← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 261

فضل الرحيم الودود تخريج سنن أبي داود

ياسر فتحي

Полный текст (16 465 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

أخرجه مطولًا ومختصرًا: ابن ماجه (٥٨٢)، والطيالسي (١٤٨٩)، وابن أبي شيبة (١/ ٦٤/ ٦٨٢)، والطحاوي (١/ ١٢٥)، وابن شاهين في الناسخ (٦٥٨)، وابن حزم في المحلى (٢/ ٢٢١). ٦ - زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة به، روي عنه مختصرًا بنحو حديث الثوري، ومطولًا بنحو حديث زهير ومعناه. أخرجه ابن شاهين في الناسخ (١٢٩) مختصرًا، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/ ٣٢٩ - ٣٣٠) مطولًا. ٧ - إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق به. رواه هشيم عن إسماعيل به، مثل حديث الثوري. أخرجه النسائي في الكبرى (٨/ ٢١٣/ ٩٠٠٥)، وأحمد (٦/ ١٤٦ و ١٧١)، والطحاوي (١/ ١٢٥)، وأبو بكر ابن المقرئ في المعجم (١١٣٩)، وابن شاهين في الناسخ (١٢٨). ورواه أبو أسامة، وزفر بن الهذيل، عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: حدثني أبو إسحاق السبيعي عمرو بن عبد الله، قال: أخبرني الأسود بن يزيد: أن عائشة أخبرته، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا صلى صلاته من الليل أوتر، ثم جاء إلى فراشه، فإذا نادى المنادي بالصلاة وثب من فراشه، فإن كان جنبًا أفاض عليه الماء، وإن لم يكلن جنبًا توضأ وضوءه للصلاة، ثم جاء فصلى. هذا لفظ أبي أسامة، وأما لفظ زفر فهو بمعناه، وزاد: "فإن كانت له حاجة إلى أهله أتاها، ثم ينام ولا يغتسل، وإن لم يمكن له إليهن حاجة نام"، وزفر: ثقة. أخرجه الطبراني في الأوسط (٢/ ٣٤٥/ ٢١٨٢)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/ ٣٢٩ - ٣٣٠). ٨ - عمار بن رزيق، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل حتى يكون آخر صلاته الوتر. أخرجه مسلم (٧٤٠)، وأبو نعيم في المستخرج (٢/ ٣٣٦/ ١٦٨١)، وأحمد (٦/ ٢٥٣). ٩ - مطرف بن طريف الحارثي [ثقة]، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ يقضي حاجته، ثم ينام، ثم يفيض عليه الماء. أخرجه النسائي في الكبرى (٨/ ٢١٢ - ٢١٣/ ٩٠٠٤)، والدارقطني في العلل (١٤/ ٢٤٨/ ٣٥٩٨)، وابن بشران في الأمالي (١٥٢٥). هذا جملة ما وقفت عليه من أسانيد مما صح عن أبي إسحاق السبيعي. • وأما ما لم يصح عنه: إما لشذوذ في المتن، أو لضعف الراوي عنه، فإن ذلك ما رواه: ١ - حمزة بن حبيب الزيات [صدوق]، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يجامع نساءه، ثم لا يمس ماءً، فإن أصبح فأراد أن يعاود عاود، وإن لم يرد اغتسل.

стр. 947

أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ٣١١/ ٧٥٨٩)، وعنه: أبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ٣٧٥). روى الطبراني عدة أحاديث بنفس الإسناد، وهذا منها ثم قال: "لم يرو هذه الأحاديث عن حمزة الزيات إلا زياد أبو حمزة، تفرد بها عامر بن إبراهيم". وهذا المتن مع كونه منكرًا، لم يروه الثقات عن أبي إسحاق، فإن الإسناد لا يصح إلى حمزة بن حبيب الزيات؛ فهو بريء من عهدته، لتفرد زياد أبي حمزة به عنه، وزياد هذا في عداد المجاهيل، لم يرو عنه سوى عامر بن إبراهيم بن واقد الأصبهاني [وهو ثقة]، ترجم له أبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (٢/ ٧٨)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/ ٣٧٤)، ولم يذكرا له راويًا سوى عامر بن إبراهيم، وله غرائب عن حمزة الزيات لا يتابع عليها. ٢ - شريك بن عبد الله النخعي [صدوق، سيئ الحفظ]، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا كانت له حاجة إلى أهله أتاهم، ثم يعود ولا يمس ماءً. أخرجه أحمد (٦/ ١٠٩). وهذا منكر أيضًا لزيادة: "ثم يعود". ٣ - أبو حنيفة النعمان بن ثابت الإمام [ضعيف في الحديث]، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة [بألفاظ مختلفة، منها]، قالت: كان رسول الله ﷺ يصيب من أهله من أول الليل ولا يصيب ماءً، فإذا استيقظ آخر الليل عاد واغتسل. أخرجه أبو نعيم في مسند أبي حنيفة (١٥٧ و ١٥٨)، وأبو يوسف في كتاب الآثار (١٢٠)، وابن بشران في الأمالي (١٥٢٥). ٤ - معاذ بن فضالة، قال: حدثنا يحيى بن أيوب، عن موسى بن عقبة، وأبي حنيفة، عن أبي إسحاق الهمداني، عن الأسود ين يزيد، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يجامع ثم يعود ولا يتوضأ، وينام ولا يغتسل. أخرجه الطحاوي (١/ ١٢٧)، وابن شاهين في الناسخ (١٤٧)، والدارقطني في الأفراد (٥/ ٤١٦/ ٥٨٩٩ - أطرافه). قال الدارقطني: "تفرد به معاذ بن فضالة، عن يحيى بن أيوب، عن موسى بن أيوب [كذا وفي شرح المعاني والناسخ: موسى بن عقبة]، وأبي حنيفة، عن أبي إسحاق الهمداني، عن الأسود". قلت: الحديث مشهور من حديث أبي حنيفة النعمان بن ثابت، لكنه غريب من حديث موسى بن عقبة المدني، تفرد به عنه يحيى بن أيوب الغافقي المصري [وهو صدوق، سيئ الحفظ]. وهو منكر بهذا السياق؛ لمخالفته لرواية الثقات الحفاظ الذين رووا الحديث عن أبي إسحاق بغير هذه السياقة، فلم يذكروا فيه العود.

стр. 948

فإن قيل: روى الإمام أحمد في مسنده (٦/ ١٠٦ - ١٠٧)، قال: حدثنا عبد الله بن يزيد، عن سفيان، وذكر رجلًا آخر عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يصيب من أهله من أول الليل، ثم ينام ولا يمس ماءً، فإذا استيقظ من آخر الليل عاد إلى أهله واغتسل. قلت: هو شاذ عن سفيان الثوري بهذا اللفظ، تفرد به عنه عبد الله بن يزيد المكي أبو عبد الرحمن المقرئ [وهو ثقة فاضل]، ولا ندري من هذا الذي تابعه، وهل تابعه عليه بلفظه أم لا؟. والحديث رواه عن سفيان الثوري بلفظ أبي داود أو نحوه: جماعة من الحفاظ من أصحاب الثوري، مثل: وكيع بن الجراح [وهو من أثبت الناس فيه]، ومحمد بن كثير العبدي، وأبو داود الطيالسي، وأبو عامر العقدي، وأبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، وعبد الرزاق بن همام، وعلي بن الجعد [وهو آخر من روى عنه من الثقات]، وقبيصة بن عقبة. وعلى هذا فإن ذكر العود في حديث أبي إسحاق شاذ لا يصح عنه، والمحفوظ ما رواه جماعة الحفاظ عن أبي إسحاق بدونه، والله أعلم. ٥ - مفضل بن صدقة [ضعيف. اللسان (٦/ ٩٤)]، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ ينام جنبًا ولا يمس ماءً. أخرجه ابن عدي في الكامل (٦/ ٤٠٩). فوافق الثقات في روايته. • وبعد سرد ما وقفت عليه من طرق هذا الحديث عن أبي إسحاق السبيعي، نذكر أقوال أهل العلم الذين ضعفوا حديثه هذا ممن لم نذكرهم: قال الإمام أحمد: "إنه ليس بصحيح". وقال مهنأ عن أحمد بن صالح: "لا يحل أن يروى هذا الحديث". وفي علل الأثرم: "لو لم يخالف أبا إسحاق في هذا إلا إبراهيم وحده لكفى، فكيف وقد وافقه عبد الرحمن بن الأسود، وكذلك روى عروة وأبو سلمة عن عائشة". وقال الدارقطني في العلل: "ويقال: إن أبا إسحاق وهم في هذا عن الأسود؛ لأن عبد الرحمن بن الأسود، والحكم بن عتيبة: روياه، فخالفا أبا إسحاق … ، [ثم قال بعد ذكر الخلاف:] والصحيح من ذلك: ما رواه عبد الرحمن بن الأسود، وإبراهيم النخعي، عن الأسود، عن عائشة. وقال بعض أهل العلم: يشبه أن يكون الخبران صحيحين، وأن عائشة قالت: ربما كان النبي ﷺ قدم الغسل، وربما أخره، كما حكى ذلك غضيف بن الحارث، وعبد الله بن أبي فيس، وغيرهما، عن عائشة، وأن الأسود حفظ ذلك عنها، فحفظ عنه أبو إسحاق تأخير الوضوء والغسل، وحفظ عبد الرحمن بن الأسود وإبراهيم تقديم الوضوء على

стр. 949

الغسل" [علل الدارقطني (١٤/ ٢٤٧/ ٣٥٩٨)، البدر المنير (٢/ ٥٦٨)، التلخيص الحبير (١/ ٢٤٥)]. وقال ابن رجب في فتح الباري (١/ ٣٦٢): "وهذا الحديث مما اتفق أئمة الحديث من السلف على إنكاره على أبي إسحاق، منهم: إسماعيل بن أبي خالد، وشعبة، ويزيد بن هارون، وأحمد بن حنبل، وأبو بكر بن أبي شيبة، ومسلم بن الحجاج، وأبو بكر الأثرم، والجوزجاني، والترمذي، والدارقطني … ، وقال أحمد بن صالح المصري الحافظ: لا يحل أن يروى هذا الحديث، يعني: أنه خطأ مقطوع به، فلا تحل روايته من دون بيان علته، وأما الفقهاء المتأخرون فكثير منهم نظر إلى ثقة رجاله، فظن صحته وهؤلاء يظنون أن كل حديث رواه ثقة فهو صحيح، ولا يتفطنون لدقائق علم علل الحديث، ووافقهم طائفة من المحدثين المتأخرين كالطحاوي والحاكم والبيهقي". وانظر فيمن وهم على الثوري في إسناده: الناسخ لابن شاهين (٦٥٧)، علل الدارقطني (٣/ ١٦٤) و (١٤/ ٢٤٩/ ٣٥٩٨). • وقد روى معناه من طرق أخرى، منها: ١ - عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني محمد بن محرز التميمي، قال: حدثنا عيسى بن يزيد، عن ابن أبي ذئب، عن يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يجنب من الليل فما يمس ماءً حتى يصبح. أخرجه العقيلي في الضعفاء الكبير (٣/ ٣٩١)، وتمام في الفوائد (١/ ٢٨٦/ ٧٠٧)، والخطيب في تاريخ بغداد (٣/ ٢٨٧)، وفي تلخيص المتشابه في الرسم (١/ ٢٧٤). قال العقيلي: "ولا يحفظ من حديث ابن أبي ذئب، ولا من حديث يزيد بن رومان؛ إلا عن ابن داب [يعني: عيسى بن يزيد]، وما لا يتابع عليه من حديثه أكثر مما يتابع عليه". وهذا حديث باطل، تفرد به عن ابن أبي ذئب عيسى بن يزيد بن بكر بن داب الليثي المدني، وهو منكر الحديث، اتهمه خلف الأحمر بوضع الحديث [اللسان (٤/ ٤٧٢)]. والراوي عنه: محمد بن محرز التميمي: ليس بالمشهور، ولم يوثقه معتبر [تاريخ بغداد (٣/ ٢٨٦)]. ٢ - وروى شريك بن عبد الله النخعي، في هذا المعنى حديثًا اضطرب في إسناده: أ- فرواه أسود بن عامر شاذان، عن شريك، عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن غريب، عن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ يجنب ثم ينام، ثم ينتبه، ثم ينام، ولا يمس ماءً. أخرجه أحمد (٦/ ١١١)، والطبراني في الأوسط (٦/ ١٦٤/ ٦٠٨٨). ب- ورواه أبو النضر هاشم بن القاسم، عن شريك، عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن غريب، عن أم سلمة، قالت: كان رسول الله ﷺ يجنب ثم ينام، ثم ينتبه، ثم ينام.

стр. 950

أخرجه أحمد (٦/ ٢٩٨). ج- ورواه علي بن الجعد، عن شريك، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن عائشة، قالت: كان، قالوا: النبي ﷺ ؟ قالت: نعم، يجنب ثم ينام، ثم ينتبه، ثم ينام. أخرجه أبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (٢٢٩٢). فهو حديث مضطرب، الحمل فيه على شريك؛ فإن الذين رووه عنه كلهم ثقات أثبات، ولا يحتمل هذا التعدد في الأسانيد من شريك لسوء حفظه، وكثرة خطئه. *** ٩٠ - باب في الجنب يقرأ القرآن ٢٢٩ - . . . عمر بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، قال: دخلت على علي ﵁ أنا ورجلان: رجل منا، ورجل من بني أسد -أحسب-، فبعثهما علي ﵁ وجهًا، وقال: إنكما عِلجان، فعالجا عن دينكما، ثم قام فدخل المخرج، ثم خرج فدعا بماء فأخذ منه حفنة فتمسح بها، ثم جعل يقرأ القرآن، فأنكروا ذلك، فقال: إن رسول الله ﷺ كان يخرج من الخلاء فيُقرئُنا القرآن، وبكل معنا اللحم، ولم يكن يحجبه -أو قال: يحجزه- عن القرآن في شيءٌ ليس الجنابة. • حديث ضعيف سبق تخريجه مع أحاديث الباب في مسائل الفقه (٣/ ١٣٣ - ١٥٤). ولا يصح في هذا الباب حديث مرفوع، وإنما صح في نهي الجنب عن قراءة القرآن: عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب: موقوفًا عليهما. وعليه العمل؛ فإنهما اثنان من الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباع سُنَّتهم. وأما الحائض فليس يصح في نهيها شيء؛ بل جاءت أدلة عامة تدل على جواز قراءتها للقرآن، وانظر في ذلك كلام شيخ الاسلام، وتلميذه ابن القيم. وهذا نص ما كتبت هناك، مع بعض الزيادات: قراءة الجنب والحائض للقرآن ١ - حديث ابن عمر: له طرق: أ- إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرأن". أخرجه الترمذي (١٣١)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (١١٣)، وابن ماجه (٥٩٥)، وأبو الحسن بن القطان في زوائده عليه (٥٩٦)، وعبد الله بن

стр. 951

أحمد في العلل (٣/ ٣٨١/ ٥٦٧٥)، والحسن بن عرفة في جزئه (٦٠)، والبزار (١٢/ ٢٢٠/ ٥٩٢٥)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٨٨)، والعقيلي في الضعفاء (١/ ٩٠)، والآجري في أخلاق حملة القرآن (٧٧)، وابن عدي في الكامل (١/ ٢٩٨) و (٤/ ٧٣)، وابن المقرئ في المعجم (٩٨)، والدارقطني (١/ ١١٧ و ١١٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٨٩ و ٣٠٩)، وفي الصغرى (١٠٤٤)، وفي المعرفة (١/ ١٩٠/ ١١٦)، وفي الخلافيات (٢/ ٢١ - ٢٣/ ٣١٧ و ٣١٨)، وفي الشعب (٢/ ٣٧٩/ ٢١١٠)، والخطيب في تاريخه (٢/ ١٤٥)، وابن عساكر في تاريخه (٧/ ٨٨)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ١٦٦/ ١٦١)، والذهبي في السير (٦/ ١١٨) و (٨/ ٣٢٢)، وفي التذكرة (٤/ ١٤٩٥)، وفي تاريخ الإسلام (١٢/ ٧٦). قال الترمذي: "حديث ابن عمر لا نعرفه إلا من حديث إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة … ". وقال الإمام أحمد لما سأله ابنه عن هذا الحديث: "هذا باطل"، أنكره على إسماعيل بن عياش، يعني: أنه وهمٌ من إسماعيل بن عياش، قاله ابنه عبد الله. وقال البخاري لما سأله الترمذي عن هذا الحديث: "لا أعرفه من حديث ابن عقبة، هاسماعيل بن عياش: منكر الحديث عن أهل الحجاز وأهل العراق" [العلل الكبير (٧٥)]. وقال أبو حاتم: "هذا خطأ؛ إنما هو عن ابن عمر قوله" [العلل (١/ ٤٩/ ١١٦)]. وقال البزار: "وهذا الحديث لا نعلم رواه عن موسى بن عقبة إلا إسماعيل بن عياش، ولا نعلم يُروى عن ابن عمر من وجه إلا من هذا الوجه، ولا يُروى عن النبي ﷺ في الحائض إلا من هذا الوجه". وقال ابن عدي: "وهذا الحديث بهذا الإسناد لا يرويه غير ابن عياش، وعامة من رواه: عن ابن عياش، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، وزاد في هذا الإسناد عن ابن عياش: إبراهيم بن العلاء، وسعيد بن يعقوب الطالقاني، فقالا: عبيد الله، وموسى بن عقبة. وليس لهذا الحديث أصل من حديث عبيد الله". وقال البيهقي: "وليس هذا بالقوي"، وقال في موضع آخر: "قال محمد بن إسماعيل البخاري فيما بلغني عنه: إنما روى هذا إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة، ولا أعرفه من حديث غيره، وإسماعيل: منكر الحديث عن أهل الحجاز وأهل العراق. قال البيهقي: وقد روي عن غيره عن موسى بن عقبة، وليس بصحيح، وروي عن جابر بن عبد الله من قوله في الجنب والحائض والنفساء: وليس بقوي"، وقال أيضًا: "فيه نظر". وقال الذهبي في السير (٦/ ١١٨): "هذا حديث لين الإسناد من قبل إسماعيل، إذ روايته عن الحجازيين مضعَّفة". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢١/ ٤٦٠) و (٢٦/ ١٩١): "وهو حديث ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث".

