Полный текст (16 465 стр.). Показаны 9346–9385 · переход к 9351.
стр. 9346
يتبين بهذه المقالة] إلا مجرد الجواز، والجواز لا يدل على الوقوع، إلا أن يريد القاضي: أنه حجة لمالك وأبي حنيفة على التقدير، فقريب، إلا أنه يجب التنبيه؛ لأنه لا يفيد الحكم في نفس الأمر، وأنا أقول: يحتمل أن يكون تحبيس خالد لأدراعه وأعتاده في سبيل الله: إرصاده إياه لذلك، وعدم تصرفه بها في غير ذلك، وهذا النوع حبس، وإن لم يكن تحبيساً، ولا يبعد أن يراد مثل ذلك بهذا اللفظ، ويكون قوله: «إنكم تظلمون خالداً» مصروفاً إلى قولهم: منع خالد؛ أي: تظلمونه في نسبته إلى منع الواجب، مع كونه صرف ماله في سبيل الله، ويكون المعنى: أنه لم يقصد منع الواجب، ويحمل منعه على غير ذلك.
السادس: أخذ بعضهم من هذا: وجوب زكاة التجارة، وأن خالداً طولب بأثمان الأدرع والأعتد، قالوا: ولا زكاة في هذه الأشياء، إلا أن تكون للتجارة، وقد استضعف هذا الاستدلال، من حيث إنه استدلال بأمر محتمل، غير متعين لما ادعي.
السابع: من قال بأن هذه الصدقة كانت تطوعاً ارتفع عنه هذا الإشكال، ويكون النبي ﷺ اكتفى بما حبسه خالد على هذه الجهات، عن أخذ شيء آخر من صدقة التطوع، ويكون من طلب منه شيئاً آخر - مع ما حبسه من ماله وأعتاده في سبيل الله - ظالماً له في مجرى العادة، وعلى سبيل التوسع في إطلاق اسم الظلم».
قلت: قد استظهر في أول بحثه أن ذلك كان في الصدقة الواجبة، حيث قال: «قوله: بعث عمر على الصدقة؛ الأظهر: أن المراد: على الصدقة الواجبة، وذكر بعضهم: أن تكون التطوع، احتمالاً أو قولاً، وإنما كان الظاهر أنها الواجبة لأنها المعهودة، فتصرف الألف واللام إليها، ولأن البعث إنما يكون على الصدقات المفروضة».
قلت: الأقرب من هذه الأقوال: قول من قال بأن خالداً طولب بأثمان الأدرع والأعتد، وذلك لأن خالداً إنما كان يغنم من حروبه، وقد جرت العادة أن السلب يكون من آلات الحرب والخيل ونحو ذلك مما يكون مع القتيل من الفرسان والرجالة، وقد اجتمع لخالد من هذا الشيء الكثير [انظر في ترجمة خالد: تاريخ الطبري (٤/ ٦٨)، وتاريخ دمشق (١٦/ ٢٦٦)، والكامل لابن الأثير (٢/ ٣٦٠)، والسير (١/ ٣٨٠)]؛ فلا يستبعد أنه كان يتجر بها، فلما ذهب عمر يطالبه بزكاة ما يتجر به، امتنع خالد، وذلك لكونه أرصد ذلك للجهاد، أو أوقفه في سبيل الله قبل مطالبة عمر له بالزكاة، فأعذره النبي ﷺ ، وبهذا يظهر قوة هذا القول، وأنه أقوى الاحتمالات المذكورة، وعليه فإنه يستأنس بهذا الحديث في جملة ما يستدل به على زكاة عروض التجارة، والله أعلم.
وانظر أيضاً: شرح مسلم للنووي (٧/ ٥٦)، والعدة شرح العمدة لابن العطار (٢/ ٨١٨)، ورياض الأفهام للفاكهاني (٣/ ٣٢٨)، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٥/ ٧٨).
لكن يبقى أن يقال بأن هذا الحديث مجمل، وليست دلالته نصية ولا ظاهرة في الدلالة على المراد؛ لا سيما ولم يستدل به أحد من كبار الحفاظ والنقاد والفقهاء على وجوب زكاة عروض التجارة، فإن الإمام أحمد لما سئل عن عروض التجارة والزكاة فيها؛
стр. 9347
استدل بقصة حماس مع عمر، واستدل أيضاً بأثر ابن عمر، ولم يجد شيئاً يحتج به أعلى من ذلك [انظر: مسائل ابنه صالح (٩٤٨)، ومسائل ابنه عبد الله (٦٠٩/ ٦١٢)]، كذلك فإن مالكاً، والشافعي، وعبد الرزاق، وأبا عبيد وابن أبي شيبة، وأبا داود، وابن زنجويه، والطحاوي، وغيرهم ممن جمع الآثار الواردة في زكاة عروض التجارة، لم يحتج واحد منهم بحديث أبي هريرة هذا في قصة خالد بن الوليد، مما يدل على عدم انتهاض دلالته للحكم بها على المعنى المذكور، وأنه حديث مجمل الدلالة، قال ابن حزم: «وليس في الخبر: لا نص، ولا دليل، ولا إشارة؛ على شيء مما ادعوه»، وقال ابن دقيق العيد: «إنه استدلال بأمر محتمل، غير متعين لما ادعي»، وأغلب من خرج هذا الحديث في كتاب الزكاة إنما احتج به على تعجيل الزكاة في قصة العباس، أو على إخراج القيمة في قصة خالد، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
٥ - أثر عمر بن الخطاب:
أ - روى سفيان بن عيينة، وعبد الله بن نمير، وعبدة بن سليمان، ويحيى بن سعيد القطان، ويزيد بن هارون، وجعفر بن عون، وأبو معاوية محمد بن خازم الضرير [وهم سبعة من الثقات، أكثرهم حفاظ أثبات]:
عن يحيى بن سعيد [الأنصاري: ثقة ثبت، يساوي بالزهري]، عن عبد الله بن أبي سلمة [الماجشون: مدني، ثقة، من الطبقة الثالثة، روى له مسلم]، عن أبي عمرو بن حماس؛ أن أباه قال: مررتُ بعمر بن الخطاب ﵁، وعلى عنقي آدمة أحملها، فقال عمر: ألا تؤدي زكاتك يا حماس؟ فقلت: يا أمير المؤمنين ما لي غير هذه التي على ظهري، وآهِبةٌ في القَرَظ، فقال: ذاك مال، فضع، قال: فوضعتها بين يديه فحسبها، فوجدت قد وجبت فيها الزكاة، فأخذ منها الزكاة. لفظ ابن عيينة.
ولفظ جعفر بن عون: كان حماس يبيع الأدم والجعاب، فقال له عمر ﵁: أد زكاة مالك، فقال: إنما مالي جعاب وآدم، فقال: قومه، وأد زكاته.
ولفظ ابن نمير [عند ابن أبي شيبة]، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن أبي سلمة؛ أن أبا عمرو بن حماس أخبره أن أباه حماساً كان يبيع الأدم والجعاب، وأن عمر قال له: يا حماس أد زكاة مالك، فقال: والله ما لي مالٌ إنما أبيع الأدم والجعاب، فقال: قومه، وأد زكاته.
ولفظ يزيد بن هارون [عند ابن زنجويه]: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن أبي سلمة؛ أن أبا عمرو بن حماس أخبره أن حماساً قال: مر بي عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا حماس أد زكاة مالك، فقلت: ما لي من مالٍ، إنما أبيع الجعاب والأدم، فقال: أقمها، ثم أد زكاتها.
وقد استفدنا من هاتين الروايتين اتصال إسناده، وثبوت سماع الماجشون من أبي عمرو.
стр. 9348
أخرجه الشافعي في الأم (٢/¬٤٩)، وفي المسند (٩٧)، ومسدد في مسنده (٥/ ٥٥٥/ ٩١٨ - مطالب)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في الأموال (١١٧٩)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٠٦/ ١٠٤٥٦ و ١٠٤٥٧) (٦/ ٣١٦/ ١٠٧٥١ - ط الشثري) و (٦/ ٣١٧/ ١٠٧٥٢ - ط الشثري)، وأحمد في مسائل ابنه عبد الله (٦١١)، وابن زنجويه في الأموال (١٦٨٧)، والحسن بن علي بن عفان في الأمالي والقراءة (٣٤)، والطحاوي في أحكام القرآن (٥٦٢)، والبيهقي في السنن (٤/ ١٤٧)، وفي المعرفة (٦/ ١٤٨/ ٨٣١٢)، وفي الخلافيات (٤/ ٣٨٥/ ٣٣٤٥)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٦/ ٥١/ ١٥٨٤).
• خالفهم حماد بن زيد؛ فلم يضبط إسناده، وتردد فيه:
رواه حماد بن زيد [ثقة ثبت]: ثنا يحيى بن سعيد، عن أبي عمرو بن حماس، أو: عن عبد الله بن أبي سلمة، عن أبي عمرو بن حماس، عن أبيه، قال: كنت أبيع الأدم والجعاب فمر بي عمر بن الخطاب، فقال لي: أدّ صدقة مالك، فقلت: يا أمير المؤمنين إنما هو في الأدم، قال: قوّمه، ثم أخرج صدقته.
أخرجه الدارقطني (٣/¬٣٥/¬٢٠١٨). [الإتحاف (١٢/ ١٣٨/ ١٥٢٥٦)].
قال الدارقطني: «كلهم ثقات» [الإتحاف (١٢/ ١٣٨/ ١٥٢٥٦)].
قلت: من حفظ وضبط الإسناد: أولى ممن لم يضبطه، وتردد فيه.
• خالفهم فقصر بإسناده، وأسقط عبد الله بن أبي سلمة الماجشون من الإسناد:
رواه ابن وهب [ثقة حافظ]، قال: أخبرني عمرو بن الحارث [ثقة ثبت]، والليث بن سعد [ثقة ثبت، إمام فقيه]، عن يحيى بن سعيد، عن أبي عمرو بن حماس، عن أبيه حماس، أنه كان يبيع الجلود والقرون، فإذا فرغ منها اشترى مثلها، فلا يجتمع عنده أبداً ما تجب فيه الزكاة، فمر به عمر بن الخطاب وعليه جلود يحملها للبيع، فقال له: زك مالك يا حماس، فقال: ما عندي شيء تجب فيه الزكاة، فقال: قوم ما عندك فأد زكاته.
أخرجه سحنون في المدونة (١/ ٣١٢)، والطحاوي في أحكام القرآن (٥٦٣).
قلت: الصواب مع الجماعة، حيث زادوا رجلاً في الإسناد، فإنها زيادة من جماعة من الحفاظ، تعددت بلدانهم، وهي مقبولة بلا شك.
• وممن وهم فيه أيضاً؛ فلم يضبط إسناده، ولا حفظ أسماء رجاله:
رواه عبد الرزاق في مصنفه (٤/ ٩٦/ ٧٠٩٩) (٤/ ٤٠١/ ٧٣٢٣ - ط التأصيل)، عن الثوري، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الملك بن أبي سلمة، عن حماس، قال: مر عليّ عمر، فقال: أد زكاة مالك، قال: فقلت: ما لي مال أزكيه إلا في الخفاف والأدم، قال: فقوّمه، وأدّ زكاته.
قلت: الوهم فيه من عبد الرزاق، فجعل عبد الله بن أبي سلمة: عبد الملك، وأسقط أبا عمرو بن حماس من الإسناد، ومداره عليه.
ولعله من سماع عبد الرزاق بمكة، فقد قال أحمد: سماع عبد الرزاق بمكة من
стр. 9349
سفيان: مضطرب جداً … ، وأما سماعه باليمن: فأحاديث صحاح» [شرح العلل (٢/ ٧٧٠)].
وإسحاق بن إبراهيم الدّبَري: راوي مصنف عبد الرزاق: صدوق؛ إلا أن سماعه من عبد الرزاق متأخر جداً، وقد سمع منه بعدما عمي، وروى عن عبد الرزاق أحاديث منكرة، وكان يصحف ويحرف؛ فقد تكون التبعة عليه [انظر: شرح العلل (٢/ ٧٥٤)، واللسان (٢/¬٣٦)]
• ورواه سفيان بن عيينة [ثقة ثبت، حافظ]، وبكر بن مضر [ثقة ثبت]:
ثنا ابن عجلان [مدني، ثقة، مكثر عن أبي الزناد]، عن أبي الزناد [عبد الله بن ذكوان: مدني، ثقة فقيه، من الخامسة، روى له الجماعة]، عن أبي عمرو بن حماس، عن أبيه، عن عمر مثل ذلك.
أخرجه الشافعي في الأم (٢/¬٤٩)، وفي المسند (٩٧)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في الأموال (١١٨٠)، والبيهقي في السنن (٤/ ١٤٧)، وفي المعرفة (٦/ ١٤٩/ ٨٣١٣)، وفي الخلافيات (٤/ ٣٨٦/ ٣٣٤٦).
• ورواه سعيد بن منصور [ثقة ثبت، حافظ]، قال: أخبرنا عبد الرحمان بن أبي الزناد، عن أبيه، قال: أخبرني أبو عمرو بن حماس؛ أن أباه حماساً أخبره؛ أن عمر بن الخطاب مر به ومعه أدم وأهب يتجر بهما، فأقامها، ثم أخذ صدقتها من قبل أن تباع.
أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ١٣١).
قال ابن حزم في المحلى (٤/¬٤١): «حديث عمر: لا يصح؛ لأنه عن أبي عمرو بن حماس عن أبيه، وهما مجهولان.
روينا من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: ثنا عارم بن الفضل، قال: سمعت أبا الأسود - هو: حميد بن الأسود -، يقول: ذكرت لمالك بن أنس حديث ابن حماس في المتاع يزكى، عن يحيى بن سعيد، فقال مالك: يحيى قماش، معناه: أنه يجمع القماش، وهو الكناسة: أي: يروي عمن لا قدر له ولا يستحق».
قلت: يحيى بن سعيد الأنصاري: ثقة ثبت إمام، وهو من هو في الإمامة والعلم والتثبت حتى كان يوازى بالزهري، قال أبو حاتم: «يحيى بن سعيد يوازى بالزهري»، بل قال الثوري: «كان أجل عند أهل المدينة من الزهري»، وقال أيضاً: «من حفاظ الناس»، وعده ابن عيينة في محدثي الحجاز الذين يجيئون بالحديث على وجهه، وقد أثنى عليه الناس، واجتمع النقاد على توثيقه والثناء عليه [الجرح والتعديل (٩/ ١٤٧)، والتهذيب (٤/ ٣٦٠)]؛ فلا أظن ما نقله ابن حزم يثبت عن مالك، وهو ممن أثنى على يحيى بن سعيد، ولم ينفرد به يحيى، بل تابعه عليه أبو الزناد.
قال ابن قدامة في المغني (٣/ ٥٨): «وهذه قصة يشتهر مثلها ولم تنكر، فيكون إجماعاً».
стр. 9350
قلت: حماس بن عمرو والد أبي عمرو بن حماس الليثي [حماس: بكسر المهملة، وتخفيف الميم، وآخره مهملة]: وقعت له هذه الواقعة مع عمر بن الخطاب، ثم حكاها لابنه، فلا يطلب في مثله - وهو من العصر المشهود له بالخيرية - سوى أن يكون مشمولاً باسم العدالة والسلامة من خوارم المروءة؛ لكي نقبل روايته في مثل هذه الطبقة من كبار التابعين، الداخلين في عموم التعديل النبوي الكريم: حيث قال ﷺ : «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» [البخاري (٢٦٥٢)، ومسلم (٢٥٣٣)]؛ لا سيما ولم ينقل أن أحداً جرحه بقادح، قال فيه ابن سعد في الطبقات (٥/ ٦٢): حماس الليثي: من بني كنانة، وهو أبو أبي عمرو بن حماس، من أنفسهم، وله دار بالمدينة، وقد روى عن عمر بن الخطاب، وكان شيخاً قليل الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات، ووثقه الدارقطني في إسناد هذا الحديث؛ ثم إنه لم ينفرد برواية أخذ عمر الزكاة من عروض التجارة، بل توبع على ذلك؛ كما سيأتي بيانه في الطريق الآتية [التاريخ الكبير (٣/ ١٣٠)، والجرح والتعديل (٣/ ٣١٤)، والثقات (٤/ ١٩٣)، والاستيعاب (٥٨٦)، والإصابة (٢/ ١٣١)، والثقات لابن قطلوبغا (٤/¬٢٠)].
وابنه أبو عمرو بن حماس، قال ابن سعد: «مولى بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة»، وكان صاحب عبادة واجتهاد، روى عنه ثلاثة من ثقات أهل المدينة: عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، وأبو الزناد، ومحمد بن عمرو بن علقمة الليثي، اثنان منهم من التابعين، مما يدل على أنه من طبقة التابعين، وقد روى عنه غيرهم، ووثقه الدارقطني في إسناد هذا الحديث، وقال عنه في العلل: «معروف» [الطبقات الكبرى (٥٨ - القسم المتمم للتابعين) (٥/ ٣٤٤)، وطبقات خليفة (١٨٠ و ٢١٧٣ و ٢٣٣٥)، والجرح والتعديل (٩/ ٤١٠)، وإكمال ابن ماكولا (٢/ ٥٠٠)، والميزان (٤/ ٥٥٧)، والتهذيب (٢/ ١٥٦) و (٤/ ٥٦١)] [وانظر للفائدة: المعجم الأوسط للطبراني (٣/ ٢٣٥/ ٣٠١٨)، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (٤/ ٢٠٤٠) و (٥/ ٢٩٦١)، والإصابة (٥/ ٢٢٢) و (٧/ ٢٥٧)].
تنبيه: وقع في التهذيب أن أبا حاتم قال فيه: «مجهول»، ولم أقف عليه لأبي حاتم، إنما هو قول ابن حزم، كما تقدم، ولا عبرة به.
وعليه: فحديثهما هذا حديث صحيح، وقد رواه عنهما ثقات أهل المدينة، لا سيما وله ما يشهد له في زكاة عروض التجارة، والله أعلم.
وهذا الأثر من أقوى النصوص الدالة على وجوب إخراج الزكاة في عروض التجارة، وقد احتج به أحمد:
قال ابنه صالح في مسائله (٩٤٨): «قلت: الفائدة من المال يضم بعضها إلى بعض؟ قال: لا يُضم بعضها إلى بعض، ما كان من ميراث أو صدقة أو هبة أو عطاء فلا يزكى حتى يحول عليه الحول؛ إلا أن يكون تاجر قد زكى ماله ثم ربح فإنه يزكي الربح مع ماله، وذلك لقول عمر؛ إذ مر على صاحب الجعاب والأدم، فقال: قَوَّم وزك، وذلك لأن نماءها منها، وكذلك في الإبل والبقر والغنم إذا توالدت؛ فإنه يزكيها صغارها وكبارها».
стр. 9351
وقال ابنه عبد الله في مسائله (٦٠٩): «سمعت أبي يقول: ليس فيما يبتاع من العروض زكاة؛ حتى يحول عليه الحول، فإذا حال عليه الحول: قوّمت وزكيت، وكل شيء يكون فيها من نماء، فهو يزكى معها؛ لأن عمر قال لصاحب الجعاب والأدم: قوم وزك، فقد يكون فيها نماء، فيزكى النماء مع الأصل، وإذا كان الأصل منفرداً لم يكن فيه نماء؛ فلا يزكي حتى يحول عليه الحول، وهو بمنزلة المال ليس فيه زكاة حتى يحول عليه الحول».
ثم قال (٦١٠): «سمعت أبي يقول: كل شيء من العروض فلا زكاة فيه؛ إلا ما كان للتجارة، فإنه يزكى إذا حال عليه الحول، على حديث أبي عمرو بن حماس»، ثم أسند أثر حماس مع عمر، وأثر ابن عمر في الباب. [وانظر: مسائل أبي داود (٥٤٨)].
ب - وروى محمد بن إسحاق [وعنه: عبد الأعلى بن عبد الأعلى، وأحمد بن خالد الوهبي، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن عبد القاري، قال: كنت على بيت المال زمن عمر بن الخطاب مع عبد الله بن الأرقم]، فكان إذا خرج العطاء جمع [عمر] أموال التجار، ثم حسبها شاهدها وغائبها، ثم أخذ الزكاة من شاهد المال على الشاهد والغائب.
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٠٧/ ١٠٤٦٦) (٦/ ٣١٩/ ١٠٧٦٢ - ط الشثري)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في الأموال (١١٧٨ و ١٢١١)، وابن زنجويه في الأموال (١٦٨٦ و ١٧٠٧)، وأبو زرعة الدمشقي في تاريخه (٤١٩). [وروي من وجه آخر عن الزهري به، لكن في زكاة الدين: أخرجه البيهقي (٤/ ١٥٠)].
وهذا صحيح عن عمر بن الخطاب، وهو شاهد صحيح لأثر حماس عن عمر. وصححه ابن حزم في المحلى (٤/¬٤٠).
وهذان الأثران عن عمر بن الخطاب: حجة في إخراج الزكاة من عروض التجارة، وهو شاهد قوي لحديث سمرة، وبه يحسن حديث سمرة، والله أعلم.
ومما احتج به بعضهم عن عمر في إخراج الزكاة في عروض التجارة:
ج - ما رواه عبد الرحمن بن مهدي [ثقة ثبت إمام، من أثبت الناس في الثوري]، عن سفيان [الثوري: ثقة ثبت، إمام حجة، أثبت الناس في أبي إسحاق، وأحفظهم لحديثه، وأقدمهم منه سماعاً]، عن أبي إسحاق، عن حارثة، قال: جاء ناس من أهل الشام إلى عمر، فقالوا: إنا قد أصبنا أموالاً وخيلاً ورقيقاً، نحب أن يكون لنا فيها زكاة وطهور، قال: ما فعله صاحباي قبلي فأفعله، واستشار أصحاب محمد ﷺ وفيهم علي، فقال علي:
هو حسن، إن لم يكن جزية راتبة يؤخذون بها من بعدك.
أخرجه أبو عبيد في الأموال (١٣٦٤)، وأحمد (١/¬١٤/¬٨٢)، وابن خزيمة (٤/¬٣٠/¬٢٢٩٠)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٢/ ٩٣٩ - مسند عمر)، والدارقطني (٣/¬٣٧/¬٢٠٢١) و (٣/ ٥٨/ ٢٠٦٤)، والحاكم (١/ ٤٠٠) (٢/ ٢٦٦/ ١٤٧٢ - ط الميمان)
стр. 9352
(٢/ ٤١٧/ ١٤٧٠ - ط المنهاج القويم)، والبيهقي في السنن (٤/ ١١٨ - ١١٩)، وفي الخلافيات (٤/ ٣٣٤/ ٣٢٥١)، والضياء في المختارة (١/ ٢٠٦/ ١٠٧). [الإتحاف (٨/ ٢٤٩/ ٩٣١٦) و (١٢/ ١٢٩/ ١٥٢٣٨)، والمسند المصنف (٢٢/ ١٩٨/ ١٠٠٣٣)].
قال ابن جرير: «هذا خبر عندنا صحيح سنده، لا علة فيه توهنه، ولا سبب يضعفه؛ لعدالة من بيننا وبين رسول الله ﷺ من نقلته».
وقال الدارقطني: «كلهم ثقات» [الإتحاف (١٢/ ١٣٠/ ١٥٢٣٨)].
وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد؛ إلا أن الشيخين لم يخرجا عن حارثة، وإنما ذكرته في هذا الموضع للمحدثات الراتبة التي فرضت في … ».
وقال ابن كثير في مسند الفاروق (١/ ٣٦٥): «فهذا الإسناد جيد قوي».
• ورواه يحيى بن آدم [ثقة حافظ]، وعبيد الله بن موسى [كوفي ثقة، قال أبو حاتم: «عبيد الله أثبتهم في إسرائيل». التهذيب (٣/¬٢٨)، والجرح والتعديل (٥/ ٣٣٥)]: عن إسرائيل [ثقة، من أثبت الناس في جده أبي إسحاق]، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب؛ أن قوماً من أهل مصر أتوا عمر بن الخطاب، فقالوا: إنا قد أصبنا كراعاً ورقيقاً، وإنا نحب أن نزكيه، قال: ما فعله صاحباي قبلي، ولا أفعله حتى أستشير، فشاور أصحاب محمد ﷺ ، فقالوا: أحسن، وسكت علي، فقال: ألا تتكلم يا أبا الحسن؟، فقال: قد أشاروا عليك، وهو حسن؛ إن لم يكن جزيةً راتبةً يؤخذون بها بعدك، قال: فأخذ من الرقيق عشرة دراهم، ورزقهم جريبين من بُرِّ كل شهر، وأخذ من الفرس عشرة دراهم، ورزقه عشرة أجربة من شعير كل شهر، وأخذ من المقاريف ثمانية دراهم، ورزقها ثمانية أجربة من شعير كل شهر، وأخذ من البراذين خمسة دراهم، ورزقها خمسة أجربة من شعير كل شهر.
قال أبو إسحاق: فلقد رأيتها جزيةً تؤخذ من أعطياتنا زمان الحجاج، وما نرزق عليها. قال الشيخ: المقرف من الخيل دون الجواد. لفظ يحيى بن آدم [عند الدارقطني].
أخرجه ابن زنجويه في الأموال (٨٩٩ و ١٨٨٨)، والدارقطني (٣/¬٣٦/¬٢٠٢٠).
[الإتحاف (١٢/ ١٢٩/ ١٥٢٣٨)].
قال الدارقطني: «كلهم ثقات» [الإتحاف (١٢/ ١٣٠/ ١٥٢٣٨)].
• ورواه زهير بن معاوية [ثقة ثبت، من أصحاب أبي إسحاق المكثرين عنه، لكن سماعه من أبي إسحاق كان بعد التغير، ومع ذلك فإنه يشارك أصحاب أبي إسحاق فيما يروونه عنه من محفوظ حديثه مما رواه قبل التغير، ويتابع في ذلك رواية سفيان الثوري وشعبة أحياناً، مما يدل على أن سماعه من أبي إسحاق لم يكن كله بعد التغير، أو أن أبا إسحاق حدثه أحياناً وهو متيقظ فطن لما يروي. راجع مثلاً: فضل الرحيم الودود (١/¬١٣٩/¬٣٩)]، قال: ثنا أبو إسحاق، عن حارثة بن مضرب، قال: حججت مع عمر بن الخطاب ﵄، فأتاه أشراف من أشراف أهل الشام، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إنا قد أصبنا
стр. 9353
دواب وأموالاً [وفي رواية: إنا أصبنا رقيقاً ودواب]، فخذ من أموالنا صدقة تطهرنا بها، وتكون لنا زكاة، فقال: هذا شيء لم يفعله اللذان كانا قبلي، ولكن انتظروا حتى أسأل المسلمين، فسأل أصحاب رسول الله ﷺ ، فيهم علي بن أبي طالب ﵁، فقالوا: حسن، وعلي ﵁ ساكت لم يتكلم معهم، فقال: ما لك يا أبا الحسن لا تتكلم؟ قال: قد أشاروا عليك، ولا بأس بما قالوا، إن لم يكن أمراً واجباً، ولا جزية راتبة يؤخذون بها، قال: فأخذ من كل عبد عشرة، ومن كل فرس عشرة، ومن كل هجين ثمانية، ومن كل برذون أو بغل خمسة دراهم في السنة، ورزقهم كل شهر، وللفرس عشرة دراهم، والهجين ثمانية، والبغل خمسة خمسة، والمملوك جريبين كل شهر.
أخرجه ابن سعد في الطبقات (٣/ ٣٠٥)، وأبو عبيد في الأموال (٦١٢)، وأحمد (١/¬٣٢/¬٢١٨)، والطحاوي في شرح المعاني (٢/¬٢٨)، وفي أحكام القرآن (٦٥١). [المسند المصنف (٢٢/ ١٩٨/ ١٠٠٣٣)].
قلت: هذا حديث صحيح، صححه ابن خزيمة وابن جرير والحاكم، وحارثة بن مضرب: كوفي، ثقة، من الثانية، سمع عمر، وسمع منه أبو إسحاق السبيعي [مسند الطيالسي (١١٤٩ و ١١٨)، والتاريخ الكبير (٣/ ٩٤)، والجرح والتعديل (٣/ ٢٥٥)، والثقات (٤/ ١٨٢)، والتهذيب (١/ ٣٤٢)، وفضل الرحيم الودود (١٠/¬١٩/¬٩٠٤)].
ولا يصلح دليلاً على إخراج زكاة عروض التجارة، لما سيأتي بيانه.
• خالفهم فقصر به، وأسقط حارثة من الإسناد:
معمر بن راشد، عن أبي إسحاق، قال: أتى أهل الشام عمر، فقالوا: إنما أموالنا الخيل والرقيق، فخذ منا صدقة، فقال: ما أريد أن آخذ شيئاً لم يكن قبلي، ثم استشار الناس، فقال علي: أما إذا طابت أنفسهم فحسن، إن لم يكن جزية تؤخذ بها بعدك، فأخذ عمر من الخيل عشرة دراهم، ومن الرقيق عشرة دراهم عشرة دراهم في كل سنة، ورزق الخيل كل فرس عشرة أجربة، في كل شهر، ورزق الرقيق جريبين جريبين، في كل شهر.
قال معمر: وسمعت غير أبي إسحاق يقول: فلما كان معاوية حسب ذلك، فإذا الذي يعطيهم أكثر من الذي يأخذ منهم، فتركهم ولم يأخذ منهم، ولم يعطهم.
قلنا: ما الجريب؟ قال: ذهب طعام.
أخرجه عبد الرزاق (٤/¬٣٥/¬٦٨٨٧)، ومن طريقه: ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٢/¬٩٥٥/¬١٣٦٨ - مسند عمر). [المسند المصنف (٢٢/ ١٩٨/ ١٠٠٣٣)].
قلت: معمر بن راشد: ثقة، وهو ثبت في الزهري وابن طاووس، إلا أنه كان يضعف حديثه عن أهل الكوفة والبصرة، ولم يكن من أصحاب أبي إسحاق السبيعي المقدمين فيه، ولا من قدماء أصحابه، وله عنه أوهام، وهذا منها.
• ورواه أبو سنان، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، قال: قدم ناس من أهل الشام بخيل ورقيق، فقالوا لعمر بن الخطاب: خذ صدقتها، … وذكر نحوه.
стр. 9354
أخرجه الدارقطني (٣/ ٥٨/ ٢٠٦٤ و ٢٠٦٥). [الإتحاف (١٢/ ١٢٩/ ١٥٢٣٨)].
وهذا أيضا وهم على أبي إسحاق، تفرد به عنه: أبو سنان سعيد بن سنان البرجمي الشيباني، وهو: صدوق كوفي، تحول إلى الري، وله أوهام، وقد خالف هنا أثبت أصحاب أبي إسحاق: سفيان الثوري وإسرائيل، والله أعلم.
د - وروى محمد بن جعفر [غندر: ثقة، من أثبت الناس في شعبة]، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس: أن أهل اليرموك، قالوا لعمر بن الخطاب: إنا قد أصبنا أموالا فطهرنا، فأخذ من كل فرس عشرة دراهم، ومن كل رأس دينارا، ورزقهم أفضل من ذلك.
قال قتادة: فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب، فقال: عمر أخذ ذلك منهم، ورزقهم أفضل من ذلك، وإن هؤلاء يريدون أن يأخذوا حقهم، ويمنعونا حقنا.
أخرجه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٢/ ٩٤٠/ ١٣٢٨ - مسند عمر).
• ورواه حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أنس، أن عمر ﵁ كان يأخذ من الفرس عشرة، ومن البرذون خمسة.
أخرجه الطحاوي في شرح المعاني (٢/¬٢٦ - ٢٧)، وفي أحكام القرآن (٦٣٥ و ٦٣٦). وهذا صحيح عن عمر، وليس فيه دلالة على عروض التجارة.
• ورواه عمران بن داور القطان، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب: أن أهل الجزيرة قالوا لعمر: إن أموالنا قد صارت في الخيل، فخذ منها الصدقة، قال: فجعل على كل فرس عشرة، وكان يرزقهم جريبين، فكان ما يعطيهم أكثر مما يأخذ منهم، قال سعيد: فأما إذ لم يعطوكم فلا تعطوهم.
أخرجه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٢/ ٩٤١/ ١٣٢٩ - مسند عمر).
وهذه رواية منكرة، خالف فيها عمران: أحد أثبت أصحاب قتادة، وهو شعبة، كما خالف أيضا: حماد بن سلمة، وهو من طبقة الشيوخ من أصحاب قتادة.
وعمران بن داور العمي، أبو العوام القطان البصري: صدوق يهم، كثير الرواية عن قتادة، إلا أنه كثير المخالفة والوهم [التهذيب (٣/ ٣١٨)، والميزان (٣/ ٢٣٦)].
هـ - وروى الشافعي، وأبو مصعب الزهري، ويحيى بن بكير، وعبد الله بن وهب، وإسماعيل بن أبي أويس، ومحمد بن الحسن الشيباني:
قالوا: حدثنا مالك، عن ابن شهاب، عن سليمان بن يسار؛ أن أهل الشام قالوا لأبي عبيدة بن الجراح: خذ من خيلنا ورقيقنا صدقة؛ فأبى، ثم كتب إلى عمر بن الخطاب، فأبى، ثم كلموه أيضا، فكتب إلى عمر، فكتب إليه: إن أحبوا، فخذها منهم، وارددها عليهم، وارزق رقيقهم.
قال مالك: ومعنى قول عمر بن الخطاب ﷺ : ارددها عليهم: أن ارددها على فقرائهم.
أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٣٧٣/ ٧٥٢ - رواية يحيى الليثي) (٧٣٥ - رواية أبي
стр. 9355
مصعب) (٣٣٨ - رواية الشيباني)، ومن طريقه الشافعي في الأم (٧/ ٢٥٠)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في الأموال (١٣٦٥)، وابن زنجويه في الأموال (١٨٨٥)، والطحاوي في أحكام القرآن (٦٥٠)، والبيهقي في السنن (٤/ ١١٨)، وفي الخلافيات (٤/ ٣٣٤/ ٣٢٥٠)، وفي المعرفة (٦/ ٩٣/ ٨١٠٨).
قلت: وهذا رجاله ثقات؛ وهو منقطع، فالجمهور على أن سليمان بن يسار مات سنة (١٠٧)، بعد أن عاش (٧٣) سنة، وعليه فيكون مولده سنة (٣٤)، وعليه: فإنه لم يدرك أبا عبيدة ولا عمر، حيث ولد بعد موتهما بما يزيد على عشر سنوات، فقد مات أبو عبيدة شهيداً بطاعون عمواس سنة (١٨)، وقتل عمر شهيداً سنة (٢٣)، قال أبو زرعة: «سليمان بن يسار عن عمر: مرسل [المراسيل (٢٩٥)، وتحفة التحصيل (١٣٨)].
وعليه فالإسناد منقطع، وقد جاء فيه معنى ما رواه حارثة بن مضرب، وأنس بن مالك، سوى قصة أبي عبيدة بن الجراح.
قال الطحاوي: ففي هذا الحديث ذكر السبب الذي أخذ به عمر صدقة الخيل، وأن ذلك ليس لوجوبها على أهلها كوجوب الزكاة في السوائم سواها، وأن ذلك إنما كان على التبرع منهم، وطلب التقرب به إلى الله ، وذلك عندنا منهم: طلب لإخراج الحق الذي سوى الزكاة من أموالهم».
وقال ابن عبد البر في الاستذكار (٣/ ٢٣٧): «ففي إباء أبي عبيدة وعمر في الأخذ من أهل الشام ما ذكروا عن رقيقهم وخيلهم؛ دلالة واضحة أنه لا زكاة في الرقيق ولا في الخيل، ولو كانت الزكاة واجبة في ذلك ما امتنعا من أخذ ما أوجب الله عليهم أخذه لأهله ووضعه فيهم، فلما ألحوا على أبي عبيدة في ذلك وألح أبو عبيدة على عمر؛ استشار الناس في أمرها، فرأى أن أخذها منهم عمل صالح له ولهم؛ على ما شرط أن يردها عليهم؛ يعني: على فقرائهم».
وقال الباجي في المنتقى (٢/ ١٧١): «قوله: فأبى عليهم؛ أي: أبو عبيدة بن الجراح؛ دليل على أنه مدة صحبته للنبي ﷺ لم يره أخذ من الخيل ولا من الرقيق شيئًا؛ ولذلك امتنع أن يأخذ من هذين الصنفين، ولم يمتنع أن يأخذ من سائر المواشي، ولو كان النبي ﷺ يأخذ من الخيل شيئاً لما خفي ذلك على أبي عبيدة، ومثله ممن كان يلازم النبي ﷺ ، كما لا يخفى عليه أخذه من سائر الماشية، ثم كتب أبو عبيدة في ذلك إلى عمر بن الخطاب، فوافق قوله قول عمر بن الخطاب، هذا وعمر ممن كان يخرجه النبي ﷺ في أخذ الصدقات، ولم يعلم أن النبي ﷺ أخذ من الخيل شيئاً، ولو كان فيها شيء لأمره النبي ﷺ بأخذه، كما أمره بالأخذ من سائر المواشي».
و - وروى المصعب بن المقدام [كوفي، لا بأس به]، وعبيد الله بن موسى [كوفي ثقة، قال أبو حاتم: «عبيد الله أثبتهم في إسرائيل». التهذيب (٣/¬٢٨)، والجرح والتعديل (٥/ ٣٣٥)] [واللفظ له]:
стр. 9356
عن إسرائيل [ثقة]، عن منصور [هو: ابن المعتمر: ثقة ثبت]، عن شقيق [ووقع في رواية مصعب عند ابن جرير: عن سفيان]، عن عمر؛ أنه قال: يا أهل المدينة! لا خير في مال لا يزكى، وإن عامة مالكم اليوم الرقيق والخيل، فجعل فيما بلغ الذرع من عبد أو أمة، دينارا أو عشرة دراهم، والذرع ثلاثة أذرع، وفي الخيل عشرة دراهم، وفي البراذين خمسة دراهم، [ورزقهم].
أخرجه ابن زنجويه في الأموال (١٨٨٦)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٢/ ٩٤١ - ١٣٣٠ - مسند عمر).
قلت: قد روى عن عمر: سفيان بن وهب الخولاني، وسفيان بن عبد الله الثقفي، لكن منصور بن المعتمر لا تعرف له رواية عنهما، ومنصور مكثر من الرواية عن أبي وائل شقيق بن سلمة، ولذا فهو الأشبه بالرواية، ولا أراه متصلا؛ فإن أبا وائل في العادة يدخل بينه وبين عمر رجلا، مثل: الصبي بن معبد، وعبيدة السلماني، وزيد بن صوحان، ويسار بن نمير؛ مع قلة ما يروي عن عمر، ويمكن حمل هذا القليل على الإرسال وعدم السماع، ولم أجد له في الكتب الستة رواية عن عمر، لا سيما وأن في هذه الرواية نكارة، والمعروف أن أهل المغازي والثغور هم الذين طلبوا من عمر أن يأخذ منهم صدقاتهم في الخيل والرقيق والكراع، وقالوا: خذ من أموالنا صدقة تطهرنا بها، وتكون لنا زكاة؛ لا أن عمر هو الذي ألزمهم بها، بل إنه قد امتنع من ذلك، وعلله بقوله: «ما فعله صاحباي قبلي، ولا أفعله حتى أستشير»، بل إن علي بن أبي طالب قال له: «هو حسن، إن لم يكن جزية راتبة يؤخذون بها من بعدك»؛ فدل كل ذلك على أنه كان تبرعا منهم، وأن عمر لم يأخذها منهم حتى استشار المسلمين؛ فأشاروا عليه أن يأخذها ولا يفرضها عليهم؛ إلا أن يحمل ذلك على أنه أراد بها: عروض التجارة، دون ما كان منها للقنية، لكن يشكل قوله في آخره: ورزقهم، فإن الزكاة الواجبة لا يرزق عليها، فدل على أنها كانت بطيب نفس منهم دون أن يلزموا بها، والله أعلم.
ز - وروى عبد الله بن المبارك، وعبد الرزاق بن همام، وأبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد [وهم ثقات حفاظ]:
عن ابن جريج [ثقة حافظ]، قال: أخبرني عمرو بن الحسن؛ أن حيي بن يعلى [قال ابن المديني: «معروف»، وذكره ابن حبان في الثقات. التاريخ الكبير (٣/ ٧٤)، والجرح والتعديل (٣/ ٢٧٤)، والثقات (٤/ ١٧٧)، والفتح لابن رجب (٣/ ٢٧٦)، والتعجيل (٢٥١)، والثقات لابن قطلوبغا (٤/ ٨٤)] أخبره؛ أنه سمع يعلى بن أمية [صحابي مشهور]، يقول: ابتاع عبد الرحمن بن أمية، أخو يعلى بن أمية، من رجل من أهل اليمن فرسا أنثى، بمائة قلوص، فندم البائع فلحق عمر بن الخطاب، فقال: غصبني يعلى وأخوه فرسا لي، فكتب إلى يعلى بن أمية، فأخبره الخبر، فقال عمر: إن الخيل لتبلغ هذا عندكم؟ قال: ما علمت أن فرسا بلغ هذا، قال عمر: نأخذ من أربعين شاة شاة، ولا نأخذ من الخيل شيئا؟! خذ من الخيل من كل فرس دينارا، فضرب على الخيل دينارا دينارا.
стр. 9357
أخرجه عبد الرزاق (٤/¬٣٦/¬٦٨٨٩)، وابن زنجويه في الأموال (١٨٨٧)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٢/ ٩٤٢/ ١٣٣١ - مسند عمر)، وأبو عروبة الحراني في الأوائل (١١٣)، وابن حزم في المحلى (٤/¬٣٢)، والبيهقي في السنن (٤/ ١١٩) (٧٤٩٥ - ٨/ ١٣٣/ ط هجر)، وفي الخلافيات (٤/ ٣٣٧ - ٣٣٨/ ٣٢٥٦).
تنبيه: وقع في بعض المصادر التي نقلت عن مصنف عبد الرزاق تحريف عَمَرَّد [بفتح العين المهملة والميم، وتشديد الراء، وآخره دال مهملة]، إلى: عمرو، ثم نسبه بعضهم بعد ذلك، وقال: عمرو بن دينار، وتحريف حيي بن يعلى، إلى: يحيى بن يعلى، أو: جبير بن يعلى.
قلت: وهذا منكر؛ تفرد به عمرد بن الحسن، حيث روى أن عمر فرض على المسلمين على الخيل صدقة؛ أسوة بالغنم، وفي ذلك مخالفة ظاهرة لما ثبت من حديث أبي هريرة مرفوعاً: «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة» [البخاري (١٤٦٣ و ١٤٦٤)، ومسلم (٩٨٢)، ويأتي تخريجه برقم (١٥٩٤ و ١٥٩٥)].
وعمرد بن الحسن: لا يُعرف روى عنه سوى ابن جريج، ولا يُعرف إلا برواية هذا الأثر التاريخ الكبير (٧/ ٨٨)، والجرح والتعديل (٧/¬٤٢)، ذكر اسم كل صحابي ومن بعده من التابعين ممن لا أخ له يوافق اسمه (٣٢٨)، وإكمال ابن ماكولا (٦/ ٢٧٠)، وإكمال الإكمال لابن نقطة (٤/ ٢٠٤)، وتبصير المنتبه (٣/ ٩٧٢)؛ فهو مجهول؛ لا يحتمل منه التفرد بهذا الخبر المخالف لما رواه حارثة بن مضرب وأنس بن مالك عن عمر، فهو حديث منكر باطل، والله أعلم.
قال الطحاوي في أحكام القرآن (١/ ٣٢٦): «أما هذا الحديث فمنكر؛ لأن عمرد بن الحسن الذي رواه ليس ممن يؤخذ مثل هذا بمثل روايته، إذ كان غير معروف في رواة العلم، وإذ كان أثبات الأئمة الحفاظ قد رووا عن عمر خلاف ذلك، وهم: زهير بن معاوية، وأبو إسحاق السبيعي، وحارثة بن مضرب؛ الحديث الذي حكيناه في هذا الباب، وهل الصدقات تؤخذ بالقياس؟ وبأن ما كثر ثمنه أولى بها مما قلَّ ثمنه؟ لو كان ذلك كذلك ما كانت خمس أواق من الورق، أولى بالصدقة من دار للقنية قيمة خمسة آلاف أوقية، ولو كان ذلك كذلك أيضاً، لما كانت الغنم أولى بالزكاة من الحمير، إذ كانت الحمير أرفع أثماناً منها.
ولعمر ﵁ أوقف عند ما وقف الله الحق عنده، من مجاوزته إلى غيره مما في هذا الحديث، ومع أنه لا ينبغي لأحد أن يلحق بالزكوات ما ليس منها؛ لأنه يدخل ما يلحقه من ذلك في الآي اللاتي تلونا من كتاب الله في الزكوات».
ح - وروى يونس بن يزيد [ثقة، من أصحاب الزهري، وعنه: عبد الله بن المبارك، وغيره]، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين [مكي ثقة عالم بالمناسك] [وعنه: ابن جريج، وقد صرح بالسماع]:
стр. 9358
عن ابن شهاب، قال: أخبرني السائب بن يزيد؛ أن أباه كان يقوم خيله، فيدفع صدقتها من أثمانها إلى عمر بن الخطاب.
وقال ابن شهاب: وبلغنا أن عثمان فرض على أهل البدو، في كل فرس دينارا أو شاتين. وهذا لفظ يونس.
زاد في رواية ابن أبي حسين: قال ابن أبي حسين، وقال ابن شهاب: لم أعلم أن نبي الله ﷺ سن صدقة الخيل.
أخرجه عبد الرزاق (٤/¬٣٥/¬٦٨٨٨)، وابن أبي شيبة (٢/ ٣٨١/ ١٠١٤٣) (٦/ ٢٤١/ ١٠٤٢٤ و ١٠٤٢٥ - ط الشثري)، وابن زنجويه في الأموال (١٨٩٠)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٥/ ٣٢٦/ ٢٨٦٨)، ووكيع محمد بن خلف في أخبار القضاة (١/ ١٠٧)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٢/ ٩٥٦/ ١٣٦٩ - مسند عمر)، وأبو عروبة الحراني في الأوائل (١١٤).
• ورواه جويرية بن أسماء [بصري، ثقة]، عن مالك، عن الزهري، عن السائب بن يزيد، قال: رأيت أبي يقوم الخيل، ويدفع صدقتها إلى عمر بن الخطاب.
أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٥/ ٣٢٦/ ٢٨٦٩)، والطحاوي في شرح المعاني (٢/¬٢٦)، وفي أحكام القرآن (٦٣٤)، وابن عبد البر في التمهيد (٤/ ٢١٧).
وهذا غريب من حديث مالك، ولم يدخله مالك في موطئه، قال ابن عبد البر في الاستذكار (٣/ ٢٣٨): «قد روى جويرية عن مالك فيه حديثا صحيحا»، وقال في التمهيد (٤/ ٢١٧): «الخبر في صدقة الخيل عن عمر: صحيح من حديث الزهري، وقد روي من حديث مالك»، ثم قال: «تفرد به جويرية عن مالك، وجويرية ثقة».
قلت: حديث السائب بن يزيد في قصة أبيه مع عمر: حديث صحيح.
وأثر عثمان لا يصح.
• قال الطحاوي: «فهذا قد يحتمل أن يكون أريد به خيل التجارة، ولا يكون في هذا الحديث حجة لمن أوجب الصدقة فيها، إذا كانت سائمة ليست للتجارة».
قلت: ويحتمل الوجه الآخر؛ أن والد السائب؛ وهو: يزيد بن سعيد بن ثمامة الكندي [وهو: صحابي، من مسلمة الفتح، استقضاه عمر] لما رأى الناس يتصدقون عن خيلهم ورقيقهم تبرعا منهم، فعل مثلهم، ودفع صدقة خيله لعمر، من طيب نفس منه، ومن باب التبرع، كما دل عليه حديث حارثة بن مضرب وأنس بن مالك عن عمر، وذلك جمعا بين النصوص المتعارضة، وتقديما للمحكم على المتشابه، وردا للمتشابه من الآثار في صدقة الخيل؛ إلى المحكم من الأحاديث الصحيحة المرفوعة، مثل حديث أبي هريرة وعلي، في أن لا زكاة في الخيل والرقيق ما دامت للقنية، وإن كان الاحتمال الأول أقوى؛ لأجل قول السائب: فيدفع صدقتها من أثمانها، مما يشير إلى أنه كان يتجر بها، والله أعلم.
стр. 9359
• وعلى هذا الاحتمال: يدخل هذا الأثر أيضاً ضمن ما صح من الآثار الواردة عن عمر، في أخذه الزكاة مما أعد للتجارة، والله أعلم.
ط - وروى عبد الرحيم بن سليمان [ثقة حافظ]، ويعلى بن عبيد الطنافسي [ثقة]:
عن إسماعيل بن أبي خالد، عن شبيل بن عوف - قال: وكان أدرك الجاهلية، قال: أمر عمر بن الخطاب الناس بالصدقة، فقال الناس: يا أمير المؤمنين خيل لنا ورقيق؛ افرض علينا عشرة عشرة، فقال: أما أنا فلا أفرض ذلك عليكم. لفظ عبد الرحيم [عند ابن أبي شيبة].
ولفظ يعلى [عند ابن سعد]: أمرنا عمر بن الخطاب بالصدقة، فقلنا: نحن نجعل على خيولنا وأرقائنا عشرة عشرة، فقال: أما أنا فلا أجعله عليكم، ثم أمر لأرقائنا بجريبين جريبين.
أخرجه ابن سعد (٦/ ١٥٢)، وابن أبي شيبة (٢/ ٣٨١/ ١٠١٤٢) (٦/ ٢٤١/ ١٠٤٢٣ - ط الشثري)، و (٧/¬١٧/¬٣٣٩١٥) و (٧/ ٣١١/ ٣٦٣٨٧)، وابن حزم في المحلى (٤/¬٣٤).
قلت: وهذا صحيح عن عمر، وشبيل بن عوف: ثقة، مخضرم، أدرك الجاهلية، وشهد القادسية، وكان يقال: قد أدرك النبي ﷺ ، وهو ممن سمع عمر، ولا تصح له صحبة [التاريخ الكبير (٤/ ٢٥٨)، والجرح والتعديل (٤/ ٣٨١)، والثقات (٤/ ٣٦٨)، والمشاهير (٧٩٣)، والمؤتلف للدارقطني (٣/ ١٤٠٦)، وحلية الأولياء (٤/ ١٦٠)، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (٣/ ١٤٩٤)، والاستيعاب (٢/ ٧٠٧/ ١١٩٢)، والإكمال لابن ماكولا (٥/¬١٧)، وتاريخ الإسلام (٢/ ١١١٣)، والتهذيب (٢/ ١٥٢)].
وهذا دليل على كون عمر لم يفرض عليهم صدقة الخيل والرقيق، وإنما كانت تبرعاً منهم، وأنه قد رزقهم عليها، مما يدل على أنها لم تكن صدقة واجبة، والله أعلم.
قال ابن حزم: «وقد صح أن عمر إنما أخذها على أنها صدقة تطوع منهم؛ لا واجبة».
ي - وروى النضر بن شميل [ثقة ثبت]، وإسماعيل بن علية [ثقة ثبت]:
أخبرنا ابن عون [عبد الله بن عون بن أرطبان البصري: ثقة ثبت]، عن الشعبي، قال: لما كثر الرقيق في أيدي الناس على عهد عمر، فكلموه أن يفرض عليهم شيئاً، فلم يزالوا به حتى فرض على كل رأس عشرة دراهم، ورزقهم مثلها.
أخرجه ابن زنجويه في الأموال (١٨٨٩)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٢/ ١٣٦٧/ ٩٥٥ - مسند عمر).
وهذا مرسل بإسناد صحيح، وعامر بن شراحيل الشعبي: لم يدرك عمر، قال أبو حاتم وأبو زرعة: «الشعبي عن عمر: مرسل» [المراسيل (٥٩٢)]، وهو يؤيد المعنى السابق ذكره.
وانظر أيضاً: ما أخرجه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٢/ ٩٥٤/ ١٣٦٦ - مسند عمر).
стр. 9360
والحاصل: فإننا إذا استثنينا ما صح من رواية حماس عن عمر، ورواية عبد الرحمن بن عبد القاري عن عمر، في زكاة عروض التجارة؛ فإن هذه الآثار التي تلتها عن عمر في الخيل والرقيق، إنما أخذ عمر الصدقة فيها على سبيل التبرع من أصحابها، لا أنه أوجبها عليهم، بدليل أنه أخبر عن ذلك بقوله: «ما فعله صاحباي قبلي، ولا أفعله حتى أستشير»، فدل على أنه كان تبرعاً منهم، لم يوجبه عليهم، وصرح بذلك علي بن أبي طالب، حين طالبه بألا يجعلها عليهم جزية راتبة، يؤخذون بها من بعده، وعلى هذا إجماع الصحابة والتابعين بأنه ليس في الخيل والرقيق صدقة؛ إلا أن يتجر بها؛ كما تحتمل بعض الآثار المروية عنه في صدقة الخيل؛ أنها كانت للتجارة، كما في أثر السائب بن يزيد.
وعلى هذا فالذي فرضه عمر بناءً على طلب من المسلمين كان صدقة تبرع، ولم تكن من الصدقات الواجبة، وأما فعل والد السائب بن يزيد فيحتمل الأمرين معاً، وأما أثر حماس: فهو صريح في زكاة التجارة، وأثر عبد الرحمن بن عبد القاري: ظاهر فيها، والله أعلم.
• قال البيهقي في الخلافيات (٤/ ٣٣٤) بعد أثر حارثة بن مضرب عن عمر: «وعلى هذا إجماع التابعين».
ثم أسند إلى: مالك، عن عبد الله بن دينار؛ أنه قال: سألت سعيد بن المسيب عن صدقة البراذين؟ فقال: وهل في الخيل من صدقة؟.
أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٧٥٤/ ٣٧٤ - رواية يحيى الليثي) (٧٣٧ - رواية أبي مصعب) (٣٣٥ - رواية الشيباني)، وعنه: الشافعي في الأم (٢/¬٢٨)، وفي المسند (٩٢)، ومن طريقه ابن زنجويه في الأموال (١٨٧٩)، والطحاوي في أحكام القرآن (٦٥٢)، والبيهقي في السنن (٤/ ١١٩)، وفي الخلافيات (٤/ ٣٣٥/ ٣٢٥٢)، وفي المعرفة (٦/ ٩٣/ ٨١٠٦)
• وقد توبع عليه مالك: أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٨١/ ١٠١٤٥ و ١٠١٤٦) (٦/ ٢٤٢/ ١٠٤٢٧ و ١٠٤٢٨ - ط الشثري)، و (٧/ ٣١٢/ ٣٦٣٨٩)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٢/ ٩٥٠/ ١٣٥٢ - مسند عمر)، والطحاوي في شرح المعاني (٢/¬٣٠)، وفي أحكام القرآن (٦٥٣).
• وروى مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم؛ أنه قال: جاء كتاب من عمر بن عبد العزيز إلى أبي وهو بمنى أن لا تأخذ من الخيل ولا من العسل صدقة.
أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٣٧٣/ ٧٥٣ - رواية يحيى الليثي) (٧٣٦ - رواية أبي مصعب) (٣٣٧ - رواية الشيباني)، وعنه: الشافعي في الأم (٢/¬٤٢)، ومن طريقه: أبو عبيد القاسم بن سلام في الأموال (١٤٩٦)، وابن زنجويه في الأموال (١٨٨٠ و ٢٠٢٥)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٢/ ٩٥٣/ ١٣٦٢ - مسند عمر)، والطحاوي في أحكام
стр. 9361
القرآن (٦٥٤ و ٧١١)، والبيهقي في السنن (٤/ ١١٩ و ١٢٧)، وفي الخلافيات (٤/ ٣٣٥/ ٣٢٥٣)، وفي المعرفة (٦/ ١٢٤/ ٨٢٢٧).
• وقد صح ذلك عن ابن عباس:
فقد روى ابن عيينة، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: ليس على الفرس الغازي في سبيل الله صدقة.
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٨١/ ١٠١٤٤) (٦/ ٢٤١/ ١٠٤٢٦ - ط الشثري)، و (٧/ ٣١٢/ ٣٦٣٨٨)، والطحاوي في أحكام القرآن (٦٥٩).
وهذا موقوف على ابن عباس بإسناد صحيح.
• وانظر بقية الآثار فيما أخرجه يحيى بن آدم في الخراج (٦٧)، وعبد الرزاق (٤/¬٣٤ - ٣٥/ ٦٨٨٣ - ٦٨٨٦)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في الأموال (١٣٦٩ - ١٣٧١)، وابن أبي شيبة (٢/ ٣٨١ - ٣٨٢/ ١٠١٤٧ - ١٠١٥٨) (٦/ ٢٤٢ - ٢٤٥/ ١٠٤٢٩ - ١٠٤٤٠ - ط الشثري)، وابن زنجويه في الأموال (١٨٨١ - ١٨٨٤)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٢/ ١٣٥٣ - ١٣٦٥ - مسند عمر)، والطحاوي في أحكام القرآن (٦٥٥ - ٦٥٩).
• وقد احتج الأحناف بهذه الآثار عن عمر في إيجاب الزكاة في الخيل السائمة:
قال ابن المنذر في الإقناع (١١٣): «ولم يوجب أحد من فقهاء الأمصار زكاة في الخيل إلا أبا حنيفة؛ فإنه أوجبها في الخيل السائمة، فقال: إذا كانت سائمة ذكوراً وإناثاً ففي كل فرس دينار، وإن شاء قومها وأعطى عن كل مائتين خمس دراهم» [وانظر: موطأ مالك رواية محمد بن الحسن (٣٣٦)، والآثار لأبي يوسف (٤٢٩)، والأصل لمحمد بن الحسن (٢/ ٧٨)، والأموال لأبي عبيد (١٣٦٧)، وتهذيب الآثار (٢/ ٩٤٩ - ٩٦٠ - مسند عمر)، والإشراف لابن المنذر (٣/¬٢٥)، وأحكام القرآن للطحاوي (١/ ٣١٧)، ومختصر اختلاف العلماء (١/ ٤٢١)، والتجريد للقدوري (٣/ ١٢٥٤)، وعيون المسائل للقاضي عبد الوهاب المالكي (٣٠٥)، والمعونة (٤٠٧)، والتمهيد (٤/ ٢١٥)، والبيان للعمراني (٣/ ١٤١)، وبدائع الصنائع (٣٤/¬٢)، والمجموع شرح المهذب (٥/ ٣٣٩)، والذخيرة للقرافي (٣/ ٩٤)، وغيرها كثير].
• قال ابن جرير في تهذيب الآثار (٢/ ٩٥٧ - مسند عمر) عن القائلين بقول الجمهور: «قالوا: وقد صح عنه ﷺ قوله: «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة»، قالوا: فلا صدقة في شيء من ذلك، إذا كان لغير تجارة، كثر ثمنه أو قل، كما لا صدقة في دار يشتريها للسكنى، أو للإجارة ما كان ثمنها قليلاً كان أو كثيراً، قالوا: فإن قال لنا قائل: فإن عمر وعثمان ﵄ قد أخذا الصدقة من ذلك، قلنا له: إنهما أخذا ما أخذا من ذلك على غير سبيل الصدقة، بل على أن أهلها أحبوا أن يخرجوا من أموالهم بعضها لأهل الحاجة والمسكنة، وفي السبل التي سبيل الله [كذا، ولعلها التي سبل الله] فيها الصدقات المفروضات، فسألوا إمامهم قبض ذلك منهم، وصرفه في السبل التي جعلوه فيها، إذ كان
стр. 9362
أقوم بذلك وأعرف بوجهه منهم، ففعل ذلك، قالوا: وذلك بين في الأخبار التي ذكرناها، وأنه على ما وصفنا قبض، قالوا: وبعد، ففي النقل المستفيض وتتابع أئمة المسلمين على تركهم توجيه السعاة والعمال على قبض صدقة الخيل والرقيق من أهلها، مع تركهم التواني في توجيه العمال والسعاة على قبض صدقة الإبل والبقر والغنم السائمة: أوضح البيان أن سبيل الخيل والرقيق بخلاف سبيل المواشي التي فيها الصدقة، وأن حكمها حكم سائر العروض التي لا صدقة فيها إذا لم تكن للتجارة.
ثم أفاض القول في نقض العلة التي اعتل بها الأحناف في إيجاب الزكاة في الخيل السائمة.
وقال الطحاوي في شرح المعاني (٢/¬٢٧) بعد أثر حارثة بن مضرب: «فدل هذا الحديث على أن ما أخذ منهم عمر ﵁ من أجله، ما كان أخذ منهم في ذلك؛ أنه لم يكن زكاة، ولكنها صدقة غير زكاة، وقد قال لهم عمر ﵁: إن هذا لم يفعله اللذان كانا قبلي؛ يعني: رسول الله ﷺ وأبا بكر ﵁، فدل ذلك على أن رسول الله ﷺ وأبا بكر ﵁ لم يأخذا مما كان بحضرتهما من الخيل صدقة، ولم ينكر على عمر ما قال من ذلك أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ، ودل قول علي لعمر ﵁: قد أشاروا عليك، إن لم يكن جزية راتبة، وخراجا واجبا، وقبول عمر ذلك منه؛ أن عمر إنما كان أخذ منهم بسؤالهم إياه أن يأخذ منهم، فيصرفه في الصدقات، وأن لهم منع ذلك منه متى أحبوا، ثم سلك عمر بالعبيد أيضا في ذلك مسلك الخيل، ولم يكن ذلك بدليل على أن العبيد الذين لغير التجارة يجب فيهم صدقة، وإنما كان ذلك على التبرع من مواليهم بإعطاء ذلك».
ثم أسند طرق حديث عراك بن مالك عن أبي هريرة، وطرق حديث علي بن أبي طالب، ثم قال: «فلما لم يكن في شيء مما ذكرنا من هذه الآثار؛ دليل على وجوب الزكاة في الخيل السائمة، وكان فيها ما ينفي الزكاة منها، ثبت بتصحيح هذه الآثار قول الذين لا يرون فيها زكاة»، ثم نقض علة أبي حنيفة في إيجاب الزكاة في سائمة الخيل، واستعمل قياس الشبه في إلحاق الخيل بالحمير والبغال بجامع الحافر، بخلاف سائمة المواشي، كما نقض علة أبي حنيفة في عدم إيجاب الزكاة في الخيل السائمة حتى تكون ذكورا وإناثا، يلتمس منها صاحبها نسلها، وأنها لا تجب الزكاة في ذكورها خاصة، ولا في إناثها خاصة، وأن هذا منتقض في زكاة المواشي، فلزم التسوية؛ فكما لم تجب في الذكور وحدها، ولا في الإناث وحدها، لزم سقوط الزكاة عنها مجتمعة، إذ لا فرق، والله أعلم.
وقال البيهقي في السنن بعد أثر عمر ﵁: «وقد روينا في الباب قبله ما دل على أن عمر ﵁ إنما أمر بذلك حين أحبه أربابها، وهذه الرواية إن صحت تكون محمولة على مثل ذلك لتتفق الروايات ولا تختلف، وحديث عراك عن أبي هريرة: أصح ما روي في ذلك، وهو يقطع بنفي الصدقة عنها، والله أعلم».
وقال ابن عبد البر في الاستذكار (٣/ ٢٣٧) تعليقا على أثر مالك: «ففي إباء أبي
стр. 9363
عبيدة وعمر في الأخذ من أهل الشام ما ذكروا عن رقيقهم وخيلهم: دلالة واضحة أنه لا زكاة في الرقيق ولا في الخيل، ولو كانت الزكاة واجبة في ذلك: ما امتنعا من أخذ ما أوجب الله عليهم أخذه لأهله ووضعه فيهم، فلما ألحوا على أبي عبيدة في ذلك، وألح أبو عبيدة على عمر، استشار الناس في أمرها، فرأى أن أخذها منهم عمل صالح له ولهم، على ما شرط أن يردها عليهم؛ يعني على فقرائهم، ومعنى قوله: وارزق رقيقهم؛ يعني: الفقير منهم، والله أعلم، وقيل في معنى: وارزق رقيقهم؛ عبيدهم وإماءهم؛ أي: ارزقهم من بيت المال، واحتج قائلو هذا القول بأن أبا بكر الصديق كان يقرض للسيد وعبده من الفيء، وكان عمر يقرض للسيد وللعبد، وسلك سبيلهما في ذلك الخليفة بعدهما، وهذا الحديث يعارض ما روي عن عمر في زكاة الخيل، ولا أعلم أحداً من فقهاء الأمصار أوجب الزكاة في الخيل إلا أبا حنيفة، فإنه أوجبها في الخيل السائمة، فقال: إذا كانت ذكوراً وإناثاً ففيها الصدقة في كل فرس، وإن شاء قومها، وأعطى من كل مائتي درهم خمسة دراهم، وحجته ما يروى عن عمر في ذلك».
وقال ابن عبد البر في التمهيد (٤/ ٢١٥): «هذا يدل على ضعف قوله؛ لأن المواشي التي تجب فيها الزكاة، لا يجوز تقويمها عند أحد من أهل العلم، وحجة من لم يوجب الزكاة في الخيل: قوله ﷺ : «ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة»، … ، وروى علي عن النبي ﷺ أنه قال: «عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق»، … ، إلى أن قال: «وبذلك قال علماء التابعين وفقهاء المسلمين؛ إلا ما ذكرنا من قول أبي حنيفة، وهو قول ضعيف».
وقال ابن قدامة في المغني (٢/ ٤٦٤): «وأما عمر: فإنما أخذ منهم شيئاً تبرعوا به، وسألوه أخذه، وعوضهم عنه برزق عبيدهم، … »، فذكر الأثر، ثم قال: «فصار حديث عمر حجة عليهم من وجوه؛ أحدها: قوله: ما فعله صاحباي، يعني النبي ﷺ وأبا بكر، ولو كان واجباً لما تركا فعله. الثاني: أن عمر امتنع من أخذها، ولا يجوز له أن يمتنع من الواجب. الثالث: قول علي: هو حسن إن لم يكن جزية يؤخذون بها من بعدك. فسمى جزية إن أخذوا بها، وجعل حسنه مشروطاً بعدم أخذهم به فيدل على أن أخذهم بذلك غير جائز. الرابع: استشارة عمر أصحابه في أخذه، ولو كان واجباً لما احتاج إلى الاستشارة. الخامس: أنه لم يشر عليه بأخذه أحد سوى علي بهذا الشرط الذي ذكره، ولو كان واجباً لأشاروا به السادس: أن عمر عوضهم عنه رزق عبيدهم، والزكاة لا يؤخذ عنها عوض.
ولا يصح قياسها على النعم؛ لأنها يكمل نماؤها، وينتفع بدرها ولحمها، ويضحى بجنسها، وتكون هدياً، وفدية عن محظورات الإحرام، وتجب الزكاة من عينها، ويعتبر كمال نصابها، ولا يعتبر قيمتها، والخيل بخلاف ذلك».
قلت: حديث عراك عن أبي هريرة مرفوعاً: «ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه
стр. 9364
صدقة»، وحديث علي مرفوعاً: «عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق»، يأتي تخريجه بطرقه وشواهده في موضعه القريب من السنن برقم (١٥٩٤ و ١٥٩٥)؛ إن شاء الله تعالى.
٦ - أثر ابن عمر:
يرويه حفص بن غياث وأبو أسامة حماد بن أسامة، وأبو نعيم الفضل بن دكين [وهم ثقات أثبات]:
ثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: ليس في العروض زكاة؛ إلا ما كان للتجارة. وفي رواية: ليس في العروض زكاة؛ إلا في عرض في تجارة فإن فيه زكاة.
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٠٦/ ١٠٤٥٩) (٦/ ٣١٧/ ١٠٧٥٤ - ط الشثري)، وابن زنجويه في الأموال (١٦٨٨)، وعبد الله بن أحمد في مسائله لأبيه (٦١٢)، والبيهقي (٤/ ١٤٧). وهذا موقوف على ابن عمر بإسناد صحيح.
قال ابن حزم في المحلى (٤/¬٤٢) «خبر ابن عمر: صحيح».
وصحح إسناده النووي في المجموع (٦/¬٤٨).
• ورواه عبد الله بن المبارك [وعنه: علي بن الحسن بن شقيق المروزي، وهو: ثقة حافظ، والحسن بن الربيع، وهو: ثقة]، وابن جريج:
[وقال ابن جريج: أخبرني] موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، قال: ما كان من مال في رقيق، أو في دواب، أو في بز للتجارة، فإن فيه الزكاة في كل عام.
أخرجه عبد الرزاق (٤/ ٩٧/ ٧١٠٣)، وابن زنجويه في الأموال (١٦٩٠)، والطحاوي في أحكام القرآن (٥٦٤).
وهذا موقوف على ابن عمر بإسناد صحيح.
• وروى سعيد بن عفير [هو سعيد بن كثير بن عفير، وهو مصري، صدوق، مستقيم الحديث، وليس بالثبت]، عن يعقوب بن عبد الرحمن القاري [المدني، نزيل الإسكندرية: ثقة]، عن موسى بن عقبة - لا أدري أذكره عن نافع أم عن غيره، قال: قال ابن عمر: ما كان من رقيق أو بز يراد به التجارة، ففيه الزكاة.
أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في الأموال (١١٨١).
وهذا موقوف على ابن عمر بإسناد صحيح، ولا يضره شك ابن عفير في إسناده؛ ومداره على نافع عن ابن عمر، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ.
والحاصل: فهو صحيح عن ابن عمر، وهو أقوى إسناد، وأصرح متن؛ يروى في زكاة عروض التجارة، وهو شاهد لحديث سمرة، والله أعلم.
• قال أبو جعفر الطحاوي: «قد ثبت عن عمر وابن عمر زكاة عروض التجارة، ولا مخالف لهما من الصحابة رضوان الله عليهم» [الاستذكار (٣٠/ ١٧٠) نقلته من الاستذكار، وانظر: مختصر اختلاف العلماء (١/ ٤٣٢)، وشرح المختصر للجصاص (٢/ ٣٣٧)، وفيه: [ولم يرو عن غيرهم من السلف خلافه، فصار إجماعاً، واستشهد بحديث سمرة].
стр. 9365
• قال أبو عبيد في الأموال (١١٩٠): «وبهذه الأحاديث كلها كان يأخذ سفيان بن سعيد وأهل العراق في تقويم متاع التجارة، وضمه إلى سائر المال»، ثم ذكر قول مالك في زكاة التجارة، ثم قال: «والذي عندنا في ذلك: ما يقول سفيان وأهل العراق؛ أنه ليس بين ما ينض وما لا ينض فرق، على ذلك تواترت الأحاديث كلها عمن ذكرنا من الصحابة والتابعين، وإنما أجمعوا على ضم ما في يديه من مال التجارة إلى سائر ماله النقد، فإذا بلغ ذلك ما تجب في مثله زكاة زكاه، وما علمنا أحداً فرق ما بين الناض وغيره في الزكاة قبل مالك»، ثم ذكر كلاماً طويلاً، وفيه: تجويز إخراج القيمة عن عروض التجارة، إلى أن قال: «ولو أن رجلاً وجبت عليه زكاة في تجارة فقوم متاعه فبلغت زكاته قيمة ثوب تام، أو دابة أو مملوك، فأخرجه بعينه، فجعله زكاة ماله، كان عندنا محسناً مؤدياً للزكاة، وإن كان أخف عليه أن يجعل ذلك قيمة من الذهب والورق، كان ذلك له. فعلى هذا أموال التجار عندنا، وعليه أجمع المسلمون أن الزكاة فرض واجب فيها».
وقال الترمذي بعد حديث عراك عن أبي هريرة أن لا زكاة في الرقيق والخيل (٦٢٨): «والعمل عليه عند أهل العلم أنه ليس في الخيل السائمة صدقة، ولا في الرقيق إذا كانوا للخدمة صدقة، إلا أن يكونوا للتجارة، فإذا كانوا للتجارة ففي أثمانهم الزكاة إذا حال عليها الحول».
وقال ابن المنذر في الإشراف (٣/ ٨١): «أجمع عامة أهل العلم على أن في العروض التي مُلكت للتجارة وفي رواية: التي يراد بها التجارة الزكاة إذا حال عليها الحول».
وممن روينا هذا القول عنه: عمر بن الخطاب، وابن عمر، وعائشة، وابن عباس، والفقهاء السبعة: سعيد، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وخارجة بن زيد، وعروة بن الزبير، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وبه قال: الحسن البصري، وجابر بن زيد، وطاووس، وميمون بن مهران، والنخعي، وقال بجملة هذا القول: مالك بن أنس، والثوري والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد وأبو ثور، والنعمان، وأصحابه».
وقال البيهقي في السنن (٤/ ١٤٧): «وهذا قول عامة أهل العلم، فالذي روي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: لا زكاة في العرض، فقد قال الشافعي في كتاب القديم: إسناد الحديث عن ابن عباس ضعيف، فكان اتباع حديث ابن عمر لصحته، والاحتياط في الزكاة: أحب إليَّ، والله أعلم».
وقال البيهقي: «وقد حكى ابن المنذر عن عائشة وابن عباس، مثل ما روينا عن ابن عمر، ولم يحك خلافهم عن أحد، فيحتمل أن يكون معنى قوله - إن صح -: لا زكاة في العرض؛ أي: إذا لم يرد به التجارة».
وقال ابن عبد البر في الاستذكار (٣/ ١٧٠): «من الحجة في إيجاب الصدقة في
стр. 9366
عروض التجارة مع ما تقدم من عمل العمرين ﵄: حديث سمرة بن جندب عن النبي ﷺ ؛ ذكره أبو داود وغيره بالإسناد الحسن عن سمرة».
وقال في التمهيد (١٧/ ١٣٠): «الحجة في زكاة العروض إذا اتجر بها صاحبها: حديث سمرة بن جندب؛ مع ما قدمنا ذكره عن الصحابة الذين لا مخالف لهم منهم، وهو قول جمهور أهل العلم».
ثم ذكر قول بعض من نقل الإجماع، ثم قال: «لهذا ومثله؛ قلنا: إن الذي روي عن
عائشة وابن عباس في أن لا زكاة في العروض؛ إنما ذلك إذا لم يرد بها التجارة».
• ومما قيل في تعليل زكاة عروض التجارة:
قال العمراني في البيان (٣/ ٣٠٧): «ولأن الأثمان لما كانت على ضربين: منها: ما لا تجب فيه الزكاة، وهو الحلي المعدة لاستعمال مباح. ومنها: ما تجب فيه الزكاة، وهو ما عدا ذلك.
والماشية على ضربين:
منها: ما لا تجب فيه الزكاة، وهي المعلوفة. ومنها: ما تجب فيه الزكاة، وهي السائمة.
وجب أيضا أن تكون العروض على ضربين:
منها: ما لا تجب فيه الزكاة، وهو ما لا يكون للتجارة. ومنها: ما تجب فيه الزكاة، وهو ما أعد للتجارة.
ووجه المشابهة بينهما: أنه مال يطلب فيه النماء، فوجبت فيه الزكاة، كالأثمان والسائمة».
وبهذا التعليل بقياس عروض التجارة على سائمة المواشي التي يطلب نسلها وزيادتها، بجامع النماء وطلب الفضل: قال أبو عبيد القاسم بن سلام، وأحمد بن حنبل، وابن زنجويه، وغيرهم [الأموال لأبي عبيد (١٢٠٣)، ومسائل صالح (٩٤٨)، ومسائل عبد الله (٦٠٩)، والأموال لابن زنجويه (٣/ ٩٤٧)].
٣ - باب الكنز ما هو؟ وزكاة الحلي
١٥٦٣ - قال أبو داود: حدثنا أبو كامل، وحميد بن مسعدة، المعنى؛ أن خالد بن الحارث حدثهم: حدثنا حسين، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ أن امرأة أتت رسول الله ﷺ ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال لها: «أتعطين زكاة هذا؟» قالت: لا، قال: «أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللَّهُ بِهِمَا يَوْمَ القِيَامَةِ سِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟»، قال: فخلعتهما، فألقتهما إلى النبي ﷺ ، وقالت: هما لله ولرسوله.
стр. 9367
حديث مردود؛ قال الشافعي في القديم: وقال بعض الناس: في الحلي زكاة، وروى فيه شيئاً ضعيفاً، وقال أبو عبيد: «إن هذا الحديث لا نعلمه يروى إلا من وجه واحد، بإسناد قد تكلم الناس فيه قديماً وحديثاً»، وأعله النسائي بالإرسال، وقال الترمذي: «ولا يصح في هذا الباب عن النبي ﷺ شيء»، وقال أيضاً: «وفي إسناد هذا الحديث مقال»، وأنكره ابن حبان، ولم يصححه ابن خزيمة، ولم يحتج به أحمد، بل احتج في عدم إيجاب زكاة الحلي بقول خمسة من الصحابة: أنهم لا يرون في الحلي زكاة، وأعله البيهقي بتفرد عمرو بن شعيب به.
• أخرجه من طريق أبي داود: البيهقي في السنن (٤/ ١٤٠)، وفي الخلافيات (٤/ ٣٣٢٨/ ٣٧٦). [التحفة (٦/¬٤٠/¬٨٦٨٢)، والمسند المصنف (١٧/ ١١٣/ ٧٩٩٤)].
قال البيهقي: «وهذا يتفرد به عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده».
وقال ابن القطان في بيان الوهم (٥/ ٣٦٦/ ٢٥٣٩): «وهذا إسناد صحيح إلى عمرو».
وقال النووي في المجموع (٦/¬٣٣): «وهذا إسناد حسن».
وصححه ابن الملقن في البدر المنير (٥/ ٥٦٥ و ٥٦٦).
وقال ابن حجر في «البلوغ» (٦٢٠): «إسناده قوي».
روى هذا الحديث عن خالد بن الحارث [وهو: ثقة ثبت]: أبو كامل [الجحدري فضيل بن حسين، وهو: ثقة متقن]، وحميد بن مسعدة [ثقة].
• وتابعهما: إسماعيل بن مسعود [ثقة]، قال: حدثنا خالد، عن حسين، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن امرأة من أهل اليمن أتت رسول الله ﷺ وبنت لها، في يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال: «أتؤدين زكاة هذا؟»، قالت: لا، قال: «أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟»، قال: فخلعتهما، فألقتهما إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: هما الله ولرسوله.
أخرجه النسائي في المجتبى (٥/¬٣٨/¬٢٤٧٩)، وفي الكبرى (٣/¬٢٧/¬٢٢٧٠). [التحفة (٦/¬٤٠/¬٨٦٨٢)، والمسند المصنف (١٧/ ١١٣/ ٧٩٩٤)].
• ولم ينفرد خالد بن الحارث بوصله عن الحسين بن ذكوان:
فقد رواه أبو أسامة حماد بن أسامة [ثقة ثبت]، ومحمد بن إبراهيم بن أبي عدي [ثقة]:
عن حسين بن ذكوان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: جاءت امرأة وابنتها من أهل اليمن إلى رسول الله ﷺ وفي يدها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال: «هل تعطين زكاة هذا؟» قالت: لا، قال: «فيسرك أن يسورك الله بسوارين من نار؟»، قال: فخلعتهما، وقالت: هما الله ولرسوله.
أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في الأموال (١٢٦٠)، والدارقطني (٣/¬١٠/¬١٩٨٢)، ومن طريقه: البيهقي في المعرفة (٦/ ١٤٢/ ٨٢٩١).
стр. 9368
• هكذا رواه عن الحسين بن ذكوان المعلم [وهو: بصري، ثقة] موصولاً: ثلاثة من الثقات؛ خالد بن الحارث، وأبو أسامة حماد بن أسامة، وابن أبي عدي.
خالفهم فأرسله:
المعتمر بن سليمان [ثقة]، قال: سمعت حسين بن ذكوان المعلم البصري - وهو ثقة -، قال: حدثني عمرو بن شعيب، قال: جاءت امرأة ومعها ابنة لها إلى رسول الله ﷺ وفي يد ابنتها مسكتان، … نحوه مرسل.
أخرجه النسائي في المجتبى (٥/¬٣٨/¬٢٤٨٠)، وفي الكبرى (٣/¬٢٧/¬٢٢٧١). [المسند المصنف (١٧/ ١١٤/ ٧٩٩٤)].
قلت: لو رجحنا ابتداء لظهر لنا أن رواية الجماعة الذين هم أكثر عدداً، وأعلى منزلة في الضبط والإتقان، أولى بالقبول والترجيح من رواية معتمر؛ لكن لما كانت رواية المعتمر ليس فيها سلوكاً للجادة من جهة، ومن جهة أخرى: توافق إجماع النقاد على عدم ثبوت هذا الحديث عن عبد الله بن عمرو، وإجماعهم على شيء يكون حجة؛ فهذا مما يجعلنا نسلم لهم، ونقبل بالحجة التي أدلى بها النسائي؛ وإن كانت غير قادحة في الظاهر:
قال النسائي: «خالد بن الحارث: أثبت عندنا من المعتمر، وحديث المعتمر: أولى بالصواب، والله أعلم».
وسوف يأتي مزيد بيان لذلك بعد ذكر بقية المتابعات.
فقد رواه عبد الله بن نمير، ويزيد بن هارون، وعبد الرحيم بن سليمان، وأبو معاوية محمد بن خازم الضرير، وأبو شهاب الحناط عبد ربه بن نافع [وهم: ثقات]، ونصر بن باب [قال البخاري: «كان بنيسابور، يرمونه بالكذب»، وهو أحد الهلكي الذين روى عنهم أحمد، وخفي عليه حالهم، وهو: متروك، كذبه أبو خيثمة وغيره، وقد ضعفوه. اللسان (٨/ ٢٥٧)، والتعجيل (١٠٩٨)] [وهو هنا قد توبع، مما يدل على أن أحمد قد روى عنه ما توبع عليه]:
حدثنا حجاج [بن أرطأة]، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: أتت النبي ﷺ امرأتان [زاد يزيد بن هارون، ونصر بن باب: من أهل اليمن] في أيديهما أساور من ذهب، فقال لهما رسول الله ﷺ : «أتحبان أن يُسوِّرَكما الله يوم القيامة أساور من نار؟»، قالتا: لا، قال: «فأديا حق هذا الذي في أيديكما». قال أبو معاوية: أساور، وقال يزيد وأبو شهاب: أسورة، وقال ابن نمير: عليهما سواران من ذهب، وقال نصر بن باب: سوارين.
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٨٢/ ١٠١٥٩)، وأحمد (٢/ ١٧٨/ ٦٦٦٧) و (٢/ ٢٠٤/ ٦٩٠١) و (٢/ ٢٠٨/ ٦٩٣٩)، والدارقطني (٢/ ٥٠٢/ ١٩٦١)، والبيهقي في المعرفة (٦/ ٨٢٩٢/ ١٤٢). [المسند المصنف (١٧/ ١١٣/ ٧٩٩٤)].
قال الدارقطني: «حجاج هو ابن أرطأة: لا يحتج به».
стр. 9369
قلت: وهذا إسناد ساقط بمرة، لا يصلح ذكره في المتابعات؛ فإن حجاج بن أرطأة: ليس بالقوي، يدلس عن الضعفاء والمتروكين، ولم يذكر سماعاً، قال أبو نعيم الفضل بن دكين: «لم يسمع حجاج من عمرو بن شعيب إلا أربعة أحاديث، والباقي عن محمد بن عبيد الله العرزمي»، قال ابن رجب: ي «عني: أنه يدلس بقية حديثه عن عمرو عن العرزمي» [شرح العلل (٢/ ٨٥٥)]، وقال يحيى بن معين: «صدوق، ليس بالقوي، يدلس عن محمد بن عبيد الله العرزمي، عن عمرو بن شعيب»، وقال عبد الله بن المبارك: «كان الحجاج يدلس، وكان يحدثنا الحديث عن عمرو بن شعيب مما يحدثه العرزمي، والعرزمي: متروك، لا نُقرُّ به» [تهذيب الكمال (٥/ ٤٢٥)]، قلت: العرزمي: متروك، منكر الحديث.
• وقد رواه الخطيب في تاريخ بغداد (٤/ ٣٣٩ - ط الغرب) بإسناده إلى: سلم بن سالم [البلخي الزاهد، وقد ضعفوه، كان يروي المناكير. اللسان (٤/ ١٠٧)]، عن محمد بن عبيد الله العرزمي [متروك، منكر الحديث]، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: دخلت امرأتان على رسول الله ﷺ من أهل اليمن، وفي أيديهما سواران من ذهب، فقال لهما النبي ﷺ : «أيسركما أن يسور كما الله بهن في نار جهنم؟»، فقالتا: لا يا رسول الله، قال: «فأديا حق ما فيهما»؛ يعني: الزكاة، قال: فنفضتا أيديهما، وقالتا: يا رسول الله، اجعلهما صدقة حيث أراك الله .
جـ ورواه عبد الله بن لهيعة [ضعيف] [وعنه: قتيبة بن سعيد، وبشر بن عمر الزهراني، وكامل بن طلحة الجحدري، وهم ثقات]، والمثنى بن الصباح اليماني المكي: ضعيف، وكان اختلط بآخره، قال النسائي وابن الجنيد: «متروك الحديث». [التهذيب (٤/¬٢٢)]: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن امرأتين [يمانيتين] أتنا رسول الله ﷺ وفي أيديهما سواران من ذهب، فقال لهما: «أتؤديان زكاته؟»، قالتا: لا، قال: فقال لهما رسول الله ﷺ : «أتحبان أن يسوركما الله بسوارين من نار؟»، قالتا: لا، قال: «فأديا زكاته». أخرجه الترمذي (٦٣٧)، وعبد الرزاق (٤/ ٨٥/ ٧٠٦٥)، وابن زنجويه في الأموال (١٧٦٢)، وابن حبان في المجروحين (٢/ ٧٣)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٦/¬٤٨/¬١٥٨٣)، والضياء المقدسي في المنتقى من مسموعاته بمرو (١٠٧٣). [التحفة (٦/ ٥٨/ ٨٧٣٠)، والمسند المصنف (١٧/ ١١٣/ ٧٩٩٤)].
قال الترمذي: وهذا حديث قد رواه المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، نحو هذا، والمثنى بن الصباح وابن لهيعة: يضعفان في الحديث، ولا يصح في هذا الباب عن النبي ﷺ شيء.
وقال الترمذي أيضاً بعد حديث زينب امرأة ابن مسعود (٦٣٦): «وقد روي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ أنه رأى في الحلي زكاة، وفي إسناد هذا الحديث مقال» [ونقل البغوي في شرح السُّنَّة تضعيف الترمذي له].
стр. 9370
وأورده ابن حبان فيما أنكر من حديث عمرو بن شعيب.
قال ابن حبان: «إذا روى عمرو بن شعيب عن طاوس وابن المسيب عن الثقات غير أبيه؛ فهو ثقة؛ يجوز الاحتجاج بما يروي عن هؤلاء، وإذا روى عن أبيه عن جده: ففيه مناكير كثيرة، لا يجوز الاحتجاج عندي بشيء رواه عن أبيه عن جده، … »، إلى أن قال: «لولا كراهة التطويل لذكرت من مناكير أخباره التي رواها عن أبيه عن جده، أشياء يستدل بها على وهن هذا الإسناد، … »، ثم ذكر بعض مناكيره، وعد منها هذا الحديث، وكلها من طريق ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب به، ثم قال: «في نسخة كتبناها عنه طويلة، لا ينكر من هذا الشأن صناعته أن هذه الأحاديث موضوعة أو مقلوبة، وابن لهيعة: قد تبرأنا من عهدته في موضعه من هذا الكتاب».
قال النووي في المجموع (٦/¬٣٣): «وهذا التضعيف الذي ضعفه الترمذي بناه على انفراد ابن لهيعة والمثنى بن الصباح به، وليس هو منفرداً، بل رواه أبو داود وغيره من رواية حسين المعلم كما ذكرنا عن عمرو بن شعيب، وحسين ثقة بلا خلاف، روى له البخاري ومسلم، ورواه النسائي من رواية خالد بن الحارث مرفوعاً كما سبق، ومن رواية معتمر بن سليمان مرسلاً، ثم قال: خالد بن الحارث أثبت عندنا من معتمر، وحديث معتمر أولى بالصواب، والله تعالى أعلم».
قلت: قد رواه ثلاثة من الأئمة بإسناد صحيح إلى عمرو بن شعيب، فلم يقبلوه، بل ردُّوه، وهم: أبو عبيد، والنسائي، والبيهقي.
بل نقل البيهقي في المعرفة (٦/ ١٤١/ ٨٢٩٠) تضعيفه عن الشافعي، فقال: «قال الشافعي في القديم: وقال بعض الناس: في الحلي زكاة، وروى فيه شيئاً ضعيفاً»، ثم قال البيهقي: «وكأنه أراد ما أخبرناه أبو بكر بن الحارث الأصبهاني الفقيه، … »، ثم ساق الحديث من طريق أبي أسامة عن حسين بن ذكوان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، ثم من طريق حجاج بن أرطأة، ثم قال: «حسين المعلم أوثق من الحجاج، غير أن الشافعي رَحِمَ الله كان كالمتوقف في روايات عمرو بن شعيب، إذا لم ينضم إليهما ما يؤكدها، لما قيل في رواياته عن أبيه عن جده؛ أنها من صحيفة كتبها عبد الله بن عمرو، وقد ذكرنا في كتاب الحج وغيره ما يدل على صحة سماع عمرو من أبيه من جده عبد الله بن عمرو بن العاص، والله أعلم»، ثم قال: «وقد انضم إلى حديثه هذا: … »، فأسند حديث أم سلمة، وحديث عائشة، وإن كان قد أعل حديث عائشة أيضاً، وسيأتي نقله في موضعه من حديث عائشة.
• وقال أبو عبيد في الأموال (١٢٩١): «إن هذا الحديث لا نعلمه يروى إلا من وجه واحد، بإسناد قد تكلم الناس فيه قديماً وحديثاً».
وكان مما علل به كلامه في رد الأئمة لهذا الحديث؛ أن قال: «ولو كانت الزكاة في الحلي فرضاً كفرض الرقة؛ ما اقتصر النبي ﷺ على أن يقول لامرأة يخصها به عند رؤيته»
стр. 9371
الحلي عليها دون الناس، ولكان هذا كسائر الصدقات الشائعة المنتشرة عنه في العالم من كتبه وسنته، ولفعلته الأئمة بعده.
وقد كان الحلي من فعل الناس في آباد الدهر، فلم نسمع له ذكراً في شيء من كتب صدقاتهم».
قلت: وهذه حجة بالغة في رد حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وإن ثبت الإسناد إلى عمرو بن شعيب نفسه، إذ لو كانت هذه الزكاة واجبة على المسلمين، لانتشر العمل بها لا سيما بالمدينة، ولنقل ذلك العمل إلينا مالك في موطئه، لكنه على العكس من ذلك؛ نقل مالك العمل على عدم إخراج زكاة الحلي، عن عائشة وعبد الله بن عمر، بأسانيد صحيحة كالشمس، وكذلك لم ينقل العمل به في سائر الأمصار من قبل الصحابة، سوى الشيء اليسير، بل احتج أحمد - كما سيأتي - بعمل خمسة من الصحابة، أنهم لا يرون في الحلي زكاة.
وبهذا يظهر أن ثلاثة من الأئمة الذين رووا هذا الحديث بإسناد صحيح إلى عمرو بن شعيب، وهم: أبو عبيد والنسائي والبيهقي، قد اتفقوا جميعاً على إعلاله ورده، وذلك سوى من روى الحديث عن عمرو بن شعيب بإسناد فيه ضعف؛ كالترمذي وابن حبان ممن ضعف الحديث أيضاً؛ لكنه مروي عندهم من طريق بعض الضعفاء عن عمرو بن شعيب.
وإذا اجتمع الأئمة على رد حديث، وإن كان ظاهر إسناده الصحة؛ فلا نملك إلا أن نقلدهم ونسلم لهم، وإن لم يظهر لنا وجه تضعيفهم، وقد رأيت جماعة من المعاصرين ممن تهجموا على هؤلاء الأئمة، وتنقصوهم، ورموهم بالتناقض، وهذا مما لا يليق بطالب علم، وإنما يلزم التسليم لهم، والقبول بأحكامهم، فإن لهم من البصيرة والدراية بأحوال الرواية ما لا نستطيع الوقوف عليه، ومن عاصر التدوين، وأدرك عصر الرواية في أوج شأنها لهو أدرى بما يقول، وأعرف منا بأصول الرواية والنقد، وكان مما قلت في مقدمة كتابي هذا «فضل الرحيم الودود» (١/¬١٠): وقد يحكم الأئمة على حديث ما بإعلاله بما لم تظهر لنا علته، أو يشيرون إلى علة خفية في الحديث يصعب إدراكها، فيجب حينئذ المصير إلى أقوالهم إذا اتفقوا، فإن اتفاق المحدثين على شيء يكون حجة [المراسيل لابن أبي حاتم (٧٠٣)] لا ينبغي لأحد مخالفتها كائناً من كان، وأما إذا اختلفوا: فحينئذ نرجح بين أقوالهم، على مقتضى قواعدهم وطرقهم في الإعلال، ولا ينبغي لنا أن نحدث قولاً جديداً لم نسبق إليه، … ، بل نقول بقولهم إذا اتفقوا، ونرجح بين أقوالهم إذا اختلفوا، ولابن حجر في هذا كلام نفيس أسوقه لفائدته في هذا الموطن، فإنه لما نقل كلام الأئمة في إعلال حديث أبي هريرة في كفارة المجلس [مخرج في الذكر والدعاء برقم (٣٠٠)]، وهو حديث مروي بإسناد ظاهره الصحة، قال: وبهذا التقرير يتبين عظم موقع كلام الأئمة المتقدمين، وشدة فحصهم، وقوة بحثهم، وصحة نظرهم، وتقدمهم؛ بما يوجب المصير إلى تقليدهم في ذلك، والتسليم لهم فيه، وكل من حكم بصحة الحديث مع ذلك إنما مشى فيه على ظاهر الإسناد [النكت على ابن الصلاح (٢/ ٧٢٦)].
стр. 9372
* ومما يجعلنا نسلم لهم في أحكامهم، ولا ننازعهم فيها:
أ - اطلاعهم على أحوال الرجال، بشكل لا يتسنى لنا اليوم الوقوف عليه.
ب - أنهم ما قبلوا كل أحاديث الثقات؛ بل ردوا ما وهموا فيه، ولا ردوا كل أحاديث الضعفاء ممن خف ضبطهم، وهم في الأصل يشملهم اسم الصدق وتعاطي العلم، بل قبلوا ما حفظوه، فكيف يتساهل البعض بعد ذلك في قبول رواية الثقة مطلقاً، وإن دلت القرائن على وقوع الوهم في روايته، وعدم قبول رواية من كثر وهمه، وإن دلت القرائن على أنه حفظ … .» إلى آخر ما قلت في ذلك.
ومن القرائن الدالة على رد هذا الحديث بعينه من سلسلة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن الإمام أحمد لما سأله ابنه عبد الله عن زكاة الحلي؛ لم يذكر شيئاً من أحاديث الباب المرفوعة، لا حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ولا حديث عائشة، ولا حديث أم سلمة، وإنما أفتى بأن لا زكاة فيه، واحتج في ذلك بأثر القاسم عن عائشة، وأثر علي بن سليم عن أنس، وأثر فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر [مسائل أحمد لابنه عبد الله (٦١٦ - ٦١٨)]، وهذا ظاهر في كونه لم يكن يثبت شيئاً من أحاديث الباب، مع كونه روى حديث عمرو بن شعيب في مسنده، ويؤكد ذلك رواية الفضل بن زياد القطان عنه، حيث قال: «سمعت أبا عبد الله، وسئل عن زكاة الحلي؟ فقال: يروى فيه عن خمسة من أصحاب النبي ﷺ ؛ أنهم لا يرون في الحلي زكاة» [طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (٣/¬٣٥)]، وقال في رواية أبي طالب: «خمسة من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: ليس في الحلي زكاة، ويقولون: زكاته عاريته، فمن زكى الحلي فحسن، ومن لم يزك فليس عليه شيء» [زاد المسافر (٢/ ٣٩٦)] [وانظر: مسائل أحمد لابنه عبد الله (٦١٤ - ٦١٨)، ومسائل أبي داود (٥٤٩ و ٥٥٠)، ومسائل ابن هانئ (٥٦١)، ومسائل الكوسج (٥٧٣ و ٦٣١)، والانتصار (٣/ ١٣٩ و ١٦٣)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ٣٧٥)].
مع العلم بأن أحمد ممن يعمل بالضعيف المحتمل غير المنكر، لكنه هنا أعرض عن هذه الأحاديث المرفوعة، وعمل بما صح واشتهر من الموقوف؛ مما له دلالة قوية على إنكار حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
وبهذا يظهر بجلاء معنى قول الإمام أحمد في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أنا أكتب حديثه، وربما احتججنا به، وربما وجس في القلب منه شيء»، وقوله: «أصحاب الحديث إذا شاؤوا احتجوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وإذا شاؤوا تركوه».
وهذا هو ظاهر مسلك الشافعي في هذا الحديث، حيث رده الشافعي وضعفه، كما تقدم بيانه.
وكلام أحمد هنا في أحاديث عمرو بن شعيب: يمكن حمله على أن الضعف في حديثه وما يروى عنه من المناكير: إما من قبل من يروي عنه من الضعفاء، وإما من قبل
стр. 9373
روايته من الصحيفة بغير سماع؛ قال الذهبي في الميزان (٣/ ٢٦٦): «وبعضهم تعلل بأنها صحيفة رواها وجادة، ولهذا تجنبها أصحاب الصحيح، والتصحيف يدخل على الرواية من الصحف بخلاف المشافهة بالسماع»، وقال في السير (٥/ ١٧٤): «وما أدري هل حفظ شعيب شيئاً من أبيه أم لا، وأنا عارف بأنه لازم جده وسمع منه، وأما تعليل بعضهم بأنها صحيفة، وروايتها وجادة بلا سماع، فمن جهة أن الصحف يدخل في روايتها التصحيف؛ لا سيما في ذلك العصر إذ لا شكل بعد في الصحف ولا نقط، بخلاف الأخذ من أفواه الرجال».
وقد سبق الكلام عن سلسلة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في فضل الرحيم الودود (٢/ ١١٥/ ١٣٥)، وخلاصة ما قلت هناك:
أن الصحيح في إسناد عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أنه لا يقبل مطلقاً؛ فيصحح أو يحسن بمجرد الإسناد، ولا يرد مطلقاً؛ فيضعف بمجرد الإسناد، ولكن ينظر في المتن فإن أتى بمتن معروف له أصل يشهد له: قُبل، وإن أتى بما يُنكر رُدَّ، والله أعلم.
ولم آت في ذلك بشيء جديد؛ فها هو الذهبي يقول في ترجمته من السير (٥/ ١٧٧): «قلت: الضعفاء الراوون عنه مثل: المثنى بن الصباح، ومحمد بن عبيد الله العرزمي، وحجاج بن أرطأة، وابن لهيعة، وإسحاق بن أبي فروة، والضحاك بن حمزة، ونحوهم، فإذا انفرد هذا الضرب عنه بشيء، ضعف نخاعه، ولم يحتج به، بل وإذا روى عنه رجل مختلف فيه كأسامة بن زيد، وهشام بن سعد، وابن إسحاق، ففي النفس منه، والأولى أن لا يحتج به، بخلاف رواية حسين المعلم، وسليمان بن موسى الفقيه، وأيوب السختياني، فالأولى أن يحتج بذلك؛ إن لم يكن اللفظ شاداً ولا منكراً».
فقد قال أحمد بن حنبل إمام الجماعة: له أشياء مناكير، ثم عد هذا الحديث في مناكيره تبعاً لابن حبان، وكذا فعل في الميزان (٣/ ٢٦٧).
• لا سيما وقد رواه جماعة عن عمرو بن شعيب عن جد أبيه عبد الله بن عمرو، قوله موقوفاً عليه، وهو منقطع.
• فقد روى يحيى بن أبي طالب: ثنا عبد الوهاب [هو: ابن عطاء الخفاف، وهو: صدوق]: أنبأ حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن عروة، عن عائشة ﵂، قالت: لا بأس بلبس الحلي إذا أُعطي زكاته.
وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ أنه كان يكتب إلى خازنه سالم؛ أن يخرج زكاة حلي بناته كل سنة.
أخرجه الدارقطني (٢/ ٥٠٠/ ١٩٥٦ و ١٩٥٧)، ومن طريقه البيهقي في السنن (٤/ ١٣٩)، وفي الخلافيات (٤/ ٣٧٥/ ٣٣٢٧) و (٤/ ٣٣٢٩/ ٣٧٦). [الإتحاف (٩/ ٤٨١/ ١١٧١٩)]
قال ابن الملقن في البدر المنير (٥/ ٥٨٢): «وهذا إسناد صحيح».
стр. 9374
قلت: بل هو معلول، وهم في إسناده: يحيى بن أبي طالب، وهو: يحيى بن جعفر بن الزبرقان؛ وثقه الدارقطني وغيره، وتكلم فيه جماعة، مثل: أبي داود؛ فقد خط على حديثه، وموسى بن هارون؛ فقد كذبه، وأبي أحمد الحاكم؛ حيث قال: «ليس بالمتين» [انظر: اللسان (٨/ ٤٢٣ و ٤٥٢)، والجرح والتعديل (٩/ ١٣٤)، والثقات (٩/ ٢٧٠)، وسؤالات الحاكم (٢٣٩)، وتاريخ بغداد (١٤/ ٢٢٠)، والسير (١٢/ ٦١٩)].
• … فقد رواه أبو عبيد القاسم بن سلام [ثقة حافظ، حجة إمام]، قال: حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن سالم، قال: كان عبد الله بن عمرو يأمرني أن أجمع حلي بناته كل عام، فأخرج زكاته.
أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في الأموال (١٢٦٤).
قال أبو عبيد: «أراه مولاه»؛ يعني: سالماً مولى عبد الله بن عمرو.
قلت: سالم مولى عبد الله بن عمرو، ويقال: قهرمان عبد الله، ويقال: خازن عبد الله بن عمرو، روى عن عبد الله بن عمرو، وروى عنه عمرو بن شعيب، وهو: مجهول [انظر: التاريخ الكبير (٤/ ١١٨)، والجرح والتعديل (٤/ ١٩٠)، والثقات (٤/ ٣٠٨)، والتهذيب (١/ ٦٨٠)].
قال أبو عبيد (١٢٩٣): «فأما حديث عبد الله بن عمرو في تزكيته حلي بناته، ففي إسناده نحو مما في إسناد الحديث المرفوع».
• … ورواه ابن أبي عدي [ثقة]، عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، قالت: لا بأس بلبس الحلي إذا أعطيت زكاته.
أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في الأموال (١٢٦٥).
قال أبو عبيد (١٢٩٢): «حديث عائشة في قولها: لا بأس بلبس الحلي إذا أعطيت زكاته؛ لا وجه له عندي سوى العارية؛ لأن القاسم بن محمد كان ينكر عنها أن تكون أمرت بذلك أحداً من نسائها أو بنات أخيها، ولم تصح زكاة الحلي عندنا عن أحد من الصحابة، إلا عن ابن مسعود».
قلت: المحفوظ في هذا عن عائشة؛ أنها كانت لا تزكي عن حلي بنات أخيها، وسيأتي ذكر الموقوف على عائشة ضمن الموقوفات فيمن قال: ليس في الحلي زكاة [تحت الحديث رقم (١٥٦٦)]، حيث روى القاسم بن محمد، وابن أبي مليكة، وعمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة؛ أنها كانت تحلي بنات أخيها الذهب، وكانت لا تخرج زكاته. وهذا هو الثابت عن عائشة بأسانيد صحيحة.
• … ورواه إسماعيل بن إبراهيم [هو: ابن علية: ثقة ثبت]، عن ابن أبي نجيح [عبد الله بن أبي نجيح: مكي، ثقة، من السادسة]، عن عمرو بن شعيب، أن عبد الله بن عمرو حلى ثلاث بنات له بستة آلاف دينار، فكان يبعث مولى له جليداً كل عام، فيخرج زكاته منه.
стр. 9375
أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في الأموال (١٢٦٣).
قلت: وهذا هو الأشبه عندي؛ موقوفاً على عبد الله بن عمرو بإسناد منقطع، فلا يثبت أيضاً عن عبد الله بن عمرو في زكاة الحلي شيء.
• وروى وكيع بن الجراح [ثقة حافظ]، وخلف بن أيوب [العامري أبو سعيد البلخي: ضعفه ابن معين، وله مناكير تفرد بها عن الثقات. انظر: التهذيب (١/ ٥٤٥)، والميزان (١/ ٦٥٩)]:
عن جرير بن حازم [ثقة]، عن عمرو بن شعيب، قال: كان عبد الله بن عمرو يكتب إلى قهارمته ومواليه، يأمرهم أن يزكوا حلي بناته ونسائه.
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٨٢/ ١٠١٦٥)، وابن زنجويه في الأموال (١٧٦٦).
وهذا أيضاً موقوف على عبد الله بن عمرو بإسناد منقطع.
• ورواه سفيان الثوري [وعنه: عبد الرزاق]، عن أبي موسى، عن عمرو بن شعيب، عن عبد الله بن عمرو: أنه كان يحلي بناته بالذهب، ذكر أكثر من مائتي درهم، أراه ذكر الألف أو أكثر، وكان يزكيه.
أخرجه عبد الرزاق (٤/ ٨٤/ ٧٠٥٧) (٤/ ٣٩٠/ ٧٢٧٧ - ط التأصيل).
قلت: إن كانت أداة الكنية زائدة، فهو موسى بن أبي عائشة، وهو: ثقة، والثوري يروي عن موسى بن أبي عائشة عن عمرو بن شعيب، وأبو موسى هذا يحتمل أن يكون هو: أيوب بن موسى الأموي المكي، وهو ثقة، من السادسة، يروي عنه سفيان الثوري، فإن لم يكن هو فلم أعرفه، والله أعلم.
هـ والحاصل: فإن المحفوظ في هذا موقوف على عبد الله بن عمرو بإسناد منقطع، والله أعلم.
وعليه فلا يثبت في زكاة الحلي شيء عن عبد الله بن عمرو؛ لا مرفوعاً، ولا موقوفاً، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
* * *
١٥٦٤ - قال أبو داود: حدثنا محمد بن عيسى: حدثنا عتاب - يعني: ابن بشير -، عن ثابت بن عجلان، عن عطاء، عن أم سلمة، قالت: كنتُ أَلْبَسُ أوْضَاحاً من ذهب، فقلت: يا رسول الله، أكنز هو؟ فقال: «ما بلغ أن تُؤدَّى زكاتُه، فزُكِّي فليس بكنز».
حديث منكر
أخرجه من طريق أبي داود أبو بكر الجصاص في شرح مختصر الطحاوي (٢/ ٣١٥)، وفي أحكام القرآن (٤/ ٣٠٣)، والبيهقي في السنن (٤/ ١٤٠)، وفي المعرفة
стр. 9376
(٦/ ١٤٣/ ٨٢٩٥)، وفي الخلافيات (٤/ ٣٧٧/ ٣٣٣١)، وابن عبد البر في الاستذكار (٦/ ١٧٤). [التحفة (١٢/ ١١٤/ ١٨١٩٩)، والمسند المصنف (٤٠/ ٣٣٥/ ١٩٢٧٩)].
قال ابن حزم في المحلى (٤/ ١٩٠): «عتاب: مجهول».
وقال البيهقي: «وهذا يتفرد به ثابت بن عجلان، والله أعلم».
وقال ابن عبد البر: «وهذا الحديث وإن كان في إسناده مقال؛ فإنه يشهد بصحته ما قدمنا ذكره».
وقال النووي في المجموع (٦/¬٣٣): «رواه أبو داود بإسناد حسن».
قلت: شيخ أبي داود هو: ابن نجيح أبو جعفر ابن الطباع: ثقة حافظ فقيه، وعتاب بن بشير الجزري: صدوق، روى عن خصيف أحاديث منكرة، ولم ينفرد به عن ثابت بن عجلان؛ بل توبع عليه:
• فقد رواه عبد الملك بن محمد الصنعاني [صنعاء دمشق: ضعيف، قال فيه ابن حبان في المجروحين (٢/ ١٣٦): «كان ممن يجيب في كل ما يسأل حتى تفرد عن الثقات بالموضوعات، لا يجوز الاحتجاج بروايته». التهذيب (٢/ ٦٢٥)، وعلل الدارقطني (١٥/ ٣٨٣٧/ ٦٤)، والخلافيات (٢/ ١٨٩ و ١٩١)]، وسويد بن عبد العزيز [دمشقي، ضعيف]، ومحمد بن مهاجر [الأنصاري الشامي: ثقة]:
عن ثابت بن عجلان: حدثني عطاء بن أبي رباح، عن أم سلمة، زوج النبي ﷺ ، أنها كانت تلبس أوضاحا من ذهب، فسألت عن ذلك نبي الله ﷺ ، فقالت: [يا رسول الله] أكنز هو؟ فقال: «إذا أديت زكاته فليس بكنز».
أخرجه أبو علي الطوسي في مختصر الأحكام (٣/ ٢٢٨/ ٥٨٨)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٢٨١/ ٦١٣)، وفي مسند الشاميين (٣/ ٢٩٠/ ٢٢٨٧ و ٢٢٨٨)، والدارقطني (٢/ ٤٩٦/ ١٩٥٠)، والحاكم (١/ ٣٩٠) (٢/ ١٤٥٤/ ٢٤٨ - ط الميمان)، والبيهقي في السنن (٤/ ٨٣)، وفي الخلافيات (٤/ ٣٧٧/ ٣٣٣٠). [الإتحاف (١٨/ ١٤٨/ ٢٣٤٦٨)].
قال الطوسي: «هذا حديث حسن».
وقال الدارقطني: «ثابت بن عجلان: ضعيف»، وفي نسخة: «ليس بقوي» [الإتحاف (١٨/ ١٤٨/ ٢٣٤٦٨)، ومن تكلم فيه الدارقطني في كتاب السنن لابن زريق (٥٨)].
وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه».
وقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (٢/ ١٦٩): في إسناد هذا الحديث ثابت بن عجلان، ولا يحتج به [وانظر: بيان الوهم (٥/ ٣٦٢/ ٢٥٣٥)، والتنقيح (٣/ ٧٧)، ونصب الراية (٢/ ٣٧٢)].
وقال ابن الملقن في التوضيح (١٠/ ٤٣٩): «حديث حسن».
قلت: هو حديث منكر؛ عطاء بن أبي رباح: لم يسمع من أم سلمة؛ قاله ابن
стр. 9377
المديني [علل ابن المديني (١١٨)، والمراسيل (٥٦٧)، وتحفة التحصيل (٢٢٨)]، وهو في العادة يروي عنها بواسطة.
وقد تفرد به عن عطاء بن أبي رباح المكي دون بقية أصحابه الثقات على كثرتهم: ثابت بن عجلان الحمصي، وهو: لا بأس به، وقد تكلم فيه لأجل غرائبه، وقد تفرد عن عطاء بن أبي رباح بما لم يتابع عليه.
وعطاء بن أبي رباح: تابعي جليل، إمام أهل مكة في زمانه، وقد روى عنه من أهل الأمصار أمم، وهو كثير الأصحاب، أكثر عنه ابن جريج، وعمرو بن دينار، والأوزاعي، وغيرهم، وانفراد ثابت بن عجلان الحمصي عنه بهذا الحديث دون بقية أصحابه على كثرتهم يعد منكراً، فهو حديث منكر، والله أعلم.
وثابت بن عجلان: قال فيه ابن معين: «ثقة»، وقال دحيم: «ثابت بن عجلان: ليس به بأس، وهو من أهل أرمينية، روى عن القدماء، عن سعيد بن جبير وعطاء ومجاهد وابن أبي مليكة»، وقال أبو حاتم: «لا بأس به، صالح الحديث»، وقال النسائي: «لا بأس به»، وهؤلاء الثلاثة جعلوه في رتبة من أنزلته الأوهام عن رتبة الثقات، وذكره ابن حبان في الثقات، كما نقل مغلطاي عن ابن خلفون أن ابن نمير وثقه.
وقال عبد الله بن أحمد: «سألت أبي عن ثابت بن عجلان، فقال: كان يكون بالباب والأبواب. قلت له: هو ثقة؟ فسكت؛ كأنه مَرَّض في أمره»، وهذا السكوت من أحمد لم يكن لأجل عدم معرفته بحال حديثه؛ كما ادعى بعضهم، بل كان يعرفه، وروى له في مسنده أحاديث عن أصحابه الشاميين، وقول ابنه عبد الله: «كأنه مَرَّض في أمره»، فيه دلالة شافية على أن أحمد امتنع عن توثيقه عن فهم ودراية، وأنه بسكوته أراد أن يعلم ابنه أنه ليس في رتبة الثقات، وأن له أوهاماً جعلته يتوقف عن توثيقه، وقد ترجم له ابن عدي في الكامل، وأورد له ثلاثة أحاديث قال الذهبي بأنها غريبة، ثم قال ابن عدي: «وثابت بن عجلان: له غير هذه الأحاديث، وليس بالكثير»، وأراد ابن عدي بذلك: جرح ثابت بإيراده في جملة الضعفاء، وقرن ذلك بذكر بعض غرائبه ومناكيره، فإذا انضاف إلى ذلك قلة حديثه، فهذا مما يقدح في ضبطه، لا سيما عن غير أهل بلده، ممن وقعت له الأوهام في أحاديثهم، كما نقل مغلطاي أن الساجي ذكره في جملة الضعفاء، وقال الدارقطني في سننه بعد هذا الحديث: «ثابت بن عجلان ضعيف»، وفي نسخة: «ليس بقوي»، وقال العقيلي بعد أن أورد له حديثاً منكراً، يرويه: عبد الملك بن محمد الصنعاني، قال: حدثنا ثابت بن عجلان، قال: سمعت عطاء بن عجلان يقول: سمعت عائشة؛ قال العقيلي: «لا يتابع عليه، ويقول: عن عطاء بن عجلان: سمعت عائشة، ولم يسمع منها شيئاً»، قلت: نعم؛ لم يتابع عليه ثابت بن عجلان، وهذا الحديث من مناكيره، وعبد الملك بن محمد الصنعاني وإن كان ضعيفاً؛ فإنه لم ينفرد به تابعه محمد بن حمير [عند الطبراني في مسند الشاميين (٢٢٨٥)]، وبقية بن الوليد [عند الطبراني في مسند الشاميين] (٢٢٨٦)، وفي
стр. 9378
الأوسط (٧٠٠١)، [وابن عدي في الكامل (٢/ ٣٠١ - ط العلمية) (٢/ ٥٧٧/ ٣٣٧١ - ط الرشد)]، لكن وقع في روايتهما: عطاء بن أبي رباح، بدل عطاء بن عجلان، قلت: وهو الأشبه بالصواب، ويبقى حكم العقيلي فيه بأنه لم يتابع: صحيح، لكن عن عطاء بن أبي رباح، وله عنه مناكير، لذا قال عبد الحق: «لا يحتج به»؛ يعني: عن عطاء في مثل هذا، ولا عبرة بتعقب ابن القطان [تاريخ ابن معين للدارمي] (٢٠٦)، والعلل ومعرفة الرجال (٣/ ٤٣٥٨/ ٩٧)، والتاريخ الكبير (٢/ ١٦٦)، والضعفاء الكبير (١/ ١٧٥) (١/ ٣٦٧/ ٢٤٨ - ط التأصيل)، والجرح والتعديل (٢/ ٤٥٥)، والثقات (٦/ ١٢٥)، والكامل (٢/ ٣٠١ - ط العلمية) (٢/ ٥٧٦ - ط الرشد)، والهداية والإرشاد للكلاباذي (١٦١)، والتعديل والتجريح للباجي (١٨١)، وتاريخ دمشق (١١/ ١٣٢)، والأحكام الوسطى (٢/ ١٦٩)، وبيان الوهم (٥/ ٣٦٢/ ٢٥٣٥)، وتاريخ الإسلام (٣/ ٦٢٥ - ط الغرب)، والميزان (١/ ٣٦٤)، وإكمال مغلطاي (٣/ ٧٩)، والتهذيب (١/ ٢٦٦)، وهدي الساري (٣٩٤)، وفتح الباري لابن حجر [(٦/ ٦٥٩)] [وانظر في أوهامه على مجاهد: علل الدارقطني (١٥/ ٣٩٤/ ٤١٠١)] [وانظر فيمن نفى سماعه من الصحابة، وعده في أتباع التابعين: الثقات (٦/ ١٢٥)، ومعرفة علوم الحديث (٤٤)، وتاريخ دمشق (١١/ ١٣٥)، وتحفة التحصيل (٤٢)].
وعلى هذا: يمكن حمل توثيق من وثقه على رواياته المستقيمة عن أهل بلده من الشاميين، كما أن من توسطوا فيه بقولهم: لا بأس به، يدل كلامهم على وقوفهم على بعض أوهامه التي لا تخرجه عن عموم من يشملهم اسم الصدق، ويمكن حمل موقف أحمد منه، وكذلك كل من تكلم فيه؛ على أوهامه عن الثقات من غير أهل بلده، مثل عطاء بن أبي رباح ومجاهد وغيرهما، والله أعلم.
ثم إن البخاري لما أخرج له في صحيحه؛ إنما أخرج له في موضع واحد متابعة (٥٥٣٢)؛ نعم تفرد به ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، لكن الحديث محفوظ عن ابن عباس، فقد رواه البخاري من حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس في عدة مواضع من صحيحه (١٤٩٢ و ٢٢٢١ و ٥٥٣١)، بينما لم يخرج حديث ثابت عن سعيد إلا متابعة في جلود الميتة (٥٥٣٢)، من كتاب الذبائح والصيد، كما أخرجه في التاريخ الكبير أيضا (١/ ٦٨)، وأما مسلم فإنه قد أخرجه من حديث الزهري (١٠٠/ ٣٦٣ و ١٠١)، ومن حديث سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس (١٠٢/ ٣٦٣)، وأعرض عن حديث ثابت؛ فلم يخرجه؛ فكأنه لم يرتض انفراده عن سعيد بن جبير، وليس لثابت عن سعيد بن جبير في الكتب الستة غير هذا الحديث في الانتفاع بجلود الميتة [الهداية والإرشاد للكلاباذي (١٦١)، والتعديل والتجريح للباجي (١٨١)، والجمع بين الصحيحين (٩٨٣)، والتحفة (٥٤٤٦)، وتهذيب الكمال (٤/ ٣٦٤)، وهدي الساري (٤٣٨ و ٣٩٤)، وفتح الباري لابن حجر (٦/ ٦٥٩)]، كما أنه ليس لثابت عن عطاء في الكتب الستة غير حديث الباب [التحفة (١٨١٩٩)، وتهذيب الكمال (٤/ ٣٦٤)]،
стр. 9379
ولم يخرج أحمد كلا الحديثين في مسنده، ولم يخرج له سوى حديثه عن أهل الشام، بل ما أقل حديثه في الكتب الستة وغيرها، وقد أشار إلى ذلك ابن عدي.
وفي المقابل؛ فقد بوب البخاري في صحيحه بابا، وترجم له بمتن حديث أم سلمة هذا، فقال: «باب: ما أديت زكاته فليس بكنز»؛ وأخرج فيه أثر ابن عمر (١٤٠٤)، ثم حديث أبي سعيد (١٤٠٥)، ثم أثر أبي ذر (١٤٠٦)، ثم حديث أبي ذر (١٤٠٧ و ١٤٠٨)، ولم يعرض لحديث أم سلمة هذا، ولو كشاهد لأحاديث الباب، أو كمتابع لأثر ابن عمر الموقوف، أو حتى الاكتفاء بتعليق موضع الشاهد منه جزما أو تمريضا؛ مع خلو جميع أحاديث الباب عن معنى حديث أم سلمة في زكاة الحلي، واشتمال أثر ابن عمر الموقوف على معناه في كون المال إذا ما أديت زكاته فليس بكنز، ومع هذا فإن البخاري عمد إلى استبعاد هذا الحديث من صحيحه، مما يدل على ضعفه عنده، بل ونكارته، والله أعلم.
وعلى هذا؛ فلا ينبغي لأحد أن يقول في إسناد حديث رواه ثابت بن عجلان بأنه على شرط البخاري؛ حتى يتابع عليه ثابت، ولا ينفرد به، ولا يكون معلولا، حيث إن البخاري إنما أخرج له حديثا واحدا متابعة، وأعرض عنه مسلم؛ بل إن البخاري قد أعرض عن حديثه هذا بعينه عمدا، مع مسيس حاجته إليه في بابه، والله أعلم.
قلت: والحاصل: فإن تفرد مثل هذا عن عطاء بن أبي رباح دون بقية أصحابه الثقات على كثرتهم: مما يعد منكرا، ولذا فقد أصاب البيهقي حين قال: «وهذا يتفرد به ثابت بن عجلان»، وأخطأ من تعقبه بقوله: «ولا يضر، فإن ثابتا: وثقه ابن معين، وروى له البخاري» [المحرر (٥٧٧)] [وانظر أيضا: بيان الوهم (٥/ ٣٦٢/ ٢٥٣٥)، والتنقيح (٣/ ٧٧)، ونصب الراية (٢/ ٣٧٢)].
قال الذهبي في ترجمة ثابت من الميزان (١/ ٣٦٥): «فمما أنكر عليه: حديث عتاب بن بشير، عنه، عن عطاء، عن أم سلمة قالت: كنت ألبس أوضاحا من ذهب، فقلت: يا رسول الله! أكنز هو؟ قال: «ما بلغ أن تؤدى زكاته فزكي فليس بكنز».
قال الحافظ عبد الحق: ثابت لا يحتج به فناقشه على قوله أبو الحسن ابن القطان، وقال: قول العقيلي أيضا فيه تحامل عليه، وقال: إنما يمس بهذا من لا يعرف بالثقة مطلقا، أما من عرف بها فانفراده لا يضره، إلا أن يكثر ذلك منه.
قلت: أما من عرف بالثقة فنعم، وأما من وثق ومثل أحمد الإمام يتوقف فيه، ومثل أبي حاتم يقول: صالح الحديث، فلا نرقيه إلى رتبة الثقة، فتفرد هذا يعد منكرا، فرجح قول العقيلي وعبد الحق، وهذا شيخ حمصي ليس بالمكثر، … ».
وقال في موضع آخر من الميزان (٣/ ١٤٠): «وإن تفرد الثقة المتقن يعد صحيحا غريبا، وإن تفرد الصدوق ومن دونه يعد منكرا».
قلت: وصنيع الأئمة في ذلك انتقاء حديث مثل هذا الضرب من الرواة، فإذا قامت القرائن على أنه حفظ وضبط صححوا حديثه [مثلما فعل البخاري في حديثه في الانتفاع]
стр. 9380
بجلود الميتة، وإذا قامت القرائن على وهمه في رواية بعينها ردُّوا حديثه [مثل حديثه عن عطاء بن أبي رباح]، وأما غير النقاد الكبار، وطائفة من المتأخرين، فإنهم يطردون التوثيق في الرجل حتى يقبلوا حديثه كله، أو يطردون التجريح الوارد في الرجل حتى يردوا حديثه كله، فحديث الثقة عندهم مقبول لثقته؛ بغض النظر عن قرائن الترجيح والقبول والرد، واحتمال التفرد وعدمه، وحديث كثير الوهم والمدلس والمنقطع ضعيف عندهم.
وفي هذا المعنى يقول ابن القيم في حاشيته على سنن أبي داود (٥/ ٣٢٤) رداً على طريقة ابن القطان الفاسي في قبول أفراد الثقات مطلقاً [كمثل فعله هنا]: «وأما تصحيحه حديث يحيى بن سليم هذا، فلا إنكار عليه فيه؛ فهذه طريقة أئمة الحديث، العالمين بعلله؛ يصححون حديث الرجل، ثم يضعفونه بعينه في حديث آخر إذا انفرد أو خالف الثقات.
ومن تأمل هذا وتتبعه رأى منه الكثير؛ فإنهم يصححون حديثه لمتابعة غيره له، أو لأنه معروف الرواية صحيح الحديث عن شيخ بعينه ضعيفها في غيره، وفي مثل هذا يعرض الغلط لطائفتين من الناس:
طائفة: تجد الرجل قد خرج حديثه في الصحيح، وقد احتج به فيه، فحيث وجدوه في حديث، قالوا: هذا على شرط الصحيح، وأصحاب الصحيح يكونون قد انتقوا حديثه، ورووا له ما تابعه فيه الثقات، ولم يكن معلولاً، ويتركون من حديثه المعلول، وما شذ فيه وانفرد به عن الناس وخالف فيه الثقات، أو رواه عن غير معروف بالرواية عنه، ولا سيما إذا لم يجدوا حديثه عند أصحابه المختصين به، فإن لهم في هذا نظراً واعتباراً اختصوا به عمن لم يشاركهم فيه، فلا يلزم حيث وجد حديث مثل هذا أن يكون صحيحاً، ولهذا كثيراً ما يعلل البخاري ونظراؤه حديث الثقة بأنه لا يتابع عليه.
والطائفة الثانية: يرون الرجل قد تكلم فيه بسبب حديث رواه، وضعف من أجله، فيجعلون هذا سبباً لتضعيف حديثه أين وجدوه، فيضعفون من حديثه ما يجزم أهل المعرفة بالحديث بصحته.
وهذا باب قد اشتبه كثيراً على غير النقاد.
والصواب ما اعتمده أئمة الحديث ونقاده من تنقية حديث الرجل وتصحيحه والاحتجاج به في موضع، وتضعيفه وترك حديثه في موضع آخر، … ».
إلى أن قال: «وإنما النقد الخفي إذا كان شيخه واحداً؛ كحديث العلاء بن عبد الرحمن مثلاً عن أبيه عن أبي هريرة، فإن مسلماً يصحح هذا الإسناد ويحتج بالعلاء، وأعرض عن حديثه في الصيام بعد انتصاف شعبان، وهو من روايته على شرطه في الظاهر، ولم ير إخراجه لكلام الناس في هذا الحديث وتفرده وحده به، وهذا أيضاً كثير يعرفه من له عناية بعلم النقد ومعرفة العلل».
وهذا إمام الحديث البخاري يعلل حديث الرجل بأنه لا يتابع عليه [يعني: في حديث]
стр. 9381
«بعينه، ويحتج به في صحيحه [يعني: في حديث آخر، وراوي الحديثين واحد]، ولا تناقض منه في ذلك».
وبهذا البيان يكون قد اتضح المراد، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
وقد روى خصيف بن عبد الرحمن [ليس بالقوي]، عن مجاهد، وعطاء، في زكاة الحلي قالا: إذا بلغ مائتي درهم، أو عشرين مثقالاً، ففيه الزكاة.
أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في الأموال (١٢٦٩).
ورواه يحيى بن سعيد القطان، وابن أبي عدي [وهما ثقتان]، كلاهما عن حسين المعلم [ثقة]، عن عطاء، مثل ذلك.
أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في الأموال (١٢٧٠).
وهذا مقطوع على عطاء قوله، بإسناد صحيح.
ولعل هذا يكون أصل حديث ثابت بن عجلان، أن عطاء بن أبي رباح كان ممن يرى الزكاة في الحلي، والله أعلم.
* * *
١٥٦٥ - قال أبو داود: حدثنا محمد بن إدريس الرازي: حدثنا عمرو بن الربيع بن طارق: حدثنا يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن أبي جعفر؛ أن محمد بن عمرو بن عطاء أخبره، عن عبد الله بن شداد بن الهاد؛ أنه قال: دخلنا على عائشة زوج النبي ﷺ ، فقالت: دخل عليَّ رسولُ الله ﷺ فرأى في يديَّ فَتَخَاتٍ من ورق، فقال: «ما هذا يا عائشة؟»، فقلت: صنعتُهُنَّ أتزيَّنُ لك يا رسول الله، قال: «أَتُؤدِّينَ زكاتهن؟»، قلت: لا، أو ما شاء الله، قال: «هو حسبك من النار».
حديث منكر
أخرجه من طريق أبي حاتم الرازي محمد بن إدريس: أبو بكر الجصاص في شرح مختصر الطحاوي (٢/ ٣١٧)، وفي أحكام القرآن (٤/ ٣٠٣)، والحاكم (١/ ٣٨٩ - ٣٩٠) (٢/ ٢٤٧ - ١٤٥٣ ط الميمان)، والبيهقي في السنن (٤/ ١٣٩)، وفي المعرفة (٦/ ١٤٣/ ٨٢٩٧) و (٦/ ١٤٤/ ٨٢٩٨)، وفي الخلافيات (٤/ ٣٧٥/ ٣٣٢٦). [التحفة (١١/ ٢٥٠/ ١٦٢٠٠)، والإتحاف (١٧/¬١٩/¬٢١٧٩٨)، والمسند المصنف (٣٧/¬٤٤٠/¬١٨٠١٣)].
رواه عن أبي حاتم الرازي [ثقة حجة، إمام ناقد]: أبو داود السجستاني سليمان بن الأشعث [ثقة حافظ، إمام مصنف]، وعبد الرحمن بن حمدان الجلاب [وقع في روايته عند الحاكم، وفي سنن البيهقي وخلافياته: سخاباً، بدل: فتخات، وفي المعرفة: فتخات] والجلاب: كان صدوقاً، لكن ضاعت كتبه، وتغير حاله، قال صالح بن أحمد الهمذاني: «سماع القدماء منه أصح، ذهب عامة كتبه في المحنة، وكُفَّ بصره» [انظر: الإرشاد]
стр. 9382
(٢/ ٦٥٨)، [ومعجم البلدان (٥/ ٤٤١)، والسير (١٥/ ٤٧٧)، وتاريخ الإسلام (٢٥/ ٢٦٤)].
قال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه».
• تابع أبا حاتم الرازي: محمد بن هارون أبو نشيط [ثقة]، وحميد بن مخلد ابن زنجويه [ثقة حافظ، مصنف]:
ثنا عمرو بن الربيع بن طارق [كوفي، نزل مصر: ثقة]: ثنا يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن أبي جعفر [مصري، ثقة فقيه]؛ أن محمد بن عطاء أخبره، عن عبد الله بن شداد بن الهاد؛ أنه قال: «دخلنا على عائشة زوج النبي ﷺ ، فقالت: دخل علي رسول الله ﷺ » فرأى في يدي فتخات من ورق، فقال: «ما هذا يا عائشة؟»، فقلت: صنعتهن أتزين لك فيهن يا رسول الله ﷺ ، فقال: «أتؤدين زكاتهن؟»، فقلت: لا أو ما شاء الله من ذلك، قال: «هن حسبك من النار».
أخرجه ابن زنجويه في الأموال (١٧٦٣)، والدارقطني (٢/ ٤٩٧ - ٤٩٨/ ١٩٥١)، ومن طريقه: البيهقي في السنن (٤/ ١٣٩). [الإتحاف (١٧/¬١٩/¬٢١٧٩٨)].
قال الدارقطني: «محمد بن عطاء هذا مجهول».
فتعقبه البيهقي بقوله: «هو محمد بن عمرو بن عطاء، وهو معروف».
وقال المنذري في الترغيب (١١٥٢): «ولا اعتبار بما ذكره الدارقطني من أن محمد بن عطاء مجهول؛ فإنه محمد بن عمرو بن عطاء: نسب إلى جده، وهو: ثقة ثبت، روى له أصحاب السنن، واحتج به الشيخان في صحيحيهما».
وقال ابن عبد الهادي في التنقيح (٣/ ٧٨): «ومحمد بن عمرو بن عطاء: ليس بمجهول، لكنه لما نسب إلى جده ظن الدارقطني أنه مجهول، وليس كذلك».
ثم قال: «وقد قيل: إن الحديث من مناكير يحيى بن أيوب، وإن كان من رجال الصحيحين».
وقال الذهبي في الميزان (٤/ ٣٦٤): «خفي على الدارقطني مع حفظه أمر محمد، … ، وإنما ذا محمد بن عمرو بن عطاء؛ أحد الأثبات».
قلت: وهو كما قالوا، وهو: محمد بن عمرو بن عطاء القرشي العامري: مدني، تابعي، ثقة، من الثالثة.
وعبد الله بن شداد بن الهاد الليثي المدني: ثقة فقيه، تابعي كبير، ولد على عهد النبي ﷺ ، وقد سمع عمر بن الخطاب ﵁، قاله البخاري، وقال ابن المديني: «ولقي عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل»، وقال أحمد: «عبد الله بن شداد قديم، سمع من عمر وعلي»، وكان ممن نزل الكوفة، قال ابن المديني: «أصله مديني، وقد روى عنه أهل الكوفة» [التاريخ الكبير (٥/ ١١٥)، ومسائل صالح (٧٠٥ و ١٢٠٣)، وطبقات خليفة (٣٠)، والاستيعاب (١٥١١)، وتاريخ بغداد (٩/ ٤٧٣)، والسير (٣/ ٤٨٨)، وتاريخ الإسلام (٦/ ١١١)، والإصابة (٥/¬١٣)، والتهذيب (٢/ ٣٥٢)].
стр. 9383
قُلت: لكنه إسناد غريب جداً، تفرد به: يحيى بن أيوب الغافقي المصري، وهو: صدوق سيئ الحفظ، يخطئ كثيراً، له غرائب ومناكير يتجنبها أرباب الصحاح، وينتقون من حديثه ما أصاب فيه [وقد سبق ذكره مراراً في فضل الرحيم، وانظر في أوهامه فيما تقدم معنا في السنن على سبيل المثال: الحديث رقم (١٥٨) و (٧١٨) و (١٣٣٣)، وما تحت الحديث رقم (٢٢٨ و ٣٣٥)، وانظر هناك ترجمته موسعة].
قُلت: ولا يحتمل من مثله التفرد بهذا الإسناد، ولا بهذا الحديث؛ فهو حديث منكر.
والمحفوظ في هذا عن عبد الله بن شداد من قوله مقطوعاً عليه:
• فقد رواه أبو نعيم الفضل بن دكين، ووكيع بن الجراح، وعبد الرزاق بن همام [وهم ثقات حفاظ]:
عن سفيان الثوري [أمير المؤمنين في الحديث]، عن أبي جعفر الفراء [كوفي، ثقة]، عن عبد الله بن شداد، قال: في الحلي زكاة، حتى في الخاتم.
أخرجه عبد الرزاق (٤/ ٧٠٥٨/ ٨٤)، وابن أبي شيبة (٢/ ٣٨٣/ ١٠١٧٠)، وابن زنجويه في الأموال (١٧٦٧).
• تابع الثوري: محمد بن أبان بن صالح القرشي [الجعفي الكوفي، وهو: ضعيف. انظر: اللسان (٦/ ٤٨٨) وغيره]، فرواه عن أبي جعفر الفراء، عن عبد الله بن شداد بن الهاد؛ أنه قال: في الحلي زكاة. أخرجه محمد بن الحسن الشيباني في الحجة على أهل المدينة (١/ ٤٥٢).
• ورواه أبو الأحوص [سلام بن سليم: ثقة متقن من أصحاب أبي إسحاق المكثرين عنه]، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن شداد، أنه كان يرى في الحلي زكاة.
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٨٢/ ١٠١٦٢) (٦/ ٢٤٦/ ١٠٤٤٤ - ط الشثري). قُلت: وهذا مقطوع صحيح على عبد الله بن شداد.
• فهذا وجه من إعلال حديث يحيى بن أيوب، وأن المحفوظ فيه مقطوع على عبد الله بن شداد بن الهاد.
• ووجه ثان: أن المحفوظ عن عائشة ﵂، أنها كانت لا تخرج الزكاة عن حلي بنات أخيها، فقد صح ذلك عنها من سبعة أوجه؛ رواها القاسم بن محمد، وابن أبي مليكة، وعمرة بنت عبد الرحمن، وهم من أصحابها المكثرين عنها [ويأتي تخريج الموقوف ضمن الموقوفات].
• ووجه ثالث: أن الحفاظ قد أعلوا حديث يحيى بن أيوب؛ بما ثبت موقوفاً عن عائشة:
• قال البيهقي في الخلافيات (٤/ ٣٧٥): «وقد روينا عن عائشة ﵂، من طريق القاسم وابن أبي مليكة عنها؛ أنها كانت تحلي بنات أخيها الذهب، وكانت لا تخرج زكاته».
стр. 9384
مع ما روينا عنها فيما تقدم ما يدل على وجوب الزكاة في مال اليتامى، وفي ذلك تضعيف ما روي عنها مرفوعا وموقوفا، والله أعلم.
فإسناد المرفوع والموقوف عنها في وجوب الزكاة: «لا يقاوم رواية القاسم بن محمد». وقال في المعرفة (٦/ ١٤٣/ ٨٣٠٣): «وكيف يصح هذا القول مع حديث عائشة إن كان ذكر الورق فيه محفوظا؟ غير أن رواية القاسم بن محمد وابن أبي مليكة عن عائشة؛ في تركها إخراج الزكاة من الحلي، مع ما ثبت من مذهبها إخراج الزكاة عن أموال اليتامى، يوقع وهما في هذه الرواية المرفوعة، فهي لا تخالف النبي ﷺ فيما روته عنه إلا فيما علمته منسوخا، والله أعلم».
وقال ابن عبد البر في الاستذكار (٣/ ١٥٣): «ولكن حديث عائشة في الموطأ بإسقاط الزكاة عن الحلي: أثبت إسنادا، وأعدل شهادة، ويستحيل في العقول أن تكون عائشة تسمع مثله من هذا الوعيد في ترك زكاة الحلي وتخالفه، ولو صح ذلك عنها علم أنها قد علمت النسخ من ذلك».
وقال أبو بكر ابن العربي في القبس شرح الموطأ (٤٦٣): أدخل مالك ﵁ حديث القاسم عن عائشة ﵂ أنها كانت تلي بنات أخيها يتامى فلا تخرج من حليهن الزكاة، ليبين بذلك بطلان الحديث المروي عن عائشة ﵂، أنها قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وفي يدي فتخ - وهي الخواتم -، فقال: ما هذا؟ فقلت: صنعتها أتزين بها لك، فقال: «أتؤدين زكاتها؟»، قلت: لا، قال: «هي حسبك من النار».
فبين مالك ﵁ أن هذا لو سمعته من النبي ﷺ ؛ لما تركت إخراج الزكاة من هذا الحلي، وقصد بذلك أيضا الرد على أهل العراق، في أن الراوي إذا أفتى بخلاف ما رواه سقطت روايته [وكذا قال أيضا في المسالك (٤/¬٣٢)].
قلت: سيأتي ذكر الموقوف على عائشة ضمن الموقوفات فيمن قال: ليس في الحلي زكاة، حيث روى القاسم بن محمد، وابن أبي مليكة، وعمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة؛ أنها كانت تحلي بنات أخيها الذهب، وكانت لا تخرج زكاته.
وهو ثابت عن عائشة بأسانيد صحيحة، وهو مما يقدح في صحة حديث يحيى بن أيوب هذا، ويدل على أنه من مناكيره التي لا تحتمل.
ومما يؤكد نكارته أيضا: أن الزهري وهو ممن روى عن جماعة من أصحاب عائشة حديثها، فإنه لم يكن عنده في هذا الحديث إسناد يصيح به:
فقد رو داود بن رشيد [ثقة]، قال: حدثنا محمد [هو: ابن حرب الخولاني الحمصي: ثقة]، عن الزبيدي محمد بن الوليد: ثقة من أثبت الناس في الزهري، عن الزهري؛ أن امرأتين من أهل اليمن أتنا رسول الله ﷺ تبايعانه، وفي أيديهما سواران من ذهب، فقال رسول الله ﷺ : «أتحبان أن يسوركما الله بسوارين من نار؟»، قالتا: لا، قال: «فأديا زكاته».
стр. 9385
أخرجه أبو طاهر المخلص في الثامن من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (١٢٣) (١٦٩٩ - المخلصيات).
وهذا من مراسيل الزهري، ومراسيل الزهري: من أوهى المراسيل، وهي شبه الريح، ليست بشيء [انظر: تاريخ ابن معين للدوري (٣/ ٢٢١/ ١٠٢٧)، والمعرفة والتاريخ (١/ ٣٨٦)، والجرح والتعديل (١/ ٢٤٥)، والمراسيل لابن أبي حاتم (١ و ٢)، وسنن البيهقي (١/ ١٤٧) و (١٠/ ٣٠٧)، والكفاية للخطيب (٣٨٦)، وتاريخ دمشق (٥٥/ ٣٦٨ و ٣٦٩)، والفتح لابن رجب (٢/ ٤٠٨) و (٤/ ٣٧٩) و (٥/ ٤١٠) و (٦/ ٤٩٣)، والبدر المنير (٩). ٧٣]
قال يحيى بن سعيد القطان: «مرسل الزهري شر من مرسل غيره؛ لأنه حافظ، وكلما قدر أن يسمي سمى، وإنما يترك من لا يستجيز أن يسميه» [تاريخ دمشق (٥٥/ ٣٦٨)، والسير (٥/ ٣٣٨)، وجامع التحصيل (٩٠)].
وقال الذهبي في السير (٥/ ٣٣٩): «مراسيل الزهري كالمعضل؛ لأنه يكون قد سقط منه اثنان، ولا يسوغ أن نظن به أنه أسقط الصحابي فقط، ولو كان عنده عن صحابي لأوضحه، ولما عجز عن وصله، ولو أنه يقول: عن بعض أصحاب النبي ﷺ ، ومن عد مرسل الزهري كمرسل سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير ونحوهما فإنه لم يدر ما يقول، نعم مرسله كمرسل قتادة ونحوه»، ثم ذكر عن الشافعي قوله: «إرسال الزهري ليس بشيء، لأنا نجده يروي عن سليمان بن أرقم».
والمقصود من هذا أنه لما لم يكن عند الزهري في هذا الحديث إسناد عن عائشة، علمنا أنه لم يكن من حديث عائشة في زكاة الحلي، وبانضمام هذه القرينة إلى القرائن السابقة يتأكد لنا نكارة رواية يحيى بن أيوب؛ وأنه قد وهم في هذا الحديث، والله أعلم.
• تنبيه:
هكذا رواه الزهري مرسلاً في زكاة الحلي، حيث رواه عنه به هكذا: محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي الحمصي، وهو ثقة ثبت، من أثبت الناس في الزهري، صحبه عشر سنين، قدمه الأوزاعي على أصحاب الزهري، وقدمه أبو حاتم في الزهري على معمر [التهذيب (٣/ ٧٢٣)، وشرح علل الترمذي (٢/ ٦٧١)].
وقد روى الزهري حديثاً آخر قريب من هذا في معناه، في سواري الذهب، لكن بدون ذكر زكاة الحلي، والمحفوظ فيه أيضاً الإرسال:
أ- رواه عمرو بن الحارث، واختلف عليه، والمحفوظ عنه مرسل:
أ- فقد روى إسحاق بن بكر بن مضر [قال أبو حاتم: «لا بأس به، وكان عنده درج عن أبيه». الجرح والتعديل (٢/ ٢١٤)، والتهذيب (١/ ١١٧)]، قال: حدثني أبي [بكر بن مضر: ثقة ثبت]، عن عمرو بن الحارث [ثقة ثبت]، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة؛ أن رسول الله ﷺ رأى عليها مسكتي ذهب، فقال رسول الله ﷺ : «ألا أخبرك بما»
следующие страницы →