورواه محمد بن علي بن مهران الصيدلاني، بإصطخر، قال: حدثنا إسماعيل بن يحيى، قال: حدثنا الليث بن حماد، [قال: نا أبو يوسف]، عن غورك بن حصرم أبي
стр. 9335
عَبد الله، عن جعفر بن مُحَمَّد، عن أبيه، عن جابر بن عبد اللهِ، قال: قال رسول الله ﷺ : «في الخيل السائمة في كل فرس دينار».
أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (٨/ ٤٠٥ - ط الغرب)، ومن طريقه: ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/¬٥/¬٨١٩)، وفي التحقيق (٢/¬٣٤/¬٩٥٧).
قال الدارقطني: «تفرد به: غورك عن جعفر، وهو: ضعيف جداً، ومن دونه ضعفاء».
وقال البيهقي في «المعرفة» بعد نقل كلام الدارقطني: «ولو كان صحيحاً عند أبي يوسف لم يخالفه إن شاء الله!؛ يعني: أن هذا الحديث لا يصح عند أبي يوسف؛ لأنه ممن خالف هذا الذي رواه - لو ثبت عنه -، وقال بقول جمهور أهل العلم في عدم إيجاب الزكاة في الخيل السائمة، ولو صح عنده لما خالفه.
وقال البيهقي في الخلافيات: «وبئس المعتمد؛ حديث منكر، يرويه مجهول؛ لا تُعرف عدالته»، ثم ساق كلام الدارقطني، ثم قال بعدُ: «رواية غورك: ضعيفة، ولا يشك فيها حديثي».
وقال ابن الجوزي: «هذا حديث لا يصح، وغورك: ليس بشيء»، وقال الدارقطني: هو ضعيف جداً».
وقال النووي في المجموع (٥/ ٣٣٩): «ضعيف باتفاق المحدثين، قال الدارقطني: تفرد به غورك، وهو ضعيف جداً، واتفقوا على تضعيف غورك، وهو مجهول».
قلت: هو حديث باطل، وإسناده مجهول إلى جعفر بن محمد الصادق، تفرد به عنه: غورك بن الحصرم، وهو مجهول؛ لا يدرى من هو ضعفه الدارقطني جداً، ثم هو غريب من حديث أبي يوسف القاضي والإسناد إليه: مجهول، وضعفهم الدارقطني [انظر: بيان الوهم والإيهام (٣/ ٩٣٣/ ٢١٣)، واللسان (٢/ ١٨١) و (٦/ ٣١٠ و ٤٣٢)].
• فائدتان:
الأولى: روى الحسين بن علي بن محمد بن جعفر أبو عبد الله القاضي الصيمري [صدوق، سكن بغداد، وكان أحد الفقهاء المذكورين من العراقيين، قال الخطيب: «كان وافر العقل، جميل المعاشرة، عارفاً بحقوق أهل العلم». تاريخ بغداد (٨/ ٦٣٤ - ط الغرب)، وتاريخ الإسلام (٩/ ٥٥٢ - ط الغرب)]، قال: حضرت عند أبي الحسن الدارقطني، وسمعت منه أجزاء من كتاب السنن الذي صنفه، قال: فقرئ عليه حديث غورك السعدي، عن جعفر بن محمد الحديث المسند في زكاة الخيل، وفي الكتاب: غورك ضعيف، فقال أبو الحسن ومن دون غورك ضعفاء.
فقيل: الذي رواه عن غورك هو أبو يوسف القاضي، فقال: أعور بين عميان! وكان أبو حامد الإسفراييني حاضراً، فقال: ألحقوا هذا الكلام في الكتاب! قال الصيمري: فكان ذلك سبب انصرافي عن المجلس، ولم أعد إلى أبي الحسن بعدها، ثم قال: ليتني لم أفعل، وأيش ضر أبا الحسن انصرافي؟! أو كما قال.
стр. 9336
الثانية: قال السمعاني في الأنساب (٢/ ٢٢٦): «الحِصْرَمِيّ: بكسر الحاء، وسكون الصاد، وكسر الراء المهملات هذه النسبة إلى الحصرم، وهو اسم والد غَوْرَك بن الحصرم السّغْدِيُّ الحِصْرَمِيُّ، ويقال له: السَّعْدِيُّ أيضاً؛ يروي عن جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن جابر عن النبي ﷺ في زكاة الخيل: «لكل فرس درهم»، وكان أبو مسعود البجلي يقول: غورك السعدي، هو من بني سعد، ومن نسبه إلى سغد سمرقند فقد غلط، روى عنه القاضي أبو يوسف صاحب أبي حنيفة ﵏» [وانظر أيضاً: الأنساب (٣/ ٥٤٤)، وتوضيح المشتبه (٣/ ٢٥١) و (٥/ ١٠١)، وتبصير المنتبه (٢/ ٥٠٦)].
٤ - حديث أبي هريرة:
رواه شعيب بن أبي حمزة [ثقة ثبت]، وورقاء بن عمر اليشكري [ثقة، وهو أثبت من روى هذا الحديث عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، كما قال أبو زرعة]، وموسى بن عقبة مدني، [ثقة] [وعنه: إبراهيم بن طهمان، وهو: ثقة يغرب]، وعبد الرحمن بن أبي الزناد [حديثه بالمدينة: صحيح، وما حدث ببغداد أفسده البغداديون؛ إلا ما كان من رواية سليمان بن داود الهاشمي؛ فأحاديثه عنه حسان، وهذا من صحيح حديثه. انظر: فضل الرحيم الودود (٢/ ١٧٠/ ١٤٨) و (٨/ ٢٥٩/ ٧٤٤)] [فقد رواه عنه: أبو أيوب سليمان بن داود الهاشمي، وهو ثقة جليل، ويحيى بن يحيى بن بكر التميمي النيسابوري، وهو: ثقة ثبت إمام، وداود بن عمرو الضبي، وهو بغدادي ثقة، وأبو علي عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، وهو: بصري ثقة]، ومحمد بن إسحاق [صدوق، وعنه: يونس بن بكير، وهو: كوفي صدوق]، وأبو أويس عبد الله بن عبد الله بن أويس [ليس به بأس]:
عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، قال: أمر رسول الله ﷺ بالصدقة، فقيل: منع ابن جميل، وخالد بن الوليد، وعباس بن عبد المطلب، فقال النبي ﷺ : «ما يَنْقِم ابن جميل إلا أنه كان فقيراً، فأغناه الله ورسوله، وأما خالد: فإنكم تظلمون خالداً، قد احتبس أدراعه وأعتُدَه في سبيل الله، وأما العباس بن عبد المطلب، فعم رسول الله ﷺ ، فهي عليه صدقة ومثلها معها». لفظ شعيب [عند البخاري]، وبنحوه رواه موسى بن عقبة عند ابن طهمان والنسائي، لكن وقع [عند ابن خزيمة: «فهي له ومثلها معها»، وأبو أويس عند يعقوب بن سفيان والبيهقي؛ إلا أنه قال: «وأعبده»، بدل: «وأعتده»].
تنبيه: وقع في بعض نسخ البخاري: «وأعبده»، بدل: «وأعتده» [انظر: صحيح البخاري (٢/ ١٢٢ - ط طوق النجاة)، و (٢/ ٣٤٤/ ١٤٨٠ - ط التأصيل)، وأعلام الحديث للخطابي (٢/ ٧٩٤)، وشرح البخاري لابن بطال (٣/ ٤٩٥ و ٥٠٠ و ٥٠٣)، والجمع بين الصحيحين للحميدي (٣/ ٣٣٢/ ٢٤٨٩)، وفتح الباري لابن حجر (٣/ ٣٣٣)] كما وقع أيضاً من رواية الأصيلي والقابسي عند المهلب بن أبي صفرة في المختصر
стр. 9337
النصيح (٢/ ٢٥٤/ ٩٦٨): «وأعبده»] [وقال القاضي عياض في إكمال المعلم (٣/ ٤٧١): «اختلف فيه رواة البخاري»].
ولفظ ورقاء [عند مسلم وأبي داود وابن خزيمة وأبي عوانة]: بعث رسول الله ﷺ [عمر بن الخطاب] [ساعياً] على الصدقة، فقيل: منع ابن جميل، وخالد بن الوليد، والعباس عم رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيراً، فأغناه الله، وأما خالد بن الوليد فإنكم تظلمون خالداً، فقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله، وأما العباس [عم رسول الله ﷺ ] فهي علي ومثلها معها، ثم قال: «يا عمر! أما شعرت أن عمَّ الرجل صنو أبيه».
ورواه بنحوه ابن أبي الزناد دون آخره، وفيه: «فهي عليَّ ومثلها معها». لكن وقع في روايته عند يعقوب بن سفيان من رواية يحيى بن يحيى النيسابوري عن ابن أبي الزناد:، «وأما خالد بن الوليد: فإنكم تظلمون خالداً، إن خالداً قد حبس أدراعه وأعبده في سبيل الله ﷺ ، وأما العباس بن عبد المطلب عم رسول الله : فهي عليه ومثلها معها»، ولفظ أبي أيوب سليمان بن داود الهاشمي عن ابن أبي الزناد [عند أبي عبيد]: أمر رسول الله ﷺ بالصدقة، فقال بعض من يلمز منع ابن جميل، وخالد بن الوليد، والعباس بن عبد المطلب أن يتصدقوا، قال: فخطب رسول الله ﷺ ، فكذب عن اثنين، عن العباس وخالد، وصدق على ابن جميل، ثم قال رسول الله ﷺ : «ما نقم ابن جميل إلا أنه كان فقيراً فأغناه الله من فضله ورسوله، وأما خالد بن الوليد: فإنهم يظلمون خالداً، إن خالداً قد احتبس أدراعه وأعبده في سبيل الله، وأما العباس عم رسول الله ﷺ فهي عليه ومثلها معها»، ووقع في رواية دواد بن عمرو عن ابن أبي الزناد [عند ابن عساكر (١٦/ ٢٤٦)]: «وأما خالد: فإنكم تظلمون خالداً، قد كان احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله، والعباس بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ : فهي له ومثلها معها». واقتصر أبو علي الحنفي [عند أبي بكر الشافعي وابن عساكر] على طرفه الأخير بلفظ: ذكر رسول الله ﷺ العباس، فقال: «هو عمي، وصنو أبي». لكن الراوي عن أبي علي الحنفي: محمد بن يونس بن موسى الكديمي، وهو كذاب، يضع الحديث.
وكذلك رواه ابن إسحاق دون آخره [عند الدارقطني]، وفيه: «فهي علي ومثلها معها، هي له». وقال: «أعبده». وقال الدارقطني: «صحيح عن أبي الزناد» [الإتحاف (١٥/ ١٩٣/ ١٩١٣٩)]
أخرجه البخاري (١٤٦٨)، ومسلم (٩٨٣)، وأبو عوانة (٢/ ١٤٦ - ١٤٧/ ٢٦١٨ - ٢٦٢٠) (٨/ ٣٧٤ - ٣٧٧/ ٣٤٠٥ - ٣٤٠٧ - ط الجامعة الإسلامية)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٣/ ٦١/ ٢٢٠٧)، وأبو داود (١٦٢٣) (١٦١٧ - ط التأصيل)، والترمذي (٣٧٦١)، والنسائي في المجتبى (٥/¬٣٣/¬٢٤٦٤) و (٥/¬٣٤/¬٢٤٦٥)، وفي الكبرى (٣/¬٢٣/¬٢٢٥٥ و ٢٢٥٦)، وابن خزيمة (٤/¬٤٨/¬٢٣٢٩ و ٢٣٣٠) (٢٣٩٠ - ٢٣٩٢ -
стр. 9338
ط التأصيل)، وابن حبان (٨/ ٦٧/ ٣٢٧٣) و (١٥/ ٥٢٦/ ٧٠٥٠)، وأحمد (٢/ ٣٢٢)، وابنه عبد الله في زياداته على المسند (٢/ ٣٢٣)، وفي فضائل الصحابة (١٧٧٨ و ١٧٨٠ و ١٨٠٥)، وابن طهمان في مشيخته (٢٣)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في الأموال (١٨٩٨)، والدورقي في مسند سعد (١٠٦)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (١/ ٥٠١ و ٥٠٢)، والدولابي في الكنى (٢/ ٥٧١/ ١٠٢٢)، والخرائطي في مساوئ الأخلاق (١٠٤)، وأبو بكر الشافعي في فوائده الغيلانيات (٢٧٤ و ٢٧٥)، والدارقطني (٣/¬٣٠/¬٢٠٠٦) و (٣/¬٣١/¬٢٠٠٧)، والخطابي في أعلام الحديث (٢/ ٧٩٧)، وابن أخي ميمي الدقاق في فوائده (٤٧٢)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٢/ ٩٢٩/ ٢٣٩٥) و (٦/ ٣٠٥٧/ ٧٠٧١)، والبيهقي في السنن (٤/¬١١) و (٦/ ١٦٤)، وفي المعرفة (٦/ ٨٣/ ٨٠٧٩)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٦/¬٣٢ - ٣٣/ ١٥٧٨)، وأبو نعيم الحداد في جامع الصحيحين (٢/ ١٤٧/ ١٠٦٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٦/ ٢٤٦) و (٢٦/ ٣١٢). [التحفة (٧/ ٣١١/ ١٠٦٧٠) و (٩/ ٥٧٠/ ١٣٧٥٢) و (٩/ ٥٧٧/ ١٣٧٨٦) و (٩/ ٦٠١/ ١٣٨٦٤) و (٩/ ٦١٣/ ١٣٩١٥) و (٩/ ٦١٤/ ١٣٩٢٢) و (٩/ ٦١٧/ ١٣٩٣٤)، والإتحاف (١٥/ ١٩٣/ ١٩١٣٩)، والمسند المصنف (٣١/ ٤١٤/ ١٤٤٤١)].
• تنبيه: وقع في رواية عمران بن بكار الحمصي، ومحمد بن يحيى الذهلي، عن علي بن عياش عن شعيب [عند النسائي وابن خزيمة والدولابي]: قال أبو هريرة: وقال عمر: أمر رسول الله ﷺ بصدقة، … الحديث، فجعله من مسند عمر، بينما لم تأت هذه الزيادة: «قال عمر» في رواية علي بن عثمان النفيلي عن علي بن عياش [عند أبي عوانة]، ولا أرى زيادة عمر في الإسناد إلا وهماً؛ فالحديث من مسند أبي هريرة، هكذا رواه أبو اليمان عن شعيب [عند البخاري]، وهكذا رواه الجماعة عن أبي الزناد، والله أعلم.
• تنبيه آخر: اقتصر الترمذي من حديث ورقاء على طرفه الأخير: «العباس عم رسول الله، وإن عم الرجل صنو أبيه»، أو: «من صنو أبيه».
قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث أبي الزناد إلا من هذا الوجه»، قلت: ورقاء ثقة، مقدَّم في أبي الزناد على شعيب وغيره ممن روى هذا الحديث، ومن ثم فتحتمل زيادته، والله أعلم.
• تنبيه آخر:
قال حنبل بن إسحاق: قال أحمد بن حنبل: قال علي بن حفص في حديث: «وأما خالد: فإنكم تظلمون خالداً، قد احتبس أدراعه وأعتاده»، أخطأ فيه وصحف، إنما هو: «وأعتده» [تصحفات المحدثين (١/ ١٣٨)، وغريب الحديث لابن الجوزي (٢/ ٦٦)، والنهاية لابن الأثير (٣/ ١٧٦)، ولسان العرب (٣/ ٢٨٠)، وتهذيب الكمال (٢٠/ ٤١١)، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٥/ ٨٣)].
قلت: علي بن حفص المدائني راويه عن ورقاء: ثقة، ولم ينفرد به، تابعه شبابة بن
стр. 9339
سوار [وهو: ثقة أيضاً] عند أبي داود [في بعض النسخ لأبي داود، وفي أكثر النسخ: أعتده، ونسب لرواية ابن الأعرابي: أعبده]، وكذا في رواية عبد الله بن أحمد في الفضائل (١٨٠٥)، وابن حبان والدارقطني والبيهقي: وأعتاده، ووقع في فوائد الدقاق: وأعباده.
وقال الإمام أحمد في حديث ورقاء، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: «أعوادي وقف» [كذا بالأصل، وإنما الرواية: «احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله»]، فقال: «أخطأ فيه ورقاء، وأصاب ابن أبي الزناد، قال: «أعبدي وقف» [كذا قال أحمد، وإنما المحفوظ في رواية ابن أبي الزناد: «قد احتبس أدراعه وأعبده في سبيل الله»]، ثم قال أحمد: «ابن أبي الزناد أحبُّ إليَّ من ورقاء» [العلل ومعرفة الرجال (٢٦٠ - رواية المروذي)] [قلت: خالفه أبو زرعة؛ فقد قدم ورقاء على جميع من روى هذا الحديث عن أبي الزناد، وهو الأشبه، وهو ظاهر صنيع مسلم].
قال أبو عوانة: «روى هذا الحديث عن أبي الزناد جماعة، منهم: موسى بن عقبة، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، وقد رواه شعيب هذا، فقال بعضهم: فهي عليه ومثلها معها، وبعضهم قال مكان أعتاده: وأعبده».
قلت: وقع في رواية أبي اليمان عن شعيب [عند البخاري]: أعتده، بالتاء المثناة الفوقية، جمع عتاد، وفي بعض روايات البخاري [كما أشرت سابقاً]: أعبده، بالباء الموحدة، جمع: عبد، وكذا وقع: أعتده، في رواية عمران بن بكار الحمصي عن علي بن عياش عن شعيب [عند النسائي والدولابي]، لكن خالفه: محمد بن يحيى الذهلي [عند ابن خزيمة]، وعلي بن عثمان النفيلي [عند أبي عوانة]، فروياه عن علي بن عياش عن شعيب به؛ إلا أنهما قالا: «قد احتبس أدراعه وأعبده في سبيل الله».
هكذا اختلفت الرواية في هذه اللفظة: فمنهم من قال: أعتده، وقيل: أعبده، وقيل: أعتاده، حيث وقعت الأولى بجمع العتد أو العتاد في رواية شعيب، وموسى بن عقبة، بينما وقعت الثانية بجمع العبد في رواية شعيب أيضاً، وابن أبي الزناد، وابن إسحاق، وأبي أويس، بينما وقعت الثالثة في رواية ورقاء وحده، والغريب أن كتب الغريب واللغة وقع فيها بلفظ: «جعل رقيقه وأعتده حبساً في سبيل الله» [انظر مثلاً: تهذيب اللغة (٢/ ١١٦)، والغريبين في القرآن والحديث (٤/ ١٢٢٣)، والفائق في الغريب (٢/ ٣٨٩)، والغريب لابن الجوزي (٢/ ٦٦)، والنهاية لابن الأثير (٣/ ١٧٦)، ولسان العرب (٣/ ٢٧٩)، وغيرها]. [وفيها: الأعتد: جمع قلة للعتاد، وهو ما أعده الرجل من السلاح والدواب وآلة الحرب]، والله أعلم.
قال ابن حزم في المحلى (٨/ ١٥٧): «الأعتاد: جمع عتد، وهو الفرس، … ، والأعبد: جمع عبد، وكلا اللفظين صحيح، فلا يجوز الاقتصار على أحدهما دون الآخر»؛ قلت: نعم؛ لو اختلف المخرج، لكن المخرج هنا متحد، فإن مداره على أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، والله أعلم.
стр. 9340
• ورواه ابن جريج، قال: حُدّثت حديثاً رُفع إلى عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة؛ أن النبي ﷺ ندب الناس في الصدقة فأتي، فقيل: يا رسول الله! هذا أبو جهم بن حذيفة، وخالد بن الوليد، وعباس عم رسول الله ﷺ ، قد منعوا الصدقة، فقال: «ما ينقم ابن جميل منا إلا أنه كان فقيراً، فأغناه الله ورسوله، وأما خالد بن الوليد فحبس أدراعه وأعتده في سبيل الله، وأما عباس عم رسول الله ﷺ فهي عليه ومثلها معها».
أخرجه عبد الرزاق (٤/¬١٨/¬٦٨٢٦) و (٤/¬٤٤/¬٦٩١٨). [المسند المصنف (٣١/¬٤١٤/¬١٤٤٤١)]
وهذا إسناد ضعيف، لإبهام الواسطة بين ابن جريج، وبين عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وسبق الكلام قريباً عن تدليس ابن جريج، عند حديث أبي ذر في الشواهد.
قال ابن حجر في الفتح (٣/ ٣٣٣): «ووقع في رواية ابن جريج: أبو جهم بن حذيفة، بدل ابن جميل، وهو خطأ لإطباق الجميع على ابن جميل، وقول الأكثر: أنه كان أنصارياً، وأما أبو جهم بن حذيفة فهو قرشي، فافترقا».
قال أبو عبيد في الأموال: «وكان مالك بن أنس يزيد في إسناد هذا الحديث: عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، كذلك حدثت عنه». قلت: لم أقف على من حدث به عن مالك بهذا الحديث.
مسألة: قال أبو عبيد: «فقول النبي ﷺ : «فأما العباس فصدقته عليه ومثلها معها»؛ يبين لك أنه قد كان أخرها عنه، ثم جعلها ديناً عليه يأخذه منه، فهو في الحديث الأول قد تعجل زكاته منه، وفي هذا أنه أخرها عنه، ولعل الأمرين جميعاً قد كانا».
وقال في الغريب (٣/ ١٩٣): «قوله: «فإنها عليه ومثلها معها» نراه - والله أعلم - أنه كان أخر عنه الصدقة عامين، وليس وجه ذلك إلا أن يكون من حاجة بالعباس إليها، فإنه قد يجوز للإمام أن يؤخرها إذا كان ذلك على وجه النظر، ثم يأخذها منه بعد، ومن هذا حديث عمر: أنه أخر الصدقة عام الرمادة، فلما أحيا الناس في العام المقبل أخذ منهم صدقة عامين. وأما الحديث الذي يروى أن النبي ﵇ قال: «إنا قد تعجلنا من العباس صدقة عامين» فهو من هذا عندي أيضاً، إنما تعجل منه أنه أوجبها عليه وضمنها إياه ولم يقبضها منه، فكانت ديناً على العباس ﵀، ألا ترى أن النبي ﵇ يقول: «فإنها عليه ومثلها معها»».
وقال ابن خزيمة: «فخبر موسى بن عقبة: «فهي له ومثلها معها» يشبه أن يكون أراد ما قال ورقاء؛ أي: فهي له عليَّ، فأما اللفظة التي ذكرها شعيب بن أبي حمزة: فهي عليه صدقة»؛ فيشبه أن يكون معناها: فهي له، على ما بينت في غير موضع من كتبنا أن العرب تقول: عليه؛ يعني: له، وله؛ يعني: عليه، كقوله ﷻ : ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥]، فمعنى: لهم اللعنة؛ أي: عليهم اللعنة، ومحال أن يترك النبي ﷺ للعباس بن عبد المطلب صدقة قد وجبت عليه في ماله، وبعده ترك صدقة أخرى إذا وجبت عليه،
стр. 9341
والعباس من صليبة بني هاشم ممن حرم عليه صدقة غيره أيضاً، فكيف صدقة نفسه، والنبي ﷺ قد أخبر أن الممتنع من أداء صدقته في العسر واليسر: يعذب يوم القيامة في يوم مقداره خمسين ألف سنة، بألوان عذاب قد ذكرناها في موضعها في هذا الكتاب، فكيف يكون أن يتأوَّل على النبي ﷺ أن يترك لعمه صنو أبيه صدقة قد وجبت عليه لأهل سُهمان الصدقة، أو يبيح له ترك أدائها وإيصالها إلى مستحقيها؛ هذا ما لا يتوهمه عندي عالم، والصحيح في هذه اللفظة قوله: فهي له، وقوله: فهي عليَّ ومثلها معها؛ أي: إني قد استعجلت منه صدقة عامين، فهذه الصدقة التي أمرت بقبضها من الناس هي للعباس عليَّ ومثلها معها؛ أي: صدقة ثانية، على ما روى الحجاج بن دينار - وإن كان في القلب منه ـ، عن الحكم، عن حجية بن عدي، عن علي بن أبي طالب؛ أن العباس بن عبد المطلب سأل رسول الله ﷺ في تعجيل صدقته قبل أن تحل، فرخص له في ذلك».
ومما يؤيد ما ذهب إليه ابن خزيمة رواية ابن إسحاق: «فهي عليَّ ومثلها معها، هي له».
وقال ابن حبان: «وقوله في شأن العباس: «هو عليَّ ومثلها»؛ يريد: أن صدقته عليَّ أني ضامن عنه، ومثلها معها من صدقة ثانية من العام المقبل».
وفي هذا المعنى الأخير يقول ابن بطال في شرحه على البخاري (٣/ ٤٩٩): «فالمعنى: أنه ﷺ أراد أن يؤديها عنه براً به، لقوله في الحديث: «أما علمت أن عم الرجل صنو أبيه»».
وقال أيضاً: «وقد احتج من جعل الصدقة في حديث العباس صدقة الفريضة بهذا الحديث، فأجاز تعجيل الزكاة قبل محلها».
وقال البيهقي في السنن (٤/ ١١١ - ١١٢): «وحملوه [يعني: رواية شعيب ومن معه] على أنه ﷺ كان أخر عنه الصدقة عامين من حاجة بالعباس إليها، والذي رواه ورقاء على أنه كان تسلف منه صدقة عامين، وفي ذلك دليل على جواز تعجيل الصدقة، فأما الذي رواه شعيب بن أبي حمزة: فإنه يبعد من أن يكون محفوظاً؛ لأن العباس كان رجلاً من صليبة بني هاشم تحرم عليه الصدقة، فكيف يجعل رسول الله ﷺ ما عليه من صدقة عامين صدقة عليه؟ ورواه موسى بن عقبة عن أبي الزناد فقال في الحديث: «فهي له ومثلها معها»، وقد يقال: له بمعنى: عليه، فروايته محمولة على سائر الروايات، وقد يكون المراد بقوله: «فهي عليه» أي: على النبي ﷺ ؛ ليكون موافقاً لرواية ورقاء، ورواية ورقاء أولى بالصحة لموافقتها ما تقدم من الروايات الصريحة بالاستسلاف والتعجيل، والله أعلم».
وقال في المعرفة عن رواية ورقاء: «واختلف على أبي الزناد في لفظه، وهذا الذي صححه مسلم أشبه بما رويناه، فهو أولى».
وقال ابن دقيق العيد في إحكام الأحكام (١/ ٣٨٣): «قوله ﵇: فهي علي ومثلها» فيه وجهان:
стр. 9342
أحدهما: أن يكون هذا اللفظ صيغة إنشاء لالتزام ما لزم العباس، ويرجحه قوله: «إنّ عم الرجل صنو أبيه»، فإن في هذه اللفظة إشعاراً بما ذكرناه، فإن كونه صنو الأب: يناسب تحمل ما عليه.
الثاني: أن يكون إخباراً عن أمر وقع ومضى، وهو تسلف صدقة عامين من العباس، وقد روي في ذلك حديث منصوص: «إنّا تعجلنا منه صدقة عامين» [واستظهر الفاكهاني في رياض الأفهام (٣/ ٣٣٣) الوجه الأول؛ لأجل مناسبة القرينة النصية].
• وقد جمع بعضهم في تأويله ثمانية أوجه:
أحدها: أني تسلفت منه صدقة عامين فصار ديناً عليّ، ثانيها: أن معناه: أنا أؤديها عنه، وقد أوجبناها عليه وضمنّاها له وتركناها عليه ديناً، ثالثها: تسلف منه النبيّ ﷺ مالاً لما احتاج إليه في السبيل، فقاصه بها عند الحول، رابعها: أنه ﷺ قبض منه صدقة العام الذي شكاه فيه العامل وتعجّل عليه صدقة عام ثان، خامسها: تحمل عنه الصدقة وأداها عنه لسنتين، ولذلك قال: «إن عم الرجل صنو أبيه»، سادسها: تبرع بزيادة على ما وجب على العباس إكراماً له، سابعها: أخّرها عنه عامين لحاجة كانت بالعباس إليها، وللإمام تأخير ذلك إذا أداه اجتهاده إليه، ثامنها: أنه عزره بتضعيف الصدقة عليه، وهذا أضعف الأقوال.
• وأشبه الأقوال عندي: أنه ﷺ كان تسلف منه صدقة عامين، لمجيء ذلك من وجه آخر، وإن كان فيه ضعف، لكنه يصلح للاستشهاد به على توجيه معنى هذا الحديث، فقد روى منصور، عن الحكم بن عتيبة، عن الحسن بن مسلم المكي، قال: بعث رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب على الصدقات، قال: فأتى على العباس فسأله صدقة ماله، قال: فتجهمه العباس، وكان بينهما كلام، قال: فانطلق عمر إلى رسول الله ﷺ فشكا العباس إليه، قال: فقال له رسول الله ﷺ : «أما علمت يا عمر أن عم الرجل صنو أبيه؟ إنا كنا تعجلنا صدقة مال العباس العام عام أول» [سيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى في باب تعجيل الزكاة، الحديث رقم (١٦٢٣)] [وانظر: مسائل ابن هانئ (٥٥٢)]، والله أعلم.
• كذلك فإن رواية ورقاء التي أخرجها مسلم، وبما اشتملت عليه من زيادة في آخرها: رواية محفوظة، بل ويحمل لفظ رواية شعيب عليها، فقد سأل عبد الرحمن بن أبي حاتم أبا زرعة الرازي: عن ابن أبي الزناد، وورقاء، وشعيب بن أبي حمزة، والمغيرة بن عبد الرحمن المديني، كلهم عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ؛ من أحب إليك منهم؟ قال: ورقاء أحب إليَّ من كلهم. قلت: بعده من أحب إليك؟ قال: المغيرة أحب إليَّ من ابن أبي الزناد وشعيب، قلت: فابن أبي الزناد وشعيب؟ قال: شعيب أشبه حديثاً وأصح منه [الجرح والتعديل (٢/¬٢٦) و (٥/ ٢٥٢) و (٩/ ٥١)].
وانظر أيضاً: أعلام الحديث للخطابي (٢/ ٧٩٦)، ومعالم السنن (٢/ ٥٤)، ورياض الأفهام (٣/ ٣٣٢)، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٥/ ٨٧ - ٩١).
стр. 9343
وقد احتج جماعة من المحدثين بهذا الحديث على تعجيل الصدقة قبل الحول، منهم: ابن خزيمة، والدارقطني، والبيهقي.
وسيأتي في موضعه من السنن إن شاء الله تعالى تخريج طرق هذا الطرف، في شأن العباس، وقصة صدقته، وأنه كان تعجل صدقة عامين، والله أعلم.
• قال ابن الملقن في الإعلام (٥/ ٨٤) في تفسير الأعتد: «هي الأعتاد، جمع قلة لعتد، بفتح العين والتاء، وهو الفرس الصلب. وقيل: المعد للركوب. وقيل: السريع الوثب.
وقال الهروي والخطابي: هو ما أعده الرجل من سلاح وآلة ومركوب للجهاد، وبه جزم الشيخ تقي الدين، وعزاه النووي إلى أهل اللغة ولم يذكر غيره، وما قدمناه أولاً من أنه الفرس، ثم حكينا الخلاف بعده، هو ما ذكره القرطبي».
المسألة الثانية، وهي موضع الشاهد لإيراد هذا الحديث في الاحتجاج به على زكاة عروض التجارة، وهي قصة خالد بن الوليد:
• اعتمد ابن خزيمة رواية: أعبده، وترجم لها بقوله: «باب احتساب ما قد حبس المؤمن السلاح والعبد في سبيل الله من الصدقة إذا وجبت، فهذه المسألة أيضاً من باب تقديم الصدقة قبل وجوبها»، قال ابن خزيمة: في خبر أبي هريرة: «فأما خالد فإنكم تظلمون خالداً، قد احتبس أدراعه وأعبده في سبيل الله، والنبي ﷺ قد أجاز لخالد بن الوليد أن يحتسب ما قد حبس من الأدراع والأعبد في سبيل الله، من الصدقة التي أمر بقبضها» [صحيح ابن خزيمة (٤/¬٥٠)].
وقال ابن حبان: «قوله ﷺ : «وأما خالد: فإنكم تظلمون خالداً، قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله»، يريد: إنكم تظلمونه أنه حبس ماله من الأدراع والأعتاد؛ حتى لم يبق له مال تجب عليه الصدقة».
وقد علقه البخاري في باب العرض في الزكاة، قال القاضي عياض في إكمال المعلم (٣/ ٤٧٢): «وعلى هذا يجوز إخراج القيمة في الزكاة، وقد أدخل البخاري هذا الحديث في باب أخذ العرض في الزكاة، فيدل أنه ذهب إلى هذا التأويل، ومذهب مالك والشافعي منع إخراج القيمة في الزكاة، وأبو حنيفة يجيز ذلك، وذكره البغداديون على المذهب أيضاً، وقيل: إنما طولب خالد بأثمان الأدرع والأعبد؛ إذ كانت للتجارة فأعلمهم ﵇ أنه لا زكاة فيها إذ قد حبسها، ففيه على هذا إثبات زكاة التجارة، وهو قول عامة العلماء خلافاً لبعض المتأخرين، وقد حكى ابن المنذر فيه الإجماع، وفيه على الجملة دليل على جواز التحبيس، وهو قول كافة العلماء، خلافاً للكوفيين في إبطاله، … ، وذكر بعضهم أن النبي ﷺ خص خالداً بما وجب عليه من الصدقة بما حبسه، وهذا على من جعل هذه الصدقة صدقة تطوع».
قال الخطابي في أعلام الحديث (٢/ ٧٩٥): قوله: «إنكم تظلمون خالداً، قد احتبس أدراعه وأعبده في سبيل الله»؛ يتأوَّل على وجوه:
стр. 9344
أحدها: أنه قد اعتذر لخالد، ودافع عنه، يقول: إذا كان خالد قد احتبس أدراعه وأعبده في سبيل الله تبرُّراً، وتقرباً إليه، وذلك غير واجب عليه، فكيف يجوز عليه منع الصدقة الواجبة عليه؟
والوجه الثاني: أن خالداً إنما طولب بالزكاة عن أثمان الأدرع والأعبد، على معنى أنها كانت عنده للتجارة، فأخبر النبي ﷺ أنه لا زكاة عليه فيها؛ إذ قد جعلها حبساً في سبيل الله.
وفي ذلك: إثبات الزكاة في الأموال التي ترصد للتجارة، وقد أوجبها عامة الفقهاء، غير أن بعض المتأخرين خالف في ذلك وهو كالشذوذ منه [وقال في المعالم (٢/ ٥٣) بعبارة أخرى: «وهو كالإجماع من أهل العلم، وزعم بعض المتأخرين من أهل الظاهر أنه لا زكاة فيها وهو مسبوق بالإجماع»].
والوجه الثالث: قد أجاز لخالد أن يحتسب بما قد احتبسه من الأدراع والأعبد في سبيل الله من الصدقة التي أمر بقبضها منه، وذلك لأن أحد أصناف المستحقين للصدقات في سبيل الله هم المجاهدون، فصرفها في الحال إليهم كصرفها في المال.
وفيه على هذا الوجه: دليل على جواز أخذ القيمة عن أعيان الأموال، ووضع الصدقة في صنف واحد من الأصناف.
وقال القدوري في التجريد (٨/ ٣٧٩١): «الجواب: أنه حبسها بمعنى: جعلها للاستعمال في سبيل الله، ولم يعدها للتجارة؛ فلم تجب عليه زكاة، ألا ترى أنه أضافها إليه، وهذا يدل أنها على ملكه؟ ولو كان الوقف لزم فيها لم تكن على ملكه».
وأما ابن حزم فقد تبع في مذهبه داود الظاهري في إنكار وجوب زكاة عروض التجارة، فقال في المحلى (٤/¬٤٤): «قالوا: فدل هذا على أن الزكاة طلبت منه في دروعه وأعبده؛ ولا زكاة فيها إلا أن تكون لتجارة. وليس في الخبر لا نص ولا دليل ولا إشارة على شيء مما ادعوه، وإنما فيه أنهم ظلموا خالداً إذ نسبوا إليه منع الزكاة، وهو قد احتبس أدراعه وأعبده في سبيل الله فقط، صدق ﵇، إذ من المحال أن يكون رجل عاقل ذو دين ينفق النفقة العظيمة في التطوع، ثم يمنع اليسير في الزكاة المفروضة؛ هذا حكم الحديث، وأما إعمال الظن الكاذب على رسول الله ﷺ فباطل» [قلت: وقول الظاهرية شاذ، قال الخطابي في الأعلام: «وفي ذلك: إثبات الزكاة في الأموال التي ترصد للتجارة، وقد أوجبها عامة الفقهاء، غير أن بعض المتأخرين خالف في ذلك وهو كالشذوذ منه»، وقال في المعالم بعبارة أخرى: «وهو كالإجماع من أهل العلم، وزعم بعض المتأخرين من أهل الظاهر أنه لا زكاة فيها وهو مسبوق بالإجماع»].
وذكر البيهقي في الخلافيات (٤/ ٣٣٦) عدة تأويلات، وختمها بقوله: «أو: كأنه طلب زكاة التجارة»، قلت: وهو الأشبه؛ لما سيأتي.
وقال البغوي: قوله: «وأعتده» يروى بالتاء، والأعتد: جمع العتاد، وكذلك الأعتاد، وهو ما أعده الرجل من السلاح والدواب والآلة للحرب.
стр. 9345
ثم له تأويلان، أحدهما: أن هذه الآلات كانت عنده للتجارة، فطلبوا منه زكاة التجارة، فأخبر النبي ﷺ أنه قد جعلها حبساً في سبيل الله، فلا زكاة عليه فيها.
وفيه دليل على وجوب زكاة التجارة، وجواز وقف المنقول.
والتأويل الثاني: أنه اعتذر لخالد، يقول: إن خالداً لما حبس أدراعه تبرعاً، وهو غير واجب عليه، فكيف يظن به أنه يمنع الزكاة الواجبة عليه؟
وقيل في تأويله: إنه احتسب له ما حبسه بما عليه من الصدقة؛ لأن أحد أصناف المستحقين للصدقة هم المجاهدون».
وقال أبو المعالي الجويني في نهاية المطلب (٣/ ١٧٣): «أما قوله: فإنه حبس أفراسه؛ أشبه المعاني: أن عمر كان يطلب منه زكاة التجارة في أفراسه وغيرها، فأوضح رسول الله ﷺ أنه حبسها في سبيل الله».
وقال ابن الجوزي في كشف المشكل (٣/ ٥١٧): «فيه أربعة أقوال: أحدها: أنه اعتذر لخالد، فكأنه يقول: من تبرع بما لا يجب من الوقف كيف يبخل بالواجب عليه؟ والثاني: أن يكون خالد طولب بالزكاة عن أثمان الدروع والأعبد لكونها من مال التجارة، فأخبر النبي ﷺ أنه لا زكاة عليه؛ لأن المزكى قد خرج عن يده. والثالث: أن يكون خالد قد تصدق بتلك الدروع والأعبد على المجاهدين، على وجه القيمة في الزكاة فحسبها له. والرابع: أن لفظ هذا الحديث الأول: أمر رسول الله ﷺ بصدقة، وظاهر هذا يدل على أنها تطوع، فلذلك عذره».
وقال ابن دقيق العيد في إحكام الأحكام (١/ ٣٨٢): «فقيل في جوابه: يجوز أن يكون ﵇ أجاز لخالد أن يحتسب ما حبسه من ذلك فيما يجب عليه من الزكاة؛ لأنه في سبيل الله، حكاه القاضي، … ، قال: وعلى هذا يجوز إخراج القيم في الزكاة، وقد أدخل البخاري هذا الحديث في باب أخذ العرض في الزكاة، فيدل أنه ذهب إلى هذا التأويل، وأقول: هذا لا يزيل الإشكال؛ لأن ما حبس على جهة معينة تعين صرفه إليها، واستحقه أهل تلك الجهة مضافاً إلى جهة الحبس، فإن كان قد طلب من خالد زكاة ما حبسه، فكيف يمكن من ذلك مع تعين ما حبسه لمصرفه؟ وإن كان قد طلب منه زكاة المال الذي لم يحبسه من العين والحرث والماشية، فكيف يحاسب بما وجب عليه في ذلك، وقد تعين صرف ذلك المحبس إلى جهته؟ [قال الفاكهاني في رياض الأفهام (٣/ ٣٢٩) تعقيباً على هذا الاعتراض: «وهذا إيراد صحيح، لا ينازع فيه منصف»؛ إلا أنه في الأخير رجح تأويل القاضي عياض].
وأما الاستدلال بذلك على أن صرف الزكاة إلى صنف من الثمانية جائز، وأن أخذ القيم جائز: فضعيف جداً؛ لأنه لو أمكن توجيه ما قيل في ذلك؛ لكان الإجزاء في المسألتين مأخوذاً على تقدير ذلك التأويل، وما ثبت على تقدير لا يلزم أن يكون واقعاً، إلا إذا ثبت وقوع ذلك التقدير، ولم يثبت ذلك بوجه، ولم يبين قائل هذه المقالة وفي الإعلام: ولم
стр. 9346
يتبين بهذه المقالة] إلا مجرد الجواز، والجواز لا يدل على الوقوع، إلا أن يريد القاضي: أنه حجة لمالك وأبي حنيفة على التقدير، فقريب، إلا أنه يجب التنبيه؛ لأنه لا يفيد الحكم في نفس الأمر، وأنا أقول: يحتمل أن يكون تحبيس خالد لأدراعه وأعتاده في سبيل الله: إرصاده إياه لذلك، وعدم تصرفه بها في غير ذلك، وهذا النوع حبس، وإن لم يكن تحبيساً، ولا يبعد أن يراد مثل ذلك بهذا اللفظ، ويكون قوله: «إنكم تظلمون خالداً» مصروفاً إلى قولهم: منع خالد؛ أي: تظلمونه في نسبته إلى منع الواجب، مع كونه صرف ماله في سبيل الله، ويكون المعنى: أنه لم يقصد منع الواجب، ويحمل منعه على غير ذلك.
السادس: أخذ بعضهم من هذا: وجوب زكاة التجارة، وأن خالداً طولب بأثمان الأدرع والأعتد، قالوا: ولا زكاة في هذه الأشياء، إلا أن تكون للتجارة، وقد استضعف هذا الاستدلال، من حيث إنه استدلال بأمر محتمل، غير متعين لما ادعي.
السابع: من قال بأن هذه الصدقة كانت تطوعاً ارتفع عنه هذا الإشكال، ويكون النبي ﷺ اكتفى بما حبسه خالد على هذه الجهات، عن أخذ شيء آخر من صدقة التطوع، ويكون من طلب منه شيئاً آخر - مع ما حبسه من ماله وأعتاده في سبيل الله - ظالماً له في مجرى العادة، وعلى سبيل التوسع في إطلاق اسم الظلم».
قلت: قد استظهر في أول بحثه أن ذلك كان في الصدقة الواجبة، حيث قال: «قوله: بعث عمر على الصدقة؛ الأظهر: أن المراد: على الصدقة الواجبة، وذكر بعضهم: أن تكون التطوع، احتمالاً أو قولاً، وإنما كان الظاهر أنها الواجبة لأنها المعهودة، فتصرف الألف واللام إليها، ولأن البعث إنما يكون على الصدقات المفروضة».
قلت: الأقرب من هذه الأقوال: قول من قال بأن خالداً طولب بأثمان الأدرع والأعتد، وذلك لأن خالداً إنما كان يغنم من حروبه، وقد جرت العادة أن السلب يكون من آلات الحرب والخيل ونحو ذلك مما يكون مع القتيل من الفرسان والرجالة، وقد اجتمع لخالد من هذا الشيء الكثير [انظر في ترجمة خالد: تاريخ الطبري (٤/ ٦٨)، وتاريخ دمشق (١٦/ ٢٦٦)، والكامل لابن الأثير (٢/ ٣٦٠)، والسير (١/ ٣٨٠)]؛ فلا يستبعد أنه كان يتجر بها، فلما ذهب عمر يطالبه بزكاة ما يتجر به، امتنع خالد، وذلك لكونه أرصد ذلك للجهاد، أو أوقفه في سبيل الله قبل مطالبة عمر له بالزكاة، فأعذره النبي ﷺ ، وبهذا يظهر قوة هذا القول، وأنه أقوى الاحتمالات المذكورة، وعليه فإنه يستأنس بهذا الحديث في جملة ما يستدل به على زكاة عروض التجارة، والله أعلم.
وانظر أيضاً: شرح مسلم للنووي (٧/ ٥٦)، والعدة شرح العمدة لابن العطار (٢/ ٨١٨)، ورياض الأفهام للفاكهاني (٣/ ٣٢٨)، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٥/ ٧٨).
لكن يبقى أن يقال بأن هذا الحديث مجمل، وليست دلالته نصية ولا ظاهرة في الدلالة على المراد؛ لا سيما ولم يستدل به أحد من كبار الحفاظ والنقاد والفقهاء على وجوب زكاة عروض التجارة، فإن الإمام أحمد لما سئل عن عروض التجارة والزكاة فيها؛
стр. 9347
استدل بقصة حماس مع عمر، واستدل أيضاً بأثر ابن عمر، ولم يجد شيئاً يحتج به أعلى من ذلك [انظر: مسائل ابنه صالح (٩٤٨)، ومسائل ابنه عبد الله (٦٠٩/ ٦١٢)]، كذلك فإن مالكاً، والشافعي، وعبد الرزاق، وأبا عبيد وابن أبي شيبة، وأبا داود، وابن زنجويه، والطحاوي، وغيرهم ممن جمع الآثار الواردة في زكاة عروض التجارة، لم يحتج واحد منهم بحديث أبي هريرة هذا في قصة خالد بن الوليد، مما يدل على عدم انتهاض دلالته للحكم بها على المعنى المذكور، وأنه حديث مجمل الدلالة، قال ابن حزم: «وليس في الخبر: لا نص، ولا دليل، ولا إشارة؛ على شيء مما ادعوه»، وقال ابن دقيق العيد: «إنه استدلال بأمر محتمل، غير متعين لما ادعي»، وأغلب من خرج هذا الحديث في كتاب الزكاة إنما احتج به على تعجيل الزكاة في قصة العباس، أو على إخراج القيمة في قصة خالد، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
٥ - أثر عمر بن الخطاب:
أ - روى سفيان بن عيينة، وعبد الله بن نمير، وعبدة بن سليمان، ويحيى بن سعيد القطان، ويزيد بن هارون، وجعفر بن عون، وأبو معاوية محمد بن خازم الضرير [وهم سبعة من الثقات، أكثرهم حفاظ أثبات]:
عن يحيى بن سعيد [الأنصاري: ثقة ثبت، يساوي بالزهري]، عن عبد الله بن أبي سلمة [الماجشون: مدني، ثقة، من الطبقة الثالثة، روى له مسلم]، عن أبي عمرو بن حماس؛ أن أباه قال: مررتُ بعمر بن الخطاب ﵁، وعلى عنقي آدمة أحملها، فقال عمر: ألا تؤدي زكاتك يا حماس؟ فقلت: يا أمير المؤمنين ما لي غير هذه التي على ظهري، وآهِبةٌ في القَرَظ، فقال: ذاك مال، فضع، قال: فوضعتها بين يديه فحسبها، فوجدت قد وجبت فيها الزكاة، فأخذ منها الزكاة. لفظ ابن عيينة.
ولفظ جعفر بن عون: كان حماس يبيع الأدم والجعاب، فقال له عمر ﵁: أد زكاة مالك، فقال: إنما مالي جعاب وآدم، فقال: قومه، وأد زكاته.
ولفظ ابن نمير [عند ابن أبي شيبة]، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن أبي سلمة؛ أن أبا عمرو بن حماس أخبره أن أباه حماساً كان يبيع الأدم والجعاب، وأن عمر قال له: يا حماس أد زكاة مالك، فقال: والله ما لي مالٌ إنما أبيع الأدم والجعاب، فقال: قومه، وأد زكاته.
ولفظ يزيد بن هارون [عند ابن زنجويه]: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن أبي سلمة؛ أن أبا عمرو بن حماس أخبره أن حماساً قال: مر بي عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا حماس أد زكاة مالك، فقلت: ما لي من مالٍ، إنما أبيع الجعاب والأدم، فقال: أقمها، ثم أد زكاتها.
وقد استفدنا من هاتين الروايتين اتصال إسناده، وثبوت سماع الماجشون من أبي عمرو.
стр. 9348
أخرجه الشافعي في الأم (٢/¬٤٩)، وفي المسند (٩٧)، ومسدد في مسنده (٥/ ٥٥٥/ ٩١٨ - مطالب)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في الأموال (١١٧٩)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٠٦/ ١٠٤٥٦ و ١٠٤٥٧) (٦/ ٣١٦/ ١٠٧٥١ - ط الشثري) و (٦/ ٣١٧/ ١٠٧٥٢ - ط الشثري)، وأحمد في مسائل ابنه عبد الله (٦١١)، وابن زنجويه في الأموال (١٦٨٧)، والحسن بن علي بن عفان في الأمالي والقراءة (٣٤)، والطحاوي في أحكام القرآن (٥٦٢)، والبيهقي في السنن (٤/ ١٤٧)، وفي المعرفة (٦/ ١٤٨/ ٨٣١٢)، وفي الخلافيات (٤/ ٣٨٥/ ٣٣٤٥)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٦/ ٥١/ ١٥٨٤).
• خالفهم حماد بن زيد؛ فلم يضبط إسناده، وتردد فيه:
رواه حماد بن زيد [ثقة ثبت]: ثنا يحيى بن سعيد، عن أبي عمرو بن حماس، أو: عن عبد الله بن أبي سلمة، عن أبي عمرو بن حماس، عن أبيه، قال: كنت أبيع الأدم والجعاب فمر بي عمر بن الخطاب، فقال لي: أدّ صدقة مالك، فقلت: يا أمير المؤمنين إنما هو في الأدم، قال: قوّمه، ثم أخرج صدقته.
أخرجه الدارقطني (٣/¬٣٥/¬٢٠١٨). [الإتحاف (١٢/ ١٣٨/ ١٥٢٥٦)].
قال الدارقطني: «كلهم ثقات» [الإتحاف (١٢/ ١٣٨/ ١٥٢٥٦)].
قلت: من حفظ وضبط الإسناد: أولى ممن لم يضبطه، وتردد فيه.
• خالفهم فقصر بإسناده، وأسقط عبد الله بن أبي سلمة الماجشون من الإسناد:
رواه ابن وهب [ثقة حافظ]، قال: أخبرني عمرو بن الحارث [ثقة ثبت]، والليث بن سعد [ثقة ثبت، إمام فقيه]، عن يحيى بن سعيد، عن أبي عمرو بن حماس، عن أبيه حماس، أنه كان يبيع الجلود والقرون، فإذا فرغ منها اشترى مثلها، فلا يجتمع عنده أبداً ما تجب فيه الزكاة، فمر به عمر بن الخطاب وعليه جلود يحملها للبيع، فقال له: زك مالك يا حماس، فقال: ما عندي شيء تجب فيه الزكاة، فقال: قوم ما عندك فأد زكاته.
أخرجه سحنون في المدونة (١/ ٣١٢)، والطحاوي في أحكام القرآن (٥٦٣).
قلت: الصواب مع الجماعة، حيث زادوا رجلاً في الإسناد، فإنها زيادة من جماعة من الحفاظ، تعددت بلدانهم، وهي مقبولة بلا شك.
• وممن وهم فيه أيضاً؛ فلم يضبط إسناده، ولا حفظ أسماء رجاله:
رواه عبد الرزاق في مصنفه (٤/ ٩٦/ ٧٠٩٩) (٤/ ٤٠١/ ٧٣٢٣ - ط التأصيل)، عن الثوري، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الملك بن أبي سلمة، عن حماس، قال: مر عليّ عمر، فقال: أد زكاة مالك، قال: فقلت: ما لي مال أزكيه إلا في الخفاف والأدم، قال: فقوّمه، وأدّ زكاته.
قلت: الوهم فيه من عبد الرزاق، فجعل عبد الله بن أبي سلمة: عبد الملك، وأسقط أبا عمرو بن حماس من الإسناد، ومداره عليه.
ولعله من سماع عبد الرزاق بمكة، فقد قال أحمد: سماع عبد الرزاق بمكة من
стр. 9349
سفيان: مضطرب جداً … ، وأما سماعه باليمن: فأحاديث صحاح» [شرح العلل (٢/ ٧٧٠)].
وإسحاق بن إبراهيم الدّبَري: راوي مصنف عبد الرزاق: صدوق؛ إلا أن سماعه من عبد الرزاق متأخر جداً، وقد سمع منه بعدما عمي، وروى عن عبد الرزاق أحاديث منكرة، وكان يصحف ويحرف؛ فقد تكون التبعة عليه [انظر: شرح العلل (٢/ ٧٥٤)، واللسان (٢/¬٣٦)]
• ورواه سفيان بن عيينة [ثقة ثبت، حافظ]، وبكر بن مضر [ثقة ثبت]:
ثنا ابن عجلان [مدني، ثقة، مكثر عن أبي الزناد]، عن أبي الزناد [عبد الله بن ذكوان: مدني، ثقة فقيه، من الخامسة، روى له الجماعة]، عن أبي عمرو بن حماس، عن أبيه، عن عمر مثل ذلك.
أخرجه الشافعي في الأم (٢/¬٤٩)، وفي المسند (٩٧)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في الأموال (١١٨٠)، والبيهقي في السنن (٤/ ١٤٧)، وفي المعرفة (٦/ ١٤٩/ ٨٣١٣)، وفي الخلافيات (٤/ ٣٨٦/ ٣٣٤٦).
• ورواه سعيد بن منصور [ثقة ثبت، حافظ]، قال: أخبرنا عبد الرحمان بن أبي الزناد، عن أبيه، قال: أخبرني أبو عمرو بن حماس؛ أن أباه حماساً أخبره؛ أن عمر بن الخطاب مر به ومعه أدم وأهب يتجر بهما، فأقامها، ثم أخذ صدقتها من قبل أن تباع.
أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ١٣١).
قال ابن حزم في المحلى (٤/¬٤١): «حديث عمر: لا يصح؛ لأنه عن أبي عمرو بن حماس عن أبيه، وهما مجهولان.
روينا من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: ثنا عارم بن الفضل، قال: سمعت أبا الأسود - هو: حميد بن الأسود -، يقول: ذكرت لمالك بن أنس حديث ابن حماس في المتاع يزكى، عن يحيى بن سعيد، فقال مالك: يحيى قماش، معناه: أنه يجمع القماش، وهو الكناسة: أي: يروي عمن لا قدر له ولا يستحق».
قلت: يحيى بن سعيد الأنصاري: ثقة ثبت إمام، وهو من هو في الإمامة والعلم والتثبت حتى كان يوازى بالزهري، قال أبو حاتم: «يحيى بن سعيد يوازى بالزهري»، بل قال الثوري: «كان أجل عند أهل المدينة من الزهري»، وقال أيضاً: «من حفاظ الناس»، وعده ابن عيينة في محدثي الحجاز الذين يجيئون بالحديث على وجهه، وقد أثنى عليه الناس، واجتمع النقاد على توثيقه والثناء عليه [الجرح والتعديل (٩/ ١٤٧)، والتهذيب (٤/ ٣٦٠)]؛ فلا أظن ما نقله ابن حزم يثبت عن مالك، وهو ممن أثنى على يحيى بن سعيد، ولم ينفرد به يحيى، بل تابعه عليه أبو الزناد.
قال ابن قدامة في المغني (٣/ ٥٨): «وهذه قصة يشتهر مثلها ولم تنكر، فيكون إجماعاً».
стр. 9350
قلت: حماس بن عمرو والد أبي عمرو بن حماس الليثي [حماس: بكسر المهملة، وتخفيف الميم، وآخره مهملة]: وقعت له هذه الواقعة مع عمر بن الخطاب، ثم حكاها لابنه، فلا يطلب في مثله - وهو من العصر المشهود له بالخيرية - سوى أن يكون مشمولاً باسم العدالة والسلامة من خوارم المروءة؛ لكي نقبل روايته في مثل هذه الطبقة من كبار التابعين، الداخلين في عموم التعديل النبوي الكريم: حيث قال ﷺ : «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» [البخاري (٢٦٥٢)، ومسلم (٢٥٣٣)]؛ لا سيما ولم ينقل أن أحداً جرحه بقادح، قال فيه ابن سعد في الطبقات (٥/ ٦٢): حماس الليثي: من بني كنانة، وهو أبو أبي عمرو بن حماس، من أنفسهم، وله دار بالمدينة، وقد روى عن عمر بن الخطاب، وكان شيخاً قليل الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات، ووثقه الدارقطني في إسناد هذا الحديث؛ ثم إنه لم ينفرد برواية أخذ عمر الزكاة من عروض التجارة، بل توبع على ذلك؛ كما سيأتي بيانه في الطريق الآتية [التاريخ الكبير (٣/ ١٣٠)، والجرح والتعديل (٣/ ٣١٤)، والثقات (٤/ ١٩٣)، والاستيعاب (٥٨٦)، والإصابة (٢/ ١٣١)، والثقات لابن قطلوبغا (٤/¬٢٠)].
وابنه أبو عمرو بن حماس، قال ابن سعد: «مولى بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة»، وكان صاحب عبادة واجتهاد، روى عنه ثلاثة من ثقات أهل المدينة: عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، وأبو الزناد، ومحمد بن عمرو بن علقمة الليثي، اثنان منهم من التابعين، مما يدل على أنه من طبقة التابعين، وقد روى عنه غيرهم، ووثقه الدارقطني في إسناد هذا الحديث، وقال عنه في العلل: «معروف» [الطبقات الكبرى (٥٨ - القسم المتمم للتابعين) (٥/ ٣٤٤)، وطبقات خليفة (١٨٠ و ٢١٧٣ و ٢٣٣٥)، والجرح والتعديل (٩/ ٤١٠)، وإكمال ابن ماكولا (٢/ ٥٠٠)، والميزان (٤/ ٥٥٧)، والتهذيب (٢/ ١٥٦) و (٤/ ٥٦١)] [وانظر للفائدة: المعجم الأوسط للطبراني (٣/ ٢٣٥/ ٣٠١٨)، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (٤/ ٢٠٤٠) و (٥/ ٢٩٦١)، والإصابة (٥/ ٢٢٢) و (٧/ ٢٥٧)].
تنبيه: وقع في التهذيب أن أبا حاتم قال فيه: «مجهول»، ولم أقف عليه لأبي حاتم، إنما هو قول ابن حزم، كما تقدم، ولا عبرة به.
وعليه: فحديثهما هذا حديث صحيح، وقد رواه عنهما ثقات أهل المدينة، لا سيما وله ما يشهد له في زكاة عروض التجارة، والله أعلم.
وهذا الأثر من أقوى النصوص الدالة على وجوب إخراج الزكاة في عروض التجارة، وقد احتج به أحمد:
قال ابنه صالح في مسائله (٩٤٨): «قلت: الفائدة من المال يضم بعضها إلى بعض؟ قال: لا يُضم بعضها إلى بعض، ما كان من ميراث أو صدقة أو هبة أو عطاء فلا يزكى حتى يحول عليه الحول؛ إلا أن يكون تاجر قد زكى ماله ثم ربح فإنه يزكي الربح مع ماله، وذلك لقول عمر؛ إذ مر على صاحب الجعاب والأدم، فقال: قَوَّم وزك، وذلك لأن نماءها منها، وكذلك في الإبل والبقر والغنم إذا توالدت؛ فإنه يزكيها صغارها وكبارها».
следующие страницы →