стр. 952

وقال ابن القيم في إعلام الموقعين (٣/ ٣٠): "لم يصح؛ فإنه حديث معلول باتفاق أهل العلم بالحديث". وقال مغلطاي في شرح ابن ماجه: "ضعيف" [فيض القدير (٦/ ٤٥٤)]. وقال ابن حجر في الفتح (١/ ٤٠٩): "ضعيف من جميع طرقه". ب- عبد الملك بن مسلمة: حدثني المغيرة بن عبد الرحمن، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقرأ الجنب شيئًا من القرآن". أخرجه الدارقطني (١/ ١١٧)، والبيهقي في الخلافيات (٣١٩). وقال الدارقطني: "عبد الملك هذا كان بمصر، وهذا غريب عن مغيرة بن عبد الرحمن، وهو ثقة". وهو كما قال الدارقطني، حديث منكر، تفرد به عبد الملك بن مسلمة، وهو منكر الحديث، يروي المناكير الكثيرة عن أهل المدينة [اللسان (٤/ ٨١)]، قال أبو حاتم: "هو مضطرب الحديث ليس بقوي"، وقال أبو زرعة: "ليس بالقوي، وهو منكر الحديث، هو مصري" [الجرح والتعديل (٥/ ٣٧١). وانظر: المجروحين (٢/ ١٣٤)]. وعلى هذا فلا يصح من حديث المغيرة بن عبد الرحمن. ج- محمد بن إسماعيل الحساني [صدوق. الجرح والتعديل (١/ ١٩٠)، التقريب (٨٢٥)]، عن رجل، عن أبي معشر، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا بنحوه. أخرجه الدارقطني (١/ ١١٨)، والبيهقي في الخلافيات (٣٢٠). أبو معشر: نجيح بن عبد الرحمن: ضعيف، ولا يصح عنه؛ فإن الراوي عنه مبهم. وبهذا يتبين صحة ما ذهب إليه الأئمة من كون هذا الحديث لا يرويه سوى إسماعيل بن عياش، تفرد به عن موسى بن عقبة، ولم يتابع عليه، فإن هاتين المتابعتين عن موسى بن عقبة: لا تصحان، كما قال البيهقي. فهو حديث باطل؛ كما قال الإمام أحمد. ٢ - حديث جابر: له ثلاث طرق: أ- رواه يحيى بن أبي أنيسة، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: لا يقرأ الحائض ولا الجنب ولا النفساء القرآن. موقوف. أخرجه الدارقطني (١/ ١٢١)، ومن طريقه: البيهقي في الخلافيات (٣٢٩). قال الدارقطني: "يحيى: هو ابن أبي أنيسة: ضعيف". قلت: إسناده ضعيف جدًّا؛ لأجل يحيى هذا فإنه متروك [التهذيب (٩/ ٢٠٣)]، وفي تفرده عن أبي الزبير نكارة. ب- ورواه محمد بن الفضل، عن أبيه، عن طاووس، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقرأ الحائض ولا النفساء من القرآن شيئًا".

стр. 953

أخرجه الدارقطني (٢/ ٨٧)، وابن عدي (٦/ ١٦٣)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٢). وهذا حديث باطل كذب، محمد بن الفضل بن عطية بن عمر: كذبوه [التقريب (٨٨٨)]. ج- وأخرجه ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٩٧/ ٦٢١) من طريق ابن وهب: أخبرني ابن لهيعة، عن أبي الزبير: أنه سأل جابرًا عن المرأة الحائض والنفساء، هل تقرأ شيئًا من القرآن؟ فقال جابر: لا. هكذا موقوفًا بإسناد ضعيف، ابن لهيعة: ضعيف مطلقًا حتى من رواية العبادلة عنه، وهو مدلس، ولم يصرح بالسماع. • ولم يُرو في نهي الحائض عن قراءة القرآن شيء غير هذين الحديثين: حديث ابن عمر، وهو باطل، وحديث جابر، ولا يصح عنه مرفوعًا ولا موقوفًا، وفي إسناد المرفوع: كذاب، وفي الآخر: متروك، اتهمه أخوه بالكذب. ٣ - حديث علي بن أبي طالب: وله عنه طرق: أ- عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، قال: دخلت على علي ﵁ أنا ورجلان: رجل منا، ورجل من بني أسد -أحسب-، فبعثهما علي ﵁ وجهًا، وقال: إنكما علجان فعالجا عن دينكما، ثم قام فدخل المخرج، ثم خرج فدعا بماء فأخذ منه حفنة فتمسح بها، ثم جعل يقرأ القرآن، فأنكروا ذلك، فقال: إن رسول الله ﷺ كان يخرج من الخلاء فيقرئنا القرآن، ويكل معنا اللحم، ولم يكن يحجبه -أو قال: يحجزه- عن القرآن شيء ليس الجنابة. أخرجه أبو داود (٢٢٩)، والترمذي (١٤٦)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (١٣٠)، والنسائي (١/ ١٤٤/ ٢٦٥ و ٢٦٦)، وابن ماجه (٥٩٤)، وابن خزيمة (١/ ١٠٤/ ٢٠٨)، وابن حبان (٣/ ٧٩ و ٨٠/ ٧٩٩ و ٨٠٠)، والحاكم (١/ ١٥٢) و (٤/ ١٠٧)، وابن الجارود (٩٤)، والضياء في المختارة (٢/ ٢١٤ - ٢١٦/ ٥٩٦ - ٦٠٠)، وأحمد (١/ ٨٣ و ٨٤ و ١٠٧ و ١٢٤ و ١٣٤)، والطيالسي (١٠١)، والحميدي (٥٧)، وأبو نعيم الفضل بن دكين في الصلاة (١٦٦)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في فضائل القرآن (١٩٢)، وابن أبي شيبة (١/ ٩٧ و ٩٩/ ١٠٧٨ و ١١٠٧)، والبزار (٢/ ٢٨٤ - ٢٨٦/ ٧٠٦ - ٧٠٩)، وأبو يعلى (١/ ٢٤٧ و ٢٨٨ و ٣٢٦ و ٣٢٧ و ٤٠٠ و ٤٣٦ و ٤٥٩/ ٢٨٧ و ٣٤٨ و ٤٠٦ - ٤٠٨ و ٥٢٤ و ٥٧٩ و ٦٢٣)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٩٩/ ٦٢٦)، والطحاوي (١/ ٨٧)، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (٥٩)، وابن البختري في المجلس الرابع من أماليه (٢٩) [مجموع مصنفاته (١٩٣)]، وأبو بكر الآجري في أخلاق حملة القرآن (٧٦). والطبراني في الأوسط (٧/ ٩ و ١٢١/ ٦٦٩٧ و ٧٠٣٩)، وفي مسند الشاميين (٢/ ٤٢٥/ ١٦٢١)، وابن عدي في الكامل (٤/ ١٧٠)، والدارقطني في السنن (١/ ١١٩)، وفي

стр. 954

العلل (٣/ ٢٥١)، والبيهقي في السنن (١/ ٨٨ - ٨٩)، وفي المعرفة (١/ ١٨٨/ ١١٠)، وفي الشعب (٢/ ٣٧٩/ ٢١٠٩)، وفي الخلافيات (٢/ ١٢ - ٢٠/ ٣١١ - ٣١٥)، والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (٢/ ١٢١)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ١٦٧/ ١٦٢)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٢/ ٤١ - ٤٢/ ٢٧٣)، والسمعاني في أدب الإملاء (٦٥)، والمزي في تهذيب الكمال (١٥/ ٥٤). وانظر الأوهام والاختلاف فيه على بعض رواته: الكامل لابن عدي (٣/ ٥٦ و ١٩٢)، العلل للدارقطني (٣/ ٢٥٠). قال الترمذي: "حسن صحيح". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، وابن الجارود، والضياء، وابن السكن، وعبد الحق الإشبيلي، والبغوي، وقال ابن حجر في الفتح (١/ ٤٠٨): "وضعف بعضهم بعض رواته، والحق أنه من قبيل الحسن يصلح للحجة". وقد روى ابن خزيمة بإسناده عن شعبة قال: "هذا الحديث ثلث رأس مالي"، وحكاه ابن عدي. وروى الدارقطني عن شعبة قال: "ما أحدث بحديث أحسن منه". وروى الخطيب في جامعه عن شعبة قال: "ليس أحدث بحديث أجود من هذا"، وكذا في المعرفة للبيهقي، وفي علل أحمد (٢/ ٦٢). وقد يتوهم البعض أن هذا تقوية للحديث من شعبة واحتجاج منه به، إلا أن الحق بخلافه، فقد قال شعبة فيما رواه ابن الجارود: "قال يحيى [يعني: ابن سعيد القطان]: "وكان شعبة يقول في هذا الحديث: نعرف وننكر. يعني: أن عبد الله بن سلمة كان كبر حيث أدركه عمرو". وروى ابن عدي بإسناد صحيح: عن شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: كان عبد الله بن سلمة يحدثنا فكان قد كبر، فكنا نعرف وننكر. فقال شعبة: والله لأخرجنه من عنقي، ولألقينه في أعناقكم". وقال شعبة أيضًا [عند ابن عدي]: "لم يرو عمرو بن مرة أحسن من هذا الحديث، وقال شعبة: روى هذا الحديث عبد الله بن سلمة بعدما كبر". وبهذا يظهر أن شعبة يضعف الحديث؛ فإن عبد الله بن سلمة رواه بعدما خلط، ومعلوم أن رواية المختلط بعد الاختلاط مردودة، وهذه منها، وأما استحسان شعبة للحديث: فهو من باب الاستغراب، حيث كانوا يطلقون الحسن على الغريب، والله أعلم. • وقد ضعف الحديث جماعة، منهم: الشافعي، فقال في "جماع كتاب الطهور": "أهل الحديث لا يثبتونه" [معرفة السنن (١/ ١٨٨)، التلخيص (١/ ٢٤٢)].

стр. 955

وأحمد، فقد قال الخطابي: "كان أحمد يوهن هذا الحديث". وابن المنذر، فقد قال في الأوسط (٢/ ١٠٠): "وحديث علي لا يثبت إسناده؛ لأن عبد الله بن سلمة تفرد به، وقد تكلم فيه عمرو بن مرة … ، فإذا كان الناقل لخبره جرحه: بطل الاحتجاج به". والبيهقي، إذ يقول: "عبد الله بن سلمة راويه كان قد تغير". والنووي، إذ قال في المجموع (٢/ ١٥٩): "قال الترمذي: حسن صحيح، وقال غيره من الحفاظ المحققين: هو حديث ضعيف". وقال في الخلاصة: "خالف الترمذي الأكثرون، فضعفوا هذا الحديث". وهو كما قالوا؛ فإن عبد الله بن سلمة: قال فيه البخاري: "لا يتابع في حديثه"، وقال أبو حاتم، والنسائي، وقبلهما عمرو بن مرة: "يعرف وينكر"، وقال ابن عدي: "أرجو أنه لا بأس به"، ووثقه العجلي، ويعقوب بن شيبة، وقال ابن حبان في الثقات: "يخطئ"، وقال أبو أحمد الحاكم: "حديثه ليس بالقائم"، ولم يرو عنه غير عمرو بن مرة، ولخص الحانظ القول فيه بقوله: "صدوق تغير حفظه"، وقال الذهبي في المغني: "صدوق، وقال أبو حاتم والنسائي: تعرف وتنكر، وكذا قال قبلهما عمرو بن مرة" [التهذيب (٤/ ٣٢٤)، الميزان (٢/ ٤٣٠)، التقريب (٥١٢)، المغني (١/ ٣٤٠)، وغيرها]. فإن سلمنا بقول الذهبي وابن حجر؛ فإن حجتنا على ضعف هذا الحديث وعدم ثبوته: هو قول راويه أمير المؤمنين في الحديث شعبة بن الحجاج، إذ قال: "روى هذا الحديث عبد الله بن سلمة بعدما كبر"، يعني: بعد أن تغير، وكان عمرو بن مرة قد أدركه بعد تغيره، لذا قال عنه: "نعرف وننكر"، وهذا يدل على إنكار عمرو بن مرة وبعده شعبة لهذا الحديث، ولهذا قال الشافعي: "أهل الحديث لا يثبتونه". • هذا إذا قيل بتفرده بهذا الحديث وعدم مخالفته لغيره: ب- فقد روى هذا الحديث: يزيد بن هارون: نا عامر بن السمط: نا أبو الغريف الهمداني، قال: كنا مع علي في الرحبة فخرج إلى أقصى الرحبة، فوالله ما أدري أبولًا أحدث أم غائطًا؟ ثم جاء فدعا بكوز من ماء فغسل كفيه ثم قبضهما إليه، ثم قرأ صدرًا من القرآن، ثم قال: اقرؤوا القرآن ما لم يصب أحدكم جنابة، فإن أصابته جنابة فلا، ولا حرفًا واحدًا. أخرجه الدارقطني (١/ ١١٨)، هكذا موقوفًا. وقال: "هو صحيح عن علي"، يعني: موقوفًا عليه. ومن طريقه أخرجه: البيهقي في الخلافيات (٢/ ٤٠/ ٣٢٨). • وقد تابع يزيد بن هارون على وقف موضع الشاهد منه: سفيان الثوري، وخالد بن عبد الله الواسطي الطحان، والحسن بن صالح بن حي [وهم: ثقات حفاظ متقنون]، وشريك بن عبد الله النخعي [وهو صدوق، سيئ الحفظ]،

стр. 956

فرووه عن عامر بن السمط، عن أبي الغريف، قال: قال علي: لا بأس أن تقرأ القرآن وأنت على غير وضوء، فأما وأنت جنب فلا ولا حرفًا. لفظ الواسطي. ولفظ الثوري: شهدتُّ علي بن أبي طالب بال، ثم قال: اقرؤوا القرآن ما لم يكن أحدكم جنبًا، فإذا كان جنبًا فلا ولا حرفًا واحدًا. أخرجه عبد الرزاق (١/ ٣٣٦/ ١٣٠٦) [تصحفت في مطبوعة المصنف: عامر السعدي إلى عامر الشعبي]. وابن أبي شيبة (١/ ٩٧/ ١٠٨٦)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٩٦ و ٩٧/ ٦١٩ و ٦٢٠)، والبيهقي في السنن (١/ ٨٩ و ٩٠). وهذا إسناد حسن؛ فإن أبا الغريف عبيد الله بن خليفة: صدوق، وقد مع عليًّا [انظر: ترجمته مفصلة تحت الحديث رقم (١٥٧)، في طرق حديث صفوان بن عسال]، وعامر بن السمط: ثقة، وقد سمع أبا الغريف [التقريب (٢٩٧)، التاريخ الكبير (٦/ ٤٥٨)، كنى مسلم (٢٨٣٩)]. • وقد رواه مطولًا بسياق يوهم رفعه، وهو موقوف: عائذ بن حبيب [صدوق]: حدثني عامر بن السمط، عن أبي الغريف، قال: أُتي عليٌّ بالوضوء، فمضمض واستنشق ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاثًا، وغسل يديه وذراعيه ثلاثًا ثلاثًا، ثم مسح برأسه، وغسل رجليه، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ توضأ. ثم قرأ شيئًا من القرآن، ثم قال: هذا لمن ليس بجنب، فأما الجنب فلا ولا آية. أخرجه أحمد (١/ ١١٠)، وأبو يعلى (١/ ٣٠٠/ ٣٦٥)، والضياء في المختارة (٢/ ٢٤٤). وقد تقدم ذكر هذا الطريق تحت الحديث رقم (١٦٠). فإن أراد عائذ بن حبيب رفع موضع الشاهد، فهو وهم منه؛ حيث خالف في ذلك من رواه صريحًا بالوقف، وهم: سفيان الثوري، ويزيد بن هارون، وخالد بن عبد الله الطحان، والحسن بن حي، وشريك النخعي. وإلا فإن حمله على أنه من فعل عليٍّ وقوله: ظاهر. • وروى الثوري، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، قال: اقرأ القرآن على كل حال ما لم تكن جنبًا. أخرجه عبد الرزاق (١/ ٣٤٠/ ١٣٢١). • وبهذا يظهر جليًّا خطأ عبد الله بن سلمة في رفع هذا الحديث، وإنما هو موقوف على عليٍّ قوله، كذا أوقفه عليه: أبو الغريف، والحارث الهمداني. فهو كما قال الدارقطني: "هو صحيح عن علي"، يعني: موقوفًا عليه، ولا يصح رفعه، والله أعلم. ج- وروى أبو مالك النخعي الواسطي عبد الملك بن حسين، عن عاصم بن كليب، عن أبي بردة، عن أبي موسى.

стр. 957

وعن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، قالا: قال رسول الله ﷺ : "لا تقرأ القرآن وأنت جنب، … " في حديث طويل. أخرجه ابن ماجه (٨٩٥)، مختصرًا بدون موضع الشاهد، والبزار (٨/ ١٢٢/ ٣١٢٦)، والدارقطني (١/ ١١٨ - ١١٩). قال البزار: "وهذا الحديث إنما يُعرف عن علي بن أبي طالب، فجمع هذا الرجل فيه أبا موسى مع علي، ولا نعلم أحدًا جمعهما إلا عبد الملك بن حسين، ولم يتابع عليه". وأبو مالك عبد الملك بن حسين هذا: متروك، منكر الحديث [التقريب (١١٩٩)، التهذيب (٤/ ٥٨٠)]. وتفرد به عنه: أبو نعيم عبد الرحمن بن هانئ النخعي: ضعيف، كذبه ابن معين، وقال ابن عدي: "وعامة ما له لا يتابعه الثقات عليه"، ومن مشاه فلعله لم يخبره [انظر: التهذيب (٢/ ٥٦١)، الميزان (٢/ ٥٩٥)]، وحديثهما هذا منكر؛ فقد خولفا فيه: فإن هذا الحديث أصله في: سنن أبي داود (٩٠٨)، وجامع الترمذي (٢٨٢)، وسنن ابن ماجه (٨٩٤)، ومسند أحمد (١/ ٨٢ و ١٤٦)، ومسند الطيالسي (١٨٢)، ومصنف عبد الرزاق (٢/ ١٤٤/ ٢٨٣٥ و ٢٨٣٦)، ومصنف ابن أبي شيبة (٢/ ١٩٥/ ٨٠٦١)، ومسند عبد بن حميد (٦٧)، ومسند البزار (٣/ ٨٤/ ٨٥٤)، وشرح مشكل الآثار (١٢/ ٣٩٢ - ٣٩٣/ ٤٨٨٣ - ٤٨٨٥)، وسنن البيهقي (٢/ ١٢٠) و (٣/ ٢١٢)، وشرح السُّنَّة (٦٦١). من طرقٍ: عن أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث الأعور، عن علي، بغير هذا اللفظ، وبدون موضع الشاهد، وإسناده ضعيف؛ لأجل الحارث الأعور، وقال أبو داود: "أبو إسحاق لم يسمع من الحارث إلا أربعة أحاديث، ليس هذا منها". ٤ - حديث عبد الله بن مالك النافقي، وقيل: مالك بن عبد الله: يرويه ابن لهيعة، عن عبد الله بن سليمان، عن ثعلبة بن أبي الكنود، عن عبد الله بن مالك الغافقي: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول لعمر بن الخطاب: "إذا توضأتُ وأنا جنب، أكلتُ وشربتُ، ولا أصلي ولا أقرأ حتى أغتسل". أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في فضائل القرآن (١٩٦)، وأبو القاسم ابن عبد الحكم في فتوح مصر (٢٢٢ و ٥٢٠)، والطحاوي (١/ ٨٨)، وابن قانع في المعجم (٢/ ٨٧) و (٣/ ٥٤)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٢٩٥/ ٦٥٦)، والدارقطني (١/ ١١٩)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٤/ ١٧٧٨/ ٤٥١٣)، والبيهقي (١/ ٨٩). وإسناده ضعيف؛ لضعف ابن لهيعة، وعنعنته؛ فإنه مدلس، وثعلبة بن أبي الكنود: فلم أر من وثقه غير ابن حبان [التاريخ الكبير (٢/ ١٧٥)، الجرح (٢/ ٤٦٣)، الثقات (٤/ ٩٩)، الاستغناء (٧٥٧)]. وإنما يُعرف هذا عن عمر بن الخطاب قوله. ٥ - حديث عبد الله بن رواحة:

стр. 958

يرويه زمعة بن صالح، واختلف عليه: أ- فرواه إسماعيل بن عياش [روايته عن غير أهل الشام: ضعيفة، وهذه منها]، وعمر بن زريق [الموصلي: شيخ لابن عمار الموصلي، ولم يوثق. المؤتلف للدارقطني (٢/ ١٠٢١)، الإكمال (٤/ ٥٧)، المشتبه (١/ ٣١٥)، التوضيح (٤/ ١٧٩)]: كلاهما: عن زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عبد الله بن رواحة: أن رسول الله ﷺ نهى أن يقرأ أحدنا القرآن وهو جنب. أخرجه الدارقطني (١/ ١٢٠ و ١٢١)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٣/ ١٦٤٠/ ٤١١٥)، والبيهقي في الخلافيات (٢/ ٣٢٣/٣٢). قال الدارقطني: "إسناده صالح، وغيره لا يذكر: عن ابن عباس". ب- وخالفهما: أبو نعيم الفضل بن دكين [ثقة ثبت]، وسعيد بن زكريا [القرشي: صدوق، لم يكن بالحافظ]: فروياه عن زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، قال: كان ابن رواحة مضطجعًا إلى جنب امرأته، فقام إلى جارية له في ناحية الحجرة فوقع عليها، وفزعت امرأته، فلم تجده في مضجعه، فقامت وخرجت، فرأته على جاريته، فرجعت إلى البيت، فأخذت الشفرة ثم خرجت، وفرغ فقام، فلقيها تحمل الشفرة، فقال: مهيم؟ فقالت: مهيم! لو أدركتك حيث رأيتك لوجأت بين كتفيك بهذه الشفرة، قال: وأين رأيتني؟ قالت: رأيتك على الجارية، قال: ما رأيتني، وقد نهى رسول الله ﷺ أن يقرأ أحدنا القرآن وهو جنب، قالت: فاقرأ، فقال: أتانا رسول الله يتلو كتابه … كما لاح مشهور من الفجر ساطع أتى بالهدى بعد العمى فقلوبنا … به موقنات أن ما قال واقع يبيت يجافي جنبه عن فراشه … إذا استثقلت بالمشركين المضاجع فقالت: آمنت بالله، وكذبت البصر، ثم غدا على رسول الله ﷺ ، فضحك حتى رأيت نواجذه ﷺ . لفظ أبي نعيم. أخرجه ابن أبي الدنيا في الإشراف (٢٣٨)، ويعقوب بن سفيان الفسوي في المعرفة والتاريخ (١/ ١٠٥)، والدارقطني (١/ ١٢٠)، والبيهقي في الخلافيات (٢/ ٣٠ و ٣١/ ٣٢١ و ٣٢٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٨/ ١١٦ و ١١٨). وتابعهما أيضًا: إسماعيل بن عياش، في رواية عنه، أخرجها الدارقطني (١/ ١٢٠)، وابن عساكر (٢٨/ ٨١)، فلم يذكر ابن عباس في الإسناد. وهذا هو المحفوظ عن زمعة: مرسل، فإن عكرمة لم يدرك عبد الله بن رواحة، وهو ظاهر الإرسال [تحفة التحصيل (٢٣٢)]. وهو حديث منكر. زمعة بن صالح: ضعيف؛ لا سيما فيما يرويه عن سلمة بن وهرام، فقد روى عنه

стр. 959

زمعة أحاديث مناكير [العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٥٢٧/ ٣٤٧٩)، الثقات (٦/ ٣٩٩)، الكامل (٣/ ٣٣٨)، التهذيب (١/ ٦٣٥) و (٢/ ٧٩)، علل الترمذي الكبير (٢٦٧)، طبقات الشافعية الكبرى (١/ ٢٦٦)]. ولهذه القصة المذكورة طرق أخرى لكنها منقطعة ومعضلة لا تغني شيئًا، لا نطيل بذكرها، ومن أراد المزيد فلينظر تخريج الشيخ مشهور على خلافيات البيهقي (٢/ ٣٢ - ٣٨)، فقد أطال النفس في بيان بطلان هذه القصة؛ لما اشتملت عليه مما لا يجوز نسبته إلى النبي ﷺ من الإقرار بتسمية الشعر قرآنًا، والله -سبحانة وتعالى- يقول: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ [الحاقة: ٤١]، ومن نسبة الكذب العمد والتقول على الله كذبًا إلى هذا الصحابي الجليل. وقد حكم على هذه القصة بالوضع: محمد رشيد رضا في فتاويه (٣/ ٩٧٠ - ٩٧١)، ومحمد حامد الفقي في تعليقه على "الرد على الجهمية". قال محمد رشيد رضا في مجلة المنار (١١/ ٧/ ٥٢٠): "أما وجه حكمي بوضعها: فهو ما فيها من نسبة تعمد الكذب من صحابي من الأنصار الأولين الصادقين الصالحين، وتسميته الشعر قرآنًا؛ أي: نسبته إلى الله القائل فيه: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ [الحاقة: (٤١)]، وإقرار النبي ﷺ له على ذلك بالضحك الدال على الاستحسان، كما صرح به في بعض الروايات، وقد صرح العلماء بأن من نسب إلى القرآن ما ليس منه كان مرتدًا". وأما الشعر الوارد في القصة فنسبته ثابتة عن ابن رواحة: فقد أخرج البخاري في الصحيح (١١٥٥ و ٦١٥١)، وفي التاريخ الكبير (٨/ ٢١٢)، وفي الأوسط (١/ ٢٣)، وأحمد (٣/ ٤٥١)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٤/ ٣٧/ ١٩٨١)، ويعقوب بن سفيان الفسوي في المعرفة والتاريخ (١/ ١٩٩) و (٣/ ٢٨٦)، وابن جرير الطبري في مسند عمر من تهذيب الآثار (٢/ ٨٦٠/ ٩٦٧)، والبيهقي (١٠/ ٢٣٩)، وابن عساكر (٢٨/ ١٠٥): من طريق: يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني الهيثم بن أبي سنان: أنه سمع أبا هريرة ﵁، وهو يقص في قصصه، وهو يذكر رسول الله ﷺ [يقول:] "إن أخًا لكم لا يقول الرفث"، يعني بذلك: عبد الله بن رواحة قال: وفينا رسول الله يتلو كتابه … إذا انشق معروف من الفجر ساطع أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا … به موقنات أن ما قال واقع يبيت يجافي جنبه عن فراشه … إذا استثقلت بالمشركين المضاجع • هذا ما وقفت عليه مرفوعًا من أحاديث الباب، وكما ترى لا يصح منه شيء، وإنما يصح عن علي موقوفًا عليه في النهي عن قراءة الجنب للقرآن، وكذلك صح عن عمر بن الخطاب: فقد روى سفيان الثوري، وزائدة بن قدامة، ويعلى بن عبيد، وحفص بن غياث، وأبو معاوية، وغيرهم:

стр. 960

عن الأعمش، عن شقيق، عن عَبيدة السلماني، قال: كان عمر بن الخطاب يكره أن يقرأ القرآن وهو جنب. أخرجه عبد الرزاق (١/ ٣٣٧/ ١٣٠٧)، وابن أبي شيبة (١/ ٩٧)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٩٦/ ٦١٨)، والطحاوي (١/ ٩٠)، والبيهقي في المعرفة (١/ ١٨٩/ ١١٥)، وفي الخلافيات (٢/ ٣٨/ ٣٢٥). وهذا إسناد صحيح، فإن عبيدة السلماني مخضرم، سمع عمر، قاله البخاري [التاريخ الكبير (٦/ ٨٢)]. قال البيهقي في المعرفة: "صحيح عن عمر بن الخطاب". وقال في الخلافيات: "وهذا إسناد صحيح". وحكى ابن حجر في التلخيص (١/ ٢٤١) عن البيهقي قوله: "وصح عن عمر: أنه كان يكره أن يقرأ القرآن وهو جنب"، ثم قال: "وساقه عنه في الخلافيات بإسناد صحيح". • فهذان اثنان من الخلفاء الراشديبن: عمر وعلي، قد قالا بذلك، أعني: كراهة قراءة الجنب للقرآن، وقد أمرنا باتباع سُنتهم "عليكم بسُنتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهدبين من بعدي"، والاقتداء بهم "اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر"، وعلق حصول الرشد بطاعتهم "إن يطع الناس أبا بكر وعمر يرشدرا". قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٢١/ ٤٦٠): "فإن قراءة الحائض القرآن لم يثبت عن النبي ﷺ فيه شيء غير الحديث المروي عن إسماعيل بن عياش … ، وهو حديث ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث … ومعلوم أن النساء كن يحضن على عهد رسول الله ﷺ ولم يكن ينهين عن قراءة القرآن [وقال في (٢٦/ ١٩١): "فلو كانت القراءة محرمة عليهن كالصلاة؛ لكان هذا مما بيَّنه النبي ﷺ لأمته، وتعلمه أمهات المؤمنين، وكان ذلك مما ينقلونه إلى الناس، فلما لم ينقل أحد عن النبي ﷺ في ذلك نهيًا لم يجز أن تجعل حرامًا؛ مع العلم أنه لم ينه عن ذلك، وإذا لم ينه عنه مع كثرة الحيض في زمنه علم أنه ليس بمحرم"] كما لم يكن ينههن عن الذكر والدعاء، بل أمر الحُيَّض أن يخرجن يوم العيد فيكبرن بتكبير المسلمين، وأمر الحائض أن تقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت: تلبي وهي حائض، وكذلك بمزدلفة ومنى وغير ذلك من المشاعر، وأما الجنب فلم يأمره أن يشهد العيد ولا يصلي، ولا أن يقضي شيئًا من المناسك؛ لأن الجنب يمكنه أن يتطهر فلا عذر له في ترك الطهارة، بخلاف الحائض فإن حدثها قائم لا يمكنها مع ذلك التطهر … ، فعلم أن الحائض يرخص لها فيما لا يرخص للجنب فيه لأجل العذر، وإن كانت عدتها أغلظ، فكذلك قراءة القرآن لم ينهها الشارع عن ذلك". وقال ابن القيم في إعلام الموقعين (٣/ ٣١): "وإذا لم يصح الحديث لم يبق مع المانعين حجة إلا القياس على الجنب، والفرق الصحيح بينها وبين الجنب: مانع من الإلحاق، وذلك من وجوه:

стр. 961

أحدها: أن الجنب يمكنه التطهر متى شاء بالماء أو بالتراب فليس له عذر في القراءة مع الجنابة بخلاف الحائض. والثاني: أن الحائض يشرع لها الإحرام، والوقوف بعرفة، وتوابعه، مع الحيض بخلاف الجنب. الثالث: أن الحائض يشرع لها أن تشهد العيد مع المسلمين وتعتزل المصلى بخلاف الجنب". • ومما يقوي هذا المذهب في جواز قراءة القرآن للحائض دون الجنب: قوله ﷺ لعائشة لما حاضت بسرف: "افعلي ما يفعل الحاج؛ غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري". أخرجه البخاري (٣٠٥)، ومسلم (١٢١١)، وغيرهما. وحديث جابر، وله طرق منها: ١ - حبيب المعلم، عن عطاء، عن جابر، في صفة حج النبي ﷺ ، وفيه: فأمرها النبي ﷺ أن تنسك المناسك كلها غير أنها لا تطوف ولا تصلي حتى تطهر. أخرجه البخاري (٧٢٣٠)، والبيهقي (٥/ ٩٥). ٢ - ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير: أنه سمع جابرًا … فذكر الحديث، وفيه: "وأهلي بالحج، ثم حجي، واصنعي ما يصنع الحاج؛ غير أن لا تطوفي بالبيت ولا تصلي". أخرجه أبو داود (١٧٨٦)، وعبد بن حميد (١٠٤٢)، والطحاوي (٢/ ٢٠١)، والبيهقي (٥/ ٩٥). وهذا إسناد صحيح، على شرط مسلم؛ بل إن مسلمًا قد ساق إسناده، ولم يسق لفظه (١٢١٤ و ١٢١٥). • وأما ما علقه البخاري في كتاب الحيض، ٧ - باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، مستدلًا به على جواز قراءة القرآن للجنب والحائض. أما ما استدل به للحائض فمسلم. وأما ما استدل به للجنب فغير مسلم، فقد قال: أ- ولم ير ابن عباس بالقراءة للجنب بأسًا. فهذا معارض بما ورد عن أكابر الصحابة، وصح عنهم: كعمر وعلي. ب- وكان النبي ﷺ يذكر الله في كل أحيانه. فهو حديث صحيح: أخرجه مسلم (٣٧٣)، وقد تقدم عند أبي داود برقم (١٨). ولا حجة فيه للبخاري في جواز قراءة الجنب للقرآن. قال ابن رجب في الفتح (١/ ٤٢٦): "لأن ذكر الله إذا أطلق لا يراد به القرآن"، فيكون من قبيل العام المخصوص بالأدلة المتقدمة.

стр. 962

ج- وقال ابن عباس: أخبرني أبو سفيان: أن هرقل دعا بكتاب النبي ﷺ فقرأ، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ الآية [آل عمران: ٦٤]. وهو حديث متفق على صحته [البخاري (٧) وانظر أطرافه، مسلم (١٧٧٣)، أبو داود (٥١٣٦)، الترمذي (٢٧١٧)، وغيرهم]. ووجه الدلالة منه: إذا جاز له مس الكتاب وهو جنب، لكونه كافرًا، جاز له قراءته، وهو المقصود من الكتابة، فاستلزم جواز القراءة بالنص، وقد أجيب عنه بأجوبة منها: ١ - أن الكتاب اشتمل على أشياء غير الآيتين، فأشبه ما لو ذكر بعض القرآن في كتاب في الفقه أو في التفسير؛ فإنه لا يمنع من قراءته ولا مسه عند الجمهور؛ لأنه لا يقصد منه التلاوة. ٢ - أنه يجوز مثل ذلك في المكاتبة لمصلحة التبليغ. ٣ - ومنها جواز تعليم النصراني الحرف من القرآن إن رجي هدايته [انظر: فتح الباري لابن حجر (١/ ٤٨٦)، فتح الباري لابن رجب (١/ ٤٣٠)]. وممن ذهب إلى جواز القراءة للجنب والحائض أيضًا: ابن حزم في المحلى (١/ ٧٧). وقد ذهب جمهور الفقهاء: الحنفية والشافعية والحنابلة، إلى حرمة قراءة الحائض للقرآن، خلافًا للمالكية الذين أجازوا لها ذلك. ويحرم على الجنب قراءة القرآن عند عامة العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، ويجوز عند الجميع تلاوة ما لم يقصد به القرآن كالأدعية والذكر البحت، والله أعلم. *** ٩١ - باب في الجنب يصافح ٢٣٠ - . . . واصل، عن أبي وائل، عن حذيفة: أن النبي ﷺ لقيه فأهوى إليه، فقال: إني جنب، فقال: "إن المسلم لا ينجس"، وفي نسخة: "ليس بنجس". • حديث صحيح. ولفظ مسلم: أن رسول الله ﷺ لقيه وهو جنب، فحاد عنه فاغتسل، ثم جاء فقال: كنت جنبًا، قال: "إن المسلم لا ينجس". أخرجه مسلم (٣٧٢)، وأبو عوانة (١/ ٢٣١/ ٧٧٥ - ٧٧٨)، وأبو نعيم في المستخرج (١/ ٤٠٦/ ٨١٨)، والنسائي (١/ ١٤٥/ ٢٦٨)، وابن ماجه (٥٣٥)، وابن حبان (٤/ ٢٠٤/ ١٣٦٩)، وأحمد (٥/ ٣٨٤ و ٤٠٢)، وابن أبي شيبة (١/ ١٥٩/ ١٨٢٦)، والبزار (٧/ ٣٠٠/ ٢٨٩٦ و ٢٨٩٧)، وأبو العباس السراج في مسنده (٢٣)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ١٠٩/ ٦٣٦) و (٥/ ١٣٤ و ٣٤٠/ ٢٥٣٤ و ٢٩٤٦)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٣٤)، والبيهقي (١/ ١٨٩).

стр. 963

وقد رواه جرير، عن الشيباني، عن أبي بردة، عن حذيفة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا لقي الرجل من أصحابه ماسحه، ودعا له، قال: فرأيته يومًا بكرة فحدت عنه، ثم أتيته حين ارتفع النهار، فقال: "إني رأيتك فحدت عني؟ " فقلت: إني كنت جنبًا، فخشيت أن تمسني، فقال رسول الله ﷺ : "إن المسلم لا ينجس". أخرجه النسائي (١/ ١٤٥/ ٢٦٧)، وابن حبان (٤/ ٦٨ و ٢٠٥/ ١٢٥٨ و ١٣٧٠)، وأبو العباس السراج في مسنده (٢٤)، وفي حديثه بانتقاء زاهر الشحامي (٢٤٧٣ و ٢٤٧٤). وهذا إسناد صحيح، رجاله رجال الشيخين. وجرير هو: ابن عبد الحميد، والشيباني هو: أبو إسحاق. وذكره الحافظان ابن رجب وابن حجر في فتحيهما (١/ ٣٤٨) و (١/ ٤٦٥)، وسكتا عنه. وله أسانيد أخرى فيها مقال، انظر: مسند أحمد (٥/ ٤٠٢)، مصنف عبد الرزاق (١/ ١٢٤/ ٤٥٦)، مصنف ابن أبي شيبة (١/ ١٥٩/ ١٨٢٧)، مسند البزار (٧/ ٣٥٧ - ٣٥٨/ ٢٩٥٥)، معجم ابن الأعرابي (١٢٨٥)، معجم الطبراني الكبير (١٢/ ١٩٤/ ١٢٨٧١)، تاريخ ابن عساكر (٥٢/ ٣١٣). *** ٢٣١ - . . . حميد، عن بكر، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، قال: لقيني رسول الله ﷺ في طريق من طرق المدينة، وأنا جنب، فاختنست، فذهبت فاغتسلت، ثم جئت، فقال: "أين كنت يا أبا هريرة؟ "، قال: قلت: إني كنت جنبًا، فكرهت أن أجالسك على غير طهارة، فقال: "سبحان الله، إن المسلم لا ينجس". قال أبو داود: في حديث بشر: حدثنا حميد: حدثني بكر. • حديث متفق على صحته. وفي رواية البخاري ومسلم: "سبحان الله، إن المؤمن لا ينجس". أخرجه البخاري (٢٨٣ و ٢٨٥)، ومسلم (٣٧١)، والترمذي (١٢١)، والنسائي (١/ ١٤٥ - ١٤٦/ ٢٦٩)، وابن ماجه (٥٣٤)، وأبو عوانة (١/ ٢٣١/ ٧٧٣ و ٧٧٤)، وأبو نعيم في المستخرج (١/ ٤٠٥ و ٤٠٦/ ٨١٦ و ٨١٧)، وابن حبان (٤/ ٧٠/ ١٢٥٩)، وابن الجارود (٩٦)، وأحمد (٢/ ٢٣٥ و ٣٨٢ و ٤٧١)، وابن أبي شيبة (١/ ١٥٩/ ١٨٢٥)، وابن المنذر في الأوسط (١/ ٢٩٠ - ٢٩١/ ٢٠١) و (٢/ ١٧٩/ ٧٥٢) و (٥/ ٣٤٠/ ٢٩٤٧)، والطحاوي (١/ ١٣)، وابن حزم في المحلى (١/ ١٢٩)، والبيهقي (١/ ١٨٩)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٢/ ٢٩ و ٣٠/ ٢٦٠ و ٢٦١)، وابن الجوزي في التحقيق (٢/ ٤/ ٨٥٤)، والذهبي في السير (١٢/ ٧٤).

стр. 964

وانظر: التقييد للجياني (٣/ ٨٠٧)، غرر الفوائد (١٤)، النكت الظراف (١٠/ ٣٨٥). قال الترمذي: "وفي الباب: عن حذيفة، وابن عباس"، قال: "وحديث أبي هريرة: حديث حسن صحيح، ومعنى قوله: "فانخنست" يعني: تنحيت عنه، وقد رخص غير واحد من أهل العلم في مصافحة الجنب، ولم يروا بعرق الجنب والحائض بأسًا". وترجم له البخاري بقوله: "باب: عرق الجنب، وأن المسلم لا ينجس"، وقوله: "باب: الجنب يخرج ويمشي في السوق وغيره". قال ابن رجب في فتح الباري (١/ ٣٤٤): "وفيه دليل على أن الجنب له أن يذهب في حوائجه، ويجالس أهل العلم والفضل، وأنه ليس بنجس، وإذا لم يكن نجسًا، ففضلاته الطاهرة باقية على طهارتها، كالدمع والعرق والريق، وهذا كله مجمع عليه بين العلماء، ولا نعلم بينهم فيه اختلافًا، قال الإمام أحمد: عائشة وابن عباس يقولان: لا بأس بعرق الحائض والجنب، وقال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن عرق الجنب طاهر". وقال أيضًا (١/ ٣٤٨): "استدل به على استحباب المصافحة، وعلى جواز مصافحة الجنب، وقد يكون في يده عرق". وانظر: فتح الباري لابن حجر (١/ ٤٦٥). *** ٩٢ - باب في الجنب يدخل المسجد ٢٣٢ - . . . عبد الواحد بن زياد: حدثنا الأفلت بن خليفة، قال: حدثتني جسرة بنت دجاجة، قالت: سمعت عائشة ﵂، تقول: جاء رسول الله ﷺ ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد، فقال: "وجهوا هذه البيوت عن المسجد" ثم دخل النبي ﷺ ، ولم يصنع القوم شيئًا؛ رجاء أن تنزل فيهم رخصة، فخرج إليهم بعدُ فقال: "وجهوا هذه البيوت عن المسجد، فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب". قال أبو داود: هو فليت العامري. • حديث منكر. سبق تخريجه في مسائل الفقه (٤/ ١٨١ - ١٨٨)، وراجع فيه حكم المسألة. وهذا نص ما كتبت هناك: لبث الحائض في المسجد روى عبد الواحد بن زياد: حدثنا الأفلت بن خليفة، قال: حدثتني جسرة بنت دجاجة، قالت: سمعت عائشة ﵂، تقول: جاء رسول الله ﷺ ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد، فقال: "وجهوا هذه البيوت عن المسجد"، ثم دخل النبي ﷺ ، ولم

стр. 965

يصنع القوم شيئًا؛ رجاء أن تنزل فيهم رخصة، فخرج إليهم بعدُ فقال: "وجهوا هذه البيوت عن المسجد، فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب". أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٦٧)، وزاد في آخره: "إلا لمحمد وآل محمد". وأبو داود (٢٣٢)، وهذا لفظه، وابن خزيمة (٢/ ٢٨٤/ ١٣٢٧)، وإسحاق بن راهويه (٣/ ١٠٣٢/ ١٧٨٣)، والدولابي في الكنى (٢/ ٤٦٧/ ٨٤٣)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٣٥/ ٢٥٣٥)، والبيهقي في السنن (٢/ ٤٤٢)، وفي الخلافيات (٢/ ٢٥١/ م ١٣٦ - مختصره)، والبغوي في التفسير (١/ ١٩٧). قال ابن القطان الفاسي في بيان الوهم والإيهام (٥/ ٣٣٢/ ٢٥٠٩): "ولم أقل: إن هذا الحديث المذكور: صحيح، وإنما أقول: إنه حسن". قال ابن سيد الناس: "ولعمري إن التحسين لأقل مراتبه؛ لثقة رواته، ووجود الشواهد له من خارج" [النفح الشذي (٣/ ٢٠١)، نيل الأوطار (١/ ٢٢٩)]، وتبعه على ذلك تلميذه ابن الملقن في البدر المنير (٢/ ٥٦١). وقد صححه ابن خزيمة، وسكت عليه أبو داود. قلت: أما ثقة رواته: فغير مسلَّم، فإن جسرة بنت دجاجة: وإن وثقها العجلي وابن حبان، وهما معروفان بتساهلهما في توثيق المجاهيل من التابعين، فقد تكلم فيها البخاري والدارقطني، أما البخاري فقال: "وعند جسرة عجائب"، وأما الدارقطني فقال: "يعتبر بحديثها، إلا أن يحدث عنها من يترك" [سؤالات البرقاني (٦٩)]. وانظر تفصيل الكلام عنها، وعن أفلت بن خليفة: في تخريج أحاديث الذكر والدعاء الحديث (٦١٨) (٣/ ١١٧١). فأحسن أحوالها أن يعتبر بحديثها؛ فإن توبعت قبل حديثها، لا سيما وقد روت أحاديث منكرة كهذا الحديث، والحديث الذي سبق الإشارة إليه في الدعاء دبر الصلاة. • وقد اختلف عليها في هذا الحديث: أ- فرواه عنها أفلت هكذا، وأقلت: صدوق. ب- ورواه ابن أبي غنية، عن أبي الخطاب الهجري، عن محدوج الذهلي، عن جسرة، قالت: أخبرتني أم سلمة قالت: دخل رسول الله ﷺ صرحة هذا المسجد فنادى بأعلى صوته: "إن المسجد لا يحل لجنب ولا لحائض"، وزاد في رواية: "إلا لرسول الله، وأزواجه، وعلي، وفاطمة بنت محمد، ألا هل بيَّنت لكم الأسماء أن تضلوا". أخرجه ابن ماجه (٦٤٥)، وابن أبي شيبة في المسند (٢/ ٤٧٨/ ١٨٢ - مطالب)، وابن أبي حاتم في العلل (١/ ٩٩/ ٢٦٩)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٣٧٣/ ٨٨٣)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/ ٣٤٤)، وابن بشران في الأمالي (١٣٩٠)، والبيهقي (٧/ ٦٥)، وابن عساكر في التاريخ (١٤/ ١٦٦) و (٤٢/ ١٤٠ - ١٤١).

стр. 966

محدوج الذهلي: قال البخاري: "فيه نظر"، وفي التقريب (٩٢٣): "مجهول" [الكامل (٦/ ٤٤٤)، الميزان (٣/ ٤٤٣)]. وأبو الخطاب الهجري: مجهول [التقريب (١١٤٠)]. وأما ابن أبي غنية: فهو عبد الملك بن حميد بن أبي غنية: ثقة [التقريب (٦٢٢)]. وبذا يظهر أن قول أقلت: أولى بالصواب. قال أبو زرعة: "يقولون: عن جسرة، عن أم سلمة، والصحيح: عن عائشة". إذًا نرجع إلى حديث: أفلت، عن جسرة، عن عائشة: فإن حديث جسرة لا يُقبل حتى توافق غيرها من أصحاب عائشة ﵂، وهي هنا قد خالفت: عباد بن عبد الله بن الزبير، وعمه عروة بن الزبير، وهما: ثقتان مشهوران من أصحاب عائشة، لا سيما عروة ابن أختها، فهو من المكثرين عنها، وحديثه عنها مبسوط بين أصحابه. قال البخاري في حديث محدوج: "ولا يصح هذا عن النبي ﷺ [التاريخ الكبير (٦/ ١٨٤)]. وقال بعد ذكر حديث أقلت: "وقال عروة وعباد بن عبد الله عن عائشة عن النبي ﷺ : "سدوا هذه الأبواب إلا باب أبي بكر"، وهذا: أصح"، وقال في موضع آخر (١/ ٤٠٨): "وحديث الزهري أصح [يعني: حديث عباد]، وتابعه: عروة عن عائشة عن النبي ﷺ . وقال البيهقي: "وهذا أصح من حديث جسرة" [الخلافيات (٢/ ٢٥١/ م ١٣٦ - مختصره)]. وقال في المعرفة (٢/ ٢٥٧): "وأما حديث أفلت … : فإنه ليس بالقوي". قلت: وحديث عروة وعباد عن عائشة قد اختلف فيه اختلافًا كثيرًا، قال ابن عبد البر في التمهيد (٢١/ ٢٣٠): "اختلف على ابن شهاب في هذا الحديث اختلافًا كثيرًا". انظر: سنن الدارمي (١/ ٥١/ ٨١)، مسند أبي يعلى (٨/ ٥٧/ ٤٥٧٩)، فضائل الصحابة لعبد الله بن أحمد بن حنبل (١/ ٧٠ و ٤٠٧/ ٣٣ و ٦٢٩)، مصنف عبد الرزاق (٥/ ٤٢٩/ ٩٧٥٤)، طبقات ابن سعد (٢/ ٢٢٨)، كنى الدولابي (٢/ ٨٥٨/٤٧٥)، شرح مشكل الآثار (٩/ ١٧٩ - ١٨١/ ٣٥٤٦ - ٣٥٤٩)، علل ابن أبي حاتم (٢/ ٣٥٩ و ٣٨٧/ ٢٥٩٥ و ٢٦٧٢)، مسند الشاميين (٤/ ٢٥٦/ ٣٢١٩)، الكامل (١/ ٢٢٤)، الكتاب اللطيف (١٣٣)، معرفة علوم الحديث (٩٩)، معرفة الصحابة لأبي نعيم (٦/ ٣١١٦/ ٧١٨٥)، التمهيد (٢١/ ٢٣٠)، تاريخ دمشق (٢٥/ ٣٣٢) و (٣٠/ ٢٥٣). • إلا أنه قد صح من حديث: ابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وغيرهما. أما حديث أبي سعيد: فقد أخرجه البخاري (٤٦٦ و ٣٦٥٤ و ٣٩٠٤)، ومسلم (٢٣٨٢). والشاهد منه قوله ﷺ : "لا يبقين في المسجد باب إلا سُدَّ؛ إلا باب أبي بكر".

стр. 967

• وأما حديث ابن عباس: فأخرجه البخاري (٤٦٧ و ٣٦٥٦ و ٣٦٥٧ و ٦٧٣٨). والشاهد منه: "سدوا عني كل خوخة في هذا المسجد؛ غير خوخة أبي بكر". • وممن ضعف حديث جسرة أيضًا: عبد الحق الإشبيلي، فقال: "إنه لا يثبت من قبل إسناده" [نصب الراية (١/ ١٩٤)]. وقال الخطابي في معالم السنن (١/ ٦٧) نقلًا عن أحمد وبعض أهل الظاهر: "وضعفوا هذا الحديث، وقالوا: أفلت راويه: مجهول، لا يصح الاحتجاج بحديثه". وقال البغوي في شرح السُّنَّة (٢/ ٤٦): "وضعف أحمد الحديث؛ لأن راويه وهو أفلت بن خليفة: مجهول"، وكذا قال في التفسير (١/ ٤٣٢). قلت: أما أقلت: فصدوق، وإنما علته في جسرة، وتقدم بيانها. وضعفه ابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٣٥). وقال ابن حزم في المحلى (٢/ ١٨٦): "هذا حديث باطل، وأقلت: غير مشهور، ولا معروف بالثقة" [البدر المنير (٢/ ٥٥٩)]. وقال ابن رجب في فتح الباري (٢/ ٤٤٩): "وفي إسناده مقال". وضعفه الألباني في الإرواء (١/ ٢١٠/ ١٩٣). • ومن شواهد حديث جسرة: ما رواه سالم بن أبي حفصة، عن عطية، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: "يا علي! لا يحل لأحد يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك". قال راويه علي بن المنذر: قلت لضرار بن صرد: ما معنى هذا الحديث؟ قال: لا يحل لأحد يستطرقه جنبًا غيري وغيرك. أخرجه الترمذي (٣٧٢٧)، والبيهقي (٧/ ٦٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٢/ ١٤٠). قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وسمع مني محمد بن إسماعيل هذا الحديث فاستغربه". وقال ابن كثير في تفسيره (١/ ٤٧٥): "فإنه حديث ضعيف لا يثبت، فإن سالمًا هذا: متروك، وشيخه عطية: ضعيف". وقال ابن الملقن في البدر المنير (٧/ ٤٦٣): "سببه أن مداره على سالم بن أبي حفصة، وعطية العوفي، وهما: ضعيفان جدًّا، شيعيان متهمان في رواية هذا الحديث، وقد أجمعوا على تضعيف سالم، وعللوه بالتشيع، والجمهور على تضعيف عطية، فيعترض إذًا على الترمذي في تحسينه له، لا جرم اعترض عليه ابن دحية في كتابه مرج البحرين، لكن قد يقال: لعله اعتضد عنده بشاهد آخر، أو متابع فصار حسنًا به، وقد ذكره البغوي في مصابيحه على اصطلاحه، ونقل بعضهم عن ابن الجوزي أنه نسبه إلى الوضع". قلت: سالم: لم يترك، إلا أنه شيعي غالي [التهذيب (٣/ ٢٤٥)]، وقد توبع عليه:

стр. 968

فقد رواه ابن أبي ليلى [وهو صدوق، سيئ الحفظ جدًّا، وفي الإسناد إليه من لا يعرف]، وكثير بن إسماعيل النواء [ضعيف، شيعي غالي. التهذيب (٣/ ٤٥٧)، الميزان (٣/ ٤٠٢)]، عن عطية به. أخرجه وكيع محمد بن خلف في أخبار القضاة (٣/ ١٤٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٢/ ١٤٠)، وابن الجوزي في الموضوعات (١/ ٢٧٥). قال الذهبي في تلخيص الموضوعات (٢٦٠): "وهذا ليس بصحيح". قلت: هو حديث باطل منكر. • وقد روى هذا الحديث الأخير: الحسن بن زيد الهاشمي، عن خارجة بن سعد، عن أبيه سعد، مرفوعًا بلفظه مثله. أخرجه البزار (٤/ ٣٦/ ١١٩٧). وقال: "وهذا الكلام لا نعلمه يروى عن سعد إلا من هذا الوجه بهذا الأسناد … ، ولا نعلم روى عن خارجة بن سعد إلا الحسن بن زيد هذا". قلت: خارجة هذا هو علته، والظاهر أنه في عداد المجاهيل، ولم أقف له على ترجمة، وقد قال الهيثمي في المجمع (٩/ ١١٥) في هذا الحديث: "رواه البزار، وخارجة: لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات". قلت: الحسن بن زيد الهاشمي: ضعفه ابن معين، وقد أنكرت عليه أحاديث، ووثقه ابن سعد والعجلي وابن حبان [التهذيب (١/ ٣٩٥)]. • وأما فقه هذه المسألة: • أما مرور الجنب والحائض في المسجد لحاجة فجائز اتفاقًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]، والحائض تقاس على الجنب، ولحديث عائشة ﵂، قالت: قال لي رسول الله ﷺ : "ناوليني الخمرة من المسجد"، قالت: فقلت: إني حائض، فقال: "إن حيضتك ليست في يدك"، فدل ذلك على جواز المرور للحاجة. والحديث أخرجه مسلم (٢٩٨)، وأبو داود (٢٦١)، والترمذي (١٣٤)، والنسائي (١/ ١٤٦ و ١٩٢). ويأتي تخريجه في موضعه من السنن إن شاء الله تعالى. • وأما حرمة اللبث في المسجد: فقد دل الحديث عليها، فإن اعتذار عائشة عن دخول المسجد لكونها حائضًا: دليل على أنه كان من المتقرر عند الصحابة: أن الحائض تمنع من دخول المسجد، وإنما أذن لها الرسول ﷺ في المرور فقط دون المكث، فيبقى الأخير على أصله. وقد اتفق الفقهاء على حرمة اللبث في المسجد للحائض والجنب. وأما الأحاديث الواردة في نوم المرأة السوداء، ونوم الرجال في المسجد: فليست دليلًا على جواز المكث فيه للجنب. انظر التفصيل في: الأوسط لابن المنذر (٥/ ١٣٢)، فتح الباري لابن رجب (٢/ ٤٤٧

стр. 969

و ٤٥٠)، بابي: نوم المرأة في المسجد، ونوم الرجال في المسجد، وأيضًا (٢/ ٥٦٠) باب: دخول المشرك المسجد. *** ٩٣ - باب في الجنب يصلي بالقوم وهو ناسٍ ٢٣٣ - قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل: حدثنا حماد، عن زياد الأعلم، عن الحسن، عن أبي بكرة: أن رسول الله ﷺ دخل في صلاة الفجر، فأومأ بيده أن: مكانكم، ثم جاء ورأسه يقطر، فصلى بهم. • حديث صحيح. أخرجه من طريق أبي داود: البيهقي في السنن الصغرى (٥٣٧)، والكبرى (٢/ ٣٩٧)، وابن عبد البر في التمهيد (١/ ١٤٢). تابع موسى بن إسماعيل أبا سلمة التبوذكي على روايته بنحوه عن حماد بن سلمة: عفان بن مسلم، وأبو كامل الجحدري فضيل بن حسين، وحبان بن هلال، وأبو عمر حفص بن عمر الضرير، وأبو صالح الحراني عبد الغفار بن داود، ويحيى بن عباد الضبعي. فهؤلاء سبعة من الثقات، أثبتهم: أبو سلمة، وعفان، وأبو كامل، وحبان بن هلال. أخرجه ابن خزيمة (٣/ ٦٢/ ١٦٢٩)، وأحمد (٥/ ٤١ و ٤٥)، وابن المنذر (٤/ ٢١٢/ ٢٥٥٠)، والطحاوي في المشكل (٢/ ١٦٩/ ٧٨٥ - ترتيبه)، وابن عبد البر (١/ ١٤٢). *** ٢٣٤ - . . . يزيد بن هارون: أخبرنا حماد بن سلمة، بإسناده ومعناه، وقال في أوله: "فكبر"، وقال في آخره: فلما قضى الصلاة قال: "إنما أنا بشر، وإني كنت جنبًا". • حديث صحيح. أخرجه ابن خزيمة (٣/ ١٦٢٩/٦٢)، وأحمد (٥/ ٤١)، وابن حزم في المحلى (٤/ ٢١٦)، والبيهقي في السنن الصغرى (٥٣٨)، وفي الكبرى (٢/ ٣٩٧)، وابن عبد البر (١/ ١٤٣). ولفظه عند أحمد: أن رسول الله ﷺ استفتح الصلاة فكبَّر، ثم أومأ إليهم أن: مكانكم، ثم دخل فخرج ورأسه يقطر، فصلى بهم، فلما قضى الصلاة قال: "إنما أنا بشر، وإني كنت جنبًا". • ورواه أبو الوليد الطيالسي هشام بن عبد الملك [ثقة ثبت]، قال: حدثنا حماد بن

стр. 970

سلمة، عن زياد الأعلم، عن الحسن، عن أبي بكرة: أن النبي ﷺ كبر في صلاة الفجر يومًا، ثم أومأ إليهم، ثم انطلق فاغتسل فجاء ورأسه يقطر، فصلى بهم. أخرجه ابن حبان (٦/ ٥/ ٢٢٣٥)، وابن عساكر (٣٧/ ٣٩١). تابع أبو الوليد: يزيدَ بن هارون في ذكر التكبير، إلا أنه لم يذكر المرفوع من قوله ﷺ : "إنما أنا بشر". • ورواه ابن أبي عائشة [وهو: عبيد الله بن محمد بن حفص: ثقة جواد، وهو مكثر عن حماد بن سلمة، كان عنده عنه تسعه آلاف]، عن حماد بن سلمة، عن زياد الأعلم، عن الحسن، عن أبي بكرة، أن رسول الله ﷺ دخل في الصلاة ثم أومى إليهم أن: مكانكم، ثم دخل بيته، ثم خرج ورأسه يقطر، فدخل في الصلاة فصلى بهم، فلما قضى الصلاة قال: "إنما أنا بشر، وإني كنت جنبًا". أخرجه البيهقي (٣/ ٩٤). • وقال الشافعي في الأم (٢/ ٣٢٩/ ٣٢٩): أخبرنا الثقة، عن حماد بن سلمة، عن زياد الأعلم، عن الحسن، عن أبي بكرة، عن النبي ﷺ نحوه. يعني: بنحو حديث مالك، عن إسماعيل بن أبي حكيم الآتي ذكره، وفيه أن النبي ﷺ كبَّر. وانظر: الأم (٨/ ٤٠٢/ ٣٢٩٣)، وفيه سقط في إسناده. • وحاصل هذه الروايات: أن رواية يزيد بن هارون وأبي الوليد الطيالسي [وكلاهما: ثقة ثبت، تقبل زيادته]: مفسرة لرواية جماعة الثقات عن حماد بن سلمة، بأن انصراف النبي ﷺ من الصلاة إنما كان بعد شروعه فيها، بعدما كبَّر للصلاة وأحرم بها، وعليه تحمل رواية الجماعة، حيث قالوا: "دخل في الصلاة [أو: دخل في صلاة الفجر] [وفي رواية: افتتح الصلاة]، ثم أومأ اليهم أن: مكانكم"، يعني: أنه ﷺ إنما انصرف بعد شروعه في الصلاة، والله أعلم. وهذا حديث صحيح، توافق ابن خزيمة وابن حبان على تصحيحه. فإن زيادًا الأعلم، وهو: ابن حسان بن قرة الباهلي: ثقة ثقة، من أثبت أصحاب الحسن البصري. وسماع الحسن البصري من أبي بكرة: ثابت صحيح، في صحيح البخاري (٢٧٠٤ و ٣٧٤٦ و ٧١٠٩) وغيره، فلا يطلب سماعه في كل حديث حديث؛ لأن تدليس الحسن البصري الذي وصف به إنما هو من قبيل الإرسال الخفي، وهو رواية المعاصر عمن لم يلقه ولم يسمع منه بصيغة موهمة، وهذا النوع من التدليس لا ترد عنعنته طالما ثبت سماعه من شيخه ولو مرة. وعلى فرض صحة كلام الدارقطني: "لم يسمع الحسن من أبي بكرة"، الذي علَّله بأن الحسن لا يروي إلا عن الأحنف عن أبي بكرة [انظر: علل الدارقطني (٧/ ١٥٣). التتبع (٨٨ - ٩١)]، فيقال: إذا علمنا الواسطة وكان ثقة، فقد صح الإسناد والحمد لله، والأحنف بن قيس: مخضرم ثقة، وعليه يحمل أيضًا قول ابن معين: "لم يسمع الحسن من

стр. 971

أبي بكرة" [تاريخ الدوري (٤/ ٣٢٢)]، لكنا نقول بأن سماع الحسن من أبي بكرة: ثابت صحيح، أثبته: بهز بن أسد، والبخاري، وعلي بن المديني، ومع المثبت زيادة علم، فقوله مقدم على النافي [انظر: صحيح البخاري (٢٧٠٤)، التاريخ الأوسط (١/ ٩٦)، التاريخ الكبير (٢/ ٥٦)، هدي الساري (٣٦٧)، التعديل والتجريح للباجي (١/ ٣٠٣) و (٢/ ٤٨٦)، المراسيل (١٥٢)، تحفة التحصيل (٦٨)، جامع التحصيل (١٣٥)، نصب الراية (١/ ٩٠)]. وهذه المسألة سبق تحقيق الكلام فيها عند الحديث رقم (٢٧) فلتراجع. وعلى هذا فإن هذا الإسناد: إسناد بصري صحيح، رجاله أئمة ثقات، ثبت سماع بعضهم من بعض. قال الزيلعي في نصب الراية (٢/ ٥٩): "قال البيهقي في المعرفة: إسناده صحيح". *** قال أبو داود: رواه الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال: فلما قام في مصلاه، وانتظرْنا أن يكبر، انصرف، ثم قال: "كما أنتم". يأتي تخريجه برقم (٢٣٥) موصولًا. والحق أنهما واقعتان منفصلتان، في الأولى: انصرف بعدما أحرم بالصلاة وكبَّر ودخل فيها، وفي الثانية: انصرف بعدما قام في مصلاه قبل أن يكبر. قال ابن عبد البر في التمهيد (١/ ١٤٣): "ففي هذا الحديث [يعني: حديث أبي بكرة]، وحديث مالك [ويأتي قريبا]: أنه [ ﷺ ]، ذكر بعد دخوله في الصلاة، وفي حديث ابن شهاب: أنه ذكر قبل أن يدخل في الصلاة". وقال ابن حبان في صحيحه (٦/ ٧): "هذان فعلان في موضعين متباينين: خرج ﷺ مرة فكبَّر ثم ذكر أنه جنب، فانصرف فاغتسل، ثم جاء فاستأنف بهم الصلاة، وجاء مرة أخرى فلما وقف ليكبر ذكر أنه جنب قبل أن يكبر، فذهب فاغتسل، ثم رجع فأقام بهم الصلاة، من غير أن يكون بين الخبرين تضاد ولا تهاتر". *** قال أبو داود: ورواه أيوب، وابن عون، وهشام، عن محمد- مرسلًا- عن النبي ﷺ ، قال: فكبَّر، ثم أومأ بيده إلى القوم أن: اجلسوا، فذهب فاغتسل. وكذلك رواه مالك، عن إسماعيل بن أبي حكيم، عن عطاء بن يسار: أن رسول الله ﷺ كبَّر في صلاة. أما مرسل ابن سيرين: فلم أجده موصولًا؛ إلا ما رواه الشافعي في الأم (٢/ ٣٢٨ / ٣٢٨)، قال: أخبرنا الثقة، عن ابن عون، عن محمد بن سيرين، عن النبي ﷺ ، نحوه، وقال: "إني كنت جنبًا فنسيت".

стр. 972

ثم رواه مرة أخرى في موضع آخر من كتابه الأم، في اختلاف علي وعبد الله بن مسعود (٨/ ٤٠٢/ ٣٢٩٤)، قال الشافعي: أخبرنا ابن علية، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن النبي ﷺ نحوه، وقال: "إني كنت جنبًا فنسيت". فعرفنا بذلك الثقة الذي أبهمه في الموضع الأول، وأنه إسماعيل ابن علية: الثقة الثبت. وعلقه أيضًا: البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٣٩٨)، قال: "ورواه إسماعيل ابن علية وغيره، عن ابن عون، عن محمد، عن النبي ﷺ : مرسلًا. وكذلك رواه أيوب وهشام، عن محمد، عن النبي ﷺ : مرسلًا". وعليه: فإنه مرسل بإسناد بصري صحيح. • وقد رواه متصلًا فزاد في الإسناد أبا هريرة: أبو الربيع عبيد الله بن محمد الحارثي، قال: نا الحسن بن عبد الرحمن بن العريان الحارثي، قال: نا ابن عون، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ كبَّر بهم في صلاة الصبح، فأومأ إليهم، ثم انطلق ورجع ورأسه يقطر، فصلى بهم، ثم قال: "إنما أنا بشر، وإني كنت جنبًا، فنسيت". أخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ٣١٧ - ٣١٨/ ٥٤٢٠)، وفى الصغير (٢/ ٧٤ - ٧٥/ ٨٠٦)، والبيهقي (٢/ ٣٩٨). قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن ابن عون: إلا الحسن بن عبد الرحمن، تفرد به أبو الربيع". وقال البيهقي: "تفرد به الحسن بن عبد الرحمن الحارثي، ورواه اسماعيل ابن علية وغيره، عن ابن عون، عن محمد، عن النبي ﷺ : مرسلًا، وكذلك رواه أيوب وهشام، عن محمد، عن النبي ﷺ : مرسلًا، وهو المحفوظ، وكل ذلك شاهد لحديث أبي بكرة". قلت: عبيد الله بن محمد بن يحيى، أبو الربيع الحارثي، من أهل الأهواز، سكن تستر، يروي عن أهل البصرة، وروى عنه جماعة، قال ابن حبان في الثقات (٨/ ٤٠٧): "مستقيم الحديث". والحسن بن عبد الرحمن بن العريان الحارثي: ذكره البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٢٩٦)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٣/ ٢٤)، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ١٦٨)، وروى عنه جماعة، وهو معروف بالرواية عن ابن عون، لكن أين هو من إسماعيل ابن علية في ضبطه وإتقانه وتثبته وتقدمه في هذا العلم على نظرائه وأقرانه وفي صحبته لابن عون. فلا شك ولا ريب أن رواية ابن علية هي: الصواب، ورواية الحارثي هذا خطأ. هذا لو كان المخالف له ابن علية وحده، فكيف وقد توبع عليه ابن علية، ثم إن أثبت أصحاب ابن سيرين رووه هكذا كما رواه ابن علية عن ابن عون مرسلًا: أيوب السختياني، وهشام بن حسان.

стр. 973

فالمرسل هو المحفوظ، كما قال البيهقي. وهو مرسل بإسناد بصري صحيح، ومراسيل محمد بن سيرين: من أقوى المراسيل، فإنه لم يكن يأخذ إلا عن ثقة. قال ابن عبد البر في التمهيد (١/ ٣٠): "وكل من عُرف أنه لا يأخذ إلا عن ثقة: فتدليسه ومرسله مقبول، فمراسل سعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي: عندهم صحاح". يعني: إذا جاء ما يعضدها ويشهد لها، وإلا فالجمهور على عدم الاحتجاج بالمرسل. • والحاصل: أن مرسل ابن سيرين هذا شاهد لحديث أبي بكرة، كما قال البيهقي. • وأما حديث مالك الذي علقه أبو داود: فقد رواه مالك في الموطأ [(١/ ٩٣/ ١٢١ - رواية يحيى بن يحيى الليثي)، (٧١ - رواية القعنبي) (١٣٣ - رواية أبي مصعب الزهري)]، عن إسماعيل بن أبي حكيم: أن عطاء بن يسار أخبره: أن رسول الله ﷺ كبَّر في صلاة من الصلوات، ثم أشار إليهم بيده أن: امكثوا، فذهب، ثم رجع، وعلى جلده أثر الماء. رواه عن مالك: الشافعي في الأم (٢/ ٣٢٧ و ٣٥١/ ٣٢٦ و ٣٦٠) و (٨/ ٤٠١/ ٣٢٩١)، وهو في مسند الشافعي (٥٧)، ومن طريق الشافعي: أخرجه البيهقي (٢/ ٣٩٧)، ومن طريق أبي مصعب الزهري: أخرجه البغوي في شرح السُّنَّة (٢/ ٤١٤/ ٨٥٥). وهذا مرسل بإسناد مدني صحيح، وعطاء بن يسار: من كبار التابعين. قال ابن عبد البر في التمهيد (١/ ١٤١): "وهذا منقطع، وقد روي متصلًا مسندًا، من حديث أبي هريرة وحديث أبي بكرة"، وقال نحوه في الاستذكار (١/ ٢٨١). وقال البغوي: "هكذا رواه مالك مرسلًا، وروي موصولًا عن أبي هريرة، وأبي بكرة عن النبي ﷺ ". أما حديث أبي بكرة فهو: حديث صحيح، وتقدم. وأما حديث أبي هريرة: فسيأتي قريبًا. *** قال أبو داود: وكذلك حدثناه مسلم بن إبراهيم: حدثنا أبان، عن يحيى، عن الربيع بن محمد، عن النبي ﷺ : أنه كبَّر. • مرسل بإسناد حسن، وهو شاهد لحديث أبي بكرة وهذا الإسناد رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير الربيع بن محمد، قال في التقريب (١٩٤): "تابعي، أرسل حديثًا، مجهول". ومما يقوي أمر الربيع هذا أن الراوي عنه: وهو يحيى بن أبي كثير: لا يحدث إلا عن

стр. 974

ثقة، قال أبو حاتم: "يحيى بن أبي كثير: إمام لا يحدث إلا عن ثقة" [الجرح (٩/ ١٤٢)]. فهذه المراسيل الثلاثة تعضد وتقوي حديث أى بكرة الصحيح، وتبعد احتمال التأويل عنه، فقد حمل بعضهم قوله: "كبَّر" على إرادة التكبير، وأنه انصرف قبل الدخول في الصلاة لما أراد أن يكبر، وهو احتمال ضعيف مخالف للنص الصريح: أنه ﷺ استفتح الصلاة فكبَّر، ثم أومأ إليهم أن مكانكم. • ومما روي في معنى حديث أبي بكرة: ١ - ما رواه وكيع بن الجراح، وعبد الله بن موسى التيمي، عن أسامة بن زيد الليثي المدني، عن عبد الله بن يزيد -مولى الأسود بن سفيان-، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ خرج إلى الصلاة، فلما كبر انصرف، -وأومأ إليهم- أي: كما أنتم-، ثم خرج فاغتسل، ثم جاء ورأسه يقطر، فصلى بهم، فلما صلى قال: "إني كنت جنبًا، فنسيت أن أغتسل". أخرجه ابن ماجه (١٢٢٠)، والشافعي في الأم (٢/ ٣٢٨ و ٣٥١/ ٣٢٧ و ٣٦١) و (٨/ ٤٠٢/ ٣٢٩٢)، وأحمد (٢/ ٤٤٨)، والدارقطني (١/ ٣٦١)، والبيهقي (٢/ ٣٩٧ و ٣٩٧ - ٣٩٨). قلت: وهذا إسناد مدني حسن، رجاله رجال مسلم؛ إلا أنه أخرج لابن ثوبان وأسامة بن زيد في الشواهد والمتابعات، لا في الأصول. وفي تفرد أسامة بن زيد -وهو الليثي مولاهم، وهو: صحيح الكتاب، يخطئ إذا حدث من حفظه، وقد أنكروا عليه أحاديث- في تفرده بهذه اللفظة: "فلما كبَّر انصرف" من حديث أبي هريرة: نظر. ولا ننكر عليه تفرده بهذا الإسناد لأمرين: الأول: أنه تفرد به عن أهل بلده، ولا حرج في ذلك، إذ ليس هو من الغرباء. الثاني: أن أبا حاتم الرازي سئل عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان؟ فقال: "ثقة، لا بأس به"، قيل له: حجة؟ قال: "إذا روى عنه يحيى بن أبي كثير، ومالك بن أنس، وأسامة بن زيد: فهو حجة" [الجرح والتعديل (٥/ ١٩٨)]. وعلى هذا فلا يضره تفرده عن عبد الله بن يزيد، بل هو فيه ثبت. وإنما قلنا بنكارة هذه اللفظة: "فلما كبَّر انصرف، من حديث أبي هريرة، ولا يحتمل تفرد أسامة بها؛ لأن ابن شهاب الزهري قد روى هذا الحديث عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: أقيمت الصلاة فقمنا فعدلنا الصفوف، قبل أن يخرج إلينا رسول الله ﷺ ، فأتى رسول الله ﷺ ، حتى إذا قام في مصلاه قبل أن يكبر، ذكر فانصرف، وقال لنا: "مكانكم"، فلم نزل قيامًا ننتظره، حتى خرج إلينا وقد اغتسل، ينطف رأسه ماءً، فكبَّر فصلى بنا. وهذا إسناد صحيح كالشمس لا غبار عليه، أخرجه به الشيخان [البخاري (٦٣٩) بنحوه، مسلم (٦٠٥) بلفظه]، وفيه أنه انصرف قبل أن يكبر، وهو المحفوظ من حديث أبي هريرة، وسيأتي تخريجه لاحقًا برقم (٢٣٥).

стр. 975

ولهذا قال ابن حجر في التلخيص (٢/ ٧١) على حديث أسامة بن زيد هذا: "وفي إسناده نظر، وأصله في الصحيحين بغير هذا السياق … ". ٢ - وروى عبيد الله بن معاذ، قال: ثنا أبي: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، قال: دخل رسول ﷺ في صلاته فكبَّر وكبرنا معه، ثم أشار إلى القوم أن: كما أنتم، فلم نزل قيامًا حتى أتانا رسول الله ﷺ قد اغتسل، ورأسه يقطر ماءً. أخرجه الطحاوي في المشكل (٢/ ١٦٩/ ٧٨٦ - ترتيبه)، والطبراني في الأوسط (٤/ ١٩٢/ ٣٩٤٧)، والدارقطني (١/ ٣٦٢)، والبيهقي (٢/ ٣٩٩). قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن قتادة إلا سعيد، ولا عن سعيد إلا معاذ، تفرد به عبيد الله بن معاذ". قلت: لا يضره تفرده عن أبيه، فإنه ثقة حافظ، وأبوه: معاذ بن معاذ العنبري: ثقة ثبت متقن. وهذا إسناد بصري صحيح. • فإن قيل: قال الدارقطني والبيهقي: "خالفه عبد الوهاب [بن عطاء] الخفاف". فرواه عبد الوهاب الخفاف: ثنا سعيد، عن قتادة، عن بكر بن عبد الله المزني: أن رسول الله ﷺ دخل في صلاته فكبَّر وكبَّر من خلفه … الحديث، هكذا مرسلًا. أخرجه الدارقطني (١/ ٣٦٢). وعبد الوهاب بن عطاء الخفاف: كان قد لزم سعيد بن أبي عروبة، وعرف بصحبته، وكتب كتبه، وكان عالمًا بسعيد. قلت: معاذ بن معاذ: أثبت وأحفظ وأتقن من الخفاف، وسماعه من ابن أبي عروبة قديم قبل الاختلاط، وذلك لأن معاذًا العنبري أقدم من عبد الوهاب بن عطاء فإن بين وفاتيهما (٨) ثمان سنين تقريبًا (١٩٦، ٢٠٤). ومعاذ بن معاذ: قرين ليحيى بن سعيد القطان وخالد بن الحارث في السن والطلب، قال القطان: "طلبت الحديث مع رجلين: خالد بن الحارث، ومعاذ بن معاذ، وأنا مولى، فوالله ما استبقاني إلى محدث قط فكتبا شيئًا حتى أحضر، وما أبالي إذا تابعاني من خالفني من الناس" [التهذيب (٤/ ١٠١)]. ومعلوم أن يحيى بن سعيد القطان وخالد بن الحارث: من أثبت الناس في ابن أبي عروبة، وسماعهما منه قديم قبل الاختلاط [الكواكب النيرات (٢٥)، سؤالات ابن بكير (٥٥)، شرح علل الترمذي (٢/ ٧٤٣)]. فكذلك معاذ العنبري له حكمهما، فلا تعل روايته بمثل رواية الخفاف. فإن قيل: معاذ سلك الجادة والطريق السهل، والخفاف أتى به على الوجه. قلت: مثل هذا لا يروج على معاذ العنبري في ضبطه وإتقانه وتثبته، والخفاف في حفظه شيء وقد أنكروا عليه أحاديث، كذلك فإن الخفاف قد شهد على نفسه أنه سمع من ابن أبي

стр. 976

عروبة في الاختلاط وغيره، ولم يكن يميز هذا من هذا، وحكى ابن نمير عن أصحاب الحديث أنهم قالوا عنه: إنه سمع من سعيد بآخره [شرح علل الترمذي (٢/ ٧٤٧)]. قال العلامة الألباني -رحمه الله تعالى- في صحيح أبي داود (١/ ٤١٩ - ٤٢٠): "عبد الوهاب: تكلم فيه من قبل حفظه، فإن كان حفظ هذا، فهو إسناد آخر لقتادة مرسل، وإلا فرواية معاذ والد عبيد الله: أصح لأنه ثقة حجة اتفاقًا، … ". وعلى هذا: فإن حديث أنس: حديث صحيح. وهو شاهد لحديث أبي بكرة. ٣ - وروى ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، وابن هبيرة، عن عبد الله بن زرير الغافقي، عن علي بن أبي طالب: أن رسول الله ﷺ كان قائمًا يصلي بهم إذ انصرف، ثم جاء ورأسه يقطر ماءً، فقال: "إني قمت بكم، ثم ذكرت أني كنت جنبًا ولم أغتسل، فانصرفت فاغتسلت، فمن أصابه منكم مثل هذا الذي أصابني، أو وجد في بطنه رزًا: فلينصرف وليغتسل، ثم ليأت فليستقبل صلاته"، وفي رواية: "فلينصرف، فليغتسل أو يتوضأ"، وفي ثالثة: "فليصنع مثل ما صنعت"، وفي رابعة: "فلينصرف حتى يفرغ من حاجته، أو غسله، ثم يعود إلى صلاته". [الرز: القرقرة، غريب أبي عبيد (٢/ ١٣٣)، النهاية (٢/ ٢١٩)]. أخرجه أحمد (١/ ٨٨ و ٩٩)، والبزار (٣/ ١٠٥/ ٨٩٠)، والطبراني في الأوسط (٦/ ٢٧٢/ ٦٣٩٠). قال البزار: "وهذا الحديث لا نحفظه يروى عن رسول الله ﷺ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد". وقال الطبراني: "لا يروى هذا الحديث عن علي إلا بهذا الإسناد، تفرد به: ابن لهيعة". وابن لهيعة: ضعيف، وإنما يعرف هذا من كلام علي ﵁. قال أبو حاتم: "أنا أرضى أن يكون هذا من كلام علي موقوف، وابن لهيعة قد خلط في حديثه … " [العلل (١/ ٣١ - ٣٢/ ٥٩)]. • وقد روي نحو هذا عن علي من قوله: ١ - رواه سفيان الثوري، وإسرائيل، عن أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث، عن علي ﵁ أنه قال: أيما رجل دخل في الصلاة فأصابه رز في بطنه، أو قيء، أو رعاف، فخشي أن يحدث قبل أن يسلم الإمام: فليجعل يده على أنفه، فإن كان يريد أن يعتد بما قد مضى، فلا يتكلم حتى يتوضأ، ثم يتم ما بقي، فإن تكلم فليستقبل، وإن كان قد تشهد وخاف أن يحدث قبل أن يسلم الإمام: فليسلم فقد تمت صلاته. لفظ إسرائيل. أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٣٣٨/ ٣٦٠٦)، وابن المنذر (١/ ١٨٤/ ٧٧)، والبيهقي (٢/ ٢٥٦).

стр. 977

قال البيهقي بعد أن أخرجه من طريق إسرائيل: "ورواه الثوري عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي ببعض معناه، والحارث الأعور: ضعيف، … ". وروى حجاج بن أرطاة [فيه لين، وهو مدلس، وقد عنعنه]، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، قال: إذا صلى الجنب بالقوم فأتم بهم الصلاة، آمره أن يغتسل ويعيد، ولا آمرهم أن يعيدوا. أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٩٨/ ٤٥٧٥)، والشافعي في الأم (٨/ ٤٠١/ ٣٢٩٠)، وابن المنذر (٤/ ٢١٣/ ٢٠٥٤). ٢ - ثم رواه أيضًا حجاج بن أرطاة، وتابعه: شعبة، ومعمر: ثلاثتهم عن أبي إسحاق السبيعي، عن عاصم بن ضمرة، عن علي ﵁ قال: إذا وجد أحدكم في صلاته في بطنه رزًا، أو قيئًا، أو رعافًا، فلينصرف فليتوضأ، فإن تكلم استقبل الصلاة، وإن لم يتكلم احتسب بما صلى. أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٣٣٩/ ٣٦٠٧)، والشافعي في الأم (٨/ ٣٩٧/ ٣٢٧٦)، وابن المنذر (١/ ١٦٩/ ٦٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٥٦)، وفي المعرفة (٢/ ١٠٩/ ١٠٢٥). وعلى هذا فيحتمل أن يكون عند أبي إسحاق على الوجهين: عن الحارث، وعن عاصم بن ضمرة. قال البيهقي في السنن: "والحارث الأعور: ضعيف، وعاصم بن ضمرة: غير قوي، وروي من وجه ثالث عن علي ﵁ وفيه أيضًا ضعف، والله أعلم". ٣ - ثم أخرجه (٢/ ٢٥٧) من طريق إسرائيل: ثنا يزيد بن سعيد، عن أبيه، عن علي ﵁ قال: من وجد في بطنه رزًا، أو كان في بطنه بول، فليجعل ثوبه على أنفه، ثم لينفتل وليتوضأ ولا يكلم أحدًا، فإن تكلم استأنف. ولم أعرف مَن يزيد بن سعيد ولا أبوه بعد طول بحث، وقد ضعفه البيهقي كما ترى. ٤ - وروى إبراهيم بن يزيد الخوزي [متروك]، عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر: أن عليًّا صلى بالناس وهو جنب -أو: على غير وضوء-، فأعاد وأمرهم أن يعيدوا. أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٣٥١/ ٣٦٦٣). ثم رواه مرة أخرى: عن عمرو بن دينار، عن علي، قال: يعيد ويعيدون. أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٩٨/ ٤٥٧١)، ومحمد بن الحسن الشيباني في الحجة (١/ ٢٦٦). وهذا إسناد واهٍ بمرة، الخوزي: متروك. ٥ - وروى عمرو بن خالد، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي ﵁ أنه صلى بالقوم وهو جنب، فأعاد، ثم أمرهم فأعادوا. أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٣٥٠/ ٣٦٦١)، والدارقطني (١/ ٣٦٤)، والبيهقي (٢/ ٤٠١).

стр. 978

قال الدارقطني: "عمرو بن خالد، هو: أبو خالد الواسطي، وهو: متروك الحديث، رماه أحمد بن حنبل بالكذب". وقال البيهقي: "فهذا إنما يرويه عمرو بن خالد أبو مخلد الواسطي، وهو: متروك، رماه الحفاظ بالكذب … ، ثم أسند إلى وكيع قوله: "كان كذابًا، فلما عرفناه بالكذب تحول إلى مكان آخر، حدث عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي ﵁ أنه صلى بهم وهو على غير طهارة، فأعاد، وأمرهم بالإعادة". ثم أسند إلى الثوري قوله: "إن حبيب بن أبي ثابت لم يرو عن عاصم بن ضمرة شيئًا قط". وقال الإمام أحمد في العلل ومعرفة الرجال (١/ ٢٤٦/ ٣٣٠): "عمرو بن خالد -يعني: الذي يحدث عن حبيب بن أبي ثابت عن عاصم بن ضمرة عن علي: أنه صلى بالقوم وهو جنب، فاعاد وأمرهم فأعادوا- قال: عمرو بن خالد هذا: ليس بشيء، متروك الحديث"، قاله ابنه عبد الله، والتفسير منه. وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (١/ ٧٩): نا صالح: نا علي، قال: سمعت عبد الرحمن -يعني: ابن مهدي-، يقول: قال سفيان: يحدثون عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي: أنه صلى وهو على غير وضوء، قال: يعيد ولا يعيدون. ما سمعت حبيبًا يحدث عن عاصم بن ضمرة حديثًا قط". • والحاصل: أنه لا يثبت عن علي بن أبي طالب في هذا الباب شيء، أعني: فيمن صلى بالناس وهو جنب، هل يعيد المأمومون أم لا؟ إلا أن رواية حجاج بن أرطاة: "ولا آمرهم أن يعيدوا"، على ما فيها من ضعف، أصلح من رواية الأمر بالإعادة. لذا قال الشافعي بعد رواية حجاج هذه: "وهذا قولنا، وهو موافق للسُّنَّة، وما رويناه عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وابن عمر ﵁[الأم (٨/ ٤٠١/ ٣٢٩٠)]. وقال ابن المنذر: "وبالروايتين جميعًا مقال" [الأوسط (٤/ ٢١٣)]. ٤ - وقد روي حديث في الباب -أعني: فيمن صلى بالناس وهو جنب-، قال فيه ابن حجر في الدراية (١/ ١٧٤): "فلو صح لكان نصًّا في المسالة". مداره على جويبر بن سعيد، عن الضحاك بن مزاحم، عن البراء بن عازب، قال: صلى رسول الله ﷺ بقوم، وليس هو على وضوء، فتمت للقوم، وأعاد النبي ﷺ . زاد في رواية: وقال -يعني: النبي ﷺ : "إذا صلى الإمام بالقوم وهو على غير وضوء أجزأت صلاة القوم، ويعيد هو". وفي رواية أخرى: عن النبي ﷺ : "أيما إمام سها فصلى بالقوم وهو جنب، فقد مضت صلاتهم، ثم ليغتسل هو، ثم ليعيد صلاته، وإن صلى بغير وضوء فمثل ذلك". وفي رواية رابعة: صلى النبي ﷺ بأصحابه على غير وضوء فأعاد، ولم يعيدوا.

стр. 979

أخرجه ابن عدي في الكامل (٥/ ٢٥٣)، وابن شاهين في الناسخ (٢٢٥)، والدارقطني (١/ ٣٦٣ و ٣٦٤)، والبيهقي (٢/ ٤٠٠)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٤٨٧ - ٤٨٨/ ٧٥٠ و ٧٥١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٧/ ٣٢٢). تنبيه: سقط من إسناد ابن عدي: "جويبر بن سعيد"، فلا أدري أكان من النساخ، أم من ابن المصفى، أم من بقية، فإنهما كانا يسويان الأسانيد. وهذا حديث باطل. الضحاك لم يلق البراء [التحقيق (١/ ٤٨٨)، التنقيح (٢/ ٣٦)، نصب الراية (٢/ ٦٠)، فيض القدير (٣/ ١٣٦)، قال ابن حبان في الثقات (٦/ ٤٨٠): "لقي جماعة من التابعين، ولم يشافه أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ ، ومن زعم أنه لقي ابن عباس فقد وهم". وانظر: تحفة التحصيل (١٥٥)، جامع التحصيل (١٩٩)، المراسيل (٩٤)]. وجويبر بن سعيد: متروك، روى عن الضحاك أشياء مناكير [التهذيب (١/ ٣٢٠)]. والحديث يرويه بقية بن الوليد، وهو ممن يدلس ويسوي، ولم يصرح بالتحديث في جميع طبقات السند. ثم إن رواه مرة عن عيسى بن عبد الله بن الحكم الأنصاري: روى عنه بقية أحاديث مناكير، قاله ابن عدي، وقال أيضًا: "وعامة ما يرويه لا يتابع عليه" [الكامل (٥/ ٢٥٣ و ٢٥٤)، اللسان (٤/ ٤٦٢)]. ورواه أخرى: عن عيسى بن إبراهيم بن طهمان الهاشمي: وهو متروك [اللسان (٤/ ٤٥٢)]. والحديث ضعفه ابن عدي، والبيهقي، وقال: "وهذا غير قوي"، وابن الجوزي، وقال: "هذان حديثان لا يصحان، بقية: مدلس، وعيسى: ضعيف، وجويبر: متروك، والضحاك: لم يلق البراء"، وابن حجر، وقال: "أخرجه الدارقطني بإسناد فيه ضعف وانقطاع" [الدراية (١/ ١٧٤)]. • ومما روي في معارضة ما تقدم: ما رواه أبو جابر البياضي، عن سعيد بن المسيب: أن رسول الله ﷺ صلى بالناس وهو جنب، فأعاد وأعادوا. أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٣٥٠/ ٣٦٦٠)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٩٧/ ٤٥٦٨)، والدارقطني (١/ ٣٦٤)، والبيهقي (٢/ ٤٠٠)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٤٨٨/ ٧٥٢). قال الدارقطني: "هذا مرسل، وأبو جابر البياضي: متروك الحديث". وقال البيهقي: "وهذا مرسل، وأبو جابر البياضي: متروك الحديث، كان مالك بن أنس لا يرتضيه، وكان يحيى بن معين يقول: أبو جابر البياضي: كذاب". وقال ابن عبد البر في الاستغناء (١/ ٥٤٧/ ٥٢٤): "أجمعوا على أنه: ضعيف، متروك الحديث، ونسبه مالك إلى الكذب على سعيد بن المسيب … " [وانظر: الجرح

стр. 980

والتعديل (٧/ ٣٢٥)، التاريخ الكبير (١/ ١٦٣)، المجروحين (٢/ ٢٥٨)، اللسان (٥/ ٢٧٦)، وغيرها]. فهو باطل أيضًا. • وحاصل ما تقدم أنه قد صح في الباب، في صلاة الجنب بالناس وهو ناسي: حديث أبي بكرة، وحديث أنس بن مالك، يعضدهما: مرسل محمد بن سيرين بإسناد بصري صحيح، ومرسل عطاء بن يسار بإسناد مدني صحيح. • وصح ذلك أيضًا عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وابن عمر: ١ - أما أثر عمر بن الخطاب، فله عنه أسانيد: أ- روى مالك، وزائدة بن قدامة، ووكيع بن الجراح، وأنس بن عياض، وعلي بن مسهر، ومعمر بن راشد: كلهم عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زييد بن الصلت [بياءين، تصغير زيد. راجع: الإكمال (٤/ ١٧١)، توضيح المشتبه (٤/ ٢٧٠)، مشارق الأنوار (١/ ٣١٥)، تالي تلخيص المتشابه (١/ ٣٣٨)، تصحيفات المحدثين (١/ ٧٠)، طبقات ابن سعد (٥/ ١٣)، الجرح والتعديل (٣/ ٦٢٢)، قال ابن معين: "ثقة"]، أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب إلى الجرف، فنظر فإذا هو قد احتلم، وصلى ولم يغتسل، فقال: والله ما أراني إلا قد احتلمت وما شعرت، وصليت وما اغتسلت، قال: فاغتسل، وغسل ما رأى في ثوبه، ونضح ما لم ير، وأذن وأقام، ثم صلى بعد ارتفاع الضحى متمكنًا. أخرجه مالك في الموطأ [(١/ ٩٤/ ١٢٢ - رواية يحيى بن يحيى الليثي) و (٧١ م- رواية القعنبي) و (١٣٤ - رواية أبي مصعب الزهري) و (٥٤ - رواية سويد بن سعيد)]. وعنه: الشافعي في الأم (٢/ ٨٢/ ٨٨)، وفي المسند (١٨)، وعبد الرزاق (٢/ ٣٤٧ و ٣٤٨/ ٣٦٤٤ و ٣٦٤٥ و ٣٦٤٨)، وابن أبي شيبة (١/ ٨٢ و ٣٤٥/ ٩٠١ و ٣٩٧١) و (٧/ ٣٢٠/ ٣٦٤٨٢)، والطحاوي (١/ ٥٢ و ٤١١)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٧٠ و ٤٠٥)، وفي المعرفة (١/ ٢٦٥/ ٢٦٤)، والخطيب في تالي التلخيص (١/ ٣٣٨/ ٢٠٣)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٢/ ٤١٤ - ٤١٥/ ٨٥٦). وهذا إسناد صحيح إلى عمر. زاد معمر بن راشد: "أعاد الصلاة، ولم يبلغنا أن الناس أعادوا". • تنبيهان: الأول: أخطأ يحيى بن يحيى الليثي على مالك، فأسقط عروة بن الزبير من الإسناد، وقد رواه الشافعي، وابن وهب، وابن بكير، والقعنبي، وأبو مصعب الزهري، وسويد بن سعيد، وعبد الرزاق، وغيرهم، عن مالك، عن هشام، عن أبيه، عن زييد، عن عمر به، مثل الجماعة. قال القاضي عياض في مشارق الأنوار (٢/ ٣٣٣): "وفي باب: إعادة الجنب:

стр. 981

هشام بن عروة، عن زييد بن الصلت، كذا رواه يحيى، وسائر الرواة يقولون فيه: عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زييد". الثاني: أخطأ معمر فيه على هشام، فأسقط من الإسناد زييد بن الصلت، والجماعة على إثباته، وهو المحفوظ. • وروى سليمان بن يسار هذه القصة عن عمر، من طريقين عنه، وفي أحدهما: أن عمر بن الخطاب صلى بالناس الصبح، ثم إذا إلى أرضه بالجرف، فوجد في ثوبه احتلامًا، فقال: إنا لما أصبنا الودك لانت العروق، فاغتسل، وغسل الاحتلام من ثوبه، وعاد لصلاته. أخرجه مالك في الموطأ [(١٢٣ و ١٢٤ - رواية يحيى)، و (٧٢ - رواية القعنبي)، و (١٣٥ و ١٣٦ - رواية أبي مصعب)، و (٥٥ - رواية سويد بن سعيد)، و (٢٨٤ - رواية محمد بن الحسن الشيباني)]، وعبد الرزاق (٢/ ٣٤٧/ ٣٦٤٦)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٤٥/ ٣٩٧٢)، والبيهقي (١/ ١٧٠). وسليمان بن يسار: حديثه عن عمر: مرسل، قاله أبو زرعة [المراسيل (٢٩٥)، جامع التحصيل (١٩٠)، تحفة التحصيل (١٣٨)]. وثبته فيه: الشريد بن سويد الثقفي، وهو صحابي. قال سليمان بن يسار: حدثني الشريد، قال: كنت أنا وعمر جالسين بيننا جدول … ، فذكر القصة. أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٣٤٧/ ٣٦٤٦). ب- وروى الدارقطني في سننه (١/ ٣٦٤). ومن طريقه: البيهقي (٢/ ٣٩٩ - ٤٠٠). بإسناد صحيح إلى ابن مهدي، قال: ثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن ابن المنكدر، عن الشريد الثقفي: أن عمر بن الخطاب ﵁ صلى بالناس وهو جنب، فأعاد، ولم يأمرهم أن يعيدوا. وهذا إسناد صحيح، رجاله رجال الشيخين غير الشريد بن سويد الثقفي، فإنه صحابي، أخرج له مسلم والبخاري في الأدب المفرد. • وله إسناد آخر عن الشريد، وهو صحيح أيضًا، بدون ذكر: ولم يأمرهم بالإعادة. أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٤/ ٢١٢/ ٢٠٥١). ج- روى ابن المنذر في الأوسط (٤/ ٢١٢/ ٢٠٥٢)، قال: حدثنا علان بن المغيرة، قال: ثنا عمرو بن الربيع، قال: ثنا يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن عمر، عن الحكم بن عتيبة، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد، قال: كنت مع عمر بن الخطاب بين مكة والمدينة فصلى بنا، ثم انصرف فرأى في ثوبه احتلامًا، فاغتسل، وغسل ما رأى في ثوبه، وأعاد صلاته، ولم نعد صلاتنا. وهذا إسناد صحيح، رجاله رجال الشيخين؛ عدا علان بن المغيرة، وهو: علي بن

стр. 982

عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة المخزومي مولاهم المصري: ثقة، ويحيى بن أيوب هو: المصري. • وقد روي من طرقٍ أخرى: عن إبراهيم بن يزيد النخعي: أن عمر بن الخطاب، هكذا مرسلًا. أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٩٨/ ٤٥٧٠)، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (١٨٩ و ٣٧٣). وانظر: تحفة التحصيل (١٩). • فهذه ثلاثة أسانيد صحيحة عن عمر بن الخطاب، الخليفة الراشد الثاني: أنه صلى بالناس وهو جنب ولم يشعر، فلما علم أعاد الصلاة وحده، ولم يأمرهم بالإعادة. • وله إسنادان آخران نذكرهما للفائدة: الأول: يرويه ابن وهب، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله التيمي، عن عمه عيسى بن طلحة، عن مطيع بن الأسود، قال: صلى عمر بن الخطاب ﵁ بالناس الصبح … ، فذكر القصة مطولة، وفي آخرها: واغتسل، ثم أعاد صلاة الصبح، ولم يأمر أحدًا، بإعادة الصلاة. أخرجه البيهقي (٢/ ٣٩٩). وهذا إسناد ضعيف، يصلح في المتابعات، فإن إسحاق بن يحيى بن طلحة: ضعيف يعتبر به، وقد وافق الثقات. ومطيع بن الأسود: صحابي، من مسلمة الفتح، مات في خلافة عثمان. الثاني: رواه عبد الرزاق في المصنف (٢/ ٣٥١/ ٣٦٦٢)، عن حسين بن مهران، عن المطرح أبي المهلب، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: صلى عمر بالناس وهو جنب، فأعاد، ولم يعد الناس، فقال له علي: قد كان ينبغي لمن صلى معك أن يعيدوا، قال: فنزلوا إلى قول علي، قال: قلت: ما نزلوا؟ قال: رجعوا. قال القاسم: وقال ابن مسعود مثل قول علي. وهذا باطل، إسناده مسلسل بالضعفاء، قال ابن حبان: "إذا اجتمع في إسناد خبر. عبيد الله بن زحر، وعلي بن يزيد، والقاسم أبو عبد الرحمن، لم يكن متن ذلك الخبر إلا مما عملته أيديهم" [التهذيب (٣/ ١٠)]. ومطرح أبو المهلب: ضعيف، ويجانَب روايته عن ابن زحر. قال ابن حجر في الدراية (١/ ١٧٣): "وإسناده واهٍ". ٢ - وأما أثر عثمان بن عفان: فيرويه هشيم، عن خالد بن سلمة المخزومي، قال: حدثني محمد بن عمرو بن الحارث بن المصطلق [بن أبي ضرار]: أن عثمان بن عفان ﵁ صلى بالناس وهو جنب، فلما أصبح نظر في ثوبه احتلامًا، فقال: كبرت والله، إني لأراني أجنب ثم لا أعلم، ثم أعاد، ولم يأمرهم بالإعادة.

стр. 983

أخرجه أحمد في العلل ومعرفة الرجال (٢/ ١١٠/ ١٧٢٨)، وابن المنذر (٤/ ٢١٢/ ٢٠٥٣)، والدارقطني (١/ ٣٦٤ - ٣٦٥)، والبيهقي (٢/ ٤٠٠). وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات معروفون؛ غير محمد بن عمرو بن الحارث: فقد روى عنه جماعة، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، ولم يذكر البخاري ولا ابن أبي حاتم فيه جرحًا ولا تعديلًا [الثقات (٧/ ٣٦٨)، التاريخ الكبير (١/ ١٩٠)، الجرح (٨/ ٢٩ و ٣١)]، فمثله يعد في كبار التابعين، وقد أدرك عثمان، فقد ذكر البخاري في التاريخ، أنه قال: سافرت مع ابن مسعود، ووفاة ابن مسعود متقدمة على وفاة عثمان بسنتين أو ثلاث، وكما قال الذهبي: فإن الرجل إذا كان من كبار التابعين، أو أوساطهم: احتمل حديثه وتلقي بحسن الظن؛ إذا سلم من مخالفة الأصول وركاكة الألفاظ [انظر: الديوان (٣٧٤)]. ٣ - وأما أثر ابن عمر، فمروي من طريقين: أ- معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: في رجل صلى بقوم وهو على غير وضوء؟ قال: يعيد ولا يعيدون. وفي رواية: أن ابن عمر صلى بأصحابه صلاة العصر وهو على غير وضوء، فأعاد، ولم يعد أصحابه. أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٣٤٨/ ٣٦٥٠)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٩٧/ ٤٥٦٩)، وابن المنذر (٤/ ٢١٣/ ٢٠٥٥)، والدارقطني (١/ ٣٦٥)، والبيهقي (٢/ ٤٠٠). وهذا إسناد صحيح. ب- عبد الله بن عمر العمري [ضعيف]، عن نافع: أن ابن عمر صلى بأصحابه، ثم ذكر أنه مس ذكره، فتوضأ، ولم يامرهم أن يعيدوا. أخرجه أحمد في مسائل صالح (٩٨٧)، والدارقطني (١/ ٣٦٥). وهذا إسناد صالح في المتابعات. • وبعد هذا العرض لما ورد من أحاديث وآثار في هذا الباب، نلخص الأدلة ودلالتها: وأما الأدلة فقد صح منها: حديث أبي بكرة، وحديث أنس، وأثر عمر، وعثمان، وابن عمر. وأما ما روي عن علي في هذا الباب: فلا يصح منه شيء، إلا أن الرواية الموافقة للسُّنَّة، ولفعل صاحبيه عمر وعثمان: أصلح من الرواية الأخرى فمنها واهية. وأما ما دلت عليه هذه الأدلة: ١ - أن صلاة المأموم لا تفسد بفساد صلاة الإمام: أ- وذلك لأن النبي ﷺ دخل في الصلاة، وكبَّر، وكبَّر الناس معه، ثم تذكر الجنابة فانصرف، وأشار إليهم أن: امكثوا كما أنتم، فبقي الناس قيامًا منتظرين، إلى أن رجع إليهم فاستأنف صلاته، وبنى القوم على ما مضى من إحرامهم؛ حيث لم يأمرهم النبي ﷺ

стр. 984

بأن يستأنفوا صلاتهم، وألا يعتدوا بما مضى منها، ولو أمرهم بذلك، بأن يكبروا للإحرام ثانية لنُقل، فلما لم ينقل علمنا أنهم بنوا على ما مضى من إحرامهم وصلاتهم معه ﷺ وهو جنب، فثبت بهذا: صحة صلاة المأمومين خلف الإمام الجنب الناسي إذا تذكر في أثنائها، وأن الإمام مخيَّر بين أن يستخلف كما استخلف عمر بن الخطاب عبد الرحمن بن عوف لما طُعن [البخاري (٣٧٠٠)]، وكان ذلك بمحضر الصحابة فلم ينكر عليه، وإما أن يأمر الإمام القوم أن ينتظروه إن ظن رجوعه سريعًا. وانظر: الأم (٢/ ٣٥٢)، ورجح الانتظار على الاستخلاف. فإن قيل: لم ينقل في هذا الحديث أنه كبَّر لما رجع وصلى بهم، فيكون قد بنى على التكبيرة التي كبَّرها وهو جنب. قلنا: قد حصل الإجماع على عدم صحة بناء المحدث على ما صلاه غير طاهر، لفقدان الشرط المصحح لهذه الصلاة التي يبني عليها وهو الطهارة، ولقوله ﷺ في حديث أبي هريرة المتفق عليه: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ"، ولحديث ابن عمر عند مسلم: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور"، وإنما وقع الاختلاف بينهم في بناء المحدث على ما صلى وهو طاهر قبل حدثه [انظر: التمهيد (١/ ١٤٤)]. وإن قيل: حديث أبي هريرة في الصحيحين صرح فيه أنه انصرف قبل أن يكبر، وما في الصحيحين أو أحدهما مقدم على غيرهما عند التعارض. قلنا: هذا إذا اتحد المخرج، فأما وهما حديثان متغايران: هذا عن أبي بكرة وأنس، وهذا عن أبي هريرة، والكل صحيح ثابت من جهة السند، فهما إذًا فعلان في موضعين متباينين، وواقعتان مختلفتان، ليس بينهما تضاد أو تعارض، وبهذا قال ابن حبان [الصحيح (٦/ ٧)]. • فإن قيل: هذا معارض لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "إذا فسدت صلاة الإمام، فسدت صلاة من خلفه". قلنا: هذا إنما يرويه أحمد بن نصر بن أشكاب [هو أحمد بن نصر بن محمد بن أشكاب أبو نصر القاضي الزعفراني البخاري: قال الخطيب: "وكان ثقة". تاريخ بغداد (٥/ ١٨٣)]، قال: حدثنا محمد بن خلف بن رجاء، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الحسن بن صالح، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا فسدت صلاة الإمام، فسدت صلاة من خلفه". أخرجه ابن شاهين في الناسخ (٢٢٢)، قال: حدثنا أحمد بن نصر به. والخطيب في المتفق والمفترق (١/ ٦٦٧/ ٣٨٣)، قال: أخبرنا الحسن بن أبي بكر: أخبرنا القاضي أبو النصر أحمد بن أشكاب البخاري به، وفي سند المطبوع سقط ظاهر، وعزاه صاحب كنز العمال (٢٠٤١٠)، وصاحب جامع الأحاديث والمراسيل (١/ ٣٢٧/ ٢٤٠٥): للخطيب وحده في المتفق والمفترق.

стр. 985

قال ابن الجوزي في التحقيق (١/ ٤٨٨) بأن هذا الحديث: لا يعرف، وأقره ابن عبد الهادي في التنقيح (٢/ ٣٧). قلت: هذا حديث باطل، باطل، باطل. قال الخطيب: "لم أكتبه إلا من هذا الوجه". قلت: ومحمد بن خلف بن رجاء، وأبوه خلف بن رجاء، وشيخه الحسن بن صالح: لم أجد من ترجم لهم سوى الأخير الذي ترجم له الخطيب في المتفق، وأخرج له هذا الحديث في ترجمته، وهو الحسن بن صالح أبو علي البيكندي: حدث عن سفيان بن عيينة، ووكيع، وأبي معاوية، ومحمد بن عبيد، وحفص بن غياث، ومروان بن معاوية. وروى عنه: السري بن عصام، وقيس بن أنيف، وخلف بن رجاء: البخاريون. اهـ. وبِيكَنْد: بالكسر وفتح الكاف وسكون النون: من بلاد ما وراء النهر، على مرحلة من بخارى إذا عبرت النهر، بين بخارى وجيحون، لها ذكر في الفتوح، وكانت بلدة حسنة كبيرة كثيرة العلماء [الأنساب (١/ ٤٣٤)، معجم البلدان (١/ ٦٣٢)]، قال السمعاني: "خربت الساعة". فكيف لمثل هذا أن يتفرد عن أهل الكوفة بحديث كهذا من أحاديث الأحكام، وهو فصلٌ في كثير من مسائل الإمامة. وأبو معاوية الكوفي، وهو: محمد بن خازم الضرير، قد روي عنه خلق كثير، فكيف يتفرد عنه أحد الغرباء غير المشاهير، الذي لم يترجم له أئمة الجرح والتعديل، مثل: البخاري وابن أبي حاتم وابن حبان وغيرهم؛ إلا لكونه من المغمورين غير المعروفين بالطلب. ثم إنه قد تفرد عنه خلف بن رجاء، ولم يروه عنه سوى ابنه محمد، وهما لا يُعرفان. فمثل هذا يجزم ببطلانه؛ لا سيما وسياقه يشبه كلام الفقهاء، فإن الحكم على الصلاة بالفساد: هو مصطلح اصطلح عليه الفقهاء والأصوليون، وإنما الذي جاء على لسان نبينا ﷺ من ذلك إنما هو نفي الصلاة، سواء أريد به الصحة أو الكمال، مثل قوله ﷺ : "لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس … " الحديث، وقوله: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، وقوله: "لا صلاة بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الأخبثان"، وقوله: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة". أو نفي القبول: مثل قوله ﷺ : "إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة"، وقوله: "من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة". أو نفي الإجزاء: مثل قوله ﷺ : "لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب". والدليل على أن هذا إنما هو عين كلام الفقهاء، فنسبه بعضهم إلى النبي ﷺ : ما رواه عبد الرزاق في مصنفه (٢/ ٣٥٠/ ٣٦٥٩)، عن الثوري، قال: سمعت حمادًا، يقول: إذا فسدت صلاة الإمام؛ فسدت صلاة القوم.
следующие страницы